Documents
Resources
Learning Center
Upload
Plans & pricing Sign in
Sign Out

موسوعة خطب المنبر 010

VIEWS: 274 PAGES: 282

الملف بصيغة الشاملة.. موسوعة للخطب المنبرية والدروس ، قد جمعها المؤلف من مواقع كثيرة على النت ، وخاصة موقع المنبر . وغالبها معزوة لأصحابها تحتوي على أكثر من ألف وخمس مائة خطبة ودرس ، في شتَّى الموضوعات ، بحيث يستطيع الخطيب وغيره الرجوع إليها والاستفادة منها ، حيث إنها تشمل سائر موضوعات الحياة ، بما فيها خطب المناسبات وهي مرتبة على الأحرف الألف بائية وفيها مقدمة عن أهمية الخطبة وآدابها وسننها ، ومكروهاتها فينبغي على من ينزِّلها أن يوزِّعها على من ليس عنده نت ، والدالُّ على الخير كفاعله . نسأل الله تعالى أن ينفع بها جامعها وقارئها وناقلها وناشرها آمين

More Info
									                     ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
               ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                                ‫الكتاب : موسوعة خطب المنبر‬
                    ‫موسوعة شاملة للخطب التي تم تفريغها في موقع شبكة المنبر‬
                                                ‫‪http://www.alminbar.net‬‬
          ‫حتى تاريخ 15/6/2007م، ويبلغ عددها أكثر من 0001 خطبة، معظمها‬
          ‫مخرجة األحاديث، والعديد منها بأحكام الشيخ األلباني - طيب اهلل ثراه -‬
    ‫وهي مفهرسة بعنوان الخطبة واسم الخطيب حتى يسهل الوصول إلى موضوع‬
                                                                          ‫معين.‬


                                                   ‫قام بإعدادها للمكتبة الشاملة:‬
                                                           ‫أحمد عبداهلل السني.‬




‫(5/191)‬




                                              ‫اليوم م الموافق 27/ جمادى األولى/ 2725هـ‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                                    ‫076‬
                                                         ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                 ‫الموت والحشر, اليوم اآلخر‬
                                                                       ‫محمد بن إبراهيم حسان‬
                                                                                   ‫المنصورة‬
                                                                                   ‫غير محدد‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- العدل يوم القيامة 7- تطاير الصحف والعرض على اهلل 3- حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا‬
                                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                                           ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                          ‫أحبتي في اهلل..‬
       ‫هذا هو لقاءنا الثالث عشر من لقاءات هذه السلسة الكريمة المباركة وكنا قد توقفنا في اللقاء‬
‫ا‬
‫الماضي مع هذا المشهد المهيب الكريم حين يأتي الملك الحق جال جالله إلى أرض المحشر إتيانً‬
        ‫يليق بكماله وجالله مصداقاً لقوله سبحانه هلْ َنْظ ُونَ ِال أَنْ يَأْ ِ َه ُ َّه ِي ُللٍ ِنَ الْغَ َا ِ‬
        ‫مم‬           ‫تي ُم الل ُ ف ظَ م‬               ‫َ ي ُر إ‬
                                                           ‫ْر وإل الل ت ع ألم ر‬                 ‫و ئ ة َقض‬
                                             ‫َالْمَال ِكَ ُ و ُ ِيَ األَم ُ ََِى َّهِ ُرْجَ ُ ا ُ ُو ُ [البقرة:057].‬
 ‫وهنا يبدأ الحساب للعباد، وهذا هو لقاءنا اليوم مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك وحتى‬
               ‫ال ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً فسوف ينتظم حديثنا في العناصر التالية:‬
                                                                                                                    ‫ال‬
                                                                                                     ‫أو ً: ال ظلم اليوم.‬
                                                                                                           ‫ا‬
                                                                               ‫ثانيً: العرض على اهلل وأخذ الكتب.‬
                                                                                                            ‫ا‬
                                                                             ‫ثالثً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.‬
‫فأعيروني القلوب واألسماع. واهلل أسال أن يسترنا فوق األرض وتحت األرض ويوم العرض إنه‬
                                                                                                       ‫حليم كريم رحيم.‬
                                                                                                                    ‫ال‬
                                                                                                     ‫أو ً: ال ظلم اليوم:‬
‫أيها األحباب الكرام: واهلل لو عذب اهلل أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فهم‬
      ‫عبيده في ملكه، فالمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه برحمته سبحانه وتعالى وكرمه‬
                                  ‫ا‬
                                 ‫وحنانه ولطفه بعبيده قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمً.‬
                                                                          ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬
                                                        ‫قال تعالى: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّةٍ [ النساء: 02 ].‬
                                                                      ‫و َبك ظ ل عب‬
                                                     ‫وقال جل وعال: َمَا ر ُّ َ بِ َالمٍ ِلْ َ ِيدِ [ فصلت: 62 ].‬
                                                                           ‫و الله ير د ظ ل عب‬
                                                          ‫وقال تعالى َمَا َّ ُ ُ ِي ُ ُلْمًا ِلْ ِ َادِ [ غافر: 53 ].‬
     ‫وقال أيضاً في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر عن الحبيب النبي عن رب‬
                      ‫ا‬                                  ‫َر ت‬
                  ‫العزة قال تعالى: ((يا عبادي إني ح َّمْ ُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرمً فال‬
                                                                                                      ‫تظالموا))(5)[5]).‬
                                          ‫ا‬
   ‫فاهلل جل وعال عدل، لطيف، حليم، كريم ال يظلم أحدً من خلقه، وال يظلم أحداً من عباده، ولذا‬
                                           ‫فإن اهلل جل وعال يحاسب العباد يوم القيامة وفقاً للقواعد التالية:‬
                                                            ‫القاعدة األولى: العدل التام الذي ال يشوبه أى ظلم.‬
‫َب م خ ْ َل‬             ‫وإ ن م‬               ‫ت َم س‬               ‫و ع و ز ن ق ل ْ قي م‬
‫قال تعالى: َنَضَ ُ الْمَ َا ِي َ الْ ِسْطَ ِيَومِ الْ ِ َا َةِ فَال ُظْل ُ نَفْ ٌ شَيْئًا َِنْ كَا َ ِثْقَالَ ح َّةٍ ِنْ َرد ٍ‬
                                                                                           ‫سب‬         ‫ب‬      ‫ب و‬
                                                                         ‫أَتَيْنَا ِهَا َكَفَى ِنَا حَا ِ ِينَ [األنبياء:22].‬
         ‫ر‬        ‫م‬
         ‫إعلم أنك لن تعرض على محكمة كمحاكم الدنيا ففي محاكم الدنيا قد يجيد الخصو ُ التزوي َ‬
‫ي َم ئ أل ين‬
‫والتحريفَ ولكن اعلم بأن الذي سيتولى محاكمتك يوم القيامة هو اهلل الذي قال: َعْل ُ خَا ِنَةَ ا َعْ ُ ِ‬
        ‫ِن الل هو‬           ‫يض ب‬            ‫َق و َّذ ن َ ع ن م د ن‬                ‫وم ت ف الصد ر َالله ي ض‬
        ‫َ َا ُخْ ِي ُّ ُو ُ و َّ ُ َقْ ِي بِالْح ِّ َال ِي َ يدْ ُو َ ِنْ ُو ِهِ ال َقْ ُونَ ِشَيْءٍ إ َّ َّهَ ُ َ‬
                                                                                                     ‫السم ع ب ر‬
                                                                                       ‫َّ ِي ُ الْ َصِي ُ [غافر:95-07].‬
             ‫ُ ْ َ ن ِ م ُ َد‬                    ‫ب ِزة ح‬          ‫َ‬      ‫و ْم ن َير جب و َ‬
            ‫وقال جل وعال: َيَو َ ُس ِّ ُ الْ ِ َالَ َترَى األرْضَ َار َ ً وَ َشَرْنَاهم فَلمْ ُغَادرْ ِنْهمْ أَح ًا‬
         ‫ِد‬        ‫َ ك‬            ‫ُ َّ َر َ ْ زع ت َل‬                         ‫م‬        ‫ج تم‬            ‫و ُرض عل َبك َف‬
        ‫َع ِ ُوا ََى ر ِّ َ ص ًّا لَقَدْ ِئْ ُ ُونَا كَ َا خَلَقْنَاكمْ أَولَ م َّةٍ بل َ َمْ ُمْ أَّنْ نَجْعلَ لَ ُمْ مَوْع ًا‬
‫َ ُضِعَ الْ ِتَاب فَتَرَى الْ ُجْ ِ ِينَ ُشْ ِ ِي َ م َّا ِي ِ َيَ ُوُو َ يَا َيْلَتَنَا َالِ ه َا الْ ِتَابِ ال ُغَا ِ ُ َغِي َ ً‬
‫ي در ص رة‬                 ‫م رم م فق ن ِم ف ه و ق ل ن و م َذ ك‬                                                    ‫ك ُ‬           ‫وو‬
                             ‫ِ ُ َب َد‬             ‫ِر و‬        ‫و جد م عمل‬                     ‫ر إ‬           ‫و‬
             ‫َال كَبِي َةً ِال أَحْصَاهَا َوَ َ ُوا َا َ ُِوا حَاض ًا َال يَظْلم ر ُّكَ أَح ًا [الكهف:22-92].‬
                         ‫َر َر َ ه‬                 ‫َر ْر َره وم ي َ م‬                        ‫م ي م م‬
          ‫قال تعالى: فَ َنْ َعْ َلْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ خَي ًا ي َ ُ َ َنْ َعْملْ ِثْقَالَ ذ َّةٍ ش ًّا يرَ ُ [الزلزلة:2-2].‬
  ‫فالمقصود أن عمل ابن آدم كله محفوظ و مسطور في كتاب عند اهلل جل وعال اليضل ربي وال‬
                                                 ‫ينسى واعلم علم اليقين أن ما نسيه اإلنسان ال ينساه الرحمن.‬
                                                                                          ‫واذكر ذنوبك و ابكها يا مذنب‬
                                                                                      ‫الصب‬
                                                                                     ‫دع عنك ماقد فات في زمن ِّ َا‬
                                                                                                  ‫ب‬
                                                                                                  ‫بل أثبتاه وأنت الهٍ تلع ُ‬
                                                                                               ‫لم ينسه الملكان حين نسيته‬
                                                                                             ‫َتر َّ َا بالرغم منك و ُسْلَ ُ‬
                                                                                             ‫ت ب‬                   ‫س َ ُده‬
                                                                                             ‫والروح منك وديعة أودعتها‬
                                                                                                   ‫ع ب‬                 ‫ر‬
                                                                                                   ‫دا ُ حقيقتها متا ُ يذه ُ‬
                                                                                               ‫ع‬                  ‫ر‬
                                                                                          ‫و غرو ُ دنياكَ التي تَسْ َى لها‬
                                                                                                 ‫ت َد وت سب‬
                                                                                                 ‫أنفاسنَا فيهما ُع ُّ َ ُحْ َ ُ‬
                                                                                                      ‫ر‬              ‫ل‬
                                                                                               ‫اللي ُ فاعلم والنها ُ كالهما‬
                                                                                  ‫َر‬          ‫ِم م‬         ‫ِن الل َ‬
                                                                              ‫قال تعالى: إ َّ َّه ال يَظْل ُ ِثْقَالَ ذ َّةٍ .‬
                                                                             ‫ِْ‬       ‫َزر‬
                                                                      ‫القاعدة الثانية: أن ال ت ِ ُ وزارة وزرَ أخرى‬
         ‫ْز ه ِ ُ ف عنقه ون ْرج ه ْ قي م ك ي ه م ش ر ْر‬                                                          ‫و ُل إ‬
       ‫قال تعالى: َك َّ ِنْسَانٍ أَل َمْنَا ُ طَائرَه ِي ُ ُ ِ ِ َ ُخ ِ ُ لَ ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ ِتَابًا َلْقَا ُ َنْ ُو ًا اق َأْ‬
  ‫ْ ع حس م ِ َد ِنم ي َ ل س وم ض َّ ِنم ي ِل عل ه و‬                                                        ‫ك ب ف ب‬
‫ِتَا َكَ كَ َى ِنَفْسِكَ الْيَومَ َلَيْكَ َ ِيبًا َن اهْت َى فَإَّ َا َهْتدِي ِنَفْ ِهِ َ َنْ َل فَإَّ َا َض ُّ ََيْ َا َال‬
                                             ‫َ ِر و ِ ة ِ ْ أ ْر و ُن م َذب ن َت ع َ رس‬
                         ‫تز ُ َازرَ ٌ وزرَ ُخ َى َمَا ك َّا ُع ِّ ِي َ ح َّى نَبْ َث َ ُوال [اإلسراء:35-15].‬
   ‫أ َزر و ِ ة و ْ أ ْر وأ‬              ‫َ َ ي َب بم ف ص ُف م س وإ ْر ه َّذ‬
 ‫وقال تعالى: أمْ لمْ ُن َّأْ ِ َا ِي ُح ِ ُو َى َِب َا ِيمَ ال ِي وفي َال ت ِ ُ َازرَ ٌ ِزرَ ُخ َى ََنْ‬
                          ‫ْف‬         ‫سع وَن س يه س ْ ير ُم ي ْز ه َز‬                        ‫إ‬        ‫إل‬
          ‫لَيْسَ ل ِنْسَانِ ِال مَا َ َى َأ َّ َعْ َ ُ َوفَ ُ َى ث َّ ُج َا ُ الْج َاءَ األَو َى [النجم:63-52].‬
   ‫فال تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل سيمر الولد يوم القيامة على والده فيقول له والده: أي بنى‬
                                            ‫نْ‬                       ‫ة‬
‫أنا أبوك! اعطني حسن ً من حسناتك فلقد كنت لك ِعمَ األب فيقول االبن ألبيه: نفسي! ويقول االبن‬
                                                                                                                  ‫ألمه: نفسي.‬
        ‫وكيف ال؟!! وقد قال كل نبي من األنبياء نفسي، نفسي، نفسي. إال الحبيب المحبوب محمد .‬
                                                                                ‫القاعدة الثالثة: إعذار اهلل لخلقه:‬
‫إن اهلل سبحانه يعلم عمل العباد من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، ومع ذلك من عظيم‬
    ‫عدله وفضله وكرمه، أن يعرض على العباد أعمالهم يوم القيامة حتى ال يكون ألحد عذر بين‬
                                                                                                                 ‫يديه.‬
     ‫م َر وم عم م س ء َد َن ب نه‬                                     ‫عم م‬                 ‫ْ ِد ُل‬
    ‫قال تعالى: يَومَ تَج ُ ك ُّ نَفْسٍ مَا َ ِلَتْ ِنْ خَيْرٍ ُحْض ًا َ َا َ ِلَتْ ِنْ ُو ٍ تَو ُّ لَوْ أ َّ َيْ َ َا‬
                                               ‫وب ه َد بع د ويح ِّركم الله سه َالل ُ ء ف ع‬
                           ‫َ َيْنَ ُ أَم ًا َ ِي ًا َ ُ َذ ُ ُ ُ َّ ُ نَفْ َ ُ و َّه رَ ُو ٌ بِالْ ِبَادِ [آل عمران:03].‬
                                                                    ‫س م ضر‬               ‫علم‬
                                                    ‫وقال سبحانه: َِ َتْ نَفْ ٌ َا أَحْ َ َتْ [التكوير:25].‬
                                                             ‫س م َدم وَخر‬                 ‫علم‬
                                          ‫وقال سبحانه: َِ َتْ نَفْ ٌ َا ق َّ َتْ َأ َّ َتْ [ االنفطار: 1 ].‬
                                                     ‫القاعدة الرابعة: إقامة الشهود على العباد يوم القيامة:‬
    ‫وإن أعظم شهيد على العباد يوم القيامة هو الملك الذي يعلم السر وأخفى وعلم ما كان وما هو‬
                                                                                                 ‫كائن وما سيكون.‬
                                                            ‫هد‬             ‫عل ُل‬            ‫ِن الل‬
                                            ‫قال تعالى: إ َّ َّهَ كَانَ ََى ك ِّ شَيْءٍ شَ ِي ًا [ النساء :33 ]‬
    ‫ثم تأتى الرسل وتشهد على جميع األمم ثم تأتى أمة الحبيب لتشهد على جميع األمم، يشهد كل‬
     ‫رسول على أمته وتأتي أمة المحبوب لتشهد على جميع األمم ثم يأتي خير األولين واآلخرين‬
                                                                                               ‫ليشهد على الجميع.‬
                                                                                             ‫اهلل أكبر!! اهلل أكبر!!‬
     ‫ل ك ن ش َد عل الن ويك الرس ل ع ُ ه د‬                               ‫و َ ك جع ك ُمة و‬
    ‫قال تعالى: َكذَلِ َ َ َلْنَا ُمْ أ َّ ً َسَطًا ِتَ ُوُوا ُه َاءَ ََى َّاسِ َ َ ُونَ َّ ُو ُ َلَيْكمْ شَ ِي ًا‬
                                                                                                      ‫[البقرة:325].‬
       ‫عل هؤ ء ه د‬                   ‫ْ ِذ ج م ُل ُمة ب ه د وج‬
      ‫وقال الملك لحبيبه المصطفى: فَكَيفَ إ َا ِئْنَا ِنْ ك ِّ أ َّ ٍ ِشَ ِي ٍ َ ِئْنَا بِكَ ََى َ ُال ِ شَ ِي ًا‬
                                                                                                       ‫[النساء:52].‬
            ‫ح‬     ‫ُع‬
‫وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي قال: ((يدْ َى نو ُ يوم القيامة‬
                           ‫َل َ‬
‫فيقال له: يا نوح، فيقول نوح: لبيك وسعديك. فيقول اهلل: هل بَّغْت قومك؟ فيقول نوح: نعم يا رب‬
                                                          ‫َل ك‬
  ‫فيدعى قوم نوح ويقال لهم: هل بَّغَ ُم نوح؟ :فيقولون: ال ما أتانا من أحد. فيقول اهلل جل وعال:‬
                                                                             ‫ي ه‬
 ‫من َشْ َد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لى محمد وأمته، يقول المصطفى : فتدعون فتشهدون له‬
 ‫ثم أشهد عليكم فكذلك قول اهلل تعالى َكذَِكَ َ َلْنَاكمْ أ َّ ً َسَطًا ِتَ ُو ُوا ُه َاءَ ََى َّا ِ َ َ ُو َ‬
 ‫ل ك ن ش َد عل الن س ويك ن‬                  ‫و َ ل جع ُ ُمة و‬
                                                                                           ‫الرس ل ع ُ ه د‬
                                                                                 ‫َّ ُو ُ َلَيْكمْ شَ ِي ًا (7)[7]).‬
                                 ‫قو هد‬               ‫مع‬         ‫ج ء ُل‬
                      ‫ثم تشهد المالئكة، قال تعالى: وَ َا َتْ ك ُّ نَفْسٍ َ َهَا سَائِ ٌ َشَ ِي ٌ [ ق: 57 ].‬
     ‫ثم تشهد األرض بما عمل على ظهرها من طاعات وسيئات ففي الحديث الصحيح الذي رواه‬
  ‫الترمذي من حديث أبي هريرة أنه : ((قرأ يوماً قول اهلل: يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة:2] )).‬
  ‫قال المصطفى : ((أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اهلل ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد األرض‬
                                                                         ‫مة‬
‫على كل عبد أو أَ َ ٍ بما عمل على ظَهْرِهَا فتقول: يا رب لقد عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذا‬
                                                                                                         ‫أخبارها))(3)[3]).‬
    ‫فيجادل العبد اللئيم ربه الكريم ويقول يا رب أنا أرفض هذه الشهادة وأرفض هؤالء الشهود وال‬
                                                                                                ‫أقبل شاهداً إال من نفسي.‬
 ‫كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أنس رضي اهلل عنه قال :كنا عند رسول اهلل‬
                                                             ‫ِم‬
 ‫فضحك، فقال: ((هل تدرون م َّ أضحك؟)) قلنا: اهلل ورسوله أعلم، قال: ((من مخاطبة العبد ربه،‬
  ‫فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ يقول :بلى، فيقول: فإني ال أجيز اليوم على نفسي شاهداً إال‬
                                                     ‫ا‬
 ‫منى. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدً، والكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيختم على فيه، ويقول‬
                           ‫ُن وس‬           ‫ب‬
            ‫ألركانه: انطقي بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكالم، فيقول: ُعْداً لَك َّ َ ُحقاً، فعنكن كنت‬
                                                                                                                     ‫أ ض‬
                                                                                                          ‫ُنا ِل))(2)[2]).‬
                ‫ْم ِم عل َ و ه ِ وت َلم ْد ِ و هد َ جل ُ بم ن ي سب‬
    ‫قال تعالى: الْيَو َ نَخْت ُ ََى أفْ َا ِهمْ َُكِّ ُنَا أَي ِيهمْ َتَشْ َ ُ أرْ ُُهمْ ِ َا كَا ُوا َكْ ِ ُونَ [يس:16].‬
       ‫ء ه ِ عل ِ‬                   ‫َت ِ‬       ‫و ْم ي ر ْد ء الل إل الن ِ ه ي زع‬
     ‫وقال جل وعال: َيَو َ ُحْشَ ُ أَع َا ُ َّهِ َِى َّار فَ ُمْ ُو َ ُونَ ح َّى إذَا مَا جَا ُو َا شَهدَ ََيْهمْ‬
 ‫الله َّذ‬                ‫ل‬           ‫ر ُ جل د ُ بم ن ي مل ن َ ل جل ِ ِ ِ ُ ع‬                                           ‫س عه و‬
‫َمْ ُ ُمْ َأَبْصَا ُهمْ وَ ُُو ُهمْ ِ َا كَا ُوا َعْ َُو َ وقَاُوا لِ ُُودِهمْ لمَ شَهدْتمْ َلَيْنَا قَاُوا أَنْطَقَنَا َّ ُ ال ِي‬
  ‫ي َ ع ُ س عُ و‬                     ‫ِر‬          ‫ك َو َرة وإ ه ُ جع ن و ك ُ‬                               ‫ُل ء وه‬
‫أَنْطَقَ ك َّ شَيْ ٍ َ ُوَ خَلَقَ ُمْ أ َّلَ م َّ ٍ َِلَيْ ِ ترْ َ ُو َ َمَا ُنْتمْ تَسْتَت ُونَ أَنْ َشْهدَ َلَيْكمْ َمْ ُكمْ َال‬
  ‫ُ ب َب ُ‬          ‫ُ َن الل َ ي َم ر ِم مل ن َ ل ُ َن ُم َّذ‬                                    ‫ر ُ و جل د ُ و ك‬
‫أَبْصَا ُكمْ َال ُُو ُكمْ َلَ ِنْ ظَنَنْتمْ أ َّ َّه ال َعْل ُ كَثِي ًا م َّا تَعْ َُو َ وذَِكمْ ظُّك ُ ال ِي ظَنَنْتمْ ِر ِّكمْ‬
    ‫ُ م م تب ن‬                     ‫سر َ إ ي بر َالن ر م و ُ وإ ي تب‬                                     ‫ب ُ م‬           ‫َ ْد ُ ْ‬
    ‫أر َاكم فَأَصْ َحْتمْ ِنَ الْخَا ِ ِين فَِنْ َصْ ِ ُوا ف َّا ُ َثْ ًى لَهمْ َِنْ َسْتَعْ ِ ُوا فَمَا همْ ِنَ الْ ُعْ َ ِي َ‬
                                                                                                         ‫[فصلت:95-27].‬
                                                               ‫القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات ألهل اإليمان:‬
   ‫مضاعفة الحسنات ألهل التوحيد واإليمان ذَلِكَ فَض ُ َّهِ ُؤْ ِي ِ َنْ َشَا ُ و َّ ُ ُو الْفَضلِ الْعَ ِي ِ‬
   ‫ظم‬           ‫ْ‬       ‫ْل الل ي ت ه م ي ء َالله ذ‬
                                                                                                                 ‫[الحديد:57].‬
                                                         ‫فاهلل سبحانه وتعالى يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها.‬
             ‫ي ْ إ م وه ْ‬                     ‫َّي‬              ‫حس ة ه ع ْر ل وم‬                             ‫م ج‬
          ‫قال تعالى: َنْ َاءَ بِالْ َ َنَ ِ فَلَ ُ َش ُ أَمْثَاِهَا َ َنْ جَاءَ بِالس ِّئَةِ فَال ُجزَى ِال ِثْلَهَا َ ُم ال‬
                                                                                                                    ‫ي م‬
                                                                                               ‫ُظْلَ ُونَ [ األنعام: 065 ].‬
‫ويقول المصطفى كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وحسن الحديث‬
      ‫شيخنا األلباني من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي قال: ((قال اهلل تعالى في الحديث القدسي:‬
                                           ‫الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفرها))(1)[1]).‬
 ‫وفى الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الشيخ األلباني من حديث ابن مسعود أن النبي : ((من‬
        ‫قرأ حرفاً من كتاب اهلل فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، ال أقول ألم حرف، ولكن (ألف)‬
                                                                      ‫حرف (والم) حرف (وميم) حرف))(6)[6]).‬
  ‫تدبر معي أيها الحبيب الكريم بل قد يضاعف اهلل الحسنة إلى أكثر من سبعمائة ضعف فذلك قول‬
 ‫م َل َّذ ي ق ن و ُ ْ ف سب الل م َل َب ب س س ب َ ف ُل س بل م ئة‬
 ‫اهلل تعالى: َث ُ ال ِينَ ُنْفِ ُو َ أَمْ َالَهم ِي َ ِيلِ َّهِ كَ َث ِ ح َّةٍ أَنْ َتَتْ َبْعَ َنَا ِل ِي ك ِّ ُنْ َُةٍ ِا َ ُ‬
                                                               ‫َبة َالله ي عف لم ي ء َالله و ع ع م‬
                                                 ‫ح َّ ٍ و َّ ُ ُضَا ِ ُ ِ َنْ َشَا ُ و َّ ُ َاسِ ٌ َلِي ٌ [البقرة:567].‬
                                                                       ‫وهناك من األعمال ما ال يعلم ثوابها إال اهلل.‬
   ‫قال تعالى في الحديث القدسي المخرج في الصحيحين: قال : ((قال اهلل تعالى: كل عمل ابن آدم‬
                                                                    ‫له إال الصوم فإنه لي وأنا أجزى به))(2)[2]).‬
                                          ‫ولك أن تتصور الجزاء من الواسع الكريم جل جالله على الصبر.‬
                                                       ‫ْ ُ ب ْر حس‬            ‫ِن ي َف الص ِر‬
                                       ‫قال اهلل فيه: إَّمَا ُو َّى َّاب ُونَ أَجرَهمْ ِغَي ِ ِ َابٍ [ الزمر :05]‬
                                                               ‫القاعدة السادسة واألخيرة: تبديل السيئات حسنات:‬
       ‫و َّذ‬
 ‫إن اهلل تبارك وتعالى بمنه وكرمه على عباده المؤمنين يبدل سيئاتهم حسنات قال تعالى: َال ِينَ ال‬
    ‫َق و َ ن وم ي َ ذلك‬                        ‫َ ع ن الل إ ء َ و ي تل الن الت ح َّ الله إ‬
    ‫يدْ ُو َ مَعَ َّهِ ِلَهًا َاخرَ َال َقْ ُُونَ َّفْسَ َّ ِي َرمَ َّ ُ ِال بِالْح ِّ َال يزْ ُونَ َ َنْ َفْعلْ َِ َ‬
    ‫م ي ع ه َ ب ْ قي م و ُ ف مه إ م ب ء من وع ِ ع ص لح‬                                                                       ‫ي‬
   ‫َلْقَ أَثَا ًا ُضَا َفْ لَ ُ الْعذَا ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ َيَخْلدْ ِيهِ ُ َانًا ِال َنْ تَا َ وَ َا َ َ َ َملَ َمَال َاِ ًا‬
                                              ‫أ ك ي َدل الله َي ت ِ حس و الله ف ر رح م‬
                      ‫فَُولَئِ َ ُب ِّ ُ َّ ُ س ِّئَا ِهمْ َ َنَاتٍ َكَانَ َّ ُ غَ ُو ًا َ ِي ًاً [ الفرقان: 26 - 02 ].‬
  ‫وفى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي اهلل عنه أنه قال: حدثنا الصادق‬
                ‫ا‬
      ‫المصدوق فقال: ((إني ألعلم آخر أهل الجنة دخوالً الجنة وآخر أهل النار خروجً منها، رجل‬
           ‫يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه‬
   ‫صغارها، فيقال له: عملت يوم كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيقول: نعم ال يستطيع‬
                                                         ‫أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه)).‬
   ‫وفى هذه الحالة الرهيبة من الرعب والفزع يقال له: ((إن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول العبد:‬
        ‫ربي قد عملت أشياء ال أراها هاهنا))، قال أبو ذر فلقد رأيت النبي ضحك حتى بدت نواجذه‬
                                                                                                                   ‫))(2)[2]).‬
                                                                      ‫هذا فضل اهلل جل وعال على عباده المؤمنين.‬
                                       ‫أحبتي في اهلل: هذه هي القواعد التي يحاسب اهلل بها العبد يوم القيامة‬
                                                                                    ‫كت‬                            ‫ا‬
                                                                                  ‫ثانيً: العرض على اهلل وأَخْذِ ال ُُب:‬
       ‫م َذ‬              ‫مع س ق و ه د َ ك َ ف‬                       ‫ج ء ُل‬
      ‫فقد سجل اهلل في قرآنه العظيم: وَ َا َتْ ك ُّ نَفْسٍ َ َهَا َائِ ٌ َشَ ِي ٌ لَقدْ ُنْت ِي غَفْلَةٍ ِنْ ه َا‬
‫ْ حد د َ َ َر نه َ م َ َي عت د قي ف جه َّم ُل َف عن د‬                                         ‫بصر‬                    ‫ع‬
‫فَكَشَفْنَا َنْكَ غِطَاءَكَ فَ َ َ ُكَ الْيَومَ َ ِي ٌ وقَال ق ِي ُ ُ هذَا َا لد َّ َ ِي ٌ أَلْ ِ َا ِي َ َن َ ك َّ ك َّارٍ َ ِي ٍ‬
    ‫َر ن ُ َب م‬            ‫َّد ِ‬        ‫َ‬     ‫الل إ ء َ ق ُ ف‬                         ‫َن ل ْر م َد مر َّ جع‬
   ‫م َّاعٍ ِلْخَي ِ ُعْت ٍ ُ ِيبٍ الذِي َ َلَ مَعَ َّهِ ِلَهًا َاخَر فَأَلْ ِيَاه ِي الْعذَابِ الش ِيد قَالَ ق ِي ُه رَّنَا َا‬
     ‫أَطْغَيْ ُ ُ َلَ ِنْ كَان ِي ضَاللٍ َ ِيد قَال ال تَخْتَ ِ ُوا لد َّ وقد ق َّمْ ُ ِلَيْكمْ بِالْ َ ِيدِ َا ُ َد ُ الْقَو ُ‬
     ‫صم َ َي َ َ ْ َد ت إ ُ وع م يب َّل ْل‬                                       ‫بع ٍ َ‬             ‫َف‬       ‫ته و ك‬
                                                                                            ‫ظ ل عب‬                  ‫َ َي وم‬
                                                                              ‫لد َّ َ َا أَنَا بِ َالمٍ ِلْ َ ِيدِ [ق:57-97].‬
                 ‫ُذ‬
 ‫وفى الصحيحين من حديث عائشة أنه قال: ((من نوقش الحساب يوم القيامة ع ِّبْ)) قالت عائشة:‬
                ‫َم م أ تي ك به بيم ن ِ ْ يح سب ح ب يس ر‬
               ‫يا رسول اهلل أو ليس اهلل يقول: فَأ َّا َنْ ُو ِ َ ِتَا َ ُ ِ َ ِي ِه فَسَوفَ ُ َا َ ُ ِسَا ًا َ ِي ًا‬
                                                                                                             ‫[االنشقاق:2-2]‬
               ‫فقال المصطفى : ((إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إال هلك))(9)[9]).‬
                                                                                               ‫فمن نوقش الحساب عذب.‬
     ‫سينادى عليك كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه صلى اهلل عليه وسلم قال: ((ما‬
                                 ‫ت جم‬
 ‫منكم من أحد إال سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينة وبينة ُر ُ َان فينظر أيمن منه فال يرى إال ما‬
                                                                                            ‫ق َّم‬
‫َد َ، وينظر أشأم منه فال يرى إال ما قدم وينظر بين يديه فال يرى إال النار تلقاء وجه، فاتقوا النار‬
                                                                                    ‫ولو بشق تمرة))(05)[05]).‬
                                                                           ‫تنادى المالئكة أين فالن بن فالن؟!!‬
                                                                                            ‫من؟!! هذا هو اسمي.‬
  ‫وكل‬                                                                           ‫ق‬
 ‫فإذا تَيَ ّنْتَ أنك أنت المطلوب،قرع النداء قلبك فاصفر لونك وتغير وجهك وطار قلبك، وقد ُ َّت‬
   ‫المالئكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، على رؤوس األشهاد، ويرفع الخالئق جميعا أبصارهم إليك‬
                                 ‫وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك تتخطى الصفوف يا عبد اهلل.‬
                                              ‫وأسألك باهلل أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب.‬
‫تتخطى صفوف المالئكة، صفوف الجن وصفوف اإلنس، في أرض المحشر لترى نفسك واقفا بين‬
                                                         ‫يدي الحق جل جالله ليكلمك اهلل لتعطى صحيفتك!!‬
     ‫هذه الصحيفة التي ال تغادر بلية كتمتها وال مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها؟!‬
                        ‫ذكرك اهلل إياها، وكم من معصية قد كنت أخفيتها؟! أظهرها اهلل لك وأبداها!!!‬
  ‫فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة موالك، فإن كان العبد من أهل السعادة‬
  ‫ممن رضي اهلل عنهم في الدنيا واآلخرة ـ اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين ـ‬
  ‫أعطاه اهلل كتابه بيمينه وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات فيأمر العبد أن‬
                                             ‫يبدأ فيقرأ السيئات فيصفر لونه ويتغير وجه وترتعد فرائصه.‬
‫فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب، هذه سيئاتك قد غفرتها لك، فيتهلل وجهه ويسعد‬
                                                     ‫ا‬
    ‫سعادة ال يشقى بل لن يشقى بعدها أبدً ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ‬
                                            ‫ا‬      ‫ا‬           ‫ا‬
          ‫الحسنات فازداد وجهه إشراقً وازداد فرحً وسرورً وقال له الملك جل جالله: انطلق إلى‬
‫أصحابك وإخوانك ـ أي من أهل التوحيد واإليمان - فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت فينطلق وكتابه‬
                              ‫بيمينه والنور يشرق من وجهه ومن أعضاءه يقول ألصحابه وخال‬
   ‫َّنه: أال تعرفونني؟! فيقولون:‬
‫من أنت لقد غمرتك كرامة اهلل؟!! فيقول: أنا فالن بن فالن انظروا هذا كتابي بيميني اقرأوا كتابيه‬
    ‫اقرأوا هذا الكتاب معي، شاركوني الفرحة والسعادة، انظروا هذا توحيدي وهذه صالتي، وهذه‬
    ‫زكاتي، وهذه صدقتي، وهذا حجي، وهذا قيامي الليل، وهذا إحساني، وهذا برى بوالدي، وهذا‬
  ‫إحساني لألهل والجيران، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهيي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة‬
     ‫َم م أ تي ك به ب َم ن ق ل ه ُم ْرء ك بي ِن‬
    ‫والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد: فَأ َّا َنْ ُو ِ َ ِتَا َ ُ ِي ِي ِهِ فَيَ ُو ُ َاؤ ُ اق َ ُوا ِتَا ِ َهْ إ ِّي‬
 ‫ت َن م ح بي ه َ ف ع ٍ ر ضي ٍ ف َنة ِي ٍ قط ف د نية كل و ْرب هن ئ بم‬
‫ظَنَنْ ُ أ ِّي ُالقٍ ِسَا ِ َهْ فَ ُو ِي ِيشَة َا ِ َة ِي ج َّ ٍ عَال َة ُ ُو ُهَا َا ِ َ ٌ ُُوا َاش َ ُوا َ ِي ًا ِ َا‬
                                                                                      ‫لي‬           ‫ُ ْ ف َي‬
                                                                    ‫أَسْلَفْتم ِي األ َّامِ الْخَاِ َةِ [الحاقة:95ـ27].‬
        ‫أما إذا كان من أهل الشقاوة - أعاذنا اهلل وإياكم من ذلك - ممن غضب اهلل عليهم في الدنيا‬
 ‫واآلخرة، ينادى عليه أين فالن بن فالن؟!! وسبحان اهلل! من ال تختلف عليه األصوات وال تشتبه‬
                                                                     ‫عليه اللغات وال تشتبه عليه األسماء والصفات.‬
                                                                                    ‫م‬
                                        ‫أين فالن بن فالن؟! َنْ..هذا هو اسمي ماذا تريدون يا مالئكة اهلل؟!‬
       ‫هلم إلى العرض على اهلل جل وعال فيتخطى الصفوف ليرى نفسه بين يدي اهلل فيعطى كتابه‬
                                                                                                ‫بشماله أو من وراء ظهره.‬
        ‫فيقرأ فيسود وجهه ثم يكسى من سرابيل القطران ويقال له: انطلق إلى من هم على شاكلتك‬
  ‫فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه وعاله الخزي، والذل‬
           ‫والعار، وكتابه بشماله أو من وراء ظهره فينطلق فيقول لخالنه ومن هم على شاكلته: أال‬
                                 ‫تعرفونني؟! فيقولون ال إال أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟!!‬
 ‫فيقول: أنا فالن بن فالن وهذا كتابي بشمالي ولكل واحد منكم مثل هذا، فلقد شقي شقاوة ال يسعد‬
                                                                                                                        ‫ا‬
                                                                                                                       ‫بعدها أبدً.‬
 ‫وَم م أ تي ك به بش له ق ل ي ن َ أ ك بي وَ َ ْ م‬
‫يصرخ بأعلى صوته ويقول: َأ َّا َنْ ُو ِ َ ِتَا َ ُ ِ ِمَاِ ِ فَيَ ُو ُ َا لَيْتَ ِي لمْ ُوتَ ِتَا ِ َهْ َلمْ أدرِ َا‬
‫ِسَا ِ َهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَا ِ َةَ مَا أَغْ َى ع ِّي مَاِ َهْ َلَكَ ع ِّي ُلْطَا ِ َهْ خ ُوه فَغُّو ُ ث َّ لْجَ ِيمَ صُّو ُ‬
‫َل ه‬      ‫لي ه َن س ني ُذ ُ ُل ه ُم ح‬                                   ‫ن َن‬               ‫ضي‬                                 ‫ح بي‬
   ‫م و ُض ع طع م‬                       ‫ي من ِالل‬             ‫لك ه ِنه‬            ‫ث َّ ف س س َ ع س ع ن ِر ع‬
   ‫ُم ِي ِلْ ِلَةٍ ذرْ ُهَا َبْ ُو َ ذ َا ًا فَاسُْ ُو ُ إ َّ ُ كَانَ ال ُؤْ ِ ُ ب َّهِ الْعَظِي ِ َال يَح ُّ َلَى َ َا ِ‬
                 ‫طئ‬           ‫ه ْ ه ح م و ع م إ م غ ل ٍ ي كله إ‬                                               ‫م ك ِ‬
  ‫الْ ِسْ ِين فَلَيْسَ لَ ُ الْيَومَ هَا ُنَا َمِي ٌ َال طَ َا ٌ ِال ِنْ ِسِْين ال َأْ ُُ ُ ِال الْخَا ِ ُونَ [الحاقة:17-‬
                                                                                                                               ‫23].‬
                                                                                                                  ‫وهلل در القائل:‬
                                                                                                                ‫ً‬
                                                                                            ‫مستوحشا قلق األحشاء حيرانَا‬
                                                                                               ‫ع‬                   ‫َث‬
                                                                                          ‫م ِّلْ وقوفك يوم العرض ُريانا‬
                                                                                                         ‫ة‬
                                                                                      ‫على العصا ِ ورب العرش غَضبانَا‬
                                                                                          ‫والنار تلهب من غيظٍ ومن حن ٍ‬
                                                                                          ‫ق‬
                                                                                                    ‫ر‬        ‫ح‬
                                                                                          ‫فهل ترى فيه َرفاً غي َ مَا كاناَ‬
                                                                                                  ‫مه‬      ‫د‬
                                                                                                 ‫اقرأ كتابك ياعب ُ على َ َل‬
                                                                                                             ‫َ‬     ‫ر‬
                                                                                          ‫إقرا َ من عرفَ األشياءَ عرفانَا‬
                                                                                                ‫ه‬
                                                                                                ‫فلما قرأتَ ولم تنكر قراءتَ ُ‬
                                                                                                     ‫عص‬
                                                                                      ‫وامضوا بعبدٍ َ َى للنار عطشانَا‬
                                                                                                        ‫ذ ه‬
                                                                                             ‫نادى الجليل خ ُو ُ يا مالئكتي‬
                                                                                                    ‫ُك‬
                                                                                                ‫والمؤمنون بدارِ الخلدِ س َّانَا‬
                                                                                             ‫ي ب‬
                                                                                           ‫المشركون غداً في النار َلتَه ُوا‬
                                                                                                             ‫ا‬
                                                                              ‫وأخيرً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.‬
                                                                       ‫وأرجئ الحديث إلى ما بعد جلسة االستراحة.‬
                                                          ‫وأقول قولي هذا وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم..‬


                                                                ‫-------------------------‬
                                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله‬
                                                      ‫صل‬
 ‫وصفيه من خلقه وحبيبه. اللهم َّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه‬
                                                            ‫وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدين... أما بعد:‬
                                                                                                     ‫ا‬
                                                                      ‫ثالثً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا:‬
 ‫أيها األحبة الكرام: هذه صورة مصغرة على قدر جهلي أقدمها لحضراتكم عن الحساب، ولك أن‬
  ‫تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب، فإنه ال يتأثر بموعظة وال يستجيب‬
                                                                         ‫آلية أو حديث إال من كان له قلب.‬
                        ‫َّ ع ه ه د‬              ‫ق‬           ‫ُ ب‬                ‫لم‬       ‫َذ‬          ‫إ َّ ف‬
                ‫قال تعالى: ِن ِي ذَلِكَ ل ِكْرَى ِ َنْ كَانَ لَه قَلْ ٌ أَوْ أَلْ َى السمْ َ وَ ُوَ شَ ِي ٌ [ق:23].‬
      ‫أيها األخ الكريم حاسب نفسك قبل أن تحاسب بين يدي موالك يوم ال ينفع الندم وال التحسر.‬
   ‫روى اإلمام أحمد والترمذي بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه قال: "أيها الناس‬
 ‫حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض األكبر يوم ال تخفى منكم‬
‫خافية فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا" فحاسب نفسك واعلم بأن النفس‬
                                                          ‫أمارة بالسوء ولقد فصلت ذلك في خطبة كاملة.‬
                 ‫لقد وصف اهلل النفس في القرآن بثالث صفات أال وهى: المطمئنة َّوامة واألم‬
      ‫َّارة بالسوء.‬        ‫والل‬
                     ‫المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا باهلل ربا وباإلسالم دينا وبمحمد رسو ً‬
                     ‫ال‬
                                                                    ‫هي التي اطمأنت إلى وعد اهلل ووعيده.‬
                                                                  ‫هي التي اطمأنت إلى ذكر اهلل وعبوديته.‬
                                                                    ‫هي التي تشتاق دوماً للقاء اهلل سبحانه.‬
                                                      ‫اللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر.‬
                                                   ‫تلوم صاحبها على الخير فتقول: لماذا لم تكثر منه؟!!‬
       ‫وتلوم صاحبها على الشر فتقول: لماذا وقعت فيه؟!! لماذا تسوف التوبة؟!! لماذا تتأخر عن‬
                                  ‫الصالة في بيوت اهلل؟!! إلى متى وأنت على هذا الضالل والبدع؟!!‬
                                                                       ‫ا‬
                                                                      ‫تلوم صاحبها على الخير والشر معً.‬
  ‫أما النفس األمارة بالسوء: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى الغواية، من طريق‬
                                                 ‫الس‬
      ‫النعيم إلى طريق الجحيم، من طريق ُّنة إلى طريق البدعة. من طريق الحالل إلى طريق‬
                                                                                                          ‫الحرام.‬
  ‫و أب ِّئ س ِن الن الم ة ِالس إ م ِ َب إ َّ َب ف ٌ ر م‬
‫حيث قال تعالى: َمَا ُ َر ُ نَفْ ِي إ َّ َّفْسَ َّارَ ٌ ب ُّوءِ ِال َا رَحمَ ر ِّي ِن ر ِّي غَ ُور َحِي ٌ [‬
                                                                                                          ‫يوسف: 31 ].‬
         ‫فهذه النفس إن لم تشغلها بطاعة اهلل شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك‬
‫بالباطل، فالنفس كالطفل إن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، كذلك النفس إن فطمتها عن معصية‬
                                                                    ‫اهلل وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت.‬
                           ‫ً‬     ‫ا‬        ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫فإن زلت نفسك لبشريتك ولضعفك فلست ملكً مقربً وال نبيً مرسال فسرعان ما يدفعك إيمانك‬
     ‫وعلمك بنفسك األمارة إلى التوبة واألوبة والعودة إلى اهلل جل جالله، وأنت على كل حال من‬
                                        ‫األحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال محمد .‬
                            ‫فحاسب نفسك اآلن أيها الحبيب قبل أي عمل وبعد أي عمل صغر أم كبر‬
 ‫قبل العمل: اسأل النفس: لماذا أذهب؟ لماذا سأتكلم؟ لماذا أصمت؟ لماذا أحب؟ لماذا أبغض؟ لماذا‬
                                                                                                    ‫أدخل؟ لماذا أخرج؟‬
                                                         ‫ً‬
   ‫وبعد العمل: هل كان العمل خالصا لوجه اهلل؟! هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى ؟ العمل‬
 ‫البد أن يتحقق فيه شرطان. الشرط األول: اإلخالص والشرط الثاني: أن يكون العمل على هدي‬
                                                                                                            ‫النبي محمد .‬
                                                               ‫طي‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية َّب اهلل ثراه: إن دين اهلل الذي هو اإلسالم مبنى على أصلين. األول:‬
     ‫أن تعبد اهلل وحده ال شريك له، واألصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله وهذان‬
                       ‫ً‬
           ‫األصالن الكبيران هما حقيقة قولنا نشهد أن ال إله إال اهلل ونشهد أن محمدا رسول اهلل .‬
                                                         ‫ا‬
 ‫أيها المسلم إن كنت تريد حسابً يسيراً فحاسب نفسك محاسبة الشريك الشحيح فقد قال ميمون بن‬
                  ‫مهران: "ال يبلغ العبد درجة التقوى إال إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح".‬
                           ‫ج‬
    ‫إياك إياك أن تغتر بطاعة، إياك إياك أن تغتر بعلم، كن دائماً على وَ َل فإن العبرة بالخواتيم.‬
‫فاسمع إلى من أضاءوا الدنيا بعلمهم وزهدهم وورعهم. هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة‬
   ‫ف م‬               ‫َّذ‬       ‫ُم ر ك‬
 ‫المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قول اهلل تعالى: ث َّ أَوْ َثْنَا الْ ِتَابَ ال ِينَ اصْطَ َيْنَا ِنْ‬
                            ‫ِ الل‬         ‫ْر‬         ‫ق‬         ‫عب د م ه ِم ل سه وم ُ م صد وم ُ‬
               ‫ِ َا ِنَا فَ ِنْ ُمْ ظَال ٌ ِنَفْ ِ ِ َ ِنْهمْ ُقْتَ ِ ٌ َ ِنْهمْ سَابِ ٌ بِالْخَي َاتِ بِإذْنِ َّهِ [فاطر:73].‬
‫ما معناها يا أماه؟ قالت الصديقة: يا بني أما السابق بالخيرات فقوم سبقوا مع رسول اهلل وشهد لهم‬
  ‫بالجنة، وأما المقتصد فقوم صاروا على دربه وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.‬
   ‫يا سبحان اهلل. عائشة تقول ذلك!! ونحن نقول ومن منا ال يدخل الجنة وإن لم ندخلها نحن فمن‬
                                                                                                                   ‫يدخلها!!‬
     ‫عائشة ال تغتر بنسبها وال بزواجها من النبي وهى التي بشرها النبي بالجنة، فهي تعرف حق‬
                                                                                    ‫المعرفة للنفس قدرها وخطرها.‬
 ‫و هاهو فاروق األمة الذي حاكى أخالق النبوة في إمارته. عمر الفاروق ينام على فراش الموت‬
      ‫بعدما طعن فيدخل عليه ابن عباس فيثنى عليه الخير كله. فيقول عمر: واهلل إن المغرور من‬
 ‫ا‬                              ‫ي‬        ‫ً ي‬
 ‫غررتموه وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافا ال ل ّ وال عل ّ، واهلل لو أن لي مأل األرض ذهبً‬
                                                                  ‫الفتديت به من عذاب اهلل قبل أن أراه.‬
 ‫وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى الذي قال له رسول اهلل واهلل إني أحبك يا معاذ!! لقد نام‬
 ‫على فراش الموت بعد ما أصيب بطاعون الشام فقال ألصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ هل‬
                          ‫أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ باهلل من ليلة صباحها إلى النار.‬
  ‫وهذا هو سفيان الثوري إمام الورع والحديث ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة‬
                                                  ‫م بل‬
             ‫فيقول له: أبشر يا أبا عبد اهلل، إنك ُقْ ِ ُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين.‬
                              ‫فبكى سفيان وقال: أسألك باهلل يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟!‬
                              ‫ل‬
 ‫فيا أيها المسلم ال تغتر بعلم وال تغتر بعمل وكن دائماً على وج ٍ. كما كان رسول اهلل وهو النبي‬
    ‫الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحاسب نفسك قبل أي عمل وبعد أي عمل، وحاسب‬
         ‫نفسك على كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير، وحاسب نفسك على كل تفريط.‬
‫قال سليمان بن عبد الملك ألبي حازم: يا أبا حازم مالنا نحب الدنيا ونكره اآلخرة؟ فقال أبو حازم:‬
                                                               ‫َر ت أ‬               ‫َم ت‬
           ‫ألنكم ع َّر ُم دنياكم وَخ َّب ُم ُخراكم وأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.‬
                                                              ‫فقال سليمان: فما لنا عند اهلل يا أبا حازم؟‬
                                     ‫قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب اهلل لتعلم مالك عند اهلل.‬
                                                             ‫فقال سليمان: وأين أجد ذلك في كتاب اهلل؟‬
                    ‫م وِن ُج ف ج م‬                         ‫ِن ْر ف‬
  ‫قال أبو حازم: عند قوله تعالى: إ َّ األَب َارَ لَ ِي نَعِي ٍ َإ َّ الْف َّارَ لَ ِي َحِي ٍ [االنفطار:35-25].‬
                                                                             ‫قال سليمان: أين رحمة اهلل؟‬
                                                  ‫إ َّ ر م الل ِ َر ب م م سن‬
                              ‫فقال أبو حازم: ِن َحْ َةَ َّه ق ِي ٌ ِنَ الْ ُحْ ِ ِينَ [ األعراف: 61 ].‬
                                                               ‫ا‬
   ‫قال فكيف القدوم على اهلل غدً؟ قال أبو حازم: أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله وأما‬
                                                                ‫المسيء فكالعبد اآلبق يرجع إلى مواله.‬
                ‫أسأل اهلل العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه.‬
                                                                                           ‫__________‬
  ‫(5) رواه مسلم رقم (2217) فى البر والصلة ، باب تحريم الظلم ، والترمذى رقم (2927) فى‬
                                                                                             ‫صفة القيامة .‬
       ‫(7) رواه البخارى رقم (2222) فى التفسير، باب قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا ،‬
                                                                                             ‫والترمذى رقم‬
                                                       ‫(1697) فى التفسير ، باب ومن سورة البقرة .‬
                       ‫(3) رواه الترمذى رقم (0133) فى التفسير ، باب ومن سورة إذا زلزلت .‬
                                                              ‫(2) رواه مسلم رقم (9697) فى الزهد .‬
    ‫(1) رواه مسلم رقم (2267) كتاب الذكر والدعاء ، باب فضل الذكر والدعاء وابن ماجة رقم‬
                                      ‫(5723) فى األدب وهو فى المسند رقم (75757) واللفظ له .‬
                  ‫ا‬
   ‫(6) رواه الترمذى رقم (7597) فى ثواب القرآن ، باب ماجاء فيمن قرأ حرفً من القرآن ماله‬
 ‫من األجر وصححه شيخنا األلبانى فى المشكاة (2357) وهو فى صحيح الجامع برقم (9626) .‬
      ‫(2) رواه البخارى رقم (2925) فى الصوم ، باب فضل الصوم ، ومسلم رقم (5155) فى‬
‫الصيام ، باب حفظ اللسان ، وباب فضل الصيام ، والموطأ (5/053) فى الصيام ، وأبو داود رقم‬
 ‫(3637) فى الصوم ، والترمذى رقم (262) فى الصوم ، والنسائى (2/165،765) فى الصوم .‬
      ‫(2) رواه مسلم رقم (095) فى اإليمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، والترمذى رقم‬
                                               ‫(9917) فى صفة الجنة ، باب رقم (05) .‬
   ‫(9) رواه البخارى رقم ( 305) فى العلم ،باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه ، ومسلم رقم‬
 ‫(6227) فى الجنة باب اثبات الحساب، وأبو داود رقم (3903) فى الجنائز، باب عبادة النساء ،‬
                    ‫والترمذى رقم (2727) فى صفة القيامة ، باب من نوقش الحساب عذب 0‬
  ‫(05) رواه البخارى رقم (7512) فى التوحيد ، باب كالم الرب عز وجل ومسلم رقم (6505)‬
 ‫فى الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، والترمذى رقم (2727) فى صفة القيامة .‬

‫(5/691)‬




                                                                                 ‫العقيدة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                                 ‫التوحيد‬
                                                                           ‫أهمية التوحيد‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                              ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                 ‫الدوحة‬
                                                                           ‫الريان الكبير‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- معنى العقيدة. 7- الحكمة من شريعة الجهاد. 3- اإلجابة على االسئلة الفطرية. 2- العمل‬
  ‫الصالح واإليمان. 1- أثر العقيدة على السلوك الفردي للمسلم. 6- نواقض العقيدة. 2- كراهية‬
                                                         ‫الخوض فيما ال ينبني عليه عمل.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
  ‫ال إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باهلل فقد استمسك بالعروة‬
                                           ‫الوثقى ال انفصام لها واهلل سميع عليم [البقرة:617].‬
                                                                                            ‫س‬
                                                                ‫ق ّم العلماء العقائد إلى نوعين:‬
 ‫األول: عقيدة صحيحة جاءت بها الرسل من عند اهلل - عز وجل - الثاني: العقائد الفاسدة: وهي‬
          ‫نتائج أفكار البشر. وقد يأتي فساد العقيدة من التحريف والتبديل كما في العقيدة اليهودية‬
 ‫والنصرانية، وإن كانت سليمة في األصل لذا يقول الرسول : ((ال يسمع بي يهودي وال نصراني‬
                                                                          ‫ر‬
                                                      ‫ثم ال يؤمن بي إال ح ّم اهلل عليه الجنة)).‬
    ‫ما العقيدة؟ ولماذا؟ وما أثر وجودها؟ وما نواقضها؟ ومن هو رجل العقيدة؟ وما موقفنا منها ؟‬
                                       ‫د‬
                           ‫العقيدة لغة: مأخوذ من العقد والشد (وعقد الحبل: ش ّ بعضه ببعض).‬
    ‫واصطالحا: هي األصول التي أمرنا اهلل باعتقادها والتي حددها الرسول بقوله: ((اإليمان: أن‬
      ‫تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله واليوم اآلخر والقدر خيره وشره من اهلل تعالى))(5)[5]).‬
                                                                               ‫وينبغي أن تعلم:‬
   ‫أن عقيدة اإلسالم لم تفرض على الناس فرضا قال تعالى: ال إكراه في الدين قد تبين الرشد من‬
                                                                                         ‫الغي .‬
‫وما الجهاد إال إزالة لطواغيت األرض من أن يقفوا حائال بين عقيدة اإلسالم ووصولها إلى الناس،‬
 ‫فالمسلم مأمور بتبليغ دعوة اهلل تعالى، فمن وقف عائقا دون وصولها إلى من ورائه وجبت إزالته‬
                                                                                       ‫بالجهاد.‬
    ‫إسالمنا عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الجانب العلمي اليقيني من إسالمنا، والشريعة هي الجانب‬
                          ‫التكليفي في العبادات والمعامالت والحدود واالقتصاد والقانون الدولي.‬
                                                                             ‫وأما لماذا العقيدة؟‬
   ‫5. البد من العقيدة اإلسالمية ألن فيها اإلجابة على األسئلة الثالثة التي شغلت عقول البشر في‬
‫القديم والحديث، وما ضلت البشرية إال يوم أن كانت اإلجابة بشرية قاصرة فضاعت بسببها، وهذه‬
                                     ‫األسئلة هي: من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟‬
 ‫في إسالمنا نعلم من أين جئنا؟ بقول اهلل تعالى: هل أتى على اإلنسان حين من الدهر لم يكن شيئا‬
                                                                                        ‫مذكورا‬

‫(5/291)‬
                                                                                ‫الصحابة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                                       ‫قضايا في االعتقاد‬
                                                                                ‫الصحابة‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                              ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                  ‫الدوحة‬
                                                                            ‫الريان الكبير‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- من هم الصحابة. 7- عدالة الصحابة. 3- سمات رسول اهلل. 2- أسباب تميز الصحابة.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة األولى‬
‫قال تعالى: والسابقون األولون من المهاجرين واألنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي اهلل عنهم‬
    ‫ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها األنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [التوبة‬
                                                                                 ‫:005].‬
  ‫يقوم اإلمام الطحاوي رحمه اهلل: ونحب أصحاب رسول اهلل . وال نفرط في حب أحد منهم وال‬
     ‫نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وال نذكرهم إال بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان‬
                                                             ‫وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.‬
                    ‫فمن هم الصحابة؟ وما هي مكانتهم؟ وما سماتهم؟ وما موقف المسلم منهم؟‬
  ‫األصحاب: جمع صاحب والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه وذلك يقع على قليل الصحبة‬
                                                                        ‫وكثيرها(5)[5]).‬
‫اصطالحا: والصحابي هو من لقي النبي وكان مسلما ومات مسلما من غير ارتداد طالت صحبته‬
                                                                      ‫أم قصرت(7)[7]).‬
                                                                         ‫وينبغي أن تعلم:‬
          ‫أن أفضل وخير أمة محمد هم األصحاب رضي اهلل عنهم جميعا للحديث: ((خير أمتي‬
                                                                         ‫قرني))(3)[3]).‬
    ‫ولن يبلغ أحد ما بلغه األصحاب من المنزلة عند اهلل عز وجل للحديث: ((ال تسبوا أصحابي،‬
    ‫فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم وال نصيفه))(2)[2]).‬
‫إن علماء اإلسالم أجمعوا على أن الصحابة كلهم عدول وال يجوز للمسلم أن ينتقصهم بل الواجب‬
                                                   ‫ذكر محاسنهم واإلعراض عما شجر بينهم.‬
  ‫يقول اإلمام أحمد: (إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول اهلل بسوء فاتهمه على إسالمه)(1)[1]).‬
    ‫وللحديث: ((أن اهلل اختارني واختار لي أصحابا جعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصحابا فمن‬
        ‫سبهم فعليه لعنة اهلل والمالئكة والناس أجمعين ال يقبل اهلل منه صرفا وال عدال))(6)[6]).‬
                                                                        ‫وأما ما هي مكانتهم؟:‬
                                           ‫فإنهم مرضي عنهم رضاء ثابتا في الكتاب والسنة :‬
  ‫في الكتاب قوله تعالى: لقد رضي اهلل عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم‬
                                             ‫فأنزل السكينة عليه وأثابهم فتحا قريبا [الفتح:25].‬
  ‫وفي السنة: ((اهلل اهلل في أصحابي ال تتخذوهم غرضا بعدي من أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم‬
             ‫فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اهلل ومن آذى اهلل فيوشك أن‬
                                                                              ‫يأخذه))(2)[2]).‬
  ‫واألصحاب كلهم عدول وال يبحث عن عدالتهم في رواية وال شهادة وهذا ما أجمع عليه السلف‬
  ‫والخلف. والطعن فيهم هو طعن في المنقول عنهم من كتاب وسنة. يقول أبو زرعة: (إذا رأيت‬
 ‫الرجل ينتقص األصحاب فاعلم أنه زنديق وذلك ألن الرسول حق، والقرآن الكريم حق، وما جاء‬
   ‫به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤالء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا‬
                                                     ‫الكتاب والسنة فالجرح بهم أولى)(2)[2]).‬
‫والصحابة هم الذين حملوا راية اإلسالم إلى الدنيا كلها بجهادهم وتضحياتهم وبذل المهج واألموال‬
   ‫وقتل اآلباء واألبناء غضبة هلل ورسوله، ونحن مدينون لهم بإسالمنا وهدايتنا بعد اهلل عز وجل.‬
   ‫جزاهم اهلل عنا خير الجزاء، وأثابهم أعظم الثواب وأكرمه، يقول ابن حزم: (الصحابة كلهم من‬
 ‫أهل الجنة قطعا لقوله تعالى: ال يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من‬
‫الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكال وعد اهلل الحسنى . فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه ال يدخل‬
                                                                      ‫أحد منهم النار)(9)[9]).‬
                                                             ‫وأما سمات أصحاب رسول اهلل :‬
  ‫قوة في اليقين: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة، حضر أبا ذر الموت بكت امرأته فقال لها: ما‬
   ‫يبكيك؟ قالت: أبكي ألنه ال يدان لي بتغيبك وليس لي ثوب يسعك، قال: فال تبكي، فإني سمعت‬
‫رسول اهلل يقول لنفر أنا منهم: ((ليموتن منكم رجل بفالة من األرض تشهده عصابة من المؤمنين.‬
   ‫وليس من أولئك النفر رجل إال قد مات في قرية وجماعة من المسلمين وأنا الذي أموت بفالة،‬
                                                                 ‫ذ‬
     ‫واهلل ما كذب وال ك ّبت فأبصري الطريق)). فقالت: أنى وقد انقطع الحاج وتقطعت الطرق!‬
     ‫فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه، فبينما هي كذلك إذا هي بنفر،‬
   ‫فأالحت بثوبها فأقبلوا، قالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟‬
     ‫قالت: أبو ذر ،ففدوه بآبائهم، وأمهاتهم حتى جاؤوه، فقال: أبشروا، فحدثهم الحديث الذي قال‬
                                                                         ‫رسول اهلل (05)[05]).‬
                                                             ‫األخذ بالعزائم والبعد عن الرخص:‬
 ‫في الطاعات: عبد اهلل بن الحارث الباهلي: أتى النبي فقال: ((يا رسول اهلل أنا الرجل الذي جئتك‬
                                                                   ‫ي‬
‫عام األول، فقال: فما غ ّرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعاما إال بليل منذ فارقتك، فقال‬
‫رسول اهلل : ((لم عذبت نفسك صم شهر الصبر ويوما من كل شهر قال: زدني فإن بي قوة، قال:‬
    ‫((صم يومين)) قال: زدني، قال: ((صم من الحرم واترك))(55)[55]). أي األشهر الحرم ذو‬
                                                            ‫العقدة، وذو الحجة والمحرم ورجب.‬
‫في طلب الشهادة: دخل عمر المسجد والنعمان بن مقرن يصلي فقعد إلى جنبه فلما قضى صالته،‬
 ‫قال: إني أريد أن أستعملك، فقال النعمان: أما جابيا فال ولكن غازيا، قال عمر: فأنت غاز فوجهه‬
   ‫إلى أصبهان، فلما وصل وجمع جنده قال لهم: إني هاز لوائي ثالث مرات، فأما الهزة األولى:‬
 ‫فقضى رجل حاجته وتوضأ، وأما الثانية: فنظر رجل في سالحه وفي نعله فأصلحه، وأما الثالثة:‬
                         ‫م‬
 ‫فاحملوا على العدو وإني داع بدعوة فعزمت على كل امرئ منكم لما أ ّن عليها: اللهم أعط اليوم‬
‫النعمان شهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم. فكان أول صريع وفي رواية قال: اللهم إني أسألك‬
  ‫أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز اإلسالم وذل يذل به الكفار ثم اقبضني إليك بعد ذلك على‬
                                                                ‫م‬                    ‫م‬
                                             ‫الشهادة، أ ّنوا يرحمكم اهلل. فأ ّنا وبكينا(75)[75]).‬
   ‫ال إيثار في الجنة: لما خرج رسول اهلل إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه.‬
  ‫فأمر النبي أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة البنه سعد رضي اهلل عنهما: إنه ال بد ألحدنا‬
      ‫من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة آلثرتك به إني أرجو الشهادة في‬
         ‫وجهي هذا فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول اهلل إلى بدر فقتله عمرو بن عبد‬
                                                                                            ‫ُد‬
                                                                                  ‫و ّ(35)[35]).‬
                                                             ‫تحمل الشدائد في سبيل اهلل سبحانه:‬
 ‫صبر على إيذاء المشركين وضربهم: عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد اهلل بن عباس رضي اهلل‬
 ‫عنهما أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول اهلل من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟‬
  ‫قال: نعم واهلل إن كانوا ليضربون أحدهم يجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من‬
                                                                 ‫شدة الضر الذي به(25)[25]).‬
  ‫صبر على الجوع في سبيل اهلل: عن أبي جهاد ، وكان من أصحاب النبي ، فقال له ابنه: يا أبتاه‬
‫رأيتم رسول اهلل وصحبتموه واهلل لو رأيته لفعلت، فقال له أبوه: اتق اهلل وسدد، فوالذي نفسي بيده،‬
  ‫لقد رأيتنا ليلة الخندق وهو يقول: ((من يذهب فيأتينا بخبرهم، جعله اهلل رفيقي يوم القيامة))، فما‬
                 ‫قام من الناس أحد من صميم ما بهم من الجوع والقر حتى نادى في الثالثة: ((يا‬
                                                                             ‫حذيفة))(15)[15]).‬
      ‫وعن ابن مسعود ، قال: نظر رسول اهلل إلى الجوع في وجوه أصحابه، فقال: ((أبشروا فإنه‬
‫سيأتي عليكم زمان يغدى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليه بمثلها)) قالوا: يا رسول اهلل‬
                           ‫نحن يومئذ خير، قال: ((بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ))(65)[65]).‬
                                                                 ‫اإلنفاق والبذل في سبيل اهلل:‬
 ‫أ- في تجهيز الجيوش: بعث النبي إلى عثمان يستعينه في جيش العسرة فبعث إليه عثمان بعشرة‬
       ‫آالف دينار فصبت بين يديه فجعل النبي يقلبها بين يديه ويقول: ((غفر اهلل لك يا عثمان ما‬
    ‫أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ما يبالي عثمان ما عمل بعد‬
                                                                           ‫هذا))(25)[25]).‬
  ‫ب-في إطعام الفقراء: بينما عائشة رضي اهلل عنها في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة، قالت:‬
‫ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء. قال وكانت سبع مائة‬
 ‫بعير، قال: فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة رضي اهلل عنها: سمعت رسول اهلل يقول:‬
 ‫((قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا)) فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فقال: لئن‬
                      ‫استطعت ألدخلنها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل اهلل(25)[25]).‬
   ‫الحب الخالص هلل وللرسول : حب مأل عليهم جوانحهم، فما من ذرة في أبدانهم إال وقد غمرها‬
                                                   ‫الحب، حب اختلط بالدم والعصب والعظم.‬
     ‫وهذا خبيب بن عدي رفعه المشركون على خشبة ليصلبوه، نادوه يناشدونه: أتحب أن محمدا‬
           ‫مكانك؟ قال: ال واهلل العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه، فضحكوا(95)[95]).‬
    ‫وكذا قال زيد بن الدثنة وقد اجتمع رهط من قريش لقتله فيهم أبو سفيان، فقال له أبو سفيان -‬
  ‫حين قدم للقتل - أنشدك اهلل يا زيد: أتحب أن محمدا اآلن عندنا فنضرب عنقه. وأنك في أهلك؟‬
‫قال: واهلل ما أحب أن محمدا اآلن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي.‬
         ‫فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله‬
                                                                         ‫نسطاس(07)[07]).‬
    ‫وفي غزوة أحد كسرت رباعيته اليمنى السفلى وجرحت شفته السفلى ودخلت حلقتان من حلق‬
   ‫المغفر في وجنته ووقع في حفرة، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة بن عبد اهلل حتى‬
                                                                     ‫ص‬
    ‫استوى قائما وم ّ مالك بن سنان - والد أبي سعيد الخدري - الدم عن وجه رسول اهلل : ثم‬
          ‫أزدرده (أي شربه) فقال رسول اهلل : ((من مس دمي دمه لم تصبه النار))(57)[57]).‬
    ‫وهذه امرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول اهلل بأحد فلما نعوا لها‬
  ‫قالت: فما فعل رسول اهلل ؟ قالوا: خيرا يا أم فالن هو بحمد اهلل كما تحبين. قالت: أروني أنظر‬
        ‫إليه. فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (أي صغيرة)(77)[77]).‬
    ‫العالمية في حبهم ودعوتهم: إن مما مزق الصف المسلم هي اإلقليمية البغيضة النتنة التي زين‬
 ‫الشيطان للبعض أن يجعلها ضرورة لخدمة اإلسالم فأحاطوه بالشرعية بعد لي اآليات واألحاديث‬
                                                                 ‫عن مرادها فضلوا وأضلوا.‬
            ‫د‬                                    ‫ي‬
   ‫يقول ابن عباس رضي اهلل عنهما: إن ف ّ ثالث خصال: إني آلتي على اآلية فلود ّت أن جميع‬
  ‫الناس يعلمون ما أعلم، وإني ألسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي ال‬
      ‫أقاضي إليه أبدا، وإني ألسمع بالغيث قد أصاب البلد من بالد المسلمين فأفرح ومالي به من‬
                                                                            ‫سائمة(37)[37]).‬
 ‫وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع رسول اهلل ونحن ستة نفر، فقال: المشركون: اطرد هؤالء‬
 ‫عنك فإنهم وإنهم (أي واجعل لنا مجلسا خاصا بنا) قال: فوقع في نفس النبي من ذلك ما شاء اهلل‬
    ‫فحدث به نفسه (أي رجاء إسالمهم) فأنزل اهلل عز وجل: وال تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة‬
           ‫والعشي يريدون وجهه (27)[27]). وفي رواية قالوا: اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم‬
                                                                           ‫اتبعناك(17)[17]).‬
   ‫والمتأمل في أحوال المسلمين يجد الفرقة والشتات والتمزق فيأتي دعاة اإلقليمية فيزيدوا الفرقة‬
     ‫فرقة، والضياع ضياعا: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا‬
                                                                               ‫[الكهف:205].‬
    ‫االستعالء على المناصب: وإذا ترحل اإلخالص من القلوب، انحرف العبد في عبوديته فيكون‬
‫عبدا لغير اهلل سبحانه من درهم أو دينار أو منصب أو جاه. ولما كان الكذب سمة غير المخلصين‬
            ‫لذا تجد المهزلة في وصف التكالب على الدنيا، واستباحة الدماء جهادا وإحقاقا للحق.‬
‫قام أبو بكر من الغد حين بويع فخطب الناس فقال: يا أيها الناس، إني قد أقلتكم بيعتكم (أي رددت‬
‫عليكم بيعتكم) إني لست بخيركم فبايعوا خيركم. فقاموا إليه فقالوا: يا خليفة رسول اهلل أنت - واهلل‬
                                                                          ‫- خيرنا(67)[67]).‬
    ‫وذلك لعلمهم أن األمر عظيم، والتبعة كبيرة، والسؤال عنها خطير، والعذاب شديد لمن ضيع.‬
‫وللحديث: ((ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إال أتى اهلل مغلوال يوم القيامة يده إلى عنقه‬
    ‫فكه بره أو أوثقه إثمه، أولها سالمة، وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة))(27)[27]).‬
                    ‫وأما ما هي األسباب التي أدت إلى ظهور أصحاب رسول اهلل بهذه السمات؟‬
 ‫5- الوحي: الذي كان يرصد كل حركة وكل همسة وكل نجوى، وتنزل آيات اهلل تتلى في كشف‬
‫أستار النفوس وما فيها من عوار أو صالح، األمر الذي جعل األصحاب رضوان اهلل عليهم تحت‬
    ‫رقابة صارمة ال تعرف المحاباة، فكانت ثمرتها االستشعار لرقابة اهلل سبحانه، واالنضباط في‬
 ‫السر والعلن، والحذر من الوقوع في المخالفة فكل هذا وغيره كان ببركة الوحي الذي استشعرت‬
‫أم أيمن فقده وانقطاعه، وقد قال أبو بكر لعمر رضي اهلل عنهما بعد وفاة رسول اهلل : ((انطلق بنا‬
‫إلى أم أيمن رضي اهلل عنها نزورها كما كان رسول اهلل يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقاال لها:‬
‫ما يبكيك، أما تعلمين أن ما عند اهلل تعالى خير لرسول اهلل ، قالت: أنا ال أبكي لذلك ألني أعلم أن‬
            ‫ما عند اهلل خير لرسول اهلل ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فجعال يبكيان‬
                                                                            ‫معها))(27)[27]).‬
   ‫أما وأن الوحي قد انقطع فليدع اإلخالص المنافقون وليدع الصدق الكاذبون ففي األمر سعة وال‬
                                             ‫تعرف الحقائق إال بعد الفواجع: نسأل اهلل العافية.‬
   ‫7- وجود رسول اهلل : كان له األثر العظيم في وجود أصحاب رسول اهلل بهذه السمات حيث:‬
‫أ / القدوة: والتطبيق العلمي الواقعي فقد كان قرآنا يمشي على األرض ووصفته عائشة رضي اهلل‬
                                         ‫عنها فقالت: ((كان خلق نبي اهلل القرآن))(97)[97]).‬
                                                                        ‫ي‬
  ‫ب/ المعجزات الحس ّة: التي أيد اهلل بها رسوله من نبع الماء بين أصابعه وتكثير الطعام وحنين‬
   ‫الجذع واألخبار بأمور مستقبلية وكشف لنوايا القلوب، كل هذا كان يزيد األصحاب إيمانا ويقينا‬
                                                                  ‫وهم يرون ذلك رأي العين.‬
‫ج/ الشخصية التي تجتمع عليها القلوب: فال تنازع وال اختالف وال داء األنا الذي ورثه الكثيرون‬
  ‫عن الشيطان: أنا خير منه [األعراف:75]. كل ذلك األصحاب في منأى عنه ونجاة وانشغال بما‬
                                                           ‫هو أنفع لدينهم وآخرتهم ودعوتهم.‬
                                                          ‫3.المحك الذي تتميز عنده القلوب :‬
‫حيث الشدائد والمحن، وأجواء المواجهة والتحدي كل هذا كان ال يسمح بدخول األدعياء والمنافقين‬
                                                ‫في صفوفهم عندما كانوا في مكة مستضعفين.‬
    ‫الجهاد الذي كان يفرض على كل قادر سليم أن يؤدي دوره في الدفاع عن اإلسالم ونشره في‬
                                                                                ‫أرجاء الدنيا.‬
 ‫وقصة الثالثة الذين تخلفوا عن غزوة العسرة ونظرة المجتمع المسلم إليهم واعتزاله لهم، في مثل‬
   ‫هذه األجواء، تتكشف حقائق القلوب وتعرف للرجال أقدارهم فليس األمر تشدق بعبارات رنانة‬
                           ‫جوفاء - وخياالت وتأمالت خواء. لقد كان األمر جدا فأصبح هزال.‬
‫وضوح األولويات: لقد كان أصحاب رسول اهلل واضحة عندهم المعالم من تقديم لقول اهلل ورسوله‬
      ‫وحرص على وحدة أمة محمد وتوجيه الطاقات إلزالة المنكر األكبر واستشعار خطر العدو‬
    ‫المشترك وتقديم لألصول على الفروع والفرائض على السنن وجواز تعدد الصواب في دائرة‬
‫الشرع والبعد عن اختالف القلوب والحرص على الجانب العملي والمسارعة في الخيرات وعالمية‬
                                                                   ‫الدعوة والحب والمساعدة.‬
                                                             ‫البعد عن المهاترات والنزاعات:‬
  ‫والتي ال تزيد األمة المسلمة إال ضعفا، وهوانا إلى هوانها وهم األمل المرجي بعد اهلل تعالى أن‬
                                                ‫يأخذوا بهذه األمة إلى الوحدة والعزة والهداية.‬
 ‫إذا كنت أعمى فكيف تقود غيرك، وفاقد الشيء ال يعطيه، والمربي عليه أن يكون قد نال نصيبه‬
                                ‫من التربية قبل ذلك. ومن تسود قبل أوانه لم تفارقه الحموضة.‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                       ‫الخطبة الثانية‬
                                                            ‫لم ترد .‬
                                                     ‫__________‬
                                     ‫(5) حكم سب الصحابة ص 52 .‬
‫(7) تيسير األصول ص 227 ، وحكم سب الصحابة قول ابن تيميه ص 52 .‬
                                                      ‫(3) البخاري .‬
                                                      ‫(2) البخاري .‬
                                     ‫(1) حكم سب الصحابة ص 55 .‬
                                                      ‫(6) الطبراني .‬
                                                ‫(2) الترمذي وأحمد .‬
                                      ‫(2) حكم سب الصحابة ص 75.‬
                                     ‫(9) حكم سب الصحابة ص 67 .‬
                          ‫(05) 05])حياة الصحابة ، مجلد 3 ص 66 .‬
          ‫(55) 55])رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي بسند جيد .‬
                    ‫(75) 75])حياة الصحابة ، مجلد ص 292- 292 .‬
                   ‫(35) 35])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 292-992 .‬
                         ‫(25) 25])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 127 .‬
                         ‫(15) 15])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 503 .‬
                         ‫(65) 65])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 503 .‬
                   ‫(25) 25])حياة الصحابة ، مجلد 7 ص 715-315 .‬
                         ‫(25) 25])حياة الصحابة ، مجلد 7 ص 315 .‬
                         ‫(95) 95])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 051 .‬
                         ‫(07) 07])حياة الصحابة ، مجلد 5 ص 201 .‬
                              ‫(57) 57])تهذيب سيرة ابن هشام 725 .‬
                          ‫(77) 77])تهذيب سيرة ابن هشام ص 095 .‬
                 ‫(37) 37])حياة الصحابة ، مجلد 7 ص 152 - 651 .‬
                   ‫(27) 27])حياة الصحباة ، مجلد 7 ص 912-062 .‬
                          ‫(17) 17])حياة الصحابة ، مجلد 7 ص 25 .‬
                          ‫(67) 67])حياة الصحابة ، مجلد 7 ص 25 .‬
                                                   ‫(27) 27])مسلم .‬
                                                                           ‫(27) 27])مسلم .‬
                                                                           ‫(97) 97])مسلم .‬

‫(5/291)‬




                                                              ‫أركان اإليمان أوال اإليمان باهلل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                             ‫اإليمان, التوحيد‬
                                                             ‫األسماء والصفات, اهلل عز وجل‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                       ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- معنى اإليمان باهلل. 7- توحيد الربوبية. 3- توحيد األلوهية. 2- توحيد األسماء والصفات‬
      ‫وحديث عن صفات اهلل ومنهج السلف في اثباتها. 1- مناقشة عقلية لقضية خلق العالم. 6-‬
                                         ‫شبهات للمالحدة. 2- عقيدة المسلم في اهلل عز وجل.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫قال تعالى: قل هو اهلل أحد اهلل الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا [سور اإلخالص].‬
 ‫سورة اإلخالص تعدل ثلث القرآن - كيف ال وفيها صفة الرحمن - وسبب نزولها أن المشركين‬
                                   ‫قالوا للنبي انسب لنا ربك فأنزل اهلل قل هو اهلل أحد(5)[5]).‬
   ‫فما اإليمان باهلل سبحانه؟ وما دالئل وجوده سبحانه؟ وما هي شبهات الملحدين وما الرد عليها؟‬
                                                                     ‫وما حق اهلل على عباده؟‬
  ‫أما اإليمان باهلل: فهو االعتقاد الجازم بأن اهلل سبحانه رب كل شيء ومليكه وخالقه - وأنه الذي‬
   ‫يستحق وحده أن يفرد بالعبادة: من صالة وصيام، ودعاء، ورجاء، وخوف، وذل وخضوع -‬
                                      ‫وأنه المتصف بصفات الكمال كلها المنزه عن كل نقص.‬
                  ‫وينبغي أن تعلم: أن أنواع التوحيد ثالث - وال يصح إيمان العبد إال بها وهي:‬
  ‫توحيد الربوبية: وهو االعتقاد الجازم بأن اهلل رب كل شيء وال رب غيره - تقول العرب: أنا‬
 ‫رب الدار أي القائم بشؤونها - واهلل تعالى هو رب العالمين القائم بشؤون خلقه من خلق ورزق‬
                                                                        ‫وإحياء وإماتة سبحانه.‬
    ‫توحيد األلوهية: االعتقاد الجازم بأن اهلل سبحانه هو اإلله الحق وال إله غيره وإفراده سبحانه‬
                                                               ‫ل‬
    ‫بالعبادة، والعرب تقول: أَِهَ الفصيل إلى أمه من مفزع أفزعه واهلل تعالى هو الذي يخلص له‬
‫المؤمن في تعبده وخوفه ورجائه وطاعته وتوكله واحتكامه ودعائه، وهذا هو التوحيد الفارق بين‬
   ‫الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في األولى واآلخرة فمن لم يأت به كان من‬
‫المشركين. وهو التوحيد الذي جاء به الرسل من عند اهلل سبحانه: وما أرسلنا من قبلك من رسول‬
 ‫إال نوحي إليه أنه ال إله إال أنا فاعبدون [األنبياء:17]. والمشركون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية‬
 ‫وينكرون توحيد األلوهية، فأكثر العباد ال ينكرون الخالق وربوبيته على الخلق ولكن معظم كفره‬
     ‫من عبادتهم غير اهلل عز وجل حيث يكون دعاؤهم واستعانتهم واحتكامهم وطاعتهم لغير اهلل‬
‫سبحانه: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اهلل فأنى يؤفكون [الزخرف:22]. قال ابن كثير رحمه اهلل:‬
   ‫(أي هم يعترفون أنه الخالق لألشياء جميعا وحده ال شريك له في ذلك ومع هذا يعبدون من ال‬
  ‫يملك شيئا وال يقدر على شيء فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل)(7)[7]) .‬
  ‫ج- توحيد األسماء والصفات: االعتقاد الجازم بأن اهلل عز وجل متصف بجميع صفات الكمال،‬
‫ومنزه عن جميع صفات النقص - من غير تشبيه فمن شبه اهلل بخلقه كفر - (فكل ما خطر ببالك‬
                                         ‫فهو على خالف ذلك) ليس كمثله شيء [الشورى:55].‬
‫ومن غير تعطيل أي جحود أو نفي لما وصف اهلل به نفسه أو وصفه به رسوله فمن فعل ذلك فقد‬
‫كفر: وهو السميع البصير [الشورى:55] فال يجوز السؤال عن كيفية الصفات ألن اهلل سبحانه ال‬
  ‫يسأل عن كنهها فكذلك صفاته ال يصح السؤال عن كيفيتها. وعندما سئل اإلمام مالك رحمه اهلل‬
  ‫عن قوله سبحانه: الرحمن على العرش استوى [طه:1]. قال: (االستواء معلوم والكيف مجهول‬
 ‫واإليمان به واجب والسؤال عنه بدعة) فلله سمع وبصر ويد وكالم ونزول واستواء يليق بجالله‬
                                                                          ‫وذاته العلية سبحانه.‬
     ‫وضرب العلماء لذلك مثاال: تقول للنملة عين ولي عين فال يلزم أن تكون عيني كعين النملة‬
                                     ‫فللنملة عين تليق بها ولي عين تليق بي وهلل المثل األعلى.‬
                                                                            ‫والصفات نوعين:‬
                        ‫ذاتية: وهي التي ال تنفك عن اهلل سبحانه كالعلم والحياة والقدرة والسمع.‬
          ‫صفات العمل: فهي ما تعلق بمشيئة اهلل وقدرته كالنزول واالستواء والسخط والرضى.‬
                                                                    ‫وأما دالئل وجوده سبحانه:‬
‫الفطرة: فطرة اهلل التي فطر الناس عليها [الروم:3]. ((ما من مولود إال ويولد على الفطرة فأبواه‬
 ‫يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))(3)[3]). فقد أودع اهلل معرفته في النفس اإلنسانية بالعهد الذي‬
     ‫أخذه على األرواح قال تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على‬
                                                 ‫أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى [األعراف:725].‬
‫دقة المصنوع تدل على عظمة الصانع: وفي كتاب اهلل دعوة إلى النظر والتفكر في بدائع صنع اهلل‬
    ‫سبحانه: وفي أنفسكم أفال تبصرون [الذاريات:57]. إن في خلق السماوات واألرض واختالف‬
          ‫الليل والنهار آليات ألولي األلباب [آل عمران:095]. وانظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه‬
‫[األنعام:99]. وإن لكم في األنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا‬
                                                                          ‫للشاربين [النحل:66].‬
                                                                  ‫ووضع العلماء فروضا ثالث:‬
    ‫أ- أن الكون وجد مصادفة والعلماء يقولون: ما جرى مصادفة ال يتكرر حدوثه بانتظام انتظام‬
                                                ‫الكون يدل على أن وراء هذا الكون خالق حكيم.‬
 ‫ب- أن يكون صدور هذا الكون من العدم: وفاقد الشيء ال يعطيه: أم خلقوا من غير شيء أم هم‬
  ‫الخالقون [الطور:13]. أي هل وجدوا من غير خالق؟ أم خلقوا أنفسهم بأنفسهم فال يحتاجون إلى‬
                                                                  ‫أحد يخلقهم وكل هذا مستحيل.‬
 ‫ج- أن يكون لهذا الكون خالق حكيم وهذا ما قال به العقالء من قبل ومن بعد؛ يقول سقراط: أي‬
   ‫الصناع أولى باإلعجاب، الذي خلق صورا بال عقل وال حراك، أم الذي يبدع كائنات ذات عقل‬
                                                                                         ‫وحياة.‬
‫انخالع القلب إلى اهلل سبحانه عند الشدائد: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا‬
‫بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اهلل مخلصين له‬
  ‫الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين [يونس:77]. وعندما سئل أحد العارفين عن دليل‬
‫وجود اهلل قال: أرأيت لو كنت في صحراء فسقطت في بئر، وال تجد من ينجدك فماذا تقول، قال:‬
‫أقول يا اهلل يا اهلل، قال: هذا دليل وجوده، ولكنها مغالطة المالحدة لفطرتهم وادعائهم للعقالنية وال‬
                                                                                          ‫عقل.‬
       ‫التقدم في مجاالت المعرفة والعلوم: حيث أدركنا أن هنالك عوالم كثيرة ال علم لنا بها وهي‬
 ‫موجودة كالجراثيم والبكتريا ولكن قصورنا العلمي جعلنا في جهالة عن معرفتها قرون طوال. ثم‬
   ‫المغناطيس والكهرباء حيث ننتفع بها وال نعلم شيئا من حقيقتها فمعرفة حقائق األشياء ال يفيدنا‬
   ‫شيئا ويكفي أن نعرف من خواصها ما يعود بالفائدة علينا، فما بالك بذات اهلل سبحانه فهي أكبر‬
 ‫من أن يحيط بها إنسان وصدق اهلل العظيم: فال أقسم بما تبصرون وما ال تبصرون [الحاقة:23-‬
                                                                                           ‫93].‬
  ‫صدق المخبر يدل على صدق الخبر: فالذي أخبرنا عن اهلل سبحانه رسل وأنبياء كرام هم صفوة‬
‫الخلق وأطهرهم قلوبا وأزكاهم نفوسا وأحسنهم خلقا .لذا عندما صدع الرسول بدعوته ووقف على‬
‫الصفا ونادى القبائل بأسمائها، فلما اجتمعوا قال: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن وراء الجبل خيل تريد أن‬
 ‫تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: بلى ما عرفنا منك كذبا، قال: فإني رسول اهلل بين يدي عذاب‬
    ‫شديد)). فهم أمام الجبل ال يرون وال يعرفون ما خلف الجبل، فثقتهم بالمخبر وصدقه وأمانته‬
    ‫تلزمهم أن يؤمنوا ويصدقوا بالخبر، وكذا تواتر الخبر عبر أجيال مضت ولم يعرف عن أمة‬
  ‫اإللحاد منذ بدء الخليقة وإنما كانت نشأته في أوربا بسبب موقف الكنيسة من العلماء التجريبيين‬
 ‫والباحثين الذين اكتشفوا حقائق تخالف ما تبنته الكنيسة من خزعبالت فرضتها على الناس قسرا‬
‫يوم كان للكنيسة سلطان. فصار الناس بين أمرين كالهما شر. إما أن يؤمنوا بالكنيسة وخرافاتها‬
   ‫وإما أن يؤمنوا بالعلم ويكفروا بالكنيسة والتي كانت تمثل الدين كذبا، فلما زال سلطان الكنيسة‬
‫وجاءت الثورة الصناعية عمت الفوضى في عقائد الناس بل كان شعار المتظاهرين (ليشنق آخر‬
    ‫دوق بأمعاء آخر قسيس) فالكنيسة كانت سيفا ظالما بيد الحكام على رقاب الناس فجمعت بين‬
                                                 ‫السوءتين الظلم والجهل، فكانت نشأة اإللحاد.‬
  ‫وأما شبهات الملحدين: فإن للملحدين شبهات نسجوها بجهلهم لصرف األمة عن دينهم من ذلك:‬
                                                            ‫أ- الصراع بين الكنيسة والعلماء.‬
                      ‫ب- قصور العلم: فأصبحت المادة تمثل الوجود وما سواها ال رصيد له.‬
  ‫ج- وجود القاعدة والغالبية من الجهلة واألغبياء وأرباع العلماء يقول بيكون: القليل من الفلسفة‬
                                              ‫يورث اإللحاد والكثير من الفلسفة يورث اليقين.‬
          ‫ولكن العلم اآلن وصل إلى حد أن المادة ليس هي الشيء الملموس إنما هي غيب مثل:‬
     ‫االلكترونات والجاذبية والكهرباء وكذلك خصائص النفس اإلنسانية من عقل وضمير وروح‬
                       ‫ي‬
  ‫وذاكرة وإرادة ويقول العلماء أيضا الكامل المطلق وهو اهلل سبحانه ُعرف وال يحاط به فتوقف‬
      ‫اإلقرار على الرؤية واإلحاطة ضالل فالصغير ال يحيط بالكبير والناقص ال يحيط بالكامل‬
  ‫والمحدود ال يحيط باالنهائي وهكذا فال يمكن لإلنسان أن يحيط باهلل لقصور اإلنسان وكمال اهلل‬
                                     ‫سبحانه ولذا قيل: العجز عن إدراك الذات إدراك(2)[2]).‬
         ‫وعندما سأل موسى عليه السالم الرؤية قال تعالى: رب أرني أنظر إليك قال لن تراني‬
‫[األعراف:325]. وفيه إشارة إلى أن الخالق لم يحجب نفسه عن المخلوق، بل أن نقص المخلوق‬
‫هو الذي حجبه عن الرؤية حيث لم يقل: ال تراني. ثم تأمل في تمام اآلية: ولكن انظر إلى الجبل‬
    ‫فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فالجبل في‬
‫تركيبته أقوى وأصلب فإذا قوي على الرؤية فسوف تراني فإذا بالجبل يتهاوى وموسى أكرم على‬
   ‫اهلل تعالى من الجبل - فكيف يتجلى للجبل وهو جماد وال يتجلى لنبي كريم ويوم القيامة حيث‬
  ‫تكون طبيعة العباد وخلقهم على سمت وبناء جديد لذا قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها‬
           ‫ناظرة [القيامة:77-37]. وجاء في الحديث الشريف: ((إنكم سترون ربكم))(1)[1]).‬
                   ‫وأما حق اهلل على عباده :التوحيد الخالص هلل سبحانه وحده: وذلك بأن تعتقد:‬
‫أنه اهلل وحده هو الخالق، وكل ما عداه فهو مخلوق: اهلل خالق كل شيء [الزمر:76]. وأن كل من‬
  ‫عداه هو عبد له سبحانه: إن كل من في السماوات واألرض إال ءاتي الرحمن عبدا [مريم:39].‬
‫وحدة الخالق سبحانه: وذلك بأن تعتقد أن ال إله إال اهلل وحده، ولو كان وراء الكون أكثر من خالق‬
  ‫الضطرب نظامه، واختل ميزانه: لو كان فيهما آلهة إال اهلل لفسدتا فسبحان اهلل رب العرش عما‬
                                                                        ‫يصفون [األنبياء:77].‬
    ‫يقول ابن كثير رحمه اهلل: لو قدر تعدد اإلله النفرد كل منهم بما خلق، فما كان ينتظم الوجود،‬
‫والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، غاية الكمال: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت [تبارك:3].‬
‫ثم لكان كل منهم يطلب قهر اآلخر وخالفه، فيعلو بعضهم على بعض(6)[6])، ما اتخذ اهلل من ولد‬
                                                              ‫ً‬
 ‫وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعال بعضهم على بعض سبحان اهلل عما يصفون‬
                                                                              ‫[المؤمنون:59].‬
       ‫إفراد اهلل عز وجل وحده بالعبادة البدنية كالصالة والصوم والذبح، والقولية كالنذر والدعاء‬
 ‫والسؤال: قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين ال شريك له وبذلك أمرت وأنا‬
  ‫أول المسلمين [األنعام:765]. وللحديث: ((إذا سألت فاسأل اهلل وإذا استعنت فاستعن باهلل، واعلم‬
‫أن األمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء ال ينفعوك إال بشيء قد كتبه اهلل لك وإن اجتمعوا على‬
‫أن يضروك بشيء ال يضروك إال بشيء قد كتبه اهلل عليك))(2)[2])، ليس هناك حجاب بينه وبين‬
  ‫خلقه، فعالقة العبد باهلل سبحانه وتعالى عالقة مباشرة، فإنه ليس أقرب إليه من اهلل سبحانه: وإذا‬
                                                  ‫سألك عبادي عني فإني قريب [البقرة :625].‬
   ‫وجوب إخالص المحبة هلل عز وجل وحده: وذلك بأن تقدم محبة اهلل تعالى على محبة كل أحد،‬
    ‫حتى تضحي بكل حب في سبيل اهلل إذا تعارض بينه وبين ما يقتضيه حبك لربك: قل إن كان‬
      ‫آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها،‬
‫ومساكن ترضونها أحب إليكم من اهلل ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اهلل بأمره واهلل‬
                                                           ‫ال يهدي القوم الفاسقين [التوبة:27].‬
                                    ‫فتفرد اهلل وحده بالمحبة والدعاء والتوكل والخوف والرجاء.‬
   ‫وجوب التلقي عن اهلل وحده في الشرائع القانونية بالمنهج الذي بلغنا عن رسول اهلل : وما آتاكم‬
                                              ‫الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر:2].‬
                                                         ‫وأما موقف المسلم من ربه جل وعال:‬
                                                       ‫5- التنزه عن الشرك: والشرك شركان:‬
    ‫شرك أكبر: وهو أن يجعل العبد هلل ندا ويعبده من حجر أو شمس أو شيخ: إن اهلل ال يغفر أن‬
  ‫يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء:655]. والشرك في ربوبية اهلل وأسمائه وصفاته‬
                           ‫كفر وكذا الشرك في عبادته تعالى إن كان الفاعل عالما مصرا عليه.‬
   ‫الشرك األصغر: وهو أن يبتغي العبد الدنيا بعمل اآلخرة للحديث: ((إن أخوف ما أخاف عليكم‬
               ‫الشرك األصغر، قالوا: وما الشرك األصغر يا رسول اهلل؟ قال: الرياء))(2)[2]).‬
                 ‫وذلك لطلب المنافع الدنيوية من سمعة وثناء ورتبة وتقدم وجاه ومنصب ومال.‬
‫7- تعظيمه سبحانه والحياء منه: وقد ذكر رب العزة سبحانه علة الكفر، فقال: وما قدروا اهلل حق‬
‫قدره واألرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون‬
‫[الزمر:26]. قال السعدي: ما عظموه حق تعظيمه(9)[9])، واستشعار نظر اهلل إليك: ألم يعلم بأن‬
 ‫اهلل يرى [العلق:25]. وللحديث: ((استحيوا من اهلل حق الحياء؟ قالوا: وكيف نستحي من اهلل حق‬
   ‫الحياء؟ قال: أن تحفظ الرأس وما وعوى والبطن وما حوى وأن تذكر الموت والبلى فمن فعل‬
                                               ‫ذلك فقد استحيا من اهلل حق الحياء))(05)[05]).‬
‫3- مخافة اهلل سبحانه والخشية منه: الذين إذا ذكر اهلل وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم‬
   ‫إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [الحج:13]، وللحديث: ((يقول اهلل عز وجل: أخرجوا من النار من‬
        ‫ذكرني يوما أو خافني في مقام))(55)[55])، وأن يكون لهذا الخوف ثمرة وذلك باجتناب‬
                                                      ‫ل‬
   ‫المعاصي واآلثام للحديث: ((سبعة يظّلهم اهلل في ظله يوم ال ظل إال ظله ... - وذكر منهم -‬
                       ‫ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف اهلل))(75)[75]).‬
       ‫اإلكثار من ذكره سبحانه: يا أيها الذين آمنوا اذكروا اهلل ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيال‬
                                                                         ‫[األحزاب:52-72].‬
                ‫والذاكرين اهلل كثيرا والذاكرات أعد اهلل لهم مغفرة وأجرا عظيما [األحزاب:13].‬
   ‫وللحديث: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اهلل‬
                                                      ‫وبحمده، سبحان اهلل العظيم))(35)[35]).‬
‫أن تحسن الظن باهلل سبحانه: للحديث: ((يقول اهلل عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث‬
   ‫يذكرني))(25)[25])، (فينبغي للعبد أن يجتهد في طاعة ربه موقنا بأن اهلل يقبله ويغفر له ألنه‬
      ‫وعده بذلك، وهو ال يخلف الميعاد، فإن اعتقد خالف ذلك فهو آيس من رحمة اهلل، وهو من‬
   ‫الكبائر، وأما ظن المغفرة مع اإلصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغفلة)(15)[15]).‬
 ‫يقول ابن القيم رحمه اهلل: ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل على أن حسن الظن باهلل هو حسن‬
 ‫العمل نفسه فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه‬
 ‫عليها ويتقبلها منه وإال فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز(65)[65])، للحديث: ((الكيس من دان‬
          ‫نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل))(25)[25]).‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد .‬
                                                                             ‫__________‬
                                                                             ‫(5) رواه أحمد.‬
                        ‫(7) ابن كثير مجلد 2 ص 635.‬
                                  ‫(3) البخاري ومسلم.‬
                        ‫(2) الوجود الحق/ حسن هويدي.‬
                                       ‫(1) متفق عليه.‬
                  ‫(6) مختصر ابن كثير ، 7ج ، ص 32.‬
             ‫(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.‬
                             ‫(2) رواه أحمد بإسناد جيد.‬
                  ‫(9) مختصر ابن كثير ، ج3 ص 277.‬
                                   ‫(05) 05])الترمذي.‬
                                   ‫(55) 55])الترمذي.‬
                             ‫(75) 75])البخاري ومسلم.‬
                                 ‫(35) 35])متفق عليه.‬
                             ‫(25) 25])البخاري ومسلم.‬
            ‫(15) 15])الترغيب والترهيب، ج2 ص 967.‬
                    ‫(65) 65])الدواء الشافعي ص 227.‬
                                 ‫(25) 25])رواه أحمد.‬

‫(5/991)‬




                                               ‫المالئكة‬
                   ‫-----------------------‬
                                                ‫اإليمان‬
                                               ‫المالئكة‬
                   ‫-----------------------‬
                             ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                ‫الدوحة‬
                                          ‫الريان الكبير‬
          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                ‫-------------------------‬
                                        ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- المالئكة وأصل خلقهم. 7- دليل وجودهم. 3- بعض مهام المالئكة وأدلتها. 2- صفات‬
                                                                       ‫المالئكة. 1- أثر اإليمان بالمالئكة.‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                  ‫عل‬             ‫فظ ِر ا تب ي م‬                           ‫وِن ع ُ‬
             ‫قال تعالى: َإ َّ َلَيْكمْ لَحَا ِ ِينَ ك َامً كَا ِ ِينَ َعْلَ ُونَ مَا تَفْ َُونَ [االنفطار:05-75].‬
      ‫يقول الحسن البصري : يا ابن آدم إن اهلل خلقك وأوكل بك ملكين عن اليمين وعن الشمال.‬
‫فأما الذي عن يمينك فيكتب لك الحسنات، والذي عن شمالك فيكتب عليك السيئات فاعمل ما شئت،‬
 ‫ْز ه ئ ُ ف عنقه‬                        ‫و ُل إ‬
 ‫فإذا مت طويت صحيفتك وعلقت في عنقك وذلك قوله تعالى: َك َّ ِنْسَانٍ أَل َمْنَا ُ طَ ِرَه ِى ُ ُ ِ ِ‬
                                                                 ‫و ن رج ه ْ ق ي م ك ي ه م ش ا‬
                                                                 ‫َ ُخْ ِ ُ لَ ُ يَومَ الْ ِ َا َةِ ِتَابًا َلْقَا ُ َنْ ُورً‬

‫(5/006)‬




                                                                                                  ‫الخوف من الرياء‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                                                 ‫التوحيد‬
                                                                             ‫الشرك ووسائله, شروط التوحيد‬
                                                                   ‫-----------------------‬
                                                                                        ‫محمد بن عبد اهلل السبيل‬
                                                                                                         ‫مكة المكرمة‬
                                                                                                      ‫المسجد الحرام‬
                                                     ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                     ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- اإلخالص من أهم الواجبات وهو شرط لقبول العمل 7- تحذير الشارع من عدم الوقوع في‬
                                                        ‫ضده وهو الرياء 3- كالم بعض السلف في هذا‬
                                                               ‫-------------------------‬
                                                                                                       ‫الخطبة األولى‬
                                                                                                                ‫أما بعد:‬
   ‫فاتقوا اهلل –عباد اهلل – واعلموا أن تقواه هي الزاد الذي ال يفنى، وهي الموصلة إلى اهلل، وهي‬
                                                             ‫التي تقي مصارع السوء في الدنيا واآلخرة.‬
‫عباد اهلل: إن إخالص العمل من أوجب الواجبات، ومن أبر الطاعات، وهو أساس لكل عمل صالح‬
  ‫إذا خال العمل من اإلخالص، فال قيمة له وال ثواب له في الدنيا واآلخرة، بل إن عدم اإلخالص‬
   ‫داخل في مسمى الشرك، بل هو محبط للعمل، كما جاء في الحديث القدسي: ((يقول اهلل – عز‬
  ‫وجل - : من عمل عمال أشرك معي فيه غيري تركته وشركه))(5)[5]، ولقد حذر منه سبحانه‬
‫في محكم كتابه، مخاطبا نبيه محمدا – - وهو خطاب ألمته: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك‬
 ‫لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل اهلل فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر:16-‬
                                                                                        ‫66].‬
   ‫وإن عدم اإلخالص في العمل هو الشرك الذي حذر اهلل منه، وحذر منه رسول اهلل – - وأخبر‬
                     ‫اهلل سبحانه وتعالى أنه ال يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.‬
  ‫وإن الشرك على نوعين: شرك أكبر مخرج من الملة، وهو أن يصرف العبد لغير اهلل نوعا من‬
                                                               ‫أنواع العبادة الواجبة هلل وحده.‬
‫وهناك نوع آخر من الشرك، وهو الشرك الخفي الذي هو أخطر ما يكون على األمة، وهو الرياء‬
 ‫وإن كان قليله ال يخرج من الملة، ولكن ما أعظم خطره وما أخوفه على الصالحين، كما قال في‬
  ‫الحديث الذي رواه اإلمام أحمد: ((أال أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال))؟‬
     ‫قالوا: بلى، قال: ((الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي، فيزين صالته لما يرى من نظر رجل‬
   ‫إليه))(7)[7]. إن هذا هو الرياء الذي خافه – - على أمته، بل خافه على الصالحين؛ ألنه – -‬
        ‫ا‬
    ‫خاطب به أصحابه، وقد قال اهلل عز وجل: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمالً صالحً وال‬
  ‫يشرك بعبادة ربه أحداً [ الكهف:055]. فالعمل الصالح هو ما شرعه اهلل في كتابه ورسوله – -‬
 ‫في سنته، ومن شرطه أن يكون خالصا لوجه اهلل الكريم، ال رياء فيه، وال سمعة. ولما جاء رجل‬
   ‫إلى عبادة بن الصامت – - فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجال يصلي يبتغي وجه اهلل،‬
    ‫ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه اهلل ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه اهلل ويحب أن‬
 ‫يحمد، ويحج يبتغي وجه اهلل ويحب أن يحمد، فقال له عبادة – رضي اهلل عنه -: ليس له شيء،‬
         ‫إن اهلل تعالى يقول: أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كله ال حاجة لي فيه.‬
  ‫وروى اإلمام أحمد عن أبي هريرة - - عن النبي – - يرويه عن ربه – عز وجل – أنه قال:‬
   ‫((أنا خير الشركاء فمن عمل عمال أشرك فيه غيري فأنا برئ منه، وهو للذي أشرك))(3)[3].‬
     ‫وروى اإلمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول اهلل – - قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم‬
‫الشرك األصغر))، قالوا: وما الشرك األصغر يا رسول اهلل؟ قال: ((الرياء، يقول اهلل – عز وجل‬
 ‫– لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم ترآؤن في الدنيا، فانظروا هل‬
                                                               ‫تجدون عندهم جزاء))(2)[2].‬
   ‫وروى أبو يعلى عن ابن مسعود – - قال: قال رسول اهلل – -: ((من أحسن الصالة حين يراه‬
             ‫الناس، وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه – عز وجل - ))(1)[1].‬
    ‫عباد اهلل : إن اإلخالص سر عظيم يقذفه اهلل في قلوب من اصطفى من عباده، ليقودهم به إلى‬
 ‫جالئل األعمال، ويحببهم في أحسن الفعال. يبعث فيهم الهمم العالية، والعزيمة الصادقة، واإلرادة‬
  ‫القوية، ويربي فيهم روحا طيبة طاهرة، وضميرا سليما حيا، فهو الذي يبرئ العمل من العيوب،‬
  ‫ويخلصه من المساوي والذنوب، وهو عماد األعمال، وسر النجاح، فما نهضت أمة من األمم إال‬
     ‫على أساس اإلخالص، الذي يملك قلوبها، فيوحد صفوفها، ويجمع كلمتها، ويكسبها سدادا في‬
                                           ‫العمل وإحكاما. ويورثها نصرا على األمم ونجاحا.‬
    ‫أما عدم اإلخالص واالتصاف بالرياء فهو سبب لحرمان أصحابه من النجاح العملي في أمور‬
    ‫دينهم ودنياهم؛ ألنه مبني على الخداع والمراوغة، ومخالفة ظاهره لباطنه، فهو كسراب بقيعة‬
   ‫يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اهلل عنده فوفاه حسابه واهلل سريع الحساب‬
                                                                               ‫[النور:93].‬
‫نعم، إن اهلل يحاسب عباده يوم القيامة على حسب نياتهم وإخالصهم في أعمالهم، فهو سبحانه الذي‬
  ‫يعلم السر وأخفى، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة – - قال: قال رسول اهلل – -:‬
  ‫((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل اهلل فأتي به فعرفه نعمه فعرفها،‬
‫قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال جريء، فقد‬
  ‫قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن،‬
   ‫فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن،‬
‫قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، وقرأت ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على‬
 ‫وجهه، حتى ألقي به في النار. ورجل وسع اهلل عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به، فعرفه‬
  ‫نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إال أنفقت فيها‬
 ‫لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي‬
                                                  ‫في النار)) الحديث رواه اإلمام مسلم(6)[6].‬
‫وجاء في بعض الروايات أن النبي – - قال: ((يا أبا هريرة هؤالء الثالثة أول من تسعر بهم النار‬
                                                                              ‫يوم القيامة)).‬
‫عباد اهلل: إن الموفق هو الذي يعمل العمل خالصا لوجه اهلل، ال ألجل الخلق وال ألجل النفس، وإال‬
       ‫دخل عليه شيء من محبة الثناء أو تشوق إلى حظ من حظوظ الدنيا. إنه ينبغي للمؤمن أن‬
  ‫يحرص على إخفاء أعماله الصالحة من النوافل؛ ألن الجزاء عند من يعلم السرائر ال إله إال هو‬
   ‫لكن إذا ترجحت مصلحة إظهار العمل على إخفائه لغرض صحيح، كأن يحصل االقتداء به في‬
    ‫الصدقات، أو الزكوات، ويبادر الناس إلى التأسي واالقتداء به، فقد قال اهلل – عز وجل -: إن‬
                                                                        ‫م‬
               ‫تبدو الصدقات فنع ّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [البقرة:527].‬
 ‫وعن أنس – - عن رسول اهلل – - قال: ((من فارق الدنيا على اإلخالص هلل وحده ال شريك له،‬
      ‫وأقام الصالة، وآتى الزكاة، فارقها واهلل عنه راض)) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط‬
                                                                              ‫الشيخين(2)[2].‬
 ‫قال بعض السلف: ال يزال العبد بخير ما علم ما الذي يفسد عمله عليه فال غنى للعبد عن معرفة‬
  ‫ما أمرنا باتقائه من الرياء وغيره، ال سيما وقد وصف الرياء بالخفاء، ففي الحديث أنه أخفى من‬
    ‫دبيب النمل، فما خفي ال يعرف إال بشدة التفقد ونفاذ البصيرة بمعرفته حين يعرض، فبالخوف‬
 ‫والحذر يتفقد العبد الرياء، وبمعرفته ببصيرته حين يعرض له، فيبتعد العبد عن التصنع للمخلوق،‬
  ‫أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني، سوى التقرب إلى‬
          ‫اهلل، وليتذكر وقوفه بين يدي اهلل يوم القيامة يوم تبلى السرائر فما له من قوة وال ناصر‬
                                                                             ‫[الطارق:9-05].‬
  ‫وليحذر المؤمن أن يتصف بصفة من صفات أهل النفاق، الذين ذكرهم اهلل – عز وجل – بقوله:‬
     ‫إن المنافقين يخادعون اهلل وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصالة قاموا كسالى يرآؤن الناس وال‬
                                                           ‫يذكرون اهلل إال قليالً [النساء:725].‬
‫أعاذنا اهلل وإياكم من الرياء والنفاق، ومن سيء األعمال واألخالق، ونفعني وإياكم بالذكر الحكيم،‬
       ‫وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر اهلل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب‬
                                                            ‫فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
  ‫الحمد هلل الذي هدانا لإلسالم، الذي هو أعظم المنن، وأمرنا بإخالص العمل له في السر والعلن،‬
   ‫أحمده سبحانه على إحسانه العام، وأشكره على جزيل اإلنعام، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال‬
    ‫شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد‬
                                                                           ‫وعلى آله وصحبه.‬
                                                                                       ‫أما بعد:‬
    ‫فاتقوا اهلل – عباد اهلل – وأطيعوه، واسلكوا سبيل عباده الصالحين، الذين يعبدونه على بصيرة،‬
 ‫وعلم، وصراط مستقيم، وإخالص هلل في أعمالهم وأقوالهم، واحذروا عباد اهلل من الرياء والسمعة‬
  ‫فيما تقومون به من صالح األعمال، فإن النبي – - قد حذر من ذلك غاية التحذير، كما جاء في‬
                            ‫م م‬
  ‫حديث معاذ بن جبل – - قال : قال رسول اهلل – -: ((من س ّع س ّع اهلل به، ومن يرائي يرائي‬
   ‫اهلل به))(2)[5]. قال اإلمام الخطابي – رحمه اهلل -: أي من عمل عمال على غير إخالص إنما‬
‫يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره اهلل ويفضحه، فيبدو عليه ما كان يبطنه‬
‫ويسره من ذلك، وقد قال بعض المفسرين على قوله تعالى: وبدا لهم من اهلل ما لم يكونوا يحتسبون‬
  ‫[الزمر:22]. كانوا قد عملوا أعماال كانوا يرونها في الدنيا حسنات، بدت لهم يوم القيامة سيئات.‬
   ‫وقال اإلمام سفيان الثوري – رحمه اهلل – على هذه اآلية: ويل ألهل الرياء، ويل ألهل الرياء،‬
                                                      ‫ويل ألهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.‬
  ‫وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – - للمرائي عالمات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا‬
                            ‫كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم به.‬
        ‫وقال بعض السلف: ليس على النفس شيء أشق من اإلخالص؛ ألنه ليس لها فيه نصيب.‬
    ‫عباد اهلل: إن الرياء أمره عظيم، وخطره جسيم، وإن من مظاهره أن بعض الناس يتحدث عن‬
 ‫أعماله الصالحة عند اآلخرين، من صالة وصدقة وصيام، وربما ذكر كم حجة حجها، وكم عمرة‬
   ‫اعتمرها، وهو لم يسأل عن ذلك. وربما ذكر مساعدته للناس بجاهه أو ماله يريد بذلك المنزلة‬
 ‫عند الناس، وأنه من المحسنين، وهذا غلط فاحش عظيم، وضرر عليه كبير، فما دام يعمل هلل فما‬
  ‫الداعي للتحدث بأعماله عند من ال يملكون ألنفسهم نفعا وال ضرا، وال يملكون موتا، وال حياة،‬
                                                                              ‫وال نشورا.‬


                                                                          ‫__________‬
                                       ‫(5) رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، رقم 1297.‬
                   ‫(7) رواه أحمد في مسنده 3/03، وابن ماجة في كتاب الزهد رقم (2072).‬
                                                        ‫(3) رواه أحمد في مسنده :7/503.‬
                                                        ‫(2) رواه أحمد في مسنده :1/272.‬
               ‫(1) رواه أبو يعلى في مسنده :9/21، برقم (515)من مسند عبد اهلل بن مسعود.‬
                               ‫(6) رواه مسلم في صحيحه في كتاب األمارة ، برقم (1905).‬
                                                   ‫(2) رواه الحاكم في مستدركه : 7/733.‬
                                    ‫(2) رواه البخاري في الرقاق: 55/133، برقم (9926).‬

‫(5/506)‬




                                                                                    ‫الجن‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                                  ‫اإليمان‬
                                                                          ‫الجن والشياطين‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                               ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                  ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- وجود الجن ودليله. 7- حكم منكر الجن. 3- أنواع الجن باعتبار الدين. 2- صفات الجن.‬
                       ‫1- صلة الجن بالبشر. 6- تلبس الجن باإلنس. 2- االستعاذة من الجن.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫قال تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد‬
                                                     ‫فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا [الجن:5].‬
‫يأمر اهلل رسوله أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا إليه موحدين‬
                                                              ‫هلل سبحانه ال يشركون به شيئا.‬
                                 ‫فما الجن؟ وما هي صفاتهم؟ وكيف يستعيذ المسلم من شرهم؟‬
         ‫أما الجن لغة: فهو مأخوذ من جن الليل إذا أظلم فستر األشياء بظالمه وسمي الجن جنا‬
                                                                          ‫الستتارهم(5)[5]).‬
                                     ‫وينبغي أن تعلم: أن وجود الجن ثابت في الكتاب والسنة.‬
‫في الكتاب في قوله تعالى: وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون [الذاريات:61]. خلق اإلنسان من‬
                          ‫صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار [الرحمن:25-15].‬
  ‫السنة: للحديث: ((ما من أحد إال وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اهلل؟ قال:‬
                            ‫وإياي إال أن اهلل أعانني عليه فأسلم فال يأمرني إال بخير))(7)[7]).‬
  ‫إنكار وجود الجن كفر يخرج العبد عن الملة اإلسالمية وذلك: ألنه أنكر شيئا معلوما ثبوته من‬
                                                                            ‫الدين بالضرورة.‬
‫تكذيبه للخبر المتواتر اليقيني الوارد إلينا عن اهلل جل جالله وعن رسول اهلل وهذا يناقض اإليمان‬
                                     ‫باهلل جل جالله كما يناقض اإليمان بكتابه المعجز(3)[3]).‬
                                                                             ‫إن الجن نوعان:‬
                                                                   ‫شياطين ال خير فيهم البتة.‬
                                        ‫جن منهم الصالح ومنهم الفاسد ومنهم المؤمن والكافر.‬
    ‫والشياطين أصلهم من الجن وذلك ألن إبليس كان من الجن فلما عصى أمر اهلل تعالى عوقب‬
  ‫بطرده من رحمة اهلل سبحانه فانقطع من الخير كلية(2)[2])، فكان شيطانا، قال تعالى: وإذ قلنا‬
        ‫للمالئكة اسجدوا ألدم فسجدوا إال إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [الكهف:01].‬
                                                                               ‫وأما صفاتهم:‬
 ‫مادة خلقهم: إنهم خلقوا من خالص النار وهو طرف لهبها كما قال تعالى: وخلق الجان من مارج‬
‫من نار [الرحمن:25]. وللحديث: ((خلقت المالئكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق‬
                                                                ‫آدم مما وصف لكم))(1)[1]).‬
      ‫وإنهم يأكلون ويشربون: للحديث: ((ال يأكل أحدكم بشماله وال يشرب بها فإن الشيطان يأكل‬
 ‫بشماله ويشرب بها))(6)[6]). ونهى رسول اهلل عن اإلستجمار بالعظم والروث وقال: ((فإنه زاد‬
‫إخوانكم من الجن))(2)[2]). ((إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم، من بات وفي يده‬
      ‫غمر (رائحة طعام) فأصابه شيء (أي بسبب لحس الشيطان) فال يلومن إال نفسه))(2)[2]).‬
  ‫إنهم يتوالدون: وفق السنة التي جعلها اهلل لهم كما قال تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني‬
                                                                   ‫وهم لكم عدو [الكهف:01].‬
                            ‫وإنهم يتشكلون: فالجن والشياطين يتشكلون بأشكال مختلفة من ذلك:‬
   ‫مجيء الشيطان بصورة شيخ نجدي إلى دار الندوة حيث اجتماع رجال قريش للتشاور في أمر‬
                                               ‫محمد وأشار عليهم مرجحاً الرأي بقتله (9)[9]).‬
‫تشكيل يجيء بصورة حية :يقول أبو سعيد الخدري: (كان فتى حديث عهد بعرس، استأذن رسول‬
     ‫اهلل يوم الخندق بأنصاف النهار ليرجع إلى أهله، فقال له رسول اهلل : خذ عليك سالحك فإني‬
    ‫أخشى عليك قريظة، ثم رجع، فإذا امرأته على الباب، فأراد أن يطعنها غيرة فقالت له: أكفف‬
    ‫عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني؟ فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على‬
‫الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيها‬
                                                 ‫كان أسرع موتا، (الحية أم الفتى)؟(05)[05]).‬
   ‫مساكنهم: فإن مساكنهم الخرائب، والحشوش (الحمامات) والمزابل والقمامة للحديث: ((إن هذه‬
      ‫ب‬
 ‫الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخالء فليقل: أعوذ باهلل من الخبث والخبائث))، والخ ُث بضم‬
             ‫الباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة والمراد ذكران الشياطين وإناثهم(55)[55]).‬
   ‫وأن الصالحين من الجن يدخلون الجنة: والجن منهم الصالح ومنهم الفاسد ومنهم المؤمن ومنهم‬
‫الكافر، قال تعالى: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا [الجن:55]. أي منا المؤمن‬
‫والكافر: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا، و أما القاسطون فكانوا‬
                      ‫لجهنم حطبا [الجن:15]. والقاسطون هم الجائرون عن الحق الناكبون عنه.‬
 ‫واستدل ابن كثير رحمه اهلل بقوله تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم وال جان [الرحمن:61]. فقال (أي‬
   ‫بل هن أبكار عرب أتراب لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من اإلنس والجن وهذه أيضا من األدلة‬
‫على دخول الجن الجنة، قال أرطأه بن المنذر، سئل حمزة بن حبيب: هل يدخل الجن الجنة؟ قال:‬
                                      ‫نعم وينكحون: للجن جنيات ولإلنس إنسيات) (75)[75]).‬
                                                                          ‫وأما صلتهم بالبشر؟‬
‫فاعلم أن اهلل تعالى كرم آدم عليه السالم وفي تكريمه تكريم لذريتة، قال تعالى: وقد كرمنا بني آدم‬
        ‫وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيال‬
‫[اإلسراء:02]. ولم يثبت مثل هذا التكريم للجان ال في الكتاب وال في السنة فتبين بذلك أن اإلنسان‬
     ‫أشرف من الجن(35)[35])، ولكن الذي يجعل الجن يطغون ويتعاظمون ويؤذون هو استعاذة‬
     ‫اإلنسان بهم وتعظيمه لهم وإكبارهم فيزدادون طغيانا، قال تعالى: وأنه كان رجال من اإلنس‬
   ‫يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا [الجن:6]. أي طغيانا وعلى هذا فال سلطان للجان (أي‬
  ‫الكفار منهم والشياطين) وال قوة لهم على اإلنسان إال إذا كان ضعيف اإليمان أو غافال عن ربه‬
 ‫وذكره سبحانه وبذلك يكون عرضه لعبث الشياطين به، قال تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين‬
  ‫آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل:99-‬
                                                                                      ‫005].‬
  ‫ومن صور صلتهم بالبشر: عونهم للكهان في ادعائهم للغيب: لما في ذلك من صرف الناس عن‬
       ‫اهلل سبحانه واإليمان بأنه سبحانه هو النافع الضار وأن الغيب هلل وحده، فينخدع الجهلة بهم‬
      ‫للحديث: ((إن المالئكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر األمر قضي في السماء فتسترق‬
                   ‫الشياطين السمع، فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند‬
                                                                         ‫أنفسهم))(25)[25]).‬
  ‫تلبس الجان باإلنس: ويستدل القائلون بتلبس الجان باإلنس بأدلة منها: عن ابن عباس رضي اهلل‬
 ‫عنه: ((أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول اهلل فقالت: يا رسول اهلل إن ابني به جنون وإنه يأخذه‬
  ‫عند عشائنا وغدائنا فيخبث علينا، فسمع رسول اهلل صدره ثم دعا له، فثع (قاء) فخرج من جوفه‬
                                                       ‫مثل الجرو األسود يسعى))(15)[15]).‬
           ‫ألن أجسام الجن أجسام رقيقة فليس بمستنكر أن يدخلوا في جوف اإلنسان(65)[65]).‬
   ‫يقول عبد اهلل بن أحمد بن حنبل: قلت ألبي: إن قوما يقولون: إن الجن ال تدخل في بدن اإلنس‬
                                        ‫قال: يا بني يكذبون هو ذا يتكلم على لسانه(25)[25]).‬
‫حيث تكلم الجن على لسان المصابين بالمس، وإال من المتكلم معك بأخبار وأقوال المصروع نفسه‬
         ‫يجهلها أو أشخاص يتكلمون بلغات لم يكن المصاب يعرف منها حرفا واحدا(25)[25]).‬
                                        ‫وأما ما يحفظ العبد به نفسه من الشياطين ومردة الجن:‬
   ‫االستعاذة باهلل من الجن: قال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باهلل إنه هو السميع‬
                                                                          ‫العليم [فصلت:63].‬
‫قراءة المعوذتين: للحديث: ((كان رسول اهلل يتعوذ من الجان وعين اإلنسان حتى نزلت المعوذتان‬
                                              ‫فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواها))(95)[95]).‬
 ‫قراءة آية الكرسي: عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال: ((سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن ال‬
                              ‫تقرأ في بيت فيه شيطان إال خرج منها آية الكرسي))(07)[07]).‬
  ‫قراءة سورة البقرة: عن أبي هريرة أن رسول اهلل قال: ((ال تجعلوا بيوتكم مقابر، وإن الشيطان‬
                                       ‫ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة))(57)[57]).‬
‫خاتمة سورة البقرة: عن أبي مسعود قال: قال رسول اهلل : ((من قرأ اآليتين من آخر سورة البقرة‬
             ‫في ليلة كفتاه(77)[77])أي ما أهمه للدنيا واآلخرة ودفعتا عنه كل شر))(37)[37]).‬
                          ‫أول سورة حم المؤمن (غافر) إلى قوله إليه المصير مع آية الكرسي.‬
  ‫فعن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل : ((من قرأ حم المؤمن إلى قوله إليه المصير وآية الكرسي‬
‫حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح)).(27)[27]).‬
‫ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (مائة مرة) عن أبي‬
   ‫هريرة أن رسول اهلل قال: ((من قال ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، له الملك وله الحمد وهو‬
  ‫على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت‬
 ‫عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء‬
                                                  ‫به إال أحد عمل أكثر من ذلك))(17)[17]).‬
‫كثرة ذكر اهلل عز وجل: عن الحارث األشعري أن النبي قال: ((وآمركم أن تذكروا اهلل تعالى، فإن‬
    ‫مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه‬
                            ‫منهم، كذلك العبد ال يحرز نفسه من الشيطان إال بذكر اهلل تعالى)).‬
     ‫الوضوء: للحديث: ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار‬
                                             ‫بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ))(67)[67]).‬
  ‫إمساك فضول النظر والكالم والطعام ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم من‬
 ‫هذه األبواب األربعة للحديث: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته‬
                                                   ‫إيمانا يجد له حالوة في قلبه))(27)[27]).‬
                                     ‫ى‬
                ‫اآلذان: للحديث: ((إن الشيطان إذ نوي بالصالة ول ّ وله حصاص))(27)[27]).‬
    ‫فعن سهل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غالم لنا، فناداه مناد من‬
‫حائط باسمه، وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا، فذكرت ذلك ألبي فقال: لو شعرت أنك‬
                          ‫تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصالة(97)[97]).‬
‫مطلق قراءة القرآن يعصم من الشيطان: لقوله تعالى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ال‬
                                               ‫يؤمنون باآلخرة حجابا مستورا [اإلسراء:12].‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد .‬
                                                                            ‫__________‬
                                                              ‫(5) عقيدة المؤمن ص 225 .‬
                                                                 ‫(7) مسلم .‬
                                               ‫(3) كبرى اليقينيات ص 027 .‬
                                                 ‫(2) عقيدة المؤمن ص 925 .‬
                                                                 ‫(1) مسلم .‬
                                                                 ‫(6) مسلم .‬
                                                     ‫(2) أبو داود والترمذي .‬
                                                     ‫(2) الترمذي وأبو داود .‬
                                         ‫(9) تهذيب سيرة ابن هشام ص 955 .‬
                                                            ‫(05) 05])مسلم .‬
                                            ‫(55) 55])فقه السنة مجلد ص 73 .‬
                                        ‫(75) 75])ابن كثير مجلد 2 ص 227 .‬
                                            ‫(35) 35])عقيدة المؤمن ص 225.‬
                                                         ‫(25) 25])البخاري.‬
                                      ‫(15) 15])دالئل النبوة مجلد 7 ص 006 .‬
                                 ‫(65) 65])الموسوعة الفقهية مجلد 65 ص 29 .‬
          ‫(25) 25])طريق الهداية في درء خطر الجن والشياطين / القحطاني ص72 .‬
                                            ‫(25) 25])عقيدة المؤمن ص 025.‬
                                                         ‫(95) 95])الترمذي .‬
                                                         ‫(07) 07])الترمذي .‬
                                                            ‫(57) 57])مسلم .‬
                                                         ‫(77) 77])البخاري.‬
                                          ‫(37) 37])نزهة المتقين 7 ص 212 .‬
                                                         ‫(27) 27])الترمذي .‬
                                                  ‫(17) 17])البخاري ومسلم .‬
                                                         ‫(67) 67])أبو داود .‬
                                      ‫(27) 27])الحسيني في الزرائد/الطبراني .‬
                                                            ‫(27) 27])مسلم .‬
                                  ‫(97) 97])الموسوعة الفقهية مجلد 65 ص 29.‬

‫(5/706)‬
                                                                               ‫القرآن العظيم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                              ‫اإليمان, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                             ‫اإليمان بالكتب, القرآن والتفسير‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                 ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- عظمة الكالم بعظمة قائله. 7- مزية القرآن عن سائر الكتب. 3- فضائل القرآن. 2- نقض‬
                                 ‫شبهة تأليف الرسول للقرآن. 1- هل نحن بحاجة إلى القرآن.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫قال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله ال‬
        ‫نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [البقرة:127].‬
 ‫اعلم أن اإليمان بالكتب التي أنزلها اهلل على أنبيائه ورسله من أركان اإليمان – والقرآن العظيم‬
‫هو آخر كتاب نزل من عند اهلل تعالى وقد خصه اهلل بمزايا تميز بها عما تقدم من الكتب المنزلة:‬
‫فما القرآن؟ وما الذي تميز به عما سواه من الكتب؟ وما فضائله؟ وما الشبهات التي تدور حوله؟‬
                                               ‫وهل األمة بحاجة إليه؟ وكيف ينبغي أن نتلقاه؟‬
 ‫أما القرآن: فهو كالم اهلل المعجز المنزل على محمد بن عبد اهلل المكتوب في المصاحف المتعبد‬
                                                                                    ‫بتالوته.‬
                                                                            ‫وينبغي أن تعلم:‬
     ‫أن الكالم يعظم بعظم قائله، فكيف إذا كان المتكلم هو اهلل عز وجل؟ جبار األرض والسماء‬
   ‫سبحانه بل يعلمنا اهلل سبحانه أن القرآن لو أنزل على جماد لتصدع وانشق من خشية اهلل، قال‬
       ‫تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اهلل [الحشر:57].‬
                                     ‫إن القرآن العظيم تميز عن سواه من الكتب بأمور ثالثة:‬
            ‫أ- بالحفظ فال تحريف وال تبديل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9].‬
                       ‫ب- تضمن المنهج المتكامل: ما فرطنا في الكتاب من شيء [األنعام:23].‬
  ‫ج- للخلق أجمعين: وما أرسلناك إال رحمة للعالمين [األنبياء:205]، وقال عما سواه: لكل جعلنا‬
                                                            ‫منكم شرعة ومنهاجا [المائدة:22].‬
                                                                                ‫وأما فضائله:‬
                         ‫5- الخيرية ألهله: للحديث: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))(5)[5]).‬
   ‫7- الرفعة لقارئه: للحديث: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا‬
                                                    ‫فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها))(7)[7]).‬
  ‫3- الشفاعة لصاحبه: للحديث: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا ألصحابه))(3)[3]).‬
     ‫2- األجر العظيم لقارئه: للحديث: ((من قرأ حرفا من كتاب اهلل فله به حسنة والحسنة بعشر‬
                 ‫أمثالها، ال أقول: آلم حرف ولكن ألف حرف والم حرف وميم حرف))(2)[2]).‬
  ‫1- خيرية وفضائل ال تنتهي: للحديث: ((إن هذا القرآن مأدبة اهلل فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن‬
   ‫هذا القرآن حبل اهلل، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، ال‬
      ‫يزيغ فيستعتب، وال يعوج فيقوم، وال تنقضي عجائبه وال يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن اهلل‬
                                                                ‫يأجركم على تالوته))(1)[1]).‬
  ‫6- حضور المالئكة لالستماع: للحديث: ((أن أسيد بن حضير بينما هو في مربده يقرأ إذ جالت‬
 ‫(اضطربت) فرسه، فقرأ فجالت فرسه قال: فانصرفت وكان يحي (ابنه) قريبا منها. قال: خشيت‬
‫أن تطأ عليه (أي تمشي عليه الفرس) فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج (المصابيح) عرجت في‬
   ‫الجو حتى ما أراها، فقال : تلك المالئكة كانت تستمع لك، ولو قرأت ألصبحت يراها الناس ما‬
                                                                        ‫تستتر منهم))(6)[6]).‬
   ‫2- فرار الشيطان من البيوت العامرة بالقرآن: للحديث: ((ال تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان‬
                                           ‫يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ))(2)[2]).‬
‫2- وفي القرآن سور لها ميزة كالفاتحة لقول النبي ألبي سعيد بن المعلى: ((ألعلمنك أعظم سورة‬
 ‫في القرآن قال: الحمد هلل رب العالمين هي السبع المثاني))(2)[2])، (الفاتحة سميت بالمثاني ألنها‬
   ‫تثني في كل صالة) وكذا البقرة وآل عمران للحديث: ((اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران‬
                             ‫فإنهما يأتيان يوم القيامة غمامتان تحاجان عن أصحابهما))(9)[9]).‬
  ‫وآية الكرسي: للحديث: ((سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن ال تقرأ في بيت وفيه شيطان إال‬
  ‫خرج منه: آية الكرسي))(05)[05])، والكهف في يوم الجمعة، للحديث: ((من قرأ سورة الكهف‬
   ‫يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين))(55)[55]) وتبارك، للحديث: ((إن سورة في‬
‫القرآن ثالثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك))(75)[75])، ((وقل هو‬
‫اهلل أحد تعدل ثلث القرآن))(35)[35]). والمعوذتان: ((قل أعوذ برب الناس وقل أعوذ برب الفلق،‬
    ‫للحديث: تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما))(25)[25])، ويس للحديث: ((قلب القرآن يس ال‬
             ‫يقرؤها رجل يريد اهلل والدار اآلخرة إال غفر له اقرؤوها على موتاكم))(15)[15]).‬
     ‫وأما الشبهات التي حول القرآن: فأعداء اهلل حريصون أن يشككوا المسلم بمصدر الخير كله،‬
 ‫بمنهج الحياة، حتى يقطعوا الصلة فيما بينه وبين النور وما التخبط التي تعيشه األمة على مستوى‬
                                                  ‫األفراد والجماعة إال لذلك الظالم الذي تعيشه.‬
                               ‫د‬
‫ومن هذه الشبهات: أن القرآن من عند محمد بن عبد اهلل ، وقد ر ّ اهلل هذه الفرية بقوله: وما كنت‬
  ‫تتلوا من قبله من كتاب وال تخطه بيمينك إذاً الرتاب المبطلون [العنكبوت:22]، فرسول اهلل كان‬
               ‫أمياً ال يقرأ وال يكتب وقد جعله اهلل هكذا لعلمه سبحانه بافتراءات أعداء اهلل عليه.‬
                                             ‫ثم يضاف إلى ذلك ردود أخرى قالها العلماء منها:‬
‫كانت تمر على رسول اهلل األحداث العظام وكان أحوج ما يكون إلى آية كحادثة األفك وملخصها:‬
‫أن النبي كان إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه فخرجت القرعة لعائشة رضي اهلل عنها فلما عاد‬
‫رسول اهلل عسكر الجيش فخرجت عائشة رضي اهلل عنها لبعض شأنها فلما عادت رأت أن الجيش‬
‫قد مشى فجلست تنتظر وكان رجل يقال له: صفوان بن المعطل يتخلف عن الجيش لجمع ما نسيه‬
‫الجيش ثم يلحق به فلما رأى عائشة رضي اهلل عنها أناخ لها بناقته فركبت ثم لحق بالمسلمين فلما‬
    ‫وصل الجيش ونظروا في الهودج لم يجدوا عائشة رضي اهلل عنها وبعد قليل دخل صفوان بن‬
    ‫المعطل وهو يقود ناقته فتحدث رأس المنافقين عبد اهلل بن سلول وطعن في عرض رسول اهلل‬
  ‫ومضى شهر كامل ولغط الحديث في عرض رسول اهلل حتى يقف على المنبر ويقول: ((ما بال‬
   ‫أناس يؤذونني في أهلي وما علمت عنهم إال خيرا)) حتى أنزل اهلل عشر آيات من سورة النور‬
  ‫فيها براءة عائشة رضي اهلل عنها مما نسب إليها: إن الذين جاؤا باإلفك عصبة منكم ال تحسبوه‬
    ‫شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من اإلثم والذي تولى كبره منهم له عذاب‬
                                                                             ‫عظيم (65)[65]).‬
  ‫فلو كان القرآن من عند محمد ألتى بآية ينفي ما نسب إلى زوجه عائشة رضي اهلل عنها، ولكنه‬
  ‫عاش األمر بكل معاناته وقسوته منتظرا حكم اهلل وحده مترقبا آيات تتنزل من عند اهلل ومن عند‬
                                                                                      ‫اهلل وحده.‬
‫ثم كيف يحاسب الرسول نفسه على أمر الذي جرت معه الحادثة ال يعلم به؟ وذلك عندما جاء ابن‬
 ‫أم كتوم وهو أعمى ويقول: يا رسول اهلل أرشدني، وعند رسول اهلل رجال من عظماء المشركين‬
        ‫فجعل رسول اهلل يعرض عنه ويقبل على اآلخرين فنزلت: عبس وتولى أن جاءه األعمى‬
 ‫[عبس:5-7]. وابن أم مكتوم ال يعلم بعبوس رسول اهلل فهو أعمى فدل األمر أن القرآن كالم اهلل‬
                      ‫سبحانه حيث إثبات الموازين ودين اهلل أعز من أن يسترضى ألجله كافر.‬
‫ج- اإلخبار باألمور المستقبلة: كانت فارس ظاهرة على الروم وكان المشركون يحبون ذلك وكان‬
‫المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ألنهم أهل كتاب فأنزل اهلل قوله: آلم غلبت الروم في‬
‫أدنى األرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين هلل األمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح‬
                                                            ‫المؤمنون بنصر اهلل [الروم:5-1].‬
   ‫قال ابن كثير: وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء‬
                                             ‫كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم(25)[25]).‬
 ‫فاإلخبار عن أمر مستقبلي وتحديد المدة وإعالم أنه يوافق نصرا للمؤمنين، هذا ال يمكن لبشر أن‬
       ‫يقطع به بل هو أمر ال يمكن أن يقطع به إال اهلل سبحانه الخالق عالم الغيوب جل جالله .‬
‫د- الحقائق العلمية: التي عرفها العلم مؤخرا بعد بحث ودراسة وتنقيب من ذلك وجود حاجز بين‬
     ‫البحر والنهر فال يبغي أحدهما على صاحبه وال يختلط به وقال تعالى: مرج البحرين يلتقيان‬
                                                   ‫بينهما برزخ ال يبغيان [الرحمن :95-07].‬
          ‫ثم قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [النساء:61].‬
   ‫ومما عرف العلم أن الجلد تتركز فيه أعصاب اإلحساس، فحروق الدرجة األولى أشد ألماً من‬
‫حروق الدرجة الثانية أو الثالثة حيث تضعف أعصاب اإلحساس، وغير هذا كثير مما كتبه العلماء‬
         ‫أمثال كتاب: (اهلل يتجلى في عصر العلم) (العلم واإليمان) (الطب في محراب اإليمان).‬
                                                                  ‫هل األمة بحاجة إلى القرآن؟‬
                     ‫اعلم أن اهلل تعالى سمى القرآن العظيم بأسماء تدل عليه، فسمى اهلل القرآن:‬
                                                                                ‫ا‬
‫أ- روحً: قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى:71]. فمنزلة القرآن من األمة‬
      ‫بمنزلة الروح من الجسد عليه عوامل التفسخ والتحلل والتعفن وهذا حال األمة في ضياعها‬
                                                                   ‫وتفككها وعالئقها وأخالقها.‬
  ‫ب- الفرقان: قال تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان:5]،‬
    ‫فهو الذي يفرق بين الحق والباطل والهدى والضالل والصواب والخطأ وبغيره تلتبس األمور‬
                   ‫وتضيع الحقائق، وتعيش األمة في ضاللة عمياء وجهالء متخبطة في سيرها.‬
    ‫ج- الذكر: قال تعالى: وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف:22]، فال شرف لألمة وال مكانة وال‬
                           ‫منزلة إال بالقرآن وبغيره يدوسها أعداء اهلل بأقدامهم وتهان وتستباح.‬
                                                                         ‫كيف ينبغي أن نتلقاه؟‬
 ‫التلقي للتنفيذ: وهذا هدي السلف رضوان اهلل عليهم، يقول عبد اهلل بن مسعود: (ما كنا نحفظ من‬
 ‫كتاب اهلل إال خمسة أو عشرة آيات حتى نعمل بها ثم نعود فنحفظ خمسا أو عشرا أخرى) فكتاب‬
 ‫اهلل سبحانه لم يتنزل للقراءة على الموتى للبركة بل على األحياء حتى ينتفعوا في تنظيم أحوالهم.‬
‫التعظيم لكتاب اهلل: فال ينبغي لألمة التي كرمها اهلل تعالى - بإنزال هذا الكتاب العظيم عليها- أن‬
    ‫تلتفت إلى فضالت وضالالت اآلخرين، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ال تقدموا بين يدي اهلل‬
                                           ‫ورسوله واتقوا اهلل إن اهلل سميع عليم [الحجرات:5].‬
           ‫فذلك منتهى سوء األدب مع اهلل أن نقدم األهواء واآلراء على قول اهلل وقول رسوله .‬
          ‫-------------------------‬
                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                       ‫لم ترد .‬
                               ‫__________‬
                          ‫(5) البخاري ومسلم.‬
                                 ‫(7) الترمذي.‬
                               ‫(3) رواه مسلم.‬
                                 ‫(2) الترمذي.‬
                                   ‫(1) الحاكم.‬
                          ‫(6) البخاري ومسلم.‬
                           ‫(2) مسلم والنسائي.‬
                       ‫(2) البخاري وأبو داود.‬
                                    ‫(9) مسلم.‬
                             ‫(05) 05])الحاكم.‬
                   ‫(55) 55])النسائي والبيهقي.‬
                  ‫(75) 75])الترمذي والنسائي.‬
                              ‫(35) 35])مسلم.‬
                           ‫(25) 25])أبو داود.‬
                    ‫(15) 15])أحمد وأبو داود.‬
           ‫(65) 65])ابن كثير مجلد 3 ص 267.‬
          ‫(25) 25])ابن كثير مجلد 3 ص 632 .‬

‫(5/306)‬




                                ‫الرسل واألنبياء‬
            ‫-----------------------‬
                     ‫اإليمان, قضايا في االعتقاد‬
              ‫اإليمان بالرسل, معجزات وكرامات‬
            ‫-----------------------‬
                    ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                      ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- معنى النبوة والرسالة. 7- مضمون دعوة الرسل: التوحيد. 3- عدد الرسل. 2- مهمات‬
  ‫الرسل. 1- إجابات الفكر الغربي عن األسئلة الفطرية. 6- مزية نبينا عن إخوانه من األنبياء.‬
                                                                       ‫2- معجزات األنبياء.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                        ‫قال تعالى: وإن من أمة إال خال فيها نذير [فاطر:27].‬
    ‫لو أوكل اهلل البشرية إلى عقولها لضلت. ولما كان اهلل سبحانه أرحم بعبيده من عبيده بأنفسهم‬
‫اجتبى من البشر رسال وأنبياء يبلغون وحي اهلل إلى الناس ويعطون الصورة العملية لاللتزام فهم‬
                                                                               ‫القدوة والمثل.‬
‫فما الرسل واألنبياء؟ وما هي مهمتهم؟ وما الفرق بين محمد بن عبد اهلل وسائر األنبياء والرسل؟‬
‫الرسل جمع رسول واألنبياء جمع نبي، والنبي: هو ذكر من بني آدم، أوحى اهلل تعالى إليه بأمر،‬
    ‫فإن أمر بتبليغه فهو نبي ورسول، وإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي غير رسول: وعلى هذا فكل‬
                                                    ‫رسول هو نبي وليس كل نبي هو رسول.‬
                                                                             ‫وينبغي أن تعلم:‬
    ‫أن الرسل واألنبياء بعثوا بالتوحيد الخالص هلل عز وجل قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من‬
                                 ‫رسول إال نوحي إليه أنه ال إله إال أنا فاعبدون [األنبياء:17].‬
   ‫ر‬       ‫د‬
‫واالنحرافات التي حدثت بعد ذلك إنما هي من فعل األتباع من أحبار ورهبان سوء ب ّلوا وح ّفوا‬
                                                                                      ‫ي‬
     ‫وغ ّروا قال تعالى: وقالت اليهود عزير ابن اهلل وقالت النصارى المسيح ابن اهلل ذلك قولهم‬
   ‫بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم اهلل أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم‬
‫أربابا من دون اهلل والمسيح ابن مريم وما أمروا إال ليعبدوا إلها واحدا ال إله إال هو سبحانه عما‬
                                                                   ‫يشركون [التوبة:03-53].‬
‫وعدد الرسل واألنبياء كما جاء في حديث أبي ذر : قلت يا رسول اهلل أي األنبياء كان أول؟ قال:‬
                                      ‫ل‬
‫((آدم قلت: يا رسول اهلل أنبي كان؟ قال: نعم، نبي مكّم، قلت: يا رسول اهلل كم المرسلون؟ قال:‬
    ‫ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيرا)) وفي لفظ: ((كم وفاء عدد األنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة‬
                                   ‫ا‬
                         ‫وعشرين ألفا، الرسل منهم ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيرً))(5)[5]).‬
                ‫واإليمان بهم جميعا ركن من أركان اإليمان والكفر بأحدهم يعتبر كفرا بالجميع.‬
‫وأولوا العزم من الرسل الذين نوه القرآن بذكرهم وفضلهم فقال: فاصبر كما صبر أولوا العزم من‬
 ‫الرسل [األحقاف:13]. جاء في آية أخرى التصريح بأسمائهم فقال سبحانه: وإذ أخذنا من النبيين‬
                     ‫ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم [األحزاب:2].‬
                             ‫فهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصالة والسالم.‬
                                                                               ‫وأما مهمتهم:‬
     ‫5- تبليغ وحي اهلل للناس: قال تعالى: ما كان اهلل ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز‬
   ‫الخبيث من الطيب وما كان اهلل ليطلعكم على الغيب ولكن اهلل يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا‬
                             ‫باهلل ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم [آل عمران:925].‬
 ‫وعن ابن عباس رضي اهلل عنهما أن النبي خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: ((يا صباحاه،‬
‫فاجتمعت إليه قريش :فقال أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا:‬
                                      ‫نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد))(7)[7]).‬
‫فتأمل بعض العلماء هذا الموقف حيث صعود النبي أعلى الجبل فهو يرى ما أمامه وما خلفه بحكم‬
        ‫موضعه في أعلى الجبل وقريش عندما اجتمعت أمام الجبل ال يرون ما رواء الجبل بحكم‬
      ‫موضعهم أنهم أمام الجبل فأبصارهم ال تنفذ إلى ما ورواء الجبل. فلما سألهم رسول اهلل أهم‬
 ‫يصدقون قوله إن أعلمهم أن وراء الجبل عدو قالوا: نعم، فقال فإني رسول اهلل وقد أطلعني ربي‬
              ‫على ما هو غيب بالنسبة لكم فكان وقوفه عملية توضيحية ألمر الرسول والرسالة.‬
       ‫7- اإلجابة على األسئلة الثالث التي ضلت البشرية يوم أن وضعت لها اإلجابات البشرية‬
                    ‫القاصرة الضالة المنحرفة، وهي كيف جئنا؟ ولماذا جئنا؟ وإلى أين المصير؟‬
 ‫أ- كيف جئنا؟ جاءت نظرية داروين بأن مصدر وجودنا إنما هي األميبا الحي والصدفة ونظرية‬
 ‫النشوء واالرتقاء إلى قرد ثم إلى إنسان بعد ذلك فإذا كان األصل أصال حيوانيا فلماذا البحث عن‬
                                                                           ‫الفضائل بعد ذلك.‬
  ‫وجاءت إجابة الرسل عن اهلل أن مصدر الخلق هو اهلل: ولقد خلقنا اإلنسان ونعلم ما توسوس به‬
                                          ‫نفسه [ق:65]. وأن األمر بدأ بخلق آدم عليه السالم.‬
  ‫وأسجد اهلل له المالئكة في حفل عظيم فأي تكريم لإلنسان من اهلل سبحانه: وإذ قال ربك للمالئكة‬
          ‫إني جاعل في األرض خليفة [البقرة:03]. وإذ قلنا للمالئكة اسجدوا آلدم [البقرة :23].‬
‫ب- ولماذا جئنا؟ جاءت نظرية فرويد أن غاية الوجود إنما هو الجنس وكل قيد على الجنس يعتبر‬
                                                 ‫قيدا باطال فال دين وال خلق وال عرف كريم.‬
 ‫وجاءت إجابة الرسل عن اهلل أن غاية الوجود إنما هي العبادة. هلل الواحد القهار: وما خلقت الجن‬
                                                          ‫واإلنس إال ليعبدون [الذاريات:61].‬
                                                                      ‫ج- وإلى أين المصير؟‬
‫جاءت نظرية ماركس (ال إله والحياة مادة) فال جنة وال نار وال حساب وال عقاب وإنما هي حياة‬
                                                                          ‫فقط تنتهي بموتك.‬
       ‫جاءت الرسل بإجابة عن اهلل أن المصير إلى اهلل وحده حيث يجازى المحسن على إحسانه‬
                                     ‫والمسيء على إساءته: وأن إلى ربك المنتهى [النجم:72].‬
                  ‫فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:6-2].‬
      ‫إعطاء الصورة العملية التطبيقية للمنهج: قال تعالى: لقد كان لكم في رسول اهلل أسوة حسنة‬
‫[الممتحنة:6]. وعن عائشة رضي اهلل عنها قالت: ((كان خلق نبي اهلل القرآن))(3)[3]). وفي ذلك‬
  ‫إعالم أن المنهج المنزل من عند اهلل عز وجل في طاقة البشر وقدرتهم التعامل معه وااللتزام به‬
   ‫وتطبيقه في أنفسهم وفي واقع حياتهم. كيف ال ورسل اهلل وأنبياؤه هم من البشر قال تعالى: قل‬
  ‫إنما أنا بشر مثلكم [الكهف:055]. وما أرسلنا من قبلك إال رجاال نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر‬
                                                             ‫إن كنتم ال تعلمون [النحل :32].‬
‫وما عندهم من أحاسيس ومشاعر وطاقات كلها بشرية: طه ما أنزلنا عليكم القرآن لتشقى [طه:5].‬
     ‫فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [الكهف:6]. يا أيها الرسول ال‬
                                               ‫يحزنك الذين يسارعون في الكفر [المائدة:52].‬
     ‫وفي غزوة أحد شج رأسه وكسرت رباعيته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه عليه‬
                       ‫الصالة والسالم، ومنهم من قتل: ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة:22].‬
                                           ‫وأما الفرق بين رسول اهلل وسائر األنبياء والرسل؟‬
  ‫فاعلم أن األنبياء والرسل كلهم صادقون مرسلون من عند اهلل عز وجل، والمؤمنون يؤمنون بأن‬
       ‫اهلل واحد أحد، ويصدقون بجميع األنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد اهلل‬
 ‫المرسلين واألنبياء وال يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم‬
  ‫صادقون راشدون وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن اهلل حتى نسخ الجميع بشرع محمد‬
‫وقال تعالى: كل آمن باهلل ومالئكته ورسله ال نفرق بين أحد من رسله [البقرة:127]. فال فرق بين‬
‫رسول اهلل واألنبياء والمرسلين من قبله في صدقهم ورسالتهم وبعثهم، وإنما الفرق من ثالثة وجوه‬
                               ‫هي أدلة ختم النبوة والرسالة فال نبوة بعد رسول اهلل وال رسالة.‬
       ‫أ- أرسل األنبياء والرسل إلى أمم خاصة أما محمد فقد أرسل إلى العالمين قال تعالى: وما‬
                           ‫أرسلناك إال رحمة للعالمينْ [األنبياء:205]. فال نبي أو رسول بعده.‬
‫ب- تعرضت الكتب السابقة إلى التحريف والتبديل وأما القرآن فقد تولى اهلل حفظه بنفسه فقال: إنا‬
                     ‫نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر:9] ال حاجة لمجيء كتاب جديد.‬
‫ج- كانت الكتب السابقة تعالج جوانب محدودة في حياة الناس العملية أو األخالقية فقط أما الكتاب‬
 ‫الذي جاء به محمد بن عبد اهلل ففيه المعالجة الكاملة لحياة الناس في شتى الجوانب: ما فرطنا في‬
     ‫الكتاب من شيء [األنعام:23]. فال حجة لمن يأتي بمنهج يعالج فيه أمرا قد استكمل بيانه في‬
                                                                                    ‫اإلسالم.‬
    ‫وفي الحديث: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فال رسول بعدي وال نبي))(2)[2])، والبشرية‬
      ‫مدعوة لإليمان به قال تعالى: ومن يبتغ غير اإلسالم دينا فلن يقبل منه وهو في اآلخرة من‬
                                                                  ‫الخاسرين [آل عمران:12].‬
 ‫وللحديث: ((ال يسمع بي يهودي وال نصراني ثم ال يؤمن بي إال حرم اهلل عليه الجنة))(1)[1]) .‬
‫فاألنبياء والرسل جاءوا لهداية البشرية في أطوارها المختلفة وذلك شبيه بأساتذة المراحل التعليمية‬
    ‫فالجميع معلمون والكل يكمل بعضهم بعضا في تلبية حاجة العقل البشري بمراحله حتى انتهى‬
                  ‫األمر ببعثة المصطفى الذي جمع الكماالت اإلنسانية والمنهج الكامل المحفوظ.‬
                                                                   ‫وأما الذي ينبغي أن تدركه:‬
 ‫أ – أن الرسل واألنبياء المذكورين في كتاب اهلل خمسة وعشرون نبيا ورسوال علما أن اهلل تعالى‬
                           ‫ابتعث (000275) مائة وأربعة وعشرين ألفا فلماذا أخفيت أسماؤهم؟‬
                                                                                 ‫قال العلماء:‬
  ‫أ – حتى تتربى األمة على اإلخالص فليست العبرة بذكر األسماء وإنما بقبول العمل قال تعالى:‬
‫وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى [يس:07]. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [الكهف:35].‬
                                                           ‫من هم ال ندري؟ ما هي أسماؤهم؟.‬
‫ب- عزاء لكل مجاهد مجهول يمضي ال يلتفت له الناس بل قد يتعرض للعنت واالضطهاد والقتل‬
                                                               ‫فله في رسل اهلل وأنبيائه عزاء.‬
‫ج- توجيه للهمم إلى االقتداء باألعمال ال التنقيب عن األسماء والمسميات التي ال طائل تحتها وال‬
                                                  ‫نفع، ولو علم اهلل في األمر خيرا ألخبرنا به.‬
  ‫إن اهلل يؤيد رسله بالمعجزات: وهي األمر الخارق للعادة الذي يجريه اهلل سبحانه على يدي نبي‬
    ‫مرسل ليقيم الدليل القاطع على صدق نبوته فهذا إبراهيم الخليل كانت معجزته بأن كانت النار‬
   ‫بردا وسالما عليه: قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسالما‬
                                                              ‫على إبراهيم [األنبياء:26-96].‬
‫وهذا عيسى عليه السالم وقد شاع في زمنه الطب فكانت معجزته في اإلبراء والشفاء بأمر اهلل بل‬
     ‫وإحياء الموتى بإذن اهلل: وأبرئ األكمه واألبرص وأحيي الموتى بإذن اهلل [آل عمران:92].‬
  ‫وهذا موسى عليه السالم وقد شاع في زمنه السحر فكانت آية العصا معجزة له في انقالبها إلى‬
    ‫حية تسعى: فألقاها فإذا هي حية تسعى [طه:07]. والمتأمل في معجزات األنبياء والرسل إنها‬
                                                                                 ‫ي‬
                                         ‫كانت حس ّة وقتية ال يعلم بها إال من رآها وعاصرها.‬
      ‫وأما معجزة المصطفى فكانت عقلية دائمة وهي القرآن العظيم وما فيه من إعجاز في اللغة‬
 ‫واألحكام والحقائق العلمية والتاريخية والنفسية والجغرافية والحسابية وغير ذلك كثير فال تنقضي‬
‫عجائبه وكلما ازدادت البشرية ازدادت علما بجهلها وإدراكها للسبق العظيم الدال على عظيم كتاب‬
                                ‫اهلل سبحانه كيف ال ومصدره اللطيف الخبير جل جالله سبحانه.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                       ‫لم ترد.‬
                                                                              ‫__________‬
                                                                 ‫(5) أحمد وسنده ليس بالقوي.‬
                                                                                ‫(7) البخاري.‬
                                                                                    ‫(3) مسلم.‬
                                                                                    ‫(2) أحمد.‬
                                                                             ‫(1) أحمد ومسلم.‬

‫(5/206)‬




                                                                                 ‫..اليوم اآلخر‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                             ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                   ‫الموت والحشر, اليوم اآلخر‬
                                                         ‫-----------------------‬
                                                                   ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                        ‫الدوحة‬
                                                                                 ‫الريان الكبير‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- أسماء يوم القيامة. 7- عدل اهلل وحكمته يقتضي القيامة. 3- تستقيم حياة اإلنسان حين يؤمن‬
                ‫بيوم القيامة. 2- حقائق وأهوال في يوم القيامة. 1- ايمان المسلم بيوم القيامة.ب‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
‫أ فحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ال ترجعون فتعالى اهلل الملك الحق ال إله إال هو رب العرش‬
                                                                      ‫الكريم [المؤمنون:155].‬
‫اعلم أن الحق سبحانه منزه عن العبث في أفعاله وأحكامه وأوامره وانتهاء الحياة الدنيا دون رجعة‬
   ‫إلى اهلل للحساب قمة العبث، لذا كان اإليمان باليوم اآلخر ركن ومنكره كافر، فما اليوم اآلخر؟‬
                                                    ‫ولماذا؟ وما حقائقه؟ وما موقف المسلم منه؟‬
      ‫اليوم اآلخر: هو يوم الجزاء، وهو يوم الحساب، وهو الحياة الثانية بعد الموت وإقامة العدل‬
                                                                         ‫الرباني بين الخالئق.‬
                                                                              ‫وينبغي أن تعلم:‬
      ‫أن اإليمان باليوم اآلخر ال ينفك عن اإليمان باهلل تعالى ومنكره كافر، وهو ركن من أركان‬
                                                                                      ‫اإليمان.‬
   ‫للحديث: ((أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسله وباليوم اآلخر وبالقدر خيره وشره))(5)[5]).‬
         ‫وقد سمى اهلل تعالى اليوم اآلخر بأسماء تدل على ما يجري فيه من حقائق وأهوال منها:‬
           ‫يوم الدين: ألن فيه إدانة الخلق ومجازاتهم على أعمالهم: مالك يوم الدين [الفاتحة:3].‬
‫يوم الخروج: ألن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة األخر: ذلك يوم الخروج [ق:72]. يوم‬
     ‫الحسرة ألن فيه حسرة الكافرين والعصاة على ما فرطوا في جنب اهلل: وأنذرهم يوم الحسرة‬
                                                                                  ‫[مريم:93].‬
                                ‫الدار اآلخرة: فهي دار غير هذه الدار تأتي بعد الموت(7)[7]).‬
 ‫القارعة: ألنها تقرع القلوب بأهوالها: القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة [القارعة:5-7].‬
                                                ‫وأما لماذا اليوم اآلخر؟ فال بد من اليوم اآلخر:‬
‫حتى ال يمضي الظالم من غير عقاب والمظلوم من غير عوض، قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة‬
                                       ‫خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:2-2].‬
                               ‫وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما [طه: 555].‬
                           ‫ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فال تظلم نفس شيئا [األنبياء:22].‬
‫وحتى ال يستوي المؤمن بالكافر والمجرم بالتقي، قال تعالى: أ فنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم‬
‫كيف تحكمون [القلم: 63-23]. أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا‬
                               ‫الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [الجاثية:57].‬
‫وحتى تتفجر ينابيع الخير في النفس اإلنسانية استعدادا لذلك اليوم العظيم فيبر الولد بوالده، وتطيع‬
    ‫الزوجة زوجها، ويحترم المسؤول رعيته ويعدل، ويمسك التاجر عن الحرام والربح الفاحش،‬
     ‫وينفق الغني من ماله على المحتاجين، قال تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما‬
     ‫وأسيرا إنما نطعمكم لوجه اهلل ال نريد منكم جزاء وال شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا‬
                                                                   ‫قمطريرا [اإلنسان:9-05].‬
     ‫وألن النفس اإلنسانية تختلف في بواعثها على الخير كما ذكر اإلمام النووي، فمن الناس من‬
    ‫يحرك جوارحه للطاعة الرغبة في الجنة وما أعد اهلل فيها ألوليائه، ومنهم من تفزع جوارحه‬
‫للطاعة بسبب الفزع من العذاب األليم الذي أعده اهلل للمعرضين، ومنهم من وافقوا الحق في مراده‬
   ‫لمعرفتهم به وتلك عبادة األحرار، لذا كان رسول اهلل يقوم الليل حتى تتفطر قدماه فتقول عائشة‬
 ‫رضي اهلل عنها: ألم يغفر اهلل لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ((أفال أكون عبدا شكورا)).‬
                                                        ‫وأما الحقائق التي تكون في اليوم اآلخر:‬
  ‫الحقيقة األولى: البعث: وذلك يكون بإعادة بناء األجسام بعد فنائها، وإعادة الحياة إليها بعد سلبها‬
 ‫منها، قال تعالى: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم:27]. وأن الساعة آتية ال‬
                                               ‫ريب فيها وأن اهلل يبعث من في القبور [الحج:2].‬
  ‫واعلم أن اهلل أوكل ملكا كريما هو إسرافيل عليه السالم بالنفخ في الصور فإذا نفخ األولى ماتت‬
 ‫الخالئق وهذه هي الراجفة ثم ينفخ فيه أخرى وهي الرادفة وفيها البعث يكون وأعلمنا المصطفى‬
  ‫في الحديث: ((كل ابن آدم تأكله األرض إال عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب))(3)[3])، فال‬
‫يبقى من ابن آدم إال عجب الذنب فيكون كالنواة وينبت للحديث: ((ثم ينزل من السماء ماء فينبتون‬
    ‫كما ينبت البقل، وليس من اإلنسان شيء إال بلي إال عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب‬
                                                                    ‫الخلق يوم القيامة))(2)[2]).‬
   ‫ويكون ما بين النفخة األولى والثانية أربعون للحديث: ((ما بين النفختين أربعون، قيل: أربعون‬
          ‫يوم؟ قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال:‬
                                                                                ‫أبيت))(1)[1]).‬
‫الحقيقة الثانية: الحشر: وهو الجمع وذلك بأن تحشر الخالئق لموقف الحساب اإلنس والجن ودواب‬
                                             ‫ن‬
 ‫األرض وطيورها حيث القصاص للحديث: ((لتؤد ّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة‬
     ‫الجلحاء من الشاة القرناء تنطحها))(6)[6])، ويقاد: أي يقتص، والجلحاء: التي ال قرون لها.‬
   ‫واعلم أن الشمس تدنو من رؤوس الخالئق، للحديث: ((تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى‬
  ‫تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه،‬
               ‫ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                               ‫إلجامً))(2)[2]).‬
  ‫وأن الناس يحشرون عراة غرال (غير مختونين) للحديث: ((إنكم محشورون حفاة عراة غرال ثم‬
                     ‫قرأ: كما بدأنا أول خلق نعيده وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم))(2)[2]).‬
                                 ‫الحقيقة الثالثة: عرض وسؤال وحساب وميزان وكتب األعمال.‬
   ‫أ- العرض: قال تعالى: وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم‬
      ‫ألن نجعل لكم موعدا [الكهف:22]. فمن شاء اهلل أن يرحمه لم يحاسبه، للحديث: ((ليس أحد‬
‫يحاسب إال هلك، قالت عائشة: يا رسول اهلل جعلني اهلل فداك، أليس اهلل يقول: فأما من أوتي كتابه‬
           ‫بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، قال: ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب‬
                                                                                 ‫هلك))(9)[9]).‬
    ‫ب- السؤال والحساب: فمن شاء اهلل أن يرحمه ستره عن الخالئق، للحديث: ((يدني اهلل تعالى‬
  ‫المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه (أي ستره) فيقرره بذنوبه: فيقول: أتعرف ذنب كذا في‬
   ‫يوم كذا؟ فيقول: أعرف، فيقول اهلل عز وجل: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم‬
   ‫فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكافر والمنافق فينادي عليهم على رؤوس األشهاد: هؤالء الذين‬
                                      ‫كذبوا على ربهم أال لعنة اهلل على الظالمين))(05)[05]).‬
  ‫ج- الميزان: قال تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فال تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال‬
                                       ‫حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [األنبياء:22].‬
    ‫يقول أنس بن مالك : يؤتى بالعبد ويوقف بين كفتي الميزان، فإن رجحت حسناته على سيئاته‬
   ‫نادي ملك بصوت تسمعه الخالئق: سعد فالن بن فالن سعادة ال يشقى بعدها أبدا، وإذا رجحت‬
‫سيئاته على حسناته نادى الملك بصوت تسمعه الخالئق: شقي فالن بن فالن شقاوة ال يسعد بعدها‬
                                                                                         ‫أبدا.‬
‫د- كتب األعمال: حيث يأخذ المؤمنون كتبهم بأيمانهم ويأخذ أهل الشمال كتبهم بشمائلهم للحديث:‬
     ‫((يعرض الناس يوم القيامة ثالثة عرضات، فأما عرضتان: فجدال ومعاذير، فعند ذلك تطير‬
                                    ‫الصحف في األيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله))(55)[55]).‬
    ‫وقال تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا‬
          ‫وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا [االنشقاق:2-75].‬
   ‫الحقيقة الرابعة: الصراط: وهو جسر على ظهر جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون‬
‫على حسب حالهم في سرعات تتفاوت بتفاوت أعمالهم الصالحة واآلخرون يسقطون حيث تجذبهم‬
     ‫كالليب جهنم - أعاذنا اهلل ونجانا من ناره - للحديث: ((ثم يؤتى بالجسر فيجعله بين ظهري‬
      ‫جهنم، قلنا: يا رسول اهلل وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكالليب وحسكة‬
 ‫مفلطحة، لها شوكة عقيفاء تكون بنجد، يقال لها: السعدان يمر المؤمن كالطرف كالبرق وكالريح‬
   ‫وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جنهم حتى يمر آخرهم‬
                                                                   ‫يسحب سحبا))(75)[75]).‬
    ‫ل‬
   ‫ودعاء المؤمنين آنذاك رب سلم للحديث: ((شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: رب سّم‬
                                                                            ‫سلم))(35)[35]).‬
   ‫الحقيقة الخامسة: ثم إما إلى جنة وهي مأوى المؤمنين حيث الثواب األكبر وإما إلى جهنم وهي‬
                                            ‫مأوى الكافرين حيث العقاب األكبر أعاذنا اهلل منها.‬
  ‫قال تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السماوات واألرض‬
                                                                   ‫ع‬
 ‫إال ما شاء اهلل إن ربك ف ّال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات‬
                               ‫واألرض إال ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [هود:605-205].‬
‫والعصاة من المؤمنين [تحت مشيئة اهلل عز وجل؛ فإما أن يعذبهم على ذنوبهم بعدله وحكمته، وإما‬
 ‫أن يعفو عنهم ويتجاوز عن سيئاتهم]، ثم يؤذن لهم بدخول الجنة برحمة من اهلل سبحانه وتعالى.‬
                                                         ‫وأما موقف المسلم من اليوم اآلخر:‬
  ‫التسليم المطلق والتصديق الكامل بكل ما جاء في الكتاب من حقائق اليوم اآلخر، بال توقف وال‬
      ‫شك وال اغترار بأماني زائلة وال استماع للشيطان وتلك هي اآلفات، قال تعالى: يوم يقول‬
   ‫المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا‬
   ‫فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم‬
  ‫قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم األماني حتى جاء أمر اهلل وغركم باهلل‬
                                                                   ‫الغرور [الحديد:35-25].‬
‫أال ال تنخدع بأوهام الملحدين الضالين الذين توهموا أال رجعة وال حساب وال جنة وال نار وإنما‬
                                     ‫هي دنيا وال حياة بعدها أبدا !! وادفع هذا التوهم بأمرين:‬
‫5- إن الذي خلق وقدر وأبدع قادر على اإلعادة بل اإلعادة أهون، قال اهلل تعالى: وهو الذي يبدأ‬
                                                 ‫الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم:27].‬
   ‫7- إن خلق اإلنسان ليس بشيء أمام خلق السماوات واألرض وما فيهما من عجائب وإعجاز‬
          ‫وإبداع عظيم، قال تعالى: لخلق السماوات واألرض أكبر من خلق الناس [غافر:21].‬
‫ولما كان المسلم الحق يوقن باهلل وقدرته المطلقة وعدله المطلق فال يتطرق إلى قلبه شك أبدا عن‬
‫إمكانية وجود يوم آخر يعود فيه الملك لصاحب الملك، ويجزي كل أحد بما قدمت يداه. وهذا أبي‬
     ‫م‬
 ‫بن خلف وقد أخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد أترى اهلل يحيي هذا بعدما ر ٌ (أي‬
‫أصبح رميما ترابا)؟ قال : ((نعم ويبعثك ويدخلك جهنم))(25)[25]). فأنزل اهلل قوله وضرب لنا‬
‫مثال ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق‬
                                                                        ‫عليم [يس:22-92].‬
‫ولما كان الموت ليس هو نهاية المطاف وإنما بعده أهوال وأهوال وأهوال فإما إلى جنة أبدا وإما‬
                                                                 ‫د‬
                                                ‫إلى نار لذا كان البد أن يع ّ لذلك اليوم عدته.‬
                                              ‫ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي‬
                                                ‫و لكنا إذا متنا بعثنا و نسأل بعده عن كل شي‬
  ‫سئل اإلمام أحمد رحمه اهلل: متى يجد المؤمن طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها العبد في‬
 ‫الجنة. فنسأل اهلل تعالى أن يتوالنا برحمته في الدنيا واآلخرة وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة من‬
                 ‫غير حساب وأن يهون علينا سكرات الموت وأهوال القيامة بمنه وكرمه آمين.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد .‬
                                                                      ‫__________‬
                                                                            ‫(5) مسلم.‬
                                                      ‫(7) العقيدة اإلسالمية ، ص 276.‬
                                                                 ‫(3) أبو داود النسائي.‬
                                                                 ‫(2) البخاري ومسلم.‬
                                                                 ‫(1) البخاري ومسلم.‬
                                                                  ‫(6) مسلم والترمذي.‬
                                                                  ‫(2) مسلم والترمذي.‬
                                                                 ‫(2) البخاري ومسلم.‬
                                                           ‫(9) أخرجه البخاري ومسلم.‬
                                                                ‫(05) 05])رواه مسلم.‬
                                                           ‫(55) 55])أخرجه الترمذي.‬
                                                              ‫(75) 75])أخرجه مسلم.‬
                                                           ‫(35) 35])أخرجه الترمذي.‬
                                                              ‫(25) 25])ابن أبي حاتم.‬

‫(5/106)‬




                                                                       ‫عالمات الساعة‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                               ‫اإليمان‬
                                                                        ‫أشراط الساعة‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                            ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                               ‫الدوحة‬
                                                                         ‫الريان الكبير‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
          ‫5- معنى الساعة. 7- عالمات اقتراب الساعة الصغرى. 3- عالمات الساعة الكبرى.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫قال تعالى: فهل ينظرون إال الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم‬
                                                                                 ‫[محمد:25].‬
    ‫استفهام إنكاري يضعه رب العزة سبحانه أمام المكذبين باليوم اآلخر الذي يعود فيه الخلق إلى‬
‫ربهم للحساب واالستفهام هو ما الذي ينتظره المكذبون! أينتظرون الساعة وهي آتية ال ريب فيها،‬
                                                      ‫وقد جاءت عالماتها الدالة على اقترابها.‬
                         ‫فما الساعة؟ وما عالماتها الصغرى والكبرى؟ وما موقف المسلم منها؟‬
  ‫الساعة: اسم من أسماء يوم القيامة والحساب، وهو اسم يدل على اإليقاظ بعد النوم واالنتباه بعد‬
                                                                     ‫اليقظة، وينبغي أن تعلم:‬
‫أن وقت قيام الساعة من أمور الغيب التي ال يعلمها إال اهلل تعالى ومن ادعى ذلك فهو كاذب، قال‬
        ‫تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ال يجليها لوقتها إال هو‬
                                                                            ‫[األعراف:225].‬
‫وأن وقت قيامها قد اقترب، قال تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر:7]. وللحديث: ((بعثت‬
                                                                ‫أنا والساعة كهاتين))(5)[5]).‬
    ‫وأما عالماتها الصغرى: فإن للساعة عالمات صغرى تدل على اقترابها حتى يشمر السالكون‬
‫الصادقون ويزداد المؤمنون يقينا بصدق المصطفى فيما أخبر عنه، ومن هذه العالمات الصغرى:‬
    ‫أ- كثرة الفتن: للحديث: ((يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا‬
          ‫ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا))(7)[7]).‬
  ‫والوصف النبوي للفتن كقطع الليل المظلم ففي الظالم يفتقد العبد الوجهة الصائبة، ويكون العثار‬
 ‫والسقوط واالرتطام، للفرد والجماعة واألمة والعالم والجاهل، وترى من يكون نعال ألقدام الطغاة‬
             ‫محلال أو محرما يبيع دينه من أجل الفتات الذي يقذفه له السلطان فنسأل اهلل العافية.‬
 ‫ب- فساد الخلق: للحديث: ((إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البالء، قيل: وما هي يا‬
‫ق‬
‫رسول اهلل؟ قال: إذا كان المغنم دوال واألمانة مغنما والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وع ّ‬
                                                                              ‫ر‬
   ‫أمه، وب ّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت األصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم‬
  ‫الرجل مخافة شره، وشرب الخمر، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه‬
                         ‫األمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أوخسفا و مسخا))(3)[3]).‬
   ‫ج- فساد سياسي: أن يتولى األمر السفلة الخونة األراذل للحديث: ((إذا ضاعت األمانة فانتظر‬
                                                  ‫س‬
      ‫الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا و ّد األمر إلى غير أهله فانتظر الساعة))(2)[2]).‬
‫د- السعداء هم اللئام الذين ال تشغلهم إال أنفسهم للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس‬
                                                                 ‫بالدنيا لكع بن لكع))(1)[1]).‬
‫هـ- أن ينسى الناس ربهم للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى ال يقال في األرض: اهلل اهلل))(6)[6]).‬
    ‫و- شيوع الزنا وهوان المرأة: للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى توجد المرأة نهارا تنكح وسط‬
 ‫الطريق ال ينكر ذلك أحد فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليل، فذلك فيهم‬
                                                           ‫مثل أبي بكر وعمر فيكم))(2)[2]).‬
     ‫ز- ذهاب الصالحين: ويتمنى المؤمن الموت مخافة على دينه أن يفتن فيه للحديث: ((يقبض‬
       ‫الصالحون األول فاألول ويبقى حثالة كحثالة التمر والشعير ال يعبأ اهلل بهم شيئا))(2)[2]).‬
‫وللحديث: ((والذي نفسي بيده، ال تمر الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر، فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني‬
                                                           ‫د‬
                             ‫مكان صاحب هذا القبر وليس به ال ّين، ما به إال البالء))(9)[9]).‬
     ‫ح- كثرة القتل واستباحته: للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا‬
                                                     ‫رسول اهلل؟ قال: القتل القتل))(05)[05]).‬
      ‫ط- النفاق في العالئق وقطعية األرحام: للحديث: ((إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل،‬
    ‫وتحابوا باأللسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في األرحام لعنهم اهلل عند ذلك فأصمهم وأعمى‬
                                                                      ‫أبصارهم))(55)[55]).‬
      ‫ي- كثرة الزالزل: للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزالزل، ويتقارب‬
                                   ‫الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل))(75)[75]).‬
 ‫ك- ظهور أدعياء للنبوة: ((ال تقوم الساعة حتى يخرج ثالثون كذابا دجاال كلهم يزعم أنه رسول‬
                                                                             ‫اهلل))(35)[35]).‬
  ‫ل- ذهاب بركة األوقات: للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر،‬
        ‫والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة‬
                                                                          ‫بالنار))(25)[25]).‬
                      ‫وأما العالمات الكبرى: فقد جاءت مجملة في أحاديث ومفصلة في أخرى.‬
   ‫وأنها عشر أمارات للحديث: ((إنه لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان، والدجال‬
         ‫والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثالث‬
‫خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من‬
                                                 ‫اليمن تطرد الناس إلى محشرهم))(15)[15]).‬
                            ‫وعلى هذا فالعالمات الكبرى عشر نجملها بشرح مختصر فيما يلي:‬
‫الدخان: وذلك بأن يخرج دخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى‬
                                                           ‫يكون كالرأس المشوي على الجمر.‬
                                                                                     ‫الدجال:‬
    ‫أ- أعظم فتنة للحديث: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من الدجال))(65)[65]).‬
‫ب- وأنه أعور للحديث: ((ما بعث نبي إال أنذر أمته األعور الكذاب أال إنه أعور وإن ربكم ليس‬
                                              ‫بأعور وأن بين عينيه مكتوب كافر))(25)[25]).‬
       ‫قال ابن األثير: وسمي الدجال بالمسيح ألن إحدى عينيه ممسوحة والدجال ألنه يلبس الحق‬
                                                                                     ‫بالباطل.‬
             ‫ج- أنه يدعي األلوهية للحديث: ((معه جنة ونار فناره جنة وجنته نار))(25)[25]).‬
 ‫د- تسخر له الجن والسماء واألرض زيادة في الفتنة للحديث: ((يقول لألعرابي: أرأيت إن بعثت‬
 ‫لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له الشيطان في صورة أبيه وأمه فيقوالن: يا‬
    ‫بني اتبعه فإنه ربك، فيأتي على القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم: فيصبحون‬
                                           ‫ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم))(95)[95]).‬
‫هـ- أن يهبه اهلل إمكانية القتل ودعوة المقتول إلى االستواء فيستوي زيادة في الفتنة للحديث: ((ثم‬
               ‫يدعو رجال ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، ثم يقول له: قم فيستوي‬
                                                                           ‫قائما))(07)[07]).‬
‫و- ومكوثه في األرض أربعون للحديث: ((قلنا: يا رسول اهلل وكم لبثه في األرض؟ قال: أربعون‬
                                                                           ‫يوما))(57)[57]).‬
‫ز- للنجاة منه: أن تقرأ فواتح سورة الكهف للحديث: ((فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح الكهف‬
                                                          ‫فإنها جواركم من فتنته))(77)[77]).‬
     ‫الدابة: قال تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من األرض تكلمهم أن الناس كانوا‬
    ‫بآياتنا ال يوقنون [النمل:72]. وهي دابة عظيمة ورد في صفتها أقوال كثيرة، تخرج عند فساد‬
  ‫الناس وأنها تسم الناس المؤمن والكافر فيبيض وجه المؤمن كأنه كوكب دري ويكتب بين عينيه‬
‫مؤمن وتسم الكافر فيسود وجهه فيكتب بين عينيه كافر حتى أن المؤمن يقول: يا كافر أقضِ حقي.‬
                                                               ‫ض‬
                                                 ‫ويقول الكافر يا مؤمن أق ِ حقي(37)[37]).‬
  ‫طلوع الشمس من مغربها: للحديث: ((ال تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت‬
    ‫فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين ال ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في‬
                                                                    ‫إيمانها خيرا))(27)[27]).‬
‫قال ابن عمر: فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب األحمر فال يقبل منهم ويقال: لو كان باألمس وقال‬
            ‫ابن عباس: والغافلون في غفلتهم إذ نادى مناد أال إن باب التوبة قد أغلق(17)[17]).‬
 ‫نزول عيسى بن مريم عليه السالم: للحديث: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم‬
                         ‫حكما عدال فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية))(67)[67]).‬
                 ‫ُد‬
                 ‫هالك الدجال على يد المسيح عليه السالم للحديث: ((فيطلبه حتى يدركه بباب ل ّ‬
                                                                          ‫فيقتله))(27)[27]).‬
 ‫مكوثه أربعين سنة: للحديث: ((ينزل عيسى بن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة))(27)[27]).‬
   ‫((ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفن في الحجرة الشريفة فيكون قبره رابعا))(97)[97]).‬
  ‫ج- يعيش الناس في خير عظيم وأمان يسع الجميع: قال ابن مسعود: يقول الرجل لغنمه ودوابه‬
    ‫اذهبوا فارعوا وتمر الماشية بين الزروع ال تأكل منه سنبلة والحيات والعقارب ال تؤذي أحدا‬
‫والسبع على أبواب الدور ال يؤذي أحدا ويأخذ الرجل المد من القمح فيبذره بال حرث فيجيء منها‬
                                                                               ‫سبعمائة مد.‬
          ‫يأجوج ومأجوج: قال تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون‬
                                                                              ‫[األنبياء:69].‬
‫أ- خلق من ولد آدم يعيثون في األرض فسادا، وقد بنى عليهم ذو القرنين سدا، قال تعالى: قالوا يا‬
     ‫ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في األرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا‬
  ‫وبينهم سدا وما زالوا يحفرون في السد حتى يخرقونه فيخرجون إلى الناس وعيسى عليه السالم‬
‫يحدث المؤمنين عن منازلهم في الجنة: ((إذ أوحى اهلل إلى عيسى أنه قد أخرجت عبادا لي ال يدان‬
                ‫ألحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث اهلل يأجوج ومأجوج فيخرجون على‬
                                                                        ‫الناس))(03)[03]).‬
 ‫من إفسادهم أنهم يعملون القتل في الناس بل يتحدون من في السماء للحديث: ((فيقولون: لقد قتلنا‬
     ‫من في األرض فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيردها اهلل عليهم مخضوبة‬
                                                       ‫دما))(53)[53]). وذلك للفتنة والبالء.‬
‫ب- هالكهم بالدود يرسل إليهم للحديث: ((فيرسل عليه النغف في رقابهم وفي رواية دودا كالنغف‬
     ‫في أعناقهم (ويكون في أنوف اإلبل والغنم) فيصبحون موتى كموت نفس واحدة ال يسمع لهم‬
                                                                         ‫حس))(73)[73]).‬
‫ج- غسيل األرض من جيفهم وزهمهم للحديث: ((فيهبط نبي اهلل عيسى وأصحابه إلى األرض فال‬
‫يجدون في األرض موضع شبر إال مأله زهمهم أي شحمهم ونتنهم أي ريحهم من الجيف فيؤذون‬
   ‫الناس بنتنهم فيرسل اهلل طيرا كأعناق البخت (نوع من اإلبل طوال األعناق) فتحملهم فتطرحهم‬
     ‫حيث شاء اهلل ثم يرسل اهلل مطرا ال يكن منه بيت مدر وال وبر، فيغسل األرض حتى يتركها‬
                                                           ‫كالزلفة (أي المرآه)))(33)[33]).‬
       ‫د- البركة تعم الناس للحديث: ((ثم يقال لألرض: انبتي ثمرك، وردي بركتك فيومئذ تأكل‬
                                ‫العصابة (الجماعة) من الرمانة ويستظلون بقحفها))(23)[23]).‬
                                                                        ‫2.خسف بالمشرق.‬
                                                                        ‫2.خسف بالمغرب.‬
                                                                  ‫9.خسف بجزيرة العرب.‬
     ‫ويذكر صاحب كتاب اإلشاعة ألشراط الساعة أن الخسوفات قد وقعت، فاهلل أعلم(13)[13]).‬
 ‫05. نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم: للحديث: ((ستخرج نار من حضرموت، أو‬
       ‫من بحر حضرموت، قبل القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول اهلل فما تأمرنا؟ قال: عليكم‬
                                                                         ‫بالشام))(63)[63]).‬
                                                                    ‫وأما موقف المسلم منها:‬
 ‫أن تستشعر هول المطلع، وقرب اللقاء بجبار األرض والسماء سبحانه، فال تغتر بالدنيا الزائلة،‬
‫والجاه الزائف، والملك الهاو، فإنما هي أحالم نائم، والبد من يقظة، فإما إلى جنة وإما إلى نار:‬
                                                          ‫ا‬
                                     ‫واهلل لو عاش الفتى في دهره ألفً من األعوام مالك أمره‬
                                              ‫متنعما فيها بكل نفيسة أبدا وال ترد إلهموم بباله‬
                                         ‫ما كان هذا كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره‬
                                                                             ‫د‬
    ‫أن تع ّ لألمر عدته، فال تمضي منك الساعات واأليام والسنون وأنت اله غافل مستغرق في‬
   ‫الترهات والسفاسف، منصرفا عن إعداد الزاد ليوم التناد، تتنازعك األهواء، ورغبات النفس‬
  ‫الخاطئة األمارة بالسوء، تستهويك مجالسة الفارغين في قتل الوقت بما ال يجديك يوم الحساب‬
   ‫والدين، فاستيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، فعالمة الخوف الحق إنما هو التبكير والتشمير‬
  ‫للحديث: ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، أال أن سلعة اهلل غالية، أال إن سلعة اهلل هي‬
                                                                         ‫الجنة))(23)[23]).‬
     ‫أن تكون حذرا من أن تكون مستغفال فتدور بك الفتن، فتكون مؤيدا لفاجر استخف الدهماء‬
‫بكالمه، ورفع شعار اإلسالم بيد تقطر منها دماء المسلمين، وكم رأينا ممن حرم التوفيق والسداد‬
    ‫فلم ينتفع بعمله أو كان الدرهم والدينار إلها له من دون اهلل فباع آخرته بدنيا غيره، ورضي‬
   ‫بلعاعة من الدنيا ال تسمن وال تغني من عذاب اهلل شيئا، والزم وصية رسول اهلل عند الفتن إذ‬
‫يقول: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير‬
                                                                   ‫من الساعي))(23)[23]).‬
                                ‫ح‬
   ‫فليس هي أبواب طاعة حتى تتعجل فاثبت وتريث وم ّص، واستشر أصحاب القلوب ومخافة‬
               ‫الرحمن، واحذر علماء اللسان فإنهم جهال، وفقني اهلل وإياك لما يحبه ويرضاه.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد.‬
                                                                             ‫__________‬
                                                                        ‫(5) البخاري ومسلم.‬
                                                                       ‫(7) أخرجه الترمذي.‬
                                                                       ‫(3) أخرجه الترمذي.‬
                                                                       ‫(2) أخرجه الترمذي.‬
                                                                       ‫(1) أخرجه الترمذي.‬
                      ‫(6) أخرجه الترمذي.‬
                            ‫(2) الطبراني.‬
                     ‫(2) أخرجه البخاري.‬
                            ‫(9) البخاري.‬
                   ‫(05) 05])أخرجه مسلم.‬
                  ‫(55) 55])ابن أبي الدنيا.‬
                       ‫(75) 75])البخاري.‬
                  ‫(35) 35])رواه أبو داود.‬
                ‫(25) 25])أخرجه الترمذي.‬
            ‫(15) 15])رواه مسلم وأبو داود.‬
                     ‫(65) 65])رواه مسلم.‬
                  ‫(25) 25])رواه البخاري.‬
                     ‫(25) 25])رواه مسلم.‬
                     ‫(95) 95])رواه مسلم.‬
                     ‫(07) 07])رواه مسلم.‬
                     ‫(57) 57])رواه مسلم.‬
                     ‫(77) 77])رواه مسلم.‬
‫(37) 37])اإلشاعة في أشراط الساعة ص .125‬
                  ‫(27) 27])رواه البخاري.‬
         ‫(17) 17])أشراط الساعة ص .665‬
                 ‫(67) 67])البخاري ومسلم.‬
                     ‫(27) 27])رواه مسلم.‬
           ‫(27) 27])الطبراني وابن عساكر.‬
             ‫(97) 97])البخاري في تاريخه.‬
                     ‫(03) 03])رواه مسلم.‬
                     ‫(53) 53])رواه مسلم.‬
                     ‫(73) 73])رواه مسلم.‬
                     ‫(33) 33])رواه مسلم.‬
                     ‫(23) 23])رواه مسلم.‬
                ‫(13) 13])اإلشاعة ص 92.‬
                ‫(63) 63])أخرجه الترمذي.‬
                                                       ‫(23) 23])الترمذي وقال حديث حسن.‬
                                                                   ‫(23) 23])رواه البخاري.‬

‫(5/606)‬




                                                                            ‫الد‬
                                                                          ‫التخويف من َّين‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب, فقه‬
                                                    ‫اآلداب والحقوق العامة, الديون والقروض‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫علي بن عبد اهلل النمي‬
                                                                                    ‫الرياض‬
                                                               ‫خبيب بن عدي رضي اهلل عنه‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- حرمة المسلم في دينه وعرضه وماله 7- التحذير من عاقبة الغلول 3- تحذير رسول اهلل من‬
     ‫د‬                            ‫ح‬                                                   ‫د‬
‫ال ّيْن بامتناعه عن الصالة على المَدين 2- أمر المدين ب ُسن األداء 1- قصة في وفاء ال ّين 6-‬
                           ‫م‬                          ‫د‬
 ‫قصة أصحاب الغار 2- آداب لل ّين 2- فضيلة التجاوز عن ال ُعسر 9- تفضيل بعض أهل العلم‬
                                                                        ‫القرض على الصدقة‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
                                                                                    ‫أما بعد:‬
 ‫اتقوا اهلل حق التقوى، واستمسكوا – عباد اهلل – من اإلسالم بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادكم‬
 ‫على النار ال تقوى، واعلموا أنكم يوم الحشر مجموعون، وبين يدي اهلل – عز وجل – موقوفون‬
                                                          ‫وعن كل كبيرة وصغيرة مسؤولون.‬
      ‫ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب ال يغادر‬
                                     ‫ا‬
      ‫صغيرة وال كبيرة إال أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرً وال يظلم ربك أحداً [الكهف:03].‬
       ‫معشر المسلمين: يقول اهلل – عز وجل -: وال تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة:225].‬
                        ‫إن كثيرا من الناس عظم بطنه، ونبت لحمه، بمال غيره، أكلها بالباطل.‬
  ‫إن استدان دينا جحده، وإن استقرض قرضا تظاهر أنه نسيه، فسبحان ربي!. كيف يهنأ بالطعام‬
                                                        ‫والشراب والمنام، من ذمته مشغولة.‬
    ‫عباد اهلل: يقول النبي – -: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))(5)[5]رواه‬
                                                                                    ‫مسلم.‬
 ‫وفي الصحيحين عن أبي بكرة – -: أن النبي – - قال: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام‬
                                                                           ‫عليكم))(7)[7].‬
    ‫اتقوا اهلل – عباد اهلل – وأدوا ما في ذممكم من مال، ولو كان اقل من ريال ولو ثمن خبزة أو‬
  ‫بيضة أو أقل من ذلك. فإن ميزان اهلل – عز وجل – يحصي مثاقيل الذر. وليس ثمت دينار وال‬
 ‫درهم. إنما هي الحسنات والسيئات وحقوق اآلدميين ال تسقط بالتوبة فقط، بل البد من ردها إلى‬
                                                                                    ‫أهلها.‬
   ‫وأنت مسؤول عن صغيرها وكبيرها وقليلها وكثيرها، وال يحل مال امرئ مسلم إال عن طيب‬
    ‫نفس منه، ولو كان يسيرا، قال – -: ((من كانت عنده مظلمة ألخيه من عرضه أو من شيء‬
‫فليتحلله منه اليوم قبل أن ال يكون دينار وال درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته،‬
             ‫وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) رواه البخاري(3)[3].‬
‫وال تنتظر ممن أقرضك ماله أن يأتيك فيسألك حقه، فلربما منعه الحياء، أو وكل أمرك إلى اهلل –‬
                                                                              ‫عز وجل -.‬
                                     ‫نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين اهلل لم تنم‬
        ‫وبعض الناس يتقال الذي في ذمته، ثم ال يؤديه، وال يستسمح صاحبه، وهذا خطأ عظيم.‬
  ‫روى البخاري (2)[2]، عن عبد اهلل بن عمرو – رضي اهلل عنهما – قال: كان على ثقل رسول‬
 ‫اهلل – - رجل يقال له (كركرة ) يعنى مولى لرسول اهلل – - فمات، فقال رسول اهلل – -: ((هو‬
                                      ‫في النار))، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.‬
   ‫وعن ابن عباس – رضي اهلل عنهما – قال: حدثني عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من‬
   ‫أصحاب النبي فقالوا: فالن شهيد، وفالن شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا :فالن شهيد. فقال‬
    ‫رسول اهلل : ((كال إني رأيته في النار في بردة غلها، أو في عباءة غلها)) رواه مسلم(1)[1].‬
     ‫وعن أبي هريرة - - قال: خرجنا مع رسول اهلل إلى خيبر ،ففتح اهلل علينا ..قال: فلما نزلنا‬
     ‫الوادي قام غالم – رسول اهلل – - يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا: هنيئا له قال‬
‫رسول اهلل – -: ((كال، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم، لم‬
    ‫تصبها المقاسم، قال: ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبت يوم خيبر فقال‬
                      ‫رسول اهلل – - شراك من نار، أو شراكان من نار)) متفق عليه (6)[6].‬
‫وعن زيد بن خالد- - أن رجال من أصحاب النبي – - توفي يوم خيبر فذكروا لرسول اهلل – -‬
‫فقال: ((صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل اهلل ففتشنا‬
              ‫متاعه فوجدنا خرز من خرز يهود ال يساوي درهمين))(2)[2]. رواه أحمد وغيره.‬
 ‫وفي الصحيحين(2)[2]. عن عائشة – رضي اهلل عنها – إن النبي – - قال: ((تقطع اليد في ربع‬
 ‫دينار فصاعدا))، فإذا كان اهلل – عز وجل – قطع عضوا من أهم األعضاء عند اإلنسان في ربع‬
                      ‫دينار فكيف يأمن اإلنسان على نفسه وعقوبة الدين الذي في ذمته وإن قل.‬
           ‫د‬
  ‫فالدين أمره عظيم وخطره جسيم، يقول النبي – -: ((يغفر اهلل للشهيد كل ذنب إال ال ًين)) رواه‬
                                                                                 ‫مسلم(9)[9].‬
  ‫فإذا كان الدين ال يغفره اهلل لمن قتل في سبيله فكيف بمن هو دون ذلك وفي حديث أبي قتادة أن‬
‫رجال قال: يا رسول اهلل! أرأيت إن قتلت في سبيل اهلل أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اهلل – -:‬
                   ‫((نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إال الدين)) رواه مسلم(05)[05].‬
 ‫وعن محمد بن جحش – - قال: كنا جلوسا عند رسول اهلل – - فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع‬
‫راحته على جبهته، ثم قال: ((سبحان اهلل! ماذا نزل من التشديد؟ فسكتنا وفزعنا. فلما كان من العد‬
‫سألته: يا رسول اهلل! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده، لو أن رجال قتل في سبيل‬
   ‫اهلل، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه)) رواه‬
                                                                              ‫احمد(55)[55].‬
 ‫وقد امتنع رسول اهلل من الصالة على من مات وعليه دين، كما روى سلمة بن األكوع – - قال:‬
     ‫كنا جلوسا عند النبي – - إذا أتي بجنازة، فقالوا: يا رسول اهلل صلي عليها، قال: ((هل ترك‬
 ‫شيئا؟)) قالوا: ال، قال: ((فهل عليه دين؟)) قالوا: ثالثة دنانير. قال: ((صلوا على صاحبكم)) قال‬
          ‫أبو قتادة: صلي عليه يا رسول اهلل وعلي دينه، فصلى عليه)) رواه البخاري(75)[75].‬
        ‫وفي رواية الحاكم في حديث جابر: فجعل رسول اهلل إذا لقي أبا قتادة يقول: ((ما صنعت‬
 ‫الديناران(35)[35]؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول اهلل، قال: اآلن حين بردت‬
                                                                                ‫عليه جلده)).‬
 ‫قال ابن حجر: وفي هذا الحديث أشعار لصعوبة أمر الدين وأنه ال ينبغي تحمله إال من ضرورة.‬
    ‫وفي المسند أن النبي – - قال: ((إن صاحبكم محبوس عن الجنة بدينه))(25)[25]. وعن أبي‬
        ‫هريرة – - أن النبي – - قال: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه))(15)[15].‬
                                               ‫ومن األحاديث الدالة على خطورة الدين وشدته:‬
    ‫ما رواه أبو داود(65)[65]. عن أبي موسى األشعري – - عن رسول اهلل – - أنه قال: ((إن‬
   ‫أعظم الذنوب عند اهلل أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى عنها أن يموت رجل وعليه دين ال‬
                                                                             ‫يدع له قضاء)).‬
   ‫فهذه األحاديث العظيمة القاطعة بعظم ذنب من مات وعليه دين كفيلة بردع كل قلب يشم رائحة‬
   ‫اإليمان، ومحذرة كل التحذير أن يأخذ المسلم مال أخيه ال يريد أداءه، روى أبو هريرة – - أن‬
   ‫النبي – - قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى اهلل عنه ومن أخذها يريد إتالفها أتلفه‬
                                                                                ‫اهلل))(25)[25].‬
  ‫وكيف تسمح لإلنسان نفسه أن يجحد سلف أخيه، أو يماطله في ذلك، والمقرض فعل ذلك إحسانا‬
                                          ‫وقربه، هل جزاء اإلحسان إال اإلحسان [الرحمن:06].‬
                   ‫يقول النبي – -: ((إنما جزاء السلف الحمد واألداء)) رواه النسائي(25)[25].‬
                               ‫وقال – -: ((خيار الناس أحسنهم قضاء)) متفق عليه (95)[95].‬
  ‫وكان رسول اهلل – - يقضي الدائن بأكثر مما استدان منه، ويضاعف له الوفاء، ويدعو له، كما‬
             ‫قال جابر بن عبد اهلل – رضي اهلل عنهما -: كان لي على النبي – - دين، فقضاني‬
                                                                             ‫وزادني(07)[07].‬
‫وقال عبد اهلل بن أبي ربيعة: استقرض مني النبي – - أربعين ألفا، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال:‬
                                    ‫((بارك اهلل تعالى في أهلك ومالك)) رواه النسائي(57)[57].‬
  ‫فهذا هدى رسول اهلل – - في قضاء الدين. ولنا فيه أسوة حسنة كما قال تعالى: لقد كان لكم في‬
                         ‫رسول اهلل أسوة حسنة لمن كان يرجو اهلل واليوم اآلخر [األحزاب:57].‬
  ‫وأين نحن من ذلكم الرجل الذي قص لنا رسول اهلل – - خبره، عن أبي هريرة – - عن رسول‬
 ‫اهلل – -: ((أنه ذكر رجال من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال:‬
     ‫أئتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى باهلل شهيدا، قال فأتني بالكفيل، قال: كفى باهلل كفيال، قال:‬
‫صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم ألتمس مركبا يركبها يقدم‬
   ‫عليه لألجل الذي أجله، لم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه‬
‫إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فالنا‬
‫ألف دينار، فسألني كفيال فقلت: كفى باهلل كفيال، فرضي بك، وسألني شهيدا فقلت: كفى باهلل شهيدا،‬
 ‫فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها‬
‫في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل‬
 ‫الذي أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال، فأخذها ألهله حطبا، فلما‬
      ‫نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى باأللف دينار، فقال: واهلل مازلت‬
  ‫جاهدا في طلب مركب آلتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي آتيت فيه، قال: هل كنت بعثت‬
   ‫إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن اهلل قد أدى عنك الذي‬
                     ‫بعثت في الخشبة، فانصرف باأللف دينار راشدا)) رواه البخاري(77)[77].‬
    ‫ما أعظمها من قصة جمعت بين اإلحسان، وحسن األداء، واألمانة والرضا باهلل شهيدا وكفيال.‬
                                             ‫فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [األعراف:625].‬
       ‫روى عبد اهلل بن عمر – رضي اهلل عنهما – حديث رسول اهلل – - في قصة الثالثة الذين‬
      ‫انطبقت عليهم الصخرة. فذكر النبي- - توسلهم بأعمالهم الصالحة. فذكر قصة البار لوالديه‬
      ‫(ففرج لهم فرجة) ثم قصة الرجل مع ابنة عمه (ففرج لهم فرجة) ثم ذكر قول الثالث: اللهم‬
  ‫استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى‬
                                ‫أد‬
   ‫كثرت منه األموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد اهلل! ِّ إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من‬
‫أجرك: من اإلبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد اهلل ال تستهزئ بي، فقلت: ال استهزئ بك،‬
  ‫فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن‬
                                ‫فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون(37)[37]. متفق عليه.‬
                                                    ‫إن هلل عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا‬
                                                  ‫نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا‬
                                                                               ‫ة‬
                                                ‫جعلوها لج ً واتخذوا صالح األعمال فيها سفنا‬
  ‫عباد اهلل: يقول النبي – -: ((من جاء يوم القيامة بريئا من ثالث، دخل الجنة: الكِبر، والغلول،‬
                                                                            ‫والدين))(27)[27].‬
 ‫اللهم أنت األول فال شيء قبلك، وأنت اآلخر فال شيء بعدك، نعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها‬
  ‫بيدك، ونعوذ بك من اإلثم، والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، ونعوذ‬
                                                ‫بك من المأثم والمغرم. آمين يا رب العالمين.‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                           ‫الحمد هلل حمدً كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي‬
            ‫ِّ وال مودع، وال مستغنى عنه ربنا.‬                              ‫ا‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
      ‫عباد اهلل: من استقرض منكم قرضا فليؤده، وال يماطل صاحبه، فإن مطل الغني ظلم، يحل‬
  ‫عرضه وعقوبته ومن استقرض قرضا يريد أداءه، فإن اهلل عون له كما قال : ((من أخذ أموال‬
                                                   ‫الناس يريد أداءها أدى اهلل عنه))(17)[5].‬
‫وعن عائشة –رضي اهلل عنها – قالت: قال رسول اهلل – -: ((من حمل من أمتي دينا ثم جهد في‬
                                 ‫قضائه ثم مات قبل أن يقضيه فأنا وليه)) رواه أحمد(67)[7].‬
      ‫وفي حديثها اآلخر: ((ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إال كان له من اهلل عون)) رواه‬
                                                                                 ‫أحمد(27)[3].‬
‫وإذا عجز أحدكم عن أداء ما عليه من دين في حينه، فليستسمح صاحبه فإنه أطيب لخاطره وأركد‬
                                                                                           ‫لباله.‬
                        ‫وال يبيت أحدكم وفي ذمته دين قليل كان أو كثيرا، إال كتبه في وصيته.‬
  ‫لحديث ابن عمر – رضي اهلل عنهما – أن رسول اهلل – - قال: ((ما حق امرئ مسلم، له شيء‬
                       ‫يوصي فيه، يبيت ليلتين إال ووصيته مكتوبة عنده)) متفق عليه(27)[2].‬
  ‫وال يذل أحدكم نفسه يستدين ثم يستدين حتى يعجز عن األداء، وقد كان رسول اهلل – - يستعيذ‬
                                                                                      ‫من الدين.‬
     ‫وأيما رجل حل وفاء دينه، وكان على معسر يعجز سداده، فيحرم عليه مطالبته به حتى يجد‬
     ‫ميسرة، كما قال تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم‬
                                                                          ‫تعلمون [البقرة:027].‬
 ‫وفي حديث بريدة – - قال: قال رسول اهلل – -: ((من أنظر معسرا كان له بكل يوم مثله صدقة‬
‫)). قال: ثم سمعته يقول: ((من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة)). فقلت: يا رسول اهلل! إني‬
  ‫سمعتك تقول: فله بكل يوم مثله صدقه، وقلت: اآلن فله بكل يوم مثليه صدقة. فقال: ((أنه ما لم‬
      ‫يحل الدين فله بكل يوم مثله صدقة، وإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة)) رواه‬
                                                                                  ‫أحمد(97)[1].‬
    ‫وفي الصحيحين عن أبي هريرة – - أن رسول اهلل – - قال: ((أن رجال لم يعمل خيرا قط،‬
   ‫وكان يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل اهلل يتجاوز عنا فلقي اهلل‬
                                                                         ‫فتجاوز عنه))(03)[6].‬
      ‫واعلموا – عباد اهلل – أن فضل القرض عظيم، فوسعوا على إخوانكم، تلقوا ذلك عند ربكم.‬
‫وفي حديث فيه ضعف: ((الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر)) رواه ابن ماجة(53)[2].‬
 ‫وبعض العلماء يفضل القرض على الصدقة؛ ألن الصدقة يأخذها المحتاج وغيره، أما القرض فال‬
                                                                       ‫يطلبه إال من أحتاج إليه.‬
 ‫اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، األحياء منهم واألموات، اللهم ال تدع لنا‬
                                    ‫ذنبا إال غفرته، وال هماً إال فرجته، وال ديْناً إال قضيته. . .‬


                                                                                ‫__________‬
                                               ‫(5) مسلم (2617) من حديث ابي هريرة – - .‬
                                                        ‫(7) البخاري :5/125، ومسلم :9265.‬
                                     ‫(3) تحت رقم : (2537) ، من حديث :أبي هريرة – - .‬
                                                                     ‫(2) تحت رقم : (9097).‬
                                                                         ‫(1) تحت رقم (255).‬
    ‫(6) البخاري (3993) ومسلم (155)، وأبو داود (5527) والنسائي (2123) والموطأ (17).‬
        ‫(2) احمد :1/795، وأبو داود :0527، والنسائي:5/227، وابن ماجة :2227، والبيهقي‬
                                        ‫:9/505، والحاكم :7/275، وصححه ووافقه الذهبي .‬
    ‫(2) والبخاري :2/995، ومسلم :2265، وأبو داود : 2232، والترمذي : 1225، والنسائي‬
                                      ‫:7792، وابن ماجة :1217، وأحمد ، 6/63، وغيرهم .‬
            ‫(9) تحت رقم : (6225) ،عن عبد اهلل بن عمرو بن العاص – رضي اهلل عنهما -.‬
‫(05) 05] تحت رقم (1225)، والترمذي (7525)، والنسائي (6/23)، ومالك في الموطأ7/562.‬
    ‫(55) 55] أحمد :1/927، والنسائي :2262، والطبراني في الكبير :95/227، والبيهقي في‬
 ‫الكبرى :1/113، والبغوي في شرح السنة :1257، والحاكم :7/17 ، وصححه ووافقه الذهبي .‬
                                                        ‫(75) 75] تحت رقم : (2657).‬
                                                 ‫(35) 35] في حديث جابر: (ديناران ).‬
  ‫(25) 25] احمد :1/07، وابو داود :5233، والنسائي :9262، والبخاري في التاريخ الكبير ،‬
                                                             ‫والحاكم :7/17، وصححه.‬
         ‫(15) 15] احمد :7/022،والترمذي :9205، وابن ماجة :3527، والشافعي :7/677،‬
     ‫الدارمي:7/767، والبغوي في شرح السنة :2257، وقال : حديث حسن ، والحاكم :7/27،‬
                                               ‫وصححه على شرطهما ، ووافقه الذهبي .‬
                                                         ‫(65) 65] تحت رقم (7233).‬
  ‫(25) 25] البخاري :3/715، احمد :7/563، ابن ماجة :5527، البيهقي :1/213، البغوي في‬
                                                                    ‫شرح السنة :.257‬
                                                        ‫(25) 25] تحت رقم : (3262).‬
  ‫(95) 95] البخاري :2/293، ومسلم :0065،وأبو داود :2233، والترمذي :2535، والنسائي‬
                                                           ‫:5762، وابن ماجة :1277.‬
                                           ‫(07) 07] ابو داود :2233، والنسائي :2912.‬
                                                        ‫(57) 57] تحت رقم : (3262).‬
       ‫(77) 77] تحت رقم : (9657)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة االشراف :03635.‬
                                            ‫(37) 37] البخاري :2/963، ومسلم :3227.‬
   ‫(27) 27] احمد : 1/527، والترمذي :3215، والنسائي في الكبرى كما في تحفة االشراف :‬
  ‫7/025، وابن ماجة :7527، والبيهقي في الكبرى :1/113، والدارمي :7/767، وصححه ابن‬
              ‫حبان : 295واإلحسان ، والحاكم :7/76 ووافقه الذهبي ، من حديث ثوبان – -.‬
                                                                  ‫(17) تقدم تخريجه .‬
‫(67) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/735): رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والطبراني في األوسط‬
                                                        ‫، ورجال أحمد رجال الصحيح .‬
   ‫(27) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/735): رواه أحمد ، والطبراني في االوسط ، ورجال‬
  ‫أحمد رجال الصحيح ، إال أن محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من عائشة ، واسناد الطبراني‬
      ‫متصل ، اال ان فيه سعيد بن الصلت ، عن هشام بن عروة ، ولم اجد اال واحدا يروي عن‬
                                  ‫الصحابة فليس به ، واهلل اعلم . وصححه الحاكم :7/77.‬
                                                ‫(27) البخاري :1/267، ومسلم :2765.‬
 ‫(97) قال في الدر المنتور (7/255): أخرجه أحمد ، وابن ماجة ، والحاكم ، وصححه والبيهقي‬
                                                                            ‫في شعب االيمان.‬
   ‫(03) البخاري :7295، ومسلم :7615، واحمد :7/563، والنسائي :2/253، الحاكم :7/27،‬
      ‫وابو نعيم في الحلية :2/673، وابن حبان :7201[االحسان)، والطيالسي :2517، والبغوي‬
                   ‫:6357، والبيهقي في الكبرى :1/613، والخطيب في تاريخ بغداد :1/025.‬
                                ‫(53) تحت رقم :5327، وضعفه البوصيري في الزوائد:212.‬

‫(5/206)‬




                                                                                     ‫الحساب‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                      ‫اإليمان‬
                                                                                  ‫اليوم اآلخر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                      ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- معنى الحساب في اللغة واالصطالح. 7- أهوال يوم القيامة. 3- محكمة العدل والرحمة‬
 ‫اإللهية في يوم القيامة: أ- العدل الملطق. ب- الشهود. ج- المتهم. د- المحكمة والمحاكمة. 2-‬
                                                              ‫إعداد المسلم نفسه لهذا الحساب.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
   ‫يوم هم بارزون ال يخفى على اهلل منهم شيء لمن الملك اليوم هلل الواحد القهار اليوم تجزى كل‬
                                 ‫نفس بما كسبت ال ظلم اليوم إن اهلل سريع الحساب [غافر:65].‬
 ‫يوم القيامة يوم جليل خطبه، عظيم خطره، بل هو اليوم الذي ليس قبله مثله وال بعده مثله، والكل‬
  ‫ظاهر ومكشوف فال زيف وال خداع وال كذب وال رتوش، وجاء في حديث ابن عمر رضي اهلل‬
  ‫عنهما: ((أنه تعالى يطوي السماوات واألرض بيده، ثم يقول: أنا المالك، أنا الجبار، أنا المتكبر،‬
 ‫أين ملوك األرض؟ أين الجبارون؟ لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، لمن الملك اليوم، ثم يجيب‬
                         ‫نفسه هلل الواحد القهار))(5)[5])، وذلك هو يوم الحساب ويوم الجزاء.‬
           ‫فما الحساب؟ وما هي صفته؟ وعلى ماذا يحاسب اهلل تعالى العباد؟ وما موقف المسلم؟‬
‫الحساب اصطالحا: هو محكمة العدل اإللهية التي يقضي فيها رب العزة سبحانه بين خلقه وعباده‬
                                                            ‫وينبغي أن تعلم أن يوم القيامة:‬
   ‫يوم يجمع اهلل فيه األولين، واآلخرين للحساب: قل إن األولين واآلخرين لمجموعون إلى ميقات‬
                ‫يوم معلوم [الواقعة:01]. ربنا إنك جامع الناس ليوم ال ريب فيه [آل عمران:9].‬
   ‫يوم تتكشف فيه الحقائق واألستار، فالكل مكشوف النفس والعمل والمصير: يومئذ تعرضون ال‬
                                                             ‫تخفى منكم خافية [الحاقة:25].‬
‫يوم يشيب من هوله الوليد، وتذهل األم الحنون عن طفلها، وتسقط فيه الحامل حملها يا أيها الناس‬
 ‫اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل‬
‫ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اهلل شديد [الحج:7]. وللحديث:‬
      ‫((ذلك يوم يقول اهلل آلدم: أخرج بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف‬
           ‫تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة)) فأنشأ المسلمون يبكون(7)[7]).‬
 ‫وأما صفة الحساب: فال بد لكل محكمة من حاكم يحكم ويقضي، وشهود يشهدون، ومتهم وأرض‬
                                                                         ‫يقام عليها الحكم.‬
‫5- أما الحاكم: فهو اهلل جل جالله، جبار األرض والسماء، تباركت أسماؤه وعظمت صفاته الذي‬
  ‫يعلم السر وأخفى، الذي يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور، الخالق لكل شيء سبحانه وتعالى‬
                                                                              ‫ويبدأ األمر:‬
    ‫أ- بنفخ إسرافيل في الصور بأمر اهلل سبحانه فتصعق الخالئق كلها وتموت: ونفخ في الصور‬
                                ‫فصعق من في السماوات ومن في األرض [سورة الزمر:26].‬
‫ب- إحداث تغير عام في الكون فتنشق السماء وتتناثر النجوم وتتصادم الكواكب وتتفتت األرض:‬
   ‫إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت [التكوير:5-3]. كورت أي ظلمت،‬
                                 ‫انكدرت: أي تناثرت، وسيرت: أي حركت وصارت كالهباء.‬
  ‫ج- ينفخ إسرافيل في الصور بأمر اهلل سبحانه فتقوم الخالئق للحشر: ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم‬
                                                                 ‫قيام ينظرون [الزمر:26].‬
      ‫د- نزول عرش الرحمن جل جالله: وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها‬
 ‫ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة:65-25]، أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من‬
  ‫المالئكة، وللحديث: ((أذن لي أن أحدث عن ملك من مالئكة اهلل تعالى من حملة العرش، ما بين‬
                                         ‫شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام))(3)[3]).‬
‫هـ- ثم يشرق على األرض نور الحق جل جالله: وأشرقت األرض بنور ربها [الزمر:96]. أي‬
                    ‫أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعال للخالئق لفصل القضاء(2)[2]).‬
‫و- ثم مجي الحق سبحانه مجيئا يليق بجالله وكماله وعظمته سبحانه الكبير المتعال: كال إذا دكت‬
                                 ‫األرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر:57-77].‬
                                                            ‫وأما صفة حكمه جل جالله سبحانه:‬
      ‫5- العدل المطلق: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:‬
                                                                                         ‫202].‬
                                                  ‫أ- فال ظلم: وال يظلم ربك أحدا [الكهف:92].‬
 ‫ب- وال أنساب: فإذا نفخ في الصور فال أنساب بينهم يومئذ وال يتساءلون [المؤمنون:505]. أي‬
‫ال تنفع اإلنسان يومئذ قرابة وال يرثي والد لولده يقول ابن مسعود : ((إذا كان يوم القيامة جمع اهلل‬
   ‫األولين واآلخرين ثم نادى مناد: أال من كان له مظلمة فليجئ ليأخذ حقه، قال: فيفرح المرء أن‬
                         ‫يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا))(1)[1]).‬
   ‫ج- وال رشوة لتغير صورة الحكم، فالحاكم هو الغني المتعال والكل مفتقر إليه سبحانه: يا أيها‬
                                    ‫الناس أنتم الفقراء إلى اهلل واهلل هو الغني الحميد [فاطر:15].‬
  ‫ح- وال تهديد وال ضغوط: فالحاكم هو القوي سبحانه: إن القوة هلل جميعا [البقرة:165]، إن كل‬
            ‫من في السماوات واألرض إال ءاتي الرحمن عبدا [مريم :39]. فالكل ضعيف وعبد.‬
                         ‫7- الشهود: وأما الشهود فهم كثير فال مكان لإلنكار والكذب والمراوغة‬
    ‫أ- وأعظمهم شهادة هو اهلل سبحانه اهلل جل جالله ما يكون من نجوى ثالثة إال هو رابعهم وال‬
          ‫خمسة إال هو سادسهم وال أدنى من ذلك وال أكثر إال هو معهم أينما كانوا [المجادلة:2].‬
 ‫ب- الرسل عليهم الصالة والسالم ويشهد للرسل سيدنا وحبيبنا رسول اهلل للحديث: ((يدعى نوح‬
 ‫يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا‬
                 ‫من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، ثم أشهد لكم))(6)[6]).‬
‫ج- المالئكة: إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إال لديه رقيب عتيد‬
     ‫[ق:25]. يقول الحسن البصري رحمه اهلل: (يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان‬
  ‫كريمان أحدهما عن يمينك واآلخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي‬
   ‫عن شمالك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت‬
      ‫في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا وقد عدل واهلل من جعلك‬
                                                                         ‫حسيب نفسك)(2)[2]).‬
  ‫د- الجوارح: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اهلل الذي أنطق كل شيء [فصلت:57].‬
‫وعن أنس قال: ((كنا عند النبي فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: اهلل ورسوله أعلم قال:‬
 ‫من مخاطبة العبد ربه فيقول: يا رب ألم تجرني (تحفظني) من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: إني ال‬
    ‫أجيز اليوم على نفسي شاهدا إال مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، والكرام الكاتبين‬
      ‫شهودا، قال: فيختم على فيه ويقول ألركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكالم‬
                                                              ‫ن‬            ‫ن‬
                                          ‫فيقول: بعداً لك ّ وسحقا فعنك ّ كنت أناضل))(2)[2]).‬
‫هـ- األرض: يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة:2]. قرأ رسول اهلل هذه اآلية: يومئذ تحدث أخبارها‬
 ‫قال: ((أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اهلل ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو‬
        ‫أمةٍ بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها))(9)[9]).‬
‫ز- التسجيل الكامل كما ذكر بعض العلماء: لقوله تعالى: يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم‬
 ‫فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:2-2]. وتعرض األعمال‬
                     ‫عرضا حيا ناطقا، فسيرى المرء عمله وهو يباشره ويا للفضيحة(05)[05]).‬
        ‫اللهم إنا نسألك ستر الدارين، اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا واآلخرة، يا رب العالمين.‬
                        ‫ر‬
    ‫3- المتهم: هو اإلنسان الذي خلقه اهلل بيده، وأسجد له المالئكة، وك ّمه على كثير ممن خلق،‬
 ‫سخر الكون له، وأرسل له الرسل، وأنزل له الكتب، وجعل له واعظا من عند نفسه بالفطرة التي‬
   ‫فطر اهلل الناس عليها على معرفته سبحانه وحذره من الشيطان وطاعته ثم يستقبل اإلنسان ذلك‬
‫كله بالسخرية: يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إال كانوا به يستهزئون [يس:03]. ويجعل‬
    ‫من الشيطان ربا يعبده من دون اهلل: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أال تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو‬
  ‫مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبال (أي خلفا) كثيرا أفلم تكونوا تعقلون‬
        ‫[يس :06-76]. ويمر بآيات اهلل الدالة عليه سبحانه معرضا: وكأين من آية في السماوات‬
  ‫واألرض يمرون عليها وهم عنها معرضون [يوسف:105]. يمن اهلل عليه بالنعم فيزداد طغيانا:‬
‫كال إن اإلنسان ليطغى أن رآه استغنى [األعلى:6-2]. اإلنسان الذي إذا أحاطت به الخطوب تذكر‬
 ‫ربه وإذا كان في نعمة غفل وكفر وما بكم من نعمة فمن اهلل ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم‬
                           ‫إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون [النحل:31–21].‬
    ‫2- وأما أرض المحكمة: يوم تبدل األرض غير األرض والسماوات وبرزوا هلل الواحد القهار‬
 ‫[إبراهيم:22]. وللحديث: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس‬
        ‫فيها معلم ألحد))(55)[55]) وللحديث: ((أرض بيضاء لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها‬
                                                                           ‫خطيئة))(75)[75]).‬
‫فهي أرض أخرى غير أرضنا لم تطأها قدم من قبل، ولم تعمل عليها خطيئة، ولم يسفك عليها دم،‬
   ‫أرض طاهرة من ذنوب بني آدم وظلمهم، طهر يتناسب وطهر القضاء. وأما على ماذا يحاسب‬
                                                ‫اهلل تعالى العباد: فاعلم أن الحساب سوف يكون:‬
 ‫مشافهة: فكل عبد يعرض على ربه، ويتولى سبحانه حسابه بنفسه للحديث: ((ما منكم من أحد إال‬
   ‫سيكلمه اهلل يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فال يرى إال ما قدم من عمله،‬
‫وينظر أشأم منه، فال يرى إال ما قدم، ثم ينظر بين يديه فال يرى إال النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار‬
                                                                   ‫ولو بشق تمره))(35)[35]).‬
    ‫والحساب إما أن يكون يسيرا: وذلك بأن يعرض على العبد عمله بحيث ال يطلع عليها أحد ثم‬
‫يعفو عنه ويأمر به إلى الجنة للحديث: ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه (أي يستره وال‬
   ‫يفضحه) فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: أعملت كذا وكذا فيقول: نعم، فيقرره ثم‬
 ‫يقول: إني سترت عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته))(25)[25]).‬
‫وأما أن يكون الحساب عسيرا وذلك لمن كثرت معاصيه فذلك الذي يناقش الحساب ويسأل عن كل‬
‫صغيرة وكبيرة للحديث: ((ليس أحد يحاسب يوم القيامة إال هلك، فقالت عائشة رضي اهلل عنها: يا‬
‫رسول اهلل أليس قد قال اهلل : فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟ فقال رسول‬
    ‫اهلل : إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إال عذب))(15)[15]). والمراد‬
                  ‫بالمناقشة االستقصاء في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير وترك المسامحة.‬
                                                                   ‫والحساب يتناول كل شيء:‬
   ‫العمر والمال والجسم والعلم للحديث: ((ال تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن‬
    ‫عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما‬
                                                                            ‫أباله))(65)[65]).‬
    ‫عن النعم وشكرها: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [التكاثر:2]. قال مجاهد: عن كل لذة من لذات‬
     ‫الدنيا(25)[25]). وللحديث: ((إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم أن يقال: له ألم نصح لك‬
                                                   ‫بدنك، ونروك من الماء البارد))(25)[25]).‬
             ‫3- عن الحواس واستعمالها: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤوال‬
                                                                               ‫[اإلسراء:63].‬
                ‫قال ابن عباس: يسأل اهلل العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم(95)[95]).‬
     ‫2- عن الفرائض من صالة وزكاة: للحديث: ((إن أول ما افترض اهلل على الناس من دينهم‬
 ‫الصالة وآخر ما يبقى الصالة، وأول ما يحاسب به الصالة ويقول اهلل: انظروا في صالة عبدي،‬
 ‫قال: فإن كانت تامة كتب تامة، وإن كانت ناقصة يقول: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن وجد‬
‫له تطوع تمت الفريضة من التطوع، ثم قال: انظروا: هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامة كتبت تامة،‬
    ‫وإن كانت ناقصة قال: انظروا هل له صدقة فإن كانت له صدقة تمت له زكاته))(07)[07]).‬
  ‫1- عن الدماء والقتل: للحديث: ((أول ما يقضى بين بالناس يوم القيامة في الدماء))(57)[57])‬
                ‫وللحديث: ((كل ذنب عسى اهلل أن يغفره إال الرجل يموت مشركا أو يقتل مؤمنا‬
                                                                          ‫متعمدا))(77)[77]).‬
‫6- السؤال عن المسؤولية واألمانة: وقفوهم إنهم مسؤولون [الصافات:27]. للحديث: ((كلكم راع‬
          ‫وكلكم مسؤول عن رعيته واألمير راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها‬
                                                                           ‫وولده))(37)[37]).‬
   ‫2- عن الكلمة: للحديث: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين‬
              ‫المشرق والمغرب))(27)[27]). وللحديث: ((وهل يكب الناس في النار إال حصائد‬
                                                                          ‫ألسنتهم))(17)[17]).‬
                                             ‫و ما من كاتب إال ستبقى … كتابته وإن فنيت يداه‬
                                        ‫فال تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه‬
‫2- عن الحقوق والمظالم للحديث: ((يقول اهلل تعالى: أنا الديان، أنا الملك ال ينبغي ألحد من أهل‬
  ‫الجنة أن يدخل الجنة وألحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة))(67)[67]).‬
                                                               ‫وأما موقف المسلم من الحساب:‬
‫5/ حاسب نفسك قبل أن تحاسب: يقول عمر : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل‬
                                                                          ‫أن توزن(27)[27]).‬
  ‫7/ تحلل من الحقوق: للحديث: ((من كانت عنده مظلمة ألخيه فليتحللن منها اليوم قبل أن يأتي‬
                                                  ‫يوم ال ينفع فيه دينار وال درهم))(27)[27]).‬
                                       ‫يقول أحد السف: رحم اهلل من إذا مات ماتت معه ذنوبه.‬
     ‫3/ ال تفسد عملك الصالح بالمظالم: للحديث: ((المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصالة‬
     ‫وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا،‬
    ‫فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه أخذ من‬
                                        ‫خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))(97)[97]).‬
‫2/ أمح السيئة بالحسنة: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود:255]، وللحديث: ((اتق اهلل حيثما كنت‬
 ‫واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))(03)[03]). وللحديث: ((إذا عملت سيئة‬
                                                              ‫فأتبعها حسنة تمحها))(53)[53]).‬
  ‫1/ استشعار رقابة اهلل عليك: ألم يعلم بأن اهلل يرى [العلق:25]. ((أن تعبد اهلل كأنك تراه فإن لم‬
                                                              ‫تكن تراه فإنه يراك))(73)[73]).‬
 ‫6/ استحضار أهوال اآلخرة والتفكر فيها: يقول اإلمام الغزالي رحمه اهلل: ثم تفكر يا مسكين بعد‬
     ‫هذه األحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان فتسأل عن القليل والكثير‬
 ‫والنقير والقطمير فبينما أنت في كرب القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت مالئكة من أرجاء‬
     ‫السماء بأجسام عظام وأشخاص ضخام غالظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصي المجرمين إلى‬
                                                                   ‫موقف العرض على الجبار.‬
    ‫ثم تقبل المالئكة فينادون واحدا يا فالن بن فالن هلم إلى الموقف، وعند ذلك ترتعد الفرائص‬
      ‫وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار وال تعرض قبائح‬
  ‫أعمالهم على الجبار، فتوهم نفسك يا مسكين وقد أخذت المالئكة بعضديك وأنت واقف بين يدي‬
     ‫اهلل تعالى يسألك شفاها فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه‬
           ‫ومساويك، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل وما‬
                         ‫تقول؟(33)[33]).‬


     ‫-------------------------‬
                             ‫الخطبة الثانية‬
                                  ‫لم ترد .‬
                          ‫__________‬
                           ‫(5) البخاري .‬
                     ‫(7) الترمذي وأحمد .‬
                            ‫(3) أبو داود .‬
      ‫(2) مختصر ابن كثير ج 3 ص 037 .‬
        ‫(1) مختصر ابن كثير ج7 ص 221.‬
                  ‫(6) البخاري والترمذي .‬
        ‫(2) مختصر ابن كثير ج7 ص 263.‬
                               ‫(2) مسلم .‬
             ‫(9) أحمد والترمذي والنسائي .‬
‫(05) 05])عقيدة المؤمن / الجزائري ص 097.‬
                ‫(55) 55])البخاري ومسلم .‬
                        ‫(75) 75])البزار .‬
                      ‫(35) 35])البخاري .‬
                    ‫(25) 25])متفق عليه .‬
                      ‫(15) 15])البخاري .‬
‫(65) 65])الترمذي وقال حديث حسن صحيح .‬
   ‫(25) 25])مختصر ابن كثير ج3 ص 326.‬
            ‫(25) 25])الترمذي وابن حيان .‬
  ‫(95) 95])مختصر ابن كثير ج 3 ص 326.‬
                 ‫(07) 07])رواه أبو يعلى .‬
                ‫(57) 57])البخاري ومسلم .‬
            ‫(77) 77])أبو داود وابن حيان .‬
                    ‫(37) 37])متفق عليه .‬
                    ‫(27) 27])متفق عليه .‬
                    ‫(17) 17])متفق عليه .‬
                                                              ‫(67) 67])أحمد بإسناد حسن .‬
                                                  ‫(27) 27])مختصر ابن كثير ج3 ص321.‬
                                                             ‫(27) 27])البخاري والترمذي .‬
                                                                          ‫(97) 97])مسلم .‬
                                                     ‫(03) 03])الترمذي وقال حديث حسن .‬
                                                                          ‫(53) 53])أحمد .‬
                                                                ‫(73) 73])البخاري ومسلم .‬
                                            ‫(33) 33])أحياء علوم الدين ج3 ص251-951.‬

‫(5/206)‬




                                                                              ‫القضاء والقدر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                                     ‫اإليمان‬
                                                                              ‫القضاء والقدر‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                 ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
 ‫5- معنى القضاء والقدر. 7- مراتب القضاء والقدر (العلم - الكتابة - المشيئة - االيجاد). 3-‬
 ‫االحتجاج بالقدر على المعايب. 2-أنواع أقدار اهلل باعتباره قدرة اإلنسان على التعامل معها. 1-‬
                          ‫كيف يؤمن المؤمن بالقضاء والقدر. 6- أثر اإليمان بالقضاء والقدر.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
     ‫قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن‬
                              ‫تحبوا شيئا وهو شر لكم واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [البقرة:657].‬
   ‫سبحان من وسع علمه كل شيء، سبحان من جعل أمر المؤمن كله خير ولن يكون العبد مؤمنا‬
                                           ‫حتى يؤمن بقضاء اهلل وقدره خيره وشره، حلوه ومره.‬
  ‫فما اإليمان بالقضاء والقد؟ وما هي أنواع القدر؟ وما صفات المؤمن بقضاء اهلل وقدره؟ وما أثر‬
                                                                         ‫اإليمان بالقضاء والقدر؟‬
                                                 ‫أما القضاء لغة فهو: الحكم، والقدر: هو التقدير.‬
                                         ‫فالقدر: هو ما قدره اهلل سبحانه من أمور خلقه في علمه.‬
                           ‫والقضاء: هو ما حكم به اهلل سبحانه من أمور خلقه وأوجده في الواقع.‬
    ‫وعلى هذا فاإليمان بالقضاء والقدر معناه: اإليمان بعلم اهلل األزلي، واإليمان بمشيئة اهلل النافذة‬
                                                                          ‫وقدرته الشاملة سبحانه.‬
                                                                                ‫وينبغي أن تعلم :‬
                    ‫أن مراتب اإليمان بالقضاء والقدر أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، واإليجاد.‬
  ‫فالعلم: أن تؤمن بعلم اهلل سبحانه باألشياء قبل كونها، قال تعالى: وما يعزب عن ربك من مثقال‬
                                                                                ‫ذرة [يونس:56].‬
‫والكتابة: أن تؤمن أنه سبحانه كتب ما علمه بعلمه القديم في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ما أصاب‬
     ‫من مصيبة في األرض وال في أنفسكم إال في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على اهلل يسير‬
                                                                                     ‫[الحديد:77].‬
  ‫والمشيئة: أن تؤمن أن مشيئة اهلل شاملة فما من حركة وال سكون في األرض وال في السماء إال‬
                                 ‫بمشيئته، قال تعالى: وما تشاءون إال أن يشاء اهلل [اإلنسان:03].‬
     ‫اإليجاد: أن تؤمن أن اهلل تعالى خالق كل شيء، قال تعالى: اهلل خالق كل شيء [الرعد:65].‬
‫ال يجوز ألحد أن يحتج بقدر اهلل ومشيئته على ما يرتكبه من معصية أو كفر، وقد أورد رب العزة‬
  ‫ذلك في كتابه ورد عليهم فقال: سيقول الذين أشركوا لو شاء اهلل ما أشركنا وال آباؤنا وال حرمنا‬
‫من شي كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون‬
                                                  ‫إال الظن وإن أنتم إال تخرصون [األنعام:225].‬
    ‫أي هل اطلع المدعي على علم اهلل فعلم أنه قد قدر له أن يفعل ففعل، علما أن قدر اهلل غيب ال‬
‫يعلمه إال اهلل سبحانه فال يصح أن يقول أحد : كتب اهلل علي أن أسرق فأنا ذاهب لتنفيذ قدره، فهل‬
                                                           ‫اطلع على اللوح المحفوظ فقرأ ما فيه.‬
‫إن على العبد المؤمن حقا أن ينفذ أوامر اهلل وأن يجتنب نواهيه وليس المطلوب أن يبحث عن كنه‬
                                                     ‫مشيئة اهلل وعلمه فذلك غيب وال وسيلة إليه.‬
 ‫وعقولنا محدودة والبحث في ذلك تكلف لم نؤمر به، بل قد جاء النهي عنه. يقول اإلمام الطحاوي‬
    ‫رحمه اهلل: وأصل القدر سر اهلل تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب وال نبي مرسل‬
 ‫والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذالن. وفي الحديث: ((خرج علينا رسول اهلل ذات يوم والناس‬
‫يتكلمون في القدر، قال: فكأنما تقفأ في وجهه حب الزمان من الغضب، فقال لهم: ما لكم تضربون‬
                                     ‫كتاب اهلل بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم))(5)[5]).‬
                  ‫وأما أنواع األقدار: فلقد قسم العلماء األقدار التي تحيط بالعبد إلى ثالثة أنواع :‬
‫األول: نوع ال قدرة على دفعه أو رده ويدخل في ذلك نواميس الكون وقوانين الوجود، وما يجري‬
‫على العبد من مصائب وما يتعلق بالرزق واألجل والصورة التي عليها وأن يولد لفالن دون فالن.‬
  ‫قال تعالى: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [يس:23]. كل نفس ذائقة الموت‬
    ‫[آل عمران:125]. ما أصاب من مصيبة في األرض وال في أنفسكم إال في كتاب من قبل أن‬
‫نبرأها إن ذلك على اهلل يسير [الحديد:77]. إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [الرعد:67]. إذا‬
      ‫جاء أجلهم ال يستأخرون ساعة وال يستقدمون [األعراف:23]. في أي صورة ما شاء ركبك‬
                                                                                  ‫[االنفطار: 2].‬
   ‫ومن ثم فهذا النوع من األقدار ال يحاسب عليه العبد ألنه خارج عن إرادته وقدرته في دفعه أو‬
                                                                                            ‫رده.‬
    ‫الثاني: نوع ال قدرة للعبد على إلغائه ولكن في إمكانه تخفيف حدته، وتوجيهه ويدخل في ذلك‬
                                                           ‫الغرائز والصحبة، والبيئة، والوراثة.‬
   ‫فالغريزة ال يمكن إلغاءها ولم نؤمر بذلك وإنما جاء األمر بتوجيهها إلى الموضع الحالل، الذي‬
        ‫أذن الشرع به وحث عليه وكتب بذلك األجر للحديث: ((وفي بضع أحدكم أجر))(7)[7]).‬
‫والصحبة ال بد منها فاإلنسان مدني بطبعه، وإنما جاء األمر بتوجيه هذا الطبع إلى ما ينفع: يا أيها‬
                                        ‫الذين آمنوا اتقوا اهلل وكونوا مع الصادقين [التوبة:955].‬
      ‫والبيئة التي يولد فيها اإلنسان ويعيش، ال يمكن اعتزالها ولم نؤمر بذلك وإنما يقع في القدرة‬
  ‫التغير واالنتقال إلى بيئة أكرم وأطهر، والرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا أوصاه العالم حتى‬
‫تصح توبته أن يترك البيئة السيئة إلى بيئة أكرم فقال له: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناسا‬
              ‫يعبدون اهلل تعالى فاعبد اهلل معهم، وال ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء(3)[3]).‬
 ‫وهنا ال يكون الحساب على وجود ما ذكرناه من غريزة وصحبة وبيئة وإنما على كيفية تصريفها‬
                                                                                      ‫وتوجيهها.‬
    ‫الثالث: نوع للعبد القدرة على دفعها وردها، فهي أقدار متصلة باألعمال االختيارية والتكاليف‬
  ‫الشرعية فهذه يتعلق بها ثواب وعقاب وتستطيع ويدخل في قدرتك الفعل وعدم الفعل معا، وتجد‬
                                                                        ‫ء‬        ‫ء‬
                                                                       ‫أنك مخير ابتدا ً وانتها ً.‬
   ‫فالصالة والصيام باستطاعتك فعلها وعدم فعلها، فإذا أقمتها أثابك اهلل وإذا تركتها عاقبك، والبر‬
                           ‫بالوالدين باستطاعتك فعله بإكرامهما وباستطاعتك عدم فعله بإيذائهما.‬
                                                         ‫وكذا يدخل في ذلك رد األقدار باألقدار.‬
                                                                ‫فالجوع قدر وندفعه بقدر الطعام.‬
      ‫والمرض قدر ونرده بقدر التداوي، وقد قيل: ((يا رسول اهلل أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى‬
                 ‫نسترقي بها أترد من قدر اهلل شيئا؟ فقال رسول اهلل : هي من قدر اهلل))(2)[2]).‬
     ‫وهذا النوع الثالث هو الذي يدخل دائرة الطاقة واالستطاعة، وهنا يكون الحساب حيث يكون‬
                     ‫ِ‬                    ‫َِ‬
       ‫السؤال: أعطيتك القدرة على الفعل وعدم الفعل، فلم فعلت (في المعصية) ولمَ لم تفعل (في‬
  ‫الطاعة) كما يدخل الجانب الثاني من النوع الثاني في توجيه األقدار كما ذكرنا في النوع السابق‬
                                                                                         ‫فانتبه.‬
        ‫وأما صفات المؤمن بقضاء اهلل وقدره: فهناك صفات البد للمؤمن بقضاء اهلل وقدره منها:‬
‫أ- اإليمان باهلل وأسمائه وصفاته وذلك بأن اهلل سبحانه ال شيء مثله، قال تعالى: ليس كمثله شيء‬
‫[الشورى:55]. ال في ذاته وال في أفعاله وال في صفاته وقد قال العلماء: ما خطر ببالك فهو على‬
      ‫خالف ذلك فال تشبيه وال تعطيل، أي ال نشبه اهلل بأحد من خلقه وال ننفي صفات اهلل تعالى.‬
  ‫ب- اإليمان بأن اهلل تعالى موصوف بالكمال في أسمائه وصفاته. وفسر ابن عباس قوله تعالى:‬
     ‫إنما يخشى اهلل من عباده العلماء [فاطر:27]. حيث قال: الذين يقولون: أن اهلل على كل شيء‬
                                                                                          ‫قدير.‬
                 ‫ج- الحرص: وهو بذل الجهد واستفراغ الوسع وعدم الكسل والتواني في عمله.‬
                     ‫د- على ما ينفع: حرص المؤمن يكون على ما ينفعه فإنه عبادة هلل سبحانه.‬
      ‫هـ- االستعانة باهلل: ألن الحرص على ما ينفع ال يتم إال بمعونته وتوفيقه وتسديده سبحانه.‬
                                          ‫و- عدم العجز: ألن العجز ينافي الحرص واالستعانة.‬
‫ز- فإن غلبه أمر فعليه أن يعلق نظره باهلل وقدره واالطمئنان إلى مشيئة اهلل النافذة وقدرته الغالبة‬
      ‫وأن اهلل سبحانه أعلم بما يصلحه، أحكم بما ينفعه، أرحم به من نفسه، وأن اهلل ال يقدر لعبده‬
                                                                              ‫المؤمن إال الخير.‬
     ‫وذلك مصداق قول النبي : ((المؤمن القوي أحب إلى اهلل من المؤمن الضعيف وفي كل خير‬
‫احرص على ما ينفعك، واستعن باهلل وال تعجز، وإن أصابك شيء فال تقل: لو أني فعلت كذا لكان‬
                                                                           ‫د‬
                       ‫كذا ولكن قل: ق ّر اهلل وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان))(1)[1]).‬
               ‫وأما أثر اإليمان بالقضاء والقدر: فإن اإليمان بالقضاء والقدر له آثار كريمة منها:‬
    ‫األول: القوة: وذلك سر انتصار المسلمين في معاركهم مع أعداء اهلل، ومعظمها كانوا فيها قلة‬
   ‫ولكنهم أقوياء بعقيدة اإليمان بالقضاء والقدر حيث تربوا على قوله تعالى: قل لن يصيبنا إال ما‬
 ‫كتب اهلل لنا [التوبة:51]، وللحديث: ((من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اهلل))(6)[6]).‬
                         ‫يقول أبو بكر لخالد بن الوليد : (احرص على الموت توهب لك الحياة).‬
     ‫ويبعث خالد بن الوليد إلى رستم يقول له: (لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة).‬
    ‫ثانيا: العزة: فالمؤمن عزيز بإيمانه باهلل وقدره فال يذل ألحد إال هلل سبحانه ألنه علم وتيقن أن‬
                                  ‫النافع الضار هو اهلل، وأن الذي بيده ملكوت كل شيء هو اهلل.‬
‫وأنه ال شيء يحدث إال بأمر اهلل: أال له الخلق واألمر [األعراف:21]. فالخلق خلقه، واألمر أمره،‬
                                                                 ‫فهل بقي ألحد شيء بعد ذلك؟‬
‫ثالثا: الرضى واالطمئنان: فنفس المؤمنة راضية مطمئنة لعدل اهلل وحكمته ورحمته ويقول عمر :‬
‫(واهلل ال أبالي على خير أصبحت أم على شر ألني ال أعلم ما هو الخير لي وال ما هو الشر لي).‬
 ‫وعندما مات ولد للفضيل بن عياض رحمه اهلل: ضحك، فقيل له: أتضحك وقد مات ولدك؟ فقال:‬
                                                                  ‫أال أرضى بما رضيه اهلل لي.‬
  ‫وقد ميز اهلل بين المؤمنين والمنافقين في غزوة أحد، فاالطمئنان عالمة، والقلق وسوء الظن باهلل‬
    ‫عالمة النفاق، قال تعالى: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد‬
                          ‫أهمتهم أنفسهم يظنون باهلل غير الحق ظن الجاهلية [آل عمران:215].‬
   ‫رابعا: التماسك وعدم االنهيار للمصيبة أو الحدث الجلل، قال تعالى: ما أصاب من مصيبة إال‬
   ‫بإذن اهلل ومن يؤمن باهلل يهد قلبه واهلل بكل شيء عليم [التغابن:55]. قال علقمة رحمه اهلل: هو‬
‫الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اهلل فيرضى ويسلم. وقال ابن عباس: (يهدي قلبه لليقين‬
                                 ‫فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه).‬
  ‫فلطم الوجوه، وشق الجيوب، وضرب الفخذ، وإهمال العبد لنظافة الجسد، وانصرافه عن الطعام‬
                  ‫حتى يبلغ حد التلف، كل هذا منهي عنه ومناف لعقيدة اإليمان بالقضاء والقدر.‬
                                                                               ‫وهلل در الشاعر:‬
                                   ‫إذا ابتليت فثق باهلل وارض به إن الذي يكشف البلوى هو اهلل‬
                                                        ‫ى‬
                                     ‫إذا قضى اهلل فاستسلم لقدرته ما ألمر ً حيلة فيما قضى اهلل‬
                                            ‫اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ال تيأسن فنعم القادر اهلل‬
  ‫خامسا: اليقين بأن العاقبة للمتقين: وهذا ما يجزم به قلب المؤمن باهلل وقدره أن العاقبة للمتقين،‬
  ‫وأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، وأن دوام الحال من المحال، وأن المصائب ال تعد‬
‫إال أن تكون سحابة صيف البد أن تنقشع وأن ليل الظالم البد أن يولي، وأن الحق البد أن يظهر،‬
       ‫لذا جاء النهي عن اليأس والقنوط: وال تيأسوا من روح اهلل إنه ال ييأس من روح إال القوم‬
   ‫الكافرون [يوسف:22]. ال تدري لعل اهلل يحدث بعد ذلك أمرا [الطالق:5]. كتب اهلل ألغلبن أنا‬
                                                     ‫ورسلي إن اهلل قوي عزيز [المجادلة:57].‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد .‬
                                                                               ‫__________‬
                                                                              ‫(5) رواه أحمد .‬
                                                                                   ‫(7) مسلم .‬
                                                                      ‫(3) رواه البخاري .‬
                                                              ‫(2) زاد المعاد ج3 ص63 .‬
                                                                               ‫(1) مسلم .‬
                                                                       ‫(6) ابن أبي الدنيا.‬

‫(5/906)‬




                                                                                   ‫التقوى‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                         ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                             ‫أعمال القلوب, خصال اإليمان‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                               ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                   ‫الدوحة‬
                                                                             ‫الريان الكبير‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                           ‫ملخص الخطبة‬
                                                          ‫ا‬
 ‫5- التقوى لغة واصطالحً. 7- التقوى مفتاح كل خير. 3- كيف يتحصل المؤمن على التقوى.‬
                                                              ‫2- صور تتنافى مع التقوى.‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
                                    ‫قال تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [البقرة:295].‬
  ‫الزاد هو ما يأخذ المسافر معه من متاع، وكلنا في حال سفر إلى اهلل سبحانه وخير ما نتزود به‬
                                                                    ‫لذلك اللقاء هي التقوى.‬
                           ‫فما التقوى؟ ولماذا؟ وكيف يتقي العبد ربه؟ وما موقف المسلم منها؟‬
                         ‫أما التقوى: لغة فهي مأخوذة من الوقاية وما يحمي به اإلنسان رأسه.‬
                                                      ‫ر‬
                                  ‫اصطالحا: أن تجعل بينك وبين ما ح ّم اهلل حاجبا وحاجزا.‬
                                                                                    ‫ر‬
  ‫ع ّف علي بن أبي طالب التقوى فقال: هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل‬
                                                                  ‫واالستعداد ليوم الرحيل.‬
   ‫وسأل عمر كعبا فقال له: ما التقوى؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين أما سلكت طريقا فيه شوك؟‬
  ‫قال: نعم. قال: فماذا فعلت؟ فقال عمر : أشمر عن ساقي، وانظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما‬
                          ‫وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة. فقال كعب: تلك هي التقوى.‬
  ‫تشمير للطاعة، ونظر في الحالل والحرام، وورع من الزلل، ومخافة وخشية من الكبير المتعال‬
                                                                                      ‫سبحانه.‬
                                                                              ‫وينبغي أن تعلم:‬
                                          ‫أنه ما من خير إال وعلقه رب العزة سبحانه بالتقوى:‬
                                               ‫أ تفريج الكروب: ومن يتق اهلل يجعل له مخرجا‬
                                 ‫ب سعة في الرزق: ويرزقه من حيث ال يحتسب [الطالق:7].‬
                                       ‫ج- قبول العمل: إنما يتقبل اهلل من المتقين [المائدة:27].‬
              ‫د- سداد في الرأي وتوفيق في النظر: إن تتقوا اهلل يجعل لكم فرقانا [األنفال:97].‬
          ‫هـ- حسن العاقبة: إنه من يتق ويصبر فإن اهلل ال يضيع أجر المحسنين [يوسف:09].‬
         ‫والتقوى محلها القلب للحديث: ((التقوى ههنا التقوى ههنا ويشير إلى صدره ))(5)[5]).‬
 ‫فليست التقوى مظهرا يكون عليه العبد للحديث: ((إن اهلل ال ينظر إلى صوركم وال إلى أجسامكم‬
                                                   ‫ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(7)[7]).‬
                                                        ‫وأما لماذا التقوى؟: فال بد من التقوى:‬
‫ألن التقوى هي منبع الفضائل كلها فالرحمة والوفاء والصدق والعدل والورع والبذل والعطاء كلها‬
                                     ‫ثمرات من ثمار شجرة التقوى إذا أينعت في قلب المؤمن.‬
 ‫ألن التقوى هي التي تصحبك إلى قبرك فهي المؤنس لك من الوحشة والمنجية لك من عذاب اهلل‬
   ‫العظيم: (دخل علي المقبرة فقال: يا أهل القبور ما الخبر عندكم: إن الخبر عندنا أن أموالكم قد‬
     ‫قسمت وأن بيوتكم قد سكنت وإن زوجاتكم قد زوجت، ثم بكى ثم قال: واهلل لو استطاعوا أن‬
                                                ‫يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى).‬
                             ‫التقوى هي خير ضمانة تحفظ بها ولدك ومستقبل أبنائك من بعدك:‬
  ‫قال تعالى: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا اهلل وليقولوا قوال‬
                                                                            ‫سديدا [النساء:9].‬
‫وتأمل كيف أن اهلل سبحانه سخر نبيا هو موسى عليه السالم ووليا هو الخضر عليه السالم إلقامة‬
‫جدار في قرية بخيلة فاعترض موسى عليه السالم: قال لو شئت التخذت عليه أجرا [الكهف:22].‬
   ‫ثم يخبر الخضر عليه السالم سبب فعله بالغيب الذي أطلعه اهلل عليه في هذا األمر فيقول: وأما‬
  ‫الجدار فكان لغالمين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا [الكهف:72].‬
             ‫وقال ابن عباس: حفظا بصالح أبيهما وتقدم إنه كان األب السابع واهلل أعلم(3)[3]).‬
                                                                   ‫وأما كيف يتقي العبد ربه؟:‬
                                                                               ‫في عقلك وفهمك:‬
   ‫أ- االنقياد لشرع اهلل سبحانه قال تعالى: ال تقدموا بين يدي اهلل ورسوله واتقوا اهلل إن اهلل سميع‬
                  ‫عليم [الحجرات:5]. قال ابن عباس: (نهوا أن يتكلموا بين يدي كالمه)(2)[2]).‬
  ‫ب، التسليم لقضاء اهلل وقدره: وذلك بأن يعتقد عند المصيبة أمرين ال غنى للمسلم عنهما األول:‬
 ‫أنه ملك لمالك: فنحن مملوكون هلل سبحانه: إنا هلل وإنا إليه راجعون [البقرة:615]. قل اللهم مالك‬
                                     ‫الملك [آل عمران:67]. أال له الخلق واألمر [األعراف:21].‬
    ‫الثاني: إن هذا المالك - وهو اهلل سبحانه - حكيم في أفعاله فال يصدر عنه سبحانه إال ما هو‬
    ‫مبني على العلم والحكمة والخير قال تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن‬
                                ‫تحبوا شيئا وهو شر لكم واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [البقرة:657].‬
  ‫يقول عمر : (واهلل ال أبالي على خير أصبحت أم على شر ألني ال أعلم ما هو الخير لي وال ما‬
                                                                                   ‫هو الشر لي).‬
‫ج- التأمل والنظر في بديع صنع الحق سبحانه: وأنكر رب العزة سبحانه على الذين يمرون بآيات‬
  ‫اهلل وال يعتبرون فقال: وكأين من آية في السماوات واألرض يمرون عليها وهم عنها معرضون‬
                                                                                  ‫[يوسف:105].‬
                                                        ‫وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد‬
                                                                                       ‫في قلبك :‬
 ‫فال غل وال حسد: وقيل لرسول اهلل : ((أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان.‬
   ‫قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي ال إثم فيه وال بغي وال غل‬
                                                                             ‫وال حسد))(1)[1]).‬
            ‫وال كبر وال عجب للحديث: ((ال يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة من خردل من‬
                                                                                  ‫كبر))(6)[6]).‬
 ‫في تعاملك: فال غش وال خداع وال كذب: لقول النبي : ((من غشنا فليس منا والمكر والخداع في‬
                                                                                 ‫النار))(2)[2]).‬
             ‫أو أن يستخدم اسم اهلل العظيم لترويج بضاعته للحديث: ((الحلف منفقة للسلعة ممحقة‬
                                                                                ‫للبركة))(2)[2]).‬
           ‫أو أن يكتم عيبا للحديث: ((من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت اهلل ولم تزل المالئكة‬
                                                                                 ‫تلعنه))(9)[9]).‬
  ‫أو يستخدم الرشوة لتيسير أمره في أمر ال يحق له للحديث: ((لعن رسول اهلل الراشي والمرتشي‬
                                                  ‫والرائش)) يعني الذي يمشي بينهما(05)[05]).‬
 ‫في مطعمك وشربك: فال يدخل جوفك الحرام، وإذا أكل العبد الحرام فال تقبل منه طاعة للحديث:‬
 ‫((وإذا خرج الحاج حاجا بنفقة خبيثة (أي حرام) ووضع رجله في الغرز ونادى: لبيك اللهم لبيك‬
                                                                          ‫د‬
       ‫ناداه منا ٍ من السماء: ال لبيك وال سعديك زادك حرام وراحلتك حرام وحجك مأزور غير‬
                                                                      ‫مبرور))(55)[55]).‬
 ‫في جوارحك في لسانك: قال عقبة بن عامر: ((يا رسول اهلل ما النجاة؟ فقال: أمسك عليك لسانك‬
                                              ‫وليسعك بيتك وابك على خطيئتك))(75)[75]).‬
   ‫في بصرك: قال تعالى: يعلم خائنة األعين وما تخفي الصدور [غافر:9]. قال ابن عباس: (هو‬
‫الرجل يكون مع القوم فإذا مرت المرأة بهم نظر إليها إذا غفلوا عنه، وإذا فطنوا غض بصره وقد‬
  ‫اطلع اهلل على ما في قلبه أنه يود أن يرى عورتها)، وللحديث: ((والعينان تزنيان))(35)[35]).‬
   ‫ا‬
‫في رحمك: للحديث: ((يقول اهلل عز وجل: أنا اهلل وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمً من‬
                                 ‫اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته))(25)[25]).‬
‫في أهلك: فال ظلم أو سوء عشرة للحديث: ((إن الرجل ليكتب عند اهلل جبارا وليس عنده إال أهل‬
                                                                         ‫بيته))(15)[15]).‬
        ‫وال بخل في اإلنفاق للحديث: ((كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته))(65)[65]).‬
 ‫وأن يعدل بين نسائه إن كانوا أكثر من واحدة للحديث: ((من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما‬
                                                    ‫جاء يوم القيامة وشقه مائل))(25)[25]).‬
                                                             ‫وأما موقف المسلم من التقوى:‬
            ‫أن تسأل اهلل أن يجعلك من المتقين للحديث: ((اللهم إني أسلك الهدى والتقى والعفاف‬
                                                                      ‫والغنى))(25)[25]).‬
   ‫مغالبة النفس بالعمل الصالح للحديث: ((اتق اهلل حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق‬
                                                            ‫الناس بخلق حسن))(95)[95]).‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫لم ترد .‬
                                                                           ‫__________‬
                                                                               ‫(5) مسلم .‬
                                                                               ‫(7) مسلم .‬
                                                   ‫(3) مختصر ابن كثير مجلد 7 ص 732.‬
                                                          ‫(2) مختصر ابن كثير ص213 .‬
                                                             ‫(1) ابن ماجة بإسناد صحيح .‬
                                                     ‫(6) رواه أحمد ورواته رواه الصحيح .‬
                                                                           ‫(2) الطبراني .‬
                                                                        ‫(2) البخاري .‬
                                                                        ‫(9) ابن ماجة .‬
                                                              ‫(05) 05])أحمد والبزار .‬
                                                                  ‫(55) 55])الطبراني .‬
                                                                   ‫(75) 75])الترمذي .‬
                                                              ‫(35) 35])أحمد والبزار .‬
                                                          ‫(25) 25])أبو داود والترمذي .‬
                                                                  ‫(15) 15])ابن حيان .‬
                                                                      ‫(65) 65])مسلم .‬
                                                   ‫(25) 25])أصحاب السنن وابن حبان .‬
                                                                      ‫(25) 25])مسلم .‬
                                           ‫(95) 95])الترمذي وقال حديث حسن صحيح .‬

‫(5/056)‬




                                                                                 ‫الذكر‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                               ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                         ‫الدعاء والذكر‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                             ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                ‫الدوحة‬
                                                                          ‫الريان الكبير‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
‫5- معاني الذكر. 7- الكون يسبح اهلل. 3- المحبة بين اهلل وخلقه. 2- فضائل الذكر. 1- مواطن‬
                                                       ‫الذكر. 6- موقف العبد من الذكر.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫الخطبة األولى‬
 ‫يقول اهلل تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا اهلل ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيال [األحزاب:72].‬
                                                                         ‫وفضائل الذكر كثيرة.‬
                 ‫فما الذكر؟، وما فضائله؟، وما مواطن ذكر العبد لربه؟، وما موقف المسلم منه؟‬
                                                                     ‫أما الذكر: فللذكر معنيان:‬
  ‫أ- عام: كل ما يتقرب به العبد لربه فهو ذكر هلل عز وجل، فجوارح العبد لم تتحرك للطاعة إال‬
                                                                     ‫وذكر اهلل تعالى قد ساقها.‬
 ‫ب- خاص: هو ما يجري على اللسان والقلب من تسبيح وتنزيه وحمد وثناء على اهلل عز وجل.‬
                                                                              ‫وينبغي أن تعلم :‬
 ‫5- أن الوجود كله ذاكر هلل مسبح له، قال تعالى: وإن من شيء إال يسبح بحمده ولكن ال تفقهون‬
                                                                       ‫تسبيحهم [اإلسراء:22].‬
  ‫أ- الجماد: قول النبي : ((هذا جمدان (اسم جبل) سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول‬
                                             ‫اهلل؟ قال: الذاكرون اهلل كثيرا والذاكرت))(5)[5]).‬
        ‫ب- الحيوان: قول النبي : ((فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا هلل منه))(7)[7]).‬
       ‫و‬
 ‫ج- الطير: قال تعالى: ولقد آتينا داود منا فضال يا جبال أوبي معه والطير [سبأ:05]. أ ّبي: أي‬
                      ‫سبحي، والتأويب الترجيع فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.‬
     ‫7-أن الصلة بين اهلل وأوليائه صلة ود ومحبة: قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات‬
         ‫سيجعل لهم الرحمن ودا [مريم:69] وقال تعالى: والذين آمنوا أشد حبا هلل [البقرة:165].‬
                                                     ‫وقال تعالى: يحبهم ويحبونه [المائدة:21].‬
‫والمحب الصادق في حبه ال يحتاج إلى من يذكره بحبيبه وإال فهي دعوى تحتاج إلى دليل ودليلها‬
    ‫هو الذكر الدائم الممزوج بالفرح واللذة التي ال يعلمها إال من ذاقها. يقول أحد السلف: لو يعلم‬
                                                 ‫أبناء الملوك ما نحن فيه من لذة لقاتلونا عليها.‬
                                                        ‫وكيف ال يذكر العبد ربه وهو سبحانه:‬
                            ‫مصدر كل نعمة: قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن اهلل [النحل:31].‬
                                    ‫وقال تعالى: وإن تعدوا نعمة اهلل ال تحصوها [إبراهيم:23].‬
                          ‫س‬
      ‫والقلب إنما ينخلع إلى اهلل وحده عند المصيبة: قال تعالى: ثم إذا م ّكم الضر فإليه تجئرون‬
                                                                                  ‫[النحل:31].‬
                                     ‫يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع‬
                                    ‫يا من خزائن ملكه في قول كن يا من إليه المشتكى والمفزع‬
                                             ‫وأما فضائل الذكر: فإن للذكر فضائل كثيرة منها :‬
                    ‫ال طمأنينة للقلب إال به، قال تعالى: أال بذكر اهلل تطمئن القلوب [الرعد:27].‬
‫يستدرك العبد بالذكر تقصيره للحديث: ((أن رجال قال: يا رسول اهلل، إن شرائع اإلسالم قد كثرت‬
                 ‫علي، فأخبروني بشيء أتشبث به، قال: ال يزال لسانك رطبا بذكر اهلل))(3)[3]).‬
 ‫3- مطردة للشيطان ووساوسه: للحديث: ((إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر‬
                                ‫اهلل خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس))(2)[2]).‬
       ‫2- مغفرة للذنوب: فعن أنس : ((أن رسول اهلل أخذ غصنا فنفضه فلم ينتفض ثم نفضه فلم‬
‫ينتفض، ثم نفضه فانتفض، فقال رسول اهلل : إن سبحان اهلل والحمد هلل، وال إله إال اهلل، واهلل أكبر،‬
                                             ‫تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها))(1)[1]).‬
‫1- غراس وبناء: عن ابن مسعود ، قال: قال رسول اهلل : ((لقيت إبراهيم عليه السالم ليلة أسرى‬
‫بي، فقال يا محمد: أقرئ أمتك مني السالم وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان‬
    ‫(أي مستوية منبسطة) وأن غراسها سبحان اهلل والحمد اهلل وال إله إال اهلل واهلل أكبر))(6)[6]).‬
‫6- الحصن الحصين من اآلفات واألمراض والشرور: للحديث: ((من رأى مبتلى فقال: الحمد هلل‬
‫الذي عافاني مما ابتالك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيال، لم يصبه ذلك البالء))(2)[2]).‬
     ‫2- معية اهلل ورحمته وتوفيقه لذاكره سبحانه: للحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول اهلل :‬
               ‫((يقول اهلل: أنا عند ظن عبدي بي وأن معه إذا ذكرني في مأل ذكرته في مأل خير‬
                                                                                ‫منهم))(2)[2]).‬
 ‫2- سبب للنجاة من عذاب اهلل: للحديث: ((ما عمل آدمي قط أنجى له من عذاب اهلل من ذكر عز‬
                                                                                ‫وجل))(9)[9]).‬
‫وأما مواطن ذكر العبد لربه: فاألصل أن ذكر اهلل عز وجل في كل حين يكون للحديث عن عائشة‬
   ‫رضي اهلل عنها قالت: ((كان رسول اهلل يذكر اهلل عز وجل على كل أحيانه))(05)[05]) والذي‬
  ‫نريد أن نؤكد جانب الذكر فيه، هي المواطن العملية التي تغفل فيها القلوب، ومن هذه المواطن:‬
     ‫5- عند النعمة: قال تعالى: وبنعمة اهلل هم يكفرون [النحل:72]. قال ابن كثير: أي يسترونها‬
                                                                 ‫ويضيفونها إلى غير اهلل تعالى.‬
  ‫كحال قارون عندما نسب النعمة إليه، قال تعالى عنه إنما أوتيته على علم عندي [القصص:22].‬
  ‫فكانت عاقبته: فخسفنا به وبداره األرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون اهلل وما كان من‬
                                                                     ‫المنتصرين [القصص:52].‬
    ‫ثم تأمل موقف نبي اهلل سليمان عليه السالم وقد رأى عظيم فضل اهلل عليه وما سخره له، قال‬
         ‫تعالى: فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر [النمل:02].‬
  ‫وذكر العبد لربه عند النعمة يكون بأال يرد سائال وال ينهر يتيما، قال تعالى: فأما اليتيم فال تقهر‬
                                  ‫وأما السائل فال تنهر وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى:2-55].‬
 ‫7- وعند القوة: فال تتعاظم في نفسك وأنت الضعيف أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة مذرة، وأنت‬
                                                                         ‫ما بينهما تحمل العذرة.‬
‫تذكر قدرة اهلل عليك إذا دعتك نفسك إلى الظلم فذكر اهلل تعالى تثاب عليه وتأمل في موقف رسول‬
‫اهلل يوم فتح مكة وكلمة من رسول اهلل تطيح برؤوس الذين آذوه وقتلوا أصحابه وصدوا عن سبيل‬
   ‫اهلل سنين طوال ولم يتركوا وسيلة أو أسلوبا إال واستخدموه، ((وقف المصطفى ونادى في أهل‬
  ‫مكة: ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال عليه الصالة والسالم:‬
                                                            ‫اذهبوا فأنتم الطلقاء))(55)[55]).‬
 ‫ورأى النبي أبا مسعود وهو يضرب غالما له، فقال: ((يا أبا مسعود اتق من هو أقدر عليك منك‬
   ‫عليه، يقول أبو مسعود: فالتفت فإذا رسول اهلل غاضب، فقلت: هو حر لوجه اهلل يا رسول اهلل،‬
                        ‫فقال: عليه الصالة والسالم: واهلل لو لم تقلها لمستك النار))(75)[75]).‬
‫3- وعند المصيبة: فال تنسينك أنك عبد مملوك لمالك هو اهلل جل جالله وأنه سبحانه حكيم، فعليك‬
                                                               ‫بلزوم األدب عند المصيبة في:‬
   ‫أ- عقلك: بأن تحسن الظن بربك: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا‬
                                        ‫وهو شر لكم واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [البقرة:657].‬
‫ب- في لسانك: فال تنطق إال بالحمد واإلقرار بأنك ملك هلل سبحانه وأن المرجع إليه ال إلى سواه:‬
                         ‫الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا هلل وإنا إليه راجعون [البقرة:615].‬
    ‫ج- وفي جوارحك: فال شق وال لطم: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى‬
                                                                       ‫الجاهلية))(35)[35]).‬
                                           ‫فلزوم العبد األدب عند المصيبة ذكر هلل عز وجل.‬
 ‫2- عند الشهوة: فال تطغى شهواتك على دينك وعقلك، فال تستطيع كبح جماح نفسك عن الحرام‬
   ‫للحديث: ((سبعة يظلهم اهلل في ظله يوم ال ظل إال ظله ...، - ومنهم - رجل دعته امرأة ذات‬
                                            ‫منصب وجمال فقال: إني أخاف اهلل))(25)[25]).‬
    ‫فإذا ملك العبد زمام نفسه فقد ذكر ربه فهذا يوسف عليه السالم وقد اجتمعت الدواعي الكثيرة‬
                                                  ‫إلتيانه الفاحشة فقال: معاذ اهلل [يوسف:37].‬
‫1- وعند بيعك وشرائك: فال يقودك جشعك إلى الحرام وعدم المباالة بمشروعية كسبك أو حرمته‬
                                ‫للحديث: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به))(15)[15]).‬
                              ‫فحذرك أال يدخل جوفك الحرام هو ذكر هلل عز وجل تثاب عليه.‬
                                                                 ‫وأما موقف العبد من الذكر:‬
                            ‫فإن للذكر آدابا ينبغي على العبد أن يلتزم بها عند الذكر ومن ذلك:‬
 ‫انتهاء الجوارح عن الفواحش: ذلك ألن المقصود من الذكر تزكية األنفس وتطهير القلوب وإيقاظ‬
         ‫الضمائر قال تعالى: وأقم الصالة إن الصالة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر اهلل أكبر‬
                                                                             ‫[العنكبوت:12].‬
 ‫وسأل مكحول ابن عمر عن قوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة:715]. فكيف بالزاني والفاسق‬
     ‫إذا ذكر ربه؟ فقال ابن عمر : إن الزاني والفاسق إذا ذكر ربه ذكره اهلل بلعنته حتى يسكت.‬
   ‫وعائشة رضي اهلل عنها تقول: (رب قاري للقرآن والقرآن يلعنه) فإذا ذكر آية فيها اللعنة على‬
                                    ‫الكافرين أو الظالمين أو الكاذبين وهو كذلك فقد لعن نفسه.‬
  ‫الخشوع والتأديب: قال تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اهلل وجلت قلوبهم [األنفال:7]. حيث‬
  ‫يستشعر عظمة رب العزة والجالل الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي يقول للشيء كن فيكون،‬
‫خالق الخلق أجمعين، يستشعر تقصيره وتفريطه وغفلته وذنوبه وهو العبد الحقير للحديث: ((سبعة‬
        ‫يظلهم اهلل في ظله يوم ال ظل إال ظله ... - ومنهم- ورجل ذكر اهلل خاليا ففاضت عيناه‬
                                                                      ‫بالدموع))(65)[65]).‬
  ‫انخفاض الصوت مخافة وطعما: قال تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر‬
                             ‫من القول بالغدو واآلصال وال تكن من الغافلين [األعراف:107].‬
 ‫حيث يستشعر العبد قرب ربه منه، وسماعه سبحانه، وعلمه فهو سبحانه: يعلم خائنة األعين وما‬
                                                                 ‫تخفي الصدور [غافر:95].‬
                            ‫فإنما هي مناجاة، وخفقات قلوب، ممزوجة بدموع االنكسار والندم.‬
      ‫لزوم المأثور فإنه أنفع وأبلغ: فأدعية وأذكار المصطفى إنما هي مفاتيح لخزائن رحمه اهلل،‬
                             ‫واإلتيان بالمفتاح المناسب للباب المعلوم أيسر في حصول المراد.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد .‬
                                                                           ‫__________‬
                                                                           ‫(5) رواه مسلم .‬
                                                                           ‫(7) رواه أحمد .‬
                                                      ‫(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن .‬
                                     ‫(2) الحافظ أبو يعلى / تفسير ابن كثير مجلد 2 ص21 .‬
                                                    ‫(1) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح .‬
                                                 ‫(6) رواه الترمذي والطبراني في األوسط .‬
                                                      ‫(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن .‬
                                                                 ‫(2) رواه البخاري ومسلم .‬
                                                                           ‫(9) رواه أحمد .‬
                                                       ‫(05) 05])مسلم أبو داود والترمذي .‬
                                                     ‫(55) 55])تهذيب سيرة ابن هشام 797.‬
                                                 ‫(75) 75])رواه مسلم وأبو داود والترمذي .‬
                                                                  ‫(35) 35])البخاري .‬
                                                                 ‫(25) 25])متفق عليه .‬
                                                                  ‫(15) 15])الترمذي .‬
                                                                 ‫(65) 65])متفق عليه .‬

‫(5/556)‬




                                                   ‫وفاة نبينا محمد (صلى اهلل عليه وسلم)‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                          ‫سيرة وتاريخ‬
                                                                          ‫السيرة النبوية‬
                                                   ‫-----------------------‬
                                                                  ‫علي بن عبد اهلل النمي‬
                                                                               ‫الرياض‬
                                                          ‫خبيب بن عدي رضي اهلل عنه‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                        ‫ملخص الخطبة‬
                                      ‫ح‬
  ‫5- وفاة نبينا أعظم مصيبة يصاب بها المسلم 7- َنين الجذع إلى النبي حال حياته 3- مرض‬
    ‫النبي صلى اهلل عليه وسلم 2- ملك الموت يستأذن رسول اهلل في قبض روحه 1- وفاة النبي‬
    ‫صلى اهلل عليه وسلم 6- اضطراب الصحابة بعد وفاته 2- مكر اليهود بالنبي صلى اهلل عليه‬
                                                                                  ‫وسلم‬
                                                ‫-------------------------‬
                                                                         ‫الخطبة األولى‬
                                                                               ‫أما بعد:‬
                              ‫أمة اإلسالم: لقد كانت وفاة النبي – - مصيبة حلت بكل مسلم.‬
                                      ‫وللمصائب سلوان يهونها وما لما حل باإلسالم سلوان‬
  ‫روي عن النبي – - أنه قال: ((أن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد من مصيبتي))‬
                                              ‫يعني مصيبته بموتي، رواه ابن ماجة(5)[5].‬
                                       ‫اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد‬
                                        ‫وإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد‬
                                                                     ‫ا‬
         ‫نعم أيها اإلخوة إذً! كانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة رسول اهلل – - فكيف بقلوب‬
                                                                                 ‫المؤمنين؟!.‬
                        ‫حن‬
    ‫لما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه النبي – - قبل اتخاذ المنبر َّ إليه، وصاح كما يصيح‬
   ‫الصغير حتى تصدع وانشق، فنزل النبي – - من على المنبر فاعتنقه، فجعل يهدؤه كما يهدئ‬
                                                             ‫ن‬
                                    ‫الصبي، وقال: ((لو لم أعتنقه لح ّ إلى يوم القيامة))(7)[7].‬
                               ‫حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان‬
 ‫كان الحسن إذا حدث بهذا بكى، وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول اهلل – - فأنتم أحق أن تشتاقوا‬
                                                                                        ‫إليه.‬
‫جعل النبي – - في آخر عمره يعرض باقتراب أجله. فإنه لما خطب في حجة الوداع، قال للناس:‬
    ‫((خذوا عني مناسككم فلعلي ال ألقاكم بعد عامي هذا))(3)[3]. وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه‬
                                                                                ‫حجة الوداع.‬
 ‫ولما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس فخطبهم وقال: ((أيها الناس: إنما أنا بشر، يوشك أن‬
                                                            ‫يأتي رسول ربي فأجيب))(2)[2].‬
     ‫وعن أبي سعيد الخدري – - قال: خرج رسول اهلل في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب‬
‫الرأس، فقام على المنبر فقال: ((إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار اآلخرة))، فلم يفطن‬
 ‫لها أحد من القوم إال أبو بكر – - فقال: بأبي وأمي، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأوالدنا يا رسول‬
                   ‫اهلل. ثم هبط رسول اهلل من على المنبر، فما رئي عليه حتى الساعة))(1)[1].‬
      ‫ورأى العباس بن عبد المطلب – - عم النبي – - في المنام كأن األرض تنزع إلى السماء‬
 ‫بأشطان (6)[6] شداد – يعني حبال – فقصها على رسول اهلل – - فقال: ((ذاك وفاة ابن أخيك))‬
                                                                       ‫رواه الطبراني(2)[2].‬
 ‫كل هذا توطئه لوفاة النبي – -. بدأ المرض برسول اهلل – - في أواخر شهر صفر، وكانت مدة‬
    ‫مرضه ثالثة عشر يوما أو قريبا من ذلك. وكان أول ما ابتدئ به رسول اهلل – - من مرضه‬
   ‫وجع رأسه، وكان صداع الرأس يعتريه كثيرا في حياته، ويتألم منه أياما. وفي مرضه اشتدت‬
           ‫عليه الحمى، فكان يجلس في مخضب، ويصب عليه الماء من سبع قرب، يتبرد بذلك.‬
 ‫وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده على القطيفة، ومن شدة وجعه كان‬
                                                              ‫يغمى عليه في مرضه، ثم يفيق.‬
‫قالت عائشة – رضي اهلل عنها – ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول اهلل – - (2)[2].‬
   ‫واشتد عليه الوجع ليلة االثنين، وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه‬
   ‫بالماء، ويقول: ((اللهم أعني على سكرات الموت)). قالت عائشة رضي اهلل عنها: وكان يقول:‬
                                                ‫((ال إله إال اهلل، وإن للموت لسكرات))(9)[9].‬
                            ‫ي‬
                 ‫وفي حديث معضل أنه قال: ((اللهم أعني على الموت وهونه عل ّ))(05)[05].‬
‫لما ثقل النبي – - جعل يتغشاه الكرب، قالت فاطمة – رضي اهلل عنهما-: واكرب أبتاه! فقال لها:‬
                                                   ‫((ال كرب على أبيك بعد اليوم))(55)[55].‬
 ‫ولم يقبض رسول اهلل- - حتى خير بين الدنيا واآلخرة، غشي عليه ساعة، وهو على فخذ عائشة‬
    ‫– رضي اهلل عنها – وكانت تنظر إليه متحيرة حبيبها بين يديها يموت، وال تملك له نفعا، وال‬
               ‫تدفع عنه ضرا. ثم أفاق، فاشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: ((اللهم الرفيق‬
    ‫األعلى))(75)[75]. فاختار لقاء ربه. وأصابته بحة شديدة، وقال: مع الذين أنعم اهلل عليهم من‬
  ‫النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً [النساء:96]. اختار رسول اهلل – -‬
                                                          ‫اآلخرة على الدنيا، وأحب لقاء ربه.‬
                                                ‫واهلل لو أنك توجتني بتاج كسرى ملك المشرق‬
                                          ‫وقلت لي: ال نلتقي ساعة اخترت يا موالي أن نلتقي‬
     ‫قال عبد اهلل بن مسعود – -: نعي إلينا حبيبنا ونبينا – بأبي هو ونفسي له الفداء – قبل موته‬
  ‫بست، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت آمنا عائشة – رضي اهلل عنها – فنظر إلينا فدمعت عيناه.‬
                                                                      ‫رواه البزار(35)[35].‬
                       ‫حق واهلل لتلك العينين أن تدمع، إنها صعوبة الفراق والنأي عن األحباب.‬
                                      ‫ومدت أكف للوداع تصافحت وكادت عيون للفراق تسيل‬
‫وفي أيامه األخيرة وقد عصبت رأسه قال للفضل: خذ بيدي فأخذ الفضل بيد النبي حتى انتهى إلى‬
‫المنبر ثم قال للفضل: صح في الناس فلما اجتمعوا، حمد اهلل، وأثنى عليه، ثم قال: ((يا أيها الناس‬
 ‫إني قد دنا مني أجلي فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، أال ومن كنت شتمت له‬
  ‫عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ال يقولن رجل إني أخشى الشحناء من قبل رسول اهلل – - أال‬
    ‫وإن الشحناء ليست من طبيعتي وال من شأني، أال وإن أحبكم إلي من أخذ حق إن كان له، أو‬
  ‫حللني فلقيت اهلل وأنا طيب النفس أال وإني ال أرى ذلك مغنيا عني حتى أقوم فيكم مرارا)) رواه‬
                                                                         ‫الطبراني(25)[25].‬
                             ‫وكانت وفاته – - في يوم االثنين ثاني عشر من شهر ربيع األول.‬
   ‫وكان قد كشف الستر في ذلك اليوم والناس في صالة الصبح خلف أبي بكر، فهم المسلمون أن‬
  ‫يفتتنوا من فرحهم برؤيته حين نظروا إلى وجهه كأنه ورقة مصحب، وظنوا أنه يخرج للصالة،‬
                          ‫وأنه شفي من مرضه، جعل النبي – - ينظر إليهم وهم ينظرون إليه.‬
                                                         ‫إنها النظرات األخيرة، نظرة الوداع.‬
                                    ‫هممت بتوديع الحبيب فلم أطق فودعته بالقلب والعين تدمع‬
  ‫فأشار إليهم النبي – - أن مكانكم ثم أرخى الستر وتوفي رسول اهلل – - حين اشتد الضحى من‬
                                                                                ‫يوم االثنين.‬
   ‫وروي أن ملك الموت استأذن النبي – - في قبض روحه، فقال: ((امضِ لما أمرت به)) فقال‬
   ‫جبريل عليه السالم: السالم عليك يا رسول اهلل! هذا آخر موطئي من األرض وجاءت التعزية‬
 ‫يسمعون الصوت وال يرون الشخص كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [آل‬
                                             ‫عمران:125]. إن في اهلل عزاء من كل مصيبة.‬
   ‫وكانت وفاته – - في يوم االثنين، في شهر ربيع األول بغير خالف، والمشهور أنه كان ثاني‬
                                                                          ‫عشر ربيع األول.‬
‫ولما توفي رسول اهلل – - اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط؛ ومنهم من أقعد فلم يطق‬
 ‫القيام؛ ومنهم من أعتقل لسانه فلم يطق الكالم، ومنهم من أنكر موته بالكلية من شدة وجده عليه.‬
      ‫بلغ أبا بكر الصديق – - الخبر، فأقبل مسرعا حتى دخل بيت عائشة – رضي اهلل عنها –‬
     ‫ورسول اهلل – - مسجى، فكشف أبو بكر عن وجه رسول اهلل – - وأكب عليه، وقبل وجهه‬
                                       ‫مرارا وهو يبكي، ويقول: وانبياه! واخلياله! واصفياه!.‬
                                              ‫إنا هلل وإنا إليه راجعون، مات واهلل رسول اهلل.‬
                                  ‫فلو أن رب العرش أبقاك بيننا سعدنا ولكن أمره كان ماضيا‬
                                              ‫ودفن رسول اهلل – - ورجع أصحابه بعد دفنه.‬
                                           ‫لئن رجعت عنك أجسامنا لقد سافرت معك األنفس‬
    ‫فقالت فاطمة – رضي اهلل عنها -: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اهلل – - التراب‬
                                                                                ‫؟(15)[15].‬
                                     ‫لبيك رسول اهلل من كان باكيا فال تنس قبرا بالمدينة ثاويا‬
                                   ‫جزى اهلل عنا كل خير محمدا فقد كان مهديا وقد كان هاديا‬
                                   ‫وكان رسول اهلل روحا ورحمة ونورا وبرهانا من اهلل باديا‬
                                 ‫وكان رسول اهلل بالقسط قائما وكان لما استرعاه مواله راعيا‬
                                   ‫وكان رسول اهلل يدعو إلى الهدى فلبى رسول اهلل لبيه داعيا‬
                                  ‫أينسى رسول اهلل أبر الناس كلهم وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا‬
                                   ‫أينسى رسول اهلل أكرم من مشى وآثاره بالمسجدين كما هيا‬
                                       ‫تكدر من بعد النبي محمد عليه سالم كل ما كان صافيا‬
 ‫وبعد موت النبي – - دخل أبو بكر المسجد، وعمر يكلم الناس، وهم مجتمعون عنده، وهو يقول‬
‫من شدة وجده على النبي – -: إن محمدا لم يمت. فتكلم أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر.‬
  ‫فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد اهلل، فإن اهلل حي ال يموت، وتال:‬
          ‫وما محمد إال رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل‬
                                                                             ‫عمران:225].‬
     ‫فاستيقن الناس بموت النبي – - وكأنهم لم يسمعوا هذه اآلية من قبل، فتلقاها الناس، وجعلوا‬
                                                                                         ‫يتلونها.‬
                                                        ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم …‬


                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
‫الحمد هلل رب العالمين، والصالة والسالم على قائد الغر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه‬
                                                                                        ‫أجمعين.‬
                                                                                         ‫أما بعد:‬
                                         ‫ً‬
                           ‫أمة اإلسالم: إن حبيبكم ونبيكم محمدا – - مات شهيدا قتيال مسموما.‬
                                                                                ‫م‬
   ‫قتله وس ّه تلك األمة المغضوب عليها (اليهود) أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل قتلة‬
 ‫األنبياء وأكلة السحت، أخبث األمم طوية وأرداهم سجية وأبعدهم من الرحمة وأقربهم من النقمة،‬
‫عادتهم البغضاء وديدنهم العداوة والشحناء بيت السحر والكذب والحيل، ال يرعون لنبي حرمة وال‬
                                                                 ‫يرقبون في مؤمن إال وال ذمة.‬
  ‫لما كان يوم خيبر أهدت امرأة يهودية للنبي – - شاة مسمومة فأكل منها فجعل السم يثور عليه‬
                                                                                          ‫أحيانا.‬
    ‫وفي صحيح البخاري عن عائشة – رضي اهلل عنها – قالت: كان النبي – - يقول في مرض‬
       ‫موته: ((ال أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك‬
                                                                                 ‫السم))(65)[5].‬
                                ‫واألبهر: عرق في الظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه.‬
                                            ‫وجعل اهلل موت نبيه على يد اليهود لننابذهم العداوة.‬
                                                  ‫أساجلك العداوة ما بقينا وإن متنا نورثها البنينا‬
  ‫إنا برءاؤ منكم ومما تعبدون من دون اهلل كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى‬
                                                          ‫تؤمنوا باهلل وحده [سورة الممتحنة:2].‬
‫أمة اإلسالم: إن اليهود قتلوا عددا من األنبياء واألصفياء، وتواتر غدرهم ونقضهم للمواثيق، ومن‬
 ‫األمثلة على ذلك ما حصل من يهود بني قينقاع، كان بينهم وبين النبي – - عهد إال أنهم نقضوا‬
‫عهدهم بإعتدائهم على امرأة مسلمة حين دخلت سوق بني قينقاع، وجاءت إلى صائغ يهودي لعلها‬
    ‫تشتري منه حليا، فعمد الصائغ اليهودي إلى طرف ثوبها من خلف، وعقده إلى ظهرها، وهي‬
  ‫جالسة دون أن تشعر، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحك اليهود وسخروا بها، فصاحت المرأة‬
   ‫واستغاثت بالمسلمين لشرفها المهان، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله فشدت اليهود‬
                                        ‫على المسلم فقتلوه وقامت الحرب بين المسلمين واليهود.‬
                                                   ‫فأجلى النبي – - يهو بني قينقاع من المدينة.‬
       ‫وهكذا يهود بني النضير حين أتاهم النبي – - في نفر من أصحابه وقعد إلى جنب جدار.‬
‫قال اليهود: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلوا على هذا البيت فيلقي عليه‬
    ‫صخرة فيريحنا منه. فلما صعد أحدهم ليلقي على رسول اهلل – - الصخرة، نزل الوحي على‬
                                                      ‫رسول اهلل – - وأخبره بغدر اليهود.‬
                    ‫فرجع النبي – - إلى المدينة وجهز الجيش وأجلى يهود بني النضير منها.‬
  ‫وهكذا بنو قريظة، نقضوا عهدهم وخانوا رسول اهلل – - يوم األحزاب حين تكالب عليه أعداؤه‬
 ‫ولكن اهلل سلط عليهم رسوله والمؤمنين وعاقبهم رسول اهلل – - عقابا شديدا وطهر رسول اهلل –‬
                                                                     ‫- المدينة من اليهود.‬
     ‫وهذا لبيد بن األعصم اليهودي الساحر، سحر النبي – - في مشط ومشاطة ووضعة في بئر‬
                  ‫(ذروان) حتى كان النبي – - يخيل إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله(25)[7].‬
                               ‫هذه صور من غدرهم ومكرهم عليهم لعنة اهلل. فهل من مدكر.‬
                  ‫قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد [آل عمران:75].‬


                                                                         ‫__________‬
‫(5) رقم (9915)، ضفعه البوصيري في الزوائد (221) وعزاه البي يعلى الموصلي في مسنده .‬
‫(7) أحمد (5/927)، وابن ماجة (1525)، والدارمي (5/95) ، والطبراني (75/225)، غيرهم .‬
    ‫وصححه ابن كثير وانظر طرقه عنده في البداية : 6/535 فما بعد وكذا االلكائي : 2/292 .‬
‫وقال البوصيري في الزوائد (001): اسناد صحيح رجاله ثقات . وعزاه الحمد بن منيع في مسنده‬
                               ‫وعبد بن حميد والحارث ابن ابي اسامة . وانظر رقم (501).‬
                                     ‫(3) جزء من حديث جابر الطويل رواه مسلم (2975).‬
                                                                      ‫(2) مسلم (2027).‬
 ‫(1) أحمد (3/59) ، وابن حبان (391)، اإلحسان ، وابو يعلى (1155)، والدارمي (22) وانظر‬
                                                ‫صحيح البخاري (2093)، ومسلم (7237).‬
                                                                      ‫(6) الشطن :الحبل.‬
           ‫(2) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/27): رواه البزار الطبراني ورجالهما ثقات .‬
  ‫(2) البخاري (6261)، ومسلم (0217)والنسائي وابن ماجة كما في تحفة األشراف :75/.203‬
                                     ‫(9) انظر جامع االصول البن االثير الجزري :55/.26‬
   ‫(05) 05] قال العراقي في تخريج لإلحياء(0393) : رواه ابن ابي الدنيا في كتاب الموت من‬
                    ‫حديث طعمة بن غيالن الجعفي وهو معضل سقط منه الصحابي والتابعي .‬
   ‫(55) 55] البخاري (7622)، وابن ماجة (9765)، والدارمي :5/52، من حديث أنس – - .‬
                                ‫(75) 75] البخاري (2322)، ومسلم (2227)،واحمد:6/92.‬
 ‫(35) 35] انظر قول البزار فيه في مجمع الزوائد :9/17، قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح‬
      ‫غير محمد بن إسماعيل بن سمرة األحمسي وهو ثقة . رواه الطبراني في االوسط بنحوه .‬
‫(25) 25] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/67): رواه الطبراني في الكبير واالوسط وأبو يعلى‬
   ‫بنحوه … وفي إسناد أبي يعلى عطاء بن مسلم، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة ، وبقية‬
    ‫رجال أبي يعلى ثقات وفي إسناد الطبراني من لم اعرفهم . اما قصة القضيب والقصاص من‬
    ‫رسول اهلل – - فباطل . انظر مجمع الزوائد للهيثمي (9/53) قال : رواه الطبراني وفيه عبد‬
                                                      ‫المنعم بن ادريس وهو كذاب وضاع .‬
  ‫(15) 15] البخاري (7622)، وابن ماجة (9765)، والدارمي :5/52 ، من حديث أنس – - .‬
                                                    ‫(65) البخاري (2722)، واحمد :6/25.‬
                   ‫(25) البخاري (2673)، ومسلم (9257)، ابن ماجة (1312)، أحمد:6/21.‬

‫(5/756)‬




                                                                                   ‫الشفاعة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                 ‫اإليمان, قضايا في االعتقاد‬
                                                                       ‫الشفاعة, اليوم اآلخر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                    ‫الدوحة‬
                                                                              ‫الريان الكبير‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
‫5- معنى الشفاعة في اللغة واالصطالح. 7- شروط الشفاعة المقبولة. 3- الشفاعة العظمى. 2-‬
          ‫أنواع أخرى من الشفاعة. 1- من الذي يشفع يوم القيامة. 6- أسباب نيل شفاعة النبي.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫قال تعالى: يومئذ ال تنفع الشفاعة إال من أذن له الرحمن ورضي له قوال يعلم ما بين أيديهم وما‬
  ‫خلفهم وال يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من‬
                          ‫الصالحات وهو مؤمن فال يخاف ظلما وال هضما [طه :205-755].‬
‫إذا كان يوم القيامة ذلت الرقاب كلها إلى اهلل عز وجل وخاب وخسر كل ظالم وربح ونجا كل تقي‬
                                                   ‫عامل للصالحات وفاز بشفاعة المصطفى .‬
    ‫فما الشفاعة؟ ولماذا؟ وما الشفاعات التي خص بها النبي ؟ وما أسبابها؟ وموانعها؟ وما موقف‬
                                                                                ‫المسلم منها؟‬
                                            ‫الشفاعة لغة: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب.‬
           ‫اصطالحا: سؤال اهلل الخير للناس في اآلخرة، فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب.‬
                                                                            ‫وينبغي أن تعلم:‬
  ‫أن اهلل تعالى خص حبيبه المصطفى دون سائر خلقه بأمور للحديث: ((أعطيت خمسا لم يعطهن‬
      ‫أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل ألحد قبلي، وجعلت لي‬
‫األرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصالة فليصل، وأعطيت الشفاعة، وكل نبي‬
                                      ‫بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))(5)[5]).‬
   ‫أن الشفاعة ال تبطل قوانين العمل والجزاء فليس في األمر ما يدعو إلى الغرور أو التهاون في‬
  ‫ترك ما كلف اهلل به عباده، فاألصل والقاعدة هي قانون الجزاء قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة‬
   ‫خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:2-2]. وقال تعالى: وأن ليس لإلنسان إال ما‬
                          ‫سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء األوفى [النجم:23-52].‬
                                                                         ‫أن للشفاعة شروطا:‬
‫أ- فهي مقيدة باإلذن من اهلل سبحانه: قال تعالى: من ذا الذي يشفع عنده إال بإذنه للحديث: ((فيحد‬
                                                             ‫لي حدا فأدخلهم الجنة))(7)[7]).‬
‫ب- وأن تكون لمن رضي اهلل أن يشفع له قال تعالى: وال يشفعون إال لمن ارتضى [األنبياء:27].‬
          ‫وال يرتضي اهلل الشفاعة إال لمن يستحقون عفوه سبحانه على مقتضى عدله عز وجل.‬
       ‫ج- والشفاعة ال تكون إال ألهل التوحيد، فمن كان والؤه لغير اهلل ورسوله والمؤمنين فهو‬
 ‫محروم، ومن كان من جند الباطل يسعى في نصرة مذهب هدام فهو محروم، ومن اعتقد أن غير‬
 ‫منهج اهلل هو األصلح للحياة فهو محروم، ومن سخر أو جحد أو أنكر من منهج اهلل فهو محروم.‬
            ‫للحديث: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال ال إله إال اهلل خالصا من قلبه أو‬
                                                                             ‫نفسه))(3)[3]).‬
 ‫قال المنذري في كتابه الترغيب والترهيب: (فإذا أقر بالشهادتين ثم امتنع عن شيء من الفرائض‬
       ‫جحودا أو تهاونا على تفصيل الخالف فيه حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة)(2)[2]).‬
                                                                         ‫وأما لماذا الشفاعة؟‬
                                                              ‫لبيان وإظهار مقام المصطفى .‬
   ‫وللحديث: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وال فخر، وأنا أول من تنشق عنه األرض يوم القيامة،‬
                                                ‫وأنا أول شافع وأول مشفع وال فخر))(1)[1]).‬
   ‫ألنها الدعوة المدخرة لرسول اهلل : ((سأل رجل رسول اهلل : يا رسول اهلل أال سألت ربك ملكا‬
    ‫كملك سليمان؟، فضحك رسول اهلل ثم قال: لعل لصاحبكم (عن نفسه) عند اهلل أفضل من ملك‬
  ‫سليمان، إن اهلل لم يبعث نبيا إال أعطاه دعوة، منهم من اتخدها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها‬
    ‫على قومه إذ عصوه فاهلكوا بها، فإن اهلل أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة ألمتي يوم‬
                                                                               ‫القيامة))(6).‬
                                                                         ‫وأما أنواع الشفاعة:‬
     ‫النوع األول: الشفاعة األولى، وهي العظمى، الخاصة بنبينا من بين سائر إخوانه من األنبياء‬
     ‫والمرسلين، صلوات اهلل عليهم أجمعين، فقد رويت في الصحيحين، وغيرهما عن جماعة من‬
                                         ‫الصحابة، رضي اهلل عنهم أجمعين، أحاديث الشفاعة.‬
 ‫منها: عن أبي هريرة ، قال: ((أتى رسول اهلل بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس‬
  ‫منها نهسة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع اهلل األولين واآلخرين‬
     ‫في صعيد، واحد، فيقول بعض الناس لبعض: أال ترون إلى ما أنتم فيه؟ أال ترون إلى ما قد‬
   ‫بلغكم؟ أال تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم،‬
‫فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك اهلل بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر المالئكة فسجدوا لك،‬
‫فاشفع لنا إلى ربك، أال ترى إلى ما نحن فيه؟ أال ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب‬
 ‫اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي‬
  ‫نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى‬
‫أهل األرض، وسماك اهلل عبدا شكورا، فاشفع لنا إلى ربك، أال ترى إلى ما نحن فيه؟ أال ترى ما‬
‫قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله،‬
 ‫وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا‬
 ‫إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي اهلل وخليله من أهل األرض، أال ترى‬
‫إلى ما نحن فيه؟ أال ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله،‬
‫ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى‬
   ‫فيقولون: يا موسى ،أنت رسول اهلل، اصطفاك اهلل برساالته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى‬
 ‫ربك، أال ترى ما نحن فيه؟ أال ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب غضبا لم‬
     ‫يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، نفسي‬
  ‫نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول اهلل‬
 ‫وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال: هكذا هو، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك،‬
   ‫أال ترى إلى ما نحن فيه؟ أال ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب غضبا لم‬
‫يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ،‬
  ‫فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول اهلل، وخاتم األنبياء، غفر اهلل لك ذنبك، ما تقدم منه وما‬
      ‫تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، أال ترى إلى ما نحن فيه؟ أال ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم، فآتي تحت‬
‫العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح اهلل علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا‬
   ‫لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب‬
 ‫أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من ال حساب عليه من‬
   ‫الباب األيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من األبواب، ثم قال: والذين نفسي‬
    ‫بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى))(‬
                                      ‫[6]). أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ لإلمام أحمد.‬
‫( [6])صحيح ، وهو في المسند 7/132 بسند الصحيحين . النوع الثاني: الشفاعة ألهل الجنة حتى‬
  ‫يدخلوها: للحديث: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد،‬
                                                 ‫فيقول: بك أمرت ال أفتح ألحد قبلك ))( [2]).‬
 ‫( [2])رواه مسلم . فأهل الجنة ال يدخلون الجنة إال بشفاعته عليه الصالة و السالم، وهو أول من‬
                                                                                        ‫يدخلها.‬
  ‫النوع الثالث: شفاعته ألهل الكفر وهذا خاص بعمه أبي طالب لمواقفه ودفاعه عن رسول اهلل :‬
     ‫((سأل العباس بن عبد المطلب رسول اهلل هل أنت نافع عمك بشيء فإنه (أي أبا طالب) كان‬
    ‫يغضب لك ويحوطك؟، فقال : نعم لقد نفعته، إنه في ضحضاح من النار (أي قليل منه) ينتعل‬
   ‫نعلين من حرارتهما يغلي دماغه، وإنه ألهون أهل النار عذابا ولوال أنا لكان في الدرك األسفل‬
                                                                              ‫من النار))( [2]).‬
‫( [2])رواه البخاري .النوع الرابع: شفاعته ألهل التوحيد من أهل المعاصي بعد أن ينالوا نصيبهم‬
  ‫من النار للحديث: ((يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته‬
    ‫وال متكلم يومئذ إال الرسل، وكالم الرسل يومئذ: اللهم سلم، اللهم سلم، وفي جهنم كالليب مثل‬
 ‫شوك السعدان تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو))، وقال‬
   ‫رسول اهلل : ((يخرج من النار من قال ال إله إال اهلل وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة))‬
   ‫وقال رسول اهلل : ((فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إال آثار السجود فيخرجون من‬
        ‫النار وقد امتحشوا (احترقوا) فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة))(6)[9]).‬
                                             ‫ومن الشفعاء: األنبياء والعلماء والشهداء والقرآن :‬
         ‫أ - القرآن: للحديث: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا ألصحابه))(2)[05]).‬
                       ‫ب- الشهيد: للحديث: ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته))(2)[55]).‬
                  ‫ج- األنبياء والعلماء: للحديث: ((يشفع يوم القيامة ثالثة: األنبياء ثم العلماء ثم‬
                                                                            ‫الشهداء))(9)[75]).‬
      ‫د- المؤمنون: للحديث: ((إن من أمتي من يشفع للفئام (الجماعة من الناس) ومنهم من يشفع‬
        ‫للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة))(05)[35]).‬
‫هـ – األبناء ألبائهم: للحديث: ((إن رجال كان يأتي رسول اهلل ومعه ابن له ففقده النبي فقال: ما‬
   ‫فعل ابن فالن، قالوا: يا رسول اهلل مات، فقال النبي ألبيه: أما تحب أن ال تأتي بابا من أبواب‬
                ‫الجنة إال وجدته ينتظرك فقال رجل: يا رسول اهلل أله خاصة، أو لكلنا؟ قال: بل‬
                                                                          ‫لكلكم))(55)[25]).‬
‫أو بسبب دعائهم للحديث: ((إن اهلل عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب‬
                                          ‫أنى لي هذه، فيقال: باستغفار ولدك لك))(75)[15]).‬
   ‫و- الصيام: للحديث: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول: الصيام أي رب منعته‬
              ‫الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه‬
                                                                       ‫فيشفعان))(35)[65]).‬
   ‫ز- شفاعة المصلين على الميت: للحديث: ((ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون‬
                                             ‫مائة كلهم يشفعون له إال شفعوا فيه))(25)[25]).‬
                                                          ‫وأما أسباب نيل شفاعة المصطفى :‬
 ‫الصالة على النبي وطلب الوسيلة له: للحديث: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا‬
‫علي، فإنه من صلى علي صالة صلى اهلل عليه بها عشرا، ثم سلوا اهلل لي الوسيلة فإنها منزلة في‬
   ‫الجنة ال تنبغي إال لعبد من عباد اهلل، وأرجو أن أكون أنا هو، من سأل اهلل لي الوسيلة حلت له‬
                                                                       ‫الشفاعة))(15)[25]).‬
          ‫الصالة على رسول اهلل : ((إن أولى الناس بي (أي بشفاعتي) يوم القيامة أكثرهم علي‬
                                                                         ‫صالة))(65)[95]).‬
 ‫سكنى المدينة للحديث: ((من صبر على لوائها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة))(25)[07]).‬
 ‫كثرة التنفل للحديث: ((سأل خادم لرسول اهلل فقال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، فقال: فأعني‬
                                                                 ‫بكثرة السجود))(25)[57]).‬
  ‫قضاء حوائج المسلمين للحديث: ((من قضى ألخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه فإن رجح وإال‬
                                                                      ‫شفعت له))(95)[77]).‬
                 ‫األخوة في اهلل للحديث: ((أنا شفيع لكل رجلين اتخيا في اهلل من مبعثي إلى يوم‬
                                                                        ‫القيامة))(07)[37]).‬
   ‫وأما موانع الشفاعة: منها كثرة اللعن: للحديث: ((إن اللعانين ال يكونون شهداء وال شفعاء يوم‬
                                                                        ‫القيامة))(57)[27]).‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                      ‫لم ترد .‬
                               ‫__________‬
                              ‫(5) متفق عليه .‬
                           ‫(7) رواه البخاري .‬
                           ‫(3) رواه البخاري .‬
          ‫(2) الترغيب والترهيب مجلد ص 352.‬
                          ‫(1) رواه ابن ماجة .‬
                                ‫(6) البخاري .‬
                         ‫(2) 05])رواه مسلم .‬
                      ‫(2) 55])رواه أبو داود .‬
           ‫(9) 75])ابن ماجة والبيهقي والبزار .‬
                   ‫(05) 35])الترمذي وأحمد .‬
                        ‫(55) 25])رواه أحمد .‬
                        ‫(75) 15])رواه أحمد .‬
             ‫(35) 65])رواه أحمد بسند صحيح .‬
                        ‫(25) 25])رواه مسلم .‬
                        ‫(15) 25])رواه مسلم .‬
                     ‫(65) 95])رواه الترمذي .‬
                        ‫(25) 07])رواه مسلم .‬
                        ‫(25) 57])رواه أحمد .‬
                 ‫(95) 77])أبو نعيم في الحلية .‬
                 ‫(07) 37])أبو نعيم في الحلية .‬
                        ‫(57) 27])رواه مسلم .‬

‫(5/356)‬




                                         ‫الكفر‬
           ‫-----------------------‬
                                       ‫التوحيد‬
                               ‫نواقض اإلسالم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                   ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                       ‫الدوحة‬
                                                                                 ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫5- الكفر في اللغة واالصطالح. 7- اإلسالم دين الكائنات. 3- أسباب الوقوع في الكفر. 2-‬
        ‫أنواع الكفر. 1- ععاقبة الكفر في الدنيا واآلخرة. 6- موقف المسلم من الكفر والتكفير.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
      ‫يقول اهلل تعالى: يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا [النبأ:02].‬
     ‫تحشر الخالئق كلها يوم القيامة الجن واإلنس والطير والحيوان والدواب، ويبلغ من عدل اهلل‬
  ‫سبحانه أن يقتص للشاة الجماء من القرناء ثم يقال: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني‬
                                                     ‫كنت ترابا، أي حيوانا فأرجع إلى التراب.‬
                        ‫فما الكفر؟، ولماذا؟، وما أنواعه؟، وما عاقبته؟، وما موقف المسلم منه؟‬
‫الكفر لغة: الستر والتغطية وسمي الزارع كافرا: كمثل غيث أعجب الكفار نباته [الحديد:07]. أي‬
                                                          ‫الزراع ألنهم يغطون الحب بالتراب.‬
           ‫وأما اصطالحا: هو اإلنكار لشيء مما جاء به النبي ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع.‬
                                                                              ‫وينبغي أن تعلم:‬
‫أن اهلل تعالى فطر الوجود على معرفته بالعهد األول الذي أخذه، قال تعالى: وإذ أخذ ربك من بني‬
‫آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة‬
                                                       ‫إنا كنا عن هذا غافلين [األعراف:725].‬
      ‫وقال تعالى: أفغير دين اهلل يبغون وله أسلم من في السماوات واألرض طوعا وكرها وإليه‬
                                                                    ‫يرجعون [آل عمران:32].‬
    ‫أن الوجود كله ذاكر هلل مسبح له سبحانه، قال تعالى: وإن من شيء إال يسبح بحمده ولكن ال‬
                                                               ‫تفقهون تسبيحهم [اإلسراء:72].‬
 ‫أن اهلل تعالى ضرب للكافر مثال، فقال: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما ال يسمع إال دعاء‬
                                              ‫ونداء صم بكم عمي فهم ال يعقلون [البقرة:525].‬
‫فهم كالدواب السارحة التي ال تفقه ما يقال لها، قد أغلقوا نوافذ اإلدراك عن كل ما يصلحهم، وهم‬
                                                                               ‫تبع لكل ناعق.‬
                                                             ‫ا‬
                                                            ‫وأما لماذا الكفر؟: فإن للكفر أسبابً:‬
   ‫الشيطان وتزيينه الكفر قال تعالى: كمثل الشيطان إذ قال لإلنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء‬
‫منك إني أخاف اهلل رب العالمين [الحشر:65]. وقال تعالى في بيان علة الكفر لملكة سبأ وقومها،‬
     ‫فقال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اهلل وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن‬
                                                             ‫السبيل فهم ال يهتدون [النمل:27].‬
                  ‫وذلك بإثارة الشبهات والشهوات، والشبهات في العقول، والشهوات في القلوب.‬
  ‫جنود الشيطان من أصحاب المبادئ الهدامة للحديث: ((خط رسول اهلل خطا ورسم على جوانبه‬
            ‫خطوطا وقال: هذا هو طريق اهلل وهذه السبل على رأس كل واحد منها شيطان يدعو‬
                                                                                 ‫إليه))(5)[5]).‬
‫فالشيوعية والوجودية وغيرها من مناهج اإللحاد كلها من صنع يهود لعلهم أنه ال نصر إال بإفساد‬
     ‫شباب األمة ومثقفيها في عقولهم وتشكيكهم بإسالمهم وعند ذلك فقط تزول عوائق األمة أمام‬
                                                                                       ‫أعدائها.‬
    ‫حيوانية الغاية: قال تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل األنعام والنار مثوى لهم‬
                                                                                  ‫[محمد: 75].‬
               ‫فأتباع فرويد اليهودي صاحب النظرية الجنسية، وأدونيس رائد الحداثة والخالعة.‬
       ‫ونزار قباني شاعر النهود والفروج وغيرهم ممن عاشوا أعمارهم إلثارة الغريزة والهبوط‬
                       ‫باإلنسانية إلى دركات البهيمية ورفض ضوابط الدين واألخالق والعرف.‬
‫والذي يريد أن يحيا بال ضوابط البد له من مبرر، وقد صنع سادة العهر والدعارة ألتباعهم منهجا‬
                                   ‫يبررون به سفالتهم بدعاوى التحرر واالنطالق ونبذ الجمود.‬
                                                 ‫حب الرئاسة واالستكبار وخوف الذم والتعيير:‬
  ‫حب الرئاسة: كحال هرقل ملك الروم وقد بان له الحق فلما عرض اإلسالم على األساقفة نفروا‬
 ‫منه وبادروا إلى األبواب معرضين، فأمر هرقل بردهم وقال: أردت أن أختبركم(7)[7]). وصده‬
                                                              ‫حب الملك والرئاسة عن اإليمان.‬
 ‫واالستكبار: ككفر فرعون وملئه وقد رأوا الحق بأعينهم في المعجزة التي أيد اهلل بها نبيه موسى‬
                 ‫عليه السالم، قال تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل:25].‬
‫وخوف الذم والتعيير: ككفر أبي طالب: لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي وعنده أبو جهل، فقال‬
   ‫رسو اهلل : ((أي عم قل ال إله إال اهلل، كلمة أحاج لك بها عند اهلل)) فقال أبو جهل وعبد اهلل بن‬
‫أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزاال يكلماه حتى قال آخر ما كلمهم به: على‬
                                   ‫ه‬
 ‫ملة عبد المطلب، فقال النبي : ((الستغفرن لك ما لم أن َ عنك)) فنزلت: إنك ال تهدي من أحببت‬
                                                                                      ‫(3)[3]).‬
                                                                              ‫وأما أنواع الكفر:‬
                                                                     ‫فينقسم الكفر إلى قسمين:‬
     ‫كفر مخرج من الملة ويكون صاحبه مرتدا عن اإلسالم وتجري عليه أحكام المرتدين إن كان‬
                                                                              ‫مسلما، وتشمل:‬
     ‫أ- المكفرات االعتقادية: كإنكار أصل من أصول اإليمان كإنكار الخالق سبحانه أو صفة من‬
‫صفاته أو اعتقاد عجزه أو أنه سبحانه غير عادل في أحكامه وقضائه، أو إنكار المالئكة أو الكتب‬
      ‫السماوية أو اليوم اآلخر وما فيه من بعث وحساب وجنة ونار أو إنكار فريضة من فرائض‬
        ‫اإلسالم أو إنكار حرمة كالزنا أو الربا أو اعتقاد حرمة ما أحل اهلل من أكل لحوم األنعام.‬
       ‫ب- المكفرات القولية: وذلك بأن يقول بعقيدة مكفرة أو جحد جزئية من اإلسالم في عقائده‬
‫وأحكامه أو سب الخالق أو الرسل أو الكتب السماوية أو سب الدين أو اعتراض على عدل اهلل في‬
                                                      ‫قضائه واتهامه بالجحود سبحانه وتعالى.‬
   ‫ج- المكفرات العملية: وهو كل عمل يعتبر عالمة على عقيدة مكفرة كالحكم بغير ما أنزل اهلل‬
‫وتمزيق المصحف إهانة له أو إلقائه في القاذورات أو تعليق الصليب وتعظيمه، وكذا مواالة الكفار‬
  ‫وإظهار الود لهم واستعارة قوانينهم وتحسين أفكارهم والتشبه بهم وطاعتهم والركون إليهم: ومن‬
                                                           ‫يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة:51].‬
                                                              ‫كفر ال يخرج صاحبه من الملة:‬
        ‫كفر النعمة والحقوق: قال تعالى: وإن تعدوا نعمة اهلل ال تحصوها إن اإلنسان لظلوم كفار‬
                                                                                ‫[إبراهيم:23].‬
   ‫وقول رسول اهلل : ((يا معشر النساء إأني رأيتكن أكثر أهل النار، قالوا: لم يا رسول اهلل؟ قال:‬
         ‫ألنكن تكفرن العشير، لو أحسن الزوج إليكن الدهر كله ثم أساء قلتن: ما رأينا منك خيرا‬
                                                                                ‫قط))(2)[2]).‬
 ‫قتال المسلم ألخيه: للحديث: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))(1)[1])، أي قتله كالكفر في اإلثم‬
 ‫والتحريم، وقال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما [الحجرات:9]. قال ابن‬
                                                            ‫كثير: سماهم مؤمنين مع االقتتال.‬
      ‫وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه ال يخرج عن اإليمان بالمعصية وإن عظمت(6)[6]).‬
                                                                            ‫وأما عاقبة الكفر:‬
                                                                                ‫أما في الدنيا:‬
    ‫5- فإن الكافر في ضالل ومقت من اهلل عليه: قال تعالى: ومن يتبدل الكفر باإليمان فقد ضل‬
                                                                   ‫سواء السبيل [البقرة:205].‬
 ‫فهو في شقاء ضالله حيث ال هداية وال توفيق في رأي أو عمل فيكون وباال على نفسه ومن، ثم‬
                           ‫مقت اهلل له: وال يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إال مقتا [فاطر:63].‬
 ‫7- وأن عقوبته القتل: أجمع الفقهاء على أن من تحول عن دين اإلسالم إلى غيره فإنه يقتل لقول‬
                                                       ‫النبي : ((من بدل دينه فاقتلوه))(2)[2]).‬
 ‫3_ إنه مغلوب مهما كاد ومكر، قال تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس‬
                                                                       ‫المهاد [آل عمران:75].‬
 ‫ومهما دبر الكافر وكاد ألهل اإليمان من مكائد ودسائس وتضييق وتلفيق للتهم وقتل وتشريد فإن‬
                                                                  ‫الغلبة هلل ورسوله والمؤمنين.‬
                                                                                ‫أما في اآلخرة:‬
 ‫5- محروم من مغفرة اهلل سبحانه قال تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اهلل ثم ماتوا وهم‬
                                                            ‫كفار فلن يغفر اهلل لهم [محمد:23].‬
                                        ‫د‬
    ‫7- وال ينفعه عمله الصالح من إعانة مريض أو تص ّق على فقير فإن اهلل يعجل له ثوابه في‬
    ‫الدنيا فيعافه في بدنه أو يغنيه حتى إذا جاء يوم القيامة ال حسنة له، قال تعالى: وقدمنا إلى ما‬
    ‫عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان:37]، قال ابن كثير: فأخبر أنه ال يحصل لهؤالء‬
     ‫المشركين من األعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء وذلك ألنها فقدت الشرط الشرعي إما‬
                                                 ‫اإلخالص فيها وإما المتابعة لشرع اهلل(2)[2]).‬
    ‫3- عظم جسده في النار ليزداد عذابا وألما: للحديث: ((ما بين منكبي الكافر مسيرة ثالثة أيام‬
        ‫للراكب المسرع)). وللحديث: ((ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة‬
                                                                               ‫ثالث))(9)[9]).‬
  ‫2- نقمة الكافر على من أضله: قال تعالى: وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضالنا من الجن‬
                                  ‫واإلنس نجعلهما تحت أقدمنا ليكونا من األسفلين [فصلت:97].‬
                                                         ‫وأما موقف المسلم من الكفر والتكفير:‬
      ‫االبتعاد عن أسباب الكفر من الشبهات والشهوات للحديث: ((جاء رجل إلى النبي ، فقال: يا‬
                                                ‫أخر‬
 ‫رسول اهلل إني ألحدث نفسي بالشيء ألن َّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، فقال النبي :‬
                          ‫اهلل أكبر اهلل أكبر، الحمد هلل الذي رد كيده إلى الوسوسة))(05)[05]).‬
                 ‫الحذر من إطالق لفظ الكفر على إنسان بعينه إال بعد تثبت وإقامة الحجة عليه:‬
       ‫للحديث: ((إذا قال الرجل ألخيه: يا كافر فقد باء به أحدهما، فإن كان كما قال وإال رجعت‬
                           ‫عليه))(55)[55]). ذلك ألنه ليس كل قول أو فعل فاسد يعتبر مكفرا.‬
                                                               ‫ف‬
 ‫كما ال ينبغي أن يك ّر مسلم أمكن حمل كالمه على محمل حسن، أو كان في كفره خالف، وكذلك‬
   ‫ال يجوز تكفير مكره على الكفر وقلبه مطمئن باإليمان لقوله تعالى: إال من أكره وقلبه مطمئن‬
                                                                        ‫باإليمان [النحل:605].‬
               ‫وعلى هذا فيجب على الناس اجتناب هذا األمر والفرار منه وتركه للعلماء لخطره‬
‫العظيم(75)[75])، ذلك ألن التساهل مدعاة للفساد والعبث بأحكام اإلسالم واستباحة حرمات ودماء‬
‫وأموال المسلمين بغير حق، ومن مصائب األمة أن تبتلى بمن يتصدر الفتوى من الجهلة وتلك من‬
   ‫عالمات الساعة للحديث: ((إن اهلل ال يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم‬
         ‫بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهاال، فسئلوا بغير علم فضلوا‬
                                                                      ‫وأضلوا))(35)[35]).‬
‫ويقابل ذلك على العكس منه خور العلماء وجبنهم عن كلمة الحق والصدع بها في وجوه المرتدين،‬
    ‫وإيثارهم الدنيا على اآلخرة فيكونوا من علماء السلطة، وأصحاب الفتاوي الجاهزة، وعند ذلك‬
  ‫يكون السقوط فيتخذ الناس من أنفسهم موجهين ومفتين يغلب جهلهم علمهم من أرباع المتعالمين‬
                                                                      ‫فتحل المصيبة باألمة.‬
‫وعلى األسرة أن تتولى مسؤوليتها في توجيه األبناء إلى الدين الحق وهو اإلسالم وحفظهم من كل‬
  ‫منافق ومفسد ومظل سواء كان ذلك من خالل الكلمة المسموعة أو المقروءة أو المرئية للحديث:‬
 ‫((إن اهلل سائل كل راع عما استرعاه حتى يسأل الرجل عن أهل بيته))(25)[25]). وكذا المعرفة‬
‫المخالطين من األصدقاء وتخير الصالحين منهم ألبنائك وصدق اهلل العظيم: يا أيها الذين آمنوا قوا‬
                                    ‫أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم :6].‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد .‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                           ‫(5) رواه أحمد .‬
                                                                ‫(7) الكفر والمكفرات ص2.‬
                                                                           ‫(3) رواه مسلم .‬
                                                                             ‫(2) البخاري .‬
                                                                           ‫(1) متفق عليه .‬
                                                     ‫(6) مختصر ابن كثير مجلد3 ص263.‬
                                                                             ‫(2) البخاري .‬
                                                     ‫(2) مختصر ابن كثير مجلد7 ص276.‬
                                                                                ‫(9) مسلم .‬
                                                                ‫(05) 05])أحمد وأبو داود .‬
                                                                       ‫(55) 55])البخاري .‬
                                                  ‫(75) 75])الموسوعة الفقهية 35 ص277.‬
                                                                     ‫(35) 35])متفق عليه .‬
                                                                      ‫(25) 25])ابن حيان .‬
‫(5/256)‬




                                                                       ‫أثر الذنوب والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                      ‫آثار الذنوب والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                       ‫علي بن عبد اهلل النمي‬
                                                                                     ‫الرياض‬
                                                                ‫خبيب بن عدي رضي اهلل عنه‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
   ‫ر‬
 ‫5- ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على البدن 7- ما نزل بالء إال بذنب , وال ُفع‬
  ‫إال بتوبة 3- شؤم المعصية يتعدى المذنب إلى غيره من المخلوقات 2- عاقبة الذنوب في الدنيا‬
                                                                 ‫1- فضيلة االستغفار والتوبة‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                                                                                     ‫أما بعد:‬
    ‫عباد اهلل: اتقوا اهلل تعالى وأطيعوه، وراقبوه في السر والعلن وال تعصوه، واعلموا أن الذنوب‬
       ‫والمعاصي – تضر في الحال والمآل، وأن ضررها في القلب كضرر السموم في األبدان.‬
‫وما في الدنيا واآلخرة شر وداء، إال وسببه الذنوب والمعاصي فبسببها أخرج آدم عليه السالم من‬
‫الجنة، وأخرج إبليس من ملكوت السموات، وأغرق قوم نوح، وسلطت الريح العقيم على قوم عاد،‬
    ‫وأرسلت الصيحة على قوم ثمود، ورفعت قرى اللوطية حتى سمعت المالئكة نباح كالبهم، ثم‬
            ‫قلبها اهلل عليهم، فجعل عاليها سافلها، وأرسل على قوم شعيب سحب العذاب كالظلل.‬
   ‫فسبب المصائب والفتن كلها الذنوب فالذنوب والمعاصي ما حلت في ديار إال أهلكتها، وال في‬
    ‫قلوب إال أعمتها، وال في أجساد إال عذبتها، وال في أمة إال أذلتها، وال في نفوس إال أفسدتها.‬
                                               ‫وللمعاصي آثار وشؤم، تزيل النعم، وتحل النقم.‬
          ‫قال علي بن أبي طالب – رضي اهلل عنه -: ما نزل بالء إال بذنب، وال رفع إال بتوبة.‬
    ‫ل َن الل َ يك‬                             ‫وم ص بك م مص ب بم سب ْد ُ وي ف ع ث‬
    ‫َ َا أَ َا َ ُمْ ِنْ ُ ِي َةٍ فَ ِ َا كَ َ َتْ أَي ِيكمْ َ َعْ ُو َنْ كَ ِيرٍ [الشورى:03]. ذَِكَ بِأ َّ َّهَ لمْ َ ُ‬
                                                        ‫ب فس ِ‬           ‫ْم َت ي ِّر‬           ‫م ِّر ن م عمه ع‬
                                        ‫ُغَي ًا ِعْ َةً أَنْ َ َ َا َلَى قَو ٍ ح َّى ُغَي ُوا مَا ِأَنْ ُ ِهمْ [األنفال:31].‬
                                                           ‫إذا كنت في نعمة فارعها… فإن الذنوب تزيل النعم‬
      ‫ر ب ع الل‬                    ‫ء م ة م م ِن ت ه ِ ْق ر َد م ُل م‬                                ‫ية‬           ‫وضر الله م‬
    ‫َ َ َبَ َّ ُ َثَال قَرْ َ ً كَانَتْ َا ِنَ ً ُطْ َئ َّةً يَأْ ِي َا رز ُهَا َغ ًا ِنْ ك ِّ َكَانٍ فَكَفَ َتْ ِأَنْ ُمِ َّهِ‬
      ‫ظ ْ م َّذ ه د َر‬                                  ‫ج ع و ْ بم ن ي ع‬                           ‫الله لب‬          ‫َ‬
 ‫فَأذَاقَهَا َّ ُ ِ َاسَ الْ ُو ِ َالْخَوفِ ِ َا كَا ُوا َصْنَ ُونَ [النحل:755]. فَبِ ُلمٍ ِنَ ال ِينَ َا ُوا ح َّمْنَا‬
                                                   ‫ر‬         ‫ع ِ َيب أ ِل ُ وب َد ِ ع س الل‬
                                    ‫َلَيْهمْ طِّ َاتٍ ُحَّتْ لَهمْ َ ِص ِّهمْ َنْ َبِيلِ َّهِ كَثِي ًا [النساء:065].‬
 ‫روى أحمد عن ثوبان – رضي اهلل عنه -: ((إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))(5)[5]).‬
                                                                  ‫وفي الحديث اآلخر: ((الذنوب تنقص العمر)).‬
  ‫ومن شؤم المعصية أنها تمنع القطر، وتسلط السلطان، ففي سنن ابن ماجه عن ابن عمر رضي‬
    ‫اهلل عنهما أن رسول اهلل قال: ((لم ينقص قوم المكيال والميزان إال أخذوا بالسنين وشدة المؤن‬
              ‫وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إال منعوا القِطر من السماء، ولوال البهائم لم‬
                                 ‫وي عن ُم عن‬
      ‫يمطروا))(7)[7]). وقال مجاهد في قوله تعالى: َ َلْ َُه ُ الال ِ ُونَ [البقرة:915]. قال: دواب‬
                                                           ‫األرض تلعنهم، يقولون: يمنع عنا القطر بخطاياهم.‬
  ‫وقال عكرمة: دواب األرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني‬
                                                                                                                         ‫آدم.‬
                 ‫وقال أبو هريرة رضي اهلل عنه: ((إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم)).‬
     ‫َ س ُ ف َر و ْر بم سب د‬
    ‫وشؤم المعصية بلغ البر والبحر، كما قال تعالى: ظَهرَ الْفَ َاد ِي الْب ِّ َالْبَح ِ ِ َا كَ َ َتْ أَيْ ِي‬
                                                              ‫َّ عمل َل ُ َ جع‬                ‫الن ليذ ُ ب ْ‬
                                               ‫َّاسِ ِ ُ ِيقَهمْ َعضَ الذِي َ ُِوا لَعَّهمْ يرْ ِ ُونَ [الروم:52].‬
     ‫ومن شؤم المعصية أنها تورث الذل، وتفسد العقل،و تورث الهم، وتضعف الجوارح، وتعمي‬
                                                             ‫البصيرة، وأعظم من ذلك كله تأثيرها على القلب.‬
  ‫كما في حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه عن النبي قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه‬
‫نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي‬
                                       ‫ن ي سب‬                ‫َ ْ ر ع قل ب ِ‬
                     ‫ذكر اهلل في القرآن))، كَال بل َانَ َلَى ُُو ِهمْ مَا كَا ُوا َكْ ِ ُونَ [المطففين:25].‬
      ‫وقال حذيفة رضي اهلل عنه: القلب هكذا مثل الكف فيذنب الذنب فينقبض منه ثم يذنب الذنب‬
                                           ‫ا‬
                                   ‫فينقبض منه حتى يختم عليه فيسمع الخير، فال يجد له مساغً(3)[3]).‬
‫وقال الحسن: الذنب على الذنب، ثم الذنب على الذنب حتى يغمر القلب فيموت(2)[2]). فإذا مات‬
                                                  ‫قلب اإلنسان لم ينتفع به صاحبه. قال عبد اهلل بن المبارك:‬
                                                  ‫رأيت الذنوب…تميت القلوب… وقد يورث …الذل إدمانها‬
                                                     ‫وترك الذنوب…حياة القلوب… وخير لنفسك…عصيانها‬
     ‫واألحسن من هذا قول اهلل عز وجل: أَ َلمْ َهدِ ِل ِي َ ي ُِونَ األرضَ ِنْ َعْدِ أَهِْ َا أَنْ لَوْ نَشَا ُ‬
     ‫ء‬                  ‫له‬          ‫َْ م ب‬          ‫وَ ي ْ لَّذ ن َرث‬
                                                    ‫ص ُ ِذن ب ِ و ع ع قل به ْ ه ْ ي مع‬
                                  ‫أَ َبْنَاهمْ ب ُ ُو ِهمْ َنَطْبَ ُ َلَى ُُو ِ ِم فَ ُم ال َسْ َ ُونَ [األعراف:005].‬
    ‫ً‬
 ‫قال عبد اهلل بن عباس رضي اهلل عنهما: إن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر، ووهنا في‬
                                                        ‫البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.‬
                                    ‫وقال سليمان التميمي: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته.‬
‫ومن خطورة المعاصي أنها تضعف الحفظ، وربما أذهبته، وتحرم صاحبها العلم، كما قال الشافعي‬
                                                                                                     ‫– رحمه اهلل -:‬
                                              ‫شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي‬
                                                        ‫وقال اعلم بأن العلم نور ونور اهلل ال يعطاه عاصي‬
 ‫اتقوا اهلل - عباد اهلل - وال تقترفوا الذنوب، وال تستهينوا بها، قالت عائشة رضي اهلل عنها: أقلوا‬
                                     ‫الذنوب، فإنكم لن تلقوا اهلل عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب.‬
                                                              ‫خل الذنوب صغيرها……وكبيرها…فهو التقى‬
                                                          ‫واصنع كماشٍ فوق أرض…الشوك يحذر ما يرى‬
                                                                  ‫ال تحقرن صغيرة… إن الجبال من الحصى‬
                       ‫قال بالل بن سعد: ال تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت.‬
                                     ‫وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة اهلل، ما عصوا اهلل عز وجل.‬
                                            ‫قال وهيب بن الورد: اتق أن يكون اهلل أهون الناظرين إليك.‬
                          ‫َز ء َي ة َي ة م ل‬
          ‫ومن خطورة السيئة وشؤمها فعل السيئة بعدها: وَج َا ُ س ِّئَ ٍ سِّئَ ٌ ِثُْهَا [الشورى:02].‬
                                                                 ‫قال أبو الحسن المزين: الذنب عقوبة الذنب.‬
                                                                                                    ‫وكما قال القائل:‬
                                                       ‫وكأس شربت على لذة… وأخرى تداويت…منها بها‬
‫وقد بين اهلل عز وجل أن سبب كفر بني إسرائيل وقتلهم األنبياء أنهم اقترفوا المعاصي قال اهلل عز‬
        ‫و ن‬         ‫َق ك بم ع‬               ‫الله وي تل الن ِي ن ب ْ‬                     ‫ل بَن ُ ن ي فر‬
      ‫وجل: ذَِكَ ِأَّهمْ كَاُوا َكْ ُ ُونَ بِآيَاتِ َّ ِ َ َقْ ُُونَ َّب ِّي َ ِغَيرِ الْح ِّ ذَلِ َ ِ َا َصَوْا َكَا ُوا‬
                                                                                                               ‫ي َد‬
                                                                                               ‫َعْت ُونَ [البقرة:56].‬
    ‫واعلموا – عباد اهلل – أن الذنب دين في ذمة فاعله ال بد من أدائه. قال أبو الدرداء رضي اهلل‬
                                                                              ‫عنه: البر ال يبلى واإلثم ال ينسى.‬
                          ‫قال الفضيل بن عياض: ما عملت ذنباً إال وجدته في خلق زوجتي ودابتي.‬
‫ونظر أحد العباد إلى صبي فتأمل محاسنه، فأتي في منامه وقيل له: لتجدن غبها بعد أربعين سنة.‬
    ‫وقال ابن سيرين حين ركبه الدين واغتم لذلك: إني ألعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين‬
                                    ‫سنة. وقال أحد السلف: نسيت القرآن بذنب عملته منذ أربعين سنة.‬
     ‫ومن أضرار الذنوب والمعاصي أنها تثخن صاحبها عن العبادة، كما قال رجل للحسن: يا أبا‬
 ‫سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي ال أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.‬
                                                                                   ‫ا‬
                                        ‫وقال الحسن أيضً: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.‬
                                               ‫وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.‬
‫وقال بعض السلف: كم من أكلة – يعني من حرام – منعت قيام ليلة، وكم من نظرة – يعني حرام‬
                                                                                           ‫– منعت قراءة سورة.‬
                                      ‫وقال أبو سليمان الداراني: ال تفوت أحد صالة الجماعة إال بذنب.‬
     ‫لذا فإن المؤمن العاقل يجتهد في البعد عن الذنوب، ويهجر أهل الذنوب والمعاصي، فإن شؤم‬
                                                                                                   ‫معصيتهم يبلغه.‬
     ‫ففي الصحيحين عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: قال رسول اهلل : ((يغزو جيش الكعبة، فإذا‬
‫كانوا ببيداء من األرض يخسف بأولهم وآخرهم، قال: قلت: يا رسول اهلل! يخسف بأولهم وآخرهم‬
     ‫وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم))(1)[1]).‬
 ‫ولما تزلزلت المدينة على عهد عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه قال: واهلل لئن عادت مرة أخرى‬
                                                                                                   ‫ال أساكنكم فيها.‬
           ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات، والذكر الحكيم.‬
   ‫أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو‬
                                                                                                    ‫الغفور الرحيم.‬


                                                                   ‫-------------------------‬
                                                                                                      ‫الخطبة الثانية‬
                                                    ‫الحمد هلل رب العالمين، وال عدوان إال على الظالمين.‬
                                                                                                             ‫أما بعد:‬
   ‫عباد اهلل: فكما أن الذنوب والمعاصي تمحق بركة العمر، وبركة الرزق والعلم، كذلك االستقامة‬
      ‫و َن ْ ُر ء من َات لفت‬
 ‫والتقوى تجلب البركة على العباد والبالد، كما قال تعالى: َلَوْ أ َّ أَهلَ الْق َى َا َ ُوا و َّقَوْا َ َ َحْنَا‬
                       ‫ن ي سب‬            ‫َ ه ب‬              ‫ع ِ َر ت م الس ء و َ ْض و ك َذب‬
  ‫َلَيْهمْ ب َكَا ٍ ِنَ َّمَا ِ َاألر ِ َلَ ِنْ ك َّ ُوا فَأَخذْنَا ُمْ ِمَا كَاُوا َكْ ِ ُونَ [األعراف:69] وقال‬
                                                     ‫ه م‬                   ‫َّر‬    ‫م عل‬                     ‫و‬
                                 ‫تعالى: َأَنْ لَوِ اسْتَقَا ُوا ََى الط ِيقَةِ ألسقَيْنَا ُمْ َاءً غدقاً [الجن:65].‬
 ‫قال الحسن: لو استقاموا على طاعة اهلل، وما أمروا به ألكثر اهلل لهم األموال حتى يغتنوا بها. ثم‬
‫يقول الحسن: واهلل إن كان أصحاب محمد لكذلك، كانوا سامعين هلل مطيعين له، فتحت عليهم كنوز‬
                                                                                         ‫كسرى وقيصر(6)[5]).‬
     ‫َف ر ُ س السم ع ك ِ ْر ر‬                         ‫فر َب ُ ِنه‬                 ‫قت‬
    ‫وقال نوح عليه السالم لقومه: فَ ُلْ ُ اسْتَغْ ِ ُوا رَّكمْ إ َّ ُ كَانَ غ َّا ًا يرْ ِلِ َّ َاءَ َلَيْ ُمْ مد َا ًا‬
                                        ‫وي ْ ِ ك ب و ل وبن ن و َ ُ َن وي َ ُ ه ر‬
                          ‫َ ُمددْ ُمْ ِأَمْ َا ٍ َ َ ِي َ َيَجْعلْ لَكمْ ج َّاتٍ َ َجْعلْ لَكمْ أَنْ َا ًا [نوح:05-75].‬
‫قال ابن عباس رضي اهلل عنهما: إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق،‬
                                                                                         ‫ومحبة في قلوب الخلق.‬
   ‫فاتقوا اهلل عباد اهلل، وتوبوا إلى اهلل يقول النبي : ((يا أيها الناس توبوا إلى اهلل واستغفروه، فإني‬
    ‫وت ب إل الل جم َيه‬
   ‫أتوب في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم(2)[7]). وقال اهلل عز وجل: َ ُو ُوا َِى َّهِ َ ِيعًا أ ُّ َا‬
                                                                        ‫َل ُ ت لح‬          ‫م من‬
  ‫الْ ُؤْ ِ ُونَ لَعَّكمْ ُفِْ ُونَ [النور:53]. وعلى العبد المؤمن أن يأخذ بأسباب المغفرة وأجلها التوبة‬
                                               ‫النصوح واالستغفار واالعتراف بالذنب والندم عليه.‬
‫يقول النبي : ((ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ، فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر‬
                                           ‫اهلل لذلك الذنب، إال غفر اهلل له)) رواه الخمسة(2)[3]).‬
          ‫ا‬                       ‫ً‬
 ‫وفي حديث أبي هريرة رضي اهلل عنه: ((أن رجالً أذنب ذنبا فقال: أي رب! أذنبت ذنبً. أو قال:‬
                   ‫ا‬                                                            ‫ال‬
    ‫عملت عم ً، فاغفر لي، فقال تبارك وتعالى: عبدي عمل ذنباً، فعلم أن له ربً يغفر الذنب. قد‬
                                                                ‫غفرت لعبدي))(9)[2]) متفق عليه.‬
     ‫وقال النبي : ((يا عائشةَ إن كنت ألممت بذنب، فاستغفري اهلل وتوبي، فإن العبد إذا أذنب ثم‬
                                         ‫استغفر اهلل غفر اهلل له)) رواه أحمد، وصححه ابن حبان.‬


                                                                                     ‫__________‬
      ‫(5) قال في الفتح الرباني (25/6607): خرجه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم،‬
                    ‫وصححه وأقره الذهبي. وقال البوصيري في الزوائد (3/227): إسناد حسن.‬
      ‫(7) قال البوصيري في الزوائد (3/627): رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح اإلسناد. قال‬
                                                           ‫البوصيري: هذا حديث صالح العمل به.‬
                                                                        ‫(3) الدر المنثور (2/622).‬
                                                                        ‫(2) الدر المنثور (2/222).‬
                                                         ‫(1) البخاري (2/227)، ومسلم (2227).‬
                                                                        ‫(6) الدر المنثور (2/103).‬
                                                     ‫(2) رواه مسلم (7027)، وأبو داود (1515).‬
     ‫(2) أحمد (5/05)، وأبو داود (5715)، والترمذي (903)، وابن ماجه (1935)، والنسائي،‬
                                                   ‫وصححه ابن حبان كما في الترغيب (7/967).‬
                                                        ‫(9) البخاري (35/393)، ومسلم (2127).‬

‫(5/156)‬




                                                                                                ‫الردة‬
                                                             ‫-----------------------‬
                                                                                              ‫التوحيد‬
                                                                            ‫نواقض اإلسالم‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                 ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
‫5- معنى الردة. 7- شمولية اإلسالم لمناحي الحياة. 3- الحذر من التكفير. 2- متى يكون المسلم‬
                                                                              ‫ا‬
 ‫مرتدً. 1- ذكر بعض نواقض اإلسالم. 6- أحكام المرتد. 2- أسباب االرتداد عن اإلسالم. 2-‬
                                                                    ‫موقف المسلم من الردة.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
     ‫ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا واآلخرة وأولئك‬
  ‫أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة:257]. العبد مخير بين اإلسالم والكفر ال إكراه في الدين،‬
 ‫فإذا أسلم وجب عليه االلتزام فإن رجع إلى الكفر فقد أبطل كل خير عمله في الدنيا ويوم القيامة.‬
    ‫فما الردة؟ ومتى يكون المسلم مرتدا؟ وما أحكام المرتد؟ وما أسبابها؟ وما موقف المسلم منها؟‬
                                               ‫الردة: لغة الرجوع في الطريق الذي جاء منه.‬
       ‫اصطالحا: رجوع المسلم البالغ العاقل عن اإلسالم إلى الكفر باختياره دون إكراه من أحد.‬
                                                                            ‫وينبغي أن تعلم:‬
‫أن اإلسالم عقيدة وشريعة: عقيدة تتضمن اإليمان باهلل والنبوات والبعث والجزاء، وشريعة تتضمن‬
     ‫العبادات واآلداب، والمعامالت، واألحوال الشخصية، والعقوبات الجنائية، والعالقات الدولية،‬
                ‫والمسلم هو الذي يعتقد شمولية اإلسالم للحياة ويعمل على تطبيق ذلك في واقعه.‬
      ‫ف‬
     ‫وينبغي الحذر من إطالق لفظ المرتد أو الكافر دون دراية أو معرفة حقة للحديث: ((إذا ك ّر‬
                                                    ‫الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما))(5)[5]).‬
‫كما أن الوساوس وخواطر السوء ال يؤاخذ عليها العبد إذا لم يعمل العبد بموجبها أو ينشرها بقصد‬
  ‫اإلفساد والتشكيك للحديث: ((إن اهلل عز وجل تجاوز ألمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو‬
                                                                         ‫تتكلم به))(7)[7]).‬
                                                              ‫وأما متي يكون المسلم مرتدا؟:‬
 ‫فال يعتبر المسلم مرتدا حتى يشرح صدره للكفر ويطمئن قلبه به، ويدخل فيه بالفعل لقوله تعالى:‬
                                                  ‫ولكن من شرح بالكفر صدرا [النحل:605].‬
                                                                              ‫من صور الردة:‬
    ‫5- الردة عن الدين: بأن يغير دينه فالردة مقصورة على المسلمين فالردة عن الدين بأن يترك‬
  ‫المسلم دين اإلسالم ويخرج عليه بعد اعتناقه، وذكر العلماء: أن اليهودي إذا انتقل إلى دين آخر‬
  ‫كالنصرانية ال يتعرض له ألنه انتقل من دين باطل إلى دين يماثله في البطالن بسبب التحريف،‬
     ‫والكفر ملة واحدة، ولكن االنتقال من اإلسالم إلى غيره من األديان فإنه انتقال من الهدى إلى‬
 ‫الضالل ومن دين الحق إلى دين الكفر قال تعالى: ومن يبتغ غير اإلسالم دينا فلن يقبل منه وهو‬
                                                    ‫في اآلخرة من الخاسرين [آل عمران: 12].‬
                                 ‫د‬
 ‫7- الردة باإلنكار لوجود اهلل تعالى: والشيوعية مذهب ه ّام أنشأها (كارل ماركس) سنة 2225م‬
 ‫وهو رجل يهودي واليهود من أحقد الناس على اإلسالم قال تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين‬
                                                       ‫آمنوا اليهود والذين أشركوا [المائدة:72].‬
                                                     ‫م‬
 ‫وللحديث: ((وما خال يهودي بمسلم إال ه ّ بقتله))(3)[3]). وأساس عقيدته هي اإللحاد فهو القائل:‬
 ‫(ال إله والحياة مادة) ويتساءل المالحدة إذا كان اهلل موجودا فلماذا ال نراه؟ علما أن قاعدة وصفها‬
  ‫العلماء فقالوا: ليس كل ما ال تدركه بحواسك ليس موجودا، فنحن ال نرى الكهرباء، وال جاذبية‬
‫األرض، وقبل قرن من الزمن لم نكن نعلم بوجود شيء اسمه الجراثيم والبكتريا حتى جاء المجهر‬
‫واستطعنا به أن نرى ما عجزت عيوننا عن رؤيته وصدق اهلل العظيم: فال أقسم بما تبصرون وما‬
       ‫ال تبصرون [الحاقة:23-23]، وقد أجمع العلماء أن الشيوعي كافر ومن اعتنق مبدأهم من‬
                                                               ‫المسلمين فهو مرتد عن اإلسالم.‬
 ‫3- الردة باإلنكار لمصدر من مصادر التشريع كالسنة النبوية المطهرة: والسنة ثالثة أنواع قولية‬
  ‫وفعلية وتقريرية (والتقريرية: ما صدر من أصحابه من أفعال وأقوال أقرها الرسول اهلل بسكوته‬
                                             ‫وعدم إنكاره) والقرآن هو المصدر األول للتشريع.‬
   ‫والسنة هي المصدر الثاني وأحكام السنة ال يمكن االستغناء عنها كما ادعى سفهاء زماننا جهال‬
                                                                                  ‫وغباء وردة.‬
 ‫فالسنة هي المفسرة والشارحة للقرآن مما جاء مجمال لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس‬
                                                                      ‫ما نزل إليهم [النحل:22].‬
‫فالسنة هي التي فصلت كيفية إقامة الصالة وأوقاتها وأركانها وسننها وما جاء في كتاب اهلل مجمل‬
‫كقوله تعالى: وأقيموا الصالة وكذا بالنسبة للزكاة في األنصبة والشروط ومصارف الزكاة تفصيال‬
‫لقوله: وآتوا الزكاة ثم إن السنة جاءت بأحكام سكت عنها القرآن كقول النبي في الذهب والحرير:‬
‫((هذان حرامان على رجال أمتي حالالن لنسائها))(2)[2]). ((ال تنكح المرأة على عمتها وال على‬
  ‫خالتها))(1)[1]). وقوله: ((يحرم الرضاع ما يحرم من النسب))(6)[6]). فمنكر السنة مرتد عن‬
                                                                                       ‫اإلسالم.‬
 ‫2- الردة بالسخرية واالستهزاء والسب هلل أو الرسول أو الدين: وكم رأينا وسمعنا وقرأنا أنواعا‬
   ‫من السخرية بالحجاب وأنه يعيق المرأة من العمل والتفكير، ومن يسخر بعذاب القبر ومالئكته‬
  ‫الكرام ومن يسخر باهلل والرسول واألصحاب في فكاهة بمجلة األطفال (أن خمسة دخلوا مطعما‬
   ‫ورفضوا دفع الحساب وقال: أحدهم أنا محمد وهذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فقال صاحب‬
  ‫المطعم: وأنا اهلل وسوف أعاقبكم). وآخر يتشفى بأن امرأة سوف تحكم ويجعل في هذا االنتصار‬
              ‫انتصار على الدين، ورسول اهلل يقول: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(2)[2]).‬
‫ويقف المسلم متحيرا في أمر هؤالء الجبناء الذين ال يصارحون األمة بكفرهم وردتهم فهم يلمزون‬
‫ويلدغون ويفسرون اإلسالم تفسيرا معوقا يدل على اعوجاج في القلوب والعقول معا، يصفون من‬
        ‫يتمسك بدينه ويغار عليه بالمتعصب الرجعي ويظنون في أنفسهم العقل والحكمة والدهاء.‬
‫إن كل من يسخر باإلسالم وأحكامه كافر مرتد عن اإلسالم قال تعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا‬
          ‫نخوض ونلعب قل أباهلل وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ال تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم‬
                                                                                   ‫[التوبة:66].‬
 ‫وأما أحكام المرتد فإن المرتد يستتاب، وتقدم له األدلة والبراهين التي تعيد اإليمان إلى القلب فإن‬
   ‫رجع وأقر بالشهادتين وبرئ من كل دين إال دين اإلسالم قبلت توبته وإال أقيم عليه الحد، ومن‬
                                                                ‫األحكام التي تترتب على الردة:‬
     ‫القتل: للحديث ((من بدل دينه فاقتلوه))، رواه البخاري ومسلم، يقول الشهيد عبد القادر عودة‬
    ‫صاحب كتاب التشريع الجنائي في اإلسالم: (وتعاقب الشريعة على الردة بالقتل ألنها تقع ضد‬
   ‫الدين واإلسالم وعليه يقوم النظام، وأكثر الدور االجتماعي للجماعة، فالتساهل في هذه الجريمة‬
‫يؤدي إلى زعزعة هذا النظام، وأكثر الدول تحمي نظامها بأشد العقوبات تفرضها على من يخرج‬
‫على هذا النظام أو يحاول هدمه أو إضعافه، وهي اإلعدام فالقوانين الوضعية تعاقب على اإلخالل‬
      ‫بالنظام االجتماعي بنفس العقوبة التي وضعتها الشريعة لحماية النظام االجتماعي اإلسالمي)‬
          ‫ويقول أيضا: (فالدولة الشيوعية تعاقب من رعاياها من يترك المذهب الشيوعي وينادي‬
        ‫بالديمقراطية، وكذا تحارب الدول الديمقراطية الشيوعية وتعتبرها جريمة وهكذا)(2)[2]).‬
    ‫إنهاء العالقة الزوجية: إذا ارتد الزوج أو الزوجة انقطعت عالقة كل منها باآلخر وهذه الفرقة‬
 ‫تعتبر فسخا فإذا تاب وعاد إلى اإلسالم كان ال بد من عقد ومهر جديدين، والمرتد عن اإلسالم ال‬
       ‫ينكح ألنه ليس بمسلم، وال يجوز لمسلمة أن ترضى بمرتد عن اإلسالم زوجا وحكمه حكم‬
                                                                          ‫اليهودي والنصراني.‬
  ‫والمرتد ال يرث أحدا من أقاربه المسلمين، ألن المرتد ال دين له، فإن قتل المرتد ولم يرجع إلى‬
         ‫اإلسالم، انتقل ماله هو إلى ورثته المسلمين للحديث: ((ال يرث الكافر المسلم))(9)[9]).‬
                                                                          ‫وأما أسباب االرتداد:‬
  ‫شكوك وشبهات: وأعداء اهلل تعالى لم يتركوا بابا للشك إال أثاروه فالمناهج والمبادئ والنظريات‬
        ‫واألفكار المدمرة التي لبست ثوب العلم فأغرت الكثير من أبناء اإلسالم على تصديقها، ثم‬
   ‫الشبهات حول ذات اهلل ووجوده وشريعة اإلسالم واتهامها بالرجعية والقصور، وأنها عقبة أمام‬
    ‫العلم واتهام الحدود الشرعية بالوحشية وظلم المرأة وغير ذلك كثير مما أوقع البلبلة في قلوب‬
                                                              ‫وعقول الكثير من أبناء اإلسالم.‬
‫الشهوة العارمة: والعبد إذا غلبته شهوته هان عليه دينه، ذكر ابن الجوزي رحمه اهلل في كتابه (ذم‬
   ‫الهوى) بابا سماه: باب في ذكر من كفر بسبب العشق وأورد هذه القصة: بلغني عن رجل كان‬
  ‫ببغداد، يقال له صالح المؤذن، أذن أربعين سنة، وكان يعرف بالصالح، فصعد يوما إلى المنارة‬
    ‫ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب،‬
 ‫فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه وطلبها زوجة له فقالت: ال‬
 ‫إال أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من اإلسالم ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت‬
      ‫هذه لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكل من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر،‬
‫فشرب، فلما دنا منها وقد سكر ولعبت الخمرة بعقله، قالت له: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي‬
  ‫زوجني منك وصعد مترنحا فسقط فمات فجاء أبوها وعرف القصة وأخرجه في الليل ورماه في‬
                     ‫قارعة الطريق ثم ظهر خبره فرمي في مزبلة(05)[05]). نسأل اهلل العافية.‬
‫وكذلك في واقعنا أن فتاة مسلمة في مدرسة أجنبية عشقت نصرانيا فسافرت معه وتزوجت وولدت‬
‫منه: فلما جاءها بعد ذلك من يخبرها أن المسلمة يحرم عليها أن تتزوج نصرانيا، قالت: أول مرة‬
                                                                         ‫في حياتي أسمع هذا.‬
                    ‫البيئة الفاسدة: وللبيئة أثرها في إفساد العبد في دينه فيكون اإلفساد من جهة:‬
        ‫أ- الوالدان: للحديث: ((ما من مولود إال ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو‬
                                                                        ‫يمجسانه))(55)[55]).‬
   ‫ب- المجتمع: قال تعالى في شأن بلقيس: وصدها ما كانت تعبد من دون اهلل إنها كانت من قوم‬
 ‫كافرين [النمل:32]. أي إنها كانت من قوم راسخين في الكفر فلم تكن قادرة على إظهار إسالمها‬
                                                               ‫وهي بين ظهرانيهم(75)[75]).‬
   ‫ج- رفقه السوء: وللرفقة أثرها البالغ في استقامة أو انحراف العبد للحديث: ((المرء على دين‬
   ‫خليله فلينظر أحدكم من يخالل))(35)[35]). ويقال: (قل لي من تصحب أقول لك من أنت) (إن‬
                                                                    ‫الطيور على أشكالها تقع).‬
‫د- االستعالء األثيم: جبلة بن األيهم ملك من ملوك الغساسنة أسلم زمن عمر ، جاء ألداء فريضة‬
   ‫الحج وكان يطوف حول البيت الحرام، فداس أعرابي خطأ على إزاره فسقط فلطمه جبلة فهشم‬
                             ‫ي‬
 ‫أنفه، فشكى األعرابي أمره إلى الخليفة عمر ، فطلب جبلة، وخ ّر األعرابي بين القصاص والدية‬
‫فأبى األعرابي إال القصاص، فقال له عمر: يا جبلة مكن األعرابي منك ليقتص، فقال جبلة: أتمكنه‬
‫مني وما هو إال من سوقة الناس وعامتهم فقال عمر: دعك من هذا فقد سوى اإلسالم بينكما، فقال‬
                       ‫ص‬
                     ‫جبلة: إذن أمهلني إلى غد، فلما كان الليل هرب ولحق بملك الروم وتن ّر.‬
                                                                  ‫وأما موقف المسلم من الردة:‬
‫عدم االنسياق وراء وسواس وشكوك وليكن صاحب اعتقاد جازم بأنه على الحق وماذا بعد الحق‬
‫إال الضالل فال يتحدث به على سبيل اإلشاعة لهذا الشك للحديث: ((جاء أناس من أصحاب النبي‬
‫فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به! قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم قال:‬
                     ‫ذلك صريح اإليمان))(25)[25]). أي استعظام الكالم به فضال عن اعتقاده.‬
‫أن نتعرف على إسالمنا بشكل أكثر جدية وعمق، فكل منا جندي في موقعه من جند اهلل وعليه أن‬
  ‫يكون مزودا بالحجة والدليل على صدق ما يحمله وإمكانية الرد على أعداء اهلل وشكوكهم وهذا‬
     ‫يفرض علينا أن تكون لنا صلة بالكتاب اإلسالمي الموثق وكذا سؤال أصحاب العلم والخبرة‬
                        ‫والتجربة قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر أن كنتم ال تعلمون [النحل:32].‬
    ‫أال نذل لشهواتنا ذال يخرجنا عن إسالمنا، ويا خيبة الغبي الذي يبيع دينه وآخرته ألجل نزوة‬
     ‫حيوانية تذهب لذتها وتبقى تبعتها وسواد وجه صاحبها في الدنيا واآلخرة وليكن لنا في ديننا‬
      ‫عاصم وفي يوسف عليه السالم قدوة قال تعالى حكاية عنه: قال رب السجن أحب إلي مما‬
           ‫يدعونني إليه وإال تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين [يوسف:33].‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد .‬
                                                                               ‫__________‬
                                                                              ‫(5) رواه مسلم .‬
                                                                              ‫(7) رواه مسلم .‬
                                                                      ‫(3) الحفاظ ابن مردويه.‬
                                                                        ‫(2) أحمد وابن ماجة .‬
                                                                                   ‫(1) مسلم .‬
                                                                                ‫(6) البخاري .‬
                                                                ‫(2) أحمد والبخاري والنسائي .‬
                                                       ‫(2) التشريع الجنائي مجلد 5 ص 631.‬
                                                                           ‫(9) رواه األربعة .‬
                                                               ‫(05) 05])ذم الهوى ص 223.‬
                                                                  ‫(55) 55])البخاري ومسلم .‬
                                                            ‫(75) 75])األلوسي ج95 ص207.‬
                                                           ‫(35) 35])أبو داود بإسناد حسن .‬
                                                                          ‫(25) 25])مسلم .‬

‫(5/656)‬




                                                                                     ‫الموت‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                   ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                             ‫الموت والحشر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                 ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- ما هو الموت. 7- صفة الموت. 3- لماذا كان الموت مصيبة. 2- سنن االحتضار. 1-‬
                                                                           ‫االستعداد للموت.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
  ‫يقول اهلل تعالى: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه مالقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة‬
                                                         ‫فينبئكم بما كنتم تعملون [الجمعة:2].‬
    ‫سبحان من قصم ظهور عباده بالموت، وجدير بمن كان الموت مصرعه، والتراب مضجعه،‬
                            ‫والدود أنيسه، والجنة أو النار مآله، أن ال يشغله عن الموت شاغل.‬
‫فما الموت؟ وما صفته؟ وهل الموت مصيبة؟ وما هي سنن االحتضار؟ وكيف يكون االستعداد له؟‬
                                                            ‫أما الموت: لغة: فهو ضد الحياة.‬
 ‫وأما اصطالحا: هو عبارة عن خروج الروح من الجسد، وقيل هو سلب وكشف؛ أما أنه (سلب)‬
    ‫فألن العبد يسلب من محبوباته من بين أهله وماله وولده وجاهه ومنصبه لحديث جبريل عليه‬
             ‫السالم: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فإنك مفارقه))(5)[5]).‬
   ‫وأما أنه (كشف): فألن العبد إذا مات انكشف له ما كان خافيا عليه قبل موته، فالناس نيام فإذا‬
    ‫ماتوا استيقظوا قال تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد‬
                                                                           ‫[ق:77]. أي قوي.‬
                                                                             ‫وينبغي أن تعلم:‬
  ‫أن الموت نهاية كل حي قال تعالى: كل شيء هالك إال وجهه [القصص:22]. كل من عليها فان‬
   ‫ويبقى وجه ربك ذو الجالل واإلكرام [الرحمن :67]. كل نفس ذائقة الموت [آل عمران:125].‬
                                                                        ‫فال منجى وال مهرب.‬
‫وهو الداء الذي ال شفاء منه قال تعالى: كال إذا بلغت التراقي بلغت الروح عظام الترقوة وقيل من‬
‫راق من يرقيه ومن يشفيه وظن أنه الفراق وأيقن أنه ال طيب ينفع وال عالج يدفع. (والتفت الساق‬
           ‫بالساق) أي شدت إحدى قدميه باألخرى وقد كان عليها جواال: إلى ربك يومئذ المساق‬
                                                                           ‫[القيامة:67-03].‬
                                             ‫وإذا المنية نشبت أظفارها ألفيت كل تميمة ال تنفع‬
 ‫وقد تحدى رب العزة سبحانه أن يرد أحد الروح بعد خروجها: فلوال إذ بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ‬
    ‫تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن ال تبصرون، فوال إن كنتم غير مدينين أي غير مغلوبين‬
                                      ‫مقهورين: ترجعونها إن كنتم صادقين [الواقعة:32-62].‬
  ‫ينبغي أن تعلم أخيرا، أن تمني الموت حرام، دخل النبي عليه الصالة والسالم على عمه العباس‬
  ‫وقد نزل به مرض وهو يتمنى الموت، فقال عليه الصالة والسالم: ((يا عباس، يا عم رسول اهلل‬
              ‫عليه الصالة والسالم ال تتمنى الموت، فإن تك محسنا تزداد إحسانا، وإن تك مسيئا‬
 ‫تستعتب))(7)[7])، أي تستغفر من ذنبك وترجع عنه، إذا بلغ األمر مداه، فال بأس أن يدعو العبد‬
‫بدعاء النبي عليه الصالة والسالم: ((اللهم أحيني إن كانت الحياة خير لي، وتوفني إن كانت الوفاة‬
   ‫خير لي))(3)[3])، فيرد األمر كله إلى اهلل عز وجل، واالنتحار حرام، لقول النبي عليه الصالة‬
   ‫س‬
  ‫والسالم: ((من تردى من جبل فهو يتردى منه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تح ّى‬
 ‫سماً فسمه بيده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن توجأ بحديدة بيده، فهو يتوجأ بها‬
                                                 ‫في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا))(2)[2]).‬
                                                                           ‫وأما صفة الموت؟‬
                                         ‫فإن في الموت ألم، وفيه ضعف وفيه فتنة وفيه رؤية:‬
‫أ- أما أنه ألم، فلقد وصف بعض السلف ألم الموت عند احتضاره، بأنه يعدل ألف ضربة بالسيف،‬
  ‫ووصفه بعضهم كأنه في جب من نار، سأل عمر بن الخطاب كعبا عن الموت فقال له كعب: يا‬
 ‫أمير المؤمنين كغصن كثيرة أشواكه، أدخلت في جوف رجل فأصاب كل شوكة كل عرق فيه، ثم‬
 ‫نزعت منه مرة واحدة، أبقى منه ما أبقى وأخذ منه ما أخذ. ((إن رسول اهلل عليه الصالة والسالم‬
   ‫عند احتضاره، وكان أمامه قدح ماء، فكان يأخذ منه ويضع على جبينه الشريف، ويقول: اللهم‬
                                      ‫هون علي سكرات الموت، إن للموت سكرات))(1)[1]).‬
‫ب- من صفة الموت أن في الموت ضعف يصيب العبد بسبب األلم، العقل يتشوش، اللسان ينعقد،‬
‫العينان تجحظان، الشفتان تتقلصان، األطراف تضعف، يريد العبد أن ينفس عن نفسه بالصراخ فال‬
 ‫يستطيع لضعفه، ذكر ألحدهم عند احتضاره قيل له: كيف تجد نفسك؟ قال: أجد أن السماء أطبقت‬
‫على األرض، وكأني أتنفس من ثقب إبرة. هذا الهواء الذي مأل الوجود، قل نصيب العبد منه فإنما‬
                                                               ‫د‬
 ‫هي أنفاس معدودة: إنما نع ّ لهم عدا [مريم :22]. أي نحسب لهم أنفاسهم حسابا دقيقا، فلن تموت‬
                                                                ‫نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.‬
     ‫ج- وفي الموت فتنة: قول النبي عليه الصالة والسالم: ((إن الشيطان يأتي أحدكم قبل موته،‬
    ‫فيقول له: مت يهوديا مت نصرانيا))(6)[6]). أبو جعفر القرطبي عندما حضرته الوفاة قال له‬
‫رواده: قل ال إله إال اهلل، فقال: ال، قيل له: قل ال إله إال اهلل، قال: ال، فلما أفاق وعرف بالذي كان‬
     ‫يقوله، قال: لست إياكم أعني، أتاني شيطان عن يميني يقول لي: مت يهوديا فإنه خير األديان‬
 ‫فكنت أقول له: ال، ثم أتاني آخر عن شمالي يقول لي: مت نصرانيا فإنه خير األديان فكنت أقول‬
                                                      ‫له: ال .كما جاء في كتاب التذكرة للقرطبي.‬
‫د- وفي الموت رؤية: فلن تخرج روح العبد حتى يرى مصيره إلى الجنة أو إلى نار، لقول النبي‬
  ‫عليه الصالة والسالم: ((لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره وحتى يرى مقعده من‬
                                                                         ‫الجنة أو النار))(2)[2]).‬
                                                                         ‫وأما هل الموت مصيبة؟‬
                ‫فلقد سمى رب العزة الموت مصيبة فقال: فأصابتكم مصيبة الموت [المائدة:605].‬
‫أ- الموت مصيبة: ألن العبد إذا مات، أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الحساب، فاليوم عمل‬
‫وال حساب وغدا حساب وال عمل، يتمنى المرء أن يسبح هلل تسبيحا، أن يسجد هلل سجدة، أن يذكر‬
     ‫اهلل لحظة واحدة، حتى يزحزح به عن النار: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز [آل‬
    ‫عمران:625]، أحد السلف صلى ركعتين خفيفتين لم يرض عنهما، بجوار قبر، أخذته سنة من‬
    ‫النوم، رأى صاحب القبر يقول له في المنا:م يا هذا، صليت ركعتين خفيفتين لم ترض عنهما،‬
                                                              ‫إنهما ألحب إلينا من الدنيا وما فيها.‬
  ‫ب- الموت مصيبة ألن العبد إذا مات، انصرف كل شيء عنه إال عمله الصالح: ((إذا مات ابن‬
         ‫آدم تبعه ثالث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى‬
                                                                                  ‫عمله))(2)[2]).‬
                     ‫ج- الموت مصيبة ألن العبد إذا مات خرج كل شيء تحت ملكيته إلى غيره.‬
                                  ‫وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن‬
 ‫دخل علي بن أبي طالب المقبرة فقال: يا أهل القبور ما الخبر عندكم؟ إن الخبر عندنا أن أموالكم‬
                                                                                ‫س‬
‫قد ق ّمت، وأن بيوتكم قد سكنت، وأن زوجاتكم قد زوجت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟‬
     ‫ثم بكى ثم قال: واهلل لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى، كان عبد‬
                                                                        ‫خ‬
‫الرحمن بن يزيد ِالً لبعد الملك بن مروان الخليفة، فلما مات عبد الملك وتصدع الناس عن قبره،‬
    ‫وقف عبد الرحمن بن يزيد على قبر عبد الملك وقال: أنت أمير المؤمنين، أنت عبد الملك بن‬
  ‫مروان، لقد أصبحت ال تملك من ثيابك إال ثوبين وال من أراضيك وأطيانك إال أربعة أذرع في‬
     ‫ذراعين ثم انقلب إلى أهله واجتهد في العبادة، وترك صحبة الملوك، إلى صحبة ملك الملوك‬
                                                                                    ‫سبحانه.‬
                                              ‫س‬
‫د- الموت مصيبة ألن العبد إذا مات تح ّر على كل صلة شغلته عن اهلل عز وجل، من كان نعال‬
    ‫للطغاة يأتمر بأمرهم وينتهك الحرمات ألجلهم: وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا‬
     ‫السبيال ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا [األحزاب:26]. من كانت له صحبة‬
 ‫شغلته عن اهلل عز وجل: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيال يا‬
‫ويلتى ليتني لم اتخذ فالنا خليال لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان لإلنسان خذوال‬
                                                       ‫د‬
 ‫[الفرقان:27-97]. فيندم العبد أن ق ّم الزوجة والولد على اهلل عز وجل: يوم يفر المرء من أخيه‬
    ‫وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس:23-23]. يقول عكرمة:‬
    ‫((يلقى الرجل زوجته يقول لها: أي زوج كنت لك؟ تقول: نعم الزوج، فيقول لها: فإني أسألك‬
‫اليوم حسنة واحدة أنجو بها مما أنا فيه، فتقول: ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مما تتخوف منه،‬
 ‫يلقى الرجل ولده يقول له: أي والد كنت لك؟ فيقول: نعم الوالد فيقول له: فإني أسألك اليوم حسنة‬
          ‫واحدة أنجو بها مما أنا فيه فيقول: ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مما تتخوف منه)).‬
‫هـ- الموت مصيبة ألن الموت يأتي على غير وقت معلوم حتى يستعد العبد له: إن اهلل عنده علم‬
  ‫الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في األرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي‬
                                                                   ‫أرض تموت [لقمان:23].‬
                                         ‫مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها‬
                                       ‫و من كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها‬
     ‫و- الموت مصيبة ألن الموت فيه فراق للحبيب الوفي، فيه فراق من ألفته النفس وسكن إليه‬
                                                           ‫ز‬             ‫ز‬
                                               ‫القلب، في وقت ع ّ فيه الحب وع ّ فيه الوفاء.‬
                                       ‫ذهب الذين يعاش في أكفانهم وبقي الذين بقاؤهم ال ينفع‬
  ‫ويقول أحد السلف كان الناس ورق ال شوك فيه، فأصبحوا شوكا ال ورق فيه، فعندما تظفر بمن‬
  ‫تطمئن إليه ففراقه تكون فيه الحسرة بعد ذلك، وال يكون الموت مصيبة للمجاهد، فالشهادة أمنية‬
      ‫يتمناها العبد، وصاحب "الضالل" شهيد القرآن سيق إلى المشنقة وكان يقرأ قول اهلل تعالى:‬
 ‫وعجلت إليك رب لترضى [طه:22]. المحب يحب الموت ألنه السبيل للقاء الحبيب سبحانه. سأل‬
      ‫أحد السلف أحد الزهاد قال له: أتحب الموت؟ فكأنه توقف فقال له: لو صدقت اهلل في حبك‬
‫ألحببت الموت ألن اهلل تعالى تحدى اليهود عندما ادعت محبة اهلل وواليته فقال لهم: فتمنوا الموت‬
                                                               ‫إن كنتم صادقين [البقرة :19].‬
 ‫ثم الصبور الذي تحمل لسعات الدنيا وأذاها يستريح لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((مستريح‬
‫ومستراح منه، قيل: يا رسول اهلل ما مستريح ومستراح منه؟ قال: أما المؤمن فيستريح من نصب‬
                  ‫الدنيا وعنتها، إلى رحمة اهلل عز وجل، وأما الكافر فيستريح منه العباد والشجر‬
                                                                              ‫والدواب))(9)[9]).‬
                                                                            ‫وأما سنن االحتضار:‬
  ‫فأولها تلقين المحتضر (ال إله إال اهلل) لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((لقنوا موتاكم ال إله إال‬
 ‫اهلل))(05)[05]). فمن استطاع أن ينطق بها فهو دليل حسن حال في اآلخرة، لقول النبي : ((من‬
                                           ‫كان آخر كالمه ال إله إال اهلل دخل الجنة))(55)[55]).‬
‫اإلمام القرطبي يقول: والعبد ينشغل باحتضاره بما كان منشغال به في الدنيا، فإن كان الغالب عليه‬
    ‫ذكر اهلل عز وجل كان كذلك عند احتضاره، وإن كان ما سواه كان ما سواه والعياذ باهلل، ذكر‬
‫ألحد التجار عند احتضاره قيل له: يا فالن قل ال إله إال اهلل، قال: الدار الفالنية أصلحوا سقفها، يا‬
 ‫فالن قل ال إله إال اهلل قال: افتحوا في البستان ترعة. وقيل آلخر من أهل اللهو: قل ال إله إال اهلل‬
  ‫فقال: اشرب واسقني. يثبت اهلل الذين آمنوا بالقول الثابت أي: ال إله إال اهلل، في الحياة الدنيا أي‬
    ‫عند االحتضار وفي اآلخرة أي عند السؤال في القبر: ويضل اهلل الظالمين ويفعل اهلل ما يشاء‬
                                                                                    ‫[إبراهيم:27].‬
                                                 ‫ومن سنن االحتضار أيضا تغميض عيني الميت.‬
  ‫دخل النبي عليه الصالة والسالم على أبي سلمة وقد شق بصره (أي ارتفع) فأغمض النبي عليه‬
          ‫الصالة والسالم عيني أبي سلمة وقال عليه الصالة والسالم: ((إن الروح إذا قبض تبعه‬
  ‫البصر))(75)[75]).وأن يتوسد جنبه األيمن وأن يستقبل القبلة بقدمه كذا فعلت فاطمة رضي اهلل‬
    ‫عنها عند ما حضرتها الوفاة، استقبلت القبلة بقدميها وتوسدت بجنبها األيمن(35)[35])، وهي‬
              ‫الصورة التي من السنة أن تنام عليها وأن تحتضر عليه، وأن تدفن عليها في قبرك.‬
  ‫ومن سنن االحتضار إبراء الذمة، من حق هلل أو حق للعباد، من حق هلل عز وجل كالحج، سألت‬
  ‫امرأة، رسول اهلل : إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال عليه الصالة والسالم: ((نعم حجي‬
                                                       ‫د‬
  ‫عنه))(25)[25])، ثم حق للعباد، كال ّين مثال، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((نفس المؤمن‬
                                         ‫معلقة بديْنه))(15)[15]) أي محبوسة عن مقامها الكريم.‬
                                                            ‫وأما كيف يكون استعداد العبد للموت؟‬
  ‫فالبد أوال أن تدرك قصر الدنيا: لم يلبثوا إال عيشة أوضحاها [النازعات:62]. من السنة إذا ولد‬
                         ‫المولود أن يؤذن في أذنه اليمنى وإذا مات أن يصلى عليه، قال الشاعر:‬
                                          ‫أذان المرء حين الطفل يأتي وتأخير الصالة إلى الممات‬
                                                  ‫دليل أن محياه يسير كما بين اآلذان إلى الصالة‬
                                             ‫أي ولد فأذن ومات فأقيمت الصالة وحياته ما بينهما.‬
 ‫وأخيرا البد من اغتنام األوقات قبل رحيلها، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((اغتنم خمسا قبل‬
‫خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك‬
  ‫قبل موتك))(65)[65])، أو كما قال عليه الصالة والسالم، ثم أن تنشغل بعيبك، لقول النبي عليه‬
 ‫الصالة والسالم: ((أمسك عليك لسانك وليسعك وبيتك وابك على خطيئتك))(25)[25])، ثم األخذ‬
             ‫بالعزائم، فسلعة اهلل غالية، يقول عليه الصالة والسالم: ((أعمار أمتي ما بين الستين‬
   ‫والسبعين))(25)[25])، ويقول رب العزة عن الجنة: خالدين فيها أبدا ، فما قيمة المحدود أمام‬
          ‫الالمحدود، ثم إن عليك أن تدرك أن كل لذة مرت عليك، سوف ينتهي أمرها بعد ذلك.‬
                                       ‫واهلل لو عاش الفتى في دهره ألفا من األعوام مالك أمره‬
                                              ‫متنعما فيها بكل نفسية أبدا و ال ترد الهموم بباله‬
                                           ‫ما كان هذا كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد .‬
                                                                              ‫__________‬
                                                           ‫(5) الطبراني في األوسط والحاكم.‬
                                                                          ‫(7) رواه البخاري.‬
                                                                   ‫(3) رواه البخاري ومسلم.‬
                                                                   ‫(2) رواه البخاري ومسلم.‬
                                                                   ‫(1) رواه البخاري ومسلم.‬
                                                                      ‫(6) الترمذي والنسائي.‬
                                                                           ‫(2) ابن أبي الدنيا.‬
                                                                              ‫(2) متفق عليه.‬
                                                                              ‫(9) رواه مسلم.‬
                                                                       ‫(05) 05])رواه مسلم.‬
                                         ‫(55) 55])رواه أبو داود الحاكم وقال صحيح اإلسناد.‬
                                                                       ‫(75) 75])رواه مسلم.‬
                                                      ‫(35) 35])فقه السنة مجلد 5 ص 722.‬
                                                                         ‫(25) 25])البخاري.‬
                                                                  ‫(15) 15])أحمد والترمذي.‬
                                                            ‫(65) 65])ابن الدنيا بإسناد حسن.‬
                                                                    ‫(25) 25])رواه الترمذي.‬
                                                                    ‫(25) 25])رواه الترمذي.‬

‫(5/256)‬




                                                                                  ‫عذاب القبر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                               ‫الموت والحشر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                   ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                      ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- القبر أول منازل اآلخرة. 7- مشروعية زيارة القبور. 3- ماذا يكون في القبر. 2- عذاب‬
  ‫القبر في الكتاب والسنة. 1- أسباب عذاب القبر. 6- أسباب النجاة من عذاب القبر. 2- موقف‬
                                                                       ‫المسلم من عذاب القبر.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
 ‫قال تعالى: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كال إنها‬
                        ‫كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون [المؤمنون:99-005].‬
     ‫هذه قولة الكافر عند االحتضار ثم ما يقوله في قبره في لهفة أن يرجع إلى الدنيا حتى يعمل‬
‫صالحا، يقول قتادة رحمه اهلل: إن الكافر لن يطلب أن يعود إلى مال أو أهل أو ولد إنما يتمنى أن‬
   ‫يرجع إلى الدنيا حتى يعمل صالحا، فرحم اهلل امرأ عمل فيما يتمناه الكافر عندما يرى العذاب،‬
                       ‫ي‬               ‫ي‬
           ‫والبرزخ الحاجز بين الدنيا واآلخرة، وهي القبور حيث ُنعم المؤمنون و ُعذب الكافرون‬
                                                                                  ‫والعاصون.‬
                         ‫فما القبر؟ وما صفته؟ وهل للقبر عذاب؟ وما أسبابه؟ وكيف النجاة منه؟‬
          ‫القبر: أول منازل اآلخرة، يكرم فيه المؤمن تهيئة لما ينتظره في الجنة ويعذب فيه الكافر‬
                                                         ‫والعاصي تهيئة لما ينتظره في جهنم.‬
                                                                              ‫وينبغي أن تعلم:‬
     ‫أن الموت كأس وكل الناس شاربه قال تعالى: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجالل‬
 ‫واإلكرام [الرحمن :67-27]. كل نفس ذائقة الموت [آل عمران:125]. كل شيء هالك إال وجهه‬
                                                        ‫[القصص:22]. فال منجى وال مهرب.‬
        ‫إن زيارة القبور مستحبة لقوله : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم‬
                                                                             ‫اآلخرة))(5)[5]).‬
‫لما فيها من التذكر واالعتبار وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته فسئل‬
  ‫عن ذلك وقيل له: تذكر الجنة والنار فال تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر؟ فقال: سمعت رسول‬
  ‫اهلل يقول: ((إن القبر أول منازل اآلخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما‬
                                                                            ‫بعد أشد))(7)[7]).‬
        ‫يقول ابن القيم رحمه اهلل: كان النبي إذا زار القبور يزورها للدعاء ألهلها والترحم عليهم‬
 ‫واالستغفار لهم ومر يوما بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: ((السالم عليكم يا أهل القبور،‬
                                           ‫يغفر اهلل لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن باألثر))(3)[3]).‬
     ‫كان الربيع بن خثيم قد حفر في داره قبر فكان إذا وجد في قلبه قسوة دخل فيه فاضطجع ثم‬
     ‫يصرخ (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت) ثم يرد على نفسه: يا ربيع قد رجعت‬
     ‫فاعمل، ووقفة على القبور تريك األعمار المتفاوتة، ومآلك إلى هذه الحفرة الضيقة، فناء هذه‬
                                 ‫األبدان التي أوليتها اهتمامك، تركك وحيدا فال زوجة وال ولد.‬
                                                              ‫وأما صفة القبر: فاعلم أن للقبر:‬
    ‫أ- كالم: للحديث: ((إن الميت يقعد وهو يسمع خطو مشيعيه فال يكلمه شيء إال قبره ويقول:‬
      ‫ويحك ابن آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي ونتني ودودي فماذا أعددت لي؟))(2)[2]).‬
‫ب- ضمة: للحديث: ((للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ)) وفي رواية: ((هذا‬
‫الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهد له سبعون ألفا من المالئكة لقد ضم ضمة‬
                                                                        ‫ثم فرج عنه))(1)[1]).‬
   ‫ج- فتنة: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسئل بعد موته قبر أم لم يقبر فلو أكلته‬
‫السباع أو صار رمادا لسئل عن أعماله وجزي بالخير خيرا وبالشر شرا: للحديث: ((إن الميت إذا‬
    ‫وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقوالن له: ما‬
‫كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اهلل ورسوله قال: فيقول: انظر‬
‫إلى مقعدك من النار قد أبدلك اهلل به مقعدا من الجنة، وأما الكافر والمنافق فيقوالن: ما كنت تقول‬
      ‫في هذا الرجل؟ فيقول: ال أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقوالن: ال دريت وال تليت ثم‬
    ‫يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين))(6)[6]).‬
                               ‫وأما هل للقبر عذاب؟: فإن عذاب القبر ثابت في الكتاب والسنة.‬
                                                                                   ‫من الكتاب‬
 ‫5- قال تعالى: ولنذيقنهم من العذاب األدنى دون العذاب األكبر لعلهم يرجعون [السجدة:57]. قال‬
   ‫ابن عباس: جزء منه في الدنيا والنصيب األكبر منه في القبر والعذاب األكبر هو عذاب جهنم،‬
                                                            ‫قال مجاهد: يعني به عذاب القبر.‬
    ‫7- قوله تعالى: وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم‬
                                        ‫الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر:12-62].‬
‫قال ابن كثير: وهذه اآلية أصل كبير في استدالل أهل السنة على عذاب البرزخ في القبر(2)[2]).‬
     ‫حيث أثبت سبحانه آلل فرعون عذابا في الليل والنهار ويوم تقوم الساعة ينتقلون إلى العذاب‬
                                                                            ‫األكبر في جهنم.‬
   ‫قوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والمالئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم‬
        ‫اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اهلل غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون‬
  ‫[األنعام:39]. فاألمر ال يتأخر إلى انقضاء الدنيا فهم يعذبون قبل قيام الساعة الكبرى وهو عذاب‬
                                                                                       ‫القبر.‬
                                                                           ‫ب- ومن الحديث:‬
                  ‫حديث: ((القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار))(2)[2]).‬
  ‫((لوال أن ال تدافنوا لدعوت اهلل أن يريكم عذاب القبر فقالت أم بشر: وهل للقبر عذاب؟ فقال: :‬
                                                   ‫إنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم))(9)[9]).‬
‫ومن دعائه وبعد التشهد األخير: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة‬
                                         ‫المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال))(05)[05]).‬
                                                                   ‫ما هي أسباب عذاب القبر:‬
   ‫5- التهاون في الطهارة وسوء الخلق: للحديث: ((إن النبي مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان،‬
                   ‫وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان ال يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي‬
                                                                        ‫بالنميمة))(55)[55]).‬
 ‫النميمة نقل الكالم لإلفساد بين الناس والتنزه هو االستبراء والتطهر للحديث: ((تنزهوا من البول‬
                                                      ‫فإن عامة عذاب القبر منه))(75)[75]).‬
‫7- التهاون في الوضوء وتركه نصرة أخيه المظلوم للحديث: ((أمر بعبد من عبيد اهلل أن يجلد في‬
  ‫قبره مائة جلدة فما زال يسأل اهلل عز وجل حتى صارت جلده فلما ضرب اشتعل عليه قبره نارا‬
‫فلما أفاق قال: عالم جلدتموني؟، فقيل له: إنك صليت صالة من غير طهور ومررت على مظلوم‬
                                                                     ‫فلم تنصره))(35)[35]).‬
  ‫وأمة اإلسالم واقعة في هذا اإلثم فكم من مستصرخ أو مستنجد تستباح أرضهم وأعراضهم وأمة‬
                                                      ‫اإلسالم الهية سادرة في عبثها ولهوها.‬
‫3- أو جريمة كالسرقة: كان رجل يقال له كركرة على متاع رسوله فمات فقال النبي : ((هو في‬
             ‫النار وإن الشملة تشتعل عليه نارا في قبره)) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد‬
   ‫غلها))(25)[25]). والغلول: السرقة من الغنيمة. والشملة: هي الكساء من الصوف يتغطى به.‬
‫يقول ابن القيم رحمه اهلل: فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين واألذن واللسان والبطن والفرج‬
   ‫واليد والرجل، ولما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين والفائز منهم قليل‬
                                           ‫فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات(15)[15]).‬
                                                           ‫وأما أسباب النجاة من عذاب القبر:‬
  ‫5- أعظم أسباب النجاة من عذاب القبر هي الشهادة في سبيل اهلل فنسأل اهلل أن يبلغنا إياها بمنه‬
                                                                               ‫وكرمه أمين.‬
  ‫سئل رسول اهلل : ((ما بال الشهداء ال يفتنون في قبورهم؟ فقال: كفى ببارقة السيف على رأسه‬
  ‫فتنة))(65)[65]).ويقول: ((إن للشهيد عند اهلل سبع خصال: أن يغفر له من أول دفعة من دمه،‬
                                                             ‫ل‬
   ‫ويرى مقعده من الجنة، ويحّى حلة اإليمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع األكبر،‬
    ‫ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا و ما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين‬
                       ‫زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه))(25)[25]).‬
  ‫7- المداومة على قراءة سورة تبارك للحديث: ((إن في القرآن سورة ثالثون آية شفعت لرجل‬
                                                                  ‫حتى غفر له))(25)[25]).‬
  ‫3- األعمال الصالحة الخالصة: للحديث: ((إن الميت إذا وضع في قبره، إنه يسمع خفق نعالهم‬
 ‫حين يولوا مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصالة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة‬
 ‫عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصالة والمعروف واإلحسان إلى الناس عند رجليه‬
    ‫فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصالة: ما قبلي مدخل ثم يؤتي عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي‬
      ‫مدخل، ثم يؤتي عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل ثم يؤتي من قبل رجليه فيقول فعل‬
                       ‫الخيرات من الصدقة والمعروف واإلحسان: ما قبلي مدخل))(95)[95]).‬
    ‫2- أن يموت يوم الجمعة أو ليلتها: للحديث: ((من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من‬
                               ‫عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء))(07)[07]).‬
‫1- المرابط في سبيل اهلل: للحديث: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى‬
                       ‫عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان))(57)[57]).‬
  ‫6- أن يحاسب العبد نفسه ويجدد توبته قبل النوم، يقول ابن القيم رحمه اهلل: ومن أنفع األسباب‬
   ‫المنجية من عذاب القبر أن يجلس الرجل عندما يريد النوم هلل ساعة يحاسب نفسه فيها على ما‬
 ‫خسره وربحه في يومه ثم يجدد له توبة نصوحا، ويفعل هذا كل ليلة فإن مات من ليلته تلك مات‬
 ‫على توبة وإن استيقظ استيقظ مستقبال للعمل مسرورا بتأخر أجله حتى يستقبل ربه ويستدرك ما‬
                                                                             ‫فاته(77)[77]).‬
                                            ‫وال سيما إذا أعقب ذلك استعمال السنن عند النوم.‬
‫2- الدعاء للميت واالستغفار والصدقة عنه ووفاء ديونه وقضاء ما قصر فيه من حج فإنه له نفع‬
    ‫لألحاديث: ((كان النبي إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا ألخيكم واسألوا له‬
                                                         ‫التثبيت فإنه اآلن يسأل))(37)[37]).‬
‫أن رجال أتى النبي فقال: ((يا رسول اهلل إن أمي افتلتت نفسها (فاجأها الموت) ولم توص واظنها‬
                         ‫لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم))(27)[27]).‬
                                                                          ‫وأما موقف المسلم:‬
 ‫اإليمان المطلق والتصديق الذي ال شك فيه فاهلل ربنا ونحن عبيده، ورسول اهلل نبينا ونحن أتباعه‬
‫وصدق اهلل العظيم: ومن أصدق من اهلل حديثا [النساء:22]. وما ينطق عن الهوى إن هو إال وحي‬
                                                                         ‫يوحى [النجم:3-2].‬
‫إن عذب القبر ونعيمه غيب كما أن الجنة والنار والمالئكة غيب ومن سمات المؤمنين قال تعالى:‬
                                                             ‫الذين يؤمنون بالغيب [البقرة:3].‬
                                             ‫إن للنفس أربع دور كل دار أعظم من التي قبلها.‬
                                     ‫األولى (في بطن األم) حيث يتخلق فيه وتنفخ فيه الروح.‬
                                     ‫الثانية (دار الدنيا) وفيها يكتسب العبد الحسنات والسيئات.‬
                     ‫الثالثة (دار البرزخ) وهي أوسع ونسبتها إليه كنسبة هذه الدار إلى األولى.‬
             ‫الرابعة (دار القرار) وهي الجنة أو النار فال دار بعدها: فتبارك اهلل أحسن الخالقين‬
                                                                             ‫[المؤمنون:25].‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد .‬
                                                                             ‫__________‬
                                                                           ‫(5) أحمد ومسلم .‬
                                                            ‫(7) الترمذي وحسنة وابن ماجة .‬
                                                                         ‫(3) رواه الترمذي .‬
                                                            ‫(2) ابن أبي الدنيا ورجاله ثقات .‬
                                                                          ‫(1) رواه النسائي .‬
                                                                         ‫(6) رواه الشيخان .‬
                                                               ‫(2) ابن كثير مجلد3 ص.627‬
                                                ‫(2) الترمذي .‬
                                              ‫(9) رواه مسلم .‬
                                        ‫(05) 05])رواه مسلم .‬
                                          ‫(55) 55])البخاري .‬
                                      ‫(75) 75]) الدار قطني .‬
                                         ‫(35) 35])الطبراني .‬
                                   ‫(25) 25])البخاري ومالك .‬
                              ‫(15) 15])الروح ص755-355.‬
                                          ‫(65) 65])النسائي .‬
                                   ‫(25) 25])أحمد والطبراني .‬
                                ‫(25) 25])أبو داود والترمذي .‬
          ‫(95) 95])الطبراني في األوسط وابن حيان في صحيحه .‬
                              ‫(07) 07])رواه أحمد والترمذي .‬
                                        ‫(57) 57])رواه مسلم .‬
                         ‫(77) 77])الروح / ابن القيم ص 155.‬
                 ‫(37) 37])أبو داود وقال الحاكم صحيح اإلسناد .‬
                                     ‫(27) 27])رواه الشيخان .‬

‫(5/256)‬




                                                         ‫الجنة‬
                          ‫-----------------------‬
                              ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                      ‫الجنة والنار, اليوم اآلخر‬
                          ‫-----------------------‬
                                    ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                        ‫الدوحة‬
                                                  ‫الريان الكبير‬
                 ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                       ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
        ‫5- مكان الجنة والنار. 7- أسماء الجنة. 3- لم خلق اهلل الجنة. 2- صفة الجنة وسكانها‬
                                                            ‫وخدمها. 1- أسباب دخول الجنة.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
‫يقول رب العزة سبحانه: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات واألرض أعدت‬
                                                                   ‫للمتقين [آل عمران:335].‬
 ‫دعوة من اهلل سبحانه لعباده أن يسارعوا إلى كل خير وإلى كل عمل صالح، حتى يفوزوا بمغفرة‬
                                                                            ‫د‬
        ‫اهلل والجنة. وق ّم المغفرة على الجنة - كما قال العلماء - ألن السالمة تطلب قبل الغنيمة‬
                                                                  ‫وأصحاب الجنة هم المتقون.‬
                    ‫فما الجنة؟ ولماذا؟ وما صفة الداخلين إليها؟ وما صفتها؟ وما أسباب دخولها؟‬
                                                                                   ‫أما الجنة:‬
 ‫فهو االسم العام المتناول لتلك الدار، دار رب األرباب وملك الملوك، التي أعدها لعباده المؤمنين‬
   ‫من األنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وأهل التوحيد من أمة محمد عليه الصالة والسالم‬
                                                ‫بعد أن يطهرهم رب العزة سبحانه من ذنوبهم.‬
                                 ‫وسميت الجنة جنة، ألن الداخل إليها تستره بأشجارها وتغطيه.‬
                                                                             ‫وينبغي أن تعلم:‬
        ‫أن هاهنا إشكال أورده البعض في قول اهلل تعالى: وجنة عرضها السماوات واألرض [آل‬
    ‫عمران:335]. فإذا كانت الجنة عرضها السماوات واألرض فأين تكون النار. أورد ابن كثير‬
‫رحمه اهلل تعالى رواية عن اإلمام أحمد: أن هرقل كتب إلى النبي عليه الصالة والسالم يقول: إنك‬
‫دعوتني إلى جنة عرضها السماوات واألرض، فأين النار ؟! فقال عليه الصالة والسالم: ((سبحان‬
‫اهلل، فأين الليل إذا جاء النهار؟))(5)[5]). إذا جاء النهار غشى وجه العالم في جانب، ويكون الليل‬
‫في الجانب اآلخر، فكذا الجنة في أعلى عليين، والنار في أسفل سافلين(7)[7]). كذا قال ابن كثير‬
                                                                             ‫رحمه اهلل تعالى.‬
                                                ‫سمى رب العزة الجنة بأسماء باعتبار صفاتها:‬
‫أ- دار السالم: قال تعالى: لهم دار السالم عند ربهم [األنعام:275]. ذلك ألن الداخل إلى الجنة قد‬
     ‫سلم من كل آفة ومن كل بالء ومن كل مكروه، فال تنكيد وال تنغيص. لقول النبي : ((ويؤتي‬
‫بأشقى أهل الدنيا من أهل الجنة، فيغمس غمسة في الجنة، فيقال له: هل رأيت شرا قط؟ قد مر بك‬
                       ‫شر قط؟ فيقول: ال واهلل، ما رأيت شرا قط وال مر بي شر قط))(3)[3]).‬
 ‫ب- جنات عدن: وصدق اهلل العظيم: جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده‬
 ‫مأتيا [مريم:56]. العرب تقول: عدن الرجل في المكان: أي أقام فيه فلم يرتحل. وكذا الداخل إلى‬
   ‫الجنة، ال يرتحل عنها أبدا، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((فيؤتى بالموت يوم القيامة على‬
‫صورة كبش، فيقال ألهل الجنة والنار: أتدرون ما هذا؟ فيقولون: نعم إنه الموت، فيذبح بين الجنة‬
  ‫والنار، ويقال ألهل الجنة: خلود فال موت، ويقال ألهل النار: خلود فال موت، فيزداد أهل الجنة‬
                                ‫فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم))(2)[2]).‬
‫ج- جنات النعيم: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم [لقمان:2]. ذلك لما في الجنة‬
                           ‫من اللذائذ واألطايب التي أعدها رب العزة ألوليائه، ظاهرة وباطنة.‬
                                                           ‫وأما لماذا الجنة؟ فال بد من الجنة:‬
‫حتى ال يستوي الصالح بالطالح، وال المحسن بالمسيء، وال المؤمن بالكافر، وال المظلوم بالظالم،‬
                                                                          ‫وصدق اهلل العظيم:‬
      ‫أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون [القلم:13-63]. ال يستوي أصحاب النار‬
                                     ‫وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون [الحشر:07].‬
                                                    ‫فإذا كانت الموازين قد اختلت في األرض.‬
                                         ‫يوما تريك خسيس النار مرتفعا و يوما تخفض العاني‬
                                   ‫أما ترى البحر تطفو فوقه جيف وتستقر بأقصى قعره الدرر‬
                                   ‫وكم على األرض أشجارا مورقة وليس يرجم إال من به ثمر‬
        ‫فإن موازين السماء لن تختل أبدا: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فال تظلم نفس شيئا‬
                                                                               ‫[األنبياء:22].‬
                                                                        ‫و‬
 ‫حتى يع ّض رب العزة سبحانه المحسن عن إحسانه، والمجاهد عن جهاده، والصابر عن صبره،‬
 ‫والمحتسب وجه اهلل عز وجل في كل بلية جرت عليه. في الحديث القدسي يقول اهلل سبحانه: ((يا‬
   ‫ملك الموت، قبضت ولد عبدي، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ فيقول: نعم، فيقول رب العزة:‬
‫وماذا قال عبدي؟ يقول: حمدك واسترجع: (أي قال: الحمد هلل إنا هلل وإنا إليه راجعون) فيقول رب‬
                                                ‫م‬
                          ‫العزة سبحانه: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وس ّوه بيت الحمد))(1)[1]).‬
 ‫ويقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه – أي بعينيه – فصبر،‬
    ‫عوضته منهما الجنة))(6)[6]). وهذا أصل في التربية عظيم، بل هو البلسم الشافي لجراحات‬
                                                                                     ‫القلوب.‬
       ‫ألنها أمنية الصالحين، ومهوى أفئدة السالكين، فما دمع العين وال حرقة القلب وال انزعاج‬
  ‫الجوارح إلى العمل بطاعة اهلل عز وجل، إال لنيل تلك الجنان. فعند ذكرها تهون المصائب ويلذ‬
                                                              ‫الجهاد بل الموت في سبيل اهلل.‬
                                             ‫أخي إن مت نلق أحبابنا فروضات ربي أعدت لنا‬
                                            ‫وأطيارها رفرفت حولنا فطوبى لنا في ديار الخلود‬
   ‫عندما حضرت بالل الوفاة، قالت زوجته: واحزناه! قال: بل قولي: وافرحتاه! غدا نلق األحبة،‬
                                                                             ‫محمدا وصحبه.‬
                                                               ‫وأما صفة الداخلين إلى الجنة:‬
      ‫في سنهم وخلقهم: يقول المصطفى عليه الصالة والسالم: ((يدخل أهل الجنة على سن ثالث‬
     ‫وثالثين، على خلق آدم عليه السالم ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع))(2)[2])، ابن القيم‬
    ‫رحمه اهلل تعالى يقول: وهذا السن أبلغ ما يكون العبد فيها من القوة، وبكمال القوة يكون كمال‬
                                                ‫التلذذ واالستمتاع بما أعده رب العزة سبحانه.‬
  ‫في تنزههم عن الفضالت واألذى: يقول النبي عليه الصالة والسالم: ((ال يبولون وال يتغوطون‬
 ‫وال يمتخطون وال يتفلون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك))(2)[2]). سأل رجل من أهل الكتاب‬
 ‫رسول اهلل عليه الصالة والسالم عن أهل الجنة، فقال عليه الصالة والسالم: ((ويعطى الرجل في‬
  ‫الجنة قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والجماع: فقال الرجل: يا محمد، أين تكون الفضالت‬
 ‫بعد ذلك؟ فقال عليه الصالة والسالم: تكون رشحا ويكون الرشح مسكا)). تكون عرقا ويكون هذا‬
                                                             ‫العرق مسكا بقدرة اهلل عز وجل.‬
‫في تطهيرهم في ظواهرهم وبواطنهم: قول النبي عليه الصالة والسالم: ((وعند باب الجنة شجرة،‬
     ‫يخرج من أصلها عينان، إذا شربوا من األولى جرت عليهم نظرة النعيم، وخرج منهم ما في‬
            ‫داخلهم من كل بأس وأذى، وإذا اغتسلوا من الثانية لم تشعث أشعارهم أبدا))(9)[9]).‬
   ‫قول النبي عليه الصالة والسالم: ((أهل الجنة يدخلون الجنة جماعات جماعات لقول رب العزة‬
                                ‫سبحانه: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا )) [الزمر:32]‬
‫يقول ابن القيم رحمه اهلل تعالى: كل أهل طاعة يحشرون ويأتون الجنة كجماعة لحالها، وذلك مما‬
      ‫يؤنس بعضهم ببعض ويقوى بعضهم بعضا ويفرح بعضهم ببعض. وأهل النار والعياذ باهلل‬
‫يساقون إلى النار جماعات: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا [الزمر:52]. يقول ابن القيم: وذلك‬
       ‫حتى يلعن بعضهم بعضا ويتهم بعضهم بعضا ويسب بعضهم بعضا، وهذا أبلغ في الهتيكة‬
                                      ‫والخزي بأهل النار من أن يذهبوا إلى النار واحدا واحدا.‬
    ‫وباب الجنة لن يفتح ألحد إال أن يكون أول داخل إليها رسول اهلل عليه الصالة والسالم، يقول‬
‫عليه الصالة والسالم: ((آتي الجنة فأستفتح أي فأستأذن فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد‬
   ‫فيقول: بك أمرت أال أفتح ألحد قبلك))(05)[05]). وهذا تعظيم لقدر نبينا عليه الصالة والسالم‬
                                                                                 ‫وتكريم له.‬
                                                                            ‫وأما صفة الجنة:‬
  ‫5- في أبوابها: فهي ثمانية، قال النبي عليه الصالة والسالم: ((من توضأ ثم أحسن الوضوء ثم‬
‫قال: أشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إال فتحت له أبواب‬
 ‫الجنة الثمانية))(55)[55]). فهي ثمانية أبواب. وكل باب قد خصه رب العزة بطاعة، قول النبي‬
     ‫عليه الصالة والسالم: ((فمن كان من أهل الصالة دعي من باب الصالة، ومن كان من أهل‬
‫الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل‬
  ‫الصيام دعي من باب الريان)). فقال أبو بكر الصديق : بأبي أنت وأمي يا رسول اهلل، وما على‬
   ‫أحد من ضرورة أن يدعى من األبواب كلها؟ قال عليه الصالة والسالم: ((ال، وأرجو أن تكون‬
             ‫منهم))(75)[75])، أي: وأرجو يا أبا بكر أن تكون ممن يدعى من األبواب الثمانية.‬
‫7- وأما أرضها: فإن رسول اهلل عليه الصالة والسالم يقول: ((إنها لبنة من ذهب ولبنة من فضة،‬
‫بالطها طينتها المسك، وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، من يدخلها ينعم وال يبأس،‬
                                 ‫ويخلد وال يموت، ال تبلى ثيابهم وال يفنى شبابهم))(35)[35]).‬
      ‫3- ما يكون ألدنى أهلها منزلة وما يكون ألعالهم منزلة، قول النبي عليه الصالة والسالم:‬
   ‫((يجيء آخر رجل ممن يدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم، فيقول له رب العزة: ادخل الجنة‬
‫،فيقول: يا رب وأين أكون وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! فيقول له رب العزة سبحانه:‬
                                                            ‫م‬
‫أترضى أن يكون لك مثل ُلك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت يا رب. فيقول له رب العزة:‬
    ‫لك ذلك ومثله ومثله ومثله مثله. فيقول في الخامسة: رضيت يا رب، فيقول: لك ذلك وعشرة‬
                                                    ‫أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك)).‬
       ‫وأما أعالهم درجة فيقول رب العزة سبحانه: ((أولئك الذين أردت - أي اخترت - ختمت‬
                ‫كرامتهم بيدي، وأعددت لهم ما ال عين رأت وال أذن سمعت وال خطر على قلب‬
                                                                           ‫بشر))(25)[25]).‬
   ‫2- وأما أنهارها، فهي أربعة أنواع من األنهار، يقول رب العزة سبحانه: مثل الجنة التي وعد‬
‫المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين‬
               ‫وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم [محمد:15].‬
 ‫وأعظم أنهارها الكوثر، قرأ النبي عليه الصالة والسالم: إنا أعطيناك الكوثر [الكوثر:5]. فقيل: يا‬
    ‫رسول اهلل، ما الكوثر؟ قال: ((نهر أعطانيه ربي حافتاه من الذهب، حصباؤه اللؤلؤ والياقوت،‬
 ‫آنيته عدد نجوم السماء، ترد عليه أمتي يوم القيامة، لونه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل،‬
                                          ‫من شرب منه شربة ال يظمأ بعدها أبدا))(15)[15]).‬
                             ‫1- وأما حورها ونسائها: فيعلمنا المصطفى عليه الصالة والسالم:‬
 ‫أ- عن مادة خلقهن: فيقول: ((خلق اهلل تعالى الحور العين من الزعفران))(65)[65])، يقول ابن‬
 ‫القيم: فإذا كانت الصورة اآلدمية في حسنها وتناسقها مادة خلقها التراب: فكيف يكون حال الحور‬
                                                         ‫العين وقد خلقن من الزعفران هناك؟!‬
‫ب- في عفتهن: يقول رب العزة سبحانه: وعندهم قاصرات الطرف عين [الصافات:22]. عفيفات‬
                       ‫قد قصرن أبصارهن إال عن أزواجهن، ذهب الحياء بخير الدنيا واآلخرة.‬
                       ‫ج- في طهرهن: وأزواج مطهرة [آل عمران:15]. فال حيض وال نفاس.‬
  ‫د- في حسنهن: يقول المصطفى عليه الصالة والسالم: ((يسطع نور في الجنة فيرفع أهل الجنة‬
                                               ‫رؤوسهم فيرون حورية قد ابتسمت))(25)[25]).‬
 ‫ه- في نكاحهن: قول النبي عليه الصالة والسالم: ((وإن المؤمن ليصل في اليوم الواحد إلى مائة‬
                                                                           ‫عذراء))(25)[25]).‬
 ‫ولكنه ال مني وال إنزال وال ما يوجب الغسل، قول النبي : ((ال مني وال منية))(95)[95]) أي ال‬
                                                               ‫إنزال وال موت يكون في الجنة.‬
   ‫6- وأعظم عطاء الجنة هو النظر إلى وجه اهلل الكريم: لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((إذا‬
‫دخل أهل الجنة الجنة: ودخل أهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند اهلل موعدا يريد‬
                                                      ‫ي‬
   ‫أن ينجزكموه. فيقول أهل الجنة: ألم يبّض وجوهنا؟! ألم يجرنا من النار؟! ألم يثقل موازيننا؟!‬
 ‫فيكشف الحجاب، فينظرون إلى وجه اهلل الكريم، فما اعطوا عطاء أحب إليهم من النظر إلى وجه‬
  ‫اهلل الكريم))(07)[07]). وصدق اهلل العظيم: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 77-‬
   ‫37]. للذين أحسنوا الحسنى – أي الجنة- وزيادة [يونس: 67]. أي وأعظم من الجنة هو النظر‬
                                                      ‫إلى وجه اهلل الكريم، كما قال اإلمام مالك.‬
 ‫2- وأخيرا هنالك في الجنة أمنيات تتحقق. جاء رجل إلى النبي عليه الصالة والسالم يقول: ((يا‬
 ‫رسول اهلل، هل في الجنة خيل؟ فإنها تعجبني، فقال عليه الصالة والسالم: إن أحببت أتيت بفرس‬
                                  ‫من ياقوته حمراء تطير بك في الجنة حيث شئت))(57)[57]).‬
  ‫قول النبي عليه الصالة والسالم: ((إذا استقر أهل الجنة في الجنة، اشتاق اإلخوان إلى اإلخوان،‬
   ‫فيطير سرير هذا إلى سرير هذا، فيذكران ما كان بينهما في الدنيا ويقول له: أتذكر مجلس كذا،‬
                                            ‫جلسنا فدعونا اهلل أن يغفر لنا فغفر لنا))(77)[77]).‬
                                                                      ‫وأما أسباب دخول الجنة؟‬
    ‫فينبغي أن تعلم أن الجنة غالية، واألمر يحتاج إلى جد لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((من‬
 ‫خاف أدلج – أدلج بالطاعة - ومن أدلج بلغ المنزل..)) ((أال إن سلعة اهلل غالية، أال إن سلعة اهلل‬
                                                                            ‫الجنة))(37)[37]).‬
                     ‫م‬
   ‫واألمر يحتاج إلى تشمير، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((أال من مش ّر للجنة، فإنها ورب‬
   ‫الكعبة نور يتألأل وريحانة تهتز وزوجة حسناء، فقال األصحاب: نحن المشمرون لها يا رسول‬
                              ‫اهلل، قال: قولوا: إن شاء اهلل، فقال القوم: إن شاء اهلل))(27)[27]).‬
       ‫واألمر يحتاج إلى عمل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون [األعراف:32].‬
                                  ‫ال دار للمرء بعد الموت يسكنها إال التي كان قبل الموت يبنيها‬
                                         ‫فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها‬
                                      ‫ال تركنن إلى الدنيا و زينتها فالموت ال شك يفنيها ويبديها‬
                                ‫واعمل لدار غدا رضوان خازنها و الجار أحمد و الرحمن بانيها‬
                                  ‫قصورها ذهب و المسك طينتها و الزعفران حشيش نابت فيها‬
‫وتنافس في أعلى مقامات الجهاد: قال تعالى: إن اهلل اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم‬
    ‫الجنة يقاتلون في سبيل اهلل [التوبة:555]. فالمشتري هو اهلل، والبائع هو المؤمن، والسلعة هي‬
                                      ‫األنفس واألموال، والثمن هي الجنة، والطريق هو الجهاد.‬
 ‫وعلى الجهاد ربى رسول اهلل أصحابه رضوان اهلل عليهم، حتى صار الموت في سبيل اهلل تعالى‬
‫أسمى أمنياتهم وأغالها، وهذا صحابي جليل ممن اشتاق إلى لقاء اهلل تعالى على أكرم صورة، هي‬
 ‫شاهد صدق على حب اهلل تعالى الذي اختلط بدمائهم وعصبهم ولحمهم، هو الصحابي عبد اهلل بن‬
 ‫جحش وفي غزوة أحد يرفع يده ويدعو، وبماذا يدعو؟! ويا عجبا لما يدعو! يقول: اللهم إنك تعلم‬
‫أنه قد حضر ما أرى، أي من التقاء الجيشين، فأسألك ربي أن تبعث إلي رجال كافرا صنديدا قويا‬
 ‫يقتلني ويجدع أنفي وأذني ويضعها في خيط، (زيادة في النكاية والتمثيل) ثم آتيك ربي فتقول: فيم‬
                          ‫ذاك يا عبد اهلل؟ فأقول: فيك يا رب، أي ألجلك يا رب قد فعل بي هذا.‬
   ‫ومن أبواب الجنة هو اإلنفاق: يقول رب العزة سبحانه: لن تنالوا البر – أي لن تدخلوا الجنة –‬
 ‫حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران:79]. قول النبي عليه الصالة والسالم: ((عندما خلق اهلل الجنة‬
   ‫قال لها: تكلمي، فقرأت: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صالتهم خاشعون واللذين هم عن اللغو‬
‫معرضون والذين هم للزكاة فاعلون ، فقال رب العزة سبحانه: وعزتي وجاللي، ال يجاورني فيك‬
                                                                             ‫بخيل))(17)[17]).‬
                                                                                      ‫ثم الصالة:‬
 ‫في الفرض يقول جرير بن عبد اهلل: كنا عند النبي عليه الصالة والسالم، وكان القمر بدرا، فكان‬
   ‫عليه الصالة والسالم: ((إنكم سترون ربكم كرؤيتكم القمر – أي في الوضوح- ال تضامون في‬
    ‫رؤيته – أي ال تملون- فإن استطعتم أن ال تغلبوا عن صالة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‬
                ‫فافعلوا))(67)[67])- أي صالة الصبح وصالة العصر – وما أكثر تضييعنا لها.‬
  ‫في النافلة، قول النبي عليه الصالة والسالم: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى‬
 ‫اهلل له بيتا في الجنة: ركعتان قبل صالة الصبح، وأربعا قبل الظهر، واثنتان بعدها، وركعتان بعد‬
                                       ‫صالة المغرب، وركعتان بعد صالة العشاء))(27)[27]).‬
 ‫في قيام الليل: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فال‬
       ‫تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة:65]. قول النبي عليه‬
    ‫الصالة والسالم: ((أيها الناس، أفشوا السالم، وأطعموا الطعام، وصلوا األرحام، وصلوا بالليل‬
                                                  ‫والناس نيام، تدخلوا الجنة بسالم))(27)[27]).‬
  ‫ثم أن تلزم ذكر اهلل سبحانه، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((من قال: سبحان اهلل والحمد هلل،‬
 ‫غرست له نخلة في الجنة))(97)[97]). وللحديث: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد‬
    ‫أقرئ أمتك مني السالم وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وإنها قيعان وإن غراسها‬
                                    ‫سبحان اهلل والحمد هلل وال إله إال اهلل واهلل أكبر))(03)[03]).‬
   ‫الخلق الحسن: للحديث: ((أال أخبركم برجالكم في الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة‬
‫والشهيد في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر ال يزوره إال هلل في الجنة، ونساؤكم من‬
  ‫أهل الجنة الودود الولود التي إذا غضبت جاءت حتى تضع يدها في زوجها ثم تقول: ال أذوق‬
                                                        ‫غمضا حتى ترضى))(53)[53]).‬


                                                 ‫-------------------------‬
                                                                           ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                ‫لم ترد .‬
                                                                        ‫__________‬
                                                                  ‫(5) رواه اإلمام أحمد.‬
                                                    ‫(7) مختصر ابن كثير ج5 ص 253.‬
                                                                              ‫(3) مسلم.‬
                                                                     ‫(2) رواه البخاري.‬
                                                                ‫(1) الترمذي وابن حيان.‬
                                                                          ‫(6) البخاري.‬
                                                                         ‫(2) رواه أحمد.‬
                                                                         ‫(2) رواه مسلم.‬
                                                                      ‫(9) رواه البيهقي.‬
                                                                  ‫(05) 05])رواه مسلم.‬
                                                                  ‫(55) 55])رواه مسلم.‬
                                                         ‫(75) 75])رواه البخاري ومسلم.‬
                                                               ‫(35) 35])رواه الترمذي.‬
                                                                  ‫(25) 25])رواه مسلم.‬
                                                               ‫(15) 15])رواه الترمذي.‬
                                                            ‫(65) 65])الطبراني مرفوعا.‬
                                                                ‫(25) 25])ابن أبي الدنيا.‬
                                                                    ‫(25) 25])الترمذي.‬
                                                                    ‫(95) 95])الطبراني.‬
                                                                       ‫(07) 07])مسلم.‬
                                                                    ‫(57) 57])الترمذي.‬
                                                                ‫(77) 77])ابن أبي الدنيا.‬
                                                                  ‫(37) 37])رواه الترمذي.‬
                                                           ‫(27) 27])ابن ماجة وابن حيان.‬
                                                  ‫(17) 17])رواه أحمد والترمذي والنسائي.‬
                                                                     ‫(67) 67])متفق عليه.‬
                                                                     ‫(27) 27])رواه مسلم.‬
                                              ‫(27) 27])الترمذي وقال حديث حسن صحيح.‬
                                                                       ‫(97) 97])الترمذي.‬
                                                                       ‫(03) 03])الترمذي.‬
                                                                        ‫(53) 53])النسائي.‬

‫(5/956)‬




                                                                                       ‫جهنم‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                          ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                   ‫الجنة والنار, اليوم اآلخر‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- أسماء جهنم. 7- لماذا خلق اهلل النار. 3- صفة جهنم. 2- من هم أهل النار. 1- إيمان‬
                                                                              ‫المسلم بالنار.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
 ‫ال يغرنك تقلب الذين كفروا في البالد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد [آل عمران:295].‬
   ‫متعب للنفس المسلمة أن ترى الباطل في صولة وسلطان. وأن ترى الحق في ذل وهوان ولكن‬
    ‫ذلك يزول عندما تعلم وتوقن أن الدنيا متاع، والبد للمتاع أن ينفد، وجهنم هي المآل والمصير‬
                                                                               ‫للباطل وأهله.‬
                              ‫فما جهنم؟ ولماذا؟ وما صفتها؟ ومن هم أهلها؟ وكيف النجاة منها؟‬
      ‫أما جهنم: فكما أنه سبحانه جعل مستقر رحمته ألوليائه الجنة فقد جعل مستقر عذابه ألعدائه‬
                                                                                      ‫جهنم.‬
                                                                             ‫وينبغي أن تعلم:‬
                                  ‫5- أن لجهنم أسماء تدل على شدتها وأهوالها، ومن أسمائها :‬
‫أ/ الهاوية: فأما من خفت موازينه فأمه هاوية [القارعة:2-9]. قال ابن زيد: (الهاوية النار هي أمه‬
                                                             ‫ومأواه التي يرجع إليها)(5)[5]).‬
   ‫ب/ الحطمة: كال لينبذن في الحطمة [الهمزة:2]. قال ابن كثير: (ألنها تحطم من فيها)(7)[7]).‬
     ‫ج/ لظى: كال إنها لظى نزاعة للشوى [المعارج:15-65]. فهي تتلظى وتلتهب وتحرق جلدة‬
   ‫الرأس وهي الشوى وقيل الجلود والهام وقال الضحاك: (تبري اللحم والجلد عن العظم حتى ال‬
                                                                     ‫تترك منه شيئا)(3)[3]).‬
‫7- الداخل إليها ال يموت فيستريح وال يحيي حياة طيبة: ثم ال يموت فيها وال يحي [األعلى:35].‬
   ‫ال يقضى عليهم فيموتوا وال يخفف عنهم من عذابها [فاطر:63]. وعند ذاك يكون الموت أمنية‬
‫الداخلين، الموت الذي كان أبغض شيء لهم في الحياة يصير أمنية يتمنونها: ونادوا يا مالك ليقض‬
 ‫علينا ربك قال إنكم ماكثون [الزخرف:22]. قال ابن عباس: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون‬
                                                                                   ‫(2)[2]).‬
                                                                           ‫وأما لماذا جنهم؟:‬
  ‫5- فال بد من وجود جنهم حتى ال يمضي الظالم من غير عقاب، فإذا ما اختلت موازين العدالة‬
      ‫في األرض فإن موازين السماء ثابتة ال تعبث بها األهواء والمصالح واألموال والوساطات:‬
                           ‫ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فال تظلم نفس شيئا [األنبياء:22].‬
   ‫وللحديث: ((يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله باليد األخرى تشخب أوداجه دما‬
     ‫حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول اهلل عز‬
      ‫وجل: فيم قتلته؟ قال: قتلته لتكون العزة لفالن. فيقول اهلل عز وجل للقاتل: تعست))(1)[1]).‬
  ‫حتى يتشفى قلب المؤمن من الطغاة والظلمة الذين سفكوا وقتلوا ونهبوا وحرفوا األمة عن ربها،‬
 ‫ومثلوا دور األمناء وهم الخونة، والصادقين وهم الكذبة والعلية وهم السفلة. ويوم القيامة هو يوم‬
      ‫العدل والقصاص، سخرية تقابلها سخرية: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون‬
   ‫[المطففين:97]. ويوم القيامة: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون [المطففين :23]. وعذاب‬
       ‫يقابله عذاب: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب‬
                       ‫الحريق [البروج:05]. وشتان بين عذاب العباد وعذاب رب العباد للعباد.‬
  ‫7- ألن بواعث النفس للعمل ثالثة فأما أن يكون الباعث هو معرفة اهلل سبحانه بأسمائه وصفاته‬
  ‫وهذا هو حال رسول اهلل : ((فقد كان يقوم حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر اهلل لك ما تقدم‬
                                   ‫من ذنبك وما تأخر. قال: أفال أكون عبدا مشكورا))(6)[6]).‬
       ‫وأما أن يكون الباعث الرغبة في الجزاء والمثوبة والجنة: إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا‬
                                                  ‫وكواعب أترابا وكأسا دهاقا [النبأ:53-23].‬
‫وأما أن يكون الباعث للعمل الصالح هو الخوف من عذاب اهلل وعقابه وناره: إنا كنا قبل في أهلنا‬
                                 ‫مشفقين فمن اهلل علينا ووقانا عذاب السموم [الطور :67-27].‬
                                                                             ‫وأما صفة جهنم:‬
‫مادة وقودها: فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة [البقرة:27]. والوقود هو ما يلقي في النار‬
   ‫إلضرامها كالحطب ونحوه، فوقود جهنم هم الداخلون إليها، فكلما دخلها فوج تأججت وازدادت‬
                                                                                        ‫لهيبا.‬
 ‫عمقها: حديث ابن مسعود: سمعنا وجبة (أي صوتا شديدا) فقلنا ما هذه؟ فقال رسول اهلل : ((هذا‬
                 ‫حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة اآلن وصل إلى قعرها))(2)[2]).‬
   ‫لونها: للحديث: ((أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى‬
                                         ‫اسودت فهي سوداء مظلمة ال يضيء لهبها))(2)[2]).‬
    ‫حرارتها: وللحديث: ((إنها لجزء (أي نارنا) من سبعين جزءا من نار جهنم وما وصلت إليكم‬
                                             ‫حتى نضحت مرتين بالماء لتضيء لكم))(9)[9]).‬
‫طعامها وشرابها: للحديث: ((لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا ألفسدت على أهل الدنيا‬
 ‫معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟))(05)[05]). وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه‬
 ‫[الكهف:97]. والمهل الماء األسود المنتن الغليظ الحار. قال سعيد ابن جبير: (إذا جاع أهل النار‬
   ‫استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى‬
                       ‫حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم)(55)[55]).‬
 ‫ثيابهم: قال تعالى: هذا خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب‬
 ‫من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود [الحج:95-03]. قال سعيد بن جبير:‬
‫فصلت لهم مقطعات من النار من نحاس وهو أشد األشياء حرارة إذا حمي)(75)[75]). وللحديث:‬
‫((إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى‬
                                     ‫يبلغ قدميه - وهو الصهر- ثم يعاد كما كان))(35)[35]).‬
‫عميان أهلها: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم [اإلسراء:29].‬
      ‫وعن أنس : ((قيل يا رسول اهلل كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاههم على‬
                                      ‫أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم))(25)[25]).‬
     ‫عظيمة أجسامهم: للحديث: ((ضرس الكافر مثل أحد (أي جبل أحد) وفخذه مثل البيضاء(اسم‬
    ‫لجبل) ومقعده من النار كما بين قديد ومكة))(15)[15]).((إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون‬
          ‫ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة))(65)[65]).‬
 ‫أقل أهل النار عذاب: للحديث: ((إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي‬
‫منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم))(25)[25]). والقمقم ما يسخن به الماء من نحاس وغيره.‬
    ‫وللحديث: ((إن أدنى أهل النار عذابا الذي له نعالن من نار يغلي منهما دماغه))(25)[25]).‬
                                                                           ‫وأما من هم أهلها؟:‬
  ‫الملحدون: الذين يدعون العقل وال عقل، والذين انكروا أن يكون للكون إله وعاشوا وماتوا على‬
         ‫ذلك، فإن من العقول من ال تؤمن حتى ترى العذاب: ال يؤمنون حتى يروا العذاب األليم‬
                                                                              ‫[الشعراء:507].‬
‫المشركون: الذين جعلوا مع اهلل إلها آخر سواء كان صنما أو شجرا أو طاغية يأخذون منه المنهج‬
      ‫والتشريع، وأعرضوا عن منهج اهلل المحكم الذي ال يأتيه الباطل من بين يديه وال من خلفه،‬
 ‫والذين اعتقدوا أن غير اهلل سبحانه هو النافع الضار المحيي المميت، الرازق المانع: ومن الناس‬
  ‫من يتخذ من دون اهلل أنداد يحبونهم كحب اهلل والذين آمنوا أشد حبا هلل ولو يرى الذين ظلموا إذ‬
                           ‫يرون العذاب إن القوة هلل جميعا وإن اهلل شديد العذاب [البقرة:165].‬
 ‫المنحلون: الذين يريدون أن تنزلق األمة إلى مهاوي الرذيلة والخنا حتى يسهل قيادها ألعداء اهلل‬
     ‫ويلتمسون لذلك األساليب من ترويج لصور العاهرات والساقطات حيث لم يتركوا عاهرة إال‬
  ‫وعقدوا معها لقاء وأظهروها بمظهر المتحررة من القيود البالية، ومن يثيرون الغرائز الحيوانية‬
 ‫بالكلمة المسموعة أو المقروءة أو المرئية ومن ال يحسنون إال (أدب الفراش) من شعراء النهود،‬
   ‫ومن يتكسبون األموال بالحفالت الماجنة وتأجير الشقق للدعارة وتحويل البالد إلى بيت دعارة‬
   ‫باسم السياحة واالنفتاح قال تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب‬
                                  ‫أليم في الدنيا واآلخرة واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [النور:95].‬
     ‫المجرمون: الذين ال تجدهم في مواطن الرجولة والدفاع عن األمة وساحات الكرامة الذين ال‬
                                                         ‫ُز‬
 ‫يحسنون إال قتل األبرياء والع ّل من المؤمنين، واألمة إذا فسقت ذلت وهانت وصارت نعال بقدم‬
    ‫الطاغية: فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين [الزخرف:21]. يسلب مالها، ويهتك‬
     ‫عرضها، ويسلك بها سبل الضاللة والغواية والسقوط، وهي ترقص وتغني وتضحك وتصفق‬
 ‫للمجرم الذين يغتال صالحيها: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب اهلل عليه‬
                                                     ‫ولعنه وأعد له عذابا عظيما [النساء:39].‬
       ‫المضيعون لفرائض اهلل سبحانه: ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم‬
‫المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين [المدثر:32-12]. قال‬
    ‫ابن كثير: (أي ما عبدنا ربنا وال أحسنا إلى خلقه من جنسنا وكلما غوى غاو غوينا معه حتى‬
                                                                    ‫جاءهم الموت)(95)[95]).‬
                                                                  ‫وأما موقف المسلم من جهنم:‬
  ‫فإن العبد كلما ازداد معرفة كلما ازداد خشية وكلما ازداد خشية ازداد صالحا واغتناما لألوقات‬
      ‫قبل رحيلها، فهناك تعظم الحسرات وتسيل العيون بالدموع والعبرات أنهارا: ((إن أهل النار‬
   ‫ليبكون حتى لو اجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم مكان الدمع))(07)[07]).‬
‫وتعض األيدي ندما وتحسرا: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيال‬
    ‫[الفرقان:27]. وتصرخ األلسن باألمنيات: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد وال‬
        ‫نكذب بآيات ربنا [األنعام:27]. يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر:27]. يا ليتها كانت القاضية‬
           ‫[الحاقة:27]. قال رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت [المؤمنون:99-005].‬
                                                                                 ‫فكان البد من:‬
 ‫5) أن تعلم أن اللذة والنشوة الحرام سوف تذوي وتذوب عند أول غمسة في النار: ((ويؤتي بأنعم‬
‫أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغه ثم يقال: يا ابن آدم: هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك‬
                                ‫نعيم قط؟ فيقول: ال واهلل يا رب))(57)[57]).ويصبغ أي يغمس.‬
‫التوبة: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اهلل توبة نصوحا [التحريم:2]. قال ابن كثير: (التوبة النصوح‬
  ‫أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه كلما ذكرته) وقال عمر : (إن يتوب الرجل من العمل‬
 ‫السيئ ثم ال يعود إليه أبدا)(77)[77]) واستيفاء شروط التوبة من الندم والعزيمة على أن ال تعود‬
                                   ‫إلى الذنب ورد الحقوق إلى أصحابها واإلقالع عن المعصية.‬
       ‫المحاسبة: محاسبة النفس الزمة للنجاة يقول عمر : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا‬
  ‫أعمالكم قبل أن توزنوا) فما وجدته من خير فأحمد اهلل عليه وما وجدته من شر فاستغفر اهلل عنه‬
                              ‫واعزم على أن يكون غدك خير من يومك ويومك خير من أمسك.‬
    ‫7) العمل: فما ذكر اهلل اإليمان إال واتبعه بذكر العمل الصالح الذي يصدقه، والذي يوزن يوم‬
   ‫القيامة هي األعمال: فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه‬
‫هاوية [القارعة:2-9]. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة:2-‬
                                                                                           ‫2].‬
‫3) المجاهدة: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت:96]. ((حجبت النار بالشهوات وحجبت‬
      ‫الجنة بالمكاره))(37)[37]) مخالفة هوى النفس وطاعة الرحمن هي السبيل إلى تلك الجنان.‬
      ‫2) أن تحفظ جوارحك وحواسك عن الحرام: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه‬
  ‫مسؤوال [اإلسراء:63]. يوم ينظر المرء ما قدمت يداه [النبأ:02]. ((من يضمن لي ما بين لحييه‬
  ‫(عظما الحنك أي اللسان) وما بين رجليه (الفرج كناية عن الزنا) ضمنت له الجنة))(27)[27]).‬
       ‫وسأل عقبه بن عامر رسول اهلل فقال: ((يا رسول اهلل ما النجاة؟ فقال: امسك عليك لسانك،‬
                                                ‫وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(17)[17]).‬
                                            ‫1) أن يكون لك ورد تحافظ عليه في يومك وليلتك:‬
                                               ‫من قراءة لجزء من القرآن في كل ليلة ما أمكن.‬
‫والمحافظة على الصلوات المكتوبة في المسجد، والمحافظة على السنن الراتبة.‬
                        ‫وأن يكون لك ركعات بعد صالة العشاء ومن الليل.‬
                                ‫وأن تكون محافظا على األوراد واألدعية.‬
‫وأن تكون لك في كل باب من أبواب الخير نصيباً، لعلك تنجو وتزحزح وتفوز.‬


                                ‫-------------------------‬
                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                               ‫لم ترد .‬
                                                       ‫__________‬
                                     ‫(5) مختصر ابن كثير ج3ص027 .‬
                                     ‫(7) مختصر ابن كثير ج3 ص126.‬
                                     ‫(3) مختصر ابن كثير ج3 ص921.‬
                                    ‫(2) مختصر ابن كثير ج3 ص 297.‬
                         ‫(1) الطبراني في األوسط وروانه رواه الصحيح .‬
                                                       ‫(6) متفق عليه .‬
                                                            ‫(2) مسلم .‬
                                         ‫(2) رواه البيهقي واألصبهاني .‬
                                                   ‫(9) البزار والحاكم .‬
                                ‫(05) 05])الترمذي والنسائي وابن ماجة .‬
                              ‫(55) 55])مختصر ابن كثير ج7 ص252 .‬
                             ‫(75) 75])مختصر ابن كثير ج7 ص 631 .‬
                                        ‫(35) 35])ابن جرير والترمذي .‬
                                                 ‫(25) 25])متفق عليه .‬
                                    ‫(15) 15])رواه أحمد واللفظ المسلم .‬
                                        ‫(65) 65])الترمذي وابن حبان .‬
                                       ‫(25) 25])رواه البخاري ومسلم .‬
                                                  ‫(25) 25])الطبراني .‬
                              ‫(95) 95])مختصر ابن كثير ج3 ص321 .‬
                                 ‫(07) 07])الحاكم وقال صحيح اإلسناد .‬
                                                 ‫(57) 57])رواه مسلم .‬
                              ‫(77) 77])مختصر ابن كثير ج3 ص371 .‬
                                                                            ‫(37) 37])مسلم .‬
                                                                        ‫(27) 27])البخاري .‬
                                                                        ‫(17) 17])الترمذي .‬

‫(5/076)‬




                                                                                         ‫النية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                ‫التوحيد, العلم والدعوة والجهاد‬
                                                             ‫أحاديث مشروحة, شروط التوحيد‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                       ‫الدوحة‬
                                                                                 ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- معنى النية. 7-أهمية النية وموطنها. 3- أهمية حديث إنما األعمال بالنيات. 2- األجر‬
       ‫والوزر والنية. 1- مواطن نحتاج فيها إلى النية وتجديدها. 6- عواصم من انحراف النية.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
    ‫قال تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وال تعد عيناك‬
                                               ‫عنهم تريد زينة الحياة الدنيا [سورة الكهف:27].‬
     ‫عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ستة نفر، فقال المشركون للنبي : اطرد هؤالء ال‬
‫يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبالل ورجالن نسيت اسمهما، فوقع‬
   ‫في نفس رسول اهلل ما شاء اهلل أن يقع، فحدث نفسه فأنزل اهلل عز وجل اآلية. يقول ابن كثير:‬
      ‫إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي أن يجلس معهم وحدهم، وال يجالسهم مع‬
    ‫ضعفاء أصحابه كبالل وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود وليفرد أولئك بمجلس على حدة،‬
                                                                            ‫فنهاه اهلل عن ذلك.‬
‫و‬
‫لقد أرادها المشركون إقليمية طبقية وأبى اهلل إال أن تكون عالمية، فعلى أكتاف هؤالء الضعفاء تق َ‬
                                                                                     ‫الدعوات.‬
                ‫فما النية؟ ولماذا؟ وما مواطن حاجة العبد إليها؟ وما عواصم النية من االنحراف؟‬
     ‫أما النية: لغة: القصد واإلرادة، وقد جاء في كتاب اهلل بلفظ اإلرادة واالبتغاء قال تعالى: وما‬
           ‫ينفقون إال ابتغاء وجه اهلل ، وقال تعالى: يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .‬
                       ‫وحديث النية: ((إنما األعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))(5)[5]).‬
    ‫أصل عظيم في إسالمنا، صدر له البخاري كتابه (الجامع الصحيح) إشارة إلى أن كل عمل ال‬
‫يراد به وجه اهلل فهو مردود على صاحبه للحديث: ((إن العبد ليعمل أعماال حسنة فتصعد المالئكة‬
       ‫في صحف مختمة فتلقى بين يدي اهلل تعالى فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بما فيها‬
                                                                              ‫وجهي))(7)[7]).‬
 ‫والنية موطنها القلب، لذا كان القلب هو موضوع نظر الجبار سبحانه للحديث: ((إن اهلل ال ينظر‬
                       ‫إلى صوركم وال إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(3)[3]).‬
   ‫وحديث النية ثلث العلم ويدخل سبعين بابا من أبواب الفقه كما يقول اإلمام الشافعي رحمه اهلل،‬
  ‫فبالنية تتميز العبادات عن العادات، وتتميز العبادات عن بعضها، فالصيام البد له من نية تميزه‬
    ‫عن االنقطاع عن الطعام ألي سبب آخر من مرض أو غيره، والصالة البد من نية تتميز بها‬
     ‫الفرائض عن النوافل، وفي الصدقة البد من النية لتتميز الزكاة عن النذر عن الكفارة وهكذا.‬
 ‫والعبد يؤجر على النية الصالحة ويأثم على النية الفاسدة السيئة للحديث: ((إنما الدنيا ألربعة نفر:‬
‫رجل آتاه اهلل عز وجل علما وما ال فهو يعمل بعلمه في ماله فيقول رجل: لو آتاني اهلل تعالى مثل‬
     ‫ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في األجر سواء، ورجل آتاه اهلل ماال ولم يؤته علما فهو يتخبط‬
            ‫بجهله في ماله فيقول رجل: لو آتاني اهلل مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر‬
                                                                               ‫سواء))(2)[2]).‬
               ‫وأما مواطن حاجة العبد إلى النية: فالنية الزمة لكل عمل في أوله وأثنائه وآخره.‬
 ‫5- في أول العمل: فبواعث العمل في الناس مختلفة فذكر رب العزة أصنافا من الناس وبواعث‬
  ‫إقبالهم فمنهم المخادع قال تعالى: ومن الناس من يقول آمنا باهلل وباليوم اآلخر وما هم بمؤمنين‬
                  ‫يخادعون اهلل والذين آمنوا وما يخدعون إال أنفسهم وما يشعرون [البقرة:2-9].‬
     ‫ومنهم النفعي قال تعالى: ومن الناس من يعبد اهلل على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن‬
 ‫أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا واآلخرة ذلك هو الخسران المبين [الحج:55]، قال ابن‬
‫عباس: (كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غالما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن‬
‫لم تلد ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء)(1)[1]). ومنهم الصادق في إقباله قال تعالى: ومن الناس‬
 ‫من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اهلل واهلل رؤوف بالعباد [البقرة:207]، قال ابن عباس: (نزلت في‬
‫صهيب الرومي وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن‬
          ‫يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل اهلل فيه هذه اآلية)(6)[6]).‬
                                                                        ‫7- وفي أثناء العمل:‬
‫أ في تعبدنا، للحديث: ((من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي‬
                                                                         ‫فقد أشرك))(2)[2]).‬
     ‫ب- في جهادنا: أتى أعرابي رسول اهلل فقال: يا رسول اهلل الرجل يقاتل حميه والرجل يقاتل‬
 ‫شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه فأيهم في سبيل اهلل؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة اهلل هي العليا‬
      ‫فهو في سبيل اهلل))(2)[2]). وجاء في الخبر: (إن رجال قتل في سبيل اهلل وكان يدعى قتيل‬
   ‫الحمار)(9)[9])، ألنه رأى رجال فانطلق ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته.‬
  ‫والذي هاجر لينكح امرأة قال ابن مسعود: (هاجر رجل فتزوج امرأة منا وكان يسمى مهاجر أم‬
                                                                            ‫قيس)(05)[05]).‬
‫ج- واستحب العلماء أن يكون للعبد نية في الطيب الذي يضعه للحديث: ((ومن تطيب هلل جاء يوم‬
 ‫القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير اهلل جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة)).‬
   ‫قال الغزالي رحمه اهلل: فإن تطيب قاصدا التنعم بلذات الدنيا أو صرف القلوب إليه حتى يعرف‬
   ‫بطيب ريحه فذلك أنتن من الجيفة يكون، وإن أراد من التطيب اتباع السنة وإراحة إخوانه فهو‬
                                                                ‫المأجور على فعله(55)[55]).‬
‫3- في آخر العمل وخاتمته: وحتى تحفظ أعمالنا من الضياع والنقصان نحن بحاجة إلى النية في:‬
                                                                                     ‫ن‬
‫أال نم ّ بأعمالنا على اهلل والناس فذلك مما يذهب العمل، فاهلل سبحانه ال تضره المعصية وال تنفعه‬
 ‫الطاعة للحديث القدسي: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني،‬
  ‫يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك‬
   ‫في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد‬
 ‫منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد‬
 ‫واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إال كما يغمس المخيط في البحر‬
   ‫ثم انظر بما يرجع فيه يا عبادي إنما هي أعمالكم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد اهلل، ومن‬
                                               ‫وجد غير ذلك فال يلومن إال نفسه))(75)[75]).‬
‫وعندما جاءت بنو أسد إلى رسول اهلل فقالوا: يا رسول اهلل أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك فقال‬
 ‫رسول اهلل : ((إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم وأنزل اهلل قوله: يمنون عليك أن‬
           ‫أسلموا قل ال تمنوا علي إسالمكم بل اهلل يمن عليكم أن هداكم لإليمان إن كنتم صادقين‬
                                                                        ‫))[ق:25](35)[35]).‬
   ‫وكذا المنة على الناس لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ال تبطلوا صدقاتكم بالمن واألذى [سورة‬
           ‫البقرة:267]، وللحديث: ((ال يدخل الجنة عاق، وال منان، وال مدمن خمر، وال مكذب‬
   ‫بقدر))(25)[25])وفي قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [األنعام:065]: جاء اللفظ‬
 ‫القرآني (جاء) ولم يقل (عمل) إشارة إلى أن الحسنة ال تضاعف حتى تحفظها من كل ما ينقصها‬
    ‫من منة ورياء وسمعة حتى يأتي بها رب العزة وهي محفوظة من كل شائبة وعند ذلك تكون‬
                                                                 ‫الحسنة بعشر أمثالها فتأمل.‬
   ‫وما يفسد العمل أن يختمه بانحراف وردة للحديث: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما‬
  ‫يكون بينه وبينها إال ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل‬
    ‫بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إال ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة‬
 ‫فيدخلها))(15)[15])، لذا كان من عالمة رضا اهلل سبحانه وتعالى ما أخبر عنه المصطفى بقوله:‬
     ‫((إذا أراد اهلل بعبد خير استعمله. قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم‬
                                                                   ‫يقبض عليه))(65)[65]).‬
                                                            ‫وأما عواصم النية من االنحراف:‬
    ‫الدعاء: يقول أبو موسى األشعري: خطبنا رسول اهلل ذات يوم فقال: ((يا أيها الناس اتقوا هذا‬
‫الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل: قالوا: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال: قولوا اللهم‬
                 ‫إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما ال نعلمه))(25)[25]).‬
  ‫أن تجعل باعث العمل رضا اهلل سبحانه، وذلك ال يكون إال بعد طول مجاهدة ومحاسبة ومراقبة‬
‫والنية الخالصة ال يمكن اكتسابها بمجرد قول باللسان كالذي يقول: نويت أن أحب فالنا في اهلل فال‬
  ‫يمكن تحقق األمر إذا لم يكن هناك باعث إيماني غمر القلب بأنواره حتى تنبعث منه هذه النيات‬
  ‫ولهذا امتنع جماعة من السلف عن بعض األعمال إذا لم تحضرهم النية، وكان بعضهم يقال له:‬
                                     ‫تعال نذهب لزيارة فالن فيقول: اصبر حتى أحدث له نية.‬
 ‫أن تعد نفسك للحساب فاهلل تعالى يقول: ليسأل الصادقين عن صدقهم (الصادقين المبلغين المؤدين‬
  ‫عن الرسل)(25)[25]) وقيل: (يقال لهم: هل كان تصديقكم لوجه اهلل)؟(95)[95]). أقول فليحذر‬
   ‫الدعاة إلى اهلل من أن تكون دعوتهم لشخوصهم وذواتهم وأفكارهم وليست هلل تعالى، ولو كانت‬
     ‫دعوتهم هلل حقيقية لما كان هذا الشتات وتلك الفرقة وذلك التمحل والتحذلق ثم اإلعراض عن‬
  ‫األصول من ربانية وعالمية وشمولية وجهاد والكل يقرأ كتاب اهلل ولكن كما تقول عائشة رضي‬
                                                 ‫اهلل عنها: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                   ‫لم ترد .‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                           ‫(5) متفق عليه .‬
                                        ‫(7) أخرجه الدار قطني من حديث أنس بإسناد حسن .‬
                                                                         ‫(3) أخرجه مسلم .‬
                                                                  ‫(2) رواه الترمذي .‬
                         ‫(1) مختصر ابن كثير مجلد 7 ص 731 / سورة الحج آية (55) .‬
                       ‫(6) مختصر ابن كثير / مجلد 5 ص 125 – سورة البقرة آية 207 .‬
                                                                   ‫(2) رواه البيهقي .‬
                                                                     ‫(2) متفق عليه .‬
                                 ‫(9) رواه أبو اسحاق الفزاري في السنن من وجه مرسل .‬
                                               ‫(05) 05])أخرجه الطبراني بإسناد جيد .‬
   ‫(55) 55])احياء علوم الدين مجلد 2 ص 263 ، والحديث أخرجه أبو الوليد الصفار مرسال .‬
                                                               ‫(75) 75])رواه مسلم .‬
                      ‫(35) 35])مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 963 والحديث رواه البزار .‬
                                                   ‫(25) 25])أخرجه أحمد وابن ماجة .‬
                                                               ‫(15) 15])متفق عليه .‬
                                                      ‫(65) 65])رواه أحمد والترمذي .‬
                                            ‫(25) 25])رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى .‬
                                          ‫(25) 25])مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 32 .‬
                                              ‫(95) 95])األلوسي مجلد 573 ص 115 .‬

‫(5/576)‬




                                                                               ‫اللسان‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                             ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                         ‫آفات اللسان‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                           ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                              ‫الدوحة‬
                                                                        ‫الريان الكبير‬
                                        ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                      ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- خطورة اللسان وأنه سبب لورود النار. 7- المنطق عند الطير والحيوان. 3- أفضل الكالم‬
     ‫كالم اهلل. 2- عاقبة الصدق في الدنيا واآلخرة. 1- نماذج من مآثم اللسان. 6- دعوة القرآن‬
                                                                             ‫لألدب في المنطق.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة األولى‬
‫قال تعالى: ولقد خلقنا اإلنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى‬
        ‫المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إال لديه رقيب عتيد [ق:65-25].‬
  ‫فإذا كنا نحتال على قضاء الدنيا وقضاتها بالجاه والمال واإلنكار بالحجة الكاذبة واليمين الغموس‬
  ‫فإن شهود اآلخرة ليسوا كذلك، وأعظم شهادة هو اهلل فقد أحاط علمه بما توسوس به نفس العبد،‬
                                    ‫وال يتكلم العبد بكلمة إال ولها رقيب يرقبها، معد لذلك يكتبها.‬
                         ‫فما اللسان؟ وما خطره؟ وما أنواع النطق؟ وما أدب النطق في إسالمنا؟‬
  ‫أما اللسان: فهو رسول القلب وترجمانه ودليله، صغير جرمه، عظيم خطره، وأعصى األعضاء‬
                                                                       ‫على اإلنسان هو اللسان.‬
  ‫واللسان آية سبحان مبدعها وصانعها، فاللسان واحد في الشكل والمنظر ولكن الكالم مختلف قال‬
 ‫تعالى: ومن آياته خلق السماوات واألرض واختالف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك آليات للعالمين‬
                                                                                    ‫[الروم:77].‬
  ‫واللسان باب عظيم إلى النار لحديث معاذ بن جبل: ((أنؤاخذ على ما نقول؟ فقال : ثكلتك أمك يا‬
   ‫معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إال حصائد ألسنتهم))(5)[5]). كما أنه باب عظيم‬
                     ‫ال‬
‫إلى الجنة للحديث: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اهلل ال يلقي لها با ً يرفعه اهلل بها درجات‬
‫وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اهلل ال يلقي لها باال يهوي بها سبعين خريفا في جهنم))(7)[7]).‬
 ‫واللغة والنطق ليست فارقا بين اإلنسان والحيوان بل لكل لغته قال تعالى: وإن من شيء إال يسبح‬
  ‫بحمده ولكن ال تفقهون تسبيحهم [اإلسراء:22]. وحشر لسليمان جنوده من الجن واإلنس والطير‬
    ‫فهم يوزعون حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ال يحطمنكم‬
                       ‫سليمان وجنوده وهم ال يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها [النمل:25-95].‬
    ‫واإلمساك عن فضول الكالم نجاة، قال عقبة بن عامر: يا رسول اهلل ما النجاة؟ فقال: ((أمسك‬
   ‫عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(3)[3]). وكان أبو بكر يضع الحصاة في فيه‬
  ‫يمنع بها نفسه عن الكالم، وكان الربيع بن خثيم إذا أصبح أعد قلما ودواة وقرطاسا فكل ما يتكلم‬
                                                           ‫به يكتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء.‬
                                                                      ‫وما أنواع النطق والكالم؟‬
‫فأعظم الكالم وأكرمه هو كالم رب العالمين، كالمه بالقرآن الكريم، والعبد يتعبد اهلل تعالى بقراءته‬
    ‫أو سماعه أو النظر إليه كما ذكر ذلك غير واحد من السلف للحديث: ((من استمع إلى آية من‬
                    ‫كتاب اهلل كتبت له حسنة مضاعفة ومن تالها كانت له نور القيامة))(2)[2]).‬
        ‫وكان من السلف من يحرص أال يتحدث إال بآيات من كتاب اهلل مخافة الوقوع في الزلل.‬
  ‫يقول عبد اهلل بن المبارك رحمه اهلل تعالى: خرجت إلى بيت اهلل الحرام وزيارة مسجد نبيه عليه‬
 ‫الصالة والسالم، فبينما أنا في الطريق إذا أنا بسواد على الطريق فإذا امرأة عجوز فقلت: السالم‬
 ‫عليكم ورحمة اهلل وبركاته فقالت: سالم قوال من رب رحيم فقلت: رحمك اهلل ما تصنعين في هذا‬
       ‫المكان؟ قالت: ومن يضلل اهلل فال هادي له ، فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها: أين‬
 ‫تريدين؟ قالت: سبحان الذي أسرى بعبده ليال من المسجد الحرام إلى المسجد األقصى فعلمت أنها‬
   ‫قد قضت حجتها وتريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟ قالت: ثالث ليال‬
 ‫سويا ، فقلت: ما أرى معك طعاما تأكلين. قالت هو يطعمني ويسقين فقلت: بأي شيء تتوضئين؟‬
  ‫قالت: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فقلت: لم ال تتكلمين مثل ما أكلمك؟ قالت: ما يلفظ‬
‫من قول إال لديه رقيب عتيد فقلت: هل أوصلك إلى حيث تريدين قالت: وما تفعلوا من خير يعلمه‬
                                                                              ‫اهلل فلحقنا بالقافلة.‬
                                                                     ‫ر‬
     ‫والمحروم من ح ّم جوفه القرآن للحديث: ((إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت‬
      ‫الخرب))(1)[1]). ((إن أصغر (أي أحقر وأقلها بركة) البيوت بيت ليس فيه شيء من كتاب‬
                                                                                  ‫اهلل))(6)[6]).‬
                                                                                ‫النطق الصادق:‬
                                                                                   ‫أ- في الدنيا:‬
      ‫االستقامة على قولة الحق التي قالها تعالى: إن الذين قالوا ربنا اهلل ثم استقاموا تتنزل عليهم‬
   ‫المالئكة أال تخافوا وال تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت:03]. قرأها النبي ثم‬
‫قال: ((قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها))(2)[2]). وللصدق أثر‬
‫في القول والصوت. عندما دخل النبي المدينة، قال أحد المشركين بعد سماعه لحديث المصطفى :‬
   ‫((واهلل ما هو بوجه كذاب وال بصوت كذاب))، وصدق العهد الذي بين اهلل وعباده أن يبذلوا له‬
 ‫المال واألرواح قال تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اهلل عليه فمنهم من قضى نحبه‬
‫ومنهم من ينتظر [األحزاب:37]. قال ابن كثير: ينتظر الشهادة، فيحيا حياة الشهداء فال ركون إلى‬
      ‫الدنيا، وال حرص على الدنيا وال تضييع لفرائض اهلل تعالى للحديث: ((من سأل اهلل الشهادة‬
                                 ‫بصدق بلغه اهلل منازل الشهداء وإن مات على فراشه))(2)[2]).‬
                                                                               ‫ب- في اآلخرة:‬
  ‫ضحك النبي ثم قال: ((عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: أي ربي أليس قد وعدتني‬
  ‫أن ال تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني ال أقبل علي شاهدا إال من نفسي، فيقول اهلل تعالى أوليس‬
‫كفى بي شهيدا والمالئكة الكرام الكاتبين. فيردد ذلك مرارا، فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان‬
                                                       ‫يعمل فيقول: بعدا َّ وسحقا عنكن‬
        ‫َّ كنت أجادل))(9)[9]). قال ابن عباس تخاصم األفواه‬         ‫لكن‬
    ‫الجوارح فتقول الجوارح: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اهلل الذي أنطق كل شيء‬
‫[فصلت:57]. قال تعالى: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون‬
                                                                                     ‫[يس:16].‬
                                                                                    ‫النطق اآلثم:‬
     ‫5- أن يقول العبد ما ال يعتقده: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اهلل واهلل يعلم إنك‬
        ‫لرسوله واهلل يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون:5]. كاذبون ألنهم قالوا ما ال يعتقدونه.‬
‫7- أن يقول العبد ما ال يفعله قال تعالى: لم تقولون ما ال تفعلون كبر مقتا عند اهلل أن تقولوا ما ال‬
                                                                         ‫تفعلون [الصف:7-3].‬
 ‫اإلساءة إلى منهج اهلل وأوليائه: ((شرار عباد اهلل المشاؤون بالنميمة المفرقون بين األحبة الباغون‬
  ‫للبرءاء العيب))(05)[05]). أي الذين يلصقون التهم والشبهات للبرءاء ألجل إلحاق الضرر بهم‬
             ‫بالكلمة المسموعة أو المقروءة وستبقى كل كلمة كتبت محفوظة حتى يلقى العبد ربه.‬
                                                  ‫وما من كاتب إال ستبقى كتابته و إن فنيت يداه‬
                                             ‫فال تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه‬
 ‫إشاعة الفاحشة في األمة وتحبيب الفاحشة إليهم قال تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في‬
 ‫الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا واآلخرة واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [النور:95]. فبمجرد حب‬
‫إشاعة الفاحشة استحقوا هذا الوعيد من العذاب فكيف بمن يروجون لها ويدعون إليها، اللهم نسألك‬
                                                                                        ‫العافية.‬
                                                                        ‫أدب النطق في إسالمنا:‬
       ‫اللين حتى مع المخالف: اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقوال له قوال لينا لعله يتذكر أو يخشى‬
      ‫[طه:32-22]. وبال أعرابي في المسجد فقام األصحاب ليوقعوا به فمنعهم رسول اهلل وقال:‬
  ‫((دعوه حتى يكمل بوله)) ثم دعى بسطل ماء وصبه على بول الرجل ثم قال لألصحاب: ((إنما‬
        ‫بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين فيسروا وال تعسروا وبشروا وال تنفروا)) ثم التفت إلى‬
   ‫األعرابي وقال: ((إنما بنيت المساجد لذكر اهلل وللصالة)) فلما حسن أدب األعرابي في اإلسالم‬
                         ‫كان يقول: بأبي هو وأمي رسول اهلل لم يعنفني ولم يؤنبني))(55)[55]).‬
 ‫البعد عن السخرية والطعن: ال يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم وال نساء من نساء‬
                                                          ‫عسى أن يكن خيرا منهن [الحجرات].‬
                                                               ‫إذا شئت أن تحيا سليما من األذى‬
                                                                ‫وحظك موفور و عرضك صين‬
                                                                  ‫لسانك ال تذكر به عورة امرئ‬
                                                                    ‫فكلك عورات و للناس ألسن‬
                                     ‫وعينك إن أبدت لديك معايبا فصنها وقل يا عين للناس أعين‬
                                       ‫وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى‬
                                            ‫وفارق ولكن بالتي هي أحسن‬


                                 ‫-------------------------‬
                                                          ‫الخطبة الثانية‬
                                                               ‫لم ترد .‬
                                                        ‫__________‬
                                                 ‫(5) الترمذي والحاكم .‬
                                               ‫(7) ابن ماجة والترمذي .‬
                                                         ‫(3) الترمذي .‬
                                                            ‫(2) أحمد .‬
                                                 ‫(1) الترمذي والحاكم .‬
                                                          ‫(6) الحاكم .‬
          ‫(2) النسائي والبزار عن أنس / مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 767 .‬
                                                            ‫(2) مسلم .‬
                                                            ‫(9) مسلم .‬
                                                      ‫(05) 05])أحمد .‬
                                                      ‫(55) 55])مسلم .‬

‫(5/776)‬




                                                                  ‫السمع‬
                                    ‫-----------------------‬
                                                       ‫موضوعات عامة‬
                                                           ‫مخلوقات اهلل‬
                                    ‫-----------------------‬
                                              ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                 ‫الدوحة‬
                                                          ‫الريان الكبير‬
                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- السمع وأنواعه باعتبار الجارحة. 7- أيهما أفضل السمع أم البصر؟ 3- من صفات اهلل‬
 ‫السميع. 2- أمور أمر الشرع باستماعها. 1- أمور نهى الشرع عن استماعها. 6- موقف السلم‬
                                                                                 ‫من السماع.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
                ‫قال تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤوال [اإلسراء:63].‬
‫نوافذ االستقبال والعلم والتأمل والتدبر والرؤية السمع والبصر والفؤاد، والعبد مسؤول عن أعمالها‬
‫فيما يحبه اهلل ويرضاه يقول ابن عباس : يسأل اهلل العباد فيما استعملوا هذه الثالثة السمع والبصر‬
                                                                                     ‫والفؤاد.‬
                                               ‫فما السمع؟ وما أنواعه؟ وما موقف المسلم منه؟‬
 ‫أما السمع: آلة سبحان مبدعها وخالقها، فهي القدرة على التقاط األصوات بواسطة األذن، والسمع‬
                                                                                      ‫نوعان:‬
                                                           ‫خلقي: وهو ميسر لكل صاحب آلة.‬
                      ‫وسمع فهم وتدبر: وهذا وقف على أصحاب الصالت القوية مع اهلل تعالى.‬
 ‫وقد أنزل اهلل تعالى المعطلين ألسماعهم عن سماع الحق منزلة الذي ال سمع له قال تعالى حكاية‬
   ‫عن أهل النار: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [تبارك:05]. ولقد ذرأنا‬
      ‫لجهنم كثيرا من الجن واإلنس لهم قلوب ال يفقهون بها ولهم أعين ال يبصرون ولهم آذان ال‬
                                                                ‫يسمعون بها [األعراف:925].‬
  ‫وإذا أفسد العبد إيمانه بالكفر فسد عليه سمعه فهو يتقزز وينفر من ذكر اهلل والطاعة ويأنس لكل‬
‫باطل ولغو قال تعالى: وإذا ذكر اهلل وحده اشمأزت قلوب الذين ال يؤمنون باآلخرة وإذا ذكر الذين‬
                              ‫من دونه إذا هم يستبشرون [الزمر:12] من أغنية عاهرة أو لغو.‬
        ‫والسمع أفضل من البصر: يقول ابن القيم رحمه اهلل تعالى: من عدم السمع عدم المواعظ‬
  ‫والنصائح وانسدت عليه أبواب العلوم وانفتحت عليه أبواب الشهوات التي يراها بعينه. ولهذا لم‬
                                        ‫ل‬
    ‫يكن في الصحابة أطرش وكان منهم جماعة عميان وق ّ أن يبتلي اهلل أولياءه بالطرش ويبتلي‬
                                                                   ‫كثيرا منهم بالعمى(5)[5]).‬
   ‫أنواعه: وأعظم السمع سمع الحق جل وعال وهو سمع يليق بجالله، من غير تشبيه وال تعطيل‬
 ‫يقول علماء العقيدة: (كل ما خطر ببالك فهو على خالف ذلك) قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو‬
   ‫السميع البصير [الشورى:55]. ومن سمعه جل وعال: سماعه سبحانه للقرآن وقارئه: ((هلل أشد‬
                  ‫أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته))(7)[7]).‬
‫سماعه سبحانه للشكوى: خولة بنت ثعلبة: تقول عائشة رضي اهلل عنها: ((تبارك الذي وسع سمعه‬
  ‫كل شيء، إني ألسمع كالم خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول‬
     ‫اهلل وهي تقول: يا رسول اهلل، أكل مالي، وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني‬
   ‫وانقطع ولدي ظاهر مني (أي قال: لها أنت علي كظهر أمي) قال رسول اهلل (ما أعلمك إال قد‬
‫حرمت عليه) وكان الظهار يعد طالقا فقالت: أشكو إلى اهلل ما نزل بي وبصبيتي. فأنزل اهلل تعالى‬
‫قوله: قد سمع اهلل قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اهلل واهلل يسمع تحاوركما إن اهلل سميع‬
      ‫بصير [المجادلة:5]. ثم قال : مريه فليعتق رقبة، فقالت: واهلل ما عنده ما يعتقه، فقال: مريه‬
  ‫فليصم شهرين متتابعين قالت: واهلل إنه لشيخ كبير ما به صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا‬
  ‫من تمر، فقالت: واهلل يا رسول اهلل ما ذاك عنده، فقال : فإنا سنعينه بفرق من تمر، فقالت: وأنا‬
   ‫سأعينه بفرق آخر فقال : قد أصبت وأحسنت فاذهبي وتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك‬
                                                               ‫خيرا، فقالت: ففعلت))(3)[3]).‬
     ‫سماعه للدعاء: رفع األصحاب أصواتهم بالدعاء عندما اقتربوا من المدينة فقال : ((إن الذي‬
          ‫تدعون ليس بأصم وال غائب إن الذي تدعون سميعا بصيرا وهو أقرب إليكم من أعناق‬
     ‫ركابكم))(2)[2]). قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان‬
                                       ‫فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة:625].‬
                                                       ‫سماع: وهو سماع كريم في كل أحواله:‬
  ‫أ- عند مولده: من السنة أن يؤذن في أذن المولود اليمين ويقيم في األذن اليسرى ليكون أول ما‬
     ‫يطرق سمعه اسم اهلل تعالى، للحديث: ((من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام الصالة في‬
                                         ‫اليسرى لم تضره أم الصبيان))(1)[1]). وهي القرينة.‬
           ‫ب- سماعه القرآن: قال تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‬
    ‫[األعراف:207]. وللحديث: ((من استمع إلى آية من كتاب اهلل كتبت له حسنة مضاعفة، ومن‬
                                                     ‫تالها كانت له نورا يوم القيامة))(6)[6]).‬
      ‫ج- والعمل به وهي طبيعة التلقي للتنفيذ يقول ابن مسعود : إذا سمعت "يا أيها الذين آمنوا"‬
                                         ‫فأرعها أذنيك فإما هو خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.‬
       ‫د- سماع اإلمام إذا خطب يوم الجمعة للحديث: ((من تكلم يوم الجمعة واإلمام يخطب فهو‬
    ‫كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت ال جمعة له))(2)[2])، قال الشافعي: لو عطس‬
     ‫رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه ألن التشميت سنة، ولو سلم رجل على رجل‬
  ‫كرهت ذلك ورأيت أن يرد عليه ألن السالم سنة ورده فرض(2)[2]). وكذا الصالة على رسول‬
                ‫اهلل لألمر الرباني: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [األحزاب:61].‬
                                                        ‫سماع آثم: وهو على صور شتى منها:‬
     ‫أ- سماع الغيبة: للحديث: ((المغتاب والمستمع شريكان))(9)[9]). وعلى المسلم أن يرد عن‬
‫عرض أخيه للحديث: ((من رد عن عرض أخيه رد اهلل عن وجهه النار يوم القيامة))(05)[05]).‬
                ‫ب- التجسس بقصد إيقاع الضرر بمسلم بسبب إسالمه للحديث: ((ال يدخل الجنة‬
‫نمام))(55)[55]). ((من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقي اهلل مكتوبا بين عينيه يائس من‬
  ‫رحمة اهلل))(75)[75])، ذكر ابن القيم رحمه اهلل تعالى في كتابه الروح: أن رجال دفن أختا له،‬
‫فلما ولى أدرك أنه قد سقطت حافظة نقوده في القبر عند الدفن فعاد فلما نبش القبر وجد أخته وقد‬
‫أحاطت بها النار من كل جانب فأهال التراب وعاد مصعوقا إلى أمه يسألها عما كانت تعمل أخته‬
   ‫من سوء فقالت: إنها كانت تصلي من غير وضوء وكانت تتسمع إلى الجيران وتنقل أخبارهم.‬
    ‫ج- سماع الشائعة وترديدها للحديث: ((كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع))(35)[35])،‬
‫وعندما تحدث رأس المنافقين في عائشة رضي اهلل عنها في حادثة اإلفك وجاءت براءتها من فوق‬
    ‫سبع سماوات جاء التأديب من اهلل تعالى للمؤمنين في أدب سماع الشائعة قال تعالى: ولوال إذ‬
‫سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [النور:65]. ورأس المنافقين هو‬
                                                                     ‫عبد اهلل بن أبي بن سلول.‬
                                                         ‫وما موقف المسلم من السمع والسماع:‬
   ‫أن نتدرج ونترقى بأسماعنا من دركات المعصية إلى مدارج الطاعة فأسمعها القرآن وذكر اهلل‬
   ‫والنصيحة والكلم الطيب حتى تعتاده، يقول عمر : (لوال ثالثة ما أحببت البقاء: تجهيز الجيوش‬
  ‫في سبيل اهلل، ومكابدة الليل بالقيام، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكالم كما ينتقي الناس أطايب‬
                                                                                       ‫الثمر).‬
 ‫البعد عن مجالس الكفر واللغو الفاحش قال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض‬
‫عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فال تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين‬
 ‫[األنعام:26]. وإال كانت المساواة فيما هم فيه واإلثم الحق قال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب‬
‫أن إذا سمعتم آيات اهلل يكفر بها ويستهزأ بها فال تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم‬
                                                                       ‫إذا مثلهم [النساء:025].‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد .‬
                                                                              ‫__________‬
                                                                       ‫(5) مفتاح دار السعادة.‬
                                                                                    ‫(7) أحمد.‬
                                                                                    ‫(3) أحمد.‬
                                                                              ‫(2) متفق عليه.‬
                                                              ‫(1) رواه البيهقي وابن السني.‬
                                                                                ‫(6) أحمد.‬
                                                                                ‫(2) أحمد.‬
                                                           ‫(2) فقه السنة مجلد5 ص 227 .‬
                                                                             ‫(9) الطبري.‬
                                                      ‫(05) 05])الترمذي وقال حديث حسن.‬
                                                                     ‫(55) 55])متفق عليه.‬
                                                                      ‫(75) 75])ابن ماجة.‬
                                                                          ‫(35) 35])مسلم.‬

‫(5/376)‬




                                                                                      ‫الشم‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                          ‫موضوعات عامة‬
                                                                              ‫مخلوقات اهلل‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                    ‫الدوحة‬
                                                                              ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- تعريف بآلة الشم ونعمة الشم ونعمة األنف. 7- من السنة وضع الطيب. 3- حاسة البصر‬
 ‫والشتم عند اإلنسان والحيوان. 2- أنواع طيبة من الريح. 1- أنواع خبيثة من الريح. 6- أحكام‬
                                                                           ‫متعلقة بالرائحة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة األولى‬
  ‫قال تعالى: وال تطع كل حالف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم‬
  ‫أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير األولين سنسمه على الخرطوم [القلم:05-‬
   ‫65]. توجيه اهلل لرسوله أال يطيع من كانت هذه مثالبه كثير الحلف، حقير، عياب، نمام، كثير‬
  ‫اإلثم، دعي في قومه استقوى بماله وولده فقال كفرا فتوعده رب العزة أن يجعل له عالمة على‬
  ‫أنفه وهو مكان العزة والحمية عند العربي وهو أكرم موضع والمراد ب سنسمه أي سنهينه في‬
                                                                   ‫الدنيا ونذله غاية اإلذالل.‬
                      ‫فما آلة الشم؟ وما أنواع ما يجده العبد من ريح؟ وما األحكام المتعلقة به؟‬
  ‫أما آلة الشم: فهي آية إدراك الروائح بواسطة األنف سبحان مبدعه وخالقه، أودع اهلل فيه حاسة‬
                                   ‫الشم وبها تدرك الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة.‬
‫تأمل ابن القيم رحمه اهلل بديع صنع اهلل في األنف فقال: نصب اهلل سبحانه قصبة األنف في الوجه‬
  ‫فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه المنخرين وحجز بينهما بحاجز فإذا نزلت الفضالت من‬
‫أحد المنافذ في الغالب يبقى اآلخر للتنفس وجعل أعاله أدق من أسفله، فإذا تجمعت فيه الفضالت‬
                                                                    ‫خرجت بسهولة(5)[5]).‬
‫ومن السنة وضع الطيب وقبوله إذا عرض للحديث: ((من عرض عليه طيب فال يرده فإنه خفيف‬
                                                            ‫المحمل طيب الرائحة))(7)[7]).‬
‫وشبه الرسول الجليس الصالح بحامل المسك فقال: ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل‬
 ‫المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تجد منه ريحا طيبا ونافخ الكير إما أن‬
                                         ‫يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة))(3)[3]).‬
  ‫وحاسة الشم لدى اإلنسان قاصرة والكلب خير منه في ذلك وبه يستعان لكشف المجرمين وتتبع‬
‫آثارهم، وكذا جميع حواس اإلنسان قاصرة ففي سمعه ال يسمع إال ما كان تردده من 1 –17 ألف‬
    ‫ذبذبة في الثانية فما نقص أو زاد ال يسمع. وبصر اإلنسان قاصر فهو ال يرى عالم الجراثيم‬
 ‫والبكتريا إال بواسطة المجهر، فال يجوز بل من الغباء أن ينكر العبد وجود عالم غيبي كالمالئكة‬
                  ‫أو الجن ألنه ال يجد لهم لونا أو طعما أو رائحة وهو قاصر في حواسه تلك..‬
                                                   ‫والقاعدة ليس كل ما ال تراه ليس موجودا.‬
                     ‫والفطر السليمة تتفق على استحسان الريح الطيب واستقذار الريح الخبيث.‬
                                                              ‫وأما أنواع ما يجده من الريح:‬
        ‫فأكرم الريح ريح الجنة، قال تعالى: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم‬
‫[الواقعة:22-92]. والحب ذو العصف والريحان [الرحمن:75]. والريحان: كل نبت طيب الريح،‬
  ‫وفي الحديث: ((أال مشمر للجنة فإن الجنة ال خطر لها، وهي ورب الكعبة نور تتألأل وريحانة‬
   ‫تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة)) قالوا: نعم يا رسول اهلل‬
   ‫نحن المشمرون لها، قال: قولوا: إن شاء اهلل فقال القوم: إن شاء اهلل))(2)[2]). والمحروم من‬
  ‫حرم ريحها وهو يوجد من مسيرة خمسمائة عام للحديث: ((صنفان من أهل النار لم أرهما قوم‬
 ‫معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائالت مميالت رؤوسهن‬
  ‫كأسنمة البخت المائلة ال يرون الجنة وال يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا))‬
                                                       ‫وفي رواية ((خمسمائة عام))(1)[1]).‬
‫ومن الريح الطيب ريح األنبياء عليهم الصالة والسالم: يقول أنس: صحبت رسول اهلل عشر سنين‬
 ‫وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهته. وكان عرقه الطيب فعن جابر قال: ((كان في‬
       ‫رسول اهلل خصال لم يكن في طريق فسلكه أحد إال عرف أنه سلكه من طي عرقه أو ريح‬
  ‫عرقه))(6)[6]). ثم ريح يوسف عليه السالم عندما قال لمن كان عنده من إخوته بعد أن عرفهم‬
  ‫بنفسه، قال تعالى: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين‬
    ‫ولما فصلت العير قال أبوهم إني ألجد ريح يوسف لوال أن تفندون قالوا تاهلل إنك لفي ضاللك‬
     ‫القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا [يوسف:39-69]. خرجت العير من‬
‫عريش مصر ويعقوب قريبا من بيت المقدس مسيرة ثماني أيام ولألنبياء مقام كريم، وعلم وكرامة‬
    ‫ومعجزة لمنزلتهم من اهلل تعالى: قال ألم أقل لكم إني أعلم من اهلل ما ال تعلمون [يوسف:69].‬
‫ريح دم الشهيد: والشهيد الذي يقتل في سبيل اهلل ال يصلى عليه وال يغسل لكرامته، ال يصلى عليه‬
   ‫ألنه في نص القرآن قال تعالى: وال تحسبن الذين قتلوا في سبيل اهلل أمواتا بل أحياء عند ربهم‬
      ‫يرزقون [آل عمران:965]. وال يغسلون للحديث: ((ال تغسلوهم فإن كل دم يفوح مسكا يوم‬
‫القيامة))(2)[2])، بل إن الغبار الذي يثار في سير المجاهد من طيب الجنة للحديث: ((بينما رسول‬
 ‫اهلل يسير إذا بشاب من قريش يسير معتزال فقال: أليس ذلك فالن؟ قالوا: نعم، قال: فادعوه، فجاء‬
‫فقال له النبي مالك اعتزلت عن الطريق؟، قال: كرهت الغبار، قال: فال تعتزله فوالذي نفسي بيده‬
    ‫إنه لذريرة (نوع من الطيب) الجنة))(2)[2])، وكتب ابن المبارك إلى الفضيل ابن عياض من‬
                ‫ساحات الجهاد، والفضيل مجاور الحرمين يقول له في أبيات تكتب بماء الذهب:‬
                                        ‫يا عباد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب‬
                                        ‫من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب‬
                                    ‫ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار األطيب‬
                                    ‫ال يستوي غبار خيل اهلل في أنف امرئ و دخان نار تلهب‬
                                          ‫هذا كتاب اهلل ينطق بيننا ليس الشهيد بميت ال يكذب‬
‫ريح خبيثة: كريح المرأة إذا استعطرت لغير زوجها للحديث: ((أيما امرأة مرت على قوم فوجدوا‬
  ‫ريحها فهي زانية))(9)[9])، وفي الحديث في ليلة اإلسراء: ((مررت بجب منتن الريح فسمعت‬
    ‫فيه أصواتا شديدة فقلت: من هؤالء يا جبريل؟ قال: نساء كن يتزين للزينة ويفعلن ما ال يحل‬
  ‫لهن))(05)[05]). أي الالتي يظهرن التبرج ويتعطرن ويتحلين لصيد الرجال في شرك الغواية.‬
 ‫وللغيبة ريح عن جابر قال: ((كنا مع النبي فارتفعت ريح منتنة فقال رسول اهلل : أتدرون ما هذه‬
   ‫الريح؟، هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين))(55)[55]). وفي اآلخرة عقابهم كما جاء في حديث‬
  ‫اإلسراء: ((لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت:‬
               ‫من هؤالء؟، قال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم))(75)[75]).‬
                                                      ‫ومن األحكام المتعلقة بهذا الموضوع:‬
‫في صالتنا: أن نبعد عن كل ريح خبيثة كالثوم والبصل ومن باب أولى هو الدخان للحديث: ((من‬
        ‫أكل الثوم والبصل والكراث فال يقربن مسجدنا فإن المالئكة تتأذى مما يتأذى به ابن آدم‬
                                                         ‫))(35)[35]) إال أن يميتها طبخا.‬
  ‫إذا شك المتوضئ في الحدث: هل أحدث أم ال؟، فإنه ال يضره حتى يستيقن للحديث: ((إذا وجد‬
‫أحدكم في بطنه شيئا فاشكل عليه اخرج منه شيء أم ال، فال يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا‬
                                                                ‫أو يجد ريحا))(25)[25]).‬
  ‫أن يتطهر اإلنسان ويتطيب ويتنظف عند مجيئه إلى المسجد لقوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل‬
            ‫مسجد [األعراف:53]. وللحديث: ((حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم‬
                                                                     ‫الجمعة))(15)[15]).‬


                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                 ‫لم ترد .‬
                                                                          ‫__________‬
                                                                   ‫(5) مفتاح دار السعادة.‬
                                                                               ‫(7) مسلم.‬
                                                                ‫(3) رواه البخاري ومسلم.‬
                                                                      ‫(2) رواه ابن ماجة.‬
                                                                          ‫(1) رواه مسلم.‬
                                                              ‫(6) البيهقي في دالئل النبوة.‬
                                                                          ‫(2) رواه أحمد.‬
                                                                      ‫(2) رواه الطبراني.‬
                                                                          ‫(9) رواه أحمد.‬
                                                                 ‫(05) 05])رواه أبو داود.‬
                                                                    ‫(55) 55])متفق عليه.‬
                                                                    ‫(75) 75])رواه مسلم.‬
                                                                    ‫(35) 35])متفق عليه.‬
                                                     ‫(25) 25])رواه الجماعة إال الترمذي.‬
‫(5/276)‬




                                                                                      ‫الصبر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                    ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                              ‫مكارم األخالق‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                      ‫الدوحة‬
                                                                                ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- معنى الصبر. 7- صور للصبر على المصائب. 3- ضرورة الصبر لحياتنا. 2- أنواع‬
                                                        ‫الصبر. 1- موقف المسلم من الصبر.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
 ‫قال تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا وال مبدل‬
 ‫لكلمات اهلل ولقد جاءك من نبأ المرسلين [األنعام:23]. جرت سنة اهلل تعالى أن األنبياء ومن سار‬
 ‫على دربهم هم أشد الناس بالء، والصبر هو ملجأ األنبياء وأصحاب البالء في كل زمان ومكان.‬
                        ‫فما الصبر؟ وهل نحن بحاجة إلى الصبر؟ وما أنواعه؟ وما موقفنا منه؟‬
   ‫أما الصبر: فهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع، في عقولنا فنوقن بقصورها عن اإلحاطة‬
   ‫بحكمة اهلل عز وجل فيما قضى وقدر: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا‬
  ‫شيئا وهو شر لكم واهلل يعلم وأنتم ال تعلمون [البقرة:657]. وفي ألسنتنا فال نتجاوز ما أخبر به‬
    ‫الحق عن أوليائه عند المصيبة قولهم: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا هلل وإنا إليه راجعون‬
‫[البقرة:615]. وفي الجوارح فال تظهر التسخط للحديث: ((ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب‬
 ‫ودعا بدعوى الجاهلية))(5)[5]). وللحديث: ((من ضرب فخذه - أي عند المصيبة- حبط أجره،‬
                                                       ‫والصبر عند الصدمة األولى))(7)[7]).‬
                                                            ‫وأما هل نحن بحاجة إلى الصبر ؟‬
   ‫5- فنعم ذلك ألن الدنيا دار بالء وهموم وغموم تذيب القلب وتطحن البدن فيعقوب عليه السالم‬
  ‫فقد بصره من كثرة بكائه لفقده يوسف عليه السالم فلم يجد غير الشكوى إلى اهلل والصبر ملجأ:‬
‫فصبر جميل واهلل المستعان على ما تصفون [يوسف:25]. سئل اإلمام علي : (ما أشد جند اهلل عز‬
  ‫وجل؟ فقال: الجبال، والحديد يقطع الجبال فالحديد أقوى والنار تذيب الحديد فالنار أقوى، والماء‬
    ‫يطفئ النار فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء فالسحاب أقوى والريح يعبث بالسحاب فالريح‬
    ‫أقوى واإلنسان يتكفى الريح بثوبه ويده فاإلنسان أقوى والنوم يغلب اإلنسان فالنوم أقوى والهم‬
                                         ‫يغلب النوم فالهم أقوى فأقوى جند اهلل عز وجل الهم).‬
 ‫7- ونحن بحاجة إلى الصبر ألن مشيئة اهلل نافذة، فما شاء اهلل كان وما لم يشأ لم يكن، ومن أنت‬
    ‫حتى تعترض على قضاء اهلل وأمره جاء في الحديث القدسي: ((عبدي أنت تريد وأنا أريد وال‬
   ‫يكون إال ما أريد فإذا رضيت عما أريد كفيتك ما تريد وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد‬
                                                                      ‫وال يكون إال ما أريد)).‬
                                                                           ‫وأما أنواع الصبر:‬
   ‫الصبر على الطاعة: صلتنا باهلل ليست صلة أيام ومواسم كالذين ال يعرفون اهلل إال في رمضان‬
‫فإذا خرج رمضان خرجوا كاألنعام إلى شهواتهم. غايتنا أن نلقى اهلل تعالى عن كلمة ال إله إال اهلل‬
‫محمد رسول اهلل سبحانه: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين أي الموت وقال: رب السماوات واألرض‬
   ‫وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم:16]. وكلما ازداد العبد صبرا على‬
‫الطاعة ازداد حبا لها وشوقا فهذا أحد الصالحين يفرش له فراشه بعد صالة العشاء فيضع يده عليه‬
‫ويقول: واهلل إنك للين ولكن فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صالته إلى الفجر، حتى يسأل عمر‬
 ‫ما أحب شيء إلى نفسه؟ فيقول: (ضرب السيف وصيام بالصيف)، ورسول اهلل يقول: ((أال أدلكم‬
 ‫على ما يمحو اهلل به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى‬
                      ‫المساجد وانتظار الصالة بعد الصالة فذلكم الرباط فذلكم الرباط))(3)[3]).‬
                    ‫أ - قبل العمل: بأن تكون النية خالصة هلل: ((إنما األعمال بالنيات))(2)[2]).‬
          ‫ب- عند العمل: فال يكسل وال يفتر: ((أحب األعمال إلى اهلل أدومها وإن قل))(1)[1]).‬
          ‫ج- وعند الفراغ منه فال يمن به وال يطلب به سمعة: من جاء بالحسنة فله عشر أمثلها‬
                                                                              ‫[األنعام:065].‬
    ‫الصبر عن المعصية: فتحفظ نفسك عن كل ما يدنيك من المعصية في بصرك: ((النظرة سهم‬
   ‫مسموم من سهام إبليس من تركها هلل تعالى أبدله اهلل نورا يجد حالوته في قلبه))(6)[6])، وفي‬
  ‫لسانك: ((أمسك عليك هذا وأشار إلى لسانه يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إال‬
     ‫حصائد ألسنتهم))(2)[2]). وفي بطنك فال يدخلها حرام للحديث: ((واعلم أن اللقمة الحرام إذا‬
‫وقعت في جوف أحدكم ال يتقبل عمله أربعين ليلة))(2)[2]). وفي فرجك فال تزني للحديث: ((من‬
                             ‫ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة))(9)[9]).‬
  ‫رحم اهلل أحد األصحاب وكان يشعل سراجا ثم يضع إصبعه عليه ويقول: ((حس حس ألم تفعل‬
                                                              ‫ذنب كذا، ألم تفعل ذنب كذا)).‬
                  ‫د‬
     ‫الصبر على المصائب: والمسلم موقن بقدم ما كتبه اهلل على عبيده للحديث: ((ق ّر اهلل مقادير‬
‫الخلق قبل أن يخلق السماوات واألرض بخمسين ألف سنة))(05)[05]) وهلل در الشافعي إذ يقول:‬
                                            ‫دع األيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذ حكم القضاء‬
                                              ‫وال تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء‬
                                       ‫وكن رجال على األهوال جلدا وشيمتك السماحة والوفاء‬
                                         ‫وأرض اهلل واسعة ولكن إذا نزل القضا ضاق الفضاء‬
 ‫فهذا أيوب عليه السالم ابتلي في نفسه وولده وماله وتسأله زوجه أن يسأل اهلل كشف الضر وهو‬
‫النبي المستجابة دعوته فيقول لها: ((كم مضى علينا في عافية فتقول: ستين سنة، فيقول لها: فإني‬
 ‫أستحي أن أسأل ربي العافية وما بلغنا في البالء ما بلغناه في عافية)). فالصحة أعوام والمرض‬
   ‫أيام، والعافية سنوات والبالء ساعات وكلها تمضي وتكون شيئا من الماضي كما قال الشاعر:‬
                                    ‫يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الكاشف اهلل‬
                                      ‫سهرت عيون و نامت عيون في أمور تكون أو ال تكون‬
                                              ‫إن الذي كفاك باألمس هما يكفيك غدا ما سيكون‬
                                                                     ‫وأما موقفنا من الصبر:‬
    ‫فعلينا أن نوقن أن العاقبة للصابرين المتقين: فهذا يوسف عليه السالم تآمر عليه إخوته فصبر‬
   ‫وألقي في البئر فصبر وبيع بيع العبيد وهو الحر فصبر، وعمل خادما في قصر وهو الشريف‬
     ‫فصبر، واتهم في عرضه وهو العفيف فصبر وسجن وهو البريء فصبر فأبلغه اهلل بعد ذلك‬
      ‫المنزلة العالية حيث جعل أرزاق الناس وحاجتهم إليه في المؤونة حتى جاءه إخوته بائسين‬
‫محتاجين الذين قالوا باألمس: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا [يوسف:9]. هم الذين يقولون اليوم:‬
     ‫يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن اهلل‬
                                                             ‫يجزي المتصدقين [يوسف:22].‬
 ‫واعلم أنه ال صبر إال بيقين باهلل وحكمته وعدله، وباليوم اآلخر وما فيه من جزاء وحساب عادل‬
   ‫للحديث: ((ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر اهلل تعالى: إنا هلل وإنا إليه راجعون‬
               ‫اللهم اؤجرني في مصيبتي واعقبني خيرا منها إال فعل اهلل به ذلك))(55)[55]) .‬
                    ‫و‬
      ‫ومن الدعاء المأثور عن النبي قوله: ((اللهم إني أسألك من اليقين ما ته ّن علي به مصائب‬
                                                                         ‫الدنيا))(75)[75]).‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                               ‫لم ترد .‬
                                                                        ‫__________‬
                                                                   ‫(5) البخاري ومسلم .‬
                                                                            ‫(7) مسلم .‬
                                                                            ‫(3) مسلم .‬
                                                                   ‫(2) البخاري ومسلم .‬
                                                                   ‫(1) البخاري ومسلم .‬
                                                                         ‫(6) الطبراني .‬
                                                                 ‫(2) الترمذي وصححه .‬
                                                                         ‫(2) الطبراني .‬
                                                                         ‫(9) البخاري .‬
                                                                 ‫(05) 05])رواه مسلم .‬
                                                               ‫(55) 55])أخرجه مسلم .‬
                                                            ‫(75) 75])أخرجه الترمذي .‬

‫(5/176)‬




                                                                                ‫الخوف‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                          ‫أعمال القلوب‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                              ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                 ‫الدوحة‬
                                                                           ‫الريان الكبير‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- الخائفون من اهلل في الدنيا آمنون يوم القيامة. 7- عالمة الخوف من اهلل. 3- أسباب خوف‬
                                                                          ‫السلف وأمننا.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة األولى‬
‫قال اهلل تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه‬
‫وذلك الفوز المبين [األنعام:15-65]. يوم القيامة يوم عظيم خطبه، عظيم خطره، ليس لألنبياء فيه‬
                                                             ‫ل‬
   ‫دعاء إال قولهم: ((يا رب سّم)) فكيف بغيرهم؟، ورسول اهلل على علو قدره وقربه يعلم خشيته‬
                                                                             ‫ويرجو رحمة ربه.‬
               ‫فما الخوف؟ وما أسباب خوفهم وما أسباب أمننا؟ وما الذي ينبغي أن يخافه العبد؟‬
              ‫أما الخوف: فهو ألم يالزم القلب المقبل على اهلل بسبب توقع المكروه في المستقبل.‬
‫والفرق بين الخوف من اهلل والخوف من غيره يقول: أبو القاسم الحكيم: من خاف شيئا هرب منه،‬
                                                                      ‫ومن خاف اهلل هرب إليه.‬
        ‫وأخبر الحق عن حال أهل الجنة وهم يذكرون حالهم في الدنيا: وأقبل بعضهم على بعض‬
 ‫يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن اهلل علينا ووقانا عذاب السموم [الطور:17-27].‬
‫وفي الحديث القدسي: قال اهلل تعالى: ((وعزتي ال أجمع على عبدي خوفين وال أجمع له أمنين فإن‬
              ‫أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة))(5)[5]).‬
                                                                                      ‫وعالمته:‬
                          ‫وجل في القلب قال تعالى: الذين إذا ذكر اهلل وجلت قلوبهم [الحج:13].‬
   ‫قشعريرة في الجلد: اهلل نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون‬
    ‫ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اهلل [الزمر:37]. قال ابن كثير: هذه صفة األبرار عند‬
   ‫سماع كالم الجبار لما ينهون من الوعد والوعيد، وللحديث: ((إذا قشعر جلد العبد من خشية اهلل‬
                                  ‫تحاتت عنه خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها)) الطبراني.‬
      ‫ودموع من العينين: ((قال عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول اهلل؟ قال: أمسك عليك لسانك،‬
                                                    ‫وليسعك بيتك وابك على خطيئتك))(7)[7]).‬
                                          ‫ك‬
 ‫همة في الطاعة للحديث: ((من خاف أدلج (أي ب ّر وهو كناية عن التشمير للطاعات)، ومن أدلج‬
‫بلغ المنزل إال أن سلعة اهلل غالية إال أن سلعة اهلل هي الجنة ))(3)[3]). والمتأمل في أقوال السلف‬
  ‫يجد العجب العجاب على صالحهم وطاعتهم وجهادهم. فهذا عمر كان في وجهه خطان أسودان‬
    ‫من الدموع وكان يأخذ تبنة من األرض ويقول: (يا ليتني كنت هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا‬
        ‫مذكورا). وهذا أبو عبيدة بن الجراح يقول: (وددت أني شاة فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي‬
  ‫ويحتسون مرقي). وهذا عبد اهلل بن المبارك يقول: (لو أن رجال وقف على باب المسجد ونادى‬
                        ‫ليخرج شر الناس لما سبقني إليه إال رجل أوتي أكثر مني قوة أو سمعا).‬
                                                             ‫فما أسباب خوفهم وما أسباب أمننا؟‬
   ‫5- معرفتهم باهلل تعالى قال تعالى: وما قدروا اهلل حق قدره واألرض جميعا قبضته يوم القيامة‬
‫والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [الزمر:26]. يقول عبد الواحد المقدسي:‬
 ‫ركبنا البحر فألقتنا السفينة إلى جزيرة فرأينا رجال يعبد وثنا، قلنا له: ما تعبد؟ فأشار إلى الوثن،‬
   ‫قال: وأنتم ما تعبدون؟ قلنا نعبد اهلل، قال: ومن اهلل؟ قلنا: الذي في السماء عرشه وفي األرض‬
     ‫سلطانه وفي الناس قضاؤه، قال: وما أعلمكم به ؟ قلنا: رسول اهلل من عند الملك، قال: فأين‬
‫الرسول ؟ قلنا: مات، قال: فهل ترك من عالمة ؟ قلنا: كتاب من عند الملك، قال: ينبغي أن تكون‬
‫كتب الملوك حسانا، أئتوني به، فجئناه بالقرآن الكريم فقرأنا عليه فبكى ثم قال: ما يصنع من أراد‬
‫الدخول في دينكم؟، قلنا: يغتسل ويتوضأ ويقول كلمة التوحيد ويصلي. فاغتسل وقال كلمة التوحيد‬
  ‫وصلى فلما جن علينا الليل أخذنا مضاجعنا، قال: أسألكم اإلله الذي دللتموني عليه إذا جنه الليل‬
  ‫ينام؟، قلنا: ال بل هو حي قيوم ال ينام، قال: بئس العبيد أنتم تنامون وربكم ال ينام)). وأما سبب‬
   ‫أمننا لجهلنا باهلل وصفاته وعظيم قدره ولألثر ((يأتي على الناس زمان يجتمعون في مساجدهم‬
                                                                  ‫ويصلون وليس فيهم مؤمن)).‬
 ‫7- حبهم هلل سبحانه: فملك عليهم قلوبهم يقول ابن القيم: (من عرف ربه أحبه) كيف ال ومصدر‬
          ‫النعمة هو اهلل: وما بكم من نعمة فمن اهلل [النحل:31]. وإن تعدوا نعمة اهلل ال تحصوها‬
  ‫[إبراهيم:23]. وإليه شكواك ونجواك: إنما أشكو بثي وحزني إلى اهلل [يوسف:62]. وإليه وحده‬
   ‫تلجأ عند بلواك: وإن يمسسك اهلل بضر فال كاشف له إال هو [األنعام:25]. فأي حب ينبغي أن‬
                                                                                         ‫يكون.‬
   ‫لقد أصبح من البداهة أن نسمع من يبذل ماله لعاهرة أو ينتحر ألجل لعوب ضاربا مثال حقيرا‬
 ‫لسالكي دربه، وأصبح من النادر أن نجد من يبذل ماله ونفسه لربه. رحم اهلل عمر وقد سئل: أي‬
 ‫شيء أحب إليك، قال: صوم في الصيف وضرب بالسيف. وهذه رابعة تناجي ربها فتقول: إلهي‬
        ‫غارت النجوم ونامت العيون وأنت الحي القيوم، إلهي خال كل حبيب بحبيبه وأنت حبيب‬
  ‫المستأنسين وأنيس المستوحشين، إلهي إن طردتني عن بابك فباب من أرتجي وإن قطعتني عن‬
 ‫خدمتك فخدمة من أرتجي، وأما سبب أمننا فهو انحرافنا في حبنا ولمن يكون، فمنا المحب للمال‬
 ‫وللنساء والمنصب وهي فتن على الطريق للحديث: ((ولكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال))(2)[2]).‬
  ‫((وما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))(1)[1]). ((تعس عبد الدرهم، تعس عبد‬
                                                                              ‫الدينار))(6)[6]).‬
  ‫اليقين: وهو كمال التصديق والرسوخ بوجود اهلل والجنة والنار والحساب، يرى رسول اهلل أحد‬
‫األصحاب فيقول له: ((كيف أصبحت؟، فيقول: أصبحت مؤمنا حقا، فيقول المصطفى: وما حقيقة‬
    ‫إيمانك؟، فيقول: أصبحت أرى عرش ربي بارزا، وأصبحت أرى أهل الجنة وهم يتزاورون،‬
  ‫وأهل النار وهم يتعاوون فقال : عرفت فالزم))(2)[2]). وأما أسباب أمننا فضعف اليقين والثقة‬
                                                ‫باهلل وما أخبر عنه فخسرنا أنفسنا وخسرنا ديننا.‬
                                             ‫نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فال ديننا يبقى وال ما نرقع‬
                                                                ‫وأما الذي ينبغي أن يخافه العبد:‬
 ‫أن يخاف على دينه: للحديث: ((بادروا باألعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا‬
     ‫ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا يبيع دينه بعرض من الدنيا زائل))(2)[2]). وكل‬
            ‫مصيبة تهون إال مصيبة الدين، وكان من دعائه : ((اللهم ال تجعل مصيبتنا في ديننا)).‬
   ‫أن تشغله الدنيا عن اآلخرة: أتي عمر بكنوز كسرى قام عمر يتفحصها وينظر إليها وهو يبكي‬
 ‫ومعه عبد الرحمن بن عوف فقال له عبد الرحمن: (يا أمير المؤمنين: هذا يوم فرح ويوم سرور‬
          ‫فقال عمر: (أجل ولكن إن هذا (أي المال) لم يعطه اهلل قوما قط إال ألقى اهلل بينهم العداوة‬
                                                                             ‫والبغضاء)(9)[9]).‬
‫سوء الخاتمة: إنما األعمال بالخواتيم، وللحديث: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون‬
             ‫بينه وبينها إال ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))(05)[05]).‬


                                                       ‫-------------------------‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                        ‫لم ترد .‬
                                                                                ‫__________‬
                                                                         ‫(5) ابن حبان مرسال .‬
                                                                                 ‫(7) الترمذي .‬
                                                                                 ‫(3) الترمذي .‬
                                                                                 ‫(2) الترمذي .‬
                                                                               ‫(1) متفق عليه .‬
                                                                                 ‫(6) البخاري .‬
                                                                         ‫(2) البزار في مسنده .‬
                                                                               ‫(2) رواه مسلم .‬
                                                          ‫(9) حياة الصحابة مجلد 7 ص 227 .‬
                                                                           ‫(05) 05])الشيخان .‬

‫(5/676)‬




                                             ‫موانع االنقياد للشرع ودور اإلعالم في عقوق األبناء‬
                                                          ‫-----------------------‬
                                                                        ‫األسرة والمجتمع, التوحيد‬
                                                                   ‫قضايا األسرة, نواقض اإلسالم‬
                                                           ‫-----------------------‬
                                                                  ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                                    ‫المدينة المنورة‬
                                                                                     ‫95/7/9025‬
                                                                                               ‫قباء‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
    ‫كلمة اإلسالم وما تتضمنه من معانٍ , ومعناها الرئيس هو االستسالم واالنقياد هلل وحده بالقلب‬
  ‫والجوارح – ال تنفع المعرفة واإلقرار بدون انقياد للدخول في اإلسالم – طبيعة اليهود وموقفهم‬
 ‫من الرسالة – الحسد والبغي أكثر أسباب الكفر , وهما تركة إبليس – الشهوات واألهواء من أشد‬
‫موانع االنقياد , والفرق بين تسلطها حتى تضعف االنقياد , وبين منعها له ابتداء وتطبيق ذلك على‬
    ‫موقف كسرى وقيصر والنجاشي من دعوته صلى اهلل عليه وسلم - ظاهرة العقوق مظاهرها‬
  ‫وأسبابها والدور الخبيث لوسائل اإلعالم في ذلك وأثرها على األمة - الواجب تجاه هذا اإلعالم‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫الخطبة األولى‬
     ‫أما بعد: فقد بينا أن كلمة إسالم تتضمن المعاني اآلتية: االستسالم والتسليم واالنقياد والطاعة‬
                                                                                ‫والسالمة والسالم.‬
     ‫د‬
    ‫أما الجانب الرئيسي من معنى هذه الكلمة فهو االستسالم واالنقياد هلل وحده ال شريك له انقيا ًا‬
                                                                                           ‫ال‬
                                                        ‫كام ً يشمل انقياد القلب وانقياد الجوارح.‬
                                                     ‫ي‬
‫وبينا أنه ال يمكن الفصل بين هذين فال ُتصور أن ينقاد القلب هلل وتتمرد الجوارح. أما إذا تمردت‬
 ‫الجوارح على أمر اهلل فذلك دليل على أن القلب نفسه متمرد. ويتفرع من هذا أن المعرفة وحدها‬
   ‫ليست إسالمًا، فإذا عرف اإلنسان الحق وأقربه بلسانه إال أنه لم يتبعه وأبى االنقياد له فإن تلك‬
       ‫ئ‬
  ‫المعرفة ال تنفعه عند اهلل شيئًا. بل وذلك اإلقرار أيضًا باللسان ال ينفعه أيضًا. ال ينفعه شي ًا. بل‬
                          ‫ال‬
 ‫إن اإلنسان الذي عرف الحق وأبى أن يتبعه وينقاد له هو أسوأ حا ً من ذلك الذي جهل الحق فلم‬
  ‫يتبعه، ولهذا فقد ذم اهلل اليهود أشد مما ذم سواهم من الكفار والمشركين، ذلك ألن اليهود عرفوا‬
‫الحق ولم يتبعوه قال سبحانه في وصف حالهم وذم حالهم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اهلل‬
                   ‫ُنز‬
 ‫على الكافرين بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اهلل بغيًا أن ي ِّل اهلل من فضله على‬
     ‫من يشاء فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين [البقرة:92-09]. اليهود عرفوا‬
‫الرسول وعرفوا أنه النبي الذي بشرت التوراة واإلنجيل وعرفوا أن ما جاء به هو الدين الحق بل‬
     ‫د‬                    ‫د‬
‫وأقروا بذلك بألسنتهم إال أنهم لم يتبعوه ورفضوا االنقياد لما جاء به حس ًا وبغيًا، بغيًا وحس ًا ممن‬
        ‫ب‬                                        ‫ي‬
   ‫عند أنفسهم، فإنهم إنما كانوا ينتظرون أن ُبعث هذا النبي منهم من بني إسرائيل، فلما ُعث من‬
  ‫قريش حسدوه وعاندوه وبغوا عليه. فالمانع الذي منعهم هنا من االنقياد واالستسالم ألمر اهلل هو‬
                                                                                  ‫الحسد والبغي.‬
 ‫وهذان هما أكثر أسباب الكفر تحكمًا في البشر وتفشيًا في بني آدم، تلك تركة إبليس وسنته السيئة‬
   ‫التي بذر بذرتها يوم أن رفض االنقياد واالمتثال ألمر اهلل عز وجل مع علمه أللوهيته وعظمته‬
 ‫سبحانه وأنه البد من االنقياد ألمره دون تردد أو سؤال أو نقاش، مع ذلك كفر إبليس بعدم انقياده‬
        ‫ن‬
       ‫وامتثاله، مع توافر علمه، وسبب كفره هو الحسد والبغي قال لربه: أأسجد لمن خلقت طي ًا‬
   ‫[اإلسراء:56]. ثم تمادى في حسده وبغيه فقال وهو بين يدي رب العزة فقال: أرأيتك هذا الذي‬
                                                                                    ‫ى‬
                 ‫كرمت عل ّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة الحتنكن ذريته إال قليالً [اإلسراء: 76].‬
                    ‫ع‬
    ‫وقد تكون الشهوات واألهواء والمصالح المتشابكة المبنية عليها قد تكون مان ًا من أشد الموانع‬
                                                 ‫ر‬
   ‫التي تمنع االنقياد، من أشد هذه الموانع تأثي ًا في النفس البشرية. فإذا قامت الشهوات واألهواء‬
   ‫والمصالح المبنية عليها، إذا قامت حائالً بين اإلنسان وبين االنقياد الكلي ألمر اهلل ودينه، قامت‬
                                                  ‫ال‬
  ‫بينه وبين االنقياد ومن حيث المبدأ، قامت حائ ً بين اإلنسان وبين االنقياد الكلي فحينئذ لم يتحقق‬
                                                       ‫شيء من معنى اإلسالم في نفس اإلنسان.‬
   ‫وهناك فرق بين أن تتسلط هذه األهواء والشهوات والمصالح المبنية عليها تتسلط على اإلنسان‬
        ‫فتضعف فيه أصل االنقياد الموجود وبين أن تقف حائالً بينه وبين االنقياد من حيث المبدأ.‬
         ‫ففي الحالة األولى شيء من معنى اإلسالم موجود إال أنه أضعفته تلك األهواء والشهوات‬
  ‫والمصالح المترتبة عليها وفي الحالة الثانية الحظ لإلنسان من معنى اإلسالم، ال شيء من معنى‬
                  ‫اإلسالم موجود مع وقوف تلك الموانع حائالً بينه وبين االنقياد من حيث المبدأ.‬
              ‫ب‬
‫هناك ثالثة أمثلة بارزة من سيرة المصطفى توضح هذا المبدأ. فقد أرسل النبي كت ًا إلى ملوك أهل‬
  ‫األرض في زمنه وكان من أبرز ملوك أهل األرض في زمنه كسرى ملك الفرس، وهرقل ملك‬
                                                                  ‫الروم، والنجاشي ملك الحبشة.‬
   ‫فأرسل النبي إلى كل واحد منهم كتابًا يقول فيه: ((بسم اهلل الرحمن الرحيم من محمد رسول اهلل‬
     ‫إلى كسرى عظيم الفرس - أو إلى هرقل عظيم الروم - السالم على من اتبع الهدى، أدعوك‬
 ‫بدعاية اإلسالم أسلم تسلم))(5)[5]، أما كسرى فلما قرأ كتاب النبي استشاط غضبًا ومزق الكتاب‬
       ‫أي أعلن بوضوح صارح تمرده على أمر اهلل عز وجل. ورفضه الوقح لالنقياد هلل سبحانه‬
 ‫وتعالى، ولما بلغ النبي أن كسرى مزق الكتاب دعا عليه(7)[7] بأن يمزق اهلل ملكه فواهلل ما هي‬
   ‫إال سنوات قالئل هي قصيرة في عمر الممالك وإذا بملك كسرى يتمزق شذر مذر وتطأ سنابك‬
                                 ‫د‬      ‫د‬
        ‫خيل المسلمين أرض بالده ويهيم هو على وجهه شري ًا طري ًا حتى قتله أحد خدمه غيال.‬
   ‫أما هرقل عظيم الروم فلما قرأ كتاب رسول اهلل وسمع أوصافه رق قلبه ومال إلى اإلسالم بل‬
‫وأعلن ذلك وأقر به لسانه وبأن هذا النبي حق وهو الذي بشرت به التوراة واإلنجيل، بل قال أكثر‬
   ‫من ذلك، قال: ليملكن ما تحت قدمي هاتين وودت أني أصل إليه وأغسل األرض تحت قدميه،‬
  ‫لكنه مع ذلك لم يتبع النبي أبى االنقياد ألمر اهلل الذي جاء به محمد . وذلك خوفًا منه على ملكه‬
       ‫وسلطانه وشهواته وأهوائه ومصالحه المترتبة عليها خاف على كل ذلك لما رأى قساوسته‬
   ‫ورهبانه سخروا وكفروا وأبوا أن يقروا لسيدنا محمد بالنبوة فخاف منهم وماألهم وتابعهم على‬
                                ‫ئ‬                         ‫ئ‬
 ‫كفرهم فهل نفعته معرفته للحق شي ًا. هل نفعه علمه بالحق شي ًا بل وإقراره بلسانه بل وأكثر من‬
    ‫ئ‬
   ‫ذلك تمنيه أن يصل إلى النبي ويغسل األرض قدميه هل نفعه كل ذلك شيئًا، لم ينفعه ذلك شي ًا‬
                                                                              ‫ر‬
                                                  ‫وبقى هرقل كاف ًا ملعونًا بسبب عدم االنقياد.‬
‫أما النجاشي رحمه اهلل فلما قرأ كتاب النبي الذي يدعو فيه إلى اإلسالم أسلم(3)[3] وحسن إسالمه‬
      ‫رحمه اهلل، ولما سمع آيات من القرآن قرأها عليه جعفر بن أبي طالب رضي اهلل عنه بكى‬
                                                   ‫ي‬
 ‫النجاشي وفاضت عيناه من الدمع، وفيه ُقال نزل(2)[2] قوله تعالى: ولتجدن أقربهم مودة للذين‬
   ‫آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم ال يستكبرون وإذا سمعوا ما‬
         ‫أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق [المائدة:72-32].‬
     ‫وامتثل النجاشي رحمه اهلل ألمر سيدنا محمد فأكرم صحابته الذين هاجروا إليه، هاجروا إلى‬
 ‫الحبشة وآواهم ووفر لهم الحماية ودافع عنهم بل ووكله سيدنا رسول اهلل أن يزوجه من أم حبيبة‬
‫بنت أبي سفيان فزوجه النجاشي إياها بل وروى أن النجاشي رحمه اهلل أرسل إلى النبي يسأله إن‬
                                ‫كان يأمره بالقدوم إليه فيرحل إليه، لكن الرسول لم يأمره بذلك.‬
    ‫النجاشي رحمه اهلل مسلم وحسن إسالمه بل وصلى عليه رسول اهلل صالة الغائب لما بلغه نبأ‬
                                                                                        ‫وفاته.‬
  ‫أما هرقل فكافر فما الفرق بينهما وكالهما عرف الحق وعلمه وأقر به بلسانه. الفرق بينهما هو‬
   ‫االنقياد فالنجاشي عرف الحق واتبعه وانقاد له وامتثل ألمره، أما هرقل فعرف الحق ولم يتبعه‬
  ‫وأبى االنقياد له واالمتثال ألمره أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي‬
    ‫هلل ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب واألميين أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما‬
                                              ‫عليك البالغ واهلل بصير بالعباد [آل عمران:07].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                                    ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                              ‫__________‬
     ‫(5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي باب كيف بدء الوحي إلى رسول اهلل‬
                                                                                   ‫(5/2-9).‬
            ‫(7) أخرجه البخاري في صحيحه األدب باب عقوق الوالدين من الكبائر (1/9777).‬
                                    ‫(3) أخرجه الواحدي وأخرجه الطبري (2/3) وسنده حسن.‬
                              ‫(2) أخرجه النسائي في تفسيره (5/322) وغيره.ومسنده صحيح.‬

‫(5/276)‬




                                                             ‫أثر اإلعالم الهدام في إفساد األمة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                                      ‫اإلعالم‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                              ‫عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري‬
                                                                               ‫المدينة المنورة‬
                                                                                          ‫قباء‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫ملخص الخطبة‬
   ‫أهمية جانب االستسالم هلل واالنقياد له في الدين – واقع الدين اليوم في حياة الناس ونظرتهم له‬
    ‫وأثر اإلعالم في تهميش دور الدين – التناقض بين دعوانا اإلسالم ثم مخالفته في سائر شئون‬
 ‫الحياة – اإلسالم الحقيقي وأثره في الحياة , وتطبيق ذلك على الصحابة - دور اليهود وأثرهم في‬
                                                                 ‫الهد‬
‫اإلعالم – دور اإلعالم َّام في إفساد المجتمع واألسرة والمرأة - واجب األمة تجاه هذا اإلعالم‬
                                                                                        ‫الهدام‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫أما بعد: فقد ركزنا الكالم منذ جمعتين على أن الجانب الرئيسي في معنى اإلسالم هو االستسالم‬
 ‫التام واالنقياد الكامل هلل وحده ال شريك له. وذلك ألن هذا الجانب هو روح هذا الدين الذي بدونه‬
                                                                             ‫د‬
 ‫يبقى جس ًا بال روح وألن أكثر المسلمين اليوم قد ضعفت هذه الروح عندهم فأصبح الدين عندهم‬
   ‫مجرد طقوس وعادات يؤدونها بدون همة وانفعال وال تأثر وتأثير، وربما كانت هذه الروح قد‬
    ‫ماتت عند بعضهم فإذا بالدين عند هذا البعض مجرد تراث وتاريخ يتعامل معه كما يتعامل مع‬
         ‫مقتنيات المتاحف حتى المسلسالت التليفزيونية والبرامج اإلعالمية التي سلسلوا بها الناس‬
   ‫ح‬
  ‫فأصبحت من الواجبات اليومية عندهم ال تقدم للناس دينهم إال على أنه تاريخ وتراث ليس رو ًا‬
                                                                           ‫يصبغ الحياة بأكملها.‬
 ‫أما إذا قدموا الحياة وما يتعلق بها من مشكالت فإنهم يقدمونها من وجهة نظر التغريب والفرنجة،‬
‫من وجهة نظر أهل التغريب والفرنجة أهل التخريب والتدمير، الدين عند اإلعالميين الهدامين هو‬
    ‫مجرد تاريخ يقدمونه للناس أحيانًا كما يقدمون لهم تاريخ الهنود الحمر، كما يقدمون لهم تاريخ‬
     ‫انقرض أو أوشك على االنقراض هذا هو الدين عندهم بينما الدين روح يصبغ الحياة بأجمعها‬
  ‫يصبغ الحياة بأكملها من أجل هذا الجهل، من جراء هذا الجهل بالمعنى الحقيقي لإلسالم استحكم‬
                                                         ‫التناقض في حياتنا نحن المسلمين اليوم.‬
 ‫فنحن ندعى والحمد هلل أننا مسلمون وأننا مجتمع إسالمي ونرتاد المساجد ونصوم رمضان وربما‬
‫شددنا رحالنا إلى بيت اهلل الحرام لكن جل شئون حياتنا يناقض ذلك، فهذا الربا مستحكم في حياتنا‬
    ‫االقتصادية وهذا اإلعالم الهدام الفاسد المفسد الذي يشيع الفاحشة ويدعو إلى التغرب والفرنجة‬
‫متفشٍ في حياتنا االجتماعية، مستحكم متسلط على حياتنا اليومية، وهذه النظم االجتماعية بل وتلك‬
      ‫القوانين الوضعية فرنسية كانت أو إنجليزية بل وربما رومانية كما هو الحال في بعض بالد‬
‫المسلمين يأبون تحكيم ما أنزل اهلل على رسوله ويحكمون القوانين الفرنسية اإلنجليزية وغيرها من‬
  ‫شرقية أو غربية ومع ذلك يدعون أنهم مسلمون وأنهم مجتمع مسلم بينما القرآن قال بأبلغ عبارة‬
 ‫ج‬
‫وأوضح تقرير: فال وربك ال يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ال يجدوا في أنفسهم حر ًا‬
                                                        ‫مما قضيت ويسلموا تسليمًا [النساء:16].‬
‫تأمل يا مسلم هذا التعبير القرآني الواضح البليغ: ويسلموا تسليمًا فاإليمان تسليم واإلسالم استسالم،‬
 ‫تسليم واستسالم هلل رب العالمين وحده ال شريك له. أتريدون أن تخدعوا اهلل يا مسلمون تعاملونه‬
‫بإسالم اسمي مجرد واجهة وعنوان بينما حقائقكم وحياتكم تناقض اإلسالم. حقائقكم وشئون حياتكم‬
 ‫ر‬
‫تناقض اإلسالم، لقد وصف اهلل تعالى هذا الدين بأوصاف وكان مما سماه سماه روحًا وسماه نو ًا‬
‫فقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب وال اإليمان ولكن جعلناه‬
                                                                                   ‫ر‬
               ‫نو ًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 71].‬
 ‫اإلسالم يا مسلمون نور يضئ القلوب والنفوس ويصبغ الحياة بصبغة اهلل اإلسالم روح يسري في‬
                                                       ‫النفوس وفي القلوب فيصبغها بصبغة اهلل.‬
     ‫إذا سرت هذه الروح في نفس اإلنسان وانبثق هذا النور في قلبه تغير كيانه كله تغيرت حياته‬
‫كلها، حصل له تغيير فوري وانقالب فوري فأما إذا لم يحدث هذا التغيير وهذا االنقالب في حياته‬
                                   ‫وفي كيانه فمعناه أن إسالمه وإيمانه بال روح، جسد بال روح.‬
     ‫كان العربي من أسالفكم فكم يسمع القرآن من النبي إذا سمع القرآن من فم النبي فأسلم وآمن‬
                                                ‫ر‬
  ‫ينطلق حاالً للعمل وللجهاد(5)[5] وينطلق فو ًا للعمل وللجهاد ال وقت هناك للتردد وال للتباطؤ‬
   ‫وال االنتظار وال التسويف أليس المرام هو الجنة، أليست الجنة هي المراد وهي المآب فما هو‬
                                                                    ‫أقصر طريق إلى الجنة.‬
           ‫د‬
‫جاء أعرابي إلى النبي والنبي راكب ناقته فأمسك بزمام ناقته وقال: يا رسول اهلل ُلني على عمل‬
‫يقربني من الجنة ويباعدني من النار فأعجب النبي قول ذلك األعرابي والتفت إلى أصحابه وقال:‬
                                                                         ‫وف‬      ‫ُف‬
    ‫((لقد و ِّق لقد ِّق ثم قال أن تعبد اهلل وحده ال شريك له وتقيم الصالة وتؤتي الزكاة وتصوم‬
                 ‫رمضان وتؤدي الخمس من المغنم وتصل الرحم، دع الناقة دع الناقة))(7)[7].‬
   ‫هكذا كان اهتماماتهم رضوان اهلل عليهم أجمعين ما هو أقصر الطريق إلى الجنة؟ ما هو الذي‬
‫يباعدهم عن النار ويقربهم إلى الجنة، إنهم يسألون عن أقصر طريق إلى الجنة فإذا عرفوه سلكوه‬
                                                                     ‫بغير تردد وال تسويف.‬
 ‫ذلك الصحابي الجليل رضي اهلل عنه(3)[3] وهو واقف بين صفى الجهاد سمع سيدنا رسول اهلل‬
                                            ‫ً‬       ‫ق‬
     ‫وهو يقول: ((من قاتل في سبيل اهلل ف ُتل مقبال غير مدبر دخل الجنة)) فألقى ذلك الصحابي‬
  ‫تمرات كانت في يده وقال: إنها لحياة طويلة إن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات ثم انطلق بين‬
                                                 ‫د‬       ‫ق‬
                 ‫الصفين يقاتل مع المسلمين حتى ُتل شهي ًا رحمه اهلل رضي اهلل عنه وأرضاه.‬
    ‫إنها حياة طويلة أن يعيش حتى يأكل تلك التمرات فماذا نقول نحن المسلمين اليوم في وصف‬
‫حياتنا ليتها كانت بضع تمرات أو أصغر من ذلك ولكنها دنيا بأجمعها بكلكلها بأحمرها وأصفرها‬
  ‫وبهارجها وشهواتها وآفاتها ومصائبها هجمت على قلوبنا وجثمت على نفوسنا حتى نسينا الجنة‬
                                    ‫د‬
‫لقد أصبح إسالمنا اليوم في نفوسنا وفي مجتمعاتنا جس ًا بال روح ألنه إسالم اسمي مجرد واجهة‬
                                                ‫وعنوان إسالم بال استسالم وإيمان بال تسليم.‬
   ‫أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء‬
‫وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما‬
                                                           ‫أنا من المنذرين [النمل:59-79].‬
 ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم أقول قولي‬
                                   ‫هذا وأستغفر اهلل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة الثانية‬
                                                                           ‫__________‬
 ‫(5) رواه البخاري في صحيحه باب إسالم أبي ذر الغفاري رضي اهلل عنه (3/5025-7025).‬
‫(7) أخرجه الترمذي (6227) وابو داود (3252) والنسائي (2/315) وأحمد (2/252) وغيرهم.‬
‫(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصالة باب الصالة على النبي بعد التشهد (5/603) رقم‬
                                                                                   ‫(202).‬

‫(5/276)‬




                                                                                     ‫الغيرة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                 ‫األسرة والمجتمع, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                              ‫قضايا األسرة, مكارم األخالق‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                 ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                    ‫الدوحة‬
                                                                              ‫الريان الكبير‬
                                            ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- معنى الغيرة. 7- الغيرة نعمة من نعم اهلل. 3- أنواع الغيرة. 2- موقف المسلم من الغيرة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
                                                                  ‫ر‬
     ‫قال تعالى: قل إنما ح ّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن واإلثم والبغي بغير الحق وأن‬
     ‫تشركوا باهلل ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على اهلل ما ال تعلمون [األعراف:33]. استدل‬
   ‫العلماء بهذه اآلية الكريمة على أنها أصل في إثبات الغيرة هلل تعالى، ومن غيرته جل وعال أن‬
                                                                                    ‫ر‬
‫ح ّم الفواحش (أي المعاصي) وهي ما يجب فيها الحد، واإلثم اسم لما ال يجب فيه الحد، والبغي:‬
                                         ‫هو الظلم التجاوز للحد وأن يجعل هلل ندا وهو خالقه.‬
                                            ‫فما الغيرة؟ وما أنواعها؟ وما موقف المسلم منها؟‬
 ‫الغيرة: هي الحمية واألنفة، والغيرة ال تكون إال إذا كانت المحبة فكلما قويت محبتك لشيء قويت‬
                                                                              ‫غيرتك عليه.‬
           ‫ر‬
  ‫والغيرة من صفات اهلل سبحانه للحديث: ((ليس شيء أغير من اهلل، من أجل ذلك ح ّم الفواحش‬
                                                           ‫ما ظهر منها وما بطن))(5)[5]).‬
                 ‫والغيرة من سمات المؤمنين للحديث: ((المؤمن يغار واهلل أشد غيرة))(7)[7]).‬
‫وذهاب الغيرة ذهاب باإليمان كله يقول ابن القيم رحمه اهلل: (إذا ترحلت الغيرة من القلب، ترحلت‬
‫منه المحبة، بل ترحل منه الدين، والغيرة أصل الجهاد واألمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فإن‬
                                        ‫خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف)(3)[3]).‬
  ‫وذهاب الغيرة عالمة من عالمات الساعة لألثر: (إذا كان آخر الزمان رفع اهلل أربعة أشياء من‬
    ‫األرض: رفع البركة من األرض، والعدل من الحكام والحياء من النساء، والغيرة من رؤوس‬
                                                                                   ‫الرجال).‬
                                                                           ‫وأما لماذا الغيرة؟‬
‫ألن العبد إذا رزق الغيرة كان حريصا أن يكون عزيزا معتزا بدينه وأال يكون أعداء اهلل خيرا منه‬
   ‫قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون اهلل أندادا يحبونهم كحب اهلل والذين آمنوا أشد حبا هلل‬
‫[البقرة:165]. وقع عبد اهلل بن حذافة السهمي مع مجموعة من الجند أسيرا لدى ملك الروم، فدعاه‬
‫إلى النصرانية فأبى، فشده إلى شجرة ورمي بالسهم ما بين يده ورجليه فلم يرتهب، ثم حبسه أياما‬
    ‫حتى بلغ به الجوع مبلغه فعرض عليه الخمر ولحم الخنزير، فقال: إن ديني ليبيح لي أكلها به‬
‫للضرورة ولكني لن أشمت في كافرا. ثم جاء بقدر عظيم ووضع فيه زيتا وأشعل تحته النار حتى‬
  ‫غال، ثم رمى أحد المسلمين فذاب فيه، ثم حمل عبد اهلل بحبل ونكس في القدر فلما كاد أن يصل‬
   ‫بكى عبد اهلل، فاستبشر ملك الروم وقال: أخرجوه ثم عرض عليه النصرانية فأبى فسأله: عالم‬
‫البكاء؟ قال: ألن لي روحا واحدة، وإني ألتمنى أن يكون لي مائة روح تخرج الوحدة تلو األخرى‬
                                                 ‫ب‬
    ‫هلل عز وجل، فطلب ملك الروم منه أن يق ّل رأسه ويطلق سراحه، قال عبد اهلل: ال حتى تطلق‬
   ‫سراح من معي، قال :أفعل فقبل رأسه وأطلق سراحه وسراح من معه، يعود عبد اهلل إلى عمر‬
   ‫وهو حزين، فسأله عمر عن سبب حزنه؟ قال: قبلت رأس كافر! فقام عمر وقال: حق على كل‬
                                              ‫مسلم يراك أن يقبل رأسك وأنا أبدؤهم (2)[2]).‬
   ‫وإذا رزق العبد الغيرة كان الشيطان بعيدا عن أن يجره إلى المعصية، فالغيرة خير عاصم قال‬
 ‫تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ باهلل إنه سميع عليم [األعراف:007]. والنزغ: اسم‬
      ‫للحركة التي يحدثها راكب الدابة إذا أراد تحريكها، فكأن الشيطان قد جعل من العاصي دابة‬
‫وامتطاه لتنفيذ ما يريد. رحم اهلل عمر بن الخطاب حيث يصفه المصطفى : ((لو سلك ابن الخطاب‬
                                          ‫فجا (أي طريقا) لسلك الشيطان فجا غيره))(1)[1]).‬
                                                                               ‫وأما أنواعها:‬
                                              ‫فأعظمها غيرة اهلل عز وجل ومن غيرته تعالى:‬
‫أ- غيرته على كتابه الذي أنزله ليكون المنهج الذي يحكم خلقه، فمنهج اهلل مبرأ عن الجهل والظلم‬
‫والمحاباة، وهي سمات بارزة في مناهج البشر فإذا أعرض العبيد عن منهجه غار اهلل تعالى لكتابه‬
         ‫فكتب الشقاء واالضطراب لكل مخالف له: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‬
    ‫[طه:275]، بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج أي مضطرب ومن غيرته أن يرفع‬
     ‫كتابه من األرض وهي أعظم عالمة من عالمات الساعة كما نص العلماء للحديث: ((يدرس‬
   ‫اإلسالم حتى ال يدرون ما صيام وال صالة وال نسك وال صدقة ويسرى على كتاب اهلل في ليلة‬
                                                       ‫فال تبقى في األرض منه آية))(6)[6]).‬
    ‫ب- غيرته على محارمه وكل ما حرمه اهلل وقع في حماه فال يجوز ألحد أن يقع فيه للحديث:‬
    ‫((أال وإن لكل ملك حمى أال وإن حمى اهلل محارمه))(2)[2]). لذا كانت الباليا والمصائب تبعا‬
‫لكل انحراف للحديث: ((يا معشر األنصار خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ باهلل أن تدركوهن:‬
     ‫لم تظهر الفاحشة في قوم قط إال فشا فيهم الطاعون واألمراض التي لم تكن في أسالفهم، ولم‬
‫ينقصوا المكيال والميزان إال أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم‬
  ‫إال منعوا القطر في السماء ولوال البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد اهلل ورسوله إال سلط عليهم‬
           ‫عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، ولم تحكم أئمتهم بكتاب اهلل إال جعل بأسهم‬
                                                                              ‫بينهم))(2)[2]).‬
     ‫ج- غيرته على أوليائه: إذا أوذوا للحديث: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب))(9)[9])،‬
    ‫ولكن شاءت حكمته سبحانه أن يمد ألعدائه حتى يأتوا مثقلين بذنوبهم للحديث: ((إن اهلل ليملي‬
‫للظالم فإذا أخذه لم يفلته))(05)[05]) وحتى تزداد مرتبة العبد المجاهد رفعة في اآلخرة وقد ذكر:‬
 ‫أن عالما قال كلمات حق أغضبت أحد الخلفاء فقال أحد الجلساء: اقتله فقال الخليفة: ال إن هؤالء‬
                                      ‫يعلمون إذا قتلناهم كانوا شهداء وكنا بقتلهم من أهل النار.‬
  ‫غيرة المؤمن: المؤمن حقاً ينظر لألمور بنظر اهلل كما قال تعالى: إنهم يرونه بعيدا، ونراه قريبا‬
‫[المعارج:6-2]. قال ابن كثير ونراه: (أي اهلل والمؤمنين) يرون اليوم اآلخر قريبا واقعا ال يتخلف‬
                                                 ‫فيغضبه ما يغضب اهلل ويفرحه ما يرضاه اهلل.‬
‫أ- غيرته على محارم اهلل تقول عائشة رضي اهلل عنها: ((وما انتقم رسول اهلل لنفسه إال أن تنتهك‬
                                                        ‫حرمات اهلل فينتقم هلل بها))(55)[55]).‬
       ‫ب- غيرته على أهله فالديوث وهو الذي ال غيرة له على عرضه وأهله محروم من الجنة‬
‫للحديث: ((ال يدخل والجنة ديوث))(75)[75]) والرجل هو المسؤول األول عن أهل بيته للحديث:‬
                  ‫((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله وهو مسؤول عن‬
    ‫رعيته))(35)[35]) فيأمرهم بطاعة اهلل، قال تعالى في إسماعيل عليه السالم: وكان يأمر أهله‬
  ‫بالصالة والزكاة وكان عند ربه مرضيا [مريم:11]. فيحذرهم من كل فعل خاطئ بالكلمة الهادفة‬
 ‫الطيبة ذكرت إحدى أزواج النبي امرأة بنقص فيها فقال عليه الصالة والسالم: ((لقد قلت كلمة لو‬
      ‫مزجت بماء البحر لمزجته))(25)[25]) وأن يصحح المفاهيم: تصدق رسول اهلل بشاة وأبقى‬
     ‫الكتف فقالت عائشة رضي اهلل عنها: ((ذهبت كلها إال كتفها فقال عليه الصالة والسالم: ((بل‬
‫بقيت كلها إال كتفها))(15)[15])، ويتعاونان على الطاعة للحديث: ((إذا قام الرجل من الليل وأيقظ‬
     ‫أهله فصليا ركعتين كتبا عند اهلل من الذاكرين اهلل كثيرا والذاكرات))(65)[65]) ويعلمها أمر‬
               ‫م‬
  ‫دينها: زوج سعيد بن المسيب ابنته لتلميذ عنده ماتت زوجته فلما كان الصباح ه ّ الزوج للذهاب‬
  ‫فقالت ابنة سعيد: إلى أين؟ قال: أطلب العلم من والدك. فقالت: اجلس فإن علم سعيد بن المسيب‬
   ‫عندي. لقد أصبحت الكثير من بناتنا ال يعرفن حتى فيما يتعلق بشؤون النساء أنفسهم بل إنها ال‬
   ‫تتقن إال التزين لغير زوجها وإثارة الزوج على أهله واستحداث المصائب حتى أصبحت الكثير‬
                                                                   ‫من البيوت جحيما ال يطاق.‬
  ‫ج- وأن يكون دينه أعظم عنده من أهله وزوجه قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم‬
 ‫وأوالدكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن:25]. نزلت في عبد الرحمن بن مالك األشجعي وكان كلما‬
    ‫أراد الجهاد قام إليه أهله وبنوه فرققوا حالهم عنده وقالوا: إلى من تتركنا، بعدك؟ فيرق لحالهم‬
                                                             ‫فيجلس فأنزل اهلل تعالى هذه اآلية.‬
                                                                 ‫وأما موقف المسلم من الغيرة:‬
    ‫البد أن نعلم أن العلماء جعلوا الضروريات الخمس المطلوب حفظها هي الدين والعقل والمال‬
   ‫والعرض والنفس وقالوا: كلها فداء للدين: فلتوظف طاقات العقل وليذهب المال ولتزهق النفس‬
                                                                                  ‫ألجل الدين.‬
 ‫وإن الغيرة ال تعني أن يكون الرجل جبارا ظالما في أهل بيته للحديث: ((إن المؤمن ليبلغ بحسن‬
           ‫خلقه درجة الصائم القائم))(25)[25]). ((وإن الرجل ليكتب جبارا وليس عنده إال أهل‬
‫بيته))(25)[25]). بل يكون حكيما في تصرفه فلكل مقام مقال وآخر الدواء الكي والتدرج بالعقوبة‬
 ‫واجب قال تعالى: والالتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن‬
                                                    ‫أطعنكم فال تبغوا عليهن سبيال [النساء:23].‬
‫وأال ننظر إليها من زاوية مظلمة، فكل إنسان له عيوب وللحديث: ((ال يفرك مؤمن مؤمنة إن كره‬
    ‫بها خلقا رضي منها آخر))(95)[95]). ومعنى ال يفرك أي ال يبغض، قال تعالى: وعسى أن‬
                                                      ‫تكرهوا شيئا وهو خير لكم [البقرة:657].‬
   ‫وأن تعلم أن التي تصحبك في حياتك الزوجية إنسانة لها كرامتها ومشاعرها، ولها قلب ينبض‬
             ‫بالحب واإلحساس وللحديث: ((ال يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر‬
                                              ‫اليوم))(07)[07]) فذاك دليل سماجة وخلق سيئ.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                 ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                      ‫لم ترد .‬
                                                                              ‫__________‬
                                                                          ‫(5) أحمد والشيخان.‬
                                                                              ‫(7) متفق عليه.‬
                                              ‫(3) الفوائد.‬
                      ‫(2) حياة الصحابة مجلد 5 ص 227.‬
                                            ‫(1) البخاري.‬
                           ‫(6) ابن ماجة من حديث حذيفة.‬
                                           ‫(2) متفق عليه.‬
                                   ‫(2) ابن ماجة في سننه.‬
                                            ‫(9) البخاري.‬
                                    ‫(05) 05])متفق عليه.‬
                                ‫(55) 55])البخاري ومسلم.‬
                                ‫(75) 75])أحمد والنسائي.‬
                                    ‫(35) 35])متفق عليه.‬
                             ‫(25) 25])أبو داود والترمذي.‬
          ‫(15) 15])رواه الترمذي وقل حديث حسن صحيح.‬
                         ‫(65) 65])أبو داود بإسناد صحيح.‬
                            ‫(25) 25])أبو داود وابن حبان.‬
                     ‫(25) 25])ابن حبان في كتاب الثواب.‬
                                         ‫(95) 95])مسلم.‬
                                ‫(07) 07])البخاري ومسلم.‬

‫(5/976)‬




                                            ‫محاسبة النفس‬
                     ‫-----------------------‬
            ‫الرقاق واألخالق واآلداب, العلم والدعوة والجهاد‬
                            ‫أعمال القلوب, التربية والتزكية‬
                     ‫-----------------------‬
                                ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                   ‫الدوحة‬
                                             ‫الريان الكبير‬
           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                    ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- محاسبة النفس سمة المؤمن. 7- لماذا يحاسب المؤمن نفسه. 3- على ماذا يحاسب المؤمن‬
                                                                                              ‫نفسه.‬
                                                         ‫-------------------------‬
                                                                                     ‫الخطبة األولى‬
  ‫قال اهلل تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا اهلل إن اهلل خبير بما‬
       ‫تعلمون [الحشر:25]. لن يبلغ العبد درجة التقوى حتى يحاسب نفسه، واهلل تعالى يأمرنا أن‬
‫نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا يوم القيامة حيث ال تخفى على اهلل خافية في األرض وال في السماء‬
                                                                                           ‫سبحانه.‬
                    ‫فما محاسبة النفس؟ ولماذا يحاسب العبد نفسه؟ وعلى ماذا يحاسب العبد نفسه؟‬
 ‫5- أما محاسبة النفس: فهو أن ينظر العبد في أعماله وأحواله وأقواله ليومه أو شهره أو سنته أو‬
       ‫عمره فما وجد من حسنه حمد اهلل عليها وما وجد من سيئة أحدث لها ندماً للحديث: ((الندم‬
‫توبة))(5)[5]). وتوبةً للحديث: ((التائب من الذنب كمن ال ذنب له))(7)[7]). وعزيمةً على الترك‬
 ‫فال إصرار قال تعالى: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، وللحديث: ((المستغفر من الذنب‬
                                                      ‫وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه))(3)[3]).‬
        ‫7- ومحاسبة النفس سمة المؤمن للحديث: ((الكيس (أي الفطن) من دان نفسه (أي اتهمها‬
  ‫وحاسبها) وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل األماني))(2)[2]).‬
             ‫3- والذنب وارد ولكن البد من التوبة للحديث: ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين‬
                                                                                ‫التوابون))(1)[1]).‬
   ‫2- وأبواب السماء مشرعة أمام التائبين في كل وقت للحديث: ((إن اهلل يبسط يده بالليل ليتوب‬
    ‫مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها))(6)[6]).‬
                                                                    ‫وأما لماذا يحاسب العبد نفسه؟:‬
   ‫5- حتى يخفف عنا حساب اآلخرة: يقول الحسن: (المؤمن قوام على نفسه يحاسبها وإنما خف‬
 ‫الحساب على أقوام ألنهم كانوا يحاسبون أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب على أقوام ألنهم لم‬
       ‫ن‬
    ‫يأخذوا هذا األمر بالجد ولم يكونوا يحاسبون أنفسهم) يقول عليه الصالة والسالم: ((من ُوقش‬
                                                                                ‫عذ‬
‫الحساب ُ ّب)) فقالت عائشة رضي اهلل عنها: أو ليس يقول اهلل تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه‬
            ‫ن‬
  ‫فسوف يحاسب حسابا يسيرا ؟ فقال: ((ليس ذلك بالحساب إنما ذلك العرض، من ُوقش الحساب‬
                                                                                   ‫ُذ‬
    ‫ع ّب))(2)[2]). تتضح صورة الحساب اليسير الذي ال تدقيق فيه لدقائق األعمال بمنه وكرمه‬
   ‫سبحانه من الحديث: ((يدني اهلل تعالى المؤمن يوم القيامة فيضع عليه كنفه (أي ستره عن أعين‬
     ‫الخلق) فيقرره بذنوبه: أتعرف ذنب كذا في يوم كذا؟ فيقول: أعرف، فيقول اهلل عز وجل: أنا‬
 ‫سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك فيعطى صحيفة حسناته وأما الكافر والمنافق فينادى عليه‬
        ‫على رؤوس الخالئق: هؤالء الذين كذبوا على ربهم أال لعنة اهلل على الظالمين))(2)[2]).‬
    ‫7- والعبد يحاسب نفسه ألن الشهود كثير فإذا كان قضاة الدنيا يمكن االحتيال عليهم بالرشوة‬
 ‫والوساطة والنفوذ وإحضار شهود زور فإن شهود اآلخرة ال يجري عليهم ذلك وأعظم شهادة هو‬
 ‫اهلل: ما يكون من نجوى ثالثة إال هو رابعهم وال خمسة إال هو سادسهم [المجادلة:2]. ثم الرسل:‬
                                                 ‫وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم [المائدة:255].‬
   ‫المالئكة: إذا يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إال لديه رقيب عتيد‬
                                                                                       ‫[ق:25].‬
    ‫الجوارح: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:16].‬
       ‫الجلود: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا اهلل الذي أنطق كل شيء [فصلت:57].‬
‫األرض: يومئذ تحدث أخبارها . قيل: يا رسول اهلل ما أخبارها؟ قال: ((أن تشهد على كل عبد أو‬
                    ‫أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا))(9)[9]).‬
  ‫3- والعبد يحاسب نفسه ألن ألد عدو له نفسه فهي األمارة بالسوء كما وصفها خالقها: إن النفس‬
     ‫ألمارة بالسوء [يوسف:31]. وقال عليه الصالة والسالم: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار‬
  ‫بالشهوات))(05)[05]). فما تشتهيه نفسك هو السبيل إلى النار وما تكرهه هو السبيل إلى الجنة،‬
 ‫فكان البد من الرقي بها بالمعاتبة والتوبيخ واللوم فإن لم يجد فعاقبها باإليذاء، واإليالم والحرمان‬
   ‫حتى تستقيم على أمر اهلل بالدرة ويقول: ماذا قدمت اليوم؟ واألحنف بن قيس كان يضع إصبعه‬
     ‫على النار ويقول: حس حس ألم تفعل ذنب كذا في يوم كذا؟، وعمر أشغله بستانه عن صالة‬
‫العصر فتصدق به هلل تعالى، والبخاري فاتته صالة الجماعة فصالها سبع وعشرين مرة للحديث:‬
                                 ‫((صالة الجماعة خير من صالة الفرد بسبع وعشرين درجة)).‬
    ‫وآخر نازعته نفسه إلى الفاحشة فوضع يده على النار وهو يقول: (إن صبرت على نار الدنيا‬
                                   ‫فأنت على سواها أصبر) فأحرق شهوته بانشغاله بإحراق يده.‬
                                                             ‫وأما على ماذا يحاسب العبد نفسه؟:‬
   ‫5- الوقت: وقد أقسم اهلل بالوقت ألنه فيه تقع حركات بني آدم قال تعالى: والعصر إن اإلنسان‬
   ‫لفي خسر [العصر:5-7]. يقول الفضيل بن عياض: (يا ابن آدم إنما أنت عدد فإذا ذهب يومك‬
  ‫ذهب بعضك). جلس توبة بن الصمة بحاسب نفسه وكان قد بلغ الستين من عمره فحسب أيامها‬
   ‫فكانت واحدا وعشرين ألفا وخمسمائة، فقال: (لو أذنب في كل يوم ذنبا كيف ألقى اهلل بصحاف‬
‫مملوءة بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة؟ فأغمي عليه فلما أفاق قال :وهو يعقل أن أذنب ذنبا‬
‫واحدا كيف لو أذنبت عشرا أو مائة أو ألفا، كيف ألقى اهلل بكل هذه الذنوب فأغشي عليه فلما جاءه‬
                                                                   ‫أهله وجدوه ميتا)(55)[55]).‬
  ‫7- األموال: في كسبها وإنفاقها: للحديث: ((من لم يبال من أين يكتسب ماله ال يبال اهلل من أي‬
 ‫باب يدخله ناره))(75)[75]) فاحذر الحرام فإنه يفسد كل عمل صالح للحديث: ((واعلم أن اللقمة‬
  ‫الحرام إذا وقعت في جوف أحدكم ال يتقبل عمله أربعين ليلة))(35)[35])، وأن تنفقها فيما يحبه‬
      ‫اهلل ويرضاه فالمال مال اهلل ونحن مستخلفين فيه قال تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه‬
                       ‫ال‬
  ‫[الحديد:2]. فحبسه عن مجاالت الخير جريمة للحديث: ((من آتاه اهلل ما ً ولم يؤد زكاته مثل له‬
      ‫ماله يوم القيامة على صورة شجاع أقرع له زبيبتان يلمزه من شدقية يقول له: أنا كنزك أنا‬
                                                                          ‫مالك))(25)[25]).‬
  ‫3- إبراء الذمة من الحقوق: فحقوق العبيد معظمة عند اهلل للحديث: ((وأول ما يسأل عنه العباد‬
  ‫يوم القيامة الدماء))(15)[15])، وهذا الشهيد الذي يقتل في سبيل اهلل في الحديث: ((يغفر للشهيد‬
‫كل شيء إال الدين))(65)[65]). ((وكان يؤتى بالرجل كي يصلي عليه فيسأل: هل عليه دين؟ فإن‬
‫قالوا: نعم قال: صلوا على أخيكم))(25)[25]). والبد من براءة الحقوق، فرسول اهلل وهو في آخر‬
 ‫أيام عمره المبارك يقف على المنبر ويقول: ((من جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليجلده ال تقولوا:‬
  ‫فضوح، فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح اآلخرة)) كلمات تذيب الحجر، وفي الحديث: ((من‬
              ‫كانت عنده ألخيه مظلمة فليتحلله منها اليوم قبل أن يأتي يوم ال ينفع فيه درهم وال‬
                                                                          ‫دينار))(25)[25]).‬
‫2- الكلمة: لحديث معاذ: ((أو نؤاخذ على ما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في‬
                                                       ‫النار إال حصائد ألسنتهم؟))(95)[95]).‬
    ‫فال غيبة: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ال تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع‬
     ‫عورة أخيه تتبع اهلل عورته ومن تتبع اهلل عورته يفضحه ولو في جوف رحله))(07)[07]).‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد .‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                     ‫(5) ابن ماجة والحاكم .‬
                                                                             ‫(7) ابن ماجة .‬
                                                                               ‫(3) البيهقي .‬
                                                                              ‫(2) الترمذي .‬
                                                                              ‫(1) الترمذي .‬
                                                                                 ‫(6) مسلم .‬
                                                                            ‫(2) متفق عليه .‬
                                                                            ‫(2) متفق عليه .‬
               ‫(9) الزلزلة / مختصر ابن كثير / والحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي .‬
                                                                    ‫(05) 05])مسلم .‬
                                           ‫(55) 55])إحياء علوم الدين مجلد2 ص 602.‬
                                                                  ‫(75) 75])الديلمي .‬
                                                            ‫(35) 35])رواه الطبراني .‬
                                                               ‫(25) 25])متفق عليه .‬
                                                               ‫(15) 15])الدار قطني .‬
                                                                    ‫(65) 65])مسلم .‬
                                                               ‫(25) 25])الدار قطني .‬
                                                                 ‫(25) 25])البخاري .‬
                                                          ‫(95) 95])الترمذي والحاكم .‬
                                                 ‫(07) 07])أخرجه أبو داود والترمذي .‬

‫(5/036)‬




                                                                               ‫التنافس‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                        ‫اغتنام األوقات‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                            ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                               ‫الدوحة‬
                                                                         ‫الريان الكبير‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
‫5- معنى المنافسة والمسابقة. 7- النصوص تأر بالمنافسة على الخيرات. 3- التنافس قبل ظهور‬
                                  ‫العوائق. 2- اآلخرة درجات. 1- أنواع التنافس وصوره.‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                        ‫الخطبة األولى‬
   ‫قال تعالى: إن األبرار لفي نعيم على األرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون‬
 ‫من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين:77]. بيان وتشويق، بيان‬
 ‫لحال أهل الجنة، وقد بدى النعيم فيهم وفيما حولهم وفي الوجوه، شرابهم ليس ككل شراب مختوم‬
     ‫بالمسك بدل الطيب وقيل في نهايته يجد الشارب رائحة المسك عند االنتهاء منه وتشويق إلى‬
                                                             ‫المبادرة واإلسراع لنيل ذلك المقام.‬
                                              ‫فما التنافس؟ ولماذا؟ وما أنواعه؟ وما السبيل إليه؟‬
     ‫أما التنافس: فهو التسابق والتغالب وأصله من المنافسة وهي مجاهدة النفس للتشبه باألفاضل‬
                                                                 ‫واللحوق بهم كما قال الراغب.‬
   ‫واهلل تعالى يدعونا إلى اإلسراع إلى كل خير، قال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة‬
 ‫عرضها السماوات واألرض أعدت للمتقين [آل عمران:335]. وقال: سابقوا إلى مغفرة من ربكم‬
‫وجنة عرضها كعرض السماء واألرض [الحديد:57]. وقدم المغفرة على الجنة ألن المغفرة سالمة‬
                                                    ‫والجنة غنيمة، والسالمة قبل الغنيمة تطلب.‬
  ‫والصادق في خوفه وإقباله، عالمة صدقة اإلسراع للحديث: ((من خاف أدلج (أي بكر بالطاعة)‬
   ‫ومن أدلج بلغ المنزل (الغاية) أال إن سلعة اهلل غالية، أال إن سلعة اهلل هي الجنة))(5)[5]). وقد‬
‫سأل رجل أحد الصالحين عن الحديث: ((من قال ال إله إال اهلل دخل الجنة)) فقال الرجل الصالح:‬
 ‫(نعم ولكن للمفتاح أسنان وأسنان مفتاح الجنة هي أوامر اهلل تعالى فإذا جئت بمفتاح له أسنان فتح‬
                                                                          ‫لك وإال لم يفتح لك).‬
         ‫والخاسر من كان يومه كأمسه ليس فيه زيادة عمل صالح لألثر: (من استوى يوماه فهو‬
                                                ‫مغبون)(7)[7]). فكيف بمن كان في هبوط دائم؟‬
                            ‫وأما لماذا التنافس؟: فالبد من التنافس: في مبادرة األعمال الصالحة:‬
 ‫قبل ظهور العوائق للحديث: ((بادروا باألعمال سبعا هل تنتظرون إال فقرا منسيا أو غنى مطغيا‬
  ‫أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة‬
‫أدهى وأمر))(3)[3])، وفي العبادة كالحج للحديث: ((تعجلوا الحج فإن أحدكم ال يدري ما يعرض‬
 ‫له))(2)[2])، وفي الصدقة للحديث: ((إن رسول اهلل صلى العصر فلما سلم قام سريعا فدخل على‬
 ‫بعض نسائه ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته فقال: ذكرت وأنا في الصالة‬
                    ‫تبراً (ذهبا) عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته))(1)[1]).‬
    ‫ألن مقامات الناس في الجنة على قدر أعمالهم للحديث: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف‬
  ‫فوقهم كما تتراءون الكوكب الغائر في األفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا‬
      ‫رسول اهلل تلك منازل األنبياء ال يبلغها غيرهم، قال بلى: والذي نفسي بيده رجال آمنوا باهلل‬
   ‫وصدقوا المرسلين))(6)[6]). وللحديث: ((إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما يرون‬
   ‫النجم الطالع))(2)[2])، حتى يختلفون في إشراقة وجوههم للحديث: ((أول زمرة يدخلون الجنة‬
   ‫على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءه))(2)[2]).‬
   ‫وأصحاب العافية من أهل الجنة في درجات دنيا ويتمنون بلوغ ما بلغه إخوانهم من أهل البالء‬
 ‫لعلو درجاتهم للحديث: ((إن أهل النعيم (من أهل الجنة) في اآلخرة يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا‬
                          ‫فتقرض جلودهم بالمقاريض لما يرون من درجة أهل البالء))(9)[9]).‬
                                                                         ‫وأما أنواع التنافس:‬
                                                                        ‫التنافس في مرضاته:‬
‫في طلب الشهادة في سبيله: جاء جماعة من األصحاب إلى رسول اهلل وطلبوا منه ما يحملهم عليه‬
  ‫للغزو فقال لهم: ((واهلل ال أجد ما أحملكم عليه))، فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن‬
   ‫الجهاد وال يجدون نفقة وال محمال فأنزل اهلل عذرهم في كتابه فقال: وال على الذين إذا ما أتوك‬
    ‫لتحملهم قلت ال أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أال يجدوا ما ينفقون‬
   ‫[التوبة:09]. أو في إظهار الرضا بقضائه سبحانه: أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري‬
     ‫وعنده أربعمائة جاموس فركب هو وابن له فلقيا العبيد الذين يعملون عنده مقبلين يقولون: يا‬
 ‫موالنا ذهبت الجواميس، استلبها الروم. فقال بشير الطبري: وأنتم أيضا اذهبوا معها فأنتم أحرار‬
‫لوجه اهلل تعالى فقال ابنه: أفقرتنا فقال بشير: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده(05)[05]).‬
                                                                       ‫التنافس في الطاعات:‬
‫والعبد إذا مات أيقن أن كل مظهر أو زينة كان يحياها تافهة وليس له من مؤنس إال عمله الصالح‬
                 ‫للحديث: ((إذا مات العبد تبعه ثالثة: أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى‬
‫عمله))(55)[55]). وسئل أحد الصالحين عن سبب صالحه قال: (رأيت لكل إنسان محبوب ولكن‬
   ‫هذا المحبوب ال يدخل معه في قبره وإنما يدعه ويذهب فجعلت محبوبي الحسنات فهي معي ال‬
                                                                                   ‫تفارقني).‬
                                                                             ‫ومن الطاعات:‬
‫التنفل بكثرة السجود للحديث: ((سأل رجل رسول اهلل مرافقته في الجنة فقال له: أعني على نفسك‬
      ‫بكثرة السجود))(75)[75]) وقول رسول اهلل لبالل: ((يا بالل حدثني بأرجى عمل عملته في‬
   ‫اإلسالم إني سمعت دف (أي صوت) نعليك بين يدي في الجنة (أي أمامي) فقال بالل: ما أذنت‬
    ‫قط إال وصليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إال توضأت عندها ورأيت أن هلل علي ركعتين‬
‫فقال رسول اهلل : فبذلك))(35)[35])، قال ابن القيم: تقدم بالل بين يدي رسول اهلل في الجنة فألن‬
          ‫بالل كان يدعو باألذان فيتقدم أذانه بين يدي رسول اهلل فتقدم دخوله كالحاجب والخادم.‬
    ‫ومن الطاعات قضاء حوائج المسلمين وتفقد أحوالهم، كان عمر يتفقد عجوزا كبيرة عمياء في‬
 ‫حواشي المدينة (أطرافها) من الليل فيستقي لها ويقوم بأمرها ويخرج عنها األذى وكان إذا جاءها‬
‫وجد غيره سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة فال يسبق إليها فرصده عمر فإذا هو أبو‬
                               ‫بكر الصديق رضي اهلل عنهما الذي يأتيها وهو خليفة(25)[25]).‬
     ‫ومن الطاعات ذكر اهلل تعالى: ((قال الفقراء لرسول اهلل ذهب أهل الدثور (األموال) باألجور‬
 ‫يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم فقال ، أوليس قد جعل لكم‬
      ‫ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة وتحميدة صدقة وتهليلة صدقة وتكبيرة صدقة وأمر‬
                 ‫بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويضع أحدكم اللقمة في أهله فهي له‬
   ‫صدقة))(15)[15]) وفي رواية أبي ذر: ((أفال أدلك على عمل إذا أنت عملته أدركت من قبلك‬
‫وفقت من بعدك إال من قال مثل قولك؟ تسبح اهلل بعد كل صالة ثالثا وثالثين وتحمده ثالثا وثالثين‬
                                                                      ‫وتكبر أربعا وثالثين)).‬
                                                                    ‫وما السبيل إلى التنافس؟:‬
         ‫أن نعظم أمر اآلخرة: وتلك سمة األنبياء، قال تعالى: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار‬
‫[ص:62]. وثمرة ذلك انشغالك بربك وما يرضيه يقول أحد السلف: (من كان اليوم مشغوال بنفسه‬
                   ‫فهو غدا مشغول بنفسه، ومن كان اليوم مشغوال بربه فهو غدا مشغول بربه).‬
‫العناية بآخرتنا فكل طاعة إنما هي إعمار لها، فال تنشغل بتنافس أهل الدنيا يقول أحد السلف: (إذا‬
         ‫رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في اآلخرة)، ودع عنك موازين الناس لبعضهم وقل :‬
                                                                 ‫فليت الذي بيني وبينك عامر‬
                                                                  ‫وبيني وبين العالمين خراب‬
                                                              ‫إذا صح منك الود يا غاية المنى‬
                                                                 ‫فكل الذي فوق التراب تراب‬


                                                    ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                    ‫لم ترد .‬
                                                                            ‫__________‬
                                                                              ‫(5) الترمذي .‬
                           ‫(7) إحياء علوم الدين وقال رواه البيهقي عن عمر بن عبد العزيز .‬
                                                            ‫(3) الترمذي وقال حديث حسن .‬
                                                                        ‫(2) أحمد والبيهقي .‬
                                                                              ‫(1) البخاري .‬
                                                                       ‫(6) البخاري ومسلم .‬
                                                                                 ‫(2) أحمد .‬
                                                                       ‫(2) البخاري ومسلم .‬
                                                                              ‫(9) الترمذي .‬
                                                       ‫(05) 05])صفة الصفوة البن الجوزي .‬
                                                                  ‫(55) 55])البخاري ومسلم .‬
                                                                             ‫(75) 75])مسلم .‬
                                                                  ‫(35) 35])البخاري ومسلم .‬
                                                                    ‫(25) 25])حياة الصحابة .‬
                                                                  ‫(15) 15])البخاري ومسلم .‬

‫(5/536)‬




                                                                                        ‫العبادة‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                                       ‫التوحيد‬
                                                                                       ‫األلوهية‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                   ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                        ‫الدوحة‬
                                                                                  ‫الريان الكبير‬
                                              ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫ملخص الخطبة‬
‫5- لماذا خلقنا اهلل. 7- معنى العبادة. 3- األنبياء يدعون العباد لعبادة اهلل. 2- معرفة الرب تحتم‬
 ‫حجته وعبادته. 1- لماذا نعبد اهلل. 6- أنواع العبادة ونماذج منها. 2- أثر العبادة على المؤمن.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
 ‫قال تعالى: وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن‬
 ‫اهلل هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات:61-21]. خير ما يفسر هذه اآلية هو الحديث القدسي:‬
 ‫((يا عبادي إني ما خلقتكم ألستأنس بكم من وحشة وال ألستكثر بكم من قلة وال ألستعين بكم من‬
      ‫وحدة على أمر عجزت عنه وال لجلب منفعة وال لدفع مضرة وإنما خلقتكم لتعبدوني طويال‬
                                                   ‫وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيال)).‬
                                                     ‫فما العبادة ولماذا؟ وما أنواعها وما أثرها؟‬
      ‫أما العبادة لغة: الخضوع والذل يقال: طريق معبد، إذا كان مذلال قد وطئته األقدام، والعبادة‬
  ‫تضمن غاية الذل هلل تعالى بغاية المحبة له سبحانه يقول ابن القيم رحمه اهلل: أصل العبادة محبة‬
      ‫اهلل بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله هلل، فال يحب معه سواه، وإنما يحب ألجله وفيه.‬
   ‫وما بعث األنبياء إال بالدعوة إلى عبادة اهلل سبحانه: وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا‬
‫اهلل [األعراف:32]، وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا اهلل [األعراف:16]. واهلل يقول لحبيبه‬
                                         ‫المصطفى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر:99].‬
             ‫والقلب ال يتسع إال إلله واحد يعبد قال تعالى: ما جعل اهلل لرجل من قلبين في جوفه‬
      ‫[األحزاب:2]. فإن لم يكن هو اهلل، فهو غير اهلل من هوى أو مال أو زوجة ومعصية اهلل في‬
‫طاعتهم قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية:37]. وللحديث: ((تعس عبد الدرهم، تعس‬
                                                                          ‫عبد الدينار))(5)[5]).‬
      ‫وكلما ازداد العبد معرفة بربه ازداد حبا له وتعبدا، يقول ابن القيم: من عرف ربه أحبه فهو‬
    ‫المنعم: وما بكم من نعمة فمن اهلل ، والنفس اإلنسانية مجبولة على محبة من يحسن إليها فكيف‬
                                                                         ‫ن‬
     ‫بإحسان اهلل وم ّه وكرمه؟ فكيف ال يحب العبد ربه وال يتعبده وهو القائم سبحانه على شؤون‬
   ‫خلقه، المسلم منهم والكافر بالرزق والحفظ والحياة للحديث القدسي: ((أنا والجن واإلنس في نبإ‬
   ‫عظيم، أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي أتحبب إليهم بالنعم ويبتعدون عني بالمعاصي،‬
                                                 ‫خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد))(7)[7]).‬
                                                                             ‫وأما لماذا العبادة؟:‬
  ‫5- فالعبادة غذاء للروح: فاإلنسان جسد وروح والجسد غذاؤه الطعام والشراب فإذا حرم الجسد‬
  ‫الطعام أياما أصابه القلق والجوع واأللم ويبلغ حد الجنون، وكذلك الروح لها غذاؤها من تعبد هلل‬
 ‫سبحانه وذكر له فإذا حرمت الروح غذاؤها أصابها ما يصيب الجسد عند الجوع فيتخبط ويصيبه‬
    ‫الجزع والهلع واالنحراف، ولذا يلجأ البعيدون عن اهلل تعالى إلى كل مسكر أو مخدر أو محرم‬
‫حتى ينسوا أنفسهم، ذلك الجوع والفراغ الروحي الذي يعيشوه وصدق اهلل العظيم: فمن يرد اهلل أن‬
 ‫يهديه يشرح صدره لإلسالم ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء‬
  ‫[األنعام:175]. يقول أحد السلف: (مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها‬
                                                   ‫فقيل له: وما هو؟ قال: محبة اهلل واألنس به).‬
‫7- أداء لألمانة قال تعالى: إنا عرضنا األمانة على السماوات واألرض والجبال فأبين أن يحملنها‬
‫وأشفقن منها وحملها اإلنسان [األحزاب:72]. وإذا أدى العبد األمانة بتنفيذ ما أمره اهلل به، أدى اهلل‬
   ‫له األمانة بالحفظ والتوفيق والخير قال الرازي: رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته‬
‫وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: اللهم‬
  ‫إني قد أديت أمانتك فأين أمانتي؟ يقول الرازي: فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وسلم الناقة‬
‫إليه. قال الرازي: إنه لما حفظ أمانة اهلل حفظ اهلل أمانته(3)[3]). فإذا أصلحت فيما بينك وبين ربك‬
   ‫وأنت تحت سلطانه أصلح اهلل فيما بينك وبين من تحت سلطانك من زوجة وولد ودابة(2)[2])،‬
                                         ‫خ‬
                  ‫يقول أحد السلف: (إني ألرى شؤم معصيتي في ُلق زوجتي وولدي ودابتي).‬
 ‫وأما أنواع العبادة: يقول ابن تيمية رحمه اهلل تعالى: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اهلل ويرضاه‬
                                                       ‫من األقوال واألعمال الباطنة والظاهرة.‬
 ‫االنقياد إلى شرع اهلل: ((إن عدي بن حاتم دخل إلى النبي وفي عنقه صليب من فضة فسمع النبي‬
  ‫يقرأ: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اهلل فقال عدي: ما اتخذوهم أربابا فقال: بلى، ألم‬
    ‫يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحالل فأطعتموهم؟ فقال عدي: بلى فقال رسول اهلل : فذلك‬
 ‫عبادتكم إياهم))، ولذا قال تعالى: وما أمروا إال ليعبدوا إلها واحدا قال السدي: (أي الذي إذا حرم‬
            ‫الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحالل، وما شرعه أتبع، وما حكم به نفذ)(1)[1]).‬
‫عمل اإلنسان عبادة إذا كان في دائرة الشرع: للحديث: ((مر على النبي رجل فرأى األصحاب من‬
‫جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول اهلل لو كان هذا في سبيل اهلل؟ فقال: إن كان خرج يسعى على ولده‬
        ‫صغارا فهو في سبيل اهلل، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل‬
     ‫اهلل))(6)[6])، وللحديث: ((من أمسى كاال من عمل يده أمسى مغفورا له))(2)[2])، ((التاجر‬
                                            ‫الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء))(2)[2]).‬
                                                               ‫وكل عمل اجتماعي نافع عبادة:‬
‫أ- كإصالح ذات البين للحديث: ((أال أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصالة والصدقة؟ قالوا:‬
   ‫بلى، قال: إصالح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، ال أقول تحلق الشعر ولكن تحلق‬
                                                                             ‫الدين ))(9)[9]).‬
      ‫ب- عيادة المريض للحديث: ((من عاد مريضا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك‬
                                                         ‫وتبوأت من الجنة منزال))(05)[05]).‬
  ‫ج- إماطة األذى عبادة للحديث: ((مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: ألنحين هذا‬
                                            ‫عن المسلمين ال يؤذيهم. فأدخل الجنة))(55)[55]).‬
‫د- جماع الرجل أهله عبادة للحديث: ((وفي بضع أحدكم صدقة: قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون‬
 ‫له فيها أجرا؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا:نعم. قال: كذلك إذا وضعها‬
    ‫في الحالل كان له أجر))(75)[75])، قال العلماء: إذا نوى أداء حق الزوجة وإحصان الفرج.‬
                                                                              ‫وأما أثر العبادة:‬
     ‫إنها تجعل حياة المسلم كلها ربانية فال تراه إال مشدودا إلى اهلل تعالى يبغي رضاه في كل ما‬
    ‫يصدر عنه من قول أو فعل قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة‬
      ‫شرا يره [الزلزلة:2-2]. قال صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: (حسبي أال أسمع غيرها).‬
                                            ‫للحديث: ((اتقوا الناس ولو بشق تمرة))(35)[35]).‬
‫ولو بكلمة طيبة: ((ال تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق))(25)[25]). فكل‬
      ‫شيء سجل في صحيفتك قال تعالى: ال يغادر صغيرة وال كبيرة إال أحصاها [الكهف:92].‬
                                               ‫(الصغيرة هي البسمة والكبيرة هي الضحكة).‬
‫صالح النفس ثمرة للعبادة: قال اهلل تعالى: إن الصالة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت:12].‬
  ‫وفي الحديث: ((من لم تنهه صالته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اهلل إال بعدا))(15)[15]).‬
‫وذكر لرسول اهلل قوم يصلون ولكنهم يقومون بأمور ال تليق بمن يقيم الصالة فقال: ((إن صالتهم‬
                                                                     ‫ستنهاهم))(65)[65]).‬


                                                  ‫-------------------------‬
                                                                            ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                 ‫لم ترد .‬
                                                                          ‫__________‬
                                                                           ‫(5) البخاري .‬
                                                        ‫(7) رواه البيهقي عن أبي الدرداء .‬
                                                                   ‫(3) إحياء علوم الدين .‬
                                                     ‫(2) الجواب الكافي البن القيم ص11 .‬
                                                ‫(1) مختصر ابن كثير ، مجلد 7 ص235 .‬
                                                                     ‫(6) رواه الطبراني .‬
                                                                     ‫(2) رواه الطبراني .‬
                                                                           ‫(2) الترمذي .‬
                                                                           ‫(9) الترمذي .‬
                                                                    ‫(05) 05])ابن ماجة .‬
                                                                        ‫(55) 55])مسلم .‬
                                                                        ‫(75) 75])مسلم .‬
                                                                   ‫(35) 35])متفق عليه .‬
                                                                        ‫(25) 25])مسلم .‬
                                                                 ‫(15) 15])ابن أبي حاتم .‬
                                                 ‫(65) 65])البزار واإلمام أحمد في مسنده .‬

‫(5/736)‬
                                                                                    ‫الرحمة‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                          ‫التوحيد, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                          ‫األسماء والصفات, مكارم األخالق‬
                                                      ‫-----------------------‬
                                                                ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                    ‫الدوحة‬
                                                                              ‫الريان الكبير‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                            ‫ملخص الخطبة‬
     ‫5- الرحمة ومعناها. 7- من صفات اهلل وأسمائه الرحمن الرحيم. 3- من صفات المؤمنين‬
   ‫الرحمة. 2- من الرحمة بالمجتمع إقامة الحدود. 1- أهمية صفة الرحمة. 6- أنواع الرحمة.‬
                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة األولى‬
‫يقول رب العزة سبحانه: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له‬
  ‫فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين [األنبياء:32].‬
     ‫ال أحد أرحم من اهلل عز وجل، فاهلل أرحم بعبيده من عبيده بأنفسهم، يرى النبي عليه الصالة‬
‫والسالم امرأة من السبي وهي تحتضن وليدا ترضعه، فيسأل النبي عليه الصالة والسالم أصحابه:‬
  ‫((هل ترون هذه طارحة وليدها في النار))؟ فيقولون: ال واهلل يا رسول اهلل، فيقول عليه الصالة‬
                                         ‫والسالم ((هلل أرحم بعبيده من هذه بوليدها))(5)[5]).‬
                              ‫فما الرحمة؟ ولماذا؟ وما أنواعها؟ وكيف يبلغ العبد تلك المنزلة؟‬
                                                                               ‫أما الرحمة:‬
                                                                  ‫لغة: فهي الرأفة والعطف.‬
                                                                 ‫ر‬
    ‫وأما اصطالحا: فكما ع ّفها العلماء: خلق رفيع كريم، يبعث على اإلغاثة والعون والمساعدة‬
                                ‫وتلبية حاجة المحتاجين وإيصال الخير لهم ورفع الضر عنهم.‬
                                                                           ‫وينبغي أن تعلم:‬
  ‫أن من أسماء اهلل عز وجل: الرحمن الرحيم ، بل مبدأ كل سورة في القرآن نبدؤها بـ بسم اهلل‬
    ‫الرحمن الرحيم إال في سورة واحدة هي سورة التوبة، ألن مطلعها فيه البراءة من أعداء اهلل،‬
‫والسيف وتحديد العالقة بالمجتمع الجاهلي، براءة من اهلل ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين‬
                                                                                ‫[التوبة:5].‬
‫أن المؤمن ال يكون مصدر إيذاء أبدا، وإال ففي إيمانه نظر، قيل لرسول اهلل عليه الصالة والسالم:‬
‫فالنة تقوم الليل وتصوم النهار ولكنها تؤذي جيرانها؟ قال عليه الصالة والسالم: ((دعوها إنها من‬
                                                                         ‫أهل النار))(7)[7]).‬
‫يقول عليه الصالة والسالم: ((على كل مسلم صدقة)) فقال رجل: يا رسول اهلل فإن لم يجد؟ فقال:‬
   ‫((يعمل بيده وينفق)) قال: فإن لم يعمل؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف))، قال: فإن لم يفعل؟‬
 ‫قال: يأمر بالمعروف أو الخير))، قال: فإن لم يستطع، قال: ((يكف شره عن الناس، فإنها صدقة‬
                                                                     ‫منه على نفسه))(3)[3]).‬
     ‫أن هناك صلة بين الرحمة والعدل، فوضع الرحمة في غير موضعها غباء وجهل، فال ينبغي‬
‫للمجرم أن يرحم، بل إن الرحمة للمجتمع ينبغي من خاللها أن يعاقب المجرم، وصدق اهلل العظيم:‬
                             ‫ولكم في القصاص حياة يا أولي األلباب لعلكم تتقون [البقرة:925].‬
‫الزوجة الناشز، من الغباء أن يسكت على نشوزها، فتطغى، واهلل عز وجل يقول: والالتي تخافون‬
                         ‫نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن [النساء:23].‬
                                                            ‫ي‬
       ‫الولد المعوج، ال ينبغي أن ُرحم، حتى يؤدب بل من الرحمة به أن يؤدب، قول النبي عليه‬
‫الصالة والسالم: ((مروا أوالدكم بالصالة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر‬
                                                  ‫سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع))(2)[2]).‬
                                                                           ‫وأما لماذا الرحمة؟‬
                                                                     ‫فالبد من الرحمة، ألنها:‬
      ‫سبب إلى رحمة اهلل عز وجل، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((ارحموا من في األرض‬
                                      ‫ي‬
 ‫يرحمكم من في السماء))(1)[1])، ((من ال يرحم ال ُرحم))(6)[6]). وفي اآلخرة أيضا، ذكر أن‬
 ‫اإلمام أحمد بن حنبل كان يجمع حديث النبي عليه الصالة والسالم، فدل على رجل في قرية نائية‬
      ‫في الشام، فلما وصل إليها رآه يطعم الكالب، فسلم وجلس، وانشغل صاحب الحديث بإطعام‬
    ‫الكالب حتى انتهى، ثم نظر إلى اإلمام أحمد فقال له: لعلك وجدت علي في نفسك؟ قال: نعم،‬
‫انشغلت بالكالب عني، قال: إنا بأرض منقطعة، وال تأتينا الكالب إال نادرا، وقد جاءتني ترجوني‬
          ‫أن أطعمها فقد جاء في األثر: (من قطع رجاء من ارتجاه قطع اهلل رجاءه يوم القيامة).‬
      ‫حتى يكون التكافل في المجتمع، فيجد المسكين من ينفق عليه، ويجد اليتيم من يرعاه، وتجد‬
‫األرملة من يعنى بأمرها، يرى النبي عليه الصالة والسالم في يوم عيد صبيا منزويا عن أصحابه‬
     ‫يبكي، يسأله النبي عليه الصالة والسالم: ((ما يبكيك؟)) فيقول: يا رسول اهلل استشهد أبي في‬
                              ‫ي‬
‫غزوة، يأخذه النبي عليه الصالة والسالم إلى بيته، ويعطيه ما ُعطى الطفل، ويقول له: ((أما تحب‬
 ‫أن يكون محمدا أبا لك وعائشة أما لك، وفاطمة أختا لك!)) ويسري عنه، ويذهب الطفل بعد ذلك‬
 ‫يلعب))(2)[2]). أراد النبي عليه الصالة والسالم بذلك الرعاية واالهتمام، ال التبني، فال تبني في‬
                                                                                     ‫اإلسالم.‬
   ‫وإذا ترحلت الرحمة من المجتمع، انقلب المجتمع إلى مجتمع غاب، يأكل القوي فيه الضعيف،‬
 ‫وتداس في الحقوق، ويشكو الوالد ولده، وتشكو الزوجة زوجها، والقضايا المتراكمة في المحاكم‬
 ‫تشهد بذهاب خلق الرحمة بين الناس، بل يحدثني أحدهم أن زوجته وأوالده اجتمعوا، فاستطاعوا‬
   ‫أن يستصدروا أمرا بالحجر عليه وأنه مجنون. فأصبح فقيرا معدما، وزوجته وعياله يتنعمون‬
                                                    ‫بماله، فأي رحمة قد ترحلت من القلوب.‬
                                                                            ‫أنواع الرحمة:‬
   ‫رحمة الحق سبحانه، وهي أجلها وأكرمها وأعظمها، وصدق اهلل العظيم: ورحمتي وسعت كل‬
      ‫شيء [األعراف :615]. ومن دعاء عمر بن عبد العزيز يقول: (اللهم إنك قلت في كتابك:‬
                  ‫ورحمتي وسعت كل شيء ، وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين).‬
                                                           ‫ومن صور رحمة الحق سبحانه:‬
                            ‫أ- رحمته في التشريع: ال يكلف اهلل نفسا إال وسعها [البقرة:627].‬
    ‫في الطهارة والوضوء: عمرو بن العاص، خرج في سرية فأصبح جنبا، فصلى بعد أن تيمم،‬
 ‫بالناس إماما، فلما عاد إلى النبي عليه الصالة والسالم، قال له: ((صليت بالناس وأنت جنب؟!))‬
  ‫قال عمرو بن العاص: يا رسول اهلل، تأولت قول رب العزة سبحانه: وال تقتلوا أنفسكم إنه كان‬
                      ‫بكم رحيما فضحك النبي عليه الصالة والسالم وأقره على فعله))(2)[2]).‬
    ‫في الصالة: ((من استطاع أن يصلي قائما فليفعل، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى‬
                                                                           ‫جنبه))(9)[9]).‬
              ‫في الصيام: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة:125].‬
‫وفي الحج: وهلل على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيال ومن كفر فإن اهلل غني عن العالمين‬
                                                                          ‫[آل عمران:29].‬
  ‫ب- أنه يقابل إساءة العباد باإلحسان إليهم، يقول اهلل عز وجل في الحديث القدسي: ((أنا والجن‬
 ‫واإلنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، وأتحبب إليهم بالنعم ويبتعدون‬
                          ‫عني بالمعاصي، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد))(05)[05]).‬
‫ذكر أن إبراهيم الخليل عليه السالم كان مضيافا، وكان ال يأكل طعاما إال ويكون معه ضيف، مر‬
 ‫به رجل فقير فاستضافه الخليل إبراهيم، سأله عن دينه فعلم أنه مجوسي، فقال له: لن تأكل معي‬
‫طعاما حتى تغير دينك. فأبى المجوسي أن يغير دينه ومضى، أوحى اهلل تعالى إلى الخليل إبراهيم‬
‫يقول: أبيت أن تطعمه مرة حتى يغير دينه، ونحن نطعمه منذ سبعين سنة وهو على كفره، يسرع‬
‫الخليل إلى الرجل يغير الكالم والموقف ويدعوه إلى الطعام، فسأله المجوسي عن سبب التغير في‬
   ‫المعاملة! فيذكر له وحي اهلل إليه، فقال المجوسي: أهكذا يعاملني ربي؟! أعرض علي اإلسالم،‬
                                                                          ‫فأسلم(55)[55]).‬
 ‫ج – يوم القيامة، أعظم حديث سمعته هو قول النبي عليه الصالة والسالم: ((إن هلل مائة رحمة،‬
     ‫أنزل واحدة منها إلى األرض بين الجن واإلنس والهوام، فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها‬
  ‫تعطف الوحش على وليدها، وادخر تسعة وتسعين رحمة إلى يوم القيامة))(75)[75]). نسأل اهلل‬
                                                      ‫تعالى أن يشملنا برحمته إنه جواد كريم.‬
   ‫رحمة المصطفى عليه السالم: وصدق اهلل العظيم: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما‬
 ‫عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [التوبة:275]. ومن صور رحمة النبي عليه الصالة‬
                                                                                     ‫والسالم:‬
      ‫أ- مع أعدائه: عندما دعا أهل الطائف إلى اإلسالم، فأجابوه شر إجابة وأغروا به السفهاء،‬
‫ويخرج النبي عليه الصالة والسالم وقدميه الشريفتين تسيالن دما، يبعث اهلل إليه ملك الجبال يأتمر‬
     ‫بأمر النبي عليه الصالة والسالم، يقول له: ((إن شئت أن أطبق عليهم األخشبين، فيقول عليه‬
‫الصالة والسالم: ال تفعل عسى اهلل أن يخرج من أصالبهم من يعبد اهلل))(35)[35])، واألخشبان:‬
                                                                 ‫هما الجبالن المحيطان بمكة.‬
   ‫ب- مع الجاهل بدينه: بال أعرابي في المسجد، فقام األصحاب ليوقعوا به األذى، منعهم النبي‬
‫عليه الصالة والسالم حتى يكمل الرجل بوله، ثم أتى بسجل من ماء فصبه على بول الرجل، وقال‬
 ‫لألصحاب: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، فيسروا وال تعسروا وبشروا وال تنفروا)).‬
  ‫وقال لألعرابي: ((إنما بنيت هذه المساجد لذكر اهلل وللصالة))، بعد أن حسن أدب األعرابي في‬
              ‫اإلسالم كان يقول: ((بأبي هو وأمي رسول اهلل لم يعنفني ولم يؤنبني))(25)[25]).‬
    ‫ج- مع األعراب الذين لم يستكملوا جانب التربية في اإلسالم: ((يأتيه أحدهم فيقول: يا محمد،‬
 ‫ويضع أظفاره في كتف النبي عليه الصالة والسالم، ويلتفت إليه رسول اهلل مبتسما))(15)[15]).‬
‫اآلخر يستقرض منه رسول اهلل قرضا، فيأتيه قبل موعده ويقول: يا محمد أعطني قرضي، إنكم يا‬
       ‫بني عبد المطلب قوم مطل(65)[65])، حتى يهم األصحاب بضربه، فيمنعهم ويقول: ((إن‬
                                                            ‫لصاحب الحق مقالة))(25)[25]).‬
                                            ‫رحمة ولي األمر بأمة محمد علي الصالة والسالم:‬
 ‫من دعاء الرسول اهلل عليه الصالة والسالم يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم،‬
                                                ‫ً‬
              ‫فارفق به، اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه))(25)[25]).‬
  ‫والية األمر في إسالمنا تكليف ال تشريف وال مظاهر، قول النبي عليه الصالة والسالم: ((يا أبا‬
       ‫ذر، إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إال من أخذها بحقها وأدى الحق الذي عليه‬
                                                                            ‫فيها))(95)[95]).‬
‫والة األمر من سلفنا الصالح كانوا يتفقدون أحوال األمة، ال بقصد التجسس والتضييق عليهم وبث‬
‫الرعب في قلوبهم، حتى يكون الخوف في مطعمهم ومشربهم منامهم، كما هو الحال في كثير من‬
            ‫بلداننا في عالمنا الثالث، بل كانوا يتفقدون أحوال األمة حتى يخففوا عنها من مآسيها.‬
  ‫كان عمر بن الخطاب يتفقد امرأة عجوزا عمياء في طرف المدينة يذهب إليها يرفع عنها البول‬
 ‫والغائط، يأتيها بالطعام يأتيها بالماء، ثم يذهب، رأى عمر بن الخطاب هناك من يسبقه في خدمة‬
   ‫هذه المرأة العجوز العمياء فأراد أن يرصد من الذي يسبقه لهذا الخير، يقول عمر بن الخطاب:‬
‫(فجئت في أول الليل فإذا به أبو بكر الصديق وكان يومئذ خليفة)(07)[07]). كان خليفة، لكنه كان‬
      ‫يتفقد حال امرأة عجوز عمياء، يتقرب بهذا العمل هلل عز وجل، لم تغيرهم الدنيا، ولم تعبث‬
             ‫بقلوبهم المناصب، وإنما زادتهم ذال وتواضعا وبحثا عن األجر في أي مكان يكون.‬
                                                                      ‫رحمة المسلم بالحيوان:‬
                                                           ‫وهناك صور محرمة في إسالمنا :‬
  ‫أولها الحبس: قول النبي عليه الصالة والسالم: ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت،‬
                        ‫فال هي أطعمتها وال هي تركتها تأكل من خشاش األرض))(57)[57]).‬
      ‫التحريش بين البهائم: وهو حرام، فقد: ((نهى النبي عليه الصالة والسالم عن التحريش بين‬
                                                                         ‫البهائم))(77)[77]).‬
   ‫أن تجعل من الحيوان غرضا لسهمك ورميك حرام، فقد: ((لعن النبي عليه الصالة والسالم من‬
                                                      ‫اتخذ شيئا فيه روح غرضا))(37)[37]).‬
        ‫قتل الحيوان بقصد العبث واللعب حرام، قول النبي عليه الصالة والسالم: ((إن العصفور‬
               ‫ليحج(27)[27]) إلى اهلل يوم القيامة يقول: يا رب، إن فالنا قتلني عبثا ولم يقتلني‬
                                                                          ‫منفعة))(17)[17]).‬
      ‫ثم حتى في ذبح الحيوان: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذحة وليحد أحدكم‬
  ‫شفرته، وليرح ذبيحته))(67)[67]). يرى النبي عليه الصالة والسالم رجال وقد أبطح شاة تحت‬
               ‫ال‬            ‫ت‬
‫قدمه، وهو يحد شفرته، فقال عليه الصالة والسالم: ((ويلك! أم ّها موتتان، ه ّ حددت شفرتك قبل‬
                                                              ‫أن تضجعها للذبح))(27)[27]).‬
                                                               ‫كيف يبلغ العبد درجة الرحمة؟‬
                                                                        ‫فينبغي ابتداء أن يعلم:‬
  ‫أن دوام الحال من المحال: لتركبن طبقا عن طبق [االنشقاق:95]. حاال بعد حال، غنى بعد فقر،‬
‫وفقرا بعد غنى صحة بعد مرض، ومرضا بعد صحة، فالحال ال يدوم: قل اللهم مالك الملك تؤتي‬
  ‫الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل‬
                                                                  ‫شيء قدير [آل عمران:67].‬
  ‫يرى النبي عليه الصالة والسالم أبا مسعود وهو يضرب غالما له، فيقول له النبي عليه الصالة‬
                                    ‫والسالم: ((اتق من هو أقدر عليك، منك عليه))(27)[27]).‬
 ‫ثم البد من الممارسة الفعلية لخلق الرحمة، جاء رجل يشكو إلى النبي عليه الصالة والسالم قسوة‬
     ‫قلبه، فقال له عليه الصالة والسالم: ((امسح على رأس اليتيم، وأطعم المسكين))(97)[97]).‬
                                      ‫ممارسة عملية لخلق تتعوده، يبعث فيك الرحمة بعد ذلك.‬
 ‫ف‬
‫ثم أن تجعل في ذهنك قضية الجزاء، كما تدين تدان. لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((من ن ّس‬
          ‫عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اهلل عنه كربة من كرب يوم القيامة))(03)[03]).‬
                                                           ‫ي‬
‫وما أكرم شاب شيخا لسنه، إال ق ّض اهلل له من يكرمه عند سنه، لقول النبي عليه الصالة والسالم:‬
    ‫((بروا آباءكم، تبركم أبناؤكم))(53)[53])، يرى الناس رجال يضرب أباه في السوق، فيجتمع‬
‫الناس يحولون بين الوالد والولد، فيقول لهم الوالد: دعوا ولدي يضربني، لقد كنت أضرب أبي في‬
                                                 ‫هذا الموضع، فسلط اهلل علي ولدي من بعده.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫لم ترد .‬
                                                                           ‫__________‬
                                                                       ‫(5) رواه البخاري .‬
                                                                          ‫(7) رواه أحمد .‬
                                                                          ‫(3) متفق عليه .‬
                                                               ‫(2) رواه أبو داود والحاكم .‬
                                                             ‫(1) رواه أبو داود والترمذي .‬
                                                                      ‫(6) رواه الطبراني .‬
                                                     ‫(2) قبسات من حياة الرسول ص267 .‬
                                                                 ‫(2) روه أحمد وأبو داود .‬
                                                                       ‫(9) رواه البخاري .‬
                                                                  ‫(05) 05])رواه البيهقي .‬
                                             ‫(55) 55])إحياء علوم الدين مجلد 2 ص 715 .‬
                                                                 ‫(75) 75])رواه البخاري .‬
                                                                    ‫(35) 35])متفق عليه .‬
                                                        ‫(25) 25])رواه الجماعة إال مسلما .‬
                                                                    ‫(15) 15])متفق عليه .‬
                                                      ‫(65) 65])أي تماطلون في دفع الدين.‬
                                                                 ‫(25) 25])رواه البخاري .‬
                                                                    ‫(25) 25])رواه مسلم .‬
                                                                    ‫(95) 95])رواه مسلم .‬
                                                   ‫(07) 07])حياة الصحابة مجلد 7 ص.62‬
                                                              ‫(57) 57])رواه البخاري .‬
                                                     ‫(77) 77])رواه أبو داود والترمذي .‬
                                                     ‫(37) 37])رواه أبو داود والترمذي .‬
                                                                   ‫(27) 27])أي يشكو .‬
                                                               ‫(17) 17])رواه النسائي .‬
                                                                 ‫(67) 67])رواه مسلم .‬
                                                    ‫(27) 27])رواه الطبراني في الكبير .‬
                                                                 ‫(27) 27])رواه مسلم .‬
                                                                 ‫(97) 97])رواه أحمد .‬
                                                                 ‫(03) 03])رواه مسلم .‬
                                                         ‫(53) 53])مجمع الزوائد 5/13.‬

‫(5/336)‬




                                                                                  ‫الحياء‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                        ‫اإليمان, الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                          ‫خصال اإليمان, مكارم األخالق‬
                                                    ‫-----------------------‬
                                                              ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                 ‫الدوحة‬
                                                                           ‫الريان الكبير‬
                                          ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                         ‫ملخص الخطبة‬
‫5- تعريف الحياء. 7- الفرق بين الحياء والخجل. 3- ضرورة صفة الحياء. 2- الحياء من اهلل.‬
                            ‫1- حياء العبد في نفسه. 6- صور من الحياء. 2- حياء المرأة.‬
                                                 ‫-------------------------‬
                                                                          ‫الخطبة األولى‬
 ‫يقول رب العزة سبحانه: ألم تر أن اهلل يعلم ما في السماوات وما في األرض ما يكون من نجوى‬
   ‫ثالثة إال هو رابعهم وال خمسة إال هو سادسهم وال أدنى من ذلك وال أكثر إال هو معهم أين ما‬
‫كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن اهلل بكل شيء عليم [المجادلة:2]. أصحاب الفطرة السليمة‬
    ‫يغشاهم الحياء ويتحرجون من الكلمة أو الفعل المشين إذا اطلع عليهم من يتحرجون من نظره‬
                                       ‫واألولى بالتعظيم وأن يستحيى منه هو اهلل رب العالمين.‬
                            ‫فما الحياء؟ ولماذا؟ وما أنواعه؟ وكيف حفظ اإلسالم للمرأة حياءها؟‬
 ‫أما الحياء لغة: فهو مأخوذ من الحياة، اصطالحا - كما عرفه العلماء - :هو انقباض النفس عن‬
       ‫القبائح، قيل: هو أن ال يفتقدك اهلل حيث أمرك، وال يجدك حيث نهاك، وينبغي أن تعلم أن:‬
   ‫الحياء من صفات اهلل عز وجل، يقول المصطفى عليه الصالة: ((إن اهلل حيي كريم يستحي من‬
     ‫عبده، إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا))(5)[5]). الحياء من خلق المصطفى عليه الصالة‬
              ‫والسالم فلقد: ((كان أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرف في‬
                                                                             ‫وجهه))(7)[7]).‬
   ‫الفرق بين الحياء والخجل عظيم ذلك ألن الحياء منقبة وفضيلة ومعناها هو أن يترفع العبد عن‬
‫المعاصي واآلثام وأما الخجل فإنه منقصة لشعور اإلنسان بقصوره أمام اآلخرين، فال يطالب بحقه‬
‫لخجله وال يقول كلمة الحق لخجله وال يتحدث أمام اآلخرين لشعوره أن من معه خير منه، وعلى‬
                                                           ‫الجرأة ربى السلف الصالح أبناءهم.‬
‫رسول اهلل عليه الصالة والسالم سأل األصحاب يوما فقال: ((إن من الشجر شجرة ال يسقط ورقها‬
       ‫وهي مثل المسلم في نفعها)) فوقع األصحاب في شجر البوادي، كل منهم يذكر اسم شجرة‬
                        ‫ً‬
‫ورسول اهلل ال يوافقهم، كان في األصحاب عبد اهلل بن عمر وكان صبيا يقول: فوقع في نفسي أنها‬
  ‫النخلة، ولكن كان في المجلس أبو بكر وعمر فلم يتكلما، فاستحييت أن أتحدث بوجودهما ثم قال‬
 ‫عليه الصالة والسالم: إنها النخلة، فلما خرج عبد اهلل مع أبيه عمر بن الخطاب ، قال عبد اهلل: يا‬
  ‫أبت واهلل لقد وقع في نفسي أنها النخلة، فقال عمر بن الخطاب : واهلل لئن كنت قلتها، لهي أحب‬
                                                             ‫إلي من الدنيا وما فيها))(3)[3]).‬
 ‫باعث الحياء، إما أن يكون هو اهلل، وإما أن يكون الناس والعبد إذا لم يستح من اهلل ولم يستح من‬
‫الناس كان هو والبهائم سواء، مصطفى السباعي رحمه اهلل تعالى في كتابه: (هكذا علمتني الحياة)‬
         ‫و‬                           ‫و‬
   ‫يقول: (إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها باهلل فإن لم ترع ِ فذكرها بالناس، فإن لم ترع ِ فاعلم‬
                                                                       ‫أنك قد انقلبت حمارا).‬
                                                           ‫وأما لماذا الحياء؟ فالبد من الحياء:‬
    ‫ألن العبد إذا رزق الحياء، رزق الفضائل، رزق الخلق الحميد، ابن القيم رحمه اهلل، في كتابه‬
    ‫(مفتاح دار السعادة) يقول: الحياء هو من أعظم األخالق وأكرمها ذلك ألنه مصدر الفضائل،‬
    ‫فالولد يبر بوالديه بسبب الحياء، وصاحب الدار يكرم ضيفه بسبب الحياء، والعبد يفي بالموعد‬
   ‫بسبب الحياء أيضا، لذلك عندما سئل المصطفى عليه الصالة والسالم قال: ((إن لكل دين خلقا،‬
                                                               ‫وخلق اإلسالم الحياء))(2)[2]).‬
‫ومن األصحاب من عرف بالحياء، كعثمان بن عفان وأرضاه، استأذن أبو بكر وعمر وعلى النبي‬
 ‫عليه الصالة والسالم وكان جالسا وقد بدت ركبتاه، فلما استأذن عثمان بالدخول غطى رسول اهلل‬
 ‫ركبتيه، فلما خرجوا، سألت عائشة عن السبب فقال عليه الصالة والسالم: ((أال استحي من رجل‬
                                                          ‫تستحي منه مالئكة السماء))(1)[1]).‬
                                                             ‫إذا فقد العبد الحياء ما الذي يكون؟‬
  ‫إذا فقد العبد الحياء فال تراه إال صفيقا بليدا ال يبالي بمشاعر اآلخرين ليس عنده من رادع يمنعه‬
    ‫من الوقوع في اإلثم أو الوقوع في الدنايا، ال يعرف ربا وال دنيا، وال يعرف عرفا وال يعرف‬
                                                                                          ‫خلقا.‬
 ‫ح‬
 ‫رسول اهلل عليه الصالة والسالم يقول: ((إن مما أدرك الناس من كالم النبوة األولى، إذا لم تست ِ‬
    ‫فاصنع ما شئت))(6)[6])، لذا كان في إسالمنا أن فاقد الحياء ال غيبة له، يجوز لك أن تذكره‬
  ‫بأفعاله السيئة لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((من ألقى جلباب الحياء فال غيبة له))(2)[2])،‬
    ‫عمر بن الخطاب يقول: (ثالثة ال غيب لهم: المبتدع والفاسق المجاهر بفسقه والحاكم الظالم)،‬
‫ثالثة ال حرمة لهم وال ما يقال في حقهم غيبة ألنهم فقدوا الحياء من اهلل، وفقدوا الحياء من الناس.‬
                                                                            ‫وأما أنواع الحياء:‬
                                                                                          ‫أوال:‬
                     ‫فأكرم الحياء وأعظمه هو الحياء من اهلل عز وجل في ثالثة مواضع، وهي:‬
  ‫أ- الحياء من أن تقابل إحسان اهلل باإلساءة ونعمه بالجحود، يقول اهلل تعالى في الحديث القدسي:‬
‫((أنا والجن و اإلنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، أتحبب إليهم بالنعم‬
‫ويبتعدون عني بالمعاصي، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد))(2)[2])، جاء رجل إلى إبراهيم‬
 ‫بن أدهم يقول: إن نفسي تراودني المعصية وال أستطيع كبح جماحها، فماذا أفعل؟ قال: إذا وفيت‬
‫بخمس فاعص اهلل ما شئت، قال: وما هي؟ قال: إذا أردت أن تعصي اهلل فال تأكل من رزقه، وال‬
    ‫تنم في أرضه، وال تعصه أمام عينيه قال: وكيف يكون هذا؟ وكل ما في األرض هلل واألرض‬
  ‫ملكه، والسماء سماؤه، وفي أي ركن أكون منها، فاهلل تعالى يعلم السر وأخفى! قال: أما تستحي‬
   ‫أن تأكل من رزقه وتنام على أرضه وتعصه أمام عينيه؟ قال: إذا أردت أن تعصي اهلل وجاءك‬
 ‫ملك الموت فال تذهب معه أو جاءتك زبانية العذاب فال تذهب معهم، قال: وكيف يكون هذا؟: إذا‬
  ‫جاء أجلهم ال يستأخرون ساعة وال يستقدمون عليها مالئكة غالظ شداد ال يعصون اهلل ما أمرهم‬
     ‫ويفعلون ما يؤمرون ، قال: فإذا علمت قدر نفسك، ال تستطيع أن ترد ملك الموت، أو زبانية‬
                                               ‫العذاب فلم تعصه؟ فكانت توبة بعد ذلك نصوحا.‬
      ‫ب- ومما ينبغي لزوم الحياء به بينك وبين اهلل تعالى هو أال تتضجر عند البالء فتنسى قديم‬
 ‫إحسان اهلل إليك ذكر اإلمام األلوسي رحمه اهلل تعالى: أن أيوب عليه السالم عندما فقد المال وفقد‬
  ‫الولد وفقد عافيته، قالت له زوجته: أنت نبي اهلل فلو سألت اهلل تعالى أن يرفع عنك البالء لفعل،‬
    ‫فقال لها أيوب عليه السالم: كم مضى علينا ونحن في عافية؟ قالت: ستين سنة قال: واهلل إني‬
                ‫ألستحي أن أسأل اهلل رفع البالء وما بلغت في البالء ما بلغته في العافية(9)[9]).‬
  ‫ج- من حياء العبد مع اهلل عز وجل أيضا أن يحفظ العقل من أن يكفر بأمر إجرامي أو معصية‬
       ‫أو أن تدخل فكرة منحرفة إلى عقله، وأن يحفظ جوفه عن الحرام، قول النبي عليه الصالة‬
   ‫والسالم: ((استحيوا من اهلل حق الحياء؟ قالوا: وكيف نستحي من اهلل حق الحياء؟ قال:أن تحفظ‬
  ‫الرأس وما وعى والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن فعل ذلك فقد استحيا من اهلل‬
                                                                     ‫حق الحياء))(05)[05]).‬
                                                                                        ‫ثانيا:‬
  ‫ومن الحياء أيضا حياء العبد في نفسه، وينبغي أن يحرص صاحب الحياء على أن تكون سمعته‬
  ‫كريمة بيضاء ناصعة ال تمس بشائبة أبدا، خرج النبي عليه الصالة والسالم يوما في الليل حتى‬
 ‫يوصل إحدى زوجاته إلى دارها فمر به رجالن من األصحاب فلما رأيا رسول اهلل ومعه امرأة،‬
    ‫أسرعا في مشيهما فنادى عليهما عليه الصالة والسالم وقال: ((على رسلكما إنها صفية، قاال:‬
                                                         ‫ك‬
  ‫سبحان اهلل يا رسول اهلل أنش ّ بك؟ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فخشيت أن‬
                                                           ‫يقذف في قلبيكما شرا))(55)[55]).‬
‫صاحب العفاف ينأى بمائه عن أن يضعه إال في الموضع الكريم الذي أذن اهلل تعالى به، ألنه يعلم‬
‫حديث النبي عليه الصالة والسالم: ((ما من ذنب أعظم عند اهلل من نطفة يضعها رجل في رحم ال‬
   ‫يحل له))(75)[75])، يوسف عليه السالم وقد دعته امرأة العزيز وغلقت األبواب وقالت: هيت‬
 ‫لك. قال: معاذ اهلل إنه ربي أحسن مثواي [يوسف:37]. شهوة ومتعة يتكالب عليها السفلة يدوسها‬
       ‫يوسف عليه السالم بقدمه وفي واقعنا متقاعدون قد بلغوا من الكبر عتيا قد جعلوا من دور‬
    ‫العاهرات في بانكوك أو بتاي سكنا لهم وال يأتون إلى دورهم إال في المناسبات وآخر يوصي‬
  ‫ابنته أن تغرزه اإلبر وتعطيه الحبوب حتى يتقوى بها على الحرام، هل يبقى للبنت بعد ذلك من‬
                                                                                       ‫حياء؟‬
     ‫ح‬
 ‫جاء في بعض كتب اهلل المنزلة: ((عبدي دق عظمك وانحني ظهرك، وشاب شعرك، فاست ِ مني‬
 ‫فإني أستحي منك))، يا أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده؟ ويا أبناء الستين ماذا قدمتم؟ ويا أبناء‬
           ‫السبعين هلموا إلى الحساب؟ يقول عليه الصالة والسالم: ((أعمار أمتي ما بين الستين‬
‫والسبعين))(35)[35]). يقول عليه الصالة والسالم: ((إذا بلغ الرجل أربعين سنة، ولم يغلب خيره‬
                                                          ‫شره فليتجهز إلى النار))(25)[25]).‬
  ‫من حياء العبد في نفسه أن يحفظ عورته، في الحمامات مثال، يقول النبي عليه الصالة والسالم:‬
‫((ال ينظر الرجل إلى عورة الرجل وال المرأة إلى عورة المرأة))(15)[15]) إال الزوجة للحديث:‬
                               ‫((احفظ عورتك إال من زوجتك أو ما ملكت يمينك))(65)[65]).‬
                                                                                       ‫ثالثا:‬
   ‫ومن الحياء أيضا حياء العبد في مجلسه وينبغي للعبد في مجلسه أن يتكلم بالخير أو ليصمت،‬
            ‫لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((من كان يؤمن باهلل وباليوم اآلخر فليقل خيرا أو‬
  ‫ليصمت))(25)[25])، أما فاقد الحياء فإنه ال يجد ألذ من أن يتحدث بالذي يكون بينه وبين أهله‬
‫سفلة، قال النبي عليه الصالة والسالم وقد صلى بالناس فالتفت، فقال: ((أيكم الرجل الذي إذا أراد‬
‫أن يأتي أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم جامع أهله، ثم يخرج إلى الناس يقول: فعلت بأهلي كذا‬
  ‫وكذا، فسكت القوم، فجلست امرأة على ركبتيها وقالت: واهلل يا رسول اهلل إنهم ليتحدثون وإنهن‬
  ‫ليتحدثن، فقال عليه الصالة والسالم: أتدرون ما مثل من يفعل ذلك؟ إن مثل من يفعل ذلك مثل‬
          ‫الشيطان أتى شيطانة في قارعة الطريق فجامعها والناس ينظرون إليهما))(25)[25]).‬
    ‫أو أن يتحدث عن ماضيه القبيح وما كان فيه من اآلثام والمعاصي ال على جهة الندم أو أخذ‬
‫العبرة منه، وإنما على سبيل التفاخر والندم على األيام التي مضت وليتها عادت من جديد، أمثال‬
   ‫هؤالء ال مغفرة لهم، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((كل أمتي معافى، أي معفو عنهم، إال‬
                                                                              ‫المجاهرون)).‬
‫ومن المجاهرة أن يعمل العبد العمل بالليل ويصبح وقد ستره اهلل فيقول: ((يا فالن عملت البارحة‬
                                   ‫كذا وكذا! بات يستره اهلل وأصبح يفضح نفسه))(95)[95]).‬
                                                                                      ‫رابعا:‬
                               ‫ومن الحياء أخيرا، الحياء مع الوالدين ومع ذوي الفضل والعلم.‬
  ‫مع الوالدين: رأى أبو هريرة غالما يمشي مع رجل فقال للغالم: من هذا منك. قال: أبي، قال:‬
                                       ‫اسمع! ال تمش أمامه، وال تجلس قبله، وال تناده باسمه.‬
            ‫ومع العلماء: لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((العلماء ورثة األنبياء))(07)[07]).‬
‫ويدعونا إلى التواضع لما لهم من علم كريم، يقول عليه الصالة والسالم: ((تعلموا العلم، وتعلموا‬
                                        ‫للعلم سكينته وتواضعوا لمن تعلمون منه))(57)[57]).‬
‫زار أحد العلماء األجالء بلدا ولكن البعض أساء األدب معه بأن يتهمه بأنه صاحب فتنة وأنه جاء‬
    ‫ليفرق األمة، وآخر يتهمه بأنه جاهل، علما أن الرجل قد فتح اهلل عليه فتحا كريما في معرفة‬
      ‫دسائس اليهود ودسائس النصارى، هذا البعض ال يحسن إال استقبال العاهرات والثناء على‬
 ‫الماجنين والسفلة، وشاعر يأتي ويستقبل أكرم استقبال وتستضيفه الجمعيات النسائية ويفصل في‬
                                                                     ‫أجسادهن جزاء فجزءا.‬
                                                       ‫وأما كيف حفظ اإلسالم للمرأة حياءها؟‬
                        ‫فاعلم أن العلماء وضعوا شروطا في جواز مداواة الطبيب للمرأة وذلك:‬
                                                                    ‫أ- أن يكون الطبيب تقيا.‬
                                         ‫ب- أن ال يكشف من أعضاء المرأة إال قدر الحاجة.‬
                                      ‫ج- أن ال تكون هناك امرأة مختصة تقوم مقام الطبيب.‬
                                               ‫د- أن ال يكون الطبيب كافرا مع وجود مسلم.‬
 ‫أما أن تحرص المرأة على أن يكون الطبيب رجال أجنبياً مع وجود الطبيبة المختصة فهذا دليل‬
                                                                   ‫فقدان للحياء والدين معا.‬
 ‫وينبغي أن تعلم أن أجمل ما في المرأة حياؤها، وصدق اهلل العظيم: فجاءته إحداهما تمشي على‬
‫استحياء قالت.. [القصص:17]. أعداء اهلل علموا أن أكرم ما في المرأة حياؤها، فوجهوا إلى هذا‬
  ‫الحياء سهامهم، واستغلوها في الدعاية ألحذية البد إال أن يضع معها امرأة، والدعاية إلطارات‬
 ‫البد إال أن يضع معها امرأة في وضع مهين، أو على أغلفة المجالت، حتى أصبح المثل السائد‬
  ‫في الغرب (حبة عنب تساوي مائة امرأة) فسارت المرأة المسكينة كالبلهاء وراء الضباع باذلة‬
                                                                           ‫لحيائها وشرفها.‬
 ‫وحفظ اإلسالم للمرأة حياءها يوم فرض عليها الحجاب، وحرم عليها التبرج وصدق اهلل العظيم:‬
                                            ‫وال تبرجن تبرج الجاهلية األولى [األحزاب:33].‬
‫والغاية هي إقامة مجتمع نظيف ال تهيج فيه الشهوات وال تستثار فيه الغرائز مما له األثر المدمر‬
      ‫في إشاعة الفاحشة والجريمة وفقدان مقومات البقاء، وتحقيق رغبة أعداء اهلل في السيطرة‬
                                                                                  ‫والتحكم.‬


                                                   ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫لم ترد .‬
                                                                           ‫__________‬
                                                                            ‫(5) أبو داود .‬
                                                                               ‫(7) مسلم .‬
                                                                            ‫(3) البخاري .‬
                                                                                ‫(2) مالك .‬
                                                                          ‫(1) رواه أحمد .‬
                                                                    ‫(6) أخرجه البخاري .‬
                                                                    ‫(2) أخرجه بن عدي .‬
                                                                        ‫(2) رواه البيهقي .‬
                                                       ‫(9) تفسير األلوسي ج 25 ص 02 .‬
                                                                      ‫(05) 05])الترمذي .‬
                                                               ‫(55) 55])أخرجه الشيخان .‬
                                                           ‫(75) 75])أخرجه ابن أبي الدنيا .‬
                                                                       ‫(35) 35])الترمذي .‬
                                   ‫(25) 25])أبو الفتح اإلزدي / األلوسي مجلد 67 ص 25 .‬
                                                                           ‫(15) 15])مسلم .‬
                                                           ‫(65) 65])أحمد وأصحاب السنن .‬
                                                                     ‫(25) 25])متفق عليه .‬
                                                             ‫(25) 25])رواه أحمد والبزار .‬
                                                                     ‫(95) 95])متفق عليه .‬
                                                              ‫(07) 07])أبو داود والترمذي .‬
                                                           ‫(57) 57])الطبراني في األوسط .‬

‫(5/236)‬




                                                                                      ‫الدعوة‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                       ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                               ‫قضايا دعوية‬
                                                       ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
      ‫5- ترك الدعوة موجب للهالك. 7- العمل الدعوي الجماعي ودليل مشروعيته. 3- منزلة‬
             ‫الداعية. 2- صفات الداعية. 1- أدب الدعاة عند االختالف. 6- أسباب االختالف.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
‫يقول اهلل تعالى: قل هذه سبيلي ادعوا إلى اهلل على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان اهلل وما أنا من‬
                                                                    ‫المشركين [يوسف:205].‬
   ‫الدعوة إلى اهلل تعالى فرض على كل متبع للمصطفى سواء كان ذكرا أم أنثى كل بحسب حاله.‬
‫فما الدعوة؟ وكيف تؤدى؟ وما مكانة الداعية وصفته؟ وما آداب الدعاة عند االختالف؟ وما أسباب‬
                                                                                  ‫االختالف؟‬
                                         ‫أما الدعوة: فهي األمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‬
‫وترك الدعوة موجب للعنة، قال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى‬
  ‫ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا ال يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون‬
                                                                               ‫[المائدة:92].‬
      ‫ترك الدعوة موجب لمنع إجابة الدعاء للحديث: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو‬
                ‫ليوشكن اهلل أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فال يستجيب لكم))(5)[5]).‬
       ‫ترك الدعوة موجب للعذاب األليم للحديث: ((إن القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم اهلل‬
                                                                            ‫بعقاب))(7)[7]).‬
                                                  ‫أما كيف تؤدى؟ فالدعوة تؤدى على نحوين:‬
 ‫فردية: للحديث: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه‬
                                                             ‫وذلك أضعف اإليمان))(3)[3]).‬
  ‫جماعية: ولها دالئل من الكتاب: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون‬
   ‫عن المنكر . ومن السنة: ((إذا خرج ثالثة في سفر فليؤمروا أحدهم))(2)[2]) والقاعدة الفقهية:‬
  ‫((ما ال يتم الواجب إال به فهو واجب)). ثم إن الواقع الجاهلي ال يستقيم بجهد فردي بل البد من‬
 ‫تالقي الجهود والطاقات الختصار عامل الزمن وقطع المراحل دون تبديد للطاقات والحفاظ على‬
                                                           ‫القلوب من تغيرها مع طول المدة.‬
                                                                  ‫وأما مكانة الداعية وصفته:‬
 ‫5- فالداعية إلى اهلل تعالى من أعظم الناس أجرا للحديث: ((فو اهلل لئن يهدي اهلل بك رجال واحدا‬
                                                            ‫خير لك من حمر النعم))(1)[1]).‬
  ‫7- والداعية من أكرم الناس قوال وأحسنه قال تعالى: ومن أحسن قوال ممن دعا إلى اهلل وعمل‬
                                                 ‫صالحا وقال إنني من المسلمين [فصلت:37].‬
‫3- والداعية من أعظم الناس غيرة على دينه فليس في إيمانه بالدة وال خمود بل هو إيمان متأجج‬
 ‫فيه اللوعة وفيه الحرقة ولن تقر عينه بشيء من متاع حتى يرى كلمة اهلل هي العليا وكلمة الذين‬
   ‫كفروا هي السفلى، يقول الفضيل بن عياض: ((إن قلوب األبرار لتغلي بأعمال البر وإن قلوب‬
             ‫الفجار لتغلي بأعمال الفجور، واهلل يرى همومكم فانظروا رحمكم اهلل ما همومكم)).‬
    ‫2- والداعية من أبرأ الناس ذمة يوم القيامة والحساب، حيث بلغ األمانة وأدى الرسالة ونصح‬
‫وبلغ ورغب ورهب ألحد عليه حجة قال تعالى: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما اهلل مهلكهم أو‬
                       ‫معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [األعراف:265].‬
  ‫1- والداعية من أحق الناس بكرامة اهلل له فذات مرة احتاج المسلمون إلى نصب معسكرهم في‬
      ‫إحدى غابات أفريقيا التي كانت تموج بالسباع والحشرات السامة، فوصل عقبة بن نافع قائد‬
 ‫الجيش إلى ناحية ببعض أصحاب رسول اهلل ، فشكى إليه الجند كثرة الهوام والسباع فصعد ربوة‬
‫ونادى: (أيتها السباع أيتها الحشرات، أيتها الهوام، نحن أصحاب رسول اهلل جئنا لنخرج الناس من‬
 ‫عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فارحلوا، فإنا نازلون وما هي إال لحظات قليلة إذ تم انتشار هذا‬
                    ‫الخبر في أوساط هذه الحيوانات، فارتحلت كلها وهي تحمل أوالدها)(6)[6]).‬
 ‫6- والداعية من أعرف الناس بمقام األنبياء والرسل، وبتقدير جهادهم، ألنه يقف موقفهم، ويحس‬
 ‫بمعاناتهم من خالل إعراض المعرضين، وسخرية الساخرين، كما أنه يكون أكثر إدراكا لقصص‬
                      ‫األنبياء في القرآن الكريم، وأكثر تأثرا بآيات الرجاء والتصبر واالحتساب.‬
 ‫2- والداعية هو الذي يعرف مواطن الداء، ويتقن فن إعطاء الدواء، فليس بالفظ قال تعالى: ولو‬
 ‫كنت فظا غليظ القلب النفضوا من حولك [آل عمران:915]. وليس بالساذج الذي ما يفسده أعظم‬
  ‫مما يصلحه بسوء أدبه وجافئه أو أن يضخم جانبا على حساب آخر قال تعالى: أفتؤمنون ببعض‬
      ‫الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إال خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة‬
                                 ‫يردون إلى أشد العذاب وما اهلل بغافل عما تعملون [البقرة:12].‬
  ‫2- الداعية هو الذي يؤثر وال يتأثر، يؤثر في الناس بصدقه وإخالصه وخلقه وعلمه وثباته وال‬
        ‫يتأثر بالمفاهيم الجاهلية التي يتعامل بها الناس أو يحتكمون إليها من إقليمية بغيضة وتعلق‬
  ‫باألشخاص، وموازين معوجة وصدق اهلل العظيم: وال تعجبك أموالهم وأوالدهم إنما يريد اهلل أن‬
     ‫يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة:12]. قال العلماء: تأمل كيف أن اهلل‬
  ‫تعالى نهى المؤمن عن اإلعجاب ألن اإلعجاب هو تكريم لهم، وتكريمهم ال يجوز للحديث: ((ال‬
                    ‫تقولوا للمنافق سيدا، فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل))(2)[2]).‬
  ‫وفي شرح الحديث تحريم وصف المنافق بأوصاف االحترام والتقدير، وأن وصفه بذلك يستدعي‬
    ‫غضب اهلل عز وجل ألنه تعظيم لعدوه الخارج عن طاعته المستحق لإلهانة والتحقير(2)[2]).‬
 ‫9- الداعية هو الذي يحب الخير للناس كل الناس، ويعيش هموم المسلمين وأفراحهم، فهو عالمي‬
                                               ‫ي‬
    ‫الهم، عالمي الفرح يقول ابن عباس : إن ف ّ ثالث خصال: إني آلتي على اآلية في كتاب اهلل‬
 ‫فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني ألسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه‬
  ‫فأفرح ولعلي ال أقاضي إليه أبدا، وإني ألسمع بالغيث قد أصاب البلد من بالد المسلمين موجودة‬
‫في كل مجلة أو صحيفة أو كلمة، وهو من أبعد الناس عن أداء دور فعلي جاد، لمعاجلة أو تخفيف‬
    ‫مصائب اآلخرين الذين يحيطون به وهذا دليل بالدة وانحراف، بالدة في الحس، وانحراف في‬
                                                                                        ‫الفهم.‬
    ‫وأما أدب الدعاة عند االختالف: فالناس يختلفون في نظرتهم إلى أي أمر فكل يراه من ناحية،‬
      ‫فكان اختالف األقوال، وارد وهذا أمر قديم وال ينكره منصف عارف، ولكن الذي ننكره هو‬
                                                       ‫اختالف القلوب بسبب اختالف األقوال.‬
                         ‫وما ينبغي أن يعلمه كل داعية إلى اهلل تعالى على وجه الخصوص هو:‬
 ‫جواز تعدد الصواب: الرجالن اللذان فقدا الماء فتيمما وصليا ثم وجداه فقام أحدهما فتوضأ وأعاد‬
  ‫واكتفى اآلخر بالصالة األولى، فلما عادا إلى الرسول قال للذي أعاد: ((لك األجر مرتين، وقال‬
                                                               ‫لآلخر أصبت السنة))(9)[9]).‬
     ‫إن هناك منكرا أصغر ومنكرا أكبر: وكل منكر أصغر إنما يستمد وجوده من المنكر األكبر.‬
    ‫إنا دعاة ال قضاة: فالحكم على الناس بالكفر أو اإليمان من غير بينة أو إقرار أو أداء لواجب‬
 ‫الدعوة مخالف لعقيدتنا يقول اإلمام الطحاوي رحمه اهلل: ((وال نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما‬
                                                                                ‫لم يستحله)).‬
 ‫أن نستشعر خطر العدو المشترك فالكفر ملة واحدة بل يد واحدة، اليهودية تلتقي مع الصليبية مع‬
  ‫الشيوعية ضد إسالمنا واهلل تعالى يدعونا أن نتخذ من الكفار قدوة في مواالة بضعهم لبعض قال‬
           ‫تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إال تفعلوه تكن فتنة في األرض وفساد كبير‬
  ‫[األنفال:32]. أما المنازعات والمهاترات التي تقطع حبائل المودة فهذه لن تزيدنا إال ضياعا إلى‬
                                                                         ‫ضياع وذال إلى ذل.‬
                                                          ‫وأما أسباب االختالف: فكثيرة منها:‬
    ‫سوء التقدير والموازنة بين األصول والفروع: دخل اإلمام البنا ورأى المصلين يتنازعون في‬
     ‫صالة والتراويح منهم المصر على صالة عشرين لألثر الثابت عن عمر ومنهم المصر على‬
 ‫صالتها ثماني لفعل المصطفى ولما كان هذا الباب باب تطوع والزيادة فيه جائزة كما نص على‬
      ‫ذلك الشوكاني في كتابه، نيل األوطار، قال لهم اإلمام البنا أرى أن تصلوا العشاء ثم تغلقوا‬
 ‫المسجد وكل يصلي في بيته ما شاء، فقالوا له: ولم؟ قال: ألن صالة التراويح كلها سنة وأخوتكم‬
                                                       ‫فريضة فال تهدر الفريضة ألجل السنة.‬
‫فقدان العالمية: إسالمنا ال يعرف اإلقليميات وال االنتساب إلى الطيب وال اختالف األلسن واأللوان‬
        ‫وإنما هو دعوة عالمية لكل البشر قال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول اهلل إليكم جميعا‬
                                                                           ‫[األعراف:215].‬
    ‫فقدان الشمولية: إسالمنا كل ال يتجزأ وال يحل ألحد مهما كان له من علم أو دراية أن يقدم أو‬
     ‫يؤخر أو يضخم جانبا على حساب جانب آخر قال تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون‬
                     ‫ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إال خزي في الحياة الدنيا [البقرة:12].‬
      ‫األهواء: ومداخل الشيطان إلى قلب العبد ال يقف حائال دونها إال التقوى فإهمال المتقادم في‬
‫وجوده فيما نحث عليه المبتدئ من صالة وصيام وذكر واستغفار ومجاهدة للحديث: ((إن الشيطان‬
  ‫واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر اهلل خنس وإذا نسي التقم قلبه))(05)[05]). وللحديث:‬
 ‫((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم(55)[55])- فضيقوا مجاريه بالجوع))(75)[75]).‬
      ‫وبغير هذه الرياض الروحية، يعرض العبد قلبه لسهام الشيطان، بل يزيده لجاجة وإضالال،‬
   ‫بتلبيسه حيث يوحي إليه بالقياس الفاسد ومعارضة النصوص بتأويالت ساقطة وحذلقة ال يقرها‬
     ‫عاقل وصدق اهلل العظيم: وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا [الجاثية:9]. والحديث: ((إن‬
   ‫الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم))(35)[35]).‬


                                                  ‫-------------------------‬
                                                                             ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                  ‫لم ترد .‬
                                                                           ‫__________‬
                                                     ‫(5) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة .‬
                                                                             ‫(7) النسائي .‬
                                                                          ‫(3) رواه مسلم .‬
                                                                 ‫(2) أصول الدعوة 622 .‬
                                                                           ‫(1) متفق عليه.‬
                                   ‫(6) أسباب سعادة المسلمين للكاندهلوي بتصرف ص 91.‬
                                                         ‫(2) رواه أبو داود بإسناد صحيح .‬
                                                    ‫(2) نزهة المتقين مجلد 7 ص 6255 .‬
                                                               ‫(9) رواه أبو داود والنسائي.‬
                                                       ‫(05) 05])أخرجه الحافظ الموصلي.‬
                                                                     ‫(55) 55])متفق عليه.‬
                                                    ‫(75) 75])الزيادة رواها ابن أبي الدنيا.‬
                                                                    ‫(35) 35])رواه مسلم.‬

‫(5/136)‬




                                                          ‫الداعية محمد صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                     ‫اإليمان, سيرة وتاريخ‬
                                                             ‫اإليمان بالرسل, السيرة النبوية‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                  ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                                     ‫الدوحة‬
                                                                               ‫الريان الكبير‬
                                             ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                             ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- محمد خاتم األنبياء. 7- تكريم اهلل لنبيه محمد. 3- اسمه ووالدته وطفولته. 2- لماذا كانت‬
                ‫ا‬
‫الرسل بشراً ال مالئكة 1- جوانب من حكمة اهلل الظاهرة في جعل رسله بشرً. 6- سمات أتباعه‬
                                                                       ‫عليه الصالة والسالم.‬
                                                    ‫-------------------------‬
                                                                              ‫الخطبة األولى‬
   ‫قال تعالى: لقد من اهلل على المؤمنين إذ بعث فيهم رسوال من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم‬
                ‫ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضالال مبين [آل عمران:265].‬
  ‫لو أوكل اهلل البشرية إلى عقولها لضلت لكنها منة من اهلل ورحمة أن بعث إليها األنبياء والرسل‬
 ‫بعد أن أطلعهم على جانب من جوانب الغيب المحجوب فيما ينصلح به حال العباد والبالد وجعل‬
                                                                        ‫خاتم األنبياء محمد .‬
    ‫فمن هو محمد وما مكانته؟ ولماذا اختاره اهلل من البشر؟ وكيف انتصر في دعوته؟ وما سمات‬
                                                                                    ‫أتباعه ؟‬
               ‫أما محمد : فهو رسول رب العالمين: قل يا أيها الناس إني رسول اهلل إليكم جميعا‬
                                                                           ‫[األعراف:215].‬
       ‫وخاتم األنبياء والمرسلين: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اهلل وخاتم النبيين‬
                                                                             ‫[األحزاب:02].‬
     ‫وفي الحديث: ((إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فال رسول بعدي وال نبي))(5)[5]). والبشرية‬
  ‫مدعوة لإليمان به للحديث: ((ال يسمع بي يهودي وال نصراني ثم ال يؤمن بي إال حرم اهلل عليه‬
                                                                             ‫الجنة))(7)[7]).‬
                                                                                ‫وأما مكانته:‬
‫فإن اهلل تعالى جعل اسمه قرينا السمه سبحانه فقال: ورفعنا لك ذكرك قال مجاهد أي: (ال أذكر إال‬
‫ذكرت معي)(3)[3]). ومن مناجاة رسول اهلل لربه: ((يا رب، إنه لم يكن نبي قبلي إال وقد كرمته‬
  ‫وجعلت إبراهيم خليال وموسى كليما وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين وأحييت‬
 ‫لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ فقال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله إني ال أذكر إال ذكرت‬
                                                                                    ‫معي )).‬
       ‫وأنه أخبر سبحانه أن أهل السماء يصلون على النبي ودعا أهل األرض لذلك فقال: إن اهلل‬
‫ومالئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [األحزاب:61]. وصالة‬
‫اهلل معناها الرحمة، وصالة المالئكة الدعاء وفي الحديث: ((ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا اهلل فيه‬
‫ولم يصلوا على نبيهم إال كان عليهم ترة يوم القيامة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم))(2)[2]).‬
     ‫وما من نبي إال ناداه رب العزة باسمه فقال: يا إبراهيم، يا يحيى، إال محمد فكان النداء بلفظ‬
                                              ‫الرسالة والنبوة: يا أيها الرسول ، يا أيها النبي .‬
    ‫وتأمل دعوة موسى عليه السالم: رب اشرح لي صدري وخطاب اهلل لرسوله : ألم نشرح لك‬
                                                                                     ‫صدرك .‬
  ‫محمد بن عبد اهلل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، اشتق اسمه من الحمد وأمه آمنة من‬
 ‫األمن، ومرضعته حليمة من الحلم، ولد في عام الفيل سنة 521م وكانت بعثته على سن األربعين‬
  ‫ووفاته على سن الثالثة والستين ومات أبوه عبد اهلل من العبودية هلل وهو جنين في رحم أمه قال‬
                                                   ‫العلماء: حتى ال يقول أبي وإنما يقول ربي.‬
 ‫وأما لماذا اختاره اهلل من البشر؟ فقد كانت مطالب المشركين أن ينزل اهلل عليهم ملكا رسوال ولو‬
                                                           ‫بعث اهلل ملكا لما اتبعه أحد ألمور:‬
   ‫ألن المالئكة مخلوقة من نور وال ترى إال أن تتشكل بصورة إنسان وحينئذ يختلط األمر عليهم‬
           ‫أهو ملك أم بشر؟ قال سبحانه: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجال وللبسنا عليهم ما يلبسون‬
                                                         ‫[األنعام:9]. أي الختلط األمر عليهم.‬
       ‫ثم أن المالئكة خلقت للطاعة ليس لها شهوة وال شهية وال يحتاجون إلى نوم وال طعام قال‬
       ‫سبحانه: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة:03]. ال يعصون اهلل ما أمرهم ويفعلون ما‬
‫يؤمرون إذن سوف يجد كل إنسان الحجة في عدم اتباعهم ألنهم مالئكة يستطيعون ما ال يستطيعه‬
‫البشر لذا كانت بعثة األنبياء والرسل من البشر قال سبحانه: وما أرسلنا من قبلك إال رجاال نوحي‬
  ‫إليهم [يوسف:905]. وقال على لسان نبيه: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد‬
                                                                               ‫[الكهف:055].‬
    ‫فال حجة ألحد أمام اهلل تعالى أن يترك الدعوة وااللتزام، لكبر سنه فرسول اهلل بعث على سن‬
‫األربعين وهاجر على سن الثالثة والخمسين وهو مطلوب حيا أو ميتا على جائزة قدرها مائة ناقة‬
‫لمن يأتي به وينتقل إلى الرفيق األعلى على سن الثالثة والستين بعد أن أرسى دعائم دولة اإلسالم‬
                                                                                ‫وبنى دعائمها.‬
      ‫وليس ألحد حجة أن يدع الطريق ألجل زوجة أو مال أو عيال فيجعل منهم عائقا بينه وبين‬
                       ‫ا‬
   ‫االلتزام، فرسول اهلل كان له من النساء تسع، وكان له عيال فلم تكن عائقً بينه وبين ربه، يقول‬
‫علي بن أبي طالب كرم اهلل وجهه: كنا إذا حمي الوطيس (الحرب) احتمينا برسول اهلل فكان أقربنا‬
                                                                                    ‫إلى العدو.‬
     ‫وال حجة ألحد أن يدع الطريق بسبب إيذاء الناس له وسخريتهم به فرسول اهلل اتهم بالجنون‬
‫والسحر والكذب، ووضعوا على ظهره سال جزور وهو ساجد لربه ويحبس مع أصحابه في شعب‬
   ‫أبي طالب ثالث سنين ال يواكلونهم وال يناكحونهم وال يحادثونهم، حتى يشد رسول اهلل الحجر‬
                                                                        ‫على بطنه من الجوع.‬
                                         ‫وأما كيف انتصر رسول اهلل في دعوته؟ فقد كان ذلك:‬
    ‫5- ألنه استعلى على مغريات األرض كلها، فرجل العقيدة ال يباع وال يشترى، جاءت قريش‬
‫تسأل رسول اهلل : ((إن كنت تريد بهذا األمر ماال جمعنا لك األموال حتى تكون أكثرنا ماال، وإن‬
           ‫كنت تريد به شرفا سودناك علينا فال نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك‬
 ‫علينا))(1)[1])، فيقول لهم رسول اهلل كلمة هي قمة االستعالء على ركام األرض ومتاعه ((واهلل‬
  ‫لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا األمر ما تركته حتى يظهره‬
 ‫اهلل أو أهلك دونه )). وأمتنا عاشت لفرجها وبطنها وعشقت الحياة أي حياة حتى ولو كانت تحت‬
     ‫نعال اليهود أو النصارى أو األراذل وصدق فينا قوله : ((يوشك أن تتداعى عليكم األمم كما‬
   ‫تتداعى األكلة إلى قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول اهلل؟ قال: ال، أنتم يومئذ كثير‬
‫ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اهلل المهابة منكم من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن‬
                     ‫قالوا: وما الوهن يا رسول اهلل؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت))(6)[6]).‬
  ‫7- انتصر رسول اهلل في دعوته ألنه كان معظما لربه ذاكرا له سبحانه يغضبه ما يغضب ربه‬
‫ويرضيه ما يرضي ربه تقول عائشة: ((وما انتقم رسول اهلل لنفسه إال أن تنتهك حرمات اهلل فينتقم‬
                                                                                ‫هلل))(2)[2]).‬
                                                                          ‫وأما سمات اتباعه :‬
   ‫فينبغي أن تعلم أن األتباع ليسوا سواءا في إيمانهم واتباعهم، يقول ابن تيميه رحمه اهلل: (عامة‬
 ‫الناس معهم إيمان مجمل ولكن دخول حقيقة اإليمان إلى قلوبهم تحصل شيئا فشيئا إذا أعطاهم اهلل‬
‫ذلك، فكثير من الناس ال يصلون إلى اليقين ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد، إذ ليس عندهم‬
‫من قوة اليقين ما يقدمونه على المال واألهل)(2)[2]). فعلى هذا يكون األدعياء كثيرون يقول ابن‬
 ‫الجوزي رحمه اهلل: (ليس كل مصل بمتعبد، وال كل صائم بزاهد، وال كل مستمع بخاشع، أتنحر‬
                        ‫وما لك بعير؟ أتمد القوس وما لها وتر؟ أتتجشأ من غير شبع؟)(9)[9]).‬
                                                   ‫ولكنها سمات لمن أراد الصدق في اتباعه :‬
  ‫الحب: ولن يبلغ اإليمان درجة الرضى إال بالحب الكامل لرسول اهلل للحديث: ((ال يؤمن أحدكم‬
 ‫حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))(05)[05])، ولهذا الحب صور تدل عليه.‬
‫أ - أن يتجرد العبد المحب عن كل رأي أو حكم حتى ينظر قول اهلل ورسوله في األمر قال تعالى‬
 ‫ال تقدموا بين يدي اهلل ورسوله قال ابن عباس: (أي ال تقولوا خالف الكتاب والسنة)(55)[55]).‬
    ‫ب-أن يكون دائم الصالة على رسول اهلل للحديث: ((أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي‬
                                    ‫صالة))(75)[75]). أي أحقهم بشفاعته وأقربهم مجلسا منه.‬
‫ج- أن تكون له غيرة أن ينال أحد رسول اهلل أو منهجه بالسوء، فهذا حبيب األنصاري، الذي وقع‬
   ‫بيد (مسيلمة الكذاب) وأخذ الكذاب يقطع من لحم حبيب قطعة قطعة، وال يريد منه إال أن يذكر‬
    ‫اسم رسول اهلل بالسوء فيقول حبيب (ال أسمع) حتى لقي ربه، أبى حبيب أن يذكر اسم الحبيب‬
                                                           ‫بسوء فأي حب دون أعناق الرجال:‬
                               ‫يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع واألكم‬
                                   ‫روحي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الطهر والكرم‬
‫الثبات: فليس بالهزيل الذي تعبث به األهواء وآراء الرجال وتيار الكثرة، والبالء والشدة البد منها‬
     ‫للمحب الصادق للحديث: ((أشد الناس بالء األنبياء ثم األمثل فاألمثل))(35)[35])، يقول ابن‬
   ‫الجوزي رحمه اهلل: (ال تنظروا إلى جولة الباطل، وارتقبوا دولة الحق، إذا رأيت منافقا قد تبع‬
                 ‫ُ‬
 ‫فتذكر الدجال غدا والسامري باألمس وانتظر للسامري ال مساس، وللدجال باب لدْ) (لد:مدينة في‬
                                              ‫فلسطين يذبح عندها المسيح عليه السالم الدجال).‬
     ‫3 -الدعوة: فليس بالمنعزل عن مجتمعه، تاركا الساحة ألعداء اهلل يعبثون بها، مر رجل من‬
‫األصحاب بشعب (أي شق في جبل) فيه عين ماء عذبة، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس،‬
 ‫فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول اهلل ، فذكر ذلك لرسول اهلل فقال: ((ال تفعل‬
      ‫فإن مقام أحدكم في سبيل اهلل أفضل من صالته في بيته سبعين عاما أال تحبون أن يغفر اهلل‬
                                                                            ‫لكم))(25)[25]).‬
‫والدعوة سمة بارزة قال تعالى: قل هذه سبيلي ادعوا إلى اهلل على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان‬
                                                    ‫اهلل وما أنا من المشركين ؤ [يوسف:205].‬
  ‫2- الوعي: رحم اهلل عمر إذ يقول: (لست بالخب (أي المخادع) وال الخب يخدعني). فال ينبغي‬
   ‫أن يكون أتباع رسول اهلل سذجا أو أغبياء وتنطلي عليهم خدع يهود أو نصارى، ومن السذاجة‬
 ‫بمكان أن يظن أن أعداء اهلل سذجا فتدخل معهم في تحالفات، وجسور وتعلن أن الهيمنة لإلسالم،‬
 ‫وتنسى أنه ال وزن للحق من غير قوة تحميه، ورجال يذودون عنه، وكم يحزن المتأمل في واقع‬
   ‫الصف المسلم وهو يراه مهلهال، وتتنازعه األهواء، وآراء الرجال، في وقت يتحدثون فيه عن‬
    ‫التحالفات والجسور، نقول: أليس الصف المسلم أولى بهذه التحالفات بين أفراده وشلله وإقامة‬
      ‫جسور بينهم؟ وأال نكون جسرا ألعداء اهلل يمرون فوقنا إلى مآربهم ومصالحهم فليت قومي‬
                                                                                     ‫يعلمون.‬


                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                     ‫لم ترد .‬
                                                                         ‫__________‬
                                                                         ‫(5) رواه أحمد.‬
                                                                   ‫(7) رواه أحمد ومسلم.‬
                                                  ‫(3) مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 716.‬
                                                                      ‫(2) رواه الترمذي.‬
                                                             ‫(1) سيرة ابن هشام 5/015.‬
                                                                         ‫(6) رواه أحمد.‬
                                                                         ‫(2) متفق عليه.‬
                                                                ‫(2) فتح المجيد ص 223.‬
                                                       ‫(9) اللطائف البن الجوزي ص 72.‬
                                                                   ‫(05) 05])متفق عليه.‬
                                            ‫(55) 55])مختصر ابن كثير مجلد 3 ص 213.‬
                                                    ‫(75) 75])قال الترمذي : حديث حسن.‬
                                                                ‫(35) 35])رواه الترمذي.‬
                                               ‫(25) 25])رواه الترمذي وقال حسن صحيح.‬

‫(5/636)‬




                                                                            ‫أحكام المولود‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                    ‫األسرة والمجتمع, فقه‬
                                                                 ‫األبناء, الذبائح واألطعمة‬
                                                     ‫-----------------------‬
                                                                   ‫علي بن يحيى الحدادي‬
                                                                                 ‫الرياض‬
                                                                ‫جامع عائشة بنت أبي بكر‬
                                           ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                  ‫-------------------------‬
                                                                          ‫ملخص الخطبة‬
  ‫5- هبة اهلل علينا في أوالدنا 7- عدم البشارة باألنثى من صنيع الجاهلية 3- أحام الرضاع 2-‬
                                                                                 ‫أحكام العقيقه‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                                ‫الخطبة األولى‬
                                                                                      ‫أما بعد:‬
    ‫فإن المولود نعمة من اهلل يمن بها على من يشاء من عباده … وإنما يقدرها قدرها من فقدها،‬
                                                                          ‫كغيرها من النعم …‬
‫يقول المولى – عز وجل -: واهلل جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة‬
                                 ‫ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة اهلل هم يكفرون.‬
                ‫ا‬
  ‫وهذه المنة تشمل الهبة بالذكر واألنثى قال سبحانه وتعالى: يهب لمن يشاء إناثً ويهب لمن يشاء‬
                                                                                      ‫الذكور.‬
‫وقد اعتنى اإلسالم بأمر المولود اعتناء عظيما .. ورعاه رعاية فائقة .. تضمن له مصالحه فقرر‬
 ‫األحكام العظيمة .. وشرع الشرائع المبينة .. التي جاءت شاملة كاملة خالية عن الظلم والحيف..‬
           ‫منزهة عن التلطخ بأنجاس الشرك والوثنية التي كان قد ابتلى بها العرب قبل اإلسالم.‬
                                                      ‫وسنعرض لبعضها بشيء من االختصار.‬
  ‫إخوة اإلسالم: إن الفرحة بالمولود أمر فطري؛ ألن األب واألم يشعران بأنه امتداد لهما، وحفظ‬
   ‫لذكرهما، ولكن من عادات الجاهلية تخصيص الذكر بالفرحة وأما يوم البشارة باألنثى فهو يوم‬
                                                    ‫ب ِّر‬
‫بؤس وتعس، فترى الرجل إذا ُش َ باألنثى اسود وجهه… وعاله العرق … وطأطأ رأسه إذا كان‬
 ‫في مأل .. وتحين الفرصة للفرار من المجلس .. وإن لم يكن في نادي قومه .. توارى عنهم ولم‬
 ‫يطق الخروج إليهم … ثم أخذ يفكر هل يبقيها مع الذلة والهوان .. أم يقتلها ويودعها التراب كما‬
                                   ‫ا‬
‫قال اهلل عنهم: وإذا بشر أحدهم باألنثى ظل وجهه مسودً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما‬
      ‫بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، أال ساء ما يحكمون . بل كانوا في الجاهلية‬
‫يهنئون بوالدة الذكر وبموت األنثى – والعياذ باهلل – فمحى اإلسالم هذه العادة الجاهلية، وقرر أن‬
 ‫كال من الذكر واألنثى هبة وعطية من اهلل سبحانه .. وأن األنثى قد يكون فيها من الخير والبركة‬
     ‫ما ليس في الذكر .. بل خص اهلل أكثر األنبياء بالبنات، حتى قال اإلمام أحمد: ((األنبياء آباء‬
                                                                                     ‫لعالت)).‬
‫ا‬     ‫ا‬
‫وقال سبحانه وتعالى في النساء: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اهلل فيه خيرً كثيرً‬
                                                                                             ‫.‬
‫فعلى العبد أن يتقي اهلل … ويرضى بما كتب اهلل .. وأن يطهر قلبه من أدران الجاهلية وأوساخها.‬
‫وإذا ولد المولود فقد أرشد اإلسالم إلى ضرورة رضاع أمه له … فقال سبحانه وتعالى: والوالدات‬
  ‫يرضعن أوالدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ، وظاهر أن الحولين يبدءان من يوم‬
    ‫الوالدة، بل قال الفقهاء: إن األم إذا كان قد وجب عليها القتل في حد أو قصاص فإنها ال تقتل‬
      ‫حتى ترضع ولدها اللبأ وهو أول الحليب الذي يخرج من ثديها بعد الوضع، ثم إن وجد من‬
                             ‫ترضعه سلم لها، وإن لم يوجد أخر عنها القتل حتى تتم الرضاعة.‬
 ‫وقد دلت األبحاث المعاصرة على أهميته جسديا ونفسيا في طفولة المولود وفي مستقبله بعد ذلك.‬
  ‫ومع داللة النصوص الشرعية والدراسات الطبية على ضرورته نرى عزوف كثير من األمهات‬
 ‫عن الرضاعة الطبيعية استغناءا بالرضاعة الصناعية التي أثبتت الدراسات خطرها يوما بعد يوم‬
                                            ‫حتى اعتبرها بعض الباحثين قتال بطيئا للمواليد …‬
      ‫فإذا كان يوم سابعه من غير يوم الوالدة فال يعتد به إال أن يولد قبل الفجر، شرعت العقيقة،‬
                          ‫لحديث سمرة: ((الغالم مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويسمى)).‬
                    ‫وال ينبغي لمن قدر عليها أن يتركها…لقوله – -: ((الغالم مرتهن بعقيقته)).‬
    ‫وقد عق النبي – - عن الحسن وعن الحسين .. فثبتت سنيتها بقول النبي – - وفعله .. وقال‬
‫يحيى بن سعيد األنصاري وهو من صغار التابعين: ((أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغالم‬
                                                                                 ‫والجارية )).‬
 ‫وأما عن وقت العقيقة فقد تقدم أن األفضل في اليوم السابع للحديث في ذلك .. وما بعد ذلك فليس‬
‫فيه توقيت عن النبي – - فيما أعلم .. وإنما يروي عن بعض الصحابة كعائشة – رضي اهلل عنها‬
                                    ‫– أنها قالت: ((سبعة أيام وأربعة عشر وألحد وعشرين)).‬
  ‫يقول ابن القيم – رحمه اهلل -: ((والظاهر أن التقييد بذلك استحباب وإال فلو ذبح عنه في الرابع‬
                                                     ‫أو الثامن أو العاشر أو ما بعده أجزأت)).‬
     ‫أيها اإلخوة في اهلل: والذبح عن المولود أفضل من التصدق بثمن العقيقة لما فيها من االقتداء‬
                                                                      ‫وإحياء سنة المصطفى .‬
      ‫سأل صالح أباه اإلمام أحمد: عن الرجل يولد له ولد وليس لديه مال، أيقترض؟ فقال: ((إني‬
‫ألرجوا إن استقرض أن يعجل اهلل الخلف .. ألنه أحيا سنة من سنن رسول اهلل – - واتبع ما جاء‬
                                                                                      ‫عنه )).‬
   ‫وأما مقدارها: فعن أم كرز – رضي اهلل عنها – أنها سألت رسول اهلل – - عن العقيقة. فقال:‬
        ‫((عن الغالم شاتان، وعن الجارية شاة . ال يضركم أذكرانا كن أم اناثا ))، رواه الترمذي‬
                                                                                   ‫وصححه .‬
                 ‫ُق‬
‫وعن عائشة – رضي اهلل عنها – قالت: أمرنا عليه الصالة والسالم: ((أن نَع َّ عن الغالم بشاتين‬
                                                     ‫وعن الجارية شاة ))، رواه أحمد وغيره.‬
    ‫وهذه قاعدة من قواعد الشريعة، فإن اهلل سبحانه فاضل بين الذكر واألنثى، وجعل األنثى على‬
                         ‫النصف من الذكر في المواريث والديات والشهادات والعتق والعقيقة ..‬
         ‫وذلك لفضل جنس الذكور على اإلناث، كما قال سبحانه وتعالى: وليس الذكر كاالنثى .‬
                                 ‫فقبح اهلل الذين يدعون إلى المساواة المطلقة بين الذكر واألنثى.‬
  ‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من اآليات والذكر الحكيم ،أقول هذا‬
              ‫القول، وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.‬
                                                      ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة الثانية‬
                                                                                        ‫أما بعد:‬
       ‫ومن أحكام العقيقة: جواز كسر عظامها بعد ذبحها ،فإنه لم يصح في المنع من ذلك وال في‬
‫كراهته سنة يجب العمل بمقتضاها. وقد جرت العادة بكسر عظام اللحم .. وفي ذلك مصلحة أكله،‬
‫وتمام االنتفاع به . وأما السن المعتبرة في العقيقة فقد أجمع العلماء أنه ال يجزي فيها إال ما يجزي‬
                                                                                 ‫في االضاحي .‬
     ‫وقرر ابن القيم – رحمه اهلل – أنه ال يجوز االشتراك في العقيقة، فلو ذبح جزور عن سبع لم‬
                                                              ‫يصح ؛ألن العقيقة نفس فداء نفس.‬
                                                 ‫ويجوز أن تذبح العقيقة من اإلبل والبقر والغنم.‬
            ‫ويجوز في العقيقة االأل واالهداء، وال بأس باجتماع الناس فيها، لعدم النهي عن ذلك.‬
     ‫ونختم الحديث عن العقيقة بذكر بعض حكمها وفوائدها مما ذكره اإلمام ابن القيم – رحمه اهلل‬
                                                                                          ‫تعالى:‬
                               ‫أوال: في ذبحها إحياء للسنة وإظهارا لها، وكفى بها فائدة وفضيلة.‬
‫ثانيا: أنه قربان يقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا، والمولود ينتفع بذلك غاية‬
                                                                   ‫اإلنتفاع كما ينتفع بالدعاء له.‬
                   ‫ثالثا: أنها فدية يفدي بها المولود، كما فدى اهلل سبحانه إسماعيل الذبيح بالكبش.‬
       ‫رابعا: غير مستبعد في حكمة اهلل في شرعه وقدره أن تكون سببا لحسن إثبات الولد، ودوام‬
                                             ‫سالمته وطول حياته في حفظه من ضرر الشيطان.‬
       ‫خامسا: فيها معنى القربان والشكران والفداء والصدقة وإطعام الطعام عند حوادث السرور‬
                           ‫العظام؛ شكرا هلل، وإظهارا لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح.‬
   ‫فال أحسن وال أحلى في القلوب من مثل هذه الشريعة في المولود، فإنها إظهار للفرح والسرور‬
        ‫بإقامة شرائع اإلسالم، وخروج نسمة يكاثر بها رسول اهلل – - األمم يوم القيامة تعبدا هلل،‬
                                                                                 ‫وإرغاما لعدوه.‬
                                                            ‫معاشر المؤمنين: صلوا وسلموا. . .‬

‫(5/236)‬
                                                                            ‫المسؤولية‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                              ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                ‫اآلداب والحقوق العامة‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                            ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                               ‫الدوحة‬
                                                                         ‫الريان الكبير‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                       ‫ملخص الخطبة‬
‫5- مسؤولية اإلنسان عن عمله فرع عن إدراكه ووعيه. 7- تسقط مسؤولية اإلنسان عن فعله في‬
    ‫أحوال. 3- ما عدا هذه األحوال فكل مسؤول عن فعله وقوله. 2- قد تتسع المسؤولية فيكون‬
     ‫مسؤوالً عن فعل غيره. 1- أنواع المسؤولية: أ- مسؤولية القدوة والمنصب. ب- مسؤولية‬
                                                            ‫الكلمة. ج- مسؤولية العهد.‬
                                               ‫-------------------------‬
                                                                        ‫الخطبة األولى‬
                                                 ‫وقفوهم إنهم مسئولون مالكم ال تنصرون‬

‫(5/236)‬




                                                                                ‫الحذر‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                                 ‫العلم والدعوة والجهاد‬
                                                                         ‫قضايا دعوية‬
                                                  ‫-----------------------‬
                                                            ‫هاشم محمد علي المشهداني‬
                                                                               ‫الدوحة‬
                                                                         ‫الريان الكبير‬
                                         ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                              ‫ملخص الخطبة‬
    ‫5- الحذر في اللغة واالصطالح. 7- األمر بالحذر في الكتاب والسنة. 3- ال يغني حذر من‬
          ‫قدر. 2- الحذر من أعداء الدين وأذنابهم. 1- أنواع الحذر. 6- وسائل في أخذ الحذر.‬
                                                     ‫-------------------------‬
                                                                               ‫الخطبة األولى‬
  ‫يقول رب العزة سبحانه: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‬
 ‫[النور:36]. طاعة الرسول عليه الصالة والسالم طاعة هلل تعالى، ومعصية الرسول عليه الصالة‬
  ‫والسالم معصية له تعالى، وفي اآلية تحذير من اهلل عز وجل لألمة من أن تعصي رسولها عليه‬
 ‫الصالة والسالم، ألن في معصية رسول اهلل فتنة وعذاب، فتنة في القلوب بالكفر والنفاق، وعذاب‬
                                                                           ‫في الدنيا واآلخرة.‬
                                 ‫فما الحذر؟ ولماذا؟ وما أنواعه؟ وما وسائل الحذر في إسالمنا؟‬
                                                         ‫أما الحذر لغة: فهو اليقظة والتأهب .‬
                                          ‫اصطالحا: هو أخذ الحيطة لألمر قبل وقوع المكروه.‬
                                                                            ‫وينبغي أن تعلم :‬
‫أن الحذر ثابت في الكتاب وثابت في السنة، ثابت في الكتاب قول رب العزة سبحانه: يا أيها الذين‬
 ‫آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا [النساء:52]. وفي السنة فعل النبي عليه الصالة‬
 ‫والسالم، عندما أراد الهجرة جاء إلى دار أبي بكر في الهاجرة، أي في وقت الظهيرة، ولما دخل‬
     ‫دار أبي بكر قال: ((أخرج عني من عندك، فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي، فقال عليه الصالة‬
 ‫والسالم: إن اهلل أذن لي في الخروج والهجرة))، وهذا يدل على حذر النبي عليه الصالة والسالم،‬
‫في الزمان وفي المكان، مجيئه وقت الهاجرة وقت الظهيرة، حيث سكون الحركة، واطمئنان النبي‬
                  ‫عليه الصالة والسالم أن المكان آمن بقوله: ((أخرج عني من عندك))(5)[5]).‬
 ‫وينبغي أن تعلم أن الحذر من صفات المؤمنين، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((المؤمن كيس‬
‫فطن)) يقول عمر بن الخطاب : (لست بالخب وال الخب يخدعني)، لست بالخب أي المخادع، وال‬
                                                                 ‫يستطيع مخادع أن يخدعني .‬
 ‫ينبغي أن تعلم أيضا أنه ال ينبغي للمؤمن أن يكون ساذجا، ال يعتبر باألحداث تدور حوله، فإذا ما‬
    ‫خانك إنسان فال ينبغي أن تثق به مرة أخرى، فتلك هي السذاجة، وإذا ما جربت فساد أمر فال‬
‫ينبغي أن تعود مرة ثانية وتجرب التجربة مرة أخرى، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((ال يلدغ‬
                                                            ‫المؤمن من جحر مرتين))(7)[7]).‬
  ‫وينبغي أن تعلم أيضا أنه ال يغني حذر من قدر، مشيئة اهلل نافذة، وعند البالء ينبغي أن تعلم أنك‬
‫المقصود فيه، فإذا نجوت فإنما تنجو بقدر اهلل عز وجل، لقول النبي عليه الصالة والسالم: ((واعلم‬
  ‫أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك))(3)[3]). لذا يعلمنا رسول اهلل عليه‬
    ‫الصالة والسالم عند البالء أن ال نكثر من اللوم ألنفسنا بل أن نرضى بقضاء اهلل، فيقول عليه‬
‫الصالة والسالم: ((فإن أصاب أحدكم شيئا فال يقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر اهلل‬
                                                                    ‫وما شاء فعل))(2)[2]).‬
                                                                          ‫وأما لماذا الحذر؟‬
‫فالبد من الحذر، ألن أعداء اهلل تعالى حريصون على إبادة هذا الدين وأهله، يرفعون لواء وشعار:‬
    ‫"دمروا اإلسالم أبيدوا أهله"، وهم ال يتحرجون من أن يستخدموا أي أسلوب لتحقيق هدفهم قط‬
‫بالقتل، قال تعالى حكاية عن فرعون: ذروني أقتل موسى وليدع ربه [غافر:67] باإلخراج والنفي‬
   ‫عن البالد: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [األعراف:72]. جريمة لوط عليه السالم‬
     ‫أنه كان عفيفا، والعفيف البد أن يخرج من البالد، فالبالد أرض األرجاس فقط، ثم بالسخرية‬
 ‫أيضا: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى‬
  ‫أهلهم انقلبوا فكهين [المطففين :27-53]. أو أن يلبس المفسدون ثوب اإلصالح: وإذا قيل لهم ال‬
‫تفسدوا في األرض قالوا إنما نحن مصلحون أال إنهم هم المفسدون ولكن ال يشعرون [البقرة:55-‬
                                                                                      ‫75].‬
     ‫والبد من الحذر أيضا، لماذا؟ ألن الناس ليسوا سواء، فمن الناس الوفي ومنهم الغادر، ومنهم‬
 ‫الطيب ومنهم الخبيث، ومنهم الصالح ومنهم الطالح، إن من النفوس نفوسا تبلغ في خستها أنها ال‬
    ‫تنتقم إال ممن يحسن إليها ويتفضل، يذكر لنا من سبقنا علما وفضال في حادثة جرت أن رجال‬
    ‫ارتكب جرما، فأوى إلى بيت كرام فآووه، ورب الدار يطعمه ويسقيه ويكرمه في بيته شهورا‬
‫طويلة حتى هدأت العيون وسكت الناس عن طلبه، بعد هذا يقوم الجاني فيقتل رب الدار، يقتل رب‬
  ‫الدار الذي أحسن إليه، يسأله الناس بعد ذلك: لم فعلت هذا؟! فقد أحسن إليك كل اإلحسان! فيقول‬
  ‫لهم: إني كلما نظرت إليه تذكرت إحسانه علي، فيضيق صدري، فأردت أن أقتله حتى أستريح،‬
                                                          ‫نفوس كنفوس الوحش من الحيوان.‬
  ‫ذكر أن امرأة رأت جرو ذئب فكانت ترضعه من شاة عندها، لما كبر الذئب قام إلى الشاة فقتلها‬
                                                         ‫وأكلها وهرب، عادت العجوز تقول:‬
                                            ‫بقرت شويهتي و فجعت قلبي وكنت لها ابن ربيب‬
                                           ‫غذيت بدرها وعشت معها فمن أدراك أن أباك ذيب‬
                                             ‫إذا كان الطباع طباع ذئب فال أدب يفيد وال أديب‬
       ‫وأيضا البد من الحذر، ألن من الناس من يعيشون على هفوات اآلخرين وأخطائهم، بل قل‬
  ‫يعيشون على كلمة الحق إذا قيلت، فيكتبون ويتجسسون والتجسس ال يكون في محيط المسلمين،‬
  ‫وال يكون إال على أعداء اهلل عز وجل، ورب العزة يقول: وال تجسسوا [الحجرات:75]. ويقول‬
  ‫عليه الصالة والسالم: ((ال يدخل الجنة نمام))(1)[1])، وهو الذي ينقل الحديث حتى يوقع األذى‬
 ‫بمن يريد، مر النبي عليه الصالة والسالم على قبرين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير،‬
‫بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما اآلخر فكان ال يتنزه من البول)) أي ال يتحفظ‬
                                                                               ‫من بوله(6)[6]).‬
                           ‫وقد جاء في األثر: ((ال تقوم الساعة حتى ال يأمن فيه المرء جليسه)).‬
                                                                              ‫وأما أنواع الحذر:‬
     ‫أوال: فأول الحذر حذر العبد من ذنوبه، إن للحسنة خيرا وبركة كما أن للسيئة غضبا من اهلل‬
 ‫ولعنة، لقول اهلل تعالى في الحديث القدسي: ((إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس‬
 ‫لبركتي نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد))(2)[2])،‬
     ‫وعلى العبد أن يحذر الذنب وأثر الذنب بعد ذلك، على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.‬
‫على مستوى الفرد يقول رب العزة سبحانه: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن‬
 ‫كثير ، يقول النبي عليه الصالة والسالم: ((والذي نفس محمد بيده ما يصيب العبد من خدش عود‬
         ‫أو اختالع عرق أو نكبة بحجر أو عثرة بقدم إال بذنب، وما يعفو اهلل عنه أكثر))(2)[2])‬
   ‫ب – وعلى مستوى األمة، هالك األمة بمعاصيها يكون، وصدق اهلل العظيم: فأهلكناهم بذنوبهم‬
   ‫[الشورى:03]. عندما فتح المسلمون قبرص وسبي أهلها، بكى أبو الدرداء ، قيل له: أتبكي في‬
‫يوم أعز اهلل فيه اإلسالم وأهله ؟! قال: (دعك من هذا، إنما أبكي لهوان الخلق على اهلل، فبينما هي‬
                                   ‫أمة قاهرة قادرة، إذ عصت أمر ربها فصارت إلى ما ترى) .‬
‫ثانيا: ومن الحذر أن يحذر العبد إمهال اهلل واستدراجه: إن من أسماء اهلل الحليم، كما أن من أسماء‬
   ‫اهلل الصبور، كما أن من أسماء اهلل المنتقم، من حلم اهلل عز وجل أنه ال يعجل العقوبة للظالم أو‬
    ‫لغيره، قال النبي عليه الصالة والسالم: ((إن اهلل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))(9)[9])،‬
                                                                   ‫ليملي، يمد للظالم في ظلمه .‬
‫بل إن اهلل عز وجل ينعم على العاصي حتى يوغل في المعصية، يقول عليه الصالة والسالم: ((إذا‬
 ‫رأيت اهلل يعطي العبد على معاصيه فاعلم أنه استدراج))، ثم تلى قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا‬
           ‫به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‬
                                                                                    ‫(05)[05]).‬
   ‫ثالثا: ومن الحذر، حذر العبد من نفسه، وصف رب العزة النفس فقال: إن النفس ألمارة بالسوء‬
                ‫[يوسف:31]، قال النبي عليه الصالة والسالم: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار‬
      ‫بالشهوات))(55)[55])، ما تكرهه النفس من بذل وعطاء وجهاد هو الطريق إلى الجنة، وما‬
  ‫ترغبه النفس من فحش وحرام هو السبيل إلى النار، وعلى العبد أن يحذر نفسه في حال ضعفها‬
‫أو قوتها، ففي حال ضعفها أن ال يسيء الظن باهلل عز وجل فال يأس مع اهلل: وال تيأسوا من روح‬
‫اهلل إنه ال ييأس من روح اهلل إال القوم الكافرون [يوسف:22]. وفي حال قوتها: ((إذا دعتك قدرتك‬
 ‫إلى ظلم الناس فتذكر قدرة اهلل عليك))، رأى النبي عليه الصالة والسالم أبا مسعود وهو يضرب‬
                                       ‫ق‬
     ‫غالما عنده، قال عليه الصالة والسالم مغضبا: ((ات ِ من هو أقدر عليك منك عليه))، يقول:‬
    ‫فالتفت فإذا رسول اهلل غاضب، فقلت: هو حر لوجه اهلل يا رسول اهلل، قال: ((واهلل لو لم تقلها‬
                                 ‫س‬
      ‫لمستك النار))(75)[75]). أصحاب النفوس العلية الكريمة إذا و ّع اهلل عليهم لم يزدادوا إال‬
   ‫تواضعا وذلة هلل وللمؤمنين، عمر بن الخطاب على جاللة قدره، ويدمر رب العزة دولة كسرى‬
‫وفارس تحت قدمه، ويحكم ثلث العالم في وقته، وقف على المنبر والناس عند قدمه، فتعجبه نفسه‬
 ‫فيقول – مخاطبا لنفسه -: (لقد كنت تسمى عميرا، ولقد كنت ترعى غنميات آلل الخطاب، على‬
‫تمرات تأكلها وتسد بها جوعتك، ثم أصبحت تسمى عمرا، ثم أصبح يقال لك: أمير المؤمنين)، ثم‬
  ‫ترك المنبر ونزل، سأله الناس، لماذا قلت هذا يا أمير المؤمنين ؟! قال: (أعجبتني نفسي فأردت‬
        ‫أن أذلها)، إن الذين تفاجئهم النعمة، ولم يكن عندهم من الدين ما يحفظ لهم تماسك عقولهم‬
 ‫وإيمانهم، طغوا وتكبروا واستكبروا ونظروا إلى الخلق نظر احتقار وسخرية واستهزاء، يريد من‬
 ‫الناس أن يحترموه وال يحترم، يريد من الناس أن يقدروه وال يقدر، نفوس وضيعة لفقدانها الحذر‬
                                                                                ‫من هذا األمر.‬
  ‫رابعا: ومن الحذر أيضا حذر العبد من أهله: من أن يحولوا بينه وبين طاعة اهلل أو الجهاد، كان‬
     ‫عبد الرحمن بن مالك األشجعي كلما أراد الجهاد قامت إليه زوجته وولده يقولون له: إلى من‬
  ‫تتركنا، كيف لو قتلت، ماذا نفعل بالحياة من بعدك؟ فيرق لحالهم ويجلس وال يجاهد، فأنزل رب‬
‫العزة قوله: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأوالدكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن:25]. عدوا‬
 ‫لكم يفعلون فعل العدو في أن يحولوا بينكم وبين طاعة اهلل سبحانه، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا‬
    ‫ال تلهكم أموالكم وال أوالدكم عن ذكر اهلل ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [المنافقون:9].‬
   ‫وليكن واضحا في ذهنك كيف يكون حال هؤالء يوم القيامة؟ يقول رب العزة سبحانه: يوم يفر‬
                                                                               ‫المرء من أخيه‬

‫(5/936)‬




                                                                            ‫التساهل بالصغائر‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                     ‫الرقاق واألخالق واآلداب‬
                                                                            ‫الكبائر والمعاصي‬
                                                        ‫-----------------------‬
                                                                        ‫محمد بن علي السعوي‬
                                                                                         ‫بريدة‬
                                                                                     ‫جامع الراشد‬
                                                ‫محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫ملخص الخطبة‬
          ‫5- تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر 7- النظر الحرام وعبادة غض البصر 3- الخلوة‬
                                       ‫م‬
   ‫واالختالط بالنساء األجنبيات 2- التحذير من صحبة ال ُردان 1- التنابز باأللقاب وهجر المسلم‬
     ‫من الصغائر التي يجب اإلقالع عنها 6- إذا اجتمعت الصغائر على صاحبها أهلكته 2- آثار‬
                                                                    ‫ف‬
                                                          ‫الذنوب على القلب 2- مك ّرات الذنوب‬
                                                        ‫-------------------------‬
                                                                                   ‫الخطبة األولى‬
                                                                                          ‫أما بعد:‬
‫فيا أيها المسلمون: اتقوا اهلل تعالى وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له، واعلموا ان اهلل يعلم ما في أنفسكم‬
                                                                                        ‫فاحذروه.‬
     ‫معشر المسلمين: كثير من الناس يتساهل بصغائر الذنوب ويصر عليها، وفي ذلك من الخطر‬
                     ‫والضرر ما يحمل المسلم والمسلمة على أن يأخذ حذره من سلوك الخاسرين.‬
      ‫إن حديثي إليكم في هذا المقام يتضمن خطر التساهل بصغائر الذنوب والمعاصي فضال عن‬
     ‫كبائرها، أما الكبائر فأمرها واضح، فلقد رتب اهلل عليها الحد في الدنيا أو الوعيد في اآلخرة،‬
‫عياذا باهلل من موجبات غضبه وأليم عقابه (ومن أراد الوقوف على ما ورد في حقيقة الكبائر وفي‬
        ‫عددها وما ترتب عليها، فعليه بكتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر، فإنه قد جمع فأوعى).‬
‫أيها المسلمون: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذنوب كلها كبائر، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن‬
   ‫الذنوب قسمان كبائر وصغائر، حيث قد جاء التفريق في القرآن الكريم بين الذنوب، قال تعالى:‬
    ‫إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء:53]. وقال سبحانه: الذين يجتنبون‬
    ‫كبائر اإلثم والفواحش إال اللمم [النجم:73]. وقال النبي – -: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى‬
  ‫الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر))(5)[5]. فالذي بينهن هي‬
 ‫الصغائر، فلقد أفادت هذه النصوص وغيرها، أن في الذنوب صغائر وهي المعبر عنها بالسيئات‬
  ‫والعصيان واللمم، وسميت أيضا في الحديث بمحقرات الذنوب، وهي ما قل وصغر من الذنوب،‬
‫وال يسلم منها أحد إال من سلمه اهلل وعافاه، قال النبي – -: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين‬
                                                                                      ‫التوابون)).‬
       ‫معشر المسلمين: من الصغائر التي يتساهل بها الناس النظر إلى النساء األجنبيات والشباب‬
  ‫المردان سواء عن طريق مباشر كوجه لوجه، أو من وراء شق أو منظار أو عن طريق الصور‬
       ‫الثابتة في المجالت ونحوها، أو الصور المتحركة في األفالم، ولقد أمر اهلل تعالى المؤمنين‬
  ‫والمؤمنات بالغض من أبصارهم، ذلك أن النظر هو المدخل األساسي لتسرب الشهوة إلى النفس‬
‫وطغيانها، فالغض من البصر يساعد على العفة وحفظ الفرج، قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من‬
‫أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن اهلل خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من‬
 ‫أبصارهن ويحفظن فروجهن .. [النور:53]. سئل اإلمام أحمد – رحمه اهلل – عن رجل قال بأنه‬
   ‫ترك المعاصي وتاب وقال: لو ضرب بالسياط ما دخل في معصية أبدا غير أنه ال يدع النظر،‬
  ‫فقال :أي توبة هذه؟. فالنظرة بشهوة سبب للفتنة وإشغال القلب، فاتق اهلل أيها المسلم وراقب اهلل،‬
  ‫فإنه مطلع عليك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قيل لبعض السلف: بم يستعان على غض البصر؟‬
  ‫قال: بعلمك أن نظر اهلل إليك أسبق من نظرك إلى من نظرت إليه، ولقد كان الربيع ابن خثيم –‬
 ‫رحمه اهلل – من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن أنه أعمى، ولقد طرق الباب يوما على صاحب‬
 ‫له فخرجت له الجارية، ثم رجعت إلى سيدها، وقالت إن بالباب صاحبك األعمى، ومر يوما على‬
  ‫عصبة من النساء، فقالت واحدة منهن انظرن إلى هذا األعمى كفانا اهلل شر العمى وليس بأعمى‬
    ‫إال عن الفتنة والباطل، وامتثل قول اهلل تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور:03].‬
    ‫ومن صغائر الذنوب الخلوة واالختالط بالنساء األجنبيات كما قد يحصل في المحالت التجارية‬
  ‫التي تحتوي على مالبس النساء واألطفال ومحالت الخياطة النسائية ومسلتزماتها أو في البيوت‬
 ‫بين بعض األقارب من غير المحارم، أو بين الخدم والسائقين في البيوت والسيارات، أو الحدائق‬
    ‫والمجامع العامة ال