إيصال السالك إلى أصول مالك
Document Sample


إيصال السالك في
أصول اإلمام مالك
تأليف: العالمة الشيخ
سيدي حممد حيىي بن عمر املختار بن الطالب
عبد اهلل الواليت الشنقيطي ـ رمحه اهلل ـ
(ت 1330هـ/1010م)
وهو شرح على منظومة أمحد بن أيب كف ـ رمحه اهلل ـ يف أصول الفقه املالكي
نقله ورتبه: الشاطيب الوهراين
يف 08/2885م
بسم اهلل الرمحن الرحيم
إيصال السالك في أصول اإلمام مالك
تأليف العالمة الشيخ سيدي حممد حيىي بن عمر املختار بن الطالب عبد اهلل ـ رمحه
اهلل ـ
الطبعة املنقول عنها:
طبع على نفقة املكتبة العلمية، لصاحبيها: حممد األمني وأخيه الطاهر
تونس، املطبعة التونسية ـ هنج سوق البالط 57، 1330هـ/1110م
ترمجة الشارح:
هو العامل املربز الشيخ حممد حيىي بن املختار بن الطالب الشنقيطي الواليت، يتصل
نسبه بالبضعة الطاهرة واحلرم املصون؛ كان آية يف طالقة اللسان وعدم التكلف، صادق
اللهجة مصداعا يغضب للحق، ويرضى لرضاه على سنن العلماء من أئمة الدين وهداهتم.
وقد اجتاز باحلاضرة يف حدود سنة 3030هـ عند عودته من قضاء فريضة احلج،
وأقام مدة كان فيها حمل العناية من سائر الطبقات ملا ظهر عليه من وفرة العلم وبوادر
الصالح وصفاء السريرة.
ل
وله من التآليف غري هذا الشرح شرح صحيح البخاري تركه بتونس، ومن أج ّ ما
امتاز به هذا الشرح التنبيه على كل حديث متسك به إمام دار اهلجرة مالك يف بناء مذهبه؛
وشرح منظومة ابن عاصم يف األصول ، وخالصة الوفاء على خنبة االصطفاء يف طهارة
أصول املصطفى من الشرك والعهر واجلفا، طبع باملطبعة الرمسية يف تونس عندما كان
الشيخ كرمياً هبا، وتأليف يف العربية ألفه يف طريق احلج البنيه توجد منه نسخة بتونس
أيضاً.
وقد انقطعت عنا أخباره من عام 1130 فرمحة اهلل عليه، من عامل فاضل نزيه.
2
[ترمجة أخرى له من مقدمة الطبعة احلجرية بفاس لشرحيه يف األصول]
[صاحب الشرحني (فتح الودود على مراقي السعود) و(نيل السول على مرتقى
الوصول) تأليفي اإلمامني احملققني سيدي عبد اهلل بن احلاج إبراهيم الشنقيطي واإلمام أيب
بكر حممد بن حممد بن عاصم األندلسي الغرناطي هو البحر الزاخر، ذو املآثر اجلميلة
واملفاخر، إمام العلم وحامل لوائه، وحافظ علم األصول وكوكب مسائه، حممد حيي بن
حممد املختار بن الطالب عبد اهلل احلوضي مث الواليت.
له من التآليف ما ال حيصى كثرة:
ً
ـ شرح صحيح البخاري شرحا نفيساً
ـ وشرح خمتصر ابن أيب مجرة له كذلك شرحاً يف غاية النفاسة،
ـ وله نطم نفيس يف القواعد مجع فيه كل ما يف منهج الزقاق بزيادة مساه اجملاز
الواضح وشرحه شرحاً عجيباً مساه الدليل املاهر الناصح
ـ وشرح تكميل ميارة للمنهج املذكور شرحاً طويالً كثري الفوائد
ـ وله شرح نفيس على احلصن احلصني
ـ وله تأليف حسن يف الفروع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة يقول فيه احلكم
كذا لقوله تعاىل كذا وكذا، واحلكم كذا حلديث كذا وكذا، مساه منبع العلم والتقى،
ً
وشرحه شرحا نفيساً مساه العروة الوثقى.
ـ إىل غري ذلك من مصنفاته احلسان.
كان إماماً من أهل اجلد ال تأخذه يف اهلل لومة الئم، كثري الردع ألهل البدع
واملناكر؛
والعهد به يف قيد احلياة أطال اهلل عمره يف العافية ونفع املسلمني مبؤلفاته مثل
الشرحني املذكورين وغريمها.
كتبه عبد ربه وأسري ذنبه حممد حبيب اهلل بن ما يايب. عامله اهلل بلطفه اخلفي.
فاس ـ 5130 هـ.]
3
[تنبيه من الشاطيب الوهراين]: قمت بفصل وتوضيح أبيات املنظومة عن الشرح.
بسم اهلل الرمحن الرحيم
والصالة والسالم على سيدنا حممد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثرياً
احلمد هلل الذي أنزل على نبينا حممد أدلة الشرع اإلمجالية والتفصيلية، وأمر
العلماء باستخراج الفروع منها بالنظر املستمد من أنواره الساطعة اجللية، وجعل معانيها ال
تنفد أبد اآلباد السرمدية، وجعل علماء هذه األمة دجددون الشريعة كأنبياء ب ي إسرائيل
كلما فنيت طبقة خلفتها طبقة قائمة بالوظائف السنية؛ والصالة والسالم على سيدنا حممد
اآلمر بالنظر يف أصول الشريعة الكلية، واستنباط الفروع اجلزئية، وعلى آله وأصحابه
البالغني يف العلم الشرعي درجة االجتهاد العلية، الذين من اقتدى هبم ناج ألن اهلل تعاىل
جعل أقواهلم وأفعاهلم حجة شرعية، صالة وسالماً دائمني متالزمني إىل يوم يوزن مداد
العلماء بدم الشهداء، وتكون ملداد العلماء يف الوزن الرجحانية. أما بعد:
فيقول أفقر العبيد إىل مواله الغ ي عمن سواه، حممد حيىي بن حممد املختار بن الطالب
م
عبد اهلل: هذا شرح واضح طلبه م ي َن ال تسع ي خمالفته، وجتب طبعاً على نفسي
مساعدته وموافقته، وهو أخي وحبييب عبد اهلل بن سيدي أمحد، طلب م ي أن أشرح له
منظومة أبيه الشهري الفقيه النحرير سيدي أمحد بن حممد بن أيب كف اليت مجع فيها أصول
د د
مذهب مالك بالع ّ ال بالبحث عن عوارضها الذاتية، وال بتعريفها باحل ّـ تقريباً حلفظها
وفهمها واستحضارها ملن له علم بعوارضها وحدودها وله اعتناء باستعماهلا واعتبارها.
مبن
فأقول ـ وباهلل التوفيق وهو اهلادي ِّهِ إىل سواء الطريق ـ: قال الناظم سيدي
أمحد بن حممد بن أيب كف رمحه اهلل وأعاد علينا من بركاته:
احلمـد للــه الذي قد فهمـا دالئـل الشـرع العزيز العلمـا
أي احلمد كله مقصور على اهلل عز وجل أي ال يستحقه إال اهلل عز وجل، ومعناه
لغة وشرعا معروف، والتفهيم: التعليم، ودالئل الشرع: املراد هبا أصوله اإلمجالية؛ وتفهيم
4
اهلل إياها للعلماء هو تعليمه هلم حبقائقها وكيفية استعماهلا وإنتاج الفروع منها، ويف التعبري
هبا هنا براعة استهالل.
مث الصـالة والسـالم أبـــدا على النبـي اهلـامشي أمحــدا
والتابعيــن هلـم على الـدوام ر
وآلـه الغ ّ وصحبـه الكــرام
أي نطلب من اهلل دوام الصالة والسالم أبد اآلباد على النيب املنسوب إىل هاشم بن
عبد املناف املسمى بـ"أمحد" وهو نبينا صلى اهلل عليه (و) على (آله الغر) أي بيض
الوجوه، مجع أغر؛ والغرة: بياض الوجه، وهي كناية عن إمياهنم وطهارهتم احلسية
واملعنوية، ألن البياض يكىن به عن اإلميان، كما أن السواد يكىن به عن الكفر أعاذنا اهلل
منه، أو كناية عن كرمهم، ألن بياض الوجه يستلزم طالقته، وطالقته تستلزم الكرم، أو
كناية عن كوهنم من أهل اجلنة، إذ قد ورد اخلرب عن رسول اهلل أن أهل اجلنة يدعون
غرا
يوم القيامة غراً حمجلني من أثر الوضوء، ولفظه "إن أميت يدعون يوم القيامة ًّ حمجلني
من أثر الوضوء"
(و) على (صحبه الكرام) طبعاً وشرعاً (و) على (التابعني هلم) من املؤمنني يف العلم
والعمل (على الدوام) أي إىل يوم القيامة.
وبعد فالقصد بذا النظم الوجيـز ذكر مباين الفقه يف الشرع العزيـز
(وبعد) أي وبعد احلمد والصالة والسالم على النيب ( فالقصد) أي فاملقصود ألن
فعال يأيت مبعىن مفعول (بذا النظم الوجيز) أي املنظوم املختصر، أي الكثري املعىن القليل
اللفظ (ذكر مباين الفقه) أي أصوله اإلمجالية، ألن املباين مجع مبىن؛ واملبىن لغة: األساس
واألصل احلسي الذي يبىن عليه اجلدار حساً، واملراد به هنا أساس الشرع وأصله املعىن
الكلي الذي تبىن عليه فروع الشريعة املعنوية.
والفقه لغة الفهم، واصطالحا العلم باألحكام الشرعية العملية املكتسب من األدلة
التفصيلية، فقولنا: العلم جنس، وقولنا: باألحكام قيد خرج به العلم بالذات والصفات
واألفعال، فال يسمى فقها، واملراد باألحكام النسب التامة اليت هي ثبوت أمر آلخر إدجاباً
أو سلباً، وقولنا: الشرعية معناه أن تلك األحكام البد أن تكون مأخوذة من الشرع
بالتصريح أو باالستنباط، فخرجت األحكام العقلية ضرورية كانت كاحلكم بأن الواحد
5
مؤث
نصف االثنني، أو نظرية كاحلكم بأن األثر البد له من ِّر، واحلسية كاحلكم بأن اجلدار
طوب وحجر، وخرجت األحكام العادية كاحلكم بأن النار حمرقة، فال يسمى العلم من
هذه فقهاً.
وقولنا: العملية، معناه أن األحكام الشرعية البد أن تكون متعلقة بكيفية عمل قليب،
كالعلم بوجوب النية يف الوضوء، أو بدين كالعلم بسنية الوتر، فخرجت األحكام الشرعية
االعتقادية أي اليت مل تتعلق بكيفية عمل، كالعلم بأن اهلل واحد، وأنه دجب له الكمال،
ويستحيل عليه النقص، فال يسمى العلم بذلك فقهاً.
وقولنا املكتسب معناه: أن العلم باألحكام الشرعية العملية البد أن يكون مكتسباً،
أي مأخوذاً بالنظر والتأمل وإعمال الفكر يف األدلة الشرعية ليخرج علم اهلل وعلم كل نيب
ملك فال يسمى فقهاً ألنه ليس مكتسباً.
وقولنا: من األدلة التفصيلية، أي اآليات القرآنية واألحاديث النبوية، أي مكتسباً من
النظر فيها واالستنباط منها، فيخرج علم املقلدين اخللص أي الذين ليس هلم إال حفظ
ل
فروع املذهب وضبطها كج ّ علماء عصرنا، فال يسمى علمهم بذلك فقها، بل يسمى
نقالً ورواية، إذ مل يكتسبوا تلك الفروع بالنظر يف األدلة التفصيلية، وإمنا اكتسبوا بالنقل
والرواية من بطون الكتب املعتمدة، فليس هلم فيها إال جمرد نقلها للناس وروايتها وحفظها،
وال حجة هلم على كوهنا أحكاما شرعية إال منقولة بالتواتر عن اجملتهدين الذين
استخرجوها بالنظر واالستنباط من األدلة التفصيلية اليت هي الكتاب والسنة.
وفتوى اجملتهد حكم اهلل يف حقه وحق مقلديه.
وقوله: (يف الشرع العزيز) متعلق بقوله الفقه، ألن املراد به يف النظم معناه اللغوي هو
الفهم، واملعىن أن املقصود بالنظم ذكر األصول اليت تفقه منها أي تفهم منها أحكام
الشرع العزيز بالنظر واالستنباط.
فقلت واللـه املعيـن أستعيــن وأستمد منه فتحــه املبيــن
فقوله اهلل مفعول مقدم لقوله أستعني إلفادة التخصيص أي أنه ال يطلب العون إال
ل
من اهلل، وال يستمد أي ال يطلب اإلمداد بالفتح املبني باألنوار اإلهلية إال من اهلل عز وج ّ.
أدلـة املذهب مذهـب األغـ ّ مالك اإلمام ستــة عشـــر
ر
6
يع ي رمحه اهلل تعاىل أن أصول مالك اإلمجالية اليت يستخرج منها األحكام الشرعية
الفرعية ويعتمد عليها يف العمل واإلفتاء والقضاء ستة عشر دليالً.
واإلمجالية: هي اليت ال تعني مسألة جزئية ككون النص من الكتاب والسنة حجة
شرعية مث شرع يف تعديدها فقال:
َّـــة من لــه أ ّ َّــه
مت املن نص الكتـاب مث ن ّ َّــه سن
ص السن
يع ي أن أول أدلة مذهب مالك الستة عشر النص من الكتاب والسنة الصحيحة
متواترة كانت أو مستفيضة أو آحاداً.
والنص: هو اللفظ الدال على معىن ال حيتمل غريه أصالً، مثاله من الكتاب قوله
تعاىل يف صيام املتمتع الذي مل دجد هدياً فصيام ثالثة أيام يف احلج وسبعة إذا رجعتم، تلك
عشرة كاملة ،فقوله تعاىل تلك عشرة كاملة نص يف أن املتمتع أي الذي مل دجد هدياً
يلزمه صوم اجلموع الثالثة اليت يف احلج، والسبعة اليت بعد الرجوع الذي هو العشرة،
ومثاله من السنة قوله " :إن اهلل حرم عليكم وأد البنات، فهذا نص يف حترمي دفن البنات
الذي كان يفعله أهل اجلاهلية.
وقوله: (سنة من له أمت املنه) معناه: أن املراد بالسنة سنة النيب الذي َّ اهلل له املنة
أمت
أي الفضل.
وظاهر الكتـاب والظاهـر مـن سنـة من بالفضل ِّـه قمـن
كل
يع ي أن الدليل الثاين من أدلة مذهب مالك الظاهر من الكتاب أو السنة الصحيحة.
والظاهر: هو اللفظ الدال يف حمل النطق على معىن لكنه حيتمل غريه احتماالً
مرجوحاً؛ فداللته على املعىن الراجح فيه تسمى ظاهراً، وداللته على املعىن املرجوح فيه
تسمى تأويال.
مثال الظاهر من الكتاب قوله تعاىل فإطعام ستني مسكينا فإنه ظاهر يف أن املظاهر
الذي مل يستطع الصوم دجب عليه إطعام ستني شخصاً مسكيناً أي فقرياً ال مال له لكل
مد، وال دجزي إعطاؤها ملسكني واحد، وال إعطاء مدين منها له أيضاً؛ وحيتمل أن املراد
باملسكني املد ألنه من أمسائه، ويكون املعىن: فإطعام طعام ستني مداً، وعليه فيجزئ إعطاء
7
مجيع الكفارة ملسكني واحد ستني يوماً يف كل يوم مد. واألول مذهب اجلمهور والثاين
مذهب احلنفية.
ومثاله من السنة قوله الثابت يف سنن أيب داود "من مل يبيت الصيام من الليل فال
صيام له"، فإنه ظاهر يف أن تبييت النية واجب يف كل صيام، ألن املعرف بـ"ال" والنكرة
يف سياق النفي للعموم ظاهراً، وحيتمل أن املراد بالصيام صيام النذر والقضاء، فيكون املراد
به بعض أفراده، وأن غريمها من الصوم يصح بدون تبييت النية، واألول مذهب اجلمهور،
والثاين مذهب احلنفية أيضا.
والقاعدة الشرعية ترجيح الظاهر على التأويل عند مجيع العلماء إال إذا عضد التأويل
دليل آخر من الشريعة كما يف قوله تعاىل يا أيها الذين آمنوا إمنا املشركون جنس فإن
ظاهر اآلية أن املشرك وعرقه وثيابه وسائر لعابه جنس جناسة حسية وبه متسك الظاهرية،
وحيتمل أن املراد بنجاسته النجاسة املعنوية اليت هي الشرك واجلنابة، وهبذا التأويل متسك
مالك وقدمه على الظاهر ألنه عضده عنده قياس العكس، وهو أن املوت ملا كان سبباً
لنجاسة كل حيوان كان القياس أن يكون عكسها الذي هو احلياة سببا لطهارة كل
حيوان، فلذلك كان الكافر وعرقه ولعابه طاهرا عند مالك.
وكقوله " ال صالة جلار املسجد إال يف املسجد" فإن ظاهره نفي الصحة عند
صالة الفذ اجملاور للمسجد، وبه متسك أمحد يف أحد قوليه، وتأويله نفي الكمال عنها وبه
متسك اجلمهور وقدمه على الظاهر ألنه عضده اإلمجاع على صحة صالة الفذ اجملاور
للمسجد، وقوله " صالة اجلماعة تفضل صالة الفذ بسبع وعشرين درجة"، فقوله:
"تفضل" دليل على أن صالة الفذ صحيحة إال أن صالة اجلماعة أزيد منها يف الفضل.
تعي
وحمل كون الظاهر أيضا أرجح من التأويل ما مل يكن الظاهر ممنوعا وإال َّن
التأويل كقوله تعاىل يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إىل الصالة فاغسلوا وجوهكم اآلية،
فإن ظاهرها أن غسل الوجه وما بعده أي الوضوء ال يطلب من املصلي إال بعد قيامه
للصالة، وذلك ممنوع فتعني التأويل باإلرادة أي إذا أردمت القيام إىل الصالة.
8
وكقوله تعاىل فإذا قرأت القرآن فاستعذ باهلل من الشيطان الرجيم فإن ظاهره أن
االستعاذة ال تطلب من القارئ إال بعد قراءة القرآن، وذلك ممنوع فتعني التأويل باإلرادة
أيضاً.
وكقوله تعاىل فمن شهد منك الشهر فليصمه فإن ظاهره أن الصوم ال دجب إال
يف شوال، ألن الشهود لغة احلضور، والشهر اسم لثالثني ليلة، أي ذلك هو معناه احلقيقي،
والصوم مل يؤمر به إال بعد شهوده، وشهوده ال ميكن إال بتمامه، وذلك ممنوع فتعني
التأويل باجملاز أي حبمل لفظ الشهر على معىن جمازي، وهو أن املراد به أول ليلة منه من
تسمية البعض باسم الكل ليصح كون الصوم املأمور به بعد الشهود للشهر يف رمضان.
مث الدليل من كتـاب اللـــه مث دليـــل سنــــة األواه
يع ي أن الدليل الثالث من أدلة مذهب مالك اإلمجالية دليل اخلطاب من الكتاب
والسنة، وهو مفهوم الكخالفة منهما، وهو حجة عند مالك والشافعي وأنكره أبو حنيفة،
وهو دجري يف الشرط والغاية واحلصر والعدد والعلة والوصف والظرف.
مثال مفهوم الشرط من كتاب اهلل قوله تعاىل يف املطلقات البوائن وإن كن أوالت
محل فأنفقوا عليهن فمفهومه أن غري أوالت احلمل من املطلقات البوائن ال جتب على
الزوج هلن نفقة.
ومثاله من السنة قوله " من ابتاع طعاما فال يبعه حىت يستوفيه"، فمفهومه أن من
وهب له طعام دجوز بيعه قبل استيفائه، وهو كذلك عند مالك.
ومثاله يف الغاية من كتاب اهلل قوله تعاىل يف املطلقات ثالثا فإن طلقها أي الثالثة
فال حتل له حىت تنكح زوجا غريه ،فمفهومه أن املبتوتة إذا نكحت زوجاً غري زوجها
األول أي وطئها يف نكاح صحيح الزم أهنا حتل لزوجها األول إذا طلقها الثاين، وهو
كذلك أيضا.
ومثاله من السنة قوله " رفع القلم عن ثالثة: الصيب حىت يبلغ، واجملنون حىت يفيق،
والنائم حىت يستيقظ، فمفهوم الغاية أن الصيب إذا بلغ، واجملنون إذا أفاق، والنائم إذا
استيقظ ال يرفع عنهم القلم، بل يتعلق هبم خطاب اهلل باألحكام الشرعية، ألن معىن رفع
القلم رفع اخلطاب التكليفي.
9
ومثاله يف العدد من كتاب اهلل قوله تعاىل يف البكر الزاين الزانية والزاين فاجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة فمفهوم قوله مائة جلدة أن الزيادة على ذلك العدد والنقص منه
ال دجوز.
ومثاله من السنة قوله " إذا ولغ الكلب يف إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"
فمفهوم العدد أن الزيادة على السبع وأن النقص منها غري جائز.
ومثاله يف احلصر من كتاب اهلل قوله تعاىل ال يكلف اهلل نفسا إال وسعها أي
طاقتها، فمفهوم احلصر أن الذي يف الوسع من املأمورات هو الذي يكلف به.
ومثاله فيه من السنة قوله " ال يقبل اهلل صالة بغري طهور" أي وضوء أو غسل أو
بدهلما وهو التيمم ملن عجز عنهما، فمفهوم احلصر أن الصالة الواقعة بطهور مقبولة أي
صحيحة.
ومثاله يف الصفة من كتاب اهلل قوله تعاىل وربائبكم اليت يف حجوركم من نسائكم
اليت دخلتم هبن فمفهوم قوله الاليت دخلتم هبن أن الزوجة اليت مل يدخل هبا الزوج، وإمنا
عقد عليها فقط ال حترم عليه بنتها أي ال حيرم عليه نكاحها.
ومثاله فيها من السنة قوله " يف الغنم السائمة زكاة" فمفهوم الصفة أن املعلوفة ال
جتب فيها زكاة وهو كذلك عند غري مالك.
ومثاله يف الظرف من كتاب اهلل قوله تعاىل احلج أشهر معلومات وقوله وأنتم
عاكفون يف املساجد فمفهوم الظرف أن احلج يف غري تلك األشهر، واالعتكاف يف غري
املساجد غري مشروع وال حيل.
ومثاله فيه من السنة قوله " إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب
جهنم"، وقوله " إذا حلم أحدكم حلماً خيافه فليبصق عن يساره" فمفهوم الظرف أن
غري رمضان من الشهور ال تفتح فيه أبواب السماء وال تغلق فيه أبواب جهنم، وأن
البصاق عن اليمني أو عن األمام أو الوراء ال يؤمر به من حلم حلما خيافه.
وحمل كون دليل اخلطاب حجة شرعية ما مل يكن له مانع شرعي، وموانعه ستة:
منها كون ذكر القيد الذي هو الشرط أو الوصف أو غريمها من القيود اليت دجري
فيها دليل اخلطاب خارجا خمرج الغالب ال خمرج التقييد كقوله تعاىل وربائبكم الاليت يف
1
0
حجوركم فوصف الربائب بكوهنن يف حجر الزوج خرج خمرج الغالب، ألن الغالب يف
الربيبة أن تكون يف حجر زوج أمها، فليس مقصوداً به تقييد حترمي الربيبة على زوج أمها
مبا إذا كانت يف حجره فتحرم عليه وإن مل تكن يف حجره فال حترم، وهذا هو مذهب
مالك خالفاً للظاهري فإنه اعترب التقييد.
ومنها كون ذكر القيد ألجل االمتنان ال التقييد كقوله تعاىل وهو الذي سخر لكم
البحر لتأكلوا منه حلما طريا فوصف اللحم بالطراوة خرج خمرج امتنان اهلل على عبيده ال
ألجل تقييد جواز أكل اللحم بكونه طرياً فال دجوز أكل القديد.
ومنها خروج القيد خمرج التوكيد كقوله " :ال حيل المرأة تؤمن باهلل واليوم اآلخر
أن حتد على ميت إال على زوجها أربعة أشهر وعشراً" فوصف املرأة باإلميان باهلل واليوم
اآلخر خرج خمرج التأكيد ال لقصد التقيد، وإن كان غري املؤمنة كالكتابية حيل هلا اإلحداد
على غري الزوج فوق ثالث وال دجب عليها اإلحداد على الزوج أربعة أشهر وعشراً، بل
الكتابية اليت حتت املسلم واملسلمة يف ذلك سواء.
ومنها كون ذكر القيد ألجل بيان الواقع حنو قوله تعاىل: ال يتخذ املؤمنون الكافرين
أولياء من دون املؤمنني فتقييد النهي عن مواالة الكفار مبا إذا كانت من دون املؤمنني
خرج لبيان الواقع حني النهي فال يدل على جواز مواالهتم إذا مل تكن من دون املؤمنني،
بل مواالة الكفار مطلقاً سواء من دون املؤمنني أم ال.
ومنها املبالغة حنو قوله تعاىل يف النهي عن االستغفار للمنافقني إن تستغفر هلم
سبعني مرة فلن يغفر اهلل هلم فتقييد االستغفار بكونه إن وقع سبعني مرة ال ينفعهم خرج
خمرج املبالغة يف عدم الغفران، فال يدل على أن النيب إذا زاد على السبعني ينفعهم ذلك،
بل املراد أن استغفاره هلم ال ينفعهم ولو بلغ منتهى العدد.
ومنها كون القيد ذكر ألجل سؤال سائل عنه كقوله " :يف الغنم السائمة زكاة"
فتقييد الغنم بالسؤم إمنا كان ألن سائالً سأل النيب عن الغنم السائمة، فال يدل على أن
املعلوفة ال جتب فيها الزكاة، بل املعلوفة والسائمة سيام يف وجوب الزكاة، وهذا هو
مذهب مالك.
ومن أصولــه اليت هبـا يقـولْ تنبيـه قرآن وسنـة الرســولْ
1
1
هذا هو الرابع من أدلة مذهب مالك، يع ي أن من أصول مالك اليت هبا يقول هبا أي
حيتج هبا يف الشرعيات تنبيه اخلطاب من القرآن وتنبيه اخلطاب من سنة الرسول ويسمى
أيضا بفحوى اخلطاب، وهو مفهوم املوافقة، وإمنا مسي مفهوم املوافقة لكون املعىن
املسكوت عنه موافقاً للمعىن املنطوق به يف احلكم، وإمنا مسي بتنبيه اخلطاب ألن السامع
يتنبه عند اخلطاب باملعىن املنطوق به وحده إىل داللة اللفظ على معىن غري مذكور موافق
للمعىن املذكور يف احلكم باملساواة له فيه، واألولية به عنه.
فمثال مفهوم املساوي من القرآن قوله تعاىل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً
وتدل باملفهوم املوافق على مساواة إحراقه ألكله ظلماً يف التحرمي ألن العلة يف التحرمي
أكله ظلماً اإلتالف، وتلك العلة موجودة بتمامها يف إحراقه.
ومثال مفهوم األوىل من القرآن قوله تعاىل فال تقل هلما أف فإن اآلية تدل
باملنطوق على حترمي التأفيف على الوالدين، وتدل باملفهوم املوافق على أن ضربه هلما أوىل
بالتحرمي من التأفيف، ألن العلة يف حترمي التأفيف عليهما هي اإليذاء، وتلك العلة أمت يف
الضرب منها يف التأفيف.
ومثال تنبيه اخلطاب املساوي للمنطوق يف احلكم من السنة قوله الثابت يف
البخاري: "من ابتاع عبداً فماله للذي باعه إال أن يشترطه املبتاع"، فإنه يدل باملنطوق
على أن مال العبد املبيع للبائع إال أن يشترطه املشتري، ويدل باملفهوم املوافق على أن مال
األمة املبيعة مساو ملال العبد املبيع فيما ذكر.
ومثال تنبيه اخلطاب األوىل باحلكم من املنطوق من السنة قوله الثابت يف البخاري
أيضا: "لو دعيت إىل كراع ألجبت، ولو أهدي إيل كراع لقبلته"، فإنه يدل باملنطوق على
أن إجابة الداعي إىل كراع وقبول الكراع هدية سنة، ويدل باملفهوم املوافق على أن ما هو
أكثر من الكراع أوىل بسنية القبول وإجابة الداعي إليه.
قال يف مجع اجلوامع: قال الشافعي واإلمامان إمام احلرمني واإلمام الرازي: إن تنبيه
اخلطاب من باب القياس اجللي، وقيل من باب داللة اللفظ. يع ي أن اللفظ الدال على
املنطوق دل عليه فال حيتاج للقياس، واختلف يف كيفية داللته عليه، فقال الغزايل واآلمدي
1
2
إهنا جمازية من باب إطالق األخص، وهو منع التأفيف واألكل يف آييت الوالدين واليتيم
على األعم وهو منع اإليذاء؛
قلت: وهو جماز مرسل، وقيل إن داللة اللفظ على تنبيه اخلطاب حقيقة عرفية، وإن
العرف نقل لفظ التأفيف ولفظ األكل يف اآليتني مثالً على معنامها األخص إىل معىن
يعمهما وغريمها وهو اإليذاء يف األول واإلتالف يف الثاين ليكون الضرب واإلحراق يف
منطوق اآليتني عرفاً.
وحجة لديـه مفهوم الكتــاب وسنة اهلادي إىل هنـج الصـواب
يع ي أن مفهوم الكتاب والسنة سنة النيب اهلادي إىل طريق الصواب حجة شرعية
عند مالك، يع ي أنه من أدلة مالك اليت يستدل هبا وهو اخلامس من األدلة املعدودة يف
النظم؛ واملراد باملفهوم عنده داللة االقتضاء. واالقتضاء على قسمني تصرحيي وتلوحيي:
فالتصرحيي: هو أن يدل اللفظ داللة التزام على معىن ال يستقل املعىن األصلي بدونه
لتوقف صدقه أو صحته عليه عادة أو عقالً أو شرعاً، مع أن اللفظ ال يقتضيه.
مثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه عادة من الكتاب قوله تعاىل وأوحينا إىل
موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فمنطوق اآلية أن اهلل عز وجل أمر موسى أن
يضرب البحر بعصاه، وأن البحر انفلق، ومفهومها تقدير "فضربه" قبل قوله: "فانفلق" ألن
هذا املنطوق ال عادة بدون هذا املفهوم الذي تقديره "فضربه" قبل قوله "فانفلق"، ألن
االنفالق مسبب عادي عن الضرب، ووجود املسبب بدون سبب حمال عادة.
ومثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه عقال قوله تعاىل واسأل القرية فمنطوق
اآلية األمر بسؤال القرية أي األبنية اجملتمعة، وصحة ذلك عقالً متوقفة على املفهوم الذي
هو تقدير األهل قبل قوله القرية، ألن سؤال القرية نفسها حمال عقالً.
ومثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه شرعاً قوله تعاىل وأقيموا الصالة
فمنطوق اآلية األمر بإقامة الصالة وهو املنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير األمر
بالطهارة قبلها.
1
3
وكقوله تعاىل أحلت لكم هبيمة األنعام فمنطوق اآلية أن هبيمة األنعام حالل،
وهذا املنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير التناول أي أحل لكم تناوهلا الشامل لألكل
وغريه.
ومثال املفهوم املتوقف صدق الكالم عليه عقال من السنة قوله " :رفع عن أميت
اخلطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فإن منطوق احلديث أن اخلطأ والنسيان واإلكراه
مرفوعة عن هذه األمة، وصدق هذا الكالم متوقف عقالً على املؤاخذة، أي رفع عن أميت
املؤاخذة باخلطأ اخل؛ ألن نفس اخلطأ والنسيان واإلكراه غري مرفوع عن هذه األمة ملشاهدة
حسا
وقوع هذه الثالثة منهم ًّ.
وأما االقتضاء التلوحيي: فهو أن يدل اللفظ داللة التزام على معىن يلزم من املعىن
األصلي لكن ال يتوقف عليه صدقه وال صحته ال عقال وال شرعا وال عادة، وال يتوجه إليه
القصد عادة مثاله من الكتاب قوله تعاىل أحل لكم ليلة الصيام الرفث إىل نسائكم
فمنطوق اآلية جواز اجلماع يف كل جزء من الليل حىت اجلزء األخري منه املالقي للصباح،
وذلك يلزم منه جواز اإلصباح باجلنابة يف رمضان.
ومثاله من السنة قوله " :النساء ناقصات عقل ودين" قيل: وما نقصان دينهن؟ قال
" :متكث إحداهن شطر دهرها ال تصلي" ، فمنطوق احلديث تبيني نقصان دين النساء
بكوهنن ميكثن شطر الدهر ال يصلني، وذلك يلزم منه أن أكثر أمد احليض مخسة عشر
ُن
يوماً، ألن املقام مقام مبالغة يف ذم النساء بنقص العقل والدين، فلو ك َّ ميكثن يف احليض
أكثر من ذلك لذكره، ومخسة عشر يوماً هي شطر الدهر. ومعىن كون املعىن املفهوم
باللزوم يف اآلية واحلديث ال يتوجه إليه القصد عادة أن املتكلم مبثل هذا الكالم يف عرف
الناس ال يقصد هذا املعىن، ال أن اهلل تعاىل غري قاصد له تعاىل عن ذلك علوا كبرياً، بل هو
املطلع على كل خفي وجلي.
مثت تنبيــه كتـاب َّــه مث تنبيه سنة الذي جـاهاً عظــم
الل
يع ي أن من أدلة مذهب مالك التنبيه من كتاب اهلل أو من سنة النيب الذي عظم
جاهه عند اهلل، وداللة التنبيه من قبيل داللة اللزوم، وتسمى بداللة اإلمياء.
1
4
وهي: أن يقرن الوصف حبكم لو مل يكن اقتران الوصف بذلك احلكم لبيان كونه
علة له لعابه الفطن مبقاصد الكالم، ألنه ال يليق بالفصاحة.
مثاله من الكتاب قوله تعاىل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فإن اقتران األمر
بقطع يد السارق مع وصفه بالسرقة يدل باللزوم على أن السرقة هي علة القطع شرعاً، إذ
لو مل تكن علة له لكان الكالم غري بليغ.
ومثاله من السنة قوله لألعرايب ـ الذي قال له واقعت أهلي يف هنار رمضان ـ :
"اعتق رقبة اخل"، فإن اقتران األمر بالتكفري مع وصف األعرايب لنفسه بالوقاع يف هنار
رمضان يدل باللزوم على أن الوقاع علة لألمر بالتكفري بالعتق أو اإلطعام أو الصوم يف
الشرع؛ إذ لو مل يكن علة له لكان الكالم غري بليغ، بل يكون غري جواب أي غري مفيد.
مثت إمجـاع وقيـس وعمــل مدينة الرسول أسـخى من بـذل
(مثت إمجاع) يع ي أن اإلمجاع دليل من أدلة مذهب مالك،
وهو لغةً: العزم، واصطالحاً: اتفاق العلماء اجملتهدين من هذه الألمة بعد وفاة النيب
يف أي عصر سواء كان يف عصر الصحابة أم ال، وسواء كان املتفق عليه حكماً شرعياً
كحلية النكاح، أو لغوياً ككون الفاء للتعقيب أو عقليا كحدوث العامل، أو دنيوياً كتدبري
اجليوش.
وال يعترب فيه وفاق العوام مع اجملتهدين، واملراد بالعوام من مل يبلغ درجة االجتهاد،
فيدخل جمتهد الفتوى، وجمتهد املذهب، أي فيعترب وفاقهم للمجتهدين املطلقني، وال ينعقد
مع خمالفة إمام معترب كابن عباس من الصحابة، والزهري من التابعني، وكاألوزاعي من
تابع التابعني.
والبد له من مستند من كتاب أو سنة أو قياس؛ وال يشترط فيه انقراض عصر
اجملمعني وال كوهنم على عدد التواتر؛ وهو حجة شرعية عند مجيع أهل السنة لقوله تعاىل
ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبني له اهلدى ويتبع غري سبيل املؤمنني نوله ما توىل
ونصله جهنم وساءت مصرياً ،وقوله " :ال جتتمع أميت على ضاللة".
وهو على قسمني: نطقي وسكويت، فالنطقي هو أن يكون اجتماع اجملتهدين على
احلكم بالنطق به من كل واحد منهم،
1
5
والسكويت هو أن ينطق به بعضهم ويسكت الباقون، وهو حجة ظنية؛
والنطقي على قسمني قطعي وظ ي، فالقطعي منه املشاهد أو املنقول بالتواتر؛ والظ ي
هو املنقول خبرب اآلحاد الصحيح، وهو حجة ظنية. والقطعي حجة قطعية، وهو الذي مينع
خرقه إلحداث قول زائد، ويقدم على ما عارضه من الكتاب والسنة والقياس ولو اجللي،
ألن الكتاب والسنة يقبالن النسخ والتأويل، والقياس حيتمل املعارض أو فوت شرط من
شروطه، واإلمجاع معصوم من هذا كله.
ومل خيالف يف حجية اإلمجاع إال الروافض واخلوارج والشيعة والنظام، وخالفهم
لغو، ألهنم ليسوا من أهل السنة، ومن جحد حجيته مل يكفر لكنه ابتدع شنيعة.
واجملمع عليه على ثالثة أقسام: ضروري ومشهور ونظري. فالضروري هو الذي
يكفر جاحده بال خالف كتحرمي الزنا أعاذنا اهلل منه. واملشهور يكفر جاحده على
املشهور إن كان منصوصاً يف الكتاب والسنة، ألن جحده تكذيب للشارع، مثاله ربا
اجلاهلية وربا النساء. وأما النظري فال يكفر جاحده اتفاقا ولو كان منصوصاً يف الكتاب
والسنة، كفساد احلج بالوطء قبل الوقوف، وكاستحقاق بنت االبن السدس مع بنت
الصلب، فإن هذين جممع عليهما ولكنهما نظريان.
(وقيس) يع ي أن من أدلة مذهب مالك رمحه اهلل القياس الشرعي، وهو لغة التقدير
والتسوية، قال الفهري: والنظر فيه من أهم أصول الفقه إذ هو أصل الرأي وينبوع الفقه،
ومنه تتشعب الفروع، وهو جل العلم.
وحده اصطالحاً: محل معلوم على معلوم ملساواته يف علة احلكم عند احلامل. فخرج
احلكم الثابت بالكتاب أو السنة فال يسمى قياساً، ودخل بقوله عند احلامل القياس الفاسد
يف نفس األمر ألنه قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح.
وأركانه أربعة، األول: املقيس عليه، وهو حمل احلكم املشبه به كالرب، والثاين: حكم
األصل كتحرمي الربا يف الرب، والثالث: الفرع، وهو حمل احلكم املشبه وهو كالدخن مثال
يف القياسه على الرب، والرابع: العلة، وهو الوصف اجلامع بني املقيس واملقيس عليه
كاالقتيات واالدخار يف قياس الدخن على الرب.
1
6
وهو مقدم على خرب الواحد عند مالك إذا تعارض معه، ألن اخلرب متضمن للحكم
فقط، والقياس متضمن للحكم واحلكمة أي العلة؛ ودجري يف الكفارة والتقدير واحلدود
على املشهور.
مثاله يف الكفارة قياس رقبة الظهار على رقبة القتل يف اشتراط اإلميان فيها جبامع كل
منهما كفارة. ومثاله يف التقدير قياس أقل الصداق على أقل نصاب السرقة يف جعله ربع
دينار جبامع كون كل منهما الستباحة عضو. ومثاله يف احلدود قياس الالئط على الزاين يف
لزوم احلد جبامع إيالج فرج يف فرج مشتهى طبعاً حمرم شرعاً.
وال دجري يف الرخص وال األسباب وال الشروط وال املوانع.
أما الرخص فألهنا ال يعقل معناها، وألهنا خمالفة للدليل. والقياس عليها يؤدي إىل
كثرة املخالفة فوجب أنه ال دجوز. وأما األسباب والشروط واملوانع فألن القياس عليها
يستلزم نفي السببية والشرطية واملانعية من خصوص املقيس واملقيس عليه، إذ دجعل السبب
أوالشرط أو املانع هو املعىن املشترك بني املقيس واملقيس عليه. وما سوى ما ذكر من
األحكام الشرعية دجري فيه القياس اتفاقاً.
(وعمل مدينة الرسول أسخى من بذل) يع ي أن عمل مدينة النيب الذين أمجعوا
عليه من أهل مذهب مالك، واملراد هبم الصحابة والتابعون لكن بشرط أن يكون فيما ال
جمال للرأي فيه من األحكام الشرعية، وقيل إن عملهم حجة مطلقا أي ولو يف احلكم
االجتهادي. وحجة القولني قوله " :املدينة كالكري تنفي خبثها" واخلطأ خبث فوجب
نفيه عنهم، وألهنم أعرف بالوحي لسكناهم مبحله، وهو مقدم عند مالك على اخلرب
اآلحادي.
ومذهب اجلمهور أنه ال يقدم عليه، وليس حبجة شرعية استقالالً، ألهنم بعض األمة
بل إذا وافقهم عملهم دليالً من أدلة الشرع قواه على معارضها اتفاقاً. مثاله عند مالك
احتجاجه على نفي خيار اجمللس يف البيع بأنه وجد عمل أهل املدينة على نفيه، وقدمه على
احلديث الصحيح وهو قوله " :البائعان باخليار ما مل يتفرقا".
وهو اقتفـاء ما لـه رحجــان وقول صحبـه واالستحســان
1
7
(وقول صحبه) يع ي أن القول املروي عن أصحاب رسول اهلل من أدلة مذهب
مالك، يع ي أنه حجة شرعية عند مالك سواء كان الصحايب إماماً أو مفتياً أو حاكماً،
وسواء كان قوالً أو فعالً.
واملراد بقول الصحايب رأيه الصادر عن اجتهاده، ويشترط فيه عند مالك أن يكون
منتشراً، ومل يظهر له خمالف، نقله الباجي عن مالك.
ومعىن كونه حجة أن اجملتهد التابعي إىل هلم جرا دجب عليه اتباعه، وال جتوز
خمالفته، وأما اجملتهد الصحايب فليس حجة عليه قول غريه من الصحابة.
(واالستحسان) يع ي أن االستحسان من أدلة مالك اليت حيتج هبا يف الشرعيات.
واختلف يف تفسريه، فقيل: (هو اقتفاء ما له رجحان) أي هو اتباع الدليل الراجح على
معارضه من األدلة الشرعية، وهو على هذا التفسري ال خمالف يف وجوب العمل به لإلمجاع
على وجوب العمل بالراجح من الدليلني املتعارضني.
وقيـل بل هـو دليـل ينقـذف يف نفس من باالجتهـاد يتصـف
(وقيل) أي وقال بعض املالكية (بل هو دليل ينقذف) أي يقذفه اهلل (يف نفس من
باالجتهاد يتصف) أي يف ذهن العامل املتصف باالجتهاد املطلق حىت ينقدح فيه وينشرح
له.
عنه فال يعلـم كيـف خيبــر ولكن التعبيـر عنـه1 يقصــر
(ولكن التعبري منه) أي من اجملتهد (يقصر عنه) أي يقصر عن الدليل الذي قذف اهلل
يف قلبه (فال يعلم كيف خيرب) أي فال يعلم كيف اإلخبار أي التعبري عن الدليل املقذوف يف
ذهنه والشرح له يف قلبه، وهو على هذا التفسري مردود على الصحيح كما قال يف "الغيث
اهلامع" قال ابن احلاجب: ألنه إن مل يتحقق كونه دليالً فمردود اتفاقا، وإن حتقق ذلك
فمعترب اتفاقا، ورده البيضاوي بأنه البد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده، ألن ما
ينقدح يف نفس اجملتهد قد يكون ومهاً ال عربة به؛ وقال ابن احلاجب: تصوره عندي
كاملمتنع، ألن من أوصاف اجملتهد البالغة، والبليغ هو الذي يبلغ بعبارته كنه مراده،
فكيف ينقدح يف ذهنه دليل ويعجز عن التعبري عنه.
1 هذا املثبت يف املنظومة الواردة يف آخر الكتاب، لكن املثبت أثناء الشرح (منه) والسياق يؤيده.
1
8
وممن أنكره الشافعي وقال: من استحسن فقد شرع؛ وعمل به مالك، رواه عنه
البصريون من أصحابه، وأنكره العراقيون منهم؛ وقال به أيضا أبو حنيفة وبعض احلنابلة.
وقال األبياري: إن االستحسان هو األخذ باملصلحة اجلزئية الكائنة يف مقابلة دليل
كلي، كما إذا اختار بعض ورثة املشتري باخليار الرد، واختار بعضهم اإلمضاء، فالقياس
الكلي رد اجلميع ألهنم ورثوا عنه اخليار ويف تبعيضه دخول الضرر على البائع، واملصلحة
اجلزئية أخذ اجمليز اجلميع؛ وإمنا استحسن األخذ هبا وتقدميها على القياس الكلي ألن فيه
ارتكابا ألخف الضررين، ألن اجمليز تعارض له ضرران أحدمها رد اجلميع فيفوته غرضه من
املبيع بالكلية، والثاين أخذه جبميع املبيع وليس غرضه إال يف بعضه، وهذا أخف، ألن ضرر
أخذ اإلنسان ملا ال غرض فيه أخف من ضرر فوات غرضه بالكلية. ومعىن كون رد اجلميع
هو القياس الكلي أن البائع باع متاعه مجلة، فالقياس إذا رد إليه بعضه أن يرد إليه مجيعه،
ألن يف رد البعض إليه ضرراً به.
وقال أشهب: إن االستحسان هو ختصيص الدليل العام بالعادة ملصلحة الناس يف
ذلك، كاستحسان دخول احلمام من غري تعيني بزمن املكث وقدر املاء، مع أن الدليل
الشرعي العام مينع ذلك، ألنه داخل يف القدر املنهي عنه يف احلديث للجهل بالثمن وهو
املاء ومقدار املكث. وكذا شراء الشرب من القربة من غري تعيني قدره ألنه قدر يسري معفو
عنه استحساناً؛ وإمنا استحسن جواز هذين األمرين ألن املكايسة فيهما بتعني قدر املاء
املغتسل به وقدر املكث يف احلمام يف األوىل، وقدر املاء املشروب يف الثانية قبيحة عادة.
وهو على هذا التفسري خمتلف فيه، والصحيح رده ألن تلك العادة إن كانت يف زمن النيب
وأقرها فهو ثابت بالسنة، وإن كانت يف زمن اجملتهدين ومل ينكروها فهو إمجاع
سكويت، وإال فهي مردودة إمجاعا.
وسـد أبواب ذرائـع الفســاد فمالـك لـه على ذه اعتمــاد
يع ي أن سد أبواب الوسائل إىل الفساد من أدلة مالك اليت حيتج هبا يف الشرعيات
ويعتمد عليها، فمىت كان الفعل السامل من املفسدة وسيلة إىل مفسدة منعنا منه، وهذا
خاص مبذهب مالك.
1
9
وقد أمجعت األمة على أن وسائل الفساد على ثالثة أقسام: قسم متفق على منعه،
وقسم متفق على جوازه، وقسم خمتلف فيه. فاملتفق على منعه كسب الصنم عند عابديه
الذين يسبون اهلل عند سبه، وكحفر اآلبار يف طرق املسلمني، وإلقاء السم يف أطعمتهم،
ألن يف هذين وسيلة إىل إهالك املسلمني، فهذه الوسائل الثالثة حمرمة إمجاعاً. والقسم
املتفق على جوازه كغرس شجر العنب مع أنه وسيلة إىل عصر اخلمر منها، وكالشركة يف
سكىن الدور مع أهنا وسيلة إىل الزنا، فإن هاتني الوسيلتني جائزتان إمجاعاً. والقسم
املختلف فيه مل مينعه إال مالك كبيوع اآلجال فإهنا وسيلة إىل الربا، ومل مينعها إال مالك،
وكدعوى األمة فإن مالكاً منع توجيه اليمني فيها على املدعى عليه مبجردها، وأما دعوى
املال فيتوجه اليمني على املدعى عليه مبجردها؛ قال يف التنقيح: واعلم أن الذريعة كما
دجب سدها دجب فتحها ويندب ويكره ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة
احملرم حمرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة كالسعي إىل اجلمعة واحلج.
وموارد األحكام على قسمني: مقاصد وهي املتضمنة للمصاحل واملفاسد يف نفسها،
ووسائل وهي الطرق املفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من حتليل وحترمي غري
أهنا أخفض رتبة من املقاصد يف حكمها، فالوسيلة إىل أفضل املقاصد هي أفضل الوسائل،
وإىل أقبح املقاصد هي أقبح الوسائل، وإىل ما يتوسط متوسطة، ويدل على اعتبار الوسائل
قوله تعاىل ذلك بأهنم ال يصيبهم ظمأ وال خممصة إىل قوله إال كتب هلم به عمل
صاحل فأثاهبم اهلل على الظمأ والنصب وإن مل يكونا من فعلهم ألهنما حصال بسبب
التوسل إىل اجلهاد الذي هو وسيلة إىل إعزاز الدين وصون املسلمني باستعداد وسيلة
الوسيلة.
قاعدة: كلما سقط اعتبار املقصد سقط اعتبار الوسيلة ألهنا تبع له، وقد خولفت
هذه القاعدة يف إمرار املوسى على رأس من ال شعر له يف احلج، مع أنه وسيلة إىل إزالة
الشعر فيحتاج إىل ما يدل على أنه مقصود يف نفسه وإال فهو مشكل.
تنبيه: قد تكون وسيلة احملرم غري حمرمة إذا أفضت إىل مصلحة راجحة كالتوسل إىل
فداء األسارى بدفع املال للعدو الذين حرم عليهم االنتفاع به لكوهنم خماطبني بفروع
2
0
الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل ليأكله حراماً حىت ال يزين بامرأة إذا عجز عن ذلك إال
به، وكدفع املال للمحارب حىت ال يقتتل هو وصاحب املال، واشترط مالك فيه اليسارة.
قلت: فقد تبني من كالم القرايف هذا أن املداراة وسيلة إىل حرام، وهو أكل
اللصوص للمال احملرم عليهم ألهنم خياطبون بفروع إمجاعاً، ألهنم مؤمنون فليسوا كالكفار
احلربيني يف مسألة القرايف؛ وإذا كانت املداراة وسيلة إىل حمرم كام الدليل الكلي يقتضي
حترميها ألن وسيلة احملرم حمرمة إال إذا أفضت إىل مصلحة أرجح من احملرم املتوسل إليه هبا
كما يف فداء األسارى من أيدي الكفار باملال، فإنه يفضي إىل مصلحة هي ختليص أنفس
املسلمني، وتلك املصلحة هي أرجح من احملرم املتوسل إليه هبا الذي هو أكل الكفار للمال
حراماً. وأما املداراة باملصلحة املفضية إليها وهي ختليص املال من اللصوص ليست بأرجح
من احملرم املتوسل إليه هبا الذي هو أكل اللصوص للمال حراماً، ألن ختليص املال باملال يف
املداراة ال يساوي ختليص نفوس األسارى باملال يف مسألة القرايف، ولو فرضنا أن املصلحة
يف املداراة أرجح من احملرم الناشئ عنها لكانت غايتها اجلواز ألن األصل يف وسيلة احملرم
التحرمي، وإذا انتفى غريه بقي اجلواز فقط، إذ ال ميكن أن تكون وسيلة احملرم واجبة، وإذا
مل تكن املداراة واجبة مل تكن الزمة ملن وديت عنه بغري إذنه فأحرى إن وديت عليه بغري
رضاه، وال دجرب عليها من أباها ألن اجلائز لإلنسان فعله وتركه ال يلزمه أداؤه ملن وداه عنه
بغري إذنه إمجاعاً، ألنه ودى عنه للصوص حقاً غري واجب عليه وأوصل إليه نفعاً ال يلزمه
إيصاله إىل نفسه.
وحجـة لديـه االستصحــاب ورأيــه يف ذاك ال يعـــاب
يع ي االستصحاب حجة شرعية لدى مالك، فهو من أدلة مذهبه، (ورأيه يف ذلك)
أي يف جعله حجة شرعية (ال يعاب) أي ال يرد وال ينتقد عند أهل النظر الصحيح يف
العلم الشرعي. وهو على قسمني: استصحاب العدم األصلي واستصحاب ثبوت ما دل
الشرع على ثبوته لوجود سببه حىت يثبت نفيه.
فاألول هو املسمى بالرباءة األصلية، وهو انتفاء األحكام الشرعية يف حقنا حىت يدل
دليل على ثبوهتا، وال يكون حجة شرعية إال بعد البحث عن دليل من كتاب أو سنة يدل
2
1
ح
على خالف العدم األصلي، فإن مل يوجد ُكِم برباءة الذمة من التكليف وهذه إباحة
عقلية، واألصل فيه قوله تعاىل وما كنا معذبني حىت نبعث رسوال.
وخالف يف الدليل األهبري وأبو الفرج منا وطائفة من الفقهاء، فقال األهبري األصل
يف األشياء قبل ورود الشرع املنع واحتج بقوله تعاىل وما أتاكم الرسول فخذوه فمفهوم
اآلية أن ما مل يأت به الرسول بأن مل يوجد عليه دليل من كتاب أو سنة أنه ال دجوز
األخذ به، وقوله تعاىل يسألونك ماذا أحل هلم فمفهوم اآلية أن املتقدم قبل احلل املنع،
وقوله تعاىل أحلت لكم هبيمة األنعام فمفهوم اآلية أن األنعام كانت قبل ورود اآلية
حمرمة عليهم.
وقال أبو الفرج األصل يف األشياء قبل ورود الشرع اإلباحة الشرعية ال العقلية،
وحجته قوله تعاىل هو الذي خلق لكم ما يف األرض مجيعا ،وقوله تعاىل وأعطى كل
شيء خلقه ،فمعىن اآليتني أن األشياء خلقت مباحة لب ي آدم، والتحرمي يف بعضها طارٍ
على اإلباحة.
وتظهر فائدة هذا اخلالف عند عدم األدلة الشرعية أو تعارضها يف شيء خاص، قاله
القرايف وحنوه للمازري؛ فعلى قول األهبري يكون احلكم يف الشيء الذي تعارضت فيه
األدلة أو عدمت هو املنع، وعلى قول أيب الفرج يكون فيه اإلباحة. قال يف "الضياء
الالمع" قال املازري كأكل التراب.
وفصل بعض الفقهاء يف الشيء الذي تعارضت فيه األدلة أو عدمت فقال إن كان
مضرا
ذلك الشيء ًّ فهو منهي عنه كراهة أو حترمياً على قدر مرتبته يف املضرة كأكل التراب
وشرب تبغة ومشها، لقوله " الضرر وال ضرار" أي يف ديننا، وإن كان نافعاً كأكل
فاكهة مبجرد التشهي والتفكه فهو مأذون فيه إباحة أو ندباً أو وجوباً على مرتبته يف النفع
لقوله تعالة هو الذي خلق لكم ما يف األرض مجيعاً وال مين إال جبائز فيه نفع.
والنوع الثاين من االستصحاب هو معىن قول الفقهاء: األصل بقاء ما كان على ما
كان، ومعناه أن الشيء الذي دل الشرع على ثبوته لوجود سببه دجب احلكم باستصحابه
حىت يدل دليل على نفيه، كثبوت امللك لوجود سببه الذي هو الشراء، فيحكم به حىت
يثبت زواله، وكثبوت شغل الذمة لوجود سببه الذي هو االلتزام أو االتالف فيحكم به
2
2
حىت يثبت براءهتا بالبينة أو اإلقرار. وهذا األصل حجة شرعية عند األكثر من العلماء
وخالف فيه أبوحنيفة، وحجته أن االستصحاب يعم كل شيء، وإذا كثر عموم الشيء
كثرت خمصصاته، وما كثرت خمصصاته ضعفت داللته، فال يكون حجة شرعية، وأجيب
بأن الظن ضعيف دجب اتباعه حىت يوجد معارضه الراجح.
وخرب الواحد حجـة لديـــه بعض فروع الفقـه تنب ي عليــه
يع ي أن اخلرب أي احلديث والفعل والتقرير الذي رواه واحد عدل فطن مأمون ثقة أو
من يف حكمه عن رسول اهلل حجة شرعية عند مالك بىن عليه بعض فروع الفقه يف
مذهبه، ومفاده الظن، وهو اخلرب العاري عن قيود املتواتر بأن كان خرب واحد عدل أو
خرب مجع ال ميتنع تواطؤهم على الكذب عادة كاالثنني والثالثة واألربعة، وهو على
قسمني: مستفيض وغري مستفيض، فاألول ما زاد على ثالثة وقيل على اثنني وقيل على
واحد، والثاين ما دون ذلك وهو ما رواه واحد أو اثنان أو ثالثة، وقيل إن املستفيض
واسطة بني اخلرب املروي بعدد التواتر وخرب الواحد؛ فاملتواتر هو خرب اجلمع الذي ميتنع
تواطؤهم على الكذب عادة عن حمسوس وهو يفيد العلم الضروري، واملستفيض ما رواه
مجع ال ميتنع تواطؤهم على الكذب عادة وهو يفيد العلم النظري. واآلحادي خرب الواحد
العدل وهو يفيد الظن. وقال ابن خويز منداد أنه يفيد العلم إذا كان راويه عدالً، واختار
ابن احلاجب قوله، وقيده مبا إذا احتفت به قرينة منفصلة زائدة على العدالة مثل ما أخرجه
الشيخان أو أحدمها ملا احتف به من القرائن منها: جاللتهما يف هذا الشأن، وتقدمهما يف
متييز الصحيح على غريمها، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وقال ابن حجر وهذا التلقي
وحده أقوى يف إفادة العلم من جمرد كثرة الطرق.
وانعقد اإلمجاع من لدن حممد إىل اآلن على وجوب العمل خبرب الواحد يف
الشهادة والفتوى وحكم احلاكم واألمور الدنياوية كاختاذ األدوية واألغذية والتجارة
والسفر. ومذهب مالك والشافعي وأمحد وأيب حنيفة والفقهاء واألصوليني وجوب العمل
به يف سائر األمور الدنياوية ، واختلفوا هل وجوب العمل به ثابت بالشرع أو بالعقل
والشرع معا؛ حجة األول قوله تعاىل يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أي
فتثبتوا حىت يتبني لكم صدق ما قال، فموجب التثبت كون املخرب فاسقاً، فمفهومه أن خرب
2
3
الصاحل يعمل به بال تثبت، واإلمجاع السكويت أيضاً فإن الصحابة استدلوا خبرب الواحد
وعملوا به واحتجوا به وشاع ذلك بينهم من غري نكري. وحجة الثاين من الشرع اآلية
واإلمجاع السكويت املذكوران، ومن العقل أنه لو مل دجب العمل به لعطلت األحكام املدونة
خبرب الواحد، وهي كثرية جدا، وال سبيل إىل القول بتعطيلها.
وباملصالـح عَنيـ ُ املرسلــه لـه احتجاج حفظتـه النقلــه
ت
يع ي أن مالكاً نقل عنه االحتجاج باملصاحل املرسلة أي املطلقة من االعتبار
واإللغاء، أي اليت مل يرد عن الشارع أمر جبلبها وال هني عنها بل سكت عنها، ألن املصاحل
على ثالثة أقسام:
األوىل: املصلحة املعتربة شرعاً أي اليت أمر الشارع العباد جبلبها ألنفسهم كمصلحة
حفظ العقل فإن الشارع أمر جبلبها إمجاعاً، ولذلك حيرم استعمال كل مأكول أو مشروب
أو مشموم يزيل العقل بالقياس على اخلمر.
الثانية: امللغاة شرعاً أي اليت هنى الشارع العباد عن جلبها ألنفسهم كمصلحة
ارتداع امللك عن اجلماع يف هنار رمضان فإهنا ال جتلب له إال بإلزامه التكفري بصوم شهرين
متتابعني فال ختيري بينه وبني اإلطعام والعتق لسهولة بذل املال عليه يف شهوة الفرج؛ وقد
ألغى الشارع هذه املصلحة بتخيري اجملامع يف هنار رمضان يف التكفري بني الصوم واإلطعام
والعتق، ومل يفرق بني امللك وغريه، وكمصلحة التقوي على احلصاد ومحل األثقال فإهنا ال
جتلب للعامل إال بإباحة الفطر له يف رمضان وقد ألغاها الشارع بإلزمه الصوم بقولهفمن
شهد منكم الشهر فليصمه فلذلك مل يقسه الفقهاء على املسافر يف إباحة الفطر جبامع
املشقة، فال دجوز له الفطر فيه إال إذا خاف يف أثناء النهار أنه إذا متادى على الصوم إىل
الغروب أورث ذلك له مرضاً أو هالكاً.
الثالثة: املصلحة املرسلة أي املطلقة من االعتبار واإللغاء وهي حجة عند مالك،
ومعىن احتجاجه أنه يأمر جبلبها ويقيس عليها كمصلحة اإلقرار من املتهم بالسرقة، فإن
مالكاً يبيح جلبها بضربه حىت يقر وحجته يف العمل هبا أن الصحابة عملوا هبا، فإن من
املقطوع به أهنم كانوا يتعلقون باملصاحل يف وجوه الرأي ما مل يدل دليل شرعي على منعها
ككتابتهم للمصحف ونقطهم وشكلهم له ألجل حفظه من النسيان، وكحرق عثمان
2
4
للمصاحف ومجع الناس على مصحف واحد خوف االختالف يف الدين، فجواز الكتابة
واحلرق هو احلكم املعمول به ألجل املصلحة املرسلة اليت هي احلفظ من النسيان والسالمة
من االختالف يف الدين. وأىب عن االحتجاج هبا كبار أصحاب مالك ومجهور العلماء
وقالوا ال دجوز ضرب املتهم بالسرقة ليقر ألنه قد يكون بريئاً، وترك الضرب ملذنب أهون
من ضرب بريء، وقال الغزايل إمنا دجوز العمل هبا إذا كانت يف حمل الضرورة بأن كانت
إذا مل جتلب أدى ذلك هلالك الدين أو النفس أو العقل أو النسب أو املال أو العرض بشرط
أن تكون كلية أي عامة على بالد اإلسالم، وأن تكون قطعية الوقوع، مثال استعماهلا رمي
الكفار املتترسني بأسرى املسلمني يف احلرب املؤدي إىل قتل الترس معهم إذا قطع أو ظن
ظناً قريباً من القطع بأهنم إن مل يرموا استأصلوا املسلمني بالقتل الترس وغريه، وإن رموا
سلم غري الترس من املسلمني فيجوز رميهم حلفظ باقي األمة، فاحلكم هو جواز رمي
الكفار مع الترس، واملصلحة املرسلة حفظ سائر املسلمني، وهذه املصلحة واقعة يف حمل
الضرورة ألهنا إذا مل جتلب أدى ذلك إىل هالك نفوس مجيع املسلمني ووقوعها قطعي، ألن
الرمي يدفعهم عن املسلمني قطعاً وهي عامة على املسلمني.
بـه وعنـه كان طورا يعــدل ورعي خلف كان طورا يعمــل
يع ي أن رعي اخللف أي مراعاة اخلالف من أدلة مالك اليت كان يستدل هبا لكنه
يعمل هبا تارة ويعدل عنها تارة أخرى فال احتجاج هبا دائماً.
ورعي اخللف: هو إعمال اجملتهد لدليل خصمه أي اجملتهد املخالف له يف الزم
مدلوله الذي أعمل يف عكسه دليال آخر، مثاله: إعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم
فسخ نكاح الشغار يف الزم مدلوله الذي هو ثبوت اإلرث بني الزوجني املتزوجني بالشغار
إذا مات أحدمها، وهذا املدلول هو عدم الفسخ، وأعمل مالك يف نقيضه وهو الفسخ دليال
آخر، فمذهبه وجوب فسخ نكاح الشغار وثبوت اإلرث بني املتزوجني به إذا مات
أحدمها واعترضه عياض بأنه خمالف للقياس الشرعي؛ ألن القياس الشرعي أن دجري اجملتهد
على مقتضى الدليل، واعترضه أيضاً بأنه غري مطرد يف كل مسألة خالف، وذلك مشكل
ألنه إن كان حجة عمت يف كل مسألة وإال بطلت، ألن ختصيصه ببعض مسائل اخلالف
حتكم أي ترجيح بال مرجح.
2
5
وأجاب ابن عرفة بأن رعي اخللف حجة يف بعض املسائل دون بعض، وضابط ذلك
رجحان دليل املخالف عند اجملتهد على دليله يف الزم مدلول دليل املخالف، فليس حتكماً
ألن له مرجحاً، وثبوت الرجحان ونفيه إمنا يكون حبسب نظر اجملتهد يف النوازل واعترضه
بعض الفقهاء بأنه يقتضي إثبات اللزوم بدون الزمه، ألن فيه إثبات ملزوم دليل اجملتهد
املراعي للخالف كمالك يف املثال، بدون الزمه ألن مالكاً أثبت فسخ نكاح الشغار لدليل
شرعي دون الزمه الذي هو عدم اإلرث بني الزوجني وذلك حمال. وأجيب بأن استحالة
وجود امللزوم بدون الزمه ال تكون إال يف اللزوم العقلي وأما اللزوم الشرعي فال استحالة
يف انفكاك امللزوم فيه عن الالزم مع وجود ملزومه كموجبات اإلرث كالبنوة مثالً فإهنا
ملزومة لإلرث شرعاً أي جعلها الشرع ملزومة له، وقد ينتفي اإلرث مبوانع كالكفر
والرق مع وجود البنوة، واألصل فيه عند مالك قوله يف قصة ولد زمعة الذي اختصم
فيه سعد بن أيب وقاص وعبد بن زمعة كل منهما يدعيه، يدعي سعد أنه ابن أخيه عتبة،
ويدعي عبد أنه أخوه ألنه من أمة أبيه، فأحلق رسول اهلل الولد بصاحب الفراش الذي
هو زمعة، وللعاهر احلجر أي الرجم واحتجيب منه يا سودة ملا رأى من شبهه بعتبة، فراعى
رسول اهلل احلكمني أي حكم الفراش فأحلق الولد بصاحبه الذي هو زمعة وحكم الشبه
فأمر بنت صاحب الفراش اليت هي سودة بنت زمعة باالحتجاب من الولد.
ويشترط يف جواز مراعاة اخلالف أن ال يؤدي إىل صورة ختالف اإلمجاع كمن
تزوج بغري ويل وال شهود بدانق مقلداً أباحنيفة يف نفي الويل ومالك يف نفي الشهود
والشافعي يف الدانق وهو نصف سدس الدرهم، فإن هذا النكاح دجب فسخه أبداً إمجاعاً،
ويشترط فيه أيضاً أن ال يترك املراعي له مذهبه بالكلية كأن يتزوج مالكي تزوجاً فاسداً
على مذهبه صحيحاً عند غريه مث يطلق ثالثاً، فإن ابن القاسم يلزمه الثالث مراعاة للقول
بصحته، فإن تزوجت من قبل زوجا مل يفسخ نكاحه عند ابن القاسم ألن الفسخ حينئذ
إمنا كان مراعاة للقول بصحة النكاح األول، ومراعاة اخلالف مرتني تؤدي إىل ترك
املذهب بالكلية.
دجب أم ال قد جرى فيه اختـالف وهل على جمتهـد رعـي اخلالف
2
6
يع ي أن الفقهاء اختلفوا هل رعي اخلالف دجب على كل جمتهد من العلماء املالكية
أم ال دجب على قولني، واختلفوا أيضاً هل يراعى كل خالف أو إمنا يراعى منه املشهور
فقط.
وهذه مخـس قواعـد ذكــر أن فروع الفقـه فيها تنحصــر
يع ي أن فروع الفقه كلها تنحصر يف هذه اخلمس اليت سيذكرها قريباً، ومعىن
احنصارها فيها أن الفروع كلها مستخرجة منها بالنظر إما بواسطة أو بوسائط، وأشار إىل
تعداد القواعد اخلمس بقوله:
وهي اليقني حكمـه ال يرفــع بالشك بل حكـم اليقيـن يتبـع
يع ي أن األول من القواعد اخلمس هي أن حكم اليقني ال يرفع بالشك بل يتبع
حكم اليقني أي يستصحب ويلغى الشك، ألن القاعدة الشرعية أن الشك يلغى عند مجيع
العلماء ويستصحب احلال الذي كان قبله، قال املقري: قاعدة املعترب يف األسباب والرباءة
وكل ما تترتب عليه األحكام العلم وملا تعذر يف أكثر الصور أقيم الظن مقامه لقربه منه،
وبقي الشك ملغى على األصل إال أن يدل دليل خاص من الشرع على اعتباره كالنضح
من الشك يف إصابة النجاسة، وكالوضوء من الشك يف احلدث عند مالك؛ وأما إمتام
الصالة فاملعترب فيه عند الشافعي والباجي اليقني وعند النعمان وابن احلاجب الظن؛ وقال
األبياري األصل اتباع الظن مطلقاً حيث ال يشترط العلم ما مل يرد يف الشرع املنع من
ذلك كمنع القضاء بشهادة العدل وإن غلب على الظن صدقه، وهذا مما قدم فيه النادر،
وأما الشك فساقط االعتبار إال يف النادر كنضح من شك يف إصابة النجاسة وغسل اليدين
عند القيام من النوم.
ومن فروع هذه القاعدة لزوم البناء على اليقني ملن شك ثالثا أو أربعاً، فإن املتيقن
ثالثة ألن األربعة وجبت بيقني فال تربأ منها إال بيقني. ومنها لزوم البينة للمدعي ألن
األصل براءة ذمة املدعى عليه فال تعمر إال بيقني.
واألصل يف هذه القاعدة قوله يف املصلي الذي دجد بني أليتيه شيئاً أنه ال ينصرف
حىت يسمع صوتاً أو دجد رحياً قاله القرايف يف اهليث اهلامع؛ قال حلولو وهذه القاعدة
2
7
تشتمل على قاعدة العمل باالستصحاب وتندرج فيها قاعدة إلغاء الشك يف املانع واعتباره
يف املقتضي والشرط.
قلت: ومعىن ذلك أنا إذا شككنا يف املانع ينتفي احلكم ألن ثبوته منتف قبل الشك،
وإن شككنا يف السبب مل نرتب املسبب ألن عدمه متيقن قبل الشك، وإن شككنا يف
الشرط مل نرتب املشروط ألن عدمه متيقن قبل الشك.
مثال الشك يف املانع: الشك يف الطالق فإنه ال ينتفي به احلكم املتيقن الذي هو
استمرار العصمة وحلية االستمتاع؛
ومثال الشك يف السبب: الشك يف دخول الوقت فإنه ال يترتب عليه السبب الذي
هو إدجاب الصالة ألن عدمه متيقن فال يثبت بالشك؛
ومثال الشك يف الشرط: الشك يف الطهارة فإنه ال يترتب عليه املشروط الذي هو
صحة الصالة ألن عدم الطهارة هو املتيقن قبل الشك فال يترتب.
وضـرر يـزال، والتيسري مـع مشقـة يـدور حيثمـا تقــع
(وضرر يزال) يع ي أن القاعدة الثانية من القواعد اخلمس ال ي تنحصر فيها فروع
الفقه وجوب إزالة الضرر عمن نزل به، واألصل فيها قوله " :ال ضرر وال ضرار" ألن
الشريعة مبنية على جلب املصاحل ودفع املفاسد.
وتندرج يف هذه القاعدة قاعدة ارتكاب أخف الضررين املتعارضني؛ ومن فروعها
شرع الزواجر من احلدود والضمان ورد املغصوب مع القيام وضمانه بالتلف، والتطليق
باإلضرار واإلعسار.
(والتيسري مع . مشقة يدور حيثما وقع) يع ي أن القاعدة الثالثة من القواعد اخلمس
اليت يدور عليها الفقه دوران التيسري مع املشقة حيثما وقعت أي كلما وقعت املشقة حساًّ
جاء التيسري شرعاً. واألصل فيها قوله تعاىل وما جعل عليكم يف الدين من حرج.
ومن فروع هذه القاعدة األخذ باألخف، والرخص كجواز القصر واجلَمع والفطر
يف السفر. قال القرايف: املشاق قسمان، قسم ال تنفك العبادة عنه فال يوجب ختفيفا، ألن
العبادة قررت معه كالوضوء يف الربد والصوم يف احلر، وقسم تنفك عنه وهو ثالثة أقسام،
فإن كان يف الضروريات عفي عنه إمجاعاً كما إذا كان فيه هالك نفس أو عضو، وإن
2
8
كان يف مرتبة التتميمات مل يعف عنه إمجاعاً كما إذا كان فيه جمرد جهد فقط، وإن كان
يف مرتبة احلاجيات فمحل خالف بني العلماء كما إذا كان فيه مرض خفيف.
وكل مـا العـادة فيـه تدخـل من األمـور فهي فيـه تعمــل
يع ي أن كل ما تدخل فيه العادة أي عادة العوام القولية والفعلية من األحكام
الشرعية فهي عاملة فيه أي حمكمة فيه ختصيصه إن كان عاماً وتقييده إن كان مطلقاً
وتبيينه إن كان جممالً. والذي تدخل فيه عادة العوام القولية أي الذي حتكم فيه هو ألفاظ
الناس يف األميان واملعامالت من العقود والفسوخ واإلقرارات والشهادات والدعاوى، وهي
يف غلبة استعمال اللفظ يف معىن غري معناه األصلي أم ال حىت يصري هو املتبادر إىل الذهن
منه عند اإلطالق ويصري املعىن األصلي كاملهجور.
مثال ختصيصها للعام محل ميني من حلف أن ال يركب دابة على ذوات األربع، فال
حينث بركوب غريها من كل ما يدب على وجه األرض، كما إذا ركب نعامة أو إنساناً
مع أن لفظ الدابة لغة يشمل كل ما ذكر ولكن خصصته العادة القولية بذوات األربع.
وأما عادة العوام الفعلية فهي غلبة معىن من املعاين على مجيع البالد أو بعضها، وهي
حمكمة يف أمور معلومة كمعرفة أسباب األحكام من الصفات اإلضافية كصغر ضبة
وكربها، وإطالق ماء وتقييده، وغالب الكتابة، ونادر العذر ودائمه وتقدير نفقات
الزوجات واألقارب وكسوهتم، وكتمييز ما هو األنسب للرجال من متاع البيت وما هو
األنسب للنساء منه.
مثال حتكيمها القضاء للمرأة بالفرش والوسائد إذا اختلفت مع الزوج فيها وال بينة
ألن العادة قاضية أهنا ال ميلكها إال النساء، وكالقضاء بآلة احلرب للرجل إذا اختلف مع
امرأته وال بينة، ألن العادة قاضية أهنا الميلكها إال الرجال؛
واألصل يف هذه قوله تعاىل خذ العفو وامر بالعرف وقوله هلند بنت عتبة:
"خذي ما يكفيك وولدك باملعروف" ملا قالت له إن أبا سفيان رجل مسيك.
ومل يتكلم الناظم على العادة الشرعية ألهنا من مجلة األدلة الشرعية ختصص عموم
اآليات واألحاديث وتقيد مطلقاهتا وتبني جممالهتا وتنسخ املتقدم عليها.
2
9
وهذه القواعد األربعة ذكرها القاضي حسني، وقال إن فروع الفقه كلها آئلة إليها،
وحبث بعضهم يف ذلك فقال يف رجوع مجيع الفقه إليها تعسفا ألن أصوله منتشرة تتضح
بالتفصيل، وزاد بعض العلماء قاعدة خامسة وإليها أشار الناظم بقوله:
وللمقاصــد األمـور تتبــع وقيل ذي إىل اليقيـن ترجــع
(وللمقاصد أمر تتبع) يع ي أن األمور تتبع املقاصد فإن كان حسناً كان حسناً، وإن
كان قبيحاً كان قبيحاً.
ومن فروعها متييز العبادات من العادات بالقصد ومتييز مراتب العبادات بالقصد ألن
ط
القصد شرط صحة يف العبادات احملضة وشر ٌ حلصول الثواب يف مجيع األعمال. ومنه
ختصيص العموم وتقييد املطلق يف األميان بالنية على تفصيل يذكر يف كتب الفروع.
وتندرج يف هذه القاعدة قاعدة سد الذرائع إىل الفساد وقد تقدم بياهنا. واألصل فيها
قوله " :إمنا األعمال بالنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى"
(وقيل ذي إىل اليقني ترجع) أي وقيل إن قاعدة تبعية األمور ملقاصدها ترجع إىل
قاعدة اليقني ال يرفع بالشك، ألن الشيء إذا مل يقصد فنحن على يقني من عدم حصوله،
وهذا القول حكاه الشيخ حلولو.
وقيل للعـرف وذي القواعــد مخستها ال خـلف فيهـا وارد
(وقيل للعرف) أي وقيل إهنا ترجع إىل قاعدة حتكيم العرف أي أهنا داخلة فيها،
وهذا القول حكاه ويل الدين العراقي عن بعض العلماء قال ألن العادة تقتضي أن غري
املنوي من غسل وصالة وكنيابة يف عقد ال يسمى غسال وال قربة وال عقداً؛ وقد رد
الشيخ عز الدين أحكام الشرع كلها إىل جلب املصاحل ودرء املفاسد.
(وذي القواعد . مخستها ال خلف فيها وارد) يع ي أن هذه القواعد اخلمس ال
خالف بني العلماء كلهم يف كوهنا أصوال تبىن عليها فروع الشريعة، وإمنا اخلالف بينهم
يف تفصيل ذلك؛ قال يف نشر البنود ورجوع بعض فروع الفقه إىل هذه األصول فيه تكلف
باعتبار وسائط، فلو زيدت األصول اليت ترجع إليها فروع الفقه مع وضوح الداللة لزادت
على املائني.
م ي محـد دائـم ليـس يبيــد ولل
قد مت ما رمت َّــه احلميـد
3
0
وأطيب الصـالة مع أسىن السالم على حممد وآلـــه الكــرام
(قد مت ما رمت) أي ما قصد نظمه (وهلل احلميد) أي املتصف بصفة احلمد يف
األزل (م ي محد دائم ليس يبيد) أي ال يفىن على مد الدهور (وأطيب الصالة مع أسىن
السالم) أي ومنه أطيب الصالة وأضوى السالم (على حممد وآله الكرام) مجع كرمي؛ وآله:
املؤمنون من ب ي هاشم.
وهذا آخر ما أردنا من شرح منظومة الفقيه سيدي أمحد بن حممد بن أيب كف،
وآخر دعوانا أن احلمد هلل رب العاملني، والصالة والسالم على سيدنا حممد خامت النبيئني
وإمام املرسلني وعلى آله وصحبه أمجعني وتابعيهم وتابع التابعني هلم بإحسان إىل يوم
الدين عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
انتهى حبمد اهلل وحسن عونه وتوفيقه اجلميل وحسبنا اهلل ونعم الوكيل.
نقله ورتبه: الشاطيب الوهراين
يف 08/2885م
بسم اهلل الرمحن الرحيم
وصلى اهلل على سيدنا حممد وعلى آله وصحبه وسلم
دالئـل الشـرع العزيز العلمـا احلمـد للــه الذي قد فهمـا
على النبـي اهلـامشي أمحــدا مث الصـالة والسـالم أبـــدا
والتابعيــن هلـم على الـدوام ر
وآلـه الغ ّ وصحبـه الكــرام
ذكر مباين الفقه يف الشرع العزيـز وبعد فالقصد بذا النظم الوجيـز
3
1
وأستمد منه فتحــه املبيــن فقلت واللـه املعيـن أستعيــن
مالك اإلمام ستــة عشـــر أدلـة املذهب مذهـب األغـ ّ
ر
َّـــة من لــه أ ّ َّــه
مت املن سن نص الكتـاب مث ن ّ َّــه
ص السن
سنـة من بالفضل ِّـه قمـن
كل وظاهر الكتـاب والظاهـر مـن
مث دليـــل سنــــة األواه مث الدليل من كتـاب اللـــه
تنبيـه قرآن وسنـة الرســولْ ومن أصولــه اليت هبـا يقـولْ
وسنة اهلادي إىل هنـج الصـواب وحجة لديـه مفهوم الكتــاب
تنبيه سنة الذي جـاهاً عظــم مثت تنبيــه كتـاب َّــه مث
الل
مدينة الرسول أسـخى من بـذل مثت إمجـاع وقيـس وعمــل
وهو اقتفـاء ما لـه رحجــان وقول صحبـه واالستحســان
يف نفس من باالجتهـاد يتصـف وقيـل بل هـو دليـل ينقـذف
عنه فال يعلـم كيـف خيبــر ولكن التعبيـر عنــه يقصــر
فمالـك لـه على ذه اعتمــاد وسـد أبواب ذرائـع الفســاد
ورأيــه يف ذاك ال يعـــاب وحجـة لديـه االستصحــاب
بعض فروع الفقـه تنب ي عليــه وخرب الواحد حجـة لديـــه
لـه احتجاج حفظتـه النقلــه وباملصالـح عنيـت املرسلــه
بـه وعنـه كان طورا يعــدل ورعي خلف كان طورا يعمــل
دجب أم ال قد جرى فيه اختـالف وهل على جمتهـد رعـي اخلالف
أن فروع الفقـه فيها تنحصــر وهذه مخـس قواعـد ذكــر
بالشك بل حكـم اليقيـن يتبـع وهي اليقني حكمـه ال يرفــع
مشقـة يـدور حيثمـا تقــع وضـرر يـزال والتيسيـر مـع
من األمـور فهي فيـه تعمــل وكل مـا العـادة فيـه تدخـل
وقيل ذي إىل اليقيـن ترجــع وللمقاصــد األمـور تتبــع
مخستهـا ال خـلف فيهـا وارد وقيل للعـرف وذي القواعــد
م ي محـد دائـم ليـس يبيــد قد مت ما رمت َّــه احلميـد
ولل
3
2
على حممد وآلـــه الكــرام وأطيب الصـالة مع أسىن السالم
(انتهى)
3
3
Get documents about "