Docstoc

إيصال السالك إلى أصول مالك

Document Sample
إيصال السالك إلى أصول مالك Powered By Docstoc
					‫إيصال السالك في‬
‫أصول اإلمام مالك‬


                    ‫تأليف: العالمة الشيخ‬
        ‫سيدي حممد حيىي بن عمر املختار بن الطالب‬
         ‫عبد اهلل الواليت الشنقيطي ـ رمحه اهلل ـ‬
                      ‫(ت 1330هـ/1010م)‬

‫وهو شرح على منظومة أمحد بن أيب كف ـ رمحه اهلل ـ يف أصول الفقه املالكي‬



                 ‫نقله ورتبه: الشاطيب الوهراين‬
                          ‫يف 08/2885م‬
                              ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬


                 ‫إيصال السالك في أصول اإلمام مالك‬

‫تأليف العالمة الشيخ سيدي حممد حيىي بن عمر املختار بن الطالب عبد اهلل ـ رمحه‬
                                                                                 ‫اهلل ـ‬
                                                          ‫الطبعة املنقول عنها:‬
             ‫طبع على نفقة املكتبة العلمية، لصاحبيها: حممد األمني وأخيه الطاهر‬
          ‫تونس، املطبعة التونسية ـ هنج سوق البالط 57، 1330هـ/1110م‬


                                                               ‫ترمجة الشارح:‬


‫هو العامل املربز الشيخ حممد حيىي بن املختار بن الطالب الشنقيطي الواليت، يتصل‬
‫نسبه بالبضعة الطاهرة واحلرم املصون؛ كان آية يف طالقة اللسان وعدم التكلف، صادق‬
  ‫اللهجة مصداعا يغضب للحق، ويرضى لرضاه على سنن العلماء من أئمة الدين وهداهتم.‬
‫وقد اجتاز باحلاضرة يف حدود سنة 3030هـ عند عودته من قضاء فريضة احلج،‬
‫وأقام مدة كان فيها حمل العناية من سائر الطبقات ملا ظهر عليه من وفرة العلم وبوادر‬
                                                           ‫الصالح وصفاء السريرة.‬
   ‫ل‬
‫وله من التآليف غري هذا الشرح شرح صحيح البخاري تركه بتونس، ومن أج ّ ما‬
‫امتاز به هذا الشرح التنبيه على كل حديث متسك به إمام دار اهلجرة مالك يف بناء مذهبه؛‬
‫وشرح منظومة ابن عاصم يف األصول ، وخالصة الوفاء على خنبة االصطفاء يف طهارة‬
‫أصول املصطفى من الشرك والعهر واجلفا، طبع باملطبعة الرمسية يف تونس عندما كان‬
‫الشيخ كرمياً هبا، وتأليف يف العربية ألفه يف طريق احلج البنيه توجد منه نسخة بتونس‬
                                                                             ‫أيضاً.‬
      ‫وقد انقطعت عنا أخباره من عام 1130 فرمحة اهلل عليه، من عامل فاضل نزيه.‬


                                       ‫2‬
     ‫[ترمجة أخرى له من مقدمة الطبعة احلجرية بفاس لشرحيه يف األصول]‬


‫[صاحب الشرحني (فتح الودود على مراقي السعود) و(نيل السول على مرتقى‬
‫الوصول) تأليفي اإلمامني احملققني سيدي عبد اهلل بن احلاج إبراهيم الشنقيطي واإلمام أيب‬
‫بكر حممد بن حممد بن عاصم األندلسي الغرناطي هو البحر الزاخر، ذو املآثر اجلميلة‬
‫واملفاخر، إمام العلم وحامل لوائه، وحافظ علم األصول وكوكب مسائه، حممد حيي بن‬
                                         ‫حممد املختار بن الطالب عبد اهلل احلوضي مث الواليت.‬
                                                      ‫له من التآليف ما ال حيصى كثرة:‬
                                                       ‫ً‬
                                                ‫ـ شرح صحيح البخاري شرحا نفيساً‬
                     ‫ـ وشرح خمتصر ابن أيب مجرة له كذلك شرحاً يف غاية النفاسة،‬
‫ـ وله نطم نفيس يف القواعد مجع فيه كل ما يف منهج الزقاق بزيادة مساه اجملاز‬
                                     ‫الواضح وشرحه شرحاً عجيباً مساه الدليل املاهر الناصح‬
                   ‫ـ وشرح تكميل ميارة للمنهج املذكور شرحاً طويالً كثري الفوائد‬
                                               ‫ـ وله شرح نفيس على احلصن احلصني‬
‫ـ وله تأليف حسن يف الفروع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة يقول فيه احلكم‬
‫كذا لقوله تعاىل كذا وكذا، واحلكم كذا حلديث كذا وكذا، مساه منبع العلم والتقى،‬
                                                                                ‫ً‬
                                                     ‫وشرحه شرحا نفيساً مساه العروة الوثقى.‬
                                                  ‫ـ إىل غري ذلك من مصنفاته احلسان.‬
‫كان إماماً من أهل اجلد ال تأخذه يف اهلل لومة الئم، كثري الردع ألهل البدع‬
                                                                                    ‫واملناكر؛‬
‫والعهد به يف قيد احلياة أطال اهلل عمره يف العافية ونفع املسلمني مبؤلفاته مثل‬
                                                                ‫الشرحني املذكورين وغريمها.‬
        ‫كتبه عبد ربه وأسري ذنبه حممد حبيب اهلل بن ما يايب. عامله اهلل بلطفه اخلفي.‬
                                                                ‫فاس ـ 5130 هـ.]‬



                                            ‫3‬
  ‫[تنبيه من الشاطيب الوهراين]: قمت بفصل وتوضيح أبيات املنظومة عن الشرح.‬



                          ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬

              ‫والصالة والسالم على سيدنا حممد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثرياً‬
‫احلمد هلل الذي أنزل على نبينا حممد ‪ ‬أدلة الشرع اإلمجالية والتفصيلية، وأمر‬
‫العلماء باستخراج الفروع منها بالنظر املستمد من أنواره الساطعة اجللية، وجعل معانيها ال‬
‫تنفد أبد اآلباد السرمدية، وجعل علماء هذه األمة دجددون الشريعة كأنبياء ب ي إسرائيل‬
‫كلما فنيت طبقة خلفتها طبقة قائمة بالوظائف السنية؛ والصالة والسالم على سيدنا حممد‬
‫اآلمر بالنظر يف أصول الشريعة الكلية، واستنباط الفروع اجلزئية، وعلى آله وأصحابه‬
‫البالغني يف العلم الشرعي درجة االجتهاد العلية، الذين من اقتدى هبم ناج ألن اهلل تعاىل‬
‫جعل أقواهلم وأفعاهلم حجة شرعية، صالة وسالماً دائمني متالزمني إىل يوم يوزن مداد‬
                  ‫العلماء بدم الشهداء، وتكون ملداد العلماء يف الوزن الرجحانية. أما بعد:‬
‫فيقول أفقر العبيد إىل مواله الغ ي عمن سواه، حممد حيىي بن حممد املختار بن الطالب‬
                                              ‫م‬
‫عبد اهلل: هذا شرح واضح طلبه م ي َن ال تسع ي خمالفته، وجتب طبعاً على نفسي‬
‫مساعدته وموافقته، وهو أخي وحبييب عبد اهلل بن سيدي أمحد، طلب م ي أن أشرح له‬
‫منظومة أبيه الشهري الفقيه النحرير سيدي أمحد بن حممد بن أيب كف اليت مجع فيها أصول‬
                ‫د‬                                                   ‫د‬
‫مذهب مالك بالع ّ ال بالبحث عن عوارضها الذاتية، وال بتعريفها باحل ّـ تقريباً حلفظها‬
   ‫وفهمها واستحضارها ملن له علم بعوارضها وحدودها وله اعتناء باستعماهلا واعتبارها.‬
                                            ‫مبن‬
‫فأقول ـ وباهلل التوفيق وهو اهلادي ِّهِ إىل سواء الطريق ـ: قال الناظم سيدي‬
                              ‫أمحد بن حممد بن أيب كف رمحه اهلل وأعاد علينا من بركاته:‬
    ‫احلمـد للــه الذي قد فهمـا ‪ ‬دالئـل الشـرع العزيز العلمـا‬
‫أي احلمد كله مقصور على اهلل عز وجل أي ال يستحقه إال اهلل عز وجل، ومعناه‬
‫لغة وشرعا معروف، والتفهيم: التعليم، ودالئل الشرع: املراد هبا أصوله اإلمجالية؛ وتفهيم‬


                                         ‫4‬
‫اهلل إياها للعلماء هو تعليمه هلم حبقائقها وكيفية استعماهلا وإنتاج الفروع منها، ويف التعبري‬
                                                                  ‫هبا هنا براعة استهالل.‬
      ‫مث الصـالة والسـالم أبـــدا ‪ ‬على النبـي اهلـامشي أمحــدا‬
     ‫‪ ‬والتابعيــن هلـم على الـدوام‬                                     ‫ر‬
                                                  ‫وآلـه الغ ّ وصحبـه الكــرام‬
‫أي نطلب من اهلل دوام الصالة والسالم أبد اآلباد على النيب املنسوب إىل هاشم بن‬
‫عبد املناف املسمى بـ"أمحد" وهو نبينا صلى اهلل عليه (و) على (آله الغر) أي بيض‬
‫الوجوه، مجع أغر؛ والغرة: بياض الوجه، وهي كناية عن إمياهنم وطهارهتم احلسية‬
‫واملعنوية، ألن البياض يكىن به عن اإلميان، كما أن السواد يكىن به عن الكفر أعاذنا اهلل‬
‫منه، أو كناية عن كرمهم، ألن بياض الوجه يستلزم طالقته، وطالقته تستلزم الكرم، أو‬
‫كناية عن كوهنم من أهل اجلنة، إذ قد ورد اخلرب عن رسول اهلل ‪ ‬أن أهل اجلنة يدعون‬
        ‫غرا‬
‫يوم القيامة غراً حمجلني من أثر الوضوء، ولفظه "إن أميت يدعون يوم القيامة ًّ حمجلني‬
                                                                         ‫من أثر الوضوء"‬
‫(و) على (صحبه الكرام) طبعاً وشرعاً (و) على (التابعني هلم) من املؤمنني يف العلم‬
                                                ‫والعمل (على الدوام) أي إىل يوم القيامة.‬
 ‫وبعد فالقصد بذا النظم الوجيـز ‪ ‬ذكر مباين الفقه يف الشرع العزيـز‬
‫(وبعد) أي وبعد احلمد والصالة والسالم على النيب ‪( ‬فالقصد) أي فاملقصود ألن‬
‫فعال يأيت مبعىن مفعول (بذا النظم الوجيز) أي املنظوم املختصر، أي الكثري املعىن القليل‬
‫اللفظ (ذكر مباين الفقه) أي أصوله اإلمجالية، ألن املباين مجع مبىن؛ واملبىن لغة: األساس‬
‫واألصل احلسي الذي يبىن عليه اجلدار حساً، واملراد به هنا أساس الشرع وأصله املعىن‬
                                            ‫الكلي الذي تبىن عليه فروع الشريعة املعنوية.‬
‫والفقه لغة الفهم، واصطالحا العلم باألحكام الشرعية العملية املكتسب من األدلة‬
‫التفصيلية، فقولنا: العلم جنس، وقولنا: باألحكام قيد خرج به العلم بالذات والصفات‬
‫واألفعال، فال يسمى فقها، واملراد باألحكام النسب التامة اليت هي ثبوت أمر آلخر إدجاباً‬
‫أو سلباً، وقولنا: الشرعية معناه أن تلك األحكام البد أن تكون مأخوذة من الشرع‬
 ‫بالتصريح أو باالستنباط، فخرجت األحكام العقلية ضرورية كانت كاحلكم بأن الواحد‬


                                          ‫5‬
                                 ‫مؤث‬
‫نصف االثنني، أو نظرية كاحلكم بأن األثر البد له من ِّر، واحلسية كاحلكم بأن اجلدار‬
‫طوب وحجر، وخرجت األحكام العادية كاحلكم بأن النار حمرقة، فال يسمى العلم من‬
                                                                                   ‫هذه فقهاً.‬
‫وقولنا: العملية، معناه أن األحكام الشرعية البد أن تكون متعلقة بكيفية عمل قليب،‬
‫كالعلم بوجوب النية يف الوضوء، أو بدين كالعلم بسنية الوتر، فخرجت األحكام الشرعية‬
‫االعتقادية أي اليت مل تتعلق بكيفية عمل، كالعلم بأن اهلل واحد، وأنه دجب له الكمال،‬
                                        ‫ويستحيل عليه النقص، فال يسمى العلم بذلك فقهاً.‬
‫وقولنا املكتسب معناه: أن العلم باألحكام الشرعية العملية البد أن يكون مكتسباً،‬
‫أي مأخوذاً بالنظر والتأمل وإعمال الفكر يف األدلة الشرعية ليخرج علم اهلل وعلم كل نيب‬
                                                      ‫ملك فال يسمى فقهاً ألنه ليس مكتسباً.‬
‫وقولنا: من األدلة التفصيلية، أي اآليات القرآنية واألحاديث النبوية، أي مكتسباً من‬
‫النظر فيها واالستنباط منها، فيخرج علم املقلدين اخللص أي الذين ليس هلم إال حفظ‬
                                                               ‫ل‬
‫فروع املذهب وضبطها كج ّ علماء عصرنا، فال يسمى علمهم بذلك فقها، بل يسمى‬
‫نقالً ورواية، إذ مل يكتسبوا تلك الفروع بالنظر يف األدلة التفصيلية، وإمنا اكتسبوا بالنقل‬
‫والرواية من بطون الكتب املعتمدة، فليس هلم فيها إال جمرد نقلها للناس وروايتها وحفظها،‬
‫وال حجة هلم على كوهنا أحكاما شرعية إال منقولة بالتواتر عن اجملتهدين الذين‬
              ‫استخرجوها بالنظر واالستنباط من األدلة التفصيلية اليت هي الكتاب والسنة.‬
                                        ‫وفتوى اجملتهد حكم اهلل يف حقه وحق مقلديه.‬
‫وقوله: (يف الشرع العزيز) متعلق بقوله الفقه، ألن املراد به يف النظم معناه اللغوي هو‬
‫الفهم، واملعىن أن املقصود بالنظم ذكر األصول اليت تفقه منها أي تفهم منها أحكام‬
                                                             ‫الشرع العزيز بالنظر واالستنباط.‬
      ‫فقلت واللـه املعيـن أستعيــن ‪ ‬وأستمد منه فتحــه املبيــن‬
‫فقوله اهلل مفعول مقدم لقوله أستعني إلفادة التخصيص أي أنه ال يطلب العون إال‬
   ‫ل‬
 ‫من اهلل، وال يستمد أي ال يطلب اإلمداد بالفتح املبني باألنوار اإلهلية إال من اهلل عز وج ّ.‬
     ‫أدلـة املذهب مذهـب األغـ ّ ‪ ‬مالك اإلمام ستــة عشـــر‬
                                                    ‫ر‬


                                            ‫6‬
‫يع ي رمحه اهلل تعاىل أن أصول مالك اإلمجالية اليت يستخرج منها األحكام الشرعية‬
                       ‫الفرعية ويعتمد عليها يف العمل واإلفتاء والقضاء ستة عشر دليالً.‬
‫واإلمجالية: هي اليت ال تعني مسألة جزئية ككون النص من الكتاب والسنة حجة‬
                                                     ‫شرعية مث شرع يف تعديدها فقال:‬
  ‫َّـــة من لــه أ ّ َّــه‬
       ‫مت املن‬                  ‫نص الكتـاب مث ن ّ َّــه ‪ ‬سن‬
                                                   ‫ص السن‬
‫يع ي أن أول أدلة مذهب مالك الستة عشر النص من الكتاب والسنة الصحيحة‬
                                                ‫متواترة كانت أو مستفيضة أو آحاداً.‬
‫والنص: هو اللفظ الدال على معىن ال حيتمل غريه أصالً، مثاله من الكتاب قوله‬
‫تعاىل يف صيام املتمتع الذي مل دجد هدياً ‪‬فصيام ثالثة أيام يف احلج وسبعة إذا رجعتم، تلك‬
‫عشرة كاملة‪ ،‬فقوله تعاىل تلك عشرة كاملة نص يف أن املتمتع أي الذي مل دجد هدياً‬
‫يلزمه صوم اجلموع الثالثة اليت يف احلج، والسبعة اليت بعد الرجوع الذي هو العشرة،‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪" :‬إن اهلل حرم عليكم وأد البنات، فهذا نص يف حترمي دفن البنات‬
                                                      ‫الذي كان يفعله أهل اجلاهلية.‬
‫وقوله: (سنة من له أمت املنه) معناه: أن املراد بالسنة سنة النيب ‪ ‬الذي َّ اهلل له املنة‬
              ‫أمت‬
                                                                                 ‫أي الفضل.‬
      ‫وظاهر الكتـاب والظاهـر مـن ‪ ‬سنـة من بالفضل ِّـه قمـن‬
                  ‫كل‬
   ‫يع ي أن الدليل الثاين من أدلة مذهب مالك الظاهر من الكتاب أو السنة الصحيحة.‬
‫والظاهر: هو اللفظ الدال يف حمل النطق على معىن لكنه حيتمل غريه احتماالً‬
 ‫مرجوحاً؛ فداللته على املعىن الراجح فيه تسمى ظاهراً، وداللته على املعىن املرجوح فيه‬
                                                                               ‫تسمى تأويال.‬
‫مثال الظاهر من الكتاب قوله تعاىل ‪‬فإطعام ستني مسكينا‪ ‬فإنه ظاهر يف أن املظاهر‬
‫الذي مل يستطع الصوم دجب عليه إطعام ستني شخصاً مسكيناً أي فقرياً ال مال له لكل‬
‫مد، وال دجزي إعطاؤها ملسكني واحد، وال إعطاء مدين منها له أيضاً؛ وحيتمل أن املراد‬
‫باملسكني املد ألنه من أمسائه، ويكون املعىن: فإطعام طعام ستني مداً، وعليه فيجزئ إعطاء‬



                                           ‫7‬
‫مجيع الكفارة ملسكني واحد ستني يوماً يف كل يوم مد. واألول مذهب اجلمهور والثاين‬
                                                                          ‫مذهب احلنفية.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪ ‬الثابت يف سنن أيب داود "من مل يبيت الصيام من الليل فال‬
‫صيام له"، فإنه ظاهر يف أن تبييت النية واجب يف كل صيام، ألن املعرف بـ"ال" والنكرة‬
‫يف سياق النفي للعموم ظاهراً، وحيتمل أن املراد بالصيام صيام النذر والقضاء، فيكون املراد‬
‫به بعض أفراده، وأن غريمها من الصوم يصح بدون تبييت النية، واألول مذهب اجلمهور،‬
                                                             ‫والثاين مذهب احلنفية أيضا.‬
‫والقاعدة الشرعية ترجيح الظاهر على التأويل عند مجيع العلماء إال إذا عضد التأويل‬
‫دليل آخر من الشريعة كما يف قوله تعاىل ‪‬يا أيها الذين آمنوا إمنا املشركون جنس‪ ‬فإن‬
‫ظاهر اآلية أن املشرك وعرقه وثيابه وسائر لعابه جنس جناسة حسية وبه متسك الظاهرية،‬
‫وحيتمل أن املراد بنجاسته النجاسة املعنوية اليت هي الشرك واجلنابة، وهبذا التأويل متسك‬
‫مالك وقدمه على الظاهر ألنه عضده عنده قياس العكس، وهو أن املوت ملا كان سبباً‬
 ‫لنجاسة كل حيوان كان القياس أن يكون عكسها الذي هو احلياة سببا لطهارة كل‬
                             ‫حيوان، فلذلك كان الكافر وعرقه ولعابه طاهرا عند مالك.‬
 ‫وكقوله ‪" ‬ال صالة جلار املسجد إال يف املسجد" فإن ظاهره نفي الصحة عند‬
 ‫صالة الفذ اجملاور للمسجد، وبه متسك أمحد يف أحد قوليه، وتأويله نفي الكمال عنها وبه‬
 ‫متسك اجلمهور وقدمه على الظاهر ألنه عضده اإلمجاع على صحة صالة الفذ اجملاور‬
 ‫للمسجد، وقوله ‪" ‬صالة اجلماعة تفضل صالة الفذ بسبع وعشرين درجة"، فقوله:‬
     ‫"تفضل" دليل على أن صالة الفذ صحيحة إال أن صالة اجلماعة أزيد منها يف الفضل.‬
 ‫تعي‬
‫وحمل كون الظاهر أيضا أرجح من التأويل ما مل يكن الظاهر ممنوعا وإال َّن‬
‫التأويل كقوله تعاىل ‪‬يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إىل الصالة فاغسلوا وجوهكم‪ ‬اآلية،‬
‫فإن ظاهرها أن غسل الوجه وما بعده أي الوضوء ال يطلب من املصلي إال بعد قيامه‬
              ‫للصالة، وذلك ممنوع فتعني التأويل باإلرادة أي إذا أردمت القيام إىل الصالة.‬




                                         ‫8‬
‫وكقوله تعاىل ‪‬فإذا قرأت القرآن فاستعذ باهلل من الشيطان الرجيم‪ ‬فإن ظاهره أن‬
‫االستعاذة ال تطلب من القارئ إال بعد قراءة القرآن، وذلك ممنوع فتعني التأويل باإلرادة‬
                                                                              ‫أيضاً.‬
‫وكقوله تعاىل ‪‬فمن شهد منك الشهر فليصمه‪ ‬فإن ظاهره أن الصوم ال دجب إال‬
‫يف شوال، ألن الشهود لغة احلضور، والشهر اسم لثالثني ليلة، أي ذلك هو معناه احلقيقي،‬
‫والصوم مل يؤمر به إال بعد شهوده، وشهوده ال ميكن إال بتمامه، وذلك ممنوع فتعني‬
‫التأويل باجملاز أي حبمل لفظ الشهر على معىن جمازي، وهو أن املراد به أول ليلة منه من‬
    ‫تسمية البعض باسم الكل ليصح كون الصوم املأمور به بعد الشهود للشهر يف رمضان.‬
  ‫مث الدليل من كتـاب اللـــه ‪ ‬مث دليـــل سنــــة األواه‬
‫يع ي أن الدليل الثالث من أدلة مذهب مالك اإلمجالية دليل اخلطاب من الكتاب‬
‫والسنة، وهو مفهوم الكخالفة منهما، وهو حجة عند مالك والشافعي وأنكره أبو حنيفة،‬
                 ‫وهو دجري يف الشرط والغاية واحلصر والعدد والعلة والوصف والظرف.‬
‫مثال مفهوم الشرط من كتاب اهلل قوله تعاىل يف املطلقات البوائن ‪‬وإن كن أوالت‬
‫محل فأنفقوا عليهن‪ ‬فمفهومه أن غري أوالت احلمل من املطلقات البوائن ال جتب على‬
                                                             ‫الزوج هلن نفقة.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪" ‬من ابتاع طعاما فال يبعه حىت يستوفيه"، فمفهومه أن من‬
                        ‫وهب له طعام دجوز بيعه قبل استيفائه، وهو كذلك عند مالك.‬
‫ومثاله يف الغاية من كتاب اهلل قوله تعاىل يف املطلقات ثالثا ‪‬فإن طلقها‪ ‬أي الثالثة‬
‫‪‬فال حتل له حىت تنكح زوجا غريه‪ ،‬فمفهومه أن املبتوتة إذا نكحت زوجاً غري زوجها‬
‫األول أي وطئها يف نكاح صحيح الزم أهنا حتل لزوجها األول إذا طلقها الثاين، وهو‬
                                                                       ‫كذلك أيضا.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪" ‬رفع القلم عن ثالثة: الصيب حىت يبلغ، واجملنون حىت يفيق،‬
‫والنائم حىت يستيقظ، فمفهوم الغاية أن الصيب إذا بلغ، واجملنون إذا أفاق، والنائم إذا‬
‫استيقظ ال يرفع عنهم القلم، بل يتعلق هبم خطاب اهلل باألحكام الشرعية، ألن معىن رفع‬
                                                          ‫القلم رفع اخلطاب التكليفي.‬


                                         ‫9‬
‫ومثاله يف العدد من كتاب اهلل قوله تعاىل يف البكر الزاين ‪‬الزانية والزاين فاجلدوا كل‬
‫واحد منهما مائة جلدة‪ ‬فمفهوم قوله مائة جلدة أن الزيادة على ذلك العدد والنقص منه‬
                                                                          ‫ال دجوز.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪" ‬إذا ولغ الكلب يف إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"‬
                       ‫فمفهوم العدد أن الزيادة على السبع وأن النقص منها غري جائز.‬
‫ومثاله يف احلصر من كتاب اهلل قوله تعاىل ‪‬ال يكلف اهلل نفسا إال وسعها‪ ‬أي‬
           ‫طاقتها، فمفهوم احلصر أن الذي يف الوسع من املأمورات هو الذي يكلف به.‬
‫ومثاله فيه من السنة قوله ‪" ‬ال يقبل اهلل صالة بغري طهور" أي وضوء أو غسل أو‬
‫بدهلما وهو التيمم ملن عجز عنهما، فمفهوم احلصر أن الصالة الواقعة بطهور مقبولة أي‬
                                                                        ‫صحيحة.‬
‫ومثاله يف الصفة من كتاب اهلل قوله تعاىل ‪ ‬وربائبكم اليت يف حجوركم من نسائكم‬
‫اليت دخلتم هبن‪ ‬فمفهوم قوله الاليت دخلتم هبن أن الزوجة اليت مل يدخل هبا الزوج، وإمنا‬
                             ‫عقد عليها فقط ال حترم عليه بنتها أي ال حيرم عليه نكاحها.‬
‫ومثاله فيها من السنة قوله ‪" ‬يف الغنم السائمة زكاة" فمفهوم الصفة أن املعلوفة ال‬
                                           ‫جتب فيها زكاة وهو كذلك عند غري مالك.‬
‫ومثاله يف الظرف من كتاب اهلل قوله تعاىل ‪‬احلج أشهر معلومات‪ ‬وقوله ‪‬وأنتم‬
‫عاكفون يف املساجد‪ ‬فمفهوم الظرف أن احلج يف غري تلك األشهر، واالعتكاف يف غري‬
                                                ‫املساجد غري مشروع وال حيل.‬
‫ومثاله فيه من السنة قوله ‪" ‬إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب‬
‫جهنم"، وقوله ‪" ‬إذا حلم أحدكم حلماً خيافه فليبصق عن يساره" فمفهوم الظرف أن‬
‫غري رمضان من الشهور ال تفتح فيه أبواب السماء وال تغلق فيه أبواب جهنم، وأن‬
               ‫البصاق عن اليمني أو عن األمام أو الوراء ال يؤمر به من حلم حلما خيافه.‬
    ‫وحمل كون دليل اخلطاب حجة شرعية ما مل يكن له مانع شرعي، وموانعه ستة:‬
‫منها كون ذكر القيد الذي هو الشرط أو الوصف أو غريمها من القيود اليت دجري‬
‫فيها دليل اخلطاب خارجا خمرج الغالب ال خمرج التقييد كقوله تعاىل ‪‬وربائبكم الاليت يف‬


                                           ‫1‬
                                               ‫0‬
‫حجوركم‪ ‬فوصف الربائب بكوهنن يف حجر الزوج خرج خمرج الغالب، ألن الغالب يف‬
‫الربيبة أن تكون يف حجر زوج أمها، فليس مقصوداً به تقييد حترمي الربيبة على زوج أمها‬
‫مبا إذا كانت يف حجره فتحرم عليه وإن مل تكن يف حجره فال حترم، وهذا هو مذهب‬
                                               ‫مالك خالفاً للظاهري فإنه اعترب التقييد.‬
‫ومنها كون ذكر القيد ألجل االمتنان ال التقييد كقوله تعاىل ‪‬وهو الذي سخر لكم‬
‫البحر لتأكلوا منه حلما طريا‪ ‬فوصف اللحم بالطراوة خرج خمرج امتنان اهلل على عبيده ال‬
                             ‫ألجل تقييد جواز أكل اللحم بكونه طرياً فال دجوز أكل القديد.‬
‫ومنها خروج القيد خمرج التوكيد كقوله ‪" :‬ال حيل المرأة تؤمن باهلل واليوم اآلخر‬
‫أن حتد على ميت إال على زوجها أربعة أشهر وعشراً" فوصف املرأة باإلميان باهلل واليوم‬
‫اآلخر خرج خمرج التأكيد ال لقصد التقيد، وإن كان غري املؤمنة كالكتابية حيل هلا اإلحداد‬
‫على غري الزوج فوق ثالث وال دجب عليها اإلحداد على الزوج أربعة أشهر وعشراً، بل‬
                                          ‫الكتابية اليت حتت املسلم واملسلمة يف ذلك سواء.‬
‫ومنها كون ذكر القيد ألجل بيان الواقع حنو قوله تعاىل: ‪‬ال يتخذ املؤمنون الكافرين‬
‫أولياء من دون املؤمنني‪ ‬فتقييد النهي عن مواالة الكفار مبا إذا كانت من دون املؤمنني‬
‫خرج لبيان الواقع حني النهي فال يدل على جواز مواالهتم إذا مل تكن من دون املؤمنني،‬
                                   ‫بل مواالة الكفار مطلقاً سواء من دون املؤمنني أم ال.‬
‫ومنها املبالغة حنو قوله تعاىل يف النهي عن االستغفار للمنافقني ‪‬إن تستغفر هلم‬
‫سبعني مرة فلن يغفر اهلل هلم‪ ‬فتقييد االستغفار بكونه إن وقع سبعني مرة ال ينفعهم خرج‬
‫خمرج املبالغة يف عدم الغفران، فال يدل على أن النيب ‪ ‬إذا زاد على السبعني ينفعهم ذلك،‬
                              ‫بل املراد أن استغفاره هلم ال ينفعهم ولو بلغ منتهى العدد.‬
‫ومنها كون القيد ذكر ألجل سؤال سائل عنه كقوله ‪" :‬يف الغنم السائمة زكاة"‬
‫فتقييد الغنم بالسؤم إمنا كان ألن سائالً سأل النيب ‪ ‬عن الغنم السائمة، فال يدل على أن‬
‫املعلوفة ال جتب فيها الزكاة، بل املعلوفة والسائمة سيام يف وجوب الزكاة، وهذا هو‬
                                                                     ‫مذهب مالك.‬
 ‫ومن أصولــه اليت هبـا يقـولْ ‪ ‬تنبيـه قرآن وسنـة الرســولْ‬


                                          ‫1‬
                                              ‫1‬
‫هذا هو الرابع من أدلة مذهب مالك، يع ي أن من أصول مالك اليت هبا يقول هبا أي‬
‫حيتج هبا يف الشرعيات تنبيه اخلطاب من القرآن وتنبيه اخلطاب من سنة الرسول ‪ ‬ويسمى‬
‫أيضا بفحوى اخلطاب، وهو مفهوم املوافقة، وإمنا مسي مفهوم املوافقة لكون املعىن‬
‫املسكوت عنه موافقاً للمعىن املنطوق به يف احلكم، وإمنا مسي بتنبيه اخلطاب ألن السامع‬
‫يتنبه عند اخلطاب باملعىن املنطوق به وحده إىل داللة اللفظ على معىن غري مذكور موافق‬
                             ‫للمعىن املذكور يف احلكم باملساواة له فيه، واألولية به عنه.‬
‫فمثال مفهوم املساوي من القرآن قوله تعاىل ‪‬إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً‪‬‬
‫وتدل باملفهوم املوافق على مساواة إحراقه ألكله ظلماً يف التحرمي ألن العلة يف التحرمي‬
                             ‫أكله ظلماً اإلتالف، وتلك العلة موجودة بتمامها يف إحراقه.‬
‫ومثال مفهوم األوىل من القرآن قوله تعاىل ‪‬فال تقل هلما أف‪ ‬فإن اآلية تدل‬
‫باملنطوق على حترمي التأفيف على الوالدين، وتدل باملفهوم املوافق على أن ضربه هلما أوىل‬
‫بالتحرمي من التأفيف، ألن العلة يف حترمي التأفيف عليهما هي اإليذاء، وتلك العلة أمت يف‬
                                                              ‫الضرب منها يف التأفيف.‬
‫ومثال تنبيه اخلطاب املساوي للمنطوق يف احلكم من السنة قوله ‪ ‬الثابت يف‬
‫البخاري: "من ابتاع عبداً فماله للذي باعه إال أن يشترطه املبتاع"، فإنه يدل باملنطوق‬
‫على أن مال العبد املبيع للبائع إال أن يشترطه املشتري، ويدل باملفهوم املوافق على أن مال‬
                                           ‫األمة املبيعة مساو ملال العبد املبيع فيما ذكر.‬
‫ومثال تنبيه اخلطاب األوىل باحلكم من املنطوق من السنة قوله ‪ ‬الثابت يف البخاري‬
‫أيضا: "لو دعيت إىل كراع ألجبت، ولو أهدي إيل كراع لقبلته"، فإنه يدل باملنطوق على‬
‫أن إجابة الداعي إىل كراع وقبول الكراع هدية سنة، ويدل باملفهوم املوافق على أن ما هو‬
                                  ‫أكثر من الكراع أوىل بسنية القبول وإجابة الداعي إليه.‬
‫قال يف مجع اجلوامع: قال الشافعي واإلمامان إمام احلرمني واإلمام الرازي: إن تنبيه‬
‫اخلطاب من باب القياس اجللي، وقيل من باب داللة اللفظ. يع ي أن اللفظ الدال على‬
‫املنطوق دل عليه فال حيتاج للقياس، واختلف يف كيفية داللته عليه، فقال الغزايل واآلمدي‬



                                          ‫1‬
                                              ‫2‬
‫إهنا جمازية من باب إطالق األخص، وهو منع التأفيف واألكل يف آييت الوالدين واليتيم‬
                                                            ‫على األعم وهو منع اإليذاء؛‬
‫قلت: وهو جماز مرسل، وقيل إن داللة اللفظ على تنبيه اخلطاب حقيقة عرفية، وإن‬
‫العرف نقل لفظ التأفيف ولفظ األكل يف اآليتني مثالً على معنامها األخص إىل معىن‬
‫يعمهما وغريمها وهو اإليذاء يف األول واإلتالف يف الثاين ليكون الضرب واإلحراق يف‬
                                                                    ‫منطوق اآليتني عرفاً.‬
  ‫وحجة لديـه مفهوم الكتــاب ‪ ‬وسنة اهلادي إىل هنـج الصـواب‬
‫يع ي أن مفهوم الكتاب والسنة سنة النيب ‪ ‬اهلادي إىل طريق الصواب حجة شرعية‬
‫عند مالك، يع ي أنه من أدلة مالك اليت يستدل هبا وهو اخلامس من األدلة املعدودة يف‬
     ‫النظم؛ واملراد باملفهوم عنده داللة االقتضاء. واالقتضاء على قسمني تصرحيي وتلوحيي:‬
‫فالتصرحيي: هو أن يدل اللفظ داللة التزام على معىن ال يستقل املعىن األصلي بدونه‬
             ‫لتوقف صدقه أو صحته عليه عادة أو عقالً أو شرعاً، مع أن اللفظ ال يقتضيه.‬
‫مثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه عادة من الكتاب قوله تعاىل ‪‬وأوحينا إىل‬
‫موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق‪ ‬فمنطوق اآلية أن اهلل عز وجل أمر موسى أن‬
‫يضرب البحر بعصاه، وأن البحر انفلق، ومفهومها تقدير "فضربه" قبل قوله: "فانفلق" ألن‬
‫هذا املنطوق ال عادة بدون هذا املفهوم الذي تقديره "فضربه" قبل قوله "فانفلق"، ألن‬
             ‫االنفالق مسبب عادي عن الضرب، ووجود املسبب بدون سبب حمال عادة.‬
‫ومثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه عقال قوله تعاىل ‪‬واسأل القرية‪ ‬فمنطوق‬
‫اآلية األمر بسؤال القرية أي األبنية اجملتمعة، وصحة ذلك عقالً متوقفة على املفهوم الذي‬
                   ‫هو تقدير األهل قبل قوله القرية، ألن سؤال القرية نفسها حمال عقالً.‬
‫ومثال املفهوم املتوقف صحة الكالم عليه شرعاً قوله تعاىل ‪‬وأقيموا الصالة‪‬‬
‫فمنطوق اآلية األمر بإقامة الصالة وهو املنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير األمر‬
                                                                ‫بالطهارة قبلها.‬




                                          ‫1‬
                                              ‫3‬
‫وكقوله تعاىل ‪‬أحلت لكم هبيمة األنعام‪ ‬فمنطوق اآلية أن هبيمة األنعام حالل،‬
‫وهذا املنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير التناول أي أحل لكم تناوهلا الشامل لألكل‬
                                                                         ‫وغريه.‬
‫ومثال املفهوم املتوقف صدق الكالم عليه عقال من السنة قوله ‪" :‬رفع عن أميت‬
‫اخلطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فإن منطوق احلديث أن اخلطأ والنسيان واإلكراه‬
‫مرفوعة عن هذه األمة، وصدق هذا الكالم متوقف عقالً على املؤاخذة، أي رفع عن أميت‬
‫املؤاخذة باخلطأ اخل؛ ألن نفس اخلطأ والنسيان واإلكراه غري مرفوع عن هذه األمة ملشاهدة‬
                                                         ‫حسا‬
                                                        ‫وقوع هذه الثالثة منهم ًّ.‬
‫وأما االقتضاء التلوحيي: فهو أن يدل اللفظ داللة التزام على معىن يلزم من املعىن‬
‫األصلي لكن ال يتوقف عليه صدقه وال صحته ال عقال وال شرعا وال عادة، وال يتوجه إليه‬
‫القصد عادة مثاله من الكتاب قوله تعاىل ‪‬أحل لكم ليلة الصيام الرفث إىل نسائكم‪‬‬
‫فمنطوق اآلية جواز اجلماع يف كل جزء من الليل حىت اجلزء األخري منه املالقي للصباح،‬
                                     ‫وذلك يلزم منه جواز اإلصباح باجلنابة يف رمضان.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪" :‬النساء ناقصات عقل ودين" قيل: وما نقصان دينهن؟ قال‬
‫‪" :‬متكث إحداهن شطر دهرها ال تصلي" ، فمنطوق احلديث تبيني نقصان دين النساء‬
‫بكوهنن ميكثن شطر الدهر ال يصلني، وذلك يلزم منه أن أكثر أمد احليض مخسة عشر‬
                 ‫ُن‬
‫يوماً، ألن املقام مقام مبالغة يف ذم النساء بنقص العقل والدين، فلو ك َّ ميكثن يف احليض‬
‫أكثر من ذلك لذكره، ومخسة عشر يوماً هي شطر الدهر. ومعىن كون املعىن املفهوم‬
‫باللزوم يف اآلية واحلديث ال يتوجه إليه القصد عادة أن املتكلم مبثل هذا الكالم يف عرف‬
‫الناس ال يقصد هذا املعىن، ال أن اهلل تعاىل غري قاصد له تعاىل عن ذلك علوا كبرياً، بل هو‬
                                                          ‫املطلع على كل خفي وجلي.‬
  ‫مثت تنبيــه كتـاب َّــه مث ‪ ‬تنبيه سنة الذي جـاهاً عظــم‬
                                                    ‫الل‬
‫يع ي أن من أدلة مذهب مالك التنبيه من كتاب اهلل أو من سنة النيب ‪ ‬الذي عظم‬
                ‫جاهه عند اهلل، وداللة التنبيه من قبيل داللة اللزوم، وتسمى بداللة اإلمياء.‬



                                          ‫1‬
                                              ‫4‬
‫وهي: أن يقرن الوصف حبكم لو مل يكن اقتران الوصف بذلك احلكم لبيان كونه‬
                              ‫علة له لعابه الفطن مبقاصد الكالم، ألنه ال يليق بالفصاحة.‬
‫مثاله من الكتاب قوله تعاىل ‪‬والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما‪ ‬فإن اقتران األمر‬
‫بقطع يد السارق مع وصفه بالسرقة يدل باللزوم على أن السرقة هي علة القطع شرعاً، إذ‬
                                               ‫لو مل تكن علة له لكان الكالم غري بليغ.‬
‫ومثاله من السنة قوله ‪ ‬لألعرايب ـ الذي قال له واقعت أهلي يف هنار رمضان ـ :‬
‫"اعتق رقبة اخل"، فإن اقتران األمر بالتكفري مع وصف األعرايب لنفسه بالوقاع يف هنار‬
‫رمضان يدل باللزوم على أن الوقاع علة لألمر بالتكفري بالعتق أو اإلطعام أو الصوم يف‬
  ‫الشرع؛ إذ لو مل يكن علة له لكان الكالم غري بليغ، بل يكون غري جواب أي غري مفيد.‬
  ‫مثت إمجـاع وقيـس وعمــل ‪ ‬مدينة الرسول أسـخى من بـذل‬
                         ‫(مثت إمجاع) يع ي أن اإلمجاع دليل من أدلة مذهب مالك،‬
‫وهو لغةً: العزم، واصطالحاً: اتفاق العلماء اجملتهدين من هذه الألمة بعد وفاة النيب‬
‫‪ ‬يف أي عصر سواء كان يف عصر الصحابة أم ال، وسواء كان املتفق عليه حكماً شرعياً‬
 ‫كحلية النكاح، أو لغوياً ككون الفاء للتعقيب أو عقليا كحدوث العامل، أو دنيوياً كتدبري‬
                                                                                ‫اجليوش.‬
 ‫وال يعترب فيه وفاق العوام مع اجملتهدين، واملراد بالعوام من مل يبلغ درجة االجتهاد،‬
‫فيدخل جمتهد الفتوى، وجمتهد املذهب، أي فيعترب وفاقهم للمجتهدين املطلقني، وال ينعقد‬
‫مع خمالفة إمام معترب كابن عباس من الصحابة، والزهري من التابعني، وكاألوزاعي من‬
                                                                    ‫تابع التابعني.‬
‫والبد له من مستند من كتاب أو سنة أو قياس؛ وال يشترط فيه انقراض عصر‬
‫اجملمعني وال كوهنم على عدد التواتر؛ وهو حجة شرعية عند مجيع أهل السنة لقوله تعاىل‬
‫‪‬ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبني له اهلدى ويتبع غري سبيل املؤمنني نوله ما توىل‬
                  ‫ونصله جهنم وساءت مصرياً‪ ،‬وقوله ‪" :‬ال جتتمع أميت على ضاللة".‬
‫وهو على قسمني: نطقي وسكويت، فالنطقي هو أن يكون اجتماع اجملتهدين على‬
                                            ‫احلكم بالنطق به من كل واحد منهم،‬


                                          ‫1‬
                                              ‫5‬
               ‫والسكويت هو أن ينطق به بعضهم ويسكت الباقون، وهو حجة ظنية؛‬
‫والنطقي على قسمني قطعي وظ ي، فالقطعي منه املشاهد أو املنقول بالتواتر؛ والظ ي‬
‫هو املنقول خبرب اآلحاد الصحيح، وهو حجة ظنية. والقطعي حجة قطعية، وهو الذي مينع‬
‫خرقه إلحداث قول زائد، ويقدم على ما عارضه من الكتاب والسنة والقياس ولو اجللي،‬
‫ألن الكتاب والسنة يقبالن النسخ والتأويل، والقياس حيتمل املعارض أو فوت شرط من‬
                                                  ‫شروطه، واإلمجاع معصوم من هذا كله.‬
‫ومل خيالف يف حجية اإلمجاع إال الروافض واخلوارج والشيعة والنظام، وخالفهم‬
           ‫لغو، ألهنم ليسوا من أهل السنة، ومن جحد حجيته مل يكفر لكنه ابتدع شنيعة.‬
‫واجملمع عليه على ثالثة أقسام: ضروري ومشهور ونظري. فالضروري هو الذي‬
‫يكفر جاحده بال خالف كتحرمي الزنا أعاذنا اهلل منه. واملشهور يكفر جاحده على‬
‫املشهور إن كان منصوصاً يف الكتاب والسنة، ألن جحده تكذيب للشارع، مثاله ربا‬
‫اجلاهلية وربا النساء. وأما النظري فال يكفر جاحده اتفاقا ولو كان منصوصاً يف الكتاب‬
‫والسنة، كفساد احلج بالوطء قبل الوقوف، وكاستحقاق بنت االبن السدس مع بنت‬
                                        ‫الصلب، فإن هذين جممع عليهما ولكنهما نظريان.‬
‫(وقيس) يع ي أن من أدلة مذهب مالك رمحه اهلل القياس الشرعي، وهو لغة التقدير‬
‫والتسوية، قال الفهري: والنظر فيه من أهم أصول الفقه إذ هو أصل الرأي وينبوع الفقه،‬
                                                    ‫ومنه تتشعب الفروع، وهو جل العلم.‬
‫وحده اصطالحاً: محل معلوم على معلوم ملساواته يف علة احلكم عند احلامل. فخرج‬
‫احلكم الثابت بالكتاب أو السنة فال يسمى قياساً، ودخل بقوله عند احلامل القياس الفاسد‬
                               ‫يف نفس األمر ألنه قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح.‬
‫وأركانه أربعة، األول: املقيس عليه، وهو حمل احلكم املشبه به كالرب، والثاين: حكم‬
‫األصل كتحرمي الربا يف الرب، والثالث: الفرع، وهو حمل احلكم املشبه وهو كالدخن مثال‬
‫يف القياسه على الرب، والرابع: العلة، وهو الوصف اجلامع بني املقيس واملقيس عليه‬
                                           ‫كاالقتيات واالدخار يف قياس الدخن على الرب.‬




                                         ‫1‬
                                             ‫6‬
‫وهو مقدم على خرب الواحد عند مالك إذا تعارض معه، ألن اخلرب متضمن للحكم‬
‫فقط، والقياس متضمن للحكم واحلكمة أي العلة؛ ودجري يف الكفارة والتقدير واحلدود‬
                                                                           ‫على املشهور.‬
‫مثاله يف الكفارة قياس رقبة الظهار على رقبة القتل يف اشتراط اإلميان فيها جبامع كل‬
‫منهما كفارة. ومثاله يف التقدير قياس أقل الصداق على أقل نصاب السرقة يف جعله ربع‬
‫دينار جبامع كون كل منهما الستباحة عضو. ومثاله يف احلدود قياس الالئط على الزاين يف‬
                           ‫لزوم احلد جبامع إيالج فرج يف فرج مشتهى طبعاً حمرم شرعاً.‬
                       ‫وال دجري يف الرخص وال األسباب وال الشروط وال املوانع.‬
‫أما الرخص فألهنا ال يعقل معناها، وألهنا خمالفة للدليل. والقياس عليها يؤدي إىل‬
‫كثرة املخالفة فوجب أنه ال دجوز. وأما األسباب والشروط واملوانع فألن القياس عليها‬
‫يستلزم نفي السببية والشرطية واملانعية من خصوص املقيس واملقيس عليه، إذ دجعل السبب‬
‫أوالشرط أو املانع هو املعىن املشترك بني املقيس واملقيس عليه. وما سوى ما ذكر من‬
                                               ‫األحكام الشرعية دجري فيه القياس اتفاقاً.‬
‫(وعمل مدينة الرسول أسخى من بذل) يع ي أن عمل مدينة النيب ‪ ‬الذين أمجعوا‬
‫عليه من أهل مذهب مالك، واملراد هبم الصحابة والتابعون لكن بشرط أن يكون فيما ال‬
‫جمال للرأي فيه من األحكام الشرعية، وقيل إن عملهم حجة مطلقا أي ولو يف احلكم‬
‫االجتهادي. وحجة القولني قوله ‪" :‬املدينة كالكري تنفي خبثها" واخلطأ خبث فوجب‬
‫نفيه عنهم، وألهنم أعرف بالوحي لسكناهم مبحله، وهو مقدم عند مالك على اخلرب‬
                                                                          ‫اآلحادي.‬
‫ومذهب اجلمهور أنه ال يقدم عليه، وليس حبجة شرعية استقالالً، ألهنم بعض األمة‬
‫بل إذا وافقهم عملهم دليالً من أدلة الشرع قواه على معارضها اتفاقاً. مثاله عند مالك‬
‫احتجاجه على نفي خيار اجمللس يف البيع بأنه وجد عمل أهل املدينة على نفيه، وقدمه على‬
                           ‫احلديث الصحيح وهو قوله ‪" :‬البائعان باخليار ما مل يتفرقا".‬
 ‫وهو اقتفـاء ما لـه رحجــان‬             ‫‪‬‬         ‫وقول صحبـه واالستحســان‬



                                          ‫1‬
                                              ‫7‬
‫(وقول صحبه) يع ي أن القول املروي عن أصحاب رسول اهلل ‪ ‬من أدلة مذهب‬
‫مالك، يع ي أنه حجة شرعية عند مالك سواء كان الصحايب إماماً أو مفتياً أو حاكماً،‬
                                                             ‫وسواء كان قوالً أو فعالً.‬
‫واملراد بقول الصحايب رأيه الصادر عن اجتهاده، ويشترط فيه عند مالك أن يكون‬
                                    ‫منتشراً، ومل يظهر له خمالف، نقله الباجي عن مالك.‬
‫ومعىن كونه حجة أن اجملتهد التابعي إىل هلم جرا دجب عليه اتباعه، وال جتوز‬
                   ‫خمالفته، وأما اجملتهد الصحايب فليس حجة عليه قول غريه من الصحابة.‬
‫(واالستحسان) يع ي أن االستحسان من أدلة مالك اليت حيتج هبا يف الشرعيات.‬
‫واختلف يف تفسريه، فقيل: (هو اقتفاء ما له رجحان) أي هو اتباع الدليل الراجح على‬
‫معارضه من األدلة الشرعية، وهو على هذا التفسري ال خمالف يف وجوب العمل به لإلمجاع‬
                                    ‫على وجوب العمل بالراجح من الدليلني املتعارضني.‬
‫وقيـل بل هـو دليـل ينقـذف ‪ ‬يف نفس من باالجتهـاد يتصـف‬
‫(وقيل) أي وقال بعض املالكية (بل هو دليل ينقذف) أي يقذفه اهلل (يف نفس من‬
‫باالجتهاد يتصف) أي يف ذهن العامل املتصف باالجتهاد املطلق حىت ينقدح فيه وينشرح‬
                                                                                    ‫له.‬
   ‫‪ ‬عنه فال يعلـم كيـف خيبــر‬               ‫ولكن التعبيـر عنـه1 يقصــر‬
‫(ولكن التعبري منه) أي من اجملتهد (يقصر عنه) أي يقصر عن الدليل الذي قذف اهلل‬
‫يف قلبه (فال يعلم كيف خيرب) أي فال يعلم كيف اإلخبار أي التعبري عن الدليل املقذوف يف‬
‫ذهنه والشرح له يف قلبه، وهو على هذا التفسري مردود على الصحيح كما قال يف "الغيث‬
‫اهلامع" قال ابن احلاجب: ألنه إن مل يتحقق كونه دليالً فمردود اتفاقا، وإن حتقق ذلك‬
‫فمعترب اتفاقا، ورده البيضاوي بأنه البد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده، ألن ما‬
‫ينقدح يف نفس اجملتهد قد يكون ومهاً ال عربة به؛ وقال ابن احلاجب: تصوره عندي‬
‫كاملمتنع، ألن من أوصاف اجملتهد البالغة، والبليغ هو الذي يبلغ بعبارته كنه مراده،‬
                                     ‫فكيف ينقدح يف ذهنه دليل ويعجز عن التعبري عنه.‬

                       ‫1 هذا املثبت يف املنظومة الواردة يف آخر الكتاب، لكن املثبت أثناء الشرح (منه) والسياق يؤيده.‬

                                                 ‫1‬
                                                      ‫8‬
‫وممن أنكره الشافعي وقال: من استحسن فقد شرع؛ وعمل به مالك، رواه عنه‬
   ‫البصريون من أصحابه، وأنكره العراقيون منهم؛ وقال به أيضا أبو حنيفة وبعض احلنابلة.‬
‫وقال األبياري: إن االستحسان هو األخذ باملصلحة اجلزئية الكائنة يف مقابلة دليل‬
‫كلي، كما إذا اختار بعض ورثة املشتري باخليار الرد، واختار بعضهم اإلمضاء، فالقياس‬
‫الكلي رد اجلميع ألهنم ورثوا عنه اخليار ويف تبعيضه دخول الضرر على البائع، واملصلحة‬
‫اجلزئية أخذ اجمليز اجلميع؛ وإمنا استحسن األخذ هبا وتقدميها على القياس الكلي ألن فيه‬
‫ارتكابا ألخف الضررين، ألن اجمليز تعارض له ضرران أحدمها رد اجلميع فيفوته غرضه من‬
‫املبيع بالكلية، والثاين أخذه جبميع املبيع وليس غرضه إال يف بعضه، وهذا أخف، ألن ضرر‬
‫أخذ اإلنسان ملا ال غرض فيه أخف من ضرر فوات غرضه بالكلية. ومعىن كون رد اجلميع‬
‫هو القياس الكلي أن البائع باع متاعه مجلة، فالقياس إذا رد إليه بعضه أن يرد إليه مجيعه،‬
                                                        ‫ألن يف رد البعض إليه ضرراً به.‬
‫وقال أشهب: إن االستحسان هو ختصيص الدليل العام بالعادة ملصلحة الناس يف‬
‫ذلك، كاستحسان دخول احلمام من غري تعيني بزمن املكث وقدر املاء، مع أن الدليل‬
‫الشرعي العام مينع ذلك، ألنه داخل يف القدر املنهي عنه يف احلديث للجهل بالثمن وهو‬
‫املاء ومقدار املكث. وكذا شراء الشرب من القربة من غري تعيني قدره ألنه قدر يسري معفو‬
‫عنه استحساناً؛ وإمنا استحسن جواز هذين األمرين ألن املكايسة فيهما بتعني قدر املاء‬
‫املغتسل به وقدر املكث يف احلمام يف األوىل، وقدر املاء املشروب يف الثانية قبيحة عادة.‬
‫وهو على هذا التفسري خمتلف فيه، والصحيح رده ألن تلك العادة إن كانت يف زمن النيب‬
‫‪ ‬وأقرها فهو ثابت بالسنة، وإن كانت يف زمن اجملتهدين ومل ينكروها فهو إمجاع‬
                                                  ‫سكويت، وإال فهي مردودة إمجاعا.‬
 ‫وسـد أبواب ذرائـع الفســاد ‪ ‬فمالـك لـه على ذه اعتمــاد‬
‫يع ي أن سد أبواب الوسائل إىل الفساد من أدلة مالك اليت حيتج هبا يف الشرعيات‬
‫ويعتمد عليها، فمىت كان الفعل السامل من املفسدة وسيلة إىل مفسدة منعنا منه، وهذا‬
                                                              ‫خاص مبذهب مالك.‬



                                         ‫1‬
                                             ‫9‬
‫وقد أمجعت األمة على أن وسائل الفساد على ثالثة أقسام: قسم متفق على منعه،‬
‫وقسم متفق على جوازه، وقسم خمتلف فيه. فاملتفق على منعه كسب الصنم عند عابديه‬
‫الذين يسبون اهلل عند سبه، وكحفر اآلبار يف طرق املسلمني، وإلقاء السم يف أطعمتهم،‬
‫ألن يف هذين وسيلة إىل إهالك املسلمني، فهذه الوسائل الثالثة حمرمة إمجاعاً. والقسم‬
‫املتفق على جوازه كغرس شجر العنب مع أنه وسيلة إىل عصر اخلمر منها، وكالشركة يف‬
‫سكىن الدور مع أهنا وسيلة إىل الزنا، فإن هاتني الوسيلتني جائزتان إمجاعاً. والقسم‬
‫املختلف فيه مل مينعه إال مالك كبيوع اآلجال فإهنا وسيلة إىل الربا، ومل مينعها إال مالك،‬
‫وكدعوى األمة فإن مالكاً منع توجيه اليمني فيها على املدعى عليه مبجردها، وأما دعوى‬
‫املال فيتوجه اليمني على املدعى عليه مبجردها؛ قال يف التنقيح: واعلم أن الذريعة كما‬
‫دجب سدها دجب فتحها ويندب ويكره ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة‬
                    ‫احملرم حمرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة كالسعي إىل اجلمعة واحلج.‬
‫وموارد األحكام على قسمني: مقاصد وهي املتضمنة للمصاحل واملفاسد يف نفسها،‬
‫ووسائل وهي الطرق املفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من حتليل وحترمي غري‬
‫أهنا أخفض رتبة من املقاصد يف حكمها، فالوسيلة إىل أفضل املقاصد هي أفضل الوسائل،‬
‫وإىل أقبح املقاصد هي أقبح الوسائل، وإىل ما يتوسط متوسطة، ويدل على اعتبار الوسائل‬
‫قوله تعاىل ‪‬ذلك بأهنم ال يصيبهم ظمأ وال خممصة‪ ‬إىل قوله ‪‬إال كتب هلم به عمل‬
‫صاحل‪ ‬فأثاهبم اهلل على الظمأ والنصب وإن مل يكونا من فعلهم ألهنما حصال بسبب‬
‫التوسل إىل اجلهاد الذي هو وسيلة إىل إعزاز الدين وصون املسلمني باستعداد وسيلة‬
                                                                     ‫الوسيلة.‬
‫قاعدة: كلما سقط اعتبار املقصد سقط اعتبار الوسيلة ألهنا تبع له، وقد خولفت‬
‫هذه القاعدة يف إمرار املوسى على رأس من ال شعر له يف احلج، مع أنه وسيلة إىل إزالة‬
                     ‫الشعر فيحتاج إىل ما يدل على أنه مقصود يف نفسه وإال فهو مشكل.‬
‫تنبيه: قد تكون وسيلة احملرم غري حمرمة إذا أفضت إىل مصلحة راجحة كالتوسل إىل‬
‫فداء األسارى بدفع املال للعدو الذين حرم عليهم االنتفاع به لكوهنم خماطبني بفروع‬



                                         ‫2‬
                                             ‫0‬
‫الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل ليأكله حراماً حىت ال يزين بامرأة إذا عجز عن ذلك إال‬
  ‫به، وكدفع املال للمحارب حىت ال يقتتل هو وصاحب املال، واشترط مالك فيه اليسارة.‬
‫قلت: فقد تبني من كالم القرايف هذا أن املداراة وسيلة إىل حرام، وهو أكل‬
‫اللصوص للمال احملرم عليهم ألهنم خياطبون بفروع إمجاعاً، ألهنم مؤمنون فليسوا كالكفار‬
‫احلربيني يف مسألة القرايف؛ وإذا كانت املداراة وسيلة إىل حمرم كام الدليل الكلي يقتضي‬
‫حترميها ألن وسيلة احملرم حمرمة إال إذا أفضت إىل مصلحة أرجح من احملرم املتوسل إليه هبا‬
‫كما يف فداء األسارى من أيدي الكفار باملال، فإنه يفضي إىل مصلحة هي ختليص أنفس‬
‫املسلمني، وتلك املصلحة هي أرجح من احملرم املتوسل إليه هبا الذي هو أكل الكفار للمال‬
‫حراماً. وأما املداراة باملصلحة املفضية إليها وهي ختليص املال من اللصوص ليست بأرجح‬
‫من احملرم املتوسل إليه هبا الذي هو أكل اللصوص للمال حراماً، ألن ختليص املال باملال يف‬
‫املداراة ال يساوي ختليص نفوس األسارى باملال يف مسألة القرايف، ولو فرضنا أن املصلحة‬
‫يف املداراة أرجح من احملرم الناشئ عنها لكانت غايتها اجلواز ألن األصل يف وسيلة احملرم‬
‫التحرمي، وإذا انتفى غريه بقي اجلواز فقط، إذ ال ميكن أن تكون وسيلة احملرم واجبة، وإذا‬
‫مل تكن املداراة واجبة مل تكن الزمة ملن وديت عنه بغري إذنه فأحرى إن وديت عليه بغري‬
‫رضاه، وال دجرب عليها من أباها ألن اجلائز لإلنسان فعله وتركه ال يلزمه أداؤه ملن وداه عنه‬
‫بغري إذنه إمجاعاً، ألنه ودى عنه للصوص حقاً غري واجب عليه وأوصل إليه نفعاً ال يلزمه‬
                                                                       ‫إيصاله إىل نفسه.‬
  ‫وحجـة لديـه االستصحــاب ‪ ‬ورأيــه يف ذاك ال يعـــاب‬
‫يع ي االستصحاب حجة شرعية لدى مالك، فهو من أدلة مذهبه، (ورأيه يف ذلك)‬
‫أي يف جعله حجة شرعية (ال يعاب) أي ال يرد وال ينتقد عند أهل النظر الصحيح يف‬
‫العلم الشرعي. وهو على قسمني: استصحاب العدم األصلي واستصحاب ثبوت ما دل‬
                                          ‫الشرع على ثبوته لوجود سببه حىت يثبت نفيه.‬
‫فاألول هو املسمى بالرباءة األصلية، وهو انتفاء األحكام الشرعية يف حقنا حىت يدل‬
‫دليل على ثبوهتا، وال يكون حجة شرعية إال بعد البحث عن دليل من كتاب أو سنة يدل‬



                                          ‫2‬
                                              ‫1‬
                                        ‫ح‬
‫على خالف العدم األصلي، فإن مل يوجد ُكِم برباءة الذمة من التكليف وهذه إباحة‬
                    ‫عقلية، واألصل فيه قوله تعاىل ‪‬وما كنا معذبني حىت نبعث رسوال‪.‬‬
‫وخالف يف الدليل األهبري وأبو الفرج منا وطائفة من الفقهاء، فقال األهبري األصل‬
‫يف األشياء قبل ورود الشرع املنع واحتج بقوله تعاىل ‪‬وما أتاكم الرسول فخذوه‪ ‬فمفهوم‬
‫اآلية أن ما مل يأت به الرسول ‪ ‬بأن مل يوجد عليه دليل من كتاب أو سنة أنه ال دجوز‬
‫األخذ به، وقوله تعاىل ‪‬يسألونك ماذا أحل هلم‪ ‬فمفهوم اآلية أن املتقدم قبل احلل املنع،‬
‫وقوله تعاىل ‪‬أحلت لكم هبيمة األنعام‪ ‬فمفهوم اآلية أن األنعام كانت قبل ورود اآلية‬
                                                                    ‫حمرمة عليهم.‬
‫وقال أبو الفرج األصل يف األشياء قبل ورود الشرع اإلباحة الشرعية ال العقلية،‬
‫وحجته قوله تعاىل ‪‬هو الذي خلق لكم ما يف األرض مجيعا‪ ،‬وقوله تعاىل ‪‬وأعطى كل‬
‫شيء خلقه‪ ،‬فمعىن اآليتني أن األشياء خلقت مباحة لب ي آدم، والتحرمي يف بعضها طارٍ‬
                                                                           ‫على اإلباحة.‬
 ‫وتظهر فائدة هذا اخلالف عند عدم األدلة الشرعية أو تعارضها يف شيء خاص، قاله‬
 ‫القرايف وحنوه للمازري؛ فعلى قول األهبري يكون احلكم يف الشيء الذي تعارضت فيه‬
 ‫األدلة أو عدمت هو املنع، وعلى قول أيب الفرج يكون فيه اإلباحة. قال يف "الضياء‬
                                                        ‫الالمع" قال املازري كأكل التراب.‬
 ‫وفصل بعض الفقهاء يف الشيء الذي تعارضت فيه األدلة أو عدمت فقال إن كان‬
                                                                      ‫مضرا‬
‫ذلك الشيء ًّ فهو منهي عنه كراهة أو حترمياً على قدر مرتبته يف املضرة كأكل التراب‬
‫وشرب تبغة ومشها، لقوله ‪" ‬الضرر وال ضرار" أي يف ديننا، وإن كان نافعاً كأكل‬
 ‫فاكهة مبجرد التشهي والتفكه فهو مأذون فيه إباحة أو ندباً أو وجوباً على مرتبته يف النفع‬
             ‫لقوله تعالة ‪‬هو الذي خلق لكم ما يف األرض مجيعاً‪ ‬وال مين إال جبائز فيه نفع.‬
‫والنوع الثاين من االستصحاب هو معىن قول الفقهاء: األصل بقاء ما كان على ما‬
 ‫كان، ومعناه أن الشيء الذي دل الشرع على ثبوته لوجود سببه دجب احلكم باستصحابه‬
‫حىت يدل دليل على نفيه، كثبوت امللك لوجود سببه الذي هو الشراء، فيحكم به حىت‬
‫يثبت زواله، وكثبوت شغل الذمة لوجود سببه الذي هو االلتزام أو االتالف فيحكم به‬


                                          ‫2‬
                                              ‫2‬
‫حىت يثبت براءهتا بالبينة أو اإلقرار. وهذا األصل حجة شرعية عند األكثر من العلماء‬
‫وخالف فيه أبوحنيفة، وحجته أن االستصحاب يعم كل شيء، وإذا كثر عموم الشيء‬
‫كثرت خمصصاته، وما كثرت خمصصاته ضعفت داللته، فال يكون حجة شرعية، وأجيب‬
                            ‫بأن الظن ضعيف دجب اتباعه حىت يوجد معارضه الراجح.‬
  ‫وخرب الواحد حجـة لديـــه ‪ ‬بعض فروع الفقـه تنب ي عليــه‬
‫يع ي أن اخلرب أي احلديث والفعل والتقرير الذي رواه واحد عدل فطن مأمون ثقة أو‬
‫من يف حكمه عن رسول اهلل ‪ ‬حجة شرعية عند مالك بىن عليه بعض فروع الفقه يف‬
‫مذهبه، ومفاده الظن، وهو اخلرب العاري عن قيود املتواتر بأن كان خرب واحد عدل أو‬
‫خرب مجع ال ميتنع تواطؤهم على الكذب عادة كاالثنني والثالثة واألربعة، وهو على‬
‫قسمني: مستفيض وغري مستفيض، فاألول ما زاد على ثالثة وقيل على اثنني وقيل على‬
‫واحد، والثاين ما دون ذلك وهو ما رواه واحد أو اثنان أو ثالثة، وقيل إن املستفيض‬
‫واسطة بني اخلرب املروي بعدد التواتر وخرب الواحد؛ فاملتواتر هو خرب اجلمع الذي ميتنع‬
‫تواطؤهم على الكذب عادة عن حمسوس وهو يفيد العلم الضروري، واملستفيض ما رواه‬
‫مجع ال ميتنع تواطؤهم على الكذب عادة وهو يفيد العلم النظري. واآلحادي خرب الواحد‬
‫العدل وهو يفيد الظن. وقال ابن خويز منداد أنه يفيد العلم إذا كان راويه عدالً، واختار‬
‫ابن احلاجب قوله، وقيده مبا إذا احتفت به قرينة منفصلة زائدة على العدالة مثل ما أخرجه‬
‫الشيخان أو أحدمها ملا احتف به من القرائن منها: جاللتهما يف هذا الشأن، وتقدمهما يف‬
‫متييز الصحيح على غريمها، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وقال ابن حجر وهذا التلقي‬
                                       ‫وحده أقوى يف إفادة العلم من جمرد كثرة الطرق.‬
‫وانعقد اإلمجاع من لدن حممد ‪ ‬إىل اآلن على وجوب العمل خبرب الواحد يف‬
‫الشهادة والفتوى وحكم احلاكم واألمور الدنياوية كاختاذ األدوية واألغذية والتجارة‬
‫والسفر. ومذهب مالك والشافعي وأمحد وأيب حنيفة والفقهاء واألصوليني وجوب العمل‬
‫به يف سائر األمور الدنياوية ، واختلفوا هل وجوب العمل به ثابت بالشرع أو بالعقل‬
‫والشرع معا؛ حجة األول قوله تعاىل ‪‬يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا‪ ‬أي‬
‫فتثبتوا حىت يتبني لكم صدق ما قال، فموجب التثبت كون املخرب فاسقاً، فمفهومه أن خرب‬


                                        ‫2‬
                                            ‫3‬
‫الصاحل يعمل به بال تثبت، واإلمجاع السكويت أيضاً فإن الصحابة استدلوا خبرب الواحد‬
‫وعملوا به واحتجوا به وشاع ذلك بينهم من غري نكري. وحجة الثاين من الشرع اآلية‬
‫واإلمجاع السكويت املذكوران، ومن العقل أنه لو مل دجب العمل به لعطلت األحكام املدونة‬
                          ‫خبرب الواحد، وهي كثرية جدا، وال سبيل إىل القول بتعطيلها.‬
    ‫وباملصالـح عَنيـ ُ املرسلــه ‪ ‬لـه احتجاج حفظتـه النقلــه‬
                                                         ‫ت‬
‫يع ي أن مالكاً ‪ ‬نقل عنه االحتجاج باملصاحل املرسلة أي املطلقة من االعتبار‬
‫واإللغاء، أي اليت مل يرد عن الشارع أمر جبلبها وال هني عنها بل سكت عنها، ألن املصاحل‬
                                                                     ‫على ثالثة أقسام:‬
‫األوىل: املصلحة املعتربة شرعاً أي اليت أمر الشارع العباد جبلبها ألنفسهم كمصلحة‬
‫حفظ العقل فإن الشارع أمر جبلبها إمجاعاً، ولذلك حيرم استعمال كل مأكول أو مشروب‬
                                              ‫أو مشموم يزيل العقل بالقياس على اخلمر.‬
‫الثانية: امللغاة شرعاً أي اليت هنى الشارع العباد عن جلبها ألنفسهم كمصلحة‬
‫ارتداع امللك عن اجلماع يف هنار رمضان فإهنا ال جتلب له إال بإلزامه التكفري بصوم شهرين‬
‫متتابعني فال ختيري بينه وبني اإلطعام والعتق لسهولة بذل املال عليه يف شهوة الفرج؛ وقد‬
‫ألغى الشارع هذه املصلحة بتخيري اجملامع يف هنار رمضان يف التكفري بني الصوم واإلطعام‬
‫والعتق، ومل يفرق بني امللك وغريه، وكمصلحة التقوي على احلصاد ومحل األثقال فإهنا ال‬
‫جتلب للعامل إال بإباحة الفطر له يف رمضان وقد ألغاها الشارع بإلزمه الصوم بقوله‪‬فمن‬
‫شهد منكم الشهر فليصمه‪ ‬فلذلك مل يقسه الفقهاء على املسافر يف إباحة الفطر جبامع‬
‫املشقة، فال دجوز له الفطر فيه إال إذا خاف يف أثناء النهار أنه إذا متادى على الصوم إىل‬
                                              ‫الغروب أورث ذلك له مرضاً أو هالكاً.‬
‫الثالثة: املصلحة املرسلة أي املطلقة من االعتبار واإللغاء وهي حجة عند مالك،‬
‫ومعىن احتجاجه أنه يأمر جبلبها ويقيس عليها كمصلحة اإلقرار من املتهم بالسرقة، فإن‬
‫مالكاً يبيح جلبها بضربه حىت يقر وحجته يف العمل هبا أن الصحابة ‪ ‬عملوا هبا، فإن من‬
‫املقطوع به أهنم كانوا يتعلقون باملصاحل يف وجوه الرأي ما مل يدل دليل شرعي على منعها‬
‫ككتابتهم للمصحف ونقطهم وشكلهم له ألجل حفظه من النسيان، وكحرق عثمان ‪‬‬


                                         ‫2‬
                                             ‫4‬
‫للمصاحف ومجع الناس على مصحف واحد خوف االختالف يف الدين، فجواز الكتابة‬
‫واحلرق هو احلكم املعمول به ألجل املصلحة املرسلة اليت هي احلفظ من النسيان والسالمة‬
‫من االختالف يف الدين. وأىب عن االحتجاج هبا كبار أصحاب مالك ومجهور العلماء‬
‫وقالوا ال دجوز ضرب املتهم بالسرقة ليقر ألنه قد يكون بريئاً، وترك الضرب ملذنب أهون‬
‫من ضرب بريء، وقال الغزايل إمنا دجوز العمل هبا إذا كانت يف حمل الضرورة بأن كانت‬
‫إذا مل جتلب أدى ذلك هلالك الدين أو النفس أو العقل أو النسب أو املال أو العرض بشرط‬
‫أن تكون كلية أي عامة على بالد اإلسالم، وأن تكون قطعية الوقوع، مثال استعماهلا رمي‬
‫الكفار املتترسني بأسرى املسلمني يف احلرب املؤدي إىل قتل الترس معهم إذا قطع أو ظن‬
‫ظناً قريباً من القطع بأهنم إن مل يرموا استأصلوا املسلمني بالقتل الترس وغريه، وإن رموا‬
‫سلم غري الترس من املسلمني فيجوز رميهم حلفظ باقي األمة، فاحلكم هو جواز رمي‬
‫الكفار مع الترس، واملصلحة املرسلة حفظ سائر املسلمني، وهذه املصلحة واقعة يف حمل‬
‫الضرورة ألهنا إذا مل جتلب أدى ذلك إىل هالك نفوس مجيع املسلمني ووقوعها قطعي، ألن‬
                              ‫الرمي يدفعهم عن املسلمني قطعاً وهي عامة على املسلمني.‬
 ‫‪ ‬بـه وعنـه كان طورا يعــدل‬                 ‫ورعي خلف كان طورا يعمــل‬
‫يع ي أن رعي اخللف أي مراعاة اخلالف من أدلة مالك اليت كان يستدل هبا لكنه‬
                           ‫يعمل هبا تارة ويعدل عنها تارة أخرى فال احتجاج هبا دائماً.‬
‫ورعي اخللف: هو إعمال اجملتهد لدليل خصمه أي اجملتهد املخالف له يف الزم‬
‫مدلوله الذي أعمل يف عكسه دليال آخر، مثاله: إعمال مالك دليل خصمه القائل بعدم‬
‫فسخ نكاح الشغار يف الزم مدلوله الذي هو ثبوت اإلرث بني الزوجني املتزوجني بالشغار‬
‫إذا مات أحدمها، وهذا املدلول هو عدم الفسخ، وأعمل مالك يف نقيضه وهو الفسخ دليال‬
‫آخر، فمذهبه وجوب فسخ نكاح الشغار وثبوت اإلرث بني املتزوجني به إذا مات‬
‫أحدمها واعترضه عياض بأنه خمالف للقياس الشرعي؛ ألن القياس الشرعي أن دجري اجملتهد‬
‫على مقتضى الدليل، واعترضه أيضاً بأنه غري مطرد يف كل مسألة خالف، وذلك مشكل‬
‫ألنه إن كان حجة عمت يف كل مسألة وإال بطلت، ألن ختصيصه ببعض مسائل اخلالف‬
                                                         ‫حتكم أي ترجيح بال مرجح.‬


                                         ‫2‬
                                             ‫5‬
‫وأجاب ابن عرفة بأن رعي اخللف حجة يف بعض املسائل دون بعض، وضابط ذلك‬
‫رجحان دليل املخالف عند اجملتهد على دليله يف الزم مدلول دليل املخالف، فليس حتكماً‬
 ‫ألن له مرجحاً، وثبوت الرجحان ونفيه إمنا يكون حبسب نظر اجملتهد يف النوازل واعترضه‬
 ‫بعض الفقهاء بأنه يقتضي إثبات اللزوم بدون الزمه، ألن فيه إثبات ملزوم دليل اجملتهد‬
 ‫املراعي للخالف كمالك يف املثال، بدون الزمه ألن مالكاً أثبت فسخ نكاح الشغار لدليل‬
 ‫شرعي دون الزمه الذي هو عدم اإلرث بني الزوجني وذلك حمال. وأجيب بأن استحالة‬
 ‫وجود امللزوم بدون الزمه ال تكون إال يف اللزوم العقلي وأما اللزوم الشرعي فال استحالة‬
 ‫يف انفكاك امللزوم فيه عن الالزم مع وجود ملزومه كموجبات اإلرث كالبنوة مثالً فإهنا‬
‫ملزومة لإلرث شرعاً أي جعلها الشرع ملزومة له، وقد ينتفي اإلرث مبوانع كالكفر‬
‫والرق مع وجود البنوة، واألصل فيه عند مالك قوله ‪ ‬يف قصة ولد زمعة الذي اختصم‬
‫فيه سعد بن أيب وقاص وعبد بن زمعة كل منهما يدعيه، يدعي سعد أنه ابن أخيه عتبة،‬
‫ويدعي عبد أنه أخوه ألنه من أمة أبيه، فأحلق رسول اهلل ‪ ‬الولد بصاحب الفراش الذي‬
‫هو زمعة، وللعاهر احلجر أي الرجم واحتجيب منه يا سودة ملا رأى من شبهه بعتبة، فراعى‬
‫رسول اهلل ‪ ‬احلكمني أي حكم الفراش فأحلق الولد بصاحبه الذي هو زمعة وحكم الشبه‬
                 ‫فأمر بنت صاحب الفراش اليت هي سودة بنت زمعة باالحتجاب من الولد.‬
‫ويشترط يف جواز مراعاة اخلالف أن ال يؤدي إىل صورة ختالف اإلمجاع كمن‬
‫تزوج بغري ويل وال شهود بدانق مقلداً أباحنيفة يف نفي الويل ومالك يف نفي الشهود‬
‫والشافعي يف الدانق وهو نصف سدس الدرهم، فإن هذا النكاح دجب فسخه أبداً إمجاعاً،‬
‫ويشترط فيه أيضاً أن ال يترك املراعي له مذهبه بالكلية كأن يتزوج مالكي تزوجاً فاسداً‬
‫على مذهبه صحيحاً عند غريه مث يطلق ثالثاً، فإن ابن القاسم يلزمه الثالث مراعاة للقول‬
 ‫بصحته، فإن تزوجت من قبل زوجا مل يفسخ نكاحه عند ابن القاسم ألن الفسخ حينئذ‬
‫إمنا كان مراعاة للقول بصحة النكاح األول، ومراعاة اخلالف مرتني تؤدي إىل ترك‬
                                                                      ‫املذهب بالكلية.‬
‫دجب أم ال قد جرى فيه اختـالف‬         ‫‪‬‬       ‫وهل على جمتهـد رعـي اخلالف‬



                                         ‫2‬
                                             ‫6‬
‫يع ي أن الفقهاء اختلفوا هل رعي اخلالف دجب على كل جمتهد من العلماء املالكية‬
‫أم ال دجب على قولني، واختلفوا أيضاً هل يراعى كل خالف أو إمنا يراعى منه املشهور‬
                                                                                    ‫فقط.‬
   ‫وهذه مخـس قواعـد ذكــر ‪ ‬أن فروع الفقـه فيها تنحصــر‬
‫يع ي أن فروع الفقه كلها تنحصر يف هذه اخلمس اليت سيذكرها قريباً، ومعىن‬
‫احنصارها فيها أن الفروع كلها مستخرجة منها بالنظر إما بواسطة أو بوسائط، وأشار إىل‬
                                                             ‫تعداد القواعد اخلمس بقوله:‬
  ‫وهي اليقني حكمـه ال يرفــع ‪ ‬بالشك بل حكـم اليقيـن يتبـع‬
‫يع ي أن األول من القواعد اخلمس هي أن حكم اليقني ال يرفع بالشك بل يتبع‬
‫حكم اليقني أي يستصحب ويلغى الشك، ألن القاعدة الشرعية أن الشك يلغى عند مجيع‬
‫العلماء ويستصحب احلال الذي كان قبله، قال املقري: قاعدة املعترب يف األسباب والرباءة‬
‫وكل ما تترتب عليه األحكام العلم وملا تعذر يف أكثر الصور أقيم الظن مقامه لقربه منه،‬
‫وبقي الشك ملغى على األصل إال أن يدل دليل خاص من الشرع على اعتباره كالنضح‬
‫من الشك يف إصابة النجاسة، وكالوضوء من الشك يف احلدث عند مالك؛ وأما إمتام‬
‫الصالة فاملعترب فيه عند الشافعي والباجي اليقني وعند النعمان وابن احلاجب الظن؛ وقال‬
‫األبياري األصل اتباع الظن مطلقاً حيث ال يشترط العلم ما مل يرد يف الشرع املنع من‬
‫ذلك كمنع القضاء بشهادة العدل وإن غلب على الظن صدقه، وهذا مما قدم فيه النادر،‬
‫وأما الشك فساقط االعتبار إال يف النادر كنضح من شك يف إصابة النجاسة وغسل اليدين‬
                                                                     ‫عند القيام من النوم.‬
‫ومن فروع هذه القاعدة لزوم البناء على اليقني ملن شك ثالثا أو أربعاً، فإن املتيقن‬
‫ثالثة ألن األربعة وجبت بيقني فال تربأ منها إال بيقني. ومنها لزوم البينة للمدعي ألن‬
                                         ‫األصل براءة ذمة املدعى عليه فال تعمر إال بيقني.‬
‫واألصل يف هذه القاعدة قوله ‪ ‬يف املصلي الذي دجد بني أليتيه شيئاً أنه ال ينصرف‬
‫حىت يسمع صوتاً أو دجد رحياً قاله القرايف يف اهليث اهلامع؛ قال حلولو وهذه القاعدة‬



                                          ‫2‬
                                              ‫7‬
‫تشتمل على قاعدة العمل باالستصحاب وتندرج فيها قاعدة إلغاء الشك يف املانع واعتباره‬
                                                              ‫يف املقتضي والشرط.‬
‫قلت: ومعىن ذلك أنا إذا شككنا يف املانع ينتفي احلكم ألن ثبوته منتف قبل الشك،‬
‫وإن شككنا يف السبب مل نرتب املسبب ألن عدمه متيقن قبل الشك، وإن شككنا يف‬
                                 ‫الشرط مل نرتب املشروط ألن عدمه متيقن قبل الشك.‬
‫مثال الشك يف املانع: الشك يف الطالق فإنه ال ينتفي به احلكم املتيقن الذي هو‬
                                                    ‫استمرار العصمة وحلية االستمتاع؛‬
‫ومثال الشك يف السبب: الشك يف دخول الوقت فإنه ال يترتب عليه السبب الذي‬
                                   ‫هو إدجاب الصالة ألن عدمه متيقن فال يثبت بالشك؛‬
‫ومثال الشك يف الشرط: الشك يف الطهارة فإنه ال يترتب عليه املشروط الذي هو‬
                        ‫صحة الصالة ألن عدم الطهارة هو املتيقن قبل الشك فال يترتب.‬
    ‫وضـرر يـزال، والتيسري مـع ‪ ‬مشقـة يـدور حيثمـا تقــع‬
‫(وضرر يزال) يع ي أن القاعدة الثانية من القواعد اخلمس ال ي تنحصر فيها فروع‬
‫الفقه وجوب إزالة الضرر عمن نزل به، واألصل فيها قوله ‪" :‬ال ضرر وال ضرار" ألن‬
                                         ‫الشريعة مبنية على جلب املصاحل ودفع املفاسد.‬
‫وتندرج يف هذه القاعدة قاعدة ارتكاب أخف الضررين املتعارضني؛ ومن فروعها‬
‫شرع الزواجر من احلدود والضمان ورد املغصوب مع القيام وضمانه بالتلف، والتطليق‬
                                                                  ‫باإلضرار واإلعسار.‬
‫(والتيسري مع . مشقة يدور حيثما وقع) يع ي أن القاعدة الثالثة من القواعد اخلمس‬
‫اليت يدور عليها الفقه دوران التيسري مع املشقة حيثما وقعت أي كلما وقعت املشقة حساًّ‬
       ‫جاء التيسري شرعاً. واألصل فيها قوله تعاىل ‪‬وما جعل عليكم يف الدين من حرج‪.‬‬
‫ومن فروع هذه القاعدة األخذ باألخف، والرخص كجواز القصر واجلَمع والفطر‬
‫يف السفر. قال القرايف: املشاق قسمان، قسم ال تنفك العبادة عنه فال يوجب ختفيفا، ألن‬
‫العبادة قررت معه كالوضوء يف الربد والصوم يف احلر، وقسم تنفك عنه وهو ثالثة أقسام،‬
‫فإن كان يف الضروريات عفي عنه إمجاعاً كما إذا كان فيه هالك نفس أو عضو، وإن‬


                                        ‫2‬
                                            ‫8‬
 ‫كان يف مرتبة التتميمات مل يعف عنه إمجاعاً كما إذا كان فيه جمرد جهد فقط، وإن كان‬
               ‫يف مرتبة احلاجيات فمحل خالف بني العلماء كما إذا كان فيه مرض خفيف.‬
     ‫وكل مـا العـادة فيـه تدخـل ‪ ‬من األمـور فهي فيـه تعمــل‬
 ‫يع ي أن كل ما تدخل فيه العادة أي عادة العوام القولية والفعلية من األحكام‬
‫الشرعية فهي عاملة فيه أي حمكمة فيه ختصيصه إن كان عاماً وتقييده إن كان مطلقاً‬
‫وتبيينه إن كان جممالً. والذي تدخل فيه عادة العوام القولية أي الذي حتكم فيه هو ألفاظ‬
 ‫الناس يف األميان واملعامالت من العقود والفسوخ واإلقرارات والشهادات والدعاوى، وهي‬
‫يف غلبة استعمال اللفظ يف معىن غري معناه األصلي أم ال حىت يصري هو املتبادر إىل الذهن‬
                                          ‫منه عند اإلطالق ويصري املعىن األصلي كاملهجور.‬
 ‫مثال ختصيصها للعام محل ميني من حلف أن ال يركب دابة على ذوات األربع، فال‬
 ‫حينث بركوب غريها من كل ما يدب على وجه األرض، كما إذا ركب نعامة أو إنساناً‬
       ‫مع أن لفظ الدابة لغة يشمل كل ما ذكر ولكن خصصته العادة القولية بذوات األربع.‬
‫وأما عادة العوام الفعلية فهي غلبة معىن من املعاين على مجيع البالد أو بعضها، وهي‬
‫حمكمة يف أمور معلومة كمعرفة أسباب األحكام من الصفات اإلضافية كصغر ضبة‬
‫وكربها، وإطالق ماء وتقييده، وغالب الكتابة، ونادر العذر ودائمه وتقدير نفقات‬
  ‫الزوجات واألقارب وكسوهتم، وكتمييز ما هو األنسب للرجال من متاع البيت وما هو‬
                                                                         ‫األنسب للنساء منه.‬
  ‫مثال حتكيمها القضاء للمرأة بالفرش والوسائد إذا اختلفت مع الزوج فيها وال بينة‬
  ‫ألن العادة قاضية أهنا ال ميلكها إال النساء، وكالقضاء بآلة احلرب للرجل إذا اختلف مع‬
                                   ‫امرأته وال بينة، ألن العادة قاضية أهنا الميلكها إال الرجال؛‬
  ‫واألصل يف هذه قوله تعاىل ‪‬خذ العفو وامر بالعرف‪ ‬وقوله ‪ ‬هلند بنت عتبة:‬
                ‫"خذي ما يكفيك وولدك باملعروف" ملا قالت له إن أبا سفيان رجل مسيك.‬
‫ومل يتكلم الناظم على العادة الشرعية ألهنا من مجلة األدلة الشرعية ختصص عموم‬
                     ‫اآليات واألحاديث وتقيد مطلقاهتا وتبني جممالهتا وتنسخ املتقدم عليها.‬



                                             ‫2‬
                                                 ‫9‬
‫وهذه القواعد األربعة ذكرها القاضي حسني، وقال إن فروع الفقه كلها آئلة إليها،‬
‫وحبث بعضهم يف ذلك فقال يف رجوع مجيع الفقه إليها تعسفا ألن أصوله منتشرة تتضح‬
                     ‫بالتفصيل، وزاد بعض العلماء قاعدة خامسة وإليها أشار الناظم بقوله:‬
  ‫وللمقاصــد األمـور تتبــع ‪ ‬وقيل ذي إىل اليقيـن ترجــع‬
‫(وللمقاصد أمر تتبع) يع ي أن األمور تتبع املقاصد فإن كان حسناً كان حسناً، وإن‬
                                                                 ‫كان قبيحاً كان قبيحاً.‬
‫ومن فروعها متييز العبادات من العادات بالقصد ومتييز مراتب العبادات بالقصد ألن‬
                                          ‫ط‬
‫القصد شرط صحة يف العبادات احملضة وشر ٌ حلصول الثواب يف مجيع األعمال. ومنه‬
        ‫ختصيص العموم وتقييد املطلق يف األميان بالنية على تفصيل يذكر يف كتب الفروع.‬
‫وتندرج يف هذه القاعدة قاعدة سد الذرائع إىل الفساد وقد تقدم بياهنا. واألصل فيها‬
                                   ‫قوله ‪" :‬إمنا األعمال بالنيات وإمنا لكل امرئ ما نوى"‬
‫(وقيل ذي إىل اليقني ترجع) أي وقيل إن قاعدة تبعية األمور ملقاصدها ترجع إىل‬
‫قاعدة اليقني ال يرفع بالشك، ألن الشيء إذا مل يقصد فنحن على يقني من عدم حصوله،‬
                                                       ‫وهذا القول حكاه الشيخ حلولو.‬
    ‫وقيل للعـرف وذي القواعــد ‪ ‬مخستها ال خـلف فيهـا وارد‬
‫(وقيل للعرف) أي وقيل إهنا ترجع إىل قاعدة حتكيم العرف أي أهنا داخلة فيها،‬
‫وهذا القول حكاه ويل الدين العراقي عن بعض العلماء قال ألن العادة تقتضي أن غري‬
‫املنوي من غسل وصالة وكنيابة يف عقد ال يسمى غسال وال قربة وال عقداً؛ وقد رد‬
                      ‫الشيخ عز الدين أحكام الشرع كلها إىل جلب املصاحل ودرء املفاسد.‬
‫(وذي القواعد . مخستها ال خلف فيها وارد) يع ي أن هذه القواعد اخلمس ال‬
‫خالف بني العلماء كلهم يف كوهنا أصوال تبىن عليها فروع الشريعة، وإمنا اخلالف بينهم‬
‫يف تفصيل ذلك؛ قال يف نشر البنود ورجوع بعض فروع الفقه إىل هذه األصول فيه تكلف‬
‫باعتبار وسائط، فلو زيدت األصول اليت ترجع إليها فروع الفقه مع وضوح الداللة لزادت‬
                                                                            ‫على املائني.‬
  ‫‪ ‬م ي محـد دائـم ليـس يبيــد‬                                   ‫ولل‬
                                                  ‫قد مت ما رمت َّــه احلميـد‬


                                          ‫3‬
                                              ‫0‬
      ‫وأطيب الصـالة مع أسىن السالم ‪ ‬على حممد وآلـــه الكــرام‬
   ‫(قد مت ما رمت) أي ما قصد نظمه (وهلل احلميد) أي املتصف بصفة احلمد يف‬
   ‫األزل (م ي محد دائم ليس يبيد) أي ال يفىن على مد الدهور (وأطيب الصالة مع أسىن‬
   ‫السالم) أي ومنه أطيب الصالة وأضوى السالم (على حممد وآله الكرام) مجع كرمي؛ وآله:‬
                                                                  ‫املؤمنون من ب ي هاشم.‬
   ‫وهذا آخر ما أردنا من شرح منظومة الفقيه سيدي أمحد بن حممد بن أيب كف،‬
   ‫وآخر دعوانا أن احلمد هلل رب العاملني، والصالة والسالم على سيدنا حممد خامت النبيئني‬
   ‫وإمام املرسلني وعلى آله وصحبه أمجعني وتابعيهم وتابع التابعني هلم بإحسان إىل يوم‬
                                      ‫الدين عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.‬
                 ‫انتهى حبمد اهلل وحسن عونه وتوفيقه اجلميل وحسبنا اهلل ونعم الوكيل.‬



                          ‫نقله ورتبه: الشاطيب الوهراين‬
                                   ‫يف 08/2885م‬




                            ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬
                 ‫وصلى اهلل على سيدنا حممد وعلى آله وصحبه وسلم‬

 ‫دالئـل الشـرع العزيز العلمـا‬       ‫‪‬‬     ‫احلمـد للــه الذي قد فهمـا‬
 ‫على النبـي اهلـامشي أمحــدا‬        ‫‪‬‬    ‫مث الصـالة والسـالم أبـــدا‬
‫والتابعيــن هلـم على الـدوام‬        ‫‪‬‬                         ‫ر‬
                                          ‫وآلـه الغ ّ وصحبـه الكــرام‬
‫ذكر مباين الفقه يف الشرع العزيـز‬    ‫‪‬‬      ‫وبعد فالقصد بذا النظم الوجيـز‬


                                           ‫3‬
                                               ‫1‬
  ‫وأستمد منه فتحــه املبيــن‬    ‫فقلت واللـه املعيـن أستعيــن ‪‬‬
‫مالك اإلمام ستــة عشـــر‬        ‫أدلـة املذهب مذهـب األغـ ّ ‪‬‬
                                   ‫ر‬
‫َّـــة من لــه أ ّ َّــه‬
       ‫مت املن‬             ‫سن‬   ‫نص الكتـاب مث ن ّ َّــه ‪‬‬
                                       ‫ص السن‬
  ‫سنـة من بالفضل ِّـه قمـن‬
               ‫كل‬               ‫وظاهر الكتـاب والظاهـر مـن ‪‬‬
‫مث دليـــل سنــــة األواه‬       ‫مث الدليل من كتـاب اللـــه ‪‬‬
 ‫تنبيـه قرآن وسنـة الرســولْ‬    ‫ومن أصولــه اليت هبـا يقـولْ ‪‬‬
‫وسنة اهلادي إىل هنـج الصـواب‬    ‫وحجة لديـه مفهوم الكتــاب ‪‬‬
  ‫تنبيه سنة الذي جـاهاً عظــم‬   ‫مثت تنبيــه كتـاب َّــه مث ‪‬‬
                                         ‫الل‬
‫مدينة الرسول أسـخى من بـذل‬      ‫مثت إمجـاع وقيـس وعمــل ‪‬‬
‫وهو اقتفـاء ما لـه رحجــان‬      ‫وقول صحبـه واالستحســان ‪‬‬
‫يف نفس من باالجتهـاد يتصـف‬      ‫وقيـل بل هـو دليـل ينقـذف ‪‬‬
  ‫عنه فال يعلـم كيـف خيبــر‬     ‫ولكن التعبيـر عنــه يقصــر ‪‬‬
‫فمالـك لـه على ذه اعتمــاد‬      ‫وسـد أبواب ذرائـع الفســاد ‪‬‬
‫ورأيــه يف ذاك ال يعـــاب‬       ‫وحجـة لديـه االستصحــاب ‪‬‬
‫بعض فروع الفقـه تنب ي عليــه‬    ‫وخرب الواحد حجـة لديـــه ‪‬‬
‫لـه احتجاج حفظتـه النقلــه‬      ‫وباملصالـح عنيـت املرسلــه ‪‬‬
‫بـه وعنـه كان طورا يعــدل‬       ‫ورعي خلف كان طورا يعمــل ‪‬‬
‫دجب أم ال قد جرى فيه اختـالف‬    ‫وهل على جمتهـد رعـي اخلالف ‪‬‬
‫أن فروع الفقـه فيها تنحصــر‬     ‫وهذه مخـس قواعـد ذكــر ‪‬‬
‫بالشك بل حكـم اليقيـن يتبـع‬     ‫وهي اليقني حكمـه ال يرفــع ‪‬‬
‫مشقـة يـدور حيثمـا تقــع‬        ‫وضـرر يـزال والتيسيـر مـع ‪‬‬
‫من األمـور فهي فيـه تعمــل‬      ‫وكل مـا العـادة فيـه تدخـل ‪‬‬
  ‫وقيل ذي إىل اليقيـن ترجــع‬    ‫وللمقاصــد األمـور تتبــع ‪‬‬
‫مخستهـا ال خـلف فيهـا وارد‬      ‫وقيل للعـرف وذي القواعــد ‪‬‬
‫م ي محـد دائـم ليـس يبيــد‬      ‫قد مت ما رمت َّــه احلميـد ‪‬‬
                                                ‫ولل‬


                                      ‫3‬
                                          ‫2‬
‫على حممد وآلـــه الكــرام‬   ‫‪‬‬      ‫وأطيب الصـالة مع أسىن السالم‬

                                ‫(انتهى)‬




                                    ‫3‬
                                          ‫3‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Stats:
views:33
posted:10/20/2012
language:Arabic
pages:33