610 by J7G2UPN

VIEWS: 54 PAGES: 134

									‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاره‬



                                         ‫قدم له :‬

                ‫ن ص ُ ُ ُليم ن ا عم‬
                          ‫س‬
               ‫أ.دَا ِر بن ََْاُْلَُر‬


                                         ‫تأليف :‬

             ‫إبراهيم بن عبداهلل األزرق‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬




                                                                   ‫مقدمة النسخة الثانية:‬


       ‫ن‬
‫احلمد هلل رب العاملني، إياه نعبد وإياه نستعني، وإياه أسأل أن يدفع الفنت عّا وعن‬
         ‫بالد املسلمني، وأن يبصرهم بأمر الدين، وأن حييق املكر السيء بأهله آمني، وبعد:‬
‫فقد كنت آمل إخراج هذه النسخة مطبوعة ليصل إليها من قد يعسر عثوره عليهاا‬
   ‫أو تشق استفادته منها رقمية على صفحات اإلنترنت، ولكن قدر اهلل تعسر ذلا ىتا‬
‫الساعة، فآثرت إخراجها رقمية، لعل اهلل ينفع هبا، وأسأله سبحانه أن جيعل ما قضى خرياً،‬
                                                                      ‫وهو اللطيف اخلبري.‬
  ‫والنسخة الثانية كنت قد أخرجت أصلها على صافحات موقاع املسالم عاا‬
‫1414ها، بتقدمي صاىتب الفضيلة الشيخ األستاذ الدكتور/ ناصر بن سليمان العمر –‬
   ‫ىتفظه اهلل-، وها أنا ذا أعيد الكرة بعد أن أضفت وىتررت بعض األلفاظ واملسائل الا‬
‫يقتضي واقع الناس اليو حتريرها، وقد أثبت تقريظ الشيخ على األصل القدمي، وأسأل اهلل‬
                                                                ‫أن ينفع بالتليد واجلديد.‬
‫هذا وقد أذنت لكل من رغب –ىتيث كان- يف طباعة هذه الرسالة ونشرها، على‬
‫أن ال يغري منها شيئاً قبل الرجوع إىل كاتبها، واهلل أسأل أن يكتب يل وله األجر موفوراً،‬
                   ‫واحلمد هلل أوالً وأخرياً، وصلى اهلل على نبينا حممد وسلم تسليماً كثرياً.‬



          ‫إبراهيم عبداهلل األزرق‬
       ‫‪ibraheam@gmail.com‬‬
        ‫غرة شهر اهلل احملرم/4414‬




‫‪‬‬
‫2‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                ‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
                                                                                           ‫تقريظ:‬
     ‫احلمد هلل رب العاملني، والصالة والسالم على أشرف األنبياء واملرسلني، نبينا حممد وعلى آله‬
                                                                                   ‫وصحب أمجعني وبعد:‬
‫فقد أطلعين أخي الكرمي الشيخ أبوعبدالرمحن إبراهيم األزرق على حبث املوسوم بهه (االختتالط‬
‫بتين الجنستين) فألفيت حبثاً قيماً، عاجل في قضية من أهم القضايا الشرعية االجتماعية املتجددة،‬
‫فإن موضوع املرأة أصبح الشغل الشاغل ألعداء اهلل وامللة، حياولون أن ينفذوا من خالل إىل هدم‬
‫مقوم من أهم مقومات بناء كيان األمة. حيث إن املرأة املؤمنة متثل ركيزة مهمة يف بناء األسهرة‬
                                                                 ‫ت‬              ‫ت‬
                       ‫املستقرة، فهي اليت ُخرج األجيال، وُعد األبطال ملواجهة أعداء امللة وانإنسانية.‬
     ‫ولقد كانت أول فتنة بين إسرائيل يف النساء، كما أخرب الصادق املصهدوق صهلى اهلل عليه‬
‫وسلم، مث كان اهلالك والبوار، وأعداء اهلل من اليهود والنصارى وإخواهنم من منافقي هذه األمهة‬
           ‫ش‬
‫يريدون أن يسريوا بنا حيث سار أولك،، حذو القذة بالقذة، ولهذل، أرهاروا ال ُهب ، وبثهوا‬
‫األراجيف، واختلقوا الدعاوى، وقد أصغى إليهم فكام من الناس -رجهاالً ونسهاء- فاخنهدعوا‬
                                                          ‫حببائلهم، وتأرروا بأساليبهم، وصدقوا خصوماهتم.‬
‫ومن أبرز تل، املسائل ما يتعلق بقرار املرأة يف بيتها، حيث سعوا جبد ونشاط، ودَأَبٍ ال يعرف‬
‫الكلل، من أجل إخراج املرأة من حصنها املنيع، وقاعدهتا احلصينة، طمعاً يف أن يتحقق هلم بذل،‬
                                        ‫مناهم، ويظفروا مببتاغهم، و"إمنا يأكل الذئب من الغنم القاصية".‬
            ‫ال‬
‫وإذا فارقت املرأة حصنها، فقد سعت من حيث تدري أو التدري إىل حتفها، إ ّ إذا كان ذل،‬
‫لضرورة أو حاجة الغىن هلا أو ألمتها عنها، مع حتري اليقظة والستر واحلذر، وسرعة األوبهة إىل‬
‫البيت واملستقر، ألن ذل، هو األصل، كما تقرر يف كتاب اهلل الفصهل: ‪‬وقهرن يف بيهوتكن‬
                                                                              ‫والتربجن تربج اجلاهلية‪.‬‬
‫ولقد أجاد أبوعبدالرمحن وأفاد، وعرض املوضوع بأسلوب علمي راق، خياطب العقل والعاطفة،‬
                                             ‫م‬           ‫مم‬
                                          ‫يورد األدلة ويرد على الشبهة دون إطناب ُ ِل أو إجياز ُخل.‬
                                                     ‫ل‬
‫نفع اهلل بعلم ، وسدده وهداه، وبَ ّغ يف اخلري مناه، وصلى اهلل وسلم على احلبيب املصهطفى –‬
                                                        ‫حممد بن عبداهلل، وعلى آل وصحب ومن اتبع هداه.‬
             ‫وكتب/ ناصر بن سليمان العمر‬
               ‫الشرقية – السبت 16/16/1116‬




‫‪‬‬
‫3‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                          ‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
                                                                                            ‫مقدمة :‬
‫إن احلمد هلل حنمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا ومن سايئات‬
                                    ‫أعمالنا، من يهده اهلل فال مضل له، ومن يضلل فال هادي له.‬
                                                                       ‫ال‬
‫وأشهد أن ال إله إ ّ اهلل وىتده الشري له، وأشهد أن حممداً عبده ورسوله، ‪‬يا أيها‬
                                                    ‫ال‬
‫الذين آمنوا اتقوا اهلل ىتق تقاته والمتوتن إ ّ وأنتم مسلمون‪ ،‬يا أيها الناس اتقوا ربكام‬
‫الذي خلقكم من نفس واىتدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجاالً كثرياً ونساءً واتقوا‬
‫اهلل الذي تساءلون به واألرىتا إن اهلل كان عليكم رقيباً‪ ،‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا اهلل‬
‫وقولوا قوالً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اهلل ورسوله فقاد‬
                                                                             ‫فاز فوزاً عظيما‪.‬‬
‫ن‬
‫وبعد، فإن نساء املسلمني يف الصدر األول، وما تاله عرب قرون –مع التفاوت- كا ّ‬
                                               ‫ر‬           ‫ل‬
‫درراً مصونة، وجواهر مكنونة، غري وّاجات خ ّاجات، وإن خرجن للحاجاات، فهان‬
                             ‫ن‬
‫العفيفات املتحفظات، وهكذا كانت احلرائر من البيوتات الكرمية أُفاً، ويف "املفضاليات"‬
                                                                                         ‫الش‬
                                                                                  ‫قول َّْنفَرى:‬
                    ‫َف‬                              ‫ع‬           ‫س‬
             ‫لقد أعجباتين ال َقوطاً قِنا ُها إذا مَشَاتْ وال بذاتِ تَل ُّاتِ‬
                            ‫ُكل‬          ‫َم‬        ‫ص‬
            ‫كَأَّنَ هلا يف األرض نِسياً1 تق ُّه على أ ِّها وإنْ ت ِّمْ َ تَبْالِتِ‬
                                                                     ‫ن ْ‬
                    ‫وهذا أبو قيس ب ُ األَسلَت –خمتلف يف صحبته- ميدح إىتداهن فيقول:‬
                                        ‫ُّ‬           ‫ُْ‬
                 ‫تشتاقها جااراهتا فَيَزرهنَا وتَعاتَل عن إتياهنن فَُتاعْذَرِ‬
                                ‫ّ ْ‬         ‫ن‬
                  ‫وليس هلا أن تستهني جبارةٍ ولكّها مِنهن تَحايَا وتَخفرِ‬
                                                                        ‫َّ‬
‫مث جاء اإلسال ومتم مانقص، فسجل التاريخ لنساء اإلسال يف العهد األول، نزاهاة‬
                                                                 ‫الر‬
‫ذادت مرؤة رجاهلا عنها طري ِّيَب، وعلى مِْنوال أولئ السابقني األولني، كانت عصور‬
‫َّ ا َّمَدحَ بالقرار ونبذِ خمالطة الرجال، كاان شايمة‬ ‫التابعني واألئمة املرضيني. والحتسنب لت ُ‬



‫1 ِّسي على ضربني: أىتدمها ما تقاد عهده ىت نسي، واآلخر ما أضله أهله، فيطلب ويطمع فيه، وهو املاراد‬       ‫الن‬
‫هنا، وتقصه: تتبعه، واألَ ُ: القصد، وقوله: إن تكلم تَبْلت: أي تقطع احلديث الستحيائها. أفاده املربد يف الكامل،‬
                                                                            ‫وانظر مجهرة اللغة (ب-ت-ل).‬


‫‪‬‬
‫4‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


‫العلماء والصاحلني فحسب، بل هي صبغة ذل اجليل، يقول شاعر الغزل مجيل –يف أوائل‬
                                                                              ‫القرن الثاين اهلجري:‬
            ‫ر‬         ‫ل‬                ‫ُاد‬                                 ‫ُد ْ‬
            ‫خو ٌ مِن اخلَفِرَاتِ البِْيضِ مل يرها بِس َّةِ البيتِ ال بَع ٌ والجَا ُ‬
‫وعلى هذا األسلوب جرى مدح العرب عدة قرون، وهذا الخيفى علاى الناا ر يف‬
                                                                ‫أشعارهم، أو العارف بأخبارهم.‬
‫وقد لت نساء املسلمني مصونة يف مدن ىتصينة، عرب عقود بل قرون ازدهرت فيهاا‬
                                                ‫ي‬
‫دولة اإلسال ، بينما كان يقبع غريهم يف ما ُعرف اليو برجعية العصاور الوساطى، أو‬
                                                                                    ‫عصور الظال .‬
‫مث مع احنسار العفاف رويداً رويداً، بدأت تنحسر دولة اإلسال شيئاً فشيئاً، غاري أن‬
 ‫بعض املدن لت نساؤها تعرف بالصيانة والعفاف، يقول ابن العار –رمحاه اهلل- يف‬
                  ‫بري‬                       ‫ني‬
‫النصف األول من القرن السادس: "ولقد دخلت ِّفا على ألف قرية من َّة، فما رأيات‬
                                     ‫ر‬                             ‫أعف‬
  ‫نساء أصون عياالً، وال َّ نساءً من نساء نابلس ال ُمي فيها اخلليل علياه الساال‬
 ‫ن‬                         ‫إال‬
‫َّار، فإّي أقمت فيها أشهراً، فما رأيت امرأة يف طريق هناراً، َّ يو اجلمعاة، فاإهن َّ‬     ‫ن‬      ‫بالن‬
 ‫َّ مل تقاع‬                                             ‫منهن‬
           ‫خيرجن إليها ىت ميتلئ املسجد َّ، فإذا قضيت الصالة، وانقلنب إىل مناازهلن‬
                ‫مترب‬             ‫ت‬                     ‫أل‬
‫عيين على واىتدةٍ منهن إىل اجلمعة ا ُخرى. وسائر القرى ُرى نساؤها ِّجاتٍ بزيناةٍ‬
                                                          ‫ُ‬           ‫كل‬
‫وعطْلَة1، ِّقاتٍ فِي ِّ فتنةٍ وعضْلَةٍ2. وقد رأيت باملسجد األقصى عفائف ما خرجن‬      ‫ُ ٍ متفر‬
 ‫من ُعتكفِه َّ ىت استشهدن فيه"3، ومل تكن بقية القرى ال أشار إليها قد دمهها سايل‬      ‫م َ ِن‬
                                                                             ‫مث‬
‫التغريب إذ مل يكن ّ غري تشبه ومعاص رمبا جاهر هبا من مل يرج هلل وقاراً أو ضعف وازع‬
‫اإلميان يف قلبه، وكان الناس يعلمون أن التهت بني الرجال والنساء معصية وجمون اليقره‬
   ‫شرع وال عقل، ومل يكن أىتد ليحسبه مظهر تقد ٍ أو ىتضارة أو مدنية، وذلا ىتا‬
                                                                       ‫مشارف القرنني األخريين.‬



                                                                                                     ‫ع‬
      ‫1 ُطْلة: مجع عاطلة أي من احللي، واملعىن أهنن متربجات بزينة، ومتربجات قد كشفن حمل احللي أو الزينة.‬
‫2 عُضْلَة: داهية، من العُضَل أي املنكر الداهية، وكأنه وصف بالشدة، فالعني والضاد والال أصل واىتد يدل علاى‬
                                                                                           ‫شدة والتواء.‬
                                                                               ‫3 أىتكا القرآن 4/384.‬


‫‪‬‬
‫5‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


     ‫ج‬
‫أما الواقع املعاصر فقد استشرت فيه الفنت، وجاءت األهواء فساقت الناس حنو ُحرِ‬
 ‫َّاة‬‫الغرب املظلم، إبان غزو التغريب، فبعد أن كان االختالط علقماً يشار باه اخلاص‬
‫والعامة، بدأت عملية تسويغه، عن طريق املدارس االستعمارية العاملية1، بدعوى أن عالج‬
‫(الرجل املريض2) يكمن فيها، وذل مطلع القرن الرابع عشر، فما بلغ أبناء تل املدارس‬
                           ‫هي‬                             ‫ال‬
 ‫اخلمسني، وما انتصف القرن، إ ّ وقد مات (الرجل)، بعد أن َّأت تل املناطق املشبوهة‬
‫مناخاً جيداً لتفريخ أجيالٍ من املستغربني، الذين رأوا أن استعادة األمة جمدها، وعودها إىل‬
                                   ‫ال‬
‫سابق عهدها، وخروجها من واقعها املظلم، لن يكون إ ّ بإىترا كل فضيلة، يف سابيل‬
                                                                           ‫(التنوير) بزعمهم.‬
       ‫ت‬                           ‫ْ ء‬
‫هذا ومع خفوت وهج مصابيح الدجى، عَمِيَت أنبا ُ الشريعةِ على كثري، واسُبهمت‬
‫واضحاهتا، فاختلط ىتكم االختالط، والتبست أىتكا اللباس، و(استعجم) العرب ما جاء‬
                                                         ‫يف التشريع وخباصة ما خيص املرأة.‬
                                              ‫ي‬
‫فكانت الفرصة مواتيةً خلروج دعايا ودعِّات التحرير، الاليت مل يرفعن هبدى اهلل رأساً،‬
                                                                 ‫ومل يرين يف وأد العفة بأساً.‬
              ‫ن‬                 ‫َّ‬
             ‫وماا دِن اإللاه واليَادَِّه‬          ‫َّ ْ‬
                                                 ‫أولئ ما أتني بنصح (خِلة)‬
‫فنادوا بتغريب الفتاة، وعمدوا إىل إلغاء كل تشريع إسالمي خياص املارأة، بتادرج‬
 ‫حمسوب، وخطوات بطيئة، يستدرجون هبا الغافلني والغافالت، "فقال قائلهم أول األمار:‬
   ‫ُ‬
 ‫مادا الرجل التركي اليقدر أن ميشي علناً مع املرأة التركية، وهي سافرة الوجه فلست أَعد‬
                                                                  ‫يف تركيا دستوراً والىترية.‬
‫مث بعد هنيهة قال اآلخر: ما دامت الفتاة التركية ال تقدر أن تتزوج مبن شاءت، ولاو‬
                                               ‫ْ ُ‬
‫كان من غري املسلمني، بل ما دامت ال تَعقِد (مقاولةً) مع رجل تعيش وإياه كما ترياد،‬
                                      ‫مسلماً أو غري مسلم، فإنه ال تعد تركيا قد بلغت رقياً.‬



‫1 انظر املدارس العاملية للشيخ بكر ص14، وقد كانت البدايات يف بعض الدول والسيما احملافظة بطر أخارى‬
‫كالتوسع يف املستشفيات حبجة احلاجة أو الضرورة، ىت أضحى املنكر مألوفاً عند طائفة، فسهل هذا ما بعده ومهد‬
                                                                                   ‫الطريق لشر أكرب منه.‬
                                                             ‫2 كما يزعم املستغربون ويعنون دولة اخلالفة.‬


‫‪‬‬
‫6‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


       ‫الس‬
‫ويعقب شكيب أرسالن بقوله: فأنت ترى أن املسألة ليست منحصرةً يف ُّافورِ،‬
‫والهي مبجرد ىترية املرأة املسلمة يف الذهاب واجمليء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة‬
                                                               ‫ىتلقاهتا متصلة بعضها ببعض"1.‬
                                                                     ‫َّ‬           ‫ن‬
‫"لقد كّا وكانتِ العِفة يف سِقَاءٍ من احلِجابِ مَوكوءٍ، فما زالوا به يَثقُبون يف جوانبه‬
                              ‫ر‬         ‫ب‬                  ‫ْ‬           ‫َّ تتسل‬
‫كل يو ٍ ثقباً، والعِفة َّل منه قَطرَةً قطرة ىت تَقََّضَ وتَكَ َّش، مث مل يكفهم ذل مناه‬   ‫َّ‬
                           ‫ة‬      ‫ة‬
                       ‫ىت جاءوا يريدون أن حيلوا وِكَاءَه ىت ال تبقى فيه قطر ٌ واىتد ٌ"2.‬
‫إن من أمعن النظر يف ىتال املسلمني اليو ، وىتاهلم قبل عقود رأى كيف يسري ركب‬
                                      ‫ُ‬               ‫ُْ‬                ‫حي ُّ‬
                                   ‫التغريب، وعلم أين ُط من يَمَمَ سَمتَهم، واقتفى أَثَرَهم.‬
     ‫ىتل‬         ‫شت‬              ‫د‬             ‫ُ‬                              ‫فإن‬
‫وكما ترى َّ الطريقَ دون ما يريده قَذِع املَرَا ِ3 بعي ٌ، له مراىتل َّى، رمبا َّ أول‬
                                             ‫ْ‬        ‫حيط‬
‫تل املراىتل طيبون، استبعدوا أن َّ هبم من يَعزِ قطعه، ولكن سرعان ماا جااورهم‬
                                                         ‫آخرون، فتتابع الناس يف طريق الفتنة.‬
                                                                          ‫ر‬
‫وهلذا كان التحذي ُ من تل السبيل أَىتَدَ املهمات، والسيما بعد أن بادأ االخاتالط‬
‫يشيع يف اجملتمعات احملافظة، دع من غريها، ولعله من املناسب أن يكون ذلا ببياان‬
‫ىتكم الشرع يف ِّي باب احلجاب بتل اخلطوات ال ختطوها املرأة، فتخرج هبا عان‬    ‫ختط‬
   ‫ىترزِ ع ّتها خمتلطة بالرجال، مع تنبيه أخت اإلسال إىل ىتياث سااقت غريَهاا تلا‬       ‫ف‬
                                                                                     ‫ت‬
                                                                                    ‫اخلطوا ُ.‬
‫وهذا البحث حماولة لتقرير احلكم الشرعي الختالط النساء بالرجال، مع بيان شايء‬
              ‫من اآلثار السيئة والعواقب الوخيمة، ال حلقت من انسا وراء تل الفتنة.‬
‫بدأته بتعريف االختالط الذي هو موضوعه، وماذا يقصد به من يطلقاه، مث ثنيات‬
‫بدراسة فقهية تبني مراعاة الشريعة، ألصل الفصل بني الرجال والنساء، وسالطت فيهاا‬
                    ‫وبي‬
‫الضوء على بعض التشريعات ال رمبا اشتبهت على بعض الناس، َّنت مراعاة صاىتب‬
‫الشريعة فيها املنع من االختالط، وأتبعت ذل بذكر طرف من األدلة على ىترمة اختالط‬


                           ‫1 عن املرأة املسلمة بني الغزو والتقريب، للدكتور زيد بن حممد الرماين، ص11 بتصرف.‬
                              ‫2 كلمات من بعض قصص األديب الكبري مصطفى لطفي املنفلوطي، بتصرف يسري.‬
                                                                                     ‫3 قذع املرا : فاىتشه.‬


‫‪‬‬
‫7‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


‫الرجال بالنساء، مع بيان وجه داللتها، وعقبت بذكر بعض كال أهل العلم يف املنع مان‬
               ‫االختالط، وأخرياً تناول البحث بعض الشبه ال رمبا أثريت ىتول املوضوع.‬
                                                     ‫ي‬
‫مث وضعت يف آخره دراسة واقعية تبّن أضرار االختالط ومفاسده اخللقية، ذكرت فيها‬
‫شيئاً من الواقع الذي أفضت إليه فتنة النساء بالغرب، وتعرضت لطرف من إىتصاائياهتم‬
‫الرمسية من مصادرهم املعتمدة، ودراستهم املعتربة، وقد تضمنت الدراسة ذكار ىتقاائق‬
‫وأرقا من أرض الواقع، تبني لذوي العقول السليمة، والفطر املستقيمة، احلكم العظيمة يف‬
                                                      ‫منع اختالط الرجال بالنساء يف الشريعة.‬
‫وقد ىترصت على إثبات مصادر اإلىتصاءات الغربية حبيث يساهل علاى الباىتاث‬
‫الراغب يف متابعة ما يستجد الوصول إىل مظنة ما يريد، كما ىترصت يف عمو الدراساة‬
                                                                      ‫الن‬
‫على اإلىتالة إىل أصول ُّقول، من باب نسبة الفضل إىل أهله، وألن املتشبع مبا مل يعاط‬
                                             ‫د‬         ‫ل‬
                               ‫كالبس ثو زور، "نعوذ باهلل من طفَْيِّيٍ تصَ َّر بالوقاىتة"1.‬
‫اللهم إ ّ ما طوى النسيان موضعه أوصاىتبه، وبقي معناه يف الاذهن، فأنشائ لاه‬        ‫ال‬
                                                 ‫العبارات، وأطلقه عن أهل العلم أو بعضهم.‬
‫أما الشبهات فلم أىترص على عزوها ألمور من أمهها أن أكثرهاا عاارض إماا يف‬
‫صحيفة سيارة، أو جملة مشهورة، أو وسيلة إعالمية مرئية أو مسموعة، كما أن التدري‬
‫ُّ القائلني ابتدرها أو توىل كربها، ومل أىترص كذل على تقصيها ألمور من أمههاا أن‬          ‫أي‬
‫حترير معىن االختالط احملر كفيل برد كثري منها، وإمنا عنيت مبا لقيت عرضااً يف بعاض‬
‫وسائل اإلعال ، أو شاع ذكره يف بعض البالد ال نبتت فيها نابتة تسوغ االختالط وهتون‬
                                                    ‫من خطره، بل حتاول التأصيل ملشروعيته.‬
                  ‫ال‬
‫وقد عرضت هذه املادة على غري واىتد من مشاخينا وما أخرجتها إ ّ بعد تصاويبهم‬
‫وبعد أن رأوا إخراجها، فنشرت جلها على صفحات اإلنترنت، مث أبدأت فيها وأعادت،‬
‫وسددت بعض اخللل، وتتمت بعض النقص، وىتررت بعض مواطن االشتباه، وهاهي ذي‬
               ‫ال‬
‫خترج بعد االستدراك، ولن ختلو من ىتاجة إىل استدراك، أىب اهلل العصمة إ ّ لكتابه، واملرء‬
‫للوهم كالغرض للسهم، وإمنا يلتمس العذر من يف فضله كمل، الجاهل يهمل يف حتصيل‬


                                                ‫استعاذة ابن عقيل يرمحه اهلل، انظر اآلداب الشرعية 4/344.‬   ‫1‬




‫‪‬‬
‫8‬
    ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                       ‫يل‬
‫الفضائل، ويشري نفسه لنقص األفاضل، ورىتم اهلل من أهدى إ ّ عيايب، أو سدد ماا‬
                                                                      ‫خطه قلمي.‬
‫هذا واهلل أسأل أن يوفق يف هذه الدراسة للصواب، وأن جينب من الزلل، وأن ينفع هبا‬
              ‫اجلامع والقارئ، وصلى اهلل وسلم على نبينا حممد وعلى آله وصحبه أمجعني.‬
          ‫إبراهيم عبداهلل األزرق‬
       ‫‪ibraheam@gmail.com‬‬




‫‪‬‬
‫9‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                                   ‫معنى االختالط:‬
 ‫أجرى الفقهاء لفظ االختالط على مسائل ش ، واملوضوع املقصود بالبحث اختالط‬
 ‫الرجال والنساء، أما معناه من ىتيث وضع اللغة فاالختالط لفظ له استعماالت عديادة‬
                                                                          ‫تدور على أصل واىتد:‬
 ‫فمنه االختالط مبعىن التداخل، ومنه اختالط الرجال بالنساء أي التداخل بينهم1، وهذا‬
 ‫قليل يف كال أهل العلم املتقدمني لقلة مقتضيه عندهم. ويف املعاجم: اخلَلْاط، واخلَلِاط،‬
                                                   ‫واخللط: من يلقي نساءه ومتاعه بني الناس2.‬
 ‫وكذل يكون االختالط بضم الشيء إىل آخر، فيقال خلط الشيء بالشيء خلطاً إذا‬
                                                                                    ‫ضمه إليه3.‬
                                                                                ‫الت‬
      ‫وقد ميكن َّمييز بعْد ذل كما يف احلَيَوانات، أَو ال ميكن كما يف بعْض املاِئعَات4.‬
                   ‫َّ‬          ‫ل‬
 ‫وهلذا قالوا من معناه االمتزاج، فخلط الشيء بالشيء َيخِْطه خَلْطاً وخَلطَه فااخْتَلَطَ‬
                                                                ‫َزج 5 ختلط َختل خت ا‬
                                                     ‫م َ َه ، وا ََْ َ ي َِْط ا ِْالطً: امتزج6.‬

 ‫واالختالط يطلق يف األعيان احملسوسة ويف املعاين، ومن أمثلة العرب قوهلم: اخاتلط‬
         ‫ُ بالزب‬                   ‫ْي َ‬                       ‫بالن‬
  ‫الليل بالتراب، واختلط احلَابِل َّابِلِ، واختلط املَرعِ ُّ باهلَملِ، واختلط اخلَااثِر َُّّااد.‬
                                                          ‫وُضرَب يف استبها األمر وارتباكهِ7.‬ ‫ت‬
 ‫ومما سبق يلحظ أن مادة (خلط) يف اللغة: أصل واىتد، مضاد لا (خلص) 1، وخلص‬
                                                  ‫أصل واىتد مطرد، يفيد تنقية الشيء وهتذيبه.‬



                                                                  ‫1 د. عبد الغين أبو العز : الغين، (اختالط).‬
                                            ‫2 تنظر املادة يف القاموس للفريوزبادي ص838، واللسان 7/484.‬
                                    ‫3 القاموس للفريزبادي ص838، وانظر كذل املوسوعة الفقهية 4/884.‬
 ‫4 إبراهيم مصطفى، وآخرون من جممع اللغة العربية مبصر، الوسيط: 4/234، مادة (خلط)، ط املكتبة اإلسالمية‬
 ‫باستانبول، وانظر كذل املوسوعة الفقهية، لوزارة األوقاف والشئون اإلسالمية الكويتية، 4/884، ط الثانية، ذات‬
                                                                              ‫السالسل، 1214-4884 .‬
                                ‫5 ابن منظور: لسان العرب، 3/744، ط الثالثة، دار صادر، بريوت، 1224 .‬
            ‫6 أديب اللجمي، وشحادة اخلوري، وآخرون: احمليط، 1/443، مادة (خلط)، الناشر حميط، 3884 .‬
                                                                           ‫7 القاموس للفريوزبادي ص838.‬


‫‪‬‬
‫01‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وكأهنم يطلقونه على األعيان املختلفة إذا كان بينها تقارب أو جتاور، وهلاذا قاالوا‬
 ‫للمجاور والصديق والشري : خليط2. ويطلقونه كذل على األعيان إذا كاان بيناها‬
 ‫تداخل مطلقاً مبمازجة أو مالصقة أو بدوهنما. وعليه فإن االختالط قد يقع بالتقارب، أو‬
          ‫التجاور، أو الضم، أو التداخل، وقد تكون معه ممازجة أو مالصقة وقد التكون.‬
                                                ‫فهو أعم من املمازجة، وااللتصا .‬
 ‫وقد جاءت املادة (خلط) يف نصوص الشريعة على حنو استعمال اللغة، فلم ختصص‬
 ‫الشريعة اللفظ أو تقيد املعىن اللغوي ومن استعمال اللفظ يف الشرع قول اهلل تعهاىل:‬
                                      ‫ي‬                               ‫ْ‬       ‫و‬           ‫ُ‬
 ‫‪‬وآخَرونَ اعتَرَف ُا بِذُنوبِهِم خَلَطوا عَمَالً صَاحلِاً وآخَرَ سَاَّئاً ..‪[ ‬التوباة:424]، أي‬
                                                                                ‫ضموا ومزجوا.‬
                                                 ‫هْ ْ ْ‬               ‫ْ‬
 ‫ومنه قوله تعاىل: ‪‬وَإِن ُتخَالِطو ُم فَإِخوَانِكم..‪[ ‬البقرة: 244] أي تضموا طعامكم‬
                                                                                     ‫إىل طعامهم.‬
                                                                   ‫ْ‬            ‫ْ‬
                           ‫وقوله: ‪‬أَو مَا اخْتَلَطَ بِعَظمٍ‪[ ‬األنعا :31]، أي انضم والتصق.‬
 ‫3‬
                                          ‫ْ‬     ‫ْ ُْ‬                          ‫وإن‬
   ‫وقوله: ‪ َّ ‬كَثَيِراً مِن اخللَطَاءِ لَيَبغِي بَعضَهم عَلَى بَعضٍ‪[ ‬ص: 14]، أي الشركاء‬
 ‫مسوا كذل ألن الشراكة حتصل باخللط قبل العقد4، ويف ىتديث الصحيح: "وما كان من‬
                                                       ‫خليطني فإهنما يتراجعان بينهما بالسوية"5.‬
 ‫قال الراغب: "اخللط: هو اجلمع بني أجزاء الشيئني فصاعداً، سواء كانا ماائعني، أو‬
 ‫جامدين، أو أىتدمها مائعاً واآلخر جامداً، وهو أعم من املزج، ويقال اختلط الشيء، قال‬
                                                                    ‫ت ْ‬
 ‫تعاىل: ‪‬فاخْتَلَطَ بِهِ نَبَا ُ األَرضِ‪[ ‬يونس:14]، ويقال للصديق واجملااور والشاري :‬
 ‫ْ ُْ‬                                       ‫وإن‬
 ‫خليط، واخلليطان يف الفقه من ذل ، قال تعاىل: ‪ َّ ‬كَثَيِراً مِن اخللَطَاءِ لَيَبغِي بَعضَاهم‬
                         ‫عَلَى بَعضٍ‪[ ‬ص:14]، ويقال اخلليط للواىتد واجلمع، قال الشاعر:‬    ‫ْ‬


 ‫1 ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، بتوضيحات إبراهيم مشس الدين، 4/474، مادة (خلاط)، ط األوىل، لادار‬
                                                                        ‫الكتب العلمية، 2414-8884 .‬
                                         ‫2 انظر مفردات ألفاظ القرآن، للراغب، اجلزء األول مادة (خلط).‬
                    ‫3 تنظر املادة يف معجم ألفاظ القرآن الكرمي جملمع اللغة العربية، وقد تصرف يف بعضها هنا.‬
                                                                           ‫4 املوسوعة الفقهية 84/444.‬
                                   ‫5 ىتديث أ بكر رضي اهلل عنه يف البخاري 4/343 (4844)، وغريه.‬


‫‪‬‬
‫11‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                   ‫ْ‬       ‫و‬
                       ‫بان اخلليط ومل يَأ ُوا لِمَن تَرَكوا ...‬
                                  ‫1‬


                                                ‫ي‬
 ‫وقال: ‪‬خَلَطوا عَمَالً صَالِحَاً وَآخَرَ سَِّئاً‪[ ‬التوبة:424]، أي: يتعاطون هذا مارة‬
 ‫وذاك مرة، ويقال: أخلط فالن يف كالمه: إذا صار ذا ختليط، وأخلط الفارس يف جرياه‬
                                                     ‫كذل ، وهو كناية عن تقصريه فيه"2.‬
 ‫وكذل ما ورد يف السنة يدور ىتول هذه املعاين، فأصل املادة واىتد كما سبق، ومنه‬
           ‫ي‬
 ‫تفسريهم لقوله صلى اهلل عليه وسلم: الخالط والوراط3، "باحلديث اآلخر الُجمع باني‬
 ‫متفر ، واليفر بني جمتمع.. أما اجلمع بني املتفر فهو اخلالط.."4، وذكر عدة آثاار‬
                                                           ‫الخترج أصول معانيها عما سبق.‬
                                                                     ‫المعنى االصطالحي المعاصر:‬
 ‫يزعم بعض املعاصرين بأن االختالط كمصطلح مل يعرف يف العهد األول يف كتاب‬
 ‫الفقهاء على حنو ما عرف به اللفظ متأخراً، وهذا تشغيب ال كبري طائل وراءه فإن املسائل‬
 ‫مل تزل تستجد وحتدث وخيرجها فقهاء العصر على ما قرره سلفهم، واالختالط املستغرب‬
 ‫املعاصر يف األندية ومكاتب العمل ومقاعد الدراسة بلية عصرية مل تعرفها دور اإلسال يف‬
  ‫ما مضى، وإمنا عرفت صوراً أخرى أنكرها العلماء ما مل تنضبط مبا خيرجها عن ىتد الذ .‬
 ‫والينبغي أن يطعن من تفقه يف مصلح معاصر بدعوى ىتدوثه، فحدوثه ال يدل علاى‬
                                          ‫أن معناه غري مقرر ىتكمه يف دوواين الشريعة.‬
 ‫فكيف إذا كان ما ىتدث قد حتدث الفقهاء عن ما هو أقل شراً وأضعف خطراً مناه،‬
 ‫وأجروا عليه نفس االسم، فكيف وقد جاءت نصوص الشريعة مبا يفيد ىتكم ذل االسم.‬
 ‫أما املعاصرون فقد ذكروا له تعريفات، تدور يف فل واىتد، حموره يرتكز على املعىن‬
                                                                             ‫اللغوي.‬
                                                                ‫َ ِّي‬
 ‫فاالختالط املعْن ُّ عندهم هو االختالط املطلق عن قيود الشريعة، ويدخل فيه االختالط‬
 ‫الغر الوافد إىل العامل اإلسالمي، القائم على اطراح احلدود الشرعية، أو عد اعتبارهاا،‬

                     ‫ً ي‬
          ‫1 شطر من مطلع قصيدة زهري بن أ سلمى يف توعد احلارث بن ورقاء، ومتامه: وزودوك اشتياقا أّةً سَلَكوا.‬
                                                                          ‫2 مفردات القرآن للراغب، مادة (خلط).‬
                                                                               ‫3 شعب اإلميان للبيهقي 4/834.‬
                                                           ‫4 خمتصر من النهاية يف غريب احلديث البن األثري 4/43.‬


‫‪‬‬
‫21‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫من الفسا أو اجلهال، وهذا االختالط غري املقيد قد يستلز خلوة أو كالماً أو نظارة أو‬
 ‫ملسة أو ما فو ذل . وليس مقصود أهل العلم –فيما يظهر- من لفظ االختالط كل ما‬
 ‫يصح إطال لفظ االختالط اللغوي عليه، فإن االختالط هبذا االعتبار قد وجدت بعاض‬
 ‫صوره يف بالد املسلمني قدمياً قبل غزو التغريب غري أنه حمفوف باحلشمة، منضبط بالشرع،‬
 ‫ملتز بقيود خترجه عن ىتد الذ ، وما كان كذل ال يكادون يطلقون عليه لفظ االختالط‬
 ‫املطلق، كاختالط الرجل بأهل بيته وحمارمه، وإمنا الذ لالختالط املطلق غاري املنضابط‬
 ‫بالضوابط الشرعية، وهو املتبادر إذا أطلق لفظ االختالط اليو ، ومان أشاده اخاتالط‬
 ‫املستغربني املستهتر حبدود الشريعة، ومن زعم أن املتبادر املعهود من إطال اللفظ غري ما‬
                                         ‫ذكر كانت احلجة عليه نصوص العلماء يف ذمه1.‬
 ‫وقد ىتد أهل العلم االختالط مبا ترى فيه هذه املعاين، وقد جاءت النصاوص تابني‬
                                                                       ‫ىتكم ما ىتدوه.‬
 ‫قال الشيخ عبدالعزيز بن باز رمحه اهلل يف تعريف االختالط: "هو اجتمااع الرجاال‬
 ‫بالنساء األجنبيات، يف مكان واىتد، حبكم العمل، أو البيع، أو الشاراء، أو النزهاة، أو‬
                                                                ‫السفر، أو حنو ذل "2.‬
   ‫وقال الشيخ عبداهلل بن جار اهلل: "االختالط هو: االجتماع بني الرجل واملارأة الا‬
 ‫ليست مبحر ، أو اجتماع الرجال بالنساء غري احملار ، يف مكان واىتد ميكنهم فيه االتصال‬
 ‫فيما بينهم، بالنظر أو اإلشارة أو الكال ، فخلوة الرجل باملرأة األجنبية على أي ىتال من‬
                                                              ‫األىتوال تعترب اختالطاً"3.‬
   ‫وقال الشيخ حممد املقد يف تعريف االختالط املستهتر: "هو اجتماع الرجل باملرأة ال‬
 ‫ليست مبحر ، اجتماعاً يؤدي إىل الريبة، أو هو اجتماع الرجال بالنساء غاري احملاار يف‬



 ‫1 ومن بدع األقوال زعم بعضهم أن أل يف لفظ االختالط عهدية، مث هو جيري هذا العهد تارة على معىن مشروع‬
  ‫فيبيح االختالط، وتارة على معىن حمر فيمنعه، وال يرى أنه قد تناقض أو تغري! أو حتدث باجملمالت سالكاً مسال‬
                                                                                                ‫اللفظية.‬
          ‫2 عن مقال بعناون خطر مشاركة املرأة للرجل يف ميدان العمل، انظر فتاوى ومقاالت متنوعة 4/241.‬
                         ‫3 عن جملة األسرة، آفة التعليم االختالط، العدد رقم 27 بتاريخ حمر 2414 ص83.‬


‫‪‬‬
‫31‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫مكان واىتد ميكنهم فيه االتصال فيما بينهم بالنظر، أو اإلشارة، أو الكال ، أو البدن، من‬
                                               ‫غري ىتائل أو مانع يدفع الريبة والفساد"1.‬
 ‫فدخول األجنيب على النساء اختالط هبن، ودخول األجنبية على الرجال اختالط هبم،‬
 ‫ودخول بعضهم على بعضهم اختالط، وأما دخول أىتدمها على اآلخر يف بقعة ليس فيها‬
 ‫سوامها ممن يعقل، أو كان فيها ولكن قا فاصل معترب ىتال بينه وبينهم فتل خلوة، وهي‬
                                                           ‫صورة خاصة من االختالط.‬
 ‫واليكون االختالط مع وجود فاصل معترب –يف مجيع الصور السابقة- ولاو كاان‬
                ‫مقي‬
 ‫فضاءً. وتقدير احلائل أمر عريف، تعترب فيه ىتال الناس، إذ ليس فيه نص ُ ِّاد، أو معاىن‬
                                                                               ‫منضبِط.‬‫ُ‬
                         ‫ْ‬
 ‫وهلذا أثر أن عائشة رضي اهلل عنها كانت تطوف بالبيت ىتَجرَة2 غري خمتلطة بالرجال،‬
                                                         ‫ونظائره، مما سيأيت يف موضعه.‬
                         ‫َ‬
 ‫ولعل من جمموع ما سبق يظهر أن اختالط الرجال والنساء املعْنِي هو مطلق امتزاجهم،‬
     ‫ال‬
 ‫أو انضما بعضهم لبعض، أو تداخلهم، سواء كان ذل مبالصقة أو بغري مالصقة، إ ّ أن‬
 ‫تضاف قيود تدفع الريبة، وختتلف هذه باختالف األىتوال، واملعول عليه يف احلكم العا ما‬
                                                            ‫عهد من ىتال عمو الناس.‬
 ‫تنبي : األصل يف لفظ االختالط الذي يطلق يف هذا البحث هو ما قرر هنا من معاىن‬
                                                                                ‫اصطالىتي فليلحظ.‬




                                                 ‫1 انظر عودة احلجاب، حملمد أمحد إمساعيل املقد ، 4/43.‬
                                                                ‫2 ممتنعة عن خمالطتهم، ناىتية بعيدة عنهم.‬


‫‪‬‬
‫41‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                               ‫حكم االختالط وحكمته:‬
 ‫اتفقت األمة بل سائر امللل على أن الشريعة وضعت للمحافظة علاى الضاروريات‬
 ‫اخلمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، واملال، والعقل1. وهذه الضروريات إذا فقدت،‬
 ‫مل جتر مصاحل الدنيا على استقامة، بل على فساد وهتارج وفوت ىتياة، ويف اآلخرة فاوت‬
                                                                                               ‫النجاة..‬
 ‫وفاىتشة الزنا -كما ذكر أهل العلم- انتهت من القبح إىل الغاية، فهي مان أعظام‬
 ‫الفواىتش، ومن أشدها خطراً على ضروريات الدين؛ وهلذا صار حترمي الزنا جممعاً عليه من‬
   ‫قبل العامة واخلاصة2، فهو معلو من الدين بالضرورة3، ونصوص حترميه اهرة مشهورة.‬
                                                     ‫نُ‬                  ‫ْ‬
 ‫قال اهلل عز وجل: ‪‬وال تَقرَُبوا الزِنَى إَِّه كَانَ فَاىتِشَةً وَسَاءَ سَبِيالً‪ ،‬والنهي عن قربان‬
 ‫الزنا أبلغ من النهي عن جمرد فعله4؛ قال العالمة ابن سعدي: ألن ذل يشمل النهي عان‬
                      ‫مجيع مقدماته ودواعيه؛ فإن من ىتا ىتول احلمى يوش أن يقع فيه5.‬
 ‫ولألستاذ سيد قطب كلمة لطيفة يقول فيها: "وألن هاذه الفاواىتش ذات إغاراء‬
 ‫وجاذبية، كان التعبري: وال تقربوا. . للنهي عن جمرد االقتراب، سداً للاذرائع، واتقااء‬
 ‫للجاذبية ال تضعف معها اإلرادة. . لذل ىترمت النظرة الثانياة -بعاد األوىل غاري‬
 ‫املتعمدة- ولذل، كان االختالط ضرورة تتاح بقدر الضرورة. ولذل كان التاربج -‬
 ‫ىت بالتعطر يف الطريق- ىتراماً، وكانت احلركاات املاثرية، والضاحكات املاثرية،‬
 ‫واإلشارات املثرية، ممنوعة يف احلياة اإلسالمية النظيفة.. فهذا الدين ال يريد أن يعهرض‬
 ‫الناس للفتنة مث يكلف أعصاهبم عنتا يف املقاومة! فهو دين وقاية قبل أن يقيم احلهدود،‬
 ‫ويوقع العقوبات. وهو دين محاية للضمائر واملشاعر واحلواس واجلوارح. ورب، أعلم‬
                                                                  ‫مبن خلق، وهو اللطيف اخلبري . ."6.‬


                                                                               ‫1 انظر املوافقات للشاطيب 4/44.‬
                                ‫2 انظر أىتكا القرآن للجصاص 4/184، وكذل اجملموع شرح املهذب 4/34.‬
                               ‫3 انظر املستصفى أل ىتامد الغزايل ص314، وانظر اجملموع شرح املهذب 4/34.‬
                                     ‫4 تفسري اجلاللني 834، واآلية من سورة اإلسراء فالكال للجالل السيوطي.‬
                                                                                     ‫5 تيسري الكرمي الرمحن 731.‬
                ‫6 يف الل القرآن، تفسري سورة األنعا ، قول اهلل تعاىل: ‪‬والتقربوا الفواىتش ما هر منها وما بطن‪.‬‬


‫‪‬‬
‫51‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                             ‫ع‬
 ‫وصد رمحه اهلل، وقد ُلم من مدارك الشرع، أن الشارع احلكيم إذا هنى عن حمر ،‬
 ‫منع أسبابه وما يقود إليه، فالوسائل هلا أىتكا املقاصد، والشريعة جاءت بسد الاذرائع،‬
  ‫والنهي عن الشيء هني عنه وعن الذرائع املؤدية إليه، وهذه الذرائع إما أن تفضي إىل احملر‬
 ‫غالباً، فتحر مطلقاً. وإما أن تكون حمتملة قد تفضي أو التفضي، ولكن الطبع متقااض‬
 ‫إلفضائها، فتحر كذل ، وأما إن كانت تفضي أىتياناً، فإن مل يكن فيها مصلحة راجحة‬
                                                         ‫على هذا اإلفضاء القليل ىترمت1.‬
 ‫ومن أعظم مقدمات فاىتشة الزنا؛ اختالط الرجال بالنساء، قال اإلما ابن القيم رمحه‬
 ‫اهلل: "واختالط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواىتش والزنا"2، وقال الشيخ حمماد بان‬
 ‫إبراهيم: "إن اهلل تعاىل جبل الرجال على القوة وامليل إىل النساء، وجبل النساء على امليال‬
 ‫إىل الرجال مع وجود ضعف ولني، فإذا ىتصل االختالط، نشأ عن ذل آثار تاؤدي إىل‬
 ‫ىتصول الغرض السيئ؛ ألن النفوس أمارة بالسوء، واهلوى يعمي ويصم، والشيطان ياأمر‬
 ‫بالفحشاء واملنكر"3، وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رمحه اهلل: "فالدعوة إىل نزول املرأة يف‬
 ‫امليادين ال ختص الرجال أمر خطري على اجملتمع اإلسالمي ومن أعظم آثاره: االخاتالط‬
             ‫الذي يعترب من أعظم وسائل الزنا الذي يفت باجملتمع، ويهد قيمه وأخالقه"4.‬
 ‫وما ذكره أهل العلم أقر به عقالء الغربيني الكفرة، وشهد له الواقع، قالات الكاتباة‬
 ‫اإلجنليزية الليدي كوك: .. وعلى قدر كثرة االختالط تكون كثرة أوالد الزنا، وهاهناا‬
                                                 ‫عل‬
 ‫البالء العظيم على املرأة. إىل أن قالت: ِّموهن االبتعاد عن الرجال، أخاربوهن بعاقباة‬
 ‫الكيد الكامن هلن باملرصاد5. هكذا قالت، وحنوها قال بعض عقالء القو بيد أن الشهوات‬
 ‫املضلة واألهواء البشرية املتحكمة، تئد تل احلقيقة، فتظل ىتبيسة الدفاتر ال أثار هلاا يف‬
 ‫الواقع، كشأن اإلىتصائيات، فا"يف دراسة أجرهتا النقابة القومية للمدرسني الربيطاانيني‬


                            ‫1 مبعناه من الفتاوى الكربى لإلما ابن تيمية، راجع الفتاوى الكربى 3/474.‬
                                                              ‫2 الطر احلكمية، البن القيم، ص844.‬
                             ‫3 رسالة بعنوان ىتكم االختالط ص4، وانظر جمموع فتواه رمحه اهلل 24/34.‬
     ‫4 خطر مشاركة املرأة للرجل يف ميدان العمل، وهو من ضمن الفتاوى واملقاالت املتنوعة للشيخ 4/841.‬
 ‫5 نقالً عن رسالة الشيخ عبدالعزيز بن باز انظر جمموع الفتاوى واملقاالت 4/341، وقد نقله عان مصاطفى‬
                                                            ‫السباعي يف كتابه املرأة بني الفقه والقانون.‬


‫‪‬‬
‫61‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫أكدت فيها أن التعليم املختلط أدى إىل انتشار اهرة التلميذات احلوامل سفاىتاً (باحلرا )‬
  ‫وأعمارهن أقل من ستة عشر عاماً، كما أثبتت الدراسة تزايد معدل اجلرائم اجلنسية (الزنا)‬
                                                     ‫واالعتداء على الفتيات بنسب كبرية.‬
 ‫ويف أمريكا بلغت نسبة التلميذات احلوامل سفاىتاً (81%) من تلمياذات إىتادى‬
 ‫املدارس الثانوية"1، وتقول راشيل بريتشرد2: "التعليم املختلط يشجع على العالقات باني‬
 ‫األوالد والبنات، وإذا أىتصي عدد املراهقات احلوامل من مدارس خمتلطة ومان مادارس‬
 ‫بدون اختالط (خصوصاً املدارس اإلسالمية) لوجدنا يف الغالب أن النسابة يف املادارس‬
 ‫املختلطة تكون 73% على األقل مقارنة باملدارس ال تطبق الفصل بني اجلنسني بنسابة‬
 ‫لعلها قرب من 3% (يف ىتني ستجد أن النسبة يف املدارس اإلسالمية هي الصفر)، كماا‬
 ‫أنين أعتقد أن اختالط اجلنسني يؤدي إىل عد تركيزهم مان الناىتياة الدراساية؛ ألن‬
 ‫اهاتمامهم سيكون موجهاً للجنس اآلخر"، هذا ما قالاه مان عارفهم، وصادقتهم‬
                                        ‫إىتصائياهتم (فاعتربوا يا أويل األبصار) [احلشر:4].‬
                                                               ‫ال‬
 ‫وما أشري إليه ما هو إ ّ منوذج ملا يقود إليه االختالط من معاص وخلال، واليعاين‬
 ‫االقتصار عليه احنصار اآلثار السالبة فيما ذكر، بل االختالط مقاتض ملعااص أخارى،‬
 ‫ومفاسد ش ، كزنا القلب والعني واألذن واللسان، كما أنه سبيل إىل "هت األعاراض،‬
 ‫ومرض القلوب، وخطرات النفوس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال احليااء،‬
  ‫وتقلص العفة واحلشمة، وانعدا الغرية"3،كما أنه باب ملفاسد أخالقية، وأضرار تربوياة،‬
 ‫وقد يكون عائقاً عن و ائف املرأة وواجباهتا األساسية، وكل واىتدة من هاذه املفاساد‬
 ‫كفيلة بتحرمي االختالط إذ هو ذريعة غالبة إىل بعضها، وأخطأ من ن أن منعاه ساداً‬
 ‫لذريعة الفاىتشة الكربى فحسب، فريخص فيه إذا ن انتفاء هذه الريبة، وينسى غريها من‬
 ‫الريب واآلثا ، واألمر على ما قال شيخ اإلسال : "واعلم أن كثرياً من الناس يسابق إىل‬

 ‫1 عن مقال بعنوان االختالط يف التعليم: مفاسد أخالقية، وأضرار تربوية، لفهد بن عبدالعزيز الشويرخ، نشار يف‬
  ‫جملة اجلندي املسلم العدد 324، لرمضان وشوال وذي القعدة من عا 4414، املوافق نوفمرب –ديسمرب 4224.‬
 ‫2 امرأة بريطانية األصل من ويلز، أسلمت وتسمت عائشة أ سعدية، وقد كان هذا الكال يف مقابلة أجرهتا معها‬
       ‫جملة البيان يف عددها 234 صفحة 87 بتاريخ صفر/4414، وقد كانت ندوة بعنوان واقع املرأة يف الغرب.‬
                                                                              ‫3 ىتراسة الفضيلة 78-88.‬


‫‪‬‬
‫71‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ذهنه من ذكر الذنوب: الزنا والسرقة وحنو ذل ، فيستعظم أن كرمياً يفعل ذل . وال يعلم‬
 ‫هذا املسكني أن أكثر عقالء بين آد ال يسرقون، بال ال يزناون ىتا يف جاهليتاهم‬
                                                     ‫وكفرهم.."1 إخل ما قال رمحه اهلل.‬
 ‫إذاً فال غرو أن يدل الكتاب والسنة على حترمي االختالط، على ما مضى يف تعريفاه،‬
 ‫وإذا تبني األصل يف ىتكمه فإن بعض ما يطلق عليه اختالط لغة قد خيرج عن ىتد التحرمي‬
 ‫إىل اجلواز إذا وقع حلاجة بوجود حمر ، أو من يقو مقامه2 يف غري سفر، وفاق ضاوابط‬
 ‫ُؤمن معها الفتنة، ختتلف باختالف احلال واملقا ، وحنو هذا وإن صح أن يسمى اختالطاً‬      ‫ت‬
 ‫منضبطاً أو مقيداً، غري أنه اليكاد يطلق عليه عند أهل العلم لفظ االختالط، وقد وجد هذا‬
    ‫بداعي احلاجة يف عصور اإلسال املختلفة منذ فجر النبوة دون نكري، وقد غفل عن الفر‬
 ‫بني املطلق واملقيد من جعل األصل يف االختالط اجلواز بدعوى جريانه يف عهد النبوة من‬
     ‫غري نكري، فهذا قد أخذ ىتكم االختالط املقيد املنضبط وركبه اآلخرَ املطلق عان تلا‬
                                                                                ‫القيود.‬
 ‫ومن القيود ال وقع اخلالف فيها اعتبار قيا غري احملر مقا احملر عند دخول النساء‬
 ‫على الرجال أو العكس، وقد أشار إىل اخلالف ابن ىتجر يف الفتح وذهاب إىل اجلاواز‬
 ‫شريطة أن يقو غري احملر مقامه، لضعف التهمة ىتينها، مث قال: "وقال القفال: البد مان‬
 ‫احملر ، وكذا يف النسوة الثقات البد أن يكون مع إىتداهن حمر . ويؤيده نص الشافعي أنه‬
                                             ‫ال‬
                ‫الجيوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات، إ ّ أن تكون إىتداهن حمرماً له"3.‬
 ‫ولعل من أدلة جوازه حلاجة مع وجود حمر على ما سبق ىتاديث ابان عبااس يف‬
 ‫الصحيح، قال: قال النيب صلى اهلل عليه وسلم: "ال تسافر املرأة إال ماع ذي حمار ، وال‬
 ‫يدخل عليها رجل إال ومعها حمر ". فقال رجل: "يا رسول اهلل! إين أريد أن أخارج يف‬
                             ‫جيش كذا وكذا، وامرأيت تريد احلج". فقال: "اخرج معها"4.‬



                            ‫ينظر املستدرك على فتاوى شيخ اإلسال ، حملمد بن عبدالرمحن بن قاسم 4/824.‬   ‫1‬


                                      ‫على خالف فيه انظر تبيني احلقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 4/3.‬   ‫2‬


                   ‫الفتح 1/77 وأشار إىل قوله الشوكاين يف النيل 1/114، وانظر كذل سبل السال 4/823.‬     ‫3‬


                                               ‫البخاري 4/833، 4/427 ومسلم 4/378 و 878.‬               ‫4‬




‫‪‬‬
‫81‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ففي احلديث ىتكمان تنبغي اإلشارة إليهما، األول: اإلذن بالدخول على النسااء إذا‬
 ‫وجد احملر ، وأمنت الفتنة، والتزمت ىتدود الشرع، ومثله عكسه، وأدلتاه يف الصاحاح‬
                                                                       ‫وكتب اآلثار كثرية.‬
  ‫ومما يدل على هذا احلكم ما ثبت عند البخاري وغريه عن سهل قال ملا عارس أباو‬
 ‫أسيد الساعدي، دعا النيب صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه، فما صنع هلم طعاماً وال قرباه‬
                                                                  ‫ل‬
 ‫إليهم إ ّ امرأته أ أسيد، بّت مترات يف تور من ىتجارة من الليل، فلما فرغ النيب صالى‬ ‫ال‬
                                       ‫اهلل عليه وسلم من الطعا أماثته له فسقته تتحفه بذل 1.‬
 ‫قال ابن ىتجر معلقاً على ىتديث سهل: "ويف احلديث جواز خدمة املرأة زوجها ومن‬
 ‫يدعوه، وال خيفى أن حمل ذل عند أمن الفتنة، ومراعاة ما جيب عليها من الستر"2، أما إذا‬
 ‫مل تؤمن الفتنة، أو مل تراع املرأة واجب الستر فال يسوغ عندئذ حنو هذا الفعل ولو ماع‬
 ‫وجود البعل واألب وغريمها من احملار ، وفر بني مناولة املرأةِ املستقيمةِ املتحجبةِ الرجلَ‬
 ‫األجنيب التقي الشيءَ حبضور زوجها وشهادة أفاضل مستترة وبني جمالساتهم املساتمرة‬
  ‫املفضية إىل ما الحيمد.. وليس يف احلديث أهنا جلست معهم، أو أ هرت هلام زيناة، أو‬
 ‫تبسطت يف ىتديث، أو كان ذل قبل احلجاب أ بعده، أو كان الصحابة الذين وسعتهم‬
                                                                    ‫تل احلجرة قرابة أ ال.‬
 ‫وأما اختالف أهل العلم يف سد غري احملرم حمل فلعل الصواب فيه ما اختااره ابان‬
 ‫ىتجر من القول بقيا غري احملر حمله حلاجة يف غري سفر وفق ضوابط تؤمن معها الفتناة،‬
                                                                    ‫ن‬
 ‫ولعل بعض ما ُقل من أفعال النيب صلى اهلل عليه وسلم، وكذل الصحابة يف عهد النبوة‬
                                                                      ‫تدل على هذا.‬
 ‫ومن ذل عرض املرأة نفسها على النيب صلى اهلل عليه وسلم يف جملسه مع أصحابه3،‬
    ‫ومنه سؤال الصحابيات النيب صلى اهلل عليه وسلم عن أىتكا الدين بواسطة1 وبغريها2.‬




            ‫1 صحيح البخاري 3/3884، وقد بوب عليه: باب قيا املرأة على الرجال يف العرس، وخدمتهم بالنفس.‬
                                   ‫2 فتح الباري 8/434، وحنوه ذكر العيين يف عمدة القاري 24/134-334.‬
                                         ‫3 واحلديث متفق عليه، انظر البخاري 4/3444، ومسلم 4/8334.‬


‫‪‬‬
‫91‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫أما احلكم الثاين يف حديث ابن عباس: فهو لزو احملر للمارأة يف سافرها، ولاو‬
 ‫لواجب3، وإن كانت يف رفقة خري األمة من الصحابة والصحابيات رضي اهلل عنهن، ولعل‬
 ‫اخلالف يف قيا غري احملر حمله هنا ضعيف، فاألخبار جاءت متنوعة يف منع املرأة من السفر‬
 ‫بغري حمر ، جاءت مطلقة ومقيدة بيو ويومني وثالثة، واختالف القيد يدل على أنه غاري‬
 ‫مراد وإمنا اقتضته املناسبة، وأن النهي جار على إطالقه، ومل يثبت نص يفيد الترخيص عند‬
                                                                  ‫ال‬
 ‫التمحيص اللهم إ ّ لضرورة، يقررها أهل الشأن، وتكرمي املرأة وصيانتها أمر قصدت إليه‬
                                                                     ‫شريعة اإلسال .‬
 ‫وأخطأ من تشدق بالنظر يف املقاصد مث َتفَيْ َق مبا ىتاصله أن تل املقاصد ال أَسقَطَ‬
     ‫ْ‬                                ‫ه‬
 ‫هبا الواجب مل تبصرها مجاهري فقهاء األمة! وما درى املسكني أنه مغتر بسراب، توهم أن‬
 ‫الشريعة قصدت فقط إىل محاية املرأة ممن أراد الفجور هبا قسراً! بل قصدت الشاريعة إىل‬
 ‫محياهتا من الفاىتشة وأسباهبا، وصيانتها عن االبتذال الذي حيوجها للغريب، ويأطرهاا إىل‬
   ‫طلب ىتاجاهتا خاضة، بل ىتفظتها من أسباب اخلواطر والظنون الفاجرة الكاذبة، ىتا‬
 ‫الجيد مريض القلب أدىن شبهة يشيع هبا قالة السوء، وأي قالة تؤمن بعد ىتادثة اإلفا ،‬
 ‫و"على رسلكما إهنا صفية"4! قصدت الشريعة إىل ىتفظ املرأة ولو كانت متجالة كابرية‬
 ‫من لم اإلنسان إنه كان لوماً جهوالً، قصدت الشريعة إىل ىتفظ النساء مان تطااول‬



 ‫1 كما يف ىتديث زينب امرأة ابن مسعود ملا جاءت باب النيب صلى اهلل عليه وسلم هي وامرأة من األنصار تسأالنه‬
 ‫عن الصدقة على الزوج، فكلما بالالً ليسأل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم والخيربه من مها، وهو عناد مسالم‬
                                                                                               ‫4/183، وغريه.‬
      ‫2 كما يف خرب اجملادلة، وقد علق البخاري أصله يف التوىتيد، ورواه أهل السنن األربعة غري الترمذي، ورواه أمحد‬
                                                        ‫وغريه، وهو ىتديث صحيح، انظر تغليق التعليق 3/844.‬
 ‫3 ذهب بعض أهل العلم إىل القول جبواز سفرها بغري حمر يف كل سفر واجب ولعله بعيد، انظر املوسوعة الفقهية‬
 ‫44/224، و الفواكه الدواين على رسالة القريواين للنفراوي، وكذا قال بعض الشافعية، انظر الغرر البهية يف شرح‬
 ‫البهجة الوردية لزكريا األنصاري 4/274، ونسب إىل شيخ اإلسال القول به ويف النسبة حباث ىتا يف ىتاج‬
                                                                                                        ‫الفرض.‬
  ‫4 إشارة للحديث املتفق عليه، وتأمل كيف أن الرفقة النبوية عند باب املسجد يف ليايل العشر مل يأمن معها صلى اهلل‬
                                                                ‫عليه وسلم أن ينقذف ن السوء يف نفوس صحابة!‬


‫‪‬‬
‫02‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                    ‫ن‬
 ‫األعنا ، ومن مّة الغريب اآلسرة، قصدت إىل تكرمي املرأة احلرة املسلمة! وهلا من احلكم‬
                        ‫يف تشريعاهتا ما تقصر دون استيعابه كله العقول البشرية القاصرة.‬
                                     ‫مما يستدل ب من قال جبواز سفرها يف رفقة مأمونة مطلقاً:‬
                                     ‫أ هر ما قد يشتبه على بعضهم فيتشبث به خربان:‬
                   ‫ال‬
             ‫األول: خرب الظعينة ترحتل من احلرية ىت تطوف بالكعبة ال ختاف إ ّ اهلل.‬
 ‫والثاين: ىتجة أزواج النيب صلى اهلل عليه وسلم زمن عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنهم.‬
                                                            ‫وفيما يلي األجوبة عما استدلوا ب :‬
 ‫أما من استدل على اجلواز خبرب الظعينة ترحتل من احلرية ىت تطاوف بالكعباة ال‬
                                                                               ‫ال‬
 ‫ختاف إ ّ اهلل1، فما أصاب إذ ليس يف اخلرب احملفوظ أهنا ترحتل وىتدها، واألصل يف الظعينة‬
 ‫عند العرب املرأة يف اهلودج كما ذكر ابن األنباري مث أطلق على زوجة الرجل2، والتسمى‬
                                      ‫ال‬
 ‫كل امرأة راكبة اعنة من ىتيث األصل الوضعي إ ّ إذا ركبت ما ترىتل فيه عادة وهاو‬
                             ‫ن‬
 ‫اهلودج، بل قالوا: الظعائن اهلوادج كان فيها نساء أو مل يك ّ، وهذا أصح القولني3، وماا‬
  ‫ورد يف بعض الروايات من قوله: يف غري جوارٍ -أي خفارة أو محاية ولو بعهد- ال يلاز‬
          ‫منه عد وجود رفقة، فالرجل قد جيار واملرأة قد جتار والقافلة قد حتتاج إىل جوار.‬
         ‫ع‬
 ‫فإذا تبني هذا علم أن احلديث احملفوظ مل يذكر سفرها وىتدها دون حمر ، و ُلام أن‬
 ‫نفس لفظ الظعينة يلز منه وجود سائق مرشد للطريق لكون أصله اللغوي -وهو ارحتال‬
                  ‫ق‬
             ‫املرأة يف هودجها- أوىل باحلمل عليه من غريه، ومن الزمه أن يكون سائ ٌ هلا.‬
 ‫مث لو سلم جدالً بأن داللته الظاهرة إمنا هي على سفرها وىتدها، فهو إخبار عن واقع‬
 ‫قد ُلِم إنكاره والنهي عنه بنص آخر، وليس اإلخبار بوقوع شيء دليالً على جوازه، كما‬  ‫ع‬
 ‫أن اخلرب بوقوع كثرة اهلرج والزنا آخر الزمان ال يدل على جوازمها، وال يصاح محال‬
                                                ‫ي‬
 ‫ىتديث عدي على وجه يناقض هنياً ثبت لُصرف به مقتضاه، قال ابن رجاب: "وهاذه‬
                                                                    ‫ن‬
 ‫قاعدة مطردة، وهي أّا إذا وجدنا ىتديثاً صحيحاً صرحياً يف ىتكم من األىتكا ، فإناه ال‬
                                                                     ‫َص‬             ‫رد‬
 ‫ُي ُّ باستنباطٍ من ن ٍّ آخر لَمْ يسق لذل املعىن بالكلية، فال ترد أىتاديث حتارمي صايد‬

                                                                          ‫1 ينظر صحيح البخاري (2214).‬
                                                                                ‫2 لسان العرب 44/274.‬
                                         ‫3 صححه ابن فارس، انظر معجم مقاييس اللغة له، مادة ( عن)، ص343.‬


‫‪‬‬
‫12‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                          ‫الن‬
 ‫املدينة مبا يستنبط من ىتَدِيْث ُّغري، وال أىتاديث توقيت صالة العصر الصرحية حباديث:‬
                                            ‫ج‬
 ‫(مثلكم فيما خال قبلكم من األمم كمثل رَ ُلٍ استأجر أجراء)، احلديث، وال أىتادياث:‬
                ‫1‬
                  ‫(ليس فيما دون مخسة أوسق صدقة) بقوله: (فيما سقت السماء العشر)"‬
 ‫هذا مع أنه ال يتصور سفر املرأة ذات الزوج (الظعينة) يف العهد األول –الذي أدركه‬
 ‫عدي بن ىتامت رضي اهلل عنه وشهد على حتقق ما أخربه الرسول صلى اله عليه وسلم به-‬
                                                                            ‫ال‬
 ‫وىتدها إ ّ لضرورة، وإن مل ختف العدوان للمشقة واىتتياجها إىل من خيادمها، فكياف‬
                                           ‫من َّر‬
                        ‫وسفر املرءِ وىتده ولو كان رجالً شديداً َُف ٌ عنه عند أهل العلم!‬
                                                  ‫ُل‬
 ‫مث إن القائل بظاهر احلديث –إن سِّم له بأن الظاهر ما زعم- يلزمه القول بإقرار سفر‬
 ‫املرأة دون حمر مطلقاً حلج أو عمرة؛ مع رفقة مأمونة أو بدوهنا، واليدل علاى جاواز‬
                                                                         ‫سفرها املباح.‬
 ‫وأما استدالل بعضهم حبج أزواج النيب صلى اهلل علي وسلم زمن عمر دون نكري،‬
 ‫ودعوى بعضهم أن ذل مبثابة اإلمجاع، فدعوى اشتملت على أغالط، مناها أن بعاض‬
 ‫أزواج النيب صلى اهلل عليه وسلم ما ىتججن أصالً كسودة وزينب رضي اهلل عنهما، ذكره‬
 ‫ابن سعد وغريه2، وقد قالت زينب وسودة: ال حتركنا دابة بعد ما مسعنا رسول اهلل صلى‬
                              ‫اهلل عليه وسلم، تريدان احلديث: "هذه مث هور احلصر"3.‬
 ‫ومنها كذل أن افتراض سفرهن دون حمر افتراض مرفوض، ملخالفته هني املرأة عان‬
                                                                          ‫ال‬
 ‫السفر إ ّ مع ذي حمر ، فاألصل التزامهن باألمر والنهي، وال تقيد داللة األمار والناهي‬
 ‫بفرض حمتمل مل يثبت. مث إن أفعال امللتز بالشرع ينبغي أن حتمل على مقتضاى دليال‬
 ‫الشرع فال تعطل داللة دليل وال يرمى صحا مبخالفة مل تثبت، وهذا مقتضى ىتسن الظن‬



                                                                        ‫1 فتح باري ابن رجب 1/134.‬
                                                                                       ‫2 يف طبقاته 8/824.‬
 ‫3 ينظر مسند اإلما أمحد 3/144، ورواه غريه مجع، وقد ىتسنه األرنؤوط وصحح إسناده غري واىتد مان أهال‬
 ‫العلم، وانظر فتح الباري 1/17، ويف رد تعليل من علله حبث يأيت يف موضعه، وهو يدل على أن سودة وزيناب‬
 ‫كانتا ال تستأذنان يف احلج، وموت زينب رضي اهلل عنها قبل تل احلجة ال يغري رأيها، واألقوال ال متوت مباوت‬
                                                                                             ‫أصحاهبا.‬


‫‪‬‬
‫22‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫الواجب بأولئ القو رضي اهلل عنهم، وبكل ىتال ال يسوغ تأويل دليل الشرع باحملتمل‬
         ‫من أفعال اخللق، ومن صرف الدليل الشرعي الثابت عن وجهه مبحتمل فما أصاب.‬
 ‫وال يصح أن يزعم زاعم أنه مل حيج من حمار فالنة من أزواج النيب صالى اهلل علياه‬
 ‫وسلم أىتد تل احلجة ألنه مل ينقل، فاملتقرر أن عد النقل ليس نقالً للعد ، وعد العلام‬
 ‫ليس علماً بالعد ، واجلهل ال يلغي إطال النص، فكيف وقد جرت العادة بسفر النسااء‬
                                                                     ‫ال‬
 ‫مع حمارمهن إ ّ من ضرورة والسيما يف ذل العهد، وهذه العادة املستقرة يف غري ىتاال‬
                                                    ‫الضرورة أصل جيب أن يستصحب.‬
 ‫فكيف وقد علم معها أن بعض حمار أزواج النيب صلى اهلل عليه وسالم مل يكوناوا‬
 ‫يتخلفون عن خري نسائهم، فمعاوية –مثالً- إبان إمرة الشا –أواخر خالفة عمر- رمباا‬
             ‫جاء فحج مع عمر رضي اهلل عنهما1، وهو أخو أ ىتبيبة رملة رضي اهلل عنها.‬
 ‫وكان يف ىتجة عمر رضي اهلل عنه األخرية ال كانت فيها محلة أمهات املؤمنني الزبري‬
 ‫بن العوا رضي اهلل عنه2، ويبعد أن يتخلف عنه ابنه وعائشة رضي اهلل عناهم خالتاه،‬
 ‫وكذل حمارمها من آل أ بكر متوافرون، وكذل ابن عمر رضي اهلل عنهما يبعاد أن‬
 ‫يتخلف عن أبيه وأخته ىتفصة، والسيما مع ما قيل يف ترمجته: "كان كثري احلج، ال يفوته‬
 ‫احلج كل عا "3، وكذل حمار صفية من أهل اإلسال كانوا معها باملدينة مان أمثاال‬
 ‫رفاعة بن السموأل القر ي خاهلا، والربيع ابن أخيها وغريمها، ويبعاد ختلفهام عناها،‬
 ‫وكذل جويرية كان مثة من إخوهتا عمرو بن احلارث، وعبداهلل، وابن أخيهاا الطفيال‬
                                                                           ‫وغريهم.‬
                                                            ‫هل ربت حجهن دون حمارم؟‬
 ‫أورد بعض أهل العلم خرب ىتجهن بلفظ: ومعهن أولياؤهن ممن ال حتتجنب مناه، ومل‬
 ‫يثبت سنده، غري أن معناه صحيح يف اجلملة، فقد علمنا يقيناً بأن مع بعض أمهات املؤمنني‬
 ‫يف تل احلجة بعض حمارمهن، إذ كانت تل احلجة آخر ىتجة4 ىتجها عمر رضاي اهلل‬

                                                 ‫1 الزهد البن املبارك 4/424، وانظر اإلصابة 3/134.‬
                                                                       ‫2 انظر فتح الباري 4/844.‬
                                                           ‫3 انظر ترمجته يف تاريخ دمشق 44/444.‬
                                                                      ‫4 صحيح البخاري (4374).‬


‫‪‬‬
‫32‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫عنه، وثبت ىتج بعض حمارمهن مع عمر رضي اهلل عنه يف آخر ىتجة ىتجها، فحفصة من‬
 ‫حمارمها عمر رضي اهلل عنه، وميمونة ومن حمارمها ابن عباس رضي اهلل عنه1، وذكر بعض‬
 ‫من ترجم للحسن بن علي رضي اهلل عنهما أنه ىتج ماشياً من املدينة ىتجات كثرية قاال‬
 ‫بعضهم مخساً وعشرين ىتجة2 وذكر بعضهم مخس عشرة ىتجة، وذكر بعضهم عشارين‬
                                                        ‫ال‬
 ‫ىتجة3، ومل يعرف انقطاعه إ ّ عند ذهابه للكوفة عا مخسة وثالثني، وكذا احلسني ذكروا‬
 ‫يف ترمجته أنه كان كثري احلج، وذكر أنه قتل معه يو قتل سبعة عشر رجالً كلهم من ولد‬
 ‫فاطمة، وكلهم كان باملدينة، فيبعد مع ما ذكر أال يكون يف احلج مع عمر رضي اهلل عنه‬
                           ‫منهم أىتد، وهم حمار ألمهات املؤمنني على األصح الظاهر.‬
                                                 ‫ما كل النساء جيدن حمرماً فماذا يصنعن؟‬
              ‫ال‬                                                ‫ال‬
 ‫(اليكلف اهلل نفساً إ ّ وسعها) [البقرة: 384]، (ال يكلف اهلل نفساً إ ّ مات آتاها)‬
                       ‫[الطال : 7]، والنية تبلغ ما ال يبلغ العمل، واحلمد هلل رب العاملني.‬
 ‫والعجب ممن حيتج حبديث الزهري أن عائشة أخربت أن أبا سعيد اخلدري رضي اهلل‬
                                                         ‫ال‬
 ‫عنهما يف أن املرأة ال تسافر إ ّ مع حمر ، فقالت: ماكلهن من ذوات حمر ، أو ليس كل‬
 ‫النساء جتد حمرماً4. مث ال يستدل خبالف أ سعيد -ملا فهمه املستدل من قوهلا- وأبو سعيد‬
 ‫أسعد باحلديث، قال أبو جعفر الطحاوي رمحه اهلل: "وقد قال قو ال بأس بأن تسافر املرأة‬
 ‫بغري حمر ، واىتتجوا يف ذل مبا ىتدثنا يونس، قال ثنا ابن وهب، قال أخربين يونس، عن‬
 ‫بن شهاب، عن عمرة عن عائشة رضي اهلل عنها أهنا مسعتها تقول يف املرأة حتج وليس معها‬
 ‫ذو حمر ، فقالت: مالكلهن ذو حمر ... فإن احلجة عليهم يف ذل ما قد تواترت به اآلثار‬
 ‫ال قد ذكرناها عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فهي ىتجة على كل من خالفهاا"5،‬
 ‫ولو استدل مستدل على أمرٍ األصل فيه املنع بقول صحا خالفه صحا آخار لكاان‬


                                        ‫1 ىتج ابن عباس تل احلجة ثابت يف البخاري (4474).‬
                               ‫2 انظر طبقات احملدثني بأصبهان 4/484، وتاريخ دمشق 44/414.‬
                                                   ‫3 انظر مثالً معرفة الصحابة أل نعيم 4/133.‬
 ‫4 رواه ابن أ شيبة يف املصنف 1/871 (44)، وابن ىتبان يف صحيحه 3/411 (4474)، والاذي بعاده،‬
                           ‫والبيهقي يف السنن الكربى 3/344 (8488)، وانظر االستذكار 1/441.‬
                                      ‫5 شرح معاين اآلثار 4/144-344 (7344) والذي قبله.‬


‫‪‬‬
‫42‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫استدالله قبيحاً، فعمرك اهلل كيف إذا استدل بقول صاىتيب خالفه صحا آخار وناص‬
 ‫نبوي، فكيف إذا كان ال يوجد تعارض أصالً بني قويل الصحابيني وإمنا توهم التعاارض‬
                                                                   ‫ال‬
 ‫بعض أهل العلم، وإ ّ فقد قرر بعض األئمة أنه ليس بني خرب أ سعيد وعائشة تعاارض‬
 ‫أصالً وال فيه مستمس للمخالف أبداً، بل قول عائشة معضد قول أ سعيد رضاي اهلل‬
 ‫عنهما، قال أبوىتامت ابن ىتبان رمحه اهلل بعد أن روى احلديث يف صاحيحه: "مل تكان‬
                                                                             ‫باملت‬
 ‫عائشة َّهِمةِ أبا سعيد اخلدري يف الرواية؛ ألن أصحاب النيب صلى اهلل عليه وسلم كلهم‬
 ‫عدول ثقات، وإمنا أرادت عائشة بقول: (ما لكلكم ذو حمر )، تريد: أن ليس لكلكم ذو‬
 ‫حمر تسافر معه، فاتقوا اهلل وال تسافر واىتدة منكن إال بذي حمر يكون معهاا"1، وقاد‬
   ‫سا ذل بعد أن قال: "ذكر البيان بأن املرأة ممنوعة عن أن تسافر سفراً قلت مدتاه أ‬
      ‫ال‬
 ‫كثرت إ ّ مع ذي حمر منها"2، مث سا ىتديث أ هرير: ال حيل المرأة أن تسافر إ ّ مع‬ ‫ال‬
 ‫ذي حمر ، مث قال: " ذكر لفظة توهم غري املتبحر يف صناعة العلم أن عائشة رضاوان اهلل‬
 ‫عليها اهتمت أبا سعيد يف هذه الرواية"3، وسا أثر عائشة املذكور، مث قال: "ذكر البيان‬
 ‫بأن هذا الزجر زجر ىتتم ال زجر ندب"4، وذكر خرب عائشة وفيه التفاهتا للنساء ختاطبهن‬
 ‫قالت عمرة: "فالتفتت إلينا عائشة، ما كلهن هلا ذو حمر "، ويشهد ملا قاله ابن ىتباان أن‬
 ‫عائشة نفسها رضي اهلل عنها روي عنها قوهلا: "وجد يف قائم سيف رسول اهلل صلى اهلل‬
         ‫عليه وسلم كتابان.. ويف اآلخر ... وال تسافر املرأة ثالث ليال إال مع ذي حمر "5.‬
                                                                     ‫ص‬
 ‫ومن طلب الَن َفة علم أن العبارة اآلنفة ال يتشبث هبا املخالف عن أ املاؤمنني ال‬
   ‫تساوي قوهلا: من مل جتد احملر أو مل يكن هلا حمر فلتسافر لوىتدها! فعلي أخا اإلساال‬
                                                                              ‫َي‬
                  ‫باتباع البِّن احملكم احلجة، وترك املتشابه املشكل، فتل سبيل الراسخني.‬


                                                  ‫1 صحيح ابن ىتبان 3/411 عند احلديث رقم (4474).‬
                                                                            ‫2 صحيح ابن ىتبان 3/411.‬
                                                                             ‫3صحيح ابن ىتبان 3/411.‬
                                                                            ‫4 صحيح ابن ىتبان 3/411.‬
 ‫5 رواه أبو يعلى يف مسنده 8/784 (7371)، والبيهقي يف الكربى 3/84 (48334)، قال اهليثمي يف جمماع‬
 ‫الزوائد 3/384: " رجاله رجال الصحيح غري مال بن أ الرىتال وقد وثقه ابن ىتبان ومل يضعفه أىتد"، وقاد‬
                                          ‫ىتسن ىتسني سليم أسد إسناده، ولعل يف طريقه ضعفاً بادي الرأي.‬


‫‪‬‬
‫52‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


      ‫حجتهن مع عمر دليل على استفراغ اجلهد يف صيانة املرأة وأن ذل، من إكرامها:‬
 ‫قال ابن سعد: "كانت احلجة ال ىتج فيها عمر بن اخلطاب سنة ثالث وعشارين،‬
 ‫وهي آخر ىتجة ىتجها عمر، أرسل إليه أزواج النيب صلى اهلل عليه وسالم يساتأذنه يف‬
 ‫اخلروج فأذن هلن، وأمر جبهازهن، فحملن يف اهلوادج عليهن األكسية اخلضار، وبعاث‬
 ‫معهن عبد الرمحن بن عوف وعثمان بن عفان، فكان عثمان يسري على راىتلته أمامهن فال‬
 ‫يدع أىتداً يدنو منهن، وكان عبد الرمحن يسري على راىتلته من ورائهن فال يدع أىتاداً‬
 ‫يدنو منهن، ينزلن مع عمر كل منزل، ...عن عبد الرمحن قال أرسالين عمار وعثماان‬
 ‫بأزواج رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم السنة ال تويف فيها عمر حيججن، فكان عثماان‬
                                      ‫ال‬
 ‫يسري أمامهن فال يترك أىتداً يدنو منهن وال يراهن إ ّ من مد البصر، وعبد الارمحن بان‬
 ‫عوف خلفهن يفعل مثل ذل ، وهن يف اهلوادج وكانا ينزالن هبن يف الشعاب فيقيالهنن يف‬
                                                                  ‫يف‬
                             ‫الشعب وينزالن يف ِّ الشعب وال يتركان أىتدا مير عليهن"1.‬
 ‫وقال: "عن أ معبد بنت خالد بن خليف قالت رأيت عثمان وعبد الرمحن يف خالفة‬
  ‫عمر ىتاجاً بنساء رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فرأيت على هوادجهن الطيالسة اخلضر،‬
    ‫وهن ىتجرة من الناس، يسري أمامهن ابن عفان على راىتلته، يصيح إذا دنا منهن أىتد إلي‬
 ‫إلي ، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذل "2، وقال: "كان عثمان ينادي أال ال يادنو‬
 ‫إليهن أىتد، وال ينظر إليهن أىتد، وهن يف اهلوادج على اإلبل، فإذا نزلن أنازهلن بصادر‬
 ‫الشعب، وكان عثمان وعبد الرمحن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أىتد"3، وقال: "عان‬
 ‫املسور بن خمرمة قال رمبا رأيت الرجل ينيخ على الطريق إلصالح رىتل أو بعاض ماا‬
 ‫يصلحه من جهازه، فيلحقه عثمان وهو أما أزواج النيب صلى اهلل عليه وسلم، فإن كاان‬
    ‫الطريق سعة أخذ ميني الطريق أو يساره فيبعد عنه، وإن مل جيد سعة وقف ناىتياة ىتا‬
 ‫يرىتل الرجل أو يقضي ىتاجته، وقد رأيته يلقى الناس مقبلني يف وجهه من مكاة علاى‬
             ‫الطريق فيقول هلم مينة أو يسرة فينحيهم ىت يكونوا مد البصر ىت ميضني"4...‬

     ‫1 الطبقات الكربى 8/824، ونا ر سنن البيهقي 1/344 (1218)، واألصل يف البخاري 4/833 (4374).‬
                                                                       ‫2 السابق 8/824-244.‬
                                                                           ‫3 السابق 8/244.‬
                                                                           ‫4 السابق 8/444.‬


‫‪‬‬
‫62‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫فعمرك اهلل لو ىتظيت امرأة مبثل هذه الصيانة، يقو على شؤوهنا طائفة من العشارة‬
                      ‫وهن‬
 ‫املبشرين باجلنة، هم أركان الدولة أصحاب شورهتا ووالة أمرها، َّ بتل املثابة املعلومة‬
 ‫عند املؤمنني، أكان ينكر أىتد أمرهم وإن قال خبالفهم؟ وهل شأن أوالء من قبيل ما حنن‬
 ‫فيه اليو ؟ فكيف وقد علمت أن احملار واألرىتا واخلد واحلشم الميكن أن يتخلفوا عن‬
 ‫ال‬                                       ‫ُسف‬
 ‫أمهات املؤمنني، وال يقسم على ختلفهم أو ي ِّه رأي من قال بأن األصل صاحبتهم إ ّ‬
 ‫جديل غافل، ال كبري ىتظ له من األىتاسيس واملشاعر! يرمي أوالئ األفاضل مبا يأنف أن‬
 ‫ينسب إليه هو لو كان يف عري القو أو نفريهم، فكيف بتل الثلة وهم أخناى وأزكاى‬
                                                ‫وأمحى، وأىترص على الرب والتقوى؟!‬
                                                               ‫ُن‬
   ‫واهلل أسأل أن مي َّ علينا بقلوب تعقل! تبصر وتشم وتتذو فتقبل احلسن ومتج ضده.‬
 ‫وعوداً إىل املوضوع: إذا تقرر أن ما ذكر من القيود الشرعية إن وجدت فال يطلاق‬
                                                                    ‫ال‬
 ‫لفظ االختالط إ ّ مقيداً بنحو االختالط املنضبط أو االختالط بكذا مما ال يشكل أمره إذا‬
 ‫فسر تفسرياً صحيحاً، وإمنا االصطالح جرى على ذ االختالط املطلق عان القياود أو‬
 ‫املستهتر هبا، إذا تقرر هذا هر أن اجتماع النساء بالرجال حلاجة مع وجود ضوابط تدفع‬
 ‫الريبة، وتذهب التهمة سائغ، بيد أن مثل ذا اليقصد به مصاطلح االخاتالط احلاادث‬
               ‫ال‬
 ‫املستغرب، وال أطلق عليه فقهاء الشريعة على مر القرون لفظ االختالط إ ّ يف أىترف ال‬
 ‫ينىب عليها اصطالح، بل درجوا على ذ مفهو لفظ (االختالط) والتحذير منه، وهلذا أثر‬
 ‫أن عائشة –رضي اهلل عنها- تطوف ىتجرة غري خمتلطة مع أن املطاف واىتد، فلم يسام‬
 ‫طوافها اختالطاً، وأهل العلم الذين حيرمون االختالط مرادهم املطلق عن كل القياود أو‬
          ‫الذي التؤمن معه الفتنة، وعلى هذا جرى اطال لفظ االختالط مبفهومه املعاصر.‬
 ‫وأمن الفتنة قد يتحقق بكون الرجال يف ناىتية والنساء يف أخرى، كما كانت عائشة‬
 ‫تطوف بالبيت ىتجرة غري خمتلطة، وقد اليتحقق واملعترب يف ذل ىتال الرجال والنسااء،‬
                                                   ‫ُ‬
 ‫والتزا الفريقني حبدود الشريعة، ومقَْتضِي كوهنم كذل ، وإن كانت املسافة الفاصالة يف‬
                                                                ‫مجيع األىتوال واىتدة.‬




‫‪‬‬
‫72‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫واخلالصة هي أن "االختالط بني الرجال والنساء، حمر اهر التحرمي"1، على ما تقرر‬
 ‫يف تعريفه، وبعض صوره نقل بعض أهل العلم اإلمجاع على حترميها، وهي اخللوة2 ولاو‬
 ‫مبخطوبة اتفاقاً3. بل قال بعض أهل العلم: "وحتر اخللوة بغري حمر ، ولو حبيوان يشاتهي‬
                                                                ‫املرأة وتشتهيه كالقرد"4.‬
           ‫وهناك صور أ هر يف حترمي االختالط من غريها، ومن ذل أن يتحقق فيه:‬
                                        ‫4 - "اخللوة باألجنبية، والنظر بشهوة إليها.‬
                                                  ‫4 - تبذل املرأة وعد اىتتشامها.‬
      ‫4 - عبث وهلو ومالمسة لألبدان، كاالختالط يف األفراح واملوالد واألعياد"5.‬
 ‫فهذا اختالط واضح التحرمي، ملخالفته قواعد الشريعة، وقد تستثىن منه صاور حتات‬
                                       ‫إجلاء الضرورة، من حنو ما قد يضطر إليه الطبيب6.‬
 ‫وهناك صور خرجت عن أصل املنع، بقيد احلاجة، وفق ضوابط وشاروط مضات‬
            ‫اإلشارة إليها، كاالختالط يف املساجد واألسوا كحاله املقر يف العهد األول.‬
 ‫كما أن هناك صوراً تدخل يف املعىن اللغوي لالختالط، ولكنها غري داخلة يف املعاىن‬
 ‫االصطالىتي على ما سبق بيانه، واألصل جوازها كاختالط النساء مبحاارمهن اتفاقااً7،‬




 ‫1 قاله مف اململكة العربية السعودية فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبداهلل آل الشيخ، يف مقاله الذي أنكر فيه ماكان‬
 ‫يف منتدى جدة االقتصادي، وقد نشر يف عدد من الصحف السيارة كالوطن السعودية، والشر األوسط بتااريخ‬
                                                                                            ‫44/1/1224 .‬
                                                                                 ‫2 انظر سبل السال 4/324.‬
                                                                               ‫3 املوسوعة الفقهية 84/834.‬
 ‫4 الفتاوى الكربى 3/811 ، وقد ذكره ابن عقيل، وابن اجلوزي ونقله كذل ابن مفلح، انظر الفروع 3/734-‬
                                                         ‫834، وحنوه يف غري موضع من كتب احلنابلة املعتمدة.‬
                                    ‫5 املوسوعة الفقهية، وزارة األوقاف والشئون اإلسالمية بالكويت، 4/284.‬
                                                                                           ‫6 السابق بتصرف.‬
                                          ‫7 انظر سبل السال 3/324، وحمل ذل كما الخيفى عند أمن الفتنة.‬


‫‪‬‬
‫82‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وكذل األطفال الذين مل يظهروا على عورات النساء، ومن كان حنوهم، ما دا جاناب‬
       ‫الفتنة مأموناً، ومنه كذل االختالط مع وجود حمر أو فاصل معترب وإن كان فضاءً1.‬
 ‫ومما يدل على ما ذكر من ىتكم االختالط، أمر النساء بالقرار يف البياوت، ومناع‬
 ‫الرجال من الدخول عليهن، ومراعاة الفصل بني الرجال والنساء يف التشريعات ال هاي‬
 ‫مظنة خلطة، فمع حتقق احلاجة الشرعية جاءت الشريعة مبراعاة الفصال باني الرجاال‬
 ‫والنساء، باإلضافة إىل أدلة متظاهرة تقرر احلكم السالف، وكل ذل يأيت بيانه، ويف أثنائه‬
 ‫كشف كثري مما اشتبه على بعض من مل يتعن البحث والتحرير، وتأيت بعاد اإلشاارة إىل‬
                          ‫بعض الشبه، واهلل املستعان، وهو املسؤول أن يرزقنا فهماً وعلماً.‬




 ‫1 التكاد جتد الفقهاء يطلقون لفظ االختالط على حنو هذه الصور، غري أن الباىتث قد يقف على أىترف معادودة‬
 ‫لبعضهم فليتنبه، ومن ذل ما أطلقه النووي يف موضع من اجملموع 1/234، ومراده مقيد باالختالط اللغوي ماع‬
 ‫وجود الفاصل املعترب، تدل على ذل الصورة ال حتدث عنها باإلضافة إىل نصوصه األخرى ومنها عده االختالط‬
         ‫بني الرجال والنساء يو عرفة –يف بدعة إيقاد الشمع باجلبل- من القبائح كما يف اجملموع نفسه 8/214.‬


‫‪‬‬
‫92‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                 ‫األصل أمر النساء بالقرار في البيوت:‬
    ‫إن من متطلبات احلياة خروج الرجال وتكبدهم املشا جسدية ونفسية، وليس ذل‬
 ‫مطلوباً لذاته، ولكنه من أجل الكسب وحتصيل القوت والقيا بالنفقة، فليس األمر بالسعي‬
 ‫والكد تشريفاً للرجال بل هو تكليف مبا يناسب خَ ْلقَ وأخال من يتجشم ذل ، وهاذا‬
                ‫التكليف قد يكون ثقيالً ومع ذل يأىب الكرمي أن يضيع من يعول، قال بعضهم:‬
                                           ‫ُ‬
            ‫لوال أمَيْمَة مل أجْازَعْ من العد ِ ومل أجبْ يف الليايل ىتِنْدِسَ الظلَمِ‬
                 ‫الر‬
          ‫وزادين رغبةً يف العايشِ معرف أنَ اليتيماةَ يَجفوها ذوو َّىتِمِ‬
                                                         ‫ي لم‬
           ‫أىتاذِ ُ الفقر يوماً أن ُا َّ باها فيهت َ السترَ عن َلحْمٍ على وَضَمِ‬‫ر‬
 ‫وباملقابل قرار املرأة يف بيتها أليق هبا، وأكثر صيانة هلا، وأصلح ألوالدها وأنفع لزوجها‬
                                                         ‫وجمتمعها، فا"الرجل جيين واملرأة تبين".‬
                                                                              ‫وصد من قال:‬
                ‫إذا مل تكن يف منزل املرء ىت ّة رأى خلالً فيما تدير الوالئ ُ‬
                ‫د‬                                    ‫ُر‬
                                                                                      ‫وآلخر:‬
                                             ‫ة ت َب‬
                 ‫إذا مل تكن يف منزل املرء ىترٌ ُدِّره ضااعت مصاحل داره‬
 ‫قال صاىتب الظالل: "البيت هو مثابة املرأة ال جتد فيها نفسها على ىتقيقتها كماا‬
   ‫أرادها اهلل تعاىل غري مشوهة، وال منحرفة، وال ملوثة، وال مكدودة يف غري و يفتها الا‬
                                                                             ‫هيأها اهلل هلا بالفطرة.‬
 ‫ولكي يهيئ اإلسال للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجاب علاى‬
 ‫الرجل النفقة، وجعلها فريضة؛ كي يتاح لأل من اجلهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال،‬
      ‫ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما هتيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها.‬
 ‫فاأل املكدودة بالعمل للكسب، املرهقة مبقتضيات العمل، املقيدة مبواعيده، املستغرقة‬
 ‫الطاقة فيه.. ال ميكن أن هتب للبيت جوه وعطره، وال ميكن أن متنح الطفولة النابتة فياه‬
 ‫ىتقها ورعايتها. وبيوت املو فات والعامالت ما تزيد على جو الفناد واخلانات؛ وماا‬
 ‫يشيع فيها ذل األرج الذي يشيع يف البيت. فحقيقة البيت ال توجد إال أن ختلقها امرأة،‬
 ‫وأرج البيت ال يفوح إال أن تطلقه زوجة، وىتنان البيت ال يشيع إال أن تتواله أ . واملرأة‬



‫‪‬‬
‫03‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫أو الزوجة أو األ ال تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروىتية يف العمل لن تطلق يف جاو‬
                                                          ‫البيت إال اإلرها والكالل واملالل.‬
 ‫وإن خروج املرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطاوع هباا‬
 ‫الناس وهم قادرون على اجتناهبا، فتل هي اللعنة ال تصيب األرواح والضمائر والعقول،‬
                                                      ‫يف عصور االنتكاس والشرور والضالل.‬
 ‫فأما خروج املرأة لغري العمل، خروجها لالختالط ومزاولة املالهاي، والتساكع يف‬
 ‫النوادي واجملتمعات .. فذل هو االرتكاس يف احلمأة الاذي يارد البشار إىل مراتاع‬
                                                                                ‫احليوان!"1.‬
 ‫فال غرو إذاً أن تدل شريعة أىتكم احلاكمني على أن قرار املرأة يف بيتها هو األصال،‬
  ‫"فهو عزمية شرعية يف ىتقهن، وأن خروجهن من البيوت رخصة ال تكون إال لضرورة أو‬
      ‫ب ن‬              ‫ْ‬
 ‫ىتاجة"2، دينية أو دنيوية،"بضوابط اخلروج الشرعية"3، قال اهلل: ‪‬وَقَرنَ فِي ُُيوتِك َّ وَال‬
                                                                     ‫ي أل‬        ‫رْ ر‬
  ‫تَبَ َّجنَ تَبَ ُّجَ اجلَاهِلَِّةِ ا ُولَى‪ ،‬قال القرطيب –رمحه اهلل- "معىن هذه اآلية األمر بلازو‬
 ‫البيت، وإن كان اخلطاب لنساء النيب صلى اهلل عليه وسلم فقد دخل غريهن فيه بااملعىن،‬
 ‫هذا لو مل يرد دليل خيص مجيع النساء كيف والشريعة طافحة بلازو النسااء بياوهتن‬
 ‫واالنكفاف على اخلروج منها إال لضرورة"4، ىت إن إما التفسري جماهد فسر التربج هنا‬
 ‫مبا دل عليه صدر اآلية فقال: "كانت املرأة خترج فتمشي بني الرجال فذل تربج اجلاهلية‬
 ‫ال‬
 ‫األوىل"5، وقد نص غري واىتد من أهل العلم على أن املرأة تلز بيتها الختارج مناه إ ّ‬
                                             ‫ال‬
                          ‫لضرورة، قال ابن احلاج: "خروج املرأة اليكون إ ّ لضرورة شرعية"6.‬




                                                       ‫1 يف الل القرآن، آية األىتزاب: ‪‬وقرن يف بيوتكن‪.‬‬
                                   ‫2 عن ىتراسة الفضيلة، للشيخ بكر أبوزيد –رمحه اهلل، ص88، بتصرف يسري.‬
                                                                                          ‫3 السابق 78.‬
                                                                           ‫4 تفسري القرطيب 14/874.‬
      ‫5 انظر تفسري ابن كثري لآلية 4/481، وهو عند عبدالرزا كما أشار احلافظ يف الفتح 8/243 وسند عبدالرزا‬
                                       ‫الذي ذكر صحيح، وهو كذل يف الطبقات الكربى البن سعد 8/884.‬
                                                                                        ‫6 املدخل 4/44.‬


‫‪‬‬
‫13‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وقال اجلصاص يف اآلية اآلنفة: "وفيه الداللة على أن النساء مأمورات بلزو البيوت،‬
                                                                               ‫منهيات عن اخلروج"1.‬
       ‫ن‬               ‫ي ن‬            ‫ََ‬
 ‫قال ابن العر املالكي رمحه اهلل: " قوله تعاىل: ‪‬وقرْنَ فِي بُوتك َّ‪ ‬يعين اسك َّ فيها‬
                                   ‫ن‬                   ‫ر‬
 ‫وال َّكن، وال تربىتن منها، ىت إنه ُوي ولَم يصح2 أ ّ النيب صلى اهلل عليه وسلم ملا‬           ‫تتحر‬
 ‫انْصرف من ىتجة الوداع قال ألزواجه هذه مث هور احلصر؛ إشارةً إىل ما يلْز ُ املرأة من‬
 ‫لزو بيتها، واالنكفاف عن اخلروج منه، إال لضرورة"3، وحنوه ذكر ابن كثري: "يعين الزمن‬
                                                            ‫هور احلصر والخترجن من البيوت"4.‬
                                     ‫وقد شاع هذا عند بعض أهل الغرية ىت قال بعضهم:‬
              ‫ر‬
              ‫ثالثة أصهارٍ إذا ذكِرَ الصِه ُ‬        ‫لكل أ بنتٍ ُيراعي شؤوهنا‬
                ‫م رب‬                     ‫ٌ‬
              ‫وقرب يُوَارِيها، وخريه ُ الق ُ!‬          ‫ن‬          ‫ْل‬        ‫ر ُكن‬
                                                     ‫فخد ٌ ي ُّها، وَبع ٌ يَصوُها‬
 ‫قال الشيخ بكر أبوزيد: "ومن نظر يف آيات القرآن الكرمي، وجد أن البيوت مضاافة‬
 ‫إىل النساء يف ثالث آيات من كتاب اهلل تعاىل، مع أن البيوت لألزواج أو ألوليائهن، وإمنا‬
 ‫ىتصلت هذه اإلضافة -واهلل أعلم- مراعاة الستمرار لزو النساء للبيوت، فهاي إضاافة‬
 ‫إسكان ولزو للمسكن والتصا به5، ال إضافة متليا ، قاال اهلل تعااىل: ‪‬وقارن يف‬
                 ‫ْ‬                 ‫ب ن ْ‬                  ‫ْ ي‬
 ‫بيوتكن‪ ،‬وقال سبحانه: ‪‬وَاذْكرنَ مَا ُْتلَى فِي ُُيوتِك َّ مِن آيَات ِاهللِ وَاحلِكمَةِ‪ ،‬وقاال‬
                                                               ‫ن‬        ‫ت ْ ُ هن ْ‬
                                                       ‫عز شأنه: ‪‬ال ُخرِجو ُ َّ مِن ُبُيوتِهِ َّ‪.6"‬‬
 ‫واحلق أن ىتال الصدر األول يف عصر النبوة تقضي جبواز خروج النساء للحاجاات‬
 ‫الدنيوية والدينية، أما الدنيوية فهذه أمساء بنت أ بكار رضاي اهلل عناهما كماا يف‬

                                                                          ‫1 أىتكا القرآن للجصاص 4/843.‬
 ‫2 ىتديث صحيح كما ذكر غريه من األئمة رمحة اهلل عليهم مجيعهم، وسوف يأيت خترجيه إن شاء اهلل عند ذكر املنع‬
                                                  ‫من االختالط يف التشريع، يف ىتج النساء واعتمارهن ص41.‬
                                                                            ‫3 أىتكا القرآن 4/833-833.‬
 ‫4 يف تفسري قوله تعاىل: ‪‬إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة..‪ ‬اآليات، يف معىن ىتديث أ داود: هذه مث هور‬
                                                                                ‫احلصر، انظر التفسري 4/384.‬
 ‫5 وحنوه ذكر الزخمشري يف الكشاف عند اآلية الثالثة: ‪‬الخترجوهن من بيوهتن‪ ،‬فعلل بكون النسااء خمتصاات‬
                                                                                   ‫بالبيوت من ىتيث السكىن.‬
                                                                               ‫6 ىتراسة الفضيلة ص88-28.‬


‫‪‬‬
‫23‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫الصحيحني خترج من بيتها فتنقل النوى من أرض الزبري ال أقطعه هلا رسول اهلل صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم فتقطع ماشية حنو أربعة كيلومترات؛ ثلثي فرسخ، وتسقي املاء وكانت تلقى يف‬
 ‫طريقها من تلقى من املارة1، وكن خيرجن يف األسوا إذا دعتهن احلاجة إىل ذل كما يف‬
 ‫خرب ابنة خفاف الغفاري مع عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنهم يف البخاري وغريه2، وكان‬
                         ‫قد مات زوجها، واألخبار يف خروجهن للحاجات الدنيوية كثرية.‬
 ‫وأما احلاجات الدينية فقد كن يشهدن األعياد واجلمع واجلماعات، ويأتني من كل فج‬
                                      ‫عميق إىل البيت العتيق، ولعل طرفاً من ذل يأيت ذكره.‬
 ‫بيد أن من رخص فيما ذكر أو شرعه أمر كذل مبا يكفل صيانة النساء عن االختالط‬
           ‫غري املنضبط بالرجال، وراعى أن تكون اخللطة منضبطة مبا خيرجها عن ىتيز الذ .‬
 ‫فال ىترج إذاً يف خروج النساء للحاجات إذا أمنت الفتنة وكان خروجهاا منضابطاً‬
 ‫بضوابط الشريعة؛ فال خترج متطيبة، وال تسري متثنية، وال متكسرة يف مشيتها، وال حتدث‬
 ‫عمالً يبدي ما ختفي من زينتها، وعليها أن تلتز باحلجاب الشرعي، والتزاىتم الرجال يف‬
 ‫وسط الطرقات، بل تلتز ىتافتها، وإذا اىتتاجت إىل الكال مع األجانب فال ختضع بالقول‬
 ‫فيطمع الذي يف قلبه مرض، فم انقضت احلاجة أو ارتفعت الضرورة عاد كل إىل أصله،‬
                                             ‫ال‬
             ‫ولعل من قال من أهل العلم باملنع من اخلروج إ ّ لضرورة ينزل احلاجة منزلتها.‬
 ‫ومع ذل أبت بعض الصاحلات اخلروج، وآثرن التقرب إىل اهلل بلزو البيوت، فاأثر‬
                                                     ‫ال‬
 ‫عن بعض الصاحلات أهنا ما خرجت إ ّ ثالث خرجات مرة ألداء نسكها، وثانية إىل بيت‬
                    ‫ْ‬           ‫ْ‬
 ‫زوجها، وثالثة إىل قربها، وقد ذكروا يف ترمجة أ املؤمنني سَودَةِ بنتِ زَمعَةَ رضي اهلل عنها‬
            ‫أهنا مل خترج من بيتها بعد وفاة النيب صلى اهلل عليه وسلم ىت خرجت جنازهتا3.‬
                      ‫ي ن‬            ‫ََ‬
 ‫أما إذا مل تكن مثة ىتاجة فقد قال اهلل عزوجل: ‪‬وقرْنَ فِي بُوتك َّ‪ ،‬ومع هذا األمر‬
 ‫بالقرار، وىتذراً من مغبة االختالط، منع من الدخول على النساء، قال صالى اهلل علياه‬




                                      ‫1 ينظر صحيح البخاري 3/4224 (3481)، ومسلم 1/3474 (4844).‬
                                                               ‫2 صحيح البخاري 1/7434 (8484).‬
                                                               ‫3 ممن ذكره ابن سعد يف طبقاته 8/824.‬


‫‪‬‬
‫33‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وسلم يف ىتديث عقبة بن عامر املتفق عليه: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من‬
                                             ‫األنصار: يارسول اهلل أفرأيت احلمو؟ قال: "احلمو املوت"1.‬
            ‫ما يف الرجالِ على النساء أمني‬                              ‫خ‬                  ‫ن‬
                                                                ‫ال يأمن َّ على النساء أ ٌ أخاً‬
 ‫بل جاء النهي عن دخول غري أوىل اإلربة الذين هلم فطنة بشؤون النساء على النساء،‬
 ‫ففي الصحيحني من ىتديث أ سلمة –رضي اهلل عنها- قالت: "دخل علي النيب صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم وعندي خمنث فسمعه يقول لعبد اهلل بن أ أمية: يا عبد اهلل أرأيت إن فتح اهلل‬
 ‫عليكم الطائف غداً فعلي بابنة غيالن، فإهنا تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النيب صلى اهلل‬
                                                                                            ‫خن‬
                                                                        ‫عليه وسلم ال يَد ُلَ َّ هؤالء عليكن"2.‬
 ‫فانظر كيف اىتتاط ألمر النساء، وقطع أسباب الفتنة هبن، قال رسول اهلل صالى اهلل‬
 ‫عليه وسلم يف ىتديث أسامة ابن زيد املتفق عليه: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال‬
                                                                                                     ‫من النساء"3.‬
                                                                         ‫زِّ ن ُب‬
 ‫قال اهلل تعاىل: ‪ُ ‬ينَ للّاسِ ىت ُّ الشَهَواتِ مِنَ النِسَاءِ وَالبَنِنيَ وَالقَنَاطِريِ املقَنطَرَةِ مِان‬
                                                              ‫ْ‬                   ‫و‬
 ‫َّهَبِ وَالفِ َّةِ وَاخلَيلِ املسَ َّمَةِ واألَْنعَا ِ وَاحلَرثِ‪ ‬اآلية، "فجعلهن من عني الشاهوات،‬ ‫ض‬           ‫الذ‬
 ‫وبدأ هبن قبل بقية األنواع، إشارة إىل أهنن األصل يف ذل "4، قال القرطيب: " بدأهبن لكثرة‬
     ‫تشوف النفوس إليهن ألهنن ىتبائل الشيطان وفتنة الرجال"5 وذكر ىتديث أسامة اآلنف.‬
                                                                                                   ‫وقد قالوا:‬
                               ‫شم‬
               ‫وكلنَا يشتهي َّ الرياىتنيِ‬                                  ‫ٌ ُ‬                  ‫إن‬
                                                                  ‫َّ النِسَاء رَياىتِني خلِقنَ لنا‬
                                                                                                     ‫ولآلخر:‬
                 ‫وعيش بين الدنيا لقاء بناهتا‬                         ‫ُن ت‬
                                                                  ‫وحنن بنو الدنيا وه َّ بناُها‬
 ‫فلكل امرأة خاطب، ولكل ساقطة القط، وهلذا ىتذر عقالء األمم منذ القاد مغباة‬
 ‫خمالطة األجانب للنساء، "قال بعض احلكماء: إياك وخمالطة النساء، فإن حلظ املرأة سهم،‬

                                                                  ‫1 البخاري 3/3224، ومسلم 1/4474.‬
                                                             ‫2 صحيح البخاري 1/4734، ومسلم 1/3474.‬
                                                                  ‫3 البخاري 3/8384، ومسلم 1/7824.‬
                                                         ‫4 حتفة األىتوذي 8/43، وانظر عمدة القاري 24/88.‬
                                                                                 ‫5 تفسري القرطيب 1/284.‬


‫‪‬‬
‫43‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ولفظها سم. ورأى بعض احلكماء صياداً يكلم امرأة فقال: ياصياد اىتذر أن تصاد. وقال‬
                  ‫سليمان بن داود عليهما السال البنه: امش وراء األسد والمتش وراء املرأة.."1.‬
                                                      ‫ال‬
  ‫وامليل الطبعي بني الرجل واملرأة الينكره إ ّ مكابر، وقد أناط اهلل به مصاحل ااهرة‬
 ‫ممتدة امتداد النسل البشري، وىت الينسا الناس جراء ذل امليل اجلبلي إىل ما الحتماد‬
 ‫عقباه، مما يعود على مصاحله بالنقض، شرع لعباده من األىتكا ما يهذب الطباع ويفاي‬
                 ‫َِ‬
 ‫حباجات الغرائز، وحيقق املصاحل دون كبت، وجعل ذل آية فقال سبحانه: ‪‬ومنْ آيَاتِهِ أَنْ‬
                     ‫ِن‬             ‫م َد‬           ‫ََ‬               ‫ل ن‬                          ‫ِّ أ‬
 ‫خََلقَ لَكم منْ َنفسِكمْ أَزْوَاجًا ِّتَسْكُوا إِلَيْهَا وَجعلَ بَيْنَكم َّو َّةً وَرَىتْمَةً إ َّ فِاي ذَلِا َ‬
 ‫لَآيَاتٍ ِّلقَو ٍ يََتفَك ُونَ‪[ ‬الرو : 44]، فلله احلمد على ما شرع من احلالل الطيب، ولاه‬    ‫َّر‬      ‫ْ‬
                                                        ‫الفضل على ما منع من احلرا اخلبيث وذرائعه.‬
                                 ‫ال‬
                        ‫ومما سبق خنلص إىل أن الواجب على املرأة القرار يف بيتها، إ ّ حلاجة.‬
 ‫ومما جاء يف املوسوعة الفقهية الكويتية: "األصل أمر النساء بلزو البيوت، وهنيهن عن‬
      ‫اخلروج منها، وقد ذكر الكاساين عند الكال عن أىتكا النكاح الصحيح أن منها: مل‬
      ‫ْ هن‬
  ‫االىتتباس وهو صريورهتا (الزوجة) ممنوعة من اخلروج والربوز لقوله تعاىل: ‪‬أَسكُِنو ُ َّ‪،‬‬
  ‫واألمر باإلسكان هني عن اخلروج، والربوز، واإلخراج، إذ األمر بالفعل هني عن ضاده،‬
        ‫ن‬          ‫ت ْ ُ هن ْ ي‬                                      ‫ي ن‬
  ‫وقوله عز وجل: ‪‬وقرْنَ فِي بُوتك َّ‪ ‬وقوله عز وجل: ‪‬ال ُخرِجو ُ َّ مِن ُبُاوتِهِ َّ وَال‬ ‫ََ‬
      ‫يَخرجنَ‪ ‬وألهنا لو مل تكن ممنوعة عن اخلروج والربوز الختل السكن والنسب؛ ألن ذل‬                     ‫ُْ ْ‬
 ‫مما يريب الزوج وحيمله على نفي النسب. وقد مضى ذكر كال بعض أهل العلم يف تقرير‬
                         ‫ي ن‬              ‫ََ‬
  ‫أمر النساء بالقرار يف معرض تناوهلم لقول اهلل تعاىل: ‪‬وقرْنَ فِي بُوتك َّ‪ ‬وغريهاا مان‬
                               ‫اآليات، وسبقت اإلشارة إىل بعض األىتاديث الدالة على هذا املعىن.‬
  ‫أما عند احلاجة كزيارة اآلباء، واألمهات، وذوي احملار ، وشهود عرس مان ذكار،‬
  ‫وىتضور موته، وقضاء ىتاجة ال غناء للمرأة عنها وال جتد من يقو هبا جيوز هلا اخلاروج،‬
                                                             ‫إال أن الفقهاء قيدوا ذل بقيود من أمهها:‬
          ‫4 - أن تكون املرأة غري خمشية الفتنة، أما ال خيشى االفتتان هبا فال خترج أصال.‬
                         ‫4 - أن تكون الطريق مأمونة من توقع املفسدة وإال ىتر خروجها.‬


                                                                      ‫أدب الدنيا والدين للماوردي ص334.‬        ‫1‬




‫‪‬‬
‫53‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫4 - أن يكون خروجها يف زمن أمن الرجال وال يفضي إىل اختالطها هبم؛ ألن متكني‬
                                       ‫النساء من اختالطهن بالرجال أصل كل بلية وشر...‬
 ‫1 - أن يكون خروجها على تبذل وتستر تا ، قال العيين: جيوز اخلروج ملا حتتاج إليه‬
 ‫املرأة من أمورها اجلائزة بشرط أن تكون بذة اهليئة، خشنة امللبس، تفلة الريح، مساتورة‬
                                                ‫األعضاء غري متربجة بزينة وال رافعة صوهتا.‬
 ‫3 - أن يكون اخلروج بإذن الزوج، فال جيوز هلا اخلروج إال بإذنه. قال ابن ىتجار‬
 ‫اهليتمي: وإذا اضطرت امرأة للخروج لزيارة والد خرجت بإذن زوجها غري متربجة. ونقل‬
 ‫ابن ىتجر العسقالين عن النووي عند التعليق على ىتديث : "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل‬
 ‫إىل املسجد فأذنوا هلن"1 أنه قال: استدل به على أن املرأة ال خترج من بيت زوجهاا إال‬
 ‫بإذنه لتوجه األمر إىل األزواج باإلذن، وللزوج منع زوجته من اخلروج من منزله إىل ما هلا‬
 ‫منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادهتما أو ىتضور جنازة أىتدمها. قال أمحاد يف‬
 ‫امرأة هلا زوج وأ مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إال أن يأذن هلاا... وألن‬
 ‫طاعة الزوج واجبة، والعيادة غري واجبة فال جيوز ترك الواجب ملا ليس بواجب. وال ينبغي‬
 ‫للزوج منع زوجته من عيادة والديها، وزيارهتما ألن يف منعها من ذل قطيعة هلما، ومحال‬
 ‫لزوجته على خمالفته، وقد أمر اهلل تعاىل باملعاشرة باملعروف، وليس هاذا مان املعاشارة‬
                                                                          ‫باملعروف..."2.‬




      ‫1 صحيح البخاري باب خروج النساء إىل املساجد بالليل والغلس 4/384 رقم (748)، وهو عند مسلم بألفاظ‬
                                                                             ‫مقاربة 4/744 رقم (411).‬
     ‫2 املوسوعة الفقهية 84/724-824 باختصار وتصرف، وكال الكاساين املشار إليه يف بدائع الصنائع 4/444،‬
                                                                      ‫والخيفى أن بعض االستدالل حمل نظر.‬


‫‪‬‬
‫63‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                ‫مراعاة المنع من االختالط في التشريع:‬
 ‫إذا عرضت للمرأة ىتاجة تسوغ خروجها فال ىترج عليها إن خرجت وفقاً ملا سابق‬
 ‫بيانه، غري أن تل احلاجة التسوغ اختالطها بالرجال، وذل حلرمة االختالط ولعل مان‬
 ‫أ هر األدلة على حترمي االختالط، رعاية الشارع للنساء، وصيانته هلن من االخاتالط يف‬
 ‫سائر أىتكا التشريع. فقصد الشارع إىل املنع من االختالط أو احلد منه فيما شرع دليال‬
                                                        ‫كاف على حتجريه واملنع منه.‬
 ‫ومن قبيل هذا االستدالل على منع االختالط "اتفا األمة، بل سائر امللال علاى أن‬
 ‫الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات اخلمس... وكاان علمهاا عناد األماة‬
 ‫كالضروري، مع أنه مل يثبت ذل بدليل معني، وال شهد به أصل معني ميتاز برجوعهاا‬
               ‫إليه، بل علمت مالءمتها للشريعة مبجموعة أدلة ال تنحصر يف باب واىتد"1.‬
   ‫فمن تأمل نصوص الشريعة وجد مراعاهتا جبلة املرأة فلم توجب عليها التكاليف ال‬
 ‫يكون فيها بروز وخمالطة للرجال، ومن ذل إجياب اجلمع واجلماعات على الرجال دون‬
 ‫النساء، ومنه فرض اجلهاد على الرجال دون النساء، وكذل فرض النفقة علاى الرجال‬
                                                                         ‫دون املرأة.‬
 ‫لكن رمبا دعت الشريعة النساء إىل شهود ما حيضره الرجال، خالفاً لألصال الاذي‬
 ‫قررته وهو قرارهن يف البيوت، ويكون ذل ملصلحة تشمل مجيع املكلفني، والعنت يلحق‬
 ‫الناس إذا وضع هلا الشارع منطاً يكفل عد اخللطة مطلقاً، فاقتصرت الشريعة يف حنو هذه‬
      ‫التشريعات على وضع ضوابط متنع اخللطة املذمومة، وال حتر املرأة فضل تل العبادة.‬
 ‫ومن تأمل العبادات مظنة اجتماع الرجال والنساء، حلظ أن هلا وقتااً يفاوت، وأن‬
 ‫مصلحتها تذهب بتأخري شهود النساء هلا، كاألعياد واجلمع، وإن مل تذهب مصلحتها حلق‬
                            ‫الناس عنت يف فصلها كشأن كثري من أعمال احلج أو العمرة.‬
 ‫وتأمل لو كانت النساء خيرجن بعد عود الرجال لصالة العيد، أو كن ينتظرن فاراغ‬
                                       ‫الرجال ألجل السعي أي عنت يلحق الناس ىتينها؟‬



                                                          ‫انظر املوافقات للشاطيب 4/44.‬   ‫1‬




‫‪‬‬
‫73‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫فكان من متا احلكمة أن شرعت تل العبادات على ذل الوجه مع ما قد يقع فياه‬
 ‫من االجتماع بني الرجال والنساء وهو مقر بشرط ما يكفل منع اخللطة احملرمة، وقد أشري‬
                                                                       ‫إليه يف ما مضى.‬
 ‫أما إن جتاوز الناس ىتدود الشريعة بسبب الفوضى أو غريها من األسباب الراجعة إىل‬
                           ‫املكلفني ال إىل التكليف، فخطأ ينبغي أن يصوب ال أن حيتج به.‬
 ‫وإ ّ فإن الشريعة متنع النساء من تل الشعائر إن مل يطقن االلتزا حبادودها، وهلاذا‬‫ال‬
 ‫قالت عائشة رضي اهلل عنها: "لو أدرك رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ما أىتدث النساء‬
 ‫ملنعهن كما منعت نساء بين إسرائيل"1، وقد بينت رضي اهلل عنها ىتال النساء املأذون هلن‬
 ‫يف شهود اجلماعات فقالت: "لقد كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يصالي الفجار‬
 ‫فيشهد معه نساء من املؤمنات متلفعات يف مروطهن مث يرجعن إىل بيوهتن ماا يعارفهن‬
                ‫أىتد"2، فتأمل قوهلا ما يعرفهن أىتد، وانظر أفيكون هذا مع اخللطة الذميمة؟‬
 ‫وإذا نظرت يف بعض ما حيتج به من يسوغ االختالط من تشريعات، مث تأملت ىتاال‬
 ‫الصدر األول من هذه األمة مع تل التشريعات، وجدت أن ما جيعلونه الزماً هلاا مان‬
                                    ‫ب‬
 ‫االختالط غري املنضبط ليس بالز ، بل من نظر أدرك ُعد نساء العهد األول والقرآن يتنزل‬
 ‫عن خلطة الرجال يف سائر األىتوال فإن خرجن خيرجن للحاجات والضروريات، متقيدات‬
        ‫بالشريعة غري مفتئتات، ملتزمات يف عبادهتن مبا يكفل هلن الصيانة من خلطة الغرباء.‬
                                                     ‫ر‬
 ‫وفيما يلي بعض العبادات ال ُعي فيها ذل األصل وقد تكون حمل التبااس عناد‬
                                                                               ‫بعضهم:‬
                                                                           ‫4- طلبهن العلم:‬
 ‫طلب العلم الشرعي مستحب أو واجب على كل مسلم ومسلمة كل حبسبه، فالكل‬
                                                                   ‫ع‬
 ‫حمتاج إليه، "وىتاجة ال َاملَِ إىل علم النبوة أعظم من ىتاجتهم إىل نور الشمس، وأعظم من‬
 ‫ىتاجتهم إىل املاء واهلواء الذي ال ىتياة هلم بدونه"3، فاهلل تعاىل إمنا خلق الثقلني لعبادتاه‬
                              ‫ي‬                               ‫ال‬
 ‫وىتده، والعبادة التكون إ ّ بعلم، ومع ذل مل تكن النساء ُزامحن الرجال ألجل حتصيله،‬

                                              ‫1 صحيح البخاري 4/384 (448)، ومسلم 4/844 (311).‬
                                ‫2 صحيح البخاري 4/314 (334) وغري موضع، ومسلم 4/311 (313) وغريه.‬
                                                               ‫3 مفتاح دار السعادة، البن القيم 4/844.‬


‫‪‬‬
‫83‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومل يكن القدر املطلوب منهن مماثالً للقدر املطلوب من الرجال، فلما خشني أن تكاون‬
                                                   ‫ْع ن‬
 ‫اخللقة عائقاً دونه طلنب أن َيج َل هل ّ النيب صلى اهلل عليه وسلم جملساً خاصااً اليكاون‬
 ‫للرجال فيه نصيب، وقد بوب البخاري يف كتاب العلم من الصحيح، باب: هال جيعال‬
 ‫للنساء يو على ىتدة يف العلم، وسا ىتديث أ سعيد، قالت النساء للنيب صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم: غلبنا علي الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفس ، فوعدهن يوماً.. احلديث1، قاال‬
    ‫العيين: "أي عني لنا يوماً" وقال: "قوله غلبنا علي الرجال معناه أن الرجال يالزمونا‬
 ‫كل األيا ويسمعون العلم وأمور الدين، وحنن نساء ضعفة ال نقدر على مزامحتهم، فاجعل‬
                                      ‫لنا يوماً من األيا نسمع العلم ونتعلم أمور الدين"2.‬
 ‫وقد نص الفقهاء على املنع من اختالط الرجال بالنساء يف املسجد، ملا يترتب عليه من‬
                                       ‫مفاسد3، ويشمل ذل االختالط بغية طلب العلم.‬
           ‫ولو كان االختالط جائزاً لقال هلن اىتضرن مع الرجال جمالس العلم والذكر.‬
 ‫فإذا كان األمر كذل يف طلب العلم الشريف، ولو يف بيوت اهلل املصاونة، ىتياث‬
 ‫تضعف التهمة وتقل الريبة، فهل يعقل وجه يسوغ به منتسب للعلم اخاتالط الطاالب‬
 ‫بالطالبات يف املدارس واجلامعات، بدعوى مشروعية طلب العلم للجنسني؟ وهل يقبل أن‬
  ‫يتبجح قاصر الرأي بقوهلم: مل يكن طلب العلم ىتكراً على الرجال يف عصاور اإلساال‬
                                                   ‫املختلفة؟ وليت شعري أي علم يريد؟‬
 ‫نعم مل يكن ىتكراً كما أنه مل يكن متفلتاً عن تعاليم الشريعة ولذا ىتلت الربكة فياه،‬
                            ‫ال‬
 ‫فساد املسلمون وكانوا يف عزة ومتكني، وهل تأخر املسلمون إ ّ ىتني تنكبوا طريق السلف‬
 ‫الصاحلني، وجارَوا أمم الكفر يف طرائقهم ال من أسوئها االختالط البغيض يف التعلايم‬
                                                                                ‫وغريه؟‬




                                                                 ‫صحيح البخاري 4/23، ورواه غريه.‬      ‫1‬


                                                       ‫عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4/144.‬           ‫2‬


         ‫انظر مطالب أويل النهى يف شرح غاية املنتهى 4/834، وغذاء األباب يف شرح منظومة اآلداب 4/144.‬   ‫3‬




‫‪‬‬
‫93‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                          ‫4- مبايعتهن النبي صلى الله عليه وسلم:‬
 ‫فمن مراعاة منع االختالط فيها، أن كانت النساء يف مكان فأتاهن النيب صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم فيه، وبايعهن وعلمهن وما مست يده يد امرأة قط1، وقد ذكر اهلل تعاىل خرب بيعاة‬
             ‫ل ي ِْ ْ‬                                 ‫مْ ت‬                             ‫َي النِي‬
 ‫النساء يف قوله سبحانه: (يَا أُّهَا َّب ُّ ِإذَا جَاءكَ الْ ُؤمِنَا ُ يُبَاِيعْنَ َ عَلَى أَن َّا ُشركنَ بِاللَّهِ‬
  ‫ِن َ ج ِن‬                       ‫ه‬                                         ‫َ ُن‬              ‫ت‬                             ‫ْ ِْ‬
 ‫شَيْئًا وَلَا يَسرقنَ وَلَا َيزِْننيَ وَلَا َيقُْ ْلنَ أَوْلَاده َّ وَلَا يَأْتِنيَ بِبُهْتَانٍ َيفَْترِينَ ُ بَْينَ أَيْدِيه َّ وأَرْ ُلِه َّ‬
                             ‫ْ ِ ُن ِن ل غ ر ر م‬                                             ‫ُن‬
  ‫وَلَا َيعصِينَ َ فِي مع ُوفٍ فَبَاِيعْه َّ وَاسَْتغفرْ لَه َّ اللَّهَ إ َّ الَّهَ َفو ٌ َّىتِي ٌ) [املمتحنة: 44]،‬‫َ ْر‬                ‫ْ‬
 ‫وما ُروى يف صفة ذل من حنو مصافحة عمر –رضي اهلل عنه- هلن نيابة عن النيب صلى‬                                                             ‫ي‬
 ‫اهلل عليه وسلم، أو أن النيب صلى اهلل عليه وسلم وضع يده يف إناء فيه ماء، أو جاء حبائل‬
 ‫فهذا وحنوه مل يثبت بنقل صحيح، فال يلتفت إىل من يشغب به، وجله ليس فيه ىتجة ملن‬
                                                                                                                                 ‫يهرف به.‬

               ‫4- ندب النساء المسلمات إلى شهود األعياد ، وجواز حضورهن الجمع‬
                                                                                                                          ‫والجماعات:‬
 ‫واآلثار يف هذا معروفة، ومظاهر الصيانة والعفاف فيها بادية ناصعة، ففي الصحيحني‬
 ‫من ىتديث عائشة رضي اهلل عنها قالت: "إن كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، ليصلي‬
 ‫الصبح فينصرف النساء متلفعات مبروطهن، ما يعرفن من الغلس"2، ومع ذل فإن الشريعة‬
 ‫جاءت بالضوابط ال متنع من مفاسد حمتملة من خروجهن لتل املقاصد الشرعية، قاال‬
 ‫ابن ىتجر يف تعليقه على خطبة النيب صلى اهلل عليه وسلم النساء يو العيد: " قوله: "مث أتى‬
                                                             ‫ن‬        ‫ن‬        ‫ي‬
 ‫النساء" ُشعِر بأ ّ النساء ك ّ على ىتدة من الرجال غري خمتلطات هبم، وقوله: "ومعه بالل"‬
 ‫فيه أن األدب يف خماطبة النساء يف املوعظة أو احلكم أن ال حيضر من الرجال إال من تدعو‬
 ‫احلاجة إليه من شاهد وحنوه، ألن بالالً كان خاد النيب صلى اهلل عليه وسلم ومتويل قبض‬
 ‫الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقد أن ذل اغتفر له بسبب صغره"3، وقريب منه قول ابن‬
 ‫احلاج يف تعليل استحباب صالة العيد يف الفضاء ىتيث يقول: " فلما أن شرع عليه الصالة‬

                                   ‫1 ثبت ذل من ىتديث عائشة املتفق عليه، البخاري 1/3384، ومسلم 4/8814.‬
                                        ‫2 البخاري 4/244 (433) وغريه، ومسلم 4/311 (313)، وغري موضع.‬
                                                                                       ‫3 الفتح 4/331.‬


‫‪‬‬
‫04‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫والسال هلن اخلروج شرع الصالة يف الرباح إل هار شعرية اإلسال , ... فلما أمر يف هذا‬
 ‫احلديث وجعله يف صالة العيد فكان النساء بعيدا من الرجال . أال ترى أنه عليه الصاالة‬
 ‫والسال ملا أن فرغ من خطبته وصالته جاء إىل النساء فوعظهن وذكرهن, فلو كن قريباً‬
 ‫لسمعن اخلطبة وملا اىتتجن إىل تذكريه هلن بعد اخلطبة هذا وجه. ووجه ثاان وهاو أن‬
 ‫املسجد ولو كرب فهم حمصورون يف اخلروج من أبوابه املعلومة, وقد جيتمع الرجال والنساء‬
     ‫عند الدخول فيها واخلروج منها فتتوقع الفنت يف موضع العبادات, والرباح ليس كاذل‬
                                                                             ‫رب‬
 ‫التساع ال ّية فال يصل فيها أىتد ألىتد يف الغالب, وهذا بعكس ما يفعله بعاض النااس‬
 ‫اليو وهو أن املسجد عندهم كبري وله أبواب ش فيخرجون منه إىل الرباح لكونه أوسع‬
 ‫وهو السنة فبنوا يف ذل الرباح موضعا يكون يف الغالب على قدر صحن اجلامع أو أصغر‬
 ‫وجعلوا له بابني ليس إال باباً للجهة القبلية واآلخر يف مقابلته فيجتمع النساء والرجاال يف‬
 ‫أىتد البابني يف الدخول واخلروج, وتقف اخليل والدواب عليهما فإذا انصارفوا خرجاوا‬
 ‫منهما كذل مزدمحني. والغالب أن النساء إذا خرجن لغري العيد يلبسن احلسن من الثياب‬
  ‫ويستعملن الطيب ويتحلني إىل غري ذل مما تقد من زينتهن فكيف هبان يف العيادين,‬
 ‫والرجال أيضا يتجملون مبا ال جيوز هلم فتقع الفنت وتتلوث القلوب وهم قد خرجوا لقربة‬
 ‫فآل األمر إىل ضدها"1، وتبعه اخلراشي فقال: "ولبعدهن من الرجال ملا فرغ من خطبتاه‬
     ‫وصالته، جاء إليهن فوعظهن وذكرهن، فلو كن قريباً لسمعن اخلطبة.."2، وماع ذلا‬
 ‫اختلف أهل العلم فقال ابن عبدالرب: "..قال مال ال مينع النساء اخلروج إىل املساجد، فإذا‬
                          ‫م جال‬
 ‫جاء االستسقاء والعيد فال أرى بأساً أن خترج كل امرأة ُتَ َّ َّة3. هذه رواية ابن القاسم‬
                                                                                     ‫عنه.‬



                                                                              ‫1 املدخل البن احلاج 4/484.‬
 ‫2 شرح خمتصر خليل حملمد بن عبداهلل اخلراشي، 4/424، وقد نص آخرون على أن صالهتا يف املسجد بدعاة –‬
 ‫ولو كان املسجد النبوي- ألجل ما حيصل من ازدىتا يف املساجد –ولو كربت- عند الادخول أو اخلاروج. مث‬
 ‫اختلفوا يف ىتكم البدعة بناء على اختالفهم يف تقسيمها بني حمر وكاره، ينظر يف ذل بعض ىتواشاي الشارح‬
                                                                      ‫الكبري، ومنها ىتاشية الدسوقي 4/884.‬
                               ‫مَجال‬       ‫َّ‬                      ‫َّ‬                   ‫أسن‬
                             ‫3 جتالت: أي َّت وكَبُرت، يقال : جَلتْ فهي جَلِيلة ، و تَجالتْ فهي ُت َّة.‬


‫‪‬‬
‫14‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                             ‫ل‬
 ‫وروى عنه أشهب قال: خترج املرأة املتجاّة إىل املسجد، وال تكثر التاردد، وختارج‬
 ‫الشابة مرة بعد مرة. وكذل يف اجلنائز خيتلف يف ذل أمر العجوز والشاابة يف جناائز‬
                                                                          ‫أهلها وأقارهبا1.‬
                           ‫وقال الثوري ليس للمرأة خري من بيتها، وإن كانت عجوزاً.‬
 ‫قال الثوري: قال عبد اهلل: املرأة عورة، وأقرب ما تكون إىل اهلل يف قعر بيتها، فاإذا‬
                                                              ‫خرجت استشرفها الشيطان.‬
                                  ‫وقال الثوري: أكره اليو للنساء اخلروج إىل العيدين.‬
 ‫وقال ابن املبارك أكره اليو اخلروج للنساء يف العيدين، فإن أبت املرأة إال أن ختارج‬
 ‫فليأذن هلا زوجها أن خترج يف أطمارها وال تتزين2، فإن أبت أن خترج كذل فللزوج أن‬
                                                                        ‫مينعها من ذل "3.‬
 ‫مث قال أبو عمر: "أقوال الفقهاء يف هذا الباب متقاربة املعىن وخريها قول ابن املباارك‬
 ‫ألنه غري خمالف لشيء منها ويشهد له قول عائشة: لو أدرك رسول اهلل صالى اهلل علياه‬
 ‫وسلم ما أىتدثه النساء ملنعهن املسجد، ومع أىتوال الناس اليو ومع فضل صالة املرأة يف‬
                              ‫بيتها فتدبر ذل "4، ويف زماننا هذا ما أىتوجنا ألن نتدبر ذل .‬
 ‫مث إن جواز شهودهن اجلمع واجلماعات بالضوابط ال وضعها الشارع لصالة املارأة‬
 ‫يف املسجد، دليل واضح يفيد مراعاة الشريعة ألصل الفصل بني الرجال والنساء، فقد جعل‬
 ‫الشارع صالة املرأة يف قعر دارها خرياً هلا وقد جاء عند أ داود عن النيب صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم: "صالة املرأة يف بيتها أفضل من صالهتا يف ىتجرهتا، وصالهتا يف خمدعها أفضل من‬




 ‫1 مسألة اتباع النساء للجنائز مسألة خالفية، واجلمهور أطلقوا الكراهة كما ذكر النووي (اجملموع 3/874 وانظر‬
 ‫الفتح 4/874 يف التعليق على ىتديث أ عطية)، ونص بعض أهل العلم على أهنا كراهة حترمي (ىتاشية ابن عابدين‬
 ‫4/444)، والش أن األوىل ترك النساء له إذ أقل أىتواله الكراهة، واملكروه يوعظ الناس بتركه، ويتأكد ذل بل‬
                         ‫يتحقق يف هذه األعصار ال اليكاد اتباع النساء للجنائز خيلو من حمر كاختالط أونياىتة.‬
                                                  ‫2 نقله الترمذي بلفظ: أطمارها اخللْقَان. انظر السنن 4/241.‬
                                                                                       ‫3 التمهيد 44/421.‬
                                                                                        ‫4 السابق 44/421.‬


‫‪‬‬
‫24‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫صالهتا يف بيتها"1 قال يف عون املعبود: " ألن مبىن أمرها على التستر"2، قال ابن ىتجار:‬
 ‫"ووجه كون صالهتا يف اإلخفاء أفضل حتقق األمن فيه من الفتنة ويتأكد ذل بعد وجود‬
 ‫ما أىتدث النساء من التربج والزينة"3، وقد قال ابن عبدالرب بعد أن ذكر أىتاديث مساندة‬
 ‫يف لزو املرأة بيتها: "قد أوردنا من اآلثار املسندة يف هذا الباب ما فيه كفاية وغىن فمان‬
                                           ‫تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب"4.‬
 ‫وبعد ذل إذا خرجت املرأة أمرها الشارع أن خترج تفلة غري متطيبة وال متزينة، فإن‬
 ‫خالفت ذل عصت اهلل خبروجها ولو إىل مسجد، كما يف صحيح مسلم عن زينب امرأة‬
 ‫عبد اهلل بن مسعود قالت: قال لنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: "إذا شهدت إىتداكن‬
                                                              ‫املسجد فال متس طيباً"5.‬
 ‫مث إذا جاءت املسجد تدخل من باب خاص اليدخل منه الرجال فقد روى أباو داود‬
 ‫وغريه عن ابن عمر رضي اهلل عنهما أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ملا بىن املساجد‬
 ‫جعل باباً للنساء، وقال: "لو تركنا هذا الباب للنساء" قال نافع فلم يدخل منه ابن عمار‬
 ‫ىت مات6، وروى نافع أن عمر –رضي اهلل عنه- كان ينهى أن يدخل من باب النساء7.‬
 ‫فإذا دخلت املرأة املسجد كان خري صفوفها أبعدها عن الرجال، وكان شرها أقرهبا منهم‬

 ‫1 سنن أ داود 4/334 ، وسنده صحيح، وقد جاء أيضاً عند ابن خزمية يف صحيحه 4/18، وعند احلااكم يف‬
 ‫املستدرك 4/844، والبيهقي يف الكربى 4/444، وكذل الطرباين يف الكبري 8/384 وقال اهليثمي رجاله رجال‬
 ‫الصحيح (جممع الزوائد 4/14) ، وهؤالء مجيعاً من طريق قتادة عن مور عن أ األىتوص عن عبداهلل بن مسعود،‬
 ‫وقد جود احلافظ ابن كثري إسناده (انظر التفسري 4/481)، وقد روي عن غري ابن مسعود رضي اهلل عنه وقد أورد‬
 ‫ابن عبدالرب آثاراً مبعىن هذا من ىتديث عائشة وأ سلمة وأ هريرة وأ سعيد وقال بعدها: "قد أوردنا من اآلثار‬
      ‫املسندة يف هذا الباب ما فيه كفاية وغىن فمن تدبرها وفهمها وقف على فقه هذا الباب" (التمهيد 44/421).‬
                                                                                    ‫2 العون 4/384.‬
                     ‫3 الفتح 4/814، وانظر شرح الزرقاين 4/8، وفيض القدير 4/47، ونيل األوطار 4/434.‬
                                                                                  ‫4 التمهيد 44/421.‬
                                                                   ‫5 صحيح مسلم 4/844، ورواه غريه.‬
 ‫6 سنن أ داود 4/344، 4/334، واألوسط للطرباين 4/124، وكذل ذكره يف التمهيد 44/784، وانظر‬
 ‫احمللى 4/444 ، وغريها، وهو ىتديث صحيح اإلسناد، ورجح أبو داود وقفه على عمر وقال هذا أصح، وأياً ماا‬
                                                          ‫كان فقد صح من فعل الصحابة رضي اهلل عنهم.‬
                                                               ‫7 سنن أ داود 4/344، وسنده صحيح.‬


‫‪‬‬
‫34‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫حلديث أ هريرة قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: "خري صفوف الرجال أوهلا،‬
    ‫وشرها آخرها، وخري صفوف النساء آخرها، وشرها أوهلا"1، وقد علل بعض الفقهاء ذل‬
  ‫ملا فيه من البعد عن خمالطة الرجال2، فإذا خرجت من املسجد فعليها أن تستأخر وتلتاز‬
 ‫ىتافة الطريق كما قال رسول اهلل –صلى اهلل عليه وسلم- ملا خرج من املسجد فااختلط‬
 ‫الرجال مع النساء: "استأخرن فإنه ليس لكن أن حتققن الطريق، عليكن حبافات الطريق "‬
   ‫فكانت املرأة تلصق باجلدار ىت أن ثوهبا ليتعلق باجلدار من لصوقها كما جاء عناد أ‬
 ‫داود بسند ىتسن3. قال ابن األثري: حيققن الطريق هو أن يركنب ىتقها، وهو وساطها4،‬
 ‫ووجه الداللة: أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم ىترص على قطع كل سبب لالختالط وإن‬
 ‫كان غرض اخلروج أداء العبادة فكيف يسوغ يف غريها، وإذا منعهن من االختالط العابر‬
 ‫يف الطريق إىل املسجد واملؤقت يف داخل املسجد ألنه يؤدي إىل االفتنان، فكياف يقاال‬
                                                           ‫جبواز االختالط يف غريه؟‬
 ‫ومما سبق يعلم أن ما أىتدث يف هذا العصر من وسائل لصيانة النساء من اخللطاة يف‬
                                                ‫هبن‬
 ‫املساجد، كبناء املصليات املستقلة َّ خلف الرجال، من الوسائل املرضية لتحقيق مقاصد‬
                ‫هلان‬
 ‫شرعية أرشدت إليها األدلة، وقد يسرت على النساء كثرياً مبا أتاىتته َّ مان ختفاف‬
 ‫وتبسط بعد الصالة وقبلها، دون خشية اقتحا أعني الغرباء، وليس شأن تي املصاليات‬

                                                                          ‫1 رواه مسلم 4/344، ورواه غريه.‬
                                                                                ‫2 انظر نيل األوطار 4/844.‬
 ‫3 ىتديث ىتسن، رواه أبوداود يف السنن 1/834 وفيه أبو اليمان وهو كثري الرىتال قال احلافظ مستور وقال ابان‬
 ‫ىتز يف احمللى 4/774: "وليس مبشهور"، ولعله معروف وثقه ابن ىتبان وروى عنه غري واىتد وابن ىتز –رمحه‬
 ‫اهلل- اليوافقه جل األئمة يف إطالقه اجلهالة، وهلذا تعقب ابن القيم يف ىتاشيته (4/444) ابن ىتز يف ىتكمه على‬
 ‫أ اليمان فقال: " وما ذكره ضعيف" مث قال على احلديث الذي جاء فيه "فاحلديث غري ساقط" ، وىتديثنا هذا جاء‬
 ‫من طريق آخر عند الطرباين يف الكبري 84/434 وكذل ذكره ابن عبدالرب يف التمهياد 44/884، واملازي يف‬
 ‫هتذيب الكمال 44/421 وهو صاحل للمتابعة وفيه أبواليمان النبال وهو معلى بن راشد قال احلافظ مقبول، ولعلاه‬
 ‫ليس به بأس حيتج حبديثه، فقد وثقه ابن ىتبان وقال النسائي: ليس به بأس، وقد روى عنه مجع وروى عن مجاع‬
 ‫(انظر هتذيب الكمال 84/184) ، غري أن فيه شداد بن أ عمرو بن محاس وهذا مستور، وقد جاء له شاهد من‬
 ‫ىتديث أ هريرة عند البيهقي يف الشعب 3/174 وفيه شري بن عبداهلل، فاألقرب أن احلديث ىتسن كما قاال‬
                                                     ‫العالمة األلباين يف صحيح اجلامع رقم (848) واهلل أعلم.‬
                                                                         ‫4 النهاية يف غريب احلديث 4/341.‬


‫‪‬‬
‫44‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫من اإلىتداث يف شيء، والسيما مع ما ىتدث من خمترعات عصرية –مل تكن قبل- تكفل‬
                          ‫هلن مساع صوت اإلما ومتابعته، فاحلمد هلل على ما يسر.‬

                                                                    ‫1- حج النساء واعتمارهن:‬
 ‫مما فرضه اهلل على املرأة والرجل، الركن اخلامس ىتج البيت ملن استطاع إليه سابيالً،‬
 ‫ومل يكن ىتج البيت احلرا يف عصور اإلسال األوىل مسوغاً خلطاة الرجاال بالنسااء‬
 ‫املذمومة، بل النا ر يف فتوى القرون املختلفة، وما قاله أهل العلم، وما فعله بعض الاوالة‬
 ‫جيد مراعاة املنع من ذل االختالط بينة، قال ابن جبري يف رىتلته: "وموضاع الطاواف‬
 ‫مفروش حبجارة مبسوطة كأهنا الرخا ىتسناً، منها سود ومسر وبيض قد ألصاق بعضاها‬
                                          ‫ْ ُ ال‬
   ‫ببعض، واتسعت عن البيت مبقدار تِسعِ خطاً إ ّ يف اجلهة ال تقابل املقا ، فإهنا امتادت‬
                                                                      ‫إليه ىت أىتاطت به.‬
  ‫وسائر احلر مع البالطات كلها مفروش برمل أبيض، وطواف النساء يف آخر احلجارة‬
 ‫املفروشة"1، وحنوه ذكر البلوي2 وابن بطوطة3، وهذا يدل على أن العمل القدمي الاذي‬
 ‫تتابعت عليه عصور أهل اإلسال جرى قروناً طواالً على الفصل بني الطائفني والطائفات،‬
 ‫فقد كانت رىتلة ابن جبري إىل مكة من األندلس عا 873ها، ورىتلة ابن بطوطة وخالد‬
                                                                ‫ال‬
                                                  ‫البلوي بعده بنحو قرنني إ ّ ثالثة عقود.‬
 ‫ورمبا جعل الوالة بعض يو للنساء خاصة، تيسرياً للطواف عليهن، ومتكيناً هلن من أن‬
 ‫يصلن البيت دون خمالفة للشريعة، وحنو هذا مذكور يف بعاض كتاب أخباار مكاة‬
                                                                              ‫واملناس .‬
                                                                               ‫4‬


 ‫وقد ذكر األزرقي أن خالد بن عبداهلل القسري أول من فر بني الرجال والنسااء يف‬
 ‫الطواف، وأجلس عند كل ركن ىترساً معهم السياط، يفرقون بني الرجال والنساء5. وأن‬

                                                 ‫1 رىتلة ابن جبري ص43، ط داري صادر وبريوت، 8744.‬
                                                                                                ‫ج‬
       ‫2 ينظر: تا ُ املَفْرِ يف حتلية علماء املشر ، خلالد بن عيسى البلوي، 4/124، بتحقيق احلسن السائح، ط صندو‬
                                                       ‫إىتياء التراث اإلسالمي املشترك بني املغرب واإلمارات.‬
                                             ‫3 رىتلة ابن بطوطة 4/844، املكتبة العصرية مع غريها، 3414.‬
                               ‫4 كرىتلة ابن جبري، وقد كانت يف ذل العهد مرة يف العا ، تنظر رىتلته ص344.‬
                                       ‫5 روى معناه بطريقني يف أخبار مكة 4/24-44، عن سفيان بن عيينة.‬


‫‪‬‬
‫54‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ذل استمر إىل زمانه، ولعل املراد هو أن خالداً أول من فر بإلزامه وعقابه املخالف، وإن‬
 ‫كان جريان العرف بذل ومتس الصاحلات به مأثور من لدن عهود الصحابة املرضايني‬
 ‫كما يف أثر عائشة رضي اهلل عنها اآليت، ومحل بعض أهل العلم هذا على اىتتمال أنه فعله‬
 ‫وقتاً مث تركه1ملا ورد يف البخاري من إنكار عطاء على ابن هشا منعه طواف النساء ماع‬
 ‫الرجال وسيأيت، وحيتمل أنه فعل مدة واليته مث اختلطت األمور بعده إىل عهد والية ابان‬
                                                                      ‫هشا على مكة.‬
 ‫ونقل ابن مجاعة يف هداية السال أن عمر رضي اهلل عنه هنى أن يطوف الرجال ماع‬
 ‫النساء، فدخل املسجد ذات يو ، فإذا هو برجل يطوف مع النساء، فأقبل علياه ضارباً‬
                                                                                 ‫دِر‬
                                                       ‫بال ِّ َّة، وقال: أمل أنْهَ عن هذا؟‬
                                                                  ‫قال: ما علمت.‬
                                                             ‫قال: أما بلغ عزمي؟‬
                                                           ‫قال: ما بلغين ل عزمة.‬
                                               ‫قال: دون فأمس –يعين فاقتص.‬
                                                               ‫قال: ما أنا بفاعل2.‬
 ‫فإن صح هذا فلعل عمر رضي اهلل عنه جعل هلن وقتاً ليس للرجال فيه نصيب، وحيتمل‬
                                                   ‫أنه طاف يف موضعهن من املطاف.‬
 ‫وأما ما رواه البخاري: "قال ابن جريج أخربين عطاء إذ منع ابان هشاا 3 النسااء‬
 ‫الطواف مع الرجال قال كيف مينعهن وقد طاف نساء النيب صلى اهلل عليه وسالم ماع‬
  ‫الرجال! قلت: أبعد احلجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد احلجاب. قلات:‬


                                                                           ‫1 فتح الباري، البن ىتجر 4/281.‬
 ‫2 ينظر هداية السال إىل املذاهب األربعة يف املناس ، البن مجاعة، 4/338، وقد عزاه لسعيد بن منصاور، ومل‬
 ‫أقف عليه بيد أن الفاكهي روى حنوه يف تاريخ مكة من مرسل إبراهيم النخعي، وبنصه الذي نقله ابن مجاعة ذكره‬
                                              ‫غري واىتد من املصنفني من مرسل إبراهيم، فلعله مرسل من إبراهيم.‬
 ‫3 حيتمل اثنني، قال ابن ىتجر: "ابن هشا هو إبراهيم، أو أخوه حممد بن هشا بن إمساعيل بن هشا بن الوليد بن‬
  ‫املغرية بن عبد اهلل بن عمر بن خمزو املخزومي، وكانا خايل هشا بن عبد املل ، فوىل حممداً إمرة مكة، وويل أخاه‬
                ‫إبراهيم بن هشا إمرة املدينة، وفوض هشا إلبراهيم إمرة احلج بالناس يف خالفته" الفتح 4/281.‬


‫‪‬‬
‫64‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


    ‫ْ‬                                                 ‫يكن‬
 ‫كيف خيالطن الرجال؟ قال: مل َّ خيالطن. كانت عائشة رضي اهلل عنها تطوف ىتَجرة‬
     ‫من الرجال ال ختالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أ املؤمنني قالت انطلقاي عنا‬
                                      ‫وأبت.."1، فنص على أهنن مل يكن خيالطن الرجال.‬
 ‫وإنكار عطاء صنيع ابن هشا قد يفهم منه بادي الرأي خالف ما روي من منع عمر‬
 ‫رضي اهلل عنه الرجال من التمييز بني النساء والرجال يف الطواف ملنع اخللطة، ومثله ماا‬
 ‫جرى يف عهد خالد بن عبداهلل القسري وليس كذل ، فقد وقع يف احلديث إثبات عطااء‬
 ‫أهنن مل يكن خيالطن الرجال، فإن مل تكن اخللطة املريبة موجودة لكون املرأة تطوف ىتجرة‬
 ‫ناىتية عن الرجال زال اإلشكال وارتفعت احملظور، مث إن قول عطاء نفسه يف هذا األثار:‬
      ‫"وكن خيرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن ىت‬
 ‫يدخلن وأخرج الرجال"، هذه الرواية تدل على إخراج الرجال ليالً، والرواية يف مصانف‬
  ‫عبدالرزا قال: "ولكنهن إذا دخلن البيت سترن ىتني يدخلن، مث أخرج عنه الرجاال"2،‬
 ‫وقد ثبتت من طريق عبدالرزا ، وطريق البيهقي والفاكهي وغريهم، ومقتضى هذا حيتمل‬
 ‫أن عمر إمنا أمر بإخراج الرجال ليالً، أو ىتد للرجال ىتداً اليتجاوزوناه ىتاال وجاود‬
 ‫النساء، كالذي كانت تطوف فيه عائشة رضي اهلل عنها ىتَجِرة، وليس أىتد مان هاذه‬
 ‫الوجوه يف اجلمع موقوفاً على تصحيح الرواية يف منع عمر للخلطة، بل رواية الصاحيح‬
 ‫وعبدالرزا والبيهقي وغريمها اآلنفة تشعر هبذا املعىن، قال ابن ىتجر: "قوله: ىتني يدخلن‬
                                                                    ‫ِي‬
  ‫يف رواية الكشْميهَن ِّ ىت يدخلن وكذا هو للفاكهي، واملعىن إذا أردن دخول البيت وقفن‬
                                            ‫ىت يدخلن ىتال كون الرجال خمرجني منه"3.‬
 ‫قال ابن ىتجر معلقاً على أثر منع عمر: "وهذا إن صح مل يعاارض األول ألن ابان‬
                ‫هشا منعهن أن يطفن ىتني يطوف الرجال مطلقاً فلهذا أنكر عليه عطاء"4.‬
 ‫فظاهر قول عطاء رمحه اهلل إنكار حتكم ابن هشا دون مقتضي يف ذل العهد، مع إمكان‬
                                                     ‫الطواف بغري خلطة من وراء الرجال.‬

                                                                        ‫1 صحيح البخاري 4/383 وغريه.‬
                                             ‫2 املصنف 3/73 (8428)، تنظر يف سنن البيهقي 3/87 (2428).‬
                                                                                     ‫3 الفتح 4/481.‬
                                                                                     ‫4 الفتح 4/481.‬


‫‪‬‬
‫74‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫واحملصلة أن قصد منع اخللطة احملرمة ثابت يف ىتديث البخاري هذا ويف ما روي مان‬
 ‫صنيع املتقدمني من اخللفاء الراشدين املهديني ومن أتى بعدهم، تصوبه عماو نصاوص‬
 ‫الشريعة القاضية مبنع أسباب الفتنة وتزاىتم الرجال والنساء، وإمنا ينكر التعنت إذا مل تكن‬
                   ‫اخللطة املذمومة ىتاصلة، ومل يكن مثة مقتض لإللزا مبا مل يلز به الشرع.‬
                              ‫على أن جمرد إنكار عطاء رمحه اهلل ليس ىتجةً على غريه.‬
 ‫وفيما نقله عن عائشة رضي اهلل عنها من ترك االستال الذي ندب إليه اجتناباً للخلطة‬
 ‫ِّغ تل العبادة اخاتالط‬   ‫ونفيها عنها بذكره طوافها ناىتية كل ذل دليل على أنه التسو‬
                                                                        ‫النساء بالرجال.‬
 ‫ولعل هذا يبدو جلياً ملن أنار اهلل بصريته يف املسألة، ونظر يف تشريع املناس بإنصاف،‬
                                                                            ‫ُ‬
 ‫وتأملَ ما وضع من ضوابط ألجل صيانة النساء القاصدات هلذه العبادة، صيانة حتفظ معها‬
 ‫كرامتهن، ومتنع من اختالطهن بالرجال على الوجه املفضي للمفسدة بقدر اإلمكان، ومن‬
                                   ‫ال‬
 ‫ذل أن الشارع مل يوجب على املرأة ىتجاً أو عمرة إ ّ إذا كان معها حمر ، ومن أباح هلا‬
                          ‫هبن‬
 ‫السفر من الفقهاء مع رفقة من النساء مأمونةٍ قال: "لتستأنس َّ والحتتااج إىل خمالطاة‬
 ‫الرجال"1، وكره مال أن تركب البحر ولو للحج ألنه مظنة خلطة، وفر فقهاء املالكية‬
 ‫بني ما إذا كان يف السفينة مكان تستغين به عن خمالطة الرجال فجوزوا هذا ومنعوا إذا مل‬
 ‫يكن2، مث جعلت الشريعة رخصاً ملن كانت معه نساء أوضعفة ليست لغريه، كالدفع مان‬
 ‫مزدلفة بليل فقد رويت فيه أىتاديث صحاح ومن ذل ىتديث عبد اهلل موىل أمساء عان‬
 ‫أمساء أهنا نزلت ليلة مجع عند املزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة مث قالت: يا بين هال‬
 ‫غاب القمر؟ قلت: ال. فصلت ساعة مث قالت: يا بين هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت:‬
 ‫فارحتلوا فارحتلنا ومضينا ىت رمت اجلمرة مث رجعت فصلت الصبح يف منزهلا، فقلت هلا:‬
                                                              ‫غل‬
 ‫يا هنتاه! ما أرانا إال قد َّسنا، قالت: يا بين إن رسول اهلل صلى اهلل علياه وسالم أذن‬




                                                        ‫1 انظر املبسوط للسرخسي 1/444.‬
 ‫2 التاج واإلكليل ملختصر خليل 4/381، وكذل مواهب اجلليل 4/243، وكان ساىتة بعض السفن كانات‬
                                                                  ‫عندهم كاجملس الواىتد.‬


‫‪‬‬
‫84‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫للظعن1. واألىتاديث يف هذا معروفة وقد رخص هبا مجع من أهل العلم للنساء يف الرماي‬
                                                                     ‫قبل طلوع الشمس.‬
 ‫ومن مراعاة الفقهاء ألصل املنع من االختالط يف الشريعة استحباهبم للمارأة ماا مل‬
   ‫يستحبوا للرجل من حنو طوافها بعيدة عن البيت2، ورخصوا هلا يف تأخري طواف القادو‬
                                                                ‫إىل الليل خشية الزىتا 3.‬
 ‫ومع هذا فقد صرح أهل العلم قدمياً وىتديثاً بأن االختالط غري املنضبط مبا يعصم من‬
 ‫الفتنة منكر الجيوز، قال ابن مجاعة يف منسكه الكبري:"ومن أكرب املنكرات ما يفعله جهلة‬
     ‫العوا يف الطواف من مزامحة الرجال بأزواجهم سافرات عن وجوههن، ورمبا كان ذل‬
 ‫يف الليل، وبأيديهم الشموع متقدة..." إىل أن قال: "نسأل اهلل أن يلهم ويل األمر إزالاة‬
    ‫املنكرات" ، قال ابن ىتجر اهليتمي بعد أن نقله: "فتأمله جتده صرحياً يف وجوب املنع ىت‬
 ‫من الطواف عند ارتكاهبن دواعي الفتنة"4، وتأمل كيف عد كشافهن عان الوجاه –‬
 ‫واليتصور من احملرمة الطائفة غري كشف الوجه والكفني، ال يظن هبن تربجااً أو هتتكااً‬
                         ‫وجموناً- مع إيقاد الشموع ولو بصحبة األزواج من أسباب الفتنة.‬
 ‫وقد نص بعض أهل العلم على كراهة الطواف مع مطلق االختالط قال حمماد بان‬
                                 ‫ن‬
 ‫إبراهيم بن فرىتون املالكي يف املسائل امللقوطة عن والده أّه يكره الطواف مع االخاتالط‬
                                                                              ‫بالنساء5.‬

                                                                     ‫1 البخاري 4/423، ومسلم 4/218.‬
 ‫2 انظر للحطاب املالكي مواهب اجلليل يف شرح خمتصر خليل 4/214 بل صرح املالكية بأن السنة هلن خلاف‬
 ‫الرجال كالصالة انظر شرح خمتصر خليل للخراشي 4/344، وللهيتمي الشافعي حتفة احملتاج يف شارح املناهاج‬
 ‫1/48، وللزيلعي احلنفي انظر تبيني احلقائق شرح كنز الدقائق 4/34، وهو ما يفهم من كال ابن قدامة واملرداوي‬
                                                             ‫من احلنابلة انظر املغين 4/384 واالنصاف 1/8.‬
 ‫3 انظر ىتاشية العدوي 4/743، ونص عليه اإلما الشافعي يف األ يف ىتق اجلميلة 4/444، وأضاف الشريفة يف‬
 ‫اجملموع نقالً عن اإلما واألصحاب 8/14، وكذل يف أسىن املطالب 4/371، وانظر املغين 4/734، وهو يف‬
                                                                                  ‫كتب فقهاء احلنابلة كثري.‬
           ‫4 الفتاوى الفقهية الكربى، البن ىتجر اهليتمي 4/424، وقد نقله موافقاً له وحمله من منسكه 4/838.‬
 ‫5 تنظر املسائل امللقوطة ص444 ، والنهي عن الطواف خمتلطاً بالنساء كثري يف كتب املالكية وغريهم ينظار ماثالً‬
  ‫كتاب مواهب اجلليل شرح خمتصر خليل للحطاب املالكي 4/244 وكذل الفواكه الادواين 4/834 و734،‬
                                                             ‫وىتاشيتا قيلو وعمرية يف فقه الشافعية 4/144.‬


‫‪‬‬
‫94‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومن مراعاهتم للمنع من االختالط يف النس قوهلم: اليستحب هلا أن تزاىتم الرجال‬
                                                          ‫الستال احلجر األسود1.‬
 ‫قال ابن مجاعة: "واليستحب هلا تقبيل وال استال مع مزامحة الرجال، وال يستحب هلا‬
 ‫الصالة خلف املقا ، أو يف غريه من املسجد مزامحة للرجال، ويستحب هلاا ذلا إذا مل‬
              ‫تفض إىل خمالطة الرجال. وهذا مما اليكاد خيتلف في ؛ ملا يتوقع بسببه من ضرر"2.‬
 ‫وقال أيضاً: "وال تزاىتم الرجال، وينبغي أن يكون سعيها بني الصفا واملروة بالليال،‬
                                   ‫كما تقد يف طوافها بالبيت، ألنه أستر وأسلم من الفتنة.‬
 ‫وقال بعض الشافعية: إهنا إذا سعت بالليل يف ىتال خلوة املسعى استحب هلاا شادة‬
 ‫السعي يف موضعه كالرجل... وال ترقى على الصفا وال على املروة عند الشافعية واحلنابلة،‬
 ‫وقال املالكية تصعد إذا كان املكان خالياً، وهو مقتضى كال احلنفياة، وقاول بعاض‬
                                                                        ‫الشافعية املتقد "3.‬
                                             ‫ال‬
 ‫وقوهلم: التقف املرأة على الصفا للدعاء إ ّ إذا خال املكان عان مزامحاة الرجاال،‬
                                                    ‫ويكون سنة يف ىتقها إذا خال املكان4.‬
 ‫ومن مراعاة بعض أمهات املؤمنني لألمر بلزو البيوت ونبذهن االختالط، اكتفااؤهن‬
 ‫حبجة الفريضة، وترك القيا للتطوع، وهذا مأثور عن زينب وسودة رضي اهلل عناهما،‬
                       ‫امتثاالً لقوله صلى اهلل عليه وسلم ألزواجه: "هذه مث هور احلصر"5.‬

                                                                                         ‫1 املغين 4/484.‬
 ‫2 هداية السال إىل املذاهب األربعة يف املناس ، البن مجاعة، 4/138، وقوله: اليستحب املتوجه محلاه علاى‬
                                                     ‫التحرمي إذا أفضت املزامحة إىل حمر كالتالمس فما فوقه.‬
                                  ‫3 هداية السال إىل املذاهب األربعة يف املناس ، البن مجاعة، 4/488-188.‬
                                                         ‫4 الفواكه الدواين 4/834، وانظر املغين 4/484.‬
 ‫5 ىتديث صحيح فقد رواه مجع من طريق زيد بن أسلم عن واقد بن أ واقد عن أبيه عن النيب صالى اهلل علياه‬
 ‫وسلم، وقد خرجها من هذا الطريق اإلما أمحد يف مسنده 3/844 وال تليهاا، وكاذل أباويعلى 4/44،‬
 ‫والبيهقي يف الكربى 1/744، 3/844 وأبو داود يف سننه 4/214، وأرسلها عبدالرزا عن زيد بن أسالم يف‬
 ‫مصنفه 3/8، وغريهم وقد أعل بعض أهل العلم كالذهيب يف امليزان (7/844) هذا الطريق بتفرد زيد بن أسلم‬
 ‫بالرواية عن ابن أ واقد، غري أن ابن ىتجر يف الفتح صححها وقال: (1/17) " وإسناد ىتديث أ واقد صحيح‬
 ‫وأغرب املهلب فزعم أنه من وضع الرافضة.. وهو إقدا منه على رد األىتاديث الصحيحة بغري دليل"، ولعل إلعالل‬
 ‫الذهيب لتل الطريق وجه بيد أن احلديث صح من طريق ابن أ ذئب عن صاحل موىل التوأمة عن أ هريرة عن النيب‬


‫‪‬‬
‫05‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬




 ‫ومما سبق خنلص إىل أن الشارع ىتف احلج والعمرة بأىتكا تكفل منع اخللطة احملرمة‬
 ‫ومن ذل اشتراط احملر ، ومع ذل ندب املرأة إىل ترك مزامحة الرجال، واساتحب هلاا‬
 ‫الفقهاء ألجل ذل ما مل يستحبوه للرجال، ىت وضع بعض احلكا ضوابط تكفل ذل ،‬
 ‫وقد كانت أمهات املؤمنني ونساء الصاحلني يراعني ذل فيمتزن عن الرجال، غري أنه تبقى‬
                                       ‫نسوةٍ يف القدمي واحلديث يصد فيهن قول األول:‬
            ‫َّ‬
        ‫ولكن ليقتلن الباريءَ املغَفاال‬           ‫ْ‬
                                             ‫من الالئيْ مل حيججن يبغني ىتِسبَةً‬
 ‫فعلى أخت اإلسال أن التغتر هبن، نسأل اهلل أن يصلح ىتال أخواتنا وأمهاتنا ونسائنا‬
                                                                         ‫ونساء املسلمني.‬




 ‫صلى اهلل عليه وسلم، وصاحل وإن اختلط فإن رواية ابن أ ذئب عنه قدمية كما قرر احلفاظ، قال ابن عدي: "البأس‬
 ‫إذ مسعوه منه قدمياً" (الفروع البن مفلح 4/243-443)، وقال اهليثمي يف اجملمع 4/144: "وفيه صاحل ماوىل‬
 ‫التوأمة ولكنه من رواية ابن أ ذئب عنه وابن أ ذئب مسع منه قبل اختالطه"، وهو كما قال وإليه أشار احلافظ يف‬
  ‫التقريب، وهو الذي عليه األئمة كما أشار إليه ابن عبدالرب يف التمهيد 44/434، ومن هذا الطريق خرجه اإلما‬
 ‫أمحد 4/311، و 3/144 وهو يف مسند احلارث 4/211، وعند الطيالساي 4/844، وأ يعلاى 44/28،‬
 ‫44/88 ، وغريهم، وجاء من طريق ثالث البأس به فقد جاء من عدة أوجه عن عثمان األخنسي عن عبدالرمحن بن‬
 ‫سعيد بن يربوع عن أ سلمة كما عند أ يعلى 44/444، والطرباين يف الكبري 44/444، وغريمها. فاحلاديث‬
 ‫صحيح إن شاء اهلل، وقد وثق رواته املنذري يف الترغيب والترهيب 4/844، وصححه اهليثمي يف جممع الزوائاد‬
                           ‫4/144، وكذل األلباين يف صحيح أ داود 3434، وقد تكلم أهل العلم يف تأويله.‬


‫‪‬‬
‫15‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                            ‫3- خروجهن للجهاد:‬
 ‫خروج النساء يف الصدر األول للغزو تطوعاً ىتق المرية فيه، وقد بوب البخااري يف‬
 ‫صحيحه؛ باب: الدعاء باجلهاد والشهادة للرجال والنساء، وباب: غزو املرأة يف البحار،‬
 ‫وباب: محل الرجل امرأته يف غزو دون بعض نسائه، وباب: غزو النساء وقتااهلن ماع‬
        ‫الرجال، وباب: مداواة النساء اجلرىتى يف الغزو، وباب: رد النساء اجلرىتى والقتلى.‬
 ‫غري أن الشريعة مل توجب عليهن اجلهاد باالتفا 1، قالت عائشة رضي اهلل عنها للنيب‬
                                      ‫ن‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم: "أفال جناهد"؟ قال: "ال، لَك َّ أفضل اجلهاد ىتج مربور"2، ومن علله‬
 ‫قول الصنعاين: "ألن النساء مأمورات بالستر والسكون، واجلهاد ينايف ذل ، إذ فيه خمالطة‬
 ‫األقران، واملبارزة ورفع األصوات"3، وقد نص أهل العلم علاى أن الذكورياة شارط‬
                                                                               ‫لوجوبه.‬
   ‫أما خروج النساء يف العصر األول للجهاد فقد كان منضبطاً بضوابط الشريعة، والا‬
 ‫منها احلاجة إليهن، فلم تكن خترج عامة النساء، ومل يعهد يف تااريخ اإلساال نادهبن‬
 ‫للخروج أو استنفارهن، ولكن عهد خروج بعضهن كال تكون يف خدمة القائد، وحنوها‬
 ‫من ذوات املهنة، ومن احلاجة خروج زرافات منهن يف جهاد الدفع أو تلقي العدو القاصد‬
 ‫لديار اإلسال كما يف يو أىتد، ومع احلاجة البد من مراعاة منع االخاتالط، وأساباب‬
 ‫الفتنة، مث من سوغوا اخلروج للحاجة من الفقهاء اختلفوا يف خاروج الشاابة إىل أرض‬
 ‫العدو4، وقالوا بالكراهة خروج النساء يف سرية اليؤمن عليها، وعلق بعضاهم اإلباىتاة‬
                                 ‫بكون العسكر كثرياً تؤمن عليه الغلبة5، وهذا هو األقرب.‬
                                          ‫ومن الضوابط الشرعية جلواز خروج النساء للجهاد:‬




                                                                                  ‫املوسوعة الفقهية44/834.‬   ‫1‬


                      ‫صحيح البخاري 4/433 رقم 8114 ورواه غريه، واألىتاديث يف هذا الباب كثرية معروفة.‬         ‫2‬


                                                                                      ‫سبل السال 4/231.‬      ‫3‬


                                         ‫ي‬
            ‫منع بعضهم انظر املدونة 4/881، وقد نقل عن ابن قاسم اجلواز إذا مل ُخف على العسكر لقلة العدو.‬      ‫4‬


                                                          ‫انظر طرح التثريب 7/81، وقد نقله عن ابن عبدالرب.‬   ‫5‬




‫‪‬‬
‫25‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وجود احملر إذا تطلب اجلهاد سفراً لعمو أدلته، وعد وجود ما خيصاص ماوطن‬
                                               ‫اجلهاد، وقد نص أهل العلم على ذل 1.‬
 ‫وهذا هو الذي ورد عن الصحابة فقد كانوا خيرجون للجهاد ورمبا صاحبوا بعاض‬
 ‫احملار من حنو زوجة وأ ، وال أ ن أن منصفاً لبيباً يتصور خروج نساء ذل اجليل للجهاد‬
                                                                       ‫ن‬
  ‫وبقاء أزواجه ّ أو أبنائهن أو أخواهلن أو أعمامهن أو سائر حمارمهن يف قعار البيوتاات!‬
                                                         ‫ن‬
 ‫ومن ن ذل فقد أساء الظِّة مبن أثىن اهلل عليهم وأوجب ىتسن الظن هبام، ‪‬لاوال إذ‬
 ‫مسعتموه ن املؤمنون واملؤمنات بأنفسهم خرياً وقالوا هذا إف مبني‪[ ‬النور :44]، بل‬
                            ‫كانوا يبادرون إىل اجلهاد، وأخبار مبادرهتم مشهورة معروفة.‬
 ‫ومما يدل على اشتراط احملر يف اجلهاد ما ثبت يف الصحيحني من ىتديث ابن عباس أنه‬
 ‫مسع النيب صلى اهلل عليه وسلم يقول: "الخيلون رجل بامرأة، وال تسافرن امرأة وإال معها‬
 ‫حمر "، فقا رجل فقال: يا رسول اهلل اكتتبت يف غزوة كذا وكذا، وخرجات امارأيت‬
 ‫ىتاجة. قال: "اذهب فحج مع امرأت "2، فهذا يأمره بترك اجلهاد بعاد أن تعاني علياه‬
 ‫باكتتابه، ليصحب امرأته يف سفر هو أوىل وأوجب عليها من سفر اجلهاد، ومع ذلا مل‬
 ‫يبح هلا اخلروج فيه بدون حمر ، بل سقط اجلهاد على املكتتب املعني ألجل أن خيرج حمرماً‬
 ‫مع امرأته يف ىتجها، فهل يعقل أن يأذن المرأة أن خترج بغري حمر يف سفر جلهاد الجياب‬
                        ‫عليها، مع أنه ما أذن هلن بذل يف ركن اإلسال الواجب؟ فتأمل.‬
 ‫ومن ضوابط الشرع ال يقتضي ىتسن الظن هبن لزو القول بالتزامهن هبا؛ احلجااب‬
 ‫والتستر، فاألمر به عا ومل يأت ما خيرج حمل اجلهاد عن ذل العمو ، واألصل التزامهن‬
                          ‫بأمر الشارع، ومن تأمل ىتديث قصة اإلف بدا له شاهد ذل .‬
 ‫وهذا الواجب كغريه من الواجبات قد تقتضي ضرورة ترك بعضه، وىتيناها تقادر‬
                                       ‫الضرورة بقدرها، وتتقي املرأة ما استطاعت رهبا.‬




                                                 ‫انظر شرح السري 1/3314، وينظر كذل 4/424-124.‬               ‫1‬

                                                      ‫2 متفق عليه، البخاري 4/1824 (1184)، ومسلم 4/878 (4144).‬



‫‪‬‬
‫35‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬




                                                                    ‫وظيفة النساء في الجهاد:‬
 ‫قدمياً قالت العرب: "التسد الثغور باحملصنات"، وهذا ىتق فإن القتال وسد الثغاور،‬
 ‫اليناسب بنية املرأة وخِلقتَها اجلسدية والنفسية، ومن تأمل خروج النساء يف اجلهاد وجده‬
 ‫حلاجة اخلدمة والرجوع باملوتى، أولضرورة مداواة املرضى واجلرىتى، أما إذا مل تكن مثاة‬
    ‫ضرورة فال تباشر عالج أجنيب، قال الشوكاين: "قال ابن بطال: وخيتص اتفااقهم ذلا‬
 ‫بذوات احملار ، وإن دعت الضرورة فليكن بغري مباشرة وال مس، ويدل على ذل اتفاقهم‬
 ‫أن املرأة إذا ماتت ومل توجد إمرأة تغسلها، أن الرجل اليباشر غسلها باملس، بل يغسالها‬
 ‫من وراء ىتائل يف قول بعضهم كالزهري، ويف قول األكثر تيمم، وقال األوزاعي: تادفن‬
 ‫كما هي. قال ابن املنري: الفر بني ىتال املداواة وغسل امليت أن الغسل عبادة واملاداواة‬
 ‫ضرورة، والضرورات تبيح احملظورات" 1 وهذا الكال ينسحب على غري الغزو وإن كان‬
                                                                   ‫وقوعه يف الغزو أ هر.‬
 ‫هذا هو األصل يف خروجهن للجهاد، وتل هي و يفتهن، يؤكد ذل ىتديث الربيع‬
 ‫بنت معوذ يف البخاري وغريه: "كنا مع النيب صلى اهلل عليه وسلم نسقي ونداوي اجلرىتى‬
                             ‫ونرد القتلى إىل املدينة"، ويف لفظ "فنسقي القو وخندمهم"2.‬
 ‫غري أنه وردت أخبار تفيد خروج النساء عن هذا األصل يف بعض ىتاالت االضطرار،‬
                                        ‫فرمبا شاركن يف القتال، وتأت اإلشارة إليه قريباً.‬
                                                 ‫حكم شهودهن القتال والتحامهن بالرجال:‬
 ‫ليس للمرأة أن تقتحم ساىتة القتال وتلتحم بالرجال، قال ابن ىتجر يف الفتح معلقااً‬
 ‫على تبويب البخاري: غزو النساء وقتاهلن مع الرجال، وقد أورد فيه ىتديث أنس رضاي‬
 ‫اهلل عنه يف اشتغال بعضهن بالسقيا فقال: "ملا كان يو أىتد اهنز الناس عن النيب صلى اهلل‬
   ‫عليه وسلم" قال: "ولقد رأيت عائشة بنت أ بكر وأ سليم وإهنما ملشمرتان أرى خد‬




                                                                                  ‫1 انظر نيل األوطار 7/484.‬
                                             ‫2 صحيح البخاري 4/3324 باب مداواة النساء اجلرىتى والذي بعده.‬


‫‪‬‬
‫45‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫سوقهما1 تَْنقِزَانِ القرب -وقال غريه: تنقالن القرب- على متوهنما مث تفرغانه يف أفاواه‬
 ‫القو مث ترجعان فتمآلهنا مث جتيئان فتفرغاهنا يف أفواه القو "2 قال ابن ىتجار: "ومل أر يف‬
 ‫شيء من ذل التصريح بأهنن قاتلن، وألجل ذل قال ابن املنري: بوب على قتاهلن ولايس‬
 ‫هو يف احلديث، فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أهنن ما ثابنت لساقي‬
                                                                    ‫ال‬
 ‫اجلرىتى وحنو ذل إ ّ وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب. انتهى"، ولغرابة‬
 ‫أن يكون مراد البخاري بقوله وقتاهلن مع الرجال، أي اشتراكهن فيه، التمس ابن ىتجر –‬
 ‫رمحه اهلل- للتبويب وجهاً فقال: "وحيتمل أن يكون غرض البخاري بالترمجة أن يبني أهنن‬
 ‫3‬
   ‫اليقاتلن وإن خرجن يف الغزو، فالتقدير بقوله: "وقتاهلن مع الرجال" أي هل هو سائغ؟"‬
 ‫وتعقبه العيين بقوله: "مل يكن غرض البخاري هذا االىتتمال البعيد أصالً، وال هذا التقدير‬
 ‫الذي قدره، ألنه خالف ما يقتضيه التركيب، فكيف يقول: هل هو سائغ؟ بل هو واجب‬
 ‫عليها الدفع إذا دنا منها العدو"4، وما قاله احلافظ له وجه، وعلى ما ذكره العيين جيوز أن‬
 ‫يكون التقدير وقتاهلن مع الرجال أي يف ىتال االضطرار إذا دنا منهن الرجال، وهذا متجه،‬
 ‫قال الشيخ عبدالعزيز بن باز عند تبويبه حلديث أنس املتقد : (باب غزو النساء وقتاهلن مع‬
 ‫الرجال) : "يعين عند التعرض هلن، مثل ما جرى أل سليم يو ىتنني"5، وهذا ينسجم مع‬
 ‫ما ذهب إليه العيين، غري أن قول العيين بل هو واجب حمل نظر إذا أطلق ولعله أراد احلال‬
 ‫ال ال تتمكن فيها من الفرار، فقد ذهب بعض أهل العلم إىل إباىتة توليتهن األدبار بالفرار‬
                                               ‫ىتال االهنزا وسيأيت نص الشافعي فيه قريباً.‬
 ‫وقد أورد البخاري اآلثار يف خدمتهن اجليش ورعايتهن األسرى وإرجاعهن املوتى بعد‬
 ‫أن ذكر خروجهن للغزو ومشاركتهن فيه، وكأنه يشرح كيف كان جهادهن، وهلذا قال‬
 ‫الصنعاين: "ويف البخاري ما يدل على أن جهادهن إذا ىتضرن مواقف اجلهاد سقي املااء‬


 ‫1 أي اخلالخيل وتكون أسفل القد فو الكعب، وقد كان هذا قبل احلجاب، وحيتمل أن يكون النظر عن غاري‬
                                                                  ‫قصد، انظر فتح ابن ىتجر (3/87).‬
                                                 ‫2 متفق عليه، البخاري 4/3324 ومسلم 4/4114.‬
                                                                                      ‫3 الفتح 3/87.‬
                                                                           ‫4 عمدة القاري 14/334.‬
                                     ‫5 احللل اإلبريزية من التعليقات البازية للشيخ عبداهلل بن مانع 4/781.‬


‫‪‬‬
‫55‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومداواة املرضى ومناولة السها "1، وقد جاء عند أمحد وغريه يف أثر ابن عباس عندما سئل‬
 ‫عن شهود النساء للقتال، أهنن كن يداوين اجلرىتى ويقمن علاى املرضاى والحيضارن‬
 ‫القتال2، وهذا هو املتوجه فاليتصور خروج النساء ملباشرة القتال، فإنه حيتاج إىل ساواعد‬
 ‫الرجال، وبنية املرأة وجأشها ضعيفان وهلذا مل توجب الشريعة عليها القتال3 كشأن سائر‬
 ‫الضعفاء قال يف السري: "اليعجبنا أن يقاتل النساء مع الرجال يف احلرب، ألنه ليس للمرأة‬
 ‫بنية صاحلة للقتال، كما أشار إليه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف قوله: (هااه، ماا‬
 ‫كانت هذه تقاتل)، ورمبا يكون يف قتاهلا كشف عورة املسلمني، فيفرح به املشاركون،‬
 ‫ورمبا يكون ذل سبب جلرأة املشركني على املسلمني فيقولون: اىتتاجوا إىل االساتعانة‬
     ‫ال‬
 ‫بالنساء على قتالنا، فليتحرز عن هذا، وهلذا املعىن اليستحب هلن مباشارة القتاال إ ّ أن‬
 ‫يضطر املسلمون إىل ذل ، فإن دفع فتنة املشركني عند حتقق الضرورة مباا يقادر علياه‬
         ‫ي‬
 ‫املسلمون جائز بل واجب"4 ، وهلذا ورد أنه يرضخ هلن إن خرجن من الغنيمة والُساهم‬
             ‫وما ورد يف إسهامه لبعضهن محل على الرضخ5 وذل لعد شهودهن القتال.‬
 ‫قال الشيخ عبدالعزيز بن باز تعليقاً على ما أورده البخاري يف باب ماداواة النسااء‬
 ‫اجلرىتى يف الغزو: "هذا من باب االستعانة هبن، وحيتمل هذا قبل احلجاب، وحيتمل بعاد‬
 ‫احلجاب، مع التستر وعد اخللوة والتحفظ، واىتتج به أهل السفور واالختالط، وال ىتجة‬
    ‫هلم، والسنة يفسر بعضها بعضاً"6، يعين الدليل يف ما ورد على أهنن كن يتخطني يف ذل‬
 ‫ىتدود شرع اهلل، فينبذن احلجاب ألجل القتال، أو يتفلنت من قيد أوجبه الشرع قبل ذل .‬



                                                                                   ‫1 سبل السال 4/431.‬
                       ‫2 مسند اإلما أمحد 4/144، والسنة حملمد بن نصر 4/81، وأصله ثابت من عدة طر .‬
 ‫3 انظر شرح السري الكبري 4/184، وبدائع الصنائع 7/88، واملغين 8/434، وىتاشية القيلو وعمرية 1/744،‬
 ‫وحتفة احملتاج 8/444، ومغين احملتاج 3/84، وهناية احملتاج 8/33، والفتاوى اهلندية 4/884، ودقائق أوىل النهى‬
                    ‫4/743، والتجريد لنفع العبيد 1/234، ومطالب أويل النهي يف شرح غاية املنتهى 4/223.‬
                             ‫4 شرح السري للسرخسي 4/184، وانظر كذل البحر الرائق البن جنيم 3/48.‬
 ‫5 نيل األوطار 7/244 ، وبعض أهل العلم أن من قاتلت لتعني القتال عليها كمن فجأهم العدو فإنه يسهم هلاا‬
                                                                                                 ‫بسهم.‬
                                                                   ‫6 الحلل اإلبريزية في التعليقات البازية، 4/781.‬



‫‪‬‬
‫65‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومع ذل فقد تقرر أن الضرورة تبيح احملظور، فإن اضطرت النساء ملباشارة القتاال‬
                              ‫ر‬
  ‫ودفع العدو فال ىترج عليهن، وعلى مثل هذا حيمل ما ُوي عن بعض الصحابيات كاأ‬
 ‫عمارة نسيبة بنت كعب رضي اهلل عنها إن صح1، بل هو اهر ما نقل عناها -وعان‬
 ‫غريها رضي اهلل عنهن- فقد كانت مشاركتها بعد أن اهنز الناس فلم يبق ىتاول الانيب‬
                                                              ‫ال ن‬
                                                         ‫صلى اهلل عليه وسلم إ ّ ُفري2.‬
 ‫كما أن هلن أن جياهدن بغري إذن إذا دَهَمَ املسلمني عدو يف قعر الدور، ففي مثل هذه‬
                                                                   ‫ال‬
 ‫األىتوال ليس هلن إ ّ أن يدافعن عن دينهن وأعراضهن وأنفسهن وقد اختلف أهل العلام‬
 ‫هل هذا واجب عليهن يف تل احلال أو هلن الفرار؟ قال الشافعي رمحه اهلل: "ولو شاهد‬
 ‫النساء القتال فولني رجوت أن ال يأمثن بالتولية، ألهنن لسن ممن عليه اجلهاد كيف كانت‬
                                                                             ‫ىتاهلن"3.‬
                                                                                          ‫تنبيه:‬
 ‫رويت آثار عن بعض النساء وأخبار بعضها ليس فيها ىتجة وكثري منها اليثبت، فاال‬
 ‫يعول عليها عند تقرير األىتكا ، وقد قال اإلما ابن تيمية: "قال اإلما أمحد ثالثة أماور‬
 ‫ليس هلا إسناد: التفسري واملالىتم واملغازي، ويروى ليس هلا أصل أي إسناد، ألن الغالاب‬
 ‫عليها املراسيل مثل ما يذكره عروة بن الزبري، والشعيب، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن‬
    ‫إسحا ، ومن بعدهم كيحىي بن سعيد األموي، والوليد بن مسلم والواقدى وحنوهم"4.‬




 ‫1 انظر السري 4/874، والطبقات الكربى البن سعد 8/441-341، وقد نقاله عن حممد بن عمار املعاروف‬
   ‫بالواقدي، قال عنه الذهيب: "مجع فأوعى، وخلط الغث بالسمني، واخلرز بالدر الثمني، فاطرىتوه لذل ، ومع هذا‬
 ‫فال يستغىن عنه يف املغازي وأيا الصحابة وأخبارهم" (السري 8/131)، وفسر عد االستغناء عنه بقولاه بعادها‬
 ‫(8/831) : "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف حيتاج إليه يف الغزوات والتاريخ وتورد آثاره من غري اىتتجاج، أما يف‬
                                             ‫الفرائض فالينبغي أن يذكر" مث ذكر عد االعتبار بتوثيق من وثقه.‬
 ‫2 انظر السري 4/874 وقد ذكره من طريق ابن سعد، وهو عنده يف الطبقات 8/441-341، وقد أورده الواقدي‬
                                                                                               ‫يف املغازي.‬
                                                                                         ‫3 األ 1/874.‬
                                                                                    ‫4 الفتاوى 44/314.‬


‫‪‬‬
‫75‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                                   ‫الخالصة..‬
 ‫بناء على ما سبق فليس يف جهاد النساء املأثور إباىتة امتزاج الرجاال بالنسااء أو‬
                                                       ‫ي‬
 ‫اجتماعهم متداخلني يف ميدان واىتد، بل ال ُتصور وجود النساء أو غريهن مان أجال‬
 ‫املداواة واإلسعاف وسط ميدان املعركة الذي خيتلط فيه احلابل بالنابال وتتطااير فياه‬
                                                                          ‫ع أن َ‬
 ‫الرؤوس، وقد ُلم َّ لِمنْ يشتغل باإلسعاف واملداوة أماكن خاصة منعزلة خيلاى إليهاا‬
                                                                              ‫اجلرىتى أو املرضى.‬
 ‫وأما ما أباىتته الضرورة فيقدر بقدره ومن ذل مباشرة املرأة عالج اجلريح املاثخن‬
 ‫واملريض املقعد وفقاً لشرطه، ومنه أيضاً التحامها بالرجال للذود عن عرضاها ومحاياة‬
                                                                                           ‫نفسها.‬
         ‫ت‬                  ‫ن‬                  ‫ِن‬
 ‫هذا مع أن احلال يف موطن اجلهاد بعيدة عن الظَّةِ، فأىن ملن طَّت قدمه أو ف َّ عضده‬
                                                          ‫ي َ ت ي‬
 ‫أن يلتفت مينة أو يسرة، وهل ُظن مبنْ ُعاِن أمثال هؤالء، و من يشارفون على اهلَلَكَة كل‬
         ‫ن‬         ‫ي‬                                                     ‫أي‬
 ‫ىتني، بل التدري إىل ِّ شيء يصري أمرها إذا اجنلى غبار املعركة، هل ُظان أ ّ هاذه‬
                                                                           ‫ن‬
 ‫كغريها؟ فكيف إذا ك َّ نساء الصحابة ورجاهلا؟ فكيف يقاس هبذه احلال اختالط الرجال‬
                                                ‫بالنساء يف مواطن الرَِيبِ أو مع وجود أسباب الفنت.‬
 ‫أحيق ملنصف درس الشريعة، وعلم مقاصدها، ونظر يف دَأَبِها على محاية النساء بسياج‬
 ‫حيول دوهنن ودون اخللطة واالبتذال، أحيق له أن يستدل مبا وقع عرضاً أو اضطراراً علاى‬
                                                    ‫ُل‬
 ‫جواز االختالط يف املنتديات والقاعات، وإذا سِّم جدالً بأن االختالط مبااح يف احلاج‬
 ‫واجلهاد وبعض التشريعات فهل يقبل يف موازين العقول قياس أماكن اللهو والفساد علاى‬
 ‫مواطن اإلميان واجلهاد؟ أيستوي مكتب ضيق أو حمل التؤمن فيه ريبة، مع موطن يزداد فيه‬
                                                    ‫اإلميان، ويتنزل فيه األمن على العباد من الرمحن؟‬
 ‫إنه قياس مع الفار ، ومثله قياس خروج بعض النساء مع ضوابط األمس يف الغازو،‬
                              ‫بدخول بعضهن الشرطة أواجليش يف واقع الناس اليو بغري ضابط.‬
 ‫قال الشيخ بكر أبوزيد: "وعن أ سلمة -رضي اهلل عنها- أهنا قالت: يا رساول اهلل!‬
 ‫ض هلل ْ ْ‬                     ‫ن‬
 ‫تغزو الرجال وال نغزو، ولنا نصف املرياث؟ فأنزل اهلل: ‪‬وَالتَتَمََّوا مَا فَ َّلَ ا ُ بِه بَعضَكم‬
                   ‫عَلَى بَعضٍ‪[ ‬النساء: 44] . رواه أمحد، واحلاكم وغريمها بسند صحيح.‬       ‫ْ‬



‫‪‬‬
‫85‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫قال الشيخ أمحد شاكر رمحه اهلل تعاىل تعليقًا على هذا احلديث يف [عمدة التفسري: 4/‬
 ‫734]: (وهذا احلديث يرد على الكذابني املفترين -يف عصرنا- الذين حيرصون على أن‬
 ‫تشيع الفاىتشة بني املؤمنني، فيخرجون املرأة عن خدرها، وعن صوهنا وسترها الذي أمار‬
 ‫اهلل به، فيدخلوهنا يف نظا اجلند، عارية األذرع واألفخاذ، بارزة املقدمة واملؤخرة، متهتكة‬
 ‫فاجرة، يرمون بذل يف احلقيقة إىل الترفيه امللعون عن اجلنود الشبان احملرومني من النساء‬
 ‫يف اجلندية، تشبهًا بفجور اليهود واإلفرنج، عليهم لعائن اهلل املتتابعة إىل ياو القياماة)‬
                                                                              ‫انتهى"1.‬




                                                              ‫ىتراسة الفضيلة ص48-48.‬   ‫1‬




‫‪‬‬
‫95‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


            ‫بعض أدلة المنع من االختالط من الكتاب والسنة الثابتة:‬
 ‫ما سبق من تقرير مراعاة الشريعة ألصل الفصل بني الرجال والنساء يف التشريع، دليل‬
 ‫اهر يفيد حترمي االختالط، خاصة مع بيان تل النماذج ال رمبا اشتبهت على بعاض‬
 ‫الناس، فظنها ىتجة له وهي على خالف قصده، وسوف يأيت ذكر طرف من مراعاة أهل‬
 ‫العلم هلذا األصل يف سائر الشريعة، ومع ذل فإن أدلة الكتاب والسنة الصحيحة جااءت‬
 ‫متعددة يف املنع من األسباب املؤدية إىل االختالط غري املتقيد بالشرع، وكذل يف املنع من‬
 ‫أمور يقتضيها االختالط غري املنضبط، والش أن الوسائل هلا أىتكا املقاصد والغاياات‬
                     ‫ال‬
 ‫املفضية إليها غالباً وإن مل تكن مقصودة، وما ال يترك املنهي عنه إ ّ به فهو منهي عناه،‬
 ‫وىتكم االختالط يستنبط من نصوص عامة يندرج فيها معناه، و أخرى صرحية جااءت‬
                                            ‫بقطع أسبابه، وثالثة جاءت بقطع مايقود إليه.‬
 ‫وفيما سبق ذكر شيء من ذل ، وفيما يلي طرف لنصوص عامة يادخل يف معناهاا‬
                            ‫ر‬
 ‫االختالط، وأخرى جاءت مبنع أسباب االختالط، وثالثة ىتَ ّمت أموراً يقتضيها االختالط:‬
 ‫إ َ سَْتم ه َّ َ َ عا فسَل ه َّ من َ َ ء ح َ ب‬
 ‫4- قوله تعالى: ‪‬وِذا َأل ُ ُو ُن متا ًَ َ ْأُو ُن ِ ْ وراِ ِجا ٍ‬
                                                       ‫َلكم َ ْ َر لقل بك وقل به َّ‬
                                                     ‫ذِ ُ ْ أطه ُ ِ ُُو ِ ُم َ ُُو ِ ِن‪.‬‬
                ‫ال‬
 ‫دلت هذه اآلية على حترمي سؤال نساء النيب صلى اهلل عليه وسلم إ ّ من وراء ىتجاب،‬
 ‫فقد "أوجب اهلل أن يكون اخلطاب معهن من وراء ىتجاب حيجز بني املرأة والرجل وهذا‬
 ‫اهر يف حترمي االختالط"1 ، قال القاضي عياض يف فرض احلجاب على أزواج النيب صلى‬
               ‫ال‬
 ‫اهلل عليه وسلم: "والجيوز هلن إ هار شخوصهن، وإن كن مستترات إ ّ ما دعات إلياه‬
         ‫هن ْ‬                          ‫ت ُ هن‬
 ‫الضرورة من اخلروج للرباز، قال اهلل تعاىل: ‪‬وإِذَا سَأَلُمو ُ َّ مَتَاعَاً فَسْاأَلو ُ َّ مِان وَرَاءِ‬
 ‫ىتِجَابٍ‪ ،2"‬واآلية وإن كانت يف نساء النيب صلى اهلل عليه وسلم، غري أهنا جاءت معللة‬
                                 ‫ُن‬                    ‫ْ ْ ُ‬
 ‫بقول ربنا سبحانه: ‪‬ذَلِكم أَطهَر لِقلوبِكم وَقلوبِه َّ‪" ،‬فبني أن العلة هي طهورية قلوب‬
 ‫النوعني، والتباعد عن دواعي الريبة وقذر القلوب، والش أن هذه العلة تشمل مجيع نساء‬

            ‫1 عن مقال املف ىتول منتدى جدة االقتصادي نشر يف الشر األوسط بتاريخ 44/1/1224 ، وغريها.‬
                                                        ‫2 شرح النووي على صحيح مسلم 14/434.‬


‫‪‬‬
‫06‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬



 ‫املؤمنني؛ ألنه يطلب يف ىتقهن طهارة قلوهبن، وطهارة قلوب الرجال من امليال إىل ماا‬
 ‫الينبغي منهن. فليس لقائل أن يقول: هذا األدب الكرمي السماوي، املقتضي احملافظة على‬
 ‫الشرف والدين وأطهرية القلوب من امليل إىل الفجور، جيوز إلغاؤه وإهداره بالنسبة لغاري‬
 ‫أزواج النيب صلى اهلل عليه وسلم من نساء املؤمنني، ألن طهارة القلب وجمانباة أساباب‬
 ‫الرذيلة، أمر مطلوب من اجلميع بال ش ، مع أن النفوس أشد هيبة ألزواج النيب صلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم من غريهن؛ ألهنن أمهات املؤمنني"1، وألهنن من خرية نساء العااملني، فمان‬
 ‫دوهنن -وكل النساء األمة دوهنن- من باب أوىل، قال القرطيب: "ويدخل يف ذل مجياع‬
 ‫النساء باملعىن، ومبا تضمنته أصول الشريعة.."2. ومن "املقرر عند العلماء املؤيد بالدليل هو‬
             ‫ال‬
 ‫استواء مجيع الناس يف أىتكا التكليف، ولو كان اللفظ خاصاً ببعضهم، إ ّ ما جاء النص‬
 ‫مصرىتاً باخلصوص فيه، ولذل فجميع اخلطابات العامة يدخل فيها النيب صلى اهلل علياه‬
      ‫وسلم نفسه، وأىترى غريه. وما ذل إال الستواء اجلميع يف األىتكا الشرعية إال ما قاا‬
 ‫عليه دليل خاص، فقد سأل الصحابة النيب صلى اهلل عليه وسلم فأجاهبم مبا يتضمن ذل ،‬
 ‫فإنه صلى اهلل عليه وسلم ملا قال : "لن يدخل أىتدكم عمله اجلنة". قالوا: يا رساول اهلل‬
                                                         ‫ال‬
 ‫وال أنت. قال: "وال أنا إ ّ أن يتغمدين اهلل برمحة منه وفضل" فكأهنم يقولون له: أأنات‬
      ‫داخل معنا يف هذا العمو ؟ وهو جييبهم بنعم. وما ذل إال الستواء اجلميع يف األىتكاا‬
                                                                                 ‫الشرعية.‬
             ‫فإن قيل: آية احلجاب ختص مبنطوقها أزواج النيب صلى اهلل عليه وسلم.‬
 ‫فاجلواب: إهنا مل تدل على أن غريهن من النساء ال يشاركهن يف ىتكمها. واألصال‬
                       ‫مساواة اجلميع يف األىتكا الشرعية إال ما قا عليه دليل خاص.‬
 ‫ولذا تقرر يف األصول أن خطاب الواىتد املعني من قبل الشرع من صايغ العماو ؛‬
 ‫الستواء اجلميع يف أىتكا الشرع، وخالف من خالف من العلماء يف أن خطاب الواىتاد‬


                                                     ‫فتاوى الشيخ حممد بن إبراهيم 24/314.‬   ‫1‬


                                                               ‫تفسري القرطيب 14/744.‬       ‫2‬




‫‪‬‬
‫16‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫يقتضي العمو خالف لفظي، ألن القائل بأن خطاب الواىتد ال يقتضي العمو موافق على‬
 ‫أن ىتكمه عا إال أن عمومه عنده مل يقتضه خطاب الواىتد بل عمومه مأخوذ من أدلاة‬
 ‫أخرى كاإلمجاع على استواء األمة يف التكليف. وكحديث "ما قويل المرأة إال كقاويل‬
 ‫ملائة امرأة" فاجلميع مطبقون على أن خطاب الواىتد يشمل ىتكماه اجلمياع إال لادليل‬
                      ‫خاص، واختالفهم إمنا هو هل العمو مبقتضى اللفظ أو بدليل آخر"1.‬
  ‫فاآلية عامة عموماً معنوياً يشمل مجيع النساء2، سواء أكان طريق إثبات هذا العماو‬
             ‫ْ ْ ُ‬
 ‫العقل3 لورود العلة ال يدور عليها احلكم يف آخر اآلياة: ‪‬ذَلِكام أَطهَار لِقلاوبِكم‬
                     ‫ْ هن ْ‬                                                       ‫ُن‬
 ‫وَقلوبِه َّ‪ ،‬أو العرف اكتفاء بأول الشاهد من اآلية: ‪‬فَسأَلو ُ َّ مِان وَرَاءِ ىتِجَاابٍ‪،‬‬
 ‫وهذا ما يعرف عند األصوليني بفحوى اخلطاب، ويسميه بعضهم حلن اخلطاب4 أو تنبيهه،‬
 ‫ويعرف عند آخرين مبفهو املوافقة، وهو أن يكون املسكوت عناه موافقااً يف احلكام‬
 ‫للمنطو به؛ أوىل منه، أو مساوٍ له، وقد يسميه الشافعي القياس اجللي5، وآخرون داللاة‬
 ‫النص، وقد قالوا: الثابت بداللة النص الحيتمل اخلصوص6، وإذا كان املسكوت عنه أوىل‬
 ‫رمبا مسوه قياس األوىل7، فسواء قيل هبذا أو هذا فإن األصوليني اتفقوا على أن مثل هاذا‬
                                              ‫يدخل فيه عمومهن، وإن اختلفوا خالفاً شكلياً.‬




                                                         ‫1 فتاوى العالمة حممد بن إبراهيم 24/314-714.‬
 ‫2 اتفق األصوليون على أن العمو من عوارض األلفاظ، واختلفوا هل يكون من عوارض املعاين، والصاواب أناه‬
 ‫يكون كذل انظر الفتاوى 4/434 ومابعدها لشيخ اإلسال ابن تيمية، وكذل 24/884، وأيضاً منهاج السنة‬
 ‫4/483، وقد نص بعض األصوليني على أن ه إذا نص الشارع على العلة على وجه اليقبل تأويلها فالبد أن يعام‬
                                                  ‫احلكم (البحر احمليط للزركشي نقالً عن أ إسحا 7/31).‬
                                 ‫3 اللفظ قد يكون عاماً بالعرف أو بالعقل انظر شرح الكوكب املنري ص234.‬
                                                    ‫4 وبعضهم جيعل فروقاً دقيقة، انظر البحر احمليط 3/344.‬
 ‫5 وهذا قد يسميه بعضهم قياس األوىل، انظر يف التفريق التقرير والتحبري البن أمري احلاج 4/444، والقياس اجللي‬
                                           ‫أعم من قياس األوىل عند مجهور األصوليني فيشمل املساوي واألوىل.‬
                                               ‫6 انظر كشف األسرار، لعبدالعزيز بن أمحد البخاري 4/434.‬
 ‫7 قال ابن تيمية (الفتاوى 44/724 والكربى 4/744) : "وكذل قياس األوىل وإن مل يدل عليه اخلطاب، ولكن‬
          ‫عرف أنه أوىل باحلكم من املنطو هبذا، فإنكاره من بدع الظاهرية، ال مل يسبقهم هبا أىتد من السلف".‬


‫‪‬‬
‫26‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                        ‫4- األمر بغض البصر والعفو عن الفجأة:‬
 ‫ُُ ْ‬               ‫م‬
 ‫أمر اهلل الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذل فقال تعاىل: ‪‬قل لِل ُؤمِنِنيَ يَغضوا مِن‬
         ‫ْ لُ‬              ‫ُْ‬        ‫ٌ‬           ‫ُ َّ‬                  ‫ُ ُ‬
 ‫أَبصَارِهِم وَيَحفَظوا فروجَهم ذَلِ أَزكَى لَهم إِن اهللَ خَبِري بِمَا يَصنَعونَ ‪ ‬وَقل لّمؤمِنَاتِ‬
                                                                           ‫ن‬
 ‫يَغ ُضنَ مِن أَبَصَارِهِ َّ‪ ‬اآلية. وقد جاء ما يدل على العفو عن نظر الفجأة، فقد صح عن‬      ‫ضُ‬
 ‫جرير بن عبد اهلل رضي اهلل عنه أنه قال: "سألت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن نظر‬
                                                          ‫ر‬
 ‫الفجاءة فأمرين أن أصرف بصري"1، و ُوي عن علي –رضي اهلل- عنه أن النيب صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم قال له: "يا علي، ال تتبع النظرة النظرة فإمنا ل األوىل وليست ل اآلخرة"2،‬
            ‫ال‬
 ‫ويف معناه عدة أىتاديث، بل مل يرخص الشارع يف اجللوس بالطرقات للرجال إ ّ بشارط‬
 ‫إعطاء الطريق ىتقه ومنه غض البصر، ففي الصحيحني من ىتديث أ ساعيد اخلادري‬
 ‫رضي اهلل عنه أن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال: "إياكم واجللوس بالطرقات"، فقالوا: يا‬
 ‫رسول اهلل ما لنا من جمالسنا بد نتحدث فيها. فقال: "إذ أبيتم إال اجمللس فأعطوا الطرياق‬
  ‫ىتقه"، قالوا: وما ىتق الطريق يا رسول اهلل؟ قال: "غض البصر وكف األذى ورد السال‬
 ‫واألمر باملعروف والنهي عن املنكر"3. وجه الداللة من اآليتني واآلثار بعدها: أن اهلل أمار‬
 ‫املؤمنني واملؤمنات بغض البصر، وأمره يقتضي الوجوب، مث بني تعاىل أن هاذا أزكاى‬
 ‫وأطهر4، فكيف حيصل غض البصر وىتفظ الفرج وعد إبداء الزينة عند نزول املرأة ميدان‬


                                                                           ‫1 رواه مسلم 4/8834 وغريه.‬
 ‫2 رواه احلاكم يف مستدركه من طريق شري 4/444 وقال صحيح على شرط مسلم ومل خيرجاه، ورواه أمحد يف‬
     ‫ال‬
 ‫املسند 3/434، 3/434، 4/734، وكذا رواه الترمذي يف السنن 3/424 وقال ىتسن غريب النعرفه إ ّ من‬
                                                                                 ‫ً‬
 ‫ىتديث شري ، ورواه أيضا أبوداود 4/314 والبيهقي يف الكربى 7/28، ويف الشعب 1/134، وكذل هناد يف‬
 ‫الزهد 4/813، وكذل الطحاوي يف شرح معاين اآلثار 4/34، وكذل الروياين يف املساند 4/44، وذكار‬
 ‫متابعة اسرائيل لشري يف أ ربيعة، ورواه من طريق محاد بن سلمة ابن أ شيبة يف املصنف 1/7، وقال املقدسي‬
 ‫يف املختارة بعد أن ذكر طريق محاد بن سلمة اسناده ىتسن 4/824 مث ذكر قول الطرباين يف األوساط 4/824‬
                                                                           ‫ال‬
 ‫اليروى هذا احلديث عن علي إ ّ هبذا اإلسناد تفرد به محاد بن سلمة خمتصراً، وأخرجه البزار يف مسنده من غاري‬
                                                                  ‫ال‬
 ‫طريق محاد أو شري وقال: مل نسمعه إ ّ من عباد عن حممد بن فضل، ورواه من طريقه الدارمي 4/384، ورواه‬
     ‫اإلما أمحد 4/834، وكذل يف فضائل الصحابة 4/423، وقد ىتسن العالمة األلباين إسناده يف غري موضع.‬
                                                         ‫3 صحيح البخاري 3/2244، ومسلم 4/3734.‬
                                                 ‫4 انظر رسالة العالمة حممد بن إبراهيم يف ىتكم االختالط ص1.‬


‫‪‬‬
‫36‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫الرجال، واختالطها معهم يف األعمال؟ واالختالط الذي ينهى عنه كفيل بالوقوع يف هذه‬
                                                                                       ‫احملاذير1.‬
      ‫ت‬        ‫ي‬             ‫ُ ُ‬
 ‫وإذا كان استرا النظر خيانة كما يف قول اهلل تعاىل: ‪‬يَعلَم خائِنَةَ األَعُنِ وَمَا ُخفِي‬
                                                                                        ‫صُ ر‬
                                                  ‫ال ُدو ُ‪[ ‬غافر: 84]، فكيف تكون املخالطة؟‬
 ‫وإذا هنى الشارع عن النظر إىل النساء بسبب ما يؤدي إليه من املفسدة وهو ىتاصل يف‬
 ‫االختالط، فكذل االختالط ينهى عنه ألنه وسيلة إىل ارتكاب احلرا ؛ من التمتع بالنظر‬
 ‫وما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليو يبني أن االختالط يفضي لزاماً لوقوع البصر على ما‬
 ‫أمر اهلل حبفظه عنه، وإذا كان الذي يفضي إىل الوقوع يف احملظور يلز منه وقوع احملظور،‬
 ‫ففعله ىترا عند من قال بسد الذرائع وعند من مل يقل2، فهو مبثابة ما ال يكون االمتثاال‬
 ‫إ ّ به، وعلى أقل األىتوال هو مبثابة "الذرائع" ال تفضي إىل احملظور غالباً، وقد ذكر أهل‬       ‫ال‬
                              ‫العلم أن احلكم إذا علق مبظنة استوى وجود املظنة وعد وجودها.‬
 ‫فكيف إذا كان واقع الناس يرفع االىتتمال ويقضي بوقوع النظر احملر ، بل ماا هاو‬
                                                                                          ‫فوقه.‬
 ‫وهذا الوجه ذكر حنواً منه اإلما البيهقي يف شعب اإلميان، فقال: "الثاين والسبعون من‬
 ‫شعب اإلميان: الغرية وترك املِذَاء" وذكر قول احلليمي يف تعريف املذاء، فقال: "أن جيماع‬
 ‫الرجال والنساء مث خيليهم مياذي بعضهم بعضاً" مث قال وهذا موضع الشاهد: "وقيل هاو‬
 ‫إرسال الرجال مع النساء، من قوهلم مذيت فرس إذا أرسلتها ترعى" مث قال: "وقال اهلل عز‬
 ‫وجل: ‪‬وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وحيفظن فروجهن وال يبدين زينتهن إال ما‬
    ‫هر منها‪ ‬وقال: ‪‬يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً‪ ‬فدخل يف مجلة ذلا‬
                                              ‫أن حيمي الرجل امرأته وبنته من خمالطة الرجال.."3.‬




 ‫1 خطر مشاركة املرأة للرجل يف ميدان عمله، للعالمة ابن باز رمحه اهلل، وهي يف جمماوع الفتااوى واملقااالت‬
                                                                        ‫4/241. ط دار القاسم 8414.‬
                                                                             ‫2 انظر البحر احمليط 8/28.‬
                                                                         ‫3 شعب اإلميان 7/441-441.‬


‫‪‬‬
‫46‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                              ‫عم يغض البصر؟‬
 ‫وهنا لعله يرد سؤال عن ماذا يغض مادا أن احلجاب مفروض والقرار مأمور به، فعم‬
 ‫ُغض البصر؟ وجوابه أن غض البصر يكون عن احملار كلها، فقد خترج امرأة حلاجة، ورمبا‬          ‫ي‬
 ‫خرجت نساء مترخصات بغري ىتاجة، ورمبا كان اجملتمع –كشأن سائر اجملتمعات- خليطاً‬
 ‫الخيلو من كتابيات وقليالت دين ومتأوالت، وغض البصر مطلوب عن كل ساافرة، أو‬
 ‫هيفاء مقبلة، أو عجزاء مدبرة، ىترة أو أمة، بل مطلوب ىتبس اللحظ عن حلاظ كال‬
 ‫غضيضة طرف غافلة، سواء كانت معذورة، أو مائلة مميلة. والشريعة اإلسالمية حبمد اهلل‬
 ‫واقعية تتعامل مع طبائع الناس على اختالف أصنافهم، فتشرع األىتكا لكافة األىتاوال،‬
 ‫فهي صاحلة لكل زمان ومكان وىتال، ما فرط ربنا يف الكتاب من شيء، وهذه الواقعياة‬
                        ‫ش‬      ‫ال‬
 ‫مسة اهرة يف التشريع، ومن تأمل وجد أنه ما من حمر إ ّ وقد ُرعت أىتكا تتعلق مبن‬
                                                   ‫يقارفه عامداً أو يقترفه لعذر أو جاهالً.‬
                                             ‫4- حديث: "المرأة عورة..".‬
 ‫روى ابن خزمية يف صحيحه وغريه ىتديث ابن مسعود عن النيب صلى اهلل عليه وسلم‬
 ‫قال: "إن املرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان"1، قال املناوي: "يعين رفع البصار‬

 ‫1 صحيح بن خزمية 4/48 ، ورواه أيضاً يف التوىتيد من ىتديث قتادة عن مور وقد صحح رفعه اإلما الدارقطين‬
     ‫كما يف العلل له (3/144) ، وقد رواه أيضاً ابن ىتبان يف صحيحه من طريق ابن خزمياة 44/441، وكاذل‬
                    ‫ال‬
 ‫اهليثمي يف موارد الظمآن 4/424، ورواه الترمذي يف السنن وقال: ىتسن غريب (4/371) إ ّ أن املنذري قال يف‬
 ‫الترغيب والترهيب 4/414: "رواه الترمذي وقال ىتديث ىتسن صحيح غريب" وهذا تصحيح من اإلما الترمذي‬
   ‫له، ولعله كذل يف بعض نسخ اجلامع ومما يؤيده نقله من قبل غري املنذري كالزيلعي يف نصب الراياة 4/441‬
 ‫وكذل ابن اهلما يف فتح القدير 4/834 وكذل ابن ىتجر يف الدراية يف ختريج أىتاديث اهلداية 4/444 نقل‬
 ‫تصحيحه عنه ويبعد وهم هؤالء مجيعاً، وقد عزاه املنذري يف الترغيب والترهيب 4/414 للطرباين يف األوسط وقال‬
 ‫رجاله رجال الصحيح، وكذا قال اهليثمي يف جممع الزوائد 4/14 وقال يف ال بعدها: رجاله موثقون، وهاو يف‬
 ‫األوسط للطرباين 8/424، ويف الكبري 24/824، وقد صحح هذا احلديث الدارقطين والترمذي وابن خزمية وابن‬
 ‫ىتبان وجوده ابن كثري (التفسري 4/481) واملنذري واهليثمي وغريهم، والظاهر أنه صحيح وقد خاالف مهامااً‬
  ‫سليمان بن املعتمر فرواه عن قتادة عن أ األىتوص، وهلذا ش ابن خزمية يف مساع قتادة هذا احلديث خاصة عان‬
  ‫مور ، واألقرب صحة مساعه له منه، فالرواي عن قتادة مها ، ولئن كان سليمان أجل وأوثق يف اجلملة فإن مهامااً‬
                                     ‫ال‬
   ‫من أوثق الناس يف قتادة خاصة، فهو رابع أربعة يف قتادة ال يقد عليه فيه إ ّ ابن أ عروبة وهشا وشعبة (انظار‬
   ‫الكامل 7/844، وهتذيب الكمال 24/324، واجلرح والتعديل 8/824 وغريها)، خاصة إذا ىتدث عن مها من‬


‫‪‬‬
‫56‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫إليها ليغويها أو يغوي هبا فيوقع أىتدمها أو كالمها يف الفتنة، أو املراد شيطان اإلنس مساه به‬
 ‫على التشبيه، مبعىن أن أهل الفسق إذا رأوها بارزة طمحوا بأبصارهم حنوها، واالستشراف‬
 ‫فعلهم لكن أسند إىل الشيطان ملا أشرب يف قلوهبم من الفجور ففعلوا ما فعلاوا بإغوائاه‬
 ‫وتسويله وكونه الباعث عليه. ذكره القاضي. وقال الطيايب: هذا كله خارج عن املقصود‬
 ‫واملعىن املتبادر أهنا ما دامت يف خدرها مل يطمع الشيطان فيها ويف إغاواء النااس فاإذا‬
   ‫خرجت طمع وأطمع؛ ألهنا ىتبائله وأعظم فخوخه، وأصل االستشراف وضع الكف فو‬
 ‫احلاجب1 ورفع الرأس للنظر"2، وهذا إخبار من الصاد املصدو صلى اهلل عليه وسالم،‬
 ‫وسواء كان االستشراف هنا ىتقيقياً من شياطني اجلن –وهو الظاهر- أو ما ذكار مان‬
                                           ‫ىتض‬         ‫د‬
 ‫تأويالت فإن املعىن املتفق عليه مرا ٌ، وهو ُّ النساء على عد اخلروج ولزو البيوت،‬
                                 ‫لكونه أصون هلن، فكيف يقال جبواز اختالطهن بالرجال.‬
                                         ‫َ َر َ ف بي تك َّ‬
                                    ‫1- داللة قوله تعالى: ‪‬وق ْن ِي ُ ُو ِ ُن‪‬‬
              ‫ي أل‬                ‫رْ ر‬                   ‫ب ن‬
 ‫ومن األدلة قوله تعاىل: ‪‬وقَرنَ فِي ُُيوتِك َّ وال تَبَ َّجنَ تَبَ ُّجَ اجلَاهِلَِّةِ ا ُولَى‪ ،‬فأمرهن‬
 ‫بالقرار، مث منعهن من اخلروج غري متحجبات، ومع قرارهن يف البيوت منع صلى اهلل عليه‬
 ‫وسلم الرجال األجانب من الدخول عليهن فقال: "إياكم والدخول على النساء" فلما قيل‬
 ‫له: احلمو قال: "احلمو املوت"3، وهذا يدل على أن األمر بالقرار ليس خاصاً بنساء الانيب‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم، وقد سبق ذكر مجلة من كال أهل العلم يف ذل منهم القرطيب وابن‬



 ‫روى عنه متأخراً لكونه من كتابه، وعمرو بن عاصم من طبقة من رووا عنه أخرياً كعفان بن مسلم وىتبان وهباز،‬
 ‫وقد اىتتج البخاري برواية عمرو بن عاصم عن مها عن قتادة يف مخسة مواضع من صحيحه، ويعزز صحة رواياة‬
 ‫مها أيضاً متابعة سعيد بن بشري وسويد بن إبراهيم –وواألقرب أهنما صاحلني لالعتضاد- هلا فهو مل يتفرد هبا عان‬
 ‫قتادة واهلل أعلم، وقد صح األثر عن ابن مسعود موقوفاً كذل ، فلعل بعض الرواة مرة رفعه ومرة أخارى وقفاه،‬
                                                          ‫ومثله إخبار عن غيب لعله اليقال بالرأي واهلل أعلم.‬
 ‫1 وكذا جعله من أصله املباركفوري 1/484 ولعله تبع املناوي، ولعله اليلز أصل معناه بسط الكف فو احلاجب‬
 ‫فهذا يصنع عادة للبعيد، وقد ذكر أهل اللغة أن الشني والراء والفاء أصل يدل على علو وارتفاع، ويقال استشرفت‬
                                                                           ‫الشيء، إذا رفعت بصرك تنظر إليه.‬
                                                                                      ‫2 فيض القدير 3/344.‬
                                                  ‫3 متفق عليه، رواه البخاري 3/3224، ومسلم 1/4474.‬


‫‪‬‬
‫66‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫كثري وابن العر وابن احلاج واجلصاص وقاله غريهم، ويصلح أن يستدل هلذا بنحو مماا‬
 ‫ذكر عند االستدالل بقول اهلل تعاىل: ‪‬وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء ىتجاب‪.‬‬
                                           ‫ا‬
         ‫أدلة أخرى على أن القرار ليس خاصً بنساء النبي (صلى الله عليه وسلم):‬
 ‫ىتديث عقبة ابن عامر السابق وهو متفق على صحته، فاال معاىن ألن‬                                                 ‫4 -‬
 ‫ُمنع من دخول الرجال على النساء بل ىت بعض غري أويل اإلربة منهم، ويباح خروجهن‬                                                ‫ي‬
                                                                                                                     ‫هلم!‬
 ‫اآلية السابقة وإن جاءت يف معرض خطاهبن فهي تشمل غريهن ملا سبق‬                                                 ‫4 -‬
                                                       ‫من األدلة الشرعية ال حتر خلطة النساء بالرجال.‬
 ‫داللة االقتران بالنهي عن التربج، واألمر بالصالة، والزكاة، وطاعاة اهلل‬                                        ‫4 -‬
 ‫تعاىل، ورسوله صلى اهلل عليه وسلم، وكل ذل اليش املسلم من دخول سائر النسااء‬
        ‫َّ َ ِ ْ‬                   ‫َ ْ الص‬                     ‫َر ْ ب ُّ ج ِي‬
   ‫فيه، فقد قال اهلل: ‪‬وَلَا تَب َّجنَ تََرجَ اْل َاهِلَّةِ الْأولَى وَأقِمنَ َّلَاةَ وَآِتنيَ الزكَاةَ وأَطعنَ‬
                                                                                                          ‫س ه‬
                                                                                                        ‫اللَّهَ وَرَ ُولَ ُ‪.‬‬
      ‫ومن األدلة على أن املراد عا تدخل فيه عامة النساء، هو العلاة الا‬                                         ‫1 -‬
              ‫ه‬         ‫ِّر‬                  ‫م الر ْ ْ‬                  ‫د ه ي ِْ‬                   ‫ِن‬
 ‫ختمت هبا اآلية: ‪‬إَّمَا ُيرِي ُ اللَّ ُ لُِذهبَ عَنك ُ ِّجسَ َأهلَ الْبَْيتِ وَُيطَه َكمْ َتطْ ِاريًا‪،‬‬
 ‫وهذه علة مرادة جلميع النساء، وإمنا مل يرد اهلل أن يطهر قلب من أراد به فتنة، كماا يف‬
   ‫ِ له‬                  ‫ال‬                      ‫هِ ل‬                    ‫َم ِ له ه ل‬
   ‫سورة املائدة: ‪‬و َن ُيردِ الّ ُ فِتْنَتَ ُ فََن تَمْلِ َ لَ ُ منَ الّهِ شَيْئًا أوْلَائِ َ َّذِينَ لَمْ ُيردِ الّ ُ‬
                             ‫ب َ م‬                 ‫ِ‬             ‫الد ِ ي ه‬                          ‫ه ه‬
 ‫أَن ُيطَهرَ قلوبَ ُمْ لَ ُمْ فِي ُّنْيَا خزْ ٌ وَلَ ُمْ فِي اآلخرَةِ عَذَا ٌ عظِي ٌ‪ ،‬أما سائر املؤمنني‬        ‫ِّ‬
        ‫َ‬                     ‫خ ِ‬
    ‫فرييد اهلل تطهريهم وهلذا أمر النيب صلى اهلل عليه وسلم فقال: ‪ُ ‬ذْ منْ َأمْوَالِهِمْ صَادقَةً‬
                      ‫َن له له ع م‬                                     ‫ِن‬               ‫َل‬              ‫ِّ ُه َك‬
       ‫ُتطَهر ُمْ وَُتز ِّيهِم بِهَا وَص ِّ عَلَيْهِمْ إ َّ صَالَتَ َ سَك ٌ َّ ُمْ وَالّ ُ سَمِي ٌ عَلِي ٌ‪ ،‬وكاذل‬
 ‫الرجس يريد اهلل أن يذهبه عن املسلمني، وعمو النساء يشملهن األمر باجتنابه ‪‬فَاجْتَنِبُوا‬
                                                                       ‫ب ْ الز‬
 ‫ِّجسَ منَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنُِوا قَولَ ُّورِ‪ ،‬فالعلة ال ختمت هبا اآلية دليل واضح علاى‬                    ‫الر ْ ِ‬
                                                                   ‫ال‬
 ‫عمومها فاليقال بتخصيص شيء منها إ ّ بدليل آخر اهر، وقد ذكر األصوليون أن العلة‬
 ‫إذا نص عليها بوجه الحيتمل التأويل فالبد أن يعم احلكم1 وقالوا: النص على العلة ناص‬



                                                                                   ‫1 انظر البحر احمليط للزركشي 7/31.‬


‫‪‬‬
‫76‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫على احلكم يف حماهلا1، هذا مع أهنم مل يشترطوا لصحة العلة النص عليهاا وهاي هناا‬
 ‫منصوصة اهرة بل جاءت بأداة احلصر (إمنا)، وقد ذهب بعض األصوليون إىل أن العمل‬
 ‫بالعلة هنا ليس من باب القياس بل هو استمساك بنص لفظ الشارع2، قال ابن تيمية بعد‬
 ‫أن نقل االتفا على قبول مثل هذه العلة: "وإن اختلفوا هل يسامى هاذا قياسااً أو ال‬
 ‫يسمى، ومثاله يف كال الناس ما لو قال السيد لعبده: ال تدخل داري فالنا فإنه مبتدع، أو‬
 ‫فإنه أسود، وحنو ذل فإنه يفهم منه أنه ال يدخل داره من كان مبتادعاً أو مان كاان‬
                                                                                   ‫أسوداً"3.‬
 ‫ومما يدل كذل على أن اآلية مراد هبا عمو النساء ما ثبت عند مسلم‬                     ‫3 -‬
 ‫من ىتديث عائشة رضي اهلل عنها قالت: "خرج النيب صلى اهلل عليه وسلم غداة وعلياه‬
 ‫مرط مرىتل من شعر أسود، فجاء احلسن بن علي فأدخله، مث جاء احلسني فدخل معه، مث‬
   ‫م‬          ‫د له ي ْ ِ‬              ‫ِن‬
   ‫جاءت فاطمة فأدخلها، مث جاء علي فأدخله، مث قال: ‪‬إَّمَا ُيرِي ُ الَّ ُ لُِاذهبَ عَانك ُ‬
                                                           ‫ِ‬     ‫ِّر‬             ‫ْ‬
 ‫ِّجسَ َأهلَ الْبَْيتِ وَُيطَه َكمْ َتطْهريًا‪ 4"‬فهذا نص على دخول فاطمة رضي اهلل تعااىل‬  ‫الر ْ‬
 ‫عنها وليست من أزواجه، وكذل دليل على دخول أوالدها ومنهن بناهتا ولسان مان‬
 ‫أزواجه. وهلذا قال ابن كثري ملا سا قول عكرمة يف اآلية: "من شاء باهلته أهنا نزلات يف‬
 ‫شأن نساء النيب صلى اهلل عليه وآله وسلم" قال: "فإن كان املراد أهنن كن سبب النازول‬
 ‫دون غريهن فصحيح، وإن أريد أهنن املراد فقط دون غريهن ففي هذا نظر، فإنه قد وردت‬
 ‫أىتاديث تدل على أن املراد أعم من ذل ..."5 وسا أىتاديث عدة يف املعىن املراد، وماا‬
                                                                   ‫سبق عند مسلم فيه كفاية.‬




 ‫1 ينظر شرح الكوكب املنري 4/424، وكذل كشف األسرار 4/874، وأيضاً البحر الزخار 4/884، والتقرير‬
             ‫والتحبري 4/884، وإعال املوقعني 4/724، وغري ذل وهو معروف عند األصوليني بش مذاهبهم.‬
 ‫2 ممن نتصر له ابن فورك انظر البحر احمليط 7/744، وحنوه قول الغزايل واآلمدي وغريمها انظر البحار الزخاار‬
                                                                                             ‫4/284.‬
                                                                     ‫3 اقتضاء الصراط املستقيم 4/184.‬
                                                                                   ‫4 مسلم 1/4884.‬
                                                                 ‫5 تفسري ابن كثري 4/181، ومابعدها.‬


‫‪‬‬
‫86‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                  ‫3- داللة قوله صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا النساء".‬
 ‫كما يف ىتديث أ سعيد اخلدري عند مسلم، قال صلى اهلل عليه وسلم:"إن الادنيا‬
 ‫ىتلوة خضرة، وإن اهلل مستخلفكم فيها فنا ر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء،‬
                                              ‫فإن أول فتنة بين إسرائيل كانت يف النساء"1.‬
                                         ‫هبن‬
 ‫فا"خصص بعدما عمم، إيذاناً بأن الفتنة َّ أعظم الفنت الدنيوية، فإنه سبحانه أخرب‬
                               ‫م‬
 ‫بأن الذي زين به الدنيا من مالذها وشهواهتا وما هو غاية أ َّاً يف طالهبا ومؤثريها علاى‬
       ‫اآلخرة سبعة أشياء أعظمها النساء الاليت هن أعظم زينتها وشهوهتا وأعظمها فتنة"2.‬
 ‫و"وجه الداللة: أن النيب صلى اهلل عليه وسلم أمر باتقاء النساء، وهو أمار يقتضاي‬
                           ‫الوجوب، فكيف حيصل االمتثال مع االختالط ؟! هذا ال جيوز"3.‬
                                         ‫ل ة‬               ‫ة ت‬
                         ‫3- قصة سهل َ بن ِ سهي ٍ امرأ ِ أبي حذيفة4.‬
 ‫والشاهد فيها أهنا "جاءت إىل النيب صلى اهلل عليه وسلم، فقالت: يارسول اهلل! إنا كنا‬
 ‫ندعو ساملا ابناً، وإن اهلل قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي..." 5 احلديث فأقرهاا‬
 ‫النيب صلى اهلل عليه وسلم على منع دخوله عليها واختالطه هبا مع ذل التبين ملنعه بعاد‬
                               ‫بنص القرآن، وأمرها بإرضاعه مخس رضعات لتحر عليه.‬
 ‫فإذا كان الجيوز االختالط مع من يقو مقا االبن مامل يكن حمرماً، فكيف يساوغ‬
                                                                      ‫االختالط بغريه؟!‬
                                ‫7- "على رسلكما إنها صفية" الحديث6.‬
 ‫وفيه أن صفية –رضي اهلل عنها- زارته يف معتكفه، فأرادت أن تنقلب فقال هلاا: ال‬
 ‫تعجلي ىت أنصرف مع . فخرج النيب صلى اهلل عليه وسلم، معها فمر رجاالن مان‬
 ‫األنصار، فلما رأيا النيب صلى اهلل عليه وسلم أسرعا، فقال النيب صلى اهلل عليه وسلم: على‬

                                                          ‫1 صحيح مسلم 1/8824 برقم (4174).‬
                                                                ‫2 فيض القدير، للمناوي، 4/874.‬
                                                                   ‫3 فتاوى ابن إبراهيم 24/41.‬
                            ‫4 القصة يف صحيح البخاري 3/7384 رقم 2281، وانظر صحيح مسلم 4/7724.‬
                                                                         ‫5 السابق 8/44-44.‬
                         ‫6 رواه البخاري يف الصحيح 4/8344رقم (7244)، ومسلم 1/4474 برقم (1744).‬


‫‪‬‬
‫96‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫رسلكما إهنا صفية بنت ىتيي. قاال: سبحان اهلل يا رسول اهلل! قال: إن الشيطان جيري من‬
                             ‫اإلنسان جمرى الد وإين خشيت أن يقذف يف قلوبكما شيئاً.‬
 ‫وقد أورده البيهقي يف الشعب حتت فصل فيمن أبعد نفسه عن مواضع التهم1، وقاال‬
 ‫اإلما الشافعي –رمحه اهلل- : "أراد عليه السال أن يعلم أمته التربي من التهمة يف حملها،‬
 ‫لئال يقعا يف حمذور، ومها كانا أتقى هلل من أن يظنا بالنيب صلى اهلل عليه وسلم شايئاً"2،‬
 ‫وقال املاوردي: "فما كل ريبة ينفيها ىتسن الثقة. هذا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسالم،‬
 ‫وهو أبعد خلق اهلل من الريب وأصوهنم من التهم، وقف مع زوجته صفية ذات ليلة علاى‬
 ‫باب مسجد، حيادثها وكان معتكفاً، فمر به رجالن من األنصار، فلما رأياه أسرعا. فقال‬
 ‫هلما: على رسلكما إهنا صفية بنت ىتيي. فقاال: سبحان اهلل! أوفي ش يارساول اهلل؟‬
 ‫فقال: مه! إن الشيطان جيري من أىتدكم جمرى حلمه ودماه، فخشايت أن يقاذف يف‬
                                                                          ‫قلبيكما سوءاً".‬
     ‫ْ‬
 ‫مث قال املاوردي: "فكيف من ختاجلت فيه الشكوك، وتقابلت فيه الظنون، فهل َيعرَى‬
                                       ‫ُصد‬            ‫ُ َّ‬        ‫الر ِ‬
                                   ‫مَنْ يف مواقف َِّيبِ منْ قادحٍ محَقق، والئمٍ م َّ "3.‬
 ‫والشاهد أن النيب صلى اهلل عليه وسلم، قرر أن خلطة الرجل باملرأة موطن ريبة، وحمل‬
 ‫هتمة، مع أن هذه اخللطة كانت عند املسجد، ويف حمل عا مطرو ، وزماهنا ليلة من ليال‬
 ‫العشر األواخر من رمضان4، مع امرأة مضروب عليها احلجاب الكامل بغري خالف لكوهنا‬
 ‫من أزواجه، صلى اهلل عليه وسلم، أضف إىل ذل األصول املقررة؛ كعصمة النيب صالى‬
                          ‫اهلل عليه وسلم، ورسوخ إميان صحابته، رضوان اهلل تعاىل عليهم.‬
   ‫كل ذل مل يرفع عن ذل االختالط عده موضع هتمة، وحمل شبهة عند أطهر األمة.‬
 ‫أال فليتق اهلل ولينعم النظر يف هذا األثر غافل القلب الذي يرمي الناصاحني مبارض‬
                       ‫القلب! وليعلم إىل أي هوة يدفع بالعفة من استهان بأسباب العصمة!‬



                                                                                              ‫1 3/444.‬
                              ‫2 انظر تفسري ابن كثري سورة البقرة ‪‬والتباشروهن وأنتم عاكفون..‪ ‬اآلية 4/344.‬
                                                                             ‫3 أدب الدنيا والدين ص744.‬
                                                                            ‫4 انظر عمدة القاري 3/444.‬


‫‪‬‬
‫07‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫هذا نزر يسري من األدلة، ومن تأمل نصوص الوىتيني طالباً اهلدى مناها، وأىتكاا‬
 ‫الشريعة غري ملتبس تصورها جتلى له ىترصها على أن تكون أخت اإلسال درة مصاونة‬
 ‫اليقع عليها للريبة ل، ولؤلؤة مكنونة المتتد إليها يد المس. وللعالمة حممد بن إباراهيم‬
   ‫رسالة وجيزة بليغة ذكر فيها تسعة عشر دليالً على ىترمة االختالط فلتراجع1، بل ىتا‬
 ‫عقالء الغربيني كتبوا يف التحذير من االختالط وآثاره الضارة وهلم يف ذلا مقاوالت‬
                                           ‫معلومة منشورة، لعله يأيت ذكر طرف منها.‬
                                                                     ‫ا‬
                                                                    ‫الضرورة إذا اقتضت اختالطً:‬
 ‫تقرر أن االختالط حمر "وال يدخل يف ذل ما تدعو إليه الضرورة وتشتد احلاجة إليه‬
 ‫ويكون يف مواضع العبادة كما يقع يف احلر املكي واحلر املدين نسأل اهلل تعاىل أن يهدي‬
 ‫ضال املسلمني، وأن يزيد املهتدي منهم هدى، وأن يوفق والهتم لفعل اخلاريات وتارك‬
                           ‫املنكرات، واألخذ على أيدي السفهاء، إنه مسيع قريب جميب"2.‬
 ‫فمن املقرر أن الضرورات تبيح احملظورات، بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي املرءُ‬
                                                                                      ‫رب‬
                                                     ‫َّه ويتحرز عما هناه عنه ما استطاع.‬
 ‫فإذا اقتضت الضرورة اختالطاً، كما يف احلج –على سبيل املثال- فإن احلج ركن من‬
 ‫أركان اإلسال وهو فعل مأمور مقد على ترك احملظور، فإن اشتد الزىتا ومل ميكن جتنبه‬
 ‫كاحلال يف هذه األزمنة يف بعض األمكنة، فتؤدي املرأة فرضها، متقيدة بضوابط الشرع، ما‬
  ‫استطاعت، كما أن على الرجل االىتتراز يف هذه األىتوال بقدر الطاقة، واهلل غفور رىتيم.‬
 ‫ومثل احلج سائر الضرورات ال تبيح احملظورات، فينبغي أن تقدر بقدرها، واليتعدى‬
 ‫قدر االضطرار فيها، وهذا يقدره ويقرره أهل العلام والشاأن فهام أعلام بضاابط‬
 ‫الضروريات، وأجدر بعرض الوقائع على األىتاديث واآليات، فإن وجدت ضرورة التكون‬
 ‫إ ّ مع االختالط فكشأن سائر احملظورات تباح بقدر احلاجة، وبعد انتهائها يعاود كال‬      ‫ال‬
                                                                         ‫ىتكم إىل أصله.‬



                                                 ‫1 أفردت يف رسالة مستقلة وهي يف جمموع فتاواه رمحه اهلل 24/34.‬
                                                                                       ‫2 السابق 24/41-11.‬


‫‪‬‬
‫17‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وجيب على والة أمر املسلمني من علماء وأمراء أن يعملوا الفكر ويبذلوا الوسع لرفع‬
 ‫ضرورة االختالط يف املرافق العامة، والسيما يف املسجد احلرا ، بوضع اخلطط والدراسات‬
 ‫ال تكفل منع اخللطة املذمومة، أو على األقل ختفف من الواقع الذي يندى لاه جابني‬
 ‫املسلمني؛ تزاىتم أكباد، وتالصق أجساد، يف مواسم الطاعات على بعد خطاوات مان‬
 ‫الكعبة احلرا ، بل عندها قرب احلجر األسود وأما الركن وعند امللتز ، بل فيهاا داخال‬
                   ‫ََ‬
               ‫احلجر، ىت أغرى ذل الواقع بعض الفسا فلم يرعوا هلل ىترمة يف ىترمِه.‬
                                                                          ‫افتعال الضرورة!‬
 ‫الضرورة ىتالة ملجئة لفعل، واإلجلاء اليعترب باختيار الشخص وفعله دون إكراه، فاال‬
 ‫جيوز حبال أن تفتعل نازلة أوتصنع بيئة الختالط الرجال بالنساء أو التراعي الفصل بينهم،‬
 ‫ي ر‬
 ‫مث ُقال جبواز االختالط فيها للضرورة، فمثل ذل اىتتيال وافتئات على الشارع الُقَا ُّ‬               ‫ي‬
 ‫فاعلوه، وإن عذر بعض من واقعه باضطراره،إن كانت مثة ضرورة ىتقاً. والذي ينبغي هو‬      ‫ُ‬
 ‫أن يقو أساس البنيان وفق ضوابط الشريعة، فإذا وقع حمظور لضرورة بعد التحرز سااغ‬
 ‫االعتذار بالضرورة، إن كان الضرر املترتب على تركه أعلى، على أن تقادر الضارورة‬
                                                                                             ‫بقدرها.‬
 ‫وإ ّ لكان املفتعل للضرورة املعتذر هبا كمن صرب إنساناً عن الطعا والشاراب فلماا‬               ‫ال‬
                              ‫أشرف على اهللكة قد له ميتة وقال: جيوز ل أكلها اضطراراً!‬
 ‫أما إذا اضطر مضطر حلاجة عند من مل يراع ضوابط الشرع فيماا أنشاأ فاملضاطر‬
                                  ‫ْ ال‬
 ‫معذور، واملفرط موزور، وإىل اهلل ترجع األمور (..لَِيجزِيَ َّذِينَ أَسَااؤُوا بِمَاا عَمِلاوا‬
                                                                     ‫ن ح‬                ‫ْ الذ‬
                                               ‫وََيجزِيَ َّ ِينَ أَىتْسَُوا بِاْل ُسْنَى) [النجم: 44].‬

                                            ‫طرف من كالم أهل العلم في المنع من االختالط:‬
 ‫لقد راعى علماؤنا رمحهم اهلل أصل املنع من اختالط الرجال بالنساء يف كثري من‬
 ‫األىتكا ، وعللوا به، ولعله سبق ذكر طرف من ذل ، وليس الغرض هنا تقرير أعيان‬
 ‫املسائل ال رمبا عللوا باالختالط منعها، وال الكال على ما قيل فيها بنفي وال إثبات،‬




‫‪‬‬
‫27‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وإمنا الغرض بيان ما ذهبوا إليه من منع أمور ألجل االختالط، وتعليلهم به كثرياً من‬
                                                           ‫األىتكا ، مع نصهم على املنع منه1.‬
 ‫ومن ذل ما نقله ابن القيم رمحه اهلل: " ويل األمر جيب عليه أن مينع اختالط الرجال‬
 ‫بالنساء يف األسوا ، والفرج2، وجمامع الرجال. قال مال ٌ رمحه اهلل ورضي عناه: أرى‬
                                ‫ر‬                                      ‫صي‬
 ‫لإلما أن يتقد إىل ال َُّاغ يف قعود النساء إليهم، وأرى أال يَت ُك املرأة الشابة جتلاس إىل‬
                ‫ت‬                                       ‫الد‬                       ‫ُّي فأم‬
 ‫الصَّاغ َّا املرأة املتجالَّة3 واخلاد ُّون، ال ال تتهم على القعود، وال يُهم من تقعاد‬
                                      ‫ل‬
 ‫عنده: فإين ال أرى بذل بأساً. انتهى4، فاإلما مسئو ٌ عن ذل ، والفتنة به عظيمة، قال‬
                                            ‫أضر‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم : "ما تركت بعدي فتنةً َّ على الرجال من النساء" ... وجياب‬
 ‫َّ هباا‬                             ‫منعهن‬        ‫متزي ُتجم‬
        ‫عليه منع النساء من اخلروج ِّناتٍ م ِّالتٍ، و َّ من الثياب الا يكان‬
 ‫َّ من ىتديث الرجال، يف الطرقات،‬                     ‫ِّ‬                        ‫عاري‬
                                       ‫كاسياتٍ َّاتٍ، كالثياب الواسعة والرقَا ِ، ومنعهن‬
 ‫ومنع الرجال من ذل "5، مث قال رمحه اهلل مشرياً إىل ما يناسب عقوبة خمالَفة ذل : "وإن‬
                                          ‫جتم وتزي‬                       ‫يس‬
 ‫رأى ُّ األمر أن ُف ِد على املرأة -إذا َّلت َّنت وخرجت- ثياهبَا حبربٍ وحنوه، فقد‬    ‫ويل‬
                         ‫رخصَ يف ذل بعض الفقهاء وأصاب، وهذا من أدىن عقوبتهن املالي‬
 ‫َّ َّة. وله أن حيبس املرأة‬                                                               ‫َّ‬
                                   ‫متجم‬                 ‫سي‬
    ‫إذا أكثرت اخلروج من منزهلا، وال َّما إذا خرجت ِّلةً، بل إقرار النساء على ذل‬
                                                ‫ويل‬                                 ‫ة هلن‬
 ‫إعان ٌ َّ على اإلمث واملعصية، واهلل سائل َّ األمرِ عن ذلِ . وقد منع أمري املؤمنني عمر‬
 ‫بن اخلطاب رضي اهلل عنه النساء من املشي يف طريق الرجال، واالختالط هبم يف الطريق.‬
                                                    ‫فعلى ويل األمر أن يقتدي به يف ذل ..".‬



 ‫1 وهذا نظري ما ذكره شيخ اإلسال ابن تيمية رمحه اهلل يف كتابه اقتضاء الصراط املستقيم بعد أن سرد مجلاة مان‬
 ‫أقوال الفقهاء يف مسائل يرون فيها خمالفة الكفار وأهل البدع؛ مث قال رمحه اهلل: "وليس الغرض هنا تقرير أعيان هذه‬
 ‫املسائل، وال الكال على ما قيل فيها بنفي وال إثبات، وإمنا الغرض ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغري أهل‬
                                                             ‫اإلسال ". ينظر: اقتضاء الصراط املستقيم 4/421.‬
                                                      ‫2 لعلها أماكن الفرج، كاحلدائق، وأماكن النزهة والسياىتة.‬
                                   ‫مَجال‬        ‫َّ‬                     ‫َّ‬                    ‫أسن‬
 ‫3 جتالت: أي َّت وكَبُرت، يقال : جَلتْ فهي جَلِيلة ، و تَجالتْ فهي ُت َّة، واليو تعادى األمار القعاود‬
                                                                          ‫للدخول إىل قعر احملالت، بل اإللباس.‬
                                                       ‫4 انظر املدخل البن احلاج فإن فيه مزيد تفصيل 1/884.‬
                                                                                  ‫5 الطر احلكمية ص214.‬


‫‪‬‬
‫37‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


    ‫بلي وشر‬
  ‫َّ بالرجال: أصل كل َّةٍ ٍّ،‬                              ‫ن‬
                                  ‫إىل أن قال: "وال ريب أ ّ متكني النساء من اختالطهن‬
                                     ‫أن‬        ‫العام‬
 ‫وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات َّة، كما َّه من أسباب فساد أماورِ العاماة‬
 ‫واخلاصة، واختالط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواىتش والزنا، وهو من أسباب املوت‬
     ‫َ‬
 ‫العا ، والطواعني املتصلة. وملا اختلط البغايا بعسكر موسى، وفشت فيهم الفاىتشة: أرْسلَ‬
  ‫اهلل إليهم الطاعون، فمات يف يو واىتدٍ سبعون ألفاً، والقصة مشهورة يف كتب التفاسري.‬
  ‫فمن أعظم أسباب املوت العا : كثرة الزنا، بسبب متكني النساء من اختالطهن بالرجال،‬
                                                                      ‫مترب‬
 ‫واملشي بينهم ِّجاتٍ متجمالت، ولو علم أولياء األمر ما يف ذل من فسااد الادنيا‬
                                        ‫والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعاً لذل ".‬
          ‫د‬
 ‫وقد منع علماؤنا بعلة االختالط شهود بعض الواجبات، قال النفراوي يف من ُعي إىل‬
                 ‫َّ‬                  ‫ل‬
  ‫وليمة عرس: " املتبادر من األمر الوجوب.. قال خلي ٌ: جتب إجابة من عينَ وإن صاائماً‬
                                                         ‫ي‬
 ‫..." قال: "مث شرع يف بيان ما ُسقِط اإلجابة بقوله: "إن مل يكن هنااك" أي يف حمال‬
                     ‫مم ُ ُ‬                          ‫ي‬
   ‫الوليمة "هلو مشهور" أي اهر حبيث ُخالطه املدعو وهو َّا يَحر ُ ىتضُوره وفسره بقوله:‬
 ‫"وال منك ٌ بي ٌ" أي مشهور اهر، كاختالط الرجال بالنساء، أو اجللوس على الفارش‬
                                                             ‫ر ِّن‬
                               ‫الكائنة من احلرير، أو االتكاء على وسائد مصنوعة منه.."1.‬
 ‫وقد نقل أئمة املالكية؛ كابن فرىتون، وابن زيد الربناسي، وأمحد القرايف، أنه الخيتلف‬
 ‫يف املذهب يف عد قبول شهادة من حيضرون األعراس ال ميتزج فيها الرجال بالنساء، وما‬
                       ‫شابه ذل ، وقالوا: ألن حبضورهم يف هذه املواضع تسقط عدالتهم2.‬
 ‫وقال ابن العر يف أىتكا القرآن معلقاً على قول احلسن: "كان النساء يسلمن علاى‬
    ‫ال‬
 ‫الرجال، واليسلم الرجال على النساء"، قال:"وهذا صحيح فإهنا خلطة وتعارض، إ ّ أن‬
 ‫تكون امرأة متجالة؛ إذ اخللطة التكون بني الرجال والنساء، وهذا هو املقصود واملنتهى"3.‬
 ‫وذكروا أن من آداب القضاء إفراد وقت أو يو للنساء، قال املوا معلقاً على قاول‬
 ‫خليل: "وينبغي أن يفرد وقتاً أو يوماً للنساء"، قال: "أشهب: إن رأى أن يبادأ بالنسااء‬

                                                                         ‫1 الفواكه الدواين 4/444.‬
     ‫2 انظر أنوار الربو يف أنواع الفرو للقرايف 1/334، وكذل تبصرة احلكا يف أصول األقضية ومنهج األىتكا‬
                                                      ‫البن فرىتون 4/434، واملوسوعة الفقهية 4/284.‬
                                                                         ‫3 أىتكا القرآن، 4/841.‬


‫‪‬‬
‫47‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫فذل له على اجتهاده، واليقد الرجال والنساء خمتلطني، وإن رأى أن جيعل للنساء يوماً‬
                                                                     ‫معلوماً أو يومني فعل"1.‬
 ‫مث نقل عن ابن احلكم قوله: "أىتب إيل أن يفرد للنساء يوماً، ويفر باني الرجاال‬
                                                                       ‫والنساء يف اجملالس"2.‬
                    ‫وعن املازري: "إن كان احلكم بني رجل وامرأة أبعد عن املرأة.."3.‬
 ‫وذهب متأخروا احلنفية للقول بكراهة الصالة يف املسجد للمرأة شاابة أو عجاوزاً،‬
 ‫وكذل ىتضور جمالس الوعظ، قال يف الكايف: "والفتوى اليو على الكراهة يف الصاالة‬
 ‫كلها، لظهور الفساد، وم كره ىتضور املسجد كره ىتضور جمالس الوعظ، خصوصااً‬
                                             ‫عند هؤالء اجلهال، الذين حتلوا حبلية العلماء"4.‬
 ‫وقال احلموي معلالً ىتكمه على الزفاف: "وهو ىترا يف زماننا فضال عن الكراهاة‬
                                      ‫ألمور ال ختفى علي منها اختالط النساء بالرجال"5.‬
 ‫وعلل ابن عابدين رد شهادة من خرج للفرجة على قدو أمري بقوله: "ملا تشتمل عليه‬
                                              ‫من منكرات، ومن اختالط الرجال بالنساء"6.‬
 ‫ومن أقوال بعض علماء احلنفية قول بعضهم يف اآلفة الستني من آفات اللسان: "اإلذن‬
 ‫واإلجازة فيما هو معصية، كإذن الزوج المرأته أن خترج مان بيتاه إىل غاري مواضاع‬
 ‫خمصوصة" مث عدها سبعاً وقال: "وفيما عدا ذل من زيارة األجانب وعيادهتم والوليمة ال‬
                                                ‫يأذن هلا ولو أذن وخرجت كانا عاصيني"7.‬




 ‫1 التاج واإلكليل ملختصر خليل، للموا : حممد بن يوسف العبدري، 8/844، وقد نبه على هذا يف غري شارح‬
                                                   ‫ملختصر خليل، وانظر منح اجلليل لعليش 8/324.‬
                                                                                       ‫2 السابق.‬
                                                                                       ‫3 السابق.‬
                                                                 ‫4 البحر الرائق أل جنيم 4/284.‬
                                              ‫5 غمز عيون البصائر يف شرح األشباه والنظائر 4/144.‬
                                                             ‫6 رد احملتار على الدر املختار 3/334.‬
                                                            ‫7 بريقة حممودية للخادمي 1/24-44.‬


‫‪‬‬
‫57‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وقد ذكر الفقهاء أنه يشرع للمرأة أن تبادر باخلروج من املسجد لتسلم من مزامحاة‬
 ‫الرجال1، واستحبوا للرجال أن ميكثوا ريثما تصدر النساء ما مل يكن املأمومون رجاالً ليس‬
 ‫فيهم نساء2، وقد مضى يف الكال على شهود النساء لألعياد والصلوات بعض ما ذكاره‬
   ‫أهل العلم يف خروجها للصالة، وكيف خترج، ومن أين تدخل، وأيان تقاف3، وما‬
                                          ‫تنصرف، وكل ذل ىتذار االختالط بالرجال.‬
 ‫وكذل راعوا املنع من االختالط يف الطواف، وقد سبقت اإلشارة إليه، عند ذكار‬
                                           ‫مراعاة الشريعة املنع من االختالط يف النس .‬
 ‫وقال الشيخ أبوبكر الطرطوشي –رمحه اهلل- وقد سئل ىتول االجتماع خلتم القرآن:‬
                                ‫ال‬              ‫الل‬
 ‫"إن كان ذل على وجه السالمة من َّغط، ومل يكن إ ّ الرجال، أو الرجاال والنسااء‬
 ‫منفردين بعضهم عن بعض، يسمعون الدعاء فهذا البدعة ال كره مال رمحه اهلل.." إىل‬
 ‫أن قال: "وكل من قال بأصل الذرائع يلزمه القول هبذا الفرع، ومن أىب أصل الذرائع من‬
                        ‫العلماء، يلزمه إنكاره ملا جيري فيه من اختالط الرجال والنساء"4.‬
 ‫وذكر ابن ىتجر اهليثمي يف الفتاوى احلديثة: أن"املوالد ال تفعل عنادهم يف زمناه‬
    ‫أكثرها مشتمل على شرور، ولو مل يكن منها إال رؤية النساء الرجال األجانب لكفى ذل‬
 ‫يف املنع"5، فكيف ب إذا رأيتهم اليو يتزامحون ويتالصقون يف ساىتاهتا، ماع صاخب‬
 ‫وضجيج، ومزمار وطبل، وتربج وفتنة، لمات بعضها فو بعض، ومن مل جيعل اهلل لاه‬
                                                                  ‫نوراً فما له من نور.‬
 ‫فحسب أيها املنصف هذا املنقول من كال أهل العلم، وما تقد عند احلديث عان‬
                              ‫مراعاة عد االختالط يف الشرائع، كاحلج واجلهاد وغريمها.‬


                                                                       ‫1 املنتقى شرح املوطأ للباجي 4/8.‬
                                                                   ‫2 أشار إليه ابن ىتجر يف الفتح 4/344.‬
 ‫3 شرح النووي 1/834 وفيه تعليل استحباب تأخرها يف الصفوف اخللفية للمنع من االختالط، وتبعه املباركفوري‬
 ‫يف التحفة 4/14، وكذل يف عون املعبود 4/134، وانظر الديباج 4/134، وفيض القادير 4/781، ونيال‬
                                                                                      ‫األوطار 4/344.‬
                                                                           ‫4 املدخل البن احلاج 4/784.‬
                                                                          ‫5 عن فتاوى ابن إبراهيم 4/43.‬


‫‪‬‬
‫67‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


               ‫لام‬
 ‫وقد صنف بعض املعاصرين رسائل مفردة يف موضوع االختالط َّا شاع وعظام‬
 ‫خطره يف هذه األعصار، منهم الشيخ حممد بن إبراهيم - رمحه اهلل- املف األسبق للديار‬
 ‫السعودية، وكذل الشيخ عبداهلل بن زيد آل حممود -رمحه اهلل- رئيس احملاكم الشارعية‬
 ‫والشئون الدينية بقطر1، والشيخ عبدالعزيز بن باز –رمحه اهلل- املف الساابق للمملكاة‬
 ‫العربية السعودية، ومن الباىتثني عبدالباقي رمضون يف رسالته: "خطر التربج واالختالط"2،‬
 ‫وحممد لطفي الصباغ يف كتابه: "حترمي اخللوة باملرأة األجنبياة واالخاتالط املساتهتر"،‬
 ‫وغريهم، ومن املؤلفات النسوية يف هذا اجملال كتاب لعائشة بنت عبداهلل اجلاسم بعناوان:‬
                                                   ‫"فلنكن صرىتاء يادعاة االختالط"3.‬
                                                         ‫من كالم العالمة محمد بن إبراهيم:‬
 ‫للشيخ حممد بن إبراهيم رمحه اهلل جواب مطول عن ىتكم االختالط أفرد يف رساالة‬
                                                ‫ي‬
 ‫سبقت اإلشارة إليها فلرياجع، ولعله ُكتفى هنا بنقل مواضع أخرى من كالمه يف فتااواه‬
 ‫خارج تل الرسالة، خاصة وأن شيئاً من الرسالة مر أثناء البحث. وانظر كذل فتااواه‬
                                                                             ‫بعدها4.‬
 ‫ومن كالمه قوله رمحه اهلل عند تلخيصه ذكر مفاسد املوالد ال عدها ابن احلاج: "4-‬
           ‫خروج النساء إىل املقابر وارتكاب أنواع احملرمات هناك من االختالط وغريه"5.‬
 ‫وقال رمحه اهلل: "وأما اختالط النساء بالرجال وىتصول املفاسد ال ذكرهتا6، فهذا من‬
                                      ‫أكرب املنكرات ال يتعني إنكارها على اجلميع"1.‬

       ‫1 رسالته تقع يف مثاين عشرة صفحة ىتررها يف 44/مجاد األوىل/ من عا 1844، وهي مطبوعة بعنوان: "رسالة‬
      ‫اخلليج يف منع االختالط وما ينجم عنه من مفاسد األخال "، وهي موجودة يف املوقع الذي أنشأه بعض أبنائه لنشر‬
                                                                                    ‫تراثه، وهذا رابط رسالته:‬
 ‫‪http://www.alshreef.com/book11/01.html‬‬
                            ‫2 والذي وقع يف يدي طبعتها السادسة عا 7214-7884 ، طبعتها مؤسسة الرسالة.‬
                                                                           ‫3 طبعتها دار الثقافة، عا 3214.‬
       ‫4 انظر الفتوى رقم (4134)، 24/11، و(4134)، 24/31، وال تليها، وال تليهما، وكذل الفتوى رقم‬
                                                     ‫(4334)، 24/23، بل راجع فتواه 24/من34 وإىل33.‬
                                                                                         ‫5 الفتاوى 4/18.‬
       ‫6 وهو ما حيصل من النساء هناك من خروجهن سافرات، واختالطهن بالرجال يف حمافل الزواج، وعند القدو من‬
                                       ‫السفر، وعند ىتفل الوالدة، وحنو ذل إىل آخر ما ذكرته (هذا نص السؤال).‬


‫‪‬‬
‫77‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬



 ‫وقال: "ومن أدلة ذل أيضاً النصوص الدالة على منع اختالط الرجال بالنسااء؛ ألن‬
        ‫املرأة املو فة ال ختتص بالنساء ال بد أن ختالط الرجال مبقتضى طبيعة و يفتها. ومن تل‬
 ‫النصوص قوله تعاىل: ‪‬وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء ىتجاب‪ ‬فاألمر بكاون‬
                     ‫سؤاهلن من وراء ىتجاب دليل واضح على لزو احلواجز وعد االختالط"2.‬
 ‫وقال ىتول ما تقد به بعضهم ضد هيئة األمر باملعروف، متظلماً من سجنه، وتأديب‬
                                   ‫املشتركني يف ىتفلة زواج بضرب كل واىتد منهم مخسة أسواط.‬
 ‫"بتأمل ما قرره قاضي األفالج حبق املذكورين، بناء على ما حتقق لديه من اجتماعهم‬
 ‫خمتلطني رجاالً ونساءً على ضرب الدفوف، وما ترتب عليه من وجود منكرات ال جياوز‬
 ‫فعلها شرعاً، يعترب إجراءً ىتسناً، ويف حمله، وال وجه لتشكي املذكورين، بل الذي ينبغي يف‬
 ‫ذل على والة األمر أن يكونوا عوناً لرجال الدين واحلسبة يف قمع أمثال هؤالء والضرب‬
                                                 ‫على أيديهم مبا حيفظ للدين كرامته وللشرع قداسته".‬
 ‫مث ذكر –رمحه اهلل- "أن ضرب الدفوف إذا كان مقصوراً على النساء فقط ساملاً من‬
                                                 ‫األمور احملرمة فال مانع منه، لشرعية إعالن النكاح"3.‬
 ‫ومن أقواله أيضاً: "هبذه املناسبة أشرح أمراً هاماً ينبغي أن يكاون العمال علياه يف‬
 ‫مستشفيات اململكة، وذل أن الرجال والنساء الذين يرتادون املستشفيات للعالج ينبغاي‬
 ‫أن يكون لكل منهم قسم خاص يف املستشفى، فقسم الرجال ال يقربه النساء حبال، ومثله‬
 ‫قسم النساء، ىت تؤمن املفسدة، وتسري مستشفيات البالد على وضع سليم مان كال‬
 ‫شبهة، موافق لبيئة البالد ودينها وطبائع أهلها، وهذا الترتيب ال يكلف شيئاً وال يوجاب‬
 ‫التزامات مالية أكثر مما كان، فإن اإلدارة واىتدة، والتكاليف واىتدة، مع أن ذل ماتعني‬
                                                                               ‫شرعاً مهما كلف"4.‬
                                                                                     ‫1 فتواه 24/81.‬
                                                                                   ‫2 السابق 24/114.‬
                                                                                 ‫3 السابق 444-444.‬
                                                                                   ‫4 السابق 44/444.‬


‫‪‬‬
‫87‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وقال يف شروط دراسة متريض النساء: "ومنها أن يكون عمل املتخرجات يف األجنحة‬
 ‫النسائية فقط، وال يكلفن بالعمل يف أجنحة الرجال، ومنها أن يكون التدريب العلمي يف‬
                                                             ‫ب‬
                                    ‫األقسا النسائية يف ُعد عن االختالط بالرجال"1.‬

                                                                       ‫من كالم العالمة ابن باز:‬

 ‫قال رمحه اهلل: "والكتاب والسنة دال على حترمي االختالط وحترمي مجيع الوسائل املؤدية‬
                                                                                                    ‫إليه"2.‬
 ‫وقال: "لقد ذكرنا من األدلة الشرعية والواقع امللموس ما يدل على حترمي االخاتالط‬
                                             ‫ٌْ‬
                               ‫واشتراك املرأة يف أعمال الرجال مما فيه كفاية ومَقنَع لطالب احلق"3.‬
 ‫مث قال: "ولو أردنا أن نستقصي ما قاله منصفو الغرب يف مضمار االختالط الذي هو‬
 ‫نتيجة نزول املرأة إىل ميدان أعمال الرجال لطال بنا املقال، ولكن اإلشارة املفيدة تكفاي‬
                                                                    ‫عن طول العبارة"4.‬
 ‫وقال رمحه اهلل: "الشريعة مل تدع إىل االختالط ىت تكون املطالبة مبنعه خمالفة هلا، بل‬
                                                            ‫هي متنعه وتشدد يف ذل "5.‬
 ‫ومما قاله رمحه اهلل: "فمن واجب النصح والتذكري أن أنبه على أمر الينبغي الساكوت‬
 ‫عليه، بل جيب احلذر منه، واالبتعاد عنه، وهو االختالط احلاصل من بعاض اجلهلاة، يف‬
 ‫بعض األماكن والقرى مع غري احملار ، واليرون بذل بأساً حبجة أن هذا عادة أجدادهم،‬
                                                                   ‫وأن نياهتم طيبة.."6.‬




                                                                                          ‫1 السابق 44/444.‬
                                                                            ‫2 جمموع الفتاوى واملقاالت 4/241.‬
                                        ‫3 السابق 341، وقد نقل قطعة من كال الغربيني اليناسب تكرارها فلتراجع.‬
                                                                                              ‫4 السابق 741.‬
                                                                                           ‫5 السابق 1/814.‬
                                                                                           ‫6 السابق 3/344.‬


‫‪‬‬
‫97‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومما قال: "إن االختالط وسيلة لشر كثري، وفساد كبري الجيوز فعله" مث قال: "وبكال‬
                    ‫ىتال فاختالط البنني والبنات يف املراىتل االبتدائية منكر الجيوز فعله"1.‬
 ‫وقال رمحه اهلل: "من املعلو أن نزول املرأة للعمل يف ميادان الرجاال ياؤدي إىل‬
 ‫االختالط، وذل أمر خطري جداً، له تبعاته اخلطرية، ومثراته املرة، وعواقبه الوخيمة، وهو‬
 ‫مصاد لنصوص الشريعة ال تأمر املرأة بالقرار يف بيتها، والقيا باألعمال ال ختصاها يف‬
 ‫بيتها وحنوه، مما تكون فيه بعيدة عن خمالطة الرجال"... إىل أن قال: "واألدلاة الصارحية‬
 ‫الصحيحة الدالة على حترمي اخللوة باألجنبية، وحترمي النظر إليها، وحترمي الوسائل املوصلة إىل‬
 ‫الوقوع فيما ىتر اهلل، أدلة كثرية حمكمة قاضية بتحرمي االختالط املؤدي إىل ما الحتماد‬
                                                                                    ‫عقباه"2.‬
 ‫وسئل عن ىتفالت التوديع املختلطة، فقال: "احلفالت التكاون بااالختالط! بال‬
 ‫الواجب أن تكون ىتفالت الرجال للرجال وىتدهم، وىتفالت النساء للنساء وىتدهن، أما‬
                       ‫االختالط فهو منكر، ومن عمل أهل اجلاهلية نعوذ باهلل من ذل "3.‬
                 ‫وللشيخ رمحه اهلل رسائل وفتاوى متعددة يف املسألة غري ما أشري إليه4.‬

                                                              ‫من كالم صاحب الظالل وأخيه:‬
 ‫قال سيد قطب رمحه اهلل تعليقاً على آية احملرمات العشرة وقول ربنا سبحانه فيها: (وَلَا‬
                                                      ‫َ َ‬             ‫َ‬         ‫ِ‬      ‫ْب‬
 ‫َتقرَُوا اْلفَوَاىتشَ مَا َهرَ مِنْهَا ومَا َبطنَ ) [األنعا : 434]: "فتخصيص (الفواىتش) هناا‬
 ‫بفواىتش الزنا أوىل بالسيا . وصيغة اجلمع، ألن هذه اجلرمية ذات مقدمات ومالبساات‬
 ‫كلها فاىتشة مثلها؛ فالتربج، والتهت ، واالخاتالط املاثري، والكلماات واإلشاارات‬
 ‫واحلركات والضحكات الفاجرة، واإلغراء والتزيني واالستثارة... كلها فواىتش حتايط‬
 ‫بالفاىتشة األخرية. وكلها فواىتش منها الظاهر ومنها الباطن"، وترى بني صفحات هاذا‬
                                               ‫الكتاب مزيداً من النقل املتني عنه رمحه اهلل.‬

                                                                                       ‫1 السابق 3/144.‬
                                                             ‫2 السابق 3/334، وانظر كذل 4/841.‬
                                                                                      ‫3 السابق 8/841.‬
          ‫4 راجع موقعه على اإلنترنت، على الرابط التايل: /‪ http://www.binbaz.org.sa‬واحبث عن "االختالط".‬


‫‪‬‬
‫08‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                         ‫م‬
 ‫ومن كال الشيخ حممد قطب قوله معلقاً ع ّا يسمى باالختالط الربيء: "أين يوجد؟‬
  ‫وماىتدوده بالضبط؟ ويف أي ركن من أركان األرض حيصل عليه اإلنسان؟ هل هناك -يف‬
                                             ‫أي مكان على األرض- اختالط امسه بريء؟‬
 ‫ودع من سورة املشاعر وتلمظ الشهوات داخل النفوس، سنسمي االختالط بريئااً‬
 ‫مادا ال حيدث فيه التصا اجلسد والتنفيذ العملي ملا يدور يف الصدور، فأين حيدث هاذا‬
 ‫االختالط الربيء؟ يف احلفالت ال تقيمها املدارس بإشراف املشرفني! والبيوت بإشاراف‬
                                                                                ‫اآلباء!‬
 ‫نعم ىتقاً إهنا تكون بريئة هذه احلفالت! فاملشرفون واقفون، واآلباء ينظرون، والميكن‬
                                                                            ‫ال‬
 ‫أن تتم إ ّ نظرة بريئة أو ىتديث مكشوف! وينتهي احلفل.. وخيرج األوالد والبنات.. فهل‬
 ‫تنتهي احلكاية عند هذا احلد احملدود؟ من ذا الذي يقول؟ من ذا الذي يقول: إن مقابالت‬
                                  ‫خاصة ال حتدث بعد ذل يتم فيها كل شيء غري بريء؟!‬
  ‫ماهذا اجلنون اجلنسي يف أمريكا؟ واإلباىتية الفاضحة يف أوروبا؟ واالحنالل الذي ليس‬
                 ‫َّ‬
  ‫بعده احنالل؟ هل تغذى الفتيان باالختالط الربيء، وشبعوا من اجلنس فعَفوا عن اجلرمية؟!‬
 ‫لقد زعمت أوروبا يف القرن الفائت أهنا اهتدت هلذا االختالط الربيء كحالٍ ملشاكلة‬
  ‫اجلنس املكبوت، مث رأت بنفسها النتائج! وعرفت أنه ال يظل على براءته قيد خطاوات!‬
                                                                               ‫مث‬
  ‫ومن َّ مل يعد دعاهتم يكتبون عن االختالط الربيء، كانوا صرىتاء مع أنفسهم، قاالوا:‬
                                            ‫د‬
 ‫إهنم يريدون االختالط، وليكن من نتائجه بع ُ ما يكون! وحنن مازلنا ناردد االساطوانة‬
 ‫القدمية، االسطوانة ال بليت من سوء االستعمال! فلنكن صرىتاء، ونطلب االخاتالط يف‬
                          ‫صراىتة، بكل ما يترتب عليه من نتائج، وما ينشأ عنه من آثار"1.‬

                                                 ‫من كالم الشيخ الدكتور محمد محمد حسين:‬
 ‫قال يف كتابه "ىتصوننا مهددة من داخلها": "كثر كال الناس يف هذه األياا - يف‬
 ‫الصحف ويف دور العلم، وأقسا الفلسفة ومعاهاد ختاريج املدرساني واألخصاائيني‬
 ‫االجتماعيني -منها خاصة- عن الكبت اجلنسي ومضاره. وشاع بني كثري ممن ينتحلاون‬


                  ‫1 حممد قطب، معركة التقاليد، ص444-344، ط دار الشرو السادسة عشرة 4414-4884 .‬


‫‪‬‬
‫18‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫الدراسات النفسية –والفرويدية منها خاصة- أن السبيل إىل تاليف األضرار املتولدة عان‬
 ‫هذا الكبت هي اختالط الذكور باإلناث، وختفف النساء من احلجاب ومن الثياب، وهو‬
 ‫ختفف ال يَعرف الداعون إليه مدىً ينتهي عنده. ولعله ينتهي إىل ما انتهى إليه األمار يف‬
                                                                       ‫نكِ‬
 ‫مدن ال ُراة ال ُ ِّست فيها املدنية فارتدت إىل اهلمجية األوىل ! ذلا هاو (اجملتماع‬  ‫ع‬
 ‫املختلط) الذي يدعون إىل تعميمه يف املدارس ويف اإلدارات احلكومية ويف املصاانع ويف‬
 ‫الشركات ويف األندية واجملتمعات. وقد أخَذَت هذه الدعوة سبيلها إىل التنفيذ يف بعاض‬
                                                                               ‫هذه امليادين.‬
 ‫والواقع أن هذا االجتاه هو جزء من اجتاه أكرب وأعم يراد به فرجنة املرأة، ومحلها على‬
 ‫أساليب الغرب يف ش شؤوهنا؛ يف الزواج، ويف الطال ، ويف املشاركة يف العمل واإلنتاج‬
                                                               ‫الزي‬
 ‫يف ش امليادين، ويف ِّ، ويف احملافل واملراقص، إىل آخر ما هنال . وهذا االجتاه هاو‬
 ‫بدوره جزء من اجتاه أكرب يراد به سلخنا من أدب إسالمنا وتشريعه، وإحلاقنا باالغرب يف‬
                         ‫التشريع واألدب واملوسيقى والرسم ويف فنون احلياة بني جِدٍ وهلو.‬
 ‫واملوضوع ذو جوانب متعددة، ولكن أبرز جوانبه ناىتيتان: اختالط النساء بالرجال،‬
              ‫واشتغال النساء بأعمال الرجال. وسأعاجل الناىتية األوىل منه يف هذا املقال...‬
 ‫وأخطر ما يف هذه الدعوات اجلديدة أن أصحاهبا يلجاؤون إىل تادعيمها وتثبيات‬
                               ‫ي ر‬
 ‫جذورها الغربية يف أرضنا بأسانيد من الدين ، بعد أن ُحَ ِّفوا الكلم عان مواضاعه يف‬
 ‫نصوصه الشريفة من قرآن أو ىتديث أو خرب. لذل رأيت أن أبدأ هذه الكلماة بتقادمي‬
                                                             ‫تيُ‬
        ‫طائفة من اآليات القرآنية ُبَِّن بشكلٍ قاطع ىتكم اإلسال الصريح يف هذه األمور".‬
                               ‫وذكر رمحه اهلل ستة أدلة من القرآن وعلق عليها مث قال:‬
 ‫"هذه مجلة من اآليات الصرحية الداللة فيما تأخذ به املسالمني واملسالمات، فهاي‬
                                                                                   ‫تأمرهم:‬
  ‫4- بستر جسم املرأة كله -ومنه شعر الرأس- وجتنب إبداء املفاتن والتازين أماا‬
                                                                    ‫الغرباء من غري احملار .‬
 ‫4- بتجنب التسكع يف الطرقات، واستعراضها يف غري ىتاجة، وباالستقرار واالكتنان‬
                                                                                ‫يف البيوت.‬



‫‪‬‬
‫28‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫4- بتجنب التحدث إىل الرجال، فإذا دعت إىل ذل ضرورة فليكن باني الرجال‬
            ‫واملرأة ستار، وليكن احلديث أميل إىل القصد، وعلى قدر ما تقضي به الضرورة.‬
 ‫1- بغض البصر عند التقائه بالرجال، والرجال مأمورون مبثل ذل عند التقاء نظرهم‬
                                                                                    ‫بالنساء.‬
 ‫3- بالزواج ملن استطاعه، وبالصرب وضبط النفس ملن أطاقه، وبالزواج من اإلماء ملن‬
 ‫ال يطيق الصرب وال جيد مهر احلرائر، أما اختاذ اخلليالت ومقارفة البغايا فهو حمر حيذر منه‬
                                                                                      ‫الدين.‬
 ‫وال أ نين حمتاجاً بعد ذل كله إىل إطالة القول يف أن التزا هذه القواعد ال يأمر هبا‬
 ‫الشرع أمر قاطع ال يدع جماالً للتوفيق بني إسال املسلمني، وبني مذاهب دعاة اجملتمعات‬
                                                     ‫املختلطة يف ش صورها وأشكاهلا".‬
 ‫إىل أن قال: "أما الذين اليلزمون أنفسهم ىتدود اهلل، وال ينقادون ملا أمر به فلنا معهم‬
                                                          ‫ىتديث آخر، وإىل هؤالء نقول:‬
    ‫قد اقتضت ىتكمة اهلل سبحانه وتعاىل أن يكون مجيع خلقه من ذكر وأنثى، جتد ذل‬
 ‫يف احليوان ويف النبات ويف الظواهر الطبيعية كالكهرباء واملغناطيس، وجتاده يف الكارة‬
 ‫األرضية نفسها، فأىتد قطبيها سالب واآلخر موجب، وجتده يف أد دقائق اخللق وألطف‬
 ‫وىتداته وهي الذرة، و(سبحان الذي خلق األزواج كلها مما تنبت األرض ومن أنفساهم‬
                                                            ‫ومما ال يعلمون) [يس: 34].‬
 ‫ومن طبيعة األزواج يف كل هذا اخللق أن تتجاذب، فالذكر واألنثى يف النوع الواىتد‬
 ‫يتجاذبان ىتتماً ىتسب ما بىن اهلل عليه طبيعة كل منهما، وىتسب ما هادى إلياه مان‬
 ‫الفطرة، وسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه مث هدى، فميل الرجل للمرأة، وميل املرأة‬
 ‫للرجل إذن هو جزء من قانون عا اقتضته ىتكمة اهلل سبحانه، ال سبيل إىل جتنبه وإنكاره،‬
                              ‫َف‬                       ‫َغ‬
 ‫وليس من املطلوب وال هو مما ُير َّب فيه ويسعى إليه أن ُيخ َّف هذا امليل أو يعمل علاى‬
                                                                             ‫د‬
                                                                          ‫إضعاف ىتِ َّته.‬
 ‫مث إن إطال األمر يف جتاور الرجل واملرأة واختالطهما ال خيلو من أىتد أمرين: فهاو‬
 ‫إما أن يؤدي إىل إثارة الشهوة يف اجلنسني وزيادة ىتدهتا، أو يؤدي إىل إضعافها وكسار‬



‫‪‬‬
‫38‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                    ‫ُك‬
 ‫ىتدهتا. فإذا كان االختالط مؤدياً إىل جتاذب الذكر واألنثى على ما ر ِّب يف طبيعة كال‬
                            ‫حتو‬
 ‫منهما ومل تكن هناك ىتدود هلذا االختالط أو نظا مرسو َّل األمار إىل فوضاى ال‬
 ‫ضابط هلا. وعند ذل يشيع األذى بني الناس بشيوع األمراض ال قدر اهلل سابحانه أن‬
              ‫م‬                        ‫ُْ‬
   ‫يضرب هبا الذين يقارفون الفاىتشة من الزناة، ويَفسد اجملتمع ويضطرب نظا ُه ويتماز‬
 ‫مشل مجاعته وميوج بعض الناس يف بعض، بتكاثر األىتقاد والضغائن بني اآلباء الذين أوذوا‬
 ‫يف بناهتم، واألزواج الذين أوذوا يف نسائهم، واألوالد الذين أوذوا أمهاهتم، وبني املتنازعني‬
 ‫واملتنازعات، واملتنافسني واملتنافسات على العشيق الواىتد والعشيقة الواىتدة. وذل كله‬
 ‫مما ال خري فيه، ومما ال تسعى إليه مجاعة من الناس تنشد الوىتدة والطمأنيناة والساال ،‬
                    ‫وتتجنب السبل ال تظن أهنا ال تؤدي إليهما، وذل هو أىتد الفرضني.‬
 ‫أما الفرض اآلخر فهو أن التجاور بني الرجال والنساء وكثرة اللقاء بيناهم وبيناهن‬
 ‫أفراداً ومجاعات موجب إلضعاف التجاذب خبفوت صوت الشهوة اجلنساية وإضاعاف‬
 ‫ىتدهتا أو حتويلها عن وجهها وأسلوهبا، على ما يزعمه الزاعمون من بعض البااىتثني يف‬
 ‫الدراسات النفسية، الداعني إىل هتذيب الغريزة اجلنسية أو التنفيس عنها، ومعىن هذا أن جيد‬
 ‫كل من الذكور واإلناث لذهتم يف جمرد االستمتاع باحلديث والنظر، وأن طول التجااور‬
 ‫والتقارب يولد يف نفوسهم ونفوسهن شيئاً من اإللف ال تثور معه الرغباة يف اساتمتاع‬
 ‫جسد كل منهم جبسد اجلنس اآلخر عند رؤيته، بل مع قربه منه ومالصقته له. وذل كله‬
 ‫أمر معقول وحمسوس يؤيده املنطق والتجربة، ألن إلف النفس للشيء وتكرار اعتيادها إياه‬
 ‫ُضعف أثره فيها، فالذين يطيل املكث يف مكان عفن ننت يفقد اإلىتساس بعفنه ونتنه على‬         ‫ي‬
                                                                      ‫ي‬
 ‫مَ ِّ الزمان، والذي ُدمن شم رائحة زكية يفقد اإلىتساس بطيبها بعد وقات قصاري أو‬         ‫ر‬
                                  ‫ض‬
 ‫طويل.. ، فيؤدي هذا إىل (الربود اجلنسي)1، وهو مر ٌ يسعى املصابون به إىل األطبااء‬
 ‫يلتمسون عندهم الربء والشفاء من أعراضه. فكيف جنعل هذا املرض غاية مان الغاياات‬
 ‫نسعى إليها؟! وكيف يكون احلال لو تصورنا هذا الناموس -ناموس جتااذب الاذكور‬
 ‫واإلناث- قد بطل أو فتر؟ أليس يفسد الكون كله؟ ( ولو اتبع احلق أهواءهم لفسادت‬
                                     ‫السموات واألرض ومن فيهن ) [املؤمنون: 47]...".‬


                                                             ‫ال‬
                       ‫1 وهذا الذي ذكره رمحه اهلل معقول لكنه اليكون إ ّ بعد أن تشبع األجساد من بعضها ال قبله.‬


‫‪‬‬
‫48‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫مث حتدث رمحه اهلل عن آثار الربود اجلنسي، كما حتدث عن آثار الفرض األول؛ زيادة‬
 ‫سورة الشهوات، مث ثىن بذكر كال الغربيني عن الثورة اجلنسية عندهم وآثارها املخوفاة‬
 ‫املرتقبة، مث محل بإشارة موجزة على بعض املزاعم ال يؤيد هبا دعاة االختالط االختالط،‬
                                                        ‫وكالمه طويل مفيد فلينظر1.‬

                                      ‫من كالم أديب فقهاء الشام الشيخ علي الطنطاوي:‬
 ‫يقول رمحه اهلل يف الذكريات: "هذا هو باب الشهوات وهو أخطر األبواب. عارف‬
                            ‫ذل خصو اإلسال فاستغلوه، وأول هذا الطريق هو االختالط.‬
 ‫بدأ االختالط من رياض األطفال، وملا جاءت اإلذاعة انتقل منها إىل برامج األطفاال‬
                                 ‫فصاروا جيمعون الصغار من الصبيان والصغريات من البنات.‬
 ‫مث إنه قد فسد الزمان، ىت صار التعدي على عفاف األطفال، منكراً فاشياً، ومرضاً‬
                                                      ‫د‬
   ‫سارياً، ال عندنا، بل يف البالد ال نع ُّ أهلها هم أهل املدنية واحلضارة يف أوروبا وأمريكا.‬
 ‫كان أعداء احلجاب يقولون أن اللواط والسحا ، وتل االحنرافات اجلنسية ساببها‬
 ‫ىتجب النساء، ولو مزقتم هذا احلجاب وألقيتموه خللصتم منها، ورجعاتم إىل الطرياق‬
                                                                               ‫ن‬
 ‫القومي. وكًّا من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا نصدقهم، مث ملا عرفناهم وخربنا خربهم، هر‬
                                                     ‫لنا أن القائلني هبذا أكذب من مسيلمة.‬
 ‫إن كان احلجاب مصدر هذا الشذوذ، فخربوين هل نساء أملانيا وبريطانيا حمجباات‬
                       ‫ن‬
 ‫احلجاب الشرعي؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم ىت سَّوا قانوناً جيعله مان‬
                                                                                 ‫املباىتات؟‬
 ‫مث إن أصول العقائد، وبذور العادات ومبادئ اخلري والشر، إمنا تغرس يف العقل الباطن‬
       ‫عو‬
 ‫لإلنسان، من ىتيث ال يشعر يف السنوات اخلمس أو الست األوىل من عمره، فإذا َّدناا‬
                                                                                     ‫الصيب‬
 ‫َّ والبنت االختالط فيها، أال تستمر هذه العادة إىل السبع والثمان؟ مث تصري أمراً عادياً‬
 ‫ينشأ عليه الف ، وتشب الفتاة، فيكربان ومها عليه؟ وهل تنتقل البنت يف يو معاني مان‬


             ‫1 كتابه: "ىتصوننا مهددة من الداخل"، والكال املنقول من الطبعة السادسة ملؤسسة الرسالة عا 4214-‬
                                                                                   ‫4884 ، ص43-47.‬


‫‪‬‬
‫58‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫شهر معني، من الطفولة إىل الصِبا يف ساعات معدودات، ىت إذا جاء ذل اليو ىتجبناها‬
                                                                            ‫عن الشباب؟‬
 ‫أ هي تكرب شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه يف الصباح ثابتاً فإذا عدت إليه بعاد‬
 ‫ساعتني وجدته قد انتقل من مكانه. فهو إذن ميشي وإن مل تر مشيه، فإذا عودنا األطفاال‬
                                                   ‫على هذا االختالط فم نفصل بينهم؟‬
 ‫والصغري ال يدرك مجال املرأة كما يدركه الكبري، وال حيس إن نظر إليها مبثل ما حيس‬
 ‫به الكبري، ولكنه خيتزن هذه الصورة يف ذاكراته فيخرجها من خمزهنا ولو بعد عشرين سنة.‬
                                                     ‫ن ت‬
 ‫أنا أذكر نساء عرفتهن وأنا اب ُ سِ ِّ سنني، قبل أكثر من سبعني سنة. وأستطيع أن أتصور‬
                                              ‫اآلن مالمح وجوههن، وتكوين أجسادهن.‬
                                                                        ‫تْ‬
 ‫مث إن من ُشرِف على تربيته النساء يالزمه أثر هذه التربية ىتياته كلاها، يظهار يف‬
                                           ‫عاطفته، ويف سلوكه، يف أدبه، إذا كان أديباً.‬
    ‫أل‬                                                                        ‫ت‬
 ‫وال ُْبعِد يف ضرب األمثال، فهاكم اإلما ابن ىتز حيدثكم يف كتابه العظيم الذي َّفه‬
                                  ‫يف احلب (طو احلمامة) ىتديثاً مستفيضاً يف املوضوع.‬
 ‫خلق اهلل الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسورٍ له باب باطناه‬
 ‫فيه الرمحة و اهره من قِبَلِهِ العذاب. فمن طلب الرمحة واملودة واللذة والسكون واالطمئنان‬
                                          ‫تسو‬
 ‫دخل من الباب، والباب هو الزواج. ومن َّر اجلدار أو نَقَب السقف، أو أراد سارقة‬
 ‫متعة ليست له حبق، ركبه يف الدنيا القلق واملرض وازدراء الناس، وتأديب الضمري، وكان‬
                                                                      ‫ب‬
                                                         ‫له يف اآلخرة عذا ُ السعري..."1.‬
                                                     ‫ن‬
 ‫وقال رمحه اهلل: "إنه ال يزال مّا من حيرص احلرص كله على اجلمع باني الاذكور‬
 ‫واإلناث! يف كل مكان يقدر على مجعهم فيه؛ يف املدرسة، ويف امللعب، ويف الارىتالت،‬
 ‫املمرضات مع األطباء واملرضى يف املستشفيات، واملضيفات مع الطيارين واملساافرين يف‬
                                                       ‫ت‬
 ‫الطيارات، وما أدري وليتين كن ُ أدري! ملاذا ال جنعل للمرضى من الرجال ممرضني بدالً‬
                                                       ‫ْ‬
 ‫من املمرضات؟ هل عندكم من عِلمٍ فتخرجوه لنا؟ هل لديكم برهان فتلقاوه عليناا؟ إن‬



                                                 ‫1 ذكريات الشيخ علي الطنطاوي 3/833-473.‬


‫‪‬‬
‫68‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫كان كل ما يهمكم يف لعبة كرة القد أن تدخل وسط الشبكة، أفال تادخل الكارة يف‬
                     ‫الشبكة إن كانت أفخاذ الالعبني مستورة؟ خربوين بعقل يا أيها العقالء؟‬
 ‫لقد جاءتنا على عهد الشيشكلي -من أكثر من ثالثني سنة- فرقة من البنات تلعاب‬
 ‫بكرة السلة، وكان فيها بنات مجيالت مكشوفات السيقان واألفخاذ، فازدىتم عليها الناس‬
 ‫ىت امتألت املقاعد كلها! ووقفوا بني الكراسي، وتسوروا اجلدران، وصعدوا على فروع‬
                          ‫ت‬
 ‫األشجار، وكنا معشر املشايخ جنتمع يومئذ يف دار السيد مكي الكَِّاين رمحاة اهلل علياه،‬
                                                        ‫ن‬
 ‫فأنكرنا هذا املنكر، وبعثنا وفداً مّا فلقي الشيشكلي، فأمر -غفر اهلل له- مبنعه، وبترىتيل‬
          ‫ء‬                     ‫ة‬                                         ‫ورد‬
 ‫هذه الفرقة ِّها فوراً من ىتيث جاءت، فثار وهبم مجاع ٌ يقولون: إننا أعدا ُ الرياضة،‬
                                                 ‫أرد‬
 ‫وإننا رجعيون، وإننا متخلفون، فكتبت ُّ عليهم، أقول هلم: هل جئتم ىتقاً لِتَرَوا كيف‬
 ‫تسقط الكرة يف السلة؟ قالوا نعم. قلت: لقد كذبتم واهلل! إنه ىتني يلعب الشباب تنازل‬
 ‫كرة السلة سبعني مرة فال تقبلون عليها مثل هذا اإلقبال، وتبقى املقاعد نصفها فارغااً،‬
 ‫وىتني لعبت البنات نزلت الكرة يف السلة ثالثني مرة فقط، فلماذا ازدمحت عليها وتسابقتم‬
 ‫إليها؟! كونوا صادقني ولو مرة واىتدة! واعترفوا بأنكم ماا جئاتم إال لرؤياة أفخااذ‬
                                                                            ‫البنات..."1.‬

 ‫والنقول عن دعاة اإلسال ، ومشاخيه اجلحاجحة العظا ، على اختالف أمصاارهم يف‬
 ‫هذا الزمان أكثر من أن حيصرها قلمي، وقد قيل: ما قل وكفى خري مما كثر وأهلى، ولاو‬
 ‫رمت اإلطناب واالستيعاب ألثقلت بالنقول كاهل هذا الكتاب، فما سبق نازر يساري،‬
 ‫وطرف من كثري، لعل فيه كفاية ألهل اإلنصاف. ولعله قد تبني من خالل العرض اآلنف‬
  ‫أن املنع من اختالط الرجال بالنساء، ليس من مفردات احلنابلة! فهؤالء علماء اإلساال‬
 ‫بش مذاهبهم، ويف خمتلف أعصارهم وأمصارهم يقولون به. فليست الادعوة إىل تارك‬
                        ‫االختالط إذاً، دعوة إقليمية، والمذهبية، بل هي شرعية إسالمية.‬




                                                                      ‫1 الذكريات 8/874.‬


‫‪‬‬
‫78‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                 ‫بعض شبه من اختلط عليه حكم االختالط:‬
 ‫الشبه ال يتمس هبا بعضهم الخترج عن كوهنا اختالط مع التحرز بضوابط لضرورة‬
 ‫أو ىتاجة ملحة، وقد بني يف أول البحث أن مثل هذا اليدخل ىتيز االختالط احملر أصالً،‬
                                                  ‫ويف أثناء ذل كشفت بعض الشبهات.‬
                  ‫ىت‬
 ‫وهكذا جل شبهات دعاة االختالط قصص وأخبار جمملة حمتملة، ُملت على معاين‬
   ‫فاسدة، وصور من اخللطة احملرمة، رمبا سا إىل بعضها االرتباط الذهين بواقع الناس اليو‬
 ‫ففسر بعض من مل ترسخ يف العلم قدمه النصوص بناء عليه، والواجب محل اجململ علاى‬
   ‫وجهه الذي دلت عليه أدلة الشرع األخرى، وعلى ما فهمه اجليل الذي عارف باالتزا‬
                                                                              ‫الشريعة.‬
                                                       ‫ي‬
 ‫ومن قبيل هذه الشبهات ما ُستدل به على جواز االختالط من حنو شهود املسلمات‬
 ‫يف العصر األول للجمع واجلماعات واألعياد، وكذل ىتجهن واعتمارهن وخروجهن مع‬
 ‫اجملاهدين، وحنو ذل مما سبق ذكر وجهه الشرعي، وبيان بعده عن واقع الناس اليو ، مبا‬
 ‫يكفي يف رد شبهة املعترض به، ومثله كذل أخبار مضت اإلشارة إليها عند تقرير ىتكم‬
                                                                             ‫االختالط.‬
 ‫غري أن هناك أخباراً تعلق هبا بعضهم، وليس فيها مستمس أصالً، بل بعضها عناد‬
                                                         ‫النظر ىتجة على دعاة االختالط.‬
                                              ‫ولعلي أتعرض لبعضها فيما يلي، فمنها:‬
                                                 ‫4- االستدالل بقصة يوسف عليه السالم:‬
 ‫وفيها خمالطته المرأة العزيز، ودخوله على النسوة الاليت اجتمعن، قال اهلل تعاىل: ‪‬فلما‬
 ‫مسعت مبكرهن أرسلت إليهن وأعتدت هلن متكأ وآتت كل واىتدة منهن سكيناً وقالات‬
 ‫اخرج عليهن فلما رأينه أكربنه وقطعن أيديهن‪ ‬اآلية، ومن تأمل هذه اآلية وما جاء قبلها‬
 ‫وبعدها جز بأنه اليصح االستدالل هبا على جواز االختالط، بل اآليات ىتجة عند النظر‬
                                       ‫والتأمل ملن منع من الدخول على النساء وخمالطتهن:‬
 ‫فيوسف عليه السال اشتراه عزيز مصر، وكان يف بيته وكان خروجه بأمر ربة البيت‬
             ‫د‬
         ‫فكان اخلروج يف ىتقه بغري اختياره؛ بأمر امرأة العزيز وهو اليعلم ألي شيء ُعي.‬



‫‪‬‬
‫88‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وغاية ما يف القصة االستدالل بفعل النسوة أو امرأة العزيز، وهذا استدالل بفعل مان‬
 ‫كان على الشرك، ومع ذل فإن اآليات يف سيا القصة وما تبعها من فتنة ىتصلت للنساء‬
 ‫بل والمرأة العزيز من قبل دليل على ىترمة االختالط، فمن ىتلل االختالط بقصة يوسف‬
   ‫مل يفقه ما استدل به من سورة يوسف، ولو فقهه حلر االختالط به، فانظر إىل الفتنة ال‬
   ‫جرهتا خلطة النسوة عليهن، ولئن عصم اهلل يوسف عليه السال من مغبة اخللطاة الا‬
 ‫فرضت عليه فأراه برهانه لكونه من املخلصني، فمن الذي يضمن هداية من تقحم الفانت‬
                                                               ‫وعرض نفسه ألسباهبا؟‬
 ‫إن يوسف –عليه السال - كان مسترقاً، فلم تكن له بدفع األمر يد، واملستر تقضي‬
 ‫احلاجة دخوله وخروجه للخدمة، فكيف يقاس به غريه والنيب صلى اهلل عليه وسلم يقول:‬
                                                      ‫"إياكم والدخول على النساء"1.‬

                                                 ‫4- االستدالل بنبأ موسى مع المرأتين:‬
 ‫ومن عجيب ما يستدل به كذل نبأ موسى –عليه السال - مع بن صاىتب مدين،‬
      ‫م‬
 ‫وليس فيه ىتجة على جواز االختالط بل هو دليل آخر على املنع، فموسى ملا رأى أ ّة من‬
 ‫الناس يسقون، ووجد من دوهنم امرأتني تذودان غنمهما عن السقيا مع القو ، منعزلتاان‬
 ‫التسقيان مع الناس، مل يرضه موقفهما واستغربه وهلذا ساأهلما بعباارة خمتصارة: ماا‬
 ‫خطبكما؟ فكان اجلواب بأوجز عبارة وبقدر احلاجة: ‪‬النسقي ىت يصدر الرعاء وأبونا‬
                                                                          ‫شيخ كبري‪.‬‬
 ‫واألسئلة ال ينبغي أن تطرح هنا ملاذا هذا االقتضاب؟ مع أنه عناد أبيهماا قاص‬
 ‫القصص! وملاذا مل تسقيا؟ وملاذا ذادتا غنمهما؟ وعن ماذا ذادتا الغنم؟ أليس عن االختالط‬
 ‫بغنم القو ؟ مث أليس األوىل هلما أن تعجال؟ جواب ذل يف القول باستقرار املناع مان‬
 ‫االختالط عندمها وهلذا قالتا: ‪‬ال نسقي ىت يصدر الرعاء‪ ،‬وقد ذكر بعاض املشاايخ‬




                                                                        ‫مضى خترجيه ص13.‬   ‫1‬




‫‪‬‬
‫98‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫املعاصرين أربعة عشر وجهاً يف القصة انتزع منها الداللة على منع االختالط. وآخر ذكر‬
                                       ‫تسعة عشر مظهراً من مظاهر العفة يف القصة1.‬

                                 ‫4- االستدالل بأخبار سمراء والشفاء رضي الله عنهما:‬
    ‫ومما أشكل على بعضهم خرب مفاده تولية النيب صلى اهلل عليه وسلم مسراء بنت هنيا‬
 ‫أمر السو ، وىتديث مسراء بنت هني أخرجه الطرباين يف الكبري، وصححه بعض أهال‬
 ‫العلم2، وفيه أن حيىي بن أ سليم قال: "رأيت مسراء بنت هني -وكانت قد أدركت النيب‬
 ‫صلى اهلل عليه وسلم- عليها درع غليظ ومخار غليظ بيدها سوط تؤدب النااس وتاأمر‬
 ‫باملعروف وتنهى عن املنكر"3، وهذا األثر كما ترى ليس فيه ذكر لوالية بل والسو ! وال‬
                                                    ‫أعلم ذكر واليتها السو ثابت عنها.‬
 ‫أما هذا املسند فاالىتتماالت ترد على معناه وغاية ما فيه أنه –ابن أ ساليم- رأى‬
 ‫مسراء تأمر وتنهى، ومل يقل أهنا اختذت ذل عمالً أو وليته منصباً، فرمبا كانت خارجاة‬
 ‫لبعض ىتاجتها فرأت املنكرات فأنكرهتا، وهذا دأب عباد اهلل الصاحلني، ولعل مما جيعل هذا‬
                                        ‫م‬
 ‫االىتتمال وجيهاً هو عد نقل غريه له ولو كان َنصِباً لكان معروفاً مشهوراً منقوالً عان‬
 ‫غريه، والسيما أنه منصب يف السو وهو موضع عا يرده ويصدر عنه الفئا ، بل ندر من‬
                                                                  ‫التكون له ىتاجة فيه.‬
 ‫وأهل العلم الحيرمون خروج املرأة للحاجة أو الضرورة وإن تكرر اخلاروج، فلاو‬
 ‫خرجت امرأة حلاجة والتزمت بضوابط الشرع يف خروجها، فال ىترج عليها، فاإذا رأت‬


                                                                ‫1 لالستزادة انظر ص 424 من هذا الكتاب.‬
 ‫2 قال العالمة األلباين يف الرد املفحم: "أخرجه الطرباين يف املعجم الكبري ( 14 / 444) بإسناد جيد، قال اهليثمي‬
 ‫(8/134) ورجاله ثقات"، قلت: رواه اخلالل أيضاً يف كتاب األمر باملعروف والنهي عن املنكر الذي رواه عان‬
 ‫اإلما أمحد ص13، وقد ذكر مسراء بنت هني اإلما ابن عبد الرب يف االستيعاب (1/4384) وذكر حنو هذا األثر،‬
 ‫أما ابن ىتجر –رمحه اهلل- فقد ذكرها مث قال يف اإلصابة (7/447) : "تأيت يف القسم الثالث" فما أتت، وكأناه‬
 ‫نسيها، وممن أشار إىل صحبتها صاىتب تاريخ واسط 4/41، ولعل األثر خمتلف فيه الختالفهم يف ابن أ ساليم،‬
                                                                          ‫ولكن ليس فيه أهنا وليت السو .‬
                                                                               ‫3 املعجم الكبري 14/444.‬


‫‪‬‬
‫09‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫منكراً وكان بوسعها إنكاره فعليها أن تنكره، وهذا غاية ما يف أثر بنت هني رضاي اهلل‬
                                                                                  ‫عنها.‬
 ‫والُعرف من أشار إىل توليتها السو منصباً من أهل األخبار، وإمنا ذكر عن عمر –‬    ‫ي‬
                                                                   ‫ول‬
 ‫رضي اهلل عنه- أنه َّى أ سليمان بن أ ىتثمة الشفاء بنت عبداهلل العدوية القرشية شيئاً‬
 ‫من أمر السو ، وقد كانت موصوفة بفضل وعقل وهي من املهاجرات األوائل رضي اهلل‬
                                       ‫ديو‬
 ‫عنهن مجيعاً، وخرب توليتها السو ليس له سن ٌ ُع ّل عليه، كما أن اهر كال أهل العلم‬
  ‫يفهم منه تولية ابنها ومساعدهتا له يف بعض الشأن، فقد ذكرها احلافظ املزي فقال: "وكان‬
  ‫عمر بن اخلطاب يقدمها يف الرأي ويرضاها ويفضلها ورمبا والها شيئاً من أمر السو ذكر‬
 ‫ذل أبو عمر بن عبد الرب"1 ونقله حنوه ابن ىتز يف احمللى2 ولكن الزرقاين أشار إىل أن من‬
 ‫وِّي هو ولدها سليمان بن أ ىتثمة، قال: "وقال (أبو) عمر رىتل مع أماه إىل املديناة‬     ‫ُل‬
   ‫وكان من فضالء املسلمني وصاحليهم واستعمله عمر على السو ومجع الناس عليه يف قيا‬
 ‫رمضان"3، وكال الزرقاين هو الذي نص عليه ابن عبدالرب كما يف االستيعاب4، وقد نقله‬
 ‫احلافظ ابن ىتجر يف اإلصابة، وقال: "قلت هذا كله كال مصعب الزبريي وذكره عناه‬
                                                                       ‫الزبري بن بكار"5.‬
 ‫فغاية ما يف هذا إن ثبت – فمصعب الزبريي تويف يف ستة وثالثني ومائتني وبينه وبني‬
 ‫عمر مفاوز- أن عمر رضي اهلل عنه والها شيئاً من أمر السو مع ابنها، ولعل ذل فيما‬
 ‫خيتص مبا حيتاج الرجال دخول النساء فيه فكانت تساعده يف ذل واهلل أعلام، وهاذا‬
 ‫الصنيع له وجهه الذي الخيفى فإن شؤون النساء قد اليناسب مباشرهتا رجاال، وهاذا‬
                                                                                 ‫اهر.‬
 ‫أما من استدل هبذا األثر املطعون يف سنده، واحملتمل لألوجه متنه، على جواز تولياة‬
 ‫املرأة مباشرة اإلنكار على الرجال وخلطتهم ألجل ذل ، وجعله ىتجة فقاد اجتارأ يف‬

                                                           ‫1 انظر هتذيب الكمال (34/724).‬
                                                                              ‫2 8/841.‬
                                                              ‫3 انظر شرح الزرقاين 4/384.‬
                                                                              ‫4 4/813.‬
                                                                      ‫5 اإلصابة 4/414.‬


‫‪‬‬
‫19‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫استدالله مبا مل يعلم ثبوته، واعتسف محله على وجهٍ ختالفه يف الداللة علياه األىتادياث‬
 ‫الصراح الصحاح، سواء املانعة من خمالطة األجنبيات، أو الناهية عن تولية النساء األماور‬
                    ‫العامة كقوله صلى اهلل عليه وسلم: "لن يفلح قو ولوا أمرهم امرأة"1.‬
                                                             ‫1- االستدالل بخبر الفارسي:‬
 ‫وقد دعا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ملر أعده، فلم يذهب ىتا أذن لعائشاة‬
 ‫رضي اهلل عنها أن تأيت معه، وهو يف صحيح مسلم2، وهذا األثر من قبيال اساتدالهلم‬
                  ‫ال‬
 ‫باملجمل، ومحلهم له أسوأ حممل ليوافق واقع الناس اليو وأهواءهم، وإ ّ فما يدريهم لعل‬
 ‫عائشة رضي اهلل عنها انزوت يف بيت الفارسي مع أهله، وهذا اىتتمال إن مل يكن متعينااً‬
 ‫فليس بالبعيد، ورمبا طعمت بعدمها، ورمبا كانت هلا صحفتها، ولو ثبت انتفاء ذل كلاه‬
 ‫فليس يف احلديث ىتجة على ما تقرر يف تعريف االختالط وبيان ىتاده احملار ، فاامرأة‬
 ‫كعائشة مع حمر هو النيب صلى اهلل عليه وسلم، ال ريبة يف زيارهتما بيت صحا ، وأهال‬
 ‫العلم الحيرمون أن يأخذ الرجل أهله مث يذهب ليطعم يف بيت جاره أو قريبه إذا دعاه! فلو‬
 ‫قدر اجتماع امرأة وزوجها -وكانا من أهل الديانة واألمانة- يف غرفة أو حنوها، ومعهم‬
 ‫ثالث مأمون لغرض مشروع فال بأس، والزعم بأن احلديث يقتضي أكثر من ذل دعوى‬
       ‫جمردة مستمدة من ختيالت أمالها واقع مأفون يعيشه بعض من مل يستنر هبدي النبوة.‬
 ‫وقريب من هذه الشبهة استدالل بعضهم حبديث سهل يف عرس أ أسيد3 وقد مضى‬
                                       ‫كشفها عَرَضاً عند بيان ىتكم االختالط وىتكمته.‬
 ‫هذا مع أن شأن النيب صلى اهلل عليه وسلم عظيم، وأزواجه طهارات مربءات، ومان‬
                                                                       ‫ن‬
 ‫ن السوء هب ّ بعد أن برأهن رب العزة فقد أزرى مبقا رفعه الرمحن، وخاالف صاريح‬
                                                                               ‫القرآن.‬




                                                ‫1 صحيح البخاري 1/2434 (4341)، 3/2234 (3833).‬
                                                                         ‫2 ىتديث أنس عند مسلم (4/8234).‬

              ‫3 صحيح البخاري 3/3884، وقد بوب عليه: باب قيا املرأة على الرجال يف العرس، وخدمتهم بالنفس.‬


‫‪‬‬
‫29‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                       ‫3- االستدالل بوضوء الرجال والنساء:‬
 ‫ومن مجلة استدالهلم باملتشابه استدالل بعضهم بأثر مال قال: ىتدثنا نافع، عن ابان‬
 ‫عمر: كان الرجال والنساء يتوضئون مجيعاً يف زمن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم1. ويف‬
       ‫املبي‬
 ‫بعض الروايات من إناء واىتد2، وكل ذل ثابت، بيد أن حممله الصحيح باألدلة ِّنَة ال‬
 ‫داللة فيه على جواز اخللطة احملرمة، وإمنا دل احلديث على جواز أن يتوضأ الرجال ماع‬
 ‫نسائه، ال النساء األجنبيات، وهلذا نص أهل العلم استدالالً هبذا احلديث على جاواز أن‬
 ‫تتوضأ املرأة وتغتسل مع الرجل من إناء واىتد3، واليقول مسلم جبواز اغتساال الرجاال‬
 ‫والنساء مجيعاً، وقد أورد البخاري هذا احلديث يف باب: وضوء الرجل مع امرأته4، قاال‬
 ‫احلافظ العراقي: " أطلق ابن عمر يف ىتديثه وضوء النساء, والرجال مجيعاً وال ش أناه‬
 ‫ليس املراد به الرجال من النساء األجانب, وإمنا أراد الزوجات أو من حيل له أن يرى منها‬
 ‫مواضع الوضوء، ولذل بوب عليه البخاري باب وضوء الرجل مع امرأتاه"5، و" قاال‬
 ‫الرافعي يريد كل رجل مع امرأته وأهنما كانا يأخذان من إناء واىتاد، وكاذل ورد يف‬
 ‫بعض الروايات"6، وذهب بعض أهل العلم كسحنون إىل أن املراد وضوء هؤالء مث هؤالء‬
 ‫من نفس اإلناء، قال ابن ىتجر: "واألوىل يف اجلواب أن يقال ال مانع من االجتماع قبال‬
   ‫نزول احلجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات واحملار "7، واأل هر أن األثار كقاول أ‬
 ‫هريرة وابن عمر نفسه الذي روى ما حيتجون به: "ال بأس أن يغتسل الرجل واملرأة مان‬
 ‫اإلناء الواىتد"8، ويف رواية: "جنبا مجيعاً يف إناء واىتد"9، فليس الرجل واملرأة غاري مان‬


                                              ‫1 ينظر املوطأ: باب املرأة والرجل يتوضآن من إناء واىتد4/48 (34).‬
                               ‫2 ينظر صحيح ابن خزمية 4/43 (444)، ومنتقى ابن اجلارود 4/34 (83)، وغريمها.‬
                                                                               ‫3 ينظر املوضع السابق من املوطأ.‬
                                                                  ‫4 الصحيح 4/48، ينظر ىتديث رقم (284).‬
                                                                                        ‫5 طرح التثريب 4/84.‬
                              ‫ال‬
     ‫6 ينظر تنوير احلوال للسيوطي 4/34، ومل أقف على روايات مقيدة يف نفس السيا إ ّ رواية من طريق عبداهلل بن‬
                                                      ‫عمر العمري أوردها عبدالرزا يف مصنفه، وذكر االغتسال.‬
              ‫7 فتح الباري 4/224، هكذا قال رمحه اهلل وقد يتوجه على مذهبٍ دخول اإلماء، والسيما يف ذل اجليل.‬
                                                                    ‫8 ينظر األوسط البن املنذر 4/384، وغريه.‬
                                                ‫9 رواها عبدالرزا يف مصنفه 4/834 (3424)، وسندها صحيح.‬


‫‪‬‬
‫39‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫جيوز هلم مثل ذل ، وكذل قوله يف أثر ابن عمر: (الرجال والنساء)، وال يقول عاقل إن‬
 ‫اهر احلديث اجتماع مجيع الرجال والنساء يف ذل العهد للوضوء من إناء واىتد، بال‬
 ‫املتعني محل التعريف يف قوله (الرجال والنساء) على احملار ، فالتعريف هنا عهدي، للقرينة‬
 ‫الظاهر الدالة على أن هذا الصنيع إمنا جيوز لبعض خمصوص، وإن مل تكن قرينة فقد ذهب‬
 ‫مجاعة من األصوليني إىل أن األصل يف ال التعريف العهد1، وهذا متجه إن كان مثة معهود‬
 ‫واملعهود هنا ذهين معلو دلت عليه واهر الشريعة املتظاهرة، ال حتر إبداء املرأة احلارة‬
                                               ‫ال‬
 ‫معصمها، وشعر رأسها، وخد سوقها، إ ّ حملر بصريح أدلة الكتاب، وهذا ما اليكون يف‬
 ‫اجتماعهم للوضوء من إناء واىتد، فإن ثبت وقوعه يف ذل اجليل امللتز بالشريعة علم أنه‬
                                          ‫ال‬
                         ‫على الوجه املشروع بني من حيل هلم ذل ، وإ ّ مل تكن فيه ىتجة.‬

                                                    ‫3- االستدالل بأخبار خولة بنت األزور:‬
 ‫هناك من يذكر خرباً عن امرأة يسموهنا خولة بنت األزور ويذكرون قصاة إنقاذهاا‬
 ‫أخاها ضرار –وهو صحا معروف- من األسر، والقصة أوردها الواقادي يف فتاوح‬
 ‫الشا 2، وذكر لصاىتبتها نظائر ومجيعها مل يثبت منها شيء، بل إن يف ثباوت شخصاية‬
 ‫خولة نفسها نظر فكيف بالقصة3، وعلى فرض ثبوهتا فال يعدو قتاهلا أن يكون لضرورة4،‬
      ‫أو الىتجة فيه بل الواجب أن حيتج له أو يلتمس العذر للمخطئ ال أن حيتج مبخالفته.‬
 ‫وهلم شبهات أخرى يتمسكون هبا من حنو إناخت صلى اهلل علي وسلم لتركب أمساء‬
 ‫رضي اهلل عنها خلفه، وهو كذل ىتجة عليهم إذ متنعت من أمر أضحى الياو عاديااً،‬
 ‫فاملرأة تركب خلف السائق الثقة يف ىتضور مجع من الثقات دون نكري، وليس يف اخلارب‬
 ‫الذي اىتتجوا به أكثر من ذل إذ ال يلز تالصق يف اإلرداف على البعري، ومع ذل أبت‬
 ‫رضي اهلل عنها، فأقرها صلى اهلل عليه وسلم على إبائها، مع بعد املسافة، وثقل محلاها،‬

           ‫ال‬
      ‫1 ينظر شرح التلويح على التوضيح 4/38-38، وهذا املعىن قرره غريه، وهذا اهر إن كان مثة مذكور، وإ ّ ففيه‬
                                                                                 ‫خالف ليس هذا موضع حتريره.‬
                                                           ‫2 4/444، وسا هلا أخباراً يف غري موضع من الكتاب.‬
                                                              ‫3 راجع كتاب عبدالعزيز الرفاعي: خولة بنت األزور.‬
                                          ‫4 ينظر احلديث عن جهاد النساء يف الصدر األول من هذا البحث ص41.‬


‫‪‬‬
‫49‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫وصلتها وعائلتها برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، ومل تكن آية احلجاب قد نزلت بعاد،‬
 ‫فاألرض املذكورة اقطع منفعتها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم الزبري رضي اهلل عنه بعاد‬
 ‫جالء بين النضري1 يف السنة الرابعة من اهلجرة أو قبلها، وآية احلجاب نزلت بعد ذل ، ومع‬
                                              ‫ذل أبت الركوب رضي اهلل عنها فتأمل.‬
                                                                          ‫7- شبهات نظرية:‬
                                                                            ‫ي‬
 ‫بعض من ُعييه النقل الصحيح يلجأ إىل ترهات العقول باسم العقل! فيذكر شبهاً رمبا‬
 ‫نقض بعضها بعضاً، والواقع أشد هلا نقضاً، كقوهلم الفصل يؤجج الشهوة، ويلجائ إىل‬
 ‫طلب اجلنس ولو من املثل. مث ينقضونه بقوهلم: القضية قضية قلوب! إذا سلم القلب فاال‬
 ‫هتتم أين كان صاىتبه، واملرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بني الرجال يف ىتصن ىتصني من‬
                                                       ‫شرفها وعفتها ال متتد إليه املطامع.‬
 ‫وهكذا يدخل صاىتب اهلوى يف مغالطات يزدريها النا ر يف تاريخ األمم والشعوب،‬
 ‫ويكذهبا الواقع بإىتصائياته، بل بإقرار قدوات املغالطني من عقالء رجاالت الغرب ونسائه.‬
 ‫أما الدعوى األوىل فهي ضرب من اإلرهاب الفكري املقيت، ُيحصر فيه الناس باني‬
 ‫ال‬
 ‫خيارين؛ إما االختالط ول أن تقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان اهلل! أال يرى هؤالء إ ّ‬
 ‫اجلنسَ احملر ، مَثَلهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما مل يذكر اسم اهلل علياه، أو‬
                                  ‫يأكلون حلم اخلنزير. عجباً! وأين ذهب احلالل الطيب؟‬
 ‫ول أن تعجب أيضاً من ذل الشرف، وتل العفة، ال يزعم امتالكها من يبايح‬
 ‫االختالط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل ىتقاً بلغات الساذاجة‬
                                                     ‫د‬
                                                ‫بأناس مبلغاً يدفعهم لتصديق هذا ال ّعي؟‬
 ‫ال أ ن أن عاقالً يتصور أن امرأة شريفة سوف تعيش يف ىتصن من العفاف ىتصاني‬
                                                      ‫أىن وجدت، ولو يف قعر بيت بغاء!‬
                                                                 ‫د‬
 ‫إن الشرف الذي ي ّعون امتالكه وكذل العفة ال يزعموهنا أعراض قائمة بالنفوس،‬
 ‫فإذا جْبتَ الطرقات وفتشت الفلوات، فلن تصادف جسماً امسه الشارف، وإذا شاققت‬          ‫ُ‬
 ‫إنساناً وفتشت بني جنباته، فلن جتد قطعة امسها العفة، ولكن رمبا وجدت قلوبااً ىتياة‬


                                                 ‫1 انظر فتح الباري 3/134 (4884)، وكذل 8/444 (3481).‬


‫‪‬‬
‫59‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫بيضاء، وهذه التزال صافية، ىت يسقط فيها ما يكدرها. وإذا كان األمر كذل فمن ذا‬
 ‫الذي يزعم سالمة املخالطني، وإذا علمها يف بعضهم فكيف يضمن بقاءها؟ فإن الصفات‬
 ‫واألعراض قابلة للتأثر إذا مل تصن عما حييلها، فاخلفرات اخلاود، إذا خارجن فاأكثرن‬
 ‫التعرض ألشعة الشمس احملرقة، مالت حنو السواد أبشارهن وقلاوهبن البيضااء! وكثارة‬
 ‫اإلمساس تقلل اإلىتساس، وتبعث اإليناس، والسيما إذا توافقت مع هوى النفس وميال‬
                                                                                                         ‫الطباع.‬
 ‫وكم رأيتَ إنساناً يتقاطر احلياء من حمياه، فعاد إلي بعد أن خالط أقواماً مل يتركوا يف‬
                                                                                               ‫وجهه قطرة ماء.‬
     ‫إن من غري املقبول يف ميزان العقول أن تضع الوقود بقرب النار مث تنكر أن يكون ذل‬
  ‫سبب االنفجار! ومن قبيله ترك املباعدة بني أنفاس الرجال والنساء وترقب السالمة مع أن‬
                                ‫َّ‬
 ‫كل فحلٍ ميذي وكلَ أنثى تقذي، وميل اجلنسني إىل بعضهما جِبِلة فطر اهلل الناس عليها،‬                   ‫ُ‬
                  ‫َِ‬                                              ‫ََ‬                ‫م ْ‬                   ‫ه ال‬
 ‫( ُوَ َّذِي خََلقَكم ِّن َّنفسٍ وَاىتِدَةٍ وَجعلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكنَ إِلَيْهَا..)، (ومنْ آيَاتِاهِ أَنْ‬
                   ‫ِن‬                ‫م َد‬            ‫ََ‬              ‫ل ن‬                         ‫ِّ أ‬
 ‫خََلقَ لَكم منْ َنفسِكمْ أَزْوَاجًا ِّتَسْكُوا إِلَيْهَا وَجعلَ بَيْنَكم َّو َّةً وَرَىتْمَةً إ َّ فِاي ذَلِا َ‬
                                                ‫ال د‬                                         ‫َّر‬
 ‫لَآيَاتٍ ِّلقَو ٍ يََتفَك ُونَ)، وهذا امليل الينكره إ ّ جاىت ٌ مكابر مستيقنةً نفسه مبا ينكر، فإن‬      ‫ْ‬
 ‫بقاء اجلنس البشري، بل جنس احليوان، فرع عن ذل امليل، فأهون من إنكاره إنكار ميل‬
                                                              ‫الوقود إىل االشتعال إذا اختلط به هلب النار.‬
 ‫أمل ير من يناد هبت الستر بني الرجال والنساء أثر ذل يف الغرب املتحضار؟ هال‬
                              ‫خفف ذل من ثورة الشهوات؟ أ أتاح هلا متنفساً فلوثت األعراض؟‬
 ‫ويف اإلىتصاءات ال تبني ماهو ماثل يف أرض الواقع ما يغين عن األخبار1، نسأل اهلل‬
                                                                                              ‫احلفظ والسالمة.‬
              ‫ْ‬
 ‫مث هب أن امرأة درجت على خمالطة الرجال فسلم هلا شرفها وىتياؤها فلم يَهزِل، فمن‬
                                                       ‫الذي يكفل عد خدشها من قبل ثعالب البشر..‬
                        ‫ر‬
            ‫يابؤس للجهلِ ضَ َّاراً ألقوا‬                    ‫قالت بنو عاامرٍ خالوا بين أسدٍ‬
         ‫1‬
                            ‫ْ‬
           ‫وتتقي صولة املستَْثفِرِ احلَامِي‬                                            ‫ب‬
                                                              ‫تعدو الذئا ُ على من الكالبَ له‬


                                                                             ‫1 تأيت اإلشارة إىل بعضها ص124.‬


‫‪‬‬
‫69‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫يذكر أهل السري واألدب أن عمر بن أ ربيعة بينما كان يطوف بالبيت إذ نظار إىل‬
 ‫امرأة فوقعت يف قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان يف الليلة الثانية جعال‬
 ‫يطلبَها ىت أصاهبا. فقالت له: إلي عين يا هذا، فإن يف ىتار اهلل ويف أياا ٍ عظيماة‬
                                         ‫يْ‬
 ‫احلرمة. فأحل عليها يكلمها، ىت خافت أن ُشهِرَها. فلما كان يف الليلة األخرى قالات‬
 ‫ألخيها: أخرج معي يا أخي فأرين املناس ، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر وأراد أن‬
 ‫يعرض هلا، فإذا هو بأخيها معها فعدل عنها، فتمثلت املرأة بقول النابغة السالف: تعادو‬
                                                                                ‫الذئاب..‬
 ‫وذكروا أن اخلرب بلغ اخلليفة املنصور فقال: وددت أنه مل تبق فتاة من قريش يف خدرها‬
                                                                                     ‫ال‬
                                                                    ‫إ ّ مسعت هبذا اخلرب.‬

 ‫أما الزعم بأن الدعوة للعفاف ونبذ التبذل واالختالط سبب لتأجج ناار الشاهوات‬
                          ‫ت‬
 ‫و هور الشذوذ فمن أ هر الباطل، فهؤالء أهل اإلسال ودعاُه امللتزمون بأىتكامه، ومن‬
 ‫ذل الفصل بني الرجال والنساء، حمافظون على العفة مهذبون لغرائزهم باالتزامهم أمار‬
                             ‫اللطيفِ اخلبريِ العليمِ خبلقه، احلكيمِ يف شرعه، خبالف غريهم.‬
 ‫فلم نسمع جبماعة إسالمية، أقرت قانوناً يبيح الشذوذ، بل من فعل ذل عناد أهال‬
                ‫ن‬
 ‫اإلسال اليعد مسلماً، بينما قاد االختالط واالنفتاح أمم الكفر إىل سَ ّ تشريعات تبايح‬
 ‫الشذوذ، فما بال نساء أملانيا وبريطانيا وأمريكا ورجاالهتا سنوا تشريعات تقر الشاذوذ،‬
 ‫وأقاموا منظمات حتفظ ىتقو الشذاذ! أتراهم عانوا من كبت ضارب احلجااب باني‬
 ‫اجلنسني أو أمر النساء بالقرار؟ هل يعلم القائلون هبذه الدعوى السامجة أن بالوالياات‬
                                         ‫املتحدة وىتدها حنواً من مخسني مليون شاذاً2!‬


        ‫1 األبيات للنابغة الذبياين، واملستثفر احلامي: أراد به الكلب يدخل ذنبه بني فخذيه ىت يلزقه ببطنه، متأهباً‬
                                                                                                       ‫للحماية.‬
 ‫2 منقول عن مقال ملروي مشايل، تأيت اإلشارة إليه قريباً، وقد يُظن أن هذه النسبة مبالغ فيها، ولكن الدراساات‬
 ‫تفيد أن نسبة 24% من جمموع السكان شذاذ [عن مركز أحباث احلر اجلامعي للشذوذ جبامعة يوتا بوالية سالت‬
 ‫الك األمريكية]، باإلضافة إىل 8% عندهم شذوذ "مزدوجي اجلنس"، وهذه النسبة تعادل (84%) من جمماوع‬
  ‫السكان، ووفقاً لتعداد عا 4224 ، فإن عدد هؤالء يصل إىل ما يربو على الثنتني ومخسني مليونا. وماع ذلا‬


‫‪‬‬
‫79‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫مث من الذي حيمي شذاذ اآلفا ، من الذين انتكسات فطارهم يف الادول العربياة‬
 ‫واملسلمة؟ هل رأيتم شعباً مسلماً خرج يف مظاهرة حلماية ىتقو اجملرمني منتكسي الفطر‬
                                               ‫ن‬
 ‫والعقول من أهل الشذوذ؟ اللهم ال؛ ولكّا رأينا اىتتجاجات مببااين األمام املتحادة يف‬
 ‫جنيف، وخارج املكتب الثقايف التابع للسفارة املصرية بواشنطن. ومسعنا بانتقدات مجاعات‬
 ‫ىتقو اإلنسان الدولية، حلادث قبض على بعض الشذاذ يف أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم‬
                                                                         ‫وحماكمتهم1!‬
 ‫ىت قال حمرر األهرا العر : "بعد أن رفع الشواذ األمريكيون شعار احلرية الشخصية‬
 ‫الذي تبناه مخسة وثالثون من أعضاء الكوجنرس يف رسالة مسمومة إىل الارئيس مباارك‬
 ‫يلوىتون فيها بورقة املعونة األمريكية للضغط على مصر هبدف إلغاء حماكماة املتاهمني‬
 ‫الا43 يف قضية الشذوذ ومنح احلرية الكاملة ألي شاذ ميارس اجلنس مع أشخاص بالغني‬
                                                                      ‫من اجلنس نفسه.‬
 ‫وألن احلملة األمريكية يقودها شاذ أمريكي يدعي "باري فران " عضو الكوجنرس عن‬
 ‫والية "ماستشوستس" ومعه "تو النتس" املعروف باملشاركة الدائمة واملنتظمة يف أي محلة‬
 ‫ضد مصر فقد جاء الرد سريعاً ويف نفس االجتاه من أوروبا.. وبالتحديد من أما السفارة‬
 ‫املصرية يف جنيف ىتيث وقف عشرات الشواذ يتظاهرون منددين بانتهاك احلكومة املصرية‬
 ‫حلقو الشواذ وىترماهنم من ممارستهم حلريتهم!! واملفارقة أن املظاهرة جااءت ضامن‬
 ‫فعاليات املؤمتر العاملي للشواذ والسحاقيات الذي أقيم األسابوع املاضاي يف العاصامة‬
                                                                           ‫السويسرية.‬

 ‫فهؤالء قلة إذا ما قورنوا بإىتصاءات أخرى أشارت إىل عدد الذين مروا بتجارب مقيتة ىتيناً من الدهر. ولعل مان‬
 ‫احلكمة اإلعراض عن اإلىتالة على بعض منظمات الشذاذ وال رمبا اعتنت بتكثري إىتصائياهتم، وأكتفي باإلىتالاة‬
                                     ‫على موقع مركز جامعة يوتا، وقد كان رابطه ىت تاريخ كتابة هذه األسطر:‬
  ‫. ‪http://www.sa.utah.edu/lgbt‬‬
                                                     ‫وكذل راجع موقعة جامعة داينت الكاثوليكية على الرابط:‬
 ‫. ‪http://ministry.udayton.edu/diverse/bglad_group.htm‬‬
 ‫التقرير التمهيدي لربامج التجماع الاوطين ملكافحاة العناف ‪National Coalition of Anti-Violence‬‬
                                                                                         ‫‪.Programs‬‬
     ‫1 وقد نشرت قناة اجلزيرة اإلخبارية اخلرب بتاريخ 84/8/4224، حماكمة 43 بتهمة الشذوذ، وخصصت األهرا‬
                                  ‫العر "ىتياة الناس" هلذا احلدث، يف عددها 444، السبت 34/8/4224.‬


‫‪‬‬
‫89‬
     ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


 ‫ومل تسلم مجعيات ىتقو اإلنسان يف مصر من احلرب الشرساة، إذ نالات مئاات‬
 ‫اهلجمات العنيفة على مواقعها عرب اإلنترنت باإلضافة إيل هتديدها بوقف التمويال ماامل‬
             ‫تنتفض لنجدة ونصرة الشواذ يف مصر وهتيئ هلم أجواء الفجور والفسو !!"1.‬
 ‫"لقد أضاف الدستور الربيطاين مادة جديدة تتيح للمو ف املسئول، ىترية اإلعالن عن‬
 ‫ميوله اجلنسية، فكانت النتيجة أن أعلن أربعة وزراء عن ميوهلم الشاذة، وسكت آخرون،‬
 ‫فصادف أن وقف (توين بلري) -رئيس الوزراء الربيطاين- يف أىتد املؤمترات الصحفية بعد‬
 ‫إعالن أىتد الوزراء عن ميوله اجلنسية الشاذة، فلم جيد سوى أن يقاول: تلا مياول‬
                                            ‫شخصية ال تؤثر على كفاءته يف العمل كوزير!‬
 ‫وعندما ىتاولت ملكة هولندا يف السنوات األخرية االلتزا بربوتوكول القصر امللكي،‬
 ‫فحرمت ىتوايل أربعة عشر سفرياً ودبلوماسياً هولندياً شاذاً -أعلنوا عن ميوهلم يف املاأل-‬
 ‫من ىتضور ىتفالت ملكية، وجدت املتحدث الرمسي األول جمللس الدولة –الشاذ- يعرب‬
 ‫عن اعتراضه على هذا احلرمان، وامتنع عن ىتضور املؤمترات، ال تعقد يف القصر ألنه ال‬
                                                              ‫يستطيع أن يصطحب صديقه!‬
 ‫ولست أدري أين وصلت فرنسا يف قانون (باكس) للتضامن االجتماعي، وأهم البنود‬
 ‫املطروىتة يف مشروع القانون مسألة السماح ألي زجية بني الشواذ متنحهم احلقو املدنية‬
 ‫املكفولة لألزواج الطبيعيني مثل ىتقو املرياث، واالىتتفاظ باملمتلكات بعد وفااة أىتاد‬
 ‫الطرفني. وهناك مشروع مماثل جار حبثه يف بلجيكا بعد ضغوط مان بعاض املنظماات‬
                                                ‫الدولية الكربى ال ترعى هؤالء الشواذ"2.‬
 ‫وقبل أمد ليس بالبعيد وقف أما املأل نائب الرئيس األمريكي "دي تشيين" ليدافع يف‬
 ‫مقابلة تلفزيونة أجرهتا معه " إ إس إن سي" عن ىتقو ابنته الشاذة يف محاية ىتياهتاا‬




                                   ‫1 األهرا العر "ىتياة الناس"، يف عددها 444، السبت 34/8/4224.‬
 ‫2 احلوادث واألرقا السابقة مستقاة من مقال بعنوان: ثقافة الشذوذ أىتدث منتج أمريكي، ملروي مشايل، نشر يف‬
 ‫ىتياة الناس من األهرا العر يو السبت 3 مجادى اآلخرة، 4414 املوافق 34 أغسطس 4224العادد رقام‬
                                                                                               ‫444.‬


‫‪‬‬
‫99‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫اخلاصة، معرباً عن ىتبه الشديد هلا، وقد كان ناشطون شذاذ دعوا ابنته "ماري" للتندياد‬
        ‫مبقترح الرئيس جورج بوش من أجل تعديل الدستور حلظر الزواج من نفس اجلنس1!‬
  ‫ويف تقرير للسي إن إن جاء ما نصه: "...يف الدمنارك على سبيل املثال، فإن قاوانني‬
  ‫الزجيات املدنية لكال اجلنسني موجودة منذ عا 8884، فيما تبعت دول أخارى مان‬
                                          ‫الدول االسكندينافية هذه التشريعات يف التسعينات.‬
      ‫وكان اهلولنديون أول الشعوب ال ألغت احلواجز بني الزجيات ال تربط بني رجل‬
                                                      ‫وامرأة واملثليني، وتبعتها الىتقاً بلجيكا.‬
  ‫ويف أمريكا الشمالية كانت كندا سباقة يف مضمار العفن والرذيلة هذا عندما أعلنات‬
  ‫يف يونيو/ىتزيران عن خطط تتعلق بتشريع زواج املثليني، ىتيث شهدت الىتقاً مدينة أوتاوا‬
                                                 ‫قدو العديد من املثليني إليها لعقد زواجهم.‬
  ‫كذل فإن اللواط أو اشتهاء املماثل يف دول إفريقية عدة يعترب أمراً خمالفا للقاوانني،‬
  ‫فيما زواج املثليني يعترب مسألة بعيدة كل البعد عن التفكري هبا، لكن يف جناوب إفريقياا‬
                                          ‫بدأت مجاعات املثليني باملطالبة هبذه احلقو مؤخراً.‬
      ‫أما يف اليابان فإنه مل يعد ينظر إىل اللواط أو السحا كمرض نفسي، إال أن العديد‬
  ‫من املثليني ال يزالون يعيشون حتت ضغوط اجتماعية، مع أن اليابان تعترب أقل اكتراثاً خبطر‬
                                                     ‫هذه املسال من معظم الدول اآلسيوية.‬
  ‫أما الدول الكاثوليكية مثل إسبانيا وإيطاليا فإهنا ترفض االعتراف حبقاو املثلايني،‬
         ‫وذل بعد املوقف الرافض من الفاتيكان هلذا الرباط. غري أن هناك استثناءات مهمة.‬
  ‫ففي الربتغال وإقليم الباس يف إسبانيا، فإن األزواج املثليني الذين يقيمون مع بعضهما‬
  ‫البعض منذ أمد ليس بالقصري حيصلون من املعونات االجتماعية مثل ماا حيصال عليهاا‬
  ‫األزواج العاديون، ويف العاصمة األرجنتينية بوينس أيريس فإن األزواج املثلايني ميكناهم‬
                                                                   ‫التسجيل لعقد رباط مدين.‬
      ‫أما فرنسا وأملانيا فلديهما قوانني تشرع الرباط املادين، فيماا بريطانياا بادأت‬
                                                  ‫االستعدادات لتبين مثل هذه التشريعات"1.‬

                          ‫1 نقالً عن جريدة احملايد يف عددها رقم 48 بتاريخ 84/4/3414، املوافق 8/4/1224 .‬


‫‪‬‬
‫001‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


   ‫وهكذا يستشري الشذوذ يف تل اجملتمعات ال الترعى لالختالط ىترمة، ويتقاد‬
  ‫ليقتحم الكنائس والبيع، وقد أثارت الصحف األمريكية قبل ىتوايل ستة أشهر، نبأ انتخاب‬
  ‫"جني روبنسون" أول أسقف شاذ للكنيسة األسقفية الربوتستانتية، ال تضم ىتوايل 4.4‬
         ‫مليون نصراين، ينتمون إىل الكنيسة االجنليكانية، يباركهم مجيعاً هذا القس الشاذ2!‬
  ‫"ولن تعجب كثرياً إذا علمت أن اليهود كان هلم السبق يف دعم مثل هذه التوجهات‬
  ‫الشاذة يف خطوة غري مسبوقة عندما صوت احلاخامات املنتمون ألكرب جتمع يهاودي يف‬
  ‫الواليات املتحدة لصاحل االعتراف بزواج الشواذ وذل يف املؤمتر املركزي للحاخاماات‬
  ‫األمريكيني التابع حلركة اإلصالح اليهودية ىتياث صارح رئايس املاؤمتر[تشاارلز‬
  ‫كرولوف]:'إن من ىتق الشواذ االعتراف بزواجهم واىتتارامهم'،ومناذ عاا 3884،‬
                                          ‫واحلركة توافق على تعيني ىتاخامات مثليني"3.‬
  ‫وعلى صعيد آخر ضرب آخر من الشذوذ تراه يستشري يف تل اجملتمعات أال وهاو‬
  ‫اقتراف الفاىتشة مع احملار وقد قال بعض باىتثي تل األمم منذ قرابة الثالثة عقود: "إن‬
  ‫هذا األمر مل يعد نادر احلدوث، وإمنا هو لدرجة يصعب تصديقها، فهناك عائلة من كال‬
                                               ‫عشر عائالت ميارس فيها هذا الشذوذ"4.‬




                                                                                   ‫1 عن موقعها على الرابط التايل:‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/4221/entertainment/3/4/gay.unions/index.html‬‬
                                                         ‫ويف موقع "السي إن إن" عدة قصص ذات عالقة ينظر مثالً:‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/4221/entertainment/1/4/same_sex.marriage/index.html‬‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/4221/entertainment/41/4/california.marriage/index.html‬‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/2005/entertainment/2/21/ukgay.navy/index.html‬‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/2004/entertainment/2/18/marriage.san_francisco/index.html‬‬
  ‫‪http://arabic.cnn.com/2005/entertainment/5/30/gay.brazil/index.html‬‬
                                                                                          ‫ويف الكال تصرف يسري.‬
         ‫2 انظر تقريراً عن هذا احلدث يف "السي إن إن" يو األربعاء املوافق 3/أغسطس/4224، وقد كان ىت كتابة‬
                ‫هذه األسطر يف موقعها على الرابط التايل: ‪.http://www.cnn.com/2003/US/08/06/bishop‬‬
         ‫3 عن تقرير ملفكرة اإلسال بعنوان: ىترية التردي وتقنني الفاىتشة يف الواليات املتحدة األمريكية، وقد كان على‬
                 ‫الرابط التايل: 431=‪. http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news13.asp?IDnews‬‬
                                                            ‫4 ينظر إىل كل أب غيور، للشيخ عبداهلل علوان، ص84.‬


‫‪‬‬
‫101‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


   ‫"فهذه هي اجلاهلية احلديثة يف أوروبا ويف أمريكا ينتشر فيها هذا االحنراف اجلنساي‬
   ‫الشاذ انتشارًا ذريعاً. بغري ما مسوغ إال االحنراف عن االعتقاد الصحيح، وعن منهج احلياة‬
                                                                       ‫الذي يقو عليه.‬
  ‫وقد كانت هناك دعوى عريضة من األجهزة ال يوجهها اليهود يف األرض لتادمري‬
  ‫احلياة اإلنسانية لغري اليهود، بإشاعة االحنالل العقيدي واألخالقي.. كانت هناك دعاوى‬
  ‫عريضة من هذه األجهزة املوجهة بأن اىتتجاب املرأة هو الذي ينشر هذه الفاىتشة الشاذة‬
  ‫يف اجملتمعات! ولكن شهادة الواقع ختر العيون. ففي أوروبا وأمريكا مل يبق ضابط واىتد‬
  ‫لالختالط اجلنسي الكامل بني كل ذكر وكل أنثى -كما يف عامل البهائم! وهذه الفاىتشة‬
  ‫الشاذة يرتفع معدهلا بارتفاع االختالط وال ينقص! وال يقتصر على الشذوذ بني الرجال؛‬
  ‫بل يتعداه إىل الشذوذ بني النساء. . ومن ال ختر عينيه هذه الشهادة فليقرأ: (السالوك‬
  ‫اجلنسي عند الرجال) و (السلوك اجلنسي عند النساء) يف تقرير (كنازي) األمريكاي. .‬
  ‫ولكن هذه األجهزة املوجهة ما تزال تردد هذه األكذوبة، وتسندها إىل ىتجاب املارأة.‬
                      ‫لتؤدي ما تريده بروتوكوالت صهيون، ووصايا مؤمترات املبشرين!"1.‬
  ‫إن من أعظم أسباب الشذوذ اضطراب األسرة، وانشغاهلا عن رعاية بنيها، وهلذا كان‬
  ‫من البدهي استشراء الشذوذ يف الغرب الذي بات مصري األسرة فيه مهدداً باالنقراض إثر‬
  ‫االحنالل املتفشي. فعندما هتمل األسرة أبناءها، تكون النتيجة املرتقبة احنارافهم بأشاكال‬
  ‫خمتلفة، قد ميثل الشذوذ أىتدها، خاصة عندما ينشأ األوالد يف أسر استرجلت فيها النساء،‬
                                                                         ‫س‬
                                                     ‫أو يف جمتمع ُلب ذكوره الرجولة.‬
  ‫يقول صاىتب الظالل: "إىتدى وسائل اإلسال إىل إنشاء جمتمع نظيف هي احليلولاة‬
  ‫دون هذه االستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بني اجلنسني سليماً وبقوته الطبيعياة،‬
  ‫دون استثارة مصطنعة، وتصريفه يف موضعه املأمون النظيف. لقد شااع يف وقات مان‬
  ‫األوقات أن النظرة املباىتة، واحلديث الطليق، واالختالط امليسور، والدعابة املرىتة باني‬
  ‫اجلنسني، واالطالع على مواضع الفتنة املخبوءة.. شاع أن كل هذا تنفايس وتارويح،‬



                      ‫1 يف الل القرآن، تفسري سورة األعراف، الدرس الرابع اآليات 28-18 لقطات من قصة لوط .‬


‫‪‬‬
‫201‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫وإطال للرغبات احلبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وختفيف مان ىتادة‬
                                  ‫الضغط اجلنسي، وما وراءه من اندفاع غري مأمون... اخل.‬
  ‫شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات املادية القائمة على جترياد اإلنساان مان‬
  ‫خصائصه ال تفرقه من احليوان، والرجوع به إىل القاعدة احليوانية الغارقة يف الطاني! -‬
  ‫وخباصة نظرية فرويد- ولكن هذا مل يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيين يف أشد البالد‬
  ‫إباىتية وتفلتاً من مجيع القيود االجتماعية واألخالقية والدينية واإلنساانية، ماا يكاذهبا‬
                                                                   ‫وينقضها من األساس.‬
  ‫نعم.. شاهدت يف البالد ال ليس فيها قيد واىتد على الكشف اجلسدي، واالختالط‬
  ‫اجلنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله مل ينته بتهذيب الدوافع اجلنسية وترويضاها.‬
  ‫إمنا انتهى إىل سعار جمنون ال يرتوي وال يهدأ إال ريثما يعاود إىل الظماأ واالنادفاع!‬
  ‫وشاهدت األمراض النفسية والعقد ال كان مفهوما أهنا ال تنشأ إال من احلرمان، وإال من‬
  ‫التلهف على اجلنس اآلخر احملجوب، شاهدهتا بوفرة ومعها الشذوذ اجلنسي بكل أنواعه.‬
  ‫مثرة مباشرة لالختالط الكامل الذي ال يقيده قيد وال يقف عند ىتد؛ وللصاداقات باني‬
  ‫اجلنسني تل ال يباح معها كل شيء! ولألجسا العارية يف الطريق، وللحركات املاثرية‬
  ‫والنظرات اجلاهرة، واللفتات املوقظة. وليس هنا جماال التفصايل وعارض احلاوادث‬
  ‫والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر يف تل النظريات ال كذهبا الواقع‬
                                                                              ‫املشهود .‬
       ‫إن امليل الفطري بني الرجل واملرأة ميل عميق يف التكوين احليوي؛ ألن اهلل قد ناط‬
       ‫ب امتداد احلياة على هذه األرض؛ وحتقيق اخلالفة هلذا انإنسان فيها، فهو ميل دائهم‬
      ‫يسكن فترة مث يعود، وإرارت يف كل حني تزيد من عرامت ؛ وتدفع ب إىل انإفضاء املادي‬
                              ‫للحصول على الراحة، فإذا مل يتم هذا تعبت األعصاب املستثارة"1.‬
  ‫وبعد ذل كله فإننا الننكر أن يكون الشذوذ اهرة رمبا عرضت لنفار منباوذ -ال‬
                                       ‫يراعي لالختالط ىترمة- يف جمتمع عر ، ولكن‬
  ‫َّ ما نستهجنه حماوالت تسويغ الدعوة إىل‬
  ‫االختالط بدعاوى مسجة، باإلضافة إىل حتليل أسباب اهرة الشذوذ يف اجملتمعات العربية‬

                                              ‫1 السابق، سورة النور: ‪‬قل للمؤمنني يغضوا من أبصارهم ..‪ ‬اآليات.‬


‫‪‬‬
‫301‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫حتليالً سطحياً ساذجاً، يضح به على البسطاء، مث اقتراح عقار آخر يضااعف الاداء،‬
  ‫هبدمهم لتدابري اإلسال اإلجيابية كحضه على الزواج، وترخيصه يف اإلماء، وأمره بالصيا ،‬
                                                                     ‫ست‬
                  ‫وهتكهم لتدابري اإلسال الوقائية، كال ُُر احلائلة دون اختالط الرجال بالنساء.‬
  ‫وباجلملة فإن من جيادلون يف اختالط املرأة بالرجال يتمسكون بشبه ضعيفة ليسات‬
  ‫فيها ىتجة أو داللة، ولو أهنم عرضوها على أهل النصح والصالح من العلماء الراساخني‬
         ‫ه ْر ِّ َ ْ‬                   ‫َ‬
  ‫الذين استضاءوا بأنوار الشريعة، لتبدد ال تل الشبهات، (وِإذَا جَاء ُمْ َأم ٌ منَ األمنِ أَوِ‬
         ‫ب‬               ‫ه ال‬          ‫َْ ه‬                      ‫َد ه الرس َ‬                            ‫ذع‬
  ‫اْلخَوْفِ َأ َا ُواْ بِهِ وَلَوْ ر ُّو ُ إِلَى َّ ُولِ وإِلَى أوْلِي األمرِ مِنْ ُمْ َلعَلِمَ ُ َّذِينَ يَسْاتَنِطونَهُ‬
                                                ‫ته َت تم الش ِال‬                              ‫ل‬         ‫ه ْ َ‬
                ‫مِنْ ُمْ وَلَوالَ فضْل الّهِ عَلَيْكمْ وَرَىتْمَُ ُ الََّبعُْ ُ َّْيطَانَ إ َّ قَلِيالً) [النساء: 48].‬




‫‪‬‬
‫401‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                                 ‫من مفاسد االختالط:‬
     ‫مفاسد االختالط كثرية وإذا تقرر كون االختالط ذريعة حمرمة للزناا فحساب‬
                       ‫مبفاسد هذه الفاىتشة املمقوتة، يقول بعض الغربيني ألىتد الدكاترة:‬
     ‫"إن زمياليت يسألنين كيف ترددت على بيت صاىتب مخس مرات ومل يقد إليا‬
                                                                    ‫زوجته لتتعرف عليها.‬
  ‫وكان سؤاله نقطة بداية يف احلديث عن أمور أخرى غري الدراسة وكنت أنتظر مثال‬
  ‫هذه الفرصة ألنين أعرف بأن اإلجنليز ال حيبون أن تبادرهم باحلديث عن أمور مل يساألوا‬
                        ‫عنها وعلي أن تنتهز الفرصة فتجيبهم على تساؤالهتم إذا سألوا .‬
  ‫قلت له ما موجزه : إن ديننا يأمرنا حبفظ املرأة وسترها ، وال جيوز أن ختالط أو جتالس‬
  ‫غري حمارمها ... مث سألته عن االختالط واخللوة ولو كانت بني رجال ونساء متزوجني أال‬
                                      ‫يكون هناك جمال للخيانة الزوجية ولو بنسبة 3%؟!‬
  ‫فأجاب: نعم بل وأكثر من هذه النسبة فسألته مرة أخرى: أليست هذه العالقات غري‬
                                        ‫املشروعة من أهم أسباب الفساد وتفك اجملتمع؟!‬
                                                                          ‫قال : بلى .‬
  ‫قلت ما خالصته : هذه ىتكمة واىتدة من أىتكاا دينناا الاذي يأمرناا حبرماة‬
                                                                             ‫االختالط"1.‬
                              ‫فتفك اجملتمع مشكلة ىتقيقية قد يقود إليها االختالط.‬
  ‫ومن مفاسده ما تراه يف قصة امرأة العزيز مع نيب اهلل يوسف، فالفاحشة مل تقع لكن‬
  ‫انظر إىل املفاسد اليت ترتبت على االختالط، "إن رؤية الرجل احلسن مؤثر عظيم القاوة‬
  ‫عطل لدى املرأة اإلىتساس بالطهر والعفاف وكل معايري إكرا املثوى وىتسان الضايافة‬
  ‫وىتفظ الزوج وىتقوقه. هل يبقى ش بعد هذه اآليات خبطورة االختالط وعد غاض‬
           ‫ل ْ‬
  ‫البصر؟ هل يبقى بعد هذا تساؤل عن املقصود من قوله -تعااىل- : (وقال ِّلْمُؤمِنااتِ‬
        ‫ِ‬                 ‫ُض‬            ‫ل ْ‬                                 ‫ِ ِن‬           ‫ُْ ْ ِ‬
   ‫َيغضضنَ منْ أَْبصَاره َّ)[ النور : 44]، أو قوله: (قل ِّلْمُؤمِِننيَ َيغ ُّوا مِانْ أَْبصَاارهِمْ)‬



                  ‫1 جملة البيان، العدد 4/48 صفر 7214 مشاهدايت يف بريطانيا – دكتور عبداهلل مبارك اخلاطر.‬


‫‪‬‬
‫501‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                   ‫َي النِي‬
  ‫[النور:24] ، أو قوله - عز من قائل عليم - : (يَا أُّهَا َّب ُّ قل ألَزْوَاجِا َ وبَنَاتِا َ‬
                          ‫ْ‬          ‫ْ َْ‬                     ‫ِن‬             ‫ِن م‬                ‫ْ ي‬
                ‫ونِسَاءِ املؤمِِننيَ ُدِْننيَ عَلَيْه َّ ِن جَالبِيبِه َّ ذَلِ َ َأدْنَى أَن ُيعرفنَ فَال يُؤذَْينَ)"1.‬
                                                  ‫ومن آرار االختالط ختنث الرجال واسترجال النساء :‬
  ‫"عندما خيتلط الذكور واإلناث يف املدارس واجلامعات يأخذ كل جانس مان صافات‬
  ‫وأخال اآلخر، فيتخنث الرجال ويسترجل النساء، وهذا ما الىتظاه املساؤولون عان‬
  ‫التعليم: فقد أعلن وزير التعليم الفلبيين [ريكارد جلوديا] أنه يرغب يف تعيني عدد أكرب من‬
  ‫املدرسني الذكور لتدريس التالميذ الذكور! ىت يتحلوا بصفات الرجولاة بادالً مان‬
                                          ‫الصفات األنثوية ال يكتسبوهنا من مدرساهتم2.‬
  ‫كما أن اختالط الطالب بالطالبات يف املدارس يؤدي إىل استرجال النساء ففي الدراساة‬
  ‫ال أعدهتا النقابة القومية للمدرسني الربيطانيني اتضح أن السلوك العدواين يازداد لادى‬
  ‫الفتيات الالئي يدرسن يف مدارس خمتلطة3، وختنث الرجال يقضي على الرجولة لاديهم،‬
  ‫فيصاب بعضهم برقة وميوعة قد تتجاوز ذل إىل التشبه بالنساء، كما أن استرجال املرأة‬
  ‫جيعلها تفقد ىتياءها الذي هو مبثابة السياج املنيع لصيانتها وىتفظها، مث تتدرج إىل حماكاة‬
  ‫الرجال يف تصرفاهتم وأفعاهلم ونتيجة ذل النهائية الشذوذ يف كال اجلنسية واكتفاء الرجال‬
  ‫بالرجال والنساء بالنساء، كما هو الواقع يف كثري من البالد، ال كثر فيهاا االخاتالط‬
  ‫واملسترجالت من النساء املتشبهات بالرجال، واملخنثون من الرجال املتشبهون بالنسااء‬
   ‫ملعونون على لسان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ففي احلديث أنه عليه الصالة والسال‬
  ‫قال: (لعن املتشبهات من النساء بالرجال، واملتشبهني من الرجال بالنساء). ويف ىتاديث‬
            ‫آخر: (لعن صلى اهلل عليه وسلم املخنثني من الرجال، واملترجالت من النساء)"4.‬
                                                       ‫ومن آراره ظهور عادات وأخالقيات دخيلة:‬
  ‫"لقد كان من أفحش النتائج املدمرة، بسبب هذا االختالط، هور عادات وأخالقيات‬
  ‫جديدة يف اجملتمع، حتاد الدين، وتضاده، أو تتنافر مع ذوقه وآدابه يف أقل األىتوال! وكان‬

                                                                  ‫1 انظر جملة البيان صفر 4414 العدد 41 ص84.‬
                                                                                               ‫2 عن جملة املعرفة.‬
                                                                        ‫3 الغرب يتراجع عن التعليم املختلط ص8.‬
                                                                    ‫4 عن مقال لفهد الشويرخ نشر يف موقع املسلم.‬


‫‪‬‬
‫601‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫ما أصاب املرأة املسلمة من ذل بالذات هو املقتل الذي أسرع باجملتمع حنو هاوية سحيقة‬
                                                                 ‫ما هلا من قرار"1.‬
                                                                                                ‫ومن آراره:‬
  ‫ما ترتب عليه من "هت األعراض، ومرض القلوب، وخطارات النفاوس، وخنوثاة‬
       ‫الرجال، واسترجال النساء، وزوال احلياء، وتقلص العفة واحلشمة، وانعدا الغرية"2.‬
                                                                                                  ‫وباجلملة:‬
  ‫َّ بالرجال: أصال‬                             ‫ن‬
                    ‫قال ابن القيم –رمحه اهلل- : "وال ريب أ ّ متكني النساء من اختالطهن‬
                        ‫أن‬       ‫العام‬
  ‫كل بلَّةٍ ٍّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات َّة، كما َّه من أسباب فسااد‬‫ي وشر‬
  ‫أمورِ العامة واخلاصة، واختالط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواىتش والزنا، وهو مان‬
  ‫أسباب املوت العا ، والطواعني املتصلة. وملا اختلط البغايا بعسكر موسى، وفشت فايهم‬
                                                                          ‫َ‬
  ‫الفاىتشة: أرْسلَ اهلل إليهم الطاعون، فمات يف يو واىتدٍ سبعون ألفاً، والقصة مشهورة يف‬
  ‫كتب التفاسري. فمن أعظم أسباب املوت العا : كثرة الزنا، بسبب متكني النسااء مان‬
                                                   ‫مترب‬
     ‫اختالطهن بالرجال، واملشي بينهم ِّجاتٍ متجمالت، ولو علم أولياء األمر ما يف ذل‬
                        ‫من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعاً لذل "3.‬


                                                                                      ‫نظرة يف الواقع الغربي:‬
  ‫كنت قد عقدت العز على عقد فصل جيمع ذكر شيء من مضار االختالط وآثااره‬
            ‫السلبية يف نواىتي ش كالعمل والتعليم واألسرة وما جنم عنه وما سوف ينجم.‬
  ‫بيد أين وجدت هذا الفصل يطول، وىتري ببعض مباىتثه أن تفرد يف كتب مستقلة، بل‬
  ‫أفردت مقالة عن االختالط يف التعليم، وآثاره السالبة على العملية التعليماة، يف كتااب‬
                                                    ‫خرج يف حنو مائة ومثانني صحيفة4.‬


                                       ‫1 عبد الستار فتح اهلل سعيد: الغزو الفكري والتيارات املعادية لإلسال ، ص814.‬
                                                     ‫2 الشيخ بكر بن عبد اهلل أبو زيد ىتراسة الفضيلة، ص78-88.‬
                                                         ‫3 ابن القيم الطر احلكمية، ص844، ط مكتبة دار البيان.‬
                               ‫4 عنونته با"اإلختالط يف التعليم النشأة واآلثار"، أخرجه مركز باىتثات لدراسات املرأة.‬


‫‪‬‬
‫701‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


   ‫فآثرت هنا أن أقتصر على بيان شيء من املفاسد األخالقية، واجلرائم املشينة املزرياة،‬
   ‫ال استشرت يف بيئات كافرة، مل تراع لالختالط أدىن ىترمة، بل أطلقت قيود الشهوات‬
        ‫بدعوى صيانة احلريات، فتبدل اإلنسان غري اإلنسان! مسخاً أشبه بااحليوان، (أولئا‬
  ‫كاألنعا بل هم أضل أولئ هم الغافلون) [األعراف: 874]، طواغيتهم سباع ضارية،‬
                                             ‫ومجهورهم هبائم سائمة، بالغت يف السرف فدنست الشرف.‬
  ‫وقبل سرد األرقا وذكر الدراسات واالعترافات الغربية أذكر القاارئ الكارمي باأن‬
  ‫اإلسال دين عملي واقعي، أنزله اهلل الذي خلق اخلالئق وهو أعلم مبا يصلحهم، (أال لاه‬
                                        ‫اخللق واألمر)، (أال يعلم من خلق وهو اللطيف اخلبري)، اللهم بلى.‬
      ‫ْ‬          ‫ْ ُر‬               ‫ِن ل‬
  ‫وقد أرسل اهلل الرسل وأنزل معهم الكتب لصالح أمر العباد، (إ َّ الّاهَ يَاأم ُ بِاْلعَادلِ‬
           ‫َل ذ َّر‬                   ‫ع‬             ‫وم َ‬               ‫َ َ‬                            ‫َ‬             ‫و‬
   ‫َاإلِىتْسَانِ وإِيتَاء ذِي الْقرْبَى وَيَنْهَى عنِ اْلفحْشَاء َالْ ُنكرِ وَالَْبغْيِ َي ِظكمْ َلعَّكمْ تَ َك ُونَ)‬
  ‫[النحل: 28]، (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب وامليزان ليقاو النااس‬
  ‫بالقسط)، وما كان نبينا حممد صلى اهلل عليه وسلم بدعاً من الرسل بل جاء بالقسط رمحة‬   ‫ٌ‬
                                                                   ‫ال‬
  ‫للعاملني، كما قال اهلل تعاىل: (وما أرسلناك إ ّ رمحة للعاملني)، وكذل كتابه القرآن ليس‬
               ‫ِ‬                         ‫ط م‬
  ‫بدعاً من الكتب السماوية، غري أنه كتاب عزيز، (لَا يَأْتِيهِ الْبَا ِل ِن بَْينِ يَدَيْهِ وَلَا منْ خَ ْلفِهِ‬
  ‫تَن ِي ٌ منْ ىتَكِيمٍ ىتَمِيدٍ) [فصلت: 41]، (يهدي لل هي أقو ويبشر املاؤمنني الاذين‬                        ‫ز ل ِّ‬
                                                                          ‫يعملون الصاحلات أن هلم أجراً كبرياً).‬
  ‫وإذا تبني هذا فإن ما ثبت أنه دين حمكم البد أن يهدي لل هي أقو ، فالشريعة إمنا جاءت‬
                                            ‫ال‬
  ‫بتتميم املصاحل وتكميلها، ودرء املفاسد وتقليلها، فال تأمر إ ّ مبا مصالحته خالصاة أو‬
                                                                                             ‫ال‬
                                               ‫راجحة، وال تنهى إ ّ عما كانت مفسدته خالصة أو غالبة.‬
  ‫وملا كان األمر كذل ، أقر كثري من منصفي الغربيني وغريهم ممن هلم ىتظ من النظار‬
  ‫وبقية من سالمة الفطر، بكثري من حماسن التشريع اإلسالمي، ومن أنكر منهم وكابر ألقمته‬
                                                                                         ‫شهادات الواقع أىتجاراً.‬
  ‫ومن مجلة التشريع اإلسالمي تشريع الفصل –على ما قرر- بني املرأة والرجل األجنيب،‬
                                                                        ‫صيانة ملكار األخال ، وحماسن املروءات.‬




‫‪‬‬
‫801‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


              ‫ال‬
  ‫وملا كانت املصلحة يف ذل بادية جلية حبيث التستقيم ىتياة العفاف إ ّ به، مل يكان‬
  ‫اإلسال يف تشريعه أصل الفصل بني اجلنسني ببدع من األديان السماوية، وقد تقارر أن‬
  ‫مكار األخال ، ال يدخلها النسخ بني الشرائع، فالكذب –على سبيل املثال- حمار يف‬
  ‫مجيعها، والصد حممود يف األمم كلها، وهكذا الفاىتشة ممقوتة حمرمة يف مجيع الكتاب،‬
                               ‫وسائر أسباهبا، ومنها االختالط بالنساء والتعرض لفتنتهن.‬
                                                           ‫شيء مما جاء يف عهديهم القديم واجلديد:‬
  ‫وقد آثرت ذكر مجلة آثار من كتب أهل الكتاب تبني ذل ، عساه ينفاع نفاراً مان‬
  ‫املسلمني استزهلم الشيطان مبا كسبوا، فتراهم مطرقني مستحيني من اجلهر بأىتكا الدين،‬
  ‫فال يبدون جتاه املناكر نبساً، واليرفعون هبدى اهلل رأساً، بل حياولون التنصل من الشاريعة‬
  ‫قدر الطاقة إلثبات مدنيتهم، فينكرون بذل متيزهم، خشية أن يهزأ هبم مان انتكسات‬
  ‫فطرته وخالف ملته بل ملل العقالء قاطبة. ولعل هذه اآلثار تثبت هلم أن النشاز من أنكر‬
  ‫أمرهم، وأن البخس والوكس الىتق كل كافر خالفهم، مبقتضى دينهم، ومنطو كتباهم‬
                                                            ‫ال يقدسون، وهبا يقولون.‬
  ‫أذكرها لريفع رأسه ذل الضعيف املهزول فكم خنس عند الغر ساتراً دينه، متحرجاً‬
  ‫من إ هار بعض أىتكامه، ورمبا تنصل منها، وما درى أن كتب القو ال ينتسبون إليها،‬
  ‫ويدينون هبا، أو يعظمون املتدينني هبا، جاءت بنحو ما استحى منه وستره، ماع آصاار‬
                        ‫وأغالل رفعتها شريعة اإلسال السمحة، أو هذبتها تعاليمه القيمة.‬
  ‫أذكرها لريى الشانئ هلذا الدين هل القول مبنع االختالط من بدع بين اإلسال ، أو من‬
       ‫تزمت أهله! أ هو قول مقرر يف الشرائع أنفاً التز هبا من التز وحتلل عنها من حتلل.‬
  ‫أذكر هذه النقول مع إميان املسلمني بأن التوارة واإلجنيل قد خرمتهما يد التحرياف،‬
  ‫ومن ذل إنكار الرجم، والقول بالتحميم، وتغري كثري من الفضائل لتنساجم ماع ماا‬
  ‫أىتدثوه، بيد أنه تبقى فيهما بقية مقرة بشرعنا إمجاالً، ورمبا سلمت كثري من تعاليمهما من‬
                       ‫َو‬
  ‫التحريف، وأياً ما كان فقد أذن لنا يف التحديث عن القو ، واملع َّل عليه عرض أخبارهم‬
                                                              ‫ال‬
                                           ‫على شريعتنا فما وافقها فذاك، وإ ّ فهو منسوخ أو حمرف.‬




‫‪‬‬
‫901‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


     ‫وملا كانت الدعوة إىل االختالط وأسبابه وما يقود إليه سبيالً هلت مكار األخال ال‬
  ‫نادت هبا الرسل مجيعاً، واتفقت عليه الشرائع السماوية قاطبة، لت بعض األخبار واآلثار‬
  ‫يف العهدين اجلديد والقدمي تشري إىل ماقررته رسلهم من منع االختالط، وأذكر يف هاذه‬
  ‫املقا بعض النقول من أصول كتبهم املقدسة، سواء تل ال أنكروها لقرهبا من احلق، أو‬
  ‫األخرى املطبوعة املنشورة ىتديثاً1وال يضرنا أن حنكي منها طرفاً مستشهدين بوجه مناه‬
                                           ‫على املراد وليس من الز ذل إقرارنا به كله.‬
  ‫فمن ذل ما جاء يف إجنيل برنابا، وهو أىتد كتب العهد اجلديد، ال التعتارف هباا‬
  ‫الكنيسة، وإمنا ذكرته ألن طوائف من أهل الكتاب قالت به قدمياً فإن كان ماا يقارره‬
  ‫املسلمون يستوجب قدىتاً فليقدىتوا أوالً يف أسالفهم، الذين قالوا بتل الكتب ودانوا هبا‬
  ‫زماناً 2، مث إن ما فيه سوف يعزز مبا يف كتبهم ال هبا يقرون. وإذا تأملت إجنيل برنابا من‬
  ‫فصله اخلامس عشر بعد املائة، وىت الفصل التاسع عشر بعد املائة، وجدته منصباً علاى‬
                                                   ‫التحذير من فتنة النساء، ومما جاء فيه:‬
  ‫- يف الفصل اخلامس عشر عن املسيح عليه السال : وجياب أن خيشاى كاثرياً [أي‬
  ‫اإلنسان]3 من الشهوة املمقوتة ال تصري اإلنسان شبيها باحليوانات غري الناطقة. [مث ذكر‬
                                                   ‫أن أكثر الذين هلكوا بسبب الشهوة].‬



  ‫1 هذا استقراء ناقص ، ولو تتبع بعض املختصني كتبهم لوجد فيها احلجج البالغة عليهم –على تناقض فيها- وليس‬
    ‫ذل يف فتنة النساء خاصة، بل يف كل شبهة يثريوهنا على أهل اإلسال يف قضية املرأة وغري املرأة؛ كتل الشبه ال‬
              ‫يلقوهنا ىتول النيب الكرمي صلى اهلل عليه وسلم، وكذل الشبه ال يدندنون هبا ىتول بعض التشريعات.‬
  ‫2ومنها إجنيل برنابا وهو من أقل أناجيلهم حتريفاً وأكثرها موافقة ملا جاء يف شريعة حممد صلى اهلل عليه وسلم، وقد‬
  ‫كثرت الكتب ال مسيت أناجيل مما اضطر الكنيسة املسيطرة آنذاك، وهي الكنيسة الرومانية، جلمعها وعقد جماامع‬
  ‫الختيار ما زعمت أنه صاحلا واألمر بإىترا الباقي، فأ هر الكنيسيون األناجيل ال ارتضوها وأخفوا إجنيل برناباا‬
  ‫الذي كان أقرهبا للصواب، وكان ىتينها خمطوطا. مث عاد ذكره إىل الوجود يف عا 8274 بعد أن زال التعصاب‬
  ‫الديين يف أوروبا، وفقدت الكنيسة السيطرة املطلقة ال كانت قد استحوذت عليها يف القرون الوسطى، وتناقلات‬
  ‫األيدي هذه املخطوطاة إىل أن قا نائب املطران ( لو نسدال راغ ) بترمجته إىل اللغة اإلجنليزية يف عاا 7284،‬
                       ‫ومن هذه الترمجة قا املؤرخ "خليل سعادة" بترمجته إىل العربية وقا بنشره حممد رشيد رضا.‬
                                                                      ‫3 ما بني القوسني املربعني أقحمته للتوضيح.‬


‫‪‬‬
‫011‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫- وفيه قال املسيح: فليقنع الرجل إذاً باملرأة ال أعطاها إياه خالقه ولينس كل امارأة‬
  ‫أخرى. أجاب أندراوس: كيف ينسى اإلنسان النساء إذا عاش يف املدينة، ىتيث توجاد‬
  ‫كثريات منهن فيها؟ أجاب يسوع: يا أندراوس ىتقاً إن السكىن يف املدينة تضر ألن املدينة‬
                                                                ‫كاإلسفنجة متتص كل إمث.‬
  ‫- مث قال يف الفصل السادس عشر بعد املائة: جيب على اإلنسان أن يعيش يف املديناة‬
  ‫كما يعيش اجلندي إذا كان ىتوله أعداء حييطون باحلصن، دافعاً عن نفسه كل هجاو ،‬
  ‫خائفاً على الدوا خيانة األهلني، أقول هكذا جيب عليه أن يدفع كل إغراء خارجي مان‬
  ‫اخلطيئة، وأن خيشى احلس، ألن له شغفاً مفرطاً باألشياء الدنسة، ولكن كيف يدافع عان‬
                            ‫نفسه إذا مل يكبح مجاح العني ال هي أصل كل خطيئة جسدية.‬
  ‫- ويف السابع عشر بعد املائة قال إليا النيب ملن ذهب بصره: إن مان سابط الوي،‬
  ‫وألن نظرت وأنت داخل هيكل هلل إىل امرأة بشهوة على مقربة من املقدس أزال إهلناا‬
                                                                                 ‫بصرك.‬
  ‫- ويف الثامن عشر بعد املائة قال املسيح: فإذا مل حتفظ العني يا أندراوس فاإين أقاول‬
  ‫ل : إن عد االنغماس يف الشهوة ىتينئذ من احملال، لذل قال أرميا النيب باكيا بشادة:‬
                                                                 ‫"عيين لص يسر نفسي".‬
  ‫- ويف التاسع عشر بعد املائة: فمن ينظر إذاً إىل النساء، وينسى اهلل الذي خلق املارأة‬
  ‫ألجل خري اإلنسان، يكون قد أىتبها واشتهاها، وتبلغ منه شهوته هذه مبلغاً حيب معه كل‬
  ‫شيء شبيه بالشيء احملبوب، فتنشأ عن ذل اخلطيئة ال خيجل من ذكرها، فاإذا وضاع‬
  ‫اإلنسان جلاماً لعينيه، يصري سيد احلس الذي ال يشتهي ما ال يقد له، وهكاذا يكاون‬
  ‫اجلسد حتت ىتكم الروح، فكما أن السفينة ال تتحرك بدون ريح ال يقدر اجلسد أن خيطئ‬
                                                                           ‫بدون احلس.‬
                                          ‫وهذا املذكور ورد حنوه يف أناجيلهم اليت يثبتوهنا اليوم.‬
  ‫- بل عدوا فيها حمادثة النساء، والوقوفَ معهن من قبل الرجل وإن كان صاحلاً نبياً أمراً‬
  ‫يثري الدهشة، وجيلب التسؤالت، ومن ذل ما جاء يف إجنيل يوىتنا –وهو من أناجيلاهم‬




‫‪‬‬
‫111‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                ‫مل‬
  ‫املعتمدة اليو - الفصل الرابع: (74) وعند ذل وصل التالميذ، ودهشوا ّاا رأوه [أي‬
      ‫املسيح] حيادث امرأة. ومع ذل مل يقل أىتد منهم: "ماذا تريد منها" أو "ملاذا حتادث ".‬
  ‫- ويف إجنيل م وهو من أناجيلهم املعتمدة يف يومنا هذا، جاء يف الفصال اخلاامس‬
  ‫الفقرة السابعة والعشرين ومابعدها: (74) ومسعتم أنه قيل التزن! (84) أما أنا فاأقول‬
  ‫لكم كل من ينظر إىل امرأة بقصد أن يشتهيها، فقد زىن هبا يف قلبه! (84) فإن كانات‬
                                                ‫عين اليمىن فخاً ل ، فاقلعها وارمها عن ..‬
  ‫ولعل أيها القارئ الكرمي تعجب إن علمت بأن حنو هذا كان معموالً به عندهم وفقاً‬
  ‫ملا ُيروى من أخبارهم، فقد روي عن كعب األىتبار –وغريه- أنه قال: "قَحَطَات بناو‬
  ‫إسرائيل على عهد موسى، فسألوه أن يستسقي هلم فقال اخرجاوا معاي إىل اجلبال،‬
  ‫فخرجوا، فلما صعد اجلبل قال موسى: ال يتبعين رجل أصاب ذنباً، قال: فانصرف أكثار‬
          ‫ال ل‬
  ‫من نصف القو ، مث قال الثانية: ال يتبعين من أصاب ذنباً، فانصرفوا مجيعاً إ ّ رج ٌ أعور،‬
                                      ‫يقال له يرخ العابد، فقال له موسى: أمل تسمع ما قلت.‬
                                                                               ‫قال: بلى.‬
                                                                     ‫قال: فلم تصب ذنباً!‬
                                     ‫قال: ما أعلمه إال شيئاً أذكره، فإن كان ذنباً رجعت.‬
                                                                             ‫قال: ما هو؟‬
  ‫قال: مررت يف طريق فرأيت باب ىتجرة مفتوىتاً، فلمحت بعيين هذه الذاهبة شخصاً‬
  ‫ال أعلم ما هو، فقلت لعيين أنت من بني يدي سارعت إىل اخلطيئة ال تصحبيين بعادها،‬
                                     ‫ت‬
                                    ‫فأدخلت إصبعي فيها فقلعتها، فإن كان هذا ذنباً رجع ُ.‬
                                                  ‫فقال موسى عليه السال : ليس هذا ذنباً.‬
                                                                  ‫مث قال: استسق يا يرخ.‬
  ‫قال: قدوس قدوس، ما عندك ال ينفد وخزائن ال تفىن، وأنت بالبخل ال ترضى، فما‬
        ‫هذا الذي ال تعرف به، اسقنا الغيث الساعة الساعة. قال: فانصرفا خيوضان الوىتل"1.‬


          ‫1 ذكره ابن اجلوزي يف املنتظم 4/44، وأشار إىل ورودها عن نيب اهلل عيسى ولعله األشهر، ينظر تاريخ دمشق‬
                                                         ‫71/721-441، وقد ساقها من طر بسياقات مقاربة.‬


‫‪‬‬
‫211‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫- ومما جاء يف العهد القدمي1، ما جاء يف كتاب املزامري، املزمور الساابع والساتون،‬
  ‫ويزعمون أنه لداود عليه السال ، وفيه وصف للنساء بالقرار يف البيوت، قال: أما النسااء‬
                                                        ‫املالزمات للبيوت فيقتسمن الغنائم.‬
  ‫- ويف العهد القدمي أيضاً، يف كتاب األمثال2 التحذير من قرب طريق امارأة الساوء‬
                                ‫وبيتها: 3/(8) أبعد طريق عنها، والتقترب من باب بيتها.‬
  ‫- ويف الفصل الثالثون منه: (84) ثالثة أشياء أعجب من أن أساتوعبها، وأربعاة ال‬
  ‫أعرفها، (84) سبيل النسر يف السماء، ودرب احلية على الصخر، وطريق السفينة يف غمار‬
  ‫البحر، وطريق رجل مع عذراء، (24) هذا هو أسلوب املرأة العاهرة: إهنا تأمث وتستخف‬
                                                                    ‫اً‬
                                                                   ‫وتقول: مل أرتكب شرِّ.‬
  ‫ومن هذه النقول يرى القارئ ىتض الكتب املقدسة عند النصارى واليهود على احلد مما‬
  ‫يثري الشهوة، ومن ذل النظر إىل األجنبيات، وسبيل ذل التحرز عند العيش يف املديناة‬
  ‫ال يكثر هبا النساء، والتيقظ يف مراقبة األهل، والبعد عن طريق املومساات ودورهان،‬
  ‫وعد النظر إىل األجنبية بشهوة وأن خلع العني خري من ذل ، مع اندهاش صااحليهم إذا‬
       ‫رأوا صاحلاً يقف إىل امرأة أو يتحدث إليها، وعد السري مع العذراء عهراً، إىل غري ذل .‬
  ‫ومع ذل فإن معول التحريف أعمل يف املعاين كما أعمل من قبل يف الكلم، على تباين‬
  ‫بني طوائف اليهود والنصارى، فلئن أوغل الربوتستانت ومن تفرع عنهم من إجنلوكاانيني‬
  ‫يف االنفالت من هذه القيم، فإن الكاثولي واألرثوذكس التزال يف نفر منهم بقايا مان‬
  ‫بعض معانيها، وأما الفضائح ال تظهر بني الفينة واألخرى فال تتبناها الكنيساة مناهجاً‬
  ‫واليسوغها مجهور أىتبار الكاثولي ورهباهنم، بل يروهنا التعدو أن تكون ىتوادث فردية،‬
   ‫وقضايا شخصية، خبالف الربوتستانت الذين مل يبالوا بانتخاب قس شاذ، وهؤالء إمجااالً‬


  ‫1 العهد القدمي : تسمية يطلقها النصارى على الكتب ال كانت قبل املسيح عليه السال ، أوهلا األسفار اخلمساة‬
  ‫ال يدعي اليهود والنصارى أهنا توراة موسى باإلضافة إىل أربعة وثالثني سفراً أخرى، ويضيف طائفة منهم سابعة‬
  ‫أسفار أخرى ليكون اجملموع عندهم ستة وأربعني سفراً، يشكل جمموعها ما يسمى با "العهد القدمي" ، أما اليهود‬
  ‫فيقولون "الكتب املقدسة" أو "توراة" وحنوها . انظر: موسوعة اليهود واليهودية 3/18 . واليهاود والنصاارى‬
                                      ‫مجيعهم يؤمنون بالعهد القدمي على اختالفات بينهم يف تفسريه ويف من كتبه.‬
                                                              ‫2 يزعمون أن اهلل أوىتى هبا لسليمان عليه السال .‬


‫‪‬‬
‫311‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫أقرب لليهود، يذهبون معهم ىتيث يشطون، مع أن دينهم حير ما ذكرنا بال ال يازال‬
  ‫اليهود جيدون يف تلمودهم أشياء إن فعلتها املرأة كانت متعدية لتعاليم اليهودية وعدوا منها‬
                     ‫أن: "خترج ىتاسرة الرأس، تغزل يف السو ، تتحدث مع اجلميع، .."1.‬
  ‫ولعل القارئ الكرمي يعجب إذا علم أن بقايا آثار تل النصوص واألخباار التوراتياة‬
  ‫واإلجنيلية كانت موجودة يف اليهود والنصارى إىل مطلع القرن العشرين، فإذا نظارت يف‬
  ‫الصور الشمسية القدمية جتد شيئاً من بقايا احلجاب وتلحظ ندرة املبتذالت املختلطاات‬
  ‫بالرجال، وإذا تأملت تارخيهم القريب وجدت تل البقايا جلية الظهور، فاختالط التعليم‬
  ‫مثالً مسألة دار فيها الصراع بني الكنيسة وبني العلمانيني زمناً طويالً، مل متض دعوهتا بيسر‬
  ‫يف أرجاء أوروبا الكاثوليكية، بل وقع نزاع شرس يف مسألة االخاتالط باني الكنيساة‬
  ‫الكاثوليكية املتعنتة من طرف، وعلى وجه التحديد كان محلة لاواء املعركاة طائفاة‬
  ‫"الترايدننت"، (‪ )Tridentine‬التابعة جمللس الكنائس الروماين الكاثوليكي، الذي عقد باا‬
  ‫"ترند" يف إيطاليا ما بني (3134 – 4334 ) كنتيجة للدعوة ال يسموهنا تصحيحية‬
  ‫وانتشار الربوتستانتية، وبني العلمانيني الذين كانوا حيملون شعار املساواة والتكامل باني‬
  ‫اجلنسني، وهلذا ل نظا التعليم الفرنسي ملزماً بالفصل بني اجلنسني وباألخص يف املدارس‬
  ‫الثانوية ىت بداية الستينيات من القرن العشرين، بل مل يبدأ االختالط واقعاً مفروضااً يف‬
                                                                                 ‫ال‬
                                                        ‫فرنسا إ ّ يف أواخر القرن العشرين.‬
  ‫ومعركة االختالط يف التعليم دارت رىتاها داخل أروقة الدول الغربية بني العلماانيني‬
  ‫والكاثولي قرابة مايزيد على القرن، بدأت مبناوشات خفيفة ودعوات وتنباؤات إباان‬
  ‫الثورة الفرنسية، مث أخذ الصراع يف االزدياد ابتداء من عا (8384 )، ىت جاء تقانني‬
  ‫االختالط بعد قرابة مائة عا ، مث بدأت اهرة التعليم املختلط تشيع يف ذل اجملتمع الذي‬
                                     ‫كان يندد هبا ويستهجنها. بل مل يكن قاموسه يعرفها2!‬



                 ‫1 عن أىتكا النساء يف التلمود ص78، ترمجة د.ليلى أبو اجملد، دار الثقافة الطبعة األوىل 3414.‬
                              ‫ال‬
  ‫2 وتل ىتقيقة فما وضع اصطالح التعليم املختلط عندهم يف أشهر قواميسهم إ ّ بعد تل احلقباة، ولالساتزادة‬
  ‫ىتول هذا املوضوع ولتوثيق ما ذكر هنا راجع كتا املوسو باالختالط يف التعليم وأثره على التحصايل ص34-‬
                                                                                                      ‫34.‬


‫‪‬‬
‫411‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                                         ‫إشارات مصدقة يف شرعنا:‬
       ‫وقد جاء يف القرآن الكرمي ما يشري إىل وجود تل املعاين يف أمم أهل الكتاب، وكذل‬
                                                                                                      ‫يف صحيح السنة.‬
  ‫فمما جاء يف كتاب اهلل تعاىل، قول اهلل عز وجل يف سورة القصص يف شأن موساى:‬
                        ‫م د ُ ْ‬                                      ‫م ِّ ن‬                                      ‫َم َ‬
  ‫(وَل َّا وَردَ مَاء مَدَْينَ وَجَدَ عَلَيْهِ أ َّةً منَ الَّاسِ يَسْقونَ وَوَجَدَ ِن ُونِهِم امرَأتَْينِ تَاذودَانِ‬
       ‫خ ري َ ه م َل‬                                  ‫ِّ َ ب‬                    ‫ْ َت‬                          ‫َ ب‬
    ‫َالَ مَا خطُْكمَا قَالَتَا لَا نَسقِي ىتَّى ُيصْدِرَ الرعَاء وأَُونَا شَيْ ٌ كَِب ٌ * فَسقَى لَ ُمَا ث َّ تَوَّى‬       ‫ق‬
                              ‫َ ِري َ ه د ه‬                           ‫َي ِ‬                        ‫ِّل َق َب ِن‬
    ‫إِلَى الظ ِّ ف َالَ ر ِّ إِّي لِمَا أَنزَْلتَ إِل َّ منْ خَْيرٍ فق ٌ * فجَاءتْ ُ إِىتْ َا ُمَا تَمْشِاي عَلَاى‬
         ‫ََ‬             ‫َم ه ََص‬                           ‫َ‬        ‫ْ‬         ‫ْ‬           ‫ْع‬          ‫ِن‬
    ‫اسِْتحْيَاء قَاَلتْ إ َّ أَبِي يَد ُوكَ لَِيجزِيَ َ أَجرَ مَا سقَْيتَ لَنَا فَل َّا جَاء ُ وق َّ عَلَيْهِ اْلقصصَ‬
                   ‫ِ ه ِن‬                         ‫ده‬                      ‫ْ ظ ِ‬                 ‫ِ‬
     ‫َالَ لَا َتخَفْ َنجَوْتَ منَ اْلقَو ِ ال َّالِمنيَ * قَاَلتْ إِىتْ َا ُمَا يَا أََبتِ اسْتَأْجرْ ُ إ َّ خَيْرَ مَانِ‬  ‫ق‬
                                                                                               ‫ِي َ ِني‬             ‫َ‬
                                                                                            ‫اسْتَأْجرْتَ اْلقَو ُّ الْأم ُ).‬
  ‫فبني أن الذين كانوا خيرجون للكسب والعمل هم الرجال وهلذا وجاد أماة مناهم‬
  ‫يسقون، وفيه بيان أن النساء كن مستترات خيرجن للحاجة، وملا كان خاروجهن بال‬
   ‫وموقفهن غري معهود استفهم عنه موسى عليه السال مبا خطبكما الدال علاى وجاود‬
  ‫خطب، وقد قيل إن هذا التعبري يقال: ملصاب، أو مضطهد، أو ملن يأيت مبنكر، فاعتاذرن‬
  ‫بعجز األب، ولو كان أمراً عادياً ما اىتتجن للتعليل مبا ذكرن، ويف تعليلهن إشارة إىل أن‬
  ‫سؤال موسى استنكار خلروجهن هذا املخرج، ال إنكار النزوائهن عن خلطة الرعااء، مث‬
  ‫هن وقفن منزويات دون الرجال، تذودان أغنامهما عن املاء لئال يضطررن خللطة الرجال،‬
  ‫وملا اىتتاج أبومها إىل بعث من تطلبه -ويف هذا إشار إىل أن أبومها مل يكن له غريمهاا-‬
  ‫بعث واىتدة إذ اليتطلب األمر إخراج اثنتني من خدرهن، وهذه الواىتدة خرجت متشاي‬
  ‫مستحيية ومن طبع ذوات احلياء يف مشيتهن جمانبة الرجال قدر الطاقة، والتوصف باحلياء‬
  ‫مزامحتهن يف الطرقات، فلما ىتدثت موسى ىتدثته باسم أبيها، مقدمة ذكره مبينة السبب‬
                              ‫أل‬
                    ‫الداعي ملخاطبته، مع أنه كان يف موضع يَرى فيه ويَراه م ٌ من الناس.‬
  ‫أما صحيح السنة فمما جاء مشعراً باستحداث االختالط يف تل األمم املنتسبة ألديان‬
  ‫األنبياء عليهم الصالة والسال ، ما جاء يف صحيح مسلم من ىتديث أ سعيد اخلادري‬
  ‫رضي اهلل عنه، عن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال: "إن الدنيا ىتلاوة خضارة، وإن اهلل‬



‫‪‬‬
‫511‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


   ‫مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فاإن أول فتناة باين‬
                                                            ‫إسرائيل كانت يف النساء"1.‬
  ‫وقد جاء عند البيهقي وغريه ما يبني كيف كان بدء الفتنة هبن فقال: "فإن أول فتناة‬
  ‫كانت يف بين إسرائيل من قبل النساء، ىت إن املرأة القصرية كانت تتخذ اخلفاني مان‬
  ‫اخلشب فتحاذي املرأة الطويلة، وىت إن املرأة كانت حتشو خامتها من أطيب املس ، فإذا‬
                       ‫مرت بنادي القو ىتركت خامتها، فإذا وجد رحيها سألوا عنها"2.‬
  ‫فهذا مبدأ الفتنة عندهم خروج وطيب، مث انظر إىل أي واقع أفضى االسترسال وتارك‬
                                                                             ‫اإلنكار.‬
                                                                          ‫إحصائيات من أرض الواقع:‬
  ‫ذكر أهل العلم أن من أعظم مقدمات فاحشة الزىن؛ اختالط الرجال بالنساء3، ومن‬
  ‫نظر يف واقع الدول ال مل تعبأ بشرائع السماء، فتركت الرجال والنساء مياذي بعضاهم‬
                                        ‫بعضاً، وجد تصديق ما قرره محلة الشرائع العدول.‬
     ‫لقد أوجبت الشريعة ضرب احلجاب بني الرجال والنساء، وقال عال الغيوب: (ذلا‬
  ‫أطهر لقلوبكم وقلوهبن)، "فال يقل أىتد غري ما قال اهلل. ال يقل أىتد إن االختالط, وإزالة‬
  ‫احلجب, والترخص يف احلديث، واللقاء واجللوس واملشاركة بني اجلنسني أطهر للقلوب,‬
  ‫وأعف للضمائر, وأعون على تصريف الغريزة املكبوتة, وعلى إشعار اجلنساني بااألدب‬
  ‫وترقيق املشاعر والسلوك.. إىل آخر ما يقوله نفر من خلق اهلل الضعاف املهازيل اجلهاال‬
  ‫احملجوبني. ال يقل أىتد شيئا من هذا واهلل يقول: (وإذا سألتموهن متاعا فاساألوهن مان‬
  ‫وراء ىتجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوهبن).. يقول هذا عن نساء النيب الطاهرات، أمهات‬
  ‫املؤمنني، وعن رجال الصدر األول من صحابة رسول اهلل [صلى اهلل عليه وسلم] ممان ال‬
  ‫تتطاول إليهن وإليهم األعنا ، وىتني يقول اهلل قوالً، ويقول خلق من خلقه قوالً، فالقول‬
  ‫هلل -سبحانه– وكل قول آخر هراء, ال يردده إال من جيرؤ على القول بأن العبيد الفاانني‬
                            ‫أعلم بالنفس البشرية من اخلالق الباقي الذي خلق هؤالء العبيد!‬

                                                                  ‫1 صحيح اإلما مسلم 1/8824 (4174).‬
            ‫2 شعب اإلميان للبيهقي، 3/474 (3487)، وسنده ىتسن، رجاله ما بني ثقة وصدو ، ورواه غريه بنحوه.‬
                                                                          ‫3 مضى ص44 من هذا البحث.‬


‫‪‬‬
‫611‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


    ‫والواقع العملي امللموس يهتف بصد اهلل, وكذب املدعني غري ما يقوله اهلل. والتجارب‬
  ‫املعروضة اليو يف العامل مصدقة ملا نقول. وهي يف البالد ال بلغ االختالط احلر فيها أقصاه‬
  ‫أ هر يف هذا وأقطع من كل دليل. [وأمريكا أول هذه البالد ال آتى االختالط فيها أبشع‬
                                                                              ‫الثمار]"1.‬
  ‫ولتقرير ذل سوف أشري فيما يلي إىل بعض اإلىتصاءات الغربية ال تتعلاق جبارائم‬
  ‫االغتصاب يف تل اجملتمعات، مث أعرج على ذكر ىتاالت احلمل غري الشرعية ونسبها وفقاً‬
  ‫إلىتصاءاهتم الرمسية، وأختم بذكر أرقا ونسب تشري إىل من مارسوا عالقات جنساية يف‬
  ‫تل اجملتمعات قبل الزواج، ولنصنع من تل اإلىتصاءات مقياسااً مادرجاً بأرقامهاا،‬
                                                     ‫ولنعرض عليه العفة -إن كانت مث.‬
                                                                                       ‫جرائم اجلنس:‬
  ‫فيما يسمى بإسرائيل تفيد اإلىتصاءات بأن عدد املومسات يزيد عن 222.24 امرأة،‬
  ‫كما أنه يهرب إليها سنوياً متوسط 2224 امرأة بغرض البغاء، ومع ذل بلغت نسابة‬
  ‫جرائم االغتصاب الكامل 4% من جمموع النساء ال جتاوزت سنهن احلادية والعشرين،‬
  ‫باإلضافة إىل 1% سجلت يف ىتقهن حترشات جنسية أخرى مل تصل إىل درجة االغتصاب‬
                                             ‫الكامل، و 8% ناهلن أذى جسدي فقط2.‬
  ‫ويف دراسة ملكتب إىتصائات العدل األمريكي، بعنوان: جرائم اجلنس واملذنبون: حتليل‬
                                ‫ملعلومات ىتول االغتصاب والتحرش اجلنسي3، جاء فيها:‬



  ‫1 يف الل القرآن، سورة األىتزاب، (وإذا سألتمهن متاعاً فاسألوهن من وراء ىتجاب)، وقد سا األستاذ شايئاً‬
   ‫من إىتصائيات الغربيني يف تفسري سورة النساء:84، وقال بعدها: "واإلىتصاءات بعد ذل مل أعثر عليها، ولكنها‬
                                                                  ‫وال ش مستمرة يف الزيادة" وقد أصاب.‬
   ‫2 عن دراسة بعنوان: ‪" Sex Roles and Stereotyping‬دور اجلنس وأمناطه"، وقد أخذهتا من موقاع وزارة‬
                                                                                       ‫عدل العدو الظامل.‬
   ‫3 املؤلف: لورانس أ. قرينفلد ‪ ،Lawrence A. Greenfeld‬اخلبري اإلىتصائي مبكتب إىتصائات العادل، التاابع‬
                              ‫لوزارة العدل األمريكية، وقد نشر يف فرباير 1997 برقم 293361-‪ ،NCJ‬بعنوان:‬
              ‫‪Sex Offenses and Offenders. An Analysis of Data on Rape and Sexual Assault‬‬
       ‫وعلى الرابط التايل نسخة إلكترونية من الدراسة: ‪. http://www.ojp.usdoj.gov/bjs/abstract/soo.htm‬‬


‫‪‬‬
‫711‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫أنه يف عا 3884 سجلت قرابة 334 ألف ىتالة اغتصاب وحترش جنسي، من قبل‬
  ‫الضحايا، واملطلع على الدراسة يلحظ أن أغلب احلاالت وقعت يف أوقاات خلطاة، ال‬
                                                                          ‫ي‬
  ‫أوقات غفلة ُتَسور فيها على اآلمنني، فقد أفادت الدراسة أن 1.37% مان احلااالت‬
  ‫وقعت يف اإلثن عشر ساعة ما بني السادسة صباىتاً وىت السادسة مساء، بينما وقعات‬
  ‫3.44% ما بني السادسة مساء وىت السادسة صباىتاً، وأفاد التقرير أيضاً بأن اجملار يف‬
  ‫الغالب يكون معروفاً من قبل الضحية، ففي كل أربعة ىتاالت يكون الغريب واىتداً فقط،‬
                                                                        ‫وثالثة مألوفون.‬
  ‫علماً بأن هناك حنو 22318 ىتالة اعتداء جنسي أخرى التصل إىل ىتد االغتصااب‬
                                                                 ‫القسري مت التبليغ عنها!‬
                      ‫ويف هذا حتذير ملن اغترت بتكرار اخللطة مع بقاء ستر اهلل وىتفظه.‬
       ‫فحذار منها أن تاعاود ذئاباا‬                 ‫ر‬                    ‫ذ‬
                                                 ‫وإذا ال ّئاب استنعجت ل ِ ما ّةً‬
                      ‫ن‬
       ‫من جلد أوالد الّعااج ثاياباا‬                                          ‫ذ‬
                                                ‫فال ّئب أخبث ما يكون إذا اكتسى‬
  ‫ويف تقرير آخر للمكتب التحقيق االحتادي (إف آي)1، بلغ عدد النساء ال اغتصنب‬
     ‫بالقوة أو حترش هبن جنسياً، وبلغت قضاياهن للجهات املختصة منذ عا 2384 وىتا‬
  ‫4224 ما يقارب 411.348.4 امرأة، أي مبعدل 284 عملية اغتصاب أو حتارش‬
  ‫جربي يبلغ عنها يومياً، وهذا الرقم اليأخذ يف احلسبان ماال يبلغ عنه، وهو كام مقادر‬
  ‫وذل وفقاً لالستبيانات والدراسات فقد بينت بعض الدراسات أن كثرياً مان ضاحايا‬
  ‫االغتصاب اليبلغون، ونصت بعض الدراسات على أن نسبة الذين اليبلغون قد تصال إىل‬
                                                                                 ‫43%2.‬



       ‫وقد صدرت دراسة أىتدث تؤكد ما سبق ىت يف ىتق القصر يف 8/3224 ميكن احلصول على نسخة منها على‬
                                                                                          ‫الرابط:‬
  ‫‪http://www.ncjrs.gov/pdffiles7/ojjdp/308802.pdf‬‬
        ‫راجعه يف موقع إىتصاءات العدل التابع لوزارة العدل األمريكية على الرابط (ىت تاريخ كتابة هذه الكلمات):‬    ‫1‬

  ‫.‪http://bjsdata.ojp.usdoj.gov/dataonline/Search/Crime/State/RunCrimeTrendsInOneVar.cfm‬‬
                                                                                         ‫راجع الرابط التايل:‬   ‫2‬


      ‫.‪http://sarsonline.org/lawstat_statistics.php‬‬



‫‪‬‬
‫811‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫ويف كندا أفادت بعض الدراسات واالستبيانات أن عدد النساء اآليت يبلغن عن جرمياة‬
                        ‫االعتداء اجلنسي عليهن يبلغن فقط 3% من جمموع املعتدى عليهن1.‬
           ‫وذكروا لذل أسباباً كثرية منها اقتناع بعض الضحايا بأهنن سبب ملا ىتل هبن.‬
  ‫ويف استبيان آخر نشر نتيجته مركز الوقاية من األمراض ومكافحتاها، ( ‪Centers for‬‬

  ‫‪ ،)Disease Control and Prevention‬التابع لوزارة الصحة واخلدمات اإلنسانية األمريكي،‬
  ‫جاء أن امرأة واىتدة من بني كل ستة نسوة تتعرض لالغتصاب الكامل أو حماولته أثنااء‬
  ‫ىتياهتا، وكذل كل رجل من بني ثالثة وثالثني رجالً2. علماً بأن املعتدي يف احلالة األوىل‬
                  ‫غالباً ما يكون املعتدي ذكراً، ويف احلالة الثانية غالباً ما يكون املعتدي أنثى.‬
  ‫ويف دراسة للكلية الوطنية للنساء ضحايا االعتداءات اجلنسية )‪ ،3)NCWSV‬وقد كانت‬
  ‫ممولة من املعهد الوطين األمريكي للعدل (‪ ،)NIJ‬قامت فيه هيئة بإجراء استبيان بوساائل‬
  ‫ىتديثة، استخدمت فيه احلاسب كوسيط يتعامل مع الطالب عوضاً عن مباشرة متخصصي‬
                                                 ‫االىتصاء، لضمان جتاوب أكرب من الطالب.‬
  ‫أجريت دراسة على عينة مكونة من 3111 امرأة كن حيضرن إىل اجلامعة أو الكلياة‬
  ‫ملدة دراسية تتراوح بني سنتني إىل أربع سنوات4، وذل يف خرياف عاا 3884، مث‬
  ‫طرىتت األسئلة عليهم يف 78 ما بني مايو ومارس. لطالب مت اختيارهم عشوائياً مبساعدة‬


                 ‫‪Ontario Women's‬‬       ‫1 وذل وفقاً للمصادر الرمسية الكندية، وانظر مقاالً كتبته رئيسة نساء أونتاريو‬
                               ‫‪ Directorate‬بعنوان: االعتداءات اجلنسية: تبديد خرافات! وقد استفتح املقال مبا يلي:‬
                                                                ‫خرافة : االعتداءات اجلنسية ليست مشكلة شائعة.‬
      ‫ىتقيقة : االعتداءات اجلنسية تعاين منها نساء كندا كل يو يف البيت، ويف العمل، ويف املدرسة بل وعلى الطريق.‬
  ‫‪http://www.womanabuseprevention.com/html/sexual_assault.html‬‬
                                  ‫وهلذا هم يعتمدون يف دراساهتم على االستبيانات باإلضافة إىل احلاالت ال يبلغ عنها.‬
                                                                                                ‫2 انظر الرابط التايل:‬
      ‫. ‪http://www.cdc.gov/ncipc/factsheets/svfacts.htm‬‬
       ‫3 اختصار (‪ ،)The National College Women Sexual Victimization‬وعلى الرابط التايل: نسخة من‬
                                                                                       ‫الدراسة:‬
      ‫.‪http://www.ncjrs.org/pdffiles1/nij/182369.pdf‬‬
        ‫4 وقد أشار التقرير إىل أن النسبة األعلى من الطالب غري منتسبني، بل هم طالب رمسيني جل وقتهم يف اجلامعة،‬
                                                            ‫غري أن هناك من يدرسون بنظا جزء الوقت الكامل.‬


‫‪‬‬
‫911‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫شركة قوائم الطالب األمريكيني، ال أعطت عنوان املدرسة ورقم كل طالب من طالب‬
                                                                                    ‫العينة.‬
  ‫فكانت النتيجة 7.74 عملية اغتصاب أو ىتادثة حماولة اغتصاب جنسي مان كال‬
                                                              ‫2224 طالبة أي 7.4%.‬
                                                                 ‫مث علق التقرير باآليت:‬
  ‫" للوهلة األوىل قد يبدو أن الضحايا من النساء يف الكليات غري عايل، امارأة واىتادة‬
                                                 ‫فقط من كل 34! خالل العا الدراسي".‬
  ‫مث عقب فقال: "ومثل هذه النتيجة متثل خطراً على النقد وتستدعي قلقاً على العواقب،‬
  ‫فهذه األرقا قاست عدد الضحايا يف فترة تربوا على الستة أشهر قلايالً، ونتاائج هاذا‬
  ‫املشروع بالرجوع إىل هذه الفترة مشكلة لعدد من األسباب؛ منها افتاراض أن ىتااالت‬
  ‫االضطهاد اجلنسي تبقى هي نفسها خالل فصول الصيف، وتبقى ثابتة طيلة وقت بقااء‬
                                                                      ‫الشخص يف الكلية.‬
  ‫ومع ذل لو اعتربنا 8.4% ىتالة اضطهاد جنسي يف فصل دراسي واىتد من السانة،‬
  ‫فالبيانات تشري إىل أن قرابة 3% يتعرضن حلاالت اضطهاد جنسي يف السانة الدراساية‬
                                                                                 ‫الكاملة".‬
  ‫مث ذكر التقرير بأن النسبة ستصل مع مرور السنوات الدراسية عاماً بعد عا إىل ىتالاة‬
                     ‫اضطهاد جنسي من بني كل أربعة طالبات أو ىتالة من بني كل مخسة.‬
  ‫هذا وقد جاء يف التقرير أن: "ساىتات احلر اجلامعي ليست بروجاً عاجية بال هاي‬
   ‫مناطق ساخنة للنشاط اإلجرامي"، وجاء فيه : "إن النساء الاليت يقابلن الشبان داخل احلر‬
                            ‫اجلامعي يف أوقات خمتلفة، أكثر عرضة لالغتصاب من غريهن".‬
  ‫ومع أن الكوجنرس األمريكي مرر يف عا 2884 قانوناً يكفل قادراً مان احلماياة‬
  ‫للطالب داخل ما أمساه باحلر اجلامعي، مث عدل يف عا 8884 ليكون أكثر أمناً، وعلى‬
  ‫الرغم من أن وزارة العدل األمريكية منحت يف عا 88 مبلغاً وقدره 4.8 مليون دوالر‬
   ‫لا 44 كلية، من أجل مكافحة االغتصاب وجرائم التحرش اجلنسي، مث منحت يف عاا‬
     ‫2224 عشرون مدرسة أخرى 8.3 مليون دوالر لذات الغرض، على الرغم من ذلا‬



‫‪‬‬
‫021‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫كله جاءت نتيجة املعهد الوطين التابع لوزارة العدل األمريكية، يف دراسة قا هباا ثالثاة‬
  ‫خرباء يف جمال اإلىتصاء1، وكان عنواهنا: ضحايا اجلنس من نساء الكلياات2، جااءت‬
   ‫النتيجة بأن 34 امرأة من مجلة ألف، يتعرضن لالغتصاب خالل السنة األكادميية الواىتدة.‬

  ‫وإذا خرجت عن نطا الكليات إىل اجملتمعات، مث صوبت النظر يف اهلنود األمريكان ال‬
                                 ‫جتد واقع احلال يفضل ما ذكر عن واقع الكليات املختلطة3.‬
  ‫وليت اجلرائم وقفت عند هذا احلد، فإذا فتشت سجالت جرائم القتل البشعة، وجدت‬
                         ‫أن تسعة أشخاص يقتلون كل أربعة أيا من قبل اخلليل أو اخلليلة4.‬
  ‫وإذا صرفت النظر عن الواليات املتحدة األمريكية إىل غريها من الدول الغربية وجدت‬
  ‫معضلة جرمية االغتصاب أيضاً قائمة، ختف ىتدهتا تبعاً لنمط البلد، فالكاثولي االستراليون‬
  ‫كانوا أكثر حمافظة من غريهم، ومع ذل فقد أشارت دراسة بعنوان: اجلرمية األساترالية‬
  ‫لعا 4224 ىتقائق وأرقا ، صادرة عن معهد علم اجلرمية األسترايل5، إىل أن هناك 314‬

        ‫"فاو": ‪Violence Against ( ،VAW Online Resources‬‬        ‫1 وقد نشرت يف بعض مصادر العنف ضد املرأة وهي‬
       ‫‪ )Women‬وموقعهم عبارة عن برنامج مشترك بني مكتب العنف ضد املرأة التابع ملكتب برامج العدل بوزارة العدل‬
       ‫األمريكية، ومركز منيسوتا ملناهضة العنف واإلساءة ضد املرأة، وهو مركز تابع جلامعة منيسوتا األمريكية– مدرسة‬
                                                                   ‫العمل االجتماعي. وموقع الربنامج على الشبكة:‬
      ‫. ‪http://www.vaw.umn.edu‬‬
         ‫2 قا بالدراسة أعضاء من املعهد الوطين للعدل، التابع ملكتب برامج العدل، بوزارة العدل األمريكية، وقد نشرت‬
         ‫الدراسة يف ديسمرب 2224، وقد كانت من إعداد ثالثة خرباء هم: بوين فشر، وفرنسيس كلنت، وميشيل ترتنر.‬
       ‫3 آثرت عد اإلطالة بذكر شيء من التقارير ال تعرضت لذل ولكين أىتيل القارئ الكرمي على وثيقة من إصدار‬
       ‫مصادر املركز الوطين للعنف اجلنسي: ‪ ،National Sexual Violence Resource Center‬بعنوان: االعتداء‬
              ‫اجلنسي يف العر اهلندي، ويعنون باهلنود سكان أمريكا األصليني "‪Sexual Assault in Indian Country‬‬

                                                    ‫‪ ،"Confronting Sexual Violence‬وهو موجود على الرابط:‬
  ‫. ‪http://www.nsvrc.org/publications/booklets/indian.htm‬‬
          ‫4 املقصود غري الزوج أو الزوجة، بل اليشمل ذل ىت ىتاالت القتل بسبب اخليانة الزوجية، ومصدر اإلىتصاء‬
                                       ‫جتده على الرابط التايل ملكتب إىتصاءات العدل التابع لوزارة العدل األمريكية:‬
  ‫‪http://www.ojp.usdoj.gov/bjs/homicide/tables/intreltab.htm‬‬
  ‫5 يف ديسمرب 4224، هذه اجلرائم املبلغ عنها، مع اعتبار نسبة مل يبلغ عنها، انظر ص84، وميكن تنزيل الكتاب من‬
                                                                                      ‫موقع املعهد على الرابط:‬
      ‫.3002/‪http://www.aic.gov.au/publications/facts‬‬



‫‪‬‬
‫121‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫امرأة من كل 222.224 بلغت عن عملية اعتداء جنسي، يف العا ، وفقااً إلىتصاائية‬
  ‫4224، وتشري التقارير إىل أن هذه النسبة يف تزايد مطرد مع تقد األعوا منذ عا 38‬
  ‫وىت عم 4224، وقد ذكر التقرير أيضاً أن نسبة جرائم االعتداء اجلنسي املبلغ عنها متثل‬
                               ‫24% من عدد اجلرائم الفعلية وفقاً لالستبيانات والدراسات.‬
  ‫ويف كندا أفادت اإلىتصاءات عا 4884 بأن نصف نساء كندا تعرضان لتحارش‬
  ‫جنسي على األقل مرة واىتدة، وستون باملائة من هؤالء تعرضن للتحرش أكثر من مرة1،‬
  ‫ويف دراسة عا 1884 جاء أن كل أربعة نساء كنديات فيهن واىتدة اعتادي عليهاا‬
           ‫جنسياً، ورمبا ارتفعت النسبة لبعض النساء ال يفتقرن إىل األهلية إىل حنو 48%2.‬
  ‫وإذا تركت أمريكا واستراليا وكندا، وتوجهت صوب األمم املتحادة، وجادت أن‬
  ‫التقرير الشامل للجرمية والعدالة، والذي يركز على اجتاهات اجلرمية، ونظم القضاء اجلنائي‬
  ‫مث يدرس ضحايا اجلرمية الدولية، ينص يف عا 8884 على أن االغتصاب هاو أكثار‬
                                    ‫اجلرائم املبلغ عنها من قبل الدول املشتركة يف االستفتاء3.‬
  ‫مع أن جرائم االغتصاب تعرض كثري من النساء عن ذكرها كما مر، ومع ذل فاإن‬
  ‫العدد جد خطري، هذا مع أن املرأة كأل مشاع يف الدول الغربية، ومن كانت تعوزه اللباقة‬
               ‫ال تؤهله الصطياد الساقطات، فلن يعجز عن إتيان أبواب املومسات املشرعة.‬
                                                                                          ‫الزنا ومحل السفاح:‬
  ‫يف إىتدى العواصم األوربية سأل أىتد الساسة األستاذ أمحد وفيق باشا العثماين –وكان‬
                                                      ‫موصفاً حبضور الذهن- فقال له:‬
  ‫ملاذا تبقى نساء الشر حمتجبات يف بيوهتن مدى ىتياهتن، من غري أن خيالطن الرجاال،‬
                                                                   ‫ويغشني جمامعهم؟‬


                                     ‫إىتصائيات كندا، استبيان العنف ضد املرأة، وقد نشر يف 84 نوفمرب 4884 .‬          ‫1‬


                                                ‫انظر املقال على الرابط التايل، وفيه اإلىتالة إىل مصادر اإلىتصاء:‬   ‫2‬

  ‫. ‪http://www.womanabuseprevention.com/html/sexual_assault.html‬‬
              ‫3 ىترر التقرير جرها نيو مان، من مكتب مكافحة اجلرمية واملخدرات التابع لألمم املتحدة، وتوجد نسخة‬
                                                                                ‫إلكترونية منه على الرابط التايل:‬
      ‫. ‪http://www.uncjin.org/Special/GlobalReport.html‬‬



‫‪‬‬
‫221‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                   ‫فأجابه للتو قائالً:‬
                                            ‫ألهنن اليرغنب أن يلدن من غري أزواجهن!‬
  ‫يقول الشيخ أمحد البيانوين: وكان هذا اجلواب كصب ماء باارد، علاى رأس هاذا‬
                                       ‫السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم ىتجراً1.‬
  ‫فماذا تقول األرقا ؟ إن نساء أمريكا اآليت تتراوح أعمارهن بني سن اخلامسة عشارة،‬
  ‫والرابعة بعد الستني، يبلغ تعدادهن وفقاً إلىتصائية عا 4224، سبعة وتساعني ملياون‬
                                                                       ‫امرأة تزيد قليالً2.‬
  ‫ووفقاً لتقرير املركز الوطين (األمريكي) لإلىتصائيات الصحية3، فإن عادد ىتااالت‬
  ‫احلمل ال انتهت يف عا تسعة وتسعني ميالدية بلغ 222.774.3 ىتالة مسجلة، وقاد‬
                                                             ‫كانت على النحور التايل:‬
                                       ‫منها 2222384 ىتالة انتهت مبولود ىتي.‬
                                        ‫حنو 2222444 ىتالة إجهاض مستحث.‬
                    ‫حنو 2222224 ىتالة، عبارة عن فقدان اجلنني، ألسباب جينية.‬
  ‫وبطبيعة احلال مشلت األرقا املرقومة آنفاً نسبة املواليد من نساء متزوجات، ومن نساء‬
  ‫غري متزوجات، وقد أفادت الدراسة أن الا 4.3 مليون ىتالة، منها 3.4 مليون ىتالاة‬
        ‫كانت من نساء متزوجات، بينما 7.4 مليون ىتالة كانت من نساء غري متزوجات.‬
         ‫فكانت نسبة املواليد األىتياء من النساء املتزوجات 17% ونسبة السقط 7%.‬
  ‫أما غري املتزوجات فكانت نسبة مواليد سفاىتهن األىتياء 81%، بينما 84% قتلاوا‬
                                                                                 ‫إسقاطاً.‬
                                                                                                                ‫1‬
                                                                                       ‫انظر عودة الحجاب 4/83.‬
        ‫راجع كتاب ىتقائق العلم لعا 4224 الصادر عن وكالة اإلستخربات األمريكية الا ‪The World :CIA‬‬
                                                                                                                ‫2‬


                     ‫3002 ‪ ،Fact Book‬توجد منه نسخة إلكترونية، جتد البيانات املتعلقة بأمريكا على الرابط التايل:‬
  ‫. ‪http://www.odci.gov/cia/publications/factbook/geos/us.html‬‬
        ‫3 تقرير نشر عن هبوط نسبة احلمل خالل عا 88 و88 بتاريخ 44/24/4224، أعده جمموعة من املختصني،‬
         ‫وقد نشر يف مركز التحكم والوقاية من األمراض. وىت تاريخ كتابة هذه األسطر كانت هناك نسخة من التقرير‬
                                                                                               ‫على الرابط:‬
      ‫‪http://www.cdc.gov/nchs/data/nvsr/nvsr52/nvsr52_07.pdf‬‬
                                                             ‫وقد قامت بطباعته وزارة الصحة واخلدمات اإلنسانية.‬


‫‪‬‬
‫321‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫وال خيفى على القارئ الفطن أن ىتاالت إجناب املتزوجات التعين بالضرورة أن يكون‬
  ‫املولود من الزوج الشرعي! وىت اليظن ان أن هذه الكلمة مردها إىل سوء الظن، أشري‬
  ‫إىل دراسة ذكرهتا صحيفة الشر األوسط قدمياً جاء فيها أن 37% من األزواج خيونون‬
                       ‫زوجاهتم يف أوربا، وأن نسبة أقل من املتزوجات يفعلن الشيء ذاته1.‬
        ‫إهنا جرائم فادىتة، تسفر عن وجه ذل اجملتمع الذي يوصف بأنه إنساين! متحضر!‬
  ‫إن آثار الزنا تتعدى جمرد قتل األجنة، فإن "يف الزنا قتل من نواحٍ ش ، إنه قتل ابتاداء‬
  ‫ألنه إراقة ملادة احلياة يف غري موضعها، يتبعه غالبا الرغبة يف التخلص من آثاره بقتل اجلنني‬
  ‫قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق, قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك اجلنني للحياة ترك يف‬
  ‫الغالب حلياة شريرة، أو ىتياة مهينة, فهي ىتياة مضيعة يف اجملتمع على حنو من األحنااء..‬
  ‫وهو قتل يف صورة أخرى. قتل للجماعة ال يفشو فيها, فتضيع األنساب وختتلط الدماء,‬
  ‫وتذهب الثقة يف العرض والولد, وتتحلل اجلماعة وتتفك روابطها, فتنتهي إىل ما يشابه‬
                                                                     ‫املوت بني اجلماعات.‬
    ‫وهو قتل للجماعة من جانب آخر, إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه جيعل احلياة‬
   ‫الزوجية نافلة ال ضرورة هلا, وجيعل األسرة تبعة ال داعي إليها, واألسرة هي احملضن الصاحل‬
                                 ‫للفراخ الناشئة, ال تصح فطرهتا وال تسلم تربيتها إال فيه"2.‬
  ‫ومما حيسن التنبيه إليه أن بعض الدراسات السابقة عقدت مقارنات بني الوضع الاراهن‬
  ‫مع الوضع قبل عقد من الزمن، وقد يفيد بعضها وجود حتسن ملحوظ يف بعض الادول،‬
  ‫وما ينبغي أن يعلم هنا أن هذا التحسن ليس مرده إىل ارتفاع منسوب العفة يف النفاوس،‬
  ‫ولكنه الوعي بأساليب االتصال اجلنسي اآلمن، كما يزعمون، والذي قلل من نتاج محال‬
                                                                    ‫السفاح وما ينجم عنه.‬
                                          ‫وعلى الرغم من ذل فإن األرقا التزال خميفة.‬

     ‫1 نشرت الدراسة يف صحيفة الشر األوسط الصادرة يف 34/7/2214 املوافق 84/3/2884 ، ينظر كتاب‬
                                       ‫عمل املرأة يف امليزان ص314، وكذل "فلنكن صرىتاء يادعاة االختالط!" ص44.‬
                                 ‫الن ْ ال َر له ِال َق‬
  ‫2 يف الل القرآن، سورة اإلسراء، اآلية:44، (وَالَ تَقْتُلواْ َّفسَ َّتِي ىت َّ َ الّ ُ إ َّ بِاحل ِّ وَمَن قتِلَ مَظْلومااً فَقَادْ‬
                                                                                ‫ص‬            ‫ِنه‬        ‫ي ر ف‬               ‫ِي‬
   ‫جَعَلْنَا ِلوَلِّهِ سُلْطَاناً فَالَ ُسْ ِف ِّي الْقَتْلِ إَّ ُ كَانَ مَنْ ُوراً) ىتول إيرادها عقيب: (والتقربوا الزىن إنه كان فاىتشاة‬
                                                                                                                       ‫وساء سبيالً).‬


‫‪‬‬
‫421‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫ومع ذل فإن األرقا الكبرية ال مت سردها، التبني ىتجم الفساد الذي استشارى يف‬
  ‫اجملتمع الغر ، فإن الدرك السحيق الذي تردى فيه من خالف طريق الرسل أبعد من ذل ،‬
  ‫فاالغتصاب واحلمل الميثالن مقياساً دقيقاً حلاالت وأد العفة، وال ملرات االتصاال غاري‬
  ‫1‬
    ‫املشروع، وىتسب القارئ الكرمي أن يعلم بأن االستبيانات والدراسات األمريكية الرمسية‬
  ‫تفيد بأن نسبة 8.78% من جمموع طالب املدارس الثانوية مارسوا اتصااالً جنساياً يف‬
                                          ‫ىتياهتم، نسبة 44% منهم قبل سن الثالثة عشرة2!‬
  ‫ومن اجلدير باملالىتظة أن نسبة االتصال اجلنسي لدى الطالب الذين يدرسون مبدارس‬
  ‫ال يؤذن هلا وفقاً للقانون األمريكي بإنشاء فصول تفصل بني الذكور واإلناث، تزيد نسبة‬
  ‫عمليات االتصال اجلنسي فيها بنحو 3.4 مرة أي أكثر من ضعفي املدارس ال يؤذن هلا‬
                                            ‫يف إنشاء فصول متنع من خلط الذكور باإلناث3.‬
  ‫وليتنبه القارئ الكرمي إىل أن هذه النسبة الكبرية (8.78%) أخذت باعتبار سانوات‬
                   ‫معدودة يف عمر الطالب، يقضي يف املراىتل الدراسية األخرى حنو ضعفها.‬
  ‫أما على صعيد اإلىتصائيات فوفقاً لتقرير اإلىتصائيات الوطنية احليوية4(األمريكية) فإن‬
    ‫نسبة الفتيات ما بني سن مخس عشرة وتسع عشرة سنة –املرىتلة الثانوية- احلوامل يف عا‬
  ‫48 بلغ عددهن 4.43 من كل ألف، ونقصت النسبة كثرياً عاا 2224 لتصال إىل‬
                                                                    ‫3.81 من كل ألف.‬



                                                 ‫1 راجع املوقع التايل (التابع لوزارة الصحة واخلدمات اإلنسانية):‬
  ‫. 31‪http://www.cdc.gov/mmwr/preview/mmwrhtml/tab13#tab‬‬
                                                             ‫2 التشمل هذه االىتصائية طالب اجلامعات فتأمل.‬
  ‫3 هذه النتيجة مستقاة من اجلدول رقم (84) يف الدراسة باملصدر السابق، فإن املدارس ال تتطلاب نشااطات‬
  ‫فيزيائية، واتصال جسدي، وكذل مدارس التربية اجلنسية، يؤذن وفقاً للقانون األمريكي هلا يف إنشاء فصول غاري‬
  ‫خمتلطة، أما عامة املدارس املختلطة فاليؤذن هلا يف ذل ، اجلدير بالذكر أن الواليات املتحدة تصوت هذه األيا على‬
  ‫القانون املقترح من الرئيس بوش، والذي يتيح للمدارس املختلطة إنشاء فصول غري خمتلطة، ويعطي مزيداً من الدعم‬
                                                                                        ‫للتعليم أىتادي اجلنس.‬
                                         ‫4 الصادر 24 مايو من عا 4224، انظر نسخة منه على الرابط التايل:‬
  ‫.‪http://www.cdc.gov/nchs/fastats/pdf/nvsr50_09t1.pdf‬‬



‫‪‬‬
‫521‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫وقد يبدو أن هذا التناقص مفرىتاً، وهو كذل غري أن النتيجة التزال مرعبة! فإن نسبة‬
  ‫38.1% يف عا واىتد نسبة كبرية، فالطالبة متكث يف املدرسة الثانوية ما بني سن الاا‬
  ‫34 إىل سن الا 84 أي أربعة سنني، ويف كل عا تضاعف هذه النسبة، وهكذا ترفاع‬
  ‫نسبة احلوامل من مجلة الطالبات إىل 1.84% يف مرىتلة الدراسة الثانوية فقط، مع وجود‬
                                                     ‫ىتاالت أخرى يف املراىتل املختلفة.‬
  ‫وقد أخربت الدراسات األخرى كذل بتردي احلال يف سائر أوروبا، ففاي فرنساا‬
  ‫كانت نسبة احلوامل من طالبات سن اخلامسة عشرة إىل التاسعة عشرة، 4.24 من كال‬
  ‫ألف، ويف السويد كانت النسبة 34 طالبة من كل ألف، ويف كندا ارتفعات إىل 7.31‬
  ‫من كل ألف، ويف بريطانيا 7.31 من كل ألف1، وإذا نظرت يف سجالت بعاض دول‬
                                               ‫أمريكا الالتينية رأيت الوضع يزداد سوءً.‬
                                                                                               ‫النتيجة املهمة:‬
  ‫إن املقصود من هذه األرقا بيان ىتقيقة مهمة، وهي أن دولة حبجم الواليات املتحادة‬
  ‫األمريكية، مل تفلح يف منع آثار التحلل اخللقي الذي كان مفتاىته التاربج واالخاتالط‬
  ‫باإلضافة إىل عوامل أخرى نرى بعض الدول العربية ال تأل جهداً يف تطبيقها يوماً بعاد‬
                                                                                    ‫يو .‬
  ‫وإذا كان األمر كذل فكيف ستكون اآلثار يف دول ليس عنادها مان الدراساات‬
                     ‫ل‬
  ‫والوسائل ما يكفل ردع اجملر ، أو احلد من آثار التحلل اخللقي، فلئن قَّت نسبة أبناء الزنا‬
  ‫من قبل احلامالت سفاىتاً خالل عقد يف أمريكا، نتيجة رصد ودراسة وتوعية بأساليب منع‬
                             ‫احلمل واإلسقاط اآلمن، فمن يكفل ذل يف اجملتمعات األخرى؟‬
                    ‫وسؤال أخري: ما هي النتيجة املرجوة بعد عقود هلذه الدول املتحضرة!‬
  ‫"كتبت إىتدى اجملالت األمريكية منذ أكثر من ربع قرن2 تقول: عوامل شيطانية ثالثة‬
                        ‫حييط ثالوثها بدنيانا اليو ، وهي مجيعها يف تسعري سعري ألهل األرض.‬

        ‫1 هذه األرقا مستفادة من منظمة: معلومات اجلنس وجملس التعليم بالواليات املتحدة (‪ )SIECUS‬عن تقرير هلم‬
                     ‫بعنوان: محل املراهقات؛ الوالدة واإلسقاط، انظر نسخة إلكترونية منه يف موقع املنظمة على الرابط:‬
  ‫.‪http://www.siecus.org/pubs/fact/fact0010.html‬‬
                     ‫صاىتب النقل هو األستاذ سيد قطب املولود عا 1444 ها، فلنا أن نقول منذ أكثر من قرن.‬          ‫2‬




‫‪‬‬
‫621‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫أوهلا:األدب الفاىتش اخلليع الذي ال يفتأ يزداد يف وقاىتة ورواجه بعد احلرب العاملياة‬
                                                                   ‫األوىل بسرعة عجيبة.‬
  ‫والثاين األفال السينمائية ال ال تذكي يف الناس عواطف احلب الشهواين فحسب, بل‬
                                                           ‫تلقنهم دروسًا عملية يف بابه.‬
  ‫والثالث احنطاط املستوى اخللقي يف عامة النساء, الذي يظهر يف مالبساهن, بال يف‬
                  ‫عريهن, ويف إكثارهن من التدخني, واختالطهن بالرجال بال قيد وال التزام . .‬
  ‫هذه املفاسد الثالث فينا إىل الزيادة واالنتشار بتوايل األيا . وال بد أن يكون مآهلا زوال‬
   ‫احلضارة واالجتماع النصرانيني وفناءمها آخر األمر. فإن حنن مل حند من طغياهنا, فال جر‬
   ‫أن يأيت تارخينا مشاهبًا لتاريخ الرومان, ومن تبعهم من سائر األمم, الذين قد أوردهم هذا‬
  ‫االتباع لألهواء والشهوات موارد اهللكة والفناء, مع ما كانوا فيه من مخار ونسااء، أو‬
                                                               ‫مشاغل رقص وهلو وغناء"1.‬
  ‫إهنا نذر زوال األمم "..ما من أمة فشت فيها الفاىتشة إال صارت إىل احناالل, مناذ‬
  ‫التاريخ القدمي إىل العصر احلديث. وقد يغر بعضهم أن أوربا وأمريكا متلكان زما القاوة‬
  ‫املادية اليو مع فشو هذه الفاىتشة فيهما. ولكن آثار هذا االحنالل يف األمم القدمية مناها‬
  ‫كفرنسا اهرة ال ش فيها. أما يف األمم الفتية كالواليات املتحدة, فإن فعلها مل تظهار‬
  ‫بعد آثاره بسبب ىتداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يسرف يف شهواته فال‬
  ‫يظهر أثر اإلسراف يف بنيته وهو شاب، ولكنه سرعان ما ياتحطم عنادما يادلف إىل‬
      ‫الكهولة، فال يقوى على اىتتمال آثار السن, كما يقوى عليها املعتدلون من أنداده!"2.‬
  ‫وليست هذه دعاوى يزعمها الشانئون، بل هو ما أقر به املراقبون، ومن آخر هاؤالء‬
  ‫"باترك بوكانان" يف جملة احملافظني األمريكان إذ يقول: "التهديد اإلسالمي لايس هتدياداً‬
  ‫استراتيجياً، بل هو هتديد دميوجرايف3، وإذا كان املوت سيأيت للغرب، فإنه سايأيت ألنناا‬
                ‫اعتنقنا ثقافة املوت، مثل حتديد النسل، واإلجهاض والتعقيم، والقتل الرىتيم!‬

                                                                                       ‫1 الظالل سورة النساء اآلية 84.‬
                                                      ‫ال‬
                                              ‫2 الظالل سورة اإلسراء قول اهلل: (والتقتلوا النفس ال ىتر اهلل إ ّ باحلق).‬
       ‫3 الدميوجرافيا ( ‪ )demography‬هي دراسة السكان من ىتيث؛ احلجم والتوزيع احمللي، والتركيبة، باإلضافة إىل‬
                                                                              ‫التغريات الناشئة فيها، وعناصر ذل التغري.‬


‫‪‬‬
‫721‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫فاإلنسان الغر ينقرض، يف الوقت الذي يهاجر املسلم فيه مشاالً يف انتظار موته، لريث‬
                                                                               ‫أرضه"1.‬
    ‫ول أن تقرأ - وفق هذه املعطيات بطريقت اخلاصة - عبارة "إبراها لنكون" الا‬
  ‫يقول فيها: "إذا كان قدرنا الدمار فينبغي أن يكون ذل على أيدينا، فنحن كأمة أىتارار‬
                                                     ‫علينا أن نعيش يف كل زمان أو ننتحر"!‬
  ‫إن "..نذر السوء تتواىل، واألمة األمريكية يف عنفواهنا ال تتلفت للنذر. ولكن عوامال‬
  ‫التدمري تعمل يف كياهنا, على الرغم من هذا الرواء الظاهري; وتعمل بسرعة, مماا يشاي‬
                               ‫بسرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر اخلارجية!‬
  ‫لقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية ألعدائهم, ال ألهنم يف ىتاجة‬
  ‫إىل املال، ولكن ألن هبم شذوذًا جنسيًا, ناشئًا من آثار الفوضاى اجلنساية الساائدة يف‬
                                                                                 ‫اجملتمع.‬
  ‫وقبل سنوات وضع البوليس األمريكي يده على عصابة ضخمة ذات فروع يف مادن‬
  ‫ش . مؤلفة من احملامني واألطباء -أي من قمة الطبقة املثقفة- مهمتها مسااعدة األزواج‬
  ‫والزوجات على الطال بإجياد الزوج أو الزوجة يف ىتالة تلبس بالزنا, وذل ألن بعاض‬
  ‫الواليات ال تزال تشترط هذا الشرط لقبول توقيع الطال ! ومن مث يستطيع الطرف الكاره‬
  ‫أن يرفع دعوى على شريكه بعد ضبطه عن طريق هذه العصابة متلبسًا, وهي ال أوقعتاه‬
                                                                             ‫يف ىتبائلها!‬
  ‫كذل من املعروف أن هناك مكاتب مهمتها البحث عن الزوجات اهلاربات والبحث‬
  ‫عن األزواج اهلاربني! وذل يف جمتمع ال يدري فيه الزوج إن كان سيعود فيجد زوجته يف‬
  ‫الدار أ جيدها قد طارت مع عشيق! وال تدري الزوجة إن كان زوجها الذي خارج يف‬
  ‫الصباح سيعود إليها أ ستخطفه أخرى أمجل منها أو أشد جاذبية! جمتمع تعيش البياوت‬
                                          ‫فيه يف مثل هذا القلق الذي ال يدع عصبًا يستريح!‬



      ‫1 جملة احملافظني األمريكان ‪ The American Conservative‬عدد 4 مارس 1224 ، مقال بعنوان: "ال لنهاية‬
                                 ‫احلرب! وصفة فور –بريل ستورط أمريكا يف نزاع الهناية له"، بقلم: باتري بوكانان.‬


‫‪‬‬
‫821‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫وأخريًا يعلن رئيس الواليات املتحدة أن ستة من كل سبعة من شباب أمريكا مل يعودوا‬
                             ‫يصلحون للجندية بسبب االحنالل اخللقي الذي يعيشون فيه"1.‬
   ‫وليس الواقع الغر اآلخر أىتسن ىتاالً من أمريكا، بل رمبا زاد األمر سوءً فالسويد "..‬
  ‫شعب مهدد باالنقراض, فالنسل يف تناقص مطرد بسبب فوضى االختالط!" 2، وليس هذا‬
  ‫ضرباً من خيال، فإن نسبة النمو السكاين اليو يف السويد تبلغ 74.2% ماع أن نسابة‬
  ‫املهاجرين بلغت 73.4 من كل 2224 أي 734.2% ىتسب إىتصاائيات 32243،‬
  ‫وقد حتسنت نسبة النمو عن سنوات أخرى ففي عا 4224 كانت نسبة النمو تعاادل‬
                                                   ‫نسبة املهاجرين، وهي هكذا يف تأرجح.‬
  ‫أما نسبة الطال فقد قفزت قفزة منكرة لتبلغ 13%4 من إمجايل الزجياات بسابب‬
  ‫انطال النزوات وتربج الفنت وىترية االختالط! على الرغم من وجود قاون مينع ساريان‬
              ‫الطال قبل ستة أشهر لكل من لديهما طفل يف سن السادسة عشرة أو دوهنا.‬
   ‫"هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة, يف جاهليتها احلديثة, من جراء طاعتها للاذين‬
  ‫يتبعون الشهوات وال يريدون أن يفيئوا إىل منهج اهلل للحياة. املنهج امللحوظ فيه اليسار‬
  ‫والتخفيف على اإلنسان الضعيف, وصيانته من نزواته, ومحايته من شهواته, وهدايتاه إىل‬
  ‫الطريق اآلمن, والوصول به إىل التوبة والصالح والطهارة: (واهلل يريد أن يتوب علايكم‬
  ‫ويريد الذين يتبعون الشهوات أن متيلوا ميالً عظيما . يريد اهلل أن خيفف عانكم وخلاق‬
                                                                     ‫اإلنسان ضعيفا)"5.‬
  ‫إن املسلم ينبغي أن يقرأ تل األرقا ، وهو ينظر بعينني؛ فتارة عاني األساى ألماة‬
  ‫أعرضت عن الشرع، فبلغ التردي هبا ذل الدرك، فال تدرى ألي قعر يصل أمر األسارة‬

                                                                   ‫1 الظالل سورة النساء اآلية 84.‬
                                                                ‫2 الظالل سورة البقرة 824-824.‬
                  ‫3 انظر كتاب ىتقائق العلم لعا 4224 الصادر عن الا ‪.The World Fact Book 2005 :CIA‬‬
                                                                                          ‫4 انظر:‬
  ‫‪http://www.infoplease.com/ipa/A0200806.html‬‬
         ‫نقالً عن تقرير التنمية اإلنسانية الصادر عن األمم املتحدة عا 8884، ويف الواليات املتحدة كان الوضع أىتسن‬
                                                                  ‫ىتاالً إذ بلغ معدل الطال نسبة 81% فقط!‬
                                                        ‫5 الظالل ختا تعليقه على اآلية 84 من سورة النساء.‬


‫‪‬‬
‫921‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                              ‫َ‬
  ‫فيها بعد عقود، ومرة أخرى حيول نا ريه فينظر نظر الشزْر لكل من حياول إشاعة أسباب‬
  ‫الفاىتشة، باسترياده ثقافة الغربيني، ودعوته األمة إىل أن تطأ مواقع أقدا من الخال هلم‬
                                                     ‫وال أخال ، ىتذو القذة بالقذة.‬




‫‪‬‬
‫031‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                                                    ‫خامتة:‬
  ‫هذا ويف اخلتا ، لتحذر أخت اإلسال جمازفات بعض املعاصرين، وال يزعمون أهنا‬
  ‫اجتهادات مرضية، فواهلل ما تنبغي هلم وما يستطيعون، إهنم عن االجتهاد لقاصرون،‬
                                                                      ‫يد‬
  ‫ولتتفطن إىل زيف ما َّعيه املستغربون، الذين يفسدون يف األرض واليصلحون، فهؤالء‬
  ‫ما أرادوا هبا خرياً، ولكنهم نقموا أن تكون نساؤنا مصابيح البيوت النقية، وصانعات‬
                    ‫األجيال التقية، وساءهم أن تظل أىتراز أسرنا املكنونة يف ىتصون مأمونة.‬
  ‫وكيف يرضون –وقد بدت البغضاء من أفواههم- أن تكون نساؤنا خري نساء األرض،‬
  ‫أوفاهن لزوج، وأىتناهن على ولد، وأرزهنن عقالً، وأشرفهن نفساً، وأطهرهن ذيالً،‬
                                                                              ‫وأنقاهن عرضاً...‬
                     ‫كظباءِ مكة صيدهن‬
              ‫َّ ىترا ُ‬                                     ‫ْ‬       ‫ىت ر ر‬
                                                  ‫ُو ٌ ىترائ ُ ما مهَمنَ بِريبةٍ‬
  ‫بينما أضحت املرأة عندهم كألً مشاعاً، وسلعةً مبتذلة.. خدعوها بقوهلم ىترية،‬
                              ‫ال‬
  ‫ليعرضوها يف سو النخاسة العصرية. ويأىب اهلل واملؤمنون إ ّ أن تكون أخت اإلسال درة‬
  ‫مصونة، ولؤلؤة مكنونة، رافعة هبدى اهلل تعاىل رأسها، نائية بنفسها عن خمازي بنت الغرب‬
  ‫وبؤسها، فلله درها وعلى اهلل أجرها، وأعظم يف الدارين حبظها! ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ‬
  ‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬
                                                            ‫ﮛ ﮜ ﭼ [النحل: ٩٧].‬
  ‫م‬                        ‫ىتم َ َ‬
  ‫أما الذئاب والثعالب من أهل األهواء فقد استفزهتم ُ َّة القر ، وعلموا أن النساء حل ٌ‬
               ‫ُ‬
  ‫على وَضَم، فال عجب أن حيضوا النساء على اخلروج متربجات متزينات وعطْلَة، والغرو‬
                                                           ‫ع‬
                                                     ‫أن يفرىتوا باملتفرقات يف كل ُضْلَة.‬
                   ‫ة‬     ‫ة‬
  ‫فاىترص أخا اإلسال على النساء وسَترِهن، فكل شيء مَهَ ٌ ومهاٌ1 ماخال النساء‬
                                                                               ‫وذكرهن.‬
                       ‫ف‬                ‫ني‬
             ‫إن الكرميةَ رمباا أزْرَى باهاا ل ُ احلجابِ وضع ُ من ال حيز‬
             ‫ي اد‬         ‫ي ب‬             ‫ي‬
             ‫وكذاك ىتوض إن أضعت فإنه ُوطا و ُشار ُ ماؤه وُهَ َّ‬


               ‫1 يسري أو فيه سعة، واملعىن أن احلر حيتمل كل شيء ىت يأيت ذكر نسائه، وهو من أمثال العرب السائرة.‬


‫‪‬‬
‫131‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


  ‫وعلى كل والٍ استرعاه اهلل رعية والياً كان أ ولياً، أن يعلم أنه مسئول عن الرعية،‬
     ‫و د‬                    ‫َ‬                    ‫َي الذ ن‬                 ‫ِي‬
  ‫فليجعل بينهم وبني عذاب اهلل َتقَّة، (يَا أُّهَا َّ ِينَ آمَُوا قوا أَنفسَكمْ وَأهْلِيكمْ نَارًا َقو ُهَا‬
       ‫ْ َر‬              ‫َ َه ْ‬             ‫ة ظ د د ْص ل‬                                                  ‫نس و ِ‬
  ‫الَّا ُ َاْلحجَارَة عَلَيْهَا مَلَائِكَ ٌ غِلَا ٌ شِ َا ٌ لَا َيع ُونَ الَّهَ مَا َأمر ُمْ وََيفعَلونَ مَا يُؤم ُونَ)‬
                                                                                                       ‫[التحرمي: 3].‬
  ‫أسأل اهلل أن حيفظ نساء املسلمني، وأن جينبهن التربج واالختالط، وأن يرزقهن اإلتساء‬
  ‫بالصحابيات، واالقتداء بالصاحلات، وأن يدفع عنا فنت الشهوات والشبهات، وأن يعلمنا‬
                                                     ‫ُج‬
  ‫ما ينفعنا، وأن ينفعنا مبا علمنا، وأن جيعله ىت َّةً لنا، وصلى اهلل وسلم على نبينا حممد‬
                                                                                    ‫وعلى آله وصحبه أمجعني.‬




‫‪‬‬
‫231‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


                                                                ‫فهرس المحتويات‬
      ‫مقدمة......................................................................................................... 4‬

      ‫معىن االختالط .............................................................................................. 01‬

      ‫املعىن االصطالحي املعاصر.................................................................................... 21‬

      ‫حكم االختالط وحكمت ..................................................................................... 51‬

      ‫األصل أمر النساء بالقرار يف البيوت ......................................................................... 03‬

      ‫مراعاة املنع من االختالط يف التشريع ................................................................................... 73‬

      ‫1- يف طلبهن العلم ......................................................................................... 83‬

      ‫2- يف مبايعتهن النيب صلى اهلل علي وسلم .................................................................... 04‬

      ‫3- يف ندب النساء املسلمات إىل شهود األعياد ، وجواز حضورهن اجلمع واجلماعات ......................... 04‬

      ‫4- يف حج النساء واعتمارهن ............................................................................... 54‬

      ‫5- يف خروجهن للجهاد .................................................................................... 25‬

      ‫وظيفة النساء يف اجلهاد ...................................................................................... 45‬

      ‫حكم شهودهن القتال والتحامهن بالرجال .................................................................... 45‬

      ‫تنبي ........................................................................................................ 75‬

      ‫اخلالصة.. ................................................................................................... 85‬

      ‫بعض أدلة املنع من االختالط من الكتاب والسنة الثابتة ............................................................ 06‬
      ‫4- قوله تعاىل: ‪‬وإِذَا سَأَلْتُ ُوه َّ مَتَاعَاً فَسْأَلوه َّ منْ ورَاءِ ىتِجَابٍ ذَلِكمْ أَطهَ ُ لِقلوبِكم َقلوِبه َّ‪60 .......................... ‬‬
                                      ‫و ِن‬                ‫ْر‬                            ‫ُن ِ َ‬                       ‫م ُن‬
      ‫4- األمر بغض البصر والعفو عن الفجأة ............................................................................... 36‬

      ‫عم يغض البصر؟ ............................................................................................ 56‬

      ‫4- ىتديث: "املرأة عورة.." .......................................................................................... 56‬
      ‫1- داللة قوله تعاىل: ‪‬وقَرْنَ فِي ُُوتِك َّ‪66 ............................................................................ ‬‬
                                                                                       ‫بي ن‬                ‫َ‬

      ‫أدلة أخرى على أن القرار ليس خاصاً بنساء النيب (صلى اهلل علي وسلم) ....................................... 76‬

      ‫3- داللة قوله صلى اهلل عليه وسلم: "فاتقوا النساء" ..................................................................... 96‬
      ‫3- قصة سهلةَ بنتِ سهيلٍ امرأةِ أ ىتذيفة ............................................................................. 96‬
      ‫7- "على رسلكما إهنا صفية" احلديث. ................................................................................ 96‬

      ‫الضرورة إذا اقتضت اختالطاً ................................................................................ 17‬

      ‫افتعال الضرورة! ............................................................................................ 27‬

      ‫طرف من كالم أهل العلم يف املنع من االختالط ............................................................... 27‬




‫‪‬‬
‫331‬
      ‫االختالط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاراه‬


      ‫من كالم العالمة حممد بن إبراهيم ............................................................................. 77‬

      ‫من كالم العالمة ابن باز ..................................................................................... 97‬

      ‫من كالم صاحب الظالل وأخي .............................................................................. 08‬

      ‫من كالم الدكتور حممد حممد حسني .......................................................................... 18‬

      ‫من كالم أديب فقهاء الشام الشيخ علي الطنطاوي ............................................................ 58‬

      ‫بعض شب من اختلط علي حكم االختالط .................................................................... 78‬

      ‫1- االستدالل بقصة يوسف علي السالم ..................................................................... 88‬

      ‫2- االستدالل بنبأ موسى مع املرأتني ........................................................................ 98‬

      ‫3- االستدالل بأخبار مسراء والشفاء رضي اهلل عنهما ......................................................... 09‬

      ‫4- االستدالل خبرب الفارسي ................................................................................. 29‬

      ‫5- االستدالل بوضوء الرجال والنساء ....................................................................... 39‬

      ‫6- االستدالل بأ خبار خولة بنت األزور ..................................................................... 49‬

      ‫8- شبهات نظرية ........................................................................................... 59‬

      ‫نظرة يف الواقع الغريب ...................................................................................... 501‬

      ‫شيء مما جاء يف عهديهم القدمي واجلديد ..................................................................... 901‬

      ‫إشارات مصدقة يف شرعنا .................................................................................. 511‬

      ‫إحصائيات من أرض الواقع ................................................................................ 611‬

      ‫جرائم اجلنس .............................................................................................. 711‬

      ‫الزنا ومحل السفاح......................................................................................... 221‬

      ‫النتيجة املهمة .............................................................................................. 621‬

      ‫خامتة...................................................................................................... 131‬

      ‫فهرس احملتويات ........................................................................................... 331‬




‫‪‬‬
‫431‬

								
To top