أسكلابيوس الشهيد by tomaason

VIEWS: 14 PAGES: 4

									                                                         ‫أسكالبيوس الشهيد‬


    ‫دعيت مدينة أخميم بصعيد مصر "المتشبهة بأورشليم" من كثرة ما قدمت‬         ‫ُ‬
    ‫من شهداء خاصة في عصر دقلديانوس، وهي في هذا تشبه كثير من مدن‬
     ‫الصعيد مثل مدينة إسنا، حيث تقدم الشعب بفرح لنوال إكليل االستشهاد.‬
       ‫كانت أخميم تسمى "إشمين". ديسقورس وأسكالبيوس من بين الشهداء‬
   ‫المشهورين لمدينة أخميم األنبا ديسقورس الكاهن وأخوه األنبا أسكالبيوس‬
‫الشماس، ويبدو من ميمرهما أنهما كانا توأمين، نشأ معًا وتالزما في العبادة‬
     ‫والنسك وحتى في احتمال االستشهاد حتى انطلقا معًا إلى الفردوس. كانا‬
    ‫ابني أرخن محب هلل من مدينة أخميم يدعى أمونيوس، كان غنيًا جدًا، وقد‬ ‫ّ‬
   ‫اهتم بتربية ولديه. حياتهما النسكية إذ بلغا الخامسة عشر من عمرهما تنيح‬
       ‫والداهما، فتفرغا للنسك في منزلهما؛ وعندما بلغا الثانية والعشرين من‬
‫عمرهما تشاورا معًا أن يمضيا إلى الجبل ليعبرا إلى البرية الداخلية ممتثلين‬
‫بالقديسين يوحنا المعمدان وإيليا. وهكذا باع االثنان ممتلكاتهما ووزعاه على‬
   ‫األرامل والمحتاجين والكنائس، وتركا جزءا يسيرًا للحاجة الضرورية، ثم‬
                                 ‫ً‬
   ‫خرجا من المدينة خفية إلى الجبل الشرقي حيث سكنا في واد على بعد 14‬
‫ميالً، ولعله في هذا الموضع قد بُني فيما بعد دير "السبعة جبال" الذي ذكره‬
   ‫المقريزي. بقيا هناك ستة أشهر وسط مصاعب الحياة، وقد حفظهما الرب‬
    ‫من الوحوش الضارية واألفاعي، بعدها أرسلهما هللا إلى شيخ قديس عابد‬
  ‫يدربهما على الحياة الكاملة في الرب، هو القس موسياس، كان قد سكن في‬
     ‫هذا الوادي على بعد 20 ميالً منهما منذ زمن بعيد. كان يسكن معه إخوة‬
     ‫يتتلمذون على يديه حول عين ماء، ال زال النبع قائما إلى اآلن في الجبل‬
                          ‫ً‬
  ‫الشرقي وإن كان يصعب الوصول إليه. بقيا مع بقية اإلخوة تحت قيادة هذا‬
         ‫الشيخ لكنه لم يمض سوى ثالثة أشهر بعدها انتقل إلى الفردوس. وقد‬
 ‫استدعاهما قبيل تسليم روحه وباركهما وأعلن لهما أن ديسقورس يكون قسًا‬
          ‫وأسكالبيوس شماسًا، وأنهما سيتحمال متاعب كثيرة حتى يناال إكليل‬
      ‫الشهادة، وإنهما يكونا سر بركة وخالص نفوس كثيرة تقبل إلى اإليمان‬
      ‫بالسيد المسيح، وقد انتقل الشيخ في السابع من شهر بؤونة. بقيا فترة مع‬
    ‫اإلخوة ثم عادا إلى مسكنهما األول يمارسان الحياة النسكية بأكثر اجتهاد،‬
 ‫متذكران كلمات أبيهما موساس وحياته، خاصة تواضعه ومحبته وتأمله في‬
       ‫الكتاب المقدس، وقد تعرضا لحروب شيطانية كثيرة. سيامتهما إذ نزل‬
      ‫الناسكان يوما إلى المدينة ليبتاعا ما يحتاجان إليه، أمسكهما أهل المدينة‬
                                                                ‫ً‬
        ‫ومضوا بهما إلى األنبا تامسطكال أسقف المدينة فسام ديسقوروس قسًا‬
 ‫وأسكالبيوس شماسًا، وقد عادا إلى الجبل بعد السيامة، حيث اجتمع حولهما‬
‫كثير من اإلخوة يتتلمذون على أيديهما. كما أشادا كنيسة صغيرة بالجبل لكي‬
    ‫يتقرب الكل فيها، تحولت إلى مركز روحي حي، يقدم إليه كثيرون لطلب‬
                               ‫ّ‬
    ‫المشورة والتعزية وسماع كلمة هللا، وقد وهبهما هللا عطية الشفاء وإخراج‬
  ‫الشياطين. وقد عاش هذان القديسان في هذه البرية 41 عاما مع إخوة بفرح‬
                    ‫ً‬
 ‫شديد يمارسان حياة التسبحة كأنهما في الفردوس. قيل أن األنبا أوضاكيوس‬
        ‫أسقف أخميم زار القديسان حيث اجتمع بهما مع بقية اآلباء والرهبان،‬
   ‫وأيضًا جمهور كبير من الشعب كان قد قدم لنوال البركة، فتحدث األسقف‬
‫إليهم وأنبأهم بما سيحل بالقديسين والرهبان مع رجال الدين والشعب بأخميم‬
        ‫عندما ينحرف دقلديانوس عن اإليمان، وكان يشجع الكل على احتمال‬
  ‫االضطهاد بفرح. موجة االضطهاد إذ كفر دقلديانوس أثار االضطهاد على‬
    ‫الكنيسة، وجاء أحد الوالة يدعى أرمانيوس إلى أخميم حيث استقبله أكابر‬
    ‫المدينة وعظمائها وكهنتها وشعبها، أما األسقف أوضاكيوس فكان قد تنيح‬
     ‫من شهرين. أعلن أرمانيوس منشور دقلديانوس، وطلب منهم أن يبخروا‬
       ‫لألوثان فهاج المسيحيون رافضين ذلك. دهش أرمانيوس إذ لم يجد بين‬
     ‫مستقبليه أبسكندة الكاهن العظيم للوثن، فسأل عنه الكهنة الذين ذهبوا إليه‬
  ‫يخبرونه بأن الوالي يسأل عنه وإنه يحمل هدايا كثيرة، فأجابهم أبسكندة أنه‬
‫قد صار مسيحيًا، وبدأ يكرز لهم حتى آمن الكثير منهم. أعد أرمانيوس حفرة‬
       ‫ضخمة ليحولها إلى أتون يحرق فيها النصارى الذين يرفضون التبخير‬
   ‫لألوثان. نزول القديسين إلى أخميم ظهر رئيس المالئكة ميخائيل للقديسين‬
   ‫ديسقورس وأسكالبيوس لينزال إلى أخميم ويناال مع الشعب إكليل الشهادة،‬
 ‫ففرحا بهذه الدعوة، وأقاما رئيسًا لإلخوة يدعى األنبا بطرس عوضًا عنهما.‬
    ‫في أخميم دخل الناسكان الكنيسة ليجدا كل الشعب ومعهم أبسكندة وبعضًا‬
  ‫من كهنة األوثان البالغ عددهم حوالي السبعين وأيضًا بعضًا الشعب الوثني‬
‫هؤالء الذين قبلوا اإليمان ونالوا سر العماد بفرح. فتحدث القديس ديسقورس‬
  ‫بقلب ملتهب عن االستعداد لنوال إكليل االستشهاد. بعد أيام قليلة جدًا (ربما‬
         ‫بعد يوم أو يومين) اجتمع الكل في الكنيسة بالليل ليحتفلوا بعيد الميالد‬
        ‫المجيد، وقد رأس الصالة األنبا بانوديون األسقف، وكان قد حضر مع‬
        ‫الوالي أرمانيوس موثقًا، فتركه الجند لعله يتراجع عن إيمانه... أما هو‬
  ‫فانطلق إلى الكنيسة وبقي ساهرًا مع الكل يحتفلون بالعيد. سمع الوالي بذلك‬
 ‫فأخذ جنده وانطلق إلى الكنيسة في الصباح، واستدعى أرخنين من الكنيسة،‬
             ‫وسألهما أن يتركا اإليمان ويستميال بقية الشعب عن هذا العصيان‬
         ‫لدقلديانوس، فأبيا رفض اإليمان وسلما عنقيهما للسيف، عندئذ صرخ‬
‫الشعب في الكنيسة يعلن إيمانه. انطلق الجند إلى الكنيسة وقتلوا أوالً أبسكندة‬
 ‫وكهنته، ثم سحبوا األسقف والناسكين والرهبان ليوثقوهم، وضربوا بالسيف‬
‫كل الشعب المجتمع للعيد. انتشر الخبر سريعًا في الكنائس األخرى بالمدينة،‬
     ‫فصارت الجموع تأتي إلى هذه الكنيسة لتشهد منظر طغمة من المالئكة‬
   ‫نازلة من السماء، كل مالك يحمل إكليالً ليقدمه لشهيد، فكان الكل يتهافت‬
         ‫على نوال إكليله. ويقدر عدد الشهداء في يوم ميالد الرب (20 كيهك)‬
   ‫بحوالي سبعة آالف ومائتين شخصًا، وكأنهم في موكب نصرة ينطلق مع‬
         ‫شهداء بيت لحم لينعم بالفردوس. في السجن أخذ الوالي يوبخ األسقف‬
         ‫بانوديون بأنه مثير للشغب وأنه هو السبب في قتل هذه اآلالف ثم أمر‬
    ‫بسجنه. واستدعى األنبا ديسقورس وصار يعذبه، وبالليل سجنه مع أخيه‬
   ‫والرهبان الذين معهما. في الصباح (20 طوبة) استدعى ديسقورس ومن‬
 ‫معه وقد الحظ أنهم محلولي الرباطات، فصار يوبخ رئيس الجند أكوديوس‬
‫المنوط بحراسة السجن متهما إياه أنه ارتشى مع جنده ليحلوا هؤالء الرجال.‬
                                                ‫ً‬
  ‫وكانت المفاجأة أن أكوديوس ومساعده فليمون وأيضًا الجند قد أعلنوا أنهم‬
     ‫قبلوا اإليمان المسيحي، فأحرق الوالي الجند بالنار. زكريا وأبوه قيل أن‬
    ‫رجالً كان واقفًا يرى هذا المشهد ومعه ابنه الصغير زكريا، فصار االبن‬
      ‫يصرخ قائالً أنه يرى مالئكة تنزل من السماء، وتقدم أكاليل مجد للجند‬
    ‫وسط النار. فصار الوثنيون المشاهدون للمنظر يتعجبون لذلك. وإذ سمع‬
 ‫الملك باألمر أصدر أمره بقطع لسان االبن. انطلق األب الوثني حزينًا على‬
         ‫ابنه وقد صار الدم يندفع من فمه، وجموع من الوثنيين يواسونه، وإذا‬
 ‫برئيس المالئكة ميخائيل يشفي الولد فيؤمن كثيرون بالسيد المسيح. فأحرق‬
     ‫الوالي زكريا وأباه وقتل بالسيف الذين آمنوا، وكان ذلك في الثالثين من‬
      ‫كيهك. مع أولجيوس وجنده إذ جاء المساء أمر الوالي رئيس جند يدعي‬
   ‫أولجيوس أن يضبط ديسقورس ورجاله في السجن، وكان أولجيوس وهو‬
  ‫وثني يخاف هللا ويتطلع إلى هؤالء الرجال كأنبياء، لكنه كان ملتزما بتنفيذ‬
            ‫ً‬
       ‫ّ‬
      ‫أمر الوالي. كبّل الرجال بالقيود وبقى مع جنده حارسًا للحبس وهو مر‬
   ‫النفس... فظهر رئيس المالئكة ميخائيل للقديس ديسقورس كالمرة السابقة‬
 ‫وجمعه بأولجيوس ورجاله، وصار يكرز له، حتى إذا جاء الصباح استشهد‬
    ‫أولجيوس ورجاله كمؤمنين، دخلوا األتون الذي أعده الوالي بفرح شديد.‬
    ‫وتعرض القديس ديسقورس ألتعاب كثيرة في ذات اليوم، وكان ببشاشته‬
     ‫وشجاعته يجتذب الكثيرين من الوثنيين، وقد استشهد معه جموع كثيرة.‬
    ‫خالص أرمانيوس عاد أرمانيوس إلى القصر وهو حزين القلب من أجل‬
‫الدماء الكثيرة التي سُفكت في أيام قليلة وأخيرًا نام، وإذ بديسقورس يظهر له‬
  ‫بمجد عظيم ليوقظه. ارتعد الوالي الذي لم يعرف ديسقورس في البداية من‬
    ‫أجل بهاء المجد الذي له، وإذ أخبره عن نفسه اختفى، فآمن الوالي بالسيد‬
        ‫المسيح واعترف بذلك أمام دقلديانوس، واستشهد مع بعض أصدقائه‬
                  ‫بالسيف. إبراهيم صبري: مجموعة القصص المسيحية (0)‬

								
To top