Docstoc

افتقار العمل التربوي للضوابط الشرعي

Document Sample
افتقار العمل التربوي للضوابط الشرعي Powered By Docstoc
					                                                                                                       ‫افتقار العمل التربوي للضوابط الشرعية‬
                                                                        ‫ثمة اعتبارات عدة تؤكد على أن تحاط الجهود التربوية بسياج ضوابط الشرع، منها:‬
                                                                                                                                               ‫االعتبار األول :التربية عبادة:‬
     ‫التربية عمل شرعي، وعبادة هلل عز وجل، فال بد لها أن تحاط بسياج الشريعة وتضبط بضوابطها، وإن سالمة المقصد وحسن النية ونبل‬
                                                                                        ‫العمل ليست مسوغاً أو مبرراً لتسور السياج الشرعي وتجاوز الضوابط.‬
              ‫فَ‬
      ‫وإذا كان الدافع للمربي هو تحصيل األجر وابتغاء مرضاة اهلل عز وجل، فهذا لن يتحقق له مع مخالفة أمر اهلل وتجاوز حدوده } َمنْ كَانَ‬
                                                                                  ‫(الكهف:111).‬       ‫َب ْي َ ع ص لح و ي ِ ب ِب َ َب َد‬                                    ‫ي ج ل‬
                                                                                                   ‫َرْ ُوا ِقَاءَ ر ِّهِ فَل َعْملْ َمَال َاِ ًا َال ُشْركْ ِع َادةِ ر ِّهِ أَح ًا{‬
                                                                                                                                    ‫االعتبار الثاني:التربية وظيفة شرعية:‬
        ‫التربية شأنها شأن سائر الوظائف الشرعية األخرى (األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحكم بين الناس، الجهاد....) فإذا كانت هذه‬
                                                                                              ‫الوظائف البد من إحاطتها بسياج الضوابط الشرعية، فالتربية كذلك.‬
‫ولذلك ذكر أهل العلم آداباً للمحتسب واآلمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن يحققها ويرعاها، وذكروا آداباً وأحكاماً للجهاد كاالمتناع‬
‫عن قتل النساء والولدان والرهبان وأهل الصوامع، وذكروا آداباً للقاضي في نظره وتعامله مع الخصوم ونطقه بالقضاء، وفي كتب أدب العالم‬
                                                                                                        ‫ل‬
                                                                                  ‫والمتعلم ذكروا طائفة مما ينبغي أن يرعاه ويتمثله ك ٌ من معلم العلم وطالبه.‬
                                                                                                                                                ‫االعتبار الثالث:التربية قدوة:‬
                                                                        ‫ال‬
‫التربية قدوة قبل أن تكون توجيهاً، وعمل قبل أن تكون قو ً، والمربي ينبغي عليه أن يربي الناس بفعله قبل قوله، فحين يجاوز حدود الشرع‬
                               ‫فكيف سيربي غيره على الورع والتقوى ورعاية حدود اهلل والمتربي يرى المخالفة الشرعية ممن يربيه ويقتدي به؟‬
                   ‫ال‬
‫وأثر إخالل المربي بالتزام الضوابط الشرعية في تربيته وعمله ال يقف عند حد العمل التربوي بل يتجاوز ذلك لينتج جي ً يتهاون بحرمات اهلل‬
                                                                                                         ‫ويتجاوز حدوده ويقصر في أوامره في سائر ميادين حياته.‬
                                                                                                                                     ‫االعتبار الرابع:المربي تحت المجهر:‬
                                                                                                                   ‫ي‬
       ‫وكما أن المربي ُنظر إليه بعين القدوة فهناك عيون أخرى ترقبه وتنظر إليه، فينظر إليه من الخارج باعتباره واحداً ممن يعمل لإلسالم‬
                                                                                      ‫ي‬
       ‫وعمله يمثل السمت والهدي الشرعي، وربما ُنظر إليه بعين تبحث عن الخطأ وتفرح به؛ فتتخذ من أخطائه مدخالً للنيل من المصلحين،‬
 ‫والوقوف في خندق واحد مع أعداء اهلل، وهو مسلك قديم ورثه هؤالء عن أولئك الذين طعنوا في النبي صلى اهلل عليه وسلم وأصحابه بأنهم‬
     ‫أل َ َ‬
   ‫انتهكوا حرمة الشهر الحرام، ناسين أنهم واقعون فيما هو أكبر من ذلك من الصد عن سبيل اهلل والكفر به والمسجد الحرام { يَسَُْونكَ عنِ‬
  ‫ِ حر م وإ ر ج له ِ ه أ ْبر ع ل و ِ ْنة أ ْبر م َ ْ‬                                         ‫حر ِ ف ُ ِ ل ف َب ر َ َد ع َب ل وك ر ب و‬                                             ‫ّ‬
‫الشهْرِ الْ َ َامِ قتَالٍ ِيهِ قلْ قتَا ٌ ِيهِ ك ِي ٌ وص ّ َن س ِيلِ الّهِ َ ُفْ ٌ ِهِ َالْمَسْجدِ الْ َ َا ِ َِخْ َا ُ أَهِْ ِ منْ ُ َك َ ُ ِندَ الّهِ َالْفت َ ُ َك َ ُ ِنَ الْقتلِ‬
        ‫َ م ُه ف ّ ْي‬             ‫ْ ع وم ي ْ َ ِ ِ ك ع د ن فيم و ُ ك فر فُ َـ ِ َ ِ‬                                  ‫و يز ل ي تل ك َت ي ُد ك ع د نك‬
       ‫َالَ َ َاُونَ ُقَا ُِونَ ُمْ ح ّىَ َر ّو ُمْ َن ِي ِ ُمْ إِن استَطَا ُواْ َ َن َرتددْ منْ ُمْ َن ِي ِهِ َ َ ُتْ َهوَ َا ِ ٌ َأوْل َئكَ حبطَتْ أعْ َال ُمْ ِي الدن َا‬
                                                                                                     ‫(البقرة:217).‬      ‫خ َ وُ َ َ ِ َ ح ب ن ر ه ف ه ِد‬
                                                                                                                     ‫وَاآلَ ِرةِ َأوْلـئكَ أصْ َا ُ ال ّا ِ ُمْ ِي َا خَال ُون}‬
                                                                        ‫وذلك كله يدعو المربي إلى أن يتقي اهلل ويتحرى الضوابط الشرعية فيما يأتي ويذر.‬
                                                                                                                                          ‫االعتبار الخامس:التوفيق بيد اهلل:‬
     ‫إن التوفيق والنجاح ليس مرده إلى الجهد البشري وحده، بل قبل ذلك كله توفيق اهلل وعونه وتأييده؛ وهذا التوفيق له أسباب من أعظمها‬
   ‫وأهمها رعاية العبد لحرمات اهلل، وما أحرى أولئك الذين يتجاوزون الحدود الشرعية بالبعد عن توفيقه سبحانه وتأييده، وفي التعقيب على‬
   ‫َ م َص َ ك ّص بة َ أ َ ْت ّ َ ْه ق ْت َنى َ َذ ُ ُ ِ ع َ فسك‬
 ‫غزوة أحد بيان أن ما أصاب المؤمنين إنما كان بسبب أنفسهم{أوَ لَ ّا أ َابتْ ُمْ م ِي َ ٌ قدْ َصب ُمْ مثْلي َا ُل ُمْ أ ّ َ هـ َا قلْ هوَ منْ ِندِ أنْ ُ ِ ُمْ‬
                                                                                                                           ‫(آل عمران:161).‬        ‫َد ر‬          ‫ِن ل ع ُل‬
                                                                                                                                                 ‫إ ّ الّهَ َلَىَ ك ّ شَيْءٍ ق ِي ٌ}‬
                     ‫ا‬
       ‫هذه االعتبارات وغيرها تدعو وتؤكد على ضرورة أن يعنى المربون برعاية اآلداب الشرعية، وأن يكون عملهم محاطً بسياج الضوابط‬
                                                                                                                                                                        ‫الشرعية.‬
         ‫والمتأمل في الساحة اإلسالمية يرى أن هناك تجاوزات عدة في ميدان العمل التربوي للضوابط الشرعية تستوجب الوقوف والمراجعة.‬
                                                                                                                                 ‫ولعل أهم أسباب هذه التجاوزات ما يلي:‬
                                                                                                                                                                    ‫السبب األول:‬
‫ضعف العلم الشرعي وقلة العناية به؛ فكثير من العاملين في الساحة اإلسالمية يأخذ العلم الشرعي مرتبة متأخرة ضمن برامجهم، بل إن األمر‬
       ‫تجاوز مجرد إهمال العناية بالعلم الشرعي إلى تهميش دوره والتقليل من شأنه؛ فهو يشغل عن الدعوة إلى اهلل وهمومها، أو هو شأن‬
    ‫الخاصة والمهتمين، أو أن العناية باستراتيجيات الدعوة وقضاياها الفكرية الساخنة أولى وأصدق داللة على عمق صاحبها!… هذه حجج‬
                                                                                                                         ‫جه‬
                                ‫يوا َ ُ بها من يدعو بعض العاملين لإلسالم إلعطاء العلم الشرعي دوره الالئق به ضمن برامجهم الدعوية.‬
   ‫ونحن إذ نقول ذلك ال ندعو أيضاً إلى أن يكون الجانب العلمي هو وحده الهم األوحد للدعاة، وأن يهمل ما سواه، وال إلى أن يكون كل جيل‬
                                   ‫الصحوة فقهاء ومحدثين ومجتهدين، وال أن تنسى األولويات الدعوية ونعيش في إطار هامشي محدود.‬
      ‫لكننا ندعو إلى أن يأخذ مكانه الالئق به، وأن يكون البناء العلمي من أهم أهداف المربين للشباب اليوم؛ فبدونه يخرج جيل يجيد التقعر‬
  ‫والتشدق، ويحسن الخطابة والحديث دون علم شرعي يحميه من الزلل والتجاوزات، ويسلك به منهج النبي صلى اهلل عليه وسلم وهديه في‬
                                                                                                                                 ‫الدعوة.‬
     ‫وندعو إلى أن يجمع المربون بين االعتناء بالعلم الشرعي، والتعاطي المنضبط مع الثقافة المعاصرة، والوعي بظروف العصر وأحواله.‬
                                                                                                                            ‫السبب الثاني:‬
  ‫الغلو والمبالغة في دور المربي وواجباته وتعظيم ذلك، وهذا يؤدي إلى نقل كثير من المناهي الشرعية إلى دائرة الضرورة؛ إذ يرى المربي‬
    ‫أن التربية ال تتم إال بذلك، فهو بحاجة لمعرفة معلومات دقيقة عمن يربيه، واالطالع على كوامن في نفسه، وإلى أن يتجاوز الوقوف عند‬
                                                                                                                          ‫حدود الظاهر...‬
                                              ‫ا‬
    ‫وحين يعطى هذا الجانب أكثر من حقه فسيشعر المربي أن الضوابط الشرعية ستقف عائقً دون تأدية أدوار كثيرة فيضطر لتجاوزها، كما‬
‫يفعل بعض الزعماء حين يجنحون إلى إعالن حالة الطوارئ التي تسمح لهم بقدر من الحرية في تجاوز القوانين التي قد تحد من صالحياتهم،‬
                                                                                                                        ‫مع فارق التشبيه.‬
   ‫وعلى أولئك الذين يضخمون حجم المربي ويعطونه هالة ليست له أن يدعموا موقفهم بنص من كتاب اهلل وسنة نبيه صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                              ‫يؤيد ذلك؛ إذ هو من جملة المسلمين المخاطبين بسائر النصوص الشرعية.‬
     ‫ا‬
     ‫والمربي -مع التقدير لدوره ووظيفته- شأنه شأن القائمين بكثير من الوظائف الشرعية كالتعليم واالحتساب، وقد اعتنى أهل العلم قديمً‬
           ‫وحديثاً ببيان ضوابط عمل هؤالء وحدود مسؤوليتهم، دون أن يعتقدوا أن خصوصية مهمتهم عامل في تجاوز الضوابط الشرعية.‬
    ‫ومع أهمية الجهاد وجواز الكذب فيه على األعداء، إال أنه مهما كانت المصالح فال يجوز الغدر وال الخيانة، وقد كان صلى اهلل عليه وسلم‬
‫ا‬
‫يوصي من يؤمره في الجهاد بمراعاة األدب الشرعي؛ فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إذا أمر أميرً‬
                                                             ‫ا‬
  ‫على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اهلل ومن معه من المسلمين خيرً ثم قال:"اغزوا باسم اهلل في سبيل اهلل، قاتلوا من كفر باهلل،‬
                                                                           ‫ا‬
   ‫اغزوا وال تغلوا وال تغدروا وال تمثلوا وال تقتلوا وليدً… وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة اهلل وذمة نبيه فال تجعل لهم‬
       ‫ذمة اهلل وال ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة اهلل وذمة‬
     ‫رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنـزلهم على حكم اهلل فال تنـزلهم على حكم اهلل ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك ال تدري‬
                                                                                          ‫ال"( رواه مسلم (1721).‬   ‫أتصيب حكم اهلل فيهم أم‬
                                                                                                                            ‫السبب الثالث:‬
  ‫ضعف الورع واالنضباط الشرعي، وهو باب بلي به كثير من الناس في هذا الزمان، ومن يضعف ورعه ويرق دينه ربما تجرأ على ما يعلم‬
                                                           ‫علم اليقين أنه محرم، أو تهاون فيما هو في دائرة المشتبهات، أو غلبه هواه.‬
‫وامتد أثر ذلك إلى بعض الصالحين فغلب عليهم التهاون وقلة الورع في حياتهم الخاصة، ومن ثم بدا أثره في أعمالهم وجهودهم الدعوية، بل‬
                                                                                ‫بعضهم يرفض مبدأ النقاش في هذه القضايا من أساسه.‬
                                                                                                                            ‫السبب الرابع:‬
 ‫اإلغراق في التنظير واألسباب المادية والغفلة عن اإلخالص واستحضار النية واستشعار العبودية هلل تعالى في هذه األعمال، وحين يغيب هذا‬
‫األمر تسيطر الحسابات البشرية المادية، ويغفل المرء عظمة قدرة اهلل تبارك وتعالى، والتي من أعظم نتائجها وآثارها التسليم والتفويض له،‬
                                                    ‫والشعور بأن العمل مالم يبارك اهلل فيه ويكتب التوفيق لصاحبه فهو إلى بوار وهالك.‬
 ‫وال نعني أن يهمل الدعاة إلى اهلل األخذ بهذه األسباب فهي مما البد منه، لكنها ينبغي أن ال تنسينا استحضار النية والعبادة في هذه األعمال.‬
                                                                                                                          ‫السبب الخامس:‬
  ‫قلة العناية بالمراجعة والمحاسبة؛ إذ هي توقف المرء على مدى تقصيره، وعلى جوانب الخلل في عمله، وال يسوغ أن يكون االعتياد على‬
                                                                                                                     ‫ا‬      ‫ال‬
                                                                                              ‫عمل وإرثه عن السابقين حائ ً ومانعً عن المراجعة والمحاسبة.‬
‫وقد يسمع المربي النقد لبعض أوضاعه، والحديث عن بعض التجاوزات الشرعية التي يقع فيها، فتحول نظرته لنبل عمله وسالمة مقصده، أو‬
                                                                  ‫أنه ورث هذا العمل عن من يحسن الظن بهم ويثق بمسلكهم عن االقتناع بخطأ مسلكه.‬
‫أو أن يكون النقد صادراً ممن ال يرعى فيه األدب الشرعي، أو من أهل اإلثارة واللغط على المصلحين، والمؤمن يقبل الحق ممن جاء به ولو‬
                                                                                                                              ‫ساءت نيته أو أساء األدب في عرضه.‬
                                                                                                                                                           ‫الصورة األولى:‬
 ‫االتكاء واالعتماد على القواعد الشرعية العامة المجملة دون النظر للنصوص الخاصة في المسألة، والشريعة باب واحد ال يمكن أن تتناقض‬
  ‫أو تضطرب، والقواعد العامة للشرع إنما تفهم في إطار سائر النصوص، وتسليط األفهام البشرية عليها يؤدي إلى فوضى واستهانة بحدود‬
                                                                                                                                                                          ‫اهلل.‬
                                                                                    ‫ر‬
       ‫ومن أهم هذه القواعد مراعاة المصلحة، إذ كثي ٌ من المخالفات العظام في الساحة اإلسالمية تجرأ عليها أصحابها باسم المصلحة، وهو‬
                             ‫المنهج نفسه الذي يسلكه بعض علماء السوء وأهل األهواء في تبرير مواقف العلية من الناس، مع اختالف الدوافع.‬
   ‫إن جلب المصلحة ودرء المفسدة قاعدة شرعية عظيمة ال جدال فيها وال نقاش لكنها يجب أن تكون ضمن ضوابط من أهمها أن ال تخالف‬
                                                                                                                                                   ‫ا‬
                                                                                                                    ‫نصاً أو حكمً شرعياً، وإال كانت مصلحة ملغاة.‬
                                                                                                             ‫الصورة الثانية: عدم وضوح قضية الظاهر والباطن:‬
  ‫من القواعد الشرعية أخذ الناس بظواهرهم وعدم التنقيب عما وراء ذلك، وما ورد في الشرع من النهي عن التجسس والتطلع داخل ضمن‬
  ‫(رواه البخاري (1171) ومسلم (1611).‬         ‫هذه القاعدة. ولهذا قال صلى اهلل عليه وسلم :"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس وال أشق بطونهم"‬
 ‫وعن ابن عمر -رضي اهلل عنهما- قال: صعد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:"يا معشر من قد أسلم بلسانه‬
‫ولم يفض اإليمان إلى قلبه ال تؤذوا المسلمين وال تعيروهم وال تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع اهلل عورته، ومن تتبع‬
                                                                                                  ‫(رواه الترمذي (7717).‬      ‫اهلل عورته يفضحه ولو في جوف رحله"‬
      ‫عن أبي برزة األسلمي -رضي اهلل عنه- قال قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم :"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل اإليمان قلبه، ال‬
               ‫بيته"( رواه أحمد‬   ‫تغتابوا المسلمين وال تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع اهلل عورته، ومن يتبع اهلل عورته يفضحه في‬
                                                                                                                                     ‫(22771[1/171]) وأبو داود (1881).‬
‫وقال أيضاً لمعاوية:"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم". فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول اهلل نفعه اهلل‬
                                                                                                                                         ‫بها(رواه أبو داود (8881).‬      ‫تعالى‬
 ‫وقال عمر بن الخطاب -رضي اهلل عنه- "من أظهر لنا خيراً ظننا به خيراً وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شراً ظننا به شراً وأبغضناه عليه".‬
 ‫وقد نص طائفة من أهل العلم على أن أحكام الشرع مبناها على الظاهر، قال ابن القيم رحمه اهلل: "فإن اهلل سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على‬
                     ‫لــها"( أعالم الموقعين (1/771).‬         ‫السرائر بل على الظواهر والسرائر تبع لها، وأما أحكام اآلخرة فعلى السرائر والظواهر تبع‬
      ‫وقال الشاطبي:" ومن هنا جعلت األعمال الظاهرة في الشرع دليالً على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منحرفاً حكم على الباطن بذلك، أو‬
                                                                                                  ‫ا‬
  ‫مستقيماً حكم على الباطن بذلك أيضً ، وهو أصل عام في الفقه وسائر األحكام والعاديات والتجريبيات، بل االلتفات إليها من هذا الوجه نافع‬
                                                                              ‫ا‬
     ‫في جملة الشريعة جداً، واألدلة على صحته كثيرة جدً، وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان‬
                                                                                                      ‫(الموافقات (1/121).‬     ‫العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح"‬
 ‫ومن صور التجاوز نتيجة غياب هذا المفهوم ما قد يمارسه بعض المربين:من التجسس، واالستماع لحديث غيره دون علمه، واالطالع على‬
       ‫يَ ّه ّذ ن َن‬
    ‫ما يخصه دون إذنه... كل هذه األمور محرمة شرعاً، وجرأة بعض المربين على تجاوزها داخل في عموم قوله تعالى { َأي َا ال ِي َ آم ُواْ‬
 ‫ي ُ ل أخ َ فكر ْتم ه تق ل ِن‬                                        ‫َيحب أ َدك‬          ‫سس و ي ْ ب ْضك ب‬                    ‫ّن ِ م و‬        ‫ّن ِن ب ْ‬      ‫ْ َ ِب َث ّ‬
 ‫اجتن ُواْ ك ِيراً منَ الظ ّ إ ّ َعضَ الظ ّ إثْ ٌ َالَ تَجَ ّ ُواْ َالَ َغتَب ّع ُ ُم َعْضاً أ ُ ِ ّ َح ُ ُمْ أَن َأْكلَ َحْمَ َ ِيهِ ميْتاً َ َ ِه ُ ُو ُ وَا ّ ُواْ الّهَ إ ّ‬
                                                                                                                 ‫ل َو ب رح م‬
     ‫الّهَ ت ّا ٌ ّ ِي ٌ} (الحجرات:71) وقوله صلى اهلل عليه وسلم:"من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى‬
                                                  ‫(رواه البخاري (7112).‬      ‫حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنه اآلنك يوم القيامة... "‬
 ‫والشعور باألمانة والمسؤولية ليس عذراً للمرء أن يتطلع إلى ماال يحل له التطلع إليه، فقد نهى النبي صلى اهلل عليه وسلم الرجل أن يطرق‬
                                                                                                                      ‫ال‬
 ‫أهله لي ً، معلالً ذلك بقوله:"يتخونهم أو يلتمس عثراتهم" (رواه مسلم (112)، وال أظن أن مسؤولية المربي وخصوصية دوره تتجاوز مسؤولية‬
                                                                                                                          ‫الزوج عن أهله.‬
‫وتدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرفة ما وراء الظاهر، والدافع لذلك كله حسن؛ فهو يسعى للتربية واإلصالح،‬
                        ‫ويريد قياس نتاج تربيته، ويخشى أن يغتر بالمظاهر، لكن ذلك كله ال يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية.‬
‫ومما يعين المربي على االقتناع بالوقوف عند حدود الظاهر وتجاوز التطلع، علمه أنه غير مكلف شرعاً بما ال يظهر له، وأن النبي صلى اهلل‬
  ‫عليه وسلم كان يقول عن نفسه:"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما‬
 ‫أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فال يأخذ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار.. " (رواه البخاري (2676) ومسلم (7121)، فإذا كان هذا الشأن‬
                                                                       ‫في الحقوق واألحكام فكيف بما هو دونها من أمور التربية والتوجيه؟‬
  ‫وكذلك فالداعية والمربي ليست مهمته إصالح الناس وهدايتهم، بل ذلك أمره إلى اهلل وحده، إنما مهمته دعوتهم واالجتهاد في سلوك أقرب‬
                                                                   ‫ج‬
   ‫الطرق الموصلة الستجابتهم، وحين ال يتحقق ذلك فاألمر خار ٌ عن دائرة مسؤوليته، وهاهو محمد صلى اهلل عليه وسلم لم يستطع هداية‬
 ‫عمه، وهاهو نوح مع ابنه، وإبراهيم مع أبيه، ونوح ولوط مع زوجيهما، فوقوع المتربي في المعصية وانحرافه ليس بالضرورة دليالً على‬
                                                               ‫فشل المربي أو تقصيره في مهمته التي تنتهي عند أداء الجهد قدر استطاعته.‬
  ‫وثمة سؤال له أهميته هنا: ذلك أن العبرة بصالح الباطن، وأن صالح الظاهر وفساد الباطن باب من أبواب النفاق، فكيف مع ذلك نقف عند‬
                                                                        ‫حدود الظاهر فقط؟ وكيف ال تكون عناية المربي متجهة إلى الباطن؟‬
     ‫والجواب: أن ثمة فرق بين الدعوة والتربية، وبين التعامل وإجراء األحكام؛ فالدعوة والتربية يجب أن تتجه إلى إصالح القلوب، وتنقية‬
 ‫السرائر؛ فصالح الباطن هو األساس، أما التعامل وإجراء األحكام فهو على أساس الظواهر، وال يسوغ لإلنسان السعي للتنقيب عن الباطن،‬
              ‫وحديثنا ونقدنا إنما هو منصب على دائرة التعامل وإجراء األحكام، وليس على اعتناء المربي بتوجيه الدعوة إلصالح الباطن.‬
   ‫ومما يعين المربي على تحقيق االتزان في هذه القضية إدراك االرتباط بين صالح الظاهر والباطن، فصالح الباطن أو فساده ال بد أن يبدو‬
   ‫أثره على ظاهر اإلنسان، ومن ثم فليس بحاجة إلى التطلع إلى الباطن والتفتيش عنه، وفي المقابل فاألعمال الصالحة الظاهرة لها أثر في‬
 ‫صالح باطن المرء؛ فالصالة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصدقة تطهر وتزكي، والصيام طريق لتحقيق التقوى، والذكر تطمئن به القلوب،‬
                                                                                                              ‫وهكذا سائر األعمال الصالحة.‬
  ‫وأولئك الذين يكلفون أنفسهم عناء البحث عن البواطن والتفتيش في الدواخل تبدو لهم مشكالت ال يطيقون حلها، فيعيشون حالة من القلق‬
                                                             ‫كان بإمكانهم تجاوزها لو اتبعوا المنهج الشرعي في الوقوف عند حدود الظاهر.‬
                                                                                           ‫الصورة الثالثة: التهاون بحجة مسائل االجتهاد:‬
   ‫ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حالً وحرمة، ولكل منهم مأخذه ودليله، فهي دائرة ضمن مسائل‬
                                                                                                                                 ‫االجتهاد.‬
  ‫واألمر في مسائل االجتهاد واسع، وال يسوغ في ذلك اإلنكار واإلغالظ والتهارج، لكن ذلك قد يشعر بعض المربين أن هذه األمور ما دامت‬
                     ‫ضمن مسائل االجتهاد فالباب فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط، فيسلك فيها ما يهواه دون أي اعتبار ألمر آخر.‬
                                                                                            ‫ُسو‬
      ‫وكون المسألة من مسائل االجتهاد ال ي َّغ أن يتبع فيها المرء ما يحلو له، بل ال بد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل‬
                                                                                            ‫الشرعي -وليس هذا مقام بسط هذه المسألة-.‬
                                                                                           ‫الصورة الرابعة: إهمال الورع الشرعي الواجب:‬
                                                                                                                                ‫ومن ذلك:‬
                                                                                                 ‫ال‬
                             ‫أ - ما يتعلق بصحبة األمرد مث ً، فقد شدد السلف في ذلك واآلثار عنهم يضيق هذا المقام عن حصرها، ومنها:‬
    ‫(شعب اإليمان [(1771) 1/817]).‬   ‫ما رواه البيهقي في الشعب عن بعض التابعين قال:"كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغالم الجميل"‬
  ‫(شعب اإليمان [(6771) 1/817]).‬                                                                                          ‫ا‬
                                  ‫وروى أيضً عن بعض التابعين:"ما أنا بأخوف على الشاب الناسك من سبع ضارٍ من الغالم األمرد يقعد إليه"‬
 ‫(شعب اإليمان [(2771)‬   ‫وروى عن الحسن بن ذكوان قال:"ال تجالسوا أوالد األغنياء فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذارى"‬
                                                                                                                                 ‫1/817]).‬
 ‫ا‬
‫وروى عن عبد اهلل بن المبارك أنه قال:دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غالم صبيح، فقال:"أخرجوه؛ فإني أرى مع كل امرأة شيطانً،‬
                                                                          ‫(شعب اإليمان [(1111) 1/167]().‬    ‫ا‬
                                                                                                           ‫ومع كل غالم بضعة عشر شيطانً"‬
             ‫(تذكرة السامع والمتكلم (177).‬   ‫وقال ابن جماعة :"واألولى أن ال يسكنها -المدرسة- وسيم الوجه أو صبي ليس له فيها ولي فطن"‬
                                           ‫ي‬       ‫ي م‬
   ‫وقد غدت اليوم صحبة المربين لهؤالء األحداث ضرورة ملحة، وال يسوغ أن ُه َلوا أو ُنهى المربون عن صحبتهم بحجة الورع؛ ذلك أن‬
      ‫واقع السلف كان يختلف عن واقعنا، فَلَمْ يكن البديل عندهم هو الشارع غير المنضبط، أو التجمعات الساقطة مما نشهده اليوم، بل كانت‬
     ‫البيوت ومؤسسات المجتمع التربوية تتكفل بتربية هؤالء والعناية بهم، أما اآلن فالبديل لصحبة المربين لهؤالء هو أن يصحبهم شياطين‬
                        ‫اإلنس والمفسدين، والواقع شاهد بأن كثيراً من هؤالء حين ابتعدوا عن الميادين الصالحة انزلقوا في طرق الفساد.‬
    ‫ومثل ذلك الحاجة إلى دخول رجال الحسبة لألسواق والمواطن التي تكثر فيها المنكرات، ويتعرضون فيها للنظر المحرم ورؤية المنكرات،‬
                                                               ‫وفي ذلك من األثر على النفس ما فيه، لكن للحاجة أجاز أهل العلم ذلك.‬
‫ومع القول بالحاجة لصحبة المربين لألحداث تبقى هذه النصوص عن السلف لها قيمتها واحترامها، فعلى المربي أن يراعي ضوابط مهمة في‬
‫ذلك منها: عدم الخلوة، أو السفر مع األمرد وحده، ومراعاة المبيت وما يتعلق به، وهي أمور قد يخل بها بعض المربين، مما ينشأ عنه نتائج‬
                                                                                                                     ‫غير محمودة.‬
                                                                                            ‫يع‬
 ‫ومن الضوابط المهمة في ذلك: أن ُب َد من ينشأ منه تقصير وتهاون في هذا األمر ويلحظ منه ميل لألحداث؛ أن يبعد عن هذه الميادين التي‬
                                                                                                           ‫ا‬
    ‫تتطلب اتصاالً مباشرً بهم، وفي الميادين الدعوية األخرى بديل عن ذلك(وقد يلحق بذلك من تصدر منه تجاوزات ال تليق بأمثاله وإن تاب‬
                                                                                   ‫منها، ففرق بين التوبة التي ال يغلق بابها، وبين).‬
‫ب - ومن صور إهمال الورع الشرعي الواجب: التوسع في الوقوع في األعراض، فقد تدعو طبيعة العمل التربوي للحديث عن قضايا خاصة‬
      ‫للمتربين وانتقادهم، وقد يتحدث بعض األساتذة عن طالب معين بما يكرهه، واألصل في ذلك كله هو المنع والتحريم؛ إذ هو داخل تحت‬
‫النصوص التي تحرم الغيبة و تشدد فيها، بل تجعل حرمة أعراض المسلمين كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام، إال ما كان له حاجة ومصلحة‬
                                                                                                                   ‫شرعية واضحة.‬
   ‫ومن أخطر هذه األبواب ما يتعلق باألعراض، إذ قد يصارح تلميذ أستاذه ومربيه بمشكلة تتعلق بهذا الباب فيتجرأ هذا المربي على الحديث‬
                                                                                                      ‫عنها لغيره بما ال ضرورة له.‬
    ‫أما الحاجة للتقويم ووضع الرجل في المكان المناسب فينبغي أن تقدر بقدرها، ومن ذلك ما ذكره بعضهم في ضوابط الصور المستثناة من‬
                                                                                                                            ‫الغيبة.‬
                                                                                                                             ‫وبعد:‬
    ‫فحين نتحدث عن مثل هذه األخطاء والتجاوزات فيجب أن نعتدل ونتوسط، فال يسوغ أن تكون مجاالً للتندر واالنتقاص للعاملين هلل، أو أن‬
                                             ‫تحول إلى معول هدم للصروح التربوية ويسعى إلى القضاء عليها بحجة االنضباط الشرعي.‬
‫وندرك أيضاً أن كثيراً ممن يقع في مثل هذه التجاوزات إنما أتي من باب الغفلة، والذهول عن مراعاتها ال من قبل رقة الدين، بل أكثرهم خير‬
                                                                                                                     ‫وأتقى هلل منا.‬
    ‫وندرك المنجزات الرائعة التي قدمها هؤالء المربون نسأل اهلل أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم وأن يبارك في جهودهم، ويكلل أعمالهم‬
                                                                                                         ‫بالتأييد والنجاح والتوفيق.‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:4
posted:9/14/2012
language:
pages:5