سلسلة أعمال القلوب 1 .. الشيخ محمد المنجد

Document Sample
سلسلة أعمال القلوب 1 .. الشيخ محمد المنجد Powered By Docstoc
					    ‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬




‫1‬
                                 ‫سلسلة أعمال القلوب‬

                            ‫للشيخ محمد بن صالح المنجد‬
                             ‫ّ‬




‫أعمال القلوب اهتم بها العلماء فصنفوا فيها المؤلفات ، وابتدؤوا أعمالهم بالتذكير والحث عليها. أعمال القلوب‬
‫تحتاج إلى مجاهدة وعناية، وبما أن النجاة مدارها على أعمال القلوب باإلضافة إلى أعمال الجوارح التي البد أن‬
                                                                             ‫تأتي إذا صحت أعمال القلوب.‬
                                                                                             ‫ّ‬
‫2‬
‫اإلخالص هو أولها وأهمها وأعالها وأساسها، هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السالم (( وما أمروا‬
                                          ‫إال ليعبدوا هللا مخلصين له الدين حنفاء))((أال هلل الدين الخالص)).‬
‫اإلخالص هو لب العبادة وروحها، قال ابن حزم: النية سر العبودية وهي من األعمال بمنزلة الروح من الجسد،‬
                                            ‫ومحال أن يكون في العبودية عمل ال روح فيه، فهو جسد خراب.‬
‫واإلخالص هو أساس قبول األعمال وردها فهو الذي يؤدي إلى الفوز أو الخسران، وهو الطريق إلى الجنة أو إلى‬
                                              ‫النار، فإن اإلخالل به يؤدي إلى النار وتحقيقه يؤدي إلى الجنة.‬
                                          ‫معنى اإلخالص‬
‫خلص خلوصا ً خالصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصا ً وخلصت إلى الشيء وصلت إليه،‬
‫وخالص السمن ما خلص منه. فكلمة اإلخالص تدل على الصفاء والنقاء والتنزه من األخالط واألوشاب. والشيء‬
‫الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية. وأخلص الدين هلل قصد وجهه وترك الرياء. وقال‬
                                                                              ‫الفيروز أبادي: أخلص هلل ترك الرياء.‬
‫كلمة اإلخالص كلم ة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون ، وأما تعريف اإلخالص في الشرع فكما‬
              ‫قال ابن القيم –رحمه هللا -: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة أن تقصده وحده ال شريك له.‬
                                                                  ‫وتنوعت عبارات السلف فيه، فقيل في اإلخالص:‬
                                                          ‫- أن يكون العمل هلل تعالى، ال نصيب لغير هللا فيه.‬
                                                                     ‫- إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.‬
                                                                       ‫- تصفية العمل عن مالحظة المخلوقين.‬
                                                                                ‫- تصفية العمل من كل شائبة.‬
‫المخلص هو الذي ال يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صالح قلبه مع هللا عزوجل، وال يحب‬
‫أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله. قال تعالى: ((وما أمروا إال ليعبدوا هللا مخلصين له الدين حنفاء))‬
                                           ‫وقال لنبيه صلى هللا عليه وسلم : ((قل هللا أعبد مخلصا ً له ديني)).‬
      ‫(( قل إن صالتي ونسكي ومحياي ومماتي هلل رب العالمين ال شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)).‬
           ‫قال تعالى: ((الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عمالً)) أحسن عمالً أي أخلصه وأصوبه.‬
‫قيل للفضيل بن عياض الذي ذكر هذا: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان صوابا ً ولم يكن خالصا ً لم‬
‫يقبل وإن لم يكن خالصا ً وكان صوابا ً لم يقبل، حتى يكون خالصا ً صواباً، والخالص أن يكون هلل ، والصواب‬
‫أن يكون موافقا ً للسنة ، ثم قرأ : ((فمن كان يرجو رحمة ربه فليعمل عمالً صالحا ً وال يشرك بعبادة ربه‬
                                                                                                         ‫أحداً)).‬
‫وقال تعالى: ((ومن أحسن دينا ً ممن أسلم وجهه هلل وهو محسن)) يعني أخلص القصد والعمل هلل ،‬
‫واإلحسان متابعة السنة، والذين يريدون وجه هللا فليبشروا بالجزاء (( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم‬
‫بالغداة والعشي يريدون وجهه))، (( ذلك خير للذين يريدون وجه هللا ))،(( وسيجنبها األتقى الذي يؤتي مالها‬
                           ‫يتزكى وما ألحد عنده من نعمة تجزى إال ابتغاء وجه ربه األعلى ولسوف يرضى)).‬
‫وأما أهل النقيض وأهل الرياء فإن هللا ذمهم وبيّن عاقبتهم (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم‬
‫أعمالهم فيها وهم فيها ال يبخسون أولئك الذين ليس لهم في اآلخرة إال النار))، (( من كان يريد العاجلة عجلنا‬
‫له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصالها مذموما ً مدحوراً))، (( من كان يريد حرث الدنيا نؤته‬
‫منها وماله في اآلخرة من نصيب))، (( وال تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورءاء الناس ويصدون‬
                                                                         ‫عن سبيل هللا وهللا بما يعملون محيط)).‬
‫وقد مدح هللا المخلصين : (( إنما نطعمكم لوجه هللا ال نريد منكم جزاء وال شكوراً))، (( ال خير في كثير من‬
‫نجواهم إال من أمر بصدقة أو معروف أو إصالح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة هللا فسوف نؤتيه‬
                                             ‫أجراً عظيما ً))، (( من كان يريد حرث اآلخرة نزد له في حرثه)).‬
                   ‫في غزوة أحد أراد هللا االبتالء والتمحيص (( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد اآلخرة)).‬
‫قال صلى هللا عليه وسلم : ((إنما األعمال بالنيات)) ، إنه أهم حديث، علمنا إياه صلى هللا عليه وسلم في كل‬
                                                                    ‫شيء، في الصالة والصيام والحج وغيرها..‬


‫3‬
‫قال صلى هللا عليه وسلم : (( من غزا في سبيل هللا ولم ينوي إال عقاالً فلهو ما نوى))..، كذلك فإن بعث‬
                                            ‫الناس على حسب نياتهم : ((إنما يبعث الناس على نياتهم))..‬
                                         ‫أهمية اإلخالص‬
                                                                             ‫1 - النجاة تكون بسببه في اآلخرة.‬
‫2 - اجتماع القلب في الدنيا وزوال الهم ال يكون إال به : (( من كانت اآلخرة همه جعل هللا غناه في قلبه وجمع‬
‫له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل هللا فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم‬
                                                                          ‫يأته من الدنيا إال ما قدر عليه )).‬
‫3 - مصدر رزق عظيم لألجر وكسب الحسنات ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه هللا إال أجرت عليه حتى ما‬
                                                                  ‫تجعل في فم امرأتك)) {رواه البخاري}.‬
‫4 - ينجي من العذاب العظيم يوم الدين فقد أخبرنا صلى هللا عليه وسلم عن أول خلق هللا تسعر بهم النار يوم‬
‫القيامة وهم متصدق أنفق ليقال جواد، وقاريء تعلم العلم وعلمه ليقال عالم، و مجاهد قاتل ليقال‬
‫جريء..، وهذا الحديث حدث به أبو هريرة فكان يغشى عليه من هوله كلما أراد التحديث به، ويمسح‬
‫وجهه بالماء حتى استطاع التحديث به. وفي مجال عدم اإلخالص في طلب العلم يقول صلى هللا عليه‬
‫وسلم : ((من تعلم علما ً مما يبتغى به وجه هللا لم يتعلمه إال ليصيب به عرض من عرض الدنيا لم يجد‬
‫عرف الجنة يوم القيامة))، وقال: (( من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف‬
                                                                      ‫به وجوه الناس إليه فهو في النار)).‬
‫اإلخالص يريح الناس يوم يقول هللا للمرائين اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل‬
                                                                                           ‫تجدون عندهم جزاء.‬
‫اإلخالص ينجي اإلنسان من حرمان األجر و نقصانه ولذلك فإن النبي صلى هللا عليه وسلم جاءه رجل غزى‬
  ‫يلتمس األجر والذكر فقال ال شيء له"ثالثا ً" إن هللا ال يقبل من العمل إال ما كان له خالصا ً وابتغي به وجهه.‬
‫ابن مكرز رجل من أهل الشام قال : يارسول هللا رجل يريد الجهاد في سبيل هللا وهو يبتغي عرضا ً من عرض‬
‫الدنيا فقال صلى هللا عليه وسلم : ال أجر له. فأعظم ذلك الناس فقالوا عد لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬
                                                                              ‫فلعلك لم تفهمه فقال له ال أجر له.‬
‫قال صلى هللا عليه وسلم : (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عمالً أشرك فيه معي غيري تركته‬
                                                                                                      ‫وشركه)).‬
‫كذلك اإلخالص هو أساس أعمال القلوب ، وأعمال الجوارح تبع ومكمل له، اإلخالص يعظم العمل الصغير‬
‫حتى يصبح كالجبل ، كما أن الرياء يحقر العمل الكبير حتى ال يزن عند هللا هباء(( وقدمنا إلى ما عملوا من‬
                                                                                   ‫عمل فجعلناه هباء منثوراً)).‬
                            ‫قال ابن المبارك: (( رب عمل صغير تكثره النية ورب عمل كبير تصغره النية)).‬

‫اإلخالص مهم جداً ألن أغلب الناس يعيشون في صراعات داخلية ويعانون من أشياء فحرموا البركة‬
‫والتوفيق إال من رحمه هللا، فكيف يكون النصر و تعلم العلم إال من المخلصين، اإلخالص مهم في إنقاذنا من‬
‫الوضع الذي نعيش فيه، فقد أصبح عزيزاً نادراً قليالً، مشاريع ودعوات تلوثت بالرياء، حركات إسالمية‬
                                       ‫دمرت بسبب افتقاد اإلخالص وبعد أن أريد بها الرئاسة والجاه والمال..‬
‫يقول ابن أبي جمرة وهو من كبار العلماء: وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إال أن يعلم الناس‬
‫مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إال، فإنه ما أتى على كثير من الناس إال من تضييع‬
                                                                                                           ‫ذلك.‬
‫ومن فوائد اإلخالص أنه يقلب المباحات إلى عبادات وينال بها عالي الدرجات، قال أحد السلف: إني ألستحب أن‬
‫يك ون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ونومي ودخولي الخالء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى هللا.‬
                                             ‫ألن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب للمهمات مطلوب شرعا ً.‬
       ‫النية عند الفقهاء: تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات عن بعضها البعض، إرادة وجه هللا عزوجل .‬
‫اإلخالص ينقي القلب من الحقد والغل ويسبب قبول العمل ألن النبي صلى هللا عليه وسلم قال: (( إن هللا ال يقبل‬
                                                               ‫من العمل إال ما كان له خالصا ً وابتغي به وجهه)).‬

‫4‬
                                                                              ‫اإلخالص سبب للمغفرة الكبيرة للذوب.‬
‫يقول شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا : والنوع الواحد من العمل قد يفعله اإلنسان على وجه يكمل فيه إخالصه‬
‫فيغفر فيه كبائر، وإال فأهل الكبائر كلهم يقولون ال إله إال هللا. كالبغي التي سقت كلبا ً فقد حضر في قلبها من‬
                                                                            ‫اإلخالص ما ال يعلمه إال هللا فغفر هللا لها.‬
‫تنفيس الكروب ال يحدث إال باإلخالص ، والدليل على ذلك حديث الثالثة الذين حبستهم صخرة ففرج هللا همهم ،‬
      ‫ّ‬
‫وكان منهم الرجل الذي وفى عامالً أجره ونماه وصبر على ذلك سنين، وقد كان يقول كل واحد منهم اللهم إنك إن‬
                                                         ‫كنت تعلم أننا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه.‬
‫وباإلخالص يرزق الناس الحكمة، ويوفقون للصواب والحق ((إن تتقوا هللا يجعل لكم فرقانا ً))، وباإلخالص يدرك‬
‫األجر على عمله وإن عجز عنه بل ويصل لمنازل الشهداء والمجاهدين وإن مات على فراشه((وال على الذين إذا‬
‫ما أتوك لتحملهم قلت ال أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ً أن ال يجدوا ما ينفقون)). وقال‬
‫صلى هللا عليه وسلم : ((إن أقواما ً خلفنا في المدينة ما سلكنا شعبا ً وال واديا ً إال وهم معنا حبسهم العذر)){رواه‬
                                                                     ‫البخاري}. وفي مسلم : إال شاركوكم في األجر.‬
‫باإلخالص يؤجر المرء ولو أخطأ كالمجتهد والعالم والفقيه، وهو نوى باالجتهاد استفراغ الوسع وإصابة الحق‬
                                                                       ‫ألجل هللا، فلو لم يصب فهو مأجور على ذلك..‬
‫فالمرء ينجو من الفتن باإلخالص، ويجعل له حرز من الشهوات ومن الوقوع في براثن أهل الفسق والفجور،‬
‫لذلك نجى هللا يوسف عليه السالم من امرأة العزيز (( ولقد همت به وهم بها لوال أن رأى برهان ربه، كذلك‬
‫لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين))((إال عباد هللا المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه‬
                                                                                      ‫وهم مكرمون في جنات النعيم)).‬
‫- اإلخالص في التوحيد: قال صلى هللا عليه وسلم : ((ما قال عبد ال إله إال هللا قط مخلصا ً إال فتحت له أبواب‬
                                                         ‫السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر)).‬
‫- في السجود : قال صلى هللا عليه وسلم : ((ما من عبد يسجد هلل سجدة إال رفعه هللا بها درجة وحط بها‬
                                                                                                  ‫عن خطيئة)).‬
‫غفر له ما تقدم من ذنبه)) ،‬   ‫- في الصيام: قال صلى هللا عليه وسلم : ((من صام رمضان إيمانا ً واحتسابا ً‬
                                   ‫(( من صام يوما ً في سبيل هللا باعد هللا وجهه عن النار سبعين خريفا ً)).‬
   ‫- في قيام الليل: قال صلى هللا عليه وسلم : (( من قام رمضان إيمانا ً واحتسابا ً غفر له ما تقدم من ذنبه)).‬
‫- اإلخالص في ترك الحرام،المحبة في هللا، الصدقة....(حديث السبعة الذين يظلهم هللا في ظله يوم ال ظل إال‬
                                                                                                           ‫ظله).‬
‫- اإلخالص في الخروج إلى المساجد (( خرج للمسجد ال يخرجه إال الصالة لم يخطو خطوة إال رفعت له بها‬
‫درجة وحطت به خطيئة، فإن صلى ما دامت المالئكة تصلي عليه ما دام في مصاله اللهم صل عليه اللهم‬
                                        ‫صل عليه اللهم ارحمه، وال يزال أحدكم في صالة ما انتظر الصالة)).‬
‫- اإلخالص في طلب الشهادة: (( من سأل هللا الشهادة بصدق بلغه هللا منازل الشهداء وإن مات على‬
                                                                                                      ‫فراشه)).‬
‫- اإلخالص في اتباع الجنائز: (( من اتبع جنازة مسلم إيمانا ً واحتسابا ً وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ‬
‫من دفنها فإنه يرجع من األجر بقيراطين كل قيراط كأحد ومن صلى ثم رجع قبل أن يدفن فإنه يرجع‬
                                                                                                      ‫بقيراط)).‬
                                           ‫- اإلخالص في التوبة: (( قصة قاتل المائة نفس ومالئكة الرحمة)).‬
‫اإلنسان يحتاج أن يبين لنفسه بالكالم أشياء مما ينويه حتى يزداد أجره كرجل ليس لديه مال فيقول لو كان لي‬
                             ‫مثل هذا عملت مثلما يعمل. قال صلى هللا عليه وسلم : ((فهما في األجر سواء)).‬
‫لقد مر في األمة كثير من المخلصين كانت سيرتهم نبراسا ً لمن بعدهم وقدوة وخيراً، لذلك أبقى هللا سيرتهم‬
‫وذكرهم حتى يقتدي بهم من بعدهم وعلى رأس هؤالء األنبياء ، النبي محمد صلى هللا عليه وسلم وحواريو‬
                                      ‫األنبياء والصحابة الذين فتحوا البالد بإخالصهم ومن بعدهم من التابعين..‬
‫يقول عبدة بن سليمان:كنا مع سرية مع عبد هللا بن المبارك في بالد الروم، فلما التقى ساعة فطعنه ازدحم‬
‫الناس عليه ليعرفوا من هو فإذا هو يلثم وجهه ، فإذا هو عبد هللا بن المبارك فقال الئما ً أءنت يا أباعمر ممن‬
                                                                                                         ‫يشنع علي.‬
‫5‬
 ‫يقول الحسن: إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما‬
 ‫يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصالة الطويلة في بيته ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواما ً ما‬
                                       ‫كان على األرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون عالنية أبداً.‬
 ‫لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وال يسمع لهم صوت إن كان إال همسا ً بينهم وبين ربهم (( ادعوا‬
                                                                                             ‫ربكم تضرعا ً وخفية)).‬
 ‫يقول علي بن مكار البصري الزاهد : (( ألن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقى فالنا ً أخاف أن أتصنع له‬
                                                ‫فأسقط من عين هللا)) فقد كان السلف يخشون من قضية المجامالت.‬
 ‫قال الذهبي: يقول ابن فارس عن أبي الحسن القطان: (( أصبت ببصري وأظن أني عوقبت بكثرة كالمي أثناء‬
 ‫الرحلة)) قال الذهبي: صدق وهللا فإنهم كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالبا ً يخافون من الكالم وإظهار‬
                                                                                                             ‫المعرفة.‬
 ‫قال هشام الدستوائي: ((وهللا ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما ً قط أطلب الحديث أريد به وجه هللا‬
                                                                                                          ‫عزوجل)).‬
 ‫يقول عمر بن الخطاب رضي هللا عنه : ((فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه هللا ما بينه وما بين‬
                                                                                                            ‫الناس)).‬
 ‫ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق، حاصر المسلمون حصنا ً واشتد عليهم رمي األعداء ، فقام‬
 ‫أحد المسلمين وحفر نفقا ً فانتصر المسلمون، وال يُعرف من هو هذا الرجل، وأراد مسلَمة يريد أن يعرف‬
                   ‫َ ْ َ‬                                   ‫َ‬
 ‫الرجل لمكافأته،ولما لم يجده سأله باهلل أن يأتيه، فأتاه طارق بليل وسأله شرطا ً وهو أنه إذا أخبره من هو ال‬
                          ‫يبحث عنه بعد ذلك أبداً ، فعاهده، و كان يقول : (( اللهم احشرني مع صاحب النفق)).‬
                                                                ‫وعمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة.‬
 ‫يقول حماد بن زيد : كان أيوب ربما حدث في الحديث فيرق وتدمع عيناه، فيلتفت و ينتخط ويقول ما أشد‬
                                                     ‫ّ‬
                                                                              ‫الزكام!!، فيظهر الزكام إلخفاء البكاء.‬
 ‫قال الحسن البصري: ((إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام وذهب‬
                                                                                                ‫وبكى في الخارج)).‬
                          ‫يقول محمد بن واسع التابعي: (( إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته ال تعلم)).‬
 ‫لإلمام الماوردي قصة في اإلخالص في تصنيف الكتب، فقد ألف المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك ولم‬
 ‫يظهر شيء في حياته لما دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفالني كلها تصنيفي وإنما‬
 ‫إذا عاينت المو ت و وقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء فاعمد‬
 ‫إليها وألقها في دجلة بالليل وإذا بسطت يدي فاعلم أنها قبلت مني وأني ظفرت بما أرجوه من النية الخالصة،‬
                                                              ‫فلما حضرته الوفاة بسط يده ، فأظهرت كتبه بعد ذلك.‬
 ‫كان علي بن الحسن يحمل الخ بز بالليل على ظهره يتبع به المساكين بالظلمة ، فالصدقة تطفيء غضب الرب،‬
 ‫وكان أهل بالمدينة يعيشون ال يدرون من أين معاشهم ، فلما مات عرفوا، و رأوا على ظهره آثاراً مما كان‬
                                                             ‫ينقله من القرب والجرب بالليل فكان يعول 111 بيت .‬
                            ‫تلك األحوال والقصص أظهرها هللا ليكون أصحابها أئمة (( واجعلنا للمتقين إماما ً)).‬
 ‫وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها فينسل لقيام الليل وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين‬
                         ‫سنة ال يعلم به أهله فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين ويأتي على العشاء..‬
 ‫وهذا أعرابي كان مع النبي صلى هللا عليه وسلم وقال له أهاجر معك، فغنموا بعد خيبر وقسم لألعرابي‬
 ‫وأصحابه وكان يرعى دوابهم فلما جاءوه قال للنبي صلى هللا عليه وسلم ما هذا الذي وصلني؟ ما على هذا‬
 ‫اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال صلى هللا عليه وسلم : ((إن‬
 ‫تصدق هللا يصدقك))، فلبثوا قليالً وهاجموا العدو وأثاب هللا األعرابي كما طلب فقيل أهو أهو قال صلى هللا‬
 ‫عليه وسلم : (( صدق هللا فصدقه)) فكفِّن في جبة النبي صلى هللا عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما‬
                                                                            ‫ُ‬
‫ظهر من دعاء النبي صلى هللا عليه وسلم في الصالة (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك وقتل شهيداً‬
                                                                                              ‫أنا شهيد على ذلك )).‬



‫6‬
                     ‫ماذا قال بعض العلماء في اإلخالص..؟‬
                                                        ‫قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق هللا عبداً أحب الشهرة.‬
‫قال بعضهم: ينبغي للعالم أن يتحدث بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كالمه فليصمت وإن أعجبه الصمت‬
                    ‫فلينطق. فإن خشي المدح فليصمت وال يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.‬
‫سئِل سهل بن عبد هللا التستوري : أي شيء أشد على النفس؟ قال: اإلخالص ألنه ليس لها فيه نصيب. فمع‬              ‫ُ‬
                                                                               ‫اإلخالص تنسى حظوظ النفس.‬
‫قال سفيان: ما عالجت شيئا ً أشد علي من نيتي إنها تنقلب علي. إذا أراد أن يجاهد نفسه يجد تقلبات، وال‬
                                                                        ‫ّ‬
‫يدري أهو في إخالص أم رياء، وهذا طبيعي أن يشعر أنه في صراع ال تسلم له نفسه دائما ً فهو يتعرض‬
‫لهجمات من الشيطان ، والنفس األمارة بالسوء، وهذا فيه خير، أما من اطمأنت نفسه بحاله فهذه هي‬
                                                                                                    ‫المشكلة.‬
                                                 ‫قال ابن يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل.‬
                           ‫قال الزبيد اليامي: إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.‬
‫عن داود الطائي : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيراً وإن لم تنضب. أي حتى وإن لم‬
                   ‫تتعب فإن ما حصلته من اجتماع نفسك هلل وإخراج حظوظ النفس من قلبك ، هذا أمر عظيم.‬
         ‫أبو بكر الصديق رضي هللا عنه ما سبق الناس بأنه كان أكثرهم صالة وصيام بل بشيء وقر في قلبه.‬
                 ‫قال داود: البر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما ً نيته إلى أصلها.‬
                         ‫قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول االجتهاد.‬
                 ‫قيل لنافع بن جبير : أال تشهد الجنازة فقال: كما أنت حتى أنوي. أي انتظر حتى أجاهد نفسي.‬
                                                       ‫قال الفضيل: إنما يريد هللا عز وجل منك نيتك وإرادتك.‬
‫ومن أصلح هللا سريرته أصلح هللا عالنيته ومن أصلح ما بينه وما بين هللا أصلح هللا ما بينه وبين الناس، وما‬
                                             ‫أسر أحد سريرة إال أظهرها هللا في صفحات وجهه وفلتات لسانه.‬
‫والمخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ومن شاهد في إخالصه اإلخالص فإن إخالصه يحتاج إلى‬
                                                                                                     ‫إخالص.‬
                                                                                      ‫ومما قيل في اإلخالص:‬
                                                               ‫- نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.‬
                                                                      ‫- إفراد الحق سبحانه بالقصد والطاعة.‬
                                                                             ‫- استواء عمل الظاهر والباطن.‬
                                                        ‫- من تزين للناس فيما ليس منه سقط من عين هللا.‬
‫- إنه سر بين هللا والعبد، ال يعلمه ملك فيكتبه وال شيطان فيفسده وهللا قد يعلم المالئكة ما يشاء من أحوال‬
                                                                                                   ‫العبد.‬
                ‫إال هللا، وإذا داوم عليه اإلنسان رزقه هللا الحكمة.‬ ‫- اإلخالص أن ال تطلب على عملك شاهداً‬
                     ‫قال مكحول: ما أخلص عبد قط أربعين يوما ً إال ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.‬
                                ‫قال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء.‬
‫كان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح ال يعلم عنها زوجة وال غيرها. وأعز شيء في‬
                                                                                              ‫الدنيا اإلخالص.‬
                       ‫يقول يوسف بن الحسين: كم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فينبت لي على لون آخر.‬
‫وكان من دعاء مطرف بن عبدهللا: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته‬
     ‫لك على نفسي ثم لم أف لك به، وأستغفرك مما زعمت أنني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمته.‬
                                                                                       ‫ِ‬




‫7‬
                              ‫تبيهات في مسألة اإلخالص‬
                                                           ‫1- متى يكون إظهار العمل مشروعاً؟‬
‫قال ابن قدامة: {فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات} قال: وفي اإلظهار فائدة اإلقتداء، ومن‬
‫األعمال ما ال يمكن اإلسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى ال يكون فيه حب‬
‫الرياء الخفي بل ينوي اإلقتداء به {إذاً ينبغي أن نحسن نياتنا في األعمال المظهرة لندفع الرياء وننوي‬
‫اإلقتداء لنأخذ األجر}، قال وال ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل‬
         ‫إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل إليهم فتشبثوا به وغرقوا جميعا ً.‬
                                                                               ‫المسألة فيها تفصيل:‬
                                                     ‫- األعمال التي من السنة أن يكون عملها سراً يسر.‬
                                                      ‫ّ‬     ‫ّ‬
                                                           ‫- األعمال التي من السنة أن يظهرها يظهرها.‬
‫- األعمال التي من الممكن أن يسرها أو يظهرها، فإن كان قويا ً يتحمل مدح الناس وذمهم فإنه يظهرها وإن‬
                 ‫كان ال يقوى فيخفي، فإذا قويت نفسه فال بأس في اإلظهار ألن الترغيب في اإلظهار خير.‬
‫ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يظهرون بعض أعمالهم الشريفة ليقتدى بهم كما قال بعضهم ألهله حين‬
                                              ‫االحتضار (( ال تبكوا علي فإني ما لفظت سيئة منذ أسلمت)).‬
‫قال أبو بكر بن عياش لولده (( يا بني إياك أن تعصي هللا في هذه الغرفة فإني ختمت القرآن فيها اثنتا عشرة‬
‫ألف ختمة)) من أجل موعظة الولد، فمن الممكن أن يظهر المرء أشياء ألناس معينين مع بقاء اإلخالص في‬
                                                                                     ‫عمله لقصد صالح.‬
‫2- ترك العمل خوف الرياء، وهذا منزلق كشفه الفضيل بن عياض: ترك العمل ألجل الناس رياء والعمل من‬
‫أجل الناس شرك واإلخالص أن يعافيك هللا منهما. قال النووي: من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه‬
‫الناس فهو مرائي" ألنه ترك ألجل الناس" لكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء. فمن ترك العمل بالكلية وقع‬
‫في الرياء، وكذلك من كان يستحب في حقه إظهار العمل فليظهره كأن يكون عامالً يقتدى به أو أن العمل الذي‬
                                                                           ‫يعمله المشروع فيه اإلظهار.‬
‫3- أن من دعا إلى كتم جميع األعمال الصالحة من جميع الناس ؛ هذا إنسان خبيث وقصده إماتة اإلسالم،‬
‫لذلك المنافقون إذا رؤوا أمر خير وسموه بالرياء، فهدفهم تخريب نوايا المسلمين وأن ال يظهر في المجتمع‬
‫عمل صالح، فهؤالء ينكرون على أهل الدين والخير إذا رؤوا أمراً مشروعا ً مظهراً خصوصا ً إذا أظهر عمل‬
‫خير معرض لألذى فيظهره احتسابا إلظهار الخير فيستهدفه هؤالء المنافقون فليصبر على إظهاره ما دام هلل ،‬
‫قال تعالى: (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين ال يجدون إال جهدهم فيسخرون‬
                                                                                              ‫منهم)).‬

‫ينبغي أن نفرق بين الرياء ومطلق التشريك في العمل، فمتى يبطل العمل ؟ إذا حصل‬
                                       ‫تشريك فيه ، ومتى يأثم ؟ ومتى ال يأثم؟‬
                                                   ‫- أن يعمل هلل وال يلتفت إلى شيء آخر ( أعلى المراتب).‬   ‫1‬
‫- أن يعمل هلل ويلتفت إلى أمر يجوز االلتفات إليه ، مثل رجل صام مع نية الصيام هلل أراد حفظ صحته،‬            ‫2‬
‫ورجل نوى الحج والتجارة، ورجل جاهد ونظر إلى مغانم، ورجل مشى إلى المسجد وقصد الرياضة،‬
‫ورجل حضر الجماعة إلثبات عدالته وأن ال يتهم، فهذا ال يبطل األعمال ولكن ينقص من أجرهاـ واألفضل‬
                                           ‫أن ال تكون موجودة وال مشركة في العمل وال داخلة فيه أصالً.‬
          ‫- أن يلتفت إلى أمر ال يجوز االلتفات إليه من الرياء والسمعة وحمد الناس طلبا ً للثناء ونحو ذلك:‬   ‫3‬
                                  ‫أ - إذا كان في أصل العمل فإنه يبطله كأن يصلي الرجل ألجل الناس.‬
     ‫ب -أن يعرض له خاطر الرياء أثناء العمل فيدافعه ويجاهده، فعمله صحيح وله أجر على جهاده.‬
                    ‫جـ - أن يطرأ عليه الرياء أثناء العمل وال يدافعه و يستمر معه وهذا يبطل العمل.‬
‫- أن يكون عمله الصالح للدنيا فقط، فيصوم ألجل الحمية والرجيم وال يطلب األجر، ويحج للتجارة فقط،‬             ‫4‬
‫ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة ، فهؤالء أعمالهم باطلة (( من كان يريد العاجلة عجلنا‬
‫8‬
‫له فيها ما يشاء لمن يريد ثم جعلنا له جهنم))، (( أولئك الذين ليس لهم في اآلخرة إال النار وحبط ما‬
                                                                                       ‫صنعوا فيها)).‬
‫5 - أن يكون عمله رياء محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به اإلنسان، ألن هناك أشياء تبطل العمل وال‬
                                                                                 ‫ً‬
‫يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصالة، ومن الناس من يرائي في الفتوى لألغنياء والوجهاء وقد يكون‬
‫لضعفه أمامهم ، فقال بعض السلف: (( إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص)) ، أما‬
                                                         ‫الذي يذهب لقصد اإلنكار والخير فلهو ما نوى.‬
                                                                 ‫هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه :‬
                                     ‫- إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين.‬
                                              ‫- رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه.‬
                                                 ‫- تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة.‬
‫- كتم الذنوب وعدم التحدث بها ، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصا ً البد من اإلخبار بالذنوب، نحن‬
‫مطالبون شرعا ً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياء بل هو مما يحبّه هللا، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من‬
                                                      ‫ً‬
                                                             ‫الشيطان وإشاعة للفاحشة وفضح للنفس.‬
‫- اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس و بيان الحق ومحاربة الباطل والرد على‬
‫الشبهات ونشر دين هللا، فإن كانت هذه األعمال وجاءت الشهرة تبعا ً لها وليست مقصداً أصليا ً فليس من‬
                                                                                               ‫الرياء.‬
                                ‫- ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!‬
                                      ‫عالمات اإلخالص‬
                                                                                ‫- الحماس للعمل للدين.‬    ‫1‬
                                                            ‫- أن يكون عمل السر أكبر من عمل العالنية.‬     ‫2‬
                                                                       ‫- المبادرة للعمل واحتساب األجر.‬   ‫3‬
                                                                        ‫- الصبر والتحمل وعدم التشكي.‬     ‫4‬
                                                                           ‫- الحرص على إخفاء العمل.‬      ‫5‬
                                                                                ‫- إتقان العمل في السر.‬   ‫6‬
                                                                           ‫- اإلكثار من العمل في السر.‬   ‫7‬


                              ‫أسئلة من درس اإلخالص‬
                                                                    ‫المشاركون في المسابقات ألجل الجوائز؟‬
           ‫على النية، إن نوى البحث العلمي والفائدة فهو بنيته وإن قصد الجائزة فقط فهذا ليس له إال ما نوى.‬
                                                                  ‫التحق بالجامعة للشهادة وليس لطلب العلم؟‬
‫له ما نوى وقصد، حتى من يأخذ الراتب لقصد التفرغ لتدريس كتاب هللا والدين والخطابة واإلمامة واإلفتاء‬
                                                      ‫والقضاء، مثل الفرق بين من حج ليأخذ ومن أخذ ليحج.‬
                                                                   ‫لحيتي طويلة هل أقصر منها خوف الرياء؟‬
‫ال وهللا، الرسول صلى هللا عليه وسلم قال أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، وفروا اللحى، لم يقل قصروها خوف‬
                                                       ‫الرياء وتظاهروا بالفسق خوف الرياء هذا من إبليس..!‬
                          ‫هل يجوز من عمل عمالً للمسلمين كماء السبيل أن ينسبه لغيره إذا كثر عليه السؤال؟‬
‫ال، بعض الناس يكذب إذا عمل عمالً صالحا ً لكن يقول عمله أحد من المسلمين وال يريد أن يُعرف مثالً، أو هذا‬
                ‫َ‬
                         ‫عملته بمال واحد من المسلمين، فهذا لم يكذب ألنه ال يريد أن يعرف فاستخدم التورية.‬
                                                                                ‫رجل نيته صالحة وال يعمل؟‬
‫هذا كذب، وال يجتمع، إذا كانت النية صالحة فالبد من العمل، وترك العمل دليل على أن النية فاسدة، فلو كانت‬
                                                                                         ‫صالحة فعالً لعمل.‬


‫9‬
                          ‫أريد أن أموت شهيداً في تحرير فلسطين وعمري خمس عشرة سنة ولكنى ال أقدر؟‬
‫نعم، لكل امرئ ما نوى ، إذا صدقت مع هللا فلك األجر، ومن مات وهو ينوي الشهادة بلغه هللا منازل الشهداء‬
                                                                                    ‫وإن مات على فراشه.‬
                                                                                 ‫نصيحة للمراكز الصيفية؟‬
‫عدم االستعجال في ترئيس الطالب لئال تفسد نياتهم ، ألن من همه الشهرة والذكر ال يختار، بل يختار من ال‬
‫يريد الرئاسة ممن يريد خمول الذكر وقد ال يوجد، قال عمر : (( اللهم إني أشكو إليك من عجز الثقة وجلد‬
                                                                                               ‫الفاجر)).‬
                             ‫أتمنى أن يكون عندي مال ألتصدق به ولكن أخاف إن أتاني المال أن ال أتصدق؟‬
‫على حسب نيتك، وقد يغير اإلنسان نيته، كحال من يقول لئن آتاني هللا ألتصدقن فإذا آتاه بخل، بخلوا‬
                                          ‫واستغنوا وتولوا واستغنى هللا. أنت مأجور على نيتك وعلى قولك.‬
                                                           ‫هل الذي يصارع نفسه التي تريد الرياء يؤجر؟‬
                                                                                      ‫نعم ألنه من الجهاد.‬
                                                                         ‫كيف أجعل دراستي الجامعية هلل؟‬
‫إذا كانت دراسة شرعية أن تنوي تعليم وتعلم دين هللا وتعبد هللا بالعبادة الصحيحة ومعرفة عظمة هللا وحكمته‬
‫من خالل هذه الشريعة، أما إن كانت دراستك طب، مثالً.. فتكون نيتك نفع المسلمين وقوة المسلمين وستر‬
‫عوراتهم، وأن تشارك بأشياء خارج الدوام هلل، كمخيمات طبية مجانية، أو معالجة جيرانك، الدعوة من خالل‬
                                                                                                  ‫الطب...‬




‫01‬
                                  ‫سلسلة أعمال القلوب‬

                             ‫للشيخ محمد بن صالح المنجد‬
                              ‫ّ‬




‫التوكل مقام جليل عظيم األثر، بل ومن أعظم واجبات اإليمان وأفضل األعمال والعبادات المقربة إلى الرحمن،‬
‫وأعلىمقامات توحيد هللا سبحانه وتعالى ، فإن األمور كلها ال تحصل إال بالتوكل على هللا واإلستعانة به، ومنزلة‬
‫التوكل قبل منزلة اإلنابة ألنه يتوكل في حصول مراده فهي وسيلة واإلنابة غاية، وهو من أجل المراتب وأفضلها‬
                                                                                             ‫وأعمها قدراً..‬
‫11‬
‫قال ابن القيم رحمه هللا: التوكل نصف الدين والنصف الثاني اإلنابة فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو‬
                                                                                           ‫االستعانة واإلنابة هي العبادة.‬
‫والتوكل متعلق بكل أمور العبد الدينية التي ال تتم الواجبات والمستحبات إال بها. ومنزلته أجمع وأوسع المنازل‬
                                                ‫وال تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين..!!‬
‫التوكل يتعلق بكل شيء واجبات ومستحبات ومباحات ولقد كثرت حوائج الناس والبد لهم من التوكل على هللا في‬
                                                                                                                  ‫قضائها.‬
‫فمنزلة التوكل تشتد الحاجة إليها وعباد هللا تعالى حقا ً إذا نابهم أمر من األمور فروا إلى هللا منيبين إليه ومتوكلين‬
‫عليه ، وبذلك يسهل هللا الصعاب وييسر هللا العسير ويحقق العبد ما يريد وهو مطمئن البال هاديء النفس راض‬
‫ٍ‬
                                                                                           ‫بما قضاه هللا عز وجل وقدره.‬
    ‫قال ابن القيم رحمه هللا: ولو توكل العبد على هللا حق توكله في إزالة جبل من مكانه وكان مأموراً بإزالته ألزاله.‬
‫فالمسلم ال يرى التوكل على هللا في جميع أعماله واجبا ً فقط بل يراه فريضة دينية ليس متعلقا ً فقط باألمور الدينية‬
‫بل باألمور الدنيوية وليس باألمور الدنيوية وطلب الرزق فقط بل بعبادة هللا سبحانه وتعالى فهو عقيدة (( وعلى‬
‫هللا فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)) ولهذا كان التوكل على هللا نصف الدين ، بل هو الواجب ألنه أصل من أصول‬
                                                                                                                 ‫اإليمان .‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا : فإن التوكل من على هللا واجب من اعظم الواجبات كما أن اإلخالص هلل‬
‫وا جب وقد أمر هللا بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء وغسل الجنابة، ونهى عن التوكل على غيره‬
                                                                                                                 ‫سبحانه.‬
                      ‫قال ابن القيم رحمه هللا: والتوكل جامع لمقام التفويض واالستعانة والرضا ال يتصور وجود بدونها.‬
                                ‫ٌ‬
‫وقال الشيخ سليمان بن عبد هللا بن محمد بن عبد الوهاب: (( األصل الجامع الذي تتفرع عنه األفعال والعبادات‬
‫هو التوكل على هللا وصدق االلتجاء إليه واالعتماد بالقلب عليه وهو خالصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي‬
‫يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضا به ربا ً وإلها ً والرضا بقضائه بل ربما أوصل التوكل‬
‫بالعبد إلى التلذذ بالبالء وعدّه من النعماء{ كما في حديث السبعين ألفا ً الذين يدخلون الجنة بال حساب وال عذاب}‬
                                                    ‫فسبحان من يتفضل على من يشاء بما شاء وهللا ذو الفضل العظيم)).‬
‫يدل‬   ‫فالتوكل هو أحد مباني التوحيد اإللهية كما يدل على ذلك قوله تعالى: (( إياك نعبد وإياك نستعين)). وأيضا ً‬
‫عليه قوله تعالى: (( وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون)). وقوله تعالى: (( فإن تولوا فقل حسبي هللا ال إله‬
                                                                            ‫إال هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)).‬
‫، فالذي يحقق التوكل‬           ‫وهذا التوكل ال يقوم به على وجه الكمال إال خواص المؤمنين كما في صفة السبعين ألفا ً‬
‫ليس كل الناس بل هم طائفة قليلة من الناس ذكرهم النبي صلى هللا عليه وسلم : (( هذه أمتك يدخل الجنة من‬
‫هؤالء سبعون ألفا ً بغير حساب ثم دخل ولم يبين من هم وما هي صفاتهم فأفاض القوم وقالوا نحن الذين آمنا باهلل‬
‫واتبعنا رسوله فنحن هم أو أوالدنا الذين ولدوا في اإلسالم فإنا ولدنا في الجاهلية فبلغ النبي صلى هللا عليه وسلم‬
‫هذا القول منهم فخرج وقال : هم الذين ال يسترقون وال يتطيرون وال يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)) فقال عكاشة‬
‫بن محصن أمنهم أنا يا رسول هللا؟ قال نعم، فقال آخر أمنهم أنا؟ فقال صلى هللا عليه وسلم : (( سبقك بها عكاشة‬
         ‫ُ‬
                                                                                                                     ‫ُ َّ‬
                                                                                                            ‫أو عكاشة)).‬
‫وكان من الصحابة المتوكلين عمران بن حصين وهو من سادات المتوكلين، رضي هللا عنه ، الذي كان به بواسير‬
‫وكان يصبر على ألمها فكانت المالئكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع تسليم المالئكة عليه ثم ترك الكي وصبر على‬
                                                                                           ‫األلم فعاد سالم المالئكة عليه.‬
‫كما جاء في حديث مسلم عن مفرق قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثا ً عسى هللا أن ينفعك به إن رسول هللا‬
                                                                                       ‫ّ‬
‫م علي‬
  ‫ّ‬        ‫صلى هللا عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وقد كان يُسلَّ‬
                                               ‫حتى اكتويت فَتُركت ثم تركتُ الكي فعاد{أي السالم عليه من قِبَل المالئكة}.‬
                                                                                                       ‫ِْ‬
‫فالتوكل على هللا صفة علية من صفات عباد الرحمن وشعار يتميزون به عمن سواهم وعالمة بارزة ألهل اإليمان‬
‫كما قال تعالى: (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر هللا وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ً وعلى ربهم‬
                                                                                                              ‫يتوكلون)).‬



‫21‬
‫ال يرجون سواه وال يقصدون إال إياه وال يلوذون إال بجنابه وال يطلبون الحوائج إال منه وال يرغبون إال إليه‬
‫ويعلمون أنه ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه المتصرف بالملك ال شريك له وال معقب لحكمه وهو سريع‬
                          ‫الحساب كما قال ابن كثير رحمه هللا، وقال سعيد بن جبير : التوكل على هللا جماع اإليمان.‬
‫وقال عزوجل عن أوليائه إبراهيم والذين آمنوا معه: (( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير)). أي توكلنا‬
                                                            ‫عليك في جميع أمورنا وسلمناها إليك وفوضناها إليك.‬
‫ولقوة إيمانهم وتوكلهم أمر هللا أن نتخذهم أسوة حسنة {إبراهيم والذين آمنوا معه} هكذا توكلوا على هللا وسلموا‬
                           ‫هلل األمور تسليما ً مطلقا ً. صحبوا التوكل في جميع أمورهم مع بذل جهد في رضا الرحمن.‬
‫وأصحاب نبينا محمد صلى هللا عليه وسلم في غزوة أحد الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم‬
‫فزادهم إيمانا ً وقالوا حسبنا هللا ونعم الوكيل، ولذلك قال ابن عباس رضي هللا عنه : حسبنا هللا ونعم الوكيل قالها‬
‫إبراهيم حين ألقي في النار وقالها النبي محمد صلى هللا عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم‬
                                                                                                   ‫فزادهم إيمانا ً.‬
‫فالتوكل هو عدة المؤمنين يوم يتوعدهم الناس ويخوفونهم بكثرة األعداء. فكان أول شيء وآخر شيء قاله‬
                                                   ‫إبراهيم عليه السالم حين ألقي في النار حسبنا هللا ونعم الوكيل.‬
                                               ‫هو القريب المجيب المستغاث به‬
                                     ‫قل حسبي هللا معبودي ومتّكلي‬
                                          ‫ُ‬

‫من اآليات الدالة على فضل التوكل قوله تعالى: (( ولئن سألتهم من خلق السموات واألرض ليقولن هللا قل أفرأيتم‬
‫ما تدعون من دون هللا إن أرادني هللا بضر هل هن كاشفات الضر أو أرادني برحمته هل هن ممسكات رحمته قل‬
‫حسبي هللا عليه يتوكل المتوكلون)). فإذا كان المؤمنون دائما ً متوكلون على هللا ملتجئون إليه بقولهم حسبنا هللا‬
                                         ‫ونعم الوكيل فأولى بأنبيائه أن يكونا أكمل توحيداً أو توكالً من غيرهم.‬
‫وقد أمر هللا بالتوكل وحث على ذلك في مواضع كثيرة كما في قوله تعالى (( وعلى هللا‬
                             ‫فليتوكل المؤمنون)) في سبعة مواضع في القرآن الكريم:‬
                                                                 ‫1 - (( فتوكل على هللا إنك على الحق المبين)).‬
                                                                                   ‫2 - ((فاعبده وتوكل عليه)).‬
                           ‫3 - (( وتوكل على الحي الذي ال يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً)).‬
  ‫4 - (( فبما رحمة من هللا لنت لهم ولو كنت فظا ً غليظ القلب النفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم‬
  ‫وشاورهم في األمر فإذا عزمت فتوكل على هللا إن هللا يحب المتوكلين)) فالتوكل سبب لنيل محبة هللا وهي‬
                                          ‫الصفة التي تميز بها المؤمنون عن غيره ولذلك أوجب هللا التوكل.‬
  ‫5 - وإذا قيل م ا حكم التوكل؟ فيقال واجب مثل أصل محبة هللا والصبر واإلنابة بل إن التوكل شرط اإليمان.‬
              ‫والمفهوم من اآلية (( وعلى هللا فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)) أنه إذا انتفى التوكل انتفى اإليمان.‬
  ‫6 - أمر هللا بالتوكل وقرنه باإليمان ليدل بذلك على أنهما جزءان إذ التوكل على الوكيل هو اإليمان فأمر‬
  ‫بالتوكل قوالً وعمالً بعد اإلخبار عن محبته للمتوكل عليه (( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا‬
  ‫فستعلمون من هو في ضالل مبين)). واشترط لإليمان التوكل (( وعلى هللا فتوكلوا إن كنتم مؤمنين))،‬
  ‫وهذه جاءت في قصة موسى عليه السالم (( ياقومي إن كنتم آمنتم باهلل فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين)).‬
                                                                                       ‫إذ البد من هذا لهذا.‬
  ‫قال الشيخ سليمان بن عبدهللا بن محمد بن عبد الوهاب رحمه هللا : معنى اآلية أن موسى عليه السالم أمر‬
‫قومه بدخول األرض المقدسة التي كتبها هللا لهم وال يرتدوا على أدبارهم خوفا ً من الجبارين بل يمضوا قدما ً‬
          ‫ال يخافونهم وال يهابونهم متوكلين على هللا في هزيمتهم مصدقين بصحة وعده لهم إن كانوا مؤمنين .‬
  ‫7 - وصار المتوكل على هللا من عباد الرحمن الذين يمشون على األرض هوناً، ونعتهم هللا بالمقام الجليل‬
  ‫العظيم. وضمن هللا لمن توكل عليه القيام بأمره وكفايته أي أن يكفيه همه وأن ينصره ويحفظه فاهلل ناصر‬
  ‫دينه وكتابه وهللا كاف عبده بأمان، قال تعالى: (( ومن يتق هللا يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث ال‬
                                                                                     ‫ٍ‬
  ‫يحتسب ومن يتوكل على هللا فهو حسبه إن هللا بالغ أمره قد جعل هللا لكل شيء قدراً)) . يقول ابن كثير‬
  ‫رحمه هللا: ومن يتق هللا فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا ً ويرزقه من حيث ال‬
  ‫يحتسب أي من جهة ال تخطر بباله. وفي هذه اآلية فضل التوكل وأنه من أعظم األسباب في جلب المنافع‬
‫31‬
‫ودفع المضار فقد قال صلى هللا عليه وسلم : (( لو أنكم توكلتم على هللا حق توكله لرزقكم كما يرزق‬
‫الطير تغدو خماصا ً وتروح بطانا ً)) {رواه الترمذي وصححه األلباني}. فأفئدة الطير مليئة بالتوكل على هللا‬
‫ولو أننا توكلنا على هللا كما يتوكل الطير لرزقنا مثل ما يرزق الطير، وقد وصف النبي صلى هللا عليه‬
                                                                 ‫وسلم المتوكل على هللا بوصفين:‬
                                                                      ‫أ - السعي في طلب الرزق.‬
                                                                 ‫ب -االعتماد على مسبب األسباب.‬
 ‫وهذا الحديث مهم في فهم قضية التوكل وفي األخذ باألسباب ألن الطير تغدو أي تذهب في الصباح وتبحث عن‬
‫الرزق وتخرج من أعشاشها وهذا عمل وسعي وجهد وهو الطيران وترجع محملة بالطعام لنفسها وألفراخها، إذاً‬
 ‫فالسعي في طلب الرزق هو االعتماد القوي على مسبب األسباب المباحة، وقد قال تعالى: (( ومن يتوكل على هللا‬
 ‫فإن هللا عزيز حكيم)) والعزيز هو االرتباط ما بين نهاية اآلية والتوكل والعزيز الذي ال يذل من استجار به وال‬
 ‫يضيع من الذ بجنابه حكيم يدبر من توكل عليه بحكمته تدبيراً حسنا ً. قال ابن كثير – رحمه هللا - : ومن يتوكل‬
 ‫على هللا أي يعتمد على جنابه فإن هللا عزيز حكيم والتوكل مركب السائر الذي ال يتأتى السير إال به ومتى نزل عنه‬
          ‫انقطع فوراً وتوقف عن السير وهذا ما الحظه ابن القيم رحمه هللا وهذا يبين منزلة التوكل وفضل التوكل.‬
             ‫ومما يدل على فضله وعلو منزلته أن هللا أمر به في أكمل األحوال والعبدات والمقامات:‬
‫- مقام العبادة(( فاعبده وتوكل عليه)) فأمر هللا رسوله صلى هللا عليه وسلم والمؤمنين والخلق بالعبادة‬         ‫1‬
‫والتوكل. وقال تعالى: (( واتبع ما يوحى إليك من ربك إن هللا كان بما تعملون خبيراً وتوكل على هللا‬
‫وكفى باهلل وكيالً))، توكل على هللا في جميع أحوالك وأمورك فهذا التوجيه لرسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم ليتوكل على هللا ويتقيه ويعبده ويتبع ما يوحى إليه من ربه فهو أمر له وألمته من بعده إلى يوم‬
                                                                                               ‫القيامة.‬
‫- في مقام الدعوة، فجاء الخطاب لرسول هللا واألصل هو خطاب ألمته إال إذا دل الدليل على تخصيص له‬              ‫2‬
‫فقال تعالى: (( فإن تولوا فقل حسبي هللا ال إله إال هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)). فهو الذي‬
‫تنتهي إليه القوة والملك والعظمة والجاه وهو حسب من الذ به ويكفي من استجار به ويدفع عنه الشر‬
‫عز وجل ويحميه، ونوح عليه السالم أيضا ً في مجال الدعوة: (( قال يا قومي إن كان كبر عليكم مقامي‬
‫وتذكيري بآيات هللا فعلى هللا توكلت)). فهذه الدعوة من نوح عليه السالم واإلنذار الطويل والتذكير‬
‫المستمر الذي رافقه وقابله من قومه تكذيب وإعراض بعدما بلغ الضيق منه توكل على هللا وفوض األمر‬
‫إليه وهو ماض في الدعوة.إذاً الداعية إلى هللا إذا جوبه باإلعراض من المدعوين والصدود والرد وعدم‬
                                                    ‫ُ‬                                  ‫ٍ‬
 ‫االستجابة فإنه يتوكل على هللا وهللا يكفيه شر هؤالء المعرضين. ويوسع صدره الذي ضيقوه بإعراضهم.‬
‫- في مقام الحكم والقضاء ، قال تعالى: (( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى هللا ذلكم هللا ربي عليه‬          ‫3‬
‫توكلت وإليه أنيب)) فالرسول صلى هللا عليه وسلم أمره كله إلى هللا، أناب إلى ربه وتوكل عليه وفوض‬
‫أمره هلل، كيف يتحاكم الناس لغير هللا إذا اختلفوا بشيء من األمر، وهذا النبي الذي أرسله يُترك وال‬
       ‫َ‬
‫يتحاكم إليه وهو أولى أن يتحاكم إليه ليقول قول الفصل فيما اختلفوا فيه وكيف يتوجهون في أمر من‬
‫األ مور إلى جهات أخرى والنبي موجود يقضي، فما دام القاضي والحاكم على الحق المبين فال يبالي بما‬
‫يعوقه وبمن يرد حكمه وبمن يرفض التحاكم إلى الشريعة التي يقتضي بها فإذا الحاكم والقاضي عليه‬
                                                                                      ‫التوكل على هللا.‬
‫- في مقام الجهاد وقتال األعداء، قال تعالى: (( وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال وهللا‬           ‫4‬
‫سميع عليم* إذ همت طائفتان منكم أن تفشال وهللا وليهما وعلى هللا فليتوكل المؤمنون)) فمع أنه يعد‬
‫العدة ويجهز الجيش ويعيّن األماكن ويرتب الجيش أي يأخذ باألسباب ومع ذلك أمر بالتوكل ألن النصر‬
‫بيد هللا (( إن ينصركم هللا فال غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى هللا فليتوكل‬
‫المؤمنون)) فكأنه يقول لهم إن كنتم في حال ضعف فالنصر بيد هللا فتوكلوا عليه (( يا أيها الذين آمنوا‬
‫اذكروا نعمة هللا عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا هللا وعلى هللا فليتوكل‬
‫المؤمنون)).ولوكنتم في حال الكثرة والقوة أيضا ً فيجب عليكم أن تتوكلوا فإنكم إذا ماتوكلتم على هللا فلن‬
‫تنفعكم الكثرة (( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ً)) ولو كانوا في معركة وأرخى لهم‬
‫العدو جناح الذل وريش الوداعة وظن المؤمنون أن المعركة قد انتهت فالبد أن يبقى االرتباط والتوكل‬
‫على هللا ولو قال العدو نريد السلم وخنعوا (( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على هللا)). التوكل ال‬
‫41‬
‫ينقطع مع أن المعركة انتهت والحرب وضعت أوزارها وخنع األعداء للسلم و ذلوا واستسلموا، وفي‬
‫الحديبية كان الرسول صلى هللا عليه وسلم قادراً على مواصلة الجهاد والقتال بل كان مستعداً القتحام مكة‬
‫وقال بايعوني على الموت، ولكن جنح للسلم لما جنحوا لها لعل أن تكون فرصة الدعوة مواتية ، لذلك‬
‫فقد دخل في اإلسالم بعد الحديبية أضعاف أضعاف ما كان قبله وفي سنوات أقل، إذاً لو طلبوا السلم‬
‫والحرب اآلن توقفت فتوكل على هللا وإن أرادوا خداعكم فإن هللا حسبك والبد من استمرار التوكل على‬
‫هللا حتى في حال الغلبة واالنتصار على العدو، وفي قصة موسى قال تعالى: (( قالوا يا موسى إن فيها‬
‫قوما ً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإنا داخلون* قال رجالن من الذين يخافون أنعم هللا‬
              ‫عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى هللا فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)).‬
‫- في مقام المشورة، قال تعالى: (( فبما رحمة من هللا لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب النفضوا من حولك‬          ‫5‬
‫فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في األمر فإذا عزمت فتوكل على هللا إن هللا يحب المتوكلين))، فأخذ‬
‫المشورة من باب األخذ باألسباب فآراء الناس أسباب تعين على االهتداء إلى الصواب وأخذ القرار‬
‫الصحيح، ولكن ال ينفك المؤمن في هذه الحالة حتى لو عندهم كبار المستشارين عن التوكل على هللا.‬
‫ولذلك بعض هؤالء يغترون ويظنون أن وجود آراء المستشارين يغني عن التوكل وأنه عنده الخبراء‬
‫الكبار وعنده المستشارون العظماء ونقول يمكن أن يضل هؤالء كلهم ويأمرون بقرارات خاطئة، وقد‬
                ‫يشيرون ألمر صائب ويخطئون في تنفيذه، إذاُ البد من التوكل على هللا حتى مع أخذ اآلراء.‬
‫- في مقام طلب الرزق، قال تعالى: (( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند هللا خير وأبقى للذين‬      ‫6‬
‫آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)) وقال: (( ومن يتق هللا يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث ال يحتسب ومن‬
                                  ‫يتوكل على هللا فهو حسبه إن هللا بالغ أمره قد جعل هللا لكل شيء قدراً)).‬
‫- في مقام العهود والمواثيق، وقد أخبر هللا عن يعقوب عليه السالم في قصة يوسف وأخوته: (( قال لن‬               ‫7‬
‫أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ً من هللا لتأتنني به إال أن يحاط بكم فلما آتوه موثقا ً قال هللا على ما نقول‬
‫وكيل)) والموثق هو العهود واأليمان المغلظة، (( وقال يا بني ال تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب‬
         ‫متفرقة ما أغني عنكم من هللا من شيء إن الحكم إال هلل عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)).‬
‫- في مقام الهجرة في سبيل هللا وهو عظيم وأليم على النفس أن يترك اإلنسان مأواه وداره وأمواله‬                 ‫8‬
‫ويتغرب ويضحي بعشيرته وبذكريات حبيبته ولكن يهون عليه التوكل على هللا ، قال تعالى: (( والذين‬
                                                 ‫ّ‬
‫هاجروا في هللا من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة وألجر اآلخرة أكبر لو كانوا يعملون * الذين‬
‫صبروا وعلى ربهم يتوكلون)). ومن الذي يهون الهجرة والفرقة هو التوكل على هللا . مهاجرة الحبشة‬
‫الذين اشتد عليهم األذى هاجروا هجرتين مشهورتين والنبي صلى هللا عليه وسلم وصاحبه أيضا ً هاجروا‬
‫وفي طريق الهجرة حصل ابتالء وخوف ((إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول‬
                             ‫لصاحبه ال تحزن إن هللا معنا فأنزل هللا سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها)).‬
‫- في مقام إبرام عقود البيع واإلجارة والزواج، موسى عليه السالم لما اتفق مع الرجل الصالح على أن‬              ‫9‬
‫يزوجه ابنته على أن يأجره ثماني حجج أجير وراعي غنم وإذا أتم عشراً فهذا حسن وليس بواجب(( فإن‬
‫أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء هللا من الصالحين* قال هذا بيني وبينك‬
‫أيما األجلين قضيت فال عدوان علي وهللا على ما نقول وكيل)) وقد قضى موسى العشر وأتمها وأكملها‬
                               ‫كما جاء في الحديث (( إن نبي هللا إذا قال فعل))، واألليق بالنبي هو األكمل.‬

                                                                                         ‫تعريف التوكل‬
‫في اللغة: هو االعتماد والتفويض وتوكيل األمر إلى الشخص أي تفويضه به واالعتماد عليه فيه ووكل فالن‬
‫فالنا ً إذا استكفاه واعتمد عليه وفوض األمر إليه ووثق به ، والتوكل إظهار العجز واالعتماد على الغير،‬
                                          ‫وأصله من الوكول ويقال وكلت أمري إلى فالن أي اعتمدت عليه .‬
‫وقد ورد لفظ التوكل باإلفراد والجمع والماضي والمضارع واألمر في القرآن في اثنان وأربعون موضعاً، كلها‬
‫جاءت بمعنى ا التكال واالعتماد على هللا وتفويض األمر إليه فاالسم التكالن، وورد في حديث الترمذي وفيه‬
‫ضعف(( وهذا الجهد وعليك التكالن)).وفي حديث عثمان (( هللا المستعان اللهم صبراً وعلى هللا التكالن))‬
                            ‫وأيضا ً من األسماء الوكالة ووكيل الرجل الذي يقوم بأمر فهو موكول إليه األمر.‬

‫51‬
  ‫قال ابن القيم رحمه هللا: والوكالة يراد بها أمران، أوالً التوكيل وهو االستعانة والتفويض ، والثاني التوكل‬
  ‫وهو التصرف بطريق اإلنابة عن الموكل وهذا عن الجانبين فإن هللا تبارك وتعالى يوكل العبد في حفظ ما وكله‬
                                                                               ‫فيه والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه.‬
  ‫فأما وكالة العبد لربه( فإن يكفر بها هؤالء فقد وكلنا بها قوما ً ليسوا بها كافرين) قال قتادة: وكلنا بها األنبياء‬
  ‫الثماني عشر الذين ذكرناهم قبل هذه اآلية، وقال أبو رجاء العطاردي: إن يكفر بها أهل األرض فقد وكلنا بها‬
‫أهل السماء وهم المالئكة . وقال ابن عباس ومجاهد: هم األنصار أهل المدينة، والصواب أن من قام بها إيمانا ً‬
                                                              ‫ودعوة وجهاداً ونصرة فهؤالء الذين وكلهم هللا بها.‬
  ‫لما قام المعتز على اإلمام أحمد فسجن واضطهد ومنع من التحديث على شأن أبي دؤاد المبتدع ، فيقال أن‬
  ‫النبي صلى هللا عليه وسلم رؤي وهو يقرأ قوله تعالى: (فإن يكفر بها هؤالء) ويشير إلى أحمد بن أبي دؤاد‬
                                                ‫المعتزي (فقد وكلنا) ويشير إلى أحمد ،و هذه من صالح الرؤى.‬
                                        ‫هل يصح أن تقول أن هللا وكل أو يوكل أحداً من العباد؟‬
‫نعم بإقامة الدين، لكن هل يصح أن يقال أن أحداً ما وكيل هللا؟ ال.. ألن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق‬
‫النيابة، وهللا ال نائب له وال يخالفه أحد وال يخلفه أحد بل هو يخلف عبده( اللهم أنت الصاحب في السفر‬
‫والخليفة في األهل ) يخلف العبد في أهله وماله الذين غاب عنهم. أما أن العبد يوكل ربه فنعم بتفويضه إليه‬
‫وعزل نفسه عن التصرف ، لهذا قيل في التوكل أنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية. ومعنى كون‬
‫الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأمره ومصالحه فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان ال عن حاجة بل منّة‬
‫وافتقار منهم إليه وأما توكيل العبد ربه فتسليم لربوبيته، وقيام بعبوديته وحسبنا هللا ونعم الوكيل أي كافينا‬
                                    ‫ونعم الكافي يكفينا من كل شر والحسب هو الكافي وهللا وحده كاف عبده.‬
                                          ‫ٍ‬
‫والتوكل في االصطالح الشرعي: هو صدق اعتماد القلب على هللا عز وجل في استجالب المصالح ودفع‬
‫المضار من أمور الدنيا واآلخرة كما ذكر ابن رجب، وقال الحسن أن يعلم أن هللا هو ثقته..! وقال ابن عثيمين‬
‫رحمه هللا: صدق االعتماد على هللا عزوجل في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل األسباب التي أمر هللا بها ،‬
                                                                                    ‫وهذا تعريف جيد جامع.‬
‫وهذا التوكل ال ينقطع وال يخلو من اتخاذ األسباب، فهو ثقة باهلل واعتماد عليه مع األخذ باألسباب، فهو يلتئم‬
‫هذين األصلين، يقول ابن القيم رحمه هللا: سر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على هللا وحده ، فال يضره‬
                                            ‫مباشرة األسباب مع خلو القلب من االعتماد عليها والركون إليها.‬
‫إذا كان معتمد على هللا بالكلية فال يضره لو كان لديه عشرين طريقة وسبب، ألن يفعل شيئا ً فإذا قال العبد‬
‫توكلت على هللا مع اعتماد القلب على غير هللا كمن يقول تبت وهو مستمر على المعصية، فتوكل اللسان‬
‫مختلف عن توكل القلب، وهذا فعل الكفرة والغربيين إذا انهارت األسباب انهاروا أما المؤمن فال ينهار إذا‬
                                                                    ‫أفلس من األسباب فال يزال يرجو الفالح.‬
                                                                                              ‫حقيقة التوكل‬
‫قال الزبيدي في تاج العروس: الثقة بما عند هللا واليأس مما في أيدي الناس، فالتوكل على هللا اعتماد القلب‬
‫على هللا مع األخذ باألسباب، مع كامل اليقين أن تعلم أن هللا هو الرازق الخالق المحيي المميت ال إله غيره وال‬
                                                                                                  ‫رب سواه.‬
‫والتوكل يتناول التوكل على هللا ليعينه هللا على فعل ما أمره والتوكل على هللا ليعطيه ما ال يقدر عليه، وكالهما‬
‫كما قال شيخ اإلسالم ابن تيمية ، فاالستعانة تكون على األعمال والتوكل أعم من ذلك فالتوكل مجلبة لمنفعة،‬
                               ‫ّ‬
                                                                                              ‫ودفع لمضرة.‬
‫(( ولو أنهم رضوا ما آتاهم هللا ورسوله وقالوا حسبنا هللا سيؤتينا هللا من فضله ورسوله إنا إلى ربنا‬
                                                                                                 ‫راغبون)).‬
                                    ‫إذا ما حذرت األمر فاجعل ازاءه رجوعا ً إلى رب‬
                                                    ‫يقيك المحاذر‬
                                     ‫وال تخش أمراً أنت فيه مفوض إلى هللا غايات‬
                                                      ‫ومصادر‬

‫61‬
                                   ‫وكن للذي يقضي به هللا وحده وإن لم توافقه األماني‬
                                                           ‫شاكر‬
                                    ‫وال تفخرن إال بثوب صيانة إذا كنت يوما ً بالفضيلة‬
                                                           ‫فاخر‬
                                      ‫وإني كفيل بالنجاة من األذى لمن لم يبت يدعو‬
                                                                         ‫ٌ‬
                                                     ‫سوى هللا ناصر‬
          ‫فإذاً كن شاكراً هلل وال تخش شيئا ً إذا فوضت أمرك هلل ، كن رجاعا ً هلل متكالً عليه ؛ حينها ينصرك هللا.‬
                                                    ‫ّ‬                                    ‫َ‬
‫حقيقة التوكل عبادة واستعانة ( فاعبده وتوكل عليه)(عليه توكلت وإليه أنيب) ( عليه توكلت وإليه متاب) (‬
‫اتخذه وكيالً)(عليك توكلت وإليك أنيب) ، انظر للمقارنة للتوكل مع العبادة واالستعانة باهلل، فالتوكل أعم في‬
     ‫ّ‬
                          ‫جلب المنافع وهو دفع المضار حتى لو كانت في أشياء دنيوية واالستعانة على العبادة.‬
‫التوكل أعم من االستعانة و قد جمع هللا بين األصلين في غير موضع كقوله (إياك نعبد وإياك نستعين)، فالعبادة له‬
‫واالستعانة به والتوكل عليه وحده ال شريك له، هللا عزوجل إذا توكل عليه العبد يكفيه و هو حسب من توكل عليه‬
                                             ‫والحسب هو الكافي ، يمنع الشر عنك، يكفيك ما أهمك ، يكفيك عدوك..‬
‫لما قال هللا لنبيه ( يا أيها النبي حسبك هللا ومن اتبعك من المؤمنين)..، بعض الناس يظنون أن المعنى حسبك هللا‬
‫والمؤمنون حسبك أيضا ً ،يعني يكفونك مع هللا، هذا خطأ بل حسبك هللا وحسب من اتبعك ، يكفيك ويكفيهم..حسبك‬
                                                ‫وحسبهم..كلكم..أنت وهم.. ، وال يجوز حمل اآلية على المعنى اآلخر..‬
                      ‫ولذلك اآلية األخرى ( وإن يريدوا يخدعوك فإن حسبك هللا هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)..‬
                                                                                                            ‫نعم هنا ممكن..‬
                                                                                               ‫فرق بين الحسب والتأييد..‬
                                                  ‫هل المؤمن يكفي يكون حسباً؟... ال ،لكن يكون ناصراً ومؤيداً..نعم..‬
                                    ‫أيدك بالمؤمنين..أن يؤيدونك وينصرونك..هذه ال إشكال فيها..وال تضاد التوحيد..‬
‫ولكن إذا قلت يكفونك ..من ذا يقدر على الكفاية..؟..من الذي يستطيع أن يكون حسبا ً يكفي غيره كل شر من‬
                                                                    ‫الشرور؟.. ما يقدر على هذا إال هللا سبحانه وتعالى..‬
‫قال ابن القيم رحمه هللا في معنى اآلية: " حسبك هللا أي كافيه ومن كان هللا كافيه و واقيه فال مطمع فيه لعدوه وال‬
                                                                                                          ‫يضره إال أذى"..‬
‫مامعنى ( اليضروك إال أذى)..مثل أذى الحر والبرد والجوع والعطش أما أن يضره العدو بما يبلغ به مراده(يعني‬
                                      ‫الشيء الذي يريده العدو فيه) ال..يعني إذا توكلت على هللا لن يضروك إال أذى..‬
‫يعني الشيء الذي البد منه ولكن ليس على مايشتهي ويريد العدو.. ، يعني أثر خفيف..مثل مايحدث لك من الحر‬
                  ‫والبرد والجوع والعطش..، لكن ال يستطيعون أن يبلغوا ما يريدونه ويتمنونه إذا توكلت على هللا..‬

‫وإذا كان هللا قد جعل لكل عمل جزاء من جنسه فقد جعل جزاء التوكل عليه الكفاية، ومن يتوكل على هللا‬
                                                        ‫فهو حسبه ، ولو كاده كل من في األرض جميعا ً..!!‬
                 ‫وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت سبل الخالص وخاب فيها اآلمل‬
                    ‫وأيست من وجه النجاة فما لها سبب وال يدنو لها متناول‬
                    ‫يأتيك من ألطافه الفرج الذي لم تحتسبه وأنت عنه غافل‬
‫والثقة باهلل سبحانه وتعالى والتوكل عليه وتفويض األمور يليه يريح العبد نفسياً، ألنه الواحد مهما بذل أسباب‬
‫ستبقى ثغرات يتحسب منها ، ويبذل كذا وكذا لكن هذه ال يستطيع أن يفعل فيها شيء، ولو جاءوا ما استطعت..ولو‬
‫كادوا لي من هذه الجهة ما لي حيلة..وضعنا احتياطات من هنا ومن هنا ولكن لو جاءوا من هنا لو فعلوا من هنا‬
‫ماعندنا احتياطات...!!، فيصبح العبد مهموما ً حتى مع اتخاذ بعض األسباب..هناك أشياء ال يقدر عليها فالتوكل‬
‫يريحه نفسيا ً..األشياء التي ال حيلة له فيها ؛ الذي ال يتوكل قلق منها قلق جداً منها ألنه لم يعمل شيء في‬
‫الموضوع ، لكن من يتوكل على هللا كفاه هللا ما أهمه..، و قال لي أحدهم بعد الحج من أهل الشيشان: (جاء‬
‫الروس اقتحموا علينا، وكنا في بيت فحاصرونا، وهرب من هرب، وبقيت أنا ذهبت إلى حفرة بجانب البيت يلقى‬
‫فيها محصول البطاطس ،ألقيت نفسي فيها ثم اقتحموا البيت و ابتدؤوا التفتيش و عال صياحهم واقتربوا من‬
‫71‬
‫مكاني وأنا ماعندي سالح وال أستطيع أن أهرب ..حفرة..، قال ال عندي إال التوكل على هللا وتذكرت موقف من‬
‫السيرة وآية من القرآن وجعلت أقرأها فسمعت القائد يقول للجندي اذهب وفتش الحفرة، وسمعت وقع خطواته‬
‫وهو يقترب شيئا ً فشيئا ً من الحفرة وأنا في الحفرة وأنا مثل الفأر بالمصيدة، وأطل علي ونظر إلي وذهب وقال ال‬
             ‫ّ‬        ‫ّ‬
‫يوجد أحد في الحفرة..!، أنا استغربت..عيني في عينه..!!!!!!)، قلت له: وماذا كنت تقرأ؟، قال :إني تذكرت‬
‫والذي خطر على بالي في ذلك الموقف القصة في سورة يس..(وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا‬
                                                ‫فأغشيناهم فهم ال يبصرون)..ما عندي إال التوكل على هللا..‬
                        ‫فهناك أحوال كثيرة المخلوق ال يستطيع أن يفعل فيها شيئا ً ماديا ً..ماعنده إال هذا التوكل..‬
                                                     ‫.والتوكل على هللا البد من تحقيق مراتب فيه.:‬
‫- معرفة الرب وصفاته ، من قدرته وكفايته وقيوميته، أنت تتوكل على هللا وتعتمد عليه يجب أن تكون‬               ‫1‬
‫مؤمنا بقوة هللا وقدرته وأنه يكفيك، فالذين يعطلون أسماء هللا وصفاته ويلحدون فيها سيخلون بهذه‬
                                                                                              ‫المرتبة..‬
‫- إثبات األسباب والمسببات وأنها ال تستقل بنفسها في التأثير، وإن جحد األسباب وقال كل سبب معطل ،‬            ‫2‬
‫هذا غبي مجنون..، هناك أسباب ، تنكح ليأتيك الولد وتبذر ليخرج الزرع..، ولذلك جاء رجل للنبي صلى‬
‫هللا عليه وسلم فقال أءعقلها وأتوكل أم أطلقها وأتوكل...؟، قال : اعقلها وتوكل..، وأحيانا ً ال يجد الواحد‬
‫إال الدعاء ، ونعم السبب ..، وهللا عزوجل علم عباده األخذ باألسباب فقال: (هو الذي جعل لكم األرض‬
‫ذلوالً فامشوا في مناكبها ) وقال: (فإذا قضيت الصالة فانتشروا في األرض وابتغوا من فضل هللا)..،‬
‫فالذي يقول ال أعمل شيئا ً حتى يأتيني رزقي جاهل بشرع هللا وجاهل بقدر هللا ..، هللا قال في سورة المزمل‬
‫( وآخرون يضربون في األرض يبتغون من فضل هللا)..يضربون : يسافرون و يذهبون ويتاجرون ، وكان‬
‫أصحاب النبي صلى هللا عليه وسلم يتاجرون في البر والبحر..ويعملون في نخيلهم وكان غسل الجمعة..‬
‫لماذا أمروا به..؟..ألنهم كانوا عمال أنفسهم..يعملون في الحر والنخيل.. العرق يرشح على مالبس‬
‫الصوف فيكون لها رائحة كريهة في المسجد، فقيل لهم ( لو اغتسلتم) كما في البخاري ، ولما سئل اإلمام‬
‫أحمد رحمه هللا عن هؤالء الذين يزعمون أنهم متوكلة ويقولون نقعد وأرزاقنا على هللا عزوجل، قال‬
‫اإلمام أحمد : هذا قول رديء أليس هللا قد قال ( فاسعوا إلى ذكر هللا وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم‬
‫تعلمون*فإذا قضيت الصالة فانتشروا في األرض وابتغوا من فضل هللا)..؟، وقال صالح بن أحمد بن‬
                   ‫حنبل: ( سئل أبي عن قوم ال يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال : هؤالء مبتدعون)..‬
‫- ومن المقامات التي يجب تحقيقها رسوخ القدم في طريق التوحيد..، فالعبد إذا حقق التوحيد كان له من‬            ‫3‬
                       ‫التوكل النصيب العظيم ..،( حسبي هللا ال إله إال هو عليه توكلت) توحيد وتوكل بعده..‬
                                  ‫- االعتماد على هللا عزوجل في كل األمور، بحيث يفوض إليه سائر أموره..‬     ‫4‬
‫- أن يحسن الظن باهلل عزوجل وتفويض األمور إلى هللا عزوجل كلها ويكون بيد هللا أوثق منه بما في يده،‬          ‫5‬
‫ال يضطرب قلبه واليبالي بإقبال الدنيا وإدبارها ألن اعتماده على هللا ..، فحاله كحال إنسان أعطاه ملك‬
‫درهم فسرق منه، فقال الملك عندي أضعافه فال تهتم..متى جئت أعطيتك أضعافه من خزائني، فمن يعلم‬
‫أن هللا ملك الملوك خزائنه مألى فال يقلق إذا فات شيء فإن الغني يعطيه هللا بدالً منه.. وأما حسن الظن‬
‫باهلل عزوجل فإن هللا عزوجل قال: (أنا عند ظن عبدي بي)كما جاء في الحديث القدسي، فحسن الظن‬
‫يدعو إلى التوكل على هللا، أنت تتوكل على من تظن أنه سينفعك، وإن اإلنسان إذا علم وتيقن أن هللا هو‬
                                                               ‫الغني القادر الحسب الكافي فيتوكل عليه..‬
  ‫- استسالم القلب هلل سبحانه وتعالى، فإذا استسلم كاستسالم العبد الذليل لسيده وانقياده له حصل التوكل ..‬    ‫6‬
‫- التفويض .. (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى هللا) أي أتوكل عليه وأستعينه مع مقاطعتي و‬               ‫7‬
‫مباعدتي لكم خدعتموني ..قال اين مسعود : (إن أشد آية في القرآن تفويضا ً" ومن يتوكل على هللا فهو‬
‫حسبه" )، قال ابن القيم رحمه هللا نقالً عن شيخه شيخ اإلسالم ابن تيمية رحمه هللا : (المقدور يكتنفه‬
‫أمران: التوكل قبله والرضى بعده"من وجهة نظر الدين والتوحيد"، فمن توكل على هللا قبل الفعل ورضى‬
‫بالمقضي بعد الفعل فهذا إنسان قائم بالعبودية فعالً)..ولذلك انظر إلى دعاء االستخارة: واقدر لي الخير‬
  ‫حيث كان كله ثم رضني به..فالتوكل إذاً على هللا تفويض قبل وقوع المقدور ورضى بعد وقوع المقدور..‬

‫81‬
‫فعرفنا إذاً أيها األخوة الفرق بين التوكل والتواكل ، فالتوكل فيه أخذ باألسباب الشرعية، فبعض الطالب قد‬
‫يذهب الختبار ويأخذ معه أشياء للغش ويقول هذه أسباب(!!)، فهذا التوكل بمعصية، ولكن التوكل الصحيح أن‬
                                                             ‫يأخذ باألسباب الشرعية المقدور عليها .‬
      ‫التواكل ترك األسباب ..ومن ترك التوكل طعن في التوحيد..ومن ترك األسباب نقص في العقل..‬
‫واألسباب ولو كانت يسيرة وضعيفة؛ يبذلها العبد..وهللا سبحانه وتعالى يبارك فيها ويجعل فيها أثراً، وهللا علمنا‬
                                                                                         ‫ذلك في قصة مريم..‬
                                   ‫توكل على الرحمن في كل حاجة‬
                               ‫وال تؤثرن العجز يوما ً على الطلب‬
                                       ‫ألم تر أن هللا قال لـــــــمريم‬
                                                                ‫َ‬
                               ‫إليك فهزي الجذع يساقط الرطب‬
                                  ‫ولو شاء أن تجنيه من غير هزها‬
                               ‫جنــــــته ولكن كل شيء له سبب‬
‫فتخيل حال امرأة..ضعيفة .. في حال النفاس..أضعف ماتكون المرأة.. والنخلة شجرة قوية ..جذعها قوي.. ولكن‬
‫هللا قال: (وهزي إليك بجذع النخلة) ولكن بالسبب الضعيف جعل النتيجة..!..،كان من الممكن أن يسقط الثمر بال‬
‫هز..وماذا يغني الهز من امرأة ضعيفة لشجرة قوية..، ولكن ليعلم العباد األخذ بما أمكن من األسباب..هذا مبدأ‬
‫مهم في قضية التوكل.. والنبي صلى هللا عليه وسلم ظاهر بين درعين ولبس لئمته و وضع الخوذة على‬
‫رأسه(المغفر)..ماهذا؟؟..أخذ باألسباب ، وطريق الهجرة وأخذ دليل وتعمية األثر..كل هذا أخذ باألسباب..وخرج في‬
‫وقت يغفل فيه الناس..من طريق غير متوقع..وهو نبي..(حسبك هللا)(وهللا يعصمك من الناس) ولكن هللا علمنا‬
                                                            ‫التتبع ..الهجرة أخذ باألسباب مع التوكل على هللا..‬

‫والتوكل على هللا عز وجل يجمع علم القلب وعمل القلب .. أن يعلم بأن هللا مقدر األشياء ومدبر األشياء، وعمل‬
‫القلب سكون القلب للخالق واالعتماد عليه والثقة به، فهذان أمران مهمان في التوكل يشمل التوكل علم القلب‬
                                                                                             ‫وعمل القلب..‬
                                                                        ‫1 - أن يعلم باألسماء والصفات..‬
                                                     ‫2 - أن يسكن ويفوض ويستسلم هلل سبحانه وتعالى..‬
                                      ‫إذا ابتليت فثق باهلل وارض به‬
                                          ‫َ‬
                             ‫إن الذي يكشف البلوى هو هللا‬
                                       ‫إذا قضى هللا فاستسلم لقدرته‬
                             ‫ما المريء حيلة فيما قضى هللا‬
                                         ‫اليأس يقطع أحيانا ً بصاحبه‬
                             ‫ال تيأســــــن فنعم القادر هللا‬
‫والتوكل على هللا سبحانه وتعالى يكون في تحصيل الحظ من الرزق والعافية ومتع الدنيا وجلب الحوائج ودفع‬
                                                                              ‫المكروهات والمصائب الدنيوية..‬
‫كما يكون التوكل أيضا ً في عبادته عز وجل و العبد إذا كان هللا عزوجل غايته فإنه يسكن ويهدأ وال يضطرب‬
‫ويسأل ربه ويدعو ، والتوكل على هللا مع اسقاط األسباب طعن في العقل والدين أيضا ً ألننا قد أمرنا بالعمل ، مثل‬
‫هؤالء الذين يظنون أنهم يريدون أن يدخلون الجنة بدون أعمال ويقولون ندخل برحمة هللا..!!، كما قال أحدهم :‬
‫جاهدت مع أهل زوجتي في إخراج المنكر من البيت ومن الوسائل واألجهزة المفسدة وأحاول فيهم ، وأو زوجتي‬
‫يتدخل ويقول لماذا تفكر تخرج األجهزة هذي ؟كلنا في رحمة هللا ..، نعم كلنا في رحمة هللا ولكن أليس هناك‬
‫أسباب لدخول الجنة؟؟!!..واجتناب أسباب دخول النار..؟؟!!..مافي ابتعاد عن المحرمات..؟؟!!.قيام‬
‫بالواجبات..؟!!..كذا برحمة هللا بدون اتخاذ أسباب..؟!!!..(إن رحمة هللا قريب من المحسنين) يا أخي..ليست قريب‬
                                                                                    ‫من الفاجرين الفاسقين..!!‬
‫91‬
‫فمشكلة أن يوجد مثل هؤالء الذين ال يريدون البذل أسباب دنيوية وال شرعية ، وبعضهم يبذل أسباب دنيوية‬
‫واليبذل أسباب شرعية، في الدنيا والدراسة والتحصيل والفن واألجهزة ممتاز، وفي الصالة تقصير والمحرمات‬
‫يقع فيها ، فيأخذون باألسباب في الدنيا ويتركون أسباب الدين..كيف تنجو في اآلخرة بدون أن تأخذ أسباب‬
                                                         ‫الجنة..؟!!..(اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ..‬
                                                                            ‫األمور التي تضاد التوكل‬
 ‫1 - التطير والتشاؤم ..قال صلى هللا عليه وسلم ( الطيرة )..، التطير والتشاؤم من الشيء المرئي أو‬
 ‫المسموع ، كمن يرى أعور فيتشائم به ، ويرى طيراً ذهب شماالً فيتشاءم به، يريد أن يذهب لسفر أو‬
 ‫زواج فيلغي المشروع..، هذا ينافي التوكل على هللا..، قال مثالً كرسي الحجز في الطائرة 31 ..هذا ما‬
 ‫أركب فيه..هذا شؤم..، تجنب الرقم 31 ليس من األسباب المشروعة إطالقاً، ذهب يضرب صفقة مع‬
 ‫رفيقه فرأى حماته، فقال هذا نذير شؤم..ما دخلها..؟!!، فالتطير والتشاؤم منافي للتوحيد، ولما جاء أحد‬
 ‫المنجمين لعلي رضي هللا عنه وهو خارج لقتال البغاة ، قال هنا اآلن نوء العقرب إذا خرجت ياعلي‬
 ‫ستخسر في المعركة وتنهزم فخرج علي ثقة باهلل وتوكالً عليه وكتب هللا له في تلك الغزوة والخروج‬
 ‫البركة والخير والفالح واالنتصار ، ولذلك المرء يتعمد مخالفة العرافين والكهنة ..، فإذا قال له كاهن‬
 ‫خروجك هذا شر والنجم كذا فليقل بل مخالفة لك وإيمانا ً بالتوحيد وإيمانا ً بالسنة سأخرج و أخالفك يا أيها‬
 ‫الدجال والمشعوذ..وإتيان الكهان والتعلق بهم.. ، تعليق التمائم يخالف التوكل..، ألن اإلنسان ( من تعلق‬
 ‫شيئا ً وكل إليه)..، لذلك اإلنسان لو علق أشياء ولو بالقرآن يتعلق قلبه بالجلد هذا والورق والحبر‬
 ‫المكتوب مع أن المفترض أن يتعلق قلبه باهلل وليس بأوراق وجلود يجعلها على معصمه أو يعلقها في‬
 ‫رقبته، وبعضهم يقول هذه أسباب..!!!!..،هذا خالفنا مع بعض الناس.. أمرنا باتخاذ أسباب شرعية..أو‬
 ‫أي أسباب..؟!!!!..، التوكل البد أن يكون معه أسباب شرعية .. ، فالذي يلبس حلقة أو خيط أو يتبرك‬
 ‫باألشجار ويكتب التعاويذ ويعلقها هذه أسباب غير مشروعة فكيف تتخذها..؟!!.(من تعلق شيئا ً وكل إليه)‬
 ‫وحرم من التوكل على هللا وصار توكله على هذا الشيء الموضوع ، لذلك ترى الناس الذين توحيدهم‬
 ‫ضعيف يكثر من هذه األشياء..يعلق في السيارة والبيت وعلى رقبته وأوالده ومنها أشياء شركية وكذا ..‬
 ‫ألنه يريد أي أسباب.. ماعنده توحيد وتوكل قوي فهو خائف ويريد أي سبب فيفعل أي شيء ولو كان غير‬
               ‫مشروع، لذلك ينقلب على عقبيه ويرتد على دبره وال يحصل له ما يريد ويبقى في خوف وهم..‬
 ‫2 - والبد في التوكل على هللا من السعي في طلب الرزق، وهذا مهم جداً في عصر شاعت فيه البطالة، بعض‬
 ‫الناس يتواكلون على بعض ، واالبن على أبيه واألخ على أخته الموظفة، وكثير منهم ال يريدون العمل ،‬
                                  ‫وهللا أرشدنا وفتح أبواب لطلب الرزق وأشياء مذكورة في الكتاب والسنة..‬
 ‫أ - فأول وأعظم سبب للرزق وأحل الحالل في األرض هو غنائم القتال (فكلوا مما غنمتم حالالً طيبا ً)‬
 ‫فالعلماء تناقشوا في قضية ماهو أطيب الرزق وأحل الحالل تجارة زراعة وصناعة.. قالوا : إن‬
‫أحل الحالل على وجه األرض غنائم المعارك في سبيل هللا ألن هللا قال ( فكلوا مما غنمتم حالالً‬
                            ‫طيبا ً) والرسول صلى هللا عليه وسلم قال: (جعل رزقي تحت ظل رمحي)..‬
 ‫ب -العمل باليد فالرسول صلى هللا عليه وسلم قال: (ماأكل أحد طعاما ً قط خيراً من عمل يده) وقال :‬
                     ‫(ألن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه)..‬
 ‫ج - التجارة وهذي عمل كثير من المهاجرين وكذلك األنصار( فإذا قضيت الصالة فانتشروا في األرض‬
 ‫وابتغوا من فضل هللا واذكروا هللا كثيراً لعلكم تفلحون)..، وعبدالرحمن بن عوف قال : (دلوني‬
                               ‫على السوق)..، كان الصحابة يغدون إلى السوق ويشترون ويبيعون..‬
 ‫د - الحرث والغرس والزرع، وقال أن الزراعة فيها ميزة في التوكل على هللا أكثر من غيرها‬
 ‫فالمزارع إذا بذر عنده في قلبه توكل على هللا أكثر من التاجر ، كلهم يحتاجون التوكل لكن الزارع‬
 ‫أكثر، فبعضهم قدم الزراعة من هذه الجهة لما فيها من مزيد تعلق القلب من هللا في رجاء حصول‬
                           ‫النماء والنبات لهذا المحصول و بأن الثمرة تظهر وال يصيبها آفة وهكذا..‬
 ‫ثم إن اإلنسان يبذل األسباب في العالج ، غير طلب أسباب الرزق، فمثالً قال النبي صلى هللا عليه‬
 ‫وسلم : (ما أنزل هللا من داء إال وأنزل له شفاء) ( تداووا عباد هللا) والتداوي ماهو إال أخذ باألسباب‬
                                                                                      ‫في هذا المجال..‬
                                                                                ‫ّ‬
                                                                               ‫فوائد التوكل‬
‫02‬
‫1 - بسببه النصر على األعداء ( قالوا حسبنا هللا ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من هللا وفضل لم‬
‫يمسسهم سوء) ( ولما رأى المسلمون األحزاب قالوا هذا ماوعدنا هللا ورسوله وصدق هللا‬
                                                        ‫ورسوله و مازادهم إال إيمانا ً وتسليما ً)..‬
                       ‫2 - يجلب المصالح ويدفع المضار والمصائب ويجلب الرزق ويعجل الشفاء ..‬
                                                     ‫3 - التوكل على هللا سبب لقوة القلب ونشاطه..‬
                                                       ‫4 - وقاية من االنهيارات النفسية والعصبية..‬
‫5 - يباعد بين اإلنسان واالنتحار وما يفعله هؤالء الذين عدموا التوكل فيئسوا وأصيبوا باإلحباط فلم‬
                                                               ‫يبق لهم في الدنيا مكان في نظرهم..‬
‫6 - سبب للحفظ في النفس والمال والولد واألهل ( قال هللا على مانقول وكيل) يعقوب قالها لبنيه..!(‬
‫إن الحكم إال هلل عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)، وقال: ( إنما النجوى من الشيطان‬
‫ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إال بإذن هللا وعلى هللا فليتوكل المؤمنون )..وعندما‬
‫يخرج اإلنسان من بيته يقول: (بسم هللا توكلت على هللا ) فماذا يحدث له؟!!..يقول له ملك:‬
                                                                                     ‫ُ‬
                                                                 ‫(هديت، وقِيت،كفيت من كل شر)..‬
                                                                                           ‫ُ‬     ‫ُِ‬
‫7 - التوكل على هللا يبعث في القلب الحماس والعزيمة للعمل ألنه فيه فتح لباب األخذ في األسباب‬
‫واألسباب المشروعة، لما يفهم المرء التوكل فهما ً صحيحا ً ينطلق للعمل ويأخذ باألسباب، وهذا‬
                                                                     ‫فيه انتاجية وفيه ثمار تحدث..‬
‫8 - والتوكل على هللا يرفع الروح المعنوية حتى لو أصاب اإلنسان مصائب وشدائد ، ففي الجراحات‬
‫والقتل الذي أصابهم مصيبة فوقها يأتي خبر أن المشركين جمعوا عليكم ليعيدوا الكرة عليكم (‬
                   ‫قالوا حسبنا هللا ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من هللا وفضل لم يمسسهم سوء)..‬
                          ‫9 - التوكل على هللا يجلب الرزق كما يرزق الطير وقد تقدم الكالم في هذا..‬
‫11 التوكل على هللا يحقق النتيجة فالطالب يريد النجاح والتاجر يريد الربح وطالب الوظيفة يريد‬           ‫-‬
                                                                           ‫التعيين في العمل وهكذا..‬
                       ‫11 من توكل على هللا يشعر بمعية ربه له أنه معه ناصره مغنيه كافيه واقيه..‬      ‫-‬
‫21 التوكل على هللا يجلب محبة الرب للعبد,وكذلك العبد يحب الرب نتيجة التوكل، ألنه يرى آثارتوكله‬       ‫-‬
                               ‫على ربه وكيف أن هللا يعطيه على نيته وتوكله عليه فيحب ربه..‬
‫31 التوكل من حققه دخل الجنة بال حساب وال عذاب وهذا أعظم ثمرات التوكل كما جاء في حديث‬                ‫-‬
                                                                                       ‫السبعين ألف..‬
                                                                                                    ‫-‬
                                                                        ‫41 التوكل على هللا عز وغنى ..‬

                           ‫قصص مع المتوكلين وعلى رأسهم الرسول صلى هللا عليه وسلم..‬
‫لما نزل مع أصحابه في واد فعلق سيفه في شجرة فتفرق الناس في الوادي يستظلون في الشجر فلم يرعهم إال‬
‫والنبي صلى هللا عليه وسلم يدعوهم فأتوه فإذا بشخص و سيف ساقط فقال الرسول إن رجالً أتاني وأنا نائم فاتخذ‬
‫السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إال والسيف صلفا ً أي مسلوالً..انتبه النبي والسيف فوق‬
‫رأسه..أين المهرب..؟!..فقال من يمنعك مني ..؟!! قلت: هللا..هذه كلمة فيها التوكل والتفويض واالستعانة وكل‬
     ‫شيء..قال: فشام السيف أي أغمده..وفي رواية سقط السيف من يده..، هاهوذا جالس..كما في صحيح مسلم..‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم مع أبي بكر في الغار, أبو بكر خائف على النبي أكثر من خوفه على نفسه يقول :‬
‫(يارسول هللا لو نظر أحدهم إلى ما بين قدميه ألبصرنا) مابيننا وبين الهالك إال نظرة تحت!!..قال يا أبا بكر ما‬
‫ظنك باثنين هللا ثالثهما..؟!!، هذا هو التوكل والتفويض يظهر فعالً في أوقات األزمات جليا ً واضحا ً..أن هذا العبد‬
‫قلبه مفتقر إلى الرب متوكل عليه مفوض أمره إليه خصوصا ً إذا لم يكن هناك أسباب تتخذ إال تفويض األمر إلى‬
                                                                                                            ‫هللا..‬
‫وجاء اإلنكار من ابن عباس رضي هللا عنه على بعض أهل اليمن الذين يحجون وال يتزودون ويقولون نحن‬
                  ‫المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس مدوا أيديهم..فأنزل هللا ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)..‬
‫وهناك قصة لطيفة المرأة رواها اإلمام أحمد رحمه هللا تعالى يقول في الحديث عن النبي صلى هللا عليه وسلم : (‬
‫إن امرأة خرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزاً لها وصيصيتها"السيخ الذي ينسجون به‬
‫12‬
 ‫الغزل" كانت تنسج بها، ففقدت عنزاً من غنمها وصيصيتها فقالت ياربي إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن‬
 ‫تحفظ عليه وإني قد فقدت عنزاً وصيصيتي وإني أنشدك عنزي وصيصيتي ، فجعل رسول هللا يذكر شدة مناشدتها‬
 ‫لربها سبحانه وتعالى وشدة توكلها على هللا وخرجت في سبيل هللا ومعتمدة أن هللا يحفظ مالها ولما عادت لم تقول‬
 ‫أن هللا أخلف وعده ولكن نشدت ربها ماوعد به وأخذت تلح وتلح... قال صلى هللا عليه وسلم : (فأصبحت عنزها‬
           ‫ومثلها وصيصيتها ومثلها)..رجع مضاعفا ً..!!نامت على الدعاء والتوكل ووجدته مضاعفا ً من عند هللا..!!‬
 ‫و قال اإلمام أحمد في مسنده حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبدالحميد بن وهران قال أبو هريرة : (بينما رجل‬
 ‫وامرأة له في السلف الخالي ال يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا ً قد أصابته‬
 ‫مسبغة شديدة فقال المرأته أعندك شيء ؟..لكن رأفة بحال الزوج أو رفع المعنويات وتسليته وما عندها شيء فلم‬
 ‫تشأ أن تقول لزوجها راجع جائع جداً (ال)..فالمرأة اشفاقا ً على زوجها وثقة باهلل قالت ( نعم ابشر أتاك رزق هللا)‬
 ‫مع أنها ليس لديها شيء لكنها الثقة واالعتماد على هللا ورجاء هللا ، فاستحثها فقال ويحك ابتغي إن كان عندك‬
 ‫ِ‬                       ‫ِ‬
 ‫شيء..!!..قالت: نعم هنيّة..اصبر..نرجوا رحمة هللا..!حتى إذا طال عليه الطوى وجاع زيادة فوق جوعه فقال (‬
 ‫ويحك إن كان لديك خبز فأتيني به فإني قد بلغت وجهدت فقالت نعم اآلن ينضج التنور) أوقدت الفرن والفرن ليس‬‫ِ‬            ‫ِ‬
 ‫فيه شيء فال تعجل فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أن يقول لها قالت هي من نفسها لو قمت فنظرت إلى‬
 ‫تنوري مع الثقة بما عند هللا..فقامت فوجدت تنورها مآلن جنوب الغنم..ورحييها تتطحنان..!!! فقامت إلى الرحى‬
 ‫فنفضتها وأخرجت مافي تنورها من جيوب الغنم ..!! قال أبو هريرة فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد‬
                                ‫صلى هللا عليه وسلم ( لو أخذت مافي رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة)..!!‬
   ‫قد يقول بعض الناس ماذا نقول في قصة خالد بن الوليد لما شرب السم، أو ما جاء عن عمر أنه أكل مع مجذوم..‬
 ‫قصة خالد مشهورة في كتب التاريخ، أنهم حاصروا حصنا ً فقال الروم ال نسلّم(نستسلم) حتى تشرب السم..، وحكم‬
            ‫ّ‬
 ‫شربه حرام ال يجوز( من تحسى سما ً فقتل نفسه فسم تحساه في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ، خالد‬
                                                           ‫ّ‬      ‫ّ‬                ‫ّ‬     ‫ّ‬
 ‫في وقت حرج، استسالم هؤالء يعني حماية المسلمين وإبعاد األذى عنهم في الحرب والجراحات فيه مصلحة‬
‫عظيمة، والروم هؤالء كأنهم يريدون شيء من الكرامات يستسلمون لهؤالء – تحدّي- فأخذه خالد ثقة باهلل وتوكالً‬
                                                                               ‫على هللا وشرب ولم يضره وسلم الروم..‬
 ‫هذه حالة خاصة ونادرة لم يكن أخذه لها بسبب االنتحار وإنما وجد خالد مصلحة عظيمة للمسلمين و وجد في‬
 ‫نفسه توكل على هللا كبير وهذا شيء يشعر به ربما بعض أولياء هللا في بعض الحاالت..، لم يضره من التوكل..،‬
                                                                                           ‫ولكن هذا ال يقع مع أي أحد..‬
 ‫وكذلك تحمل قصة عمر رضي هللا عنه لمن أراد اإلثبات والبرهنة لمن يعتقد أن العدوى البد أن تصيب فوجد في‬
 ‫نفسه شدة وصحة توكل وقوة في القلب إلثبات للناس أنه ال عدوى ، ولكن هذه حاالت خاصة تكون مع أولياء هللا‬
                                                             ‫وليست القضية على إطالقها فاألصل باق على ماهو عليه..‬
                                                                             ‫ِ‬




‫22‬
                                   ‫سلسلة أعمال القلوب‬


                              ‫للشيخ محمد بن صالح المنجد‬
                               ‫ّ‬




‫المقام دليل على الثبات والدوام ألنه لو كان شيئا ً سريع الزوال لسمي حاالً وليس مقاماً، فينبغي ألعمال القلووب أن‬
‫تكون مقامات وليست أموراً عارضة..(مثال على ذلك: صفرة ثابتة ‪ ‬الوذهب، صوفرة المورض‪ ‬بينهموا، صوفرة‬
                                                                         ‫الخوف والوجل ‪ ‬سريعة الزوال)..‬

‫32‬
‫أعمال القلوب أشياء دائمة ثابتة ومقامات الخوف والحياء من هللا واإلخوالص دائموا ً موجوود ألن بعوض النواس موع‬
‫الضعف تكون لديهم أحواالً وليست مقامات ، والمطلوب أن يكون عليها مقيموا ً وثابتوا ً دائموة وليسوت حواالً يوزول و‬
                                                                                                            ‫يحول..!‬
‫الرجاء: هو ارتياح النتظار ما هو محبوب عند اإلنسان ، لكن هوذا يكوون لشويء متوقوع لوه سوبب فوإن لوم يوجود لوه‬
                                ‫سبب صار تمنيا ً ألن اإلنسان إذا انتظر شيء بدون سبب ال يسمى راجيا ً بل متمنيا ً..!‬
                                                        ‫ّ‬
                                                    ‫وأما ماله سبب وينتظر اإلنسان محبوبا ً بسبب عمله هذا هو الرجاء.‬
‫فالرجاء هو االستبشار بجود هللا وفضل الرب تعالى واالرتياح لمطالعوة كرموه ومنّتوه وهوو الثقوة بجوود الورب وهوو‬
                                                                        ‫حاد يحدو القلوب إلى بالد المحبوب (الجنة) .‬
                                                                                                                ‫ٍ‬
                                                                          ‫والبد من التفريق بين الرجاء والتمنّي..‬
                                   ‫التمني‬                                      ‫الرجاء‬
                                      ‫ليس رجاء شرعيا ً..‬          ‫حالوووووه كحوووووال رجووووول شوووووق األرض‬
                  ‫يكووووون مووووع الكسوووول..، فووووال يسوووولك‬   ‫وسووواها وبووذرها وحرثهووا وتعهوودها‬
                  ‫صوواحبه طريووق الجوود واالجتهوواد وال‬           ‫بالسووقيا والموواء وأبعوود عنهووا اآلفووات‬
                  ‫يبذل جهداً وال تووكالً فهوذا حوال مون‬           ‫وقعوود ينتظوور حصووول الثموورة ونموواء‬
                  ‫يتمنى أن ينبوت زرع بودون أن يبوذل‬               ‫الوووزرع فهوووذا صووواحب رجووواء. فهوووو‬
                                       ‫، وصاحبه مفلس..‬            ‫يرجوووو رحموووة هللا وثوابوووه بعووود بوووذل‬
                                                                                                    ‫األسباب..‬




‫((ليس بأمانيكم وال أماني أهول الكتواب مون يعمول سووءاً يجوز بوه)) لويس اإليموان بوالتمنّي ولكون موا وقور فوي القلوب‬
                                                        ‫ّ‬
                                                                                              ‫وصدقه العمل الحسن.‬
‫والرجاء ضروري للسائر إلى هللا والعابد لو فارقوه لحظوة تلوف أو كواد يتلوف ألن المسولم يودور موا بوين ذنوب يرجوو‬
‫غفرانه، وعيب يرجو إصالحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها و ثباتها، وقرب من هللا يرجو‬
‫الوصول إليه، لذلك كان الرجاء من أقوى األسباب التي تعين المرء على السير إلى ربه والثبات على الدين ، وهوذا‬
                                                                          ‫زمن الفتن والشهوات والمحن والشبهات.‬
                                                                                                      ‫أسباب وعوامل الثبات‬
‫الرجاء الذي هو ضد اليوأس ، واليوأس هوو توذكر فووات رحموة هللا وقطوع القلوب عون التماسوها وهوو معصوية (( وال‬
             ‫تيأسوا من روح هللا إنه ال ييأس من روح هللا إال القوم الكافرون)) قالها يعقوب عليه السالم ألبنائه..‬




‫42‬
                                                                            ‫درجات الوصول إلى تحقيق الرجاء‬
                                                 ‫1 - ذكر سوابق فضل هللا على العبد، أن هللا له علينا فضائل سابقة..‬
‫2 - ذكر وعد هللا من جزيل ثوابه وعظيم كرمه وجوده بدون سؤال من العبد استحقاق فإن هللا يعطي بودون أن‬
                                                                          ‫يكون العبد مستحقا ً إذا استقام اإلنسان.‬
‫3 - أن تذكر نعم هللا عليك في أمر دينوك وبودنك ودنيواك فوي الحوال(اآلن) وأن يمودك باأللطواف والونعم مون غيور‬
                                                                                             ‫استحقاق وال سؤال.‬
‫4 - ذكر سعة رحمة هللا تعالى وأنها سبقت غضبه وأنه الرحمن الرحيم الغني الكريم الرؤوف بعباده الموؤمنين‬
                                                        ‫لذلك تحقيق الرجاء يقوم على معرفة أسماء هللا وصفاته.‬
‫وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة اآلخرة والقلب كاألرض البد لها من بذر وكذلك البد للقلب من طاعوات‬
‫واألرض البد لها من تعاهد وسقي بالماء وحفر أنهار وسوق الماء إليها وكوذلك القلوب البود لوه مون تعاهود وأن‬
‫يسووقى بموواء الطاعووة والعبووادة وكووذلك األرض تحتوواج حتووى تنبووت إلووى صوويانتها عوون األشووياء الضووارة ، وتوورى‬
‫المزارع ينتقي الدغل فينتزعه من أرض حتى اليؤذي زرعه والمؤمن ينقي قلبه من أي شبهة وشهوة حتى ال‬
                                                                ‫تفسد عليه زروع الطاعة التي سقاها بماء العبودية..‬
‫وقل أن ينفع إيمان مع خبث القلب كما ال ينمو البذر في األرض السبخة إذاً ينبغي أن يقاس رجاء العبود برجواء‬             ‫ّ‬
‫صاحب الزرع فكل من طلب أرضا ً طيبة وألقى بذراً جيداً وسقى وتعاهودها بالرعايوة ثوم جلوس ينتظور فضول هللا‬
‫..، انتظار هذا يسمى رجاء، أما إن بذر في أرض سبخة مرتفعة ال يصلها الماء ، هذا غبي أحمق، أموا إن بوذر‬
                                                                                           ‫ً‬
                          ‫ي وليس رجاء..!‬   ‫في أرض طيبة ولكن ال يصلها الماء وقال أنتظر المطر.، انتظار هذا تمنّ‬
‫الرجاء يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيوار العبود ولوم يبوق إال موا لويس فوي اختيوار‬
                                                                              ‫ّ‬
                                                                                                        ‫وإرادة العبد..‬
‫لذلك فاإلنسان يبذل من الطاعات والعبادات وينتظر فضل هللا أن يثبته وأن ال يزلوه وال يزيغوه حتوى المموات وال‬
                                                                                    ‫يضله حتى يلقاه وهو راض عنه.‬
                                                                                         ‫ٍ‬
‫الراجي إنسان عنده مواظبة على الطاعات قائم بمقتضيات اإليمان ، يرجو من هللا أن ال يزيغه وأن يقبل عملوه‬
‫وال يرد عليه، وأن يضاعف أجره و يثيبه ، فهو باذل لألسباب التي يستطيعها يرجو رحمة ربوه، ولوذلك يكوون‬             ‫ّ‬
‫فوي لوذات الودنيا‬  ‫الذي يقطع البذور وال يتعاهدها بماء الطاعات أو يترك القلب مشحونا ً برذائل األخوالق منهمكوا ً‬
‫ثم يطلب المغفورة يكوون حمقوا ً وغوروراً (( فخلوف مون بعودهم خلوف ورثووا الكتواب يأخوذون عورض هوذا األدنوى‬
‫ويقولون سويغفر لنوا))، والكوافر صواحب الجنوة قوال(( ولوئن رددت إلوى ربوي ألجودن خيوراً منهوا منقلبوا ً))، فهوو‬
                                                   ‫صاحب أماني وال أعمال صالحة عنده(( ما أظن الساعة قائمة))..!‬
                                                                              ‫الرجاء دواء يحتاج له رجالن:‬
                                        ‫1 - رجل غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة و جزم أنه ليس هناك فائدة..‬
‫2 - رجل غلب عليه الخوف حتى أضر بنفسه وأهله، فتعدّى خوفه الحد الشرعي المطلوب فالبد أن يعدّل ويمد‬
‫ّ‬               ‫ّ‬                                                                  ‫ّ‬
                                       ‫بشيء يحدث موازنة وهو الرجاء الذي هو حالة طبيعية عند المؤمن.‬
‫فبعض الناس الكالم معه في الرجاء دواء، أما العاصي المغرور المتمني على هللا مع اإلعوراض عون العبوادة ال‬
‫ينفع معه أبوداً دواء الرجواء، ولوو اسوتعملت معوه الرجواء لزدتوه ضوالالً..، ال ينفوع لوه إال دواؤ الخووف، فيووعظ‬
‫بسياط الخوف ويقرع المنايا، هذا المتمني المتساهل المفرط، فال يصلح معه أن تحدثه عن الرجاء ، وهذا أمور‬    ‫ّ‬
                                                                                          ‫مهم ينبغي أن يتنبه له الوعّاظ..‬
                                                                                                 ‫ُ‬
‫قال بعض العلماء: (يجب أن يكون واعظ الناس متلطفا ً معهم ناظراً إلى مواضع العلل معالجا ً كل علة بما يليوق‬
‫بها وهذا الزمان ال ينبغي أن يستخدم فيه مع الخلق أسباب الرجاء بل المبالغة في التخويف وإنما يذكر الواعظ‬
‫فضيلة وأسباب الرجواء إذا كوان المقصوود اسوتمالة القلووب إليوه إلصوالح المرضوى)، التخويوف ولكون بحيوث ال‬
                                                                                        ‫تصل إلى تيئيسهم من رحمة هللا..‬
                ‫قال علي رضي هللا عنه : (( إنما العالم الذي ال يقنط الناس من رحمة هللا وال يأمنهم مكر هللا))..‬
                                ‫ّ‬
‫البوود أن يكووون هنوواك توووازن وحسووب حووال النوواس، فووإذا كووانوا ميّووالين إلووى التفووريط والمعاصووي والتسوواهل غلّووب‬
                                          ‫التهويف وإذا كان عندهم خوف زائد ويأس من رحمة هللا غلّب الرجاء.‬
                                                                                                      ‫ثمرات الرجاء‬
‫52‬
                                                                                       ‫1 - يورث طريق المجاهدة باألعمال.‬
                                                                  ‫2 - يورث المواظبة على الطاعات كيفما تقلبت األحوال.‬
       ‫3 - يشعر العبد بالتلذذ والمداومة على اإلقبال على هللا والتنعم بمناجاته والتلطف في سؤاله واإللحاح عليه.‬
                                                              ‫ّ‬
        ‫4 - أن تظهر العبودية من قبل العبد والفاقة والحاجة للرب وأنه ال يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين.‬
  ‫5 - أن هللا يحب من عباده أن يسألوه ويرجوه ويلحوا عليه ألنه جواد كريم أجود من سوئِل وأوسوع مون أعطوي‬
                              ‫ُ‬                                       ‫ّ‬
  ‫وأحب ما إلى الجواد الكريم أن يسأله الناس ليعطيهم ومون ال يسوأل هللا يغضوب عليوه والسوائل عوادة يكوون‬
            ‫راج مطالب أن يُعطى فمن لم يرجو هللا يغضب عليه، فمن ثمرات الرجاء التخلّص من غضب الرب.‬                          ‫ٍ‬
  ‫6 - الرجاء حاد يحدو بالعبد في سيره إلى هللا فيطيب المسير ويحث علوى السوير ويبعثوه علوى المالزموة، فلووال‬       ‫ٍ‬
  ‫الرجاء بـ(المضاعفة-رحمة هللا-األجور والثوواب المضواعف-الجنوة والنعويم) موا سوار أحود، والقلوب يحركوه‬
                                                                              ‫الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء.‬
‫7 - يطرح على عتبة محبة هللا عزوجل ويلقيه في دهليزها فكلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه؛ ازداد حبوا ً‬
                                                         ‫لربه وشكراً له ورضا، وهذا من مقتضيات وأركان العبودية.‬
          ‫8 - الرجاء يبعث العبد على مقام الشكر ألنه يحفزه للوصول إلى مقام الشكر للنعم وهو خالصة العبودية.‬
                                                           ‫9 - الرجاء يوجب المزيد من التعرف على أسماء هللا وصفاته .‬
  ‫الخوف مستلزم للرجاء والرجاء مستلزم للخوف عند المؤمن، ألن كل خائف راجي وكول راجوي خوائف، ولهوذا‬
  ‫حسن وقوع الرجاء في مواضع يحسن فيه وقوع الخوف (( مالكم ال ترجون هلل وقاراً))..قال المفسرين: مالكم‬
  ‫ال تخافون هلل عظمة ، فكل راج خائف من فوات مرجووه، هوذا يفسور لنوا كيوف أن الرجواء مورتبط بوالخوف وأن‬
                                                      ‫ّ‬            ‫ّ‬                          ‫ٍ‬
                                                                      ‫الراجي خائف أن يفوت مطلوبه ورحمة هللا وجنته.‬
                ‫انظر إلى التداخل العجيب بين مقامات اإليمان في قلب المؤمن، والخوف بال رجاء يأس وقنوط..!!!‬
  ‫قال تعالى: (( قل للذين آمنوا يغفروا للوذين ال يرجوون أيوام هللا )) أي ال يخوافون وقوائع هللا بهوم كموا وقعوت فوي‬
                                                                               ‫األمم الذين من قبلهم من التدمير واإلهالك.‬
  ‫ثم إن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجواه فحصول المطلووب يحصول مزيود مون التشوجع‬
     ‫ّ‬                                                                                                                       ‫11 -‬
                 ‫وسؤال المزيد واإلقبال على هللا وهكذا ال يزال العبد في ازدياد في اإليمان والقرب من الرحمن.‬
  ‫على قدر رجاء العباد وخوفهم يكون فرحهم يوم القيامة بحصوول المرجوو األعظوم وهوو نيول رضوا‬                                    ‫11 -‬
                                                                                          ‫الرب والجنة ورؤية هللا فيها .‬
  ‫وكذلك فإن هللا يريد من العبد أن يكمل نفسه بمراتب العبودية من الذل واالنكسار هلل والتوكل عليوه واالسوتعانة‬
  ‫به والخوف منوه والصوبر علوى أقوداره والشوكر لوه وعلوى إنعاموه ولوذلك يقودر الوذنب علوى العبود لتكمول مراتوب‬
  ‫العبوديوة عنوود العبوود فيسووتغفر العبوود، فلوووال الووذنب مووا حصول انكسووار وال توبووة، يبتلوويهم بالووذنوب ليعووالج مووا فووي‬
            ‫قلوبهم باالنكسار وطلب التوبة فينكسر بين يدي هللا فيتحقق معنى مهم جداً جداً من معاني العبودية..!!‬
  ‫كيف تتحقق العبودية إذا لم يكن هناك انكسار وذل وخضوع..؟!!، أحيانا ً ال يصدر اإلنكسار والذل هذا إال بوذنب‬
                                                 ‫يتوب منه العبد ويعرف تقصيره والبلية التي وقع فيها وحجم المعصية.‬
                                        ‫الرجاء فيه انتظار وترقّب وتوقع لفضل هللا عزوجل فيتعلق القلب أكثر بخالقه..‬
                                                                                                              ‫أنواع الرجاء‬
                                                      ‫الرجاء ثالث أنواع، نوعان محمودان ونوع غرور مذموم..‬
                                        ‫1 - رجاء رجل عمل بطاعة هللا على نور من هللا فماذا يرجو؟ ثواب هللا..‬
        ‫2 - رجل أذنب ذنوبا ً ثم تاب منها فماذا يرجو؟ يرجو مغفرة هللا ومحو الذنوب والتجاوز عنها وسترها..‬
‫3 - رجل متمادي في التفريط والمعاصي والسيئات ويرجو رحمة ربه والمغفرة بال عمل!! فهذا غرور وتمنوي‬
                                                                     ‫ورجاء كاذب ال يعتبر رجاء محموداً أبداً..‬
‫والمؤمن عندما يسير إلى هللا له نظران: نظر إلى نفسه وعيوبوه وآفوات عملوه مون العجوب والريواء واالغتورار‬
‫بالعمل وهذا يفتح عليه باب الخوف مون هللا، وينقلوه بعود ذلوك إلوى سوعة كورم هللا وفضوله وبوره ومغفورة ذنوبوه‬
‫ويفتح له باب الرجاء،وهذا هو النظر الثاني ولهذا قيل في حد الرجاء وتعريفوه هوو النظور إلوى سوعة رحموة هللا‬
‫عزوجل والبد من الموازنة بوين الخووف والرجواء كموا قوال العلمواء: (( العبود فوي سويره إلوى هللا كالطوائر يطيور‬
‫بجناحين، جناحي الطائر إذا اسوتويا اسوتوى الطوائر وتوم طيرانوه وإذا نقوص أحودهما اختول نوعوا ً موا وإذا ذهوب‬
                      ‫ّ‬
         ‫الجناحان صار الطائر في حد الموت))، ما هما الجناحان في سير العبد إلى ربه؟ هما الخوف والرجاء.‬
                                                                                       ‫ّ‬
‫62‬
  ‫وقد سئِل أحمد بن عاصم رحموه هللا : موا عالموة الرجواء فوي العبود؟ قوال: أن يكوون إذا أحواط بوه اإلحسوان أُلهوم‬
     ‫ِ‬                                                                                                                  ‫ُ‬
                                      ‫الشكر راجيا ً لتمام النعم عليه في الدنيا واآلخرة وتمام عفوه عنه في اآلخرة..‬
  ‫هنا علماء القلوب أصحاب النظر والتأمل في األمور اإليمانية اختلفووا..، أي الرجواءين أعظوم..؟ رجواء الثوواب‬
                                                         ‫واألجر من المحسن؟ أو رجاء المغفرة من التائب المسيء؟!!!‬
  ‫فرجحووت طائفووة رجوواء المحسوون لقوووة أسووباب الرجوواء معووه ، فعنووده طاعووات و أسووبابه قويووة فيرجووو علووى حوقّ،‬
  ‫واألخرى رجحت رجاء المذنب ألن رجاءه من انكسار ومسكنة مقرون بذلة رؤية الذنب واستحضوار المعصوية‬
  ‫خالص من العجب واالغترار بالعمل ، الحاصل أم كال القولين له حظ مون النظور، فكوال الرجواءين محموود والبود‬
  ‫من تحصيلهما معا ً وال يستغنى بهذا عن هذا ، ألن المسلم إما أن يكون في طاعة يرجو قبولها أو معصية يريد‬
                                                                                                             ‫غفرانها ومحوها.‬
  ‫أسباب قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة باهلل وأسمائه وصفاته وغلبت رحمته غضوبه، ولووال روح الرجواء‬
  ‫لتعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم هللا كثيوراً..، بول لووال‬
  ‫روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة ولوال ريحه الطيبوة لموا جورت سوفن األعموال فوي بحور إرادات العبود‬
  ‫وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء(العالقة بين المحبة والرجاء) وكل محب راج خائف بالضورورة فهوو‬
                              ‫ٍ‬
  ‫يرجو من يحبه أن يعطيه ما ينفعه ويخاف أن يسقط من عينه وأن يطرده وأن يبعده ويحتجب عنه لذلك خووف‬
  ‫المحب شديد ورجاؤه عظيم ، لكن هل إذا وصل إلى محبوبه ينتهي الرجاء أم ال..؟!!أم يشتد..؟!! وماذا يحصل‬
                                                                                                                ‫له بالموت..؟!!‬
  ‫المؤمن قبل الموت عنده رجاء وخوف عظيمين، أما إذا مات قالوا أن خوفه ورجاؤه ذاتي للمحبة ، يرجو ربه‬
  ‫قبل لقائه والوصول إليه فإذا لقيه ووصل إليه بالموت اشتد الرجاء له بما يحصل له بهم من حياة روحه ونعيم‬
‫قلبه من األلطاف، فالرجاء بما عند هللا يزداد ، وعنده أعمال صالحة يريد عليها األجر والثواب والخوف أيضوا ً‬
                     ‫يزيد ألن الموت قربه إلى النار، والقبر أول منازل اآلخرة، فقد دخل إلى المرحلة الخطيرة جداً..‬
                                                                                                           ‫ّ‬
  ‫لذلك ال يمكن أن تقول أن الميت تنقطع مشاعره بول يمكون أن تعظوم !!مشواعرهم متضواعفة ألنهوم اقتربووا إلوى‬
                                           ‫ّ‬
  ‫دار الخلد..إلى نعيم أو عذاب.. فيمكن أن تكون بهذا في القبر فمن اآلن زود نفسك بالطاعوات واتورك المعاصوي‬
  ‫لتزيد عندك أسباب الرجاء وتأمن في القبر ، الخوف في القبر مصيبة، إذ يخاف من سوء المطلع والذي يمكون‬
  ‫أن يرتكس فيه إذا قامت الساعة ويدخله من عذاب هللا فإذاً اآلن هو اآلن يشتد في العمل حتى إذا لقي هللا صوار‬
                                                                                               ‫طلبه للجنة وأمن الخوف..‬
                                                                                           ‫الكفار ما حالهم في قبورهم..؟‬
  ‫ويوووم القياموة أدخلوووا آل فرعووون أشوود‬  ‫آل فرعوون ، فرعووون وجنوووده، (( النوار يعرضووون عليهووا غودواً وعشوويا ً‬
  ‫العذاب)) معناها أنهم اآلن في قبورهم خوفهم يتضاعف كول يووم!!وهوم يعرفوون فوي أي حفورة سويقعون فكيوف‬
                                                                   ‫اآلن خوفهم وذعرهم..؟!! نسأل هللا السالمة والعافية.‬
  ‫ألن األجيور إذا جواء وقوت الراتوب ازداد رجواؤه فوي‬        ‫وإذا وصل العبد إلى ربه ولقيه ازداد رجاؤه إذا كان محسنا ً‬
  ‫الووذي سيحصوول عليووه فووإذا قوودم العبوواد هووؤالء المحسوونون علووى هللا وكلمووا مضووى زموون كلمووا ازداد رجوواؤهم فيمووا‬
  ‫سيحصلون عليه وينتظرونه في قبورهم (( ربي أقم الساعة)) كي يرجع إلى أهله ومال ألنوه فوتح لوه بواب إلوى‬
  ‫الجنة في القبر فهو يأتيه من النعيم والطيب فيقال له: (( اسكن ونم كنومة العوروس ال يوقظوه إال أحوب النواس‬
                                                                                                                       ‫إليه)).‬
                                                                                                        ‫درجات الرجاء‬
                                             ‫الرجاء درجات، درجة أرفع من درجة، ومراتب بعضها فوق بعض :‬
                                                                                               ‫1 - الدرجة األولى:‬
‫رجاء يبعث العامل علوى االجتهواد بالعبوادة بول يولود عنوده اللوذة بالعبوادة ولوو كانوت شواقة أو صوعبة فيتلوذذ بهوا‬
‫ويترك المناهي، ومن عرف القدر المطلوب هان عليه ما يبذل فيه ومن رجا األرباح العظيمة فوي سوفره هانوت‬
‫عليووه مشووقة السووفر ، كووذلك المحووب الصووادق الووذي يسووعى فووي مرضوواة الوورب تهووون عليووه مشووقة صووالة الفجوور‬
‫والوضوء في البرد ومشقة الجهواد و مشوقة الحوج والعمورة وطلوب العلوم وتكورار الحفوظ وانتصواب الجسوم فوي‬
                                                                            ‫ّ‬
                                                                      ‫الليل وجوع الصيام.. ، بل تنقلب إلى لذة..!!‬


‫72‬
‫فالدرجات العملية في التعبد هلل: مشقة ومن ثم لذة، يقول أحد العلماء: " كابدت قيام الليول 12 سونة ثوم تنعموت‬
‫به 12 سنة"، فالمرء ال يصل أحيانا ً إلى لذة العبادة إال بعد أن يذوق مشقتها، فإذا قوي تعلق الرجاء بوالعوض‬
        ‫سمحت الطباع بترك العادات وترك الراحة، فاإلنسان مفطور أن ال يترك محبوبا ً إال لمحبوب أعظم منه .‬
                                                                                                         ‫2 - الدرجة الثانية:‬
‫المجاهدون ألنفسهم بترك مألوفاتها واستبدال مألوفات هوي خيور منهوا فرجواؤهم أن يبلغووا مقصوودهم بالهموة‬
‫وهذا يلزم له العلم وهو الوقوع على األحكام الدينية ألن رجاؤهم متعلق بحصول ذلك لهم والبد مون علوم وبوذل‬
                                           ‫الجهد بالمعرفة والتعلّم وأخذ النفس بالوقوف عند الحدود طلبا ً وقصداً..‬
                                                                                                          ‫3 - الدرجة الثالثة‬
‫رجاء أرباب القلوب لقاء الخالق واالشتياق إليه سبحانه وتعالى وهذا الوذي يمكون أن يزهّود اإلنسوان فوي الودنيا‬
‫تماما ً (أعلى األنواع) ، ((فمن كان يرجو لقاء ربوه فليعمول عموالً صوالحا ً وال يشورك بعبوادة ربوه أحوداً))، ((مون‬
‫كووان يرجووو لقوواء هللا فووإن أجوول هللا آلت))، هووذا الرجوواء (اللقيووا) محووض اإليمووان وزبدتووه وإليووه تشووخص أبصووار‬
                            ‫العابدين المجتهدين وهو الذي يسليهم ولذلك ضرب هللا لهم أجل تسكن إليه نفوسهم..‬
‫عمير بن حمام األنصواري لموا ذكور لهوم الرسوول صولى هللا عليوه وسولم : (قومووا إلوى جنوة عرضوها السوموات‬
‫واألرض) اشتاقت نفسه إلى لقيا هللا فقال: (لئن عشت حتى آكل هوذه التميورات إنهوا لحيواة طويلوة) فقاتول حتوى‬
                                                                                                    ‫قُتِل ولقي هللا شهيداً ..‬
‫فلما علم هللا شوو ق هوذه الطائفوة مون عبواده وهوم النودرة والقلوة وأن نفوسوهم تضوطرب حتوى تلقها؛ضورب لهوم‬
                                                                  ‫موعداً تسكن إليه نفوسهم وتعمل حتى تقدم إلى هللا.‬
‫سئل شيخ اإلسالم أبو العباس أحمد بون تيميوة رحموه هللا عون قوول علوي رضوي هللا عنوه : ( ال يرجوون عبود إال‬
     ‫ٌ‬
‫ربه وال يخافنّ إال ذنبه) فقال: الحمد هلل،هذا الكالم يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو من أحسن‬
‫الكالم وأبلغه وأتمه فإن الرجاء يكون للخير والخوف يكون من الشر والعبود إنموا يصويبه الشور بذنوبوه (( وموا‬
‫أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)) لذلك قال علي رضي هللا عنه : (ال يخافن عبد إال ذنبه‬
‫) وإن سلط عليه مخلوق فما سلط عليوه إال بذنوبوه (( وكوذلك نوولي بعوض الظوالمين بعضوا ً بموا كوانوا يكسوبون‬
‫))فليخوف هللا وليتوب مون ذنوبوه التوي نالووه بهوا موا نالوه كموا فوي األثوور: ( يقوول هللا: أنوا هللا مالوك الملووك قلوووب‬
‫الملوك ونواصيهم بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصواني جعلوتهم عليوه نقموة فوال تشوتغلوا بسوب‬
 ‫ّ‬
‫الملوك وأطيعوني أعطّف قلوبهم عليكم)، فإن الراجي يطلب حصول الخير ودفوع الشور وال يوأتي بالحسونات إال‬
‫هللا وال يذهب السيئات إال هللا (( وإن يمسسك هللا بضر فال كاشف له إال هو وإن يردك بخير فوال راد لفضوله))،‬
                               ‫(( ما يفتح هللا للناس من رحمة فال ممسك لها وما يمسك فال مرسل له من بعده)).‬
‫والرجاء مقرون بالتوكل، فإن المتوكل يطلب ما رجاه من حصول المنفعة ودفع المضرة، والتوكول ال يجووز إال‬
‫على هللا(( وعلى هللا فليتوكل المتوكلون))ومن توكل على غير هللا ورجاه خذل من جهته وحرم إن لم يكون فوي‬
‫الدنيا؛ في اآلخرة حين يقال: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم فاطلبوا منهم األجر..!، ((مثول الوذين اتخوذوا مون‬
‫دون هللا أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ً وإن أوهون البيووت لبيوت العنكبووت لوكوانوا يعلموون))، (( واتخوذوا‬
‫من دون هللا آلهة ليكونوا لهم عزاً كال سيكفرون بعبادتهم ويكونون علويهم ضوداً))، فمون عمول لغيور هللا رجواء‬
‫أن ينتفع بما عمل له كانت صفقته خاسرة، قال تعالى: (( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظموآن‬
                            ‫ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ً و وجد هللا عنده فوفاه حسابه وهللا سريع الحساب)).‬
‫فالذين كفروا أعماله كرماد اشتدت به الريح أي أصبح أخف من التراب في يوم عاصف ال يقدرون مما كسوبوا‬
‫على شيء، (( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوورا)) فكول عمول باطول إال موا أريود بوه وجوه هللا‬
                                                           ‫ً‬
                                                                                    ‫ومن عمل لغير هللا ورجاه بطل سعيه.‬
                                                                                ‫أنواع الرجاء من حيث الراجي‬
‫الراجي يكون راجيا ً تارة بعمل يعمله لمن يرجوه، وتارة باعتماد قلبوه عليوه والتجائوه إليوه وسوؤاله فوذاك نووع‬
                                              ‫من العبادة وهذا نوع من االستعانة فإذاً((إياك نعبد وإياك نستعين)).‬
                                                     ‫لقد ورد الرجاء في كتاب هللا وسنة نبيه صلى هللا عليه وسلم‬
‫1 - بيان رجاء المؤمنين وهوالرجاء المصحوب بعمل : ((إن الذين آمنوا والوذين هواجروا وجاهودوا فوي سوبيل‬
‫هللا أولئووك يرجووون رحمووة هللا ))، الووذين صوودقوا بوواهلل ورسوووله ومووا جوواء بووه وتركوووا ديووارهم وأحبووابهم‬
‫وأوطانهم وتغربوا عن أمصارهم وتحولوا عن بيوتهم هجرة إلى اللخ وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم وقدموا‬
‫82‬
 ‫وبذلوا وقواتلوا وحواربوا وتحملووا الجراحوات وألوم طريوق الجهواد والمخمصوة والجووع والظموأ والنصوب ؛‬
                       ‫هؤالء يرجون رحمة هللا عنهم هللا ويطمعون أن يرحمهم فيدخلهم جنته سبحانه وتعالى..‬
 ‫2 - هللا عز وجل فتح باب الرجاء لعباده حتى في مغفرة أي ذنوب كموا قوال تعوالى : (( إن هللا ال يغفور أن يشورك‬
 ‫به ويغفر ما دون ذلك لمون يشواء)) فهوذه اآليوة قيول أنهوا نزلوت بعود قولوه تعوالى : (( قلول يوا عبوداي الوذين‬
 ‫أسرفوا على أنفسهم ال تقنطوا من رحمة هللا إن هللا يغفر الذنوب جميعا ً)) فقالوا لرسول هللا صلى هللا عليه‬
 ‫وسلم والشرك؟ فكره رسول هللا ذلك فنزلت هذه اآلية(( إن هللا ال يغفر أن يشرك به)) والمقصوود أن هللا ال‬
 ‫يغفر للمشرك إذا مات على الشرك، وال يدخل المشرك تحت المشيئة وأما إذا تاب المشرك فإن هللا يغفر له‬
                   ‫ذنبه حتى لو كان الشرك.. واآلية في المشيئة وليست في نفي المغفرة عن التائب عن الشرك..‬
 ‫3 - (( قل لمن مافي السموات واألرض قل هلل كتب على نفسه الرحمة ليجمعونكم إلوى يووم القياموة ال ريوب فيوه‬
 ‫الذين خسروا أنفسهم فهم ال يؤمنون)) قال ابن جرير: قضى أنه بعبواده رحويم فكيوف تتمثول هوذه الرحموة؟‬
 ‫قال: ال يعجل عليهم العقوبة مع أنهم مستحقون بل يصبر ويحلم ويقبل مونهم اإلنابوة والتوبوة فهوذا يعلقهوم‬
 ‫بالرجاء(( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سوالم علويكم كتوب ربكوم علوى نفسوه الرحموة أنوه مون عمول‬
                                                             ‫ٌ‬
 ‫منكم سوءاً بجهالة ثم تواب مون بعوده وأصولح فإنوه غفوور رحويم))، قوال ابون جريور: فتأويول الكوالم إذا كوان‬
‫األمر على ما وصفنا وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدقون بتنزيلنوا وأدلتنوا فيقورون بوذلك قووالً وعموالً‬
 ‫مسترشديك عن ذنوب هم التي سلفت منهم بيني وبينهم هل لها من توبة؟ فوال تيأسوهم منهوا وقول لهوم سوالم‬
 ‫عليكم أمنة هللا لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها أي عليكم األمان لن يعاقبكم بعد توبتكم منها ..، كتب ربكوم‬
                                                      ‫على نفسه الرحمة أي قضى الرحمة بخلقه سبحانه وتعالى..‬
 ‫((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عمالً صالحا ً وآخر سويئا ً عسوى هللا أن يتووب علويهم إن هللا غفوور رحويم *‬
 ‫خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيه بها وصلي عليهم....)) قال ابن جرير: يعني جول ثنواؤه بالعمول الصوالح‬
 ‫الذي خلطوه والعمل السيء اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، واآلخر السيء تخلفهم عن رسوول هللا صولى هللا‬
         ‫عليه وسلم حين خرج غازيا ً عسى هللا أن يتوب عليهم ،وعسى من هللا واجبة، يعني سيتوب فعالً وحقا ً.‬
 ‫4 - الرجوواء مفتوووح حتووى فووي أمووور الوودنيا ، يرجووو مووال ، ولوود ، زواج،وظيفووة، زوال موورض، وجووود مفقووود،‬
 ‫فيعقوب عليه السالم علم أبناءه الرجاء حتى في المفقودات الدنيوية ((يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف‬
 ‫وأخيه وال تيأسوا من روح هللا إنه ال ييأس من روح هللا إال القوم الكافرون)) ، قال ابن جريور: حوين طموع‬
 ‫يعقوب في يوسف قال لبنيه يا بني اذهبوا للموضع الذي جئتم منه وخلفتم أخويكم به وال تيأسوا مون روح‬
 ‫هللا وال تقنطوا من أن يروح هللا عنا ما نحن فيه من الحزن و يفرحنوا برؤيتهموا إنوه ال ييوأس مون روح هللا‬
                                                  ‫ّ‬                                     ‫ّ‬
                                             ‫وال يقنط من فرجه ورحمته وال يقطع الرجاء منه إال القوم الكافرون.‬
 ‫إنوه هوو‬    ‫5 - (( قل يا عبوادي الوذين أسورفوا علوى أنفسوهم ال تقنطووا مون رحموة هللا إن هللا يغفور الوذنوب جميعوا ً‬
 ‫الغفور الرحيم)) فال تيأسوا من رحمة هللا أن هللا يغفر لكم ذنوبكم كلها وال يبقي منهوا شويئا ً وال نصوفها وال‬
 ‫بعضها وال الكبائر فقط وليس الخطاب للذين عندهم معاصي قليلة بل أسورفوا وكثورت معاصويهم وكبوائرهم‬
 ‫وصغائرهم، ال تقنطوا من رحمة هللا ، فهوذا أمور مون هللا بالرجواء، فوالكريم إذا أمور بالرجواء ال يليوق بوه إال‬
 ‫الكرم ، فابذل السبب، واستغفر وتب توبة حقيقية وامتنع عن الذنوب وأصلح واسوتقبل حيواة نظيفوة وانودم‬
                                                                         ‫على ما فات واعزم على أن ال تعود إليه.‬
 ‫6 - الحديث القدسي: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منوك وال أبوالي يوا ابون آدم‬
 ‫لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك وال أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب األرض خطايا‬
 ‫ثم لقيتني ال تشرك بي شيئا ً ألتيتك بقرابها مغفرة)) هذا الرجاء العظيم الذي يفتحه هللا عزوجول ، هوذا فوتح‬
                                                                                              ‫باب الرجاء للعباد .‬
 ‫7 - إن اإلنسان له عند الموت أحوال في الخوف والرجاء خاصوة مبنيوة علوى حسون ظنوه بواهلل: ((أنوا عنود ظون‬
 ‫عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فليظن بي عبدي ما شاء)) ، قادر على أن أعمل بوه موا ظون أنوي عامول بوه ،‬
 ‫لذلك الثالثوة الوذين خلفووا لموا ظنووا أن ال ملجوأ مون هللا إال إليوه تواب هللا علويهم، فبالنسوبة للمووت يجوب أن‬
 ‫نجهز أنفسنا لتلك اللحظات لتفيض أرواحنا ونحن نحسن الظن بواهلل، والرسوول صولى هللا عليوه وسولم قبول‬
 ‫أن يموت بثالث أيام أعطى األمة هذه الوصية التي رواها مسلم : (( ال يموتنّ أحدكم إال وهو يحسون الظون‬
                                         ‫باهلل عزوجل)) ، فهذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة..‬

‫92‬
  ‫لهذا بعض السلف كان يأمر بنيه عند الموت أن تقرأ عليه آية الرحمة ؛ حتوى تطلوع روحوه وهوو محسون الظون‬
  ‫باهلل أن يغفر له ويرحمه ويتقبله ويستقبله باإلنعوام ، وكوذلك فوإن اإلنسوان إذا صودق بالتوبوة ولوو تكورر الوذنب‬
  ‫فإن هللا يغفر له ما أذنب، وحق العباد على هللا أن ال يعذب من ال يشرك به شيئاً، قال: أال أبشّر به الناس؟ قال:‬
                                                                                                     ‫ال تبشرهم فيتكلوا..‬
  ‫هذا دليل كما قال ابن رجب: قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئال يتكلووا أن أحاديوث الورخص‬
  ‫ال تشاع في عموم الناس لئال يقصر فهمهوم عون الموراد بهوا، يقوول ابون رجوب: وقود سومعها معواذ فلوم يوزدد إال‬
      ‫اجتهاداً في العمل ، وخشية هلل عزوجل فأما من لم يبلغ منزلته فال يأمن أن يقصر إتكاالً على ظاهر الخبر ..‬
                                                       ‫ومعاذ من العشرة المبشرين بالجنة ، وفقيه ال يخشى عليه..‬
  ‫كذلك عثمان فقد قال عنه صلى هللا عليه وسولم : (( موا ضور عثموان موا عمول بعود اليووم)) ،مواذا فعول ..؟!، لقود‬
  ‫ازداد فووي الخيوور والبوور والطاعووات، هووذه النفوووس هللا يعلووم لووو بشوورهم برضوووانه فووإنهم لوون يتركوووا الخيوورولن‬
  ‫ينتكسوا، لذلك فأحاديث الرخص ال تشاع في عموم الناس ففيهم قلة فقه في الدين ويحتاجون عند التفريط إلى‬
                                                                                                               ‫التخويف..‬
  ‫ثم إن الشرك شرك أكبر وأصغر وخفي، ومون الوذين ينجوو منوه؟ ، ثوم إن الحوديث مقيود عنود العلمواء باآليوات و‬
  ‫األحاديث األخرى التي فيها التعذيب على المعصية، وبعض العلماء حملوها علوى تورك دخوول نوار الشورك، ألن‬
  ‫جهنم فيها دركات(نار الشرك-نوار الكبوائر-نوار المعاصوي-...) حملووه حتوى ال يفهوم خطوأ علوى أنوه ال يودخل نوار‬
                                                                                                                  ‫الشرك..‬
  ‫القاعدة العامة (( ليس بأمانيكم وال أما ني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به)) ، فالسلف خووفتهم هوذه اآليوة‬
                                                                                     ‫جداً فلذلك كانوا يعملون ويخافون..‬
  ‫ومن أحاديث الرجاء التي تقال إلنسان مذنب تواب، وبوالرغم مون التوبوة صوار عنوده نووع مون اليوأس واإلحبواط‬
  ‫ويرى ذنوبه كبيرة وليس هناك فائدة من العمل، فهوو كموا يظون محكووم عليوه بالنوار : (( إن هللا يودني الموؤمن‬
  ‫فيضع عليه كنفه ويسوتره فيقوول أتعورف ذنوب كوذا أتعورف ذنوب كوذا فيقوول نعوم أي رب حتوى إذا قورره بذنوبوه‬
  ‫ورأى نفسه هلك قال سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأموا الكوافر والمنوافق‬
                                          ‫فيقول األشهاد هؤالء الذين كذبوا على ربهم أال لعنة هللا على الظالمين)).‬
  ‫عن ابن مسعود رضي هللا عنه أن رجل أصاب من امرأة قبلة فوأتى النبوي صولى هللا عليوه وسولم فوأخبره فوأنزل‬
  ‫هللا (( أقم الصالة طرفي النهار وزلفا ً مون الليول إن الحسونات يوذهبن السويئات)) فقوال الرجول : ألوي هوذه؟ قوال:‬
                                                                          ‫لجميع أمتي كلهم . {رواه البخاري ومسلم}.‬
  ‫كموا‬  ‫تصريح أن الحسنات تكفر السيئات، وهل هي حسنات معينة كالصلوات الخمسوة؟ أو هوي الحسونات مطلقوا ً‬
                                                                            ‫قال العلماء وبعضهم بهذا وبعضهم بهذا..‬
‫في مرض الموت قيل للشافعي كيف أصبحت يا أبا عبودهللا؟ قوال : أصوبحت مون الودنيا راحوالً وألخوواني مفارقوا ً‬
                 ‫ولكأس المنية شاربا ً وال أدري أءلى الجنة تسير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيهاثم أنشأ يقول..‬
                                                    ‫ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي‬
                                            ‫جعلت الرجا مني لعفوك سلّما ً‬
                                                          ‫تعاظمني ذنبي فلما قرنته‬
                                              ‫بعفوك ربي كان عفوك أعظم‬
‫(( موون أحووب لقوواء هللا أحووب هللا لقوواءه))، (( إن الووذين قووالوا ربنووا هللا ثووم اسووتقاموا تتنووزل علوويهم المالئكووة أن ال‬
                                                               ‫تخافوا وال تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)).‬
                                                                                     ‫والبد من الجمع بين الخوف والرجاء.‬
                                           ‫أسئلة من درس الرجاء‬
                                                                                         ‫هل يجوز الرجاء من المخلوقين؟‬
                                 ‫نعم فيما يقدر عليه المخلوق ولكن ال يعلق قلبه بالمخلوق بل يعلقه باهلل عز وجل.‬
                             ‫هل صحيح أن اإلنسان إذا كثرت عليه النعم وقلت عليه المصائب طريقه غير صحيح؟‬
‫قوود يكووون هووذا(( إنمووا نملووي لهووم ليووزدادوا إثموا ً)) وقوود يكووون إنسووان مسووتقيم ويوودعو هللا العافيووة فوويحفظ بدعائووه‬
                                                                                                 ‫وصالحه حسب خال العبد.‬
‫03‬
                                                                                                      ‫هل النعمة استدراج؟‬
 ‫حسووب حووال العبوود، فووإن كووان مطيع وا ً فووإن النعمووة موون بشوورى وتوسووعة هللا علووى عبووده، وإن كووان عاصوويا ً فهووي‬
                                                                                                     ‫استدارج ليزداد إثما ً.‬
                                           ‫رجل هل يجاهد نفسه على قيام الليل أحد عشرة ركعة أم يتدرج في ذلك؟‬
                                       ‫يتدرج إذا خشي على نفسه أن ال تحتمل، وإذا جرب وتحمل عليه أن يواظب.‬
                                                                  ‫ّ‬
                                                           ‫الجلد على الطاعات وطلب العلم نتيجة أي أعمال القلب؟‬
‫مجموعة مون األعموال القلبيوة ومنهوا الرجواء ألن اإلنسوان إذا عورف األجور فوي طلوب العلوم (( مون سولك سوبيالً‬
 ‫يلتمس فيه علما ً سهل هللا له به طريقا ً إلى الجنة))، فالمشي والسيارة والطائرة واالنترنت والمسوجل والكتواب‬
                                                                                                                  ‫كلها سبُل.‬
                                                                                                                      ‫ُ‬
                                                                        ‫هل يجوز أن يؤم الرجل جماعة من النساء؟‬
 ‫إذا لم يوجد فتنة ، وينتظور حتوى ينصورفن ثوم يتحوول ، والودليل أن عمور وضوع إماموا ً خاصوا ً للنسواء فوي صوالة‬
                                                                                                                   ‫التراويح.‬
                                                                         ‫هل من يصاب بالسحر يكون سببه الذنوب؟‬
                                                                        ‫يمكن.. (( ما أصابك من سيئة فمن نفسك)).‬




‫13‬
                                  ‫سلسلة أعمال القلوب‬

                            ‫للشيخ محمد بن صالح المنجد‬
                             ‫ّ‬




‫من مادة خ و ف التي تدل على الذعر والفزع في اللغة العربية، خفت الشيء خوفا ً وخيفة وخوف الرجل جعل‬
              ‫ّ‬
          ‫الناس يخافونه (( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)) أي يجعلكم تخافون أولياءه أي يخوفكم بأوليائه.‬
                         ‫ّ‬
‫والخوف توقع مكروه لعالمة مظنونة أو معلومة، وهو ضد األمن ويستعمل في األمور الدنيوية أو اآلخروية فهو‬
        ‫توقع حلول مكروه أو فوات محبوب،اضطراب القلب وحركته أو فزعه من مكروه يناله أو محبوب يفوته.‬
                ‫قال ابن قدامة: اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في االستقبال ..‬
‫23‬
‫مثال ذلك: من جنى على ملك جناية ثم وقع في يده فهو يخاف القتل ويجوز العفو "احتماالت" ولكن يكون تألم‬
                                        ‫ّ‬
‫قلبه بحسب قوة علمه باألسباب المفضية إلى قتله وتفاحش جنايته وتأثيرها عند الملك،وبحسب ضعف األسباب‬
‫يضعف الخوف،وقد يكون الخوف ال عن سبب جناية بل عن صفة الذي يُخاف عظمة وجالالً فإنه إذا علم أن هللا‬
‫سبحانه وتعالى لو أهلك العالمين لم يبالي ولم يمنعه مانع فبحسب معرفة اإلنسان بعيوب نفسه وبجالل هللا وأنه ال‬
‫يسأل عما يفعل يكون الخوف على حسب هذا فهو مطالعة القلوب لسطوات هللا عزوجل ونقمه فيولد في القلب‬
                                                                                              ‫الخوف"خوف الوعيد".‬
‫والخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء باهلل (( إنما يخشى هللا من عباده العلماء))،خوفا ً مقرونا ً بمعرفة‬
‫..، وقال النبي صلى هللا عليه وسلم : ((إني أتقاكم هلل وأشدكم له خشية))، فالخوف لعامة المؤمنين والخشية‬
                                       ‫للعلماء والعارفين، وعلى حسب قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية..‬
‫فصاحب الخوف يلجأ إلى الهرب، وصاحب الخشية يلجأ إلى االعتصام بالعلم ، قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه هللا‬
                                          ‫- : (( الخشية خوف مبني على العلم بعظمة من يخشى وكمال سلطانه))..‬
‫فإذا خفت من شخص ال تدري هل يقدر عليك أم ال فهذا خوف وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه‬
                                                                                                              ‫خشية..‬
‫قال ابن القيم – رحمه هللا - : (( في مثلهما مثل من ال علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق، فاألول يلجأ إلى الحمية‬
                                 ‫والهرب لقلة معرفته واآلخر يلتجئ إلى األدوية )) فالخشية خوف مبني على علم..‬
                                                                          ‫وقد ورد الخوف في القرآن على وجوه منها..‬
            ‫القتل والهزيمة : ((وإذا جاءهم أمر من األمن أو الخوف))، (( ولنبلونكم بشيء من الخوف )).‬                      ‫-‬   ‫1‬
‫الحرب والقتال: (( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد)) إذا انجلت الحرب ،(( فإذا جاء الخوف رأيتهم‬                        ‫-‬   ‫2‬
                                                                         ‫ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت)).‬
‫العلم والدراية : ((فمن خاف من موص جنفا ً)) أي علم ، ((إال أن يخافا أال يقيما حدود هللا )) أي يعلما،‬
                                                                     ‫ٍ‬                                                 ‫-‬   ‫3‬
                                                                       ‫((وإن خفتم أال تقسطوا في اليتامى)) أي علمتم.‬
                                                                           ‫النّقص: ((أو يأخذهم على تخوف)).‬
                                                                                  ‫ّ‬                       ‫ْ‬            ‫-‬   ‫4‬
                                            ‫)).‬‫الرعب والخشية من العذاب والعقوبة : (( يدعون ربهم خوفا ً‬                 ‫-‬   ‫5‬
‫قال ابن قدامة: (( اعلم بأن الخوف سوط هللا يسوق هللا به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة‬
                               ‫القرب من هللا عزوجل، والخوف سراج القلوب به يبصر ما فيه من الخير والشر))..‬
‫وكل أحد إذا خفته هربت منه إال هللا عزوجل فإنك إذا خفته هربت إليه ، فالخائف هارب من ربه إلى ربه فأين‬
‫المفر..؟!!!، وما فارق الخوف قلبا ً إال خربه فإذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات فيها وطرد الدنيا‬
                                                                                                                ‫عنها..‬
‫فكم أطلق الخوف من سجين في لذته كانت قد استحكمت عليه سكرته وكم فك من أسير للهوى ضاعت فيه همته‬
‫وكم أيقظ من غافل التحف بلحاف شهوته وكم عاق لوالديه رده الخوف عن معصيته، وكم من فاجر في لهوه قد‬
‫أيقظه الخوف من رقدته، وكم من عابد هلل قد بكى من خشيته وكم من منيب إلى هللا قطع الخوف مهجته وكم من‬
                                                                                ‫ٍ‬
‫مسافر إلى هللا رافقه الخوف في رحلته وكم من محب هلل ارتوت األرض من دمعته، فلله ما أعظم الخوف لمن‬
                                                             ‫ٍّ‬
                                                                                                 ‫عرف عظيم منزلته..‬
‫والخوف ليس مقصوداً لذاته ، ليس المقصود أن نخاف ألجل أن نخاف بل نخاف ليكون الخوف وسيلة تصلح‬
                                                                                                              ‫أحوالنا.‬
‫لو كان الخوف مقصوداً لذاته لما ذهب عن أهل الجنة!!، لكن لما كان دخول أهل الجنة الجنّة مهيا ً القضية وما هو‬
‫مطلوب منهم وليس فيها عمل وال اجتهاد في العبادات ومقاومة للهوى والشهوات كان الخوف من أهلها ذاهب ((‬
                                                                                      ‫ال خوفٌ عليهم وال هم يحزنون)).‬
                                                                ‫ومن خاف اليوم أمنَ غداً.. ومن أمن اليوم خاف غداً.‬
                                                                                    ‫ِ‬              ‫ِ‬
‫والخوف يتعلق باألفعال ، والمحبة تتعلق بالذات والصفات، ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار‬
                                                                                          ‫النعيم وال يلحقهم فيها خوف.‬
‫قال ابن رجب : (( وهللا خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ونصب األدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه‬
      ‫ويخافوه خوف اإلجالل ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح األعمال )).‬

‫33‬
‫لذلك كرر هللا سبحانه وتعالى ذكر النار وما أعده هللا فيها ألعدائه من العذاب والنكال وما احتوت عليه من الزقوم‬
‫والضريع والحميم والسالسل واألغالل إلى غير ذلك مما فيه من العظائم واألهوال ودعا عباده بذلك إلى خشيته‬
‫وتقواه وامتثال والمسارعة إلى ما يأمر به ويحبه ويرضاه واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل‬
‫الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد ذلك العجب العجاب وكذلك السنة الصحيحة المفسرة للقرآن وكذلك سير السلف‬
                           ‫ّ‬
‫الصا لح أهل العلم واإليمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من‬
‫الخوف والخشية واإلخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك األحوال الشريفة والمقامات الساميات من شدة‬
                  ‫االجتهاد في الطاعة والكف عن المحرمات ودقائق األعمال المكروهات فضالً عن المحرمات..‬
                                                                          ‫الخوف منازل ودرجات ..‬
‫القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثا ً‬
  ‫للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والكف عن دقائق الكروهات (يعني فعل المستحبات وترك المكروه‬
  ‫والشبهة)، كان ذلك خوفا ً محموداً فإن تزايد الخوف بحيث أدّى إلى مرض أو موت أو هم الزم أو قعود عن العمل‬
                            ‫ٍّ‬
                 ‫.‬‫بحيث يقطع السعي عن اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة إلى هللا عز وجل لم يكن خوفا ً محموداً‬
  ‫بعض الناس من شدة خوفهم من العذاب والنار يصابون باليأس واالحباط والقعود عن العمل ويقولون ال‬
                                                          ‫فائدة!!..، ليس هذا هو المطلوب ..، وهذه الزيادة مذمومة..‬
  ‫الخوف المطلوب: الذي يحمل على فعل المستحبات وفعل الواجبات قبلها وعلى ترك الشبهات والمكروهات وترك‬
  ‫المحرمات قبلها وهناك خوف ضعيف أقل من هذا ، ال يؤدي إلى ترك المحرمات كلها أو فعل الواجبات كلها فهو‬
                                                                                                     ‫خوف ناقص..‬
                                                             ‫ذكر البخاري في قوله : (باب الخوف من هللا عز وجل ).‬
  ‫قال ابن حجر: هو من المقامات العليّة وهو من لوازم اإليمان ، قال هللا تعالى : ((وخافون إن كنتم مؤمنين))(( فال‬
                               ‫ِ‬
  ‫تخشوهم واخشون))((إنما يخشى هللا من عباده العلماء))، وتقدم حديث (( أنا أعلمكم باهلل وأشدكم له خشية ))،‬
                                                                                                   ‫ِ‬
  ‫وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية ممن دونه وقد وصف هللا المالئكة بقوله : (( يخافون ربهم من‬
  ‫فوقهم ))، واألنبياء بقوله : (( الذين يبلغون رساالت هللا ويخشونه وال يخشون أحداً إال هللا )) ، وإنما كان خوف‬
  ‫المقربين أشد ألنهم يطالبون بما ال يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة وألن الواجب هلل منه الشكر على‬
                                                                         ‫المنزلة فيضاعف بالنسبة لعلو تلك المنزلة..‬
  ‫فالعبد إن كان مستقيما ً فمن أي شيء يخاف؟!!، فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى : (( واعلموا أن هللا يحول‬
                                                                ‫بين المرء وقلبه))، وكذلك يخاف من نقصان الدرجة..‬
                                 ‫وإن كان مائالً منحرفا ً وعاصيا ً فخوفه من سوء فعله و ينفعه ذلك مع الندم واإلقالع..‬

                                                                                        ‫متى ينفع الخوف؟‬
‫ينفع مع الندم واإلقالع، فإن الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتصديق بالوعيد أو أن يحرم التوبة أو ال يكون‬
                                                                              ‫ممن شاء هللا أن ال يغفر له.‬

                                                                                   ‫ماحكم الخوف من هللا؟‬
‫الخوف من هللا واجب، وهو من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد كم قال ابن القيم، إذاً‬
                                                                ‫يجب الخوف من هللا ومن ال يخف فهو آثم.‬
                                        ‫قال ابن الوزير: (( أنا األمان فال سبيل إليه ، وهو شعار الصالحين)).‬




‫43‬
                                          ‫أدلة وجوب الخوف‬
‫((إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فال تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)) ، قال ابن سعدي –رحمه هللا- :‬                    ‫1-‬
‫(( وفي هذه اآلية وجوب الخوف من هللا وحده وأنه من لوازم اإليمان فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفهم من‬
                                                                                                             ‫هللا)).‬
                                                                ‫(( وإياي فارهبون)) ، واألمر يقتضي الوجوب.‬            ‫2-‬
‫(( فال تخشوا الناس واخشون)) ، قال ابن سعدي: أمر هللا بخشية هللا التي هي رأس كل خير فمن لم يخش هللا‬
     ‫َ‬                                                                                                               ‫3-‬
                                                                            ‫لم ينكفّ عن معصته ولم يمتثل أمره)).‬
‫إن هللا امتدح أهل الخوف ، فقال: (( الذين هم من خشية ربهم مشفقون..))((أولئك يسارعون في الخيرات‬                        ‫4-‬
                                                                                               ‫وهم لها سابقون)).‬
‫عن عائشة زوج النبي صلى هللا عليه وسلم : ((سألت النبي صلى هللا عليه وسلم عن هذه اآلية (( الذين يؤتون‬
‫ما آتوا وقلوبهم وجلة)) أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال : ال يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون‬
                                                              ‫ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن ال يقبل منهم)).‬
   ‫((أولئك الذين يسارعون في الخيرات)) قال الحسن: عملوا هلل بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم ..‬
                                               ‫إن المرمن جمع إحسانا ً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا ً..!‬
‫والتخويف من عذاب هللا أحد مهمات الرسل (( وما نرسل المرسلين إال مبشرين ومنذرين)) واإلنذار هو‬                          ‫5-‬
‫اإلعالم بالشيء الذي يخيف ، فاإلنذار في لغة العرب كما قال الراغب األصفهاني في مفرداته: اإلنذار إخبار فيه‬
                                                                          ‫تخويف كما أن التبشير إخبار فيه سرور.‬
                            ‫وقد وصف هللا تعالى رسوله محمد صلى هللا عليه وسلم بأنه نذير في مواضع كثيرة..‬
‫جمع قومه على الصفا وقال إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (أنا النذير العريان)، وقد كان العرب إذا رأى‬                    ‫-‬
‫أحدهم جيشا ً يغير على قبيلته قد اقترب وهو في الخارج وال تدري قبيلته جاء يركض ويخلع ثيابه وهو يصرخ‬
              ‫حتى يبين لهم هول المصيبة التي ستنزل بهم وفداحة الخطر ، وهذه أشد أنواع النذارات عند العرب.‬
                                                                                  ‫(وقل إني أنا النذير المبين).‬        ‫-‬
                                                                       ‫(ففروا إلى هللا إني لكم منه نذير مبين).‬        ‫-‬
‫كان من أوائل أوامر الرسول صلى هللا عليه وسلم هو اإلنذار (يا أيها المدثر قم فأنذر)، خوف الناس عذاب‬                     ‫-‬
                      ‫هللا جهنم ، بأس هللا وانتقامه..، قال القرطبي: خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.‬
‫وقد وصف هللا العذاب في كتابه في عدة مواضع لتحقيق الخوف في نفوس عباده ليتقوه ، كما قال تعالى: ((لهم‬
                              ‫من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف هللا به عباده يا عباد فاتقون)).‬
                                        ‫ِ‬
‫قال ابن كثير: ( يخوف هللا عباده) إنما يقص خبر هذا الكائن ال محالة ليخوف به عباده. قال : لينزجروا عن‬
                                  ‫ّ‬
                                    ‫المحارم والمآثم.(يا عباد فاتقون) أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.‬
                                                                                          ‫ِ‬
‫وبين سبحانه أن مايرسله من اآليات لتصديق األنبياء عليهم السالم كناقة صالح إنما يرسله من أجل التخويف((‬
                                            ‫وآتينا ثموداً ناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل باآليات إال تخويفا)).‬
                                                                 ‫كذلك اآليات الكونية كالخسوف والكسوف وغيرها.‬
                ‫وكذلك قال هللا في البرق والرعد: ((هو الذي يريكم البرق خوفا ً وطمعا ً وينشيء السحاب الثقال)).‬


                                         ‫من فوائد الخوف‬
‫أن هللا جعله شرطا ً لحصول اإليمان ( فال تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين). قال ابن جرير: ال‬                ‫1-‬
‫تخافوا أيها المؤمنين المشركين وال يعظمن عليكم أمرهم وال ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي فأطعتموني‬
‫واتبعتم أمري وإني متكلف لكم بالنصر والظفر ولكن خافوني واتقوني أن تعصوني أن تخالفوا أمري فتهلكوا إن‬
                                        ‫كنتم مؤمنين فاهلل عزوجل أولى أن يخاف منه من الكفار والمشركين.‬
‫ابتلى هللا الصحابة رضي هللا عنهم بابتالء عظيم ليظهر الذي ال يخاف من الذي يخاف في الصيد‬                  ‫2-‬
‫(( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم هللا بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم هللا من يخافه بالغيب فمن اعتدى‬
‫53‬
 ‫ليختبرنكم هللا أيها المؤمنون ببعض الصيد في حال اإلحرام كي يعلم أهل طاعة‬                   ‫بعد ذلك فله عذاب أليم)).‬
 ‫هللا واإليمان به المنتهون إلى حدوده وأمره ونهيه، يختبر ليظهر من الذي يخاف هللا والذي ال يخافه (( ليعلم هللا‬
‫من يخافه بالغيب))، يعني يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه باأليدي والرماح سراً وجهراً‬
 ‫ومحرم عليهم الصيد في اإلحرام لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره ومن ال يطيع ، أما الصحابة‬
 ‫فنجح وا في ذلك ، وأما اليهود ففشلوا عندما حرم هللا عليهم الصيد يوم السبت فاستحلوا محارم هللا بأدنى الحيل،‬
 ‫فنصبوا الشباك يوم الجمعة وسحبوها يوم الحد، فلم يخافوا هللا فهلكوا. فالمرء قد يتعرض أحيانا ً لمعصية أو‬
 ‫شهوة والوقوع فيها يسير جداً وقد تكون الفضيحة مأمونة (( ليعلم هللا من يخافه بالغيب))،وكما في قصة‬
                                                                   ‫يوسف وامرأة العزيز، هنا يكون االختبار والبالء.‬
 ‫الخوف من هللا عبادة قامت في قلب النبي صلى هللا عليه وسلم فارتفعت نفسه عن المحرمات‬                             ‫3-‬
 ‫والمحظورات ألنه يخاف رب األرض والسموات (( ققل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف‬
                                  ‫عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين)). فهو يخشى عذاب هللا وال يتعد حدوده.‬
 ‫الخوف من هللا من صفات أولي األلباب (( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو‬                             ‫4-‬
 ‫أعمى إنما يتذكر أولو األلباب* الذين يوفون بعهد هللا وال ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر هللا به أن‬
 ‫يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)).الخوف من هللا يدل على أن صاحبه صاحب عقل ، من أولي‬
                                                            ‫األلباب أي راجح العقل يعرف الشيء الذي يخوف حقا ً.‬
                                                                      ‫ّ‬
                                    ‫ثمرات الخوف من هللا‬
                                                                                                ‫أ- في الدنيا ..‬
‫من أسباب التمكين في األرض، وزيادة اإليمان والطمأنينة ألنك إذا حصل لك الموعود وثقت أكثر‬               ‫1-‬
‫، قال عز وجل : (( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم‬
‫لنهلكن الظالمين ولنسكنكم األرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)) ، إذاً الخوف من هللا يؤدي‬
‫إلى التمكين في األرض واالنتصار على األعداء وأن يهلك هللا عدوهم ويخزيهم ويورث المؤمنين أرضهم‬
                                                                                               ‫وديارهم.‬
‫يبعث على العمل الصالح واإلخالص فيه وعدم طلب المقابل في الدنيا فال ينقص األجر في اآلخرة‬               ‫2-‬
‫(( إنما نطعمكم لوجه هللا ال نريد منكم جزاء وال شكوراً* إنا نخاف من ربنا يوما ً عبوسا ً قمطريراً))، (( في‬
‫بيوت أذن هللا أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو واآلصال*رجال ال تلهيهم تجارة وال بيع عن ذكر‬
‫هللا وإقام الصالة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ً تتقلب فيه القلوب واألبصار)) ، أي تضطرب وتتقلب وهذا هو الذي‬
                             ‫دفعهم للعمل ، يريدون النجاة ويحذرون الهالك ويخافون أن يأتوا وكتبهم بشمالهم.‬
                                                                                          ‫ب - في اآلخرة..‬
 ‫يجعل اإلنسان في ظل العرش يوم القيامة، (( ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني‬                         ‫1-‬
 ‫أخاف هللا)) ، ظاهر الحديث أنه يقولها بلسانه ليزجر المرأة عن فعلها وليذكر نفسه ويصر على موقفه وال‬
 ‫يتراجع بعد إعالن المبادئ، ((ورجل ذكر هللا خاليا ً ففاضت عيناه))، الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن‬
                                                                               ‫النار ال تمس العين يوم القيامة.‬
‫من أسباب المغفرة، شاهد ذلك الحديث: رجل كان فيمن قبلنا عنده جهل عظيم ورزقه هللا ماالً‬                       ‫2-‬
 ‫فقال لبنيه لما حضره الموت: أي أب كنت لكم؟قالوا: خير أب ، قال: فإني لم أعمل خيراً قط فإذا مت فأحرقوني‬
 ‫ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف ، ففعلوا وما أسهل أن يعيده هللا كما كان، قال : ما حملك؟ قال: مخافتك،‬
                        ‫فتلقاه برحمته..!!، فعذره هللا بجهله وشفع له خوفه من ربه وإال فالذي ينكر البعث كافر.‬
 ‫يؤدي إلى الجنة ألن النبي صلى هللا عليه وسلم : ((من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل أال إن‬                    ‫3-‬
 ‫سلعة هللا غالية أال إن سلعة هللا الجنة)) أي الذي يخاف من إغارة العدو وقت السحر يسير من أول الليل(أدلج)‬
 ‫فبلغ المنزل والمأمن والمطلب، وهذا مثل ضربه الرسول صلى هللا عليه وسلم لسالك اآلخرة فإن الشيطان على‬
 ‫طريقه والنفس األمارة بالسوء واألماني الكاذبة وأعوان إبليس ، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله‬
                 ‫أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق عليه، هذه سلعة هللا التي من دخلها كان من اآلمنين.‬
 ‫يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة: (( وعزتي وجاللي، وعزتي ال أجمع على عبدي خوفين‬                           ‫4-‬
                        ‫وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في اآلخرة)).‬
‫63‬
‫سبب للنجاة من كل سوء، (( ثالث منجيات: خشية هللا تعالى في السر والعالنية)) فهذه الخشية‬             ‫5-‬
‫هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء ألنه قال ووعد هللا ال يخلف وهذا رسوله (منجيات) وعمم تشمل الدنيا‬
             ‫ّ‬
                                                                                             ‫واآلخرة.‬
‫يصبح اإلنسان ممدوحا ً مثني عليه ويكفيه فخراً أن يدخل في أصحاب األسماء واأللقاب الشريفة‬            ‫6-‬
‫(( المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والصائمين والصائمات والقانتين والقانتات والذاكرين‬
‫والذاكرات والحافظين فروجهم والحافظات)) ألفاظ شريفة كانوا يسعون لحيازتها (( تتجافى جنوبهم عن‬
‫المضاجع يدعون ربهم خوفا ً وطمعا ً ومما رزقناهم ينفقون فال تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما‬
                                                                                       ‫كانوا يعملون)).‬
                                                   ‫وفينا رسول هللا يتلو كتابه‬
                                     ‫إذا انشق معروف من الصبح ساطع‬
                                                       ‫أرانا الهدى بعد العمى‬
                                     ‫فقلوبنا بخ موقنات أنه ماقال واقع‬
                                                ‫يبيت يجافى جنبه عن فراشه‬
                                     ‫إذا استتقلت بالمشركين المضاجع‬
                         ‫عبد هللا ين رواحة‬
                                      ‫((أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما ً يحذر اآلخرة ويرجو رحمة ربه)).‬
                                            ‫((والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون)).‬
‫وأثنى هللا على أقرب عبادة وهم األنبياء لخوفهم منه (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ً‬
                                                                                                     ‫ورهبا ً)).‬
                                                ‫بل المالئكة (( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)).‬
  ‫قال ابن القيم: من ثمرات الخوف أن يقمع الشهوات ويكدّر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة‬
                                                                                                       ‫مكدرة.‬
  ‫وليس المقصود تكدير اللذائذ المباحة ، الرسول صلى هللا عليه وسلم استمتع وهو سيد الخائفين على قدر ((‬
                                                                        ‫حبب إليه من الدنيا الطيب والنساء)).‬
        ‫تكدر اللذات المحرمة بتذكر عذاب هللا و وعيده لمن وقع فيها فتتكدر لذته المحرمة بتذكر مابها من عذاب.‬
  ‫قال ابن القيم –رحمه هللا- : كما يصير العسل مكروها ً عند من يشتهيه إذا علم أن فيه سما ً ، فتحترق الشهوات‬
                       ‫ّ‬
  ‫بالخوف وتتأدب الجوارح و يذل القلب ويستكين ويفارقه الكبر والحقد والحسد ويصير مستوعب الهم لخوفه‬
  ‫والنظر في خطر عاقبته فال يتفرغ لغيرع وال يكون له شغل إال المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والظنّة(البخل)‬
  ‫باألنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله (الخائف) كم وقع في‬
  ‫مخالب سبع ضار ال يدري أيغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلكه وال شغل له إال ما وقع فيه ، فقوة المراقبة‬
  ‫والمحاسبة بحسب قوة الخوف وقوة المعرفة بجالل هللا تعالى وصفاته وبعيوب نفسه وما بين يديها من األخطار‬
                                                                                                    ‫واألهوال.‬
  ‫وقال ابن قدامة: فضيلة كل شيء بقدر إعانته على طلب السعادة وهي لقاء هللا تعالى والقرب منه، فكل ما أعان‬
                                                        ‫على ذلك فهو فضيلة ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)).‬
                              ‫الرضا من هللا ((رضي هللا عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)).‬                    ‫7-‬


                                 ‫األسباب الجالبة للخوف‬
  ‫الخوف ليس مقصوداً لذاته بل لما بعده من فعل الواجبات وعدم تركها والبعد عن المحرمات وعدم ارتكابها وإذا‬
‫زاد يمكن أن يكون فعل مستحبات وترك مشتبهات وإذا زاد أكثر يصبح مذموما ً وإذا نقص عن هذا يكون أيضا ً‬
                                          ‫ناقصا ً ال يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، فمن األسباب الجالبة للخوف:‬
                                                                                           ‫َّ‬
                                                                         ‫1 - سابق الذنب الذي وقع فيه.‬
                                                                        ‫2 - حذر التقصير في الواجبات.‬
‫73‬
                                                                   ‫3 - الخوف من المصير أن يكون على ما يكره.‬
‫4 - إجالل هللا و تعظيمه(( يخافون ربهم من فوقهم)). والمالئكة خوفهم من هللا شديد جداً (( حتى إذا فزع عن‬
         ‫ّ‬
‫قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق)) فاهلل إذا تكلم بالكلمة في السماء من أوامره ضربت المالئكة بأجنحتها‬
‫خضوعا ً لقوله، فأصدرت صوتا ً عظيما ً كجر السلسلة العظيمة على الصخرة ثم يغشاهم من الفزع ما يغشاهم‬
                                                                         ‫ّ‬
‫ورجعوا إلى حالة يستطيعون فيها الكالم قالوا ماذا قال ربكم تناقلت األوامر قالوا الحق، فإذاً إجالل هللا يقتضي‬
                                            ‫الخوف والهيبة منه جل وعال وهذه أهمية معرفة أسماء هللا وصفاته.‬
                                                                              ‫5 - الخوف من هللا يتعلق بقضيتين..‬
                                                                                             ‫أ – الخوف من عذابه..‬
                                                                                               ‫ب – الخوف من هللا..‬
‫الناس العامة ينزعون إلى الخوف من النار أكثر ، وأهل الفقه والعلم خوفهم من هللا قبل خوفهم من ناره ألن‬
‫العامة قد يكون فهمهم وعلمهم قليل وبساطة فأحيانا ً ال يتذكر من كل القضية إال النار، وقد ال يستوعب أن‬
‫الخوف من هللا قبل الخوف من ناره أول وأكبر وأعظم ولذلك قال ابن قدامة رحمه هللا: (( في مقامي الخوف‬
‫المقام األول الخوف من عذاب هللا وهذا خوف عامة الناس وهذا النوع من الخوف يحصل باإليمان بالجنة والنار‬
‫وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية ، المقام الثاني الخوف من هللا نفسه عزوجل وهو خوف العلماء‬
‫والعارفين ألنه يكفيهم فقط ثالث كلمات (( ويحذركم هللا نفسه))، ولذلك قال النبي صلى هللا عليه وسلم : (( أنا‬
‫أعرفهم باهلل وأشدهم له خشية))، وقال هللا تعالى: (( إنما يخشى هللا من عباده العلماء)) ألنه لما كملت معرفتهم‬
                ‫بربهم وأسمائه وصفاته أثرت الخوف ففاض األثر على القلب ثم ظهر على الجوارح بهذه األعمال.‬
‫6 - تتأمل النجاة لمن ، وتقارن نفسك بصفاتهم (( وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ً ثم اهتدى)). و كما‬
‫في سورة العصر حيث أقسم هللا أن الناس في خسران واستثنى (( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا‬
‫بالحق وتواصوا بالصبر)). وكما في قوله تعالى: (( ولو شئنا آلتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ألمألن‬
‫جهنم من الجنّة والناس أجمعين)). هذه اآلية تورث الخوف حيث أقسم هللا أنه ليمأل جهنم فينخلع القلب وهللا‬
‫تعالى يقول: (( وإن منكم إال واردها كان على ربك حتما ً مقضيا ً)) وقيل لفالن لم تبكي؟ قال ألني أعلم يقينا ً أنني‬
‫سآتي على جهنم ولكن ليس لدي يقين أنني سأنجو منها..!!، وفي مسألة قبول العمل أيضا ً وهللا تعالى يقول : ((‬
                                            ‫إنما يتقبل هللا من المتقين)). فإذا حصل الخوف حصلت أسباب النجاة.‬
‫7 - تدبر كالم هللا ورسوله والنظر في سيرته ، قال ابن القيم : (( ألنه سيد الخائفين وإمام المتقين وأخشاهم‬
‫هلل فإذا تدبر المسلم كالم هللا وسنة نبيه شهد قلبه أموراً من صفات هللا وعقوباته وانتقامه و كيف خاف األنبياء‬
‫والمالئكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة‬
‫التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز فال تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره‬
‫وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل)). يقول ابن الجوزي: ((‬
                                                           ‫ّ‬
‫وهللا لو أن مؤمنا ً عاقالً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الطرسي وسورة اإلخالص بتفكر وتدبر‬
                                                             ‫لتصدّع قلبه من خشية هللا وتحيّر من عظمة هللا ربّه)).‬
‫8 - التفكر في عظمة هللا سبحانه وتعالى، فإنه من تفكر في ذلك خاف هللا ال محالة ألن التفكر يوقعه على‬
‫صفات هللا جل جالله وكبريائه ومن شهد قلبه عظمة هللا وكبرياءه علم شأن تحذيره عندما قال: (( ويحذركم هللا‬
‫نفسه)) أي خافوه واخشوه بما أبدى لكم من صفاته وأسمائه وعدله عز وجل ، قال تعالى : (( وما قدروا هللا‬
‫حق قدره واألرض جميعا ً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه )) يمجد الرب نفسه، أنا الجبار الملك،‬
‫أنا المتكبر العزيز الكريم..، قالها صلى هللا عليه وسلم فرجف به المنبر حتى قال الصحابة ليخرنّ به ، وجعل‬
‫النبي صلى هللا عليه وسلم على المنبر يقول (( يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده و قبض يده فجعل يقبضها و‬
‫يبسطها ثم يقول أنا الجبار أين الجبارون أين المتكبرون)) ويتمايل الرسول صلى هللا عليه وسلم عن يمينه‬
      ‫ما‬      ‫وشماله حتى نظر صحابي إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى قال أساقط هو برسول هللا؟!! .‬
‫السموات السبع في الكرسي إال كلقة ملقاة بأرض فالة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفالة على تلك‬
                                                  ‫الحلقة فإذا عرف اإلنسان عظمة الرب جلب له ذلك الخوف منه.‬
‫9 - التفكر في الموت وشدته وأنه ال مفر منه (( قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه مالقيكم)) ، فهذا يوجب‬
‫الخوف من هللا ((أكثروا من ذكر هادم اللذات، الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إال وسعه عليه وال‬
                                                                                    ‫ذكره في سعة إال ضيقها عليه)).‬
‫83‬
                                                                                              ‫قال أبو العتاهية:‬
                                            ‫أال رب ذي أجل قد حضر‬
                                ‫كثير التمني قليل الحذر‬
                                                            ‫ّ‬
                                           ‫إذا هز في المشي أعطافه‬
                                ‫تعرفت من منكبيه البطر‬
                                                ‫يؤمل أكثر من عمره‬
                                                              ‫ِّ‬
                                ‫ويزداد يوما ً بيوم أشر‬
                                     ‫ٍ‬
‫11 – التفكر فيما بعد الموت، في القبر وأهواله، قال صلى هللا عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور‬
                                       ‫أال فزوروها فإنه يرق القلب وتدمع العين تذكر اآلخرة وال تقول هجرة)).‬
                                                                                          ‫ّ‬
‫عن البراء يقول كنت مع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى بل الثرى وقال‬
              ‫ّ‬
                                                                                ‫: يا أخواني لمثل هذا فأعدّوا...‬
‫11 - إذا قدم إلى القيامة وأهوالها وحديث البعث والنشور إلى ذبح الموت, (( يا أيها الناس اتقوا ربكم‬
‫واخشوا يوما ً ال يجزي والد عن ولده وال مولود هو جاز عن والده شيئا ً إن وعد هللا حق فال تغرنكم الحياة الدنيا‬
                                                    ‫وال يغرنكم باهلل الغرور)). لفت النظر يقوي مراقبة العبد ربه.‬
‫21 - إذا دخل أهل النار النار..، ماذا يوجد فيها من األهوال في شدة عذابها؟!!..، ((إنها إلحدى الكبر)). قال‬
                      ‫الحسن: كبرت منذرة داهية عظيمة أعظم الدواهي ما أنذرت الخالئق بشيء قط أفظع منها.‬
                                         ‫وكيف قرت ألهل العلم أعينهم‬
                              ‫أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا‬
                                          ‫والموت ينذرهم جهراً عالنية‬
                              ‫لو كان للقوم أسماع لقد سمعوا‬
                                         ‫أفي الجنان وفوز ال انقطاع له‬
                              ‫أم الجحيم فال تبقي وال تدع‬
                                           ‫لينفع العلم قبل الموت عالمه‬
                              ‫قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا‬
‫31 - تفكر العبد في ذنوبه وأنه نسيه وهللا تعالى أحصاها وال يغادر صغيرة وال كبيرة إال أحصاه، وأن هللا يمكن‬
‫أن يعطيه النعم استدراجا ً (( ولئن رددت إلى ربي ألجدن خيراً منها منقلبا ً)) ، في قصة صاحب الجنتين حين قال‬
                                                                                ‫(( ما أظن الساعة قائمة)).‬
‫41 - التفكر في عاقبة محقرات الذنوب التي يحقرها الناس ، وقد مثلها النبي صلى هللا عليه وسلم بقوم نزلوا‬
‫بطن واد فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم ، وهناك ارتباط بين األعواد وإيقاد النار‬
                                      ‫وبين الذنوب وما تسبب من نضج جلود العصاة(( كلما نضجت جلودهم)).‬
‫51 - أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة بموت مفاجيء ، تسويف، شبهات ، إصرار على المعصية‬
‫والشهوات، فتنة مضلّة، والحسرة حينها ال تنفع (( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل‬
                                                            ‫صالحا ً فيما تركت)) (( وأنذرهم يوم الحسرة)).‬
‫61 - التفكر في سوء الخاتمة حينئذ (( والمالئكة يضربون وجوههم وأدبارهم))، وملك الموت كيف يسحب‬
                ‫روح الفاجر فيتقطع فيها كل عرق و عصب وكيف يجعل في كفه من النار وحنوط له من جهنم..‬
‫71 - تجالس ناس يكسبونك خشية وخوف من هللا من الصالحين والعلماء المتقين (( واصبر نفسك مع الذين‬
‫يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه))، صاحب أصحاب الخشية، رقة قلب إذا سمعوا الذكر وتلين‬
                              ‫قلوبهم ((ثم تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر هللا)). واقرأ سيرهم فاصحب أنفاسهم..‬
                                      ‫أهل الحديث هم أهل الرســـــول‬
                              ‫وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا‬
‫93‬
                                                                                           ‫اصحب سير الخائفين من هللا ..‬
                                                                                                   ‫- اإلمام أحمد و خشيته..‬
                              ‫ان كالشراكان الباليان أخاديد من الدموع.‬      ‫- ابن عباس رضي هللا عنه كان تحت عينيه خطّ‬
                                        ‫- عمر بن الخطاب رضي هللا عنه قرأ آيات فمرض مرض عاده الناس من بعده.‬
    ‫- عائشة تقرأ قوله تعالى : (( فمنّ هللا علينا فوقانا عذاب السموم)) في صالتها فتبكي وتبكي..((إن تعذبهم‬
                                                                     ‫فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)).‬
       ‫- أبو بكر رضي هللا عنه يمسك لسانه ويقول (( هذا الذي أوردني المهالك))، (( يا ليتني كنت شجرة تؤكل)).‬
    ‫- عمر بن الخطاب رضي هللا عنه يقول: (( ياليتني كنت هذه التبنة))((يا ليتني لم أكن شيئا ً مذكوراً))(( ياليت‬
                ‫أمي لم تلدني )) (( لو مات جمل ضياعا ً على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه هللا يوم القيامة)).‬
    ‫- ويقول: (( لو نادى مناد من السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إال واحداً لخفت أن أكون أنا‬
                                                                                               ‫ٍ‬
                                                                                                                   ‫هو))..!!‬
 ‫- عثمان بن عفان رضي هللا عنه يقول : (( وددت لو أنني لو مت لم أبعث)) وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحا ً‬
                                       ‫وقرآنا ً ويتخرق مصحفه من كثر ما قرأ به ، ومات ودمه على المصحف شهيداً..‬
               ‫- أبو عبيدة رضي هللا عنه يقول: (( وددت لو كنت كبشا ً فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي)).‬
                                      ‫- عمران بن حصين رضي هللا عنه يقول: (( يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح)).‬
    ‫- حذيفة رضي هللا عنه يقول (( وددت أن لي إنسان يكون في مالي ذم أغلق علي بابي فال يدخل علي أحد حتى‬
                                                                                                               ‫ألحق باهلل)).‬
                                                         ‫- عائشة رضي هللا عنها تقول: (( يا ليتني كنت نسيا ً منسيا ً)).‬
                    ‫- أبو هريرة رضي هللا عنه يغشى عليه ثالث مرات وهو يحدث بحديث أول ثالث تسعر بهم النار ..‬
                                  ‫ّ‬
  ‫- علي رضي هللا عنه يقول: (( لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى اليوم شيئا ً يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا ً‬
    ‫غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا هلل سجداً وقياما ً – أثر في الجلد فخشنه مثل ركب المعزى- يتلون‬
    ‫كتاب ربهم يراوحون بين جباههم وجنوبهم فإذا أصبحوا ذكروا هللا عزوجل مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح‬
                                                          ‫وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وهللا لكأن القوم باتوا غافلين..‬
    ‫- عمر بن عبد العزيز يبكي ويبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينام ..تسأله زوجته فيقول ((إني أخاف إن عصيت ربي‬
                                                   ‫عذاب يوم عظيم )) فتبكي فاطمة وتقول : (( اللهم أعذه من النار)).‬
                                                                            ‫ُِ‬
                                                       ‫- حديث حسن : (( أولياء هللا الذين إذا رؤوا ذكر هللا عزوجل)).‬
                                                                                  ‫ُ‬
                                                                                    ‫81 - سماع المواعظ وبعض الخطب.‬
                                                                ‫91 - العلم باهلل وأسمائه وصفاته وكالمه وكالم رسوله.‬
                                                                                                             ‫12 - الدعاء.‬
    ‫وذلك مقصود في دعاء الرسول صلى هللا عليه وسلم يسأل هللا أن يرزقه الخشية(( ربي أعني وال تعن علي‬
‫وانصرني وال تنصر علي وامكر لي وال تمكر علي واجعلني لك شكاراً لك ذكاراً لك رهّابا ً لك مطواعا ً لك مخبتا ً‬
    ‫إليك أواها ً منيباً، ربي تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي وسدد لساني واهد قلبي واسلل‬
                  ‫ِ‬
                                                                                                        ‫سخيمة صدري)) ..‬
                                         ‫ويدعو بقوله : (( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك)).‬
                                                                         ‫(( اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)).‬

                                                 ‫موانع الخوف‬
                              ‫الخوف تمنعه أشياء منها المعاصي، الدنيا، الرفقة السيئة، الغفلة وتبلّد اإلحساس..‬
                        ‫الخوف القاصر نوع خطير من الخوف ، وهو أن يحضر موعظة ويسمع ويتأثر ثم يمشي..‬
                                                   ‫هذا خوف ال يكفي وإنما العبرة بما وقع نفع و دخل واستقر..‬
                                                                                   ‫المطلوب الخوف المستمر..‬



‫04‬
‫قال أحد الصحابة: (( وعظنا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يوما ً بعد صالة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها‬
‫العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إنها موعظة مودّع ماذا تعهد إلينا؟ فأعطاهم صلى هللا عليه وسلم‬
                                                                      ‫الوصية)).. انظر إليهم .. يريدون التطبيق..‬
‫والرسول صلى هللا عليه وسلم قال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليالً ولبكيتم كثيراً وخرجتم إلى الصعدات‬
                                      ‫تجأرون إلى هللا.. سلوني.. سلوني..)) فغطّى الصحابة وجوههم يبكون..!!‬
‫جاء حذافة وقد كان ينسب لغير أبيه فقال من أبي قال حذافة : فصار إثبات نسبه بالوحي، حتى جاء عمر فقال:‬
                                       ‫رضينا باهلل ربا وباإلسالم دينا ً وبمحمد رسوالً عائذاً باهلل من سوء الفتن..‬
‫فقال الرسول صلى هللا عليه وسلم : لم أرك اليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة والنار رأيتهما‬
                                                                                                ‫دون هذا الحائط..‬
‫قال صلى هللا عليه وسلم : (( أطّت السماء وحق لها أن تأطّ ما فيها موضع إال وفيها ملك قائم أو قاعد أو‬
                                                                                                        ‫ساجد))..‬
               ‫فالخوف إذا باشر قلب العبد فاض أثره على الجوارح وظهر، وليس أنه كان شيئا ً سريعا ً وذهب..‬
                                        ‫ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها‬
                                  ‫إن السفينة ال تجري على اليبس‬
                                          ‫قال صلى هللا عليه وسلم : (( ما رأيت مثل النار نام هاربها))..‬
‫قال ابن تيمية –رحمه هللا - : (( كل عاص هلل فهو جاهل وكل خائف منه فهو عالم مطيع))، الخائف من هللا‬
                                                             ‫ٍ‬
                                                 ‫يبادر إلى الخيرات قبل الممات ويغتنم األيام والساعات..‬
                                                       ‫ويتكلم عن حال السلف ابن المبارك –رحمه هللا-:‬
                                                      ‫إذا ما الليل أظلم‬
                                                       ‫كابدوه‬
                                      ‫فيسفر عنهم وهم ركوع‬
                                            ‫أطار الخوف نومهم فقاموا‬
                                      ‫وأهل النوم في الدنيا هجوع‬
                                           ‫لهم تحت الظالم وهم سجود‬
                                      ‫أنين منه تنفرج الضلوع‬
                                           ‫وخرس بالنهار لطول صمت‬
                                                               ‫ٌ‬
                                      ‫عليهم من سكينتهم خشوع‬




‫14‬
                              ‫م‬
                                               ‫يؤ ِل أكثر من عمره‬
                                    ‫ا م‬
                                ‫ويزداد يومً بيو ٍ أشر‬
‫11 – التفكر فيما بعد الموت، في القبر وأهواله، قال صلى اهلل عليه وسلم : (( كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور‬
                                                                                        ‫ّ‬
                                       ‫أال فزوروها فإنه يرق القلب وتدمع العين تذكر اآلخرة وال تقول هجرة)).‬
             ‫ل‬
‫عن البراء يقول كنت مع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى ب ّ الثرى وقال‬
                                                                                   ‫د‬
                                                                              ‫: يا أخواني لمثل هذا فأع ّوا...‬
‫11 - إذا قدم إلى القيامة وأهوالها وحديث البعث والنشور إلى ذبح الموت, (( يا أيها الناس اتقوا ربكم‬
                                        ‫ا‬                                                       ‫ً‬
‫واخشوا يوما ال يجزي والد عن ولده وال مولود هو جاز عن والده شيئً إن وعد اهلل حق فال تغرنكم الحياة الدنيا‬
                                                  ‫وال يغرنكم باهلل الغرور)). لفت النظر يقوي مراقبة العبد ربه.‬
‫21 - إذا دخل أهل النار النار..، ماذا يوجد فيها من األهوال في شدة عذابها؟!!..، ((إنها إلحدى الكبر)). قال‬
                       ‫الحسن: كبرت منذرة داهية عظيمة أعظم الدواهي ما أنذرت الخالئق بشيء قط أفظع منها.‬
                                         ‫وكيف قرت ألهل العلم أعينهم‬
                              ‫أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا‬
                                                  ‫ا‬
                                          ‫والموت ينذرهم جهرً عالنية‬
                              ‫لو كان للقوم أسماع لقد سمعوا‬
                                         ‫أفي الجنان وفوز ال انقطاع له‬
                              ‫أم الجحيم فال تبقي وال تدع‬
                                           ‫لينفع العلم قبل الموت عالمه‬
                              ‫قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا‬
‫31 - تفكر العبد في ذنوبه وأنه نسيه واهلل تعالى أحصاها وال يغادر صغيرة وال كبيرة إال أحصاه، وأن اهلل‬
                              ‫ا‬          ‫ا‬                                 ‫ا‬
‫يمكن أن يعطيه النعم استدراجً (( ولئن رددت إلى ربي ألجدن خيرً منها منقلبً)) ، في قصة صاحب الجنتين‬
                                                                      ‫حين قال (( ما أظن الساعة قائمة)).‬
‫41 - التفكر في عاقبة محقرات الذنوب التي يحقرها الناس ، وقد مثلها النبي صلى اهلل عليه وسلم بقوم نزلوا‬
‫بطن واد فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم ، وهناك ارتباط بين األعواد وإيقاد النار‬
                                     ‫وبين الذنوب وما تسبب من نضج جلود العصاة(( كلما نضجت جلودهم)).‬
‫51 - أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة بموت مفاجيء ، تسويف، شبهات ، إصرار على المعصية‬
                                                                                  ‫ل‬
‫والشهوات، فتنة مضّة، والحسرة حينها ال تنفع (( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل‬
                                                                                                  ‫ً‬
                                                            ‫صالحا فيما تركت)) (( وأنذرهم يوم الحسرة)).‬
‫61 - التفكر في سوء الخاتمة حينئذ (( والمالئكة يضربون وجوههم وأدبارهم))، وملك الموت كيف يسحب‬
                ‫روح الفاجر فيتقطع فيها كل عرق و عصب وكيف يجعل في كفه من النار وحنوط له من جهنم..‬
‫71 - تجالس ناس يكسبونك خشية وخوف من اهلل من الصالحين والعلماء المتقين (( واصبر نفسك مع الذين‬
‫يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه))، صاحب أصحاب الخشية، رقة قلب إذا سمعوا الذكر وتلين‬
                             ‫قلوبهم ((ثم تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر اهلل)). واقرأ سيرهم فاصحب أنفاسهم..‬
                                      ‫أهل الحديث هم أهل الرســـــول‬
                              ‫وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا‬
‫93‬
                                                                                  ‫اصحب سير الخائفين من اهلل ..‬
                                                                                          ‫- اإلمام أحمد و خشيته..‬
                                                                  ‫ط‬
                       ‫- ابن عباس رضي اهلل عنه كان تحت عينيه خ ّان كالشراكان الباليان أخاديد من الدموع.‬
                                  ‫- عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه قرأ آيات فمرض مرض عاده الناس من بعده.‬
                                                                             ‫ن‬
‫- عائشة تقرأ قوله تعالى : (( فم ّ اهلل علينا فوقانا عذاب السموم)) في صالتها فتبكي وتبكي..((إن تعذبهم‬
                                                             ‫فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)).‬
   ‫- أبو بكر رضي اهلل عنه يمسك لسانه ويقول (( هذا الذي أوردني المهالك))، (( يا ليتني كنت شجرة تؤكل)).‬
          ‫ا‬        ‫ا‬
‫- عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه يقول: (( ياليتني كنت هذه التبنة))((يا ليتني لم أكن شيئً مذكورً))(( ياليت‬
                                                                          ‫ا‬
           ‫أمي لم تلدني )) (( لو مات جمل ضياعً على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه اهلل يوم القيامة)).‬
                     ‫ا‬                                                                ‫د‬
‫- ويقول: (( لو نادى منا ٍ من السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إال واحدً لخفت أن أكون أنا‬
                                                                                                            ‫هو))..!!‬
‫ا‬
‫- عثمان بن عفان رضي اهلل عنه يقول : (( وددت لو أنني لو مت لم أبعث)) وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحً‬
                                    ‫ا‬
                                  ‫وقرآنً ويتخرق مصحفه من كثر ما قرأ به ، ومات ودمه على المصحف شهيدً..‬          ‫ا‬
                                                         ‫ا‬
          ‫- أبو عبيدة رضي اهلل عنه يقول: (( وددت لو كنت كبشً فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي)).‬
                                                ‫ً‬
                                ‫- عمران بن حصين رضي اهلل عنه يقول: (( يا ليتني كنت رمادا تذروه الرياح)).‬
‫- حذيفة رضي اهلل عنه يقول (( وددت أن لي إنسان يكون في مالي ذم أغلق علي بابي فال يدخل علي أحد حتى‬
                                                                                                       ‫ألحق باهلل)).‬
                                                     ‫ا‬       ‫ً‬
                                                  ‫- عائشة رضي اهلل عنها تقول: (( يا ليتني كنت نسيا منسيً)).‬
                           ‫ع‬
             ‫- أبو هريرة رضي اهلل عنه يغشى عليه ثالث مرات وهو يحدث بحديث أول ثالث تس ّر بهم النار ..‬
‫ً‬                                     ‫ا‬
‫- علي رضي اهلل عنه يقول: (( لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى اليوم شيئً يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا‬
                                                   ‫ا‬       ‫ا‬
‫غبرً بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا هلل سجدً وقيامً – أثر في الجلد فخشنه مثل ركب المعزى- يتلون‬             ‫ا‬
‫كتاب ربهم يراوحون بين جباههم وجنوبهم فإذا أصبحوا ذكروا اهلل عزوجل مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح‬
                                                   ‫وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم واهلل لكأن القوم باتوا غافلين..‬
‫- عمر بن عبد العزيز يبكي ويبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينام ..تسأله زوجته فيقول ((إني أخاف إن عصيت ربي‬
                                             ‫عذاب يوم عظيم )) فتبكي فاطمة وتقول : (( اللهم أعذه من النار)).‬
                                                                    ‫ر ُ‬
                                                ‫- حديث حسن : (( أولياء اهلل الذين إذا ُؤوا ذكِر اهلل عزوجل)).‬
                                                                            ‫81 - سماع المواعظ وبعض الخطب.‬
                                                        ‫91 - العلم باهلل وأسمائه وصفاته وكالمه وكالم رسوله.‬
                                                                                                     ‫12 - الدعاء.‬
‫وذلك مقصود في دعاء الرسول صلى اهلل عليه وسلم يسأل اهلل أن يرزقه الخشية(( ربي أعني وال تعن علي‬
‫ً‬        ‫ا‬             ‫ه ا‬       ‫ا‬        ‫ا‬
‫وانصرني وال تنصر علي وامكر لي وال تمكر علي واجعلني لك شكارً لك ذكارً لك ر ّابً لك مطواعً لك مخبتا‬
             ‫د‬
‫إليك أواهً منيبً، ربي تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي وسدد لساني واه ِ قلبي واسلل‬      ‫ا‬      ‫ا‬
                                                                                               ‫سخيمة صدري)) ..‬
                                   ‫ويدعو بقوله : (( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك)).‬
                                                                ‫(( اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)).‬

                                             ‫موانع الخوف‬
                                         ‫ل‬
                            ‫الخوف تمنعه أشياء منها المعاصي، الدنيا، الرفقة السيئة، الغفلة وتبّد اإلحساس..‬
                      ‫الخوف القاصر نوع خطير من الخوف ، وهو أن يحضر موعظة ويسمع ويتأثر ثم يمشي..‬
                                                ‫هذا خوف ال يكفي وإنما العبرة بما وقع نفع و دخل واستقر..‬
                                                                                ‫المطلوب الخوف المستمر..‬



‫04‬
                                        ‫ا‬
‫قال أحد الصحابة: (( وعظنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يومً بعد صالة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها‬
                                               ‫د‬
‫العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إنها موعظة مو ّع ماذا تعهد إلينا؟ فأعطاهم صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                ‫الوصية)).. انظر إليهم .. يريدون التطبيق..‬
                      ‫ا‬           ‫ال‬
‫والرسول صلى اهلل عليه وسلم قال: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قلي ً ولبكيتم كثيرً وخرجتم إلى الصعدات‬
                                                                 ‫ط‬
                                  ‫تجأرون إلى اهلل.. سلوني.. سلوني..)) فغ ّى الصحابة وجوههم يبكون..!!‬
‫جاء حذافة وقد كان ينسب لغير أبيه فقال من أبي قال حذافة : فصار إثبات نسبه بالوحي، حتى جاء عمر فقال:‬
                                                        ‫ا‬     ‫ً‬             ‫ً‬
                                   ‫رضينا باهلل ربا وباإلسالم دينا وبمحمد رسوال عائذً باهلل من سوء الفتن..‬
‫فقال الرسول صلى اهلل عليه وسلم : لم أرك اليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة والنار رأيتهما‬
                                                                                         ‫دون هذا الحائط..‬
                                             ‫ط‬                          ‫ط‬
‫قال صلى اهلل عليه وسلم : (( أ ّت السماء وحق لها أن تأ ّ ما فيها موضع إال وفيها ملك قائم أو قاعد أو‬
                                                                                                 ‫ساجد))..‬
                        ‫ا‬    ‫ا‬
               ‫فالخوف إذا باشر قلب العبد فاض أثره على الجوارح وظهر، وليس أنه كان شيئً سريعً وذهب..‬
                                     ‫ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها‬
                               ‫إن السفينة ال تجري على اليبس‬
                                          ‫قال صلى اهلل عليه وسلم : (( ما رأيت مثل النار نام هاربها))..‬
                                                             ‫ص‬
‫قال ابن تيمية –رحمه اهلل - : (( كل عا ٍ هلل فهو جاهل وكل خائف منه فهو عالم مطيع))، الخائف من اهلل‬
                                                 ‫يبادر إلى الخيرات قبل الممات ويغتنم األيام والساعات..‬
                                                       ‫ويتكلم عن حال السلف ابن المبارك –رحمه اهلل-:‬
                                                   ‫إذا ما الليل أظلم‬
                                                   ‫كابدوه‬
                                   ‫فيسفر عنهم وهم ركوع‬
                                         ‫أطار الخوف نومهم فقاموا‬
                                   ‫وأهل النوم في الدنيا هجوع‬
                                        ‫لهم تحت الظالم وهم سجود‬
                                   ‫أنين منه تنفرج الضلوع‬
                                                            ‫س‬
                                        ‫وخر ٌ بالنهار لطول صمت‬
                                   ‫عليهم من سكينتهم خشوع‬




‫14‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:42
posted:7/12/2012
language:
pages:41