Docstoc

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 001

Document Sample
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 001 Powered By Docstoc
					                         ‫تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة‬
                   ‫(اضغط هنا لالنتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على اإلنترنت)‬


                                           ‫الكتاب : إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان‬

                                                  ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                                                           ‫مقدمة‬

‫(1/1)‬




                                                       ‫ص -3- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان‬
                                     ‫تأليف: أبي عبد اهلل محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية‬
                                                                           ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬
    ‫الحمد هلل الذى ظهر ألوليائه بنعوت جالله، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله، وتعرف إليهم بما‬
 ‫أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد األحد الفرد الصمد. الذى ال شريك له فى ذاته وال‬
‫صفاته وال فى أفعاله، بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه فى إكثاره وإقالله،‬
‫ال يحصى أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله، األول الذى ليس‬
        ‫قبله شئ، والظاهر الذى ليس فوقه شئ، والباطن الذى ليس دونه شئ، وال يحجب المخلوق عنه‬
   ‫تستره بسر باله، الحى القيوم، الواحد األحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق ينتهى إلى‬
‫زواله، السميع الذى يسمع ضجيج األصوات باختالف اللغات على تفنن الحاجات، فال يشغله سمع عن‬
         ‫سمع، وال تغلطه المسائل، وال يتبرم بإلحاح الملحين فى سؤاله، البصير الذى يرى دبيب النملة‬
     ‫السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله. وألطف من ذلك‬
    ‫رؤيته لتقلب قلب عبده، ومشاهدته الختالف أحواله، فإن أقبل إليه تلقاه، وإنما إقبال العبد عليه من‬
‫إقباله، وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه، ولم يدعه فى إهماله، بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها،‬
‫الرفيقة به فى حمله ورضاعه وفصاله، فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التى عليها طعامه‬
          ‫وشرابه فى األرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطع أوصاله، وإن أصر على‬
                  ‫اإلعراض، ولم يتعرض ألسباب الرحمة، بل أصر على العصيان فى إدباره وإقباله،‬

‫(1/2)‬




 ‫ص -4- وصالح عدوه وقاطع سيده، فقد استحق الهالك، وال يهلك على اهلل إال الشقى الهالك لعظيم‬
                                                                                              ‫رحمته وسعة إفضاله.‬
   ‫وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا، جل عن األشباه واألمثال،‬
   ‫وتقدس عن األضداد واألنداد والشركاء واألشكال، ال مانع لما أعطى وال معطى لما منع، وال راد‬
            ‫َ َد ه وم ُ م د نه م و ل‬                      ‫وِذ َر له ْ س ء‬
   ‫لحكمه وال معقب ألمره: { َإ َا أ َادَ الّ ُ بِقَومٍ ُو ًا فَالَ مر ّ لَ ُ َ َا لَهمْ ّن ُو ِ ِ ِن َا ٍ} [الرعد:‬
                                                                                                                   ‫11].‬
        ‫وأشهد أن محمد عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه، أرسله رحمة‬
 ‫للعالمين، وإماما للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه على حين فترة من‬
    ‫الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته ومحبته، وتعظيمه‬
 ‫وتوقيره والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح ألحد إال من طريقه. فشرح له صدره،‬
  ‫ووضح له عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته فى‬
   ‫كتابه المبين وقرن اسمه باسمه، فال يذكر إال ذكر معه، كما فى التشهد والخطب والتأذين. فلم يزل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم قائما بأمر اهلل ال يرجه عنه راد، مشمرا فى مرضاة اهلل ال يصده عن ذلك صاد،‬
     ‫إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا، ودخل الناس فى دين اهلل أفواجا (أفواجا)، وسارت‬
  ‫دعوته مسير الشمس فى األقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، ثم استأثر اهلل به لينجز له ما‬
‫وعده به فى كتابه المبين، بعدم أ، بلغ رسالته، وأدى األمانة، ونصح األمة، وجاهد فى اهلل حق جهاده،‬
 ‫ل على‬          ‫َ سب ل َ ع إ‬
 ‫وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين. وقال {هذِهِ َ ِيِيَ أدْ ُو ِلَىَ الّهِ ََ َ‬
                                          ‫م م رك ن‬                     ‫له و‬           ‫وم تبعن وس‬                         ‫ب‬
                            ‫َصِيرَةٍ أَنَاْ َ َنِ ا ّ َ َ ِي َ ُبْحَانَ الّ ِ َمَا أَنَاْ ِنَ الْ ُشْ ِ ِي َ} [يوسف: 101].‬

‫(1/3)‬
‫ص -5- أما بعد: فإن اهلل سبحانه لم يخلق خلقه سدى مهمال، بل جعلهم موردا للتكليف، ومحال لألمر‬
 ‫والنهى، وألزمهم ( فهم ) ما أرشدهم إليه مجمال ومفصال وقسمهم إلى شقى وسعيد، وجعل لكل واحد‬
 ‫من الفريقين منزال، وأعطاهم مواد العلم والعمل: من القلب، والسمع، والبصر، والجوارح، نعمة منه‬
‫وتفضال، فمن استعمل ذلك فى طاعته، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إله ولم يبغ عنه عدوال،‬
‫فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة اهلل سبيال. ومن استعمله فى إرادته وشهوته ولم‬
   ‫يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك، ويحزن حزنا طويال. فإنه ال بد من الحساب على حق‬
                  ‫ع ه م ؤ ال‬           ‫إن س ع و بصر و ف د كل أ ك‬
  ‫هذه األعضاء لقوله تعالى: {ِ ّ ال ّمْ َ َالْ َ َ َ َالْ ُؤَا َ ُ ّ ُولئِ َ كَانَ َنْ ُ َسْ ُو ً} [اإلسراء: 33].‬
 ‫و لما كان القلب لهذه األعضاء كالملك المتصرف فى الجنود، الذى تصدر كلها عن أمره، ويستعملها‬
 ‫فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه االستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو‬
  ‫يحله، قال النبى صلى اهلل عليه وسلم: "أال وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله". فهو‬
    ‫ملكها، وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، وال يستقيم لها شئ من أعمالها‬
         ‫حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "ألن كل راع مسؤول عن رعيته" كان‬
‫االهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر فى أمراضه وعالجها أهم ما تنسك‬
                                                                                                 ‫به الناسكون.‬
  ‫ولما علم عدو اهلل إبليس أن المدار على القلب واالعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه‬
‫الشهوات إله، وزين له من األقوال واألعمال ما يصده عن الطريق، وأمده من أسباب الغى بما يقطعه‬
        ‫عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن‬
        ‫يحصل له بها التعويق، فال نجاة من مصائده ومكائده إال بدوام االستعانة باهلل تعالى، والتعريض‬
                                                                                   ‫ألسباب مرضاته، والتجاء‬

‫(1/4)‬




‫القلب إليه، وإقباله عليه فى حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به اإلنسان‬
                                 ‫ع ه س ن‬                            ‫إن عب‬
    ‫ليحصل له الدخول فى ضمان {ِ ّ ِ َادِي لَيْسَ لَكَ َلَيْ ِمْ ُلْطَا ٌ} [الحجر: 24] فهذه اإلضافة هى‬
‫القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب‬

‫(1/5)‬
         ‫ص -3- إخالص العمل ودام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية واإلخالص صار عند اهلل من‬
                                              ‫إال عب د م هم م ص ن‬
                                ‫المقربين، وشمله استثناء {ِ ّ ِ َا َكَ ِنْ ُ ُ الْ ُخْلَ ِي َ} [الحجر: 04].‬
 ‫ولما من اهلل الكريم بلطفه باالطالع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يعرض لها‬
    ‫من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمر تلك الوساوس من األعمال. وما يكتسب القلب بعدها من‬
    ‫األحوال. فإن العمل السيئ مصدر عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة،‬
 ‫فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت، ويبقى ال حياة فيه وال نور له. وكل ذلك من انفعاله لوسوسة‬
        ‫الشيطان، وركونه إلى عدوه الذى ال يفلح. إلى من جاهده بالعصيان: أردت أن أقيد ذلك فى هذا‬
   ‫الكتاب، ألستذكره معترفا فيه هلل بالفضل واإلحسان، ولينتفع له من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة‬
             ‫والرحمة والرضوان، وسميته "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" ورتبته ثالثة عشر بابا:‬
                                            ‫الباب األول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت.‬
                                                            ‫الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب.‬
                                 ‫الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية.‬
 ‫الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقة مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر (وفتنة) فيه.‬
   ‫الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته ال تحصل إال بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له‬
                                                                                             ‫على غيره.‬
  ‫الباب السادس: فى أنه ال سعادة للقلب وال لذة وال نعيم وال صالح إال بأن يكون إلهه وفاطره وحده‬
                                                     ‫هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه مما سواه.‬
                 ‫الباب السابع: فى أ، القرآن الكريم متضمن ألدوية القلب وعالجه من جميع أمراضه.‬
                                                                          ‫الباب الثامن: فى زكاة القلب.‬
                                                  ‫الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه.‬
                                                    ‫الباب العاشر: فى عالمات مرض القلب وصحته.‬

‫(1/3)‬




                      ‫ص -7- الباب الحادى عشر: فى عالج مرض القلب من استيالء النفس عليه.‬
                                                ‫الباب الثانى عشر: فى عالج مرض القلب بالشيطان.‬
   ‫الباب الثالث عشر: فى مكايد الشيطان التى يكيد بها ابن آدم. وهو الذى وضع ألجله الكتاب. وفيه‬
                                                                       ‫فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد.‬
 ‫واهلل تعالى يجعله خالصا لوجهه، مؤمنا من الكرة الخاسرة، وينفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فيه فى‬
                             ‫الدنيا واآلخرة، إنه سميع عليم، وال حول وال قوة إال باهلل العلى العظيم.‬

‫(1/7)‬




                                                      ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                              ‫الباب األول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت‬
                                              ‫الباب األول: فى انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت‬
                  ‫لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه األحوال الثالثة.‬
        ‫فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذى ال ينجو يوم القيامة إال من أتى اهلل به، كما قال تعالى:‬
                                            ‫س ِم‬                  ‫م ت‬             ‫ي ع ل و بن‬
                         ‫{يومَ ال َنْفَ ُ مَا ٌ َال َ ُونَ إال َنْ أَ َى اهللَ بِقَلْبٍ َلي ٍ} [الشعراء: 11-81].‬
  ‫والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال ألنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف؛ فالسليم القلب‬
 ‫الذى قد صارت السالمة صفة ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل.‬
‫وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم، واألمر الجامع لذلك: أنه الذى قد سلم من كل شهوة‬
‫تخالف أمر اهلل ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير‬
‫رسوله. فسلم فى محبة غير اهلل معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، واإلنابة إليه، والذل له، وإيثار‬
  ‫مرضاته فى كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التى ال تصلح إال هلل‬
                                                                                                        ‫وحده.‬
     ‫فالقلب السليم: هو الذى سلم من أن يكون لغير اهلل فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته هلل‬
                   ‫تعالى: إرادة ومحبة، وتوكال، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله هلل،‬

‫(2/1)‬
                                                                    ‫ح َّ‬
 ‫ص -1- فإن أحب أَ َب فى اهلل، وإن أبغض أبغض فى اهلل، وإن أعطى أعطى هلل، وإن منع منع هلل‬
‫وال يكفيه هذا حتى يسلم من االنقياد والتحكيم لكل من عدا رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم،‬
   ‫فيعقد قلبه معه عقدا محكما على االئتمام واالقتداء به وحده، دون كل أحد فى األقوال واألعمال من‬
   ‫أقوال القلب، وهى العقائد، وأقوال اللسان؛ وهى الخبر عما فى القلب. وأعمال القلب، وهى اإلرادة‬
 ‫والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه فى ذلك كله دقه وجله هو ما جاء‬
    ‫به الرسول صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، فال يتقدم بين يديه بعقيدة وال قول وال عمل، كما قال‬
                                                                                                        ‫تعالى:‬
                                               ‫ُقدم ب ن َد هلل َرس ه‬                   ‫َيه َّذ ن من‬
                              ‫{يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا ال ت ِّ ُوا َيْ َ ي َىِ ا ِ و َ ُول ِ} [ الحجرات: 1 ].‬
 ‫أى ال تقولوا حتى يقول، وال تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إال ينشر‬
‫لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أى لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فاألول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل‬
   ‫هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا فى محبة المدح من الناس أو خوف‬
 ‫ذمهم، أو استجالب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية،‬
                            ‫وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟.‬
         ‫ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لموالك، أم فعلته لحظك وهواك؟.‬
  ‫والثانى: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصالة والسالم فى ذلك التعبد، أى هل كان ذلك العمل مما‬
                               ‫شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عمال لم أشرعه ولم أرضه؟.‬
           ‫فاألول سؤال عن اإلخالص، والثانى عن المتابعة، فإن اهلل سبحانه ال يقبل عمال إال بهما.‬
   ‫فطريق التخلص من السؤال األول: بتجريد اإلخالص، وطريق التخلص من السؤال الثانى: بتحقيق‬
     ‫المتابعة، وسالمة القلب من إرادة تعارض اإلخالص، وهوى يعارض االتباع. فهذه حقيقة سالمة‬
                                                                  ‫القلب الذى ضمنت له النجاة والسعادة.‬

‫(2/2)‬




                                                                          ‫ص -8- فصل فى القلب الميت‬
 ‫والقلب الثانى: ضد هذا، وهو القلب الميت الذى ال حياة به، فهو ال يعرف ربه، وال يعبده بأمره وما‬
   ‫يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو ال يبالى إذا‬
‫فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير اهلل: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا،‬
   ‫وتعظيما؛ وذال. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع‬
 ‫منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مواله. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه،‬
         ‫والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة‬
     ‫مخمور. ينادى إلى اهلل وإلى الدار اآلخرة من مكان بعيد، فال يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان‬
   ‫مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى‬
                                                                                                                                ‫ليلى:‬
                                                          ‫د وس ٌ ل وم ْ َرب ل َب وَ ْر‬                                ‫َد لم‬
                                                        ‫ع ُو ِ َنْ عَا َتْ، َ ِلم ألهِْهَا َ َن ق َّ َتْ لَيَْى أَح َّ َأق َبا‬

‫(2/3)‬




                                               ‫فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هالك.‬
                                                                                                      ‫فصل فى القلب المريض‬
   ‫والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه‬
‫منهما، ففيه من محبة اهلل تعالى واإليمان به واإلخالص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من‬
  ‫محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد فى‬
  ‫األرض بالرياسة: ما هو مادة هالكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى اهلل ورسوله‬
        ‫والدار اآلخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا.‬
‫فالقلب األول، حى مخبت لين واع، والثانى يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السالمة أدنى، وإما‬
                                                                                                               ‫إلى العطب أدنى.‬
                                                               ‫وقد جمع اهلل سبحانه بين هذه القلوب الثالثة فى قوله:‬
         ‫إ ِذ َن ق الش ُ أ ِيت ي سخ هلل ي ق‬                                                ‫َ م ْ رس ل و‬‫ك‬           ‫وم َ س م‬
        ‫{ َ َا أرْ َلْنَا ِنْ قَبْلِ ٍَ ِن َ ُو ٍ َال نَبى ِال إ َا تَم َّى أَلْ َى َّيْطَان فىِ ُمْن َّ ِهِ فَ َنْ َ ُ ا ُ مَا ُلْ ِى‬
                                               ‫ال ّيْطَا ُ ث َّ ُحْك ُ اهلل آ َا ِ ِ َاهلل َلِي ٌ َكِي ٌ لي َعلَ مَا ُلْ ِى ال ّيْطَا ُ‬
                                               ‫يق ش ن‬                   ‫ي ته و ع م ح م ج َ‬                      ‫ش ن ُم ي ِم‬

‫(2/4)‬




    ‫ص -01- ِتْنَةً ِل ِين ِى ُُوبهمْ َر ٌ َالْقَا ِ َة ُُو ُهمْ َإن ال ّال ِينَ لَ ِى ِقَا ٍ َ ِي ٍ َِ َعْلمَ ال ِي َ‬
    ‫ف لَّذ َ ف قل ِ م ض و سي ِ قل ب ُ و ظ م ف ش ق بع د ولي َ َّذ ن‬
          ‫ِر ط‬    ‫ه َّذ من ل‬                     ‫ب ُ ق به وِن‬                       ‫ُو ُوا الْ ِلمَ َّ ُ الحق م ْ ر َ ي ن‬
          ‫ُّ ِن َبك فَ ُؤْم ُوا به فَتخْ ِتَ لَه ُلو ُ ُمْ َإ َّ اهللَ ل َادِ ال ِينَ آ َُوا إَى ص َا ٍ‬ ‫أ ت ع ْ أنه‬
                                                                                                                   ‫م قم‬
                                                                                                 ‫ُستَ ِي ٍ} [الحج: 25 - 45].‬
  ‫فجعل اهلل سبحانه وتعالى القلوب فى هذه اآليات ثالثة: قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب‬
          ‫الذى فيه مرض، والقلب القاسى. والناجى: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه‬
                                                                                            ‫الخاضع له، المستسلم المنقاد.‬
‫وذلك: أن القلب وغيره من األعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما ال آفة به، يتأتى منه ما هيئ له‬
     ‫وخلق ألجله. وخروجه عن االستقامة إما ليبسه وقساوته، وعدم التأتى لما يراد منه، كاليد الشالء،‬
                                                   ‫ِن‬
    ‫واللسان األخرس، واألنف األخشم، وذكر الع ِّين والعين التى ال تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه‬
     ‫تمنعه من كمال هذه األفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه األقسام الثالثة.‬
‫فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح اإلدراك‬
                                                                                            ‫للحق، تام االنقياد والقبول له.‬
                                                                         ‫والقلب الميت القاسى: ال يقبله وال ينقاد له.‬
 ‫والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم.‬
   ‫فما يلقيه الشيطان فى األسماع من األلفاظ، وفى القلوب من الشبه والشكوك: فيه فتنة لهذين القلبين،‬
                                                           ‫د‬
‫وقوة للقلب الحى السليم. ألنه ير ّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق فى خالفه، فيخبت للحق قلبه‬
  ‫ويطمئن وينقاد، ويعلم بطالن ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة‬
‫له. فال يزال القلب المفتون فى مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فال يضره ما يلقيه‬
                                                                                                                 ‫الشيطان أبدا.‬
                                        ‫قال حذيفة بن اليمان رضى اهلل عنه: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى‬

‫(2/5)‬




                                                                                                             ‫عليه وآله وسلم:‬
‫أ رب نك ْ ف ن ة ْد ء وَى‬                            ‫ع د ع د َى‬               ‫ح‬       ‫ُ َض ف ن عل قل ب َ ْ‬
‫"تعْر ُ الْ ِتَ ُ ََى ال ُُو ِ كَعرضِ الْ َصِيرِ ُو ًا ُو ًا. فَأ ُّ قَلْبٍ ُش ِ َهَا ُ ِتَت ِيه ُكْتَ ٌ سَو َا ُ، َأ ُّ‬
                                     ‫بن ب‬                  ‫َ نك ف ن ة ب ء َت ع قل ب ع‬
                                     ‫قَلْبٍ أَنْكرَهَا ُ ِتَتْ ِيهِ ُكْتَ ٌ َيْضا ُ، ح َّى تَ ُودَ الْ ُُو ُ َلَى قَلْ َيْ ِ: قَلْ ٍ‬

‫(2/3)‬
    ‫أ ْرب م و ه‬              ‫ا و ي ِر م ك إ‬               ‫ي ْ ِف م‬       ‫و ُ ب د ك م َخ‬
   ‫ص -11- أَسْ َد مرْ َا ًا كال ُوزِ ُج ِّيًا. ال َعر ُ َعْروفً َال ُنْك ُ ُنْ َراً، ِال مَا ُش ِ َ ِنْ هَ َا ُ،‬
                                                          ‫ُره ف ة د م الس ت و ْض‬                           ‫ي‬            ‫َ‬
                                                        ‫وقَلْبٍ أَبْ َض ال تَض ُّ ُ ِتْنَ ٌ مَا َا َتِ َّماوا ُ َاألر ُ".‬
                                                                                                    ‫فشبه عرض الفتن على‬

‫(2/7)‬




   ‫ص -21- القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهى طاقاتها شيئا فشيئا، وقسم القلوب عند‬
    ‫عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه‬
      ‫نكتة سوداء، فال يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز‬
‫مجخيا" أى مكبوبا منكوسا، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين اآلفتين مرضان خطران متراميان‬
   ‫به إلى الهالك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فال يعرف معروفا، وال ينكر منكرا، وربما‬
    ‫استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة،‬
   ‫والحق باطال والباطل حقا، الثانى: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                                                                                       ‫وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له.‬
‫وقلب أبيض قد أشرق فيه نور اإليمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها،‬
                                                                                             ‫فازداد نوره وإشراقه وقوته.‬
    ‫والفتن التى تعرض على القلوب هى أسباب مرضها، وهى فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغى‬
     ‫والضالل، فتن المعاصى والبدع، فتن الظلم والجهل فاألولى توجب فساد القصد واإلرادة، والثانية‬
                                                                                              ‫توجب فساد العلم واالعتقاد.‬
             ‫وقد قسم الصحابة رضى اهلل تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان:‬
‫"الْقُو ُ أرْ َ َ ٌ: قَلْ ٌ أَجر ُ، ِيهِ س َا ٌ يزْ ِ ُ، فذَلِك قَلْ ُ ال ُؤْ ِ ِ، وقَلْ ٌ أَغْل ُ، َذلِك قَلْ ُ ال َاف ِ، و َلْ ٌ‬
‫ل ب َ بعة ب ْ َد ف ِر ج ُ هر َ َ ب م من َ ب ف ف َ ب ك ِر َق ب‬
   ‫م ك س ف ل َ ب م فق َ َ ثم َر و َر ُم عمى َ ب ُده َاد ن َادة إ ن و َادة‬
   ‫َنْ ُو ٌ، َذِك قَلْ ُ ال ُنا ِ ِ، عرفَ َّ أَنْك َ، َأبْص َ ث َّ َ ِ َ، وقَلْ ُ تَم ُّ ُ م َّتَا ِ: م َّ ُ ِيمَا ٍ، َم َّ ُ‬
                                                                                            ‫ع همه‬                      ‫ق ه‬
                                                                                       ‫نِفَا ٍ، وَ ُوَ لما غَلَبَ َلَيْ ِ ِنْ ُمَا".‬
    ‫فقوله "قلب أجرد" أى متجرد مما سوى اهلل ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج‬
                                            ‫يزهر" وهو مصباح اإليمان: فأشار بتجرده إلى سالمته من شبهات‬

‫(2/1)‬
 ‫ص -31- الباطل وشهوات الغى، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم واإليمان.‬
          ‫وأشار بالقلب األغلف إلى قلب الكافر؛ ألنه داخل فى غالفه وغشائه، فال يصل إليه نور العلم‬
                                                                           ‫واإليمان، كما قال تعالى، حاكيا عن اليهود:‬
                                                                         ‫َ ل قل ب غ ْف‬
      ‫{وقَاُوا ُُو ُنَا ُل ٌ} [البقرة: 11]. وهو جمع أغلف، وهو الداخل فى غالفه، كقلف وأقلف، وهذه‬
   ‫الغشاوة هى األكنة التى ضربها اهلل على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهى‬
‫أكنة على القلوب ووقر فى األسماع، وعمى فى األبصار، وهى الحجاب المستور عن العيون فى قوله‬
                                                                                                                            ‫تعالى:‬
 ‫{ َإذَا ق َأْتَ الْقرْآنَ َ َلْنَا َيْنَكَ َ َيْنَ ال ِينَ ال ُؤْ ِ ُو َ بِاآلخرَةِ حِجابً َسُْو ًا وَ َ َلْنَا َلَى ُُوبهمْ َك َّ ً‬
 ‫ا م ت ر جع ع قل ِ أ ِنة‬                              ‫ِ‬      ‫ي من ن‬           ‫جع ب وب َّذ‬                        ‫ُ‬        ‫و َر‬
                                                                      ‫نِ َ ا‬           ‫ه ه َف‬
         ‫أَنْ يَفْقَ ُو ُ و ِى آذَا ِهمْ وقْرً} [اإلسراء: 54-34]. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد‬
                                                                                                       ‫ل‬
                                                                           ‫المتابعة، وّى أصحابها على أدبارهم نفورا.‬
                                   ‫وأشار بالقلب المنكوس- وهو المكبوب- إلى قلب المنافق، كما قال تعالى:‬
                                               ‫ُ ْ ف من ف َ ف ن و هلل َ سه ب سب‬
‫{فمَا لَكم ِى ال ُ َا ِقين ِئَتَيْ ِ َا ُ أرْكَ َ ُمْ ِمَا كَ َ ُوا} [النساء: 11]. أى نكسهم وردهم فى الباطل الذى‬
     ‫كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالى‬
                                                                ‫أصحابه، والحق باطالً ويعادى أهله، فاهلل المستعان.‬
     ‫وأشار بالقلب الذى له مادتان إلى القلب الذى لم يتمكن فيه اإليمان ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم‬
  ‫يتجرد للحق المحض الذى بعث اهلل به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خالفه، فتارة يكون للكفر‬
                     ‫أقرب منه لإليمان، وتارة يكون لإليمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع.‬

‫(2/8)‬




                                                                    ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                                              ‫الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب‬

‫(3/1)‬
                                                                  ‫ص -41- الباب الثانى: فى ذكر حقيقة مرض القلب‬
   ‫لي ع‬                               ‫ف قل ِ م َ ٌ َز ُم هلل مر ا‬
  ‫قال اهلل تعالى عن المنافقين { ِى ُُوبهمْ َرض ف َادَه ُ ا ُ َ َضً} [البقرة: 01]، وقال تعالى {ِ َجْ َل‬
‫مَا ُلْ ِى َّيْطَان ِتْنَةً ِل ِينَ ِى ُُوب ِمْ َر ٌ} [الحج: 35]، وقال تعالى {يَا ِساءَ َّب ِّ لَسْت َّ كَأَ َد ِ َ‬
‫ن الن ِى ُن ح من‬                                               ‫ي ق الش ُ ف لّذ ف قل ه م َض‬
  ‫َلن‬                             ‫َّذ ف به َ َض‬                ‫ِْ ي‬               ‫ض‬           ‫س إ ت ت َّ‬
  ‫الن َاءِ ِنِ ا ّقَيْ ُن فَال تَخْ َعْنَ بِالْقَول فَ َطْمَعَ ال ِى ِى قَلْ ِ ِ مر ٌ} [األحزاب:23]، أمرهن أن ال ي َّ‬
‫فى كالمهن، كما تلين المرأة المعطية الليان فى منطقها، فيطمع الذى فى قلبه مرض الشهوة، ومع ذلك‬
   ‫م ق ن‬                    ‫َ‬                                                                    ‫ن‬
   ‫فال يخش ّ فى القول بحيث يلتحق بالفحش، بل يقلن قوال معروفا، وقال تعالى {لَئنْ لمْ ينْتَهِ ال ُنَافِ ُو َ‬
       ‫وم‬                                ‫و َّذ َ قل ِ َ َض و ُ ف َ ف م ة ن رين ه‬
      ‫َال ِين فى ُُوبهمْ مر ٌ َالمرْجِ ُون ِى ال َدينَ ِ لَ ُغْ ِ َّكَ ب ِم} [األحزاب: 03]، وقال تعالى { َ َا‬
        ‫ر لي ق ذ أ ت ك ب‬                                    ‫ح الن إ م ئ و جع ِد ُ إ ف ة لّذ‬                                             ‫جع‬
        ‫َ َلْنَا أَصْ َابَ َّارِ ِال َال ِكَةً َمَا َ َلْنَا ع َّتَهمْ ِال ِتْنَ ً ِل ِينَ كَفَ ُوا ِ َسْتَيْ ِنَ ال ِينَ ُو ُوا الْ ِتَا َ‬
    ‫ّذ أ ت ك و م من ن ول ق ّذ َ قل ِ َ َض‬                                          ‫و َ ْد ذ من إ ا و َ‬
    ‫َيز َادَ ال ِينَ آ َُوا ِيمَانً َال يرْتَابَ ال ِينَ ُوُوا الْ ِتَابَ َال ُؤْ ِ ُو َ َِي ُولَ ال ِين فى ُُوبهمْ مر ٌ‬
                                                                                    ‫و ك ِر ن م ذ َر هلل ذ م ال‬
                                                                     ‫َا-لْ َاف ُو َ َا َا أ َادَ ا ُ به َا َثَ ً} [المدثر: 13].‬
‫أخبر اهلل سبحانه عن الحكمة التى جعل ألجلها عدة المالئكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه‬
     ‫خمس حكم: فتنة الكافرين. فيكون ذلك زيادة فى كفرهم وضاللهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى‬
    ‫يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
‫وآله وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد لإليمان من يريد اهلل أن يهديه. وزيادة الذين آمنوا‬
‫بكمال تصديقهم بذلك واإلقرار به، وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال‬
                                                                                                                         ‫تصديقهم به.‬
                                                                                                             ‫فهذه أربعة حكم: فتنة‬

‫(3/2)‬




          ‫الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين، وأهل الكتاب.‬

‫(3/3)‬




          ‫ص -51- والخامسة: حيرة الكافر ومن فى قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول:‬
                                                                                                     ‫م ذ َر هلل ذ م ال‬
                                                                                      ‫{ َا َا أ َادَ ا ُ به َا َثَ ً} [البقرة: 32].‬
                         ‫ا‬      ‫ا‬
   ‫وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرً وجحودً. وقلب يزداد به إيمانا‬
    ‫وتصديقا، وقلب يتيقنه، فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجب له حيرة وعمى، فال يدرى ما يراد به.‬
  ‫واليقين وعدم الريب فى هذا الموضع، إن رجعا إلى شىء واحد، كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين‬
‫ومؤكدا له، ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه. وإن رجعا إلى شيئين، بأن يكون اليقين راجعا إلى‬
                                              ‫د‬
‫الخبر المذكور عن عدة المالئكة، وعدم الريب عائ ًا إلى عموم ما أخبر الرسول به، لداللة هذا الخبر‬
    ‫الذى ال يعلم إال من جهة الرسل على صدقه، فال يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد صدق‬
                                                        ‫الرسول صلى اهلل عليه وآله وسلم، ظهرت فائدة ذكره.‬
                                                                           ‫والمقصود: ذكر مرض القلب وحقيقته.‬
          ‫ُّد ر هد َ مة‬               ‫ةم رك و ء ف‬                            ‫ء ُ‬           ‫َي الن ُ‬
          ‫وقال تعالى {يَا أُّها َّاس قَدْ جَا َتْكمْ مَوْعِظَ ٌ ِنْ َب ُمْ َشِفَا ٌ لما ِى الص ُو ِ وَ ُ ًى ورَحْ َ ٌ‬
                                                                                                          ‫ل م من ن‬
                                                                                             ‫ِلْ ُؤْ ِ ِي َ} [يونس: 75].‬
   ‫فهو شفاء لما فى الصدور من مرض الجهل والغى، فإن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى. والغى‬
                                     ‫مرض شفاؤه الرشد، وقد نزه اهلل سبحانه نبيه عن هذين الداءين. فقال:‬
                                                              ‫َل حب ُ و و‬                            ‫والن ْ ِذ‬
                                              ‫{ َّجمِ إ َا هَوَى * مَا ض َّ صَا ِ ُكمْ َمَا غَ َى} [النجم: 2،1].‬
   ‫ووصف رسوله صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: " َلَيْكمْ ِ ُ ّ ِى وس َّةِ اَلْخْلَ َا ِ‬
   ‫فء‬              ‫ُن‬     ‫ع ُ بسنت‬
                                                                                         ‫م ْ ِي ن م ب ْد‬           ‫الر ش‬
                                                                                      ‫َّا ِدينَ الْ َهدِّي َ ِنْ َع ِى".‬
     ‫وجعل كالمه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما فى‬
                      ‫الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل:‬

‫(3/4)‬




                                             ‫ذ َل م د ء به َن نه ج وب الد ء ّذ ه َ تل‬
                                           ‫ص -31- ِإ َا ب َّ ِنْ َا ٍ ِ ِ ظ َّ أ ّ ُ نَ َا َ ِهِ َّا ُ ال ِى ُو قَا ُِهْ‬
            ‫هو ء ور مة ل م من ن و يز د ظ م إ س ر‬                                             ‫ون ل م ق‬
‫وقال تعالى { َُنَز ُ ِنَ الْ ُرْآنِ مَا ُ َ شِفَا ٌ َ َحْ َ ٌ ِلْ ُؤْ ِ ِي َ َال َ ِي ُ ال ّال ِينَ ِال خَ َا ًا} [اإلسراء:‬
                                                                                                                      ‫21]‬
                             ‫واألظهر أن "من" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين.‬
                                                            ‫فصل : فى أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب‬
 ‫ولما كان مرض البدن خالف صحته وصالحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعى لفساد يعرض له،‬
     ‫يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية، فإما أن يذهب إدراكه بالكلية كالعمى والصمم والشلل، وإما أن‬
   ‫ينقص إدراكه لضعف فى آالت اإلدراك مع استقامة إدراكه، وإما أن يدرك األشياء على خالف ما‬
                                              ‫هى عليه، كما يدرك الحلو مرا، والخبيث طيبا، والطيب خبيثا.‬
        ‫وأما فساد حركته الطبيعية: فمثل أن تضعف قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو الدافعة أو الجاذبة،‬
‫فيحصل له من األلم بحسب خروجه عن االعتدال، ولكن مع ذلك لم يصل إلى حد الموت والهالك، بل‬
                                                               ‫فيه نوع قوة على اإلدراك والحركة.‬
                                ‫وسبب هذا الخروج عن االعتدال: إما فساد فى الكمية أو فى الكيفية.‬
             ‫فاألول: إما لنقص فى المادة، فيحتاج إلى زيادتها، وإما لزيادة فيها، فيحتاج إلى نقصانها.‬
    ‫والثانى: إما بزيادة الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو اليبوسة، أو نقصانها عن القدر الطبيعى،‬
‫فيداوى بمقتضى ذلك، ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذى، واستفراغ المواد الفاسدة.‬
‫ونظر الطبيب دائر على هذه األصول الثالثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها من أنزله شفاء‬
                                                                                          ‫ورحمة.‬

‫(3/5)‬




     ‫ص -71- فأما حفظ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا فى رمضان، ويقضى‬
         ‫المسافر إذا قدم، والمريض إذا برئ، حفظاً لقوتهما عليهما، فإن الصوم يزيد المريض ضعفا،‬
                               ‫والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر، والصوم يضعفها.‬
 ‫وأما الحمية عن المؤذى: فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد فى الوضوء والغسل،‬
    ‫إذا كان يضره، وأمره بالعدول إلى التيمم، حمية له عن ورود المؤذى عليه من ظاهر بدنه، فكيف‬
                                                                             ‫بالمؤذى له فى باطنه.‬
     ‫وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه سبحانه أباح للمحرم الذى به أذى من رأسه أن يحلقه، فيستفرغ‬
   ‫بالحلق األبخرة المؤذية له، وهذا من أسهل أنواع االستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إليه‬
                                                                                              ‫منه.‬
     ‫وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا، فقال: واهلل لو سافرت إلى الغرب فى معرفة هذه‬
                                                               ‫الفائدة لكان سفرا قليال، أو كما قال.‬
   ‫وإذا عرف هذا، فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو اإليمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية‬
 ‫عن المؤذى الضار، وذلك باجتناب اآلثام والمعاصى، وأنواع المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة‬
  ‫فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات. ومرضه هو نوع فساد يحصل‬
‫له، يفسد به تصوره للحق وإرادته له، فال يرى الحق حقا، أو يراه على خالف ما هو عليه، أو ينقص‬
   ‫إدراكه له، وتفسد به إرادته له، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضار، أو يجتمعان له، وهو‬
   ‫الغالب، ولهذا يفسر المرض الذى يعرض له، تارة بالشك والريب، كما قال مجاهد وقتادة فى قوله‬
                                                                                            ‫تعالى:‬
                                                                           ‫ف قل ه م َض‬
                                                     ‫{ ِى ُُوب ِمْ َر ٌ} [البقرة: 01]. أى شك.‬
                                                    ‫وتارة بشهوة الزنا، كما فسر به قوله تعالى:‬
                                                                 ‫مرض‬            ‫ّذ ف‬          ‫ي‬
                                                 ‫{فَ َطْمَعَ ال ِى ِى قَلْبهِ َ َ ٌ} [األحزاب: 23].‬

‫(3/3)‬




                                       ‫ص -11- فاألول مرض الشبهة، والثانى مرض الشهوة.‬
‫والصحة تحفظ بالمثل والشبه، والمرض يدفع بالضد والخالف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده،‬
                                            ‫والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده.‬
  ‫ولما كان البدن المريض يؤذيه ما ال يؤذى الصحيح: من يسير الحر، والبرد، والحركة، ونحو ذلك،‬
 ‫فكذلك القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شىء: من الشبهة أو الشهوة، حيث ال يقدر على دفعهما إذا‬
                 ‫وردا عليه، والقلب الصحيح القوى يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته.‬
 ‫وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى التلف، ما لم‬
                                        ‫يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه.‬

‫(3/7)‬




                                               ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                ‫الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية‬
                        ‫الباب الثالث: فى انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبيعية، وشرعية‬
 ‫مرض القلب نوعان: نوع ال يتألم به صاحبه فى الحال، وهو النوع المتقدم، كمرض الجهل، ومرض‬
‫الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات. وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما، ولكن لفساد القلب ال يحس‬
‫باأللم، وألن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك األلم، وإال فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو‬
     ‫متوار عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما. وعالجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم‬
                                                                                                   ‫أطباء هذا المرض.‬
 ‫والنوع الثانى: مرض مؤلم له فى الحال، كالهم والغم والحزن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية‬
   ‫طبيعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك األسباب، ويدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن‬
 ‫القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب،‬
                                                                                                      ‫ويشقيه ما يشقيه.‬

‫(4/1)‬




 ‫ص -81- فأمراض القلب التى تزول باألدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد ال توجب‬
  ‫وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت. وأما أمراضه التى ال تزول إال باألدوية اإليمانية النبوية فهى التى‬
‫توجب له الشقاء والعذاب الدائم، إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك األدوية حصل‬
                                         ‫ع ُو‬
   ‫له الشفاء، ولهذا يقال "شفى غيظه" فإذا استولى عليه َد ُّه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه،‬
                                                                                                              ‫قال تعالى:‬
  ‫َ قل ِ‬        ‫ْم م م وي ه‬                ‫ل ُ يع ُم هلل د ك ي ِ وي ص ُ ع ِ وي ْف ُد‬
‫{قَاتُوهمْ ُ َذبْه ُ ا ُ بأَي ِي ُمْ وَ ُخزِهمْ َ َنْ ُرْكمْ َلَيْهمْ َ َش ِ ص ُورَ قَو ٍ ُؤْ ِنينَ َ ُذْ ِبْ غَيْظ ُُوبهمْ‬
                                                                                      ‫ويت ب هلل عل م ي ء‬
                                                                    ‫َ َُو ُ ا ُ ََى َنْ َشَا ُ} [التوبة: 41-51].‬
                                                                  ‫فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.‬
 ‫فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه فى شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا‬
    ‫من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه،‬
                                                                     ‫أ‬
   ‫ويوجب له أمراضا ُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتى إن شاء اهلل تعالى، وكذلك الغم والهم‬
    ‫والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب‬
‫وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هى أصعب‬
                                                                                                                 ‫وأخطر.‬
 ‫وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم ال تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه‬
   ‫بتلك العلوم، وهى فى الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك األلم‬
‫الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التى هى شرط فى صحته وبرئه، وقال النبى صلى اهلل تعالى‬
        ‫عليه وآله وسلم فى الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتى بفتواهم "قتلوه، قتلهم اهلل، أال سألوا إذ لم‬
                           ‫يعلموا؟ فإنما شفاء العى السؤال"، فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.‬
                ‫وكذلك الشاك فى الشىء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان‬
‫(4/2)‬




 ‫ص -02- ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو‬
               ‫كذلك يضيق بالجهل والضالل عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال اهلل تعالى:‬
     ‫ضّه ي َ َ ْره َي ا َ ا أ ا‬                     ‫م وم ُر‬          ‫َْ ه ل‬     ‫م ُر هلل ي يه ي ر‬
     ‫{فَ َنْ ي ِدِ ا ُ أَنْ َهد َ ُ َشْ َحْ صدرَ ُ ِإلسْال ِ َ َن ي ِدْ أَنْ ي ِل ُ َجْعلْ صد َ ُ ض ِّقً حرَجً كَنمَ‬
                                                                                                  ‫َص َّ ُ ف س ء‬
                                                                                 ‫ي َّعد ِى ال َّما ِ} [األنعام: 521].‬
                                      ‫وسيأتى ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعالجه، إن شاء اهلل تعالى.‬
         ‫والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول باألدوية الطبيعية. ومنها ما ال يزول إال باألدوية‬
                      ‫الشرعية اإليمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.‬

‫(4/3)‬




                                                               ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


  ‫الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقة مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر (وفتنة) فيه‬
     ‫الباب الرابع: فى أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه‬
  ‫أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حى ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله،‬
    ‫م ل ُ ف الظلم ت‬        ‫نس‬           ‫وم ن م ً ي ه جع ه ن ر ي ش ب‬
    ‫قال اهلل تعالى: {أَ َ َنْ كَا َ َيْتا فَأَحْ َيْنَا ُ وَ َ َلْنَا لَ ُ ُو ًا َمْ ِى ِهِ فى ال ّا ِ كَمن َثَُه ِى ُُّ َا ِ‬
                                                                                                        ‫س رج م‬
                                                                                  ‫لَيْ َ بخَا ِ ٍ ِنْهَا} [األنعام: 221].‬
  ‫فجمع بين األصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته‬
   ‫وصبره، وسائر أخالقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه‬
‫الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته فى نفسه،‬
    ‫فالقلب الصحيح الحى إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخالف‬
    ‫القلب الميت، فإنه ال يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل تعالى عنه:‬
                                              ‫"هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر".‬

‫(5/1)‬
  ‫ص -12- وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة‬
                                                                                                             ‫المرض وضعفه.‬
‫ح ن‬
‫وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هى عليه، فاستبان ُسْ َ‬
  ‫الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين األصلين فى مواضع‬
                                                                                                       ‫من كتابه. فقال تعالى:‬
     ‫ن و ك جع ه ن ر ْد‬                         ‫ك بو‬              ‫ح إ ر م ْر م ك َ ر‬                                      ‫وك ل‬
 ‫{ َ َذِكَ أَوْ َيْنَا ِلَيْكَ ُوحاً ِنْ أَم ِنَا َا ُنْتَ تدْ ِى مَا الْ ِتَا ُ َال اإليمَا ُ َل ِنْ َ َلْنَا ُ ُو ًا نَه ِى به‬
                                                         ‫ِر ط م م‬          ‫ْ ل‬           ‫ء م ع د وإن‬                  ‫م‬
                                          ‫َنْ نَشَا ُ ِنْ ِبَا ِنَا َِ ّكَ لَتَهدِى إَى ص َا ٍ ُسْتَقي ٍ} [الشورى: 25].‬
 ‫فجمع بين الروح الذى يحصل به الحياة، والنور الذى يحصل به اإلضاءة واإلشراق، وأخبر أن كتابه‬
 ‫الذى أنزله على رسوله صلى اهلل عليه وآله وسلم متضمن لألمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور‬
                                                                                   ‫تستضىء وتشرق به، كما قال تعالى:‬
   ‫رج م ه‬                    ‫الن س م م ُ ف الظ م‬              ‫ي ه جع ه ن ر ي ش ب‬                               ‫وم ن ت‬
 ‫{أَ َ َنْ كَا َ ميْ ًا فَأَحْ َيْنَا ُ وَ َ َلْنَا لَ ُ ُو ًا َمْ ِى ِهِ فى َّا ِ كَ َنْ َثَله ِى ُّل َاتِ لَيْسَ بِخَا ِ ٍ ِنْ َا}‬
                                                                                                               ‫[األنعام: 221].‬
                                                         ‫ً‬
   ‫أى أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورا فى ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه لإليمان، وجعلنا‬
  ‫قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيراً بعد ظلمته؟ فجعل الكافر النصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته،‬
 ‫وتوحيده وشرائع دينه، وترك األخذ بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة‬
‫الميت الذى ال ينفع نفسه بنافعة، وال يدفع عنها من مكروه، فهديناه لإلسالم وأنعشناه به، فصار يعرف‬
 ‫مضار نفسه ومنافعها، ويعمل فى خالصها من سخط اهلل تعالى وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه،‬
   ‫وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضىء به، فيمشى بنوره‬
                                                                           ‫بين الناس، وهم فى سدف الظالم، كما قيل:‬
                                                                          ‫ر‬        ‫و ه م ْرق و مه الن‬
                                                                         ‫لَيْلى بِ َجْ ِكَ ُش ِ ٌ َظَال ُ ُ فى َّاسِ سَا ِى‬

‫(5/2)‬




                                                                      ‫ن ر‬          ‫و ُف ض‬          ‫ظ‬      ‫الن س س ُ‬
                                                                      ‫َّا ُ فى ُدفِ ال ّال م َنَحْن ِى َوْءِ الّهَا ِ‬
                                       ‫ولهذا يضرب اهلل سبحانه وتعالى المثلين المائى والنارى لوحيه ولعباده.‬
     ‫م الس ْ ُ ز َد‬         ‫ْدية َد ه‬                     ‫ً‬       ‫َ م السم‬
    ‫أما األول فكما قال فى سورة الرعد {أَنزلَ ِنَ َّ َاءِ مَاء فَسَالَتْ أَو ِ َ ٌ بِق َرِ َا فَاحْتَ َلَ َّيل َب ًا‬
   ‫َا ِيً َم َّا ُو ِ ُونَ َلَيْه ِى ال ّارِ ابْ ِغَاءَ ِلْيةٍ أَوْ َتَاع َب ٌ ِ ُل ُ َذلِ َ يَض ِ ُ ا ُ الحق و ب ِ َ فَم‬
  ‫َّ َالْ َاطل َأ َّا‬ ‫م ٍ ز َد مث ه ك ك رب هلل‬                     ‫ر ب ا و ِم ي قد ع ِ ف ن ت ح‬
                              ‫ك ك ي ْرب هلل‬         ‫يك ُف َ‬             ‫ز َ ُ هب ج ء وَم ي ع الن‬
    ‫ال ّبد فيذْ َ ُ ُفَا ً َأ َّا مَا َنْفَ ُ َّاسَ فَ َمْ ُث ِى األرْضِ َذلِ َ َض ِ ُ ا ُ األَمْثَالَ} [الرعد: 71].‬

‫(5/3)‬




‫ص -22- فضرب لوحيه المثل بالماء، لما يحصل به من الحياة، وبالنار لما يحصل بها من اإلضاءة‬
  ‫واإلشراق، وأخبر سبحانه أن األودية تسيل بقدرها، فواد كبير يسع ماء كثيراً، وواد صغير يسع ماء‬
                                  ‫ا‬
  ‫قليال. كذلك القلوب مشبهة باألودية، فقلب كبير يسع علما كثيرً، وقلب صغير إنما يسع بقدره. وشبه‬
    ‫ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات، بسبب مخالطة الوحى لها، وإمارته لما فيها من ذلك، بما‬
        ‫يحتمله السيل من الزبد. وشبه بطالن تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها، بذهاب ذلك الزبد،‬
‫وإلقاء الوادى له، وإنما يستقر فيه الماء الذى به النفع. وكذلك فى المثل الذى بعده: يذهب الخبث الذى‬
                                                                                      ‫فى ذلك الجوهر، ويستقر صفوه.‬
                                                     ‫وأما ضرب هذين المثلين للعباد، فكما قال فى سورة البقرة:‬
‫ُ ص ون‬           ‫ه ه هلل ِن ِ و ر ه ْ ف ظلم‬                             ‫ْ َد ر َم ض ء‬                       ‫م ل ُ مَ ّ‬
‫{ َثَُهمْ كَ َثلِ الذِى اسْتَوق َ نَا ًا فَل َّا أَ َا َتْ مَا حَوْلَ ُ ذَ َبَ ا ُ ب ُورِهمْ َتَ َكَ ُم ِى ُُ َاتٍ ال يبْ ِر ُ َ‬
‫ُم ُكْ ٌ ُمْ ٌ فَهمْ ال يرْ ِ ُو َ} [البقرة: 71-11].فهذا المثل النارى ثم قال {أَوْ كَصي ٍ ِنَ َّ َاءِ ِي ِ‬
‫ب م السم ف ه‬                                                            ‫َ جع ن‬          ‫ص بمعى ُ‬
                            ‫م ت‬           ‫َ‬      ‫ن ِ م الصو‬          ‫ظلم ت َر ْد و َ ق ي عل ص بع ُ ْ ف‬
             ‫ُُ َا ٌ و َع ٌ َبرْ ٌ َجْ َُونَ أَ َا ِ َهم ِى آذَا ِهمْ ِنَ َّ َاعِقِ حذَرَ الْ َوْ ِ} [البقرة: 81].‬
                                                                                                         ‫فهذا المثل المائى.‬
     ‫وقد ذكرنا الكالم على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم فى كتاب المعالم وغيره.‬
                   ‫والمقصود: أن صالح القلب وسعادته وفالحه موقوف على هذين األصلين. قال تعالى:‬
                                                              ‫إ ه إ ذ ْر َ ُر ن مب ن لي ْ ِر م ن ح‬
                                              ‫{ِنْ ُوَ ِال ِك ٌ وق ٌآ ٌ ُ ِي ٌ ِ ُنذ َ َنْ كَا َ َيا} [يس: 83-07].‬
        ‫فأخبر أن االنتفاع بالقرآن واإلنذار به إنما يحصل لمن هو حى القلب، كما قال فى موضع آخر:‬
                                                                             ‫ُ ب‬                         ‫َ‬        ‫إّف‬
                                                                   ‫{ِن ِى ذلِكَ لذِكرَى لمنْ كَانَ لَه قَلْ ٌ} [ق: 73].‬
                                ‫ي يك‬          ‫هلل وِلرس ذ د ُ‬                      ‫َيه ال ن من‬
              ‫وقال تعالى {يَا أُّ َا َّذي َ آ َُوا اسْتَجيبوا ِ َل َّ ُولِ إ َا َعَاكمْ لما ُح ِي ُمْ} [األنفال: 42].‬
                                                                         ‫فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هى بما‬

‫(5/4)‬
                        ‫يدعونا إليه اهلل والرسول من العلم واإليمان. فعلم أن موت القلب وهالكه بفقد ذلك.‬
     ‫وشبه سبحانه من ال يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه، فإن أبدانهم قبور‬
                                                     ‫لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت فى أبدانهم. فقال اهلل تعالى:‬
                                                       ‫بم ع م ْ ف قب ر‬                      ‫إن ي مع م ي ء و‬
                                          ‫{ َّ اهللَ ُسْ ِ ُ َنْ َشَا ُ َمَا أَنْتَ ِ ُسْمِ ٍ َن ِى الْ ُ ُو ِ} [فاطر: 22].‬
                                                                                                              ‫ولقد أحسن القائل:‬

‫(5/5)‬




                                ‫قب ر‬       ‫م ت ل و مه ْ قب‬                                       ‫ْ‬           ‫َف‬
                                ‫ص -32- و ِى الجهلِ قَبلَ الموْتِ َوْ ٌ ألَهِْه َأَجْسَا ُ ُمْْ، قَبلَ ال ُ ُورِ، ُ ُو ُ‬
                                                 ‫ُ َت النش نش ر‬                   ‫و‬      ‫وَ و حه ْ و ة م جس‬
                                                 ‫َأرْ َا ُ ُم فى َحْشَ ٍ ِنْ ُ ُومِهم َلَيْسَ لَهمْ ح َّى ُّ ُورِ ُ ُو ُ‬
                                        ‫ولهذا جعل سبحانه وحيه الذى يلقيه إلى األنبياء روحا، كما قال تعالى:‬
  ‫و ك لك‬                                          ‫ي ق الر م ْ ع م ي ء م ع ه‬
  ‫{ ُلْ ِى ُّوحَ ِنْ أَمرِهِ َلَى َنْ َشَا ُ ِنْ ِبَادِ ِ} [غافر: 51]. فى موضعين من كتابه، وقال { َ َذِ َ‬
                                                                      ‫َر م ر‬                       ‫ح‬
 ‫أَوْ َيْنَا إلَيْك ُوحًا ِنْ أَمْ ِنَا} [الشورى: 25]؛ ألن حياة األرواح والقلوب به، وهذه الحياة الطيبة هى‬
                                                                                     ‫ِ‬
                                                               ‫التى خص بها سبحانه من قَبلَ وحيه، وعمل به فقال:‬
   ‫ه م م ٌ ن ي َنه ح َيبة و ز َنه ْ ُ ب س م ن‬                                                       ‫أ‬        ‫م عم ص ا م َ‬
 ‫{ َنْ َ ِلَ َالحً ِنْ ذَكرٍ أَوْ ُنْثَى وَ ُوَ ُؤْ ِن فَلَ ُحْ ِي َّ ُ َيَاةً ط ِّ َ ً َلَنَجْ ِي َّ ُمْ أَجرَهمْ ِأَح َنِ َا كَا ُوا‬
                                                                                                                      ‫ي مل ن‬
                                                                                                        ‫َعْ َُو َ} [النحل: 78].‬
                                          ‫فخصهم سبحانه وتعالى بالحياة الطيبة فى الدارين، ومثله قوله تعالى:‬
     ‫ل له‬              ‫ُل‬       ‫إ يم ُ مت حس ل َ مس وي‬                                   ‫ف و َب ُ ُم ت‬                   ‫و‬
    ‫{ َأَنِ اسْتَغْ ِر ُا رَّكمْ ث َّ ُوبوا ِلَيْهِ ُ َتعْكمْ َ َاعاً َ َناً إَى أَجلٍ ُ َمى َ ُؤْتِ ك َّ ذِى فَض ٍ فَضَْ ُ}‬
 ‫ْر و ن ْ د ر متق ن‬                   ‫س ة وَد ر ِ‬               ‫الد‬           ‫سن‬         ‫لّذ‬
‫[هود: 3]. ومثله قوله تعالى {ِل ِينَ أَحْ َُوا فى هذِهِ ُّنْيَا ح َنَ ٌ َل َا ُ اآلخرَةِ خَي ٌ َلَ ِعمَ َا ُ الْ ُ ّ ِي َ}‬
                 ‫سن ف ذ الد ي حس ة وَ ْض هلل و سعة‬                         ‫لَّذ‬
   ‫[النحل:03] ومثله قوله تعالى {ِل ِينَ أَحْ َ ُوا ِى ه ِهِ ُّنْ َا َ َنَ ٌ َأر ُ ا ِ َا ِ َ ٌ} [الزمر: 01].‬
   ‫فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه فى الدنيا وفى اآلخرة، كما أخبر أنه يشقى المسىء بإساءته‬
                                                                                              ‫فى الدنيا واآلخرة. قال تعالى:‬
                              ‫م م‬                  ‫وم ْر ع ذ ْر َإن ه مع ة ض ك و شره ي‬
                 ‫{ َ َنْ أَع َضَ َنْ ِك ِى ف َّ لَ ُ َ ِيشَ ً َنْ ًا َنَحْ ُ ُ ُ َومَ الْقيَا َة أَعْ َى} [طه: 421].‬
                                                                                      ‫وقال تعالى، وقد جمع بين النوعين:‬
      ‫ي ِله ي َ َ ْره ض ا َ ا أ م‬                   ‫َ ْ ه لإل م وم ُر‬            ‫ي ديه ي ر‬                   ‫م ُر‬
     ‫{فَ َنْ ي ِدِ اهلل أَنْ َهْ ِ َ ُ َشْ َحْ صدرَ ُ ِ ِسْال ِ َ َنْ ي ِدْ أَنْ ُضَّ ُ َجْعلْ صد َ ُ َيقً حرَجً كََن َا‬
                                                                                                                             ‫ي َّع‬
                                                                                                                         ‫َص َّد فى‬

‫(5/3)‬
                                              ‫عل ّذ َ ي من ن‬               ‫السم ء ك ك ي َل هلل الر‬
                             ‫َّ َا ِ َذلِ َ َجْع ُ ا ُ ِّجْسَ ََى ال ِين ال ُؤْ ِ ُو َ} [األنعام: 521].‬
‫فأهل الهدى واإليمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضالل لهم ضيق الصدر والحرج.‬
                                                                                             ‫وقال تعالى:‬
                                            ‫َ م ر هلل َ ه إل ِ ه عل ن م ْ َبه‬
                              ‫{أفَ َنْ شَ َحَ ا ُ صدْرَ ُ لِ ِسْالم فَ ُوَ ََى ُورٍ ِن ر ِّ ِ} [الزمر: 22].‬
               ‫فأهل اإليمان فى النور وانشراح الصدور، وأهل الضالل فى الظلمة وضيق الصدور.‬
                                  ‫وسيأتى فى باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء اهلل تعالى.‬
             ‫والمقصود: أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه.‬

‫(5/7)‬




                                                    ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


   ‫الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته ال تحصل إال بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له‬
                                                                                               ‫على غيره‬

‫(3/1)‬




‫ص -42- الباب الخامس: فى أن حياة القلب وصحته ال تحصل إال بأن يكون مدركا للحق مريدا له،‬
                                                                                   ‫مؤثرا له على غيره.‬
    ‫لما كان فى القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة اإلرادة والحب. كان كماله وصالحه باستعمال‬
 ‫هاتين القوتين فيما ينفعه، ويعود عليه بصالحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم فى إدراك الحق،‬
 ‫ومعرفته، والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة اإلرادة والمحبة فى طلب الحق ومحبته وإيثاره‬
  ‫على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه. ومن‬
                                                                                 ‫م َم‬
                                                                           ‫عرفه واتبعه فهو ُنْع ٌ عليه.‬
        ‫وقد أمرنا اهلل سبحانه وتعالى أن نسأله فى صالتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم اهلل عليهم غير‬
 ‫المغضوب عليهم وال الضالين، ولهذا كان النصارى أخص بالضالل؛ ألنهم أمة جهل. واليهود أخص‬
        ‫بالغضب؛ ألنهم أمة عناد. وهذه األمة هم المنعم عليهم. ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من‬
  ‫عبادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود؛ ألن النصارى عبدوا بغير‬
                                                                                ‫علم، واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه.‬
        ‫وفى المسند والترمذى من حديث عدى بن حاتم عن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال:‬
                                                                           ‫َال ن‬    ‫يه د م ض ب ع ِ َالنص ر‬
                                                                         ‫"الْ َ ُو ُ َغْ ُو ٌ َلَيْهمْ و َّ َا َى ض ُّو َ".‬
                   ‫وقد جمع اهلل سبحانه بين هذين األصلين فى غير موضع من كتابه، فمنها قوله تعالى:‬
       ‫الد ِذ د ِ ي ج ب ل و ي من ب عل ُ‬                                   ‫َن ِن َر ب أج ب د‬                 ‫عب‬             ‫وإ‬
     ‫{ َِذا سَأَلَكَ ِ َادِى ع ِّى فَإ ِّى ق ِي ٌ ُ ِي ُ َعْوَةَ َّاعِ إ َا َعَان فَلْ َسْتَ ِي ُوا ِى َلْ ُؤْ ُِوا ِى لَ َّهمْ‬
                                                                                                                  ‫َ ُد ن‬
                                                                                                  ‫يرْش ُو َ} [البقرة: 311].‬
        ‫فجمع سبحانه بين االستجابة له واإليمان به. ومنها قوله عن رسوله صلى اهلل عليه وآله وسلم:‬
               ‫و َزر ه و َر ه َاتبع الن ّ أ ْ ِ معه أ ئ ُم م ح ن‬                                      ‫َّذ ن من‬
    ‫{فَال ِي َ آ َ ُوا به َع َّ ُو ُ َنَص ُو ُ و َّ َ ُوا ُّورَ الذِى ُنزلَ َ َ ُ ُول ِكَ ه ُ ال ُفْلِ ُو َ} [األعراف:‬
                                   ‫751] وقال تعالى {آلم ذلِكَ الْ ِتَا ُ ال َيْبَ ِيهِ هدًى ِلْمَّقينَ الذينَ ُؤ ِ ُو َ‬
                                   ‫ي من ن‬               ‫ك ب ر ف ُ ل ٍت‬

‫(3/2)‬




        ‫ك‬          ‫م‬      ‫و أ‬                 ‫وي م الص و ِم َ َ ه ي ق ن و ّذ ي من ن ب أ‬
        ‫بِالْغَيْبِ َ ُقي ُونَ َّالةَ َم َّا رزقْنَا ُمْ ُنْفِ ُو َ َال ِينَ ُؤْ ِ ُو َ َما ُنْزلَ إلَيْكَ َمَا ُنْزلَ ِنْ قَبْلِ َ‬
                                                                                                        ‫خ ُ ي قن ن‬
                                                                                                        ‫وبِاآل ِرةِ همْ ُو ِ ُو َ‬

‫(3/3)‬




                                      ‫هم م لح ن‬                   ‫عل ُد م َبه‬              ‫أ‬
     ‫ص -52- ُولئكَ ََى ه ًى ِنْ ر ِّ ِمْ وأولئِكَ ُ ُ ال ُفِْ ُو َ} [البقرة:1-5]. وقال تعالى فى وسط‬
 ‫م عل ُبه ذو‬               ‫ِر و ئ ة و ك ب والن ِي ن و‬                    ‫َلكن ِر م م هلل و ْ‬
‫السورة: {و َّ الْب َّ َنْ آ َنَ با ِ َالْيَومِ اآلخ ِ َالمال ِكَ ِ َالْ ِتَا ِ َّب ِّي َ َآتى ال َالَ ََى ح ِّ ِ َ ِى‬
                ‫ب وَ الص و ت الز‬                    ‫ُ ب و ي م و مس ك و الس ل َالس ئل ن َ‬
 ‫الْقرْ َى َالْ َتَا َى َال َ َا ِينَ َابْنَ َّبِي ِ و َّا ِِي َ وفَىِ الرقَا ِ َأقَامَ َّالة َآ َى َّكَاةَ...إلى آخر‬
  ‫ف خ إ َّذ من وعمل الص لح ت‬                                   ‫و ع ْ ِن‬
  ‫اآلية} [البقرة: 771] وقال تعالى: { َالْ َصرِ إ َّ اإلنْسَانَ لَ ِى ُسْر ِال ال ِينَ آ َ ُوا َ َ ُِوا َّاِ َا ِ‬
                                                                             ‫ِالص ْر‬       ‫ِالحق و و‬           ‫و‬
                                                             ‫َتَواصَوْا ب ِّ َتَ َاصَوْا ب َّب ِ} [العصر: 1- 3].‬
 ‫فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذى هو زمن األعمال الرابحة والخاسرة، على أن كل واحد فى خسر،‬
   ‫إال من كمل قوته العلمية باإليمان باهلل، وقوته العملية بالعمل بطاعته. فهذا كماله فى نفسه، ثم كمل‬
    ‫غيره بوصيته له بذلك، وأمره إياه به، وبمالك ذلك، وهو الصبر. فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل‬
   ‫الصالح، وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك، ووصيته له بالصبر عليه، ولهذا قال الشافعى رحمه اهلل: لو‬
                                                              ‫فكر الناس فى سورة والعصر، لكفتهم.‬
        ‫وهذا المعنى فى القرآن فى مواضع كثيرة: يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق‬
           ‫واتبعوه، وأهلَ الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه، أو علموه وخالفوه واتبعوا غيره.‬
    ‫وينبغى أن يعرف أن هاتين القوتين ال تتعطالن فى القلب، بل إن استعمل قوته العلمية فى معرفة‬
   ‫الحق وإدراكه، وإال استعملها فى معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته اإلرادية‬
                                  ‫َم‬
 ‫العملية فى العمل به، وإال استعملها فى ضده، فاإلنسان حارث ه َّام بالطبع، كما قال النبى صلى اهلل‬
                                             ‫م ء رث و َم م‬                 ‫ق‬
                                           ‫تعالى عليه وآله وسلم: "أَصْدَ ُ األَسْ َا ِ: حَا ِ ٌ َه َّا ٌ".‬
    ‫فالحارث الكاسب العامل، والهمام المريد، فإن النفس متحركة باإلرادة. وحركتها اإلرادية لها من‬
                                                                                            ‫لوازم ذاتها،‬

‫(3/4)‬




                                                              ‫واإلرادة تستلزم مرادا يكون متصو‬
         ‫َّرا لها، متميزا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده‬
                      ‫تصورت الباطل وطلبته، وأرادته وال بد. وهذا يتبين بالباب الذى بعده. فنقول:‬

‫(3/5)‬




                                                  ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


  ‫الباب السادس: فى أنه ال سعادة للقلب وال لذة وال نعيم وال صالح إال بأن يكون إلهه وفاطره وحده‬
                                                    ‫هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه مما سواه‬

‫(7/1)‬
  ‫ص -32- الباب السادس: فى أنه ال سعادة للقلب، وال لذة، وال نعيم، وال صالح إال بأن يكون اهلل‬
                       ‫هو إلهه وفاطره وحده، وهو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواه.‬
                                                                          ‫حى‬
 ‫معلوم أن كل َ ّ سوى اهلل سبحانه: من ملك أو إنس أو جن أو حيوان، فهو فقير إلى جلب ما ينفعه‬
           ‫ودفع ما يضره، وال يتم ذلك له إال بتصوره للنافع والضار، والمنفعة من جنس النعيم واللذة،‬
                                                                                 ‫والمضرة من جنس األلم والعذاب.‬
 ‫فال بد له من أمرين: أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذى ينتفع به ويلتذ بإدراكه، والثانى:‬
  ‫معرفة المعين الموصل المحصل لذلك المقصود. وبإزاء ذلك أمران آخران، أحدهما: مكروه بغيض‬
                                                         ‫ضار، والثانى: معين دافع له عنه، فهذه أربعة أشياء:‬
        ‫أحدها: أمر هو محبوب مطلوب الوجود. الثانى: أمر مكروه مطلوب العدم. الثالث: الوسيلة إلى‬
                                              ‫حصول المطلوب المحبوب. الرابع: الوسيلة إلى دفع المكروه.‬
                ‫فهذه األمور األربعة ضرورية للعبد، بل ولكل حيوان ال يقوم وجوده وصالحه إال بها.‬
 ‫فإذا تقرر ذلك، فاهلل تعالى هو الذى يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب، الذى يراد وجهه،‬
         ‫ويبتغى قربه، ويطلب رضاه، وهو المعين على حصول ذلك. وعبودية ما سواه وااللتفات إليه،‬
 ‫والتعلق به: هو المكروه الضار، واهلل هو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع لهذه األمور األربعة‬
          ‫دون ما سواه. فهو المعبود المحبوب المراد. وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له.‬
        ‫والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته، وهو المعين لعبده على دفعه عنه، كما قال أعرف‬
              ‫م‬         ‫ك و ع ذ بمع‬                ‫م‬      ‫ع بر‬
            ‫الخلق به صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "أَ ُوذ ِ ِضَاكَ ِنْ سَخَطِ َ، َأَ ُو ُ ِ ُ َافَاتِكَ ِنْ‬

‫(7/2)‬




                                                                               ‫عق ب ك و ع ذ ك م ك‬
                                                                              ‫ص -72- ُ ُو َتِ َ، َأَ ُو ُ بِ َ ِنْ َ"‬
     ‫ك و ت ْر‬                     ‫َج ت و ه إ ك َ َو ت ْ‬                              ‫ت س‬                ‫ُم ِن‬
    ‫وقال: "الله َّ إ ِّى أَسْلَمْ ُ نَفْ ِى إلَيْكَ، وَو َّهْ ُ َجْ ِى ِلَيْ َ، وف َّضْ ُ أَمرِى إلَيْ َ، َأَلْجأْ ُ ظَه ِى‬
                                                    ‫ك‬               ‫م و مج م‬                           ‫ك ر بة َ ب‬
                                                  ‫إلَيْ َ، َغْ َ ً ورَهْ َةً إلَيْكَ، ال َلْجَأَ َال َنْ َى ِنْكَ إال إلَيْ َ".‬
          ‫فمنه المنجى، وإليه الملجأ، وبه االستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فاإلعاذة فعله،‬
                                                            ‫والمستعاذ منه فعله، أو مفعوله الذى خلقه بمشيئته.‬
    ‫فاألمر كله له، والحمد كله له، والملك كله له، والخير كله فى يديه، ال يحصى أحد من خلقه ثناء‬
                                 ‫عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثنى عليه كل أحد من خلقه.‬
                                                       ‫ولهذا كان صالح العبد وسعادته فى تحقيق معنى قوله:‬
                                                                                          ‫عن‬             ‫ِي ك ُد وإي‬
                                                                           ‫{إ َّا َ نَعْب ُ َِ ّاكَ نَسْتَ ِي ُ} [الفاتحة: 5].‬
‫فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب، لكن على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على‬
                                                                                                                 ‫المطلوب.‬
        ‫فاألول: من معنى ألوهيته، والثانى: من معنى ربوبيته، فإن اإلله هو الذى تألهه القلوب: محبة،‬
 ‫وإنابة، وإجالال، وإكراما، وتعظيما، وذال، وخضوعا، وخوفا ورجاء، وتوكال. والرب تعالى هو الذى‬
   ‫يربى عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى مصالحه فال إله إال هو وال رب إال هو، فكما أن ربوبية ما‬
                                                                         ‫سواه أبطل الباطل، فكذلك إلهية ما سواه.‬
                                       ‫وقد جمع اهلل سبحانه بين هذين األصلين فى مواضع من كتابه كقوله:‬
 ‫ب ع ه وك ت وإَ أن ب‬                           ‫وم ْف ق‬                                        ‫ُ ه و وّ ع ه‬
‫{فَاعْبدْ ُ َتَ َكلْ َلَيْ ِ} [هود: 321] وقوله عن نبيه شعيب { َ َا تَو ِي ِى إال ِاهللِ َلَيْ ِ تَ َ ّلْ ُ َِليْهِ ُ ِي ُ}‬
  ‫[هود: 11] وقوله { َتَ َ ّلْ ََى الْح ِّ ال ِى ال َ ُو ُ َسِّحِْ بحمدِ ِ} [الفرقان: 15] وقوله: { َتَ َتلْ َِيْ ِ‬
  ‫و ب ّ إل ه‬                              ‫ه‬          ‫يم ت و َب‬       ‫َى َّذ‬        ‫و وك عل‬
   ‫تَبْتيالً ر ُّ المشْرِ ِ والمغْ ِب ال ِلهَ ِال ُو ف َّخذْ ُ َ ِي ً} [المزمل: 1-8] وقوله {قلْ ُو َ ّى الَ ِل َ‬
   ‫إه‬        ‫ُ ه َ رب‬                         ‫ر ِ إ إ ه َ َات ِ ه وك ال‬                 ‫ق‬         ‫َب‬
                                                                             ‫إ ه ع ه َك ت وإ م ب‬
                                                       ‫ِال ُوَ َلَيْ ِ تَو َّلْ ُ َِلَيْهِ َتَا ِ} [الرعد: 03] وقوله عن‬

‫(7/3)‬




                           ‫صي‬            ‫وإ‬                 ‫َب ع ك وك و‬
          ‫الحنفاءِ أتباع إبراهيم عليه لسالم {ر َّنا َلَيْ َ تَ َ ّلْنَا َإلَيْكَ أنَبْنَا َِلَيْكَ الم ِ ُر} [الممتحنة: 4].‬

‫(7/4)‬




   ‫ص -12- فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين األصلين الجامعين لمعنيى التوحيد اللذين ال سعادة للعبد‬
                                                                                                            ‫بدونهما البتة.‬
        ‫الوجه الثانى: أن اهلل سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، الجامعة لمعرفته واإلنابة إليه ومحبته،‬
‫واإلخالص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته فى اآلخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم،‬
    ‫فال يعطيهم فى اآلخرة شيئا خيراً لهم وال أحب إليهم، وال أقر لعيونهم، وال أنعم لقلوبهم: من النظر‬
        ‫إليه، وسماع كالمه منه بال واسطة. ولم يعطهم فى الدنيا شيئا خيرا لهم وال أحب إليهم، وال أقر‬
                         ‫لعيونهم من اإليمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، واألنس بقربه، والتنعم بذكره.‬
    ‫وقد جمع النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم بين هذين األمرين فى الدعاء الذى رواه النسائى واإلمام‬
   ‫أحمد، وابن حبان فى صحيحه وغيرهم، من حديث عمار ابن ياسر: أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى‬
  ‫عليه وسلم كان يدعو به "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينى ما علمت الحياة خيرا لى،‬
‫وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى، وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الرضى‬
‫والغضب، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيما ال ينفد، وأسألك قرة عين ال تنقطع، وأسألك‬
   ‫الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق‬
                                                                    ‫م ِر‬
   ‫إلى لقائك فى غير ضراء ُض َّة، وال فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة اإليمان، واجعلنا هداة مهتدين".‬
  ‫فجمع فى هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شىء فى الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه، وأطيب‬
                                                   ‫شىء فى اآلخرة، وهو النظر إلى وجهه سبحانه.‬
  ‫ر‬
‫ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر فى الدنيا. ويفتن فى الدين قال: "فى غير ض ّاء‬
                                                                          ‫مضرة وال فتنة مضلة".‬
                  ‫ولما كان كمال العبد فى أن يكون عالما بالحق متبعا له معلماً لغيره، مرشدا له قال:‬
                                                                             ‫ن‬       ‫و ع ُد ة‬
                                                                           ‫" َاجْ َلْنَا ه َا ً مهتدي َ".‬
                                         ‫ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد‬

‫(7/5)‬




  ‫وقوع القضاء ال قبله، فإن ذلك عزم على الرضى، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم، سأل الرضى‬
    ‫بعده، فإن المقدور يكتنفه أمران: االستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه. فمن سعادة العبد أن‬
        ‫يجمع بينهما، كما فى المسند وغيره عنه صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم "إن من سعادة ابن آدم‬
                                                                              ‫استخارة اهلل ورضاه‬

‫(7/3)‬




  ‫ص -82- بما قضى اهلل، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة اهلل، وسخطه بما قضى اهلل تعالى".‬
  ‫ولما كانت خشية اهلل عز وجل رأس كل خير فى المشهد والمغيب، سأله خشيته فى الغيب والشهادة.‬
  ‫ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق فى رضاه، فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل، وقد يدخله‬
                                                                                  ‫ً‬
  ‫أيضا رضاه فى الباطل، سأل اهلل عز وجل من توفيقه لكلمة الحق فى الغضب والرضى. ولهذا قال‬
 ‫بعض السلف: ال تكن ممن إذا رضى أدخله رضاه فى الباطل، وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق.‬
‫ولما كان الفقر والغنى محنتين وبليتين، يبتلى اهلل بهما عبده. ففى الغنى يبسط يده، وفى الفقر يقبضها،‬
                  ‫سأل اهلل عز وجل القصد فى الحالين، وهو التوسط الذى ليس معه إسراف وال تقتير.‬
  ‫ولما كان النعيم نوعين: نوعا للبدن، ونوعا للقلب، وهو قرة العين، وكماله بدوامه واستمراره، جمع‬
                                            ‫بينهما فى قوله "أسألك نعيما ال ينفد، وقرة عين ال تنقطع".‬
‫ولما كانت الزينة زينتين: زينة البدن، وزينة القلب، وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا،‬
        ‫وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه فى العقبى، سأل ربه الزينة الباطنة فقال: " ِّنا ِ ِي َ ِ‬
        ‫زي بز نة‬
                                                                                             ‫ن‬
                                                                                           ‫اإليمَا ِ".‬
 ‫ولما كان العيش فى هذه الدار ال يبرد ألحد كائنا من كان، بل هو محشو بالغصص والنكد، ومحفوف‬
                                                ‫باآلالم الباطنة والظاهرة، سأل برد العيش بعد الموت.‬
                    ‫والمقصود: أنه جمع فى هذا الدعاء بين أطيب ما فى الدنيا، وأطيب ما فى اآلخرة.‬
     ‫فإن حاجة العباد إلى ربهم فى عبادتهم إياه وتألههم له، كحاجتهم إليه فى خلقه لهم، ورزقه إياهم،‬

‫(7/7)‬




           ‫ص -03- ومعافاة أبدانهم، وستر عوراتهم، وتأمين روعاتهم، بل حاجتهم إلى تألهه ومحبته‬
    ‫وعبوديته أعظم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم. وال صالح لهم وال نعيم وال فالح وال لذة وال‬
                                                                              ‫سعادة بدون ذلك بحال‬
    ‫ولهذا كانت "ال إله إال اهلل" أحسن الحسنات، وكان توحيد اإللهية رأس األمر، وأما توحيد الربوبية‬
  ‫الذى أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكالم فى كتبهم، فال يكفى وحده، بل هو الحجة عليهم، كما‬
        ‫بين ذلك سبحانه فى كتابه الكريم فى عدة مواضع، ولهذا كان حق اهلل على عباده أن يعبدوه وال‬
‫يشركوا به شيئا، كما فى الحديث الصحيح الذى رواه معاذ بن جبل رضى اهلل عنه عن النبى صلى اهلل‬
  ‫تعالى عليه وسلم قال: "أتدرى ما حق اهلل على عباده؟ قلت: اهلل ورسوله أعلم، قال: حقه على عباده‬
 ‫أن يعبدوه وال يشركوا به شيئا. أتدرى ما حق العباد على اهلل إذا فعلوا ذلك؟ قلت: اهلل ورسوله أعلم،‬
  ‫قال: حقهم عليه أن ال يعذبهم بالنار"، ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم،‬
‫كما أن فى ذلك أعظم لذة العبد وسعادته ونعيمه، فليس فى الكائنات شىء غير اهلل سبحانه يسكن القلب‬
    ‫إليه، ويطمئن به ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه، ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة‬
        ‫ولذة، فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن‬
                          ‫السماوات واألرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى:‬
                                                                      ‫َد‬               ‫َ ف هم لهة‬
                                                  ‫{لَوْ كان ِي ِ َا آِ َ ٌ إال اهلل لَفَس َتَا} [األنبياء: 22].‬
‫فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير اهلل تعالى فسد فسادا ال يرجى صالحه إال بأن يخرج ذلك المعبود‬
 ‫من قلبه، ويكون اهلل تعالى وحده إلهه ومعبوده الذى يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه.‬
  ‫الوجه الثالث: أن فقر العبد إلى أن يعبد اهلل سبحانه وحده ال يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به،‬
                  ‫ولكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس، فيقاس بها،‬

‫(7/1)‬




 ‫ولكن بينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وال صالح له إال بإلهه الحق الذى ال إله إال‬
  ‫هو، فال يطمئن إال بذكره، وال يسكن إال بمعرفته وحبه، وهو كادح إليه كدحا فمالقيه، وال بد له من‬
   ‫لقائه، وال صالح له إال بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه، ولو حصل له من اللذات والسرور‬
‫بغيره ما حصل فال يدوم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا فى‬
                                                   ‫حال، وبهذا فى حال، وكثيرا ما يكون ذلك الذى‬

‫(7/8)‬




 ‫ص -13- يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته. وأما إلهه الحق فال بد له منه فى كل وقت وفى‬
        ‫كل حال، وأينما كان فنفس اإليمان به ومحبته وعبادته وإجالله وذكره هو غذاء اإلنسان وقوته،‬
 ‫وصالحه وقوامه، كما عليه أهل اإليمان، ودلت عليه السنة والقرآن، وشهدت به الفطرة والجنان، ال‬
                                          ‫ب‬
 ‫كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان، و ُخِس حظه من اإلحسان: إن عبادته وذكره وشكره‬
   ‫تكليف ومشقة، لمجرد االبتالء واالمتحان، أو ألجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة‬
 ‫باألثمان، أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان، كما فى مقاالت من‬
           ‫ب‬                                                                             ‫ب‬
 ‫ُخِسَ حظه من معرفة الرحمن، وقل نصيبه من ذوق حقائق اإليمان، وفرح بما عنده من ز َدَ األفكار‬
                                                                                        ‫ز‬
   ‫و ُبالة األذهان، بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين اإلنسان، وأفضل لذة للروح والقلب‬
                  ‫والجنان، وأطيب نعيم ناله من كان أهال لهذا الشان، واهلل المستعان، وعليه التكالن.‬
        ‫وليس المقصود بالعبادات واألوامر المشقة والكلفة بالقصد األول، وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا فى‬
                                               ‫بعضها، ألسباب اقتضته البد منها، هى من لوازم هذه النشأة.‬
        ‫فأوامره سبحانه، وحقه الذى أوجبه على عباده، وشرائعه التى شرعها لهم هى قرة العيون ولذة‬
 ‫القلوب، ونعيم األرواح وسرورها، وبها شفاؤها وسعادتها وفالحها، وكمالها فى معاشها ومعادها، بل‬
                             ‫ال سرور لها وال فرح وال لذة وال نعيم فى الحقيقة إال بذلك، كما قال تعالى:‬
 ‫{يَا أُّ َا َّاس قدْ َا َتْكمْ َوْعِظَ ٌ ِنْ رِّكمْ َشِفَا ٌ ل ِا ِى الص ُو ِ وَه ًى و َحم ٌ ِلْ ُؤْ ِ ِين قلْ ِفضْ ِ‬
 ‫ُّد ر ُد َر ة ل م من َ ُ ب ل‬                      ‫ة م َب ُ و ء م ف‬                   ‫َيه الن ُ َ ج ء ُ م‬
                                                   ‫ع ن‬       ‫وب ت ب َ ْ ح هو ي ِم‬
                                  ‫اهللِ َ ِرحم ِه فَ ِذلِك فَلْيَفرَ ُوا ُ َ خٌَر م َّا يجم ُو َ} [يونس: 75- 15].‬
         ‫قال أبو سعيد الخدرى "فضل اهلل: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله" وقال هالل بن يساف‬
     ‫"باإلسالم الذى هداكم إليه. وبالقرآن الذى علمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة"‬
                                                                                                                ‫وكذلك‬

‫(7/01)‬




    ‫قال ابن عباس والحسن وقتادة "فضله: اإلسالم، ورحمته: القرآن" وقالت طائفة من السلف "فضله:‬
                                                                                       ‫القرآن، ورحمته: اإلسالم".‬
      ‫والتحقيق: أن كال منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما األمران اللذان امتن اهلل بهما على‬
                                                                               ‫رسوله عليه الصالة والسالم فقال:‬
                           ‫ك ب و إل ن‬                    ‫ر م ْر م ك َ ر‬                                 ‫ح‬        ‫وك ل‬
            ‫{ َ َذِكَ أَوْ َيْنَا إلَيْكَ ُوحاً ِنْ أَم ِنَا َا ُنْتَ تدْ ِى مَا الْ ِتَا ُ َال ا ِيمَا ُ} [الشورى: 25].‬
                             ‫واهلل سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب واإليمان. ووضع من وضع بعدمهما.‬

‫(7/11)‬




                                          ‫ص -23- فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفا فى القرآن كقوله:‬
                           ‫إ و ع‬             ‫ن ِّف‬                             ‫ِال و عه‬             ‫ي َلف هلل‬
       ‫{ال ُكِّ ُ ا ُ نَفْساً إ َّ ُسْ َ َا} [البقرة: 312] وقوله: {ال ُكَل ُ نَفْساً ِال ُسْ َهَا} [األنعام: 251].‬
    ‫قيل: نعم، إنما جاء ذلك فى جانب النفى، ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط، بل‬
                        ‫سماها روحا ونورا، وشفاء وهدى ورحمة، وحياة، وعهدا، ووصية، ونحو ذلك.‬
       ‫الوجه الرابع: أن أفضل نعيم اآلخرة وأجله وأعاله على اإلطالق هو النظر إلى وجه الرب جل‬
   ‫جالله، وسماع خطابه، كما فى صحيح مسلم عن صهيب رضى اهلل عنه عن النبى صلى اهلل تعالى‬
   ‫عليه وآله وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند اهلل موعدا يريد أن‬
                 ‫ي‬
   ‫ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، و ُجرنا من النار؟‬
    ‫قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه" وفى حديث‬
                            ‫ى‬
‫آخر: "فال يلتفتون إلى شىء من النعيم ما داموا ينظرون إليه" فبين النب ّ عليه الصالة والسالم أنهم مع‬
   ‫كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم فى الجنة، لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك‬
  ‫أحب إليهم ألن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين، فوق ما يحصل لهم‬
    ‫من التمتع باألكل والشرب والحور العين، وال نسبة بين اللذتين والنعيمين البتة. ولهذا قال سبحانه‬
                                                                                       ‫وتعالى فى حق الكفار:‬
                                      ‫م‬           ‫ل‬       ‫ج ب ن ث ِن ُ‬            ‫َال ِنه ع ْ َب ِ ي مئ‬
                  ‫{ك َّ إ َّ ُمْ َن رِّهمْ َوْ َ ِذٍ لمَحْ ُو ُو َ ُم إَّهمْ لَصاُوا الْجحِي ِ} [المطففين: 51-31].‬
      ‫فجمع عليهم نوعى العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع ألوليائه نوعى‬
    ‫النعيم: نعيم التمتع بما فى الجنة. ونعيم التمتع برؤيته، وذكر سبحانه هذه األنواع األربعة فى هذه‬
                                                                                ‫السورة فقال فى حق األبرار:‬
                                                         ‫عل َر ي ظر ن‬                       ‫ِن ْر ف‬
                                    ‫{إ َّ األَب َارَ لَ ِى نَعِيمٍ ََى األ َائِكِ َنْ ُ ُو َ} [المطففين: 22، 32].‬
                                                                                        ‫ولقد هضم معنى اآلية‬

‫(7/21)‬




    ‫من قال: ينظرون إلى أعدائهم يعذبون، أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم، أو ينظر بعضهم إلى‬
     ‫بعض، وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره، وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم، ضد حال‬
                                                                      ‫الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون.‬
                                                                                   ‫م‬          ‫ل‬       ‫ُم إن ُ‬
                                                                  ‫{ث َّ َّهمْ لَصاُوا الجحِي ِ} [المطففين: 31].‬
‫وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار فى أعدائهم فى الدنيا وسخروا به منهم، بضده فى القيامة، فإن‬
  ‫َال ن‬         ‫وِ ر ُ ْ ل ِن ؤ‬
 ‫الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم: { َإذَا َأَوْهم قَاُوا إ َّ ه ُالءِ لَض ُّو َ}‬
                                                                                                ‫[المطففين: 23]‬

‫(7/31)‬
                                    ‫ْ َّذ ن من م ُف ر ي حك ن‬
    ‫ص -33- فقال تعالى: {فَالْيَومَ ال ِي َ آ َ ُوا ِنَ الْك َّا ِ َضْ َ ُو َ} [المطففين: 43] مقابلة لتغامزهم‬
  ‫وضحكهم منهم، ثم قال: فأطلق النظر، ولم يقيده بمنظور دون منظور، وأعلى ما نظروا إليه وأجله‬
    ‫وأعظمه هو اهلل سبحانه. والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها، وهو أعلى مراتب الهداية، فقابل‬
                                                                                                               ‫بذلك قولهم:‬
                                                                                                ‫ِن ؤ َضال ن‬
                                                                               ‫{إ َّ ه ُالءِ ل ُّو َ} [المطففين: 23].‬
 ‫فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين وال بد، إما بخصوصه، وإما بالعموم واإلطالق،‬
                          ‫ومن تأمل السياق لم يجد اآليتين تحتمالن غير إرادة ذلك، خصوصا أو عموما.‬
                                                                                                                      ‫فصل:‬
                         ‫[فى أن لذة النظر إلى وجه اهلل يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته فى الدنيا]‬
‫وكما أنه ال نسبة لنعيم ما فى الجنة إلى نعيم النظر إلى وجه األعلى سبحانه، فال نسبة لنعيم الدنيا إلى‬
  ‫نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه واألنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم‬
   ‫له، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة. فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب، وأشد محبة له كان التذاذه‬
                                                                                  ‫بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم.‬
 ‫الوجه الخامس: أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع وال ضر، وال عطاء وال منع، وال هدى وال ضالل،‬
 ‫وال نصر وال خذالن، وال خفض وال رفع، وال عز وال ذل، بل اهلل وحده هو الذى يملك له ذلك كله،‬
                                                                                                            ‫قال اهلل تعالى:‬
   ‫م ِ ه م ب ْ ه ه َز ز َ م‬                                 ‫وم ي س‬                 ‫مٍ م‬             ‫هلل ِلن م‬           ‫ي‬
  ‫{مَا َفْتَحِ ا ُ ل َّاسِ ِنْ رَحْ َة فَال ُمْسِكَ لَهَا َ َا ُمْ ِكْ فَال ُرْسلَ لَ ُ ِنْ َعدِ ِ وَ ُوَ الْع ِي ُ الحْكِي ُ}‬
 ‫َاد لف له‬                       ‫ش ه إ هو وإ ي‬                    ‫هلل بض ٍّ‬    ‫وإ ي س‬
 ‫[فاطر: 2] وقال تعالى: { َِنْ َمْ َسْكَ ا ُ ِ ُر فَال كَا ِفَ لَ ُ ِال ُ َ َِنْ ُردْكَ بِخَيْر فَال ر َّ ِ َضِْ ِ‬
       ‫إ ي ص ُم هلل‬                                 ‫ف ر الر م‬            ‫يص ب ب م ي ء م ع ه وه‬
  ‫ُ ِي ُ ِهِ َنْ َشَا ُ ِنْ ِبَادِ ِ َ ُوَ الْغَ ُو ُ َّحِي ُ} [يونس: 701] وقال تعالى: {ِنْ َنْ ُرْك ُ ا ُ فَال‬
                                                   ‫ُ وإ ْذ ُ م ذ َّ ي ُرك م ب ْ ه‬
                                  ‫غَالبَ لَكمْ َِنْ يَخ ُلْكمْ فَ َنْ َا الذِى َنْص ُ ُمْ ِنْ َعدِ ِ} [آل عمران:031].‬

‫(7/41)‬




‫عت ُ ش ا‬            ‫َت ِذ م د نه له إ ي ِ الر ن ب ُر ت ْن ع‬
‫وقال تعالى عن صاحب يس: {أَأ َّخ ُ ِنْ ُو ِ ِ آِ َةً ِنْ ُردْنِ َّحْم ُ ِض ٍّ ال ُغ ِِّ َنى شَفَا َُهمْ َيْئً‬
    ‫َال ُنْق ُو ِ} [يس: 32] وقال تعالى: { َا أيهَا َّا ُ اذْك ُوا ِعْ َتَ اهللِ َلَيْ ُمْ هلْ ِنْ خَالِقٍ غَي ُ ا ِ‬
    ‫ْر هلل‬              ‫ع ك َ م‬                 ‫الن س ُر ن م‬                ‫ي‬                         ‫و ي ِذ ن‬
 ‫َم ذ ّ هو‬                                     ‫ه َ َن ت ك ن‬                  ‫ِ إ‬        ‫َ ْ ُق ُ م الس ء و‬
 ‫يرز ُكمْ ِنَ َّمَا ِ َاألرْض ال ِلَهَ إال ُو فَأ َّى ُؤْفَ ُو َ} [فاطر: 3] وقال تعالى: {أ َّنْ ه َا الذِى ُ َ‬
                                                              ‫ك فر ِال‬                    ‫ج ْد ُ ي ُرك م د الر‬
                                                              ‫ُن ٌ لَكمْ َنْص ُ ُمْ ِنْ ُونِ َّحْمنِ إنِ الْ َا ِ ُونَ إ َّ‬
‫(7/51)‬




              ‫ك ِ ْ ه َ َج ف ع ُو ونف ر‬                      ‫ُر َم ذ ّ َ ْ ُقك إ‬
 ‫ص -43- فى غ ُورٍ أ َّنْ ه َا الذِى يرز ُ ُمْ ِنْ أَمْسَ َ رزقَ ُ بلْ ل ُّوا ِى ُت ٍّ َ ُ ُو ٍ} [الملك: 02-‬
                                                                                                                                   ‫12].‬
      ‫فجمع سبحانه بين النصر والرزق، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره، ويجلب له‬
‫منافعه برزقه، فال بد له من ناصر ورازق. واهلل وحده هو الذى ينصر ويرزق، فهو الرزاق ذو القوة‬
  ‫المتين. ومن كمال فطنة العبد ومعرفته: أن يعلم أنه إذا مسه اهلل بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله‬
                                      ‫بنعمة لم يرزقه إياها سواه. ويذكر أن اهلل تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه:‬
                 ‫ة‬           ‫ف‬          ‫و‬     ‫ي‬         ‫ة و ف الل ْف ن أ ِب ك‬                                   ‫ْ ل‬
     ‫"أدرِكْ ِى لَطِيفَ الْفِطْنَ ِ، َخَ ِى ُّط ِ، فَإ ِّى ُح ُّ ذلِ َ. قَالَ: َا رب َمَا لَطِي ُ الْفِطْنَ ِ؟ قَالَ: إنْ‬
    ‫وقَ َتْ َلَيْكَ ُ َا َة فَاعْلمْ أ ِّى أَنَا أَوقَعُْ َا فَاسْأَلْ ِى أرفَعْهَا. قَالَ: َمَا خَف ُّ ُّط ِ؟ قَالَ: إ َا أَتَتْ َ ح َّ ٌ‬
    ‫ذ ك َبة‬                      ‫ِى الل ْف‬       ‫و‬                ‫ن َْ‬             ‫ْ ته‬              ‫َ ع ع ذب ب ٌ َ َن‬
       ‫ِ هلل‬            ‫وم ُ ب َار ن به م ْ َ‬                                      ‫َ تك ب‬             ‫َ َن‬
      ‫فَاعْلمْ أ ِّى أَنَا ذَكرْ ُ َ ِهَا" وقد قال تعالى عن السحرة: { َ َا همْ ِض ِّي َ ِ ِ ِن أحدٍ إال بإذْنِ ا ِ}‬
                                                                                                                     ‫[البقرة: 201].‬
                                                       ‫فهو سبحانه وحده الذى يكفى عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه.‬
    ‫قال اإلمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: سمعت وهبا يقول: قال اهلل تعالى فى بعض‬
                                                                                                                                   ‫كتبه:‬
  ‫عل له م‬         ‫َم ب إ د ه الس و ت بم ْ ف ِن و رض ن بم ْ ف ِن َإن‬                                 ‫نه م‬       ‫ب ِز‬
‫" ِع َّتى، إ ّ ُ َنِ اعْتَص َ ِى، فَِنْ كا َتْ ُ َّم َا ُ ِ َن ِيه َّ، َاأل َ ُو َ ِ َن ِيه َّ، ف ِّى أَجْ َ ُ َ ُ ِنْ‬
       ‫ِ دَه‬             ‫الس ء و ِف ب م‬                     ‫ِن َ ع يد م‬                 ‫ا وم َ ي ص ب‬
       ‫ذلِكَ مَخْرَجً، َ َنْ لمْ َعْتَ ِمْ ِى، فَإ ِّى أقْطَ ُ َ َيْهِ ِنْ أَسْبَابِ َّمَا ِ َأَخْس ُ ِهِ ِنْ تَحْت قَ َميْ ِ‬
    ‫طي‬       ‫عت‬          ‫عد‬                          ‫و ء ُم كله ل سه َف لع‬                              ‫عله‬          ‫ْض‬
   ‫األر َ، فَأَجْ َُ ُ فى الْهَ َا ِ، ث َّ أ ُِ ُ إَى نَفْ ِ ِ، ك ِّى ِ َبْدِى مَألى، إذَا كانَ َبْ ِى فى طَا َ ِى أعْ ِ ِه‬
                         ‫َم ح جت ال َ فق به م ه‬                      ‫َ عون فإن‬            ‫و جب ُ ْ‬                      ‫ي‬        ‫ْ‬
                       ‫قَبلَ أَنْ َسْأَلَنى، َأَسْتَ ِي ُ لَه قَبلَ أنْ يدْ ُ َ ِى، ِّى أَعْل ُ بِ َا َ ِهِ َّتى ترْ ُ ُ ِ ِ ِنْ ُ".‬
                                                                                                     ‫قال أحمد: وحدثنا هاشم بن‬

‫(7/31)‬




      ‫القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من سمع عطاء الخراسانى قال: لقيت وهب بن منبه، وهو‬
                        ‫يطوف بالبيت، فقلت له: حدثنى حديثا أحفظه عنك فى مقامى هذا وأوجز، قال نعم:‬
 ‫ي ِم ب ع ْد م عب د د ن‬                ‫و ِزت و مت‬                ‫و ل إ د و َ د ُد‬                        ‫ح هلل‬
 ‫"أَوْ َى ا ُ تَبَارَكَ َتَعَاَى ِلى َا ُد: يَا َاو ُ، أَمَا َع َّ ِى َعَظَ َ ِى ال َعْتَص ُ ِى َب ٌ ِنْ َ ِي ِى ُو َ‬
      ‫ك ده الس ت الس ع وم ْ ف ِن و رض الس ع وم ْ ف ِن إ‬                              ‫ْ ِف ك م ن‬            ‫ق‬
    ‫خَلْ ِى - أَعر ُ ذلِ َ ِنْ ِيتهِ - فَتَ ِي ُ ُ َّموا ُ َّبْ ُ َ َن ِيه َّ، َاأل َ ُونَ َّبْ ُ َ َن ِيه َّ ِال‬
 ‫أ ْ ِف‬     ‫ي ِم ع د م عب د ب ل د‬                      ‫و ِزت وع مت‬                   ‫جع ت ه م ب ِهن م ْ‬
 ‫َ َلْ ُ لَ ُ ِنْ َيْن َّ َخرَجا؛ أَمَا َع َّ ِى َ َظَ َ ِى ال َعْتَص ُ َبْ ٌ ِنْ ِ َا ِى ِمَخُْوقٍ ُونى - َعر ُ‬
‫أ ل بَى و د‬           ‫ِ دم ه ث‬              ‫وس ت ْ م‬                   ‫الس م‬           ‫ت‬          ‫م ِيته إ‬
‫ذلِكَ ِن نَّ ِ َ- ِال قَطَعْ ُ أسبابَ َّماءِ ِنْ يدِه، َأَ َخْ ُ األرضَ ِنْ تَحْت قَ َ َيْ ِ، ُم ال ُبَاِى ِأ ِّ َا ٍ‬
                                                                                                                            ‫هك‬
                                                                                                                          ‫َلَ َ".‬
       ‫وهذا الوجه أظهر للعامة من الذى قبله. ولهذا خوطبوا به فى القرآن أكثر من األول ومنه دعت‬
                              ‫الرسل إلى الوجه األول. وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد اهلل سبحانه يدعو عباده‬

‫(7/71)‬




   ‫ص -53- بهذا الوجه إلى الوجه األول، وهذا الوجه يقتضى التوكل على اهلل تعالى واالستعانة به،‬
      ‫ودعاءه ومسألته دون ما سواه، ويقتضى أيضا: محبته وعبادته، إلحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه‬
                        ‫عليه، فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه األول.‬
           ‫ونظير ذلك: من ينزل به بالء عظيم، أو فاقة شديدة، أو خوف مقلق، فجعل يدعو اهلل سبحانه‬
 ‫ويتضرع إليه، حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم اإليمان به، واإلنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك‬
 ‫الحاجة التى قصدها أوال، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أوال حتى يطلبه، ويشتاق إليه، وفى نحو ذلك قال‬
                                                                                                                          ‫القائل:‬
                                                        ‫ْر ِن َر عل ع ت أم ب ِ‬                            ‫الر‬       ‫هلل‬    ‫َ‬
                                                        ‫جزَى ا ُ يَوْمَ َّوْعِ خَي ًا، فَإ َّه أ َانَا ََى ِال ِهِ َّ ثَا ِت‬
                                                 ‫أ َانَا َ ُونَاتِ اْلحِجا ِ، َلَمْ نَ ُنْ نر َّ ِال ِندَ نَعْتِ َّ َا ِ ِ‬
                                                 ‫النو عت‬            ‫ب و ك َ َاهن إ ع ْ‬                         ‫َر مص‬

‫(7/11)‬




    ‫الوجه السادس: أن تعلق العبد بما سوى اهلل تعالى مضرة عليه، إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على‬
‫حاجته، غير مستعين به على طاعته، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره‬
‫ذلك، ولو أحب سوى اهلل ما أحب، فال بد أن يسلبه ويفارقه، فإن أحبه لغير اهلل فال بد أن تضره محبته‬
          ‫ويعذب بمحبوبه، إما فى الدنيا وإما فى اآلخرة، والغالب أنه يعذب به فى الدارين، قال تعالى:‬
       ‫مي م ع ه‬               ‫م‬            ‫ِ ب ِّ ُ ب َ‬            ‫س‬     ‫و َّذ ي نز الذهب و ِض و ي ق ه‬
   ‫{ َال ِينَ َكْ ِ ُونَ َّ َ َ َالْف َّةَ َال ُنْف ُونَ َا فى َبِيلِ اهلل فَ َشرْهمْ ِعذَابٍ أَلِي ٍ* يَوْ َ ُحْ َى َلَيْ َا فى‬
         ‫ك ت ِز ن‬                 ‫َ ُ فس ُ ْ ذ ق‬                         ‫به ج ه ُ جن ب ُ وظه ر ُ‬                    ‫ن جه َّ َ ت‬
        ‫َارِ َ َنم فَُكْوَى ِ َا ِبَا ُهمْ وَ ُ ُو ُهمْ َ ُ ُو ُهمْ هذَا مَا كَنزْتمْ ألنْ ُ ِكم فَ ُو ُوا مَا ُنْ ُمْ تَكْن ُو َ}‬
                                                                                                              ‫[التوبة: 43- 53].‬
   ‫ح الد و ه َ أ فسه‬                           ‫د ُ إن ير د هلل ي َذب ُ ب‬                    ‫ولُ و‬             ‫تج‬
 ‫وقال تعالى: {فَال ُعْ ِبْكَ أَمْ َاُهمْ َال أَوْال ُهمْ َّما ُ ِي ُ ا ُ ل ُع ِّ َهمْ ِهَا فى الْ َيَاةِ ُّنْيَا َتَزْ َق َنْ ُ ُ ُمْ‬
                                                                                                                ‫ه ك ِر ن‬
                                                                                                 ‫وَ ُم َاف ُو َ} [التوبة: 55].‬
      ‫ح ة‬
      ‫ولم يصب من قال: إن اآلية على التقديم والتأخير، كالجرجانى، حيث قال: ينتظم قوله {فى الْ َيَا ِ‬
  ‫ده إن ير د هلل ي َذب ُ‬                    ‫و له و‬             ‫تج‬                                                  ‫الد‬
‫ُّنْيَا} بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل {فَال ُعْ ِبْكَ أَمْ َاُ ُمْ َال أَوْال ُ ُمْ َّما ُ ِي ُ ا ُ ل ُع ِّ َهمْ‬
                                                                         ‫ح الد ي‬               ‫به‬
   ‫ِ َا فى الْ َيَاةِ ُّنْ َا} [التوبة: 55] وهذا القول يروى عن ابن عباس رضى اهلل عنهما. وهو منقطع،‬
          ‫واختاره قتادة وجماعة، وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم باألموال واألوالد فى الدنيا، وأن‬
                                                        ‫سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فروا إلى التقديم والتأخير.‬
 ‫وأما الذين رأوا أن اآلية على وجهها ونظمها فاختلفوا فى هذا التعذيب، فقال الحسن البصرى: يعذبهم‬
    ‫بأخذ الزكاة منها واإلنفاق فى الجهاد، واختاره ابن جرير، وأوضحه. فقال: العذاب بها إلزامهم بما‬
                                              ‫أوجب اهلل عليهم فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك،‬

‫(7/81)‬




    ‫ص -33- وهو غير طيب النفس، وال راج من اهلل جزاء، وال من اآلخذ منه حمدا وال شكرا، بل‬
                                                                                                        ‫على صغار منه وكره.‬
                              ‫وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم فى الدنيا بها، وذهاب عن مقصود اآلية.‬
‫وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسبى أوالدهم فإن هذا حكم الكافر،‬
     ‫وهم فى الباطن كذلك. وهذا أيضا من جنس ما قبله فإن اهلل سبحانه أقر المنافقين، وعصم أموالهم‬
    ‫وأوالدهم باإلسالم الظاهر وتولى سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤالء لوقع مراده سبحانه من‬
  ‫غنيمة أموالهم وسبى أوالدهم، فإن اإلرادة هاهنا كونية بمعنى المشيئة، وما شاء اهلل كان وال بد، وما‬
 ‫لم يشأ لم يكن. والصواب، واهلل أعلم، أن يقال: تعذيبهم بها هو األمر المشاهد من تعذيب طالب الدنيا‬
   ‫ومحبيها ومؤثريها على اآلخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم فى جمعها ومقاساة أنواع‬
‫المشاق فى ذلك، فال تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا‬
            ‫الس َر ق عة م َ ب‬
    ‫هو األلم والمشقة والتعب، كقوله صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: " َّف ُ ِطْ َ ٌ ِنَ الْعذَا ِ" وقوله:‬
                                                                                         ‫له ع ه‬               ‫ِن َي ي َذب بب‬
                                                                                       ‫"إ َّ الم ِّتَ لَ ُع َّ ُ ِ ُكَاءِ أَهِْ ِ َلَيْ ِ".‬
  ‫أى يتألم ويتوجع، ال أنه يعاقب بأعمالهم، وهكذا من كانت الدنيا كل همه أو أكبر همه كما قال صلى‬
      ‫اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث الذى رواه الترمذى وغيره من حديث أنس رضى اهلل عنه:‬
  ‫ب وج ه ه و ه الد ه َ ر غمة وم نت‬                                                   ‫ِرة َمه ج َ هلل غ ُ‬                     ‫م‬
  ‫" َنْ كانَتِ اآلخ َ ُ ه َّ ُ َعلَ ا ُ ِنَاه فى قَلْ ِهِ، َ َمَعَ لَ ُ شَمْلَ ُ، َأَتَتْ ُ ُّنْيَا وَ ِى َا ِ َ ٌ. َ َنْ كا َ ِ‬
                  ‫الد َمه ج َ ُ ْ ه ب ع ه َ َر ع ه ه وَ ت ِ م الد إ م ق ِّ ه‬
                ‫ُّنْيَا ه َّ ُ َعلَ اهلل فَقرَ ُ َيْنَ َيْنَيْ ِ، وف َّقَ َلَيْ ِ شَمْلَ ُ، َلمْ يأْ ِه ِنَ ُّنْيا ِال َا ُدرَ لَ ُ".‬
   ‫ومن أبلغ العذاب فى الدنيا: تشتيت الشمل وتفرق القلوب، وكون الفقر نصب عينى العبد ال يفارقه،‬
                                                        ‫ولوال سكرة عشاق الدنيا بحبها الستغاثوا من هذا العذاب،‬

‫(7/02)‬




                                                                                                                ‫على أن أكثرهم‬

‫(7/12)‬




    ‫ص -73- ال يزال يشكو أو يصرخ منه. وفى الترمذى أيضاً عن أبى هريرة رضى اهلل عنه عن‬
              ‫ن د َر ل ب دت‬                           ‫و‬          ‫ق ل هلل‬
      ‫النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: "يَ ُو ُ ا ُ تَبَاركَ َتَعَالَى: ابْ َ آ َم، تَف َّغْ ِع َا َ ِى أَمْأل‬
                                   ‫وَ س َّ ْ ك‬             ‫َ م ت يد ش‬                 ‫َ ْر غن و س َّ ك وإ ْ‬
                                 ‫صد َكَ ِ ًى، َأَ ُد فَقْرَ َ، َِن ال تَفْعلْ َأل ُ َ َيْكَ ُغْال، َلمْ أَ ُد فَقرَ َ".‬
        ‫وهذا أيضا من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه،‬
 ‫ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب. ومحب‬
                                                                  ‫م‬
 ‫الدنيا ال ينفك من ثالث: ه ّ الزم، وتعب دائم، وحسرة ال تنقضى، وذلك أن محبها ال ينال منها شيئا‬
‫إال طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما فى الحديث الصحيح عن النبى عليه الصالة والسالم: "لَوْ كَانَ البْ ِ‬
‫ن‬
                                                                                       ‫غ ه ل‬                   ‫َم و د ن م م‬
                                                                                   ‫آد َ َا ِيَا ِ ِنْ َالٍ البْتَ َى ل َما ثَاِثا".‬
      ‫وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السالم محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا.‬
 ‫وذكر ابن أبى الدنيا أن الحسن البصرى كتب إلى عمر بن عبد العزيز "أما بعد: فإن الدنيا دار ظعن،‬
  ‫ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عليه السالم عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها‬
 ‫تركها، والغنى فيها فقرها، لها فى كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هى كالسم يأكله‬
    ‫من ال يعرفه، وهو حتفه فكن فيها كالمداوى جراحه، يحتمى قليال، مخافة ما يكره طويال، ويصبر‬
                           ‫الخت‬
         ‫على شدة الدواء مخافة طول البالء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الخداعة َّالة، التى قد تزينت‬
  ‫بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون‬
‫إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى ألزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر‬
                                  ‫ز‬       ‫ُب‬
  ‫منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسى المعاد فشَغل بها ل َّه، حتى ّلت عنها قدمه، فعظمت عليه ندامته،‬
                                              ‫وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه،‬

‫(7/22)‬




                                        ‫غ‬
  ‫وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش ب ُصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب،‬
                                                           ‫ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير‬

‫(7/32)‬




 ‫ص -13- زاد، وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا‬
                    ‫ج‬                         ‫وص‬
  ‫كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، ُ ِل الرخاء منها بالبالء، و ُعل البقاء فيها إلى‬
   ‫فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان‬
‫ربنا لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثال، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء‬
         ‫من اهلل فيها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند اهلل قدر وال وزن، وال نظر إليها منذ خلقها. ولقد‬
                          ‫ت قص‬
    ‫عرضت على نبينا صلى اهلل عليه وآله وسلم بمفاتيحها وخزائنها ال ُن ِ ُه عند اهلل جناح بعوضة،‬
                                                    ‫ق‬                                    ‫ب‬
         ‫فأَ َى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خال ُه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين‬
                        ‫أ ْر‬
 ‫اختيارا، وبسطها ألعدائه اغترارا. فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه ُك ِم بها، ونسى ما صنع اهلل‬
                                  ‫عز وجل برسوله صلى اهلل عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه".‬
                                        ‫خ‬
‫وقال الحسن أيضا: إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على ال ُشب. فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها.‬
                                                                                  ‫وهذا باب واسع.‬
                             ‫وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع األلم فى طلبها.‬
                                                                    ‫َم‬
     ‫ولما كانت هى أكبر ه ّ من ال يؤمن باآلخرة، وال يرجو لقاء ربه، كان عذابه بها بحسب حرصه‬
                                                                    ‫عليها، وشدة اجتهاده فى طلبها.‬
                                    ‫ن‬
    ‫وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فا ٍ فى حب معشوقه، وكلما رام قربا من‬
   ‫معشوقه نأى عنه، وال يفى له ويهجره ويصل عدوه. فهو مع معشوقه فى أنكد عيش، يختار الموت‬
‫دونه، فمعشوقه قليل الوفاء، كثير الجفاء، كثير الشركاء، سريع االستحالة، عظيم الخيانة، كثير التلون،‬
   ‫ال يأمن عاشقه معه على نفسه وال على ماله، مع أنه ال صبر له عنه وال يجد عنه سبيال إلى سلوة‬
   ‫تريحه، وال وصال يدوم له، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إال هذا العاجل لكفى به، فكيف إذا حيل‬
                                         ‫بينه وبين لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر‬

‫(7/42)‬




                                            ‫لذته به، التى شغلته عن سعيه فى طلب زاده، ومصالح معاده؟،‬
‫وسنعود إلى تمام الكالم فى هذا الباب فى باب ذكر عالج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء اهلل تعالى،‬
                                    ‫إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى اهلل تعالى، ولم تكن محبته له‬

‫(7/52)‬




   ‫ص -83- هلل تعالى، وال لكونه معينا له على طاعة اهلل تعالى: عذب به فى الدنيا قبل يوم القيامة.‬
                                                                                                                  ‫كما قيل:‬
                                             ‫ف‬          ‫ه م‬                  ‫ب ُ َ ل‬                  ‫ت ل ِكل م‬
                                            ‫أَنْتَ الْقَ ِي ُ ب ِّ َنْ أَحْ َبْتَه فَاخْترْ ِنَفْسِكَ فى الْ َوى َنْ تَصْطَ ِى‬
                                                                         ‫ل‬
  ‫فإذا كان يوم المعاد وّى الحكَم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه فى الدنيا. فكان معه: إما منعما‬
                                                                                                        ‫أو معذبا. ولهذا:‬
        ‫زك‬             ‫لك‬           ‫ق ل‬                     ‫له شج َ ْر ي ُذ بل م‬                          ‫يم َّل ل ح‬
       ‫" ُ َث ُ ِصا ِبِ المَالِ مَاُ ُ ُ َاعاً أق َعَ َأْخ ُ ِِهز َتَيه، يعنى شدقيه، ي ُو ُ: أنَا مَاُ َ، أَنَا كَن ُ َ،‬
                                                   ‫وي فح ه ص ح م ن ر ي و ب جب نه وج ه و ره‬
                                                 ‫َُصَ ّ ُ لَ ُ َفَائ َ ِنْ َا ٍ ُكْ َى ِهَا َ ِي ُ ُ َ َنب ُ َظَهْ ُ ُ".‬
   ‫وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة اهلل تعالى جمع اهلل بينهما فى النار،‬
                                                                                                     ‫ل‬
                                                                            ‫وعذب ك ٌ منهما بصاحبه. قال تعالى:‬
                                                         ‫ُتق ن‬            ‫َد‬    ‫خ ء ي م ب ه لب ْ‬
                                          ‫{األ ِال ُ َوْ َئذٍ َعْض ُمْ ِ َعضٍ ع ُو إال الم َّ ِي َ} [الزخرف: 73].‬
 ‫وأخبر سبحانه أن الذين توادوا فى الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم‬
                                                                      ‫بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين.‬
   ‫أول‬        ‫ع ِن‬
  ‫فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى. ولهذا يقول اهلل تعالى يوم القيامة للخلق: "أَلَيْسَ َدْال م ِّى أَنْ ُ َّى‬
                                                                          ‫د الد‬       ‫ن ي َل‬             ‫ك َّ ج م ُ‬
                                                                   ‫ُل رَ ُلٍ ِنْكمْ مَا كَا َ َتَوَّى فى َارِ ُّنْيا؟".‬
   ‫و ْ ي َض الظ ِم عل َد ه‬                         ‫َ ء م م حب‬
   ‫وقال صلى اهلل تعالى عليه وسلم: "المرْ ُ َعَ َنْ أَ َ ّ". وقال تعالى: { َيَومَ َع ُّ َّال ُ ََى ي َيْ َ‬
      ‫ْ بْ‬        ‫ن َ ت ِ ْ ف ا ل َ ضلن ع‬                                   ‫ت َ ت الرس س ال و‬                          ‫ق لي‬
‫يَ ُو ُ َا لَيْتَنى اّخذْ ُ مَعَ َّ ُولِ َبي ً يَا َيْلَتَا لَيْتَ ِى لمْ أَ ّخذ ُالنً خَِيال لَقدْ أَ َّ ِى َنِ الذكرِ َعدَ إذْ‬
        ‫ُ ُر ّذ ن م‬                                               ‫و الش ن لإل س َذ ال‬
      ‫جَاءنى َكَانَ َّيْطَا ُ ِ ِنْ َانِ خ ُو ً} [الفرقان: 72 - 82]. وقال تعالى: {احْش ُوا ال ِي َ ظَلَ ُوا‬
      ‫ح م َقف ُ إنه م ئ ل ن م لك‬                    ‫ِر‬     ‫ِ د ُ إ‬               ‫ن ي ُد ن م د‬              ‫وَ و ج ه و‬
 ‫َأزْ َا َ ُمْ َمَا كَاُوا َعْب ُو َ ِنْ ُونِ اهلل فَاهْ ُوهمْ ِلَى ص َاطِ الج ِي ِ و ِ ُوهمْ َّ ُمْ َسْ ُوُو َ َاَ ُمْ ال‬
                                                                                                          ‫َر ن‬
                                                                                     ‫تَنَاص ُو َ} [الصافات: 22 - 52].‬
                                                                                                                     ‫قال عمر بن‬

‫(7/32)‬




                ‫وِذ النف ُ ُوج‬
             ‫الخطاب رضى اهلل عنه "أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم" وقال تعالى: { َإ َا ُّ ُوس ز ِّ َتْ}‬
                                                                                                                    ‫[التكوير:7].‬
                  ‫فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر.‬
‫والمقصود: أن من أحب شيئا سوى اهلل عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه: إن وجد وإن فقد، فإنه‬
                               ‫إن فقده عذب بفراقه وتألم على قدر تعلق قلبه به، وإن وجده كان ما يحصل‬

‫(7/72)‬




       ‫ص -04- له من األلم قبل حصوله، ومن النكد فى حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فوته،‬
                                                                       ‫أضعاف أضعاف ما فى حصوله له من اللذة:‬
                                                   ‫فَمَا فى األرضِ أَشْ َى ِنْ ُح ٍّ َِنْ وَ َدَ الهَ َى ُلْوَ المذَا ِ‬
                                                   ‫ق‬            ‫ق م م ِب وإ ج و ح‬                         ‫ْ‬
                                                                       ‫ت ق‬                   ‫كل َالمخ ُ‬             ‫َر ه ب كي‬
                                                                       ‫ت َا ُ َا ِ ًا فى ِّ ح ٍَ َ َافَةَ فرْقةٍ، أَوْ الشْ ِيا ِ‬
                                                          ‫ِر ق‬         ‫ح‬       ‫ه وي ك إ د‬                                     ‫يك‬
                                                          ‫فَ َبْ ِى إنْ نَأَوْا، شَوْقاً إلَيْ ِمْ َ َبْ ِى ِنْ َنَوْا، َذرَ الْف َا ِ‬
                                                                ‫و ن ع نه ع ِر ق‬                      ‫ن ع نه ع ْ الت‬
                                                                ‫فَتَسْخ ُ َيْ ُ ُ ِندَ َّالقى َتَسْخ ُ َيْ ُ ُ ِنْدَ الْف َا ِ‬

‫(7/12)‬
 ‫وهذا أمر معلوم باالستقراء واالعتبار والتجارب، ولهذا قال النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى‬
          ‫ذ‬
‫الحديث الذى رواه الترمذى وغيره: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إال ذكر اهلل وما وااله" ف ِكْره: جميع‬
‫أنواع طاعته، فكل من كان فى طاعته فهو ذاكره، وإن لم يتحرك لسانه بالذكر، وكل من وااله اهلل فقد‬
                                           ‫أحبه وقربه؛ فاللعنة ال تنال ذلك إال بوجهه، وهى نائلة كل ما عداه.‬
      ‫الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو وال بد،‬
 ‫عكس ما أمله منه، فال بد أن يخذل من الجهة التى قدر أن ينصر منها، ويذم من حيث قدر أن يحمد،‬
                    ‫وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم باالستقراء والتجارب، قال تعالى:‬
              ‫ي ُر بع د ه ويك ن ع ه ض‬                                  ‫َات ذ م د هلل له ليك ن ه ع‬
‫{و َّخَ ُوا ِنْ ُونِ ا ِ آِ َةً ِ َ ُو ُوا لَ ُمْ ِزا كَال س َكْف ُونَ ِ ِبَا َت ِمْ َ َ ُو ُونَ َلَيْ ِمْ ِدا} [مريم: 11-‬
       ‫َات َذ م د هلل له عل ُ ي صر َ ي ط ع ن ْ ُ ُ ُ ج د‬
       ‫21] وقال تعالى: {و َّخ ُوا ِنْ ُونِ ا ِ آِ َةً لَ َّهمْ ُنْ َ ُون ال َسْتَ ِي ُو َ نَصرَهمْ وَهمْ لَهمْ ُنْ ٌ‬
                                                                                                          ‫م َر ن‬
                                                                                           ‫ُحْض ُو َ} [يس: 47- 57].‬
‫أى يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه، وهم ال يستطيعون نصرهم، بل‬
                                                                                              ‫هم كَل عليهم. وقال تعالى:‬
  ‫َم ج ء‬              ‫ع ُ لهت ُم لت َ ع ن م د هلل م‬                           ‫م فسه ْ م‬                    ‫ُ ول‬             ‫وم‬
  ‫{ َ َا ظَلَمْنَاهمْ َِكنْ ظَلَ ُوا أَنْ ُ َ ُم فَ َا أَغْنَتْ َنْهمْ آِ َُه ُ اّ ِى يدْ ُو َ ِنْ ُونِ ا ِ ِنْ شَىْءٍ ل َّا َا َ‬
    ‫ه‬               ‫ع‬                                                   ‫ْ ُ َب وم ز د ُ ْ ب ب‬
   ‫أَمر رِّكَ َ َا َا ُوهمْ غَيرَ تَتْ ِي ٍ} [هود: 101]. أى غير تخسير، وقال تعالى: {فَال تَدْ ُ مَعَ اهللِ إل ًا‬
       ‫ُد َ م ا‬             ‫َ‬                     ‫َ‬                                     ‫َ َ ك ن م م َذب ن‬
       ‫آخر فَتَ ُو َ ِنَ ال ُع َّ ِي َ} [الشعراء: 312] وقال تعالى: {ال تَجْعلْ مَعَ اهللِ إلهاً آخرَ فَتَقْع َ مذْ ُومً‬
                                                                                                                 ‫ْذ ال‬
                                                                                                 ‫مَخ ُو ً} [اإلسراء: 22].‬
‫فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه،‬
                                                                                               ‫ويحصل له الخذالن والذم.‬
                                                ‫والمقصود: أن هذين الوجهين فى المخلوق وضدهما فى الخالق‬

‫(7/82)‬




                                                                                                    ‫سبحانه. فصالح القلب‬

‫(7/03)‬
     ‫ص -14- وسعادته وفالحه فى عبادة اهلل تعالى واالستعانة به، وهالكه وشقاؤه وضرره العاجل‬
                                                                          ‫واآلجل فى عبادة المخلوق واالستعانة به.‬
   ‫الوجه الثامن: أن اهلل سبحانه غنى كريم، عزيز رحيم. فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به‬
  ‫الخير، ويكشف عنه الضر، ال لجلب منفعه إليه من العبد، وال لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا.‬
  ‫فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، وال ليعتز بهم من ذلة، وال ليرزقوه قوة، وال لينفعوه،‬
                                                                                      ‫وال ليدفعوا عنه، كما قال تعالى:‬
‫إ لي ُد ن أر د ُ م ِ و أر د ي عم إن ه َّز ق‬                                                            ‫ت ِن و‬             ‫وم‬
‫{ َ َا خَلَقْ ُ الج َّ َاإلنْسَ ِال ِ َعْب ُو ِ مَا ُ ِي ُ منْهمْ ِنْ رزْقٍ َمَا ُ ِي ُ أَنْ ُطْ ِ ُونِ ِ ّ اهللَ ُوَ الر َّا ُ‬
    ‫ُو الْق َّةِ ال َ ِي ُ} [الذاريات: 35 - 15] وقال تعالى: { َقلِ الحم ُ لَّهِ الذِى لمْ ي َّخذْ َل ًا َلمْ َ ُنْ َ ُ‬
    ‫ْد ِل ّ َ َت ِ وَد وَ يك له‬                           ‫وُ‬                                    ‫ذ ُو مت ن‬
                                                 ‫ا‬         ‫َر ك ا ك وَ يك ه ول م ُّل و ِّ ه‬
                                ‫ش ِي ٌ فى ُلملْ ِ َلمْ َ ُنْ لَ ُ َِى ِنَ الذ ِّ َ كَبرْ ُ تَكْبِيرً} [اإلسراء: 111].‬
   ‫فهو سبحانه ال يوالى من يواليه من الذل، كما يوالى المخلوق المخلوق، وإنما يوالى أولياءه إحسانا‬
                                                        ‫ورحمة ومحبة لهم. وأما العباد فإنهم كما قال عز وجل:‬
                                                                                          ‫و هلل ِى و ُم ف َر ء‬
                                                                             ‫{ َا ُ الْغَن ُّ َأَنْت ُ الْ ُق َا ُ} [محمد: 13].‬
       ‫ال‬
‫فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجالً أو آج ً. ولوال‬
     ‫تصور ذلك النفع لما أحسن إليه. فهو فى الحقيقة إنما أراد اإلحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى‬
       ‫غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك اإلحسان إليه. فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه فى‬
   ‫العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، أو معاوضة بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره. وهو أيضاً إنما‬
‫يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير.‬
   ‫وإما أن يريد الجزاء من اهلل تعالى فى اآلخرة، فهو أيضاً محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه‬
                                                                        ‫إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم فى هذا‬

‫(7/13)‬




‫القصد، فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر الزم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه‬
                                                                                           ‫وال يعجز عنه، وقال تعالى:‬
    ‫و ُْ ت م ن‬                     ‫و ت ق م ْر ي َف‬                                        ‫إ ْ س ت س ُ فس ُ‬
   ‫{ِن أحْ َنْ ُمْ أَحْ َنْتمْ ألنْ ُ ِكمْ} [اإلسراء: 7] وقال: { َمَا ُنْفِ ُوا ِنْ خَي ٍ ُو َّ إلَيْكمْ َأَنْتم ال ُظْلَ ُو َ}‬
                                                                                                            ‫[البقرة: 272].‬
  ‫لغ ن ع‬                 ‫عب د ِنك‬
 ‫وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "يَا ِ َا ِى: إ َّ ُمْ لَنْ تَبُْ ُوا َفْ ِى‬
     ‫ك أ ص ك ُم أ َف ك إي ه‬                                ‫عب د إن ه‬             ‫ُر ن‬         ‫ُر‬     ‫لغ‬          ‫ع ن و‬
   ‫فَتَنْفَ ُو ِى، َلَنْ تَبُْ ُوا ض ِّي فَتَض ُّو ِى، يا ِ َا ِى: ِّمَا ِىَ أَعْماَل ُم ُحْ ِيهَا لَ ُمْ، ث َّ ُو ِّي ُمْ َّا َا،‬
                                            ‫سه‬           ‫يل َن‬                ‫َ ْ‬        ‫وم‬           ‫ً ي َ‬              ‫م وَ‬
                                          ‫فَ َنْ َجدَ خَيْرا فَلْ َحْمدِ اهللَ، َ َنْ وَجدَ غيرَ ذلِكَ فَال َُوم َّ إال نَفْ َ ُ".‬

‫(7/23)‬




                          ‫ص -24- فالمخلوق ال يقصد منفعتك بالقصد األول، بل إنما يقصد انتفاعه بك.‬
‫والرب تعالى إنما يريد نفعك ال انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة، بخالف إرادة‬
                                              ‫المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل منته.‬
‫فتدبر هذا فإن مالحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون اهلل عز وجل، أو تطلب منه نفعا، أو‬
   ‫دفعا أو تعلق قلبك به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك ال محض نفعك، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع‬
       ‫بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجه، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه.‬
‫فالسعيد من عاملهم هلل تعالى ال لهم، وأحسن إليهم هلل تعالى، وخاف اهلل تعالى فيهم، ولم يخفهم مع اهلل‬
                              ‫ب ُب‬
      ‫تعالى، ورجا اهلل تعالى باإلحسان إليهم، ولم يرجهم مع اهلل، وأحبهم ِح ِّ اهلل، ولم يحبهم مع اهلل‬
            ‫ُر د م ك َز ء و ش ر‬                                 ‫ُ‬   ‫إ ن‬
‫تعالى، كما قال أولياء اهلل عز وجل: {ِنمَا ُطعمكمْ لِوَجْهِ اهللِ ال ن ِي ُ ِنْ ُمْ ج َا ً َال ُكو ًا} [اإلنسان:‬
                                                                                                                             ‫8].‬
‫الوجه التاسع: أن العبد المخلوق ال يعلم مصلحتك حتى يعرفه اهلل تعالى إياها، وال يقدر على تحصيلها‬
 ‫لك، حتى يقدره اهلل تعالى عليها، وال يريد ذلك حتى يخلق اهلل فيه إرادة ومشيئة. فعاد األمر كله لمن‬
  ‫ابتدأ منه، وهو الذى بيده الخير كله، وإليه يرجع األمر كله، فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكال‬
   ‫وعبودية: ضرر محض، ال منفعة فيه، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذى قدرها‬
                                                                                                   ‫ويسرها وأوصلها إليك.‬
  ‫الوجه العاشر: أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حوائجهم منك، وإن أضر ذلك بدينك ودنياك، فهم‬
   ‫إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك، والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك، ويريد اإلحسان‬
 ‫إليك لك ال لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك، فكيف تعلق أملك ورجاءك، وخوفك بغيره؟ وجماع هذا‬
                                                                                                                       ‫أن تعلم:‬
                       ‫"أ َّ الَخلْقَ ُّهمْ لَو اجْتَ َ ُوا ََى أَنْ َنْفَ ُوكَ ِشَىْءٍ لمْ َنْفَ ُوكَ ِال ِشَىْء قدْ كَتَ َ ُ ا ُ‬
                       ‫َ ي ع إ ب ٍ َ به هلل‬                             ‫ي ع ب‬              ‫كل ُ ِ مع عل‬                      ‫َن‬

‫(7/33)‬
  ‫ٍ َ به هلل ع ل عل ك‬                           ‫َ ي ُر‬          ‫ي ُر ك ب‬         ‫مع ُله عل‬                     ‫ل ك‬
 ‫تَعَاَى لَ َ، ولَوِ اجْتَ َ ُوا كُّ ُمْ ََى أَنْ َض ُّو َ ِشَىْءٍ لمْ َض ُّوكَ إال بشَىْء قدْ كَتَ َ ُ ا ُ تَ َاَى ََيْ َ"‬
                 ‫ِ ي َك م من ن‬                      ‫وعل‬           ‫هلل هو‬                     ‫يص ب إ‬             ‫ُ‬
  ‫قال تعالى: {قلْ لَنْ ُ ِي َنَا ِال مَا كَتَبَ ا ُ لَنَا ُ َ مَوالنَا َ ََى اهلل فَلْ َتَو َّلِ ال ُؤْ ِ ُو َ} [التوبة: 15].‬

‫(7/43)‬




                                                                                         ‫ص -34- خاتمة لهذا الباب‬
    ‫لما كان اإلنسان؛ بل وكل حى متحرك باإلرادة، ال ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك اإلرادة، وله‬
    ‫مراد مطلوب، وطريق وسبب يوصل إليه، معين عليه، وتارة يكون السبب منه، وتارة من خارج‬
     ‫منفصل عنه، وتارة منه ومن الخارج، فصار الحى مجبوال على أن يقصد شيئا ويريده، ويستعين‬
                                                                             ‫بشىء ويعتمد عليه فى حصول مراده.‬
                                   ‫والمراد قسمان: أحدهما: ما هو مراد لنفسه. والثانى: ما هو مراد لغيره.‬
                           ‫والمستعان قسمان؛ أحدهما: ما هو مستعان بنفسه، والثانى: ما هو تبع له وآلة.‬
    ‫فهذه أربعة أمور: مراد لنفسه، ومراد لغيره، ومستعان بنفسه، ومستعان بكونه آلة وتبعا للمستعان‬
                                                                                                                     ‫بنفسه.‬
‫فال بد للقلب من مطلوب يطمئن إليه، وينتهى إليه محبته. وال بد له من شىء يتوصل به؛ ويستعين به‬
   ‫فى حصول مطلوبه، والمستعان مدعو ومسئول، والعبادة واالستعانة كثيرا ما يتالزمان، فمن اعتمد‬
 ‫القلب عليه فى رزقه ونصره ومتفعته ونفعه خضع له، وذل له، وانقاد له وأحبه من هذه الجهة، وإن‬
    ‫لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، وأما من أحبه‬
 ‫القلب وأراده وقصده فقد ال يستعين به، ويستعين بغيره عليه كمن أحب ماال أو منصبا أو امرأة، فإن‬
                 ‫علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به، فاجتمع له محبته واالستعانة به.‬
‫فاألقسام أربعة: محبوب لنفسه وذاته، مستعان بنفسه. فهذا أعلى األقسام، وليس ذلك إال هلل وحده. وكل‬
                                    ‫ما سواه فإنما ينبغى أن يحب تبعا لمحبته، ويستعان به لكونه آلة وسببا.‬
                                                   ‫ا‬
         ‫الثانى: محبوب لغيره ومستعان به أيضً، كالمحبوب الذى هو قادر على تحصيل غرض محبه‬
                                                                                 ‫الثالث: محبوب مستعان عليه بغيره‬
                                                                         ‫الرابع: مستعان به غير محبوب فى نفسه.‬
                                                                          ‫م‬
‫فإذا عرف ذلك تبين َن أحق هذه األقسام األربعة بالعبودية واالستعانة، وأن محبة غيره واستعانته به‬
 ‫إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته، وإال كانت مضرة على العبد، ومفسدتها أعظم من مصلحتها.‬
                                                                                                  ‫واهلل المستعان‬

‫(7/53)‬




                                                                                                 ‫وعليه التكالن.‬

‫(7/33)‬




                                                         ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                  ‫الباب السابع: فى أن القرآن الكريم متضمن ألدوية القلب وعالجه من جميع أمراضه‬

‫(1/1)‬




            ‫ص -44- الباب السابع: فى أن القرآن متضمن ألدوية القلب، وعالجه من جميع أمراضه‬
              ‫ُّد ر‬          ‫ُ َ ءل‬            ‫ةم‬            ‫ي َي الن ُ َ ء ُ‬
  ‫قال اهلل عز وجل: { َا أ ُّهَا َّاس قدْ جَا َتْكمْ مَوْعِظ ٌ ِن ربكمْ وشِفَا ٌ ِمَا فى الص ُو ِ} [يونس: 75]‬
                                       ‫م هو ء ور مة ل من ن‬                         ‫ونن ِّل م ق‬
                       ‫وقال تعالى: { َُ َز ُ ِنَ الْ ُرْآنِ َا ُ َ شِفَا ٌ َ َحْ َ ٌ ِلْمؤْ ِ ِي َ} [اإلسراء: 21].‬
  ‫وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هى أمراض الشبهات والشهوات. والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من‬
    ‫البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور‬
  ‫واإلدراك، بحيث يرى األشياء على ما هى عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين و‬
        ‫اآليات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل‬
        ‫الباطلة واآلراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها،‬
    ‫وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك‬
‫موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه اهلل تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما‬
  ‫يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقوالتهم بين علوم ال ثقة بها، وإنما‬
 ‫هى آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة ال تغنى من الحق شيئا. وبين أمور صحيحة ال منفعة للقلب فيها.‬
 ‫وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكالم فى إثباتها، مع قلة نفعها. فهى:‬
                                ‫ل‬        ‫سم ٌ‬              ‫سٌْ ي‬          ‫ْم جم ث ع ر ج َل و ْ‬
                              ‫"لَح ُ َ َلٍ غَ ّ َلَى َأْسِ َب ٍ َعرٍ، ال َهل فَ ُرْتَقَى، وال َ ِين فَينتف ُ".‬
        ‫وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو فى القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إال‬
                                                                             ‫التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:‬
                                    ‫َلوْال َّ َا ُ ُ فى ُّنْ َا لَما ُ ِ َتْ ُتْ ُ َّنَاظ ِ، ال ال ُغْنى َال الْ ُ َ ُ‬
                                    ‫و عمد‬             ‫م‬        ‫وضع ك ب الت ُر‬               ‫التن فس الد ي‬

‫(1/2)‬




                                                       ‫ُحُِّونَ ب َع ٍ ِنْ ُ ُ ُق ًا َبِالذِى َ َ ُوه َا َتِ ال ُقَ ُ‬
                                                       ‫وضع ُ ز د ع د‬                  ‫ي َلل ِز ْم م هم ع َد و‬

‫(1/3)‬




 ‫ص -54- فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذى وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكى يعلم أن الشبه‬
  ‫والشكوك زادت بذلك. ومن المحال أن ال يحصل الشفاء والهدى، والعلم واليقين من كتاب اهلل تعالى‬
        ‫وكالم رسوله، ويحصل من كالم هؤالء المتحيرين المتشككين الشاكين، الذين أخبر الواقف على‬
                                                    ‫نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من ميراثهم، حيث يقول:‬
                                                       ‫ل‬          ‫م‬                ‫ل و َر‬             ‫ه ية إ د عق‬
                                                       ‫ن َا َ ُ ِق َامِ الْ ُ ُولِ عِقَا ُ َأَكث ُ سعْىِ الْعَالَ ِينَ ضَالَ ُ‬
                                               ‫م جس م ح ِل د ي َذ ووب ل‬                             ‫وَ و ح ف و‬
                                               ‫َأرْ َا ُنَا ِى َحْشَةٍ ِنْ ُ ُو ِنَا وَ َاص ُ ُنْ َانَا أ ًى َ َ َا ُ‬
                                               ‫جم ف ق َق‬                    ‫ِ م ب ث ط عر س‬                           ‫و‬
                                           ‫َلمْ نَسْتَفدْ ِنْ َحْ ِنَا ُولَ ُم ِنَا ِوى أَنْ َ َعْنَا ِيه ِيلَ و َالوا‬

‫(1/4)‬




‫لقد تأملت الطرق الكالمية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفى عليال، وال تروى غليال. ورأيت أقرب‬
                                                                       ‫الطرق طريقة القرآن، أقرأ فى اإلثبات:‬
            ‫ي َد م َّيب و ع َل الص لح ي ْ عه‬                                       ‫و‬          ‫َ‬     ‫الر ن عل‬
‫{ َّحم ُ ََى الْعرْش اسْتَ َى} [طه: 5]، {إلَيْهِ َصْع ُ الْكَل ُ الط ِّ ُ َالْ َم ُ َّاِ ُ َرفَ ُ ُ} [فاطر: 01]‬
                        ‫و يح ط ب ع ا‬                            ‫س م له ء‬
            ‫وأقرأ فى النفى: {لَيْ َ كَ ِثِْ ِ شَىْ ٌ} [الشورى: 11]، { َال ُ ِي ُونَ ِهِ ِلمً} [طه: 011].‬
                                                            ‫ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى.‬
    ‫فهذا إنشاده وألفاظه فى آخر كتبه. وهو أفضل أهل زمانه على اإلطالق فى علم الكالم والفلسفة،‬
        ‫وكالم أمثاله فى مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه فى كتاب الصواعق وغيره. وذكرنا قول بعض‬
 ‫العارفين بكالم هؤالء "آخر أمر المتكلمين الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح" والقرآن يوصلك إلى‬
 ‫نفس اليقين فى هذه المطالب التى هى أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به. وجعله شفاء لما‬
                                                                     ‫فى الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.‬
        ‫وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب،‬
   ‫والتزهيد فى الدنيا، والترغيب فى اآلخرة، واألمثال والقصص التى فيها أنواع العبر واالستبصار،‬
  ‫فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه فى معاشه ومعاده ويرغب عما يضره، فيصير القلب‬
‫محبا للرشد، مبغضا للغى. فالقرآن مزيل لألمراض الموجهة لإلرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح‬
                                              ‫إرادته، ويعود إلى فطرته التى فطر عليها، فتصلح أفعاله‬

‫(1/5)‬




  ‫ص -34- االختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصالحه إلى الحال الطبيعى، فيصير بحيث‬
                                                    ‫ال يقبل إال الحق، كما أن الطفل ليس بقابل إال اللبن.‬
                                ‫ح ْ و ذل‬           ‫ا و‬                        ‫سب ِ‬            ‫َالط ْ‬            ‫وع‬
                              ‫َ َادَ الْفَتَى ك ِّفلِ، لَيْ َ ِقَابلٍ سِوَى المَحْضِ شَيْئً، َاسْتَرا َت عَ َا ُِهْ‬
  ‫فيتغذى القلب من اإليمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه،‬
   ‫كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه. وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى‬
 ‫يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو باألغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فال ينمو‬
 ‫إال بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب ال يزكو وال ينمو، وال يتم صالحه إال بذلك، وال‬
  ‫سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إال من القرآن، وإن وصل إلى شىء منه من غيره فهو نزر يسير ال‬
   ‫يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع ال يتم إال بهذين األمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل.‬
            ‫ولما كانت حياته ونعيمه ال تتم إال بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا، فنقول:‬

‫(1/3)‬
                                                                 ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                                                           ‫الباب الثامن: فى زكاة القلب‬
                                                                                           ‫الباب الثامن: فى زكاة القلب‬
   ‫الزكاة فى اللغة: هى النماء والزيادة فى الصالح، وكمال الشىء، يقال: زكا الشىء إذا نما، قال اهلل‬
                                                                                                                      ‫تعالى:‬
                                                                     ‫ُ م و ل ِ َ َ ت َهر ُ و ُ َك ه ب‬
                                                  ‫{خذْ ِنْ أمْ َاِهمْ صدقَةً ُط ِّ ُهمْ َتز ِّي ِمْ ِهَا} [التوبة: 301].‬
   ‫فجمع بين األمرين: الطهارة والزكاة، لتالزمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصى فى القلب بمنزلة‬
   ‫األخالط الرديئة فى البدن، وبمنزلة الدغل فى الزرع، وبمنزلة الخبث فى الذهب والفضة والنحاس‬
        ‫والحديد، فكما أن البدن إذا استفرغ من األخالط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت،‬
‫فعملت عملها بال معوق وال ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ‬
                                                     ‫من تخليطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير، فاستراح‬

‫(8/1)‬




    ‫ص -74- من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة: زكا ونما، وقوى واشتد، وجلس على سرير‬
   ‫ملكه، ونفذ حكمه فى رعيته، فسمعت له وأطاعت. فال سبيل له إلى زكاته إال بعد طهارته كما قال‬
                                                                                                                      ‫تعالى:‬
         ‫ع ن‬         ‫ر بم‬              ‫ك ُ إن‬                  ‫و ظ فر ج ُ‬                 ‫ُض م ص‬               ‫ُ ل م من‬
        ‫{قلْ ِل ُؤْ ِ ِينَ يغ ُّوا ِنْ أبْ َارِهْمِ َيَحْفَ ُوا ُ ُو َهمْ ذلِكَ أزْ َى لَهمْ َّ اهللَ خَبِي ٌ ِ َا يصْنَ ُو َ}‬
                                                                                                              ‫[النور: 03].‬
                                                                       ‫فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج.‬
                     ‫ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثالث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر:‬
‫إحداها: حالوة اإليمان ولذته، التى هى أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه هلل تعالى فإن‬
    ‫من ترك شيئا هلل عوضه اهلل عز وجل خيرا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة،‬
‫والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا‬
                                                            ‫إليه، وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل:‬
                                             ‫ِر‬            ‫عب‬                       ‫َ ْ َ ر ِد‬      ‫و ُ مت َ س‬
                                             ‫َكنْتَ َ َى أرْ َلْتَ طرفَك َائ ًا لِقلبكَ يَوْماً أتْ َ َتْكَ المنَاظ ُ‬
                                           ‫َأَيْتَ الذِى ال كَّ ُ أَنْت قَاد ِ َلَيْه َال َنْ َعْ ِهِ أَنْتَ َاب ُ‬
                                           ‫ص ر‬            ‫ُله َ ِ ٌ ع و ع ب ض‬  ‫ر‬                        ‫َّ‬       ‫ر‬

‫(8/2)‬




    ‫فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب واإلرادة، فمن أطلق لحظاته‬
  ‫دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ عالقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير‬
    ‫صبابة. ينصب إليه القلب بكليته. ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب، كلزوم الغريم الذى ال يفارق‬
‫غريمه. ثم يقوى فيصير عشقا. وهو الحب المفرط. ثم يقوى فيصير شغفا. وهو الحب الذى قد وصل‬
                 ‫َب‬                                     ‫ا‬
‫إلى شَغاف القلب وداخله. ثم يقوى فيصير تتيمً. والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عَّده. وتيم اهلل عبد‬
  ‫اهلل. فيصير القلب عبدا لمن ال يصلح أن يكون هو عبدا له. وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب‬
 ‫فى األسر. فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا. يتظلم من الطرْف ويشكوه.‬
                                  ‫ت‬
   ‫والطرْف يقول: أنا رائدك ورسولك، وأنت بعثتنى. وهذا إنما اب ُلى به القلوب الفارغة من حب اهلل‬
 ‫واإلخالص له، فإن القلب ال بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن اهلل وحده محبوبه وإلهه ومعبوده‬
                              ‫فال بد أن ينعقد قلبه لغيره. قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السالم:‬
                                   ‫إنه م ع د م ص ن‬                               ‫ك ل ِ ع ه الس ء و‬
                      ‫{ َذلِكَ ِنَصْرفَ َنْ ُ ُّو َ َالْفَحْشَاءَ ِ ّ ُ ِنْ ِبَا ِنَا ال ُخْلَ ِي َ} [يوسف: 42].‬
‫فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه، مع كونها ذات زوج، ويوسف عليه السالم لما‬
                                                ‫ز‬
                                ‫كان مخلصا هلل تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا ع َبا غريبا مملوكا.‬

‫(8/3)‬




 ‫ص -14- لفائدة الثانية فى غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع الكرمانى: "من‬
        ‫عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن‬
‫المحارم، واعتاد أكل الحالل لم تخطئ له فراسة" وقد ذكر اهلل سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم‬
                                                                                                    ‫قال بعد ذلك:‬
                                                                          ‫ي ل م َسم ن‬                     ‫إ َّ ف‬
                                                            ‫{ِن ِى ذلِكَ آل َاتٍ ِلْ ُتَو ِّ ِي َ} [الحجر: 57].‬
    ‫وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة، وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض‬
                                                                                              ‫أبصارهم وحفظ فروجهم:‬
                                                                                       ‫هلل ن ر الس ت و ْض‬
                                                                         ‫{ا ُ ُو ُ َّموا ِ َاألر ِ} [النور: 53].‬
  ‫وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل. فمن غض بصره عما حرم اهلل عز وجل عليه عوضه‬
   ‫اهلل تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق اهلل نور بصيرته‬
 ‫وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم اهلل تعالى، وهذا أمر يحسه اإلنسان‬
        ‫من نفسه. فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها‬
 ‫صورة الحقائق كما هى عليه. وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات. فيكون علمه وكالمه من‬
                                                                                                 ‫باب الخرص والظنون.‬
   ‫الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه اهلل تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره‬
                             ‫سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما فى األثر:‬
                                                   ‫إن ّ ي ِف و ه ق الش ن م ِله‬
     ‫" َّ الذِى ُخَال ُ هَ َا ُ يَفْرَ ُ َّيْطَا ُ ِنْ ظِّ ِ".ولهذا يوجد فى المتبع هواه من ذل النفس وضعفها‬
  ‫ومهانتها ما جعله اهلل لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه. قال تعالى:‬
                ‫زن و ُم‬              ‫و هن و‬                                       ‫وِل ِزة وِرس له ول م من ن‬
‫{ َلَّهِ الْع َّ ُ َل َ ُوِ ِ َِلْ ُؤْ ِ ِي َ} [المنافقون: 1] وقال تعالى: { َال تَ ِ ُوا َال تَحْ َ ُوا َأنْت ُ األعْلَوْنَ إنْ‬
                ‫ي ِد ِز َ َلل ِزة جم ا‬                         ‫م‬                                ‫ك ُ م من ن‬
   ‫ُنْتمْ ُؤْ ِ ِي َ} [آل عمران: 831] وقال تعالى: { َنْ كَانَ ُري ُ الْع َّة ف َّهِ الْع َّ ُ َ ِيعً} [فاطر: 01].‬
                                                                                                ‫أى من كان يطلب العزة‬

‫(8/4)‬




  ‫فليطلبها بطاعة اهلل: بالكلم الطيب، والعمل الصالح، وقال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب‬
                                    ‫ه ج‬
  ‫الملوك وال يجدونه إال فى طاعة اهلل" وقال الحسن: "وإن َمْلَ َتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال‬
                                       ‫ُ ِل‬
   ‫إن ذل المعصية لفى قلوبهم، أبى اهلل عز وجل إال أن يذ َّ من عصاه، وذلك أن من أطاع اهلل تعالى‬
                                                          ‫فقد وااله، وال يذل من وااله اهلل، كما فى دعاء القنوت:‬
                                                                              ‫د‬       ‫و ي ِز م‬           ‫ِن ُ َ ِل م و‬
                                                                        ‫"إ َّه ال يذ ُّ َنْ َالَيْتَ َال َع ُّ َنْ عَا َيْتَ".‬

‫(8/5)‬
           ‫ص -84- والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على‬
                                                                  ‫استفراغه من أخالطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى:‬
  ‫ل ع ُ َر مته ز م ُ م ح َد و ِن ي َك م ي ء و هلل سم ع ع م‬                                                                   ‫و‬
 ‫{ َلوْال فَضْ ُ اهللِ َلَيْكمْ و َحْ َ ُ ُ مَا َكَى ِنْكمْ ِنْ أَ َدٍ أَب ًا َلك َّ اهللَ ُز ِّى َنْ َشَا ُ َا ُ َ ِي ٌ َلِي ٌ}‬
                                                                                                               ‫[النور: 12].‬
  ‫وذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكى هو باجتناب ذلك.‬
                                                                 ‫وكذلك قوله تعالى فى االستئذان على أهل البيوت:‬
                                                                     ‫كم جع ف جع ه ك ُ‬                                 ‫و ْ‬
                                                     ‫{ َإن قِيلَ لَ ُ ُ ارْ ِ ُوا َار ِ ُوا ُوَ أَزْ َى لَكمْ} [النور: 12].‬
                     ‫يط‬
     ‫فإنهم إذا أمروا بالرجوع لئال يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن َّلع عليها كان ذلك‬
                                            ‫أزكى لهم، كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه، وقال تعالى:‬
                                                                    ‫َل‬      ‫َ َب‬        ‫َ َ م ز و َ‬
                                                ‫{قدْ أفْلَحَ َنْ تَ َكى َذَكرَ اسْم ر ِّهِ فَصَّى} [األعلى: 41- 51].‬
                                                         ‫وقال تعالى عن موسى عليه السالم فى خطابه لفرعون:‬
            ‫ي ت ن الز‬         ‫و ل ل م ْرك ّذ‬                                          ‫َك‬           ‫إل‬        ‫َ‬
‫{هلْ لَكَ َِى أَنْ تَز َّى} [النازعات: 11] وقال تعالى {وَ َي ٌ ِلْ ُش ِ ِينَ ال ِينَ ال ُؤْ ُو َ َّكاةَ} [فصلت:‬
                                                                                                                      ‫3- 7].‬
    ‫قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هى التوحيد: شهادة أن ال إله إال اهلل، واإليمان الذى به‬
  ‫يزكو القلب، فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛‬
‫وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى- وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة- فإنما يحصل بإزالة‬
                                                  ‫ا‬
    ‫الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم األمرين جمعيً. فأصل ما تزكو به القلوب واألرواح. هو التوحيد:‬
         ‫عد وفس‬
 ‫والتزكية جعل الشىء زكيا، إما فى ذاته، وإما فى االعتقاد والخبر عنه، كما يقال: َّلته َّقته، إذا‬
                                                                   ‫جعلته كذلك فى الخارج، أو فى االعتقاد والخبر.‬
                                                                                                  ‫وعلى هذا فقوله تعالى:‬
                                    ‫َ م ْ َك‬                                             ‫ت َك فس ُ‬
                   ‫{فَال ُز ُّوا أَنْ ُ َكمْ} [النجم: 23] هو على غير معنى {قَدْ أفْلَحَ َن ز َّاهَا} [الشمس: 8].‬
                                                   ‫أى ال تخبروا بزكاتها وتقولوا: نحن زاكون صالحون متقون،‬

‫(8/3)‬




                                                                                                    ‫ولهذا قال عقيب ذلك:‬
                                                                                                      ‫ه ل بم ات‬
                                                                                     ‫{ ُوَ أَعُْم ِ َنِ َّقَى} [النجم: 23].‬
                                                          ‫ه‬        ‫ت َك‬
        ‫وكان اسم "زينب" "برة" فقال: " ُز ِّى نَفْس َا؟" فسماها رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم‬
                                                                        ‫ِر م ُ‬                ‫م‬
                                                         ‫"زينب" وقال: "اهلل أَعْل ُ بِأَهْلِ الْب ِّ ِنْكمْ" وكذلك قوله:‬

‫(8/7)‬




                                                                ‫فسه‬          ‫َ َ إ ّذ ُ َك‬
                                                ‫ص -05- {أَلمْ ترَ ِلى ال ِينَ يز ُّونَ أنْ ُ َ ُم} [النساء: 84].‬
  ‫أى يعتقدون زكاءها ويخبرون به، كما يزكى المزكى الشاهد، فيقول عن نفسه ما يقول المزكى فيه،‬
                                                                                                    ‫كما قال اهلل تعالى:‬
                                                                                          ‫َ هلل ي َك م ي ء‬
                                                                            ‫{بلِ ا ُ ُز ِّى َنْ َشَا ُ}[النساء: 84].‬
                                            ‫ا‬
                          ‫أى هو الذى يجعله زاكيا، ويخبر بطاعة اهلل فيصير زاكيً، وهذا بخالف قوله:‬
                         ‫َ َك‬        ‫إل‬        ‫ه‬                                     ‫َ َ م ْ َك‬
     ‫{قدْ أفْلَحَ َن ز َّاهَا} [الشمس: 8] فإنه من باب قوله: { َلْ لَكَ َِى أَنْ تز َّى} [النازعات: 11] أى‬
                                 ‫َ َ م َك‬
                 ‫تعمل بطاعة اهلل تعالى، فتصير زاكيا، ومثله قوله: {قدْ أفْلَحَ َنْ تَز َّى} [األعلى: 41].‬
 ‫وقد اختلف فى الضمير المرفوع فى قوله: زكاها فقيل: هو اهلل. أى أفلحت نفس زكاها اهلل عز وجل،‬
                           ‫م‬
     ‫وخابت نفس دساها، وقيل: إن الضمير يعود على فاعل أفلح، وهو " َن" سواء كانت موصولة أو‬
 ‫موصوفة، فإن الضمير لو عاد على اهلل سبحانه لقال: قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه. واألولون‬
   ‫يقولون "من" وإن كان لفظها مذكرا فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث،‬
  ‫مراعاة للمعنى، وبلفظ المذكر مراعاة للفظ، وكالهما من الكالم الفصيح، وقد وقع فى القرآن اعتبار‬
                                                                                      ‫لفظها ومعناها، فاألول كقوله:‬
      ‫وم ُ م ي مع إ ك‬                                                                 ‫وم ه م ي ع إ ك‬
     ‫{ َ ِنْ ُمْ َنْ َسْتَمِ ُ ِلَيْ َ} [األنعام: 52] فأفرد الضمير، والثانى كقوله: { َ ِنْهمْ َنْ َسْتَ ِ ُونَ ِلَيْ َ}‬
                                                                                                           ‫[يونس: 24].‬
 ‫قال المرجحون للقول األول: يدل على صحة قولنا: ما رواه أهل السنن من حديث ابن أبى مليكة عن‬
    ‫عائشة رضى اهلل عنها قالت: "أتيْ ُ لَيْلَ ً، فَوَ َدْت َ ُولَ ا ِ َّى ا ُ علي ِ وسل َ ي ُو ُ: ر ِّ َعْ ِ‬
    ‫ت ة ج ُ رس هلل صل هلل ه ّم ق ل َب أ ط‬
                                                      ‫وِي و‬                 ‫ْر م ْ زك‬              ‫َك‬         ‫س و‬
                                           ‫نَفْ ِى تَقْ َاهَا، وز ِّهَا، أنْتَ خَي ُ َن َ ّاهَا، أَنْتَ َلُّهَا َمَوْالهَا".‬
         ‫فهذا الدعاء كالتفسير لهذه اآلية، وأن اهلل تعالى هو الذى يزكى النفوس فتصير زاكية، فاهلل هو‬
    ‫المزكى، والعبد هو المتزكى. والفرق بينهما فرق ما بين الفاعل والمطاوع. قالوا: والذى جاء فى‬
                                                                                                                    ‫القرآن‬

‫(8/1)‬
                                ‫من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو بالمعنى الثانى، دون األول. كقوله:‬
                                    ‫َ َك‬        ‫إل‬        ‫َ‬                         ‫َ َ م َك‬
                  ‫{قدْ أفْلَحَ َنْ تَز َّى} [األعلى: 41]، وقوله: {هلْ لَكَ َِى أَنْ تز َّى} [النازعات: 11].‬
    ‫أى تقبل تزكية اهلل تعالى لك، فتتزكى؟ قالوا: وهذا هو الحق. فإنه ال يفلح إال من زكاه اهلل تعالى.‬
‫قالوا: وهذا اختيار ترجمان القرآن ابن عباس، فإنه قال فى رواية على بن أبى طلحة وعطاء والكلبى:‬
                   ‫سه‬             ‫َ أ م َك هلل‬                              ‫َ َ ح م ْ َك هلل ل س‬
                 ‫"قدْ أفْلَ َ َن ز َّى ا ُ تَعَاَى نَفْ َه" وقال ابن زيد: "قدْ َفلَحَ َنْ ز َّى ا ُ تعالى نَفْ َ ُ".‬

‫(8/8)‬




                 ‫ص -15- واختاره ابن جرير. قالوا: ويشهد لهذا القول أيضا قوله فى أول السورة:‬
                                                                                      ‫هم فج ر و و‬
                                                                     ‫{فَأَل َ َهَا ُ ُو َهَا َتَقْ َاهَا} [الشمس: 1].‬
            ‫قالوا: وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها. وذلك فى معنى التسوية.‬
‫قال أصحاب القول اآلخر: ظاهر الكالم ونظمه الصحيح: يقتضى أن يعود الضمير على "من" أى أفلح‬
‫من زكى نفسه. هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم، بل ال يكاد يفهم غيره، كما إذا قلت: هذه جارية قد‬
              ‫ربح من اشتراها، وصالة قد سعد من صالها، وضالة قد خاب من آواها. ونظائر ذلك.‬
  ‫قالوا: والنفس مؤنثة، فلو عاد الضمير على اهلل سبحانه لكان وجه الكالم: قد أفلحت نفس زكاها، أو‬
                                                                    ‫م‬
 ‫أفلحت من زكاها، لوقوع " َن" على النفس. قالوا: وإن جاز تفريغ الفعل من التاء ألجل لفظ "من" كما‬
‫تقول: قد أفلح من قامت منكن، فذاك حيث ال يقع اشتباه والتباس. فإذا وقع االشتباه لم يكن بد من ذكر‬
                                                                                                          ‫ما يزيله.‬
                                                                                   ‫م‬
   ‫قالوا: و " َن" موصولة بمعنى الذى. ولو قيل: قد أفلح الذى زكاها اهلل لم يكن جائزا، لعود الضمير‬
    ‫المؤنث على الذى، وهو مذكر. قالوا: وهو سبحانه قصد نسبة الفالح إلى صاحب النفس إذا زكى‬
        ‫نفسه. ولهذا فرغ الفعل من التاء، وأتى ب "من" التى هى بمعنى "الذى" وهذا الذى عليه جمهور‬
                                      ‫المفسرين، حتى أصحاب ابن عباس رضى اهلل عنهما. وقال قتادة:‬
                                                                                             ‫م ْ زك‬           ‫َ‬
                                                                            ‫{قدْ أفْلَحَ َن َ ّاهَا} [الشمس: 8].‬
   ‫"من عمل خيرا زكاها بطاعة اهلل عز وجل" وقال أيضا: "قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح" وقال‬
 ‫الحسن: "قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة اهلل تعالى، وقد خاب من أهلكها وحملها‬
   ‫على معصية اهلل تعالى" قال ابن قتيبة: "يريد أفلح من زكى نفسه، أى نماها وأعالها بالطاعة والبر‬
                                                                    ‫والصدقة، واصطناع المعروف".‬
                                                                               ‫َ َ ب م َس‬
                                                             ‫{وقدْ خَا َ َنْ د َّاهَا} [الشمس: 01].‬
              ‫زم‬
    ‫أى نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصى. والفاجر أبدا خفى المكان، َ ِن المروءة،‬
                                       ‫غامض الشخص، ناكس الرأس. فمرتكب الفواحش قد دس‬

‫(8/01)‬




   ‫نفسه وقمعها، ومصطنع المعروف قد شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربى ويفاع‬
                                                                                                     ‫األرض‬

‫(8/11)‬




   ‫ص -25- لتشهر أماكنها للمعتفين. وتوقد النيران فى الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل األوالج‬
    ‫واألطراف واألهضام، لتخفى أماكنها على الطالبين، فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها، وهؤالء أخفوا‬
                                                                               ‫أنفسهم ودسوها. وأنشد:‬
                                                   ‫َب َّاب َيْتِك فى َعْلم َحيبِ ال َباءَ ِ َال َسْ َ ِ‬
                                                   ‫م ة و م رح‬                 ‫و َو ب َ م َ ٍ ر‬
                                                  ‫لم ب‬                      ‫ِر و‬          ‫ع ط‬
                                                 ‫كَفَيْتَ الْ ُفَاةَ ِالبَ الْق َى َنَبحَ الْكالبِ ِ ُسْتَنْ ِح‬
                                                                   ‫فهذان قوالن مشهوران فى اآلية.‬
    ‫وفيها قول ثالث: أن المعنى: خاب من دس نفسه مع الصالحين وليس منهم، حكاه الواحدى، قال:‬
‫ومعنى هذا: أنه أخفى نفسه فى الصالحين، يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوى عليه‬
                                                                                                ‫الصالحون.‬
   ‫وهذا- وإن كان حقا فى نفسه- لكن فى كونه هو المراد باآلية نظر، وإنما يدخل فى اآلية بطريق‬
         ‫العموم. فإن الذى يدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دس نفسه فيهم، واهلل تعالى أعلم.‬

‫(8/21)‬
                                                              ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                             ‫الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه‬
                                                            ‫الباب التاسع: فى طهارة القلب من أدرانه ونجاساته‬
  ‫هذا الباب وإن كان داخال فيما قبله، كما بينا أن الزكاة ال تحصل إال بالطهارة، ولكنا أفردناه بالذكر‬
                    ‫لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، وداللة القرآن والسنة عليها. قال اهلل تعالى:‬
 ‫{يَا أُّ َا الْم َّثر ُم فَأَن ِرْ َ َّك فَكَبرْ َ ِياَبَك فَطَهرْ} [المدثر: 1- 4] وقال تعالى: {ُولئِكَ ال ِينَ لمْ ي ِ ِ‬
 ‫ّذ َ ُرد‬                ‫أ‬                                ‫َيه ُد ِّ ُ ق ْ ْذ ورب َ ِّ وث َ ِّ‬
                                  ‫ِرة َ ب ع م‬                 ‫الد ِ ْى و ُ‬           ‫هلل ي َه َ قل ب ُ ه‬
                  ‫ا ُ أَنْ ُط ِّر ُُو َهمْ لَ ُمْ فى ُّنْيَا خز ٌ َلَهمْ فى اآلخ َ ِ عذَا ٌ َظِي ٌ} [المائدة: 14].‬
     ‫وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة‬
                                                                                            ‫إصالح األعمال واألخالق.‬

‫(01/1)‬




 ‫ص -35- قال الواحدى: اختلف المفسرون فى معناه، فروى عطاء عن ابن عباس رضى اهلل عنهما‬
   ‫قال "يعنى من اإلثم، ومما كانت الجاهلية تجيزه" وهذا قول قتادة ومجاهد، قاال: "نفسك فطهرها من‬
      ‫الذنب" ونحوه قول الشعبى وإبراهيم والضحاك والزهرى. وعلى هذا القول: "الثياب" عبارة عن‬
                                                  ‫النفس، والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ:‬
                                                     ‫النع م ر‬                                      ‫وب ف‬                       ‫ر‬
                                                    ‫َمَوْهَا بِأَثْ َا ٍ خِفَا ٍ، فَال تَرَى لَها شَبهًا إال َّ َامَ ال ُنَف َا‬
                                                                       ‫رموها يعنى الركاب بأبدانهم. وقال عنترة:‬
                                                    ‫بم َرم‬              ‫َ م عل‬              ‫َمث به‬                ‫ت ِالر‬
                                                    ‫فَشَكَكْ ُ ب ُّمْحِ األَص ِّ ِياَ َ ُ لَيْسَ الْكرِي ُ ََى الْقَنَى ِ ُح َّ ِ‬
                                                                                                                 ‫يعنى نفسه.‬
  ‫وقال فى رواية الكلبى: يعنى ال تغدر، فتكون غادرا دنس الثياب. وقال سعيد بن جبير: "كان الرجل‬
‫إذا كان غادرا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب" وقال عكرمة: "ال تلبس ثوبك على معصية، وال على‬
                                                                                                    ‫ف‬
                                                      ‫ُجْرة" وروى ذلك عن ابن عباس، واحتج بقول الشاعر:‬
                                                      ‫د ب ت و م ِ ي َنع‬                                               ‫َإن ح‬
                                                      ‫و ِّى بِ َمْدِ اهللِ ال ثَوْبَ غَا ِرٍ لَ ِسْ ُ، َال ِنْ خزْ َةٍ أَتَقَّ ُ‬
   ‫وهذا المعنى أراد من قال فى هذه اآلية "وعملك فأصلح" وهو قول أبى رزين ورواية منصور عن‬
      ‫ا‬                                                             ‫الس‬         ‫ر‬
 ‫مجاهد وأبى َوْق، وقال ُّدى: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرً: إنه‬
                                                                                            ‫لخبيث الثياب. قال الشاعر:‬
                                                            ‫د م‬       ‫ث‬           ‫ُم إن م ن ج م َ‬
                                                            ‫ال ه َّ َّ عَا ِرَ بْ َ َهْ ِ أوْ ذمَ حَجا فى ِيابٍ ُسْ ِ‬
   ‫يعنى أنه متدنس بالخطايا، وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب،‬
                                                                                                    ‫قال امرؤ القيس:‬
                                                                                     ‫ْف ه ر ِية‬                   ‫ث ب‬
                                                                                     ‫ِيا ُ بِنى عَو ٍ طَ َا َى نَق َّ ٌ‬
                                            ‫خق‬
‫يريد أنهم ال يغدرون، بل يفون، وقال الحسن: " ُل ُك فحسنه"، وهذا قول القرطبى، وعلى هذا: الثياب‬
                      ‫عبارة عن الخلق؛ ألن خلق اإلنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه.‬

‫(01/2)‬




     ‫ص -45- وروى العوفى عن ابن عباس فى هذه اآلية "ال تكن ثيابك التى تلبس من مكسب غير‬
‫طيب" والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة، أو من وجه ال يحل اتخاذها منه، وروى عن سعيد بن‬
         ‫جبير: "وقلبك ونيتك فطهر" وقال أبو العباس: الثياب اللباس. ويقال: القلب، وعلى هذا ينشد:‬
                                                                                       ‫ُل ث ب م ث ك سل‬
                                                                                      ‫فَسِّى ِيا ِى ِنْ ِياَبِ ِ تَنْ ُِى‬
   ‫وذهب بعضهم فى تفسير هذه اآلية إلى ظاهرها، وقال: إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التى ال‬
   ‫تجوز معها الصالة، وهو قول ابن سيرين، وابن زيد. وذكر أبو إسحاق: "وثيابك فقصر" قال: ألن‬
 ‫تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على األرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه، وهذا قول‬
   ‫طاوس. وقال ابن عرفة "معناه: نساءك طهرهن" وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس. قال تعالى:‬
                               ‫ئ ُ ُن ل س ُ و ُ ب س ُن‬                             ‫الص الر ث ل‬                 ‫أ ِل ُ‬
               ‫{ُح َّ لَكمْ لَيْلَةَ ِّيامِ َّفَ ُ إَى نِسا ِكمْ ه َّ ِبَا ٌ لَكمْ َأَنْتمْ ل َا ٌ لَه َّ} [البقرة: 711].‬
                                                                      ‫ويكنى عنهن باإلزار، ومنه قول الشاعر:‬
                                                      ‫ٍ رس ً ف ك م ْ خ ة ِز ر‬                                       ‫أ‬
                                                     ‫َال أَبْلِغْ أبَا حَفْص َ ُوال ِدًى لَ َ ِن أ ِى ثِقَ ٍ: إ َا ِى‬
‫ن مم ن نع‬
‫أى أهلى، ومنه قول البراء بن معرور للنبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم ليلة العقبة: "لَنَمْنَع ّكَ ِ ّا َمْ َ ُ‬
                                                                                                            ‫م ه ُزر‬
                                                                                             ‫ِنْ ُ أ ُ َنَا" أى نساءنا.‬
‫قلت: اآلية تعم هذا كله، وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم، إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن‬
     ‫كان طهارة القلب، فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة‬
 ‫خبيثة، كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهى النبى صلى اهلل‬
  ‫تعالى عليه وآله وسلم عن ذلك فى عدة أحاديث صحاح ال معارض لها، لما تكسب القلب من الهيئة‬
                                                                         ‫المشابهة لتلك الحيوانات، فإن المالبسة‬
‫(01/3)‬




    ‫ص -55- الظاهرة تسرى إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب‬
                             ‫القلب من الهيئة التى تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيالء.‬
     ‫والمقصود: أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان‬
                 ‫ا‬
      ‫المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها، فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورً به وإن كان‬
           ‫المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس، فال يتم إال بذلك، فتبين داللة القرآن على هذا وهذا.‬
‫وقوله: {ُوِئك ال ِينَ لمْ ي ِدِ ا ُ أنْ ُطَهر ُُو َهمْ} [المائدة: 14] عقيب قوله: {س َّا ُونَ ِلْك ِ ِ س َّا ُو َ‬
‫َم ع ل َذب َم ع ن‬                                           ‫أ ل ّذ َ ُر هلل ي ِّ َ قل ب ُ‬
                                                    ‫ِ م ب و ضعه‬                       ‫يح ِّف‬
                                    ‫لقوم آخرين لم يأتوك ُ َر ُونَ الْكَلمَ ِنْ َعْدِ مَ َا ِ ِ ِ} [المائدة: 14].‬
  ‫مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه، فإنه إذا‬
‫قبل الباطل أحبه ورضيه، فإذا جاء الحق بخالفه رده وكذبه إن قدر على ذلك، وإال حرفه، كما تصنع‬
  ‫الجهمية بآيات الصفات وأحاديثها، يردون هذه بالتأويل الذى هو تكذيب بحقائقها، وهذه بكونها أخبار‬
  ‫آحاد ال يجوز االعتماد عليها فى باب معرفة اهلل تعالى وأسمائه وصفاته. فهؤالء وإخوانهم من الذين‬
‫لم يرد اهلل أن يطهر قلوبهم، فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق، وتعوضت بالباطل عن كالم اهلل‬
                        ‫و‬
    ‫تعالى ورسوله، كما أن المنحرفين من أهل اإلرادة لما لم تطهر قلوبهم تع ّضوا بالسماع الشيطانى‬
   ‫عن السماع القرآنى اإليمانى. قال عثمان بن عفان رضى اهلل عنه: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من‬
                                                                                                     ‫كالم اهلل".‬
  ‫فالقلب الطاهر، لكمال حياته ونوره وتخلصه من األدران والخبائث، ال يشبع من القرآن، وال يتغذى‬
  ‫إال بحقائقه، وال يتداوى إال بأدويته، بخالف القلب الذى لم يطهره اهلل تعالى، فإنه يتغذى من األغذية‬
  ‫التى تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، ال تالئمه األغذية‬
                                                                                          ‫التى تالئم الصحيح.‬
                                                                                              ‫ودلت اآلية على‬

‫(01/4)‬
         ‫أن طهارة القلب موقوفة على إرادة اهلل تعالى، وأنه سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين‬
                                                                ‫بالباطل، المحرفين للحق، لم يحصل لها الطهارة.‬

‫(01/5)‬




   ‫ص -35- وال يصح أن تفسر اإلرادة هاهنا باإلرادة الدينية، وهى األمر والمحبة، فإنه سبحانه قد‬
‫أراد ذلك لهم أمرا ومحبة، ولم يرده منهم كونا فأراد الطهارة لهم وأمرهم بها، ولم يرد وقوعها منهم،‬
                                  ‫لما له فى ذلك من الحكمة التى فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم.‬
                                                            ‫وقد أشبعنا الكالم فى ذلك فى كتابنا الكبير فى القدر.‬
‫ودلت اآلية على أن من لم يطهر اهلل قلبه فال بد أن يناله الخزى فى الدنيا والعذاب فى اآلخرة، بحسب‬
  ‫نجاسة قلبه وخبثه. ولهذا حرم اهلل سبحانه الجنة على من فى قلبه نجاسة وخبث، وال يدخلها إال بعد‬
                                                                ‫طيبه وطهره. فإنها دار الطيبين. ولهذا يقال لهم:‬
                                                                                            ‫ِد ن‬          ‫ط ُ ْ خل‬
                                                                              ‫{ ِبْتم فَادْ ُُوهَا خَال ِي َ} [الزمر: 37].‬
                   ‫أى ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤالء دون غيرهم، كما قال تعالى:‬
                    ‫مل ن‬            ‫م ع كم خل الجن ب ك‬                       ‫ئ ة َيب ق ل‬                  ‫َف ُم‬           ‫ّذ‬
      ‫{ال ِينَ تَتَو َّاه ُ المَال ِكَ ُ طِّ ِينَ يَ ُوُونَ سَال ٌ َلَيْ ُ ُ ادْ ُُوا َّةَ ِمَا ُنْتمْ تَعْ َُو َ} [النحل: 23].‬
         ‫ا‬
      ‫فالجنة ال يدخلها خبيث، وال من فيه شىء من الخبث. فمن تطهر فى الدنيا ولقى اهلل طاهرً من‬
    ‫نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر فى الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها‬
   ‫بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر فى النار من تلك النجاسة، ثم يخرج‬
   ‫وينق‬  ‫َذ‬
 ‫منها، حتى إن أهل اإليمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيه َّبون َّون‬
  ‫من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن‬
                                                                                                    ‫لهم فى دخول الجنة.‬
  ‫واهلل سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فال يدخل المصلى عليه حتى يتطهر.‬
         ‫وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فال يدخلها إال طيب طاهر. فهما‬
               ‫طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه:‬
                                                                    ‫إ هلل و َد َن مح د ع ْده‬                      ‫َد ْ‬
                                                                    ‫"أَشْه ُ أَن ال إلهَ ِال ا ُ، َأَشْه ُ أ َّ ُ ّم ًا َب ُ ُ‬

‫(01/3)‬
                                           ‫َرس له الل ُم ع ن م َّو ب ن و ع ن م م َهر ن‬
                                         ‫و َ ُوُ ُ. َّه َّ اجْ َلْ ِى ِنَ الت َّا ِي َ َاجْ َلْ ِى ِنَ ال ُتَط ِّ ِي َ".‬
   ‫فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على اهلل تعالى،‬
                                                                                   ‫والوقوف بين يديه ومناجاته.‬

‫(01/7)‬




        ‫ل ُم َه ن م‬
      ‫ص -75- وسألت شيخ اإلسالم عن معنى دعاء النبى صلى اهلل عليه وسلم: "اّله َّ ط ِّرْ ِى ِنْ‬
                                                                                   ‫ي ى م ء و لث ج و َ َد‬
                                                                                 ‫خَطَا َا َ بِال َا ِ َا َّلْ ِ َالْبر ِ".‬
 ‫كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله فى لفظ آخر "والماء البارد" والحار أبلغ‬
                                                                                                         ‫فى اإلنقاء؟.‬
‫فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا، فيرتخى القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه،‬
 ‫فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذى يمد النار ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار‬
 ‫القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صالبة وقوة، فإن كان‬
     ‫معه ثلج وبرد كان أقوى فى التبريد وصالبة الجسم وشدته، فكان أذهب ألثر الخطايا. هذا معنى‬
                                                                 ‫كالمه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح.‬
‫فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان، وأمران معنويان. فالنجاسة التى تزول بالماء هى ومزيلها‬
    ‫حسيان، وأثر الخطايا التى تزول بالتوبة واالستغفار هى ومزيلها معنويان، وصالح القلب وحياته‬
   ‫ونعيمه ال يتم إال بهذا وهذا. فذكر النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم من كل شطر قسما نبه به‬
  ‫على القسم اآلخر. فتضمن كالمه األقسام األربعة فى غاية االختصار، وحسن البيان. كما فى حديث‬
                                                                                              ‫الدعاء بعد الوضوء:‬
                                                      ‫له َّ ع ن م َّو ب ن و ع ن م م َهر ن‬
                                                    ‫"الّ ُم اجْ َلْ ِى ِنَ الت َّا ِي َ َاجْ َلْ ِى ِنَ ال ُتَط ِّ ِي َ".‬
‫فإنه يتضمن ذكر األقسام األربعة. ومن كمال بيانه صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، وتحقيقه لما يخبر‬
                                     ‫به، ويأمر به: تمثيله األمر المطلوب المعنوى باألمر المحسوس.‬
                                            ‫وهذا كثير فى كالمه، كقوله فى حديث على بن أبى طالب:‬
                          ‫ّر و َّد سد الس‬                     ‫ِد ي‬      ‫ُد و َّد د و ُ ه‬                          ‫َ‬
                     ‫"سلِ اهللَ اله َى َالس َا َ، َاذْكرْ بِالْ ُدَى ه َا َتَكَ الط ِيقَ، َبِالس َادِ َ َادَ َّهْم".‬
  ‫هذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر إذا سأل اهلل الهدى إلى طريق رضاه وجنته: كونه‬
         ‫مسافرا، وقد ضل عن الطريق، وال يدرى أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها،‬

‫(01/1)‬




                                                                                                ‫فسأله أن يدله على‬

‫(01/8)‬




         ‫ص -15- الطريق، فهكذا شأن طريق اآلخرة تمثيال لها بالطريق المحسوس للمسافر. وحاجة‬
  ‫المسافر إلى اهلل سبحانه: إلى أن يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد من يدله على‬
   ‫الطريق الموصل إليها. وكذلك السداد، وهو إصابة القصد قوال وعمال، فمثله مثل رامى السهم، إذا‬
  ‫وقع سهمه فى نفس الشىء الذى رماه، فقد سدد سهمه وأصاب ولم يقع باطال، فهكذا المصيب للحق‬
   ‫فى قوله وعمله بمنزلة المصيب فى رميه. وكثيرا ما يقرن فى القرآن هذا وهذا. فمنه قوله تعالى:‬
                                                                              ‫و َز َّد َإن ْ الز الت و‬
                                                             ‫{ َت َو ُوا ف َّ خَيرَ َّادِ َّقْ َى} [البقرة: 781].‬
‫أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، وال يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر اآلخرة، وهو التقوى.‬
 ‫فكما أنه ال يصل المسافر إلى مقصده إال بزاد يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى اهلل تعالى والدار اآلخرة‬
                                        ‫ال يصل إال بزاد من التقوى، فجمع بين الزادين، ومنه قوله تعالى:‬
                  ‫ت ُ َر ا ول س الت و ك ْر‬                          ‫بن د َ َ ْز ع ُ لب يو‬
  ‫{يَا َ ِى آ َم قدْ أَن َلْنَا َلَيْكمْ ِ َاسًا ُ َارِى سَوْءا ِكمْ و ِيشً َِبا ُ َّقْ َى ذلِ َ خَي ٌ} [األعراف: 32].‬
 ‫فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر‬
                                                                                      ‫والباطن، ومنه قوله تعالى:‬
                                                                           ‫ِل و ي‬           ‫ات ع ُد َ‬
                                                          ‫{فَمنِ َّبَ َ ه َاى فَال يض ُّ َال َشْقَى} [طه: 321].‬
 ‫فنفى عنه الضالل، الذى هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذى هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو‬
  ‫منعم القلب والبدن بالهدى والفالح، ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه السالم لما أرته النسوة‬
                                                                                            ‫الالئمات لها فى حبه:‬
       ‫ِه‬        ‫و ْ ر َ ته ع‬                                                     ‫ف ل ُن َّ مُنن ف‬
       ‫{ َذِك َّ الذِى ل ُتَّ ِى ِيه} [يوسف: 23] فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: { َلَقَد َاودْ ُ ُ َنْ نَفْس ِ‬
                                                                                                     ‫َم‬
                                                                                        ‫فَاسْتَعْص َ} [يوسف: 23].‬
‫فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره. فنبه صلى اهلل تعالى‬
                                                ‫ي ى م ء والث ج‬                 ‫م‬     ‫ُم ِّ‬
                                                ‫عليه وآله وسلم بقوله: "الله َّ طَهرْنى ِنْ خطَا َا َ بِال َا ِ َ َّلْ ِ‬

‫(01/01)‬




                                                                                                                        ‫و َ َد‬
                                                                                                                      ‫َالبر ِ".‬
   ‫على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما، وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا،‬
                                                                                                           ‫واهلل تعالى أعلم.‬
          ‫غ ْر ك‬           ‫ِ‬        ‫ِذ َرج م‬
        ‫وقريب من هذا: أنه صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "كان إ َا خ َ َ ِنَ الخالء قَالَ: ُف َانَ َ".‬
       ‫وفى هذا من السر واهلل أعلم، أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه‬
                                  ‫باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد اهلل عند خروجه‬

‫(01/11)‬




   ‫ص -85- على خالصه من هذا المؤذى لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأل أن يخلصه من المؤذى‬
                                                                                         ‫اآلخر ويريح قلبه منه ويخففه.‬
                             ‫وأسرار كلماته وأدعيته صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فوق ما يخطر بالبال.‬
                                                                  ‫فصل فيما فى الشرك والزنا واللواطة من الخبث‬
 ‫وقد وسم اهلل سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث فى كتابه دون سائر الذنوب وإن كانت‬
                                                         ‫مشتملة على ذلك، لكن الذى وقع فى القرآن قوله تعالى:‬
   ‫{يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا إ َّ َا ال ُش ِ ُو َ نَجَ ٌ} [التوبة: 12] وقوله تعالى فى حق اللوطية: { َُوطً آ َيْ َا ُ‬
   ‫ول ا ت ن ه‬                                                  ‫َيه َّذ ن من ِنم م ْرك ن س‬
                    ‫ئ إن ُ ن ْم س ٍ ق‬                            ‫َل‬              ‫ي لت‬               ‫ح ا وع ا و َج ه م‬
 ‫ُكْمً َ ِلْمً َن َّيْنَا ُ ِنَ الْقَرْ َةِ اّ ِى كانَتْ تَعْم ُ الخبَا ِثَ ِ ّهمْ كَا ُوا قَو َ َوْء فَاسِ ِين} [األنبياء: 47]،‬
                                        ‫ل ط م ْ َ ت ُ ِن ُ أ س ي َّر ن‬                    ‫ج‬
                          ‫وقالت اللوطية: {أَخْرِ ُوا آلَ ُو ٍ ِن قرْي ِكمْ إَّهمْ ُنَا ٌ َتَطَه ُو َ} [النمل: 35].‬
‫فأقروا مع شركهم وكفرهم أنهم هم األخابث األنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له،‬
                                                                                              ‫وقال تعالى فى حق الزناة:‬
                                                                          ‫ب ت ل بثن و بث ل ب ت‬
                                                            ‫{الخ ِيثَا ُ ِلْخَ ِي ِي َ َالَخ ِي ُونَ ِلْخَ ِيثَا ِ} [النور: 32].‬
      ‫فأما نجاسة الشرك فهى نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة، فالمغلظة: الشرك األكبر الذى ال‬
       ‫يغفره اهلل عز وجل، فإن اهلل ال يغفر أن يشرك به. والمخففة: الشرك األصغر، كيسير الرياء،‬
    ‫والتصنع للمخلوق، والحلف به وخوفه ورجائه. ونجاسة الشرك عينية. ولهذا جعل سبحانه الشرك‬
      ‫نجسا، بفتح الجيم، ولم يقل: إنما المشركون نجس، بالكسر، فإن النجس عين النجاسة، والنجس،‬
 ‫بالكسر، هو المتنجس. فالثوب إذا أصابه بول أو خمر نجس. والبول والخمر نجس. فأنجس النجاسة‬
                                                         ‫ج‬
   ‫الشرك، كما أنه أظلم الظلم. فإن الن َس فى اللغة والشرع هو المستقذر الذى يطلب مباعدته والبعد‬
                                                          ‫منه، بحيث ال يلمس وال يشم وال يرى،‬

‫(01/21)‬




 ‫ص -03- فضال أن يخالط ويالبس لقذارته، ونفرة الطباع السليمة عنه. وكلما كان الحى أكمل حياة‬
                                            ‫وأصح حياء كان إبعاده لذلك أعظم ونفرته منه أقوى.‬
                            ‫ج‬
 ‫فاألعيان النجسة إما أن تؤذى البدن أو القلب، أو تؤذيهما معا. والن َس قد يؤذى برائحته، وقد يؤذى‬
                                                          ‫بمالبسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة.‬
   ‫والمقصود: أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح‬
‫والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى‬
                                                             ‫الن‬
‫بها، كما يتأذى من يشم رائحة َّتْن، ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا. فإن‬
 ‫نَتْن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن، ولهذا كان الرجل‬
  ‫الصالح طيب العرق. وكان رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم أطيب الناس عرقا. قالت أم‬
     ‫سليم، وقد سألها رسول اهلل عليه الصالة والسالم عنه وهى تلتقطه "هو من أطيب الطيب" فالنفس‬
    ‫النجسة الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد. والنفس الطيبة بضدها، فإذا تجردت‬
                                         ‫و‬
  ‫وخرجت من البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك ُجدت على وجه األرض، ولتلك كأنتن ريح جيفة‬
                                                                      ‫وجدت على وجه األرض.‬
  ‫والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض األشياء إلى‬
    ‫اهلل تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه. ورتب عليه من عقوبات الدنيا واآلخرة ما لم يرتبه على‬
           ‫ذنب سواه، وأخبر أنه ال يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم‬
          ‫ومناكحتهم، وقطع المواالة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولمالئكته ورسله‬
    ‫وللمؤمنين، وأباح ألهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا، وهذا ألن الشرك‬
                                          ‫هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة اإللهية، وسوء ظن‬
‫(01/31)‬




                                                                        ‫ص -13- برب العالمين، كما قال تعالى:‬
     ‫الس ء‬       ‫َّان ن ب هلل َن الس ع ه د‬                  ‫وي َذ من ق ن و من ت و م رك ن و م ر‬
     ‫{ َُع ِّبَ ال ُ َافِ ِي َ َال ُ َافِقا ِ َال ُشْ ِ ِي َ َال ُشْ ِكَاتِ الظ ِّي َ ِا ِ ظ َّ َّوْء َلَيْ ِمْ َائرَة َّوْ ِ‬
                                                           ‫ا‬    ‫و ض هلل ع و ع ه جه ّ و ء م‬
                                              ‫َغَ ِبَ ا ُ َلَيْهمْ َأ َد لَ ُمْ َ َنمَ َسَا َتْ َصِيرً} [الفتح: 3].‬
  ‫فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل اإلشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء، حتى‬
                                                         ‫ح‬
     ‫أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لو ّدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما‬
    ‫قدروه حق قدره فى ثالثة مواضع من كتابه وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدال وندا، يحبه،‬
            ‫ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟ قال تعالى:‬
                                              ‫ْد د ِب ُ ُب هلل‬                          ‫وم الن س م َت ِذ م د‬
                              ‫{ َ ِنَ َّا ِ َنْ يَّخ ُ ِنْ ُونِ اهللِ أَن َا ًا يَحُّونَهمْ كَح ِّ ا ِ} [البقرة: 531].‬
     ‫ر ب َب ِ‬          ‫الس ت و َ ْض وج َ الظل ت َالن ُم َّذ‬                        ‫د لل َّ‬
   ‫وقال تعالى: {الحم ُ ِّهِ الذِى خَلَقَ َّموا ِ َاألر َ َ َعلَ ُُّمَا ِ و ُّورَ ث َّ ال ِينَ كَفَ ُوا ِرِّهمْ‬
                                                                                                                 ‫ي ْدل ن‬
                                                                                                  ‫َع ُِو َ} [األنعام: 1].‬
                                                                                  ‫َ‬
   ‫أى يجعلون له عدْال فى العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هى التسوية التى أثبتها المشركون بين اهلل‬
‫وبين آلهتهم، وعرفوا، وهم فى النار، أنها كانت ضالال وباطال، فيقولون آللهتهم وهم فى النار معهم:‬
                                                ‫من‬            ‫إ ُن ف ض ل مب ِ ن َو ك ِ َب‬
                             ‫{تَاهللِ ِنْ ك َّا لَ ِى َال ٍ ُ ِينٍ إذْ ُس ِّي ُم بر ِّ الْعَالَ ِي َ} [الشعراء: 78-18].‬
       ‫ومعلوم أنهم ما سووهم به فى الذات والصفات واألفعال، وال قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات‬
  ‫واألرض، وأنها تحيى وتميت، وإنما سووها به فى محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما‬
 ‫ترى عليه أهل اإلشراك ممن ينتسب إلى اإلسالم. ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص‬
‫بالمشايخ واألنبياء والصالحين، وما ذنبهم إال أن قالوا: إنهم عبيد ال يملكون ألنفسهم وال لغيرهم ضرا‬
                            ‫وال نفعا، وال موتا وال حياة وال نشورا، وأنهم ال يشفعون لعابديهم أبدا، بل قد‬

‫(01/41)‬




‫حرم اهلل شفاعتهم لهم، وال يشفعون ألهل التوحيد إال بعد إذن اهلل لهم فى الشفاعة، فليس لهم من األمر‬
 ‫شىء، بل األمر كله هلل، والشفاعة كلها له سبحانه، والوالية له، فليس لخلقه من دونه ولى وال شفيع.‬

‫(01/51)‬
     ‫ص -23- فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن باهلل تعالى، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء‬
                                                                                 ‫لخصمائه من المشركين:‬
                                           ‫من‬            ‫َن ُ ِ َب‬            ‫ِ ا له د هلل ُر د‬
                       ‫{أَإفْكً آِ َةً ُونَ ا ِ ت ِي ُونَ فَما ظُّكمْ بر ِّ الْعَالَ ِي َ} [الصافات: 31-71 ].‬
   ‫وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت‬
 ‫تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟ فإن المشرك إما أن يظن أن‬
 ‫اهلل سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه: من وزير، أو ظهير، أو عون. وهذا أعظم التنقيص‬
  ‫لمن هو غنى عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن اهلل سبحانه إنما‬
     ‫تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه ال يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو ال يرحم حتى يجعله‬
‫الواسطة يرحم، أو ال يكفى عبده وحده، أو ال يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع‬
 ‫المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة،‬
  ‫وتعززه به من الذلة، أو ال يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما‬
  ‫هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه ال يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى يرفع‬
  ‫الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل‬
 ‫إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى األكابر والملوك بمن يعز عليهم وال يمكنهم مخالفته، وكل‬
‫هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إال نقص محبة اهلل تعالى وخوفه ورجائه، والتوكل‬
    ‫عليه، واإلنابة إليه، من قلب المشرك، بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص‬
 ‫ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء، بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من‬
                                                                      ‫عبده من دونه- لكفى فى شناعته.‬
 ‫فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص الزم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى‬
                                                                                                       ‫حمده‬

‫(01/31)‬




   ‫سبحانه وكمال ربوبيته أن ال يغفره، وأن يخلد صاحبه فى العذاب األليم، ويجعله أشقى البرية. فال‬
   ‫تجد مشركا قط إال وهو متنقص هلل سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك. كما أنك ال تجد مبتدعا إال‬
‫وهو متنقص للرسول صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة. فإنه يزعم‬
      ‫أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هى السنة، وإن كان مستبصرا فى بدعته فهو‬
                                                                                                          ‫مشاق هلل ورسوله.‬

‫(01/71)‬




    ‫ص -33- فالمتنقصون المنقوصون عند اهلل تعالى ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة وال‬
                                                                                          ‫ب‬
     ‫سيما من َنَى دينه على أن كالم اهلل ورسوله أدلة لفظية ال تفيد اليقين، وال تغنى من اليقين والعلم‬
                                                            ‫شيئا. فياهلل للمسلمين، أى شىء فات من هذا التنقص؟.‬
   ‫وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى، خشية ما يتوهمه من التشبيه والتجسيم فقد جاء من‬
                                                              ‫التنقص بضد ما وصف اهلل سبحانه نفسه من الكمال.‬
   ‫والمقصود: أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص فى الحقيقة، بل هم أعظم الناس تنقصا، لبس عليهم‬
‫الشيطان حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال. ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك فى كتاب اهلل تعالى، قال‬
                                                                                                                         ‫تعالى:‬
   ‫َ‬               ‫ْق و ت ْرك‬                ‫ه م وم ن و ْم و ب ى‬                                   ‫و‬         ‫ُ إنم ح َّ َب‬
 ‫{قلْ ِ ّ َا َرمَ ر ِّىَ الْفَ َاحِشَ مَا ظَ َرَ ِنْهَا َ َا بَطَ َ َاإلث َ َالْ َغْ َ بغير الَح ِّ َأَنْ ُش ِ ُوا بِاهللِ مَا لمْ‬
                                                          ‫م ن‬                       ‫ين ِّ ب س ا و ق ل عل‬
                                          ‫ُ َزلْ ِهِ ُلطَانً َأَنْ تَ ُوُوا ََى اهللِ مَا ال تَعْلَ ُو َ} [األعراف: 33].‬
                                                                     ‫فاإلثم والبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان.‬
                                                                                                                           ‫فصل‬
    ‫وأما نجاسة الذنوب والمعاصى، فإنها بوجه آخر، فإنها ال تستلزم تنقيص الربوبية، وال سوء الظن‬
  ‫باهلل عز وجل. ولهذا لم يرتب اهلل سبحانه عليها من العقوبات واألحكام ما رتبه على الشرك، وهكذا‬
  ‫استقرت الشريعة على أنه يعفى عن النجاسة المخففة، كالنجاسة فى محل االستجمار، وأسفل الخف،‬
                                                       ‫ف‬
                                          ‫والحذاء، وبول الصبى الرضيع وغير ذلك، ماال يعْ َى عن المغلظة.‬
      ‫وكذلك يعفى عن الصغائر ما ال يعفى عن الكبائر، ويعفى ألهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه‬
                                                                                     ‫بالشرك ما ال يعفى لمن ليس كذلك‬
                                                                              ‫فلو لقى الموحد الذى لم يشرك باهلل شيئا‬

‫(01/11)‬
   ‫ص -43- البتة ربه بقراب األرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، وال يحصل هذا لمن نقص توحيده‬
  ‫وشابه بالشرك. فإن التوحيد الخالص الذى ال يشوبه شرك ال يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة‬
      ‫اهلل تعالى وإجالله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب‬
    ‫األرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوى فال تثبت معه، ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من‬
‫غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه‬
    ‫النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك فى العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر،‬
          ‫وكلما كان أعظم إخالصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السالم.‬
                                 ‫صن‬              ‫إنه م ع د‬                   ‫ك ل ِ ع ه الس ء و‬
                    ‫{ َذلِكَ ِنَصْرفَ َنْ ُ ُّو َ َالْفَحْشَاءَ َّ ُ ِنْ ِبَا ِنَا المخْلَ ِي َ} [يوسف: 42].‬
  ‫فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها، بل هو من أعلى أنواع التعبد، وال سيما إذا استولى على‬
    ‫القلب وتمكن منه صار تتيما، والتتيم التعبد، فيصير العاشق عابدا لمعشوقه، وكثيرا ما يغلب حبه‬
‫وذكره والشوق إليه، والسعى فى مرضاته، وإيثار محابه على حب اهلل وذكره، والسعى فى مرضاته،‬
‫بل كثيرا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا بمعشوقه من الصور، كما هو مشاهد،‬
‫فيصير المعشوق هو إلهه من دون اهلل عز وجل يقدم رضاه وحبه على رضى اهلل وحبه، ويتقرب إليه‬
‫ما ال يتقرب إلى اهلل، وينفق فى مرضاته ما ال ينفقه فى مرضاة اهلل، ويتجنب من سخطه ما ال يتجنب‬
            ‫من سخط اهلل تعالى، فيصير آثر عنده من ربه: حبا، وخضوعا، وذال، وسمعا، وطاعة.‬
    ‫ولهذا كان العشق والشرك متالزمين، وإنما حكى اهلل سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط،‬
                            ‫ب‬
   ‫وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوى شرك العبد ُلىَ بعشق الصور، وكلما قوى‬
 ‫توحيده صرف ذلك عنه. والزنا واللواطة كمال لذتهما إنما يكون مع العشق وال يخلو صاحبهما منه،‬
                                                                                                ‫ل‬
                                                                                ‫وإنما ِتنقله من محل إلى‬

‫(01/81)‬




   ‫محل ال يبقى عشقه مقصورا على محل واحد بل ينقسم على سهام كثيرة، لكل محبوب نصيب من‬
                                                                                             ‫تألهه وتعبده.‬

‫(01/02)‬
  ‫ص -53- فليس فى الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية فى تبعيد القلب‬
‫من اهلل، فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب، ال يصعد إليه إال طيب،‬
    ‫وكلما ازداد خبثا ازداد من اهلل بعدا، ولهذا قال المسيح عليه السالم فيما رواه اإلمام أحمد فى كتاب‬
                                       ‫الزهد: "ال يكون البطالون من الحكماء، وال يلج الزناة ملكوت السماء".‬
                             ‫ولما كانت هذا حال الزنا كان قريبا للشرك فى كتاب اهلل تعالى. قال اهلل تعالى:‬
  ‫م من ن‬           ‫م ك ح ل ع‬                      ‫م ر ة َالز نية ي حه إ ز‬                          ‫ي كح إ ز ني‬            ‫الز ن‬
 ‫{ َّا ِى ال َنْ ِ ُ ِال َا ِ َةً أَوْ ُشْ ِكَ ً و َّا ِ َ ُ ال َنْكِ ُ َا ِال َانٍ أَوْ ُشْرِ ٌ وَ ُرمَ ذِكَ َلَى ال ُؤْ ِ ِي َ}‬
                                                                                                                  ‫[النور: 3].‬
   ‫والصواب: القول بأن هذه اآلية محكمة يعمل بها لم ينسخها شىء، وهى مشتملة على خبر وتحريم،‬
‫ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة، والذى أشكل منها على كثير من الناس واضح بحمد اهلل تعالى،‬
                                     ‫م ْر ة‬          ‫ي كح إ ز ني‬            ‫الز ن‬
    ‫فإنهم أشكل عليهم قوله: { َّا ِى ال َنْ ِ ُ ِال َا ِ َةً أَوْ ُش ِكَ ً} [النور: 3] هل هو خبر أو نهى، أو‬
   ‫إباحة؟ فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة، وإن كان نهيا فيكون قد نهى الزانى أن‬
            ‫يتزوج إال بزانية أو مشركة، فيكون نهياً له عن نكاح المؤمنات العفائف، وإباحة له فى نكاح‬
                                             ‫ا‬
   ‫المشركات والزوانى، واهلل سبحانه لم يرد ذلك قطعً، فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا لآلية وجها يصح‬
                                                                                                                 ‫حملها عليه.‬
        ‫فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا، فكأنه قال: الزانى ال يزنى إال بزانية أو مشركة.‬
    ‫وهذا فاسد، فإنه ال فائدة فيه، ويصان كالم اهلل تعالى عن حمله على مثل ذلك، فإنه من المعلوم أن‬
‫الزانى ال يزنى إال بزانية، فأى فائدة فى اإلخبار بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا‬
                                                                                                                           ‫عنه.‬
   ‫بغ‬
  ‫ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة وهى عناق ال َ ِى‬
                                      ‫وصاحبها فإنه أسلم، واستأذن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم فى‬

‫(01/12)‬




                                                                                                 ‫نكاحها فنزلت هذه اآلية.‬

‫(01/22)‬
 ‫ص -33- وهذا أيضاً فاسد، فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن ال يقتصر به‬
                                    ‫على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل االستدالل به على غيرها.‬
                                         ‫يم م ُ‬           ‫و ح‬
                         ‫وقالت طائفة: بل اآلية منسوخة بقوله: { َأَنْكِ ُوا األ َا َى ِنْكمْ} [النور: 23].‬
‫وهذا أفسد من الكل، فإنه ال تعارض بين هاتين اآليتين، وال تناقض إحداهما األخرى، بل أمر سبحانه‬
 ‫بإنكاح األيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة، وذوات المحارم، فأين الناسخ‬
                                                                                       ‫والمنسوخ فى هذا؟.‬
                                                                                 ‫فإن قيل: فما وجه اآلية؟.‬
 ‫قيل: وجهها، واهلل أعلم، أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا‬
      ‫الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه فى سورتى النساء والمائدة والحكم المعلق على الشرط ينتفى عند‬
   ‫انتفائه، واإلباحة قد علقت على شرط اإلحصان، فإذا انتفى اإلحصان انتفت اإلباحة المشروطة به،‬
  ‫فالمتزوج إما أن يلتزم حكم اهلل وشرعه الذى شرعه على لسان رسوله، أو ال يلتزمه، فإن لم يلتزمه‬
    ‫فهو مشرك ال يرضى بنكاحه إال من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه، لم‬
                                                         ‫يصح النكاح، فيكون زانيا، فظهر معنى قوله:‬
                                                                          ‫م رة‬              ‫ي كح إ ز ن‬
                                                              ‫{ال َنْ ِ ُ ِال َا ِيةً أَوْ ُشْ ِكَ ً} [النور: 3]‬
                                                                  ‫وتبين غاية البيان وكذلك حكم المرأة.‬
‫وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة. ومقتضى العقل، فإن اهلل سبحانه‬
                                                               ‫َي‬          ‫َ‬
          ‫حرم على عبده أن يكون قرْنانًا د ُّوثا زوج بغى، فإن اهلل تعالى فطر الناس على استقباح ذلك‬
  ‫واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا فى سب الرجل قالوا زوج قحبة، فحرم اهلل على المسلم أن يكون كذلك.‬
                                               ‫فظهرت حكمة التحريم وبان معنى اآلية، واهلل الموفق.‬
 ‫ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذى يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد‬
                          ‫فراش الزوج وفساد النسب الذى جعله اهلل تعالى بين الناس لتمام مصالحهم،‬

‫(01/32)‬




      ‫ص -73- وعده من جملة نعمه عليهم، فالزنا يفضى إلى اختالط المياه، واشتباه األنساب، فمن‬
                                           ‫محاسن الشريعة: تحريم نكاح الزانية، حتى تتوب وتستبرأ.‬
     ‫وأيضاً فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه، واهلل سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة والمودة‬
‫وخالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا له، والزوج سمى زوجا من االزدواج وهو‬
             ‫ا َ َر‬
  ‫االشتباه فالزوجان االثنان المتشابهان، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعً وقد ًا، فال يحصل‬
 ‫معها االزدواج والتراحم والتواد، فلقد أحسن كل اإلحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن‬
                                                                                                        ‫يكون زوج قحبة.‬
 ‫فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزانى البارحة، وقال: ماء الزانى‬
   ‫ال حرمة له، فهب أن األمر كذلك، فماء الزوج له حرمة، فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزانى فى‬
                                                                                                                ‫رحم واحد؟‬
  ‫والمقصود: أن اهلل سبحانه سمى الزوانى والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه‬
  ‫الطهارة، وإن كان حالال، وسمى فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن، وعن الصالة، وعن المساجد،‬
    ‫فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما يبعد القلب عن اهلل تعالى، وعن الدار‬
                        ‫ر‬
    ‫اآلخرة، بل يحول بينه وبين اإليمان، حتى يحدث طهرا كامال بالتوبة، وطه ًا لبدنه بالماء. وقول‬
                                                                                                                    ‫اللوطية:‬
                                                                ‫ْ ج ه م ْ يت ُ إنه أ س ي َهر ن‬
                                                ‫{أَخرِ ُو ُمْ ِن قَرْ َ ِكمْ ِ ّ ُمْ ُنَا ٌ َتَط َّ ُو َ} [األعراف: 21].‬
                                                                      ‫من جنس قوله سبحانه فى أصحاب األخدود:‬
   ‫ْ ك ب َ‬                  ‫ُ‬                            ‫مد‬          ‫َز‬               ‫ي من‬           ‫م ُ إ‬             ‫وم‬
 ‫{ َ َا نَقَموا ِنْهمْ ِال أَنْ ُؤْ ِ ُوا بِاهللِ الْع ِيزِ الح ِي ِ} [البروج: 1] وقوله تعالى: {قلْ يَا أَهلَ الْ ِتَا ِ هلْ‬
                                               ‫َن ب هلل و أ ْز إ و أ ْز م ْ ْل‬                              ‫قم ِن إ‬
                               ‫تَنْ ِ ُونَ م َّا ِال أَنْ آم َّا ِا ِ َمَا ُن ِلَ ِلَيْنَا َمَا ُن ِلَ ِن قَب ُ} [المائدة: 85].‬
  ‫وهكذا المشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه ال يشوبه باإلشراك. وهكذا المبتدع: إنما‬
                                                  ‫ينقم على السنى تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يشبها بآراء‬

‫(01/42)‬




‫الرجال، وال بشىء مما خالفها. فصبر الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة‬
         ‫خير له وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه اهلل ورسوله عليه من موافقة أهل الشرك‬
                                                                                                                    ‫والبدعة.‬
                                       ‫إ َا لمْ َ ُنْ ُد ِنَ َّبْر فَاصْطَبرْ ََى الحق ذ الص ْر ت َد ع ه‬
                                       ‫ِّ َاكَ َّب ُ ُحْم ُ ُقْبَا ُ‬ ‫ِ عل‬    ‫ذ َ يك ب م الص ِ‬

‫(01/52)‬
                                                  ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                  ‫الباب العاشر: فى عالمات مرض القلب وصحته‬

‫(11/1)‬




                                      ‫ص -13- الباب العاشر: فى عالمات مرض القلب وصحته‬
    ‫كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص، به كماله فى حصول ذلك الفعل منه، ومرضه: أن‬
‫يتعذر عليه الفعل الذى خلق له، حتى ال يصدر منه، أو يصدر مع نوع من االضطراب، فمرض اليد:‬
   ‫أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان: أن يتعذر‬
    ‫عليه النطق، ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها، ومرض القلب: أن‬
 ‫يتعذر عليه ما خلق له من المعرفة باهلل ومحبته والشوق إلى لقائه، واإلنابة إليه، وإيثار ذلك على كل‬
 ‫شهوته، فلو عرف العبد كل شىء ولم يعرف ربه، فكأنه لم يعرف شيئا، ولو نال كل حظ من حظوظ‬
  ‫الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة اهلل، والشوق إليه، واألنس به، فكأنه لم يظفر بلذة وال نعيم‬
  ‫وال قرة عين، بل إذا كان القلب خاليا عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له وال بد، فيصير‬
    ‫معذبا بنفس ما كان منعما به من جهتين من جهة حسرة فوته، وأنه حيل بينه وبينه، مع شدة تعلق‬
 ‫روحه به، ومن جهة فوت ما هو خير له وأنفع وأدوم، حيث لم يحصل له، فالمحبوب الحاصل فات،‬
  ‫والمحبوب األعظم لم يظفر به، وكل من عرف اهلل أحبه، وأخلص العبادة له وال بد، ولم يؤثر عليه‬
 ‫شيئا من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل‬
                     ‫الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب، وتعوضت بمحبة غيره.‬
     ‫وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، وال يعرف به صاحبه، الشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته‬
     ‫وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه ال يشعر بموته، وعالمة ذلك أنه ال تؤلمه جراحات القبائح، وال‬
 ‫يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله‬
                                                                              ‫بالحق بحسب حياته.‬
                                                                            ‫م‬         ‫وم ُ َم‬
                                                                            ‫َ َا لِجرْحٍ ب ِّيتٍ إيال ُ‬

‫(11/2)‬
  ‫ص -83- وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فهو يؤثر بقاء‬
  ‫ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه فى مخالفة الهوى، وذلك أصعب شىء على النفس وليس لها أنفع‬
                                                                                             ‫منه.‬
   ‫وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، وال يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره:‬
     ‫كمن دخل فى طريق مخوف مفض إلى غاية األمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف‬
‫وأعقبه األمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع‬
 ‫من الطريق، ولم يتحمل مشقتها، وال سيما إن عدم الرفيق، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين‬
 ‫ذهب الناس فلى بهم أسوة. وهذه حال أكثر الخلق، وهى التى أهلكتهم، فالصبر الصادق ال يستوحش‬
   ‫من قلة الرفيق وال من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل األول، الذين أنعم اهلل عليهم من النبيين‬
   ‫والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فتفرد العبد فى طريق طلبه دليل على صدق‬
                                                                                            ‫طلبه.‬
                                                                                    ‫سِ‬
‫ولقد ُئلَ إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب عنه. فقيل له: إن أخاك أحمد ابن حنبل يقول فيها بمثل‬
  ‫ذلك. فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقنى عليها ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة،‬
‫فإن الحق إذا الح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس. فإذا‬
     ‫رأى الرائى الشمس لم يحتج فى علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقه عليه.‬
         ‫وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب الحوادث‬
‫والبدع: "حيث جاء به األمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليال‬
    ‫والمخالف له كثيرا" ألن الحق هو الذى كانت عليه الجماعة األولى من عهد النبى صلى اهلل تعالى‬
 ‫عليه وسلم وأصحابه، وال نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. قال عمرو بن ميمون األودى: "صحبت‬
      ‫معاذا باليمن. فما فارقته حتى واريته فى التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد اهلل بن‬

‫(11/3)‬




 ‫مسعود رضى اهلل عنه، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد اهلل على الجماعة، ثم سمعته يوما من‬
                                                                         ‫سي‬
      ‫األيام وهو يقول: َ َلى عليكم والة يؤخرون الصالة عن مواقيتها، فصلوا الصالة لميقاتها، فهى‬
   ‫الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال قلت: يا أصحاب محمد ما أدرى ما تحدثونا؟ قال: وما‬
                    ‫ذاك؟ قلت: تأمرنى بالجماعة وتحضنى عليها ثم تقول: صل الصالة وحدك، وهى‬

‫(11/4)‬




   ‫ص -07- الفريضة، وصل مع الجماعة وهى نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من‬
  ‫أفقه أهل هذه القرية، تدرى ما الجماعة؟ قلت: ال: قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة.‬
 ‫الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك" وفى طريق أخرى: "فضرب على فخذى وقال: ويحك، إن‬
 ‫جمهور الناس فارقوا الجماعة. وإن الجماعة ما وافق طاعة اهلل عز وجل"، قال نعيم بن حماد: "يعنى‬
 ‫إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة‬
                                                                           ‫حينئذ" ذكره البيهقى وغيره.‬
‫وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصرى قال: "السنة، والذى ال إله إال هو بين الغالى والجافى،‬
‫فاصبروا عليها رحمكم اهلل، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقى: الذين‬
 ‫لم يذهبوا مع أهل اإلتراف فى إترافهم، وال مع أهل البدع فى بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا‬
                                                                     ‫ربهم، فكذلك إن شاء اهلل فكونوا".‬
 ‫وكان محمد بن أسلم الطوسى، اإلمام المتفق على إمامته، مع رتبته أتبع الناس للسنة فى زمانه، حتى‬
  ‫قال: "ما بلغنى سنة عن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم إال عملت بها، ولقد حرصت على أن‬
  ‫أطوف بالبيت راكبا، فما مكنت من ذلك"، فسئل بعض أهل العلم فى زمانه عن السواد األعظم الذين‬
                                      ‫َم‬          ‫ذ َ الن ُ ع ُ ِالسو‬
      ‫جاء فيهم الحديث: "إ َا اخْتَلفَ َّاس فَ َلَيكمْ ب َّ َادِ األعْظ ِ". فقال: "محمد بن أسلم الطوسى هو‬
  ‫السواد األعظم" وصدق واهلل، فإن العصر إذا كان فيه إمام عارف بالسنة داع إليها فهو الحجة، وهو‬
   ‫اإلجماع، وهو السواد األعظم، وهو سبيل المؤمنين التى من فارقها واتبع سواها واله اهلل ما تولى،‬
                                                                       ‫وأصاله جهنم، وساءت مصيرا.‬
     ‫والمقصود: أن من عالمات أمراض القلوب عدولها عن األغذية النافعة الموافقة لها إلى األغذية‬
   ‫الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دوائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف،‬
                                                                            ‫وغذاء ضار، ودواء مهلك.‬
                                                                            ‫فالقلب الصحيح يؤثر النافع‬

‫(11/5)‬
                                            ‫الشافى على الضار المؤذى، والقلب المريض بضد ذلك.‬
              ‫وأنفع األغذية غذاء اإليمان، وأنفع األدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء.‬
 ‫ومن عالمات صحته أيضا: أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل باآلخرة، ويحل فيها حتى يبقى كأنه من‬
                        ‫أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه،‬

‫(11/3)‬




‫نك َر ب أ ع بر‬                 ‫الد‬     ‫ك‬                                         ‫ص -17- كما قال النبى‬
‫ِّ عليه الصالة والسالم لعبد اهلل بن عمر: " ُنْ فى ُّنْيا كَأَ ّ َ غ ِي ٌ َوْ َا ِ ُ‬
                                                                         ‫س ل و ُد ك م ْ ب ر‬
                                                                       ‫َبي ٍ، َع َّ نَفْسَ َ ِنْ أَهلِ الق ُو ِ".‬
                                              ‫م يم‬           ‫َف‬            ‫َ ٍ إ من زل‬             ‫ح عل َن‬
                                              ‫فَ َى ََى ج َّاتِ عدْن فَِنهَا َ َا ُِكَ األولَى و ِيهَا ال ُخَ ّ ُ‬
                                                 ‫ن ونسَّم‬               ‫و ِن س ى ع ُو َ َر ع د ل‬
                                                ‫َلكَّنَا َبْ ُ ال َد ِّ، فَهلْ ت َىنَ ُو ُ إَى أَوْطَا ِنَا َ ُ َل ُ؟‬
   ‫وقال على بن أبى طالب رضى اهلل عنه "إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن اآلخرة قد ترحلت مقبلة،‬
   ‫ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء اآلخرة، وال تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل وال حساب،‬
                                                                                     ‫وغدا حساب وال عمل".‬
‫وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى اآلخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب‬
                                                 ‫واعتل آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها.‬
  ‫ومن عالمات صحة القلب أنه ال يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى اهلل ويخبت إليه، ويتعلق‬
     ‫به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذى ال حياة له وال فالح وال نعيم وال سرور إال برضاه‬
    ‫وقربه واألنس به، فبه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوى، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه‬
‫يرجو، وله يخاف. فذكره قوته وغذاؤه ومحبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، وااللتفات‬
   ‫إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به وزال‬
 ‫ذلك االضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن فى القلب فاقة ال يسدها شىء سوى اهلل تعالى أبدا،‬
   ‫وفيه شعث ال يلمه غير اإلقبال عليه، وفيه مرض ال يشفيه غير اإلخالص له، وعبادته وحده، فهو‬
 ‫دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة، ويذوق‬
    ‫طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا األمر الذى له خلق الخلق،‬
‫وألجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إال نفس وجوده لكفى‬
                                                            ‫به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة.‬

‫(11/7)‬




‫ص -27- قال بعض العارفين: "مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها"، وقال‬
           ‫آخر "إنه ليمر بى أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب".‬
              ‫وقال آخر: "واهلل ما طابت الدنيا إال بمحبته وطاعته، وال الجنة إال برؤيته ومشاهدته".‬
    ‫وقال أبو الحسين الوراق: "حياة القلب فى ذكر الحى الذى ال يموت، والعيش الهنى الحياة مع اهلل‬
                                                                                 ‫تعالى ال غير".‬
    ‫ولهذا كان الفوت عند العارفين باهلل أشد عليهم من الموت؛ ألن الفوت انقطاع عن الحق، والموت‬
                                                       ‫انقطاع عن الخلق، فكم بين االنقطاعين؟،.‬
 ‫وقال آخر: "من قرت عينه باهلل تعالى قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه باهلل تقطع قلبه على الدنيا‬
                                                                                      ‫حسرات".‬
‫وقال يحيى بن معاذ: "من سر بخدمة اهلل سرت األشياء كلها بخدمته، ومن قرت عينه باهلل قرت عيون‬
                                                                          ‫كل واحد بالنظر إليه".‬
 ‫ومن عالمات صحة القلب: أن ال يفتر عن ذكر ربه، وال يسأم من خدمته، وال يأنس بغيره، إال بمن‬
                                                       ‫يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا األمر.‬
                                                          ‫ِ د‬
   ‫ومن عالمات صحته: أنه إذا فاته ورْ ُه وجد لفواته ألما أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.‬
               ‫ومن عالمات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشرب.‬
                                   ‫ومن عالمات صحته: أن يكون همه واحدا، وأن يكون فى اهلل.‬
‫ومن عالمات صحته: أنه إذا دخل فى الصالة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها،‬
                                               ‫ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه.‬
              ‫ومن عالمات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا بماله.‬
  ‫ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على اإلخالص فيه والنصيحة‬
                       ‫والمتابعة واإلحسان، ويشهد مع ذلك منة اهلل عليه فيه وتقصيره فى حق اهلل.‬

‫(11/1)‬
                                       ‫ص -37- فهذه ست مشاهد ال يشهدها إال القلب الحى السليم.‬
 ‫وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى اهلل، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له،‬
  ‫ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه‬
 ‫ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إال حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به،‬
                         ‫وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تال عليها:‬
                                       ‫َب ِ ر ضي م ِية‬             ‫َيت ن س م م ِنة جع‬
                      ‫{يَا أَُّهَا ال ّفْ ُ ال ُطْ َئ َّ ُ ارْ ِ ِى إلى ر ِّك َا ِ َة َرْضَّ ً} [الفجر: 72-12].‬
  ‫فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدى إلهه ومعبوده الحق‬
   ‫بصبغة العبودية، فتصير العبودية صفة له وذوقا ال تكلفا، فيأتى بها توددا وتحببا وتقربا، كما يأتى‬
‫المحب المتيم فى محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله. فكلما عرض له أمر من ربه أو نهى أحس من‬
                           ‫المن‬                                       ‫لب‬
  ‫قلبه ناطقا ينطق: " َّيْك وسعديك، إنى سامع مطيع ممتثل، ولك على َّة فى ذلك، والحمد فيه عائد‬
                                                                                                         ‫إليك".‬
                                                                               ‫قر‬
     ‫وإذا أصابه َد َ وجد من قلبه ناطقا يقول: "أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز‬
‫الضعيف المسكين، وأنت ربى العزيز الرحيم، ال صبر لى إن لم تصبرنى، وال قوة لى إن لم تحملنى‬
 ‫وتقونى، ال ملجأ لى منك إال إليك وال مستعان لى إال بك، وال انصراف لى عن بابك، وال مذهب لى‬
                                                                                                        ‫عنك".‬
              ‫دي‬
 ‫فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكليته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمة أه ِ َتْ إلى، ودواء‬
                            ‫نافع من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال: شرا صرف عنى:‬
                                                                   ‫ِر فه‬           ‫ل‬     ‫و َ ر ت ْر خ‬
                                                                   ‫َكمْ ُمْ ُ أَم ًا ِرْتَ ِى فى انْص َا ِ ِ‬
                                                                             ‫ِن َر وَ حم‬                  ‫وم ز‬
                                                                            ‫َ َا ِلْتَ بى م ِّى أَب َّ َأرْ َ َا‬
  ‫فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما‬
                                                                                                           ‫قيل:‬
                                                ‫َد ت ب ل ك ر ق‬                     ‫مسن َر ب ُ ه رض‬
                                               ‫ما َ ّ ِى قد ٌ ِكرْ ٍ أوْ ِ ًى إال اهْت َيْ ُ ِهِ إِيْ َ طَ ِي ًا‬

‫(11/8)‬
                                                ‫ب ِ رف‬           ‫ِن ب ِإن ج ت‬             ‫ض عل الرض‬            ‫ْ‬
                                             ‫أَمضِ القَ َاءَ ََى ِّ َى به م ِّى ِه ِّى و َدْ ُكَ فى ال َالء َ ِيقا‬
                                                                                                ‫فلل‬
                                ‫َّه هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أودعته من الكنوز‬
                                                        ‫والذخائر، وهلل طيب أسرارها وال سيما يوم تبلى السرائر.‬
                                                      ‫ر ر‬        ‫ْ تل‬               ‫ط ب ون ر وب جة ح ن‬                   ‫سي د‬
                                                      ‫َ َبْ ُو لهَا ِي ٌ َ ُو ٌ َ َهْ َ ٌ وَ ُسْ ُ ثَنَاءٍ يَومَ ُبَْى الس َائ ُ‬

‫(11/01)‬




     ‫ص -47- تاهلل، لقد رفع لها علم عظيم فشمرت له، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه،‬
               ‫ودعاها ما دون مطلوبها األعلى فلم تستجب له، واختارت على ما سواه وآثرت ما لديه.‬

‫(11/11)‬




                                                                    ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                          ‫الباب الحادى عشر: فى عالج مرض القلب من استيالء النفس عليه‬
                                          ‫الباب الحادى عشر: فى عالج مرض القلب من استيالء النفس عليه‬
      ‫هذا الباب كاألساس واألصل لما بعده من األبواب، فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب‬
           ‫النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى األعضاء. وأول ما تنال القلب.‬
                                              ‫وقد كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول فى خطبة الحاجة:‬
                       ‫ل‬             ‫فس و َي‬              ‫ع نه و د ه و ِره و ع ذ ب م ُر‬                                          ‫د‬
                  ‫"الحم ُ هلل نَسْتَ ِي ُ ُ َنَسْتَه ِي ِ، َنَسْتَغْف ُ ُ َن ُو ُ ِاهللِ ِنْ ش ُورِ أَنْ ُ ِنَا َس ِّئَاتِ أَعْمَاِنَا".‬
                                                             ‫ح‬
          ‫وفى المسند والترمذى من حديث ُصين بن عبيد أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال له:‬
    ‫"يَا ُ َيْ ُ، كمْ تَعْب ُ؟ قال: َبْ َ ٌ، س َّ ٌ فى األرْ ِ وَ َا ِ ٌ فى َّماءِ، قالَ: فَمنِ ال ِى ُع ُّ ل َغْ َ ِ َ‬
    ‫َّذ ت ِد ِر بتك‬                          ‫ض و حد الس‬                 ‫س عة ِتة‬              ‫حص ن َ ُد‬
 ‫ورَهْ َتِ َ؟ قالَ: الذِى فى َّما ِ. قالَ: أَسْلمْ ح َّى ُ َّمَ َ كَل َاتٍ َنْفَ ُكَ ا ُ ب َا، فأَسْل َ. فَقَالَ: قل: الله َّ‬
 ‫ُ ِ ُم‬                ‫َم‬         ‫ِ َت أعل ك م ي ع هلل ه‬                                   ‫الس ء‬        ‫َّ‬        ‫َ بك‬
                                                                                             ‫ر ْد َقن َر س‬                 ‫ه‬
                                                                                          ‫أَلْ ِمْنى ُش ِى، و ِ ِى ش َّ نَفْ ِى".‬
 ‫وقد استعاذ صلى اهلل عليه وسلم من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من األعمال، ومن شر ما‬
  ‫يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين االستعاذة من شر النفس وسيئات األعمال. وفيه‬
                                                                                                                             ‫وجهان:‬
‫(21/1)‬




   ‫ص -57- أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أى أعوذ بك من هذا النوع من األعمال.‬
                                                  ‫والثانى: أن المراد به عقوبات األعمال التى تسوء صاحبها.‬
                                                         ‫فعلى األول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها.‬
                                                          ‫وعلى الثانى: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها.‬
  ‫ويدخل العمل السيئ فى شر النفس. فهل المعنى: ما يسوءنى من جزاء عملى، أو من عملى السيئ؟‬
   ‫وقد يترجح األول، فإن االستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هى استعاذة من جزائه وموجبه،‬
                                                                                ‫وإال فالموجود ال يمكن رفعه بعينه.‬
‫وقد اتفق السالكون إلى اهلل على اختالف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين‬
       ‫الوصول إلى الرب، وأنه ال يدخل عليه سبحانه وال يوصل إليه إال بعد إماتتها وتركها بمخالفتها‬
                                                                                                            ‫والظفر بها.‬
   ‫فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم‬
                                              ‫ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة ألوامرهم.‬
       ‫قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن‬
                                                                          ‫ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى:‬
 ‫{فَأ َّا َنْ طَغَى َآثَرَ الحياةَ ُّدنْ َا * ف َّ الجحِيمَ ِىَ الْمَأْ َى و َّا َنْ خَافَ مَ َامَ ر ِّهِ َنَ َى َّفْسَ َ ِ‬
 ‫ق َب و ه الن عن‬                          ‫و َأم م‬              ‫ه‬          ‫ال ي َإن‬                     ‫و‬         ‫َم م‬
                                                                                ‫و إن الجن ه م و‬
                                                         ‫الْهَ َى فَِ ّ َّةَ ِىَ ال َأْ َى} [النازعات: 73 - 14].‬
 ‫فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى.‬
   ‫والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة و االبتالء، وقد‬
                   ‫وصف سبحانه النفس فى القرآن بثالث صفات: المطمئنة، واألمارة بالسوء، واللوامة.‬
      ‫فاختلف الناس: هل النفس واحدة، وهذه أوصاف لها؟ أم للعبد ثالث أنفس؟: نفس مطمئنة، ونفس‬
                                                                                                  ‫لوامة، ونفس أمارة.‬
                                 ‫فاألول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين وقول محققى الصوفية.‬
                                                                              ‫والثانى قول كثير من أهل التصوف.‬

‫(21/2)‬
  ‫ص -37- والتحقيق: أنه ال نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثالث باعتبار صفاتها.‬
    ‫فإذا اعتبرت بنفسها فهى واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون األخرى فهى متعددة، وما أظنهم‬
  ‫يقولون إن لكل أحد ثالث أنفس قائمة بذاتها مساوية لألخرى فى الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد‬
                                                      ‫قبضت له ثالث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها.‬
         ‫وحيث ذكر سبحانه النفس، وأضافها إلى صاحبها، فإنما ذكرها بلفظ اإلفراد، وهكذا فى سائر‬
 ‫األحاديث، ولم يجئ فى موضع واحد "نفوسك" و "نفوسه" وال "أنفسك" و"أنفسه" وإنما جاءت مجموعة‬
                                                                                ‫عند إرادة العموم، كقوله:‬
                                                                                     ‫و ذ النف ُ ُوج‬
                                                                     ‫{ َإ َا ُّ ُوس ز ِّ َتْ} [التكوير: 7]‬
                                              ‫أو عند إضافتها إلى الجمع، كقوله صلى اهلل عليه وسلم:‬
                                                                                         ‫ن فس بي هلل‬
                                                                                       ‫"إ ّمَا أَنْ ُ ُنَا ِ َدِ ا ِ".‬
           ‫ولو كانت فى اإلنسان ثالث أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو فى موضع واحد.‬
     ‫فالنفس إذا سكنت إلى اهلل، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهى‬
                                                                 ‫مطمئنة، وهى التى يقال لها عند الوفاة.‬
                                         ‫َب ِ ر ضي م ِي‬              ‫َيت الن س م ِئنة جع‬
                      ‫{يَا أَُّهَا َّفْ ُ ال ُطْم َّ ُ ارْ ِ ِى إلَى ر ِّك َا ِ َةً َرْضَّةَ} [الفجر: 72-12].‬
   ‫قال ابن عباس: "يا أيتها النفس المطمئنة". ارجعى إلى ربك راضية مرضية يقول: المصدقة، وقال‬
‫قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد اهلل" وقال الحسن: "المطمئنة بما قال اهلل. والمصدقة بما‬
‫قال" وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التى أيقنت أن اهلل ربها، وضربت جأشا ألمره وطاعته، وأيقنت‬
                                                                                                           ‫بلقائه".‬
     ‫وحقيقة الطمأنينة: السكون واالستقرار، فهى التى قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم‬
‫تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت‬
     ‫إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا،‬
            ‫ب‬
   ‫وباإلسالم دينا، وبمحمد رسوال واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْ ِه وضمانه،‬

‫(21/3)‬
‫فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها ال غنى‬
                                                                              ‫لها عنه طرفة عين.‬

‫(21/4)‬




‫ص -77- وإذا كانت بضد ذلك فهى أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغى، واتباع‬
    ‫الباطل، فهى مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه. وقد أخبر سبحانه أنها‬
   ‫أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إال إذا رحمها اهلل وجعلها زاكية‬
‫تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة اهلل، ال منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ ألنها خلقت فى األصل‬
   ‫جاهلة ظالمة، إال من رحمه اهلل، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم‬
    ‫يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها. فلم تكن أمارة إال بموجب الجهل والظلم، فلوال فضل اهلل‬
                                                 ‫ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.‬
 ‫فإذا أراد اهلل سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من اإلرادات والتصورات، وإذا لم يرد‬
                                     ‫بها ذلك تركها على حالها التى خلقت عليها من الجهل والظلم.‬
  ‫وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة. وهى فى األصل جاهلة. والحاجة الزمة لها، فلذلك كان أمرها‬
                                                 ‫بالسوء الزما لها إن لم تدركها رحمة اهلل وفضله.‬
‫وبهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، وال تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك‬
                                              ‫عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.‬
                                                                                            ‫فصل‬
     ‫وأما اللوامة فاختلف فى اشتقاق هذه اللفظة، هل هى من التلوم، وهو التلون والتردد، أو هى من‬
                                                 ‫اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.‬
                          ‫قال سعيد بن جبير: "قلت البن عباس: ما اللوامة؟ قال: هى النفس اللئوم".‬
                                                                      ‫ت َد‬
                                             ‫وقال مجاهد: "هى التى ُن ِّم على ما فات وتلوم عليه".‬
   ‫وقال قتادة: "هى الفاجرة" وقال عكرمة: "تلوم على الخير والشر" وقال عطاء عن ابن عباس: "كل‬
 ‫نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن ال يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسىء نفسه أن ال‬
                                                                          ‫يكون رجع عن إساءته".‬
  ‫وقال الحسن: "إن المؤمن، واهلل، ما تراه إال يلوم نفسه على كل حاالته؛ يستقصرها فى كل ما يفعل‬
                                                                            ‫فيندم ويلوم نفسه، وإن‬
‫(21/5)‬




                                                               ‫الفاجر ليمضى قدما ال يعاتب نفسه".‬

‫(21/3)‬




                                              ‫ص -17- فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللوم.‬
                  ‫وأما من جعلها من التلوم فلكثرة ترددها وتلومها، وأنها ال تستقر على حال واحدة.‬
   ‫واألول أظهر، فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلومة. كما يقال: المتلونة والمترددة. ولكن هو من‬
      ‫لوازم القول األول، فإنها لتلومها وعدم ثباتها تفعل الشىء ثم تلوم عليه. فالتلوم من لوازم اللوم.‬
‫والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل فى اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل‬
     ‫منها هذا وهذا. والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها. وكونها أمارة‬
                   ‫بالسوء وصف ذم لها. وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.‬
‫والمقصود: ذكر عالج مرض القلب باستيالء النفس األمارة عليه. وله عالجان: محاسبتها، ومخالفتها،‬
 ‫وهالك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفى الحديث الذى رواه أحمد وغيره‬
                       ‫س‬
  ‫من حديث شداد بن أوس قال: قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: "الكَي ُ من دان نفسه وعمل لما‬
                   ‫بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اهلل" دان نفسه: أى حاسبها.‬
    ‫وذكر اإلمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا،‬
      ‫و َي‬
   ‫وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم فى الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، َتَز َّنوا‬
                                             ‫للعرض األكبر، يومئذ تعرضون ال تخفى منكم خافية".‬
                         ‫وذكر أيضا عن الحسن قال: "ال تلقى المؤمن إال يحاسب نفسه: وماذا أردت‬
‫تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟. والفاجر يمضى قدما قدما ال يحاسب نفسه". وقال‬
                                                                               ‫قتادة فى قوله تعالى:‬
                                                                                ‫ْر ُ فر ا‬         ‫و‬
                                                                  ‫{ َكَانَ أَم ُه ُ ُطً} [الكهف: 12].‬
                                         ‫أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.‬
         ‫وقال الحسن: "إن العبد ال يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".‬
‫(21/7)‬




   ‫ص -87- وقال ميمون بن مهران: "ال يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك‬
                                                       ‫الخو‬
                           ‫لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك َّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك".‬
                   ‫عص‬                                        ‫ا‬
  ‫وقال ميمون بن مهران أيضً: "إن التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان َا ٍ، ومن شريك شحيح".‬
 ‫وذكر اإلمام أحمد عن وهب قال: "مكتوب فى حكمة آل داود: حق على العاقل أن ال يغفل عن أربع‬
         ‫ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين‬
 ‫يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن‬
‫فى هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كالم النبى صلى‬
                                                 ‫اهلل عليه وسلم. رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره.‬
‫وكان األحنف بن قيس يجىء إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على‬
                                    ‫ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكى.‬
‫وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك فى الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب‬
  ‫نفسه فى الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه‬
                                                                 ‫عاد أمره إلى الندامة والخسارة".‬
    ‫وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه هلل، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم‬
 ‫حاسبوا أنفسهم فى الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا األمر من غير محاسبة.‬
   ‫إن المؤمن يفاجئه الشىء ويعجبه، فيقول: واهلل إنى ألشتهيك. وإنك لمن حاجتى، ولكن واهلل ما من‬
  ‫صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بينى وبينك، ويفرط منه الشىء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت‬
   ‫إلى هذا؟ مالى ولهذا؟ واهلل ال أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين‬
‫هلكتهم، إن المؤمن أسير فى الدنيا يسعى فى فكاك رقبته، ال يأمن شيئا حتى يلقى اهلل، يعلم أنه مأخوذ‬
                        ‫عليه فى سمعه وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه فى ذلك‬

‫(21/1)‬
                                                                                                              ‫كله".‬
    ‫قال مالك بن دينار: "رحم اهلل عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم‬
                                                     ‫خطمها، ثم ألزمها كتاب اهلل عز وجل، فكان لها قائدا".‬
                    ‫وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك فى المال، فكما أنه ال يتم مقصود الشركة من‬

‫(21/8)‬




   ‫ص -01- الربح إال بالمشارطة على ما يفعل الشريك أوال، ثم بمطالعة ما يعمل، واإلشراف عليه‬
  ‫ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشارطها‬
‫أوال على حفظ الجوارح السبعة التى حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأس مال،‬
   ‫فكيف يطمع فى الربح؟ وهذه الجوارح السبعة وهى العين، واألذن، والفم، واللسان والفرج، واليد،‬
  ‫والرجل: هى مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا‬
  ‫ق ل م من َ ي ُض‬
‫بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. قال تعالى: { ُلْ ِل ُؤْ ِ ِين َغ ُّوا‬
       ‫إن ل‬         ‫ْض َ‬                 ‫و‬                               ‫م ص ه و ظ فر ج ُ‬
     ‫ِنْ أَبْ َارِ ِمْ َيحف ُوا ُ ُو َهمْ} [النور: 03]. وقال تعالى: { َال تَمْشِ فى األر ِ مرَحًا ِ ّكَ َنْ‬
   ‫ب عل إ‬                    ‫و ْف‬                                      ‫ب ط‬          ‫ل‬         ‫ْض و‬
  ‫تَخْرِقَ األر َ َلَنْ تَبُْغَ الج َالَ ُوال} [اإلسراء: 73] وقال تعالى: { َال تَق ُ مَا لَيْسَ لَكَ ِهِ ٌِم ِن‬
    ‫ق ل‬        ‫َق لع‬                                 ‫ع ه م ئ ال‬           ‫الس ع و ب َر و ف د ُل أ ك‬
  ‫َّمْ َ َالْ َص َ َالْ ُؤَا َ ك ُّ ُولئِ َ كَانَ َنْ ُ َسْ ُو ً} [اإلسراء: 33] وقال تعالى: {و ُلْ ِ ِبادى يَ ُوُوا‬
           ‫َد ا‬            ‫وق ل‬          ‫َي ذ ن من اتق‬                              ‫و‬                ‫ل ه َ سن‬
          ‫اّتى ِى أحْ َ ُ} [اإلسراء: 35] َقال تعالى: {يَا أُّهَا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا اهللَ َ ُوُوا قَوْال س ِيدً}‬
               ‫و ُ س م َدم ل د‬                            ‫َي َّذ من اتق‬
 ‫[األحزاب: 07] وقال تعالى: {يَا أ ُّهَا ال ِينَ آ َُوا َّ ُوا اهللَ َلْتَنْظرْ نَف ٌ َا ق َّ َتْ ِغَ ٍ} [الحشر: 11].‬
‫فإذا شارطها على حفظ هذه الجوارح انتقل منها إلى مطالعتها واإلشراف عليها ومراقبتها، فال يهملها،‬
   ‫ت‬
‫فإنه إن أهملها لحظة رتعت فى الخيانة وال بد، فإن تمادى على اإلهمال تمادت فى الخيانة حتى ُذهب‬
  ‫رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران،‬
                                                                                 ‫َس‬
      ‫فإذا أح َّ بالخسران وتيقنه استدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما‬
                  ‫مضى، والقيام بالحفظ والمراقبة فى المستقبل، وال مطمع له فى فسخ عقد الشركة مع‬

‫(21/01)‬
  ‫هذا الخائن، واالستبدال بغيره، فإنه ال بد له منه فليجتهد فى مراقبته ومحاسبته، وليحذر من إهماله.‬
    ‫ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار‬
                                            ‫الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا.‬
   ‫ويعينه عليها أيضا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه،‬
 ‫وخسارتها: دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على‬
‫الحازم المؤمن باهلل واليوم اآلخر أن ال يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها فى حركاتها وسكناتها‬
                                           ‫وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة‬

‫(21/11)‬




  ‫ص -11- ال حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز ال يتناهى نعيمه أبد اآلباد. فإضاعة هذه‬
      ‫األنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هالكه: خسران عظيم ال يسمح بمثله إال أجهل الناس‬
     ‫ْم جد ُل س عمل‬
   ‫وأحمقهم وأقلهم عقال. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: {يَو َ تَ ِ ُ ك ُّ نَفْ ٍ مَا َ َِتْ‬
                             ‫َد ن ب وب ه م بع ا‬                                    ‫م ْر م ض و عم م س‬
            ‫ِنْ خَي ٍ ُحْ َراً َمَا َ ِلَتْ ِن ُوءٍ تَو ُّ لَوْ أَ ّ َيْنَهَا َ َيْنَ ُ أَ َداً َ ِيدً} [آل عمران: 03].‬
                                                                                                                ‫فصل‬
                                                        ‫ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده.‬
  ‫فأما النوع األول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، وال يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على‬
                                                                                                                ‫تركه.‬
       ‫قال الحسن رحمه اهلل: رحم اهلل عبدا وقف عند همه، فإن كان هلل مضى، وإن كان لغيره تأخر.‬
   ‫وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من األعمال وهم به العبد، وقف أوال ونظر: هل‬
 ‫ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور وال مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا‬
 ‫وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه‬
     ‫ولم يقدم عليه، وإن كان األول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه اهلل عز وجل‬
‫وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه،‬
 ‫لئال تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير اهلل، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل هلل‬
‫تعالى، حتى يصير أثقل شىء عليها، وإن كان األول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله‬
 ‫أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم ال؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه،‬
                  ‫كما أمسك النبي صلى اهلل عليه وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار،‬
‫(21/21)‬




 ‫ص -21- وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، وال يفوت النجاح إال من فوت خصلة من‬
                                                 ‫هذه الخصال، وإال فمع اجتماعها ال يفوته النجاح.‬
‫فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا‬
‫له، وال كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، وال كل ما يكون فعله خيرا له من تركه‬
 ‫يفعله هلل، وال كل ما يفعله هلل يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما‬
                                                                                      ‫يحجم عنه.‬
                                                                                            ‫فصل‬
                                          ‫النوع الثانى: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثالثة أنواع:‬
    ‫أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق اهلل تعالى، فلم توقعها على الوجه الذى ينبغي.‬
     ‫وحق اهلل تعالى فى الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهى: اإلخالص فى العمل، والنصيحة هلل فيه،‬
  ‫ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد اإلحسان فيه، وشهود منة اهلل عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد‬
                                                                                        ‫ذلك كله.‬
                                                                        ‫َف‬
                        ‫فيحاسب نفسه: هل و َّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها فى هذه الطاعة؟.‬
                                ‫الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.‬
  ‫الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به اهلل والدار اآلخرة؟ فيكون‬
                              ‫رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.‬
                                                                                            ‫فصل‬
  ‫وأضر ما عليه اإلهمال، وترك المحاسبة واالسترسال، وتسهيل األمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به‬
                           ‫ُش‬
  ‫إلى الهالك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويم ِّى الحال، ويتكل على العفو،‬
                           ‫فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة‬

‫(21/31)‬
    ‫ص -31- الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من‬
                                                                                      ‫الفطام وترك المألوف والمعتاد.‬
   ‫قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد اهلل قال: "كان توبة بن‬
‫الصمة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه، فحسب يوما، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هى أحد‬
    ‫وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتى، ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟‬
‫كيف وفى كل يوم آالف من الذنوب؟. ثم خرج مغشيا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائال يقول: "يا لك‬
                                                                                      ‫ركضة إلى الفردوس األعلى"".‬
        ‫وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أوال على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو‬
         ‫إصالح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة واالستغفار‬
‫والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر واإلقبال‬
   ‫على اهلل تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجاله، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا‬
 ‫أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه البد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان:‬
  ‫ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فاألول سؤال عن اإلخالص، والثانى سؤال عن المتابعة، وقال تعالى:‬
   ‫َن ّذ ُ ِل‬                                                  ‫مل ن‬        ‫ع َم ن‬                   ‫َنه‬              ‫َ َب‬
   ‫{فَور ِّكَ لَنَسْأَل َّ ُمْ أَجْم ِينَ ع َّا كَا ُوا يعْ َُو َ} [الحجر: 28 - 38] وقال تعالى {فَلَنَسْئَل َّ ال ِينَ أرْس َ‬
  ‫لي أل‬                                  ‫ِ و َن م سل َ ق َّن ع ِ بع ْم وم ُن ئ ن‬
  ‫إلَيْهمْ َلَنَسْئَل َّ ال ُرْ َِين فَلَنَ ُص َّ َلَيْهمْ ِ ِل ٍ َ َا ك َّا غَا ِبي َ} [األعراف: 3 - 7] وقال تعالى {ِ َسَْ َ‬
                                                                                                 ‫الص ِق ع ِ ْ‬
                                                                             ‫َّاد ِينَ َن صدقِهمْ} [األحزاب: 1].‬
                                             ‫فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟.‬
    ‫قال مقاتل: "يقول تعالى: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل اهلل الصادقين، يعني النبيين، عن تبليغ الرسالة".‬
 ‫وقال مجاهد: "يسأل المبلغين المؤدين عن الرسل، يعني: هل بلغوا عنهم كما يسأل الرسل، هل بلغوا‬
                                                                                                                        ‫عن‬

‫(21/41)‬




                                                                                                              ‫اهلل تعالى؟".‬
‫والتحقيق: أن اآلية تتناول هذا وهذا، فالصادقون هم الرسل، والمبلغون عنهم، فيسأل الرسل عن تبليغ‬
  ‫رساالته ويسأل المبلغين عنهم عن تبليغ ما بلغتهم الرسل، ثم يسأل الذين بلغتهم الرسالة ماذا أجابوا‬
                                                                                             ‫المرسلين، كما قال تعالى:‬
                                                                  ‫و ي د ِ يق ل م ج ُم ُ سل ن‬
                                                    ‫{ َيَوْمَ ُنَا ِيهمْ فَ َ ُو ُ َاذا أَ َبْت ُ المرْ َِي َ} [القصص: 53].‬
‫(21/51)‬




       ‫ص -41- قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما األولون واآلخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم‬
                                                              ‫المرسلين؟ فيسأل عن المعبود وعن العبادة.‬
                                                               ‫ُم ت ُن م ِ ع النع م‬
                                                ‫وقال تعالى: {ث َّ لَُسْأَل َّ يَوْ َئذٍ َنِ َّ ِي ِ} [التكاثر: 1].‬
   ‫قال محمد بن جرير: يقول اهلل تعالى: ثم ليسألنكم اهلل عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه فى الدنيا:‬
                              ‫ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟.‬
                                  ‫وقال قتادة: "إن اهلل سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه".‬
 ‫والنعيم المسئول عنه نوعان: نوع أخذ من حله وصرف فى حقه، فيسأل عن شكره. ونوع أخذ بغير‬
                                         ‫حله وصرف فى غير حقه، فيسأل عن مستخرجه ومصرفه.‬
      ‫فإذا كان العبد مسئوال ومحاسبا على كل شىء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى:‬
                                              ‫عهم ئ‬             ‫إن الس ع و ب َر و ف د ُل أ ك‬
                           ‫{ َّ َّمْ َ َالْ َص َ َالْ ُؤَا َ ك ُّ ُولئِ َ كَانَ َنْ ُ َسْ ُوال} [اإلسراء: 33].‬
                                                    ‫فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش الحساب.‬
                                                         ‫وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى:‬
                                          ‫و ُ س م َدم ل َد‬                           ‫َيه َّذ ن من اتق‬
                            ‫{يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا اهللَ َلْتَنْظرْ نَفْ ٌ َا ق َّ َتْ ِغ ٍ} [الحشر: 11].‬
‫يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من األعمال: أمن الصالحات التى تنجيه، أم من السيئات‬
                                                                                                      ‫التى توبقه؟‬
                                             ‫قال قتادة: "ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد".‬
                    ‫والمقصود أن صالح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها واالسترسال معها.‬
                                                                                                              ‫فصل‬
 ‫وفى محاسبة النفس عدة مصالح منها: االطالع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه‬
                                                 ‫إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها فى ذات اهلل تعالى.‬
‫وقد روى اإلمام أحمد عن أبى الدرداء رضي اهلل عنه قال: "ال يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس‬
                                                 ‫فى جنب اهلل، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".‬
                                            ‫ت‬                                            ‫ُطر‬
                                    ‫وقال م ِّف بن عبد اهلل: "لوال ما أعلم من نفسي لقَليْ ُ الناس".‬

‫(21/31)‬
                           ‫ص -51- وقال مصرف فى دعائه بعرفة: "اللهم ال ترد الناس ألجلى".‬
   ‫وقال بكر بن عبد اهلل المزني: "لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم، لوال أني كنت‬
                                                                                          ‫فيهم".‬
                                                 ‫ت‬
                                    ‫وقال أيوب السختياني: "إذا ذكر الصالحون كن ُ عنهم بمعزل".‬
  ‫ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو األشهب، وحماد بن سلمة، فقال له حماد: "يا أبا عبد اهلل،‬
      ‫أليس قد أمنت مما كنت تخافه؟ وتقدم على من ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة،‬
                               ‫أتطمع لمثلي أن ينجو من النار؟ قال: إي واهلل، إنى ألرجو لك ذلك".‬
     ‫وذكر زيد عن مسلم بن سعيد الواسطي قال: أخبرني حماد بن جعفر بن زيد: أن أباه أخبره قال:‬
                                                  ‫ص‬
 ‫"خرجنا فى غزاة إلى كابل، وفى الجيش: ِلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة، فصلوا ثم اضطجع‬
  ‫فقلت: ألرمقن عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منا،‬
 ‫فدخلت على أثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسد حتى دنا منه، فصعدت فى شجرة فتراه التفت أو‬
   ‫عده جروا؟ فلما سجد قلت: اآلن يفترسه، فجلس ثم سلم ثم قال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان‬
 ‫آخر. فولى وإن له لزئيرا، أقول: تصدع الجبال منه. قال فما زال كذلك يصلي حتى كان عند الصبح‬
  ‫جلس، فحمد اهلل تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إنى أسألك أن تجيرني من النار، ومثلى‬
 ‫يصغر أن يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من‬
                                                                       ‫الفترة شىء اهلل به عالم".‬
    ‫وقال يونس بن عبيد: "إنى ألجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن فى نفسي منها واحدة".‬
                               ‫وقال محمد بن واسع: "لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد يجلس إلى".‬
              ‫وذكر ابن أبى الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: "كان راهب فى بنى إسرائيل فى صومعة‬

‫(21/71)‬




                                                                    ‫ت‬
‫ص -31- منذ ستين سنة. فأ ِىَ فى منامه. فقيل له: إن فالنا اإلسكافي خير منك- ليلة بعد ليلة- فأتى‬
‫اإلسكافي، فسأله عن عمله. فقال: إني رجل ال يكاد يمر بى أحد إال ظننته أنه فى الجنة وأنا فى النار،‬
                                                         ‫ففضل على الراهب بإزرائه على نفسه".‬
  ‫وذكر داود الطائي عند بعض األمراء؛ فأثنوا عليه فقال: "لو يعلم الناس بعض ما نحن فيه ما ذل لنا‬
                                                                                                               ‫لسان بذكر خير أبدا".‬
 ‫وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام األوقات ولم يخالفها فى جميع األحوال، ولم يجرها إلى‬
               ‫مكروهها فى سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شىء منها فقد أهلكها".‬
‫فالنفس داعية إلى المهالك، معينة لألعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء؛ فهى تجري بطبعها‬
                                                                                                                  ‫فى ميدان المخالفة.‬
   ‫فالنعمة التى ال خطر لها: الخروج منها، والتخلص من رقها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين اهلل‬
                                                             ‫تعالى، وأعرف الناس بها أشدهم إزراء عليها، ومقتا لها.‬
    ‫قال ابن أبى حاتم فى تفسيره: حدثنا علي بن الحسين المقدمي: حدثنا عامر ابن صالح عن أبيه عن‬
‫ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه قال: "اللهم اغفر لى ظلمى وكفرى، فقال قائل: يا أمير‬
                                                ‫المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن اإلنسان لظلوم كفار".‬
   ‫قال: وحدثنا يونس بن حبيب: حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائى‬
                                                           ‫قال: "سألت عائشة رضى اهلل عنها عن قول اهلل عز وجل:‬
‫{ث َّ أَوْ َثْنَا الْ ِتَابَ الذين اصْطَفَيْنَا ِنْ ِ َا ِنَا، فَ ِنْهمْ ظَاِ ٌ ِنَفْ ِ ِ، َ ِنْهمْ ُقْتَ ِ ٌ، َ ِنْهمْ سَابِ ٌ بِالَخْ َرا ِ‬
‫ي ت‬           ‫ق‬         ‫م عب د م ُ لم ل سه وم ُ م صد وم ُ‬                                                             ‫ُم ر ك‬
                                                                                   ‫ِ هلل‬
   ‫بِإذْنِ ا ِ} [فاطر: 23]. فقالت: يا بنى، هؤالء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضي علي عهد‬
          ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، شهد له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بالجنة والرزق، وأما‬
      ‫المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلكم، فجعلت نفسها‬
                                                                                                                                    ‫معنا".‬

‫(21/11)‬




‫ص -71- وقال اإلمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا شريك عن عاصم عن أبى وائل عن مسروق، قال:‬
                                                               ‫دخل عبد الرحمن علي أم سلمة رضي اهلل عنها، فقالت:‬
       ‫" َ ِعْ ُ ال َّ صلي ا ُ وسلم يقول: إ َّ ِنْ أصْحَابى ل َنْ ال ي َا ِى َعدَ أَنْ أَ ُوتَ أَ َدا فَخ َجَ َبْ ُ‬
       ‫ب َر ع د‬                ‫م‬           ‫َر ن ب ْ‬        ‫م‬              ‫ِن م‬              ‫هلل‬     ‫سم ت َّنبي‬
  ‫ق ل ُمك م‬                            ‫ه‬            ‫عل ع َ رضى هلل ع ه‬               ‫م ع ْ ه َ ع ا َت‬               ‫الر‬
  ‫َّحمنِ ِنْ ِندِ َا مذْ ُورً، ح َّى دَخَلَ ََي ُمرَ َ ِ َ ا ُ َنْ ُ. فَقَالَ ل ُ: اسْمَعْ مَا تَ ُو ُ أ ُّ َ، فَقَا َ‬
       ‫ول‬               ‫م ُ ن‬                ‫ُد ب‬               ‫ث َّ‬            ‫ه َ َ ع ه‬               ‫ع َر رض هلل ع ه َت‬
     ‫ُم ُ َ ِىَ ا ُ َنْ ُ ح َّى أَتَا َا فدَخلَ َلَي َا فَسَأَلهَا، ُم قَالَ: أَنْش ُكِ ِاهللِ، أَ ِنْهمْ أَ َا؟ قالَتْ: ال، ََنْ‬
                                                                                                                      ‫ُب ب ْد ح ا‬
                                                                                                                    ‫أ َرئَ َع َكَ أَ َدً".‬
     ‫فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني ال أفتح عليها هذا الباب، ولم ترد أنك وحدك البرئ من ذلك‬
                                                                                                                ‫دون سائر الصحابة.‬
      ‫ومقت النفس فى ذات اهلل من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من اهلل سبحانه فى لحظة واحدة‬
                                                            ‫أضعاف أضعاف ما يدنو به بالعمل.‬
   ‫ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: "إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم فى يوم‬
‫عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب‬
                          ‫كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى اهلل عز وجل إلى نبيهم: إن فالنا صديق".‬
  ‫وقال اإلمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس: حدثنا منذر عن وهب: "أن رجال سائحا عبد اهلل‬
 ‫عز وجل سبعين سنة. ثم خرج يوما فقلل عمله وشكا إلى اهلل تعالى منه. واعترف بذنبه فأتاه آت من‬
                    ‫اهلل عز وجل فقال: إن مجلسك هذا أحب إلي من عملك فيما مضى من عمرك".‬
 ‫قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، أبو هالل، عن قتادة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السالم: "سلونى،‬
                                                             ‫فإنى لين القلب، صغير عند نفسى".‬

‫(21/81)‬




     ‫ص -11- وذكر أحمد أيضا عن عبد اهلل بن رباح األنصاري قال "كان داود عليه السالم ينظر‬
 ‫أغمص حلقة فى بني إسرائيل فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا رب مسكين بين ظهرانى مساكين".‬
   ‫وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السالم: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغنى‬
                           ‫عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولوال ذلك انهدموا".‬
  ‫وفى كتاب الزهد لإلمام أحمد: "أن رجال من بنى إسرائيل تعبد ستين سنة فى طلب حاجة. فلم يظفر‬
‫بها. فقال فى نفسه: واهلل لو كان فيك خير لظفرت بحاجتك، فأتى فى منامه، فقيل له: أرأيت ازدراءك‬
                                       ‫على نفسك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين".‬
   ‫ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق اهلل تعالى عليه. ومن لم يعرف حق اهلل تعالى عليه‬
                                          ‫فإن عبادته ال تكاد تجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدا.‬
   ‫وقد قال اإلمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي اهلل موسى‬
 ‫عليه السالم مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى اهلل تعالى إليه:‬
                              ‫لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر فى حقي عليه".‬
       ‫فمن أنفع ما للقلب النظر فى حق اهلل على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، واإلزدراء عليها،‬
‫ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل واالنكسار بين يدي اهلل، واليأس من‬
‫نفسه، وأن النجاة ال تحصل له إال بعفو اهلل ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع وال يعصى، وأن‬
                                                              ‫يذكر فال ينسى، وأن يشكر فال يكفر.‬
  ‫فمن نظر فى هذا الحق الذى لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه ال يسعه إال‬
                                                     ‫العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.‬
 ‫فهذا محل نظر أهل المعرفة باهلل تعالى وبنفوسهم، وهذا الذى أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله‬
                                                                                ‫بعفو اهلل ورحمته.‬
 ‫وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون فى حقهم على اهلل، وال ينظرون فى حق اهلل‬
                                                                                      ‫عليهم. ومن‬

‫(21/02)‬




 ‫هاهنا انقطعوا عن اهلل، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا‬
                                                                  ‫غاية جهل اإلنسان بربه وبنفسه.‬
                  ‫فمحاسبة النفس هو نظر العبد فى حق اهلل عليه أوال، ثم نظره هل قام به كما ينبغي‬

‫(21/12)‬




                                             ‫ي َي‬
      ‫ص -81- ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر فى ذلك؛ فإنه ُس ِّر القلبَ إلى اهلل ويطرحه بين يديه ذليال‬
                                                             ‫ر‬                 ‫ً‬             ‫ع‬
‫خاض ًا منكسراً كسرا فيه جبره، ومفتق ًا فقراً فيه غناه. وذليالً ذالً فيه عزه، ولو عمل من األعمال ما‬
                               ‫عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى.‬
‫وقال اإلمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجونى عن أبي الخلد أن اهلل‬
 ‫تعالى أوحى إلى موسى عليه السالم: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري‬
                                                                                 ‫ا‬      ‫ا‬
   ‫خاشعً مطمئنً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير‬
                 ‫الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجنى حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق".‬
                                                             ‫ومن فوائد نظر العبد في حق اهلل عليه‬
                                          ‫أدل‬                            ‫ُ ِل‬
     ‫أن ال يتركه ذلك يد ُّ بعمل أصال كائنا ما كان، ومن َّ بعمله لم يصعد إلى اهلل تعالى كما ذكر‬
 ‫اإلمام أحمد عن بعض أهل العلم باهلل أنه قال له رجل: "إني ألقوم في صالتى؛ فأبكى حتى يكاد ينبت‬
   ‫البقل من دموعى؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف هلل بخطيئتك خير من أن تبكى وأنت مدل‬
                                                                       ‫م ِّ‬
      ‫بعملك. فإن صالة ال ُدل ال تصعد فوقه. فقال له: أوصنى، قال: عليك بالزهد فى الدنيا، وأن ال‬
  ‫تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على‬
           ‫عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح هلل عز وجل نصح الكلب ألهله، فإنهم يجيعونه‬
                                                           ‫ويطردونه ويأبى إال أن يحوطهم، وينصحهم".‬
                                                                               ‫ومن هاهنا أخذ الشاطبى قوله:‬
                                           ‫ن حه م َت‬                      ‫ب ي ص ه ل هو‬                    ‫ك‬        ‫ََ ْ‬
                                         ‫وقد قِيلَ: ُنْ كالْكَلْ ِ ُقْ ِي ِ أَهُْ ُ َال يَأْتلى فى ُصْ ِ ِمْ ُتَب ِّال‬

‫(21/22)‬




                 ‫ال‬
  ‫وقال اإلمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريرى قال: "بلغنى أن رج ً من بني إسرائيل‬
  ‫كانت له إلى اهلل عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلي اهلل تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات‬
  ‫ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك ال [تقضى] حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه‬
                       ‫ت‬         ‫قب‬                    ‫قب‬
         ‫وألزم المالمة نفسه، فقال: أما واهلل ما من ِ َل ربى أتيت ولكن من ِ َل نفسى أ ِيت، فبات ليلته‬
                                                                                               ‫ا‬
                                                            ‫مزريً، وألزم نفسه المالمة، فقضيت حاجته".‬

‫(21/32)‬




                                                       ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                   ‫الباب الثانى عشر: فى عالج مرض القلب بالشيطان‬

‫(31/1)‬




                                      ‫ص -08- الباب الثانى عشر: فى عالج مرض القلب بالشيطان‬
                                                   ‫ا‬
 ‫هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعً، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم‬
                         ‫بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا في ذلك، وقصروا فى هذا الباب.‬
    ‫ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن‬
                                             ‫إ الن ألم رة ِالس ء‬
                                ‫النفس المذمومة ذكرت فى قوله: {ِن َّفْسَ َّا َ ٌ ب ُّو ِ} [يوسف: 35].‬
                                                                    ‫و ُ سم ِالن اللو مة‬
                                                     ‫واللوامة فى قوله: { َال أقْ ِ ُ ب َّفْسِ َّا َ ِ} [القيامة: 2].‬
                                              ‫و ه الن ع هو‬
                            ‫وذكرت النفس المذمومة فى قوله: { َنَ َى َّفْسَ َنِ الْ َ َى} [النازعات: 04].‬
‫وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر‬
‫من تحذيره من النفس، وهذا هو الذى ال ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهى‬
‫مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد أمر اهلل سبحانه باالستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك،‬
      ‫وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر باالستعاذة من النفس فى موضع واحد، وإنما جاءت‬
       ‫فس‬          ‫و ع ذ ب م ُر‬
    ‫االستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى اهلل عليه وسلم: " َنَ ُو ُ ِاهللِ ِنْ ش ُورِ أَنْ ُ ِنَا‬
                                                                                                       ‫ل‬             ‫وم َي‬
                                                                                                  ‫َ ِنْ سِّئَاتِ أَعْمَاِنَا".‬
                                                                                  ‫كما تقدم ذلك فى الباب الذى قبله.‬
     ‫وقد جمع النبي صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم بين االستعاذة من األمرين فى الحديث الذى رواه‬
                                                              ‫الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضى اهلل عنه:‬
   ‫ب ت وِذ س ت‬                   ‫أ له إ‬           ‫رس هلل َل ن‬                                 ‫الص َ‬            ‫ن‬
  ‫"أَ ّ أَبَا بكرٍ ِّديق رَضى اهلل عنه قَالَ: يا َ ُولَ ا ِ، عِّمْ ِى شْيئاً َقوُ ُ ِذا أَصْ َحْ ُ َإ َا أَمْ َيْ ُ،‬
    ‫َد ْ إ‬            ‫ومل ه‬            ‫َب ُل‬        ‫يب و شه دة ط الس و ت و ْ‬                              ‫َ ُل ُم‬
 ‫قَال ق ِ: الله َّ عَالمَ الْغَ َ ِ َال ّ َا َ ِ، فَا ِرَ َّم َا ِ َاألرضِ، ر َّ ك ِّ شَىْءٍ َ َِيكَ ُ، أَشْه ُ أَن ال ِلهَ‬
                      ‫ع ذ ب م َر س و َر الش ن وش ك و َ َ ِ عل س س ء‬                                                   ‫إ‬
                ‫ِال أَنْتَ، أَ ُو ُ ِكَ ِنْ ش ِّ نَفْ ِى َش ِّ َّيْطَا ِ َ ِرْ ِهِ َأَنْ أقْترفَ ََى نَفْ ِى ُو ًا أَوْ‬

‫(31/2)‬




                                          ‫م جك‬                ‫وِذ س وِذ‬                         ‫ه إ م ِم ق ه ِذ‬
                                        ‫أَجر ُ ِلَى ُسْل ٍ، ُلْ ُ إ َا أَصْبَحْتَ َإ َا أَمْ َيْتَ َإ َا أَخَذْتَ َضْ َعَ َ".‬

‫(31/3)‬




 ‫ص -18- فقد تضمن هذا الحديث الشريف االستعاذة من الشر وأسبابه وغايته، فإن الشر كله إما أن‬
   ‫يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل. أو على أخيه المسلم، فتضمن‬
                                    ‫الحديث مصدرى الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه اللتين يصل إليهما.‬
                                                                                                                       ‫فصل‬
     ‫ه س ن عل َّذ ن من‬                     ‫الر ِنه‬              ‫م ش‬                ‫ِ‬        ‫ُ َ‬          ‫ِ َر‬
   ‫قال تعالى: {فَإذَا ق َأْتَ الْقرْآن فَاسْتَعذْ بِاهللِ ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِيمِ إ ّ ُ لَيْسَ لَ ُ َلْطَا ٌ ََى ال ِي َ آ َُوا‬
                      ‫وع َبه ي َكل ِن س نه عل ّذ ن ي َل ه و ّذ ُ ب م رك ن‬
  ‫َ َلَى ر ِّ ِمْ َتَو َُّونَ إَّما ُلطَا ُ ُ ََى ال ِي َ َتَوَّوْنَ ُ َال ِينَ همْ ِه ُشْ ِ ُو َ} [النحل: 18 - 001].‬
         ‫ومعنى "استعذ باهلل" امتنع به واعتصم به والجأ إليه، ومصدره العوذ، والعياذ، والمعاذ؛ وغالب‬
                  ‫م ذ‬          ‫ُ‬
                ‫استعماله فى المستعاذ به، ومنه قوله صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "لَقَدْ عذْتِ ب ُعَا ٍ".‬
‫وأصل اللفظة: من اللجأ إلى الشيء واالقتراب منه، ومن كالم العرب "أطيب اللحم عوذه" أى الذى قد‬
 ‫عاذ بالعظم واتصل به. وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجمعها "عوذ" كحمر. ومنه فى حديث الحديبية:‬
                                                                                                     ‫مع ُم ع ذ ط ل‬
                                                                                                   ‫" َ َه ُ ال ُو ُ المَ َافِي ُ".‬
                                                         ‫والمطافيل: جمع مطفل، وهى الناقة التى معها فصيلها.‬
  ‫قالت طائفة منهم صاحب جامع األصول: استعار ذلك للنساء، أى معهم النساء وأطفالهم، وال حاجة‬
                                                    ‫إلى ذلك، بل اللفظ على حقيقته. أى قد خرجوا إليك بدوابهم‬

‫(31/4)‬




   ‫ص -28- ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التى معها أوالدها، فأمر سبحانه باالستعاذة به من‬
                                                                       ‫الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه:‬
          ‫منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات‬
                                                             ‫َر‬
      ‫واإلرادات الفاسدة، فهو دواء لما أم َّه فيها الشيطان، فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب‬
                                                ‫ليصادف الدواء محالً خاليا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل:‬
                                                       ‫ل ً مك‬                  ‫َ َ‬               ‫ِْ‬          ‫ْ‬       ‫ن و‬
                                                    ‫أَتَا ِى هَ َاهَا قَبلَ أَنْ أَعرفَ الْهَوى فَصَادف قَلْباً خَاِيا فَتَ َ ّنَا‬
                               ‫فيجىء هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خال من مزاحم ومضاد له فينجع فيه.‬
‫ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير فى القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق‬
  ‫النبات أوال فأوال، فكلما أحس بنبات الخير فى القلب سعى فى إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ باهلل‬
                                                              ‫عز وجل منه لئال يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.‬
  ‫والفرق بين هذا الوجه والوجه الذى قبله، أن االستعاذة فى الوجه األول ألجل حصول فائدة القرآن،‬
                                                                    ‫وفى الوجه الثاني ألجل بقائها وحفظها وثباتها.‬
   ‫وكأن من قال: إن االستعاذة بعد القراءة الحظ هذا المعنى، وهو لعمر اهلل ملحظ جيد، إال أن السنة‬
    ‫وآثار الصحابة إنما جاءت باالستعاذة قبل الشروع في القراءة وهو قول جمهور األمة من السلف‬
                                                                                       ‫والخلف، وهو محصل لألمرين.‬
             ‫ن ض‬         ‫أ‬
   ‫ومنها: أن المالئكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فى حديث ُسيد اب ُ ح َير لما كان‬
              ‫ئك‬             ‫ت‬                        ‫ى‬
           ‫يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح، فقال النب ّ عليه الصالة والسالم: " ِلْكَ المَال ِ ُة".‬
   ‫والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من اهلل تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره‬
                                      ‫خاصته ومالئكته، فهذه وليمة ال يجتمع فيها المالئكة والشياطين.‬

‫(31/5)‬




  ‫ص -38- ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن،‬
     ‫وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه‬
   ‫وبين مقصود القرآن، فال يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ باهلل عز وجل منه.‬
                                                                               ‫م‬
      ‫ومنها: أن القارئ ُناجٍ هلل تعالى كالمه، واهلل تعالى أشد أذناً للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من‬
 ‫صاحب القينة إلى قينته. والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء. فأمر القارئ أن يطرده باالستعاذة عند‬
                                                                     ‫مناجاته تعالى واستماع الرب قراءته.‬
   ‫ومنها: أن اهلل سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول وال نبي إال إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته،‬
          ‫والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تال ألقى الشيطان فى تالوته. كما قال الشاعر فى عثمان:‬
                                                     ‫َو له و ِ ه ق حم م در‬                                      ‫َمن ك‬
                                                     ‫ت َّى ِتَابَ اهللِ أ َّلَ لَيِْ ِ َآخرَ ُ ال َى ِ َامَ ال َقَا ِ ِ‬

‫(31/3)‬




   ‫فإذا كان هذا فعله مع الرسل عليهم الصالة والسالم فكيف بغيرهم؟ ولهذا يغلط القارئ تارة ويخلط‬
 ‫عليه القراءة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة‬
‫لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم األمور: االستعاذة باهلل تعالى منه عند‬
                                                                                                            ‫القراءة.‬
    ‫ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على اإلنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه فهو يشتد عليه‬
      ‫ا ل عَى ب حة‬                        ‫إن‬
     ‫حينئذ ليقطعه عنه، وفى الصحيح عن النبي صلى اهلل عليه وسلم: "ِ ّ شَيْطَانً تَفَّتَ َل َّ ال َارِ َ َ،‬
                                                                               ‫عَى ص ت‬           ‫ي‬         ‫َر‬
                                                                     ‫فأ َادَ أَنْ َقْطَعَ َل َّ َال ِي" الحديث.‬
    ‫وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى اهلل تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر. وفى مسند اإلمام‬
                               ‫أحمد من حديث سبرة بن أبى الفاكه أنه سمع النبى صلى اهلل عليه وسلم يقول:‬
 ‫ك بء‬                ‫ت ِم و َ ر د ك َد‬                     ‫م‬            ‫إن ش َ ع ن د ب ْ ُقه َ ه َر‬
 ‫"ِ ّ ال ّيْطَان قَ َدَ البْ ِ آ َمَ ِأَطر ِ ِ، فَقَعدَ لَ ُ بِط ِيقِ اإلسْال ِ، فَقَالَ: أَ ُسْل ُ َتذَ ُ ِينَ َ و ِينَ آبَائِ َ وآ َا ِ‬
                                                                                                                        ‫آبَائِ َ؟ فعصا ُ‬
                                                                                                                        ‫ه‬       ‫ك‬

‫(31/7)‬




‫ت ِر و َ ر َ ضك وس ك وإ م َل ه ِر‬                                  ‫ة‬              ‫َ ُم َ ه ر‬
‫ص -48- فَأَسْلمَ، ث َّ قَعدَ لَ ُ بِطَ ِيقِ الْهِجْرَ ِ، فَقَالَ: أَُهاج ُ َتذَ ُ أرْ َ َ َ َماءَ َ؟ َِنَما َث ُ الم َاج ِ‬
     ‫ق ِل‬                ‫جه د ه جه د الن س و‬                   ‫ع ه و ج ُم َ ه ر‬
     ‫كالفَرَسِ فى الطول فَ َصَا ُ َها َر، ث َّ قعدَ لَ ُ بِطَ ِيقِ الْ ِ َا ِ، وَ ُوَ ِ َا ُ َّفْ ِ َالمَال فقال: ت َات ُ‬
                                                                  ‫َد‬       ‫ع ُ‬              ‫ت ل ت ح َ ة وي َم م ل‬
                                                                ‫فَ ُقْتَ ُ، فَُنْكَ ُ المرْأَ ُ َ ُقْس ُ ال َا ُ؟ قَالَ: فَ َصَاه فَجَاه َ".‬
                                                                        ‫فالشيطان بالرصد لإلنسان على طريق كل خير.‬
   ‫وقال منصور عن مجاهد رحمه اهلل: "ما من رفقة تخرج إلى مكة إال جهز معهم إبليس مثل عدتهم"‬
         ‫رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره، فهو بالرصد، والسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن‬
         ‫يحارب عدوه الذى يقطع عليه الطريق ويستعيذ باهلل تعالى منه أوال، ثم يأخذ فى السير، كما أن‬
                                             ‫المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع فى سيره.‬
 ‫ومنها: أن االستعاذة قبل القراءة عنوان وإعالم بأن المأتى به بعدها القرآن، ولهذا لم تشرع االستعاذة‬
      ‫بين يدى كالم غيره، بل االستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التالوة، فإذا سمع‬
    ‫السامع االستعاذة استعد الستماع كالم اهلل تعالى، ثم [شرع] ذلك للقارئ، وإن كان وحده، لما ذكرنا‬
                                                                                                                 ‫من الحكم وغيرها.‬
                                                                                                     ‫فهذه بعض فوائد االستعاذة.‬
         ‫وقد قال أحمد فى رواية حنبل: "ال يقرأ فى صالة وال غير صالة، إال استعاذ؛ لقوله عز وجل:‬
                                                              ‫الر م‬          ‫ِ ب هلل م ش‬                         ‫َر‬
                                                ‫{فَإذَا ق َأْتَ القرآن فَاسْتَعذْ ِا ِ ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِي ِ} [النحل: 18].‬
                                                                          ‫وقال فى رواية ابن مشيش: "كلما قرأ يستعيذ".‬
‫وقال عبد اهلل بن أحمد: "سمعت أبي كان إذا قرأ استعاذ، يقول: أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، إن اهلل‬
                                                                                                                  ‫هو السميع العليم".‬
   ‫إل‬                             ‫َّبي‬
  ‫وفى المسند والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كانَ الن ُّ صلى اهلل عليه وسلم إذا قامَ َِى‬
                             ‫َّالةِ اسْتَفْتَحَ ث َّ يَ ُو ُ: أ ُو ُ باهللِ َّ ِيعِ العليم ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِي ِ: ِنْ َمْ ِ ِ‬
                             ‫الر م م ه زه‬                ‫م ش‬                ‫السم‬        ‫ُم ق ل ع ذ‬                           ‫الص‬

‫(31/1)‬
                                                                                                      ‫و خ و ثه‬
                                                                                                    ‫َنَفْ ِهِ َنَفْ ِ ِ".‬

‫(31/8)‬




   ‫ق ل ْ ِر ة ع ذ‬                         ‫نه‬                        ‫ص -58- وقال ابن المنذر: "جَاءَ َن النبى‬
   ‫ِّ صلى اهلل عليه وسلم أَ ّ ُ كانَ يَ ُو ُ قَبلَ الْق َاءَ ِ: أ ُو ُ‬     ‫ع‬
                                                                                       ‫الر م‬          ‫م ش‬
                                                                                     ‫بِاهللِ ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِي ِ".‬
 ‫واختار الشافعي وأبو حنيفة والقاضي فى الجامع أنه كان يقول: "أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم" وهو‬
                                                        ‫رواية عن أحمد، لظاهر اآلية، وحديث ابن المنذر.‬
                            ‫الر م‬          ‫ع ذ ب السم ع م م ش‬
                          ‫وعن أحمد من رواية عبد اهلل: "أَ ُو ُ ِاهللِ َّ ِيعِ الْ َلِي ِ ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِي ِ".‬
    ‫لحديث أبى سعيد، وهو مذهب الحسن وابن سيرين، ويدل عليه ما رواه أبو داود فى قصة اإلفك:‬
   ‫م الش ن‬                 ‫ع ذ ب السم‬                ‫جس و َ ع و ه و‬                                ‫"أَ ّ النبى‬
   ‫َّ صلى اهلل عليه وسلم َلَ َ َكَشفَ َنْ َجْ ِهِ َقَالَ: أَ ُو ُ ِاهللِ َّ ِيعِ العليم ِنَ َّيْطَا ِ‬    ‫ن‬
                                                                                                              ‫الر م‬
                                                                                                            ‫َّجِي ِ".‬
           ‫الر إن ه السم ع ع م‬                             ‫م ش‬              ‫ع ذ‬
         ‫وعن أحمد رواية أخرى أنه يقول: "أَ ُو ُ بِاهللِ ِنَ ال ّيْطَانِ َّجِيمِ ِ ّ اهللَ ُوَ َّ ِي ُ الْ َلِي ُ".‬
   ‫تع‬
 ‫وبه قال سفيان الثوري ومسلم بن يسار، واختاره القاضي فى المجرد وابن عقيل؛ ألن قوله: {فَاسْ َ ِذْ‬
                                                                                 ‫الر م‬         ‫م ش‬
                                                                     ‫بِاهللِ ِنَ ال ّيْطَان َّجِي ِ}[فصلت: 33].‬
‫ظاهره أنه يستعيذ بقوله "أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم" وقوله فى اآلية األخرى: {فَاسْتَعذْ بِاهللِ ِ ّ ُ ُ َ‬
‫إنه هو‬              ‫ِ‬
                                                                                                  ‫السم ع ع‬
                                                                                 ‫َّ ِي ُ الْ َلِيم} [فصلت: 33].‬
  ‫يقتضي أن يلحق باالستعاذة وصفه بأنه هو السميع العليم فى جملة مستقلة بنفسها مؤكدة بحرف "إن"‬
                                                                                       ‫ألنه سبحانه هكذا ذكره.‬
  ‫وقال إسحاق: الذى أختاره ما ذكر عن النبي صلى اهلل عليه وسلم: "اّله َّ إ ِّى أَ ُو ُ ِكَ ِنَ ال ّيْطَا ِ‬
  ‫ل ُم ِن ع ذ ب م ش ن‬
                                                                                 ‫الر م ه و خ و ث‬
                                                                              ‫َّجِيمِ ِنْ َمْزِهِ َنَفْ ِهِ َنَفْ ِه".‬
                                                  ‫م‬
                 ‫وقد جاء فى الحديث تفسير ذلك، قال: "وهمزه: ال ُؤتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر".‬
               ‫ضر ن‬            ‫شي ط ن و ع ذ ِ َ َب‬               ‫َ ُ َب ع ذ م هم‬
‫وقال تعالى: {وقلْ ر ِّ أَ ُو ُ بِك ِنْ َ َزاتِ ال ّ َا ِي ِ َأَ ُو ُ بك ر ِّ أنْ يَحْ ُ ُو ِ} [المؤمنون: 78‬
                                                                                                             ‫- 18].‬
      ‫والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة. وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته،‬
                                                                                                             ‫َ ته‬
                                                                                                            ‫ولَمزْ ُ ُ،‬
‫(31/01)‬




 ‫ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع بنَخْز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات‬
‫الشياطين: دفعهم الوساوس واإلغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم‬
    ‫ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التى‬
                                                                                                    ‫تشبه الجنون.‬
 ‫وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو األظهر- إن همزات الشياطين إذا‬
 ‫أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم البن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك‬

‫(31/11)‬




                                                     ‫َب ي ُر ن‬                ‫َع ذ‬
                                    ‫ص -38- ثم قال: {وأ ُو ُ بِكَ ر ِّ أَنْ َحْض ُو ِ} [المؤمنون: 18].‬
  ‫قال ابن زيد: فى أموري. وقال الكلبي: عند تالوة القرآن، وقال عكرمة: عند النزع والسياق، فأمره‬
                                        ‫أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه.‬
  ‫سن‬         ‫ت ه‬           ‫ْ‬
  ‫فتضمنت االستعاذة أن ال يمسوه وال يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: {ادفَعْ بِال ِى ِىَ أَحْ َ ُ‬
                                                                              ‫ف ن‬           ‫ن َم‬              ‫السي‬
                                                             ‫َّ َئةَ نَحْ ُ أَعْل ُ بمَا يصِ ُو َ} [المؤمنون: 38].‬
   ‫فأمره أن يحترز من شر شياطين اإلنس بدفع إساءتهم إليه بالتى هى أحسن، وأن يدفع شر شياطين‬
                                                                                          ‫الجن باالستعاذة منهم.‬
              ‫هل ن‬         ‫ُ ْف و ْ ِ ع‬          ‫ُ عوو ُ‬
   ‫ونظير هذا قوله فى سورة األعراف: {خذِ الْ َفْ َ َأْمرْ بِالْعر ِ َأَعرضْ َنِ الجا ِِي َ} [األعراف:‬
                                                                                                            ‫881].‬
     ‫َإم‬
    ‫فأمره بدفع شر الجاهلين باإلعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان باالستعاذة منه فقال: {و َّا‬
                                                ‫ِنه سم ع ع م‬                   ‫ِ‬        ‫ي ْز َنك م الش ن َ ٌ‬
                               ‫َن َغَّ َ ِنَ َّيْطَا ِ نزْغ فَاسْتَعذْ بِاهللِ إ َّ ُ َ ِي ٌ َلِي ٌ} [األعراف: 002].‬
    ‫س ُ ذ ّذ‬              ‫ت ه‬           ‫َّئة ْ‬         ‫سةو‬          ‫و‬          ‫و‬
   ‫ونظير ذلك قوله فى سورة فصلت: { َال تَسْتَ ِى الح َنَ ُ َال السي ِّ ُ ادفَعْ بِال ِى ِىَ أَحْ َن فَإ َا ال ِى‬
                                                                        ‫ب ك وب ن َد ة َأنه ول ح م‬
                                                           ‫َيْنَ َ َ َيْ َه ع َاوَ ٌ ك َّ ُ َِى َمِي ٌ} [فصلت: 43].‬
     ‫فهذا لدفع شر شياطين اإلنس ثم قال: { َإ َّا َن َغَّ َ ِنَ ال ّيْطَانِ نزْغ فَاسْتَعذْ ِاهللِ إ َّ ُ ُوَ َّ ِي ُ‬
     ‫ِ ب ِنه ه السم ع‬                     ‫َ ٌ‬         ‫وِم ي ْز َنك م ش‬
                                                                                        ‫ع‬
   ‫الْ َلِيم} [فصلت: 33] وقال هاهنا: {إنه هو السميع العليم} [فصلت: 33]، فأكد بإن وبضمير الفصل‬
                 ‫ِنه سم ع ع م‬
‫وأتى بالالم فى {السميع العليم} [فصلت: 33]. وقال فى األعراف: {إ َّ ُ َ ِي ٌ َلِي ٌ} [األعراف: 002].‬
      ‫وسر ذلك- واهلل أعلم- أنه حيث اقتصر على مجرد االسم ولم يؤكده أريد إثبات مجرد الوصف‬
 ‫الكافى في االستعاذة واإلخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك ويعلم ما تستعيذ منه‬
    ‫فيدفعه عنك، فالسمع لكالم المستعيذ والعلم بالفعل المستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود االستعاذة،‬
                                                                                      ‫وهذا المعنى شامل للموضعين،‬

‫(31/21)‬




    ‫وامتاز المذكور فى سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ ألن سياق ذلك بعد إنكاره‬
 ‫سبحانه على الذين شكوا فى سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء فى الصحيحين من حديث ابن مسعود‬
     ‫قال: "اجتمع عند البيت ثالثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثير شحم بطونهم، قليل فقه‬
     ‫قلوبهم، فقالوا: أترون اهلل يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا وال يسمع إن أخفينا، فقال‬
  ‫ي َ ع ُ س عك و‬                      ‫ِر‬          ‫و كُ‬
‫اآلخر: إن سمع بعضه سمع كله، فأنزل اهلل عز وجل: { َمَا ُنْتمْ تَسْتَت ُونَ أَنْ َشْهدَ َلَيْكمْ َمْ ُ ُمْ َال‬
                ‫ت‬                        ‫مل ن‬           ‫ا‬       ‫ي َم‬            ‫ُ َن‬              ‫ر ُ و جل د ُ ول‬
              ‫أَبْصاَ ُكمْ َال ُُو ُكمْ َِكنْ ظَنَنْتمْ أ َّ اهللَ ال َعْل ُ كَثِيرً مما تَعْ َُو َ} إلى قوله: {فَأَصْبَحْ ُمْ‬

‫(31/31)‬




                                                                                 ‫سر ن‬          ‫م‬
                                                              ‫ص -78- ِنَ الخا ِ ِي َ} [فصلت: 22 - 32 ].‬
                                                              ‫ِنه ه السم ع ع م‬
                                                 ‫فجاء التوكيد فى قوله: {إ َّ ُ ُوَ َّ ِي ُ الْ َلِي ُ} [فصلت: 33].‬
   ‫فى سياق هذا اإلنكار: أى هو وحده الذى له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، ال كما يظن به أعداؤه‬
‫الجاهلون: أنه ال يسمع إن أخفوا وأنه ال يعلم كثيرا مما يعملون، وحسن ذلك أيضا: أن المأمور به فى‬
    ‫سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد اإلعراض عنهم‬
                         ‫ٍع م‬   ‫و يَق إ َّذ صبر و يَق إ ذ ظ‬
            ‫ولهذا عقبه بقوله:{ َمَا ُل َّاهَا ِال ال ِينَ َ َ ُوا َمَا ُل َّاهَا ِال ُو حَ ّ َظِي ٍ} [فصلت: 53].‬
                                                                                       ‫فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ.‬
‫وأيضا فإن السياق هاهنا إلثبات صفات كماله وأدلة ثبوتها وآيات ربوبيته وشواهد توحيده ولهذا عقب‬
      ‫شع‬        ‫ْ‬                ‫وم ي ت‬                             ‫ت ْل َالنه ر‬                ‫وم‬
    ‫ذلك بقوله: { َ ِنْ آيَا ِهِ اللي ُ و َّ َا ُ} [فصلت: 73] وبقوله: { َ ِنْ آ َا ِهِ أنك تَرَى األرضَ خَا ِ َة}‬
                                                                                                           ‫[فصلت: 83].‬
 ‫فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه "السميع العليم" كما جاءت األسماء الحسنى كلها معرفة،‬
     ‫والذى فى األعراف فى سياق وعيد المشركين وإخوانهم من الشياطين ووعد المستعيذ بأن له ربا‬
  ‫يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي عبدوها من دونه ليس لهم أعين يبصرون بها وال آذان يسمعون‬
                              ‫ت َو‬
 ‫بها، فإنه سميع عليم، وآلهتهم ال تسمع وال تبصر وال تعلم، فكيف ُس ُّونها به في العبادة، فعلمت أنه‬
           ‫ال يليق بهذا السياق غير التنكير، كما ال يليق بذلك غير التعريف، واهلل أعلم بأسرار كالمه.‬
   ‫ولما كان المستعاذ منه فى سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار فى آياته وما ترتب عليها من‬
    ‫صد ره إ‬               ‫ه‬              ‫دل َ ف ي ت ب س‬                        ‫ِن َّذ‬
  ‫أفعالهم المرئية بالبصر قال: {إ َّ ال ِينَ يجا ُِون ِى آ َا ِ اهللِ ِغَيْرِ ُلْطَانٍ أَتَا ُمْ إنْ فى ُ ُو ِ ِمْ ِال‬
                                                    ‫ِ ب إنه ه السم ع ب ر‬                         ‫ك ْر م ُ ب ل ِ‬
                                       ‫ِب ٌ َا همْ ِبَاِغيه فَاسْتَعذْ ِاهللِ َّ ُ ُوَ َّ ِي ُ الْ َصي ُ} [غافر: 35].‬
                           ‫فإنه لما كان المستعاذ منه كالمه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: {إنه هو السميع‬

‫(31/41)‬




‫البصير} [غافر: 35]، وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث ال نراه. بل‬
                                                                       ‫هو معلوم باإليمان وإخبار اهلل ورسوله.‬

‫(31/51)‬




                                                                                                 ‫ص -18- فصل‬
‫فالقرآن أرشد إلى دفع هذين العدوين بأسهل الطرق باالستعاذة واإلعراض عن الجاهلين ودفع إساءتهم‬
                                                         ‫َق‬
   ‫باإلحسان. وأخبر عن عظم حظ من ل َّاه ذلك فإنه ينال بذلك كف شر عدوه وانقالبه صديقا، ومحبة‬
    ‫الناس له، وثناءهم عليه، وقهر هواه، وسالمة قلبه من الغل والحقد وطمأنينة الناس- حتى عدوه-‬
       ‫ال‬    ‫ال‬
 ‫إليه. هذا غير ما يناله من كرامة اهلل وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاج ً وآج ً، ولما‬
             ‫النز‬                                    ‫يَق‬
  ‫كان ذلك ال ينال إال بالصبر قال: {وما ُل َّاها إال الذين صبروا} [فصلت: 53] فإن َّ ِق الطائش ال‬
                                                                                              ‫يصبر على المقابلة.‬
‫ولما كان الغضب مركب الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التى تأمر‬
                                    ‫تمد‬
 ‫بدفع اإلساءة باإلحسان - أمر أن يعاونها باالستعاذة منه، ف ُ ِ ّ االستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على‬
 ‫مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصبر الذى يكون النصر معه، وجاء مدد اإليمان والتوكل،‬
                                                                                                     ‫فأبطل سلطان الشيطان:‬
                                                   ‫ه س ن عل ّذ ن من وع َب ِ ي َكل ن‬                                   ‫إنه‬
                                     ‫{ َّ ُ لَيْسَ لَ ُ ُلْطَا ٌ ََى ال ِي َ آ َ ُوا َ َلَى رِّهمْ َتَو َُّو َ} [النحل: 88].‬
                                                                      ‫قال مجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة.‬
‫والصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: ال من جهة الحجة، وال من جهة القدرة. والقدرة‬
  ‫داخلة فى مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة سلطانا؛ ألن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة‬
 ‫بيده، وقد أخبر سبحانه أنه ال سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال فى سورة الحجر:‬
  ‫ذ‬      ‫ص َق‬          ‫عب ك م هم‬               ‫ْض و وينه مع‬                    ‫َي َن ُ ْ ف‬       ‫و ن‬               ‫َ َب‬
 ‫{قَال ر ِّ بمَا أَغْ َيْتَ ِى ألزِّن َّ لَهم ِى األر ِ َألغْ ِ َّ ُمْ أَجْ َ ِينَ إال ِ َادَ َ ِنْ ُ ُ المخْلَ ِين َالَ ه َا‬
                   ‫ون‬            ‫ع ِ س ن م ات َ ك م‬                                    ‫ِر ط عَى م ق م ِن ع‬
‫ص َا ٌ َل َّ ُسْتَ ِي ٌ إ َّ ِبَادِى لَيْسَ لَكَ َلَيْهمْ ُلْطَا ٌ إال َنِ َّبعَ َ ِنَ الْغَا ِي َ} [الحجر: 83 - 24].‬
                  ‫إنم‬       ‫ه س ن عل ّذ من وع َب ِ ي وكل‬                                    ‫ِنه‬
                 ‫وقال فى سورة النحل: {إ َّ ُ لَيْسَ لَ ُ ُلْطَا ٌ ََى ال ِينَ آ َ ُوا َ َلَى رِّهمْ َتَ َ ُّونَ * ِّ َا‬

‫(31/31)‬




                                                        ‫س نه عل َّذ ن ي ول ه و َّذ ُ به م رك ن‬
                                     ‫ُلْطَا ُ ُ ََى ال ِي َ َتَ َّوْنَ ُ َال ِينَ همْ ِ ِ ُش ِ ُو َ} [النحل: 88- 001].‬
‫فتضمن ذلك أمرين: أحدهما نفى سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد واإلخالص. والثاني إثبات سلطانه‬
                                                                                        ‫على أهل الشرك وعلى من تواله.‬

‫(31/71)‬




     ‫ص -88- ولما علم عدو اهلل أن اهلل تعالى ال يسلطه على أهل التوحيد واإلخالص قال: {فَ ِع َّ ِ َ‬
     ‫ب ِزتك‬
                                                               ‫صن‬          ‫ع إ عب ك م ُم‬                    ‫ُ و َن ُ‬
                                                 ‫ألغْ ِيَّهمْ أَجْم ِينَ ِال ِ َادَ َ ِنْه ُ المخلَ ِي َ} [ص: 21- 31].‬
 ‫فعلم عدو اهلل أن من اعتصم باهلل، عز وجل، وأخلص له وتوكل عليه ال يقدر على إغوائه وإضالله،‬
             ‫وإنما يكون له السلطان على من تواله وأشرك مع اهلل، فهؤالء رعيته وهو وليهم وسلطانهم‬
                                                                                                                       ‫ومتبوعهم.‬
                         ‫فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه فى هذا الموضع. فكيف ينفيه فى قوله:‬
   ‫إ لن َم‬             ‫هع ه م س‬                   ‫و َ َد ع ه ل س َن ُ َاتبع ه َر ا م م من ن وم‬
   ‫{ َلَقدْ ص َّقَ َلَيْ ِمْ إبِْي ُ ظَّه ف َّ َ ُو ُ إال ف ِيقً ِنَ ال ُؤْ ِ ِي َ َ َا كانَ لَ ُ َلَيْ ِمْ ِنْ ُلْطَانٍ ِال ِ َعْل َ‬
                                                                       ‫م ي من خ ة ِم هو م ه ف َك‬
                                                       ‫َنْ ُؤْ ِ ُ بِاآل ِرَ ِ م َّنْ ُ َ ِنْ َا ِى ش ٍّ} [سبأ: 02- 12].‬
                                              ‫هع ه م س ن‬                           ‫و‬
                                  ‫قيل: إن كان الضمير فى قوله: { َمَا كَانَ لَ ُ َلَيْ ِمْ ِنْ ُلْطَا ٍ} [سبأ: 12].‬
                        ‫ن‬
    ‫عائدا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون االستثناء منقطعا: أى لكن امتحّاهم بإبليس، لنعلم من‬
    ‫َد عل ِ‬            ‫و‬
  ‫يؤمن باآلخرة ممن هو منها فى شك. وإن كان عائدا على ما عاد عليه فى قوله: { َلَقَدْ ص َّقَ ََيْهمْ‬
                                                                                          ‫إ ل س َن ُ َاتبع ه‬
                                                                              ‫ِبِْي ُ ظ َّه ف َّ َ ُو ُ} [سبأ: 02].‬
 ‫وهو الظاهر، ليصح االستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفى ويكون المعنى: وما سلطناه عليهم إال لنعلم‬
                                                                                             ‫من يؤمن باآلخرة.‬
                                                                                       ‫ق‬
 ‫قال ابن ُتيبة: "إن إبليس لما سأل اهلل تعالى النظرة قال ألغوينهم وألضلنهم وآلمرنهم بكذا، وألتخذن‬
                                                                              ‫ا‬
‫من عبادك نصيبً مفروضا وليس هو فى وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيه يتم، وإنما قال ظانا،‬
                                                                                         ‫ات‬
  ‫فلما َّبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إال لنعلم المؤمنين‬
                                ‫من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء".‬
  ‫وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن باآلخرة وشك فيها، وهم الذين تولوه وأشركوا به‬
                                          ‫فيكون السلطان ثابتا ال منفيا، فتتفق هذه اآلية مع سائر اآليات.‬

‫(31/11)‬




                                    ‫فإن قيل: فما تصنع بالتي فى سورة إبراهيم. حيث يقول ألهل النار:‬

‫(31/81)‬




                             ‫جت ل‬              ‫د تُْ‬           ‫إ‬        ‫ل ع ُ م س‬                ‫وم‬
            ‫ص -001- { َ َا كانَ ِيَ َلَيْكمْ ِنْ ُلْطَانٍ ِال أَنْ َعَوُْكم فَاسْتَ َبْ ُمْ ِي} [إبراهيم: 22].‬
               ‫وهذا وإن كان قوله فاهلل سبحانه أخبر به عنه مقرراً له، ال منكرا، فدل على أنه كذلك.‬
 ‫قيل: هذا سؤال جيد. وجوابه: أن السلطان المنفي فى هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أى ما كان‬
      ‫لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها‬
‫عليكم" أى: ما أظهرت لكم حجة إال أن دعوتكم فاستجبتم لى، وصدقتم مقالتي، واتبعتمونى بال برهان‬
                       ‫ِن س نه عل َّذ ي ول ه‬
        ‫وال حجة. فأما السلطان الذي أثبته فى قوله: {إَّما ُلْطَا ُ ُ ََى ال ِينَ َتَ ََّوْنَ ُ} [النحل: 001].‬
                                 ‫يؤز‬
‫فهو تسلطه عليهم باإلغواء واإلضالل، وتمكنه منهم، بحيث ُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه،‬
                  ‫ُز ُ‬       ‫َ َن س الش ط عل ك فر‬
    ‫وال يدعهم يتركونه كما قال تعالى: {أَلمْ ترَ أ َّا أرْ َلْنَا َّيا ِينَ ََى الْ َا ِ ِينَ تَؤ ُّهمْ أزا} [مريم:‬
                                                                                                             ‫31].‬
‫قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفى رواية: "تشليهم إشالء" وفى لفظ: "تحرضهم تحريضا" وفى آخر:‬
 ‫"تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفى آخر: "توقدهم" أى تحركهم كما يحرك الماء باإليقاد تحته، قال‬
                                                                                    ‫األخفش: "توهجهم".‬
                                                                           ‫األز‬
 ‫وحقيقة ذلك: أن " َّ" هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: األزيز؛ ألن الماء يتحرك عند‬
                                     ‫الغليان. ومنه الحديث: "لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء".‬
       ‫ه‬          ‫َّ ِ ر‬
‫قال أبو عبيدة "األزيز" االلتهاب والحركة، كالتهاب النار فى الحطب، يقال: إز قدْ َك، أى ألْ ِب تحتها‬
                                               ‫لألز‬
     ‫بالنار، وأيزت القدر إذا اشتد غليانها، فقد حصل ِّ معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: اإليقاد‬
                                     ‫واإللهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب.‬
  ‫فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان،‬
 ‫وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم‬
                                                                             ‫ومكنوا عدوهم من سلطانه‬

‫(31/02)‬




                                                                 ‫عليهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا‬

‫(31/12)‬




     ‫ول‬                                                   ‫ُل‬
   ‫ص -101- بأيديهم واستأسروا له سِّط عليهم؛ عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: { ََنْ‬
                                                           ‫ي َ هلل ل ك ِر عل م من سب ال‬
                                           ‫َجْعلَ ا ُ ِلْ َاف ِينَ ََى ال ُؤْ ِ ِينَ َ ِي ً} [النساء: 141].‬
‫فاآلية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون تصدر منهم من المعصية والمخالفة التى تضاد اإليمان‬
 ‫ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم كما‬
   ‫تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ومخالفته، واهلل سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا،‬
  ‫حتى جعل له العبد سبيال إليه بطاعته والشرك به، فجعل اهلل حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد‬
                                    ‫خيرا فليحمد اهلل تعالى، ومن وجد غير ذلك فال يلومن إال نفسه.‬
      ‫م‬
    ‫فالتوحيد والتوكل واإلخالص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، والجميع بقضاء َنْ‬
                                                                          ‫م‬                 ‫ِم‬
 ‫أز َّة األمور بيده، و َردها إليه، وله الحجة البالغة، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكن أبت حكمته‬
                   ‫من وه ك‬                   ‫ْد َب الس و ت َ َب ْ ِ َب‬               ‫ل‬
         ‫وحمده وملكه إال ذلك. {فَِله الحم ُ ر ِّ َّم َا ِ ور ِّ األرض ر ِّ الْعَالَ ِي َ َلَ ُ الْ ِبْريَاء في‬
                                                                         ‫م‬       ‫الس ت و ْض ه ع ز‬
                                                    ‫َّموا ِ َاألر ِ وَ ُوَ الْ َزِي ُ الحكي ُ} [الجاثية: 33 - 73].‬

‫(31/22)‬




                                                                    ‫إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - الجزء األول‬


                                                      ‫الباب الثالث عشر: فى مكايد الشيطان التى يكيد بها ابن آدم‬

‫(41/1)‬




                                    ‫ص -201- الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم‬
‫قال اهلل تعالى إخبارا عن عدوه إبليس، لما سأله عن امتناعه عن السجود آلدم واحتجاجه بأنه خير منه‬
                                                                            ‫يظ‬
                                                ‫وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ُنْ ِره، فأنظره، ثم قال عدو اهلل:‬
   ‫ف ِ وع م ِ وع‬                    ‫م م ُم ت َن ُ م ب ْد ِ وم‬                                 ‫ُ َن ه ِر‬             ‫و ن‬           ‫ب‬
 ‫{فَ ِما أغْ َيْتَ ِى ألقْعد َّ لَ ُمْ ص َاطَكَ ال ُسْتَقِي َ ث َّ آل ِيَّهمْ ِنْ َيْنِ أي ِيهمْ َ ِنْ خَلْ ِهمْ َ َنْ أيْ َانهمْ َ َنْ‬
                                                                              ‫ِر ن‬        ‫م ئل ِ و ِد ث ه‬
                                                          ‫شَ َا ِِهمْ َال تَج ُ أكْ َر ُمْ شَاك ِي َ} [األعراف: 31- 71].‬
   ‫قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف "على" فانتصب بالفعل. والتقدير: ألقعدن لهم على صراطك.‬
        ‫والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشىء مالزم له، فكأنه قال: أللزمنه، وألرصدنه،‬
                                                                                                        ‫وألعوجنه، ونحو ذلك.‬
      ‫قال ابن عباس: "دينك الواضح" وقال ابن مسعود: "هو كتاب اهلل" وقال جابر: "هو اإلسالم" وقال‬
                                                                                                            ‫مجاهد: "هو الحق".‬
‫والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى اهلل تعالى، وقد تقدم حديث سبرة بن أبى‬
                                                                        ‫ْ ُقه ُل‬        ‫إ الش َ ع ن َ‬
                                                            ‫الفاكه: "ِن َّيْطَان قَ َدَ البْ ِ آدمَ بأَطر ِ ِ كِّهَا" الحديث.‬
                                                ‫فما من طريق خير إال والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك.‬
                                                                                    ‫ِ‬          ‫ُم ت َن ُ م ب‬
                                                                  ‫وقوله: {ث َّ آل ِيَّهمْ ِنْ َيْنِ أيْديهمْ} [األعراف: 71].‬
                                                   ‫م قب‬
    ‫قال ابن عباس، فى رواية عطية عنه: " ِن ِ َل الدنيا" وفى رواية علي عنه "أشككهم فى آخرتهم".‬
                                  ‫وكذلك قال الحسن: "من قبل اآلخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار".‬
                                                       ‫وقال مجاهد: "من بين أيديهم من حيث يبصرون"‬

‫(41/2)‬




                                                                                    ‫ص -301- ومن خلفهم.‬
            ‫قال ابن عباس: "أرغبهم فى دنياهم" وقال الحسن: "من قبل دنياهم أزينها لهم وأشَهيها لهم".‬
                                                       ‫وعن ابن عباس رواية أخرى: "من قبل اآلخرة".‬
                        ‫ا‬
   ‫وقال أبو صالح: "أشككهم فى اآلخرة وأباعدها عليهم" وقال مجاهد أيضً: "من حيث ال يبصرون".‬
  ‫وعن أيمانهم قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم" وقال أبو صالح: "الحق أشككهم فيه" وعن ابن‬
                                                                                              ‫ا‬
                                                                           ‫عباس أيضً: "من قبل حسناتهم".‬
                                                            ‫قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها".‬
    ‫ُ َغب‬           ‫ُنفق‬                                                      ‫ا‬
  ‫وقال أبو صالح أيضً: "من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أ ِّ ُه عليهم وأر ِّ ُهم‬
                                                                                                              ‫فيه".‬
     ‫وقال الحسن "وعن شمائلهمالسيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها فى أعينهم".‬
         ‫وصح عن ابن عباس رضي اهلل عنه أنه قال: "ولم يقل من فوقهم؛ ألنه علم أن اهلل من فوقهم".‬
                                         ‫قال الشعبي: "فاهلل عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم".‬
   ‫وقال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك. لم يستطع أن يحول‬
                                                                                        ‫بينك وبين رحمة اهلل".‬
  ‫قال الواحدي: "وقول من قال: األيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ ألن‬
     ‫العرب تقول: اجعلني فى يمينك، وال تجعلني فى شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، وال‬
                                                            ‫تجعلني، من المؤخرين"، وأنشد البن الدمينة:‬
                                        ‫ش ك‬          ‫َي تن‬           ‫ي جع تن َ ْرح‬                   ‫ُن ف ي‬
                                       ‫ألبْ َى، أ ِى ُمْنَى َديْكِ َ َلْ ِ ِى فَأف َ ُ، أمْ ص َّرْ ِ ِى فى ِمَالِ ِ؟‬
‫وروى أبو عبيد عن األصمعى: "هو عندنا باليمين: أى بمنزلة حسنة، وبضد ذلك هو عندنا بالشمال"،‬
                                                                                                           ‫وأنشد:‬
                                    ‫ب ُ ْ الش ئل‬            ‫َم ظ ر يح ز س‬                     ‫ر ت بن ع‬
                                    ‫َأَيْ ُ َ ِى الْ َالتِ ل َّا تَ َافَ ُوا َ ُو ُونَ َهْمى َيْنَهم فى َّما ِ ِ‬

‫(41/3)‬
                                                                    ‫ص -401- أى ينزلونى بالمنزلة السيئة.‬
                                  ‫ت َن ُ م ب ْد ِ‬
   ‫وحكى األزهرى عن بعضهم فى هذه اآلية {لَآ ِيَّهمْ ِنْ َيْنِ أَي ِيهمْ} [األعراف: 71]: "أى ألغوينهم‬
    ‫وع أ م ن ِ‬
  ‫حتى يكذبوا بما تقدم من أمور األمم السالفة {ومن خلفهم} [األعراف: 71] بأمر البعث { َ َنْ َيْ َا ِهمْ‬
                                                                                ‫وع م ئله‬
     ‫َ َنْ شَ َا ِِ ِمْ} [األعراف: 71]: أى ألضلنهم فيما يعملون؛ ألن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت‬
         ‫يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا؛ ألنهما األصل فى التصرف، فجعلتا مثال لجميع ما يعمل‬
                                                                                                          ‫بغيرهما".‬
         ‫وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشرى، واللفظ ألبى إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالغة فى‬
     ‫التوكيد، أى: آلتينهم من جميع الجهات، واهلل أعلم، أتصرف لهم فى اإلضالل من جميع جهاتهم.‬
 ‫وقال الزمخشرى: ثم آلتينهم من الجهات األربع التى يأتى منها العدو فى الغالب، وهذا مثل لوسوسته‬
                                                                    ‫إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله:‬
                                   ‫ك َ جك‬                 ‫م ه بس طك و ل ع ِ‬                             ‫و ِْ م‬
                   ‫{ َاسْتَفززْ َنِ اسْتَطَعْتَ ِنْ ُمْ ِ َوْ ِ َ َأجِْبْ َلَيهمْ بِخَيْلِ َ ورَ ِلِ َ} [اإلسراء: 43].‬
 ‫وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك". وهذا القول أعم فائدة‬
                                         ‫وال يناقض ما قاله السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل ال التعيين.‬
  ‫قال شقيق: "ما من صباح إال قعد لى الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفى، وعن‬
 ‫يمينى، وعن شمالي، فيقول: ال تخف فإن اهلل غفور رحيم، فأقرأ: { َإ ِّى لَغ َّا ٌ ِمنْ تَا َ َآ َن َ َم َ‬
 ‫ب و م َ وع ِل‬         ‫وِن َف ر ل‬
                                                                                               ‫ُم َد‬
                                                                                   ‫صَالِحاً ث َّ اهْت َى} [طه: 21].‬
  ‫ِ ِ ْقه‬      ‫عل‬       ‫ْ‬         ‫وم م د ب‬
‫وأما من خلفي فيخوفنى الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: { َ َا ِنْ َا ّةٍ فى األرضِ إال ََى اهلل رز ُ َا}‬
                                                                                                          ‫[هود: 3].‬
                                     ‫و ع قبة ل متق ن‬
                    ‫ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: { َالْ َا ِ َ ُ ِلْ ُ ّ ِي َ} [األعراف: 121].‬
                      ‫ب ه وب ن ي ه ن‬                        ‫و‬
          ‫ومن قبل شمالى فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: { َحِيلَ َيْنَ ُمْ َ َيْ َ مَا َشْتَ ُو َ} [سبأ: 45].‬
                                                        ‫قلت: السبل التى يسلكها اإلنسان أربعة ال غير، فإنه‬

‫(41/4)‬




  ‫تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من‬
                          ‫ُثب‬
  ‫هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها فى طاعة وجده عليها ي ِّطه عنها ويقطعه، أو يعوقه‬
     ‫ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حامال له وخادما ومعينا وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى‬
                                                                                                           ‫أسفل ألتاه من هناك.‬

‫(41/5)‬




  ‫ب أ ْد ِ‬           ‫َين ُ‬             ‫ه ْ ُر‬         ‫َ َي‬
‫ص -501- ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: {وقَّضْنَا لَ ُم ق َنَاء فَز َُّوا لَهمْ مَا َيْنَ َي ِيهمْ‬
                                                                                                                   ‫ُ‬        ‫وم‬
                                                                                                    ‫َ َا خَلْفَهمْ} [فصلت: 52].‬
    ‫قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين". وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء من الشياطين". وقال ابن‬
                                                 ‫عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر اآلخرة".‬
‫والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب باآلخرة واإلعراض عنها. وقال الكلبى:‬
‫"زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر اآلخرة: أنه ال جنة، وال نار، وال بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما‬
                                                                             ‫هم عليه من الضاللة". وهذا اختيار الفراء.‬
 ‫وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا‬
                                                 ‫لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فال ينوون تركه.‬
                                                 ‫فِ‬        ‫ي ِ وم‬             ‫ُم ت َن ُ م ب‬
                               ‫فقول عدو اهلل تعالى: {ث َّ آل ِي َّهمْ ِنْ َيْنِ أَيْد ِهمْ َ ِنْ خَلْ ِهمْ} [األعراف: 71].‬
                                                   ‫ئل ِ‬        ‫وع م ن ِ وع‬
                                 ‫يتناول الدنيا واآلخرة، وقوله: { َ َنْ أَيْ َا ِهمْ َ َنْ شَمَا ِِهمْ} [األعراف: 71].‬
  ‫فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه‬
    ‫عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا‬
  ‫إ َ ع م د نه‬                                  ‫ِين ُ م ن‬                  ‫ِعز‬
  ‫يفصل ما أجمله فى قوله: {فَب َّتِكَ ألغْو َّهمْ أَجْ َعي َ} [ص: 21] وقال تعالى: {ِنْ يدْ ُونَ ِنْ ُو ِ ِ‬
       ‫و ضَّنه‬        ‫َتخ َن م عب ك ص ا ر‬                          ‫ا َر ع ه هلل َ‬                          ‫إ إ ا وإ َ ع‬
     ‫ِال ِنَاثً َِنْ يدْ ُونَ إال شَيْطَانً م ِيداً لَ َنَ ُ ا ُ وقَالَ أل َّ ِذ َّ ِنْ ِ َادِ َ نَ ِيبً مَفْ ُوضا َأل ِل َّ ُمْ‬
 ‫وم َتخ الش ن ول ِ د ن‬                               ‫ع م و ُرن ُ ْ ي َي ُن‬                      ‫و َن َن ُ و مرنه ْ ي َت ُن‬
 ‫َألمِّيَّهمْ َآل ُ َ ّ ُم فَلَ ُبِّك َّ آذَانَ األنْ َا ِ َآلم َّهم فَلَ ُغ ِّر َّ خَلْقَ اهللِ َ َنْ ي َّ ِذِ َّيْطَا َ َِيا منْ ُو ِ‬
                              ‫ُر ا‬       ‫ِر ر مب ا ي ِد ُ وي َن ِ وم ِدهم لش ن‬                                 ‫ِ َ‬
              ‫اهلل فَقدْ خَس َ خس َاناً ُ ِينً َع ُهمْ َ ُم ِّيهمْ َ َا يع ُ ُ ُ ا َّيْطَا ُ إال غ ُورً} [النساء: 711 -‬

‫(41/3)‬




                                                                                                                              ‫021].‬
‫قال الضحاك: "مفروضا أى معلوما" وقال الزجاج: "أى نصيبا افترضته على نفسى" قال الفراء: "يعنى‬
                                                              ‫ما جعل له عليه السبيل من الناس، فهو كالمفروض".‬
   ‫قلت: حقيقة الفرض هو التقدير. والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض‬
            ‫وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو اهلل فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصيب الشيطان‬
                                                                              ‫ومفروضه، وأولياء اهلل وحزبه وخاصته.‬
         ‫وقوله {وألضلنهم} يعنى عن الحق {وألمنيهم}، قال ابن عباس: "يريد تعويق التوبة وتأخيرها".‬

‫(41/7)‬




                                                                              ‫مي‬
                                             ‫ص -301- وقال الكلبى: " ُنَ ِّهم أنه ال جنة، وال نار، وال بعث".‬
              ‫وقال الزجاج: "أجمع لهم مع اإلضالل أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من اآلخرة".‬
                                                   ‫وقيل: "ألمنينهم ركوب األهواء الداعية إلى العصيان والبدع".‬
                  ‫وقيل: "أمنيهم طول البقاء فى نعيم الدنيا، فأطيل لهم األمل فيها ليؤثروها على اآلخرة".‬
                                                                           ‫عم‬                ‫و ُرن ُ ْ ي َت ُن‬
                                                           ‫وقوله: { َآلم َّهم فَلَ ُبِّك َّ آذَانَ األنْ َا ِ} [النساء: 811].‬
‫البتك: القطع وهو فى هذا الموضع: قطع آذان البحيرة، عن جميع المفسرين، ومن هاهنا كره جمهور‬
‫أهل العلم تثقيب أذنى الطفل للحلق، ورخص بعضهم فى ذلك لألنثى، دون الذكر، لحاجتها إلى الحلية،‬
                                                              ‫س م حلى ُذ ى‬                    ‫َ ع‬
                                                             ‫واحتجوا بحديث أم زرْ ٍ، وفيه: "أنَا َ ِنْ ُِ ّ أ ُنَ ّ"‬
                                                ‫ِّ َ ع‬        ‫كت ك ب َ‬
                                              ‫وقال النبى صلى اهلل عليه وسلم: " ُنْ ُ لَ ِ كَأَ ِى زرْعٍ ألم زرْ ٍ".‬
                            ‫ونص أحمد رحمه اهلل على جواز ذلك فى حق البنت وكراهته فى حق الصبي.‬
                                                                               ‫هلل‬        ‫و ُرن ُ ْ ي ِّ ُن‬
                                                               ‫وقوله: { َآلم َّهم فَلَ ُغَير َّ خَلْقَ ا ِ} [النساء: 811].‬
     ‫والس‬
  ‫قال ابن عباس: "يريد دين اهلل". وهو قول إبراهيم، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة، ُّدى،‬
                                                                                        ‫ج‬            ‫وسعيد بن المسي‬
                                                                                    ‫َّب، وسعيد بن ُبير.‬
                          ‫مل‬
 ‫ومعنى ذلك: هو أن اهلل تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة؛ وهى َّة اإلسالم؛ كما قال تعالى:‬
   ‫{فَأقمْ َجْ َكَ ل ِّينِ َ ِيفا فِطْ َتَ اهللِ َّ ِى فَطَرَ ال ّاسَ َلَيْ َا ال تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اهللِ ذلِكَ ِّي ُ الْقَي ُ َل َّ‬
   ‫الد ن ِّم وِكن‬                                          ‫ن ع ه‬                   ‫الت‬          ‫َ ِ و ه ِلد حن ً ر‬
                                                                      ‫ه و تق ه‬             ‫ي م ن من ب‬              ‫َ الن‬
                                                    ‫أَكْثرَ َّاسِ ال َعْلَ ُو َ ُ ِي ِينَ إلَيْ ِ َا ّ ُو ُ} [الروم: 03- 13].‬
     ‫ي ِّر ن أ‬            ‫ْ ة و ه ي ِّد ن‬                    ‫ل د ي َد عل‬             ‫م‬
   ‫ولهذا قال صلى اهلل عليه وسلم: "مَا ِنْ مَوُْو ٍ إال ُول ُ ََى الْفِطرَ ِ، فَأَبَ َا ُ ُهَو َا ِهِ أَوْ ُنَص َا ِهِ َوْ‬
     ‫ت ج به مة به م ج ع ء ه ت ِس ف ه م َ ع ء َت ك ن ت ْدع نه‬                                                                ‫ُمجس ن‬
  ‫ي ِّ َا ِهِ كَما ُنْتَ ُ الْ َ ِي َ ُ َ ِي َةً َمْ َا َ، فَ َلْ ُح ُّونَ ِي َا ِنْ جدْ َا َ، ح َّى تَ ُو ُوا أنُْمْ تَج َ ُو َ َا".‬
                                                                               ‫ر‬       ‫لت‬           ‫ر‬
                                                                               ‫ثم قرأ أبو هريرة: {فِط َتَ اهللِ اّ ِى فَطَ َ‬
‫(41/1)‬




                                                                                                 ‫الن ع‬
                                                           ‫َّاسَ َلَيْهَا} [الروم: 03] اآلية، متفق عليه.‬

‫(41/8)‬




                                                                        ‫ى‬
‫ص -701- فجمع النب ّ عليه الصالة والسالم بين األمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير‬
  ‫الخلقة بالجدع، وهما األمران اللذان أخبر إبليس أنه ال بد أن يغيرهما، فغير فطرة اهلل بالكفر، وهو‬
‫تغيير الخلقة التى خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى‬
                                  ‫البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة.‬
    ‫ثم قال: {يعدهم ويمنيهم} [النساء: 021] فوعده ما يصل إلى قلب اإلنسان، نحو: سيطول عمرك،‬
      ‫وتنال من الدنيا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول ستكون لك كما كانت‬
    ‫لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه األمانى الكاذبة على اختالف‬
   ‫وجوهها، والفرق بين وعده وتمنيته أن الوعد فى الخير والتمنية فى الطلب واإلرادة، فيعده الباطل‬
   ‫الذى ال حقيقة له- وهو الغرور- ويمنيه المحال الذى ال حاصل له. ومن تأمل أحوال أكثر الناس‬
‫وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم ال يشعرون أنه يعد الباطل، ويمنى المحال، والنفس المهينة التى ال‬
                                                         ‫قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته، كما قال القائل:‬
                                        ‫ع ب زم ً ر‬                   ‫ك ْ سن م وإ‬                     ‫ك‬         ‫من‬
                                    ‫ُ ًى إنْ تَ ُنْ حَقا تَ ُن أحْ َ َ ال ُنَى َِال فَقَدْ ِشْنَا ِهَا َ َنا َغْدا‬

‫(41/01)‬




     ‫فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ باألمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها، كما يفرح بها النساء‬
         ‫والصيبان ويتحركون لها، فاألقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيه، فإن الشيطان يمنى‬
   ‫أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من‬
                                              ‫ي ِد ُ وي َن ِ و ي ِد ُم الش ن إ ُر ا‬
                              ‫قوله: { َع ُهمْ َ ُمِّيهمْ َمَا َع ُه ُ َّيْطَا ُ ِال غ ُورً} [النساء: 021].‬
                ‫ء و هلل يعد م ِر م ه َ‬                          ‫و مر ُ‬              ‫الش ن يعد ُم‬
‫ومن ذلك قوله تعالى: { َّيْطَا ُ َ ِ ُك ُ الفَقْرَ َيَأْ ُ ُكمْ بِالْفَحْشَا ِ َا ُ َ ِ ُكمْ َغْف َةً ِنْ ُ وفَضْال} [البقرة:‬
                                                                                                                       ‫132].‬
   ‫قيل: {يعدكم الفقر} [البقرة: 132]: يخوفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، {ويأمركم بالفحشاء}‬
     ‫[البقرة: 132] قالوا: هى البخل فى هذا الموضع خاصة، ويذكر عن مقاتل والكلبى كل فحشاء فى‬
                                                                 ‫القرآن فهى الزنا إال فى هذا الموضع فإنها البخل.‬
‫والصواب: أن الفحشاء على بابها، وهى كل فاحشة، فهى صفة لموصوف محذوف، فحذف موصوفها‬
     ‫إرادة للعموم، أى بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء، ومن جملتها البخل، فذكر سبحانه وعد الشيطان‬
         ‫وأمره يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير، وهذان األمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من‬
     ‫اإلنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها، وسمى سبحانه‬
        ‫تخويفه وعد االنتظار الذى خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده على‬
                                                           ‫طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهى المغفرة‬

‫(41/11)‬




     ‫ص -101- والفضل، فالمغفرة: وقاية الشر، والفضل: إعطاء الخير، وفى الحديث المشهور: "إن‬
                                                                                            ‫م‬
   ‫لل َلك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان:‬
                        ‫ء‬                ‫الش ن ي ِدكم ْ وي ُر ُ‬
  ‫إيعاد بالشر، وتكذيب بالوعد"، ثم قرأ: { َّيْطَا ُ َع ُ ُ ُ الْفَقرَ َ َأْم ُكمْ بِالْفَحْشَا ِ} [البقرة: 132] اآلية.‬
 ‫فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره،‬
      ‫وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهاراً كله، وآخر بضده، نستعيذ باهلل تعالى من شر الشيطان.‬
                                                                                                                         ‫فصل‬
                     ‫ي ْد ه‬
   ‫ومن كيده لإلنسان: أنه يورده الموارد التى يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم ُص ِر ُ المصادر التى فيها‬
 ‫عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنا والقتل، ويدل عليه‬
  ‫ْم م ن س وِن ج ر لك‬                    ‫ل ُ‬                ‫ُ َ‬            ‫وِ َي ُم الش ن‬
‫ويفضحه، قال تعالى: { َإذْ ز َّن لَه ُ َّيْطَا ُ أَعْمَالَهمْ وقَالَ ال غَاِبَ لَكمَ الْيَو َ ِنَ ال ّا ِ َإ ِّى َا ٌ َ ُمْ‬
    ‫ف و هلل‬            ‫ِن‬         ‫َ‬        ‫عل قب ه و ِن َر ء م ُ ِن َر‬                                      ‫َلم َر ء ف‬
    ‫ف َّا ت َا َتِ الْ ِئَتَانِ نَكَصَ ََى عَ ِ َيْ ِ َقالَ إ ِّى ب ِى ٌ ِنْكمْ إ ِّى أ َى مَاال ترَوْنَ إ ِّى أَخَا ُ اهلل َا ُ‬
                                                                                                            ‫ب‬          ‫َد د‬
                                                                                            ‫ش ِي ُ الْعِقَا ِ} [األنفال: 14].‬
  ‫فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر فى صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بنى‬
  ‫كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو اهلل جنود اهلل تعالى من المالئكة نزلت لنصر‬
                                                                                                      ‫فر‬
                                                                         ‫رسوله َّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:‬
‫(41/21)‬




                                         ‫و ه َر ر‬               ‫د ُم ب ُر ر ُم مه ِن ب‬
                                         ‫ص -801- َاله ُ ِغ ُو ٍ، ث َّ أَسْلَ َ ُمْ إ َّ الخ ِيثَ لمنْ َاال ُ غ َّا ُ‬
  ‫وكذلك فعل بالراهب الذى قتل المرأة وولدها، أمره بالزنا ثم بقتلها، ثم دل أهلها عليه، وكشف أمره‬
                               ‫لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه. وفيه أنزل اهلل سبحانه:‬
       ‫َب ل َ‬                         ‫ب ء م ِن‬                    ‫ف ْ َم َ َ‬             ‫إل س‬            ‫ِ‬        ‫م َ الش‬
      ‫{كَ َثلِ َّيْطَانِ إذْ قَالَ ل ِنْ َانِ اكْ ُر فَل َّا كَفر قَالَ إنى َرِى ٌ ِنْكَ إ ِّى أَخَافَ اهللَ ر َّ الْعَاِمين}‬
                                                                                                           ‫[الحشر: 31].‬
 ‫وهذا السياق ال يختص بالذى ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام فى كل من أطاع الشيطان فى أمره‬
‫له بالكفر، لينصره ويقضى حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة فى النار، ويقول‬
                                                                     ‫ر تم م ْل‬                   ‫تب‬          ‫ِن‬
                                                     ‫لهم: {إ ِّى كَفَرْ ُ ِمَا أَشْ َكُْ ُونِ ِنْ قَب ُ} [إبراهيم: 22].‬
                                                                    ‫فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة.‬
                                                    ‫ف الله‬        ‫ِن‬
‫وتكلم الناس فى قول عدو اهلل {إ ِّي أَخَا ُ َّ َ} [األنفال: 14] فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو اهلل‬
                        ‫ف الله‬        ‫ِن‬                                   ‫َر‬            ‫ِن َ‬
‫فى قوله {إ ِّي أرَى مَا ال ت َوْن} [األنفال: 14] وكذب فى قوله {إ ِّي أَخَا ُ َّ َ} [األنفال: 14] واهلل ما‬
‫به مخافة اهلل، ولكن علم أنه ال قوة له وال منعة فأوردهم وأسلمهم. وكذلك عادة عدو اهلل بمن أطاعه".‬
   ‫وقالت طائفة: "إنما خاف بطش اهلل تعالى به فى الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ‬
          ‫بجرمه، ال أنه خاف عقابه فى اآلخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف ال يستلزم إيمانا وال نجاة.‬
                                             ‫قال الكلبى: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فال يطيعونه".‬
‫وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إال أن يريد أنه إذا عرف المشركون‬
 ‫أن الذى أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير‬
                                                                                                                    ‫المراد.‬
                ‫وقال عطاء: "إنى أخاف اهلل أن يهلكنى فيمن يهلك"، وهذا خوف هالك الدنيا فال ينفعه.‬

‫(41/31)‬




       ‫ص -011- وقال الزجاج وابن األنبارى: "ظن أن الوقت الذى أنظر إليه قد حضر". زاد ابن‬
‫األنبارى قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذى يزول معه إنظارى قد حضر فيقع بى العذاب، فإنه‬
           ‫لما عاين المالئكة خاف أن يكون وقت اإلنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".‬
                                                                                                                  ‫فصل‬
                                                              ‫يخو‬
       ‫ومن كيد عدو اهلل تعالى: أنه ِّف المؤمنين من جنده وأوليائه، فال يجاهدونهم وال يأمرونهم‬
  ‫بالمعروف، وال ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل اإليمان، وقد أخبرنا اهلل سبحانه عنه‬
                                                                                                             ‫بهذا فقال:‬
                          ‫ف ُ خ ف إ ك ُ م من ن‬                              ‫ِنم ل ُم ش ن ي ِّف لي ء ُ‬
        ‫{إ َّ َا ذِك ُ ال ّيْطَا ُ ُخَو ُ أَوِْ َا َه فَال تَخَا ُوهمْ وَ َا ُونِ ِنْ ُنْتمْ ُؤْ ِ ِي َ} [آل عمران: 571].‬
    ‫المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: "يعظمهم فى صدوركم، ولهذا قال: {فَال‬
                                                              ‫خ ف ُ خ ف إ ك ُ م من ن‬
 ‫تَ َا ُوهمْ وَ َا ُونِ ِنْ ُنْتمْ ُؤْ ِ ِي َ} فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما‬
                                                                            ‫ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهم".‬
   ‫ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده، وال يسلم من سحره إال من شاء اهلل، فيزين له الفعل‬
‫الذى يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع األشياء، وينفر من الفعل الذى هو أنفع األشياء له، حتى يخيل‬
    ‫له أنه يضره، فال إله إال اهلل. كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب وبين اإلسالم‬
 ‫واإليمان واإلحسان؟ وكم جال الباطل وأبرزه فى صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه فى صورة‬
                                     ‫و‬
‫مستهجنة؟ وكم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم ر ّج من الزغل على العارفين؟ فهو الذى سحر‬
     ‫العقول حتى ألقى أربابها فى األهواء المختلفة واآلراء المتشعبة، وسلك بهم فى سبل الضالل كل‬
    ‫مسلك وألقاهم من المهالك فى مهلك بعد مهلك، وزين لهم عبادة األصنام، وقطيعة األرحام، ووأد‬
‫البنات، ونكاح األمهات، ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان، وأبرز لهم الشرك فى‬
                       ‫صورة التعظيم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه فى‬

‫(41/41)‬




   ‫قالب التنزيه، وترك األمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق‬
                                                                                               ‫معهم، والعمل بقوله:‬
                                                                                                      ‫ع ُ فس ُ‬
                                                                                   ‫{ َلَيْكمْ أنْ ُ َكمْ} [المائدة: 501].‬
                                   ‫واإلعراض عما جاء به الرسول عليه الصالة والسالم فى قالب التقليد،‬

‫(41/51)‬
‫ص -111- واالكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق واإلدهان فى دين اهلل فى قالب العقل المعيشى‬
                                                                                           ‫الذى يندرج به العبد بين الناس.‬
‫فهو صاحب األبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حين‬
  ‫أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب‬
  ‫األمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا األخذة‬
      ‫الرابية، وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر،‬
                                                                                                ‫وصاحب كل هالك ومفتون.‬
                                                                                                                              ‫فصل‬
      ‫وأول كيده ومكره: أنه كاد األبوين باأليمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما فى‬
   ‫َه كم‬            ‫ء تهم َ‬            ‫و س هم ش ن لي ِ ه م و ِ ع ه م‬
  ‫الجنة، قال تعالى: {فَ َسْو َ لَ ُ َا ال ّيْطَا ُ ِ ُبْدىَ لَ ُمَا َا ُورىَ َنْ ُمَا ِنْ سَوْ َا ِ ِ َا وقَالَ مَان َا ُ َا‬
  ‫ِد ن َ سمه إن كم م ن صح ن‬                                  ‫ك م‬                    ‫ك م‬               ‫إ‬      ‫ش‬            ‫َبك ع‬
  ‫ر ُّ ُمَا َنْ هذِهِ ال ّجرَةِ ِال أَنْ تَ ُونَا َلَكَيْنِ أوْ تَ ُونَا ِنَ الخال ِي َ وقَا َ َ ُمَا ِّى لَ ُ َا لَ ِنَ ال ّا ِ ِي َ‬
                                                                                                    ‫َد ه بغر ر‬
                                                                               ‫ف َال ُمَا ِ ُ ُو ٍ} [األعراف: 02 - 22].‬
  ‫فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفى، وبه سمى صوت الحلى وسواسا، ورجل موسوس بكسر‬
      ‫و َم م‬
     ‫الواو، وال يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ ألن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: { َنَعْل ُ َا‬
                                                             ‫تو س به سه و ن َ رب إ م ح ْ َر د‬
                                                   ‫ُ َسْوِ ُ ِ ِ نَفْ ُ ُ َنَحْ ُ أقْ َ ُ ِلَيْه ِنْ َبلِ الْو ِي ِ} [ق: 31].‬
 ‫وعلم عدو اهلل أنهما إذا أكال من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما‬
  ‫بين اهلل وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدى السوأة الباطنة‬
‫والظاهرة، ولهذا رأى النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم فى رؤياه الزناة والزوانى عراة بادية سوآتهم،‬
     ‫وهكذا إذا رؤى الرجل أو المرأة فى منامه مكشوف السوأة يدل على فساد فى دينه، قال الشاعر:‬

‫(41/31)‬




                                        ‫ُ ي‬      ‫و الن‬               ‫ِن َن َر م ْ حي ه و‬
                                    ‫ص -211- إ ِّى كَأ ِّى أ َى َن ال َ َاءَ لَ ُ َال أمَانَةَ َسْطَ َّاسِ عرْ َانَا‬
   ‫ي َم‬
  ‫فإن اهلل سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يوارى العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، ُج ِّل‬
‫العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما‬
                                                                                                                          ‫يسترها.‬
                                           ‫ك م‬              ‫َر إ‬               ‫م ه كم َبك ع‬
                     ‫ثم قال: { َا نَ َا ُ َا رُّ ُمَا َنْ هذِهِ الشج َةِ ِال أنْ تَ ُونَا َلَكْين} [األعراف: 02].‬
 ‫أى: إال كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا فى الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما‬
‫يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده األعظم الذى يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجرى منه مجرى الدم‬
   ‫حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل‬
  ‫عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من اإلنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم‬
 ‫بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذى يحبونه ويهوونه، فإنه باب ال يخذل عن حاجته من دخل منه،‬
                   ‫ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.‬
                                                            ‫ا‬            ‫فشام عدو اهلل األبوين، فأحس‬
‫َّ منهما إيناسً وركوناً إلى الخلد فى تلك الدار فى النعيم المقيم فعلم أنه ال‬
 ‫يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما باهلل إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن‬
                                                  ‫هذه الشجرة إال أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.‬
   ‫وكان عبد اهلل بن عباس يقرؤها ملكين بكسر الالم، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من المالئكة، ولكن‬
 ‫استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله فى اآلية األخرى: { َا َ‬
 ‫قل‬
                                                           ‫َم َ َد عل ج خ ْد وم ٍ ي‬
                                          ‫يَا آد ُ هلْ أ ُلكَ ََى شَ َرَةِ الْ ُل ِ َ ُلْك ال َبْلَى} [طه: 021].‬
  ‫وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو اهلل آدم عليه السالم أن يكون بأكله من الشجرة‬
                ‫من المالئكة، وهو يرى المالئكة ال تأكل وال تشرب؟ وكان آدم عليه السالم أعلم باهلل‬

‫(41/71)‬




          ‫وبنفسه وبالمالئكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، وال سيما مما نهاه اهلل عز وجل عنه؟،‬
         ‫فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السالم لم يطمعا فى ذلك أص ً، وإنما كذبهما عدو اهلل وغر‬
     ‫َّهما،‬                         ‫ال‬
‫وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية األمور‬
                            ‫المحرمة باألسماء التى تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم األفراح،‬

‫(41/11)‬




‫ص -311- وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية،‬
 ‫وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا‬
    ‫مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إال‬
  ‫كراهة أن تأكال منها فتخلدا فى الجنة وال تموتا فتكونان مثل المالئكة الذين ال يموتون، ولم يكن آدم‬
‫عليه السالم قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود فى الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه‬
 ‫باهلل جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ اهلل سبحانه من‬
                                               ‫تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل:‬
                                                ‫َل‬        ‫ت م‬         ‫ُ لي ف َ َر‬                   ‫و ظ وَر هلل‬
                                                ‫َاسْتَيْقَ ُوا َأ َادَ ا ُ غَفْلَتَهمْ ِ َنْ ُذَ الْقد ُ المَحْ ُو ُ فى األز ِ‬

‫(41/81)‬




‫إال أن هذا الجواب يعترض عليه قوله {أو تكونا من الخالدين} [األعراف: 02]. فيقال: الماكر المخادع‬
  ‫ال بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، وال حاجة بنا إلى‬
  ‫تصحيح كالم عدو اهلل، واالعتذار عنه، وإنما يعتذر عن األب فى كون ذلك راج عليه وولج سمعه،‬
     ‫فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكال منها صارا ملكين، وإنما ردد األمر بين أمرين: أحدهما ممتنع،‬
 ‫واآلخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه فى األمر الممكن جزم له به ولم‬
                                                                                                                     ‫يردده.‬
                                                              ‫َ خ ْ وم‬                ‫َم َ ُل ع‬
                                    ‫فقال: {يَا آد ُ هلْ أدُّكَ َلَى شَجرَةِ الْ ُلدِ َ ُلْكٍ ال يْبلَى} [طه: 021].‬
           ‫لد ن‬           ‫ك م‬            ‫م ن‬            ‫ت‬
‫فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله: {إال أَنْ َكونَا َلَكَيْ ِ أوْ تَ ُونَا ِنَ الْخَاِ ِي َ} [األعراف:‬
                                              ‫َ سمه ِن ك م الن ح ن‬
                              ‫02] فتأمله، ثم قال: {وقَا َ َ ُمَا إ ِّى لَ ُمَا لَ ِنَ َّاصِ ِي َ} [األعراف: 12].‬
                                                                           ‫فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:‬
                                                                                                 ‫أحدها: تأكيده بالقسم.‬
                                                                                                      ‫ن‬
                                                                                                     ‫الثانى: تأكيده بإ ّ.‬
‫الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا باالختصاص. أى نصيحتى مختصة بكما، وفائدتها إليكما ال‬
                                                                                                                        ‫إلى.‬
‫الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أى النصح صفتى‬
                                                                                 ‫وسجيتى، ليس أمرا عارضا لى.‬

‫(41/02)‬
                                                 ‫ص -411- الخامس: إتيانه بالم التأكيد فى جواب القسم.‬
  ‫السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما فى ذلك‬
   ‫كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشىء: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير‬
                                                                                                             ‫عليك به.‬
                                                  ‫َ َل‬         ‫ب و‬             ‫َت ج َ َده و َّ َ‬                     ‫سع‬
                                                ‫َ َى نَحْوَهَا ح َّى ت َاوزَ ح َّ ُ َكَثر فَارْتَا َتْ، َلَوْ شَاء قَّال‬
                                                                                         ‫ر‬
   ‫وو ّث عدو اهلل هذا المكر ألوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول‬
                                    ‫َد ِن َرس ل هلل‬
      ‫اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: {نَشْه ُ إَّكَ ل َ ُو ُ ا ِ} [المنافقون: 1]. فأكدوا خبرهم‬
                ‫و لف ب ِن ُ م ُ و ُ م ُ‬
    ‫بالشهادة وبإن وبالم التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: { َيَحِْ ُونَ ِاهللِ إَّهمْ لَ ِنْكمْ َمَا همْ ِنْكمْ} [التوبة:‬
                                                                                                                  ‫35].‬
                                                                            ‫َد ه ب ُر ر‬
                                                            ‫ثم قال تعالى: {ف َال ُمَا ِغ ُو ٍ} [األعراف: 22].‬
                               ‫قال أبو عبيدة: "خذلهما وخالهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها فى البئر".‬
  ‫وذكر األزهرى لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى فى البئر ليروى من‬
  ‫الماء فال يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع اإلطماع فيما ال يجدى‬
                                               ‫نفعا، فيقال: داله، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلى:‬
                                                      ‫ُر ر‬         ‫أج ر وم أ ِ ه س م َ َل‬                          ‫ُص‬
                                                      ‫أَح ُّ، فَالَ ُ ِي ُ َ َنْ ُجرْ ُ فَلَيْ َ كَ َنْ تدَّى بِالْغ ُو ِ‬
                                                                                                  ‫أحص: أى أقطع.‬
       ‫الثانى: "فدالهما بغرور، أى جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدالل والدالة وهى‬
                                                              ‫َل‬
                   ‫الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَّكَ على أى ما جرأك على"، وأنشد لقيس بن زهير:‬
                                                       ‫َظن ح ْ َل ع َّ م و َ ي َل الر ُل حل م‬
                                                       ‫أ ُّ الْ ِلمَ د َّ َلَى قَوْ ِى َقدْ ُسْتَجْه ُ َّج ُ الْ َِي ُ‬

‫(41/12)‬




   ‫ص -511- قلت: أصل التدلية فى اللغة اإلرسال والتعليق. يقال: دلى الشىء فى مهواة، إذا أرسله‬
                       ‫َ سل و ِ ُ ْ َ د ه‬
          ‫بتعليق. وتدلى الشىء بنفسه. ومنه قوله تعالى: {فَأرْ َُوا َاردَهم فَأدْلَى َلْوَ ُ} [يوسف: 81].‬
‫قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها فى البئر. ودالها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى‬
‫دلوه يدليه إدالء إذا أرسلها، ودالها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه اإلدالء، وهو التوصل إلى‬
‫الرجل برحم منه، ويشاركه فى االشتقاق األكبر الداللة وهى التوصل إلى الشىء بإبانته وكشفه، ومنه‬
   ‫الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد اهلل بن مسعود يتشبه برسول اهلل صلى اهلل تعالى‬
‫عليه وسلم فى هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التى عليها العبد، من أخالقه وأقواله وأعماله، والدل‬
                                    ‫ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته.‬
                                                    ‫والمقصود: ذكر كيد عدو اهلل ومكره باألبوين.‬
 ‫قال مطرف بن عبد اهلل: "قال لهما إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعانى أرشدكما وحلف لهما،‬
   ‫وإنما يخدع المؤمن باهلل"، قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا باهلل خدعنا"، فالمؤمن‬
‫غر كريم والفاجر خب لئيم، وفى الصحيح: "أن عيسى بن مريم عليه السالم رأى رجال يسرق، فقال:‬
                 ‫سرقت؟ فقال: ال واهلل الذى ال إله إال هو، فقال المسيح: آمنت باهلل وكذبت بصرى".‬
    ‫وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا‬
   ‫تكلف، وإنما كان اهلل سبحانه وتعالى فى قلب المسيح عليه السالم أجل وأعظم من أن يحلف به أحد‬
   ‫كاذبا، فلما حلف له السارق دار األمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له‬
    ‫فى اليمين باهلل، كما ظن آدم عليه السالم صدق إبليس لما حلف له باهلل عز وجل، وقال: ما ظننت‬
                                                                     ‫أحدا يحلف باهلل تعالى كاذبا.‬
                                                                                           ‫فصل‬
                   ‫ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس، حتى يعلم أى القوتين تغلب عليها: قوة اإلقدام‬

‫(41/22)‬




                                                  ‫والشجاعة، أم قوة االنكفاف واإلحجام والمهانة؟.‬

‫(41/32)‬




   ‫ص -311- فإن رأى الغالب على النفس المهانة واإلحجام أخذ فى تثبيطه وإضعاف همته وإرادته‬
          ‫عن المأمور به، وثقله عليه، فهون عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه ويتهاون يه.‬
  ‫وإن رأى الغالب عليه قوة اإلقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه ال يكفيه، وأنه‬
    ‫يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصر باألول ويتجاوز بالثانى، كما قال بعض السلف: "ما أمر اهلل‬
             ‫و‬
  ‫سبحانه بأمر إال وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغل ّ. وال يبالى‬
                                                                                  ‫بأيهما ظفر".‬
  ‫وقد اقتطع أكثر الناس إال أقل القليل فى هذين الواديين: وادى التقصير، ووادى المجاوزة والتعدى.‬
          ‫والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذى كان عليه رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم‬
                                                                                    ‫وأصحابه.‬
                    ‫فقوم قصر بهم عن اإلتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد‬
    ‫وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما فى أيديهم‬
                                               ‫وقعدوا كَال على الناس، مستشرفين إلى ما بأيديهم.‬
      ‫وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم‬
                       ‫وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.‬
             ‫وكذلك قصر بقوم فى حق األنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.‬
 ‫وقصر بقوم فى خلطة الناس حتى اعتزلوهم فى الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم،‬
                                        ‫وتجاوز بقوم حتى خالطوهم فى الظلم والمعاصى واآلثام.‬
  ‫وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء‬
                                                                                   ‫المعصومة.‬
    ‫وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من االشتغال بالعلم الذى ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم‬
                                                                ‫وحده هو غايتهم دون العمل به.‬
‫وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بنى آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم‬
                                                                              ‫الحرام الخالص.‬
                                ‫وقصر بآخرين حتى زين لهم ترك سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى‬

‫(41/42)‬




  ‫عليه وسلم من النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.‬

‫(41/52)‬
  ‫ص -711- وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصالح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا‬
                                               ‫بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع اهلل تعالى.‬
    ‫وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم وااللتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى‬
 ‫جعلوا الحالل ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                                                        ‫وسلم الصحيحة الصريحة.‬
   ‫وقصر بقوم حتى قالوا: إن اهلل سبحانه ال يقدر على أفعال عباده وال شاءها منهم، ولكنهم يعملونها‬
      ‫بدون مشيئة اهلل تعالى وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم ال يفعلون شيئا البتة، وإنما اهلل‬
 ‫سبحانه هو فاعل تلك األفعال حقيقة، فهى نفس فعله ال أفعالهم. والعبيد ليس لهم قدرة وال فعل البتة.‬
‫وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخال فى خلقه وال بائنا عنهم، وال هو فوقهم وال تحتهم‬
‫وال خلفهم وال أمامهم وال عن أيمانهم وال عن شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو فى كل مكان‬
                                                       ‫بذاته، كالهواء الذى هو داخل فى كل مكان.‬
‫وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل‬
 ‫أزال وأبدا قائال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى، ويقول لموسى {اذهب إلى فرعون} فال‬
                                                              ‫ا‬
                                    ‫يزال هذا الخطاب قائما به ومسموعً منه، كقيام صفة الحياة به.‬
      ‫وقصر بقوم حتى قالوا: إن اهلل سبحانه ال يشفع أحدا فى أحد البتة، وال يرحم أحدا بشفاعة أحد،‬
      ‫وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك‬
                                                                                         ‫ونحوهم.‬
    ‫وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضال عن أبى بكر‬
                                ‫وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من اإلسالم بالكبيرة الواحدة.‬
 ‫وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبهوه‬
                                                                                ‫بخلقه ومثلوه بهم.‬
              ‫وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وقاتلوهم، واستحلوا‬

‫(41/32)‬




    ‫حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة: من العصمة وغيرها. وربما ادعوا فيهم‬
                                                                                          ‫اإللهية.‬
‫(41/72)‬




    ‫ص -111- وكذلك قصر باليهود فى المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما اهلل تعالى منه،‬
                                 ‫وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن اهلل، وجعلوه إلها يعبد مع اهلل.‬
 ‫ا‬
 ‫وقصر بقوم حتى نفوا األسباب والقوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمراً الزمً‬
‫ال يمكن تغييره وال تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير. وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات،‬
 ‫وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى اآلصار واألغالل، وهم أشباه‬
                                                                                          ‫اليهود.‬
 ‫وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من األعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم‬
      ‫حتى أظهروا لهم من القبائح ومن األعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم‬
                                                                                        ‫المالمية.‬
  ‫وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضال، أو فضوال، وتجاوز بآخرين‬
    ‫حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف ال‬
                                                                              ‫يسقط وارده لورده.‬
                                                    ‫ا‬                           ‫ا‬
                      ‫وهذا باب واسع جدً لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرً، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة.‬
                                                                                           ‫فصل‬
 ‫ومن حيله ومكايده: الكالم الباطل، واآلراء المتهافتة، والخياالت المتناقضة، التى هى زبالة األذهان،‬
                                                                                            ‫ن‬
   ‫و ُحاتة األفكار، والزبد الذى يقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التى تعدل الحق بالباطل، والخطأ‬
‫بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخياالت، فمركبها القيل والقال، والشك‬
 ‫والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، وال معتقد مطابق للحق يرجع إليه،‬
‫يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فقد اتخذوا ألجل ذلك القرآن مهجورا، وقالوا من عند‬
 ‫أنفسهم فقالوا منكرا من القول وزورا فهم فى شكهم يعمهون، وفى حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب اهلل‬
                                                      ‫وراء ظهورهم كأنهم ال يعلمون، واتبعوا ما‬

‫(41/12)‬
     ‫تلته الشياطين على ألسنة أسالفهم من أهل الضالل، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا‬
                  ‫الدليل واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل.‬

‫(41/82)‬




                                                                                 ‫ص -811- فصل‬
     ‫ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كالم اهلل ورسوله‬
  ‫ظواهر لفظية ال تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية فى المناهج الفلسفية،‬
     ‫والطرق الكالمية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق‬
                                               ‫يونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العري‬
  ‫َّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها‬
 ‫العقول واألذهان، ومرت عليها القرون واألزمان، فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من‬
                                                        ‫اإليمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين.‬
                                                                                              ‫فصل‬
                                                                 ‫ج‬
      ‫ومن كيده: ما ألقاه إلى ُهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم فى قالب الكشف من‬
  ‫الخياالت، فأوقعهم فى أنواع األباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائالت، وأوحى إليهم:‬
    ‫أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن،‬
  ‫فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية األخالق والتجافى عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة‬
    ‫والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شىء، حتى ينتقش فيه الحق بال‬
 ‫واسطة تعلم، فلما خال من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد‬
   ‫له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا وعيانا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل‬
‫قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور‬
‫ولنا اللباب، فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة واآلثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم‬
   ‫أحالهم فى سلوكهم على تلك الخياالت، وأوهمهم أنها عن اآليات البينات، وأنها من قبل اهلل سبحانه‬
                                       ‫إلهامات وتعريفات فال تعرض على السنة والقرآن، وال تعامل‬

‫(41/03)‬
                                                                         ‫إال بالقبول واإلذعان.‬
                  ‫فلغير اهلل ال له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخياالت والشطحات، وأنواع‬

‫(41/13)‬




    ‫ص -021- لهذيان. وكلما ازدادوا بعدا وإعراضا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح‬
                                                                            ‫على قلوبهم أعظم.‬
                                                                                        ‫فصل‬
 ‫ومن أنواع مكايده ومكره: أن يدعو العبد بحسن خلقه وطالقته وبشره إلى أنواع من اآلثام والفجور،‬
    ‫فيلقاه من ال يخلصه من شره إال تجهمه والتعبيس فى وجهه واإلعراض عنه، فيحسن له العدو أن‬
    ‫يلقاه ببشره، وطالقة وجهه، وحسن كالمه، فيتعلق به، فيروم التخلص منه فيعجز، فال يزال العدو‬
 ‫يسعى بينهما حتى يصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق، وطالقة الوجه، ومن‬
‫هاهنا وصى أطباء القلوب باإلعراض عن أهل البدع وأن ال يسلم عليهم، وال يريهم طالقة وجهه، وال‬
                                                                ‫يلقاهم إال بالعبوس واإلعراض.‬
    ‫وكذلك أوصوا عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمردان، وقالوا: متى كشفت للمرأة أو‬
            ‫الصبى عن بياض أسنانك كشفا لك عما هنالك، ومتى لقيتهما بوجه عابس وقيت شرهما.‬
 ‫ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوى الحاجات بوجه عبوس وال تريهم بشرا وال طالقة،‬
‫فيطمعوا فيك، ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك،‬
 ‫ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطالقة مع هؤالء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك،‬
                                                    ‫ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير.‬
                                                                                        ‫فصل‬
   ‫ومن مكايده أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضى الرب تعالى فى إذاللها وابتذالها،‬
    ‫كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفجار والظلمة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فيخيل إليك أن ذلك‬
 ‫تعريض لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط األعداء وطعنهم فيك، فيزول جاهك فال يقبل منك بعد ذلك‬
                                                                               ‫وال يسمع منك.‬

‫(41/23)‬
    ‫ص -121- ويأمرك بإذاللها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما يأمرك‬
     ‫بالتبذل لذوى الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم،‬
                                                                                   ‫ويذكرك قول الشاعر:‬
                                        ‫ته نه‬       ‫به و ت ْر الن س الت‬                  ‫ْ‬          ‫أه ن ُ‬
                                       ‫ُ ِي ُ لَهمْ نفسى ألرفَعهَا ِ ِمْ َلَنْ ُك َمَ َّفْ ُ َّ ِى ال ُ ِيُ َا‬
‫وغلط هذا القائل: فإن ذلك ال يصلح إال هلل وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخالف‬
                        ‫المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند اهلل وعند أوليائه وهنت عليه.‬
    ‫ويأمرك بإذاللها وامتهانها حيث تكون مصلحتها فى إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتبذل لذوى‬
     ‫الرياسات، وإهانة نفسك لهم، ويخيل إليك أنك تعزها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويذكرك قول‬
                                                                                                       ‫الشاعر:‬
                                        ‫ته نه‬       ‫به و ت ْر الن س الت‬                  ‫ْ‬          ‫أه ن ُ‬
                                       ‫ُ ِي ُ لَهمْ نفسى ألرفَعهَا ِ ِمْ َلَنْ ُك َمَ َّفْ ُ َّ ِى ال ُ ِيُ َا‬

‫(41/33)‬




‫وغلط هذا القائل: فإن ذلك ال يصلح إال هلل وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزه، بخالف‬
                        ‫المخلوق، فإنك كلما أهنت نفسك له ذللت عند اهلل وعند أوليائه وهنت عليه.‬
                                                                                                           ‫فصل‬
 ‫ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه فى مسجد، أو رباط، أو زاوية أو تربة، ويحبسه هناك،‬
   ‫وينهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجت تبذلت للناس، وسقطت من أعينهم، وذهبت هيبتك من‬
 ‫قلوبهم، وربما ترى فى طريقك منكرا، وللعدو فى ذلك مقاصد خفية يريدها منه: منها الكبر، واحتقار‬
   ‫الناس، وحفظ الناموس، وقيام الرياسة، ومخالطة الناس تذهب ذلك. وهو يريد أن يزار وال يزور،‬
‫ويقصده الناس وال يقصدهم، ويفرح بمجىء األمراء إليه، واجتماع الناس عنده، وتقبيل يده، فيترك من‬
             ‫الواجبات والمستحبات والقربات ما يقربه إلى اهلل، ويتعوض عنه بما يقرب الناس إليه.‬
   ‫و ن ي َر‬
  ‫وقد كان رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم يخرج إلى السوق، قال بعض الحفاظ: " َكَا َ َشْت ِى‬
                                                                                    ‫ج ه وي مل ب سه‬
                                                                                  ‫حَا َتَ ُ َ َحْ ُِهَا ِنَفْ ِ ِ".‬
                                                                  ‫ذكره أبو الفرج بن الجوزى وغيره.‬
                      ‫وكان أبو بكر رضى اهلل عنه يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشترى.‬
   ‫ومر عبد اهلل بن سالم رضى اهلل عنه وعلى رأسه حزمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا، وقد‬
    ‫أغناك اهلل عز وجل؟ فقال: أردت أن أدفع به الكبر، فإنى سمعت رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                       ‫م ل َر من ك ْر‬                 ‫َ خل الجن ع ْ ٌ ف‬
                                     ‫وسلم يقول: "ال يدْ ُ ُ َّةَ َبد ِى قلبه ِثْقَا ُ ذ َّةٍ ِ َ ِب ٍ".‬
 ‫وكان أبو هريرة رضى اهلل تعالى عنه يحمل الحطب وغيره من حوائج نفسه وهو أمير على المدينة،‬
                                                       ‫ويقول: "افسحوا ألميركم، افسحوا ألميركم".‬

‫(41/43)‬




                                      ‫ا‬
   ‫ص -221- وخرج عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه يومً وهو خليفة فى حاجة له ماشيا، فأعيى،‬
‫فرأى غالماً على حمار له، فقال: يا غالم احملنى فقد أعييت، فنزل الغالم عن الدابة، وقال: اركب يا‬
‫أمير المؤمنين، فقال: ال، اركب أنت وأنا خلفك، فركب خلف الغالم، حتى دخل المدينة والناس يرونه.‬
                                                                                                 ‫فصل‬
  ‫ومن كيده: أنه يغرى الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى‬
  ‫يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد األرض، وبك يدفع البالء عن الخلق، ظن ذلك‬
 ‫حقا، وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى اهلل تعالى ويسأل اهلل تعالى به وبحرمته، فيقضى حاجتهم، فيقع‬
  ‫ذلك فى قلبه، ويفرح به، ويظنه حقا، وذلك كل الهالك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيا عنه، أو‬
 ‫قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد فى باطنه، وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب‬
                                                                                    ‫إلى السالمة منه.‬
                                                                                                 ‫فصل‬
 ‫ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلى والزهد والرياضة العمل بهاجسهم وواقعهم، دون تحكيم أمر‬
‫الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظا مع اهلل كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطإ، وهذا‬
                                                                             ‫من أبلغ كيد العدو فيهم.‬
‫فإن الخواطر والهواجس ثالثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد‬
‫والعبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه ال يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم،‬
  ‫والعصمة إنما هى للرسل صلوات اهلل وسالمه عليهم الذين هم وسائط بين اهلل عز وجل وبين خلقه،‬
          ‫فى تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ، وليس بحجة على الخلق.‬
           ‫وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه، يقول الشىء فيرده عليه‬
‫(41/53)‬




‫ص -321- من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب‬
                                              ‫والسنة، وال يلتفت إليها وال يحكم بها وال يعمل بها.‬
     ‫وهؤالء الجهال يرى أحدهم أدنى شىء فيحكم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، وال يلتفت‬
          ‫إليهما، ويقول: حدثنى قلبى عن ربى، ونحن أخذنا عن الحى الذى ال يموت، وأنتم أخذتم عن‬
    ‫الوسائط، ونحن أخذنا بالحقائق، وأنتم اتبعتم الرسوم، وأمثال ذلك من الكالم الذى هو كفر وإلحاد،‬
‫وغاية صاحبه أن يكون جاهال يعذر بجهله، حتى قيل لبعض هؤالء: أال تذهب فتسمع الحديث من عبد‬
                     ‫الرزاق؟ فقال: ما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الملك الخالق؟.‬
 ‫وهذا غاية الجهل، فإن الذى سمع من الملك الخالق موسى بن عمران كليم الرحمن. وأما هذا وأمثاله‬
 ‫فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول، وهو يدعى أنه يسمع الخطاب من مرسله، فيستغنى‬
           ‫به عن ظاهر العلم، ولعل الذى يخاطبهم هو الشيطان، أو نفسه الجاهلة، أو هما مجتمعتين،‬
                                                                                     ‫ومنفردتين.‬
   ‫ومن ظن أنه يستغنى عما جاء به الرسول بما يلقى فى قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم‬
     ‫الناس كفرا. وكذلك إن ظن أنه يكتفى بهذا تارة وبهذا تارة، فما يلقى فى القلوب ال عبرة به وال‬
      ‫التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة، وإال فهو من إلقاء النفس‬
                                                                                     ‫والشيطان.‬
  ‫وقد سئل عبد اهلل بن مسعود عن مسألة المفوضة شهرا، فقال بعد الشهر: "أقول فيها برأيى فإن يكن‬
                                   ‫صوابا فمن اهلل، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان، واهلل برىء‬

‫(41/33)‬




                                                                     ‫ص -421- منه ورسوله".‬
    ‫وكتب كاتب لعمر رضى اهلل عنه بين يديه: هذا ما أرى اهلل عمر، فقال: ال. امحه واكتب: هذا ما‬
                                                                                     ‫رأى عمر.‬
‫وقال عمر رضى اهلل عنه أيضا: "أيها الناس اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو‬
                                                ‫أستطيع أن أرد أمر رسول اهلل عليه السالم لرددته".‬
    ‫واتهام الصحابة آلرائهم كثير مشهور، وهم أبر األمة قلوبا، وأعمقها علما، وأبعدها من الشيطان،‬
                                  ‫فكانوا أتبع األمة للسنة، وأشدهم اتهاما آلرائهم، وهؤالء ضد ذلك.‬
  ‫وأهل االستقامة منهم سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شىء من الخواطر والهواجس واإللهامات،‬
                                                                           ‫حتى يقوم عليها شاهدان.‬
     ‫قال الجنيد: قال أبو سليمان الدارانى: "ربما يقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أياما فال أقبلها إال‬
                                                                ‫بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة".‬
  ‫وقال أبو زيد: "لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يتربع فى الهواء، فال تغتروا به حتى‬
                                            ‫تنظروا كيف تجدونه عند األمر والنهى، وحفظ الحدود".‬

‫(41/73)‬




                                                                   ‫ا‬
      ‫ص -521- وقال أيضً: "من ترك قراءة القرآن، ولزوم الجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة‬
                                                              ‫د‬
                                                           ‫المرضى، وادعى بهذا الشأن، فهو م ّع".‬
                                                                               ‫ى‬
                           ‫وقال سر ّ السقطى: "من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط".‬
‫وقال الجنيد: "مذهبنا هذا مقيد باألصول بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث، ويتفقه،‬
                                                                                       ‫ال يقتدى به".‬
     ‫وقال أبو بكر الدقاق: "من ضيع حدود األمر والنهى فى الظاهر حرم مشاهدة القلب فى الباطن".‬
    ‫وقال أبو الحسين النورى: "من رأيته يدعى مع اهلل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فال تقربه،‬
                                  ‫ومن رأيته يدعى حالة ال يشهد لها حفظ ظاهره فاتهمه على دينه".‬
                                        ‫وقال أبو سعيد الخراز: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل".‬
  ‫وقال الجريرى: "أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على‬
                                                                                     ‫ظاهرك قائما".‬
‫وقال أبو حفص الكبير الشأن: "من لم يزن أحواله وأفعاله بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فال تعدوه‬
                                                                                 ‫فى ديوان الرجال".‬
  ‫وما أحسن ما قال أبو أحمد الشيرازى: "كان الصوفية يسخرون من الشيطان، واآلن الشيطان يسخر‬
                                                                                             ‫منهم".‬
   ‫ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: "كان الشيطان فيما مضى يهب من الناس، واليوم الرجل الذى‬
                                                                                    ‫يهب من الشيطان".‬
                                                                                                   ‫فصل‬
       ‫ومن كيده: أمرهم بلزوم زى واحد، ولبسة واحدة، وهيئة ومشية معينة، وشيخ معين، وطريقة‬
‫مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فال يخرجون عنه ويقدحون فيمن‬
                                                   ‫ا‬
  ‫خرج عنه ويذمونه، وربما يلزم أحدهم موضعً معيناً للصالة ال يصلى إال فيه، وقد نهى رسول اهلل‬
                                         ‫ي َط الر ُل م ِلص ة‬
                                         ‫صلى اهلل تعالى عليه وسلم: "أَنْ ُو ِّنَ َّج ُ ال َكانَ ل َّال ِ‬

‫(41/13)‬




                                                                         ‫م ي َط بع ر‬
                                                                       ‫ص -321- كَ َا ُو ِّن الْ َ ِي ُ".‬
  ‫وكذلك ترى أحدهم ال يصلى إال على سجادة، ولم يصل رسول اهلل عليه السالم على سجادة قط وال‬
    ‫كانت السجادة تفرش بين يديه، بل كان يصلى على األرض، وربما سجد فى الطين، وكان يصلى‬
              ‫على الحصير، فيصلى على ما اتفق بسطه، فإن لم يكن ثمة شىء صلى على األرض.‬
 ‫وهؤالء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة ليسوا مع‬
 ‫أهل الفقه، وال مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شىء عليه التعبد بالرسوم الوضعية، وهى من‬
    ‫أعظم الحجب بين قلبه وبين اهلل، فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره. وكان أخس أحواله الوقوف‬
         ‫ي ق َّم‬         ‫م ُ‬          ‫لم‬
     ‫معها، وال وقوف فى السير، بل إما تقدم وإما تأخر، كما قال تعالى: {ِ َنْ شَاءَ ِنْكمْ أَنْ َتَ َد َ أوْ‬
                                                                                                 ‫ي َّر‬
                                                                                  ‫َتَأَخ َ} [المدثر: 73].‬
                                       ‫فال وقوف فى الطريق إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر.‬
  ‫ومن تأمل هدى رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وسيرته وجده مناقضا لهدى هؤالء فإنه كان‬
  ‫يلبس القميص تارة، والقباء تارة، والجبة تارة، واإلزار والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومردفا‬
‫لغيره، ويركب الفرس مسرجا وعريانا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على األرض تارة،‬
 ‫وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة، ويمشى وحده تارة، ومع أصحابه تارة، وهديه عدم التكلف‬
                                      ‫والتقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدى هؤالء بون بعيد.‬
                                                                                                   ‫فصل‬
    ‫ومن كيده الذى بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس الذى كادهم به فى أمر الطهارة والصالة عند‬
   ‫النية، حتى ألقاهم فى اآلصار واألغالل، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
‫وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة ال يكفى حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن‬
                                              ‫الفاسد، والتعب الحاضر، وبطالن األجر أو تنقيصه.‬

‫(41/83)‬




      ‫ص -721- وال ريب أن الشيطان هو الداعى إلى الوسواس: فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبوا‬
‫دعوته، واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وطريقته، حتى إن‬
    ‫أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم، أو اغتسل كاغتساله، لم‬
   ‫يطهر ولم يرتفع حدثه، ولوال العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول، فقد كان رسول اهلل صلى اهلل‬
 ‫تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمد، وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقى، ويغتسل بالصاع وهو نحو رطل‬
    ‫وثلث، والموسوس يرى أن ذلك القدر ال يكفيه لغسل يديه، وصح عنه عليه السالم أنه توضأ مرة‬
                                                             ‫مرة، ولم يزد على ثالث، بل أخبر أن:‬
                                                                ‫َم‬       ‫و َد‬                    ‫مْز ع ه‬
                                                              ‫" َن َادَ َلَيْ َا فَقَدْ أَسَاءَ َتَع َّى وَظَل َ".‬
‫فالموسوس مسىء متعد ظالم بشهادة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، فكيف يتقرب إلى اهلل‬
                                                                              ‫د‬
                                                                 ‫بما هو مسىء به متع ّ فيه لحدوده؟،‬
‫وصح عنه صلى اهلل عليه وسلم أنه كان يغتسل هو وعائشة رضى اهلل عنها من قصعة بينهما فيها أثر‬
  ‫العجين، ولو رأى الموسوس من يفعل هذا ألنكر عليه غاية اإلنكار، وقال: ما يكفى هذا القدر لغسل‬
  ‫اثنين؟ كيف والعجين يحلله الماء فيغيره؟ هذا والرشاش ينزل فى الماء فينجسه عند بعضهم، ويفسده‬
 ‫عند آخرين، فال تصح به الطهارة، وكان صلى اهلل تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل‬
                                                          ‫ميمونة وأم سلمة، وهذا كله فى الصحيح.‬
     ‫الرج ل َالنس ء عل ع ْد‬
     ‫وثبت أيضاً فى الصحيح عن ابن عمر رضى اهلل عنهما أنه قال: "كَانَ ِّ َا ُ و ِّ َا ُ ََى َه ِ‬
                                          ‫ع و ي َضئ م إ ء و ِد‬                                          ‫رس‬
                                        ‫َ ُولِ اهللِ صلى اهلل َلَيْهِ َسلمَ َتَو َّ ُونَ ِنْ ِنَا ٍ َاح ٍ".‬
 ‫واآلنية التى كان رسول اهلل عليه السالم وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار‬
‫اآلنية وال كانت لها مادة تمدها؛ كأنبوب الحمام ونحوه، ولم يكونوا يراعون فيضانها حتى يجرى الماء‬
                        ‫من حافاتها، كما يراعيه جهال الناس ممن بلى بالوسواس فى جرن الحمام.‬
                                                                       ‫فهدى رسول اهلل صلى اهلل عليه‬

‫(41/04)‬
   ‫وسلم الذى من رغب عنه فقد رغب عن سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، جواز االغتسال من‬
                              ‫الحياض واآلنية وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى‬

‫(41/14)‬




    ‫ص -121- يفيض، ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه فى استعماله فهو مبتدع مخالف‬
                                                                                                     ‫للشريعة.‬
 ‫قال شيخنا: "ويستحق التعزير البليغ الذى يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا فى الدين ما لم يأذن به اهلل،‬
                                                                             ‫ويعبدوا اهلل بالبدع ال باالتباع".‬
    ‫ودلت هذه السنن الصحيحة على أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون‬
                                                      ‫صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان.‬
                     ‫قال سعيد بن المسيب: "إنى ألستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه ألهلى".‬
                                                     ‫وقال اإلمام أحمد: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء".‬
   ‫وقال المروزى: "وضأت أبا عبد اهلل بالعسكر، فسترته من الناس، لئال يقولوا إنه ال يحسن الوضوء‬
                                                                                             ‫لقلة صبه الماء".‬
                                                                    ‫وكان أحمد يتوضأ فال يكاد يبل الثرى.‬
          ‫وثبت عنه صلى اهلل عليه وسلم فى الصحيح: "أ َّ ُ تَو َّأَ ِنْ إنَاء فَأَدْخلَ يدَ ُ ِيهِ ث َّ تَ َضْم َ‬
          ‫ٍ َ َ ه ف ُم م َض‬                           ‫َنه َض م‬
                                                                                                               ‫وا‬
                                                                                                   ‫َُسْتَنْشَقَ".‬
    ‫وكذلك كان صلى اهلل عليه وسلم فى غسله يدخل يده فى اإلناء، ويتناول الماء منه، والموسوس ال‬
                                         ‫يجوز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك.‬
   ‫وبالجملة فال تطاوعه نفسه التباع رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم، وأن يأتى بمثل ما أتى به‬
          ‫ا‬                                                                           ‫ا‬
  ‫أبدً، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر الفَرقَ قريبً من خمسة‬
       ‫أرطال بالدمشقى، يغمسان أيديهما فيه، ويفرغان عليهما؟ فالمسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز‬
                                                                                 ‫المشرك إذا ذكر اهلل وحده.‬
‫قال أصحاب الوسواس: إنما حملنا على ذلك االحتياط لديننا، والعمل بقوله صلى اهلل تعالى عليه وسلم:‬
‫ْم م ح ك‬                ‫ْر ِد نه وع ضه‬                   ‫م اتق الشبه‬                ‫َر ب إ م ير بك‬                    ‫د‬
‫" َعْ مَا ي ِي ُكَ ِلَى َاال َ ِي ُ َ" وقوله: " َنِ َّ َى ُّ ُ َاتِ اسْتَب َأَ ل ِي ِ ِ َ ِرْ ِ َ" وقوله: "اإلث ُ َا َا َ‬
                                                                                                               ‫َّ ْر‬
                                                                                                             ‫فى الصد ِ".‬

‫(41/24)‬




    ‫ص -821- وقال بعض السلف: "اإلثم خَوارْ القلوب"، وقد وجد النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم‬
                                                                                                               ‫تمرة فقال:‬
                                                                      ‫ت‬           ‫َّ َ‬   ‫ك نم‬            ‫ش‬       ‫َن‬
                                                                 ‫"لَوْال أ ِّى أَخْ َى أَنْ تَ ُو َ ِنَ الصدقَةِ ألكَلُْهَا".‬
    ‫أفال يرى أنه ترك أكلها احتياطا؟ وقد أفتى مالك رحمه اهلل تعالى فيمن طلق امرأته وشك هل هى‬
                                                                   ‫واحدة أم ثالث: بأنها ثالث، احتياطا للفروج.‬
‫وأفتى من حلف بالطالق: أن فى هذه اللوزة حبتين، وهو ال يعلم ذلك، فبان األمر كما حلف عليه: أنه‬
                                                                                 ‫حانث؛ ألنه حلف على ما ال يعلم.‬
             ‫وقال فيمن طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها: يطلق عليه جميع نسائه احتياطا وقطعاً للشك.‬
   ‫وقال أصحاب مالك فيمن حلف بيمين ثم نسيها: إنه يلزمه جميع ما يحلف به عادة فيلزمه الطالق،‬
             ‫ا‬
‫والعتاق، والصدقة بثلث المال، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين باهلل تعالى، والحج ماشيً، ويقع الطالق‬
        ‫ا‬
‫فى جميع نسائه، ويعتق عليه جميع عبيده وإمائه. وهذا أحد القولين عندهم. ومذهب مالك أيضً إنه إذا‬
                                      ‫حلف ليفعلن كذا: أنه على حنث حتى يفعله، فيحال بينه وبين امرأته.‬
                                   ‫ا‬                                               ‫ا‬
     ‫ومذهبه أيضً: أنه إذا قال: إذا جاء رأس الحول فأنت طالق ثالثً: أنها تطلق فى الحال، وهذا كله‬
                                                                                                                   ‫احتياط.‬
                          ‫وقال الفقهاء: "من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله".‬
     ‫وقالوا: "إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجس منها ثياب، وشك فيها، صلى فى ثوب بعد ثوب، بعدد‬
                                                                          ‫النجس، وزاد صالة ليتيقن براءة ذمته".‬
 ‫وقالوا: "إذا اشتبهت األوانى الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم، وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة، فال‬
                        ‫يدرى فى أى جهة، فإنه يصلى أربع صلوات عند بعض األئمة لتبرأ ذمته بيقين".‬
                         ‫وقالوا: "من ترك صالة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلى خمس صلوات".‬
                             ‫وقد أمر النبى عليه الصالة والسالم من شك فى صالته أن يبنى على اليقين.‬

‫(41/34)‬
    ‫ص -031- وحرم أكل الصيد إذا شك صاحبه هل مات بسهمه أو بغيره، كما إذا وقع فى الماء.‬
                                                                      ‫ا‬
                                       ‫وحرم أكله إذا خالط كلبه كلبً آخر، للشك فى تسمية صاحبه عليه.‬
                                                                                         ‫وهذا باب يطول تتبعه.‬
                               ‫فاالحتياط واألخذ باليقين غير مستنكر فى الشرع، وإن سميتموه وسواسا.‬
                                    ‫وقد كان عبد اهلل بن عمر يغسل داخل عينيه فى الطهارة حتى عمى.‬
                    ‫وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع فى العضد، وإذا غسل رجليه أشرع فى الساقين.‬
‫فنحن إذا احتطنا ألنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما ال يريب، وتركنا المشكوك فيه للمتيقن‬
 ‫المعلوم، وتجنبنا محل االشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين وال فى البدعة والجين، وهل هذا‬
 ‫إال خير من التسهيل واالسترسال؟ حتى ال يبالى العبد بدينه، وال يحتاط له، بل يسهل األشياء ويمشى‬
   ‫حالها، وال يبالى كيف توضأ؟ وال بأى ماء توضأ؟ وال بأى مكان صلى؟ وال يبالى ما أصاب ذيله‬
    ‫وثوبه. وال يسأل عما عهد بل يتغافل، ويحسن ظنه، فهو مهمل لدينه ال يبالى ما شك فيه. ويحمل‬
     ‫األمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك. فأين هذا ممن‬
‫استقصى فى فعل ما أمر به، واجتهد فيه، حتى ال يخل بشىء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده‬
                                                             ‫ا‬
                                                            ‫بالزيادة تكميل المأمور، وأن ال ينقص منه شيئً؟‬
    ‫قالوا: وجماع ما ينكرونه علينا احتياط فى فعل مأمور، أو احتياط فى اجتناب محظور وذلك خير‬
‫وأحسن عاقبة من التهاون بهذين، فإنه يفضى غالبا إلى النقص من الواجب والدخول فى المحرم، وإذا‬
 ‫وازنا بين هذه المفسدة ومفسدة الوسواس كانت مفسدة الوسواس أخف، هذا إن ساعدناكم على تسميته‬
‫وسواسا، وإنما نسميه احتياطا واستظهارا فلستم بأسعد منا بالسنة، ونحن حولها ندندن، وتكميلها نريد.‬
                                                                 ‫وقال أهل االقتصاد واالتباع: قال اهلل تعالى:‬
                          ‫ِر‬       ‫و ْ‬            ‫أ ة حس ة م ن َ ج‬                           ‫ُ ْ ف رس‬           ‫َ‬
      ‫{لَقدْ كانَ لَكم ِى َ ُولِ اهللِ ُسْوَ ٌ َ َنَ ٌ لَ ِنْ كا َ يرْ ُو اهللَ َالْيَومَ اآلخ َ} [األحزاب: 12] وقال‬
                                                                                               ‫ق إ كت‬
                                                                                             ‫تعالى: { ُلْ ِنْ ُنْ ُمْ‬

‫(41/44)‬
              ‫د ن‬            ‫َاتبع ه َل‬                                     ‫َ تبع ن ي ب م هلل‬                   ‫ت ِب‬
   ‫ُحُّونَ اهلل فَاّ ِ ُو ِى ُحْ ِبْك ُ ا ُ} [آل عمران: 13] وقال تعالى: {و َّ ِ ُو ُ لَعَّكمْ تَهْتَ ُو َ} [األعراف:‬
     ‫ِر ط م ق ً ت ع ه و َت ع الس ُ َر بك ع سب ل ل ُ‬                                          ‫ون‬
   ‫151] وقال تعالى: { َأ ّ هذَا ص َا ِى ُسْتَ ِيما فَا ّب ُو ُ َال تَّب ُوا ُّبلَ فَتَف َّقَ ِ ُمْ َنْ َ ِيِهِ ذِكمْ‬
                                                                                          ‫َص ُ ب عل َتق ن‬
                                                                         ‫و َّاكمْ ِهِ لَ َّكمْ ت َّ ُو َ} [األنعام: 351].‬

‫(41/54)‬




‫ص -131- وهذا الصراط المستقيم الذى وصانا باتباعه هو الصراط الذى كان عليه رسول اهلل صلى‬
  ‫اهلل تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه، وهو قصد السبيل، وما خرج عنه فهو من السبل الجائرة، وإن‬
                    ‫ا‬
 ‫قاله من قاله، لكن الجور قد يكون جوراً عظيما عن الصراط، وقد يكون يسيرً، وبين ذلك مراتب ال‬
              ‫ا‬
‫يحصيها إال اهلل وهذا كالطريق الحسى، فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جوراً فاحشً، وقد يجور دون‬
   ‫ذلك، فالميزان الذى يعرف به االستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول اهلل صلى اهلل‬
       ‫عليه وسلم وأصحابه عليه، والجائر عنه إما مفرط ظالم، أو مجتهد متأول، أو مقلد جاهل. فمنم‬
                                       ‫ا‬
‫المستحق للعقوبة. ومنهم المغفور له. ومنهم المأجور أجرً واحداً، بحسب نياتهم ومقاصدهم واجتهادهم‬
                                                                       ‫فى طاعة اهلل تعالى ورسوله، أو تفريطهم.‬
      ‫ونحن نسوق من هدى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهدى أصحابه ما يبين أى الفريقين أولى‬
                                                             ‫باتباعه ثم نجيب عما احتجوا به بعون اهلل وتوفيقه.‬
    ‫ونقدم قبل ذلك ذكر النهى عن الغلو، وتعدى الحدود، واإلسراف، وأن االقتصاد واالعتصام بالسنة‬
                                                                                                    ‫عليهما مدار الدين.‬
        ‫و ت ْ ِف إنه‬                                     ‫ل ف د نُ‬                 ‫ي ْ ك‬
     ‫قال اهلل تعالى: { َا أَهلَ الْ ِتَابِ ال تَغُْوا ِى ِي ِكمْ} [النساء: 171] وقال تعالى: { َال ُسر ُوا ِ ّ ُ ال‬
                                ‫د‬             ‫ت حد د ِ‬                                        ‫ِب م ْرف ن‬
 ‫يح ُّ ال ُس ِ ِي َ} [األنعام: 141] وقال تعالى: { ِلْكَ ُ ُو ُ اهلل فَال تَعْتَ ُوهَا} [البقرة: 822] وقال تعالى:‬
     ‫َرع وخ ي إنه‬                ‫ع َب ُ‬                                   ‫ي ِب م َد ن‬                 ‫د ِن‬              ‫و‬
  ‫{ َال تَعْتَ ُوا إ َّ اهللَ ال ُح ُّ ال ُعْت ِي َ} [البقرة: 081] وقال تعالى: {ادْ ُوا رَّكمْ تَض ُّ ًا َ ُفْ َةً ِ ّ ُ ال‬
                                                                                                   ‫ي ِب م د ن‬
                                                                                   ‫ُح ُّ ال ُعْتَ ِي َ} [األعراف: 55].‬
  ‫وقال ابن عباس رضى اهلل عنهما: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم، غداة العقبة وهو على‬
                                                                                                                     ‫ناقته:‬
   ‫َ ْف ج َ ي فضه َّ ف َفه و ق ل ث ل‬                        ‫ت ه س ع حصي ت م حص‬                          ‫ق ل‬
   ‫"الْ ُطْ ِى حصى، فَلَقَطْ ُ لَ ُ َب َ َ َ َا ٍ ِنْ َ َى الخذ ِ، فَ َعلَ َنْ ُ ُ ُن ِى ك ِّ ِ َيَ ُو ُ: أمْ َا َ‬
                                                                                  ‫َي الن س‬            ‫ؤ ِ م ُم‬
                                                                                 ‫ه ُالء فَارْ ُوا، ث َّ قَالَ: أُّهَا َّا ُ:‬

‫(41/34)‬
                                              ‫ّذ م ل ُم غُو الد ن‬                                 ‫ن‬        ‫ِي ُ و غل َّ ف الد‬
                                            ‫إ َّاكمْ َالْ ُُو ِى ِّينِ، فَإّمَا أَهْلَكَ ال ِينَ ِنْ قَبِْك ُ الْ ُل ُّ فى ِّي ِ".‬
                                                                                               ‫رواه اإلمام أحمد والنسائى.‬
     ‫ت َدد عل فس ُ‬
   ‫وقال أنس رضى اهلل عنه: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "ال ُش ِّ ُوا ََى أَنْ ُ ِكمْ‬
     ‫الص ع َالد ر‬           ‫ه‬          ‫يش ِّد هلل ع ك إ َّ م ش َّد عل ف ْ َد هلل ع ِ ت ك‬
    ‫فَ ُ َد ُ ا ُ َلَيْ ُم، فَِن قَوْ ًا َد ُوا ََى أَنْ ُسِهم فَش ّدَ ا ُ َلَيْهمْ. فَ ِلْ َ بَقَايَا ُمْ فى َّوامِ ِ و ِّيا ِ:‬
                                                                                       ‫ع ِ‬                         ‫ب ِي َدع‬
                                                                                   ‫رَهْ َان َّةً ابْت َ ُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا َلَيْهمْ".‬

‫(41/74)‬




          ‫ص -231- فنهى النبى صلى اهلل عليه وآله وسلم عن التشديد فى الدين، وذلك بالزيادة على‬
     ‫المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد اهلل عليه، إما بالقدر، وإما بالشرع.‬
  ‫فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس.‬
                  ‫فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة الزمة لهم.‬
      ‫قال البخارى: " َكَرِهَ أَه ُ الْ ِلْم اإلس َاف ِيه- َعْنى ال ُ ُو َ- َأَنْ ُ َا ِزوا ِعلَ النبى صّى ا ُ‬
      ‫ل هلل‬           ‫و ض ء و يج و ف ْ‬                  ‫ْر َ ف ي‬           ‫ْل ع‬              ‫و‬
                              ‫ء‬           ‫ب ع وض ء‬                 ‫ن عم رض هلل ع ه‬                     ‫ه وسّم‬          ‫ل‬
                            ‫تَعَاَى علَيْ ِ َ َل َ"، وقَالَ ابْ ُ َ َر َ ِىَ ا ُ َنْ ُمَا: "إسْ َا ُ الْ ُ ُو ِ: اإلنْقَا ُ".‬
                                                           ‫فالفقه كل الفقه االقتصاد فى الدين، واالعتصام بالسنة.‬
‫قال أبى بن كعب رضى اهلل عنه: "عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر اهلل‬
     ‫عز وجل فاقشعر جلده من خشية اهلل تعالى إال تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة‬
      ‫ورقها. وإن اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خالف سبيل وسنة. فاحرصوا إذا كانت‬
                                                          ‫أعمالكم اقتصادا أن تكون على منهاج األنبياء وسنتهم".‬
      ‫قال الشيخ أبو محمد المقدسى فى كتابه ذم الوسواس: "الحمد هلل الذى هدانا بنعمه، وشرفنا بمحمد‬
‫صلى اهلل تعالى عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا لالقتداء به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذى جعله‬
  ‫ُ إ ك ُ ت ِب الل‬
‫علماً على محبته ومغفرته وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: {قلْ ِنْ ُنْتمْ ُح ُّونَ َّهَ‬
 ‫و مت وسع ُل ش ء‬                                                 ‫َاتبع ن ي ب كم لله وي ِ ُ ذن ب ُ‬
 ‫ف َّ ِ ُو ِي ُحْ ِبْ ُ ُ ا َّ ُ َ َغْفرْ لَكمْ ُ ُو َكمْ} [آل عمران: 13]، و قال تعالى: { َرَحْ َ ِي َ ِ َتْ ك َّ َىْ ٍ‬
                             ‫ّبى ِّى‬           ‫ّذ َتبع الرس‬                        ‫تب لّذ ن يتق ن‬
 ‫فَسَأَكْ ُ ُهَا ِل ِي َ َ ّ ُو َ} إلى قوله: {ال ِينَ يَّ ِ ُونَ َّ ُولَ الن َّ األم َّ} [األعراف: 351-751] ثم قال:‬
                                             ‫أل ِّى ّ ي م ب وك م ته و تبع ه‬                               ‫من هلل َرس ل‬
                                             ‫{فَآ ُِوا بِا ِ و َ ُوِهِ النبى ا ُم َّ الذِى ُؤْ ِنْ ِاهللِ َ ِل َا ِ ِ َا ّ ِ ُو ُ‬
‫(41/14)‬




                                                                                   ‫عل ُ َد ن‬
       ‫لَ َّكمْ تَهْت ُو َ} [األعراف: 151]. أما بعد: فإن اهلل سبحانه جعل الشيطان عدوا لإلنسان، يقعد له‬
‫عدن ُ ِر طك‬
‫الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر اهلل تعالى عنه أنه قال: {ألقْ ُ َ ّ لَهمْ ص َا َ َ‬
    ‫ِر ن‬        ‫ئل ِ و جد َ ُ‬                     ‫وع‬               ‫ف ِ وع‬          ‫م ُم تين ُ م ب ْد ه وم‬
   ‫المسْتَقِي َ ث َّ آل ِ َّهمْ ِنْ َيْنِ أَي ِي ِمْ َ ِنْ خَلْ ِهمْ َ َنْ أَيمْاَنهم َ َنْ شَمَا ِِهمْ َال تَ ِ ُ أَكْثرَهمْ شَاك ِي َ}‬
                 ‫[األعراف: 31-71]. وحذرناً اهلل عز وجل من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال‬

‫(41/84)‬




    ‫تننك‬           ‫بن َ َ‬                           ‫ُ عد ت ِذ ه عد‬                   ‫إن ش‬
   ‫ص -331- سبحانه: {ِ ّ ال ّيْطَانَ لَكمْ َ ُو فَاّخ ُو ُ َ ُوا} [فاطر: 3] وقال: {يَا َ ِى آدم ال يَفْ ِ َّ ُم‬
                                                            ‫ر و ُ م الجنة‬                      ‫ش ن‬
‫ال ّيْطَا ُ كَمَا أَخْ َجَ أبَ َيْكمْ ِنَ َّ ِ} [األعراف: 72] وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته،‬
  ‫وقطعاً للعذر فى متابعته، وأمرنا اهلل سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل،‬
                                                                                                                      ‫فقال سبحانه:‬
                            ‫ً بع ه و تبع السب َ َر ب ُ ع سب له‬                                   ‫ِر ط‬        ‫ون‬
‫{ َأَ ّ هذَا ص َا ِى مستقيما فَات ِ ُو ُ َال تَّ ِ ُوا ُّ ُل فَتَف َّقَ ِكمْ َنْ َ ِيِ ِ} [األنعام: 351]. وسبيل اهلل‬
‫وصراطه المستقيم هو الذى كان عليه رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله‬
   ‫وإنك‬                       ‫ِر ط م م‬           ‫إن م ُ سل عل‬                               ‫و ُ‬
   ‫عز وجل: {يس َالْقرْآنِ الْحكِيمِ ِ ّكَ لَ ِنَ المرْ َِينَ ََى ص َا ٍ ُسْتَقِي ٍ} [يس: 1- 4] وقال: { َِ ّ َ‬
                              ‫ِر ط م م‬                  ‫ْ‬      ‫إن‬                    ‫عل ُد م م‬
      ‫لَ ََى ه ًى ُسْتَقِي ً} [الحج: 73] وقال: {ِّكَ لَتهدِى إلَى ص َا ٍ ُسْتَقِي ٍ} [الشورى: 25]، فمن اتبع‬
   ‫رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى قوله وفعله فهو على صراط اهلل المستقيم، وهو ممن‬
‫يحبه اهلل ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه فى قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن‬
                                                                                      ‫وعد اهلل بالجنة والمغفرة واإلحسان".‬
                                                                                                                                 ‫فصل‬
           ‫ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته. وقبلوا قوله،‬
  ‫وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى‬
    ‫أنه إذا توضأ وضوء رسول اهلل عليه الصالة والسالم أو صلى كصالته، فوضوؤه باطل، وصالته‬
‫غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول اهلل عليه الصالة والسالم فى مؤاكلة الصبيان، وأكل‬
                                                         ‫ا‬
    ‫طعام عامة المسلمين، أنه قد صار نجسً يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولغ فيهما كلب أو بال‬
                                                                                                   ‫عليهما هر.‬
    ‫ثم إنه بلغ من استيالء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية‬
                                                              ‫الذين ينكرون حقائق الموجودات، واألمور‬

‫(41/05)‬




     ‫المحسوسات، وعلم اإلنسان بحال نفسه من األمور الضروريات اليقينيات، وهؤالء يغسل أحدهم‬
  ‫عضوه غسال يشاهده ببصره ويكبر، ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره‬
                                                                                                    ‫منه ويتيقنه‬

‫(41/15)‬




   ‫ص -431- ثم يشك: هل فعل ذلك أم ال؟ وكذلك يشككه الشيطان فى نيته وقصده التى يعلمها من‬
‫نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله. ومع هذا يقبل قول إبليس فى أنه ما نوى الصالة، وال‬
             ‫ا‬                ‫ا‬
  ‫أرادها، مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين نفسه، حتى تراه متلددا متحيرً، كأنه يعالج شيئً يجتذبه، أو‬
                                                                               ‫ئ‬
 ‫يجد سي ًا فى باطنه يستخرجه. كل ذلك مبالغة فى طاعة إبليس، وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته‬
                                                        ‫إلبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية فى طاعته.‬
 ‫ثم إنه يقبل قوله فى تعذيب نفسه ويطيعه فى اإلضرار بجسده، تارة بالغوص فى الماء البارد، وتارة‬
 ‫بكثرة استعماله وإطالة العرك. وربما فتح عينيه فى الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره،‬
   ‫وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من‬
                                                                                                           ‫يراه.‬
                              ‫ال‬
 ‫قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزى عن أبى الوفاء بن عقيل: "أن رج ً قال له: أنغمس فى الماء مرارا‬
   ‫كثيرة وأشك: هل صح لى الغسل أم ال؟ فما ترى فى ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك‬
 ‫الصالة. قال: وكيف؟ قال: ألن النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم قال: "رفِعَ الْقَل ُ َنْ ثَالثَ ٍ: ال َجْ ُو ِ‬
 ‫ة م ن ن‬                 ‫َم ع‬           ‫ُ‬
                                                      ‫َالصبى حت ي ل‬               ‫َت يف و ن َت ي‬
                                                  ‫ح َّى ُ ِيقَ، َال ّائمِ ح َّى َسْتَيقِظَ، و َّ ِّ َ ّى َبُْغَ".‬
                              ‫ومن ينغمس فى الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم ال، فهو مجنون".‬
  ‫قال: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته فى النية حتى‬
    ‫تفونه التكبيرة األولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه ال يزيد على هذا، ثم‬
                                                                                                ‫يكذب.‬
    ‫قلت: وحكى لى من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا عديدة فيشق على‬
 ‫المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطالق أنه ال يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى‬
                                   ‫زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين‬

‫(41/25)‬




                                                                  ‫ال‬
‫ص -531- دهرا طوي ً، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد ثم إنه حنث فى يمين‬
                                      ‫حلفها ففرق بينهما وردت إلى األول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.‬
‫ا‬
‫وبلغنى عن آخر أنه كان شديد التنطع فى التلفظ بالنية و التقعر فى ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يومً‬
  ‫إلى أن قال: أصلى، أصلى، مرارا، صالة كذا وكذا. وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاء‬
                       ‫هلل. فقطع الصالة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله ومالئكته وجماعة المصلين.‬
                                      ‫قال: ومنهم من يتوسوس فى إخراج الحرف حتى يكرره مرارا.‬
  ‫قال: فرأيت منهم من يقول: اهلل أكبر. قال: وقال لى إنسان منهم: قد عجزت عن قول السالم عليكم،‬
                                                     ‫فقلت له: قل مثل ما قد قلت اآلن، وقد استرحت.‬
‫وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم فى الدنيا قبل اآلخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول وأدخلهم فى جملة‬
                                                 ‫ا‬
                                                ‫أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعً.‬
  ‫فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق فى اتباع رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم‬
    ‫فى قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقة عزيمة من ال يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما‬
                            ‫خالفه من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له ال يدعوه إلى خير.‬
                                                ‫ح الس ر‬             ‫ِن َ ع ِ به ليك ن م‬
‫{إ َّما يدْ ُوا حزْ َ ُ ِ َ ُوُوا ِنْ أَصْ َابِ َّعِي ِ} [فاطر: 3]. وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة‬
  ‫رسول اهلل عليه الصالة والسالم كائنا ما كان، فإنه ال يشك أن رسول اهلل عليه الصالة والسالم كان‬
   ‫على الصراط المستقيم. ومن شك فى هذا فليس بمسلم. ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته؟ وأى‬
‫شىء يبتغى العبد غير طريقته؟ ويقول لنفسه: ألست تعلمين أن طريقة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
   ‫وسلم هى الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: ال، فقل لها:‬
‫فماذا بعد الحق إال الضالل؟ وهل بعد طريق الجنة إال طريق النار؟ وهل بعد سبيل اهلل وسبيل رسوله‬
                                                                         ‫إال سبيل الشيطان؟ فإن اتبعت‬
‫(41/35)‬




            ‫َر ن‬          ‫ب‬          ‫ب وب ب ْ م‬
           ‫ص -331- سبيله كنت قرينه، وستقولين: {يَا لَيْتَ َيْنى َ َيْنَكَ ُعدَ ال َشْرقين فَ ِئْسَ الْق ِي ُ}‬
 ‫[الزخرف: 13]. ولينظر أحوال السلف فى متابعتهم لرسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم فليقتد بهم‬
   ‫وليختر طريقهم فقد روينا عن بعضهم أنه قال: لقد تقدمنى قوم لو لم يتجاوزوا بالوضوء الظفر ما‬
                                                                      ‫تجاوزته. قلت: هو إبراهيم النخعى.‬
    ‫وقال زين العابدين يوماً البنه: "يا بنى، اتخذ لى ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإنى رأيت الذباب‬
          ‫يسقط على الشىء ثم يقع على الثوب، ثم انتبه فقال: ما كان للنبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم‬
                                                                         ‫وأصحابه إال ثوب واحد، فتركه".‬
  ‫وكان عمر رضى اهلل تعالى عنه يهم باألمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول اهلل صلى اهلل‬
  ‫تعالى عليه وسلم انتهى، حتى إنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب، فإنه قد بلغنى أنها‬
     ‫تصبغ ببول العجائز فقال له أبى: ما لك أن تنهى، فإن رسول اهلل عليه الصالة والسالم قد لبسها‬
‫ولبست فى زمانه ولو علم اهلل أن لبسها حرام لبينه لرسوله صلى اهلل عليه وسلم. فقال عمر: صدقت".‬
 ‫ثم ليعلم أن أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ما كان فيهم موسوس. ولو كان الوسوسة فضيلة‬
    ‫لما ادخرها اهلل عن رسوله وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول اهلل صلى اهلل‬
   ‫تعالى عليه وسلم الموسوسين لمقتهم، ولو أدركهم عمر رضى اهلل تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو‬
   ‫ال‬
  ‫أدركهم الصحابة لبدعوهم، وها أنا أذكر ما جاء فى خالف مذهبهم على ما يسره اهلل تعالى مفص ً:‬
                                                             ‫الفصل األول: فى النية فى الطهارة والصالة‬
‫النية هى القصد والعزم على فعل الشىء، ومحلها القلب، ال تعلق لها باللسان أصالً ولذلك لم ينقل عن‬
                      ‫النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم وال عن أصحابه فى النية لفظ بحال، وال سمعنا‬

‫(41/45)‬




     ‫ص -731- عنهم ذكر ذلك. وهذه العبارات التى أحدثت عند افتتاح الطهارة والصالة قد جعلها‬
                                                                        ‫ً‬
   ‫الشيطان معتركا ألهل الوسواس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم فى طلب تصحيحها فترى‬
‫أحدهم يكررها ويجهد نفسه فى التلفظ بها، وليست من الصالة في شىء، وإنما النية قصد فعل الشىء،‬
    ‫فكل عازم على فعل فهو ناويه، ال يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فال يمكن عدمها فى‬
 ‫حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلى فقد نوى الصالة، وال يكاد العاقل‬
 ‫يفعل شيئاً من العبادات وال غيرها بغير نية، فالنية أمر الزم ألفعال اإلنسان المقصودة، ال يحتاج إلى‬
  ‫تعب وال تحصيل. ولو أراد إخالء أفعاله االختيارية عن نيته لعجز عن ذلك. ولو كلفه اهلل عز وجل‬
  ‫الصالة والوضوء بغير نية لكلفه ما ال يطيق، وال يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب‬
‫فى تحصيله؟ وإن شك فى حصول نيته فهو نوع جنون. فإن علم اإلنسان بحال نفسه أمر يقينى. فكيف‬
   ‫يشك فيه عاقل من نفسه؟ ومن قام ليصلى صالة الظهر خلف اإلمام فكيف يشك فى ذلك؟ ولو دعاه‬
  ‫داع إلى شغل فى تلك الحال لقال: إنى مشتغل أريد صالة الظهر، ولو قال له قائل فى وقت خروجه‬
‫إلى الصالة: أين تمضى؟ لقال: أريد صالة الظهر مع اإلمام، فكيف يشك عاقل فى هذا من نفسه وهو‬
                                                                                     ‫يعلمه يقينا؟.‬
             ‫ا‬     ‫ا‬
  ‫بل أعجب من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن األحوال، فإنه إذا رأى إنسانً جالسً فى الصف فى‬
   ‫وقت الصالة عند اجتماع الناس علم أنه ينتظر الصالة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس‬
 ‫إليها علم أنه إنما قام ليصلى. فإن تقدم بين يدى المأمومين علم أنه يريد إمامتهم، فإن رآه فى الصف‬
                                                                            ‫علم أنه يريد االئتمام.‬
       ‫قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطنة بما ظهر من قرائن األحوال، فكيف يجهلها من نفسه، مع‬
  ‫اطالعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى تصديق له فى جحد العيان، وإنكار الحقائق‬
                                                                                ‫ا‬
                                                       ‫المعلومة يقينً. ومخالفة للشرع، ورغبة عن‬

‫(41/55)‬




                                                                     ‫السنة، وعن طريق الصحابة.‬
            ‫ثم إن النية الحاصلة ال يمكن تحصيلها، والموجودة ال يمكن إيجادها؛ ألن من شرط إيجاد‬

‫(41/35)‬




   ‫ص -131- الشىء كونه معدوما، فإن إيجاد الموجود محال، وإذا كان كذلك فما يحصل له بوقوفه‬
                                                                         ‫شىء، لو وقف ألف عام.‬
   ‫ا‬
   ‫قال: ومن العجب أنه يتوسوس حال قيامه، حتى يركع اإلمام، فإذا خشى فوات الركوع كبر سريعً‬
 ‫وأدركه. فمن لم يحصل النية فى الوقوف الطويل حال فراغ باله كيف يحصلها فى الوقت الضيق مع‬
                                                                       ‫شغل باله بفوات الركعة؟،‬
                                      ‫ً‬             ‫ا‬
 ‫ثم ما يطلبه إما أن يكون سهالً أو عسيرً، فإن كان سهال فكيف يعسره؟ وإن كان عسيراً فكيف تيسر‬
  ‫عند ركوع اإلمام سواه؟ وكيف خفى ذلك على النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم وصحابته من أولهم‬
 ‫إلى آخرهم، والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان، أفيظن بجهله‬
    ‫أن الشيطان ناصح له؟ أما علم أنه ال يدعو إلى هدى، وال يهدى إلى خير؟ وكيف يقول فى صالة‬
      ‫رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس؟ أهى‬
          ‫ناقصة عنده مفضولة؟ أم هى التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟.‬
 ‫فإن قال: هذا مرض بليت به، قلنا: نعم، سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر اهلل تعالى أحدا بذلك، أال‬
 ‫ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبال منه أخرجا من الجنة، ونودى عليهما بما سمعت،‬
 ‫وهما أقرب إلى العذر؛ ألنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به، وأنت قد سمعت وحذرك اهلل تعالى من‬
       ‫فتنته، وبين لك عداوته، وأوضح لك الطريق، فمالك عذر وال حجة فى ترك السنة والقبول من‬
                                                                                      ‫الشيطان.‬
  ‫قلت: قال شيخنا: ومن هؤالء من يأتى بعشر بدع لم يفعل رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وال‬
      ‫أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول: أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم، نويت أصلى صالة الظهر‬
     ‫فريضة الوقت، أداء هلل تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه‬
‫ويحنى جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح‬
                                            ‫عليه السالم يفتش: هل فعل رسول اهلل صلى اهلل تعالى‬

‫(41/75)‬




                                                           ‫ا‬
    ‫عليه وسلم أو أحد من أصحابه شيئً من ذلك، لما ظفر به، إال أن يجاهر بالكذب البحت. فلو كان‬

‫(41/15)‬
    ‫ص -831- فى هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن كان‬
                                               ‫الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إال الضالل.‬
 ‫قال: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصالة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله فى التحيات: إت إت،‬
      ‫التحى التحى، وفى السالم: أس أس. وقوله فى التكبير: أكككبر ونحو ذلك، فهذا الظاهر بطالن‬
                                                              ‫ا‬
   ‫الصالة به، وربما كان إمامً فأفسد صالة المأمومين، وصارت الصالة التى هى من أكبر الطاعات‬
      ‫أعظم إبعاداً له عن اهلل من الكبائر، وما لم تبطل به الصالة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة،‬
 ‫ورغبة عن طريقة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وهديه، وما كان عليه أصحابه. وربما رفع‬
  ‫صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة‬
  ‫السنة، وارتكاب شر األمور ومحدثاتها، وتعذيب نفسه وإضاعة الوقت، واالشتغال بما ينقص أجره،‬
 ‫وفوات ما هو أنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل باالقتداء به؛ فإنه يقول: لوال‬
 ‫أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه ال يكفى وحده، وانفعال النفس‬
 ‫وضعفها للشيطان، حتى يشتد طمعه فيه وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر، عقوبة له، وإقامته على‬
       ‫الجهل، ورضاه بالخبل فى العقل، كما قال أبو حامد الغزالى وغيره: "الوسوسة سببها إما جهل‬
                                       ‫بالشرع، وإما خبل فى العقل، وكالهما من أعظم النقائص والعيوب".‬
                                 ‫فهذه نحو خمسة عشر مفسدة فى الوسواس، ومفاسده أضعاف ذلك بكثير.‬
         ‫إن‬            ‫ي رس‬
 ‫وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: " َا َ ُولَ اهللِ، ِ ّ الشيطان‬
       ‫ني ل ه‬                   ‫هو ل ذ‬              ‫َ رس ل هلل‬         ‫ت يَبس عَى‬               ‫َ ح ب ن وب ن‬
       ‫قدْ َالَ َيْ ِى َ َيْ َ صَال ِى ُل ِّ ُهَا َل َّ، فَقَال َ ُو ُ ا ِ صلى علَيْ ِ َسّم: َاكَ شَيْطَا ٌ ُقَا ُ لَ ُ‬
                   ‫ا ع ت لك َ هبه هلل‬                           ‫ِذ س ُ َّ هلل م ه و ُ ع يس‬                                      ‫خ‬
          ‫ِنْزَب، فَإ َا أَحْ َسْتَه فَتَعَوذْ بِا ِ ِنْ ُ، َاتْفلْ َنْ َ َاركَ ثَالثً، فَفَ َلْ ُ ذِ َ، فَأذْ َ َ ُ ا ُ تَعَالَى‬

‫(41/85)‬




                                                                                                                            ‫َن‬
                                                                                                                         ‫ع ِّى".‬
                                       ‫فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ باهلل عز وجل منه.‬

‫(41/03)‬
                                                                                                       ‫ص -041- فصل‬
                                                                   ‫ومن ذلك اإلسراف فى ماء الوضوء والغسل.‬
‫ل هلل ع ل ع ه سل َر‬                        ‫ّ رس‬
‫وقد روى أحمد فى مسنده من حديث عبد اهلل بن عمرو: "أن َ ُولَ اهلل صّى ا ُ تَ َاَى َلَيْ ِ و َّم م َّ‬
    ‫ِ َعدٍ وَ ُ َ َتَ َ ُّ، فَقالَ: ال ُسرفْ، فَقَالَ: َا َ ُولَ ا ِ، أَو ِى المَاءِ ِس َا ٌ؟ قَالَ: نَ َمْ، َإنْ ُنْ َ‬
    ‫ع و كت‬                     ‫إ ْر ف‬           ‫ي رس هلل َف‬                      ‫تِْ‬             ‫بس ْ هو ي وضأ‬
                                                                                                             ‫عل ْر ج ر‬
                                                                                                           ‫ََى نَه ٍ َا ٍ".‬
  ‫إن ل وض ء‬              ‫ه َّ‬        ‫هلل ل‬          ‫ن ّبى‬
  ‫وفى جامع الترمذى من حديث أبى بن كعب: أَ ّ الن َّ صلى ا ُ تَعَاَى علي ِ وسلم قَالَ: "ِ ّ ِلْ ُ ُو ِ‬
                                                                    ‫مء‬         ‫ي ل ه و ن َاتق و و‬
                                                                  ‫شَيْطاناً ُقَا ُ لَ ُ الْ َلْهَا ُ، ف َّ ُوا َسْ َاسَ ال َا ِ".‬
  ‫رس هلل‬           ‫ْر ب‬        ‫ج‬
  ‫وفى المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " َاءَ أَع َا ِى إلَى َ ُولِ ا ِ‬
    ‫وض ء ْ ز عل‬                      ‫ا و‬              ‫صل هلل ل ع ه ل ي له ع وض ء َر ه‬
   ‫َّى ا ُ تَعَاَى َلَيْ ِ وسّم َسْأَُ ُ َن الْ ُ ُو ِ، فَأ َا ُ ثَالثاً ثالثً، َقالَ: هذا الْ ُ ُو ُ فَمن َادَ ََى‬
                                                                                             ‫َم‬       ‫َ َ س و َد‬
                                                                                           ‫هذا فَقدْ أَ َاءَ َتَع ّى وَظَل َ".‬
‫ل ع ه‬                ‫َ س ل هلل ل‬
‫وفى كتاب الشافى ألبى بكر عبد العزيز من حديث أم سعد قالت: قَال ر ُو ُ ا ِ صّى اهلل تَعَاَى َلْي ِ‬
    ‫ُن‬         ‫ك أ لئ خ ف‬                ‫ع وسي ت ْم ي ِل‬                      ‫غ‬        ‫ل ي ْ ِئ م وض م‬
 ‫وسّم: " ُجز ُ ِنَ الْ ُ ُوءِ ُد، والْ ُسْلِ صَا ٌ. َ َ َأْ ِى قَو ٌ َسْتَقُّونَ ذلِ َ، فَُوِ ِكَ ِال ُ أَهْل س َّتى،‬
                                                              ‫الجنة‬            ‫ُدس م‬          ‫ح ْ‬    ‫بس ت‬         ‫و‬
                                                            ‫َاآلخِذ ِ ُن ِى فى َضرَةِ الْق ُ ِ ُنتَزه أَهْلِ َّ ِ".‬
   ‫ُد‬        ‫ي ْ ِئ م وض‬
  ‫وفى سنن األثرم من حديث سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد اهلل قال: " ُجز ُ ِنَ الْ ُ ُوءِ الم ُّ،‬
      ‫ضب ج ِر حت ر ّد و هه ث َّ ل َ‬                      ‫ي فن‬          ‫َ جل‬           ‫ب الص ع‬            ‫ْل م‬         ‫وم‬
    ‫َ ِنَ الْغَس ِ ِنَ الجنَا َةِ َّا ُ، فَقَال رَ ُ ٌ: مَا َكْ ِي ِى، فَغَ ِ َ َاب ٌ َ ّى تَ َب َ َجْ ُ ُ، ُم قَا َ: قدْ‬
                                                                                 ‫ا‬      ‫م ه ْر م ك و ر‬
                                                                               ‫كَفَى َنْ ُوَ خَي ٌ ِنْ َ َأَكْثَ ُ شَعْرً".‬
 ‫وقد رواه اإلمام أحمد فى مسنده مرفوعً. ولفظه عن جابر قال: قالَ َ ُو ُ ا ِ صّى ا ُ تَعَاَى َليْ ِ‬
 ‫رس ل هلل ل هلل ل ع ه‬                                       ‫ا‬
                                                          ‫ُد‬        ‫الص ع وم وض‬                      ‫ل ي ْ ِئ م‬
                                                        ‫وسّم: " ُجز ُ ِنَ الْغَسْلِ َّا ُ، َ ِنَ الْ ُ ُوءِ الم ُّ".‬
                                   ‫سل‬                    ‫َن‬
                                   ‫وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى اهلل تعالى عنها: "أَّهَا كَانَتْ تَغْتَ ِ ُ‬

‫(41/13)‬




                ‫ْ ر م ك‬                    ‫ْد‬              ‫ع ه ل م إ ء وح ي ع‬                           ‫هى و َّبى ل هلل‬
              ‫ِ َ َالن ُّ صّى ا ُ تَعَالَى َليْ ِ وسّم ِنْ ِنَا ٍ َا ِدٍ َسَ ُ ثَالَثَةَ أَم َادٍ، أَو قَ ِيباً ِنْ ذلِ َ".‬
            ‫وفى سنن النسائى عن عبيد بن عمير: "أَ ّ عَا ِشَةَ َ ِىَ ا ُ َنهَا قَالَتْ: لَقد َأَيْ ُنى أَغْتَ ِ ُ‬
            ‫سل‬           ‫َْ ر ت‬                    ‫ن ئ رض هلل ع‬

‫(41/23)‬
    ‫ر ُ ف جم ا‬            ‫ِذ ْر م ض ع م ل الص ع د ه‬                            ‫َرس ل م‬
   ‫ص -141- أنَا و َ ُو ُ اهللِ ِنْ هذَا، فَإ َا تَو ٌ َوْ ُو ٌ ِثْ ُ َّا ِ أوْ ُونَ ُ - نَشْ َع ِيهِ َ ِيعً،‬
                                             ‫ْر‬     ‫َر ت و قض ل‬                       ‫َف ض بي َى ع ر س‬
                                          ‫فَأ ِي ُ ِ َد َّ َلَى َأْ ِى ثَالَثَ م َّا ٍ، َمَا أَنْ ُ ُ ِى شَع ًا".‬
‫وفى سنن أبى داود والنسائى عن عباد بن تميم عن أم عمارة بنت كعب أن النبى صلى اهلل تعالى عليه‬
                                                           ‫ُد‬         ‫َ ْ ثل‬        ‫وضَ أت م ٍ ف‬
                                                         ‫وسلم: "تَ َ ّأ فَُ ِىَ ب ِاء ِى إناء قدرِ ُُثَىِ الم َّ".‬
                ‫ا‬
‫وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "إن لى ركوة أو قدحً، ما يسع إال نصف‬
                                          ‫ال‬
  ‫المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فض ً". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك لسليمان بن‬
 ‫يسار فقال: وأنا يكفينى مثل ذلك". قال عبد الرحمن: "فذكرت ذلك ألبى عبيدة بن محمد بن عمار بن‬
 ‫ياسر فقال: وهكذا سمعنا من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم"، رواه األثرم فى سننه.‬
 ‫وقال إبراهيم النخعى: "كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء".‬
                                     ‫وهذا مبالغة عظيمة، فإن ربع المد ال يبلغ أوقية ونصفاً بالدمشقى.‬
      ‫ي َضأ م وي ِل‬                     ‫ه‬           ‫هلل‬     ‫ن رس ل‬
      ‫وفى "الصحيحين" عن أنس قال: "كَا َ َ ُو ُ صلى ا ُ تعالى علي ِ وسلم َتَو َُّ بِال ُد، َ َغْتَس ُ‬
                                                                                       ‫س ْد‬          ‫ِالص ل‬
                                                                                   ‫ب َّاعِ إَى خَمْ َة أم َاد".‬
    ‫وفى "صحيح مسلم" عن سفينة قال: "كا َ َ ُو ُ ا ِ صّى ا ُ تَعَاَى عليْ ِ َسلم َغْ ُِ ُ َّا ُ ِ َ‬
    ‫ه و ي سله الص ع من‬              ‫ن رس ل هلل ل هلل ل‬
                                                                                        ‫ج بة ويو ئه ُد‬
                                                                                      ‫ال َنَا َ ِ، َ ُ َض ُ ُ الم ُّ".‬
                                            ‫وقال إبراهيم النخعى: "إنى ألتوضأ من كوز الحب مرتين".‬
                         ‫وتوضأ القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل.‬
                         ‫وقال محمد بن عجالن: "الفقه فى دين اهلل إسباغ الوضوء وقلة إهراق الماء".‬
‫وقال اإلمام أحمد: "كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء" وقال الميمونى: "كنت أتوضأ بماء كثير:‬
                                          ‫فقال لى أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته".‬

‫(41/33)‬




 ‫ص -241- وقال عبد اهلل بن أحمد: "قلت ألبى: إنى ألكثر الوضوء، فنهانى عن ذلك، وقال يا بنى،‬
                                                                    ‫ً‬
 ‫يقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان. قال لى ذلك غير مرة، ينهانى عن كثرة صب الماء، وقال‬
                                                                             ‫لى: أقلل من هذا الماء يا بنى".‬
 ‫وقال إسحاق بن منصور: "قلت ألحمد: نزيد على ثالث فى الوضوء؟ فقال: ال واهلل إال رجل مبتلى".‬
   ‫وقال أسود بن سالم، الرجل الصالح شيخ اإلمام أحمد: "كنت مبتلى بالوضوء، فنزلت دجلة أتوضأ،‬
   ‫فسمعت هاتفاً يقول: يا أسود، يحيى عن سعيد: الوضوء ثالث، ما كان أكثرلم يرفع، فالتفت فلم أر‬
                                                                                                                               ‫أحدا".‬
                                         ‫ُغف‬
‫وقد روى أبو داود فى سننه من حديث عبد اهلل بن م َّل قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                           ‫ط ر َالدع ء‬              ‫ذ ُم ِ ْم ي َد‬                ‫سيك ُ‬
                                         ‫وسلم يقول: " َ َ ُون فى ه ِهِ األ َّة قَو َ َعْت ُونَ فى ال ُهو ِ و ُّ َا ِ".‬
                                   ‫ي ِب م َد ن‬                 ‫ِن‬
 ‫فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: {إ َّ اهللَ ال ُح ُّ ال ُعْت ِي َ} [األعراف: 55]. وعلمت أن اهلل يحب‬
‫عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها اهلل تعالى، وإن أسقطت الفرض عنه،‬
                                                        ‫فال تفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء.‬
  ‫ومن مفاسد الوسواس: أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكاً لغيره كماء الحمام،‬
   ‫فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشئ‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                                        ‫كثير جدً يتضرر به فى البرزخ ويوم القيامة.‬
                                                                                                                               ‫فصل‬
                                                             ‫ومن ذلك الوسواس فى انتقاض الطهارة ال يلتفت إليه.‬
 ‫وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى اهلل تعالى عنه، قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم.‬
 ‫َت ي مع‬            ‫ْرج م م‬                      ‫َ‬      ‫ع ه ْر م ه‬                       ‫ً‬       ‫َ َد ُ ْ ب ن‬
 ‫"إذَا وَجدَ أَح ُ كم فى َطْ ِه شَيْئا فَأَشْكلَ َلَيْ ِ: أَخ َجَ ِنْ ُ شَئْ أمْ ال؟ فَالَ يَخ ُ ُ ِنَ ال َسْجِد ح َّى َسْ َ َ‬
                                                                                                            ‫ي ََ ر ا‬           ‫ص‬
                                                                                                          ‫َوْتاً أَوْ َجد ِيحً".‬

‫(41/43)‬




                                                           ‫ص -341- وفى الصحيحين عن عبد اهلل بن زيد قال:‬
 ‫ي َ ِف‬                  ‫الص‬     ‫نه ِد ش‬                   ‫ل الر ُل ّل‬             ‫هلل‬     ‫ك إ رس ل‬
 ‫"ش ِىَ ِلى َ ُو ِ صلى ا ُ عليه وسَم: َّج ُ يخَي ُ إلَيْهِ أَ ّ ُ يَج ُ ال ّئْ فى َّالَةِ، قَالَ: ال َنْصر ُ‬
                                                                                             ‫ر ا‬                 ‫َت ي ع ص‬
                                                                                           ‫ح َّى َسْمَ َ َوْتاً أوْ يَجَد ِيحً".‬
    ‫وفى المسند وسنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم قال:‬
      ‫" َّ ال ّيْطَانَ يِأْ ِى أَ َ َكمْ َ ُوَ فى َّالَ ِ، فَيَأخ ُ ِشَعرَ ٍ ِنْ ُ ُرِه فَ ُم ُّ َا فَ ُرَى أَ ّه قَدْ أَح َثَ، فَ َ‬
      ‫ال‬      ‫ْد‬         ‫نُ‬       ‫ُذ ب ْ ة م دب ِ ي ِده ي‬                        ‫الص ة‬        ‫ت حد ُ وه‬                    ‫إن ش‬
      ‫ه إن َ َ‬              ‫ِذ ت ش ن َد ُ‬                                  ‫ََ ر ا‬                   ‫م‬      ‫ي َ ِف َت‬
    ‫َنْصر ُ ح َّى يسْ َعَ صَوْتاً أَوْ يَجد ِيحً" ولفظ أبى داود: "إ َا أَ َى ال ّيْطَا ُ أَح َكمْ فقَالَ لَ ُ: ِ ّك قدْ‬
                                          ‫س ع ص ا ُذنه‬               ‫َد ح ب ف‬                   ‫إ‬            ‫ْد ت ق ه‬
                                        ‫أَح َثْ َ، فَلْيَ ُلْ لَ ُ: كَذَبْتَ، ِال مَا وَج َ ري ِاً ِأَنْ ِه أوْ َمِ َ َوْتً بِأ ُ ِ ِ".‬
 ‫ا‬      ‫ا‬
‫فأمر عليه الصالة والسالم بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلومً متيقنً،‬
                                                                               ‫كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله؟‬
     ‫قال الشيخ أبو محمد: ويستحب لإلنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال، ليدفع عن نفسه‬
  ‫الوسوسة، فمتى وجد بلال قال: هذا من الماء الذى نضحتا، لما روى أبو داود بإسناده عن سفيان بن‬
                                                                  ‫الحكم الثقفى، أو الحكم بن سفيان قال:‬
                                                  ‫و‬            ‫إ‬      ‫ه‬                  ‫َّبى ل‬
                                      ‫"كانَ الن ُّ صّى اهلل تَعالى علي ِ وسلم ِذا بَالَ تَ َضأَ وينتضح".‬
                             ‫ر ت رس هلل ل هلل ه ل ب ُم ض َ َ جه‬
                           ‫وفى رواية: " َأَيْ ُ َ ُولَ ا ِ صّى ا ُ علي ِ وسَم َالَ ث َّ نَ َح فرْ َ ُ".‬
                                                       ‫وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله.‬
‫وشكا إلى اإلمام أحمد بعض أصحابه أنه يجد البلل بعد الوضوء، فأمره أن ينضح فرجه إذا بال، قال:‬
                                                                    ‫"وال تجعل ذلك من همتك واله عنه".‬
‫وسئل الحسن أو غيره عن مثل هذا فقال: "اله عنه". فأعاد عليه المسألة فقال: "أتستدره ال أب لك، أله‬
                                                                                                              ‫عنه".‬
                                                                                                              ‫فصل‬
    ‫ومن هذا ما يفعله كثير من الموسوسين بعد البول وهو عشرة أشياء: السلت، والفطر، والنحنحة،‬
                                                            ‫والمشى، والقفز، والحبل، والتفقد، والجور،‬

‫(41/53)‬




                                                                            ‫والحشو، والعصابة، والدرجة.‬

‫(41/33)‬




‫ص -441- أما السلت فيسلته من أصله إلى رأسه، على أنه قد روى فى ذلك حديث غريب ال يثبت،‬
 ‫وسل ِذ‬               ‫رس ل هلل‬
‫ففى المسند وسنن ابن ماجه عن عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال: َ ُو ُ ا ِ تعالى عليه َّم: "إ َا‬
                                                                    ‫َر ت‬            ‫ب حد ُ ْ ي س َره‬
                                                                  ‫َالَ أَ َ ُكم فَلْ َمْ َحْ ذَك َ ُ ثَالَثَ م َّا ٍ".‬
                                      ‫َ َرك ِنه ي ع‬                      ‫ِذ ب َ س‬
                     ‫وقال جابر بن زيد: "إ َا ُلْت فَامْ َح أَسْفلَ ذَك ِ َ فإ َّ ُ َنْقَطِ ُ". رواه سعيد عنه.‬
                                 ‫قالوا: وألنه بالسلت والنتر يستخرج ما يخشى عوده بعد االستنجاء.‬
 ‫قالوا: وإن احتاج إلى مشى خطوات لذلك ففعل فقد أحسن، والنحنحة ليستخرج الفضلة. وكذلك القفز‬
                              ‫ال‬                                    ‫ا‬
  ‫يرتفع عن األرض شيئً ثم يجلس بسرعة، والحبل يتخذ بعضهم حب ً يتعلق به حتى يكاد يرتفع، ثم‬
 ‫ينخرط منه حتى يقعد، والتفقد: يمسك الذكر ثم ينظر فى المخرج هل بقى فيه شىء أم ال. والوجور:‬
  ‫يمسكه ثم يفتح الثقب ويصب فيه الماء: والحشو: يكون معه ميل وقطن يحشوه به كما يحشو الدمل‬
 ‫بعد فتحها. والعصابة: يعصبه بخرقة، والدرجة يصعد فى سلم قليال ثم ينزل بسرعة، والمشى يمشى‬
                                                                                                ‫خطوات ثم يعيد االستجمار.‬
‫قال شيخنا: "وذلك كله وسواس وبدعة"، فراجعته فى السلت والنتر فلم يره، وقال: "لم يصح الحديث"،‬
                                                    ‫قال: "والبول كاللبن فى الضرع إن تركته قر وإن حلبته در".‬
                                                      ‫قال: "ومن اعتاد ذلك ابتلى منه بما عوفى منه من لها عنه".‬
      ‫قال: "ولو كان هذا سنة لكان أولى الناس به رسول اهلل عليه الصالة والسالم وأصحابه"، وقد قال‬
‫اليهودى لسلمان: "لقد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخرأة، فقال: أجل"، فأين علمنا نبينا صلى اهلل تعالى‬
                                                                      ‫ا‬
      ‫عليه وسلم ذلك أو شيئً منه؟ بلى علم المستحاضة أن تتلجم، وعلى قياسها من به سلس البول أن‬
                                                                                                  ‫يتحفظ، ويشد عليه خرقة.‬
                                                                                                                              ‫فصل‬
                                        ‫ومن ذلك أشياء سهل فيها المبعوث بالحنيفية السمحة فشدد فيها هؤالء.‬
                  ‫فمن ذلك المشى حافياً فى الطرقات، ثم يصلى وال يغسل رجليه، فقد روى أبو داود فى‬

‫(41/73)‬




                                                         ‫ص -541- سننه: عن امرأة من بنى عبد األشهل قالت:‬
‫"قلْ ُ: َا َ ُولَ اهللِ، إ َّ لَناَ ط ِيقاَ ِلى ال َسْ ِدِ ُنْ ِنَةً، فَكَيفَ نَفْ َ ُ إ َا ت َّرْ َا؟ قَال: أَلَيْسَ َع َ َا ط ِي ٌ‬
‫ب ْده َر ق‬                      ‫عل ِذ َطه ن‬              ‫ْ‬          ‫م ج مت‬             ‫َر إ‬            ‫ِن‬             ‫ُ ت ي رس‬
                                                                         ‫ه ه‬                       ‫قت ب‬                ‫يب م ه‬
                                                                       ‫أَطْ َ ُ ِنْ َا؟ قَالَتْ: ُلْ ُ: َلَى، قَالَ: فَهذِ ِ بهذِ ِ".‬
                                                                  ‫و ضأ م م ط‬              ‫ُن‬
                                                             ‫وقال عبد اهلل بن مسعود: "كَّا ال نَتَ َ ُّ ِنْ َوْ ِىٍء".‬
     ‫وعن على رضى اهلل عنه: أنه خاص فى طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه.‬
    ‫وسئل ابن عباس رضى اهلل عنهما عن الرجل يطأ العذرة؟ قال: "إن كانت يابسة فليس بشىء، وإن‬
                                                                                              ‫كانت رطبة غسل ما أصابه".‬
 ‫وقال حفص: أقبلت مع عبد اهلل بن عمر عامدين إلى المسجد. فلما انتهينا عدلت إلى المطهرة ألغسل‬
     ‫قدمى من شىء أصابهما، فقال عبد اهلل: ال تفعل، فإنك تطأ الموطىء الردئ، ثم تطأ بعده الموطئ‬
                                        ‫ً‬                    ‫ا‬
                                ‫الطيب- أو قال: النظيف- فيكون ذلك طهورً، فدخلنا المسجد جميعا فصلينا.‬
                     ‫ا‬
     ‫وقال أبو الشعثاء: "كان ابن عمر يمشى بمنى فى الفروث والدماء اليابسة حافيً، ثم يدخل المسجد‬
                                                                                            ‫فيصلى فيه، وال يغسل قدميه".‬
                                                                        ‫ح‬
    ‫وقال عمران بن ُدير: كنت أمشى مع أبى مِجْلز إلى الجمعة، وفى الطريق عذرات يابسة، فجعل‬
               ‫يتخطاهن ويقول: ما هذه إال سوادات، ثم جاء حافياً إلى المسجد فصلى، ولم يغسل قدميه".‬
             ‫وقال عاصم األحول: "أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء، فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا:‬

‫(41/13)‬




           ‫ص -341- بلى، ولكن هذه األقذار التى مررنا بها. قال: هل وطئتم على شىء رطب تعلق‬
                                         ‫ف‬
       ‫بأرجلكم؟ قلنا: ال. فقال: فكيف بأشد من هذه األقذار يج ّ، فينسفها الريح فى رؤوسكم ولحاكم"؟‬
                                                                                                                                  ‫فصل‬
                  ‫ا‬
 ‫ومن ذلك أن الخف والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفله أجزأ دلكه باألرض مطلقً وجازت الصالة فيه‬
‫ْز الد ك‬
‫بالسنة الثابتة. نص عليه أحمد. واختاره المحققون من أصحابه قال أبو البركات: ورواية: "أَج َأَ َّلْ ُ‬
                                                                                                                                  ‫م ا‬
                                                                                                                                ‫ُطْلَقً".‬
     ‫هى الصحيحة عندى لما روى أبو هريرة رضى اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
   ‫حد ُم َذ‬           ‫ِذ ط‬                  ‫ح ك ب ل َذ ِن ُّر ه ه ر‬                                  ‫ِذ ط‬
  ‫وسلم قال: "إ َا و ِىءَ أَ َد ُمْ ِنَعِْه األ َى فَإ َّ الت َابَ لَ ُ طَ ُو ٌ"، وفى لفظ: "إ َا وَ ِىءَ أَ َ ُك ُ األ َى‬
                                                                                                ‫ُف ِ ه ره ُّر ب‬
                                                                             ‫بخ ّيْه فَطَ ُو ُ ُمَا الت َا ُ". رواهما أبو داود.‬
      ‫ِ خع‬                         ‫َل‬
      ‫وروى أبو سعيد الخدرى أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم. "صَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْه فَ َلَ َ‬
‫َّا ُ ِعَالهم فلما انْصرف قَالَ: لمَ خَلَعْتمْ؟ قَاُوا: َا َ ُولَ ا ِ، َأيْنَاكَ خَلَعْت فَخَلَعْنَا، فقَالَ: إ َّ ِبْرِي َ‬
‫ِن ج ل‬                             ‫َ‬               ‫ل ي رس هلل ر‬                ‫ُ‬         ‫ِ‬        ‫ََ َ‬        ‫الن س ن ُ ْ‬
  ‫أتانى فَأَخْ َرَنى أَ َّ ب ِماَ خَ َثً، فإ َا َاءَ أَ َ ُك ُ ال َسْجد فَلْيَقِبْ نَعْلَيهِ ث َّ ِ َنْظرْ، فَِن َأَى خَ َثا فَلْيمْ َحْ ُ‬
  ‫بً َ س ه‬                ‫ُم لي ُ إ ْ ر‬                     ‫ن ه ب ا ِذ ج حد ُم م ِ َ ل‬                                      ‫ب‬
                                                                                                    ‫ْض ُم ليص ف ه‬
                                                                             ‫بِاألر ِ ث َّ ِ ُ َل ِي ِمَا". رواه اإلمام أحمد.‬
                           ‫وتأويل ذلك: على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات ال يصح، لوجوه:‬
                                                                                                 ‫ا‬
                                                                                                ‫أحدها: أن ذلك ال يسمى خبثً.‬
                                                         ‫الثانى: أن ذلك ال يؤمر بمسحه عند الصالة فإنه ال يبطلها.‬
                  ‫الثالث: أنه ال تخلع النعل لذلك فى الصالة، فإنه عمل لغير حاجة، فأقل أحواله الكراهة.‬
    ‫الرابع: أن الدارقطنى روى فى سننه فى حديث الخلع من رواية ابن عباس: أن النبى عليه الصالة‬
                                            ‫برن ّ ف ه َم ح مة حَ‬                            ‫ن‬              ‫نج‬
                             ‫والسالم قال: "إ ّ ِبْرِيلَ أَتَا ِى، فَأَخْ َ َ ِى أَن ِي ِمَا د َ َلَ َ ٍ" وال َلمْ كبار القراد.‬

‫(41/83)‬
  ‫ص -741- وألنه بمحل يتكرر مالقاة النجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد، كمحل االستجمار، بل‬
                                      ‫ا‬
                                     ‫أولى. فإن محل االستجمار يالقى النجاسة فى اليوم مرتين أو ثالثً.‬
                                                                                                               ‫فصل‬
  ‫وكذلك ذيل المرأة على الصحيح، وقالت امرأة ألم سلمة: "إنى أطيل ذيلى وأمشى فى المكان القذر.‬
            ‫فقالت: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم: "يطهره ما بعده" رواه أحمد وأبو داود.‬
   ‫وقد رخص النبى عليه الصالة والسالم للمرأة أن ترخى ذيلها ذراعاً، ومعلوم أنه يصيب القذر ولم‬
                                                        ‫يأمرها بغسل ذلك، بل أفتاهن بأنه تطهره األرض.‬
                                                                                                               ‫فصل‬
  ‫ومما ال تطيب به قلوب الموسوسين: الصالة فى النعال. وهى سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                           ‫ه‬              ‫ن يصل‬
                              ‫وآله وسلم وأصحابه، فعال منه وأمرا. "كا َ ُ َّى فى نَعْلَيْ ِ"، متفق عليه.‬
         ‫ف يه د ِن ُ‬                                           ‫هلل‬     ‫َ س ل هلل‬
    ‫وعن شداد بن أوس قال: قَال ر ُو ُ ا ِ صلى ا ُ تَعَالى عليه وآله وسلم: "خَالِ ُوا الْ َ ُو َ، فَإَّهمْ ال‬
                                                                                 ‫خف ف ِ و ن ل‬              ‫ي َل‬
                                                             ‫ُصُّونَ فى ِ َا ِهمْ َال ِعَاِهمْ". رواه أبو داود.‬
                                              ‫وقيل لإلمام أحمد: أيصلى الرجل فى نعليه؟ فقال: إى واهلل.‬
‫وترى أهل الوسواس إذا بلى أحدهم بصالة الجنازة فى نعليه قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر،‬
                                                                                           ‫حتى ال يصلى فيهما.‬

‫(41/07)‬




    ‫حد ُم م ِ َ ي ُ إ ْ ر عل َ ل ه‬                                ‫ِذ‬
    ‫ص -141- وفى حديث أبى سعيد الخدرى: "إ َا جَاءَ أَ َ ُك ُ ال َسْجد فَلْ َنْظرْ، فَِن َأَى ََى نعَْيْ ِ‬
                                                                                          ‫َ َر ي ه و يص‬
                                                                                       ‫قذ ًا فَل َمْسَحْ ُ، َلْ ُ َل".‬
                                                                                                               ‫فصل‬
    ‫ومن ذلك: أن سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: الصالة حيث كان، وفى أى مكان‬
 ‫كان، سوى ما نهى عنه من المقبرة والحمام وأعطان اإلبل، فصح عنه عليه الصالة والسالم أنه قال:‬
                     ‫ُع ل َ ْض م ج ا ه ر ح ث ر ْ رج م ُم الص ُ يص‬
                  ‫"ج ِلَتْ ِىَ األر ُ َسْ ِدً وَطَ ُو ًا، فَ َيُْمَا أدْ َكَت َ ُالً ِنْ أ َّتىِ َّالَة فَلْ ُ َل".‬
                                          ‫وكان يصلى فى مرابض الغنم، وأمر بذلك، ولم يشترط حائال.‬
    ‫قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصالة فى مرابض الغنم، إال‬
                                               ‫ا‬
‫الشافعي". فإنه قال: "أكره ذلك، إال إذا كان سليمً من أبعارها". وقال: أبو هريرة رضى اهلل عنه: قال‬
   ‫إل ِل‬                 ‫َم و ت َل‬            ‫َر ِ‬       ‫َل‬
 ‫رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "صُّوا فى م َابضِ الْغَن ِ، َال ُصُّوا فى أَعْطَانِ ا ِب ِ".‬
                                                                    ‫رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح.‬
   ‫وروى اإلمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
                                   ‫ب‬       ‫مب ِ‬         ‫إلب‬                  ‫م و ت َل‬              ‫َر ِ‬       ‫َل‬
                                ‫"صُّوا فى م َابضِ الَغْن ِ، َالَ ُصُّوا فى أَعْطَانِ ا ِ ِل، أَوْ َ َاركِ اإل ِل".‬
                       ‫َ رس ل هلل ل هلل‬                                        ‫ا‬
‫وفى المسند أيضً، من حديث عبد اهلل بن المغفل قال: قال َ ُو ُ ا ِ صّى ا ُ تعالى عليهِ وآله وسلم:‬
                        ‫ن خ م الش ط ن‬                  ‫إلب‬                  ‫و ت َل‬            ‫َر ِ‬       ‫َل‬
                      ‫"صُّوا فى م َابضِ الغنم َالَ ُصُّوا فى أَعْطَانِ ا ِ ِل، فإّهَا ُلِقَتْ ِنَ َّيا ِي ِ".‬
   ‫وفى الباب عن جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأسيد بن الحضير وذى الغرة، كلهم رووا عن‬
                                                 ‫م‬          ‫َر ِ‬        ‫ص‬
                                               ‫النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم: " َلوا فى م َابضِ الْغَن ِ".‬
                                       ‫م إ َّ ف بر ة‬                  ‫َر ب‬        ‫َل‬
                                     ‫وفى بعض ألفاظ الحديث: "صُّوا فى م َا ِضِ الْغَن ِ، فَِن ِيهاَ َ َكَ ً".‬

‫(41/17)‬




                                        ‫ب ة و حم م‬                 ‫ض ُل م ِد إ‬
    ‫ص -841- وقال: "األرْ ُ كُّهَا َسْج ٌ ِال المَقْ َرَ ُ َالْ َ ّا ُ". رواه أهل السنن كلهم، إال النسائى.‬
                                                                       ‫ى‬
 ‫فأين هذا الهد ُ من فعل من ال يصلى إال على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصير ويضع عليها‬
 ‫المنديل؟ وال يمشى على الحصير وال على البساط، بل يمشى عليها نقرا كالعصفور. فما أحق هؤالء‬
                           ‫بقول ابن مسعود: "ألنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضاللة".‬
                                   ‫د‬
‫وقد صلى النبى عليه الصالة والسالم على حصير قد اسو ّ من طول ما لبس، فنضح له بالماء وصلى‬
 ‫عليه، ولم يفرش له فوقه سجادة وال منديل، وكان يسجد على التراب تارة، وعلى الحصى تارة، وفى‬
                                                               ‫الطين تارة، حتى يرى أثره على جبهته وأنفه.‬
       ‫م ِد وَ يك ن َ ُش ن ا م ك‬                             ‫ك ب ت ِل و ُ بر و ب ل‬
     ‫وقال ابن عمر: "كانَتِ ال ِالَ ُ ُقْب ُ َتدْ ِ ُ َتَ ُو ُ فى ال َسْج ِ، َلمْ َ ُو ُوا ير ُّو َ شَيْئً ِنْ ذلِ َ".‬
                         ‫رواه البخارى، ولم يقل "وتبول" وهو عند أبى داود بإسناد صحيح بهذه الزيادة.‬
                                                                                                              ‫فصل‬
   ‫ومن ذلك: أن الناس فى عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة فى الطين‬
                                                                                                            ‫وغيره.‬
                   ‫ا‬
 ‫قال يحيى بن وثاب: "قلت البن عباس: الرجل يتوضأ ثم يخرج إلى المسجد حافيً؟ قال: ال بأس به".‬
‫وقال كميل بن زياد: "رأيت عليا رضى اهلل عنه يخوض طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل‬
                                                                                                            ‫رجليه".‬
                              ‫قال إبراهيم النخعى: "كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلون".‬
     ‫وقال يحيى بن وثاب: "كانوا يمشون فى ماء المطر وينتضح عليهم". رواها سعيد بن منصور فى‬
                                                                                                                 ‫سننه.‬

‫(41/27)‬




‫ص -051- وقال ابن المنذر: "وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف فى ماء وطين ثم صلى ولم يتوضأ".‬
     ‫قال: "وممن رأى ذلك علقمة، واألسود، وعبد اهلل بن مغفل وسعيد بن المسيب، والشعبى، واإلمام‬
  ‫أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين للشافعية"، قال: "وهو قول عامة أهل العلم، وألن تنجيسها‬
          ‫فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع، كما فى أطعمة الكفار وثيابهم، وثياب الفساق شربة المسكر‬
                                                                                                            ‫وغيرهم".‬
 ‫قال أبو البركات بن تيمية: "وهذا كله يقوى طهارة األرض بالجفاف، ألن اإلنسان فى العادة ال يزال‬
‫يشاهد النجاسات فى بقعة من طرقاته التى يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر‬
      ‫إذا أذهب الجفاف أثرها للزمه تجنب ما شاهده من بقاع النجاسات بعد ذهاب أثرها، ولما جاز له‬
‫التحفى بعد ذلك، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك. ويعضده أمره عليه الصالة والسالم‬
 ‫بمسح النعلين باألرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثاً، ولو تنجست األرض بذلك نجاسة ال تطهر‬
                               ‫بالجفاف ألمر بصيانة طريق المسجد عن ذلك، ألنه يسلكه الحافى وغيره".‬
                                                                             ‫قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه اهلل.‬
                                                                      ‫وقال أبو قالبة: "جفاف األرض طهورها".‬
                                                                                                                 ‫فصل‬
                   ‫ومن ذلك: أن النبى عليه الصالة والسالم سئل عن المذى، فأمر بالوضوء منه، فقال:‬
            ‫ح ب ح ث َر نه ص به‬                         ‫م م‬        ‫ُذ‬              ‫مه‬           ‫صب‬            ‫َر‬
‫"كَيْفَ ت َى بمَا أَ َا َ ثَوْبى ِنْ ُ؟ قَالَ: تَأْخ ُ كَفا ِنْ َاءٍ فَتَنْض ُ ِه َيْ ُ ت َى أَ ّ ُ أ َا َ ُ". رواه أحمد‬
                                                                                                ‫والترمذى والنسائى.‬
                                                                                                 ‫و‬
                                                   ‫فج ّز نضح ما أصابه المذى، كما أمر بنضح بول الغالم.‬
     ‫قال شيخنا: وهذا هو الصواب، ألن هذه نجاسة يشق األحتراز منها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب‬
                                   ‫العزب، فهى أولى بالتخفيف من بول الغالم، ومن أسفل الخف والحذاء.‬

‫(41/37)‬
                                                                             ‫ص -151- فصل‬
   ‫ومن ذلك: إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم من جواز االستجمار‬
    ‫باألحجار فى زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق، فينضح على الثوب ولم يأمر بغسله من‬
                                                                                          ‫ذلك.‬
       ‫ومن ذلك: أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، فى إحدى الروايتين عن أحمد،‬
                                                                 ‫اختارها شيخنا لمشقة االحتراز.‬
   ‫قال الوليد بن مسلم: "قلت لألوزاعى: فأبوال الدواب مما ال يؤكل لحمه، كالبغل والحمار والفرس؟‬
                          ‫فقال: قد كانوا يبتلون بذلك فى مغازيهم، فال يغسلونه من جسد وال ثوب".‬
                                                        ‫َْ‬
‫ومن ذلك: نص أحمد على أن الودىَ يعفى عن يسيره كالمذى، وكذلك يعفى عن يسير القئ نص عليه‬
                                                                                         ‫أحمد.‬
                                             ‫ِد‬
    ‫وقال شيخنا: "ال يجب غسل الثوب وال الجسد من الم َّة والقيح والصديد"، قال: "ولم يقم دليل على‬
                                                                                      ‫نجاسته".‬
       ‫وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاه أبو البركات. وكان ابن عمر رضى اهلل عنهما ال‬
                                 ‫ينصرف منه فى الصالة، وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه.‬
      ‫وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: "ليس بشىء، إنما ذكر اهلل الدم ولم يذكر‬
                                                                                         ‫القيح".‬
    ‫وقال إسحاق بن راهويه: "كل ما كان سوى الدم فهو عندى مثل العرق المنتن وشبهه، وال يوجب‬
                                                                                      ‫وضوءا".‬
‫وسئل أحمد رحمه اهلل: الدم والقيح عندك سواء؟ فقال: "ال، الدم لم يختلف الناس فيه، والقيح قد اختلف‬
                                                     ‫م‬
                               ‫الناس فيه". وقال مرة: "القيح والصديد وال ِدة عندى أسهل من الدم".‬
 ‫ومن ذلك: ما قاله أبو حنيفة: "أنه لو وقع بعر الفأر فى حنطة فطحنت، أو فى دهن مائع جاز أكله ما‬
                               ‫لم يتغير، ألنه ال يمكن صونه عنه". قال: "فلو وقع فى الماء نجسه".‬

‫(41/47)‬
    ‫ص -251- وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى جواز أكل الحنطة التى أصابها بول الحمير عند‬
                                              ‫الدياس من غير غسل. قال: "ألن السلف لم يحترزوا من ذلك".‬
                                  ‫ُن ُل الل ْم و َّم خط ط َل ِ ْر‬
                                ‫وقالت عائشة رضى اهلل عنها: "ك َّا نَأك ُ َّح َ، َالد ُ ُ ُو ٌ عَى القد ِ".‬
       ‫وقد أباح اهلل عز وجل صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد ومعضه وال‬
                                                   ‫تقويره، وال أمر به رسوله، وال أفتى به أحد من الصحابة.‬
  ‫ومن ذلك: ما أفتى به عبد اهلل بن عمر، وعطاء بن أبى رباح، وسعيد بن المسيب وطاووس وسالم،‬
  ‫ومجاهد، والشعبى، وإبراهيم النخعى، والزهرى، ويحيى بن سعيد األنصارى، والحكم، واألوزاعى،‬
    ‫ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور واإلمام أحمد فى أصح الروايتين، وغيرهم: "أن الرجل إذا‬
                                             ‫ا‬
  ‫رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصالة لم يكن عالمً بها، أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها،‬
                                                 ‫لكنه عجز عن إزالتها أن صالته صحيحة، وال إعادة عليه".‬
                                                                                                                      ‫فصل‬
   ‫ت ز ب ذ‬                    ‫هو مل أم م ب‬                ‫ن يص‬
  ‫ومن ذلك: أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم: "كا َ ُ َلى وَ ُ َ حَا ِ ٌ ُ َا َةَ ِنْتَ ابْنَ ِه َيْنَ َ، فإ َا‬
                                                                                     ‫ر ع وضع وِ ق حم ه‬
                                                                        ‫َكَ َ َ َ َهَا، َإذَا َامَ َ َلَ َا" متفق عليه.‬
                                                                             ‫ْد‬      ‫َ‬     ‫َن ل‬
                                                          ‫وألبى داود: "أ َّ ذِكَ كان فى إح َى صَالَتَىِ العشى".‬
 ‫وهو دليل على جواز الصالة فى ثياب المربية والمرضع والحائض والصبى، ما لم يتحقق نجاستها.‬
     ‫ع ِ َلم َ و َب‬                        ‫ل‬                    ‫هلل‬       ‫الن‬     ‫ُن‬
     ‫وقال أبو هريرة: "ك َّا مَع َّبى صلى ا ُ تعالى عليهِ وآله وسَم فى صَالَةِ ال ِشَاء ف َّا سَجدَ َث َ‬
           ‫ف ْذ َف وضعه ع‬                           ‫ْره َلم ر َ ر سه َ ه بي م‬                         ‫سن و حس ن ع‬
        ‫الَحْ َ ُ َالْ ُ َي ُ َلَى ظَه ِ ِ، ف َّا َفع َأْ َ ُ أَخذَ ُمَا ِ َدَه ِنْ خَلْ ِه أَخ ًا ر ِيقاً وَ َ َ َ ُمَا َلَى‬
                                                                 ‫ْض ِذ ع ع د َت ض ص ه‬
                                             ‫األر ِ، فَإ َا َادَ َا َا، ح َّى قَ َى َالَتَ ُ". رواه اإلمام أحمد.‬
                                        ‫ر ع رس ل‬
    ‫وقال عبد اهلل بن شداد بن الهاد: عن أبيه: "خَ َج َلَيْنَا َ ُو ُ اهلل صلى اهلل تعالى عليهِ وآله وسلم‬
                                                ‫صل‬          ‫هو ِل حسن حس ن وضعه ُم َب ِلص‬
                                               ‫وَ ُ َ حام ٌ ال َ َ َ، وال ُ َيْ َ، فَ َ َ َ ُ ث َّ ك َّرَ ل َّالَةِ، فَ َّى‬

‫(41/57)‬




             ‫ت‬            ‫ح‬       ‫إن ن‬
        ‫فَسَجدَ َيْ َ ظَه َانى صَالَ ِه سَجدَة أَطَالهَا. ف َّا قضى َّالَة قَالَ: َّ ابْ ِى ارْت َلَنى فَكرهْ ُ أَنْ‬
                                                  ‫الص َ‬       ‫َلم‬                ‫ْ‬    ‫ت‬          ‫َ ب ن ْر‬
                                                                                                              ‫أ جه‬
                                                                                        ‫ُعْ ِلَ ُ". رواه أحمد والنسائى.‬
    ‫ل يصل ِالل ْل وأ‬                      ‫هلل‬     ‫َ رس ل‬
 ‫وقالت عائشة رضى اهلل تعالى عنها: "كان َ ُو ُ صلى ا ُ تعالى عليه وآله وسَم ُ َّى ب َّي ِ ََنَا‬
                                                          ‫ِض وعَى ِ ط وع ه ب ضه‬                        ‫إل ج ب و‬
                                         ‫َِى َنْ ِه، َأَنَا حَائ ٌ، َ َل َّ مرْ ٌ َ َلَيْ ِ َعْ ُ ُ". رواه أبو داود.‬
‫(41/37)‬




 ‫س ب ت الشع و ِد و ط مث‬                                ‫هلل‬     ‫ورس ل هلل‬              ‫ك‬
‫ص -351- وقالت: " ُنْتَ أَنَا َ َ ُو ُ ا ِ صلى ا ُ عليه و َلم نَ ِي ُ فى َّ َارِ ال َاح ِ، َأَنَا َا ِ ٌ-‬
                                     ‫َ م ه وَم ي د وص ف ه‬                            ‫به م‬         ‫ئض إ‬
                     ‫حَا ِ ٌ- فَِنْ أصَا َ ُ ِنى شَىْ غَسلَ َكَانَ ُ، َل َ َعْ ُهْ، َ َلى ِي ِ" رواه أبو داود.‬
                                                                                                              ‫فصل‬
‫ومن ذلك: أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم كان يلبس الثياب التى نسجها المشركون ويصلى فيها.‬
                                         ‫هم‬
 ‫وتقدم قول عمر بن الخطاب رضى اهلل تعالى عنه، و َ ّه أن ينهى عن ثياب بلغه أنها تصبغ بالبول،‬
‫وقول أبى له: "مالك أن تنهى عنها، فإن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم لبسها، ولبست فى‬
                                            ‫زمانه؟ ولو علم اهلل أنها حرام لبينه لرسوله. قال: صدقت".‬
    ‫قلت: وعلى قياس ذلك: الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب، فتجنبه من باب الوسواس.‬
                                  ‫ا‬
    ‫ولما قدم عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه الجابية استعار ثوبً من نصرانى فلبسه، حتى خاطوا له‬
                                                            ‫قميصه وغسلوه. وتوضأ من نجرة نصرانية.‬
  ‫وصلى سلمان وأبو الدرداء رضى اهلل عنهما فى بيت نصرانية. فقال لها أبو الدرداء: "هل فى بيتك‬
‫مكان طاهر فنصلى فيه؟" فقالت: طهرا قلوبكما، ثم صليا اين أحببتما. فقال له سلمان: "خذها من غير‬
                                                                                                              ‫فقيه".‬
                                                                                                              ‫فصل‬
   ‫ومن ذلك: أن الصحابة والتابعين كانوا يتوضئون من الحياض واألوانى المكشوفة وال يسألون: هل‬
    ‫أصابتها نجاسة، أو وردها كلب أو سبع؟ ففى الموطإ عن يحيى ابن سعيد أن عمر رضى اهلل عنه‬
   ‫خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضا، فقال عمرو: "يا صاحب الحوض، هل‬
      ‫ترد حوضك السباع؟"، فقال عمر رضى اهلل عنه: "ال تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا".‬

‫(41/77)‬




   ‫وضأ م‬              ‫سِ‬
  ‫ص -451- وفى سنن ابن ماجه أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: " ُئلَ: أَنَتَ َ ُّ ب َا‬
                                                           ‫ع‬            ‫وب ض‬                        ‫ض لح ر‬
                                                         ‫أفْ َلَتِ اُ ُم ُ؟ قَالَ: نَعمْ، َ َما أَفْ َلَتِ السبَا ُ".‬
  ‫ومن ذلك: أنه لو سقط عليه شئ من ميزاب، ال يدرى هل هو أو بول. لم يجب عليه أن يسأل عنه.‬
                ‫فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس، وال يجب عليه غسل ذلك.‬
  ‫ومر عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه يوماً، فسقط عليه شئ من ميزاب، ومعه صاحب له، فقال: يا‬
    ‫صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر رضى اهلل عنه: "يا صاحب الميزاب ال تخبرنا‬
                                                                                                  ‫ومضى"، ذكره أحمد.‬
‫قال شيخنا: "وكذلك إذا أصاب رجله أو ذيله بالليل شىء رطب وال يعلم ما هو لم يجب عليه أن يشمه‬
     ‫ويتعرف ما هو. واحتج بقصة عمر رضى اهلل عنه فى الميزاب وهذا هو الفقه، فإن األحكام إنما‬
  ‫تترتب على المكلف بعد علمه بأسبابها، وقبل ذلك هى على العفو. فما عفا اهلل عنه فال ينبغى البحث‬
                                                                                                                      ‫عنه".‬
                                                                                                                      ‫فصل‬
                                                                       ‫ومن ذلك: الصالة مع يسير الدم، وال يعيد.‬
                           ‫قال البخارى: قال الحسن رحمه اهلل: "مازال المسلمون يصلون فى جراحاتهم".‬
 ‫قال: "وعصر ابن عمر رضى اهلل عنهما بثرة، فخرج منها دم فلم يتوضأ، وبصق ابن أبى أو فى دما‬
                        ‫ومضى فى صالته. وصلى عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه وجرحه يثعب دما".‬

‫(41/17)‬




‫ص -551- ومن ذلك: أن المراضع مازلن من عهد رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وإلى اآلن‬
 ‫يصلين فى ثيابهن، والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، فال يغسلن شيئا من‬
                      ‫ذلك، ألن ريق الرضيع مطهر لقمه ألجل الحاجة. كما أن ريق الهرة مطهر لفمها.‬
                                                            ‫وقد قال رسول اهلل صلى اهلل تعالي عليه وآله وسلم:‬
            ‫َت ْرب‬             ‫إل‬         ‫ع ُ و َّو ت و ن ي غ‬                      ‫ّو‬       ‫ن س ب ج إنه م‬
          ‫"إ ّهَا لَيْ َتْ ِنَ ِس، ِ ّ َا ِنَ الط َّافينَ َلَيْكمْ َالط َّافَا ِ َكَا َ ُصْ ِى لَهَا ا ِنَاءَ ح َّى تَش َ َ".‬
 ‫وكذلك فعل أبو قتادة. مع العلم اليقينى أنها تأكل الفأر والحشرات، والعلم القطعى أنه لم يكن بالمدينة‬
                                                       ‫ا‬
                                                      ‫حياض فوق القلتين تردها السنانير وكالهما معلوم قطعً.‬
      ‫ومن ذلك: أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملو سيوفهم، وقد أصابها الدم. وكانوا‬
                                                                                          ‫يمسحونها، ويجتزئون بذلك.‬
                                 ‫وعلى قياس هذا: مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة، فإنه يطهرها.‬
                                                              ‫وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها.‬
    ‫ومن ذلك: أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس، ثم تجففه الشمس، فينشر عليه‬
           ‫الثوب الطاهر. فقال: ال بأس به. وهذا كقول أبى حنيفة: "إن األرض النجسة يطهرها الريح‬
  ‫والشمس". وهو وجه ألصحاب أحمد، حتى إنه يجوز التيمم بها. وحديث ابن عمر رضى اهلل عنهما‬
 ‫كالنص فى ذلك وهو قوله: "كانت الكالب تقبل وتدبر وتبول فى المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من‬
                                                                                                                        ‫ذلك".‬

‫(41/87)‬




                             ‫ص -351- وهذا ال يتوجه إال على القول بطهارة األرض بالريح والشمس.‬
    ‫ومن ذلك: أن الذى دلت عليه سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم وآثار أصحابه: أن‬
                                                                        ‫ا‬
                                                                       ‫الماء ال ينجس إال بالتغير، وإن كان يسيرً.‬
‫وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف، وأكثر أهل الحديث. وبه أفتى عطاء بن أبى رباح، وسعيد بن‬
    ‫المسيب، وجابر بن زيد، واألوزاعى، وسفيان الثورى، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدى،‬
 ‫واختاره ابن المنذر. وبه قال أهل الظاهر. ونص عليه أحمد فى إحدى روايتيه. وإختاره جماعة من‬
                         ‫أصحابنا، منهم ابن عقيل فى مفرداته وشيخنا أبو العباس، وشيخه ابن أبى عمر.‬
                     ‫وقال ابن عباس رضى اهلل عنهما: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
                                                                                                   ‫ي سه‬
                                                                            ‫"المَاء ال ُنَج ُ ُ شَئ" رواه اإلمام أحمد.‬
   ‫وضأ م ب ب عة ه ب ْر ت ق‬                                    ‫ي رس‬
  ‫وفى المسند والسنن عن أبى سعيد قال: "قِيلَ: َا َ ُولَ اهللِ أَنَتَ َ ُّ ِنْ ِئْرِ ُضَا َ َ؟ وَ ِىَ ِئ ٌ ُلْ َى‬
                                          ‫م ء ه ر ي سه‬                         ‫ف ه ح ض لح م ك ب َالن ُ‬
                                     ‫ِي َا الْ ِي ُ وُ ُو ُ ال ِالَ ِ و َّتْن فَقَال: ال َا ُ طَ ُو ٌ، ال ُنَج ُ ُ شئ".‬
                       ‫قال الترمذى: "هذا حديث حسن". وقال اإلمام أحمد: "حديث بئر بضاعة صحيح".‬
    ‫م ب ْ ب ع ه ب ي ر ُ ف ح ِض س ء َ ْم‬                                             ‫إنه ي‬
    ‫وفى لفظ لإلمام أحمد: "ِ ّ ُ ُسْتَقَىِ لَكَ ِنْ ِئرِ ُضَا َةَ، وَ ِىَ ِئْر ُطْ َح ِيهَا َاي ُ الن َا ِ، ولَح ُ‬
                     ‫ِن م ء ه ر ي سه‬                      ‫و‬                   ‫ر ل‬            ‫ب و َذ الن س‬
              ‫الْكِالَ ِ، َع َر َّا ِ؟ فَقَالَ َسو ُ اهللِ تعالى عليهِ َسلم: إ َّ ال َا َ طَ ُو ٌ ال ُنَج ُ ُ شَىْ".‬
                                                               ‫ا‬
                                                              ‫وفى سنن ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعً:‬
                                               ‫ن‬              ‫م‬            ‫ع ر حه‬                 ‫إال‬      ‫م ء ي سه‬
                                            ‫"ال َا ُ ال ُنَج ُ ُ شَىْ ِ ّ مَا غَلَبَ َلَى ِي ِ ِ، أَوْ طَعْ ِهِ، أَوْ لَوْ ِه".‬
   ‫س ِ ع حي ض‬
   ‫وفيها من حديث أبى سعيد الحدرى: أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم: " ُئلَ َنِ الْ ِ َا ِ‬
      ‫حم ْ‬                      ‫ع و ك ب و ح ُر وع طه ة ه‬                                 ‫لت ب ن مك و مد ة َ ِد‬
   ‫اّ ِى َيْ َ َ ّةَ َال َ ِينَ ِ، تر ُهَا السبَا ُ َالْ ِالَ ُ َالْ ُم ُ، َ َنِ ال ّ َارَ ِ ب َا؟ فَقالَ: لَها مَا َ َلَت فى‬
                                                                                            ‫َر ه ر‬                ‫و‬      ‫بط‬
                                                                                          ‫ُ ُونهَا َلنَا مَا غَب َ طَ ُو ٌ".‬
                                                                                                ‫وإن كان فى إسناد هذين‬
‫(41/01)‬




                                                ‫الحديثين مقال. فإنا ذكرناهما لالستشهاد ال لالعتماد.‬
                 ‫وقال البخارى: قال الزهرى: "ال بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون".‬

‫(41/11)‬




                                                               ‫ا‬
‫ص -751- وقال الزهرى أيضً: "إذا ولغ الكلب فى اإلناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به ثم يتيمم".‬
                                                       ‫قال سفيان: "هذا الفقه بعينه"، يقول اهلل تعالى:‬
                                                                        ‫َ ِد م ً َمم‬
    ‫"{فَلمْ تج ُوا َاء فَتَي َّ ُوا} [المائدة: 3]. وهذا ماء، وفى النفس منه شىء يتوضأ به ثم يتيمم" ونص‬
                                          ‫أحمد رحمه اهلل فى جب زيت ولغ فيه كلب، فقال: "يؤكل".‬
                                                                                               ‫فصل‬
  ‫ومن ذلك: أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم كان يجيب من دعاه، فيأكل من طعامه وأضافه‬
                   ‫يهودى بخبز شعير وإهالة سنخة. وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب.‬
    ‫وشرط عمر رضى اهلل تعالى عنه عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وقال: "أطعموهم مما‬
                                                      ‫تأكلون". وقد أحل اهلل عز وجل ذلك فى كتابه.‬
   ‫ولما قدم عمر رضى اهلل عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه، فقال: "أين هو؟" قالوا: فى‬
   ‫الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلى رضى اهلل عنه: "اذهب بالناس، فذهب على بالمسلمين". فدخلوا‬
      ‫وأكلوا، وجعل على رضى اهلل عنه: ينظر إلى الصور، وقال: "ما على أمير المؤمنين لو دخل‬
                                                                                             ‫وأكل؟".‬
 ‫وكان النبى عليه السالم يقبل ابنى ابنته فى أفواههما، ويشرب من موضع فم عائشة رضى اهلل عنها،‬
                                         ‫ويتعرق العرق، فيضع فاه على موضع فيها، وهى حائض.‬
                                ‫وحمل أبو بكر رضى اهلل عنه الحسن على عاتقه ولعابه يسيل عليه.‬
   ‫وأتى رسول اهلل عليه السالم بصبى، فوضعه فى حجره، فبال عليه فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله.‬
                                  ‫وكان يؤتى بالصبيان فيضعهم فى حجره يبرك عليهم، ويدعو لهم.‬

‫(41/21)‬
 ‫ص -151- وهذا الذى ذكرناه قليل من كثير من السنة، ومن له اطالع على ما كان عليه رسول اهلل‬
                                       ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه ال يخفى عليه حقيقة الحال.‬
       ‫حة‬          ‫ن ِي‬         ‫بع ت‬
     ‫وقد روى اإلمام أحمد فى مسنده عنه صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: " ُ ِثْ ُ بِالْح ِيفَّةِ السمْ ِ ِ".‬
   ‫فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة. فهى حنيفية فى التوحيد، سمحة فى العمل. وضد األمرين:‬
   ‫الشرك، وتحريم الحالل، وهما اللذان ذكرهما النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله فيما يروى عن ربه‬
                                                                                                      ‫تبارك وتعالى أنه قال:‬
      ‫ه ع د ْ ِ و َرم ع ه م ح ت ل ُ‬                                     ‫ح ء وإن ُ هم شي ط ُ‬                         ‫تع‬
   ‫"إِنى خَلَقْ ُ ِبَادِى ُنَفَا َ َِّهمْ أتَتْ ُ ُ ال ّ َا ِين فَاجْتَالَتْ ُمْ َنْ ِينهمْ، َح َّ َتْ َلَيْ ِمْ َا أَ َلَلْ ُ َهمْ،‬
                                                                       ‫به س ا‬            ‫م َ أ‬         ‫ي رك‬           ‫و َر ُ‬
                                                                     ‫َأَم َتْهمْ أَنْ ُشْ ِ ُوا بى َا لمْ ُنَزلْ ِ ِ ُلْطَانً".‬
    ‫فالشرك وتحريم الحالل قرينان. وهما اللذان عابهما اهلل تعالى فى كتابه على المشركين فى سورة‬
                                                                                                           ‫األنعام واألعراف.‬
       ‫وقد ذم النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم المتنطعين فى الدين، وأخبر بمهلكهم حيث يقول:‬
                                      ‫م ع ن‬              ‫أ ه‬       ‫م ع‬             ‫ه‬          ‫م ع‬             ‫أ ه‬
 ‫"َال َلَكَ ال ُتَنَط ُونَ، أَال َلَكَ ال ُتَنَط ُونَ، َال َلَكَ ال ُتَنَط ُو َ". وقال ابن أبى شيبة: حدثنا أبو أسامة‬
                                             ‫ا‬
  ‫عن مسعر قال: "أخرج إلى معن بن عبد الرحمن كتابً، وحلف باهلل أنه خط أبيه، فإذا فيه: قال عبد‬
                                                      ‫ا‬
    ‫اهلل: واهلل الذى ال إله غيره ما رأيت أحدً كان أشد على المتنطعين من رسول اهلل صلى اهلل تعالى‬
 ‫عليه وآله وسلم، وال رأيت بعده أحداً أشد خوفاً عليهم من أبى بكر، وإنى ألظن عمر رضى اهلل عنه‬
                                                                                             ‫ا‬
                                                                                     ‫كان أشد أهل األرض خوفً عليهم".‬
  ‫ّر‬
  ‫وكان عليه الصالة والسالم يبغض المتعمقين، حتى إنه لما واصل بهم ورأى الهالل. قال: "لَوْ تَأَخ َ‬
                                                      ‫م ل ِ‬           ‫َم ُ‬         ‫َدع م ع ق‬             ‫ه ل وصت و‬
                                                  ‫ال ِال ُ لَ َا َل ُ ِصاال ي َ ُ ال ُتَ َم ُونَ تَع ُّقَهمْ، كال َنك ِ بهمْ".‬

‫(41/31)‬




     ‫ص -851- وكان الصحابة أقل األمة تكلفا، اقتداء بنبيهم صلى اهلل تعالى وسلم. قال اهلل تعالى:‬
                                             ‫م م فن‬                    ‫ر وم‬         ‫لُ ع م‬                ‫ُ م‬
   ‫{قلْ َا أَسْأَُكمْ َلَيْهِ ِنْ أَجْ ٍ َ َا أَنَا ِنَ ال ُتَكَل ِي َ} [ص: 31]. وقال عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل‬
 ‫عنه: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحى ال تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد،‬
                                     ‫ا‬                           ‫ا‬
     ‫كانوا أفضل هذه األمة: أبرها قلوبً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفً. اختارهم اهلل تعالى لصحبة نبيه،‬
 ‫وإلقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".‬
           ‫وقال أنس رضى اهلل عنه: "كنا عند عمر رضى اهلل عنه، فسمعته يقول: نهينا عن التكلف".‬
 ‫وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم ووالة األمور بعده‬
   ‫سننا، األخذ بها تصديق لكتاب اهلل، واستعمال لطاعة اهلل، وقوة على دين اهلل، ليس ألحد تبديلها وال‬
‫تغييرها، وال النظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها‬
                              ‫ا‬
                            ‫واتبع غير سبيل المؤمنين واله اهلل ما تولى وأصاله جهنم وساءت مصيرً".‬
     ‫ت‬                                  ‫ُن‬
 ‫وقال مالك: بلغنى أن عمر بن الخطاب كان يقول: "سَّت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، و ُركتم‬
                                                         ‫ال‬
                                                       ‫على الواضحة، إال أن تميلوا بالناس يمينا وشما ً".‬
   ‫لن‬              ‫عُ م ك َ ُد له ي ف ع ه ْ‬                             ‫ي ِل‬
  ‫وقال صلى اهلل تعالى عليه وسلم: " َحْم ُ هذا ال ِلمَ ِنْ ُل خَلفٍ ع ُوُ ُ، َنْ ُونَ َنْ ُ تَحرِيفَ الْغَاِي َ،‬
                                                                        ‫هل ن‬                  ‫و ح م طل ن و‬
                                                                      ‫َانْتِ َالِ ال ُبْ ِِي َ، َتَأْوِيلَ الْجَا ِِي َ".‬
    ‫فأخبر أن الغالبين يحرفون ما جاء به. والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه. والجاهلون‬
‫يتأولونه على غير تأويله. وفساد اإلسالم من هؤالء الطوائف الثالثة. فلوال أن اهلل تعالى يقيم لدينه من‬
                                 ‫ينفى عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان األنبياء قبله من هؤالء.‬

‫(41/41)‬




                                                                                              ‫ص -031- فصل‬
                                                   ‫ومن ذلك الوسوسة فى مخارج الحروف والتنطع فيها.‬
                                                                     ‫ونحن نذكر ما ذكره العلماء بألفاظهم:‬
   ‫قال أبو الفرج بن الجوزى: "قد لبس إبليس على بعض المصلين فى مخارج الحروف، فتراه يقول:‬
  ‫الحمد، الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصالة. وتارة يلبس عليه فى تحقيق التشديد فى‬
  ‫إخراج ضاد "المغضوب" قال: "ولقد رأيت من يخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده. والمراد‬
 ‫تحقيق الحرف حسب. وإبليس يخرج هؤالء بالزيادة عن حد التحقيق، ويشغلهم بالمبالغة فى الحروف‬
                                                          ‫عن فهم التالوة. وكل هذه الوساوس من إبليس".‬
   ‫وقال محمد بن قتيبة فى مشكل القرآن: "وقد كان الناس يقرؤون القرآن بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم‬
‫قوم من أهل األمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، وال علم التكلف، فهفوا فى كثير من الحروف.‬
                                                                                  ‫ا‬
 ‫وذلوا فأخلوً. ومنهم رجل ستر اهلل عليه عند العوام بالصالح، وقربه من القلوب بالدين. فلم أر فيمن‬
                                        ‫ا‬               ‫ا‬
  ‫تتبعت فى وجوه قراءته أكثر تخليطً وال أشد اضطرابً منه، ألنه يستعمل فى الحروف ما يدعه فى‬
 ‫نظيره، ثم يؤصل أصال ويخالف إلى غيره بغير علة، ويختار فى كثير من الحروف ما ال مخرج له‬
‫إال على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه فى قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه فى المد‬
‫والهمز واإلشباع، وإفحاشه فى اإلضجاع واإلدغام، وحمله المتعلمين على المذهب الصعب، وتعسيره‬
   ‫على األمة ما يسره اهلل تعالى، وتضييقه ما فسحه اهلل. ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب،‬
  ‫ويكره الصالة بها. ففى أى موضع يستعمل هذه القراءة، إن كانت الصالة ال تجوز بها؟، وكان ابن‬
 ‫عيينة يرى لمن قرأ فى صالته بحرفه، أو ائتم بإمام يقرأ بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من‬
      ‫خيار المسلمين. منهم بشر بن الحارث، واإلمام أحمد بن حنبل، وقد شغف بقراءته عوام الناس‬
  ‫وسوقتهم. وليس ذلك إال لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختالف المتعلم إلى المقرئ فيها.‬
                                                                ‫فإذا رأوه قد اختلف فى أم الكتاب‬

‫(41/51)‬




                                                                    ‫ا‬
                                      ‫عشرا. وفى مائة آية شهرً، وفى السبع الطوال حوال. ورأوه‬

‫(41/31)‬




     ‫ص -131- عند قراءته مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبين، توهموا أن ذلك لفضله فى‬
    ‫القراءة وحذقه بها، وليس هكذا كانت قراءة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، وال خيار‬
                                   ‫السلف وال التابعين، وال القراء العالمين، بل كانت سهلة رسلة".‬
  ‫وقال الخالل فى الجامع: عن أبى عبد اهلل، إنه قال: "ال أحب قراءة فالن"، يعنى هذا الذى أشار إليه‬
  ‫ابن قتيبة، وكرهها كراهية شديدة، وجعل يعجب من قراءته، وقال: "ال تعجبنى. فإن كان رجل يقبل‬
                                                                                    ‫منك فانهه".‬
                                       ‫وحكى عن ابن المبارك عن الربيع بن أنس: أنه نهاه عنها.‬
                                                                 ‫ال‬
‫وقال الفضل بن زياد: "إن رج ً قال ألبى عبد اهلل: فما أترك من قراءته؟ قال: اإلدغام، والكسر. ليس‬
                                                                ‫يعرف فى لغة من لغات العرب".‬
                                   ‫وسأله عبد اهلل ابنه عنها فقال: "أكره الكسر الشديد واإلضجاع".‬
                        ‫وقال فى موضع آخر: "إن لم يدغم ولم يضجع ذلك اإلضجاع فال بأس به".‬
  ‫وسأله الحسن بن محمد بن الحارث: "أتكره أن يتعلم الرجل تلك القراءة؟"، قال: "أكرهه أشد كراهة،‬
                                                        ‫ا‬
                                               ‫إنما هى قراءة محدثة". وكرهها شديدً حتى غضب.‬
   ‫وروى عنه ابن سنيد أنه سئل عنها فقال: "أكرهها أشد الكراهة"، قيل له: ما تكره منها؟ قال: "هى‬
                                                                    ‫قراءة محدثة، ما قرأ بها أحد".‬
    ‫وروى جعفر بن محمد عنه أنه سئل عنها فكرهها. وقال: "كرهها ابن إدريس"، وأراه قال: وعبد‬
 ‫الرحمن بن مهدى. وقال: "ما أدرى، إيش هذه القراءة؟" ثم قال: "وقراءتهم ليست تشبه كالم العرب".‬
                        ‫وقال عبد الرحمن بن مهدى "لو صليت خلف من يقرأ بها ألعدت الصالة".‬

‫(41/71)‬




               ‫ص -231- ونص أحمد رحمه اهلل على أنه يعيد. وعنه رواية أخرى: "أنه ال يعيد".‬
                                    ‫والمقصود. أن األئمة كرهوا التنطع والغلو فى النطق بالحرف.‬
  ‫ومن تأمل هدى رسول اهلل صلى اهلل تعالى وآله وسلم، وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له‬
                                 ‫أن التنطع والتشدق والوسوسة فى إخراج الحروف ليس من سنته.‬
                                                                                            ‫فصل‬
                                                           ‫فى الجواب عما احتج به أهل الوسواس‬
                                                         ‫ا‬
                                                        ‫أما قولهم: إن ما نفعله احتياط ال وسواسً.‬
   ‫قلنا: سموه ما شئتم، فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم‬
                                                       ‫وأمره، وما كان عليه أصحابه، أو مخالف؟‬
‫فإن زعمتم أنه موافق، فبهت وكذب صريح. فإذن ال بد من اإلقرار بعدم موافقته وأنه مخالف له، فال‬
                                                                 ‫ا‬
‫ينفعكم تسمية ذلك احتياطً. وهذا نظير من ارتكب محظوراً وسماه بغير اسمه، كما يسمى الخمر بغير‬
   ‫ا‬
  ‫اسمها، والربا معاملة، والتحليل الذى لعن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فاعله: نكاحً،‬
‫ونقر الصالة الذى أخبر رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم أن فاعله لم يصل، وأنه ال تجزيه‬
              ‫ا‬                                            ‫ا‬
             ‫صالته وال يقبلها اهلل تعالى منه: تخفيفً. فهكذا تسمية الغلو فى الدين والتنطع: احتياطً.‬
     ‫وينبغى أن يعلم أن االحتياط الذى ينفع صاحبه ويثيبه اهلل عليه االحتياط فى موافقة السنة، وترك‬
 ‫مخالفتها. فاالحتياط كل االحتياط فى ذلك، وإال فما احتاط لنفسه من خرج عن السنة، بل ترك حقيقة‬
                                                                                ‫االحتياط فى ذلك.‬
             ‫وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطالق فى موارد النزاع الذى اختلف فيه األئمة، كطالق‬
‫(41/11)‬




‫ص -331- لمكره، وطالق السكران، والبتة، وجمع الثالث، والطالق بمجرد النية، والطالق المؤجل‬
   ‫المعلوم مجئ أجله، واليمين بالطالق، وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء إذا أوقعه المفتى تقليدا بغير‬
      ‫برهان، وقال: ذلك احتياط للفروج. فقد ترك معنى االحتياط. فإنه يحرم الفرج على هذا، ويبيحه‬
 ‫لغيره. فأين االحتياط هاهنا؟ بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع األمة على تحريمه وإخراجه عمن هو‬
   ‫حالل له، أو يأتى برهان من اهلل ورسوله على ذلك، لكان قد عمل باالحتياط. ونص على مثل ذلك‬
                                                                                  ‫اإلمام أحمد فى طالق السكران.‬
 ‫فقال فى رواية أبى طالب: "والذى ال يأمر بالطالق فإنما أتى خصلة واحدة. والذى يأمر بالطالق فقد‬
‫أتى خصلتين: حرمها اهلل عليه وأحلها لغيره". فهذا خير من هذا، فال يمكن االحتياط فى وقوع الطالق‬
                          ‫إال حيث أجمعت األمة. أو كان هناك نص عن اهلل ورسوله يجب المصير إليه.‬
  ‫قال شيخنا: "واالحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة. فإذا أفضى إلى ذلك فاالحتياط‬
‫الشبه ت‬           ‫م‬
‫ترك هذا االحتياط"، وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله صلى اهلل عليه وسلم: " َنْ تَرَكَ ُُّ َا ِ‬
   ‫َّ ْر‬        ‫م ح‬                    ‫َر بك‬             ‫ير ب إل‬           ‫د‬           ‫ْر ِد ن وع ضه‬                  ‫َ‬
 ‫فَقدِ اسْتَب َأَ ل ِي ِه َ ِرْ ِ ِ" وقوله: " َعْ مَا َ ِي ُكَ َِى مَا الَ ي ِي ُ َ" وقوله: "اإلِث ُ مَا َاكَ فى الصد ِ".‬
                                                              ‫فهذا كله من أقوى الحجج على بطالن الوسواس.‬
     ‫فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحالل بالحرام، على وجه ال يكون فيه دليل على أحد‬
     ‫الجانبين، أو تتعارض األمارتان عنده، فال يترجح فى ظنه احداها، فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده‬
                         ‫النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى.‬
‫ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة، أم معصية وبدعة؟ هذا أحسن‬
 ‫أحواله، والواضح الجلى هو اتباع طريق رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم، وما سنه لألمة قوال‬
                          ‫وعمال. فمن أراد ترك الشبهات عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح. فكيف‬

‫(41/81)‬
‫وال شبهة بحمد اهلل هناك؟ إذ قد بينت بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة، وأخذ بالبدعة،‬
‫وترك لما يحبه اهلل تعالى ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، وال يتقرب به إليه البتة، فإنه ال يتقرب‬
                                                ‫إليه إال بما شرع، ال بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء‬

‫(41/08)‬




                   ‫ز‬
           ‫ص -431- نفسه. فهذا هو الذى يحيك فى الصدر ويتردد فى القلب، وهو حوا ّ القلوب.‬
  ‫ك من‬
  ‫وأما التمرة التى ترك رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم أكلها، وقال: "أَخْشَى أنْ تَ ُونَ ِ َ‬
                                                                                             ‫َّ َ ة‬
                                                                                           ‫الصدقَ ِ".‬
‫فذلك من باب اتقاء الشبهات، وترك ما اشتبه فيه الحالل بالحرام، فإن التمرة كانت قد وجدها فى بيته،‬
‫وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحل له الصدقة، ويدخل بيته تمر يقتات منه أهله، فكان فى‬
    ‫بيته النوعان، فلما وجد تلك التمرة لم يدر عليه الصالة والسالم، من أى النوعين هى؟ فأمسك عن‬
                   ‫أكلها. فهذا الحديث أصل فى الورع واتقاء الشبهات، فما ألهل الوسواس وما له؟.‬
              ‫ا‬
   ‫وأما قولكم: إن مالكا أفتى فيمن طلق ولم يدر: أواحدة طلق أم ثالثا: إنها ثالث احتياطً، فنعم، هذا‬
    ‫قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعى، وأبى حنيفة وأحمد، وعلى كل من خالفه فى هذه‬
 ‫المسألة؟ حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله، وهذا القول مما يحتج له، ال مما يحتج به، على أن‬
       ‫هذا ليس من باب الوسواس فى شىء وإنما حجة هذا القول: أن الطالق يوجب تحريم الزوجة.‬
‫والرجعة ترفع ذلك التحريم، فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم، وهو الطالق، وشك فى رفعه بالرجعة،‬
                               ‫ا‬
‫فإنه يحتمل أن يكون رجعيا فترفعه الرجعة، ويحتمل أن يكون ثالثً، فال ترفعه الرجعة فقد تيقن سبب‬
                                                                         ‫التحريم، وشك فيما يرفعه.‬
   ‫والجمهور يقولون: النكاح متيقن. والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه، فإنه يحتمل أن يكون‬
                                                                                    ‫ا‬
   ‫المأتى به رجعيً فال يزيل النكاح. ويحتمل أن يكون بائنا فيزيله، فقد تيقنا يقين النكاح، وشككنا فيما‬
                                                    ‫يزيله. فاألصل بقاء النكاح حتى يتيقن ما يرفعه.‬
‫فإن قلتم: فقد تيقن التحريم وشك فى التحليل، قلنا: الرجعية ليست بحرام عندكم ولهذا تجوزون وطأها،‬
                                                                 ‫ويكون رجعة، إذا نوى به الرجعة.‬
               ‫ا‬
              ‫فإن قلتم: بل هى حرام، والرجعة حصلت بالنية حال الوطء. قلنا: ال ينفعكم ذلك أيضً.‬

‫(41/18)‬
                              ‫ً‬                              ‫ا‬
          ‫ص -531- فإنه إنما تيقن تحريمً يزول بالرجعة، ولم يتيقن تحريما ال تؤثر فيه الرجعة.‬
               ‫وليس المقصود تقرير هذه المسألة. والمقصود أنه ال راحة فى ذلك ألهل الوسواس.‬
                                                                                         ‫فصل‬
  ‫وأما من حلف بالطالق: أن فى هذه اللوزة حبتين، ونحو ذلك، مما ال يتيقنه الحالف، فبان كما حلف‬
                                                                                         ‫عليه.‬
   ‫فهذا ال يحنث عند األكثرين. وكذلك لو لم يتبين الحال استمر مجهوال. فإن النكاح ثابت بيقين، فال‬
                                                                                  ‫يزيله بالشك.‬
    ‫ولمالك رحمه اهلل أصل نازعه فيه غيره. وهو إيقاع الطالق بالشك فى الحنث، وإيقاعه بالشك فى‬
‫عدده كما تقدم. وإيقاعه بالشك فى المطلقة. كما لو طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، ووقف الحال مدة‬
                                                           ‫اإليالء ولم يتبين، طلق عليه الجميع.‬
 ‫وكما لو حلف أن هذا فالن أو حيوان، وهو غير متيقن له، بل هو شاك حال الحلف، فتبين أن األمر‬
‫كما حلف عليه. فإنه يحنث عنده، وتطلق امرأته. فمن حلف على رجل أنه زيد فتبين أنه غيره، أو لم‬
 ‫يتبين: أهو المحلوف عليه أم ال، حنث عنده. وإن تبين أنه المحلوف عليه- وكان حال اليمين ال يعلم‬
      ‫حقيقته، وال يغلب على ظنه. وال طريق له إلى العلم به فى العادة- فإنه يحنث عنده لشكه حال‬
  ‫الحلف. فالحالف يحنث بالمخالفة لما حلف عليه. أما فى الطلب فبأن يفعل ما حلف على تركه، وأما‬
 ‫فى الخبر فبأن يتبين كذبه. وعند مالك يحنث بأمر آخر، وهو الشك حال اليمين، سواء تبين صدقة أم‬
                                                                                           ‫ال.‬
  ‫وأبلغ من هذا: أنه يحنث من حلف بالطالق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر: أنه حجر، ونحو‬
                                                                           ‫ذلك مما ال شك فيه.‬
 ‫وعمدته فى الموضعين: أن الحالف هازل. فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكونى امرأة، أو إن لم أكن‬
                             ‫رجالً، ال معنى لكالمه إال الهزل، فإن هذا مما ال غرض للعقالء فيه.‬
                                             ‫قالوا: وإن لم يكن هذا هزال فإن الهزل ال حقيقة له.‬

‫(41/28)‬
     ‫ص -331- وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطالق، ثم ندم، فوصله بما ال يفيد ليرفعه.‬
    ‫وأما فى القسم األول: فأصله فيه: تغليب الحنث بالشك، كمن حلف ثم شك: هل حنث أم ال، فإنهم‬
  ‫يأمرونه بفراق زوجته، وهل هو للوجوب أم لالستحباب؟ على قولين، األول: البن القاسم، والثانى:‬
                                                                                         ‫لمالك.‬
     ‫فمالك يراعى بقاء النكاح، وقد شككنا فى زواله، واألصل البقاء. وابن القاسم يقول: قد صار حل‬
‫الوطء مشكوكاً فيه، فيجب عليه مفارقتها. واألكثرون يقولون: ال يجب عليه مفارقتها، وال يستحب له،‬
    ‫فإن قاعدة الشريعة: أن الشك ال يقوى على إزالة األصل المعلوم، وال يزول اليقين إال بيقين أقوى‬
                                                                              ‫منه، أو مساو له.‬
                                                                                          ‫فصل‬
‫وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها، فقد اختلف الفقهاء فى حكم‬
                                                                        ‫هذه المسألة على أقوال:‬
‫فقال أبو حنيفة، والشافعى، والثورى، وحماد: يختار أيتهن شاء، فيوقع عليها الطالق فى المبهمة. وأما‬
  ‫فى المنسية. وأما فى المنسية فيمسك عنهن وينفق عليهن، حتى ينكشف األمر. فإن مات الزوج قبل‬
                                         ‫أن يقرع، فقال أبو حنيفة: يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة.‬
                                             ‫وقال الشافعى: "يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن".‬
    ‫وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده، بأن قال: أنت طالق، وال يدرى من هى.‬
   ‫طلق الجميع. وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها، وقف عنهن حتى يتذكر. فإن طال ذلك ضرب له‬
     ‫مدة المولى. فإن تذكر فيها وإال طلق عليه الجميع ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية طلق‬
                                                                                       ‫الجميع.‬
  ‫وقال أحمد: "يقرع بينهن فى الصورتين"، نص على ذلك فى رواية جماعة من أصحابه، وحكاه عن‬
                                                                              ‫على وابن عباس.‬
                       ‫وظاهر المذهب الذى عليه جل األصحاب: أنه ال فرق بين المبهمة والمنسية.‬

‫(41/38)‬




   ‫ص -731- وقال صاحب المغنى: "يخرج المبهمة بالقرعة، وأما المنسية فإنه يحرم عليه الجميع.‬
‫حتى يتيقن المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن للميراث"، قال: وقد روى إسماعيل بن‬
   ‫سعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة ال تستعمل فى المنسية لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة‬
  ‫الميراث. فإنه قال: "سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه وال يعلم أيتهن طلق". قال: "أكره‬
    ‫أن أقول فى الطالق بالقرعة". قلت: "أرأيت إن مات هذا؟"، قال: "أقول بالقرعة وذلك ألنه تصير‬
  ‫القرعة على المال". قال: "وجماعة من روى عنه القرعة فى المطلقة المنسية إنما هو فى التوريث.‬
                        ‫وأما فى الحل فال ينبغى أم تثبت القرعة". قال: "وهذا قول أكثر أهل العلم".‬
   ‫واحتج الشيخ لصحة قوله: بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل له إحداهما بالقرعة، كما لو‬
     ‫اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد، وألن القرعة ال تزيل التحريم من المطلقة، فال يرفع‬
   ‫الطالق عمن وقع عليها، والحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة. ولهذا لو ذكر أن‬
 ‫المطلقة غيرها حرمت عليه. ولو ارتفع التحريم أو زال بالطالق لما عاد بالذكر. فيجب بقاء التحريم‬
                                                                     ‫بعد القرعة، كما كان قبلها.‬
                           ‫ا‬
  ‫قال: "وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته فلم يدر، واحدة طلق أم ثالثً، ومن حلف بالطالق ال يأكل‬
   ‫تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة: ال تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التى وقعت اليمين‬
              ‫عليها. فحرمها، مع أن األصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى".‬
  ‫قال: "وهكذا الحكم فى كل موضع وقع الطالق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها. مثل أن يرى‬
   ‫امرأة فى روزنة، أو مولية، فيقول: أنت طالق، وال يعلم عينها من نسائه. وكذلك إذا أوقع الطالق‬
    ‫على واحدة من نسائه فى مسألة الطائر وشبهها، فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة.‬
              ‫ويؤخذ بنفقة الجميع، ألنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا. وال‬

‫(41/48)‬




   ‫يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج، ألنها يجوز أن تكون غير المطلقة. وال يحل للزوج غيرها‬
                                                                     ‫الحتمال أن تكون المطلقة".‬
               ‫وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن: ثبت حكم الطالق فيها‬

‫(41/58)‬




                                  ‫َ‬
    ‫ص -131- فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها. وحل للزوج منْ سواها. كما لو كان الطالق فى‬
                                                                             ‫واحدة غير معينة.‬
                                             ‫وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة فى الصورتين.‬
  ‫قلت: وهو منصوص أحمد فى رواية الجماعة. وأما رواية الشالنجى فإنه توقف، وكره أن يقول فى‬
       ‫الطالق بالقرعة، ولم يعين المنسية، وال المبهمة، وأكثر نصوصه على القرعة فى الصورتين.‬
   ‫قال فى رواية الميمونى، فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن، ولم يدر: "يقرع بينهن، وكذلك فى‬
‫األعبد. فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على واحدة، ثم ذكر التى طلق رجعت هذه التى وقعت عليها‬
                              ‫القرعة. ويقع الطالق على التى ذكر. فإن تزوجت فذاك شىء قد مر".‬
  ‫وكذلك نقل أبو الحارث عنه فى رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم يكن له نية فى واحدة بعينها:‬
          ‫"يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهى المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها".‬
                                                  ‫فنص على القرعة فى الصورتين، مسوياً بينهما.‬
                      ‫والذى أفتى به على رضى اهلل عنه هو فى المنسية. وبه احتج أحمد رحمه اهلل.‬
‫قال وكيع: سمعت عبد اهلل قال: "سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، ال يدرى‬
                                        ‫أيتهن طلق"، فقال: قال على رضى اهلل عنه: "يقرع بينهن".‬
   ‫واألدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعاً فال فرق بينها‬
‫وبين المبهمة المجهولة، وألن فى اإليقاف واإلمساك حتى يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة‬
                                             ‫ا‬
          ‫على الجميع عدة مفاسد له وللزوجات مندفعة شرعً، وألن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع،‬
   ‫ومصلحة الزوج والزوجات من تركهن معلقات، ال ذوات أزوج وال أيامى، وتركه هو معلقاً، ال ذا‬
                                                                            ‫ا‬
          ‫زوج وال عزبً، وليس فى الشريعة نظير ذلك، بل ليس فيها وقف األحكام، بل الفصل وقطع‬
                  ‫ا‬
‫الخصومات بأقرب الطرق. فإذا ضاقت الطرق، ولم يبق إال القرعة، تعينت طريقً، كما عينها الشارع‬
                                                    ‫فى عدة قضايا، حيث لم يكن هناك غيرها، ولم‬

‫(41/38)‬




  ‫ص -831- يوقف األمر إلى وقت االنكشاف، فإنه إذا علم أنه ال سبيل له إلى انكشاف الحال، كان‬
   ‫إيقاف األمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التى ال تأتى بها الشريعة. وغاية ما يقدر أن القرعة‬
  ‫تصيب التى لم يقع عليها الطالق وتخطئ المطلقة. وهذا ال يضرها هاهنا، فإنها لما جهل كونها هى‬
  ‫التى وقع عليها الطالق صار المجهول كالمعدوم، وكل ما يقدر من المفسدة فى ذلك فمثلها فى العتق‬
    ‫سواء. وقد دلت سنة رسول اهلل عليه الصالة والسالم الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من‬
                                           ‫غيره بالقرعة، وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة.‬
    ‫فقال- فى رواية ابن منصور وحنبل- إذا زوجها الوليان من رجلين، ولم يعلم السابق منهما أقرع‬
                                                    ‫بينهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه األول.‬
     ‫فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج فى حل البضع له فألن تقوى على تعيين المطلقة فى تحريم‬
  ‫بضعها عنه أولى. فإن الطالق مبنى على التغليب والسراية، وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من‬
                                                                                   ‫وجوه كثيرة.‬
 ‫وقول الشيخ أبى محمد، قدس اهلل تعالى روحه: "إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحل له إحداهما‬
                                              ‫بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقد".‬
     ‫جوابه: بالفرق بين حالتى الدوام واالبتداء، فإنه هناك شك فى هذه األجنبية هل حصل عقد أم ال؟‬
‫واألصل فيها التحريم، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم على واحدة منهما. وهاهنا ثبت الحل و النكاح.‬
       ‫ا‬
   ‫وحصل الشك بعده، هل ترك التحريم فى هذا أو فى هذه. فإما أن يحرما جميعاً أو يحال جميعً، أو‬
     ‫يقال له: اختر من ينزل عليه التحريم، أو يوقف األمر أبدا، أو تستعمل القرعة، واألقسام األربعة‬
                          ‫األول باطلة، ال أصل لها فى السنة، ولم يعتبرها الشارع بخالف القرعة.‬
                 ‫وبالجملة فال يصح إلحاق إحدى الصورتين باألخرى، إذ هناك تحريم متيقن، ونحن‬

‫(41/78)‬




                ‫ص -071- نشك فى حله، وهنا حل متيقن نشك فى تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة.‬
              ‫قوله: وألن القرعة ال تزيل التحريم من المطلقة، وال ترفع الطالق على من وقع عليه.‬
      ‫فيقال: إذا جهلت المطلقة. ولم يكن له سبيل إلى تعيينها قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها‬
                                                           ‫ا‬
     ‫المطلقة للضرورة، حيث تعينت طريقً، فالمطلقة المجهولة قد صار طالقها بعينها كالمعدوم، ولو‬
‫كانت مطلقة فى نفس األمر فإن الشارع لم يكلفنا بما فى نفس األمر، بل بما ظهر وبدا. ولهذا لو نسى‬
‫الطالق بالكلية وأقام على وطئها حتى توفى، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب الحق به، والميراث‬
‫ثابت، وهى مطلقة فى نفس األمر، ولكن ليست مطلقة فى حكم اهلل، كما لو طلع الهالل فى نفس األمر‬
  ‫ولم يره أحد من الناس، أو كان الهالل تحت الغيم، فإنه ال يترتب عليه حكم الشهر، وال يكون طالعً‬
  ‫ا‬
                          ‫ا‬                                  ‫ً‬
                         ‫فى حكم اهلل تعالى، وإن كان طالعا فى نفس األمر، ونظائر هذا كثيرة جدً.‬
  ‫فغاية األمر: أن هذه مطلقة فى نفس األمر، وال علم له بطالقها، فال تكون مطلقة فى الحكم، كما لو‬
                                                                                   ‫نسى طالقها.‬
      ‫قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطالق لما عاد‬
                                                                                        ‫بالذكر.‬
     ‫جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن‬
‫المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه. فإن التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء، فإذا‬
                                                       ‫قدر عليه بطل حكمه. ونظائر ذلك كثيرة.‬
 ‫منها: أن االجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص، فإذا تبين النص، فال اجتهاد إال فى إبطال ما خالفه.‬
                           ‫ا‬
    ‫قوله: وقد قال الخرقى فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أم ثالثً؟ يلزمه الثالث. ومن حلف‬
            ‫بالطالق أن ال يأكل تمرة، فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة ال تحل له امرأته حتى يعلم‬

‫(41/18)‬




   ‫ص -171- نها ليست التى وقعت اليمين عليها فحرمها، مع أن األصل بقاء النكاح، ولم يعارضه‬
                                                                      ‫يقين التحريم فهاهنا أولى.‬
     ‫فيقال: الخرقى نص على المسألتين مفرقاً بينهما فى مختصره، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه‬
‫وأنسيها أخرجت بالقرعة. وقال: ما حكاه الشيخ عنه فى الموضعين. فأما من شك: هل طلق واحدة أم‬
                                                                                     ‫ا‬
  ‫ثالثً، فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب. والخرقى اختار الرواية األخرى.‬
                                    ‫وهى مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما.‬
   ‫وعلى القول بلزوم الثالث فالفرق بين ذلك، وبين إخراج المنسية بالقرعة: أن المجهول فى الشرع‬
  ‫كالمعدوم. فقد جهلنا وقوع الطالق بأى الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما. ولم يكن لنا سبيل إلى‬
‫تحريمهما وال إباحتهما. والوقف مفسدة ظاهرة فتعينت القرعة، بخالف من أوقع على زوجته طالقاً قد‬
   ‫شك فى عدده فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطالق بالرجعة أوال يرتفع بها؟ فألزمه بالثالث. فظهر‬
                                                                   ‫الفرق بينهما على هذا القول.‬
                                                      ‫وأما على المشهور من المذهب فال إشكال.‬
 ‫وأما من حلف بالطالق ال يأكل تمرة فوقعت فى تمر، أكل منه واحدة. فقد قال الخرقى: إنه يمنع من‬
 ‫وطء زوجته حتى يتيقن. وهذا يحتمل الكراهة والتحريم. ومذهب الشافعى وأبى حنيفة: أنه ال يحنث،‬
 ‫وال يحرم عليه وطء زوجته: هو اختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم فهو يشبه‬
                                      ‫ا‬
                                     ‫ما قاله هو ومالك فيمن طلق وشك، هل طلق واحدة أم ثالثً؟‬
                                                                                          ‫فصل‬
    ‫وأما من حلف على يمين ثم نسيها. وقولهم: يلزمه جميع ما يحلف به، فقول شاذ جدا. وليس عن‬
 ‫مالك، إنما قاله بعض أصحابه. وسائر أهل العلم على خالفه. وأنه ال يلزمه شىء حتى يتيقن، كما لو‬
                                                                             ‫شك: هل حلف أو ال؟‬
                                                 ‫فإن قيل: فينبغى أن يلزمه كفارة يمين، ألنها األقل.‬
               ‫قيل: موجب األيمان مختلف. فما من يمين إال وهى مشكوك فيها، هل حلف بها أم ال؟‬

‫(41/88)‬




       ‫ص -271- وعلى قول شيخنا: يلزمه كفارة يمين حسب، ألن ذلك موجب األيمان كلها عنده.‬
                                                                                             ‫فصل‬
‫وأما من حلف ليفعلن كذا ولم يعين وقتا. فعند الجمهور هو على التراخى إلى آخر عمره، إال أن يعين‬
                     ‫بنيته وقتا، فيتقيد به. فإن عزم الترك بالكلية حنث حالة عزمه، نص عليه أحمد.‬
    ‫وقال مالك: هو على حنث حتى يفعل، فيحال بينه وبين امرأته إلى أن يأتى بالمحلوف، عليه وهذا‬
  ‫صحيح على أصله فى سد الذرائع، فإنه إذا كان على التراخى إلى وقت الموت لم يكن لليمين فائدة،‬
 ‫وصار ال فرق بين الحلف وعدمه، والحمل فى ذلك على القرينة والعرف، وإن لم تكن نية. وال يكاد‬
                                                                     ‫اليمين يتجرد عن هذه الثالثة.‬
                                                                                             ‫فصل‬
 ‫وأما تعليق الطالق بوقت يجئ ال محالة، كرأس الشهر والسنة، وآخر النهار ونحوه. فللفقهاء فى ذلك‬
                                                                                     ‫أربعة أقوال:‬
 ‫أحدها: أنها ال تطلق بحال، وهذا مذهب ابن حزم، واختيار أبى عبد الرحمن الشافعى، وهو من أجل‬
                                                                                 ‫أصحاب الوجوه.‬
           ‫وحجتهم: أن الطالق ال يقبل التعليق بالشرط، كما ال يقبله النكاح والبيع واإلجارة واإلبراء.‬
‫قالوا: والطالق ال يقع فى الحال، وال عند مجئ الوقت. أما فى الحال فألنه لم يوقعه منجزا، وأما عند‬
 ‫مجئ الوقت فألنه لم يصدر منه طالق حينئذ، ولم يتجدد سوى مجئ الزمان. ومجئ الزمان ال يكون‬
                                                                                            ‫ا‬
                                                                                           ‫طالقً.‬
    ‫وقابل هذا القول آخرون، وقالوا: يقع الطالق فى الحال، وهذا مذهب مالك، وجماعة من التابعين.‬

‫(41/001)‬
‫ص -371- وحجتهم أن قالوا: لو لم يقع فى الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت، وذلك غير جائز‬
   ‫فى الشرع، ألن استباحة الوطء فيه ال تكون إال مطلقاً غير مؤقت، ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول‬
  ‫األجل فيه، وكذلك وطء المكاتبة. أال ترى أنه لو عرى من األجل، بأن يقول: إن جئتنى بألف درهم‬
                                                                 ‫فأنت حرة، لم يمنع ذلك الوطء.‬
 ‫قال الموقعون عند األجل: ال يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم االبتداء، فإن الشريعة فرقت بينهما‬
    ‫فى مواضع كثيرة، فإن ابتداء عقد النكاح فى اإلحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة‬
  ‫فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على األمة مع الطول وعدم خوف العنت فاسد، دون دوامه، وابتداء‬
                   ‫ا‬
                  ‫عقده على الزانية فاسد عند أحمد ومن وافقه دون دوامه. ونظائر ذلك كثيرة جدً.‬
   ‫قالوا: والمعنى الذى حرم ألجله نكاح المتعة: كون العقد مؤقتا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما‬
 ‫عرض له ما يبطله ويقطعه، فال يبطل، كما لو علق الطالق بشرط وهو يعلم أنها تفعله، أو يفعله هو‬
                                                                     ‫وال بد، ولكن يجوز تخلفه.‬
 ‫ا‬
 ‫والقول الثالث: أنه إن كان الطالق المعلق بمجئ الوقت المعلوم ثالثاً وقع فى الحال، وإن كان رجعيً‬
  ‫لم يقع قبل مجيئه، وهذا إحدى الروايتين عن اإلمام أحمد، نص عليه فى رواية مهنا: "إذا قال: أنت‬
      ‫طالق ثالثاً قبل موتى بشهر: هى طالق الساعة. كان سعيد بن المسيب والزهرى ال يوقتون فى‬
                           ‫ً‬
 ‫الطالق". قال مهنا: فقلت له: "أفتزوج هذه التى قال لها: أنت طالق ثالثا قبل موتى بشهر؟"، قال "ال:‬
                                               ‫ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت" هذا لفظه.‬
               ‫وهو فى غاية اإلشكال، فإنه قد أوقع عليها الطالق منجزاً، فكيف يمنعها من التزويج؟‬

‫(41/101)‬




 ‫ص -471- وقوله "يمسك عن الوطء أبدا" يدل على أنها زوجته إال أنه ال يطأها، وهذا ال يكون مع‬
                                    ‫وقوع الطالق. فإن الطالق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها.‬
   ‫فقد يقال: أخذ باالحتياط فأوقع الطالق، ومنعها من التزويج للخالف فى ذلك فحرم وطأها وهو أثر‬
                               ‫الطالق، ومنعها من التزويج ألن النكاح لم ينقطع بإجماع وال نص.‬
           ‫ا‬
  ‫ووجه هذا: أنه إذا كان الطالق ثالثاً لم يحل وطؤها بعد األجل. فيصير حال الوطء مؤقتً، وإن كان‬
              ‫رجعياً جاز له وطؤها بعد األجل. فال يصير الحال مؤقتا، وهذا أفقه من القول األول.‬
 ‫والقول الرابع: أنها ال تطلق إال عند مجئ األجل، وهو قول الجمهور. وإنما تنازعوا، هل هو مطلق‬
   ‫فى الحال، ومجئ الوقت شرط لنفوذ الطالق، كما لو وكله فى الحال. وقال: ال تتصرف إلى رأس‬
 ‫الشهر فمجئ رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، ال بحصول الوكالة، بخالف ما إذا قال: إذا جاء رأس‬
   ‫ً‬
‫الشهر فقد وكلتك. وهذا يفرق الشافعى بينهما. فيصحح األولى ويبطل الثانية، أو يقال: ليس مطلقا فى‬
    ‫الحال. وإنما هو مطلق عند مجئ األجل، فيقدر حينئذ أنه قال: أنت طالق. فيكون حصول الشرط‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫وتقدير حصول: أنت طالق معً. فعلى التقدير األول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير‬
 ‫الثانى: نفس السبب تأخر تقدير إلى مجئ الوقت. وكأنه قال إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك:‬
                                    ‫أنت طالق فإذا جاء رأس الشهر قدر قائالً لذلك اللفظ المتقدم.‬
     ‫فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة. فإذا وجد الشرط وجدت العلة فيصير وجودها‬
     ‫مضافاً إلى الشرط، وقيل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخالف الوجوب. فإنه ثابت قبل مجئ‬
     ‫الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطالق، والشرط الدخول،‬
                                           ‫وتأثيره فى امتناع وجود العلة قبله، فإذا وجد وجدت.‬
‫وأصحاب الشافعى يقولون: أثر الشرط فى تراخى الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى‬
                                            ‫وقت مجئ الشرط، فالمتقدم عله قد تأخر تأثيرها إلى‬

‫(41/201)‬




                                                                                 ‫مجئ الشرط.‬

‫(41/301)‬




                                                                            ‫ص -571- فصل‬
   ‫وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك، فى إحدى الروايتين عنه: أن من شك هل انتقض‬
                                                 ‫ا‬
‫وضوءه أم ال؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطً، وال يدخل فى الصالة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة‬
                                                                             ‫نزاع بين الفقهاء.‬
  ‫وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك فى الرواية األخرى عنه:‬
             ‫إنه ال يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء الذى تيقنه وشك فى انتقاضه.‬
    ‫واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل‬
                                                                                                    ‫تعالى عليه وآله وسلم:‬
  ‫ْرج م م ِ َت ي مع‬                          ‫ال‬         ‫َ ع ه رج م ه‬                      ‫ً‬        ‫ن‬           ‫َ حد ُ‬           ‫ِ‬
  ‫"إذَا وَجدَ أَ َ ُكمْ فى بَطْ ِهِ شَيْئا فَأَشْكلَ َلَيْ ِ: أَخَ َ َ ِنْ ُ شَىْ أمْ َ؟ فَالَ يَخ ُ ُ ِنَ ال َسْجدِ ح َّى َسْ َ َ‬
                                                                                                         ‫ي َِ ر ا‬           ‫ص‬
                                                                                                       ‫َوْتاً أَوْ َجد ِيحً".‬
                                                                                                ‫وهذا يعم المصلى وغيره.‬
      ‫وأصحاب القول األول يقولون: الصالة ثابته فى ذمته بيقين، وهو يشك فى براءة الذمة منها بهذا‬
‫الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هى صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، وألنه‬
                                              ‫شك فى شرط الصالة: هل هو ثابت أم ال؟ فال يدخل فيها بالشك.‬
  ‫واآلخرون يجيبون عن هذا بأنها صالة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك فى بطالنها فال يلتفت إلى‬
‫الشك، وال يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنه ال يجب عليه غسله، وقد‬
                                                                                                   ‫دخل فى الصالة بالشك.‬
                                                                                                      ‫ففرقوا بينهما بفرقين.‬
‫أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا ال يجب نيته، وإنما هو مانع، واألصل عدمه، بخالف‬
                                                    ‫الوضوء، فإنه شرط، وقد شك فى ثبوته، فأين هذا من هذا؟.‬
                                                          ‫ا‬
      ‫الثانى: أنه قد كان قبل الوضوء محدثً، وهو األصل فيه. فإذا شك فى بقائه كان ذلك رجوعاً إلى‬
 ‫األصل. وليس األصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك فى حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا‬
                                                       ‫يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.‬

‫(41/401)‬




‫ص -371- قال اآلخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هى األصل، فإذا شككنا فى‬
                                    ‫ا‬     ‫ال‬     ‫ا‬
                                  ‫الحدث رجعنا إليه، فأين هذا من الوسواس المذموم شرعً، وعق ً وعرفً؟.‬
                                                                                                                           ‫فصل‬
   ‫وأما قولكم: إن من خفى عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله: فليس هذا من باب‬
   ‫الوسواس، وإنما ذلك من باب ما ال يتم الواجب إال به. فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه وال‬
                                          ‫يعلمه بعينه، وال سبيل إلى العلم بأداء هذا الواجب إال بغسل جميعه.‬
                                                                                                                           ‫فصل‬
                                        ‫وأما مسألة الثياب التى اشتبه الطاهر منها بالنجس، فهذه مسألة نزاع.‬
‫فذهب مالك، فى رواية عنه، وأحمد: إلى أنه يصلى فى ثوب بعد ثوب، حتى يتيقن أنه صلى فى ثوب‬
                                                                                            ‫طاهر.‬
    ‫وقال الجمهور، ومنهم أبو حنيفة، والشافعى، ومالك، فى الرواية األخرى: إنه يتحرى فيصلى فى‬
                                                  ‫واحد منها صالة واحدة، كما يتحرى فى القبلة.‬
                                                 ‫ا‬
  ‫وقال المزنى وأبو ثور: "بل يصلى عريانً وال يصلى فى شىء منها، ألن الثوب النجس فى الشرع‬
      ‫كالمعدوم، والصالة فيه حرام، وقد عجز عن السترة بثوب طاهر، فيسقط فرض السترة"، وهذا‬
                                                                                  ‫أضعف األقوال.‬
‫والقول بالتحرى هو الراجح الظاهر، سواء كثر عدد الثياب الطاهرة أو قل. وهو اختيار شيخنا. وابن‬
               ‫عقيل يفصل، فيقول: "إن كثر عدد الثياب تحرى دفعاً للمشقة، وإن قل عمل باليقين".‬
   ‫قال شيخنا: "اجتناب النجاسة من باب المحظورات، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها‬
  ‫فصلى فيه، لم يحكم ببطالن صالته بالشك، فإن األصل عدم النجاسة، وقد شك فيها فى هذا الثوب،‬
                                        ‫فيصلى فيه، كما لو استعار ثوباً أو اشتراه وال يعلم حاله".‬

‫(41/501)‬




     ‫ص -771- وقول أبى ثور فى غاية الفساد. فإنه لو تيقن نجاسة الثوب لكانت صالته فيه خيرً‬
     ‫ا‬
                                        ‫وأحب إلى اهلل من صالته عرياناً، بادى السوءة للناظرين.‬
                                                     ‫وبكل حال فليس هذا من الوسواس المذموم.‬
                                                                                             ‫فصل‬
                                       ‫وأما مسألة اشتباه األوانى فكذلك ليست من باب الوسواس.‬
                                                            ‫ا‬
                                                           ‫وقد اختلف فيها الفقهاء اختالفاً متباينً.‬
            ‫فقال أحمد: "يتيمم ويتركها، وقال مرة يريقها ويتيمم، ليكون عادماً للماء الطهور بيقين".‬
     ‫وقال أبو حنيفة: "إن كان عدد األوانى الطاهرة أكثر، تحرى، وإن تساوت أو كثرت النجسة، لم‬
                                                     ‫ال‬
                              ‫يتحر". وهذا اختيار أبى بكر وابن شاق ً والنجاد من أصحاب أحمد.‬
                                               ‫وقال الشافعى وبعض المالكية: "يتحرى بكل حال".‬
                         ‫وقال عبد الملك بن الماجشون: "يتوضأ بكل واحد منها وضوءا ويصلى".‬
‫وقال محمد بن مسلمة من المالكية: "يتوضأ من أحدها ويصلى، ثم يغسل ما أصابه منه، ثم يتوضأ من‬
                                                                                  ‫اآلخر ويصلى".‬
  ‫وقالت طائفة- منهم شيخنا- يتوضأ من أيها شاء، بناء على أن الماء ال ينجس إال بالتغير، فتستحيل‬
                               ‫المسألة، وليس هذا موضع ذكر حجج هذه األقوال وترجيح راجحها.‬
                                                                                             ‫فصل‬
           ‫وأما إذا اشتبهت عليه القبلة، فالذى عليه أهل العلم كلهم: أنه يجتهد ويصلى صالة واحدة.‬

‫(41/301)‬




  ‫ص -171- وشذ بعض الناس فقال: يصلى أربع صلوات إلى أربع جهات، وهذا قول شاذ مخالف‬
  ‫للسنة، وإنما التزمه قائله فى مسألة اشتباه الثياب، وهذا ونحوه من وجوه االلتزامات عند المضايق،‬
                                          ‫طرداً لدليل المستدل مما ال يلتفت إليها، وال يعول عليها.‬
     ‫ونظيره: التزام من التزم اشتراط النية إلزالة النجاسة، لما ألزمهم أصحاب أبى حنيفة بذلك، قال‬
                                                                                ‫بعضهم: نقول به.‬
   ‫ونظيره: إدراك الجمعة والجماعة بإدراك تكبيرة مع اإلمام، لما ألزمت الحنفية من نازعها فى ذلك‬
                                    ‫بالتسوية بين الجمعة والجماعة التزمه بعضهم، وقال: نقول به.‬
                                                                                             ‫فصل‬
             ‫وأما من ترك صالة من يوم ال يعلم عينها، فاختلف الفقهاء فى هذه المسألة على أقوال.‬
 ‫أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات. نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والشافعى، وأبى حنيفة وإسحاق،‬
                                              ‫ألنه ال سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينا إال بذلك.‬
  ‫القول الثانى: أنه يصلى رباعية ينوى بها ما عليه. ويجلس عقيب الثانية والثالثة والربعة. وهذا قول‬
    ‫األوزاعى، وزفر بن الهذيل، ومحمد بن مقاتل من الحنفية، بناء على أنه يخرج من الصالة بدون‬
  ‫الصالة على النبى صلى اهلل تعالى وآله عليه وسلم، وبدون السالم، وأن نية الفرضية تكفى من غير‬
‫تعيين، كما فى الزكاة، وال يضر جلوسه عقيب الثالثة، إن كانت المنسية رباعية، ألنه زيادة من جنس‬
                                                                      ‫الصالة، ال على وجه العمد.‬
 ‫القول الثالث: أنه يجزيه أن يصلى فجراً، ومغربا ورباعية ينوى ما عليه. وهذا قول سفيان الثورى،‬
                                                                                ‫ومحمد بن الحسن.‬
                                ‫ويخرج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفى من غير تعيين.‬
                                                     ‫ي‬
 ‫وقد قال عبد اهلل بن أحمد: سمعت أبى ُسأل: ما تقول فى رجل ذكر أن عليه صالة لم يعينها، فصلى‬
       ‫ركعتين وجلس وتشهد، ونوى بها الغداة ولم يسلم، ثم قام فأتى بركعه وجلس وتشهد ونوى بها‬
                   ‫ا‬
 ‫المغرب، وقام ولم يسلم، وأتى برابعة ثم جلس، فتشهد ونوى بها ظهراً أو عصرً أو عشاء اآلخرة ثم‬
                                          ‫سلم؟ فقال له أبى: "هذا يجزيه، ويقضى عنه على مذهب العراقيين،‬

‫(41/701)‬




           ‫ذ َ َم ص تك‬                    ‫ق‬
         ‫ص -871- ألنهم اعتمدوا فى التشهد على خبر ابن مسعود: "إذَا ُلْتَ ه َا فَقدْ ت َّتْ َالَ ُ َ".‬
‫وأما على مذهب صاحبنا أبى عبد اهلل الشافعى، ومذهبنا: ال يجزئ عنه، ألنا نذهب إلى قوله صلى اهلل‬
                                                                                                  ‫تعالى عليه وآله وسلم:‬
                                                                                     ‫ْر م الت ر و ل له الت م‬
                                                                                   ‫"تَح ِي ُهَا َّكْبِي ُ َتَحِْيُ َا َّسْلِي ُ".‬
                  ‫ونذهب إلى الصالة على رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فيها"، وهذا لفظه.‬
 ‫قال أبو البركات: "هذا من أحمد يبين أن قضاء الواحدة ال يجزيه، لتعذر التحليل المعتبر ال لفوات نية‬
‫التعيين، فإذا قضى ثالثاً كما قال الثورى- اندفع المفسد- وبكل حال فليس فى هذا راحة للموسوسين".‬
                                                                                                                          ‫فصل‬
                              ‫وأما من شك فى صالته، فإنه يبنى على اليقين، ألنه ال تبرأ ذمته منه بالشك.‬
                         ‫وأما تحريم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بالجرح أو بالماء؟ وتحريم أكله‬

‫(41/101)‬




   ‫ص -011- إذا خالط كالبه كلبا من غيره، فهو الذى أمر به رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
   ‫وسلم، ألنه قد شك فى سبب الحل، واألصل فى الحيوان التحريم. فال يستباح بالشك فى شرط حله،‬
     ‫بخالف ما إذا كان األصل فيه الحل. فإنه ال يحرم بالشك فى سبب تحريمه كما لو اشترى ماء أو‬
                                                                                      ‫ا‬
    ‫طعامً، أو ثوباً ال يعلم حاله، جاز شربه وأكله ولبسه. وإن شك هل تنجس أم ال؟ فإن الشرط متى‬
                                                   ‫سبق اعتباره، أو كان األصل عدم المانع، لم يلتفت إلى ذلك.‬
 ‫فاألول: كما إذا أتى بلحم ال يعلم: هل سمى عليه ذابحه أم ال؟. وهل ذكاه فى الحلق واللبة، واستوفى‬
           ‫شروط الذكاة أم ال؟ لم يحرم أكله، لمشقة التفتيش عن ذلك وقد قالت عائشة رضى اهلل عنها:‬
    ‫َم‬                  ‫ع َ‬                     ‫ْ َ َر‬              ‫ل ْ‬          ‫ْر ي ت‬            ‫ي رس هلل ن ا م‬
  ‫" َا َ ُولَ ا ِ، إ ّ نَاسً ِنَ األع َابَ َأْ ُونَنَا بِاّلحمِ، ال نَدرِى أذَك ُوا اسْمَ اهللِ َلَيْهِ أمْ ال؟ فَقَالَ: س ُّوا‬
                                                                                                                     ‫ُ وكل‬
                                                                                                                 ‫أَنْتمْ َ ُُوا".‬
                                                       ‫مع أنه قد نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسم اهلل تعالى.‬
‫والثانى كما ذكرنا من الماء والطعام واللباس. فإن األصل فيها الطهارة، وقد شك فى وجود المتنجس،‬
                                                                                                         ‫فال يلتفت إليه.‬
                                                                                                                    ‫فصل‬
     ‫وأما ما ذكرتموه عن ابن عمر، وأبى هريرة رضى اهلل عنهما فشئ تفردا به، دون الصحابة ولم‬
         ‫ً‬
     ‫يوافق ابن عمر على ذلك أحد منهم، وكان ابن عمر رضى اهلل عنهما يقول: "إن بى وسواسا فال‬
                                                                                                             ‫تقتدوا بى".‬
‫وظاهر مذهب الشافعى وأحمد: أن غسل داخل العينين فى الوضوء ال يستحب، وإن أمن الضرر. ألنه‬
 ‫لم ينقل عن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم أنه فعله قط، وال أمر به، وقد نقل وضوءه جماعة‬
                                                     ‫رب‬
    ‫كعثمان، وعلى، وعبد اهلل بن زيد، وال ُّيع بنت معوذ وغيرهم، فلم يقل أحد منهم إنه غسل داخل‬
  ‫عينيه. وفى وجوبه فى الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه ال يجب، وهو قول الجمهور. وعلى‬
            ‫هذا فال يجب غسلهما من النجاسة، وأولى ألن المضرة به أغلب لزيادة التكرار والمعالجة.‬

‫(41/801)‬




 ‫ص -111- وقالت الشافعية والحنفية: يجب، ألن إصابة النجاسة لهما تندر، فال يشق غسلهما منها.‬
    ‫وغال بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما فى الوضوء. وهو قول ال يلتفت إليه وال‬
                                                                                        ‫ر‬
                       ‫يع ّج عليه. والصحيح أنه ال يجب غسلهما فى وضوء وال جنابة وال من نجاسة.‬
  ‫وأما فعل أبى هريرة رضى اهلل عنه فهو شئ تأوله، وخالفه فيه غيره، ينكرونه عليه، وهذه المسألة‬
                                                ‫تلقب بمسألة إطالة الغرة، وإن كانت الغرة فى الوجه خاصة.‬
                                                  ‫وقد اختلف الفقهاء فى ذلك، وفيها روايتان عن اإلمام أحمد.‬
   ‫إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعى، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.‬
                                  ‫والثانية: ال يستحب، وهى مذهب مالك، وهى اختيار شيخنا أبى العباس.‬
                                                ‫فالمستحبون يحتجون بحديث أبى هريرة رضى اهلل عنه قال:‬
    ‫قي مة م َ وض ء‬                         ‫ع و ل وسَّم ُم ُر م َج ن‬                                 ‫َ رس ل هلل صل هلل‬
   ‫قَال َ ُو ُ ا ِ َّى ا ُ تَعَالى َليْه َآِه َ َل َ: "أَنْت ُ الْغ ُّ ال ُح َّلو َ يوْمَ ال ِ َا َ ِ ِنْ أَثرِ الْ ُ ُو ِ،‬
                                                          ‫ع م ُ ْ ي ِ غر و ج ه‬
          ‫فَمنِ اسْتَطَا َ ِنْكم فَلْ ُطلْ َّته َتَحْ ِيلَ ُ" متفق عليه، وألن الحلية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ‬
                                                                                                               ‫الوضوء.‬
       ‫َد ُد د ال‬             ‫ن‬
       ‫قال النافون لالستحباب: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "إ ّ اهلل ح َّ ح ُو ًا فَ َ‬
                                                                                                                      ‫َد‬
                                                                                                                ‫تَعْت ُوهَا".‬
 ‫واهلل سبحانه قد حد المرفقين والكعبين، فال ينبغى تعديهما، وألن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
    ‫وسلم لم ينقل من نقل عنه وضوءه أنه تعداهما، وألن ذلك أصل الوسواس ومادته، وألن فاعله إنما‬
        ‫يفعله قربة وعبادة، والعبادات مبناها على االتباع، وألن ذلك ذريعة إلى الغسل إلى الفخذ، وإلى‬
                                                                                                                   ‫الكتف.‬
  ‫وهذا مما ال يعلم أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه لم يفعلوه وال مرة واحدة، وألن‬
                                  ‫و غُو الد ن‬
                                ‫هذا من الغلو، وقد قال صلى اهلل تعالى عليه وسلم: "إياكمْ َالْ ُل َّ فى َّي ِ".‬
                ‫وألنه تعمق، وهو منهى عنه، وألنه عضو من أعضاء الطهارة، فكره مجاوزته كالوجه.‬

‫(41/011)‬




    ‫ص -211- وأما الحديث فراويه عن أبى هريرة رضى اهلل تعالى عنه نعيم المجمر. وقد قال: "ال‬
  ‫أدرى قوله: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، من قول رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                  ‫وسلم، أو من قول أبى هريرة رضى اهلل عنه؟"، روى ذلك عنه اإلمام أحمد فى المسند.‬
                       ‫وأما حديث الحلية، فالحليه المزينة ما كان فى محله، فإذا جاوز محله لم تكن زينة.‬
                                                                                                                     ‫فصل‬
     ‫وأما قولكم: إن الوسواس خير مما عليه أهل التفريط واالسترسال، وتمشية األمر كيف اتفق، وإلى‬
                                                                                                                    ‫آخره.‬
  ‫فلعمر اهلل إنهما لطرفاً إفراط وتفريط، وغلو وتقصير، وزيادة ونقصان، وقد نهى اهلل سبحانه وتعالى‬
                                                                              ‫عن األمرين فى غير موضع. كقوله:‬
‫{ َال تجْ َلْ ي َكَ َغُْولَةً ِلَى ُ ُقِ َ َال تَبْ ُطْهَا ك َّ الْ َسْ ِ} [اإلسراء: 82]. َقوله: { َآتِ َا الْقرْ َى حَ ّ ُ‬
‫و ذ ُ ب قه‬                      ‫و‬                 ‫ُل ب ط‬              ‫ع َد م ل إ عن ك و س‬                               ‫و‬
         ‫َ َّذ ذ ق َ ي ْ ِف وَ‬                                                   ‫و م ك ن و الس ل و تب َّ‬
       ‫َال ِسْ ِي َ َابْنَ َّبِي ِ َال ُ َذرْ تبذيرا} [اإلسراء: 32]. وقوله: {وال ِينَ إ َا أَنْف ُوا لمْ ُسر ُوا َلمْ‬
 ‫إنه ي ِب م ْرف ن‬                          ‫وكل و ْر‬                             ‫َ و ا‬            ‫يت و نب‬
‫َقْ ُروا َكَا َ َيْنَ ذلِك قَ َامً} [الفرقان: 73]. وقوله { َ ُُوا َاش ِبوا وال تسرفوا ِ ّ ُ ال ُح ُّ ال ُس ِ ِي َ}‬
 ‫[األعراف: 13] فدين اهلل بين الغالى فيه والجافى عنه. وخير الناس النمط األوسط، الذين ارتفعوا عن‬
                  ‫ا‬
      ‫تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل اهلل سبحانه هذه األمة وسطً، وهى الخيار‬
‫العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط. واآلفات إنما‬
              ‫ينتظرون إلى األطراف، واألوساط محمية بأطرافها، فخيار األمور أوساطها. قال الشاعر:‬
                                           ‫بح َ َ‬         ‫و دث َت‬                               ‫ه و ط م م‬
                                        ‫كانَتْ ِىَ ال َسَ ُ ال َحْ ِى، فَاكْتَنَفَتْ بهَا الحَ َا ِ ُ ح َّى أَصْ َ َتْ طرفَا‬
                                                                                                               ‫فصل‬
    ‫ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إال من لم يرد اهلل تعالى فتنته: ما أوحاه‬
                               ‫قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل األمر فيها إلى‬

‫(41/111)‬




    ‫ص -311- أن عبد أربابها من دون اهلل، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل،‬
  ‫وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع‬
                                                                                                         ‫اهلل تعالى.‬
               ‫وكان أول هذا الداء العظيم فى قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم فى كتابه، حيث يقول:‬
      ‫ع ن َاتبع م َ َ ِ ه له ووَده إ س ر و ر م ْر كب ر و ل‬                                              ‫ن حر‬
 ‫{قَالَ ُو ٌ َب إنهم َصَوْ ِى و َّ َ ُوا َنْ لمْ يزدْ ُ مَاُ ُ َ َل ُ ُ ِال خَ َا ًا َمَك ُوا َك ًا َّا ًا َقَاُوا ال‬
                  ‫ر‬         ‫َل‬      ‫َ َ ُن له ك و َ َ ُن و و سو و يغ ويع و ْر َ َ‬
  ‫تذر َّ آِ َتَ ُمْ َال تذر َّ َدا َال ُ َاعًا َال َ ُوثَ َ َ ُوقَ َنَس ًا وقدْ أَضُّوا كَثِي ًا} [نوح: 12-42].‬
   ‫قال ابن جرير: "وكان من خبر هؤالء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن‬
                                  ‫ا‬
‫موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قومً صالحين من بنى آدم. وكان لهم أتباع‬
                              ‫ر‬
 ‫يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صو ّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة‬
                                               ‫ب‬
  ‫إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون د ّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم‬
    ‫يسقون المطر، فعبدوهم". قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عليهما السالم‬
  ‫عشرة قرون، كلهم على اإلسالم". حدثنا ابن عبد األعلى حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فى‬
                    ‫د‬
 ‫هذه اآلية قال: "كانت آلهة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان و ّ لكلب بدومة الجندل،‬
  ‫وكان سواع لهذيل. وكان يغوث لبنى غطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لذى الكالع‬
        ‫من حمير". وقال الوالبى، عن ابن عباس: "هذه أصنام كانت تعبد فى زمان نوح عليه السالم".‬
  ‫وقال البخارى: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس:‬
    ‫"صارت األوثان التى كانت فى قوم نوح فى العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما‬
  ‫سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبنى غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت‬

‫(41/211)‬
                                                            ‫لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير آلل ذى الكالع،‬

‫(41/311)‬




      ‫ص‬
   ‫ص -411- أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْ ُبوا‬
                                                          ‫ا‬
   ‫إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون أنصابً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك،‬
                                                                                                  ‫ونسى العلم، عبدت".‬
                                                    ‫ا‬
    ‫وقال غير واحد من السلف: كان هؤالء قومً صالحين فى قوم نوح عليه السالم، فلما ماتوا عكفوا‬
                                                                                   ‫و‬
                                          ‫على قبورهم، ثم ص ّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم األمد فعبدوهم.‬
    ‫فهؤالء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول اهلل‬
           ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضى اهلل عنها:‬
  ‫ه و ل و م ن س ر ه بأ ْض‬                         ‫هلل ع ه َر ِرس هلل صل هلل‬                  ‫َن ُم س م َ ر‬
  ‫"أ َّ أ َّ َل َة َضىَ ا ُ َنْ َا ذَك َتْ ل َ ُولِ ا ِ َّى ا ُ تَعالى علي ِ َآِه َسل َ كَ ِي َة َأَتْ َا َِر ِ‬
                     ‫رس ل هلل‬            ‫ري َ َر ه م ر ف م الص َر‬                                ‫ي ل‬         ‫حب‬
 ‫الْ َ َشَةِ، ُقَا ُ لهَا: مَا ِ َة. فذَ ك َتْ لَ ُ َا َأَتْ ِيهَا ِنَ ُّو ِ. فَقَالَ َ ُو ُ ا ِ صلى اهلل تعالى عليه‬
           ‫الر ُل لص لح ب ع ْ ه م ِد‬                       ‫سل أ ل َ م ذ م َ ف ِم ع ْد الص لح‬
         ‫وآله و َّم: ُوِئك قَوْ ٌ إ َا َات ِيه ُ الْ َب ُ َّاِ ُ، أوِ َّج ُ ا َّاِ ُ، َنَوْا َلَى قَبرِ ِ َسْج ًا،‬
                                                       ‫و َّر ف ه ت الص َ أ ل ك ِر ر خ ع هلل‬
                                             ‫َصَو ُوا ِي ِ ِلْكَ ُّورَ، ُوِئ َ ش َا ُ الْ َلقِ ِنْدَ ا ِ تَعالَى".‬
                                                                                     ‫وفى لفظ آخر فى الصحيحين:‬
                                                                             ‫أن ُم ح ب وُم س م َر يس ً ر‬
                                                                  ‫" َّ أ َّ َبي َةَ َأ َّ َل َةَ ذَك َتَا كنَ ِ َة َأَيْنَهَا".‬
                                ‫فجمع فى هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة الالت.‬
                                              ‫فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد:‬
                                                                         ‫و ُز‬         ‫َر ُم ال‬
  ‫{أف َأيْت ُ َّالتَ َالْع َّى} [النجم: 81]. قال: "كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على قبره". وكذلك‬
                            ‫قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضى اهلل عنهما: "كان يلت السويق للحاج".‬
                                               ‫ا‬                 ‫َد‬
‫فقد رأيت أن سبب عبادة و ّ ويغوث ويعوق ونسرً والالت إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها‬
                                   ‫التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم.‬
                                                                       ‫قال شيخنا: "وهذه العلة التى ألجلها نهى‬

‫(41/411)‬
                                      ‫ا‬
‫الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هى التى أوقعت كثيرً من األمم إما فى الشرك األكبر، أو فيما‬
        ‫دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طالسم‬
‫للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذى يعتقد صالحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة‬
                                                    ‫ا‬
  ‫أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرً يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم‬
                                                                                                                      ‫عبادة‬

‫(41/511)‬




   ‫ص -511- ال يفعلونها فى بيوت اهلل، وال وقت السحر. منهم من يسجد لها. وأكثرهم يرجون من‬
      ‫بركة الصالة عندها والدعاء ما ال يرجونه فى المساجد. فألجل هذه المفسدة حسم النبى صلى اهلل‬
   ‫تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصالة فى المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة‬
‫البقعة بصالته، كما يقصد بصالته بركة المساجد، كما نهى عن الصالة وقت طلوع الشمس وغروبها،‬
        ‫ألنها أوقات يقصد المشركون الصالة فيها للشمس. فنهى أمته عن الصالة حينئذ، وإن لم يقصد‬
                                                                     ‫المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة".‬
                                               ‫ا‬
  ‫قال: وأما إذا قصد الرجل الصالة عند القبور متبركً بالصالة فى تلك البقعة، فهذا عين المخادعة هلل‬
‫ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به اهلل تعالى. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه‬
   ‫باالضطرار من دين رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم أن الصالة عند القبور منهى عنها،‬
   ‫وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصالة عندها واتخاذها مساجد،‬
‫وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبى عليه الصالة والسالم بالنهى عن ذلك والتغليظ‬
            ‫فيه. فقد صرح عامة الطوائف بالنهى عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة‬
  ‫الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعى بتحريم ذلك. وطائفة أطلقت‬
       ‫الكراهة. والذى ينبغى أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن ال يظن بهم أن‬
    ‫يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهى عنه. ففى‬
                                                                ‫صحيح مسلم عن جندب بن عبد اهلل البجلى قال:‬
‫ْرأ إ هلل‬                 ‫س َ‬             ‫ي‬                 ‫هو‬            ‫هلل‬                ‫س ت‬
‫َمع ُ رسولَ اهلل صلى ا ُ تعالى علي ِ َآله وسلم قبل أنْ َموتَ بخمْ ٍ وَهو يقول: "إِنى أب َُ ِلى ا ِ‬
  ‫ت إ ْر ه ل ال و ك ت ُتخ م‬                               ‫َ ات ن ل‬                        ‫َإن‬      ‫ل‬        ‫يك ل م‬
‫أَنْ َ ُون ِى ِنْكمْ خَِيال. ف َّ اهللَ تَعَالى قدِ َّخَذَ ِى خَِيال، كما ا ّخَذَ ِب َا ِيم خَِي ً، َلَوْ ُنْ ُ مَّ ِذا ِنْ‬
                                                                                                   ‫ت ت‬            ‫ل‬      ‫ُم‬
                                                                                                   ‫أ َّتىِ خَِيالً ال ّخَذْ ُ‬
‫(41/311)‬




 ‫قب ر مس ِد‬            ‫َتخ‬                  ‫ب ِ ْ مس ِ‬            ‫َ ُ ن َتخذ َ قب‬                      ‫وِن م‬              ‫ْر‬
‫أَبَا بك ٍ خَليال أال َإ َّ َنْ كان قَبْلَكمْ كا ُوا ي َّ ِ ُون ُُورَ أَنْ ِيَائهم َ َاجدَ، أَال فَالَ ت َّ ِذوا الْ ُ ُو َ َ َاج َ،‬
                                                                                                          ‫ك ع ك‬
                                                                                                        ‫فإِنى أَنْهَا ُمْ َنْ ذلِ َ".‬
       ‫َق‬                         ‫هلل‬             ‫م ن ِرس‬
       ‫وعن عائشة وعبد اهلل بن عباس قاال: "ل ّا ُزلَ ب َ ُولِ اهلل صلى ا ُ تعالى عليه وآله وسلم طفِ َ‬
                    ‫ة عل يه د‬                        ‫وه ك ل‬                       ‫هه ِذ َم‬                    ‫رح م ص ه ع‬
                    ‫يَطْ َ ُ خَ ِي َةً ل ُ َلَى وَجْ ِ ِ. فَإ َا اغْت َّ كَشَفَهَا فَقَالَ: َ ُوَ َذِكَ، لَعْنَ ُ اهللِ ََى الْ َ ُو ِ‬

‫(41/711)‬




                                    ‫بي ه م ج ي ر ص ع‬                          ‫َالنص ر ت َذ قب‬
                      ‫ص -311- و َّ َا َى، اّخ ُوا ُُورَ أنْ ِ َائ ِم َسَا ِدَ، ُحذ ُ مَا َنَ ُوا" متفق عليه.‬
                                                             ‫وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى اهلل عنه:‬
   ‫بي ِ‬          ‫هلل َه د َالنص ر ت ذ قب‬                                                    ‫هلل‬              ‫َّ رس‬
 ‫أَن َ ُولَ اهللِ صلى ا ُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: "قَاتَلَ ا ُ الْي ُو َ و َّ َا َى، اّخَ ُوا ُ ُورَ أنْ ِ َائهمْ‬
                                                                                                                             ‫مس ِد‬
                                                                                                                           ‫َ َاج َ".‬
                                   ‫ب ِ مس ِد‬                ‫ع هلل يه د َالنص ر ت َذ قب‬
                                 ‫وفى رواية مسلم: "لَ َنَ ا ُ الْ َ ُو َ و َّ َا َى، ا ّخ ُوا ُ ُورَ أَنْ ِيَائهمْ َ َاج َ".‬
    ‫فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد فى آخر حياته، ثم إنه لعن وهو فى السياق من فعل ذلك من أهل‬
                                                                                       ‫الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.‬
    ‫َرض َّ َ ُ‬              ‫َ‬                    ‫هلل‬          ‫ل‬
  ‫قالت عائشة رضى اهلل عنها: قال رسو ُ اهلل صلى ا ُ تعالى عليه وآله وسلم فى م َ ِه الذِى لمْ يَقمْ‬
      ‫ْ ِ ب ه ْ أنه خش‬                          ‫بي ه مس ِد و‬                 ‫ات ذ قب‬          ‫م ه ع هلل يه د َالنص‬
‫ِنْ ُ: "لَ َنَ ا ُ الْ َ ُو َ و َّ َارَى َّخَ ُوا ُ ُورَ أَنْ ِ َائ ِمْ َ َاج َ، َلَوْال ذلِكَ ألبرزَ قَ ُر ُ غَيرَ َّ ُ ُ ِىَ أنْ‬
                                                                                                                 ‫ُت م ج ا‬
                                                                                                     ‫ي َّخَذَ َسْ ِدً" متفق عليه.‬
                                                             ‫وقولها: "خشى" هو بضم الخاء تعليال لمنع إبراز قبره.‬
   ‫وروى اإلمام أحمد فى مسنده بإسناد جيد عن عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه أن النبى صلى اهلل‬
‫قب ر‬         ‫ِن م ِر الن س م ُ رك ُم الس عة ه ي ء و َّذ َت ِذ‬
‫تعالى عليه وآله وسلم قال: "إ َّ ِنْ ش َار َّا ِ َنْ تدْ ِ ُه ُ َّا َ ُ وَ ُمْ أَحْ َا ٌ، َال ِينَ يَّخ ُونَ ال ُ ُو َ‬
                                                                                                                             ‫مس د‬
                                                                                                                           ‫َ َاج َ".‬
   ‫ع هلل يه ات َذ ب ر‬
   ‫وعن زيد بن ثابت أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: "لَ َنَ ا ُ الْ َ ُودَ َّخ ُوا ق ُو َ‬
                                                                                                            ‫بي ِ م ِد‬
                                                                                         ‫أنْ ِ َائهمْ َسَاج َ" رواه اإلمام أحمد.‬
      ‫قب ر و ُت ِذ َل ه‬               ‫سَز ر‬           ‫ع‬       ‫ل هلل‬         ‫ع رس ل‬
     ‫وعن ابن عباس قال: "لَ َنَ َ ُو ُ اهللِ صّى ا ُ تعالى َليْه و َلم َائ َاتِ ال ُُو ِ َالمَّخ ِينَ عَيْ َا‬
                                                                               ‫م ِد و ُّرج‬
                                                 ‫ال َسَاج َ َالس ُ َ" رواه اإلمام أحمد وأهل السنن.‬
‫وفى صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال:‬
  ‫القبر، القبر. وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضى اهلل عنهم ما نهاهم عنه نبيهم‬
                                                                                            ‫من الصالة‬

‫(41/111)‬




  ‫عند القبور. وفعل أنس رضى اهلل عنه ال يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه‬
                                      ‫قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر رضى اهلل تعالى عنه تنبه.‬
      ‫وقال أبو سعيد الخدرى رضى اهلل تعالى عنه: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
                                                          ‫َ و ح م‬                  ‫ْض ك ه م ِد إ‬
                                                        ‫"األر ُ ُل َا َسْج ٌ ِال الْمَقبرَةَ َالْ َما َ".‬
                                ‫رواه اإلمام أحمد وأهل السنن األربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان‬

‫(41/811)‬




 ‫ص -711- وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصالة إلى القبر، فال يكون القبر بين المصلى وبين القبلة.‬
   ‫فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى رحمه اهلل أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                                                                                             ‫وسلم قال:‬
                                                                  ‫لس عل قب ر و تص إ‬
                                                         ‫"ال تجِْ ُوا ََى ال ُُو ِ َال ُ َلوا ِلَيْهَا".‬
   ‫وفى هذا إبطال قول من زعم أن النهى عن الصالة فيها ألجل النجاسة، فهذا أبعد شئ عن مقاصد‬
                                          ‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه:‬
 ‫منها: أن األحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.‬
  ‫ومنها: أنه صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.‬
  ‫ومعلوم قطعاً أن هذا ليس ألجل النجاسة. فإن ذلك ال يختص بقبور األنبياء، وألن قبور األنبياء من‬
 ‫أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن اهلل حرم على األرض أن تأكل أجسادهم فهم فى‬
                                                                                     ‫قبورهم طريون.‬
                                                                 ‫ومنها: أنه نهى عن الصالة إليها.‬
  ‫ومنها: أنه أخبر أن األرض كلها مسجد، إال المقبرة والحمام. ولو كان ذلك ألجل النجاسة لكان ذكر‬
                                                               ‫الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.‬
        ‫ومنها: أن موضع مسجده صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم كان مقبرة للمشركين، فنبش قبورهم‬
                                                                    ‫ا‬
     ‫وسواها واتخذه مسجدً: ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى األرض ومهدها وصلى فيه، كما ثبت فى‬
                                                                                   ‫الصحيحين عن أنس بن مالك قال:‬
        ‫حى ي ل ُ بن‬                   ‫د‬      ‫ْل‬      ‫دن َ‬                ‫ه‬                         ‫"لَ ّا قدمَ النبى‬
       ‫ُّ صلى اهلل تعالى عليه وآل ِ وسلم الم ِي َة فَنزلَ بأَعَى الم ِينَةِ فى َ ّ ُقَا ُ لَهمْ: َ ُو‬      ‫م َِ‬
       ‫ة ُم َ َ إ‬                    ‫َ ه َ ب ع‬                              ‫هلل‬     ‫ْف َق ّبى‬                      ‫ع‬
     ‫َمْرو بْنِ عَو ٍ، فأ َامَ الن ُّ صلى ا ُ تعالى عليهِ وآله وسلم في ِمْ أرْ َعَ َشَرَةَ لَيْلَ ً، ث َّ أرْسلَ ِلى‬
  ‫ل ع ر حل ه‬               ‫ل هلل‬     ‫ظر إ الن‬
 ‫َالء َنىِ الن َّا ِ، فَجَا ُوا ُتَقَلدِى ُّ ُوفَ، َكَأَنى أَنْ ُ ُ ِلى َّبى صّى ا ُ عليْه وسّم َلَى َا َِت ِ،‬
                                                           ‫و‬     ‫السي‬         ‫ء م‬          ‫َّج ر‬        ‫م ب‬
                                           ‫َي ب‬                 ‫ق‬           ‫ه‬           ‫ر ه مأل بن َّج‬
                                          ‫وأبو بكر ِدفَ ُ، و َ ُ َ ِى الن َّارِ حَوْلَ ُ، حتى أَلْ َى بِفناءِ أبي أ ُّو َ.‬

‫(41/021)‬




         ‫م ِِ‬          ‫م و نه َر بب‬                   ‫َر‬      ‫ي ِب ي َلى ح ث َ ْر ه الص ة ويصل‬
        ‫وكان ُح ُّ أَنْ ُصِّ َ َيْ ُ أد َكَتْ ُ َّال ُ، َ ُ َّى فى م َابضِ الْغَن ِ، َأ ّ ُ أَم َ ِ ِنَاءِ ال َسْجد،‬
‫م لب ثمنه‬                        ‫ل‬            ‫ح طُ‬         ‫ج ر من‬             ‫ن‬                 ‫النج ر‬           ‫َ َ إ م‬
‫فأرْسلَ ِلى َإلٍَ بَنى َّ ّا ِ، فَقَالَ: يَا ب ِى الن ّا ِ، ثَا ِ ُونى ب َائِ ِكمْ هذَا. قَاُوا: ال واهللِ، َا نَطُْ ُ َ َ َ ُ‬
                                                                                                                 ‫هلل‬       ‫إ‬
                                                                                                                 ‫ِال إلى ا ِ‬

‫(41/121)‬




    ‫َ ّبى صل هلل‬                     ‫َرب‬         ‫ق ل ُ قب ر م ْرك ن‬                      ‫َ‬
    ‫ص -111- فكَان فيه ما أ ُو ُ لكمْ: ُ ُو ُ ال ُش ِ ِي َ. وفيه خ ِ ٌ. وفيه نخْل. فأمرَ الن ُّ َّى ا ُ‬
‫َف الن ْ ق لة‬          ‫َبالن ْ ق ع‬         ‫ر ِ س ي‬            ‫ُم‬        ‫ل قب ر ْرك َ نب‬                   ‫ل ع هو‬
‫تَعَاَى َليْ ِ َاله وسّم بِ ُُو ِ المش ِ ِين فَُ ِشَتْ، ث َّ بِالْخْ ِب فَ ُو َتْ. و َّخلِ فَ ُطِ َ. فَص ُّوا َّخلَ ِبَْ َ‬
                         ‫ي جز ن‬            ‫وجعل ي قل الص ْر‬               ‫ج‬             ‫م ِد وجعل عض د‬
          ‫ال َسْج ِ، َ ّ َُوا ِ َا َتَيْهِ الْحِ َارَةَ. َ َ َُوا َنْ ُُونَ َّخ َ. وهم َرْيَ ِ ُو َ، وذكر الحديث".‬
  ‫ومنها: أن فتنة الشرك بالصالة فى القبور ومشابهة عباد األوثان أعظم بكثير من مفسدة الصالة بعد‬
   ‫العصر والفجر. فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التى ال تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه‬
  ‫الذريعة القريبة التى كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج‬
 ‫منهم، واعتقاد أن الصالة عند قبورهم أفضل منها فى المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة هلل‬
    ‫ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبى صلى اهلل عليه وآله‬
                           ‫وسلم قصد منع هذه األمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم.‬
‫ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك ألجل النجاسة ألمكن أن يتخذ عليها المسجد مع‬
                                                          ‫ا‬
                                                         ‫تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعً.‬
  ‫ومنها: أنه قرن فى اللعن بين متخذى المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما فى اللعنة قرينان.‬
    ‫وفى ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كل ما لعن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فهو من‬
‫الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض‬
    ‫إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ المساجد‬
  ‫عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى اهلل سبحانه وتعالي عن المتغلبين على أمر أصحاب‬
                                                           ‫َت َن ع ِ م ج ا‬
                         ‫الكهف، أنهم قالوا: {لَن َّخذ َّ َلَيْهمْ َسْ ِدً} [الكهف: 12]. ومنها: أنه صلى اهلل‬

‫(41/221)‬




                                                                                           ‫تعالى عليه وآله وسلم قال:‬
                ‫ب ئ ِ م ِد‬                ‫ت َذ قب‬                ‫ب ع‬           ‫و ي َد َد‬                      ‫َْ‬       ‫ه َّ‬
              ‫"الل ُم ال تجْعل قَبْرِى َثَناً ُعْب ُ. اشْت َّ غَض ُ اهللِ َلَى قَوْمٍ ا ّخ ُوا ُ ُورَ أَنْ ِيَا ِهمْ َسَاج َ".‬
   ‫فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم ال تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو‬
                                                                          ‫توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.‬

‫(41/321)‬




   ‫ص -811- وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى اهلل تعالى‬
                                                             ‫ً‬
  ‫عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزما ال يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه:‬
  ‫صيغة "ال تفعلوا" وصيغة "إنى أنهاكم" ليس ألجل النجاسة، بل هو ألجل نجاسة الشرك الالحقة بمن‬
     ‫عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومواله، وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق‬
      ‫شهادة أن ال إله إال اهلل. فإن هذا وأمثاله من النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى‬
    ‫التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إال‬
 ‫معصية ألمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكلما‬
                           ‫كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.‬
                                               ‫عب‬
  ‫ولعمر اهلل، من هذا الباب بعينه دخل على َّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد األصنام‬
      ‫منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن فى طريقتهم وهدى اهلل أهل‬
 ‫التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التى أنزلهم اهلل إياها: من العبودية وسلب خصائص اإللهية عنهم.‬
                                                                                         ‫وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.‬
     ‫فأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم فى صورة التعظيم لهم. قال الشافعى: "أكره أن يعظم‬
                                                                       ‫ا‬
                            ‫مخلوق حتى يجعل قبره مسجدً، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس".‬
  ‫وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: األثرم فى كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه فقال- بعد‬
‫أن ذكر حديث أبى سعيد أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: "جعلت لى األرض مسجدا إال‬
  ‫المقبرة والحمام" وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر: أن النبى صلى‬
   ‫اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "نهى عن الصالة فى سبع مواطن، وذكر منها المقبرة" قال األثرم: إنما‬
       ‫كرهت الصالة فى المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، ألنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد".‬

‫(41/421)‬




                                                                                                       ‫ص -081- فصل‬
                                                                                                   ‫ا‬
                                                                                                  ‫ومن ذلك اتخاذها عيدً.‬
                                                                ‫والعيد: ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان.‬
   ‫ْم َ َ و ْم الن ر َأي م من ع د ل‬
   ‫فأما الزمان، فكقوله صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "يَو ُ عرفَةَ َيَو ُ َّحْ ِ و َّا ُ ِ ًى، ِي ُنَا أَهْ َ‬
                                                                                        ‫ه‬                      ‫إل َم‬
                                                                                       ‫ا ِسْال ِ". رواه أبو داود وغير ُ.‬
     ‫َ ِبال‬             ‫إ َ ت‬                 ‫ي رس‬
     ‫وأما المكان، فكما روى أبو داود فى سننه أن رجال قال: " َا َ ُولَ اهللِ، ِنى نذَرْ ُ أَنْ أَنْحرَ إ ِ ً‬
         ‫بَ ك‬                                ‫َ ِ‬         ‫عد م‬         ‫م رك ن‬                   ‫ب ونم‬                  ‫ب بو ة‬
        ‫ِ ُ َانَ َ، فقالَ: أَ ِها َثَ ٌ ِنْ أوْثَانِ ال ُشْ ِ ِي َ، أَوْ ِي ٌ ِنْ أَعْيادِهمْ؟ قالَ: ال. قال: فَأَوْفِ ِنذْرِ َ"‬
                                                                                          ‫عل ْ ع د‬
                                                                                       ‫وكقوله: "ال تَجْ َُوا قَبرِى ِي ًا".‬
    ‫والعيد: مأخوذ من المعاودة، واالعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذى بقصد االجتماع فيه‬
   ‫وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها اهلل‬
                                                    ‫تعالى عيداً للحنفاء، ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدا.‬
‫وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء اهلل باإلسالم أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر،‬
                                                               ‫و‬
    ‫وعيد النحر، وأيام منى، كما ع ّضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة،‬
                                                                                                        ‫ومنى، والمشاعر.‬
‫(41/521)‬




                                                                  ‫ا‬
           ‫ص -181- فاتخاذ القبور عيدً هو من أعياد المشركين التى كانوا عليها قبل اإلسالم، وقد‬
            ‫نهى عنه رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى سيد القبور، منبها به على غيره.‬
‫فقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد اهلل بن نافع أخبرنى ابن أبى ذئب عن سعيد‬
  ‫المقبرى عن أبى هريرة رضى اهلل تعالى عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
           ‫ك لغ ح ث ُ‬                        ‫ع ا و َل عَى ِن‬                    ‫عل‬        ‫عل بي ك ْ قب ر و‬
       ‫"ال تَجْ َُوا ُ ُوتَ ُم ُ ُو ًا، َال تَجْ َُوا قَبْرِى ِيدً، َصُّوا َل َّ فإ َّ صالَتَ ُمْ تَبُْ ُنىِ َيْ ُ كَنْتمْ".‬
                          ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، وهذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير.‬
 ‫وقال أبو يعلى الموصلى، فى مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا زيد ابن الحباب، حدثنا جعفر‬
 ‫ال‬
 ‫بن إبراهيم، من ولد ذى الجناحين، حدثنا على بن عمر عن أبيه عن على بن الحسين: أنه رأى رج ً‬
‫يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال:‬
  ‫أال أحدثكم حديثا سمعته من أبى عن جدى عن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم؟ قال: "ال‬
                                                               ‫ا‬
 ‫تتخذوا قبرى عيدا، وال بيوتكم قبورً، فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنتم" رواه أبو عبد اهلل محمد بن عبد‬
                                                                                       ‫الواحد المقدسى فى مختاراته.‬
‫وقال سعيد بن منصور فى السنن: حدثنا حبان بن على، حدثنى محمد بن عجالن عن أبى سعيد مولى‬
 ‫ا‬                 ‫ا‬                                                                          ‫ُ‬
‫المهْرى قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "ال تتخذوا بيتى عيدً، وال بيوتكم قبورً،‬
                                                                  ‫وصلوا على حيثما كنتم، فإن صالتكم تبلغنى".‬
‫وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن‬
   ‫على بن أبى طالب عند القبر، فنادانى، وهو فى بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: ال‬
    ‫أريده، فقال: مالى رأتيك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، فقال: إذا‬
                                                          ‫دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول اهلل صلى اهلل‬

‫(41/321)‬




                                                      ‫ا‬
                        ‫تعالى عليه وآله وسلم قال: "ال تتخذوا بيتى عيدً، وال تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن‬

‫(41/721)‬
    ‫ص -281- اهلل اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا على فإن صالتكم تبلغنى‬
                                                      ‫حيثما كنتم" ما أنتم ومن باألندلس إال سواء.‬
    ‫فهذان المرسالن من هذين الوجهين المختلفين يدالن على ثبوت الحديث، ال سيما وقد احتج به من‬
‫أرسله به، وذلك يقتضى ثبوته عنده، هذا لو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم‬
                                                                                        ‫مسندا؟.‬
 ‫قال شيخ اإلسالم قدس اهلل روحه: "ووجه الداللة: أن قبر رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم‬
               ‫ا‬                            ‫ا‬
‫أفضل قبر على وجه األرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدً، فقبر غيره أولى بالنهى كائنً من كان، ثم إنه‬
                                                         ‫ا‬
  ‫قرن ذلك بقوله "وال تتخذوا بيوتكم قبورً" أى ال تعطلوها من الصالة فيها، والدعاء والقراءة، فتكون‬
    ‫بمنزلة القبور. فأمر بتحرى النافلة فى البيوت، ونهى عن تحرى العبادة عند القبور، وهذا ضد ما‬
 ‫عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقب النهى عن اتخاذه عيداً بقوله: "وصلوا على فإن‬
   ‫صالتكم تبلغنى حيث كنتم" يشير بذلك إلى أن ما ينالنى منكم من الصالة والسالم تحصل مع قربكم‬
                                                 ‫ا‬
                                               ‫من قبرى وبعدكم، فال حاجة بكم إلى اتخاذه عيدً".‬
    ‫وقد حرف هذه األحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك، وشبها من اليهود بالتحريف،‬
‫فقال: هذا أمر بمالزمة قبره، والعكوف عنده، واعتياد قصده وانتيابه، ونهى أن يجعل كالعيد الذى إنما‬
  ‫يكون فى العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: ال تجعلوه بمنزلة العيد الذى يكون من الحول إلى الحول،‬
                                                                  ‫واقصدوه كل ساعة وكل وقت.‬
 ‫وهذا مراغمة ومحادة هلل ومناقضة لما قصده الرسول صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم وقلب للحقائق،‬
   ‫ونسبة الرسول صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إلى التدليس والتلبيس، بعد التناقض. فقاتل اهلل أهل‬
    ‫ا‬
   ‫الباطل أنى يؤفكون. وال ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر مالزمة إتيانه بقوله: "ال تجعلوا عيدً"‬
                 ‫ً‬
    ‫فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الداللة والبيان. فإن لم يكن هذا تنقيصا فليس للتنقيص‬
                                                                                ‫حقيقة فينا، كمن‬

‫(41/121)‬




    ‫يرمى أنصار الرسول صلى اهلل عليه وسلم وحزبه بدائه ومصابه وينسل كأنه برئ، وال ريب أن‬
‫ارتكاب كل كبيرة، بعد الشرك، أسهل إثما، وأخف عقوبة من تعاطى مثل ذلك فى دينه وسنته. وهكذا‬
‫(41/821)‬




   ‫ص -381- غيرت ديانات الرسل. ولوال أن اهلل أقام لدينه األنصار واألعوان الذابين عنه، لجرى‬
                                                                  ‫عليه ما جرى على األديان قبله.‬
  ‫ولو أراد رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم ما قاله هؤالء الضالل لم ينه عن اتخاذ. قبور األنبياء‬
       ‫مساجد، ويلعن فاعل ذلك. فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد اهلل فيها، فكيف يأمر بمالزمتها‬
     ‫والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها واتيانها، وال تجعل كالعيد الذى يجئ من الحول إلى الحول؟‬
  ‫وكيف يسأل ربه أن ال يجعل قبره وثنا يعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك: "ولوال ذلك ألبرز قبره،‬
                                                                   ‫ا‬
‫ولكن خشى أن يتخذ مسجدً"؟ وكيف يقول: "ال تجعلوا قبرى عيداً، وصلوا على حيثما كنتم"؟ وكيف لم‬
       ‫يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤالء الضالل، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟‬
     ‫وهذا أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين رضى اهلل عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى‬
 ‫الدعاء عند قبره صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، واستدل بالحديث. وهو الذى رواه وسمعه من أبيه‬
  ‫الحسين عن جده على رضى اهلل عنه، وهو أعلم بمعناه من هؤالء الضالل. وكذلك ابن عمه الحسن‬
    ‫بن الحسن، شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من‬
                                                                                          ‫ا‬
                                                                                         ‫اتخاذه عيدً.‬
    ‫قال شيخنا: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول اهلل‬
  ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قرب النسب، وقرب الدار؟ ألنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا‬
                                                                                            ‫له أضبط.‬
                                                                                                  ‫فصل‬
                                                                     ‫ا‬
   ‫ثم إن فى اتخاذ القبور أعيادً من المفاسد العظيمة التى ال يعلمها إال اهلل تعالى ما يغضب ألجله كل‬
                           ‫من فى قلبه وقار هلل تعالى، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك.‬
                                                                       ‫ج ح م إي م‬                    ‫وك‬
                                                                       ‫َل ِنْ مَا لِ ُرْ ٍ ب َيتٍ ِ َال ُ‬

‫(41/031)‬
            ‫ا‬
    ‫ص -481- فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصالة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستالمهً، وتعفير‬
    ‫الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، واالستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء‬
     ‫الْديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التى كان عباد األوثان‬
                                                                                 ‫يسألونها أوثانهم.‬
                                                             ‫ا‬
‫فلو رأيت غالة المتخذين لها عيدً، وقد نزلوا عن األكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا‬
   ‫لها الجباه، وقبلوا األرض وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم‬
  ‫النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا فى الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن ال يبدى وال يعيد، ونادوا ولكن‬
‫من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين ورأوا أنهم قد أحرزوا من األجر وال أجر‬
  ‫من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضال من الميت ورضوانا، وقد ملئوا‬
    ‫أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير اهلل، بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من األصوات،‬
      ‫ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوى الفاقات، ومعافاة أولى‬
     ‫العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام، الذى جعله اهلل‬
                                                                                        ‫ا‬
 ‫مباركً وهدى للعالمين، ثم أخذوا فى التقبيل واالستالم، أرأيت الحجر األسود وما يفعل به وفد البيت‬
 ‫الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التى يعلم اهلل أنها لم تعفر كذلك بين يديه فى السجود. ثم‬
‫كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحالق، واستمتعوا بخالقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند‬
 ‫اهلل من خالق، وقربوا لذلك الوثن القرابين. وكانت صالتهم ونسكهم وقربانهم لغير اهلل رب العالمين،‬
                                     ‫ا‬                              ‫ا‬
 ‫فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضً ويقول: أجزل اهلل لنا ولكم أجرً وافراً وحظاً، فإذا رجعوا سألهم غالة‬
‫المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، فيقول: ال، ولو بحجك كل‬
                                                                                             ‫عام.‬
                                                                                  ‫هذا، ولم نتجاوز‬

‫(41/131)‬




   ‫فيما حكيناه عنهم، وال استقصينا جميع بدعهم وضاللهم. إذ هى فوق ما يخطر بالبال، أو يدور فى‬
     ‫الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة األصنام فى قوم نوح، كما تقدم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم‬
                                      ‫والفقه يعلم أن من أهم األمور سد الذريعة إلى هذا المحظور،‬

‫(41/231)‬
 ‫ص -581- وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يئول إليه، وأحكم فى نهيه عنه وتوعده‬
               ‫عليه. وأن الخير والهدى فى اتباعه وطاعته، والشر والضالل فى معصيته ومخالفته.‬
                                               ‫ا‬
    ‫ورأيت ألبى الوفاء بن عقيل فى ذلك فصالً حسنً، فذكرته بلفظه، قال: "لما صعبت التكاليف على‬
‫الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها ألنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم‬
 ‫يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندى كفار بهذه األوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما‬
‫نهى عنه الشرع: من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا‬
 ‫موالى افعل بى كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور. وشد الرحال إليها، وإلقاء‬
 ‫الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد الالت والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ويتمسح‬
     ‫بآجرة مسجد الملموسة يوم األربعاء. ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر، أو محمد‬
‫وعلى، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجاً بالجص واآلجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد‬
                                                                                               ‫على القبر". انتهى.‬
 ‫ومن جمع بين سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى القبور، وما أمر به ونهى عنه وما‬
  ‫كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً لآلخر، مناقضاً له، بحيث ال‬
                                                                                                       ‫ا‬
                                                                                                      ‫يجتمعان أبدً.‬
    ‫فنهى رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم عن الصالة إلى القبور، وهؤالء يصلون عندها.‬
‫ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤالء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت اهلل تعالى.‬
                    ‫ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤالء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.‬
                                                                           ‫ا‬
    ‫ونهى أن تتخذ أعيادً، وهؤالء يتخذونها أعياداً ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.‬
                 ‫وأمر بتسويتها، كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج األسدى قال: قال على‬

‫(41/331)‬




    ‫رس ل ل هلل ل‬                ‫بع ن‬         ‫أ عث عل‬
   ‫ص -381- بن أبى طالب رضى اهلل عنه: "َال أَبْ َ ُكَ ََى مَا َ َثَ ِى عليهِ َ ُو ُ صّى ا ُ تَعاَى‬
                             ‫إ م ه و ْر م ْر إ َو ه‬                                    ‫َد ت‬             ‫و ل‬           ‫ع‬
                           ‫َليْهِ وآله َسّم أَنْ ال ت َعَ ِمْثَاالً ِال طَ َسْتَ ُ، َال قَب ًا ُش ِفاً ِال س َّيْتَ ُ".‬
                                                         ‫ش‬
   ‫وفى صحيحه أيضاً عن ثمامة بن ُفَى قال: "كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس. فتوفى‬
    ‫صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوى، ثم قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم‬
 ‫يأمر بتسويتها، وهؤالء يبالغون فى مخالفة هذين الحديثين. ويرفعونها عن األرض كالبيت، ويعقدون‬
                                                                                                   ‫عليها القباب".‬
 ‫ه رس ل هلل‬
 ‫ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم فى صحيحه عن جابر قال: "نَ َى َ ُو ُ ا ِ‬
             ‫ْر و ي َ ع ه و ي ن ع ب ء‬                                      ‫ص‬        ‫ع‬                       ‫ل هلل‬
           ‫صّى ا ُ تعالى عليهِ وآله وسلم َنْ تَجْ ِيصِ الْقَب ِ، َأَنْ ُقْعدَ َلَيْ ِ، َأنْ ُبْ َى َلَيْهِ ِنَا ٌ".‬
‫ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود والترمذى فى سننهما عن جابر رضى اهلل عنه أن رسول‬
                              ‫ع‬       ‫قب ر و ي‬              ‫تج َّ‬     ‫ه‬
                     ‫اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "نَ َى أنْ ُ َصصَ الْ ُ ُو ُ، َأَنْ ُكْتَبَ َلَيْهَا".‬
   ‫قال الترمذى: حديث حسن صحيح، وهؤالء يتخذون عليها األلواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره.‬
                        ‫ا‬
 ‫ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضً: أن رسول اهلل صلى اهلل‬
‫تعالى عليه وآله وسلم "نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه" وهؤالء ال يزيدون عليه‬
                                                                     ‫سوى التراب اآلجر واألحجار والجص.‬
                       ‫ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بأجر، وأوصى أن ال يفعل ذلك بقبره.‬
                                               ‫وأوصى األسود بن يزيد: "أن ال تجعلوا على قبرى آجرا".‬
                                               ‫وقال إبراهيم النخعى: "كانوا يكرهون األجر على قبورهم".‬
                           ‫ا‬
                         ‫وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: "أن ال تضربوا على قبرى فسطاطً".‬
                                                           ‫ا‬
                                                          ‫وكره اإلمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطً.‬
 ‫والمقصود: أن هؤالء المعظمين للقبور، المتخذينها أعياداً، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها‬
                                                                                   ‫المساجد والقباب. مناقضون‬

‫(41/431)‬




                                                         ‫لما أمر به رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليها وسلم،‬

‫(41/531)‬




‫ص -781- محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها. وهو من الكبائر.‬
                                                   ‫وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.‬
  ‫قال أبو محمد المقدسى: "ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن النبى صلى اهلل تعالى عليه من فعله.‬
    ‫وألن فيه تضييعا للمال فى غير فائدة، وإفراطاً فى تعظيم القبور، أشبه تعظيم األصنام". قال: "وال‬
    ‫يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر. وألن النبى صلى اهلل تعالى عليه وسلم قال: "لعن اهلل‬
    ‫اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا" متفق عليه. وقالت عائشة: "إنما لم يبرز قبر‬
                                    ‫ا‬
    ‫رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم لئال يتخذ مسجدً" ألن تخصيص القبور بالصالة عندها‬
   ‫يشبه تعظيم األصنام بالسجود لها والتقرب إليها. وقد روينا أن ابتداء عبادة األصنام تعظيم األموات‬
                                            ‫باتخاذ صورهم، والتمسح بها، والصالة عندها". انتهى.‬
‫وقد آل األمر بهؤالء الضالل المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف‬
                                                                   ‫ا‬
‫بعض غالتهم فى ذلك كتابً وسماه "مناسك حج المشاهد" مضاهاه منه بالقبور للبيت الحرام، وال يخفى‬
                                       ‫أن هذا مفارقة لدين اإلسالم، ودخول فى دين عباد األصنام.‬
  ‫فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وسلم وقصده من النهى‬
‫عما تقدم ذكره فى القبور، وبين ما شرعه هؤالء وقصدوه. وال ريب أن فى ذلك من المفاسد ما يعجز‬
                                                                                ‫العبد عن حصره.‬
    ‫فمنها: تعظيمها المواقع فى االفتتان بها. ومنها: اتخاذها عيدا. ومنها: السفر إليها. ومنها: مشابهة‬
‫عبادة األصنام بما يفعل عندها: من العكوف عليها، والمجاورة عندها. وتعليق الستور عليها وسدانتها،‬
    ‫وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من‬
     ‫خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ القنديل المعلق عليها. ومنها: النذر لها ولسدنتها.‬
                                     ‫ومنها: اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البالء، وينصر على‬

‫(41/331)‬




‫األعداء، ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف،‬
‫وإلى غير ذلك. ومنها: الدخول فى لعنة اهلل تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها،‬
   ‫ومنها: الشرك األكبر الذى يفعل عندها. ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم‬
                        ‫يؤذيهم بما يفعل عند قبورهم. ويكرهونه غاية الكراهة. كما أن المسيح يكره‬

‫(41/731)‬
     ‫ص -181- ما يفعله النصارى عند قبره. وكذلك غيره من األنبياء واألولياء والمشايخ يؤذيهم ما‬
                             ‫يفعله أشباه النصارى عند قبورهم. ويوم القيامة يتبرءون منهم. كما قال تعالى:‬
     ‫ع د ؤ َ ُ َل الس َ ل‬                                    ‫ِ ق ل ُ‬                   ‫ُره و ي ُد ن م د‬                       ‫و‬
   ‫{ َيَوْمَ يَحْش ُ ُمْ َمَا َعْب ُو َ ِنْ ُونِ اهلل فَيَ ُو ُ أَأَنْتمْ أَضْلَلْتمْ ِبَا ِى ه ُالءِ أمْ همْ ضُّوا َّبِيل قَاُوا‬
   ‫ْ وك ن‬          ‫َت ِ م د ك م ل ء و ك َت ُ و ب ُ َت س‬                                               ‫ي بغ‬          ‫سح م‬
 ‫ُبْ َانَكَ َا كانَ َنْ َ ِى لَنَا أنْ نَّخذَ ِنْ ُونِ َ ِنْ أَوِْياَ َ َل ِنْ مَّعْتهمْ َآ َاءَهمْ ح َّى نَ ُوا الذكرَ َ َا ُوا‬
   ‫طع ن َ او‬                      ‫َذب ُ بم ق ل‬                                                         ‫اب ر‬
 ‫قَوْمً ُو ًا} [الفرقان: 71-11]. قال اهلل للمشركين {فَقَدْ ك َّ ُوكمْ ِ َا تَ ُوُونَ فمَا تَسْتَ ِي ُو َ صرْفً َال‬
     ‫َ ق ِلن اتخذ ن‬                    ‫هلل ي ع س ن َ ي‬                ‫وِ ْ‬                                   ‫ا‬
    ‫نَصْرً} [الفرقان: 81] اآلية، وقال تعالى { َإذ قَالَ ا ُ َا ِي َى ابْ َ مرْ َمَ أَأَنْت ُلْتَ ل َّاسِ َّ ِ ُو ِى‬
                          ‫ل ب ق‬                  ‫َق‬        ‫س ك ك نل‬                              ‫وأ إ ه م د‬
   ‫َُمىَ ِل َينْ ِنْ ُونِ اهلل قَالَ ُبْحَانَ َ مَا ي ُو ُ ِى أَنْ أ ُولَ مَا لَيْسَ ِى ِحَ ٍ} [المائدة: 311] اآلية،‬
     ‫ؤ ِي ُ ن ي ُد َ ل س ح ك أ ت‬                                    ‫ُره جم ُم ق ل ل ئ‬                                ‫و‬
     ‫وقال تعالى { َيَوْمَ يَحْش ُ ُمْ َ ِيعاً ث َّ يَ ُو ُ ِلْمَال ِكَةِ أَه ُالءٍ إ َّاكمْ كاُوا َعْب ُون قَاُوا ُبْ َانَ َ، َنْ َ‬
                                       ‫ِن ر ُ به م من ن‬                       ‫وِي م د ن ِ َ ن ي بد‬
   ‫َل ُّنَا ِنْ ُو ِهمْ بلْ كا ُوا َعْ ُ ُونَ الْج َّ أَكْثَ ُهمْ ِ ِم ُؤْ ِ ُو َ} [سبأ: 04-14]. ومنها: مشابهة اليهود‬
      ‫والنصارى فى اتخاذ المساجد والسرج عليها ومنها: محادة اهلل ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.‬
                 ‫ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكثير، واإلثم العظيم. ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.‬
    ‫ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى اهلل. فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم واالحترام‬
 ‫والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى بما ال يفعلونه فى المساجد. وال يحصل لهم فيها‬
‫نظيره وال قريب منه.، ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد. ودين اهلل الذى بعث‬
                                              ‫به رسوله بضد ذلك. ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن‬

‫(41/131)‬




                                                                    ‫العلم والدين، عمروا المشاهد، وأخربوا المساجد.‬
 ‫ومنها: أن الذى شرعه الرسول صلى اهلل تعالى عليه وسلم عند زيارة القبور: إنما هو تذكر اآلخرة،‬
     ‫واإلحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، واالستغفار له، وسؤال العافية له. فيكون الزائر‬
‫محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤالء المشركون األمر، وعكسوا الدين وجعلواً المقصود بالزيارة‬
      ‫الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على‬
                                                    ‫األعداء ونحو ذلك. فصاورا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت‬

‫(41/831)‬
            ‫ص -881- ولو لم يكن إال بحرمانه بركة ما شرعه اهلل تعالى من الدعاء له والترحم عليه‬
                                                                                                               ‫واالستغفار له.‬
    ‫فاسمع اآلن زيارة أهل اإليمان التى شرعها اهلل تعالي على لسان رسوله صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
              ‫وسلم، ثم وازن بينها وبين زيارة أهل اإلشراك، التى شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك.‬
     ‫ته م ه‬                    ‫ه و و كل‬                           ‫َ ر ل هلل‬
     ‫قالت عائشة رضى اهلل عنها: "كان َسو ُ ا ِ صلى اهلل تعالى علي ِ َآلهِ َسلم ُّمَا كانَ لَيْلَ ُ َا ِنْ ُ‬
          ‫َد‬     ‫يق ل الس م ع ُ د َ ْم م من ن و ك م ت َد‬                                  ‫رج م ِ ل ْ إل بق‬
        ‫يَخْ ُ ُ ِنْ آخرِ اّليلِ َِى الْ َ ِيعِ، فَ َ ُو ُ: َّال ُ َلَيْكمْ َار قَو ٍ ُؤْ ِ ِي َ، َأَتَا ُمْ َا ُوع ُونَ غ ًا،‬
                                       ‫َ ْ َد‬     ‫ْل ب‬       ‫ق ل ُم ف‬                  ‫هلل ب ُ‬        ‫م َجل ن وإن إ‬
                           ‫ُؤ َُّو َ، َِ ّا ِنْ شَاءَ ا ُ ِكمْ الحِ ُونَ اّله َّ اغْ ِرْ ألَه ِ َقيع الغرق ِ" رواه مسلم.‬
       ‫ف لُ‬               ‫ت ْ بق ع‬                         ‫ُر‬       ‫ّ رب‬            ‫ه‬              ‫ا َن ج‬
     ‫وفى صحيحه عنها أيضً: "أ َّ ِبْرِيلَ أَتَا ُ، فَقَالَ: إن َّكَ يأْم ُكَ أَنْ تَأْ ِىَ أَهلَ الْ َ ِي ِ، فَتَسْتَغْ ِرَ َهمْ‬
 ‫ي ر م م من ن و م م ن‬                       ‫ق ل الس م عل ْ‬              ‫ق ت ْ َق ل ُ ي رس هلل‬
‫قَالَتْ: ُلْ ُ: كَيفَ أ ُو ُ لَهمْ َا َ ُولَ ا ِ؟ قالَ: ُوِى: َّال ُ ََى أَهلِ الد َا ِ ِنَ ال ُؤْ ِ ِي َ َال ُسْل ِي َ،‬
                                      ‫ق ن‬           ‫هلل بك‬          ‫و َ حم هلل م ْدم ن ِن و م َر ن وإن إ‬
                                    ‫َيرْ َ ُ ا ُ ال ُسْتَق َ ِي َ م َّا َال ُسْتَأْخ ِي َ، َِ ّا ِنْ شَاءَ ا ُ ِ ُمْ لَالحِ ُو َ".‬
         ‫و‬             ‫هلل‬     ‫َ رس ل هلل‬
     ‫وفى صحيحه أيضاً عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان َ ُو ُ ا ِ صلى ا ُ تعَالى عليه َآلهِ‬
                                       ‫ير‬              ‫يق ل الس م ع‬             ‫ب‬            ‫ج إ‬         ‫يع م ُ ذ‬
                                     ‫وسلمَ ُ َل ُهمْ إ َا خَرَ ُوا ِلَى المَقَا ِرِ أَنْ َ ُوُوا: َّال ُ َلَى أهل الد َا ِ".‬
  ‫وفى لفظ: "السالم عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اهلل بكم الحقون. نسأل اهلل‬
                                                                                                            ‫لنا ولكم العافية".‬
   ‫قب ر ف‬            ‫ه ت ُ ع زي‬             ‫ك‬
‫وعن بريدة قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: " ُنْتَ نَ َيُْكمْ َنْ ِ َارَةِ الْ ُُو ِ، َمنْ‬
                                                                        ‫َز َ َ ُ و ق ل ه ْر‬                       ‫ر‬
                                                  ‫أ َادَ أَنْ ي ُور فَلْيزرْ، َال تَ ُوُوا ُج ًا" رواه أحمد والنسائى.‬

‫(41/041)‬




 ‫ص -002- وكان رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور، سدا‬
  ‫للذريعة، فلما تمكن التوحيد فى قلوبهم أذن لهم فى زيارتها على الوجه الذى شرعه ونهاهم أن يقولوا‬
                                                                                      ‫ا‬
    ‫هجرً، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذى يحبه اهلل ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها،‬
                                                                        ‫ال ال‬
                                                                       ‫ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قو ً وفع ً.‬
       ‫وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                                                                                                                          ‫وسلم:‬
                                                                                          ‫ر م‬         ‫ز ر قب ر إنه‬
                                                                                    ‫" ُو ُوا ال ُ ُو َ، فَِّ َا تذك ُ ال َوْتَ".‬
    ‫إ‬
  ‫وعن على بن طالب رضى اهلل تعالى عنه: أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: "ِنى‬
                                                  ‫ُ ت ه ت ُ ع زي ر قب ِ َز ر ه إنه ت ركم ِ‬
                           ‫كنْ ُ ن َيُْكمْ َنْ ِ َا َةِ الْ ُ ُور ف ُو ُو َا فَِّ َا ُذك ُ ُ ُ اآلخرَةَ" رواه اإلمام أحمد.‬
  ‫قب ر‬           ‫ه‬                  ‫م َّ رس ل هلل ل هلل‬
  ‫وعن ابن عباس رضى اهلل تعالى عنهما قال: " َر َ ُو ُ ا ِ صّى ا ُ تَعالى عليهِ وآل ِ وسلمَ بِ ُُو ِ‬
      ‫الس م ع ك ي ْ قب ر ي ِر هلل و ُ و ن َر‬                                                    ‫َد ة َ ع ِ ب هه‬
‫الم ِينَ ِ، فَأَقْبلَ َلَيْهمْ ِوَجْ ِ ِ، فقَالَ: َّالَ ُ َلَيْ ُمْ َا أَهلَ ال ُ ُو ِ، َغْف ُ ا ُ لَنَا َلَكمْ، َنَحْ ُ بِاألَث ِ" رواه‬
                                                                                                         ‫َس‬
                                                                                                      ‫أحمد، والترمذى وح َّنه.‬
      ‫وعن ابن مسعود رضى اهلل تعالى عنه أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: "كنْ ُ‬
      ‫ُت‬
                             ‫قب ر إن ُ د الد و ُ ر ِ‬                                 ‫قب ِ ف‬          ‫ه ت ُ ع زي‬
         ‫نَ َيُْكمْ َنْ ِ َارَةِ ال ُ ُور َزوروا ال ُ ُو َ، فَِّهَا تزَه ُ فى ُّنْيَا، َتذَك ُ اآلخرَةَ" رواه ابن ماجه.‬
       ‫وروى اإلمام أحمد عن أبى سعيد رضى اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                                                   ‫ك ت ه ت ُ ع ز ة قب ر َز ر ه ِن ف ع ْ ة‬
                                                 ‫وسلم: " ٌنْ ُ ن َيُْكمْ َنْ ِيَارَ ِ ال ُ ُو ِ، ف َو ُو َا فَإ َّ ِيهَا ِبرَ ً".‬
   ‫فهذه الزيارة التى شرعها رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم ألمته، وعلمهم إياها، هل تجد‬
                                                                                        ‫ا‬
                    ‫فيها شيئً مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟.‬
 ‫وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه اهلل: "لن يصلح آخر هذه األمة إال ما أصلح أولها. ولكن كلما‬

‫(41/141)‬




 ‫ضعف تمسك األمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك".‬
                              ‫ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على‬

‫(41/241)‬




 ‫ص -102- النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى‬
                                                                                                             ‫جدار القبر، ثم دعا.‬
‫فقال سلمة بن وردان: "رأيت أنس بن مالك رضى اهلل عنه يسلم على النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله‬
                                                                       ‫وسلم، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو".‬
   ‫ونص على ذلك األئمة األربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى ال يدعو عند القبر، فإن الدعاء‬
                                                                                                                               ‫عبادة.‬
                                                                     ‫ا الدع ء ه عب ة‬
                                                                   ‫وفى الترمذى وغيره مرفوعً. " ُّ َا ُ ُوَ الْ ِ َادَ ُ".‬
   ‫فجرد السلف العبادة اهلل، ولم يفعلوا عند القبور منها إال ما أذن فيه رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                          ‫وآله وسلم: من السالم على أصحابها واالستغفار لهم، والترحم عليهم.‬
‫وبالجملة. فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له. ولهذا شرع فى الصالة عليه‬
                                                                            ‫ا‬         ‫ا‬
                                           ‫من الدعاء له، وجوبً واستحبابً، ما لم يشرع مثله فى الدعاء للحى.‬
      ‫س ع جن ة حف ت م د ئ هو‬                                     ‫صل س ل صل هلل‬
      ‫قال عوف بن مالك: " َّى ر ُو ُ اهللِ َّى ا ُ عليْهِ و ّلَم َلَى َ َازَ ٍ، فَ َ ِظْ ُ ِنْ ُعَا ِه وَ ُ َ‬
   ‫يَ ُو ُ: "الّه َّ اغْفرْ لَ ُ َارْحم ُ، َ َا ِ ِ َاع ُ َنْ ُ، َأك ِمْ ن ُلَ ُ َوَسعْ مدْخَلَ ُ، َاغْ ِلْ ُ بِال َا ِ َال َّلْ ِ‬
   ‫َ ه و سه مء و ثج‬                                ‫ه وع فه و ْف ع ه و ْر ُز ه و‬                    ‫ق ل ل ُم ِ ه و‬
 ‫خ ْر‬        ‫ي م الد س و ْد ه د ر ْر م د ه و‬                                 ‫ق الث‬            ‫ي‬            ‫و ََ و هم‬
‫َالبردِ، َنَق ِ ِنَ الْخَطَا َا كما نَ ّيْتَ َّوْبَ األبْ َضَ ِنَ َّنَ ِ، َأَب ِلْ ُ َا ًا خَي ًا ِنْ َارِ ِ، َأَهْالً َي ًا‬
        ‫الن ر‬      ‫م َ‬        ‫ْر‬           ‫و ِهم َ‬               ‫جه و خ ه‬                ‫ْر م‬            ‫مْ ل و‬
   ‫ِن أهِْه، َزَوْجًا خَي ًا ِنْ زَوْ ِ ِ. َأَدْ ِلْ ُ الجنة، َأَعذْ ُ ِنْ عذَابِ القَب ِ، أوْ ِنْ عذَابِ َّا ِ. حتى‬
         ‫ك مت‬             ‫ع‬      ‫ه‬
   ‫تم َّيْ ُ أَنْ أَ ُونَ أَنَا ال َي ُ، ِ ُعَاء َ ُولِ اهللِ صّى اهلل تَعَاَى عليهِ وآل ِ وسلم َلَى ذلِ َ ال َي ِ" رواه‬
                                              ‫ل‬            ‫ل‬           ‫م ت لد ِ رس‬                   ‫ك‬         ‫َن ت‬
                                                                                                                                ‫مسلم.‬
   ‫وقال أبو هريرة رضى اهلل تعالى عنه: سمعت رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم يقول فى‬
                                                                                                          ‫صالته على الجنازة:‬
                                                            ‫َد ه إل َم و‬                  ‫و‬                   ‫َب و‬              ‫ل ُم‬
                                                       ‫"اّله َّ أَنْتَ ر ُّهَا، َأَنْتَ خَلَقْتَهَا َأنْتَ ه َيْتَ َا لِ ِسْال ِ، َأنْتَ‬

‫(41/341)‬




                                        ‫َم بس وع نيت ج ش َ ِ ه‬                                          ‫وح و‬           ‫ب‬
                     ‫قَ َضْتَ ر ُ َهَا َأنْتَ أعْل ُ ِ ِرهَا َ َال ِ َ ِهَا ِئْنَا ُفَعَاء فَاغْفرْ لَ ُ" رواه اإلمام أحمد.‬
‫وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة رضى اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال:‬
                                                                             ‫لص ه الدع ء‬                     ‫ِذ َل ت عل‬
                                                                           ‫"إ َا صَّيْ ُمْ ََى الميت فَأَخِْ ُوا لَ ُ ُّ َا َ".‬
    ‫م م ت يص ع ُمة من‬
    ‫وقالت عائشة، وأنس عن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم: "مَا ِنْ َي ٍ ُ َلى َلَيْهِ أ َّ ٌ ِ َ‬
                                                        ‫فه‬         ‫م لم ن ي لغ ن م ُل ُ ي ع ه ال‬
                                            ‫ال ُسِْ ِي َ َبُْ ُو َ ِائَةً كُّهمْ َشْفَ ُونَ لَ ُ، إ ّ شفعوا ِي ِ". رواه مسلم‬

‫(41/441)‬




 ‫ص -202- وعن ابن عباس رضى اهلل عنه قال: سمعت رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم‬
                                    ‫ال‬
  ‫يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رج ً، ال يشركون باهلل شيئاً، إال شفعهم‬
                                                                                                            ‫اهلل فيه" رواه مسلم.‬
                                ‫فهذا مقصود الصالة على الميت، وهو الدعاء له واالستغفار، والشفاعة فيه.‬
                                       ‫معر‬
                        ‫ومعلوم أنه فى قبره أشد حاجة منه على نعشه. فإنه حينئذ َّض للسؤال وغيره.‬
‫سل ه الت ب ت ِنه‬
‫وقد كان النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول: " َُوا لَ ُ َّثْ ِي َ، فَإ َّ ُ‬
                                                                                               ‫ي َل‬
                                                                                             ‫اآلنَ ُسْأ ُ".‬
     ‫فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، ال ندعو به، ونشفع له، ال‬
                                                                      ‫نشفع به. فبعد الدفن أولى وأحرى.‬
           ‫فبدل أهل البدع والشرك قوالً غير الذى قيل لهم: بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له‬
 ‫باالستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التى شرعها رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إحساناً إلى‬
     ‫الميت وإحساناً إلى الزائر، وتذكيراً باآلخرة: سؤال الميت، واإلقسام به على اهلل، وتخصيص تلك‬
 ‫البقعة بالدعاء الذى هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوعه أعظم منه فى المساجد، وأوقات‬
                                                                                                ‫األسحار.‬
        ‫ا‬            ‫ا‬
       ‫ومن المحال أن يكون دعاء الموتى، أو الدعاء بهم، أو الدعاء عندهم، مشروعً وعمالً صالحً،‬
    ‫ويصرف عنه القرون الثالثة المفضلة بنص رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، ثم يرزقه‬
                                           ‫الخلوف الذين يقولون ما ال يفعلون، ويفعلون ما ال يؤمرون.‬
                       ‫ا‬
 ‫فهذه سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى أهل القبور بضعً وعشرين سنة، حتى توفاه‬
  ‫اهلل تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن‬
   ‫بشر على وجه األرض أن يأتى عن أحد منهم بنقل صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منقطع: أنهم‬
‫كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضال أن يصلوا عندها، أو يسألوا‬
                                                                    ‫اهلل بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم.‬

‫(41/541)‬




‫فليوقفوا على أثر واحد: أو حرف واحد مى ذلك، بلى، يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التى خلفت بعدهم‬
           ‫بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد، كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد فى ذلك عدة‬

‫(41/341)‬




      ‫ص -302- مصنفات ليس فيها عن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، وال عن خلفائه‬
        ‫الراشدين، وال عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خالف ذلك كثير كما قدمناه من‬
                                                                               ‫األحاديث المرفوعة.‬
‫وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها. وقد ذكرنا إنكار عمر رضى اهلل عنه على أنس رضى اهلل‬
                                                     ‫عنه صالته عند القبر. وقوله له: القبر، القبر.‬
  ‫وقد ذكر محمد بن إسحاق فى مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبى خلدة خالد بن دينار قال:‬
    ‫حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا فى بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند‬
     ‫ا‬
    ‫رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه، فدعا له كعبً،‬
‫فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن. فقلت ألبى العالية: ما كان‬
 ‫فيه؟ قال سيرتكم وأموركم ولحون كالمكم. وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا‬
       ‫بالنهار ثالثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس ال‬
‫ينبشونه، فقلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. فقلت‬
                                      ‫ُ‬
   ‫من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: مذْ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثالثمائة‬
‫سنة، قلت: ما كان تغير منه شىء؟ قال: ال، إال شعيرات من قفاه، إن لحوم األنبياء ال تبليها األرض،‬
                    ‫وال تأكلها السباع" ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون واألنصار من تعمية قبره‬

‫(41/741)‬




      ‫ص -402- لئال يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون‬
   ‫لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون اهلل، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من ال يدانى هذا وال‬
                                      ‫يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد.‬
  ‫فلو كان الدعاء عند القبور والصالة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحاً، لنصب المهاجرون‬
   ‫واألنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم باهلل ورسوله‬
  ‫ودينه من الخلوف التى خلفت بعدهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان‬
‫عندهم من قبور أصحاب رسول اهلل صلى اهلل تعالى وآله وسلم باألمصار عدد كثير، وهم متوافرون.‬
   ‫فما منهم من استغاث عند قبر صاحب، وال دعاه، وال دعا به، وال دعا عنده، وال استشفى به، وال‬
 ‫استسقى به، وال استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعى على نقله، بل على‬
                                                                                  ‫نقل ما هو دونه.‬
   ‫وحينئذ، فال يخلو، إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه فى غير تلك البقعة، أوال‬
    ‫يكون، فإن كان أفضل، فكيف خفى علما وعمال على الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ فتكون القرون‬
                         ‫ال‬
     ‫الثالثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعم ً؟ وال يجوز أن يعلموه‬
  ‫ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير ال سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان‬
  ‫فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين فى كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور،‬
                                                                 ‫ا‬     ‫ا‬
                                                                ‫ثم ال يقصدونه؟ هذا محال طبعً وشرعً.‬
           ‫فتعين القسم اآلخر. وهو أنه ال فضل للدعاء عندها، وال هو مشروع، وال مأذون فيه بقصد‬
‫الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد. ومثل هذا مما ال يشرعه اهلل‬
          ‫ا‬
         ‫ورسوله البتة، بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها اهلل، ولم ينزل بها سلطانً.‬
                                                               ‫وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير.‬
                                                                       ‫فروى غير واحد عن المعرور بن‬

‫(41/141)‬




    ‫سويد قال: "صليت مع عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه فى طريق مكة صالة الصبح، فقرأ فيها:‬
                               ‫إل َ ِ ُر ش‬                   ‫ل‬                ‫َب ب‬             ‫َ َ ْ‬
                   ‫{أَلمْ ترَ كَيفَ فَعلَ ر ُّكَ ِأَصْحابَ الْفِي ِ} [الفيل: 1] و { ِيالف ق َيْ ٍ} [قريش: 1].‬
  ‫ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: "أين يذهب هؤالء؟"، فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه‬
                                         ‫النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، فهم يصلون فيه، فقال:‬

‫(41/841)‬




  ‫ا‬
 ‫ص -502- "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا. كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعً.‬
‫فمن أدركته الصالة منكم فى هذه المساجد فليصل، ومن ال فليمض، وال يتعمدها"، وكذلك أرسل عمر‬
   ‫رضى اهلل تعالى عنه أيضاً فقطع الشجرة التى بايع تحتها أصحاب رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
                                                                                                 ‫وآله وسلم.‬
  ‫بل قد أنكر رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة‬
                                                            ‫يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها.‬
   ‫فروى البخارى فى صحيحة عن أبى واقد الليثى قال: "خرجنا مع رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬
      ‫وآله وسلم قبل حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر، وللمشركين سدرة، يعكفون حولها وينوطون بها‬
     ‫أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول اهلل، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم‬
                                                          ‫ذات أنواط، فقال النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
             ‫ِنك ْ ْم هل ن‬                  ‫م ُ له ٌ‬              ‫إ‬         ‫َ‬           ‫بن إ ْر‬                     ‫هلل بر‬
  ‫"ا ُ أَكْ َ ُ، هذَا كما قَالَتْ َ ُو ِس َائيلَ: {اجْعلَ لَنَا ِلهاً كَ َا لَهمْ آِ َة قَالَ إ َّ ُم قَو ٌ تَجْ َُو َ} [األعراف:‬
                                                                  ‫ُ‬            ‫َ ُن س ن م‬
 ‫131] لَترْكَب َّ َنَ َ َن كان قَبْلَكمْ". فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق األسلحة والعكوف حولها اتخاذ‬
      ‫إله مع اهلل تعالى، مع أنهم ال يعبدونها، وال يسألونها. فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به‬
‫ودعائه، والدعاء عنده؟ فأى نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون.‬
     ‫قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم اهلل أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها‬
                                              ‫ق‬
    ‫الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من ِبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهى ذات‬
                                                                                                          ‫أنواط، فاقطعوها.‬
‫ومن له خبرة بما بعث اهلل تعالى به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم فى هذا الباب وغيره،‬
  ‫علم أن بين السلف وبين هؤالء الخلوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شىء‬
                                                                                           ‫والسلف على شىء، كما قيل:‬

‫(41/051)‬




                                                           ‫َت ن ب م ق وم ب‬                   ‫وس ت مغ‬           ‫سر م‬
                                                           ‫َا َتْ ُشَرقَة َ ِرْ ُ ُ َرباً ش َّا َ َيْنَ ُشَر ٍ َ ُغَر ِ‬
                                                                                           ‫واألمر واهلل أعظم مما ذكرنا.‬

‫(41/151)‬




     ‫ص -302- وقد ذكر البخارى فى الصحيح عن أم الدرداء رضى اهلل عنها قالت: "دخل على أبو‬
     ‫الدرداء مغضباً، فقلت له: مالك؟"، فقال: "واهلل ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى اهلل تعالى‬
                                                                            ‫عليه وآله وسلم، إال أنهم يصلون جميعا".‬
   ‫وروى مالك فى الموطأ عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: "ما أعرف شيئاً مما أدركت‬
                                               ‫عليه الناس إال النداء بالصالة، يعنى الصحابة رضى اهلل عنهم".‬
‫وقال الزهرى: "دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكى، فقلت له: ما يبكيك؟"، فقال: "ما أعرف‬
                                 ‫شيئاً مما أدركت إال هذه الصالة. وهذه الصالة قد ضيعت". ذكره البخارى.‬
      ‫وفى لفظ آخر: "ما كنت أعرف شيئاً على عهد رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إال قد‬
                                                                                                               ‫أنكرته اليوم".‬
      ‫وقال الحسن البصرى: "سأل رجل أبا الدرداء رضى اهلل عنه فقال: رحمك اهلل، لو أن رسول اهلل‬
       ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم بين أظهرنا، هل كان ينكر شيئاً مما نحن عليه؟ فغضب، واشتد‬
                                                             ‫غضبه، وقال: وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه؟".‬
  ‫وقال المبارك بن فضالة: "صلى الحسن الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال:‬
                                                        ‫ال‬
   ‫"تلوموننى على البكاء، ولو أن رج ً من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئاً مما كان‬
               ‫عليه على عهد رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم أنتم اليوم عليه إال قبلتكم هذه".‬
  ‫وهذه هى الفتنة العظمى التى قال فيها عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة‬
‫يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجرى على الناس، يتخذونها سنة إذا غيرت قيل: غيرت السنة،‬
                                                                                                               ‫أو هذا منكر".‬
  ‫وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خالف السنة فال عبرة به وال التفات إليه. فإن العمل قد‬
                                                 ‫جرى على خالف السنة منذ زمن أبى الدرداء وأنس كما تقدم.‬
                  ‫وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثنى محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنى عبد اهلل‬

‫(41/251)‬




         ‫ص -702- بن إسحاق الجعفرى قال: كان عبد اهلل بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال:‬
‫فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان فى المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد اهلل: "أرأيت إن كثر‬
        ‫الجهال، حتى يكونواً هم الحكام، فهم الحجة على السنة؟"، فقال ربيعة: "أشهد أن هذا كالم أبناء‬
                                                                                                                      ‫األنبياء".‬
                                                                                                                          ‫فصل‬
    ‫ومن أعظم مكايده: ما نصبه للناس من األنصاب واألزالم، التى هى من عمله، وقد أمر اهلل تعالى‬
                                                                          ‫باجتناب ذلك، وعلق الفالح باجتنابه، فقال:‬
    ‫نب ه ل َل ُ‬          ‫ر و م ِر و ص ب و َ ُ س م عم الش ِ‬                                     ‫َيه َّذ ن من ِنم‬
  ‫{يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا إ َّ َا الْخْم ُ َالْ َيْس ُ َاألَنْ َا ُ َاألزْالم رِجْ ٌ ِنْ َ َل َّيْطَان فَاجْتَ ِ ُو ُ َعَّكمْ‬
                                                                                  ‫ت ح ن‬
 ‫ُفْلِ ُو َ} [المائدة: 08]. فاألنصاب: كل ما نصب يعبد من دون اهلل: من حجر، أو شجر، أو وثن، أو‬
                                                                  ‫قبر. وهى جمع، واحدها نصب، كطنب وأطناب.‬
            ‫قال مجاهد: وقتادة، وابن جريج: "كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها‬
 ‫ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما‬
                                                                                          ‫يصور وينقش".‬
                                      ‫وقال ابن عباس: "هى األصنام التى يعبدونها من دون اهلل تعالى".‬
                                              ‫وقال الزجاج: "حجارة كانت لهم يعبدونها، وهى األوثان".‬
                                         ‫وقال الفراء: "هى اآللهة التى كانت تعبد، من أحجار وغيرها".‬

‫(41/351)‬




                 ‫ص -102- وأصل اللفظة: الشئ المنصوب الذى يقصده من رآه، ومنه قوله تعالى:‬
                                    ‫َنه إل نصب ي فض ن‬                 ‫ْد ث ِر‬          ‫ْم رج ن م‬
  ‫{يَو َ يَخْ ُ ُو َ ِنَ األَج َا ِ س َاعاً كأ َّ ُمْ َِى ُ ُ ٍ ُو ِ ُو َ} [المعارج: 34]. قال ابن عباس: إلى‬
                                                                                 ‫غاية، أو علم يسرعون.‬
                                                                                ‫وهو قول أكثر المفسرين.‬
                                                      ‫و‬
                                                  ‫وقال الحسن: "يعنى إلى أنصابهم، أيهم يستلمها أ ّال".‬
               ‫و ذب عل النصب‬
‫قال الزجاج: "وهذا على قراءة من قرأ "نصب" بضمتين، كقوله: { َمَا ُ ِحَ ََى ُّ ُ ِ} [المائدة: 3].‬
                                                                                ‫قال: ومعناه: أصنام لهم".‬
             ‫والمقصود: أن النصب كل شئ نصب من خشبة، أو حجر، أو علم. واإليفاض اإلسراع.‬
  ‫وأما األزالم. فقال ابن عباس رضى اهلل عنهما: "هى قداح كانوا يستقسمون بها األمور. أى يطلبون‬
                                                                                     ‫بها علم ما قسم لهم".‬
              ‫وقال سعيد بن جبير: "كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو، أو يجلس استقم بها".‬
                                                                                  ‫ا‬
   ‫وقال أيضً: "هى القدحان اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية فى أمورهم. أحدهما عليه مكتوب:‬
‫أمرنى ربى، واآلخر: نهانى. فإذا أرادوا أمرا ضربوا بها، فإن خرج الذى عليه أمرنى فعلوا ما هموا‬
                                                                 ‫به. وإن خرج الذى عليه نهانى تركوه".‬
                                                               ‫وقال أبو عبيد: "االستقسام: طلب القسمة".‬
                                                         ‫وقال المبرد: "االستقسام: أخذ كل واحد قسمه".‬
                                     ‫وقيل: االستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح، كقسم اليمين.‬
  ‫وقال األزهرى: "وأن تستقسموا باألزالم: أى تطلبوا من جهة األزالم ما قسم لكم من أحد األمرين".‬
                                           ‫وقال أبو إسحاق الزجاج وغيره: "االستقسام باألزالم حرام".‬
‫وال فرق بين ذلك وبين قول المنجم: ال تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا، ألن‬
                                                        ‫و َ ْر س م ذ سب غ ا‬
                                          ‫اهلل تعالى يقول: { َمَا تد ِى نَفْ ٌ َا َا تَكْ ِ ُ َدً} [لقمان: 43].‬

‫(41/451)‬




  ‫ص -802- وذلك دخول فى علم اهلل عز وجل الذى هو غيب عنا. فهو حرام كاألزالم التى ذكرها‬
                                                                                                        ‫اهلل تعالى.‬
      ‫والمقصود: أن الناس قد ابتلوا باألنصاب واألزالم. فاألنصاب للشرك والعبادة، واألزالم للتكهن،‬
      ‫وطلب علم ما استأثر اهلل به. هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين اهلل سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا،‬
        ‫والذى جاء به رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إبطالهما، وكسر األنصاب واألزالم.‬
   ‫فمن األنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين: من شجرة، أو عمود أو وثن، أو قبر أو خشبة، أو‬
    ‫غير ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم عليا‬
 ‫رضى اهلل عنه بهدم القبور المشرفة وتسويتها باألرض. كما روى مسلم فى صحيحه عن أبى الهياج‬
                                                                  ‫األسدى. قال: قال لى على رضى اهلل عنه:‬
‫"أَالَ أَبْ َ ُكَ ََى َا َ َثَ ِى ِلَيْه َ ُو ُ ا ِ تعاِى عليه وآله وسلم؟ أَن ال أ َعَ ِمْثَاالً ِال طمسته وال قبرً‬
‫ا‬                ‫إ‬         ‫ْ َد ت‬                          ‫عث عل م بع ن ع ِ رس ل هلل ل‬
                                                                                                ‫إ َو ته‬
                                                                                              ‫مشرفاً ِال س َّيْ ُ ُ".‬
‫وعمى الصحابة بأمر عمر رضى اهلل عنه قبر دانيال، وأخفوه عن الناس. ولما بلغه أن الناس ينتابون‬
                                                   ‫الشجرة التى بايع تحتها رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه‬

‫(41/551)‬




   ‫ص -012- وآله وسلم أصحابه أرسل فقطعها. رواه ابن وصاح فى كتابه فقال: سمعت عيسى بن‬
    ‫يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب رضى اهلل عنه بقطع الشجرة التى بويع تحتها النبى صلى اهلل‬
           ‫تعالى عليه وآله وسلم فقطعها، ألن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة".‬
      ‫قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا يأتون الشجرة،‬
                                                                                 ‫فقطعها عمر رضى اهلل عنه".‬
         ‫فإذا كان هذا فعل عمر رضى اهلل عنه بالشجرة التى ذكرها اهلل تعالى فى القرآن، وبايع تحتها‬
       ‫الصحابة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فماذا حكمه فيما عداها من هذه األنصاب‬
                                         ‫واألوثان، التى قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلية بها؟.‬
                 ‫وأبلغ من ذلك: أن رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم هدم مسجد الضرار.‬
                                                        ‫ا‬
 ‫ففى هذا دليل على هدم ما هو أعظم فسادً منه، كالمساجد المبنية على القبور. فإن حكم اإلسالم فيها‬
  ‫أن تهدم كلها، حتى تسوى باألرض، وهى أولى بالهدم من مسجد الضرار. وكذلك القباب التى على‬
 ‫القبور يجب هدمها كلها، ألنها أسست على معصية الرسول، ألنه قد نهى عن البناء على القبور كما‬
  ‫ا‬
 ‫تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعً.‬
                 ‫وقد أمر رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم بهدم القبور المشرفة كما تقدم.‬
  ‫فهدم القباب والبناء والمساجد التى بنيت عليها أولى وأحرى، ألنه لعن متخذى المساجد عليها ونهى‬
   ‫عن البناء عليها فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول اهلل تعالى عليه وآله وسلم فاعله‬
‫ونهى عنه. واهلل عز وجل يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                                        ‫تغييرً.‬
‫وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، وطفيه. فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول اهلل صلى‬
                           ‫اهلل تعالى عليه وآله وسلم. وال يصح هذا الوقف وال يحل إثباته وتنفيذه.‬

‫(41/351)‬




     ‫ص -112- قال اإلمام أبو بكر الطرطوشى: "انظروا رحمكم اهلل أينما وجدتم سدرة، أو شجرة‬
 ‫يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهى‬
                                                                        ‫ذات أنواط، فاقطعوها".‬
   ‫وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب الحوادث والبدع:‬
      ‫"ومن هذا القسم ما قد عم به االبتالء من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج‬
    ‫مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكى لهم حاك أنه رأى فى منامه بها أحدا ممن شهر بالصالح‬
   ‫والوالية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض اهلل، وسننه، ويظنون أنهم متقربون‬
      ‫بذلك. ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك األماكن فى قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء‬
    ‫لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهى من بين عيون، وشجر وحائط، وحجر. وفى مدينة‬
‫دمشق من ذلك مواضع متعددة. كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير،‬
 ‫والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، فى نفس قارعة الطريق، سهل اهلل قطعها واجتثاثها من‬
                                ‫أصلها، فما أشبهها بذات أنواط التى فى الحديث"، ثم ساق حديث أبى واقد:‬
        ‫ذ‬       ‫ْر َ ل‬          ‫و ب َ عظ م‬                        ‫رس هلل ل هلل ل‬                   ‫ن ُ َر‬
      ‫"أَ ّهمْ م ُّوا مَعَ َ ُولِ ا ِ صّى ا ُ تَعَاَى عليهِ وآلهِ َسلم ِشَجرَةٍ َ ِي َةٍ خَض َاء يقا ُ لهَا: َات‬
                     ‫َّبى‬           ‫ط‬               ‫ه‬                                ‫َ‬     ‫ي رس هلل‬           ‫ق‬       ‫و‬
       ‫أَنْ َاطٍ، ف َالوا: َا َ ُولَ ا ِ، اجْعلْ لَنَا ذَاتَ أَنْواطٍ كَما لَ ُمْ ذَات أَنْوا ٍ. فقَالَ الن ُّ صلى اهلل عليه‬
  ‫ِن ُ ْ ْم هل ن‬                  ‫ُ له‬                 ‫إ‬          ‫ع‬       ‫َ ْم م س لم س‬
 ‫وسلم: اهلل أكبر، هذا كما قَال قَو ُ ُو َى ِ ُو َى: اجْ َلْ لَنَا ٍَلهاً كَمَا لَهمْ آِ َة. قَالَ: إَّكم قَو ٌ تَجْ َُو َ،‬
                                                                            ‫ُ‬               ‫َ ُن س م‬
                                        ‫لَترْكَب َّ َنَنَ َنْ كَانَ قَبْلَكمْ". قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.‬
     ‫ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببالد إفريقية: "أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان‬
   ‫العامة قد افتتنوا بها يأتونها من اآلفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد، قال: امضوا بى إلى العافية،‬
                                                                                                                   ‫فيعرف‬

‫(41/751)‬




                                                  ‫فيها الفتنة، فخرج فى السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم‬

‫(41/151)‬




         ‫ص -212- قال: اللهم إنى هدمتها لك، فال ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى اآلن".‬
   ‫وقد كان بدمشق كثير من هذه األنصاب، فيسر اهلل سبحانه كسرها على يد شيخ اإلسالم وحزب اهلل‬
 ‫الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذى كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنصب‬
    ‫الذى كان تحت الطاحون الذى عند مقابر النصارى ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة صنم فى‬
    ‫نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع اهلل سبحانه النصب الذى كان عند الرحبة يسرج عنده،‬
                                                    ‫ا‬
‫ويتبرك به المشركون. وكان عمودً طويالً على رأسه حجر كالكرة. وعند مسجد درب الحجر نصب‬
                                                  ‫قد بنى عليه مسجد صغير، يعبده المشركون يسر اهلل كسره.‬
 ‫فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ األوثان من دون اهلل، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر،‬
    ‫وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أى تقبل العبادة من دون اهلل تعالى، فإن النذر عبادة وقربة،‬
      ‫يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، ويتمسحون بذلك النصب، ويستلمونه. ولقد أنكر السلف التمسح‬
     ‫بحجر المقام الذى أمر اهلل تعالى أن يتخذ منه مصلى، كما ذكر األزرقى فى كتاب تاريخ مكة عن‬
                                                                                                  ‫قتادة فى قوله تعالى:‬
                                                                  ‫م مص‬         ‫َاتخذ م مق إ‬
     ‫{و َّ ِ ُوا ِنْ َ َامِ ِبْراهِي َ ُ َلى} [البقرة: 521]. قال: "إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا‬
  ‫بمسحه. ولقد تكلفت هذه األمة شيئا ما تكلفته األمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت‬
                                                                      ‫هذه األمة تمسحه حتى اخلولق".‬
  ‫وأعظم الفتنة بهذه األنصاب فتنة أنصاب القبور، وهى أصل فتنة عبادة األصنام كما قاله السلف من‬
                                                                         ‫الصحابة والتابعين، وقد تقدم.‬
   ‫ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب ألهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يعبد من‬
 ‫دون اهلل، ثم يوحى إلى أوليائه: أن من نهى عن عبادته، واتخاذه عيدا، وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم‬
‫حقه. فيسعى الجاهلون المشركون فى قتله وعقوبته ويكفرونه. وذنبه عند أهل اإلشراك: أمره بما أمر‬
                                                                                ‫اهلل به ورسوله، ونهيه‬

‫(41/851)‬




   ‫عما نهى اهلل عنه ورسوله: من جعله وثنا وعيدا، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه‬
  ‫وتجصيصه، وإشادته وتقبيله، واستالمه، ودعائه، والدعاء به أو السفر إليه أو االستغاثة به من دون‬
‫اهلل، مما قد علم باالضطرار من دين اإلسالم أنه مضاد لما بعث اهلل به رسوله: من تجريد التوحيد هلل‬

‫(41/031)‬




   ‫ص -312- وأن ال يعبد إال اهلل. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم،‬
‫وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية. وزعم أنهم ال حرمة لهم وال قدر. ويسرى ذلك فى نفوس الجهال‬
     ‫والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا‬
‫الناس عنهم. ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء اهلل وأنصار دينه ورسوله، ويأبى‬
 ‫اهلل ذلك. فما كانوا أولياءه، وإن أولياؤه إال المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون‬
  ‫إليه، ال المتشبعون بما لم يعطوا، البسو ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها‬
                                                             ‫ا‬                            ‫ا‬
                                                            ‫عوجً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعً.‬
                                                                                                 ‫فصل‬
‫وال تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط اهلل المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهى‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادً وأنصابا، والنهى عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد‬
 ‫السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستالمها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها: غض من‬
      ‫أصحابها، وال تنقيص لهم، وال تنقص كما يحسبه أهل اإلشراك والضالل. بل ذلك من إكرامهم‬
 ‫وتعظيمهم واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه. فأنت واهلل وليهم ومحبهم، وناصر‬
  ‫طريقهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم. وهؤالء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم‬
  ‫ومتابعتهم. كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى عليهما السالم، والرافضة مع على رضى اهلل‬
     ‫عنه. فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.‬
                                                        ‫والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض.‬
      ‫فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤالء العاكفين على القبور‬
  ‫معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. وتعظيم األنبياء‬
            ‫والصالحين ومحبتهم إنما هى باتباع ما دعو إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء‬

‫(41/131)‬




                       ‫ا‬
                      ‫آثارهم، وسلوك طريقتهم دون عبادة قبورهم والعكوف عليها واتخاذها أعيادً.‬

‫(41/231)‬




   ‫ص -412- فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى‬
  ‫اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك األجر. فأى تعظيم لهم‬
                                                                              ‫واحترام فى هذا؟.‬
  ‫وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التى يكرهها اهلل ورسوله إلعراضهم عن‬
   ‫المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه، وإال فمن أقبل‬
                                                     ‫ا‬
‫على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفً بما اشتملت عليه من الكالم الطيب والعمل الصالح، مهتما‬
   ‫بها كل االهتمام، أغنته عن الشرك، وكل من قصر فيها أو فى بعضها تجد فيه من الشرك بحسب‬
                                                                                           ‫ذلك.‬
  ‫ومن أصغى إلى كالم اهلل بقلبه، وتدبره وتفهمه أغناه عن السماع الشيطانى الذى يصد عن ذكر اهلل‬
  ‫وعن الصالة، وينبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى اهلل تعالى‬
 ‫عليه وآله وسلم بكليته، وحدث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، ال من غيره أغناه عن البدع واآلراء‬
                          ‫والتخرصات والشطحات والخياالت، التى هى وساوس النفوس وتخيالتها.‬
     ‫ومن بعد عن ذلك فال بد له أن يتعوض عنه بما ال ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة اهلل تعالى‬
     ‫وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، واإلنابة إليه: أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه،‬
 ‫وأغناه أيضاً عن عشق الصور. وإذا خال من ذلك صار عبد هواه، أى شئ استحسنه ملكه واستعبده.‬
        ‫فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى،‬
                                                      ‫د الص ر‬
  ‫والمعرض عن محبة اهلل وذكره عب ُ ُّو َ، شاء أم أبى، واهلل المستعان، وعليه التكالن، وال حول‬
                                                                    ‫وال قوة إال باهلل العلى العظيم.‬
                                                                                             ‫فصل‬
    ‫فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى االفتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، ال يملكون لهم‬
                                                      ‫ا‬                  ‫ا‬         ‫ا‬
                                                     ‫ضرا وال نفعً، وال موتً وال حياة وال نشورً؟‬
                                                                      ‫قيل: أوقعهم فى ذلك أمور:‬
               ‫منها: الجهل بحقيقة ما بعث اهلل به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع‬

‫(41/331)‬




                                                                ‫ا‬
                     ‫أسباب الشرك، فقل نصيبهم جدً من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن‬

‫(41/431)‬




  ‫ص -512- عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعصموا‬
                                                                          ‫بقدر ما معهم من العلم.‬
  ‫ومنها: أحاديث مكذوبة مختلقة، وضعها أشباه عباد األصنام من المقابرية على رسول اهلل صلى اهلل‬
      ‫تعالى وآله وسلم تناقض دينه، وما جاء به كحديث: "إذا أعيتكم األمور فعليكم بأصحاب القبور"‬
   ‫وحديث: "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه األحاديث التى هى مناقضة لدين اإلسالم.‬
 ‫وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضالل. واهلل بعث رسوله يقتل من حسن ظنه‬
                                                            ‫باألحجار، وجنب أمته الفتنة بكل طريق كما تقدم.‬
      ‫ومنها: حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فالنا استغاث بالقبر الفالنى فى شدة فخلص منها.‬
                                                                              ‫ً‬
  ‫وفالنا دعاه به فى حاجة فقضيت له. وفالنا نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره.‬
  ‫وعند السدنة والمقابرية من ذلك شىء كثير يطول ذكره. وهم من أكذب خلق اهلل تعالى على األحياء‬
  ‫واألموات. والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فالن ترتاق مجرب.‬
     ‫والشيطان له تلطف فى الدعوة فيدعوهم أوال إلى الدعاء، فيدعو العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة،‬
         ‫فيجيب اهلل دعوته لما قام بقلبه، ال ألجل القبر. فإنه لو دعاه كذلك فى الحانة والخمارة والحمام‬
‫والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيرا فى إجابة تلك الدعوة واهلل سبحانه يجيب دعوة المضطر،‬
                                                                                                  ‫ا‬
                                                                                  ‫ولو كان كافرً. وقد قال تعالى:‬
                               ‫ءركم ظ ر‬                                       ‫ُال ن ِد ؤ ء و ؤ ء م‬
‫{ك َّ ُم ُّ ه ُال ِ َه ُال ِ ِنْ عَطَاءِ ربك ومَا كَانَ عَطَا ُ َب َ َحْ ُو ًا} [اإلسراء:02] وقد قال الخليل:‬
                                           ‫ِر‬              ‫ه م الث ر ت م من م ُ هلل و‬                       ‫و ْز‬
   ‫{ َار ُقْ أَهْلَ ُ ِنَ َّم َا ِ َنْ آ َ َ ِنْهمْ بِا ِ َالْيَوْمِ اآلخ ِ} [البقرة: 321] فقال اهلل سبحانه وتعالى:‬
                                       ‫م ِي‬        ‫الن ر وب‬       ‫َره إل َ‬         ‫َ أم ع ُ ل ُم‬                  ‫وم‬
                      ‫{ َ َنْ كَفَر فَُ َت ُه قَِيالً ث َّ أَضْط ُّ ُ َِى عذَابِ َّا ِ َ ِئْسَ ال َص ُر} [البقرة: 321].‬
                            ‫ا‬
       ‫فليس كل من أجاب اهلل دعاءه يكون راضياً عنه، وال محباً له، وال راضيً بفعله فإنه يجيب البر‬

‫(41/531)‬




   ‫والفاجر، والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدى فيه، أو يشترط فى دعائه، أو يكون‬
                                  ‫مما ال يجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه. فيظن أن عمله صالح‬

‫(41/331)‬




     ‫ص -312- مرضى هلل، ويكون بمنزلة من أملى له وأمد بالمال والبنين، وهو يظن أن اهلل تعالى‬
                                                                        ‫يسارع له فى الخيرات. وقد قال تعالى:‬
                                                 ‫ع ِ وب ك ش ء‬                         ‫بِ‬     ‫ذ‬       ‫َم س‬
‫{فَل َّا نَ ُوا مَا ُكروا ِه فَتَحْنَا َلَيْهمْ أَبْ َا َ ُل َى ٍ} [األنعام: 44]. فالدعاء قد يكون عبادة فيثاب عليه‬
       ‫الداعى. وقد يكون مسألة تقضى به حاجته ويكون مضرة عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو‬
        ‫تنقص به درجته، فيقضى حاجته ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه واعتداء حدوده.‬
‫والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه فى بيته ومسجده وأوقات‬
   ‫األسحار. فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، واإلقسام على اهلل‬
    ‫به، وهذا أعظم من الذى قبله، فإن شأن اهلل أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد‬
                                                                             ‫أنكر أئمة اإلسالم ذلك.‬
 ‫فقال أبو الحسين القدورى فى شرح كتاب الكرخى: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال‬
  ‫أبو حنيفة: "ال ينبغى ألحد أن يدعو اهلل إال به. قال: وأكره أن يقول: أسألك بمعقد العز من عرشك.‬
                           ‫وأكره أن يقول: بحق فالن، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام".‬
   ‫قال أبو الحسين: "أما المسألة بغير اهلل فمنكرة فى قولهم، ألنه ال حق لغير اهلل عليه، وإنما الحق هلل‬
           ‫على خلقه، وأما قوله: بمعقد العز من عرشك، فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف".‬
  ‫وقال: "وروى أن النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم دعا بذلك، قال: وألن معقد العز من العرش‬
                         ‫إنما يراد به القدرة التى خلق بها العرش، مع عظمته. فكأنه سأله بأوصافه".‬

‫(41/731)‬




 ‫ص -712- وقال ابن بلدجى فى شرح المختار: "ويكره أن يدعو اهلل تعالى إال به، فال يقول: أسألك‬
    ‫بفالن، أو بمالئكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك، ألنه ال حق للمخلوق على خالقه، أو يقول فى دعائه:‬
                                            ‫أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبى يوسف جوازه".‬
  ‫وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا، هو عند محمد حرام. وعند أبى حنيفة وأبى يوسف هو‬
                                                     ‫إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.‬
‫وفى فتاوى أبى محمد بن عبد السالم: "أنه ال يجوز سؤال اهلل سبحانه بشىء من مخلوقاته، ال األنبياء،‬
 ‫وال غيرهم، وتوقف فى نبينا صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم، العتقاده أن ذلك جاء فى حديث، وأنه‬
                                                                          ‫لم يعرف صحة الحديث".‬
    ‫فإذا قرر الشيطان عنده أن اإلقسام على اهلل به، والدعاء به أبلغ فى تعظيمة واحترامه، وأنجع فى‬
 ‫قضاء حاجته، نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون اهلل. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن‬
 ‫يتخذ وثنا يعكف عليه ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود‬
‫له، والطواف به وتقبيله واستالمه والحج إليه والذبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى‬
                                                                    ‫ا‬
                                ‫عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكً وأن ذلك أنفع لهم فى دنياهم وآخرتهم.‬
  ‫قال شيخنا قدس اهلل روحه: "وهذه األمور المبتدعة عند القبور مراتب، ابعدها عن الشرع: أن يسأل‬
   ‫الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس. قال: وهؤالء من جنس عباد األصنام،‬
‫ولهذا قد يتثمل لهم الشيطان فى صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعباد األصنام. وهذا يحصل للكفار‬
                    ‫ا‬
  ‫من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانً. وقد يخاطبهم ببعض‬
                                        ‫األمور الغائبة. وكذلك السجود للقبر، والتمسح به وتقبيله".‬
       ‫والمرتبة الثانية: أن يسأل اهلل عز وجل به. وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق‬
                                                                                               ‫المسلمين.‬
                                                                               ‫الثالثة: أن يسأله نفسه.‬
                                     ‫الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل‬

‫(41/131)‬




                                                                                ‫من الدعاء فى المسجد‬

‫(41/831)‬




                        ‫ا‬
   ‫ص -112- فيقصد زيارته والصالة عنده ألجل طلب حوائجه. فهذا أيضً من المنكرات المبتدعة‬
‫باتفاق المسلمين. وهى محرمة، وما علمت فى ذلك نزاعاً بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين‬
                                              ‫يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فالن ترياق مجرب.‬
        ‫والحكاية المنقولة عن الشافعى أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبى حنيفة، من الكذب الظاهر.‬
                                                                                                     ‫فصل‬
                                         ‫فى الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين‬
                                                    ‫أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثالثة أشياء:‬
   ‫أحدها: تذكر اآلخرة واالعتبار واالتعاظ. وقد أشار النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إلى ذلك‬
                                                          ‫ز ر قب ر َإن ُ ر ُم ِ‬
                                                    ‫بقوله: " ُو ُوا الْ ُُو َ، فٍَ ّهَا تذَك ُك ُ اآلخرَةَ".‬
 ‫الثانى: اإلحسان إلى الميت، وأن ال يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحى مدة‬
  ‫طويلة تناساه، فإذا زار الحى فرح بزيارته وسر بذلك، فالميت أولى. ألنه قد صار فى دار قد هجر‬
  ‫أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعائه، أو صدقة، أو أهدى قربة،‬
 ‫ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحى بمن يزوره ويهدى له. ولهذا شرع النبى صلى اهلل تعالى‬
‫عليه وآله وسلم للزائرين أن يدعوا ألهل القبور بالمغفرة والرحمة، وسؤال العافية فقط. ولم يشرع أن‬
                                                                           ‫ً‬
                                                      ‫يدعوهم، وال يدعوا بهم، وال يصلى عندهم.‬
  ‫الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول صلى اهلل تعالى عليه‬
                                                       ‫وآله وسلم، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.‬
                                           ‫وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ عن عباد األصنام.‬

‫(41/071)‬




     ‫ص -812- قالوا: الميت المعظم الذى لروحه قرب ومنزلة ومزية عند اهلل تعالى ال يزال تأتيه‬
   ‫األلطاف من اهلل تعالى وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض‬
       ‫من روح المزور على روح الزائر من تلك األلطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة‬
                                                     ‫الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.‬
 ‫قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله‬
‫وإقباله عليه، بحيث ال يبقى فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب‬
                                                                                 ‫إلى انتفاعه به.‬
    ‫وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابى وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب فى‬
                                                                                        ‫عبادتها.‬
                          ‫وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة باألرواح العلوية فاض عليها منها النور.‬
   ‫وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت األصنام المجسدة‬
                                        ‫ا‬
     ‫لها. وهذا بعينه هو الذى أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادً، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج‬
      ‫عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذى قصد رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم إبطاله‬
   ‫ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون فى طريقه وناقضوه فى قصده. وكان‬
                                        ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم فى شق، وهؤالء فى شق.‬
      ‫وهذا الذى ذكره هؤالء المشركون فى زيارة القبور هو الشفاعة التى ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها‬
                                                                       ‫وتشفع لهم عند اهلل تعالى.‬
  ‫قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند اهلل وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه عليه‬
 ‫صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من اهلل. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا‬
      ‫جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به. فما يحصل لذلك من السلطان من اإلنعام‬
                                                                     ‫واإلفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.‬
     ‫فهذا سر عبادة األصنام، وهو الذى بعث اهلل رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم.‬
                                                                                                                            ‫وأباح‬

‫(41/171)‬




 ‫دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على‬
                                                                                                      ‫أهله، وإبطال مذهبهم.‬

‫(41/271)‬




       ‫ا و ي قل‬             ‫ي لك‬        ‫ن‬         ‫ش َُ و‬                   ‫َم َذ م د‬
  ‫ص -022- قال تعالى: {أ ِ اتخ ُوا ِنْ ُونِ اهلل ُفَعَاء قلْ أَ َلَوْ كَا ُوا ال َمِْ ُونَ شَيْئً َال َعْ ُِونَ *‬
                                                           ‫الش عة جم ه م ك الس و ت و َ ْض‬                       ‫ُ‬
                                           ‫قلْ هللِ َّفَا َ ُ َ ِيعاً لَ ُ ُلْ ُ َّم َا ِ َاألر ِ} [الزمر:34-44].‬
   ‫فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات واألرض، وهو اهلل وحده. فهو الذى يشفع بنفسه إلى نفسه‬
 ‫ليرحم عبده. فيأذن هم لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة فى الحقيقة إنما هى له، والذى يشفع‬
    ‫عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده.‬
‫وهذا ضد الشفاعة الشركية التى أثبتها هؤالء المشركون ومن وافقهم، وهى التى أبطلها اهلل سبحانه فى‬
                                                                                                          ‫كتابه، بقوله تعالى:‬
                     ‫عة‬          ‫ع‬          ‫ْز س ع س ا و ي َل م َ ْل و‬                                  ‫ً‬        ‫َاتق‬
‫{و َّ ُوا يَوْما ال تَج ِى نَفْ ٌ َنْ نَفْ ٌ شَيْئً َال ُقْب ُ ِنْهَا عد ٌ َال تَنْفَ ُهَا شفَا َ ٌ} [البقرة: 321] وقوله‬
             ‫عة‬          ‫ي ت ْ ٌ ب ع ف و خلة و‬                           ‫َيه ّذ ن من ن ق ِم َ َ ُ م ْ‬
   ‫{يَا أُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا أَ ُفْ ِوا م َّا رزقْنَاكمْ ِن قَبْلِ أَنْ َأْ ِىَ يوم ال َيْ ٌ ِيه َال ُّ ُ َال شَفَا َ ٌ} [البقرة:‬
   ‫452] وقال تعالى: { َأَن ِرْ ِهِ ال ِينَ َ َا ُونَ أَنْ ُحْش ُوا ِلَى َب ِمْ لَيْسَ لَهمْ ِنْ ُو ِ ِ َِى َال َ ِي ٌ‬
   ‫ُ م د نه ول و شف ع‬                       ‫ي َر إ ر ه‬                 ‫و ْذ ب ّذ يخ ف‬
     ‫ب هم ف ِت َي م ا و‬                          ‫الس و و َ‬            ‫هلل ّذ‬                         ‫عل ُ يتق ن‬
    ‫لَ َّهمْ َ ّ ُو َ} [األنعام: 15] وقال: {ا ُ ال ِى خَلَقَ َّم َات َاألرْضَ َيْنَ ُ َا ِى س َّةِ أ َّا ٍ ثم ُسْتَ َى‬
                                                   ‫ُ م د نه م ول ٍ و ف ع‬
                                                               ‫ى‬                                ‫َ‬     ‫عل‬
 ‫ََى الْعرْشِ مَالَكمْ ِنْ ُو ِ ِ ِنْ َِ ّ َال شَ ِي ٍ} [السجدة: 4]. فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من‬
                          ‫دونه، بل إذا أراد اهلل سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى:‬
                   ‫عْ ه إ ِ ن‬               ‫م ذ ّ ي‬                            ‫م ف إ م ب ْ ِ نه‬
   ‫{مَا ِنْ شَ ِيعٍ ِال ِنْ َعدِ إذْ ِ ِ} [يونس: 3]. وقال: { َنْ َا الذِى َشْفَعَ ِندَ ُ ِال بِإذْ ِه} [البقرة: 552]‬
                         ‫فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، وال الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه.‬
                                                   ‫والفرق بين الشفيعين، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور.‬
                                                                                                              ‫فالشفاعة‬

‫(41/371)‬




‫التى أبطلها اهلل: شفاعة الشريك فإنه ال شريك له، والتى أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذى ال يشفع وال‬
        ‫يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع فى فالن. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد‬
     ‫الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم‬
                                                                                         ‫الذين ارتضى اهلل سبحانه.‬
‫ع الش عة إ م َذ له‬                      ‫ي مِ ٍ‬                            ‫ض‬         ‫و ي ع إ م‬
‫قال تعالى: { َال َشْفَ ُونَ ِال لَ ِنِ ارْتَ َى} [األنبياء: 12]، وقال: { َوْ َئذ ال تَنْفَ ُ َّفَا َ ُ ِال َنْ أ ِنَ َ ُ‬
                                                                                       ‫الر ن ورض ُ ال‬
                                                                            ‫َّحم ُ َ َ ِى لَه قَوْ ً} [طه: 801]‬

‫(41/471)‬




     ‫ص -122- فأخبر أنه ال يحصل يومئذ شفاعة تنفع إال بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع‬
     ‫فيه، فأما المشرك فإنه ال يرتضيه، وال يرضى قوله، فال يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه‬
  ‫علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع األمرين لم توجد الشفاعة.‬
         ‫وسر ذلك: أن اهلل له األمر كله وحده، فليس ألحد معه من األمر شىء، وأعلى الخلق وأفضلهم‬
‫وأكرمهم عنده: هم الرسل والمالئكة المقربون، وهم عبيد محض، ال يسبقونه بالقول، وال يتقدمون بين‬
 ‫يديه، وال يفعلون شيئاً إال بعد إذنه لهم، وأمرهم. والسيما يوم ال تملك نفس لنفس شيئاً، فهم مملوكون‬
          ‫ً‬
  ‫مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنا منه أنه‬
  ‫إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند اهلل، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع‬
       ‫عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من‬
                                                           ‫خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم فى الحوائج.‬
                       ‫وبهذا القياس الفاسد عبدت األصنام، واتخذ المشركون من دون اهلل الشفيع والولى.‬
‫والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك،‬
                       ‫والغنى والفقير، والذى ال حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.‬
  ‫فالشفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام‬
  ‫أمر الملوك والكبراء بهم، ولوالهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم فى الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون‬
      ‫إلى قبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، ألنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم،‬
  ‫فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فال يجدون بداً من قبول شفاعتهم على الكره والرضى.‬
  ‫فأما الغنى الذى غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وكل من فى السماوات واألرض‬
                                                                       ‫عبد له، مقهورون بقهره، مصرفون. بمشيئته.‬

‫(41/571)‬




                          ‫لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة.‬
      ‫إ َر أ‬                       ‫ّذ َ ل ِن ه مس ح ن م َ َ ُ م ي ك م‬                                               ‫َ‬
    ‫قال تعالي: {لَقدْ كَفَرَ ال ِين قَاُوا إ َّ اهللَ ُوَ ال َ ِي ُ ابْ ُ َرْيم قلْ فَ َنْ َمْلِ ُ ِنَ اهللِ شَيْئاً ِنْ أ َادَ َنْ‬
            ‫ن َ َم وُمه وم ْ ف َ ْض جم ا وهلل م ك الس و ت و َ ْض وم ب ه‬                           ‫س‬         ‫يل‬
 ‫ُهِْكَ الَمْ ِيحَ ابْ َ مرْي َ َأ َّ ُ َ َن ِى األر ِ َ ِيعً َ ِ ُلْ ُ َّم َا ِ َاألر ِ َ َا َيْنَ ُمَا يخلق ما‬
 ‫له م‬                                                              ‫ٍ َد ر‬           ‫و هلل عل‬
‫يشاء َا ُ ََى كَل شَىء ق ِي ٌ} [المائدة: 71]، وقال سبحانه فى سيدة آى القرآن: آية الكرسى: {َ ُ َا‬
                                                                              ‫م ذ َّذ‬         ‫ف الس و ت وم ف َ‬
                                                                             ‫ِى َّم َا ِ َ َا ِى األرْضِ َنْ َا ال ِى‬

‫(41/371)‬




     ‫ص -222- َشْفَ ُ ِن َ ُ ِال بِإذْ ِ ِ} [البقرة: 552]، وقال: {قل هلل ال ّفَا َ ُ َ ِيعاً لَ ُ ُلْ ُ َّم َا ِ‬
     ‫ش عة جم ه م ك الس و ت‬                                                 ‫ي ع ع ْده إ ِ نه‬
                                                                                                                 ‫و َ ْض‬
                                                                                                   ‫َاألر ِ} [الزمر: 44].‬
            ‫ً‬
    ‫فأخبر أن حال ملكه للسموات واألرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحدا ال يشفع‬
    ‫عنده إال بإذنه، فإنه ليس بشريك، بل مملوك محض، بخالف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض.‬
      ‫فتبين أن الشفاعة التى نفاها اهلل سبحانه فى القرآن هى هذه الشفاعة الشركية التى يعرفها الناس،‬
 ‫ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة، بناءً على أنها هى المعروفة المتعاهدة عند الناس،‬
‫ويقيدها تارة بأنها ال تنفع إال بعد إذنه، وهذه الشفاعة فى الحقيقة هى منه، فإنه الذى أذن، والذى قبل،‬
                                  ‫والذى رضى عن المشفوع والذى وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله.‬
    ‫فمتخذ الشفيع مشرك، ال تنفعه شفاعته، وال يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه،‬
      ‫ومرجوه، ومخوفه الذى يتقرب إليه وحده، ويطلب رجاءه، ويتباعد من سخطه هو الذى يأذن اهلل‬
                                                                                       ‫سبحانه للشفيع أن يشفع فيه.‬
                     ‫ش عة جم ا‬                 ‫ُ‬               ‫شعء‬               ‫َ ات َذ م د‬
    ‫قال تعالى: {أمِ َّخ ُوا ِنْ ُونِ اهللِ ُفَ َا َ؟}، إلى قوله: {قلْ هللِ ال ّفَا َ ُ َ ِيعً} [الزمر: 34-44]،‬
       ‫ق‬        ‫ش ؤ عْ‬                ‫ي ُر ُ و ي عه و ق ل ن‬                       ‫وي بد ن م د هلل‬
     ‫وقال تعالى: { َ َعْ ُ ُو َ ِنْ ُونِ ا ِ مَا الَ َض ُّهمْ َال َنْفَ ُ ُمْ َيَ ُوُو َ هؤالءِ ُفَعَا ُنَا ِندَ اهلل ُلْ‬
                  ‫م الس و ت و ف َ ْ س ح ه و ل َم ي رك ن‬                                     ‫م‬            ‫ُ ئ‬
‫أتنَب ُونَ اهللَ ب َا ال يعْل ُ فى َّم َا ِ َال ِى األرضِ ُبْ َانَ ُ َتَعَاَى ع َّا ُشْ ِ ُو َ} [يونس: 11]، فبين‬
        ‫سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة ال تحصل باتخاذهم هم، وإنما تحصل بإذنه‬
                                                                                    ‫للشافع، ورضاه عن المشفوع.‬
    ‫وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، ال يفتقر فيها إلى‬
                                                            ‫ا‬         ‫ا‬
  ‫المشفوع عنده، ال خلقً، وال أمرً، وال إذناً، بل هو سبب محرك له من خارج، كسائر األسباب التى‬
                                     ‫تحرك األسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك ألجله ما‬

‫(41/771)‬




                ‫يوافقه كمن يشفع عنده فى أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه‬

‫(41/171)‬




  ‫ص -322- فى أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع.‬
        ‫وقد يكون المعارض الذى عنده أقوى من شفاعة الشافع، فيردها وال يقبلها، وقد يتعارض عنده‬
      ‫األمران، فيبقى متردداً بين ذلك المعارض الذى يوجب الرد، وبين الشفاعة التى تقتضى القبول،‬
  ‫فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد األمرين بمرجح، فشفاعة اإلنسان عند المخلوق مثله: هى سعى فى‬
  ‫سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يشفع‬
 ‫يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إما بقوة وسلطان، وإما يرغبه شفاعته، فال بد أن يحصل للمشفوع‬
     ‫إليه من الشافع إما رغبة ينتفع بها، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته. وهذا بخالف الشفاعة عند‬
   ‫الرب سبحانه، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع، لم‬
‫يمكن أن توجد، والشافع ال يشفع عنده لحاجة الرب إليه، وال لرهبته منه، وال لرغبته فيما لزمه، وإنما‬
   ‫يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة، مطيع بامتثال األمر، فإن أحداً من‬
       ‫األنبياء والمالئكة وجميع المخلوقات ال يتحرك بشفاعة وال غيرها إال بمشيئة اهلل تعالى، وخلقه،‬
      ‫فالرب سبحانه وتعالى هو الذى يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذى يحرك‬
 ‫المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه فى أكثر أموره، وهو فى الحقيقة شريكه،‬
 ‫ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع بالنصر، والمعاونة وغير‬
  ‫ذلك، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكل منهما محتاج إلى‬
                                                                                                   ‫اآلخر.‬
 ‫ومن وفقه اهلل تعالى لفهم هذا الموضع ومعرفته، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته‬
                ‫م ن ر‬          ‫وم َ ي َ هلل ه ً‬
  ‫اهلل تعالى من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله، { َ َنْ لمْ َجْعلِ ا ُ لَ ُ نورا فماله ِنْ ُو ٍ} [النور: 04].‬

‫(41/871)‬




                                                                                      ‫ص -422- فصل‬
  ‫ومن مكايد عدو اهلل ومصايده، التى كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب‬
      ‫الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء، والتصدية، والغناء باآلالت المحرمة، الذى يصد القلوب عن‬
 ‫القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن،‬
   ‫وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقة غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس‬
                                                        ‫ا‬          ‫ا‬
  ‫المبطلة، وحسنه لها مكرً منه وغرورً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت‬
                                                                      ‫ا‬
        ‫ألجله القرآن مهجورً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم األصوات، وهدأت منهم‬
‫الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له وال كتمايل النشوان،‬
 ‫وتكسروا فى حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط خمارة‬
                                                         ‫ُم‬
‫النفوس، ففعل فيها أعظم ما تفعله ح َّيه الكؤوس، فلغير اهلل، بل الشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب‬
  ‫تشقق، وأموال فى غير طاعة اهلل تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته‬
        ‫ا وأز‬
  ‫وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخَزَ فى صدورهم وخزً. َّهم إلى‬
          ‫س‬
      ‫ضرب األرض باألقدام أزا، فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص و ُيَطْ‬
        ‫الديار. فيا رحمتا للسقوف واألرض من دك تلك األقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير واألنعام،‬
               ‫ا‬
‫وياشماتة أعداء اإلسالم، بالذين يزعمون أنهم خواص اإلسالم قضوا حياتهم لذة وطربً، واتخذوا دينهم‬
                                                                                 ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫لهوً ولعبً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى‬
                                     ‫ا‬                                     ‫ا‬
                        ‫آخره لما حرك له ساكنً، وال أزعج له قاطنا، وال أثار فيه وجدً، وال قدح فيه‬
‫(41/011)‬




                                                 ‫ا‬
‫ص -522- من لواعج الشوق إلى اهلل زندً، حتى إذا تلى عليه قرآن الشيطان، وولج مزمور سمعه،‬
  ‫تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى‬
     ‫سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران‬
     ‫أشواقه فاشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من اهلل بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر‬
    ‫مغبون، هال كانت هذه األشجان، عند سماع القرآن؟ وهذه األذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن‬
   ‫المجيد؟ وهذه األحوال السنيات، عند تالوة السور واآليات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه،‬
         ‫ا‬     ‫ال‬                        ‫ا‬
‫ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدراً وشرعً، والمشاكلة سبب الميل عق ً وطبعً، فمن هذا‬
  ‫أين اإلخاء والنسب؟ لوال التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التى أوقعت فى‬
                                                                                ‫ال‬
                                                                               ‫عقد اإليمان وعهد الرحمن خل ً؟‬
                               ‫ُ ُ َد ب ل ظ م َد‬                      ‫َ َتخذ ه َذ ه ل ء م د ن‬
               ‫{أفَت َّ ِ ُونَ ُ و ُريتَ ُ أَوِْياَ َ ِنْ ُو ِى وَهمْ لكمْ ع ُو ِئْسَ ِل ّال ِينَ ب َال} [الكهف: 05].‬
                                                                                                   ‫ولقد أحسن القائل:‬
                                                     ‫ِنه ْر ق ٍ ه‬                    ‫خ‬       ‫ْ َق‬    ‫ب‬          ‫ُل‬
                                                    ‫تِىَ الكتَا ُ، فأطر ُوا، ال ِيفَةً لك َّ ُ إِط َا ُ سْاه ال ِى‬
                                                  ‫ْ هلل‬       ‫ح ر ق و هلل م ر ص‬                    ‫ت غ ء‬
                                                  ‫وأ َى ال ِنَا ُ، فكال َمي ِتَنَاهَ ُوا َا ِ َا َقَ ُوا ألجلِ ا ِ‬
                                                             ‫ر عب د‬                ‫ُ و ِ م ر و مة ذ‬
                                                   ‫دفِ َمزْ َا ٌ، َنغْ َ ُ شَا ِنٍ فمتَى َأَيتَ ِ َا َةً بمالهى؟‬
                                                           ‫ي ده و ِر و و ه‬                    ‫م م ر‬           ‫ُ ك ب‬
                                                          ‫ثَقلَ ال ِتَا ُ عليه ُ لَ َّا َأوْا تَقْ ِي َ ُ بأَ َام ٍ َنَ َا ِى‬
                                                      ‫و ام ه‬            ‫ْر‬     ‫ِ حو‬          ‫ر ْد َ‬        ‫سمع‬
                                                     ‫َ ِ ُوا له َع ًا وبرْقاً، إذْ َ َى زَج ًا وتخْ ِيفً َنَا ِى‬
                                                 ‫م ه‬                   ‫وت‬         ‫ِلن ع‬           ‫ْ‬      ‫َر ه‬
                                                ‫و َأَوْ ُ أَعْظم قاطعٍ ل َّفسِ َنْ شهَ َا ِها، ياذبحها ال ُتَنا ِى‬
                                                ‫ه‬           ‫َد ع‬          ‫ْ‬        ‫ع م ف ا ْر ض‬               ‫و‬
                                                ‫َأتى السما ُ ُوا ِقًأَغ َا َها فَألَجلَ ذاكَ غ َا َظِيمَ الجا ِ‬
                                                  ‫س‬       ‫به ع ْ جه‬                ‫ع‬       ‫م ِدل و م‬
                                              ‫أيْنَ ال ُسَاع ُِلْهَ َىِ ِنْ قاط ٍ أَسْبَا َ ُ، ِندَ ال َ ُولِ ال ّاهى؟‬
                                              ‫مم ِل ومض ه‬          ‫َ يك م جس م فإنه ْر ع‬
                                             ‫إنْ لمْ َ ُنْ خَ َر ال ُ ُو ِ، َّ ُ خَم ُ ال ُقولِ ُ َاث ٌ َ ُ َا ِى‬

‫(41/111)‬
                                                  ‫الن و ع ْد ه‬                ‫ظ‬       ‫ع ْ َر ب‬         ‫ن‬      ‫إ‬
                                                 ‫فانظْر ِلى ال ّشْوان ِندَ ش َا َه وانْ ُرْ إلى َّسْ َانِ ِن َ مَال ِى‬
                                                          ‫ه‬           ‫ف‬           ‫ز ذ و به م ب ْد‬                  ‫ُ إ‬
                                                         ‫وانظرْ ِلى تمْ ِيقِ َا أَث َا َ ُ ِن َع ِ تمزيقِ ال ُؤَادِ الال ِى‬

‫(41/211)‬




                                                                                     ‫فأى‬
                                           ‫ص -322- واحكم َّ الخمرتين أحق بالتحريم، والتأثيم عند اهلل؟‬
                                                                                                                   ‫وقال آخر:‬
                                                                   ‫غ‬         ‫م َ ِ َ َض م س‬             ‫ر إل هلل‬
                                                                ‫ب ِئْنَا َِى ا ِ منْ ِعْشرٍ يهمْ مر ٌ ِنْ َمَاعِ ال ِنَا‬
                                                                      ‫ُ ُف م به م ب‬            ‫ت ي ْم ُ عل‬
                                                                   ‫وكم قلْ ُ َاقَو ُ، أَنْتمْ ََى شَفَا جر ٍ َا ِ ِ ِنْ ِنَا‬
                                                                        ‫به م ع‬            ‫ُ ُف ه ُو إ د‬
                                                                      ‫شَفَا جر ٍ تحْتَ ُ ه َّة ِلى َرَكٍ، كم ِ ِ ِنْ َنا‬
                                                                            ‫ن ْذ َ ف ه إ رب‬            ‫ْر ر الن ح م‬
                                                                          ‫وتَك َا ُ ُّصْ ِ ِنا لهم لُع ِر ِي ِمْ ِلى َّنا‬
                                                                         ‫ْر‬               ‫ج إ‬             ‫َلم ْت ن ب ب‬
                                                                       ‫ف َّا اسَّها ُوا َتَنْ ِيهنا رَ َعْنَا ِلى اهللِ فى أَم ِنا‬
                                                                     ‫و و عل ت ت ت ت‬                     ‫ع عل ُن م‬
                                                                   ‫ف ِشْنَا ََى س َّةِ ال ُصْطَفَى َمَات ُا ََى ِنْ ِنَا ِنْ ِنا‬

‫(41/311)‬




   ‫ولم يزل أنصار اإلسالم وأئمة الهدى، تصيح بهؤالء من أقطار األرض، وتحذر من سلوك سبيلهم،‬
                                                                              ‫واقتفاء آثارهم من، جميع طوائف الملة.‬
                                           ‫قال اإلمام أبو بكر الطرطوشى فى خطبة كتابه، فى تحريم السماع:‬
    ‫ا‬
    ‫الحمد هلل رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وال عدوان إال على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقً‬
                                                                          ‫ً‬
      ‫فنتبعه، والباطل باطال فنجتنبه. وقد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم‬
       ‫يستغفر اهلل ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل، وقل العلم، وتناقص األمر، حتى صار أحدهم يأتى‬
                                                              ‫ا‬                      ‫ا‬
 ‫المعصية جهارً، ثم ازداد األمر إدبارً، حتى بلغناً أن طائفة من إخواننا المسلمين- وفقنا اهلل وإياهم-‬
 ‫استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم فى حب األغانى واللهو، وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من‬
                                     ‫الدين الذى يقربهم إلى اهلل وجاهرت به جماعة المسلمين وشاق‬
      ‫َّت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء‬
                                                                                                      ‫والعلماء وحملة الدين‬
 ‫م من نو ه ول ون ل جه ّم‬                           ‫س‬            ‫َي ه ُد ويت‬                        ‫الرس م ب‬             ‫وم ي‬
 ‫{ َ َنْ ُشَاقِقِ َّ ُولَ ِنْ َعْدِ مَا تَب َّنَ لَ ُ الْه َى َ َّبِعْ غَيْرَ َبِيلِ الْ ُو ِ ِين ُ َل ِ مَا تَ َّى َُصِْه َ َن َ‬
                                                                         ‫ا‬    ‫و ء م‬
‫َسَا َتْ َصِيرً} [النساء: 511]. فرأيت أن أوضح الحق، وأكشف عن شبه أهل الباطل، بالحجج التى‬
       ‫تضمنها كتاب اهلل، وسنة رسوله، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم فى أقاصى‬
 ‫األرض ودانيها، حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين فى بدعتها. واهلل ولى التوفيق.‬
 ‫ثم قال: أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال: "إذا اشترى جارية فوجدها مغنية له أن‬
                                                                                 ‫يردها بالعيب".‬

‫(41/411)‬




 ‫ص -722- وسئل مالك رحمه اهلل: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: "إنما يفعله عندنا‬
                                                                                        ‫الفساق".‬
                                      ‫قال: "وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب"،‬
  ‫وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبى، وغيرهم، ال اختالف بينهم فى ذلك،‬
                                                                           ‫ا‬
                                              ‫وال نعلم خالفاً أيضً بين أهل البصرة فى المنع منه.‬
      ‫قلت: مذهب أبى حنيفة فى ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ األقوال. وقد صرح أصحابه‬
    ‫بتحريم سماع المالهى كلها، كالمزمار، والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية،‬
      ‫يوجب الفسق، وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، هذا‬
                                                                  ‫ً‬
                                                     ‫لفظهم، ورووا فى ذلك حديثا ال يصح رفعه.‬
                         ‫قالوا: ويجب عليه أن يجتهد فى أن ال يسمعه إذا مر به، أو كان فى جواره‬
 ‫وقال أبو يوسف، فى دار يسمع منها صوت المعازف والمالهى: "أدخل عليهم بغير إذنهم، ألن النهى‬
                  ‫عن المنكر فرض"، فلو لم يجز الدخول بغير إذن المتنع الناس من إقامة الفرض".‬
                  ‫ا‬
   ‫قالوا: ويتقدم إليه اإلمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه و ضربه سياطً، وإن شاء أزعجه‬
                                                                                      ‫عن داره.‬
     ‫وأما الشافعى: فقال فى كتاب "أدب القضاء": "إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال. ومن‬
                                                                       ‫د‬
                                                              ‫استكثر منه فهو سفيه تر ّ شهادته".‬
  ‫وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله، كالقاضى أبى الطيب‬
                                                     ‫الطبرى، والشيخ أبى إسحاق، وابن الصباغ.‬
  ‫قال الشيخ أبو إسحاق فى "التنبيه": "وال تصح اإلجارة على منفعة محرمة، كالغناء، والزمر، وحمل‬
                                                                      ‫ا‬
                                                                    ‫الخمر، ولم يذكر فيه خالفً".‬
‫وقال فى "المهذب": "وال يجوز على المنافع المحرمة، ألنه محرم، فال يجوز أخذ العوض عنه كالميتة‬
                                                                                          ‫والدم".‬
                                                                    ‫فقد تضمن كالم الشيخ أمورا.‬

‫(41/511)‬




                                       ‫ص -122- أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.‬
                                                                ‫الثانى: أن االستئجار عليها باطل.‬
                      ‫الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم.‬
  ‫الرابع: أنه ال يجوز للرجل بذل ماله للمغنى، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله فى مقابلة محرم. وأن‬
                                                        ‫بذله فى ذلك كبذله فى مقابلة الدم والميتة.‬
                                                                       ‫الخامس: أن الزمر حرام.‬
      ‫وإذا كان الزمر، الذى هو أخف آالت اللهو، حراماً، فكيف بما هو أشد منه؟ كالعود، والطنبور،‬
‫واليراع، وال ينبغى لمن شم رائحة العلم أن يتوقف فى تحريم ذلك. فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق‬
                                                                               ‫وشاربى الخمور.‬
                                                      ‫وكذلك قال أبو زكريا النووى في "روضته".‬
  ‫القسم الثانى: أن يغنى ببعض آالت الغناء، بما هو فى شعار شاربى الخمر، وهو مطرب كالطنبور،‬
  ‫والعود والصنبح، وسائر المعازف، واألوتار. يحرم استعماله، واستماعه. قال: وفى اليراع وجهان،‬
                                                                          ‫صحح البغوى التحريم.‬
                               ‫َّب‬
                           ‫ثم ذكر عن الغزالى الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو الش َّابة.‬
                                                              ‫ً‬
                                             ‫وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابا فى تحريم اليراع.‬
    ‫وقد حكى أبو عمرو بن الصالح اإلجماع على تحريم السماع، الذى جمع الدف والشبابة. والغناء.‬
                                                                                 ‫فقال فى فتاويه:‬
‫وأما إباحة هذا السماع وتحليله، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند‬
         ‫أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين. ولم يثبت عن أحد- ممن يعتد بقوله فى اإلجماع‬
 ‫واالختالف- أنه أباح هذا السماع، والخالف المنقول عن بعض أصحاب الشافعى إنما نقل فى الشبابة‬
                             ‫ا‬                                           ‫ا‬
 ‫منفردة، والدف منفردً، فمن ال يحصل، أو ال يتأمل، ربما اعتقد خالفً بين الشافعيين فى هذا السماع‬
‫الجامع هذه المالهى، وذلك وهم بين من الصائر إليه، تنادى عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل‬
      ‫خالف يستروح إليه، ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم،‬
                                                                                ‫تزندق أو كاد. قال: وقولهم فى السماع‬

‫(41/311)‬




        ‫ص -822- المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف إلجماع المسلمين، ومن خالف‬
                                                                                      ‫إجماعهم، فعليه ما فى قوله تعالى:‬
 ‫م م ن نو ه ول ون ل جه َّم‬                           ‫س‬            ‫َي ه ُد و َت‬                       ‫الرس م ب‬             ‫وم ي‬
 ‫{ َ َنْ ُشَاقِقِ َّ ُولَ ِنْ َعْدِ مَا تَب َّنَ لَ ُ الْه َى َيَّبِعْ غَيْرَ َبِيلِ الْ ُؤْ ِني َ ُ َل ِ مَا تَ َّى َُصِْهِ َ َن َ‬
                                                                                   ‫ا‬    ‫و ء م‬
      ‫َسَا َتْ َصِيرً} [النساء: 511]. وأطال الكالم فى الرد على هاتين الطائفتين اللتين بالء اإلسالم‬
                                            ‫منهم: المحللون لما حرم اهلل، والمتقربون إلى اهلل بما يباعدهم عنه.‬
                               ‫والشافعى وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قوالً فى ذلك.‬
‫وقد تواتر عن الشافعى أنه قال: "خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير، يصدون به الناس‬
                                                                                                                   ‫عن القرآن".‬
‫ن‬
‫فإذا كان هذا قوله فى التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد فى الدنيا، يغنى به مغ ّ‬
  ‫فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخذة على توقيع غنائه- فليت شعرى ما يقول فى‬
   ‫سماع التغبير عنده كتفلة فى بحر. قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم، فاهلل بين دينه وبين‬
                                                                                          ‫كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.‬
      ‫قال سفيان بن عيينة: "كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل‬
                                                                                                                         ‫مفتون".‬
                                                   ‫ومن تأمل الفساد الداخل على األمة وجده من هذين المفتونين.‬
                                                                                                                            ‫فصل‬
‫وأما مذهب اإلمام أحمد؛ فقال عبد اهلل ابنه: "سألت أبى عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق فى القلب،‬
                                                         ‫ال يعجبنى"، ثم ذكر قول مالك: "إنما يفعله عندنا الفساق".‬
   ‫قال عبد اهلل: وسمعت أبى يقول: سمعت يحيى القطان يقول: "لو أن رجالً عمل بكل رخصة، بقول‬
                         ‫ا‬
                       ‫أهل الكوفة فى النبيذ، وأهل المدينة فى السماع، وأهل مكة فى المتعة، لكان فاسقً".‬

‫(41/711)‬
  ‫ص -032- قال أحمد: وقال سليمان التيمى: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع‬
                                                                                 ‫فيك الشر كله".‬
‫ونص على كسر آالت اللهو كالطنبور وغيره، إذا رآها مكشوفة، وأمكنه كسرها وعنه فى كسرها إذا‬
                                           ‫كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان.‬
  ‫ونص فى أيتام ورثوا، جارية مغنية، وأرادوا بيعها، فقال: "ال تباع إال على أنها ساذجة؛ فقالوا: إذا‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫بيعت مغنية ساوت عشرين ألفً أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة ال تساوى ألفين؛ فقال: ال تباع إال على‬
                                                                                    ‫أنها ساذجة".‬
                                     ‫ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على األيتام.‬
                                                                                           ‫فصل‬
            ‫وأما سماعه من المرأة األجنبية، أو األمرد فمن. أعظم المحرمات، وأشدها فساداً للدين.‬
  ‫قال الشافعى رحمه اهلل: "وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها، فهو سفيه ترد شهادته"، وأغلظ‬
                                            ‫القول فيه. وقال: "هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثا".‬
 ‫قال القاضى أبو الطيب: "وإنما جعل صاحبها سفيها، ألنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى‬
                                                                          ‫ا‬
                                                                        ‫الباطل كان سفيها فاسقً".‬
  ‫قال: وكان الشافعى يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: "وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن‬
                                                                                        ‫القرآن".‬
  ‫قال: "وأما العود والطنبور وسائر المالهى فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع‬
                                                                         ‫رجلين مطعون عليهما".‬
  ‫قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد، وعبيد اهلل بن الحسن. فإنه قال: "وما خالف فى الغناء إال رجالن:‬
                                  ‫ا‬
     ‫إبراهيم بن سعد، فإن الساجى حكى عنه: أنه كان ال يرى به بأسً، والثانى: عبيد اهلل بن الحسن‬
                                                     ‫العنبرى، قاضى البصرة، وهو مطعون فيه".‬
           ‫قال أبو بكر الطرطوشى: "وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين، ألنهم جعلوا الغناء دينا‬

‫(41/111)‬
 ‫ص -132- وطاعة، ورأت إعالنه فى المساجد والجوامع، وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة.‬
                                                                  ‫وليس فى األمة من رأى هذا الرأى".‬
   ‫قلت: ومن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله فى المسجد األقصى،‬
 ‫ا‬                                                             ‫ا‬
‫عشية عرفة. ويقيمونه أيضً فى، مسجد الخيف أيام منى. وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفى مرارً،‬
      ‫ورأيتهم يقيمون بالمسجد الحرام نفسه والناس فى الطواف، فاستدعيت حزب اهلل وفرقنا شملهم.‬
   ‫ورأيتهم يقيمون بعرفات، والناس فى الدعاء، والتضرع، واالبتهال والضجيج إلى اهلل، وهم فى هذا‬
                                                               ‫السماع الملعون باليراع والدف والغناء.‬
                      ‫فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح فى عدالة من أقرهم ومنصبه الدينى.‬
                                           ‫وما أحسن ما قال بعض العلماء وقد شاهد هذا وأفعالهم:‬
                                                     ‫ت‬        ‫ُ ُ ْ ْ ع ْ ص ح َق النص ح‬
                                             ‫أَال قلْ لَهم قَولَ َبدٍ نَ ُو ٍ وَح ُّ َّ ِي َةِ أَنْ ُسْتَمعْ:‬
                                                              ‫س د ن ن غ ُنة تت‬                           ‫م ت عِ‬
                                                          ‫َ َى َلمَ النا ُ فى ِي ِنا بأَ ّ ال ِنَا س َّ ٌ ُّبَع؟‬
                                               ‫ج َت‬               ‫ح ر وَ ُ‬              ‫م ء‬
                                       ‫وأَنْ يأكلَ ال َرْ ُ أَكْلَ ال ِما ِ َيرْقصَ فى ال َمْعِ ح َّى يقَعْ؟‬
                                                  ‫قص‬           ‫ْ‬       ‫َ‬       ‫ُب إل ه و‬            ‫ل سِ‬
                                                ‫وقَاُوا: َكرْنَا بِح َّ ا ِل ِ َمَا أسْكرَ القَومَ إال ال ِ َعْ‬
                                                          ‫إ أ بع ُ َقصه ِي والشب‬                   ‫ب‬       ‫َذ‬
                                                        ‫ك َاكَ ال َهَائمِ ِنْ ُشْ ِ َت ير َّ ُ َا رُّها َّ ُعْ‬
                                                      ‫َد‬          ‫تلي‬             ‫ي ِره الن ى ُم غ‬
                                                    ‫و َسْك ُ ُ َّا ُ، ث َّ ال ِنا ويس لَوْ ُِ َتْ ما انْص َعْ‬
                                                              ‫م ِر م ك ل ِد‬             ‫ق ل وي ِلنه‬
                                                            ‫فيَا لَلْع ُو ِ، َ َا ل ُّ َى أَال ُنْك ٌ ِنْ ُم ِلب َعْ‬
                                                     ‫بي‬        ‫وت َم ع م ذ‬              ‫ُ ن م جد س‬
                                                   ‫تهَا ُ َسَا ِ ُنَا بَال ّما عِ َُكْر ُ َنْ ِثْلِ َاكَ ال ِ َعْ‬
                                                                              ‫وقال آخر، وأحسن ما شاء:‬
                                       ‫ل‬         ‫شو‬             ‫ج ْ ز َر م‬          ‫د‬      ‫ه الر ل‬
                                       ‫ذَ َبَ َّجَا ُ وحال ُونَ م َالِهم ُم َّ ِنَ األوبْاَ ِ َاألَنذَا ِ‬

‫(41/811)‬




                                ‫ص -232- َ َ ُوا بأَّه ُ َلَى آ َارِهمْ َا ُوا، ول ِنْ ِ َرةَ البَ ّا ِ‬
                                ‫طل‬           ‫ك سي‬          ‫زعم ن ُم ع ث ِ س ر‬
                                            ‫َ ب و ْد ل‬               ‫َش‬         ‫ُرق ا و شف‬           ‫بس الدل‬
                                            ‫لَ ِ ُوا ُُّوقَ م َّعً، َتَقَ ّ ُوا كَتَق ُّفِ األقْطَا ِ َاألَب َا ِ‬
                                     ‫وض ل‬          ‫ج‬     ‫ر الس لك ن و َّر سب ُد‬                    ‫ع‬
                                     ‫قَطَ ُوا طَ ِيقَ َّاِ ِي َ، َغَو ُوا ُ ُل الْه َى، ب َهَالةٍ َ َال ِ‬
                                      ‫ل‬           ‫وط ُ م‬              ‫ح‬       ‫عم و و ِ ه و الت‬
                                      ‫َ َر ُا ظَ َاهرَ ُمْ بأَث َابِ ٍّقَى وَ َشَوْا بَ َا ِنَهمْ ِنَ األدْغا ِ‬
                                              ‫مك م‬               ‫رس له ه ز ك ه‬            ‫هلل‬           ‫إْق‬
                                       ‫ِن ُلتَ: قَالَ ا ُ، قَالَ َ ُوُ ُ َم ُو َ َمْزَ ال ُنْ ِر ال ُتَغَالى‬
                                    ‫ل‬          ‫ْل و‬         ‫بع هم‬          ‫الص بة أل‬             ‫َْ‬      ‫ْق‬
                                    ‫أَو ُلْتَ: قد قَالَ َّحَا َ ُ، وا ُولى تَ ِ ُو ُ ُ فى القَو ِ َاألَعْمَا ِ‬
                           ‫صل ع هلل َ َل ل‬                 ‫ل ل م‬                      ‫ْق‬
                           ‫أو ُلْتَ: قَالَ اآل ُ، آ ُ ال ُصْطَفى َّى َليهِ ا ُ، أفْض ِ آ ِ‬
                               ‫و إل م ل‬               ‫حن‬               ‫ش ف ِى‬                 ‫ْق‬
                              ‫أو ُلْتَ: قَالَ ال ّا ِع ُّ، وأحمد وأَبو َ ِيفَةَ، َا ِمَا ُ العَاِى‬
                             ‫ل‬           ‫ب ُ م ب ْ ِ ْ ُل ع ْ ُم ش‬                              ‫ْق‬
                             ‫أَو ُلْتَ: قَالَ صِحَا ُهمْ ِنْ َعدِهم فَالك ُّ ِندَه ُ كَ ِبْهِ خَيَا ِ‬
                     ‫ول‬          ‫ع ص‬           ‫ل ع ِر ع ْ‬                       ‫ويق ل‬
                    ‫َ َ ُو ُ: قَلْبى قَالَ ِى، َنَ س َّهِ، َن سر سرى، َنْ َفَا أَحْ َاِى‬
              ‫ل‬      ‫ِد ع و ر ع‬              ‫ع‬            ‫عِفر ع‬             ‫ع ح‬
             ‫َنْ َضْرَتى، َن ِكْ َت َنْ خَلْوَتى َنْ شَاه ِى َنْ َا ِدِى َنْ حَاِى‬
                  ‫ف ل‬             ‫ع‬     ‫ع س ذ‬         ‫ع قق م‬              ‫ع صوو‬
                 ‫َنْ َفْ ِ َقْتى، َنْ حَ ِي ِة َشهدى َنْ ِرَ َاتى، َنْ صِفَاتِ ِعَاِى‬
                                     ‫َعْ َى، إ َا َّقْتَهَا، أَلْفَيْتَ َا أَلْقَابَ ُورٍ، ل َّفَتْ ِ ُحا ِ‬
                                     ‫ُف بم ل‬              ‫ز‬            ‫ه‬                    ‫د و ذ حق‬
                           ‫َر ُوا الحَقَائِقَ َال ّرائِ َ، َاقْتدَوْا بِظَ َاهرِ الج َّا ِ و ُّال ِ‬
                           ‫ُه ل َالض ل‬          ‫و ِ‬               ‫و ش ع و‬                      ‫ت ك‬
                            ‫ِ‬              ‫ا و ل‬                      ‫ا ل‬            ‫َعل م‬
                       ‫ج َُوا ال ِراد فَتْحً، وأُفَاظَ الخَنَا شَطْحً، َصَاُوا صَوْلَةَ اإلدْالل‬
                               ‫كل‬                       ‫م‬              ‫ْ ظه ر‬                  ‫ِذ ك‬
                               ‫نَب ُوا ِتَابَ اهللِ خَلفَ ُ ُو ِهْم نَبْذَ ال ُسَافرِ فَضْلَةَ األَ ّا ِ‬
                                 ‫ل ه ُل م ل‬                          ‫جعل الس مطي ل و هم‬
                                 ‫َ َُوا َّماعَ َ ِ ّة ِهَ َا ُ ُوَ غَلَوْا فَقَاُوا في ِ ك َّ ُحَا ِ‬
                       ‫ل‬                ‫هو عة ه َ ق ة ه س ة َ َق ِذ الش‬
                       ‫ُ َ طَا َ ٌ، ُو ُرْب ٌ، ُوَ ُن ٌ صد ُوا ل َاكَ َّيْخِ ذِى اإلضال ِ‬

‫(41/081)‬




                                    ‫م ل‬             ‫ب د‬          ‫ٌ ق يم ص ُ ب ح َت‬
                                    ‫شَيْخ َد ِ ٌ، َادَهمْ َتَ َيل حَّى أَجَا ُوا َعوةَ ال ُحْتَا ِ‬
                                ‫و َأَوْا َمَاعَ الشعر أنْفَعَ للفَتى ِنْ أَوْ ُ ٍ َبْعٍ لَ ُمْ ِت ِا ِ‬
                                ‫م جه س ه ب و ل‬                                              ‫َر س‬
                         ‫ٍَ هد ُ بض ل‬                        ‫َر ه ُ ن و ب ر و‬
                         ‫هَج ُوا لَ ُ القرْآ َ َاألَخْ َا َ َاآل ـثارَ، إذْ ش ِ َتْ لَهمْ ِ َال ِ‬
                                      ‫تَاهللِ مَا ظَفرَ ال َد ُّ ِمثِْهَا ِنْ ِثْلهمْ، َاخَيْ َةَ اآلما ِ‬
                                      ‫ل‬         ‫ِ ع ُو ب ل م م ِ و ب‬
                                 ‫مح‬         ‫ِذ ّ‬            ‫يع ه‬                 ‫ُ‬       ‫ص ح‬
                       ‫نَ َبَ ال ِبَال لَهمْ، فَلمْ َقَ ُوا ب َا فأَتى ب َا الشرَكِ ال ُ ِيطِ الغالى‬

‫(41/181)‬




           ‫ول‬           ‫ن‬            ‫ب‬           ‫وس َر ن م َز‬
           ‫ص -332- فإذا هموا َ َطِ الع ِي َ ُم َّقىال آثْوا ِ، واألدْيَا ِ، واألحْ َا ِ‬
                            ‫ل‬                      ‫ّ ي و ه شغ ب‬               ‫ي مع س‬
                            ‫ال َسْ َ ُونَ ِوَى الذِى َهْ ُون ُ ُ ُال ِهِ عنْ سائرِ األشْغَا ِ‬
                       ‫ش ل‬         ‫ْم‬         ‫ي ن رض ع ه س‬                             ‫دع إ‬
                       ‫و ُ ُوا ِلى ذاتِ الْ َمي ِ فأَعْ َ ُوا َنْ َا، و َارَ القَو ُ ذاتَ ِمَا ِ‬
                             ‫خ ُّوا ََى القرآنِ ِندَ َمَاعه ص َّا، و َميَاناً ذَ ِى إِهمَا ِ‬
                             ‫ل‬         ‫و‬           ‫ُم ع‬            ‫عْ س‬            ‫َر عل‬
                                ‫ل‬             ‫ه َد ه‬             ‫ع ِ س ة‬                        ‫ذ‬
                                ‫وإ َا تالَ القَارِى َلَيْهمْ ُورَ ً فأطَال َا، ع ُّو ُ فى األثْقَا ِ‬
                         ‫ذ إ ل‬               ‫و س ذ ع ْر َّ‬                     ‫ويق ُ ئل ُ‬
                         ‫َ َ ُول قَا ُِهمْ: أَطَلتَ، َلَي َ َا َش ٌ، فَخَففْ، أَنْتَ ُو ِمال ِ‬
                        ‫ه َا، َكمْ لَغْو، وَكم صَخَ ٍ، َ َم ضَحِ ٍ بِالَ أَ َ ٍ، َال إجْمَا ِ‬
                        ‫ل‬          ‫دب و‬            ‫ك‬       ‫ب وك‬                      ‫ذ وَ‬
                              ‫ح َّى إذَا َامَ َّما ُ ل َيْه ُ خَشَ َتْ ل ُ األصْوا ُ باإلجْال ِ‬
                              ‫ل‬          ‫ت‬         ‫ق الس ع َد ِم ع ه‬                       ‫َت‬
                            ‫َامْت َّتِ األعْنَا ُ، تَسْم ُ َحْىَ ذَاِ كَ ال ّي ِ ِنْ ُتَر َم ق َّا ِ‬
                            ‫ش خ م م ن َّ َو ل‬                       ‫عو‬         ‫ق‬            ‫و َد‬
                         ‫َتح َّكَتْ ِلكَ ُّ ُو ُ، وه َّهَا طَ َ ٌ، وأشْ َا ٌ ِنَيلِ ِ َا ِ‬
                         ‫و ق ل ْ وص ل‬             ‫رب‬        ‫و َر ت الرء س َز‬
                         ‫ول‬           ‫ب‬           ‫ول‬           ‫ن‬         ‫وق و‬           ‫ه ل‬
                         ‫فَ ُنَاِكَ األشْ َا ُ َاألشْجَا ُ وال أَح َا ُ، ال أهالً ِذِى األح َا ِ‬
                               ‫تَاهلل لو كانت صحاة أبصروا ماذا دهاهمْ من قبيحِ ِعَا ِ‬
                               ‫ف ل‬
                               ‫ل‬               ‫م‬          ‫س ْر الس َشد م س‬
                               ‫لكنما ُك ُ َّماع أ ُّ ِنْ ُكرِ المدا ِ، وذا بال إشكا ِ‬
                               ‫ل‬                             ‫َر‬         ‫ل‬          ‫هم‬
                               ‫فإذا ُ َا اجتمعَا ِنَفْسٍ م َّةً نالتْ من الخسرانِ كل منَا ِ‬
                                 ‫يَا َّةً لَعبتْ بدين نبيها كتالعب الصبيان فى األوحا ِ‬
                                 ‫ل‬                                              ‫أم‬
                               ‫ل‬                                             ‫ْ‬
                               ‫أشمتوا أَهلَ الكتابِ بدينكمْ واهلل لن يرضوا بذى األفعا ِ‬
                                   ‫ل‬        ‫د‬            ‫س‬
                                   ‫كم ذا نعير منهم بقريقكم ِرا وجهرا عن َ كل جدا ِ‬
                                ‫قالوا لنا: دين عبادة أهله هذا السماع، فذاك دين محا ِ‬
                                ‫ل‬
                               ‫ل‬                                        ‫ئ‬
                               ‫بل ال تج ُ شريعة بجوازه فسلوا الشرائع تكتفوا بسؤا ِ‬
                              ‫لو قلتموا فسق، ومعصية، وتزْ بين من الشيطان لألنذا ِ‬
                              ‫ل‬
                              ‫ل‬                                      ‫أن‬
                              ‫كنا شهدنا َّ ذا دين أتى بالحق، دين الرسل، ال بضال ِ‬

‫(41/281)‬




                                   ‫واهلل منهم قدسمعنا ذاإلى الآل ذان من أفواههم بمقال‬

‫(41/381)‬




           ‫ِ َف ل‬             ‫ق د‬               ‫ْ حَ ل‬                   ‫ومم ذ‬
           ‫ص -432- َت َا ُ َاكَ الْقَولِ بالْ ِيلِ اّتى فَسَخَتْ ع ُو َ الدين فَسْخ ِصَا ِ‬
                                ‫ل‬           ‫مه َل ج ُ ف ت صله م‬                     ‫جع كالث‬
                                ‫َ َلَتْه َّوْبِ ال ُ َلْه ِ نَسْ ُه ِيهِ ُفَ ُّ ُ ِنْ األوصَا ِ‬
                              ‫ل‬         ‫م م ْر وم ِد و ح َ و ب ب‬
                              ‫مَا شئت ِنْ َك ِ َ ِنْ خ َع َمنْ ِيلٍ، َتَلْ ِيسٍ ِالَ إقال ِ‬
                     ‫ط ك ِّ ر ة وعل َر هلل إل ل‬                         ‫عل‬
                     ‫فَاحَتلْ ََى إسْقَا ِ ُل فَ ِيض ٍ َ ََى ح َامِ ا ِ بِا ِحْال ِ‬
            ‫واحتلْ ََى المَظُْو ِ ُقْلَ ُ ظالمًا َ ََى َّلوم، ِضد ِلكَ الَحا ِ‬
            ‫ل‬          ‫ب ت‬       ‫وعل الظ‬         ‫ل مي ب‬              ‫َ عل‬
                  ‫َاقِبْ، وَ َولْ، ف َّح ُّل كُّ ُ فى الْقَلْ ِ، و َّحْ ِي ُ ُو ِعما ِ‬
                  ‫ب َالت و ل ذ إ ل‬                    ‫َالت َي ُله‬         ‫ح‬       ‫و ل‬
                   ‫ع ل و أل و ل‬            ‫غ م‬          ‫ب ُل‬      ‫ف‬        ‫َم‬          ‫إ ك‬
                   ‫ِنْ ُنْتَ تَفْه ُ ذَا ظَ ِرْتَ ِك ِّ ما تَبْ ِى ِنَ األفْ َا ِ َا َق َا ِ‬
             ‫َاحْتلْ ََى ُرْبِ الم َا ِ وسَمها غَيرَ ُسْ ِهَا، و َّفْ ُ ُو إجْمَا ِ‬
             ‫ل‬         ‫ْ ا م َالل ظ ذ‬                    ‫ُد م‬         ‫و َ عل ش‬
           ‫َاحْتلْ ََى أكْلِ الربَا واهْجرْ شَنا َةَ لَفْظ ِ، َاحْتلْ ََى األبْدا ِ‬
           ‫ل‬          ‫ه و َ عل‬              ‫ع‬        ‫ُ‬                   ‫و َ عل‬
             ‫َاحْتلْ ََى الْ َطْءِ الْح َا ِ، َال تَقلْ هذَا ِنً، َانْكَحْ رَخ َّ ال َا ِ‬
             ‫ِى ب ل‬                ‫زا و‬          ‫َر م و ُ‬               ‫و َ عل و‬
                ‫َاحْتلْ ََى َل الع ُودِ وفَسْ ِ َا َعدَ الل ُو ِ، وذَاكَ ُو ِشْكَا ِ‬
                ‫خه ب ْ ز م َ ذ إ ل‬                              ‫ق‬      ‫و َ عل ح‬
                       ‫َ ن م ل‬                        ‫و طب به م‬                      ‫إ عل م‬
                       ‫ِال ََى ال ُحْتَالِ، فَهْ َ ِ ِي ُ َا يَا ِحْنَةَ األدْيَا ِ بِال ُحْتَا ِ‬
           ‫ح م إ ل‬                    ‫ا‬           ‫ُق ف و ْ‬                  ‫و َ ع‬
           ‫َاحْتلْ َلَى نَقْضِ الْو ُو ِ، َعَودِهاَ طَلْقً، وال تَسْتَ ِى ِنْ ِبطَا ِ‬
                      ‫إل ل‬         ‫ِذ غل َ ِج‬                ‫ب‬       ‫ق ث َّ‬
                      ‫فَكر، و َدر، ُم فَصلْ َعدَ ذَا فإ َا ُِبْت فَل َّ فى ا ِشْكا ِ‬
             ‫ل‬                       ‫الور‬
             ‫واحتل على الميراث، فانزعه من َّاث، ثم أبلَع جميع الما ِ‬
                      ‫ل‬
                      ‫قد أثبتوا نسباً وحصراً فيكم حتى تحوز اإلرث لألموا ِ‬
                 ‫واعمد إلى تلك الشهادة واجعل اإلبطال َّمك تحظَ باألبطا ِ‬
                 ‫ل‬                ‫ه‬
               ‫ل‬                                ‫ى‬
               ‫فالحصر إثبات، ونف ٌ، غير معـ لوم، وهذا موضع اإلشكا ِ‬
                   ‫ل‬           ‫َ ع م ي م إ ه ِ ق هن م ض‬
                   ‫واحْتلْ َلَى َالِ ال َتِي ِ، فِن ُ رزْ ٌ َ ِى ِنْ َعِيفِ الحا ِ‬
               ‫ال سَوْطَ ُ تخْشَى، َال ِنْ َيْفه والقَو ُ قوُكَ فى ذهابِ الما ِ‬
               ‫ل‬                 ‫ل ل‬              ‫و م س‬             ‫ه‬

‫(41/481)‬




                    ‫َاحْتلْ ََى أَكْلِ الو ُوف فِنهَا ِث ُ َّ َا ِبِ َ ّةِ ا ِهما ِ‬
                    ‫ُق ِ إ م ْل السو ئ رب إل ل‬                           ‫و َ عل‬
                  ‫إ ل‬                    ‫َ َ‬           ‫ب حن ع ْ ه ه ب ِل‬
                  ‫فَأَ ُو َ ِيفَةَ ِندَ ُ ِى َاط ٌ فى األَصلِ، لمْ تحْتَجْ إلى ِبْطَا ِ‬
                           ‫ه هك خ مه م ل‬                                      ‫مل مل ض‬
                           ‫فال َا ُ َا ٌ َائِع، أَرْباَب ُ َلَ ُوا فَ ُذْ ِنْ ُ بِال ِكْيَا ِ‬

‫(41/581)‬
           ‫م ل‬            ‫ر إ‬          ‫ُر ط‬           ‫ع‬      ‫ذ ِح ح ْم‬
           ‫ص -532- وإ َا تَص ُّ ب ُك َ قاضٍ َادِ لٍَفَش ُو ُهَا صَا َتْ ِلى اضْ ِحْالَ ِ‬
                                  ‫ُل‬         ‫م ص ده‬             ‫و‬     ‫ّ الن س ُّر‬
                        ‫قد عَطلَ َّا ُ الش ُوطَ، َأَهْملوا َقْ ُو َ َا، فَالك ُّ فى إهْمال‬
                                ‫ل‬                      ‫َ ِ‬           ‫شه د‬         ‫و م ذ ك قض ت‬
                                ‫َتَما ُ َا َ ُ َا ُنَا، و ُ ُو ُنا فَاسْألْ بهمْ ذَا خبْرَةٍ بالحَا ِ‬
                       ‫ل‬           ‫أل و‬        ‫عْ‬                ‫أم الش ُ ه ُد‬
                       ‫َّا ُّهود فَ ُمْ ع ُول عن طري قِ ال َدلَ فى ا َق َال واألفعا ِ‬
                                   ‫ول‬               ‫ا وإ ْر ا‬          ‫كمن و‬                      ‫ز ر‬
                                   ‫ُو ًا وتَنْميقاً و ِتْ َا ّا، َتَلْ بيسً، َِس َافً بِأَخْذِ نَ َا ِ‬
                                  ‫َنْ َى شَ َا َتَ ُ، َيَحْلفْ إن ُ ناس ل َا، والقَلْ ُ ذو ِغْفا ِ‬
                                  ‫ب إ ل‬                  ‫ه‬       ‫ه‬      ‫يس هده و ِ‬
                             ‫ل‬            ‫ج‬       ‫ته ي ْ‬                       ‫ق‬         ‫ِ ر‬
                             ‫فإذَا َأَى المن ُوشَ، قال: ذَكَرْ ُ َا َا لَلمذَكرِ، ِئْتَ باآلما ِ‬
                          ‫بل‬          ‫ع‬           ‫ِ ْ يس‬         ‫ض الن‬        ‫ئل ُ‬      ‫ق‬
                          ‫وي ُول قَا ُِهمْ: أَخو ُ َّارَ فى نزرٍ َ ِيرٍ ؟ ذاكَ َيْنَ خَ َا ِ‬
                                   ‫ل‬          ‫ئض ل كب أ َر‬                   ‫ز إن‬             ‫ل‬
                                   ‫ثَقلْ َى المِي َانَ، ِ َى خَا ِ ٌ ِلمْنَ ِ َيْنِ، ُج ُّ باألغْال ِ‬
                                ‫ل‬          ‫ف‬              ‫َم قض ة َ و َ عن م م َ سم‬
                                ‫أ َّا ال ُ َا ُ فَقدْ تَ َاترَ َ ُه ُ َا قدْ َ ِعْتَ، فَال تَ ُهْ بمَقَا ِ‬
                        ‫ل‬
                       ‫ماذا تقول لمن يقول: حكمت أنـ ك فاسق، أو كافر فى الحا ِ؟‬
                           ‫ج ْ َّذ َ َرق ه كم ْل َ نع ل‬                         ‫أغ‬               ‫ِذ‬
                           ‫فإ َا اسْتَغَثْتَ ُ ِثْتَ بال َلدِ ال ِى قدْ ط َّ ُو ُ ِ َث ِ طرْقِ ِ َا ِ‬
                        ‫فَيَ ُو ُ طَقْ، فَتَ ُو ُ: قَطْ، فَتَ َا َضَا َي ُو ُ قَو ُ الْ َلدِ َا ِعْما ِ‬
                        ‫ع ر و ك ن ْل ج ذ إ ل‬                                  ‫ق ل‬             ‫ق ل‬
                       ‫وم َذب وس م ل‬                ‫َْ‬    ‫و‬      ‫الر ن َ‬        ‫ج‬
                       ‫فأ َارَكَ َّحْم ُ ضرْبٍ، َمنْ عرضٍ، َ ِنْ ك ِ ٍ َ ُوءِ َقَا ِ‬
                             ‫ول‬            ‫مع إ د الر ل َ م‬                         ‫ون بة‬
                             ‫هذَا َ ِسْ َ ُ ذَاكَ أَجْ َ ِهِ ِلى ِينِ َّسو ِ، وذَا ِنَ األَهْ َا ِ‬
                          ‫حَاشَا َ ُو ُ ا ِ َحْك ُ باله َى والْ َهْلِ، ِلْكَ ُ ُو َ ُ ال ّال ِ‬
                          ‫ت حك مة ض ل‬                  ‫ج‬       ‫رس ل هلل ي ُم و‬
                                  ‫َث بالن ض و إل ل‬              ‫عرض ع ه ُله‬                     ‫و‬
                                  ‫َاهللِ لَوْ ُ ِ َتْ َلَيْ ِ كُّ َا الجْتَّهَا َّقْ ِ َا ِبطَا ِ‬
                                            ‫إ ال م ي فق ح م ه َّ ي ه إل‬
                                        ‫ِال َّتى ِنْهَا ُوا ِ ُ ُكْ َه فَ ُوَ الذِى َلقَا ُ با ِقبال‬
                                 ‫مة م لح ح ل‬                     ‫م َ ْل ح ُله‬
                                 ‫أَحْكَا ُه عد ٌ، و َق كُّ َا فى رَحْ َ ٍ، و َصاِ ٍ، و َال ِ‬

‫(41/381)‬




                            ‫ح مه م ِحة و ل‬                  ‫ب‬       ‫ِ‬        ‫هد عق ل‬
                            ‫شَ ِ َتْ ُ ُو ُ الْخَلْق قاطبة َما فى ُكْ ِ ِ ِنْ ص َّ ٍ َكَما ِ‬
                                   ‫فإ َا أتَتْ أَحْكَا ُ ُ أَلْفَيْتَهَا وفْقَ العقو ِ، ت ِي ُ ك َّ عِقَا ِ‬
                                   ‫ل ُز ل ُل ل‬                      ‫َ‬               ‫مه‬                 ‫ِذ‬
                             ‫ل‬      ‫ْر‬           ‫ب ذ‬            ‫َت ق الس مع ح م‬
                             ‫ح َّى يَ ُولَ َّا ِ ُونَ لِ ُكْ ِه مَا َعْدَ ه َا الحْق غَي ُ ضَال ِ‬
                                         ‫م الرس ل و َ ه ب عب د ون ره م‬
                                   ‫هللِ أَحْكا ُ َّ ُو ِ َعدْلَ ُا َيْنَ ال ِ َا ِ َ َو ُ َا ال ُتَاللى‬

‫(41/781)‬
           ‫َ ُ ر مة والن س س ْد و إ ل‬               ‫ْ‬
           ‫ص -332- كَانَتْ بهَا فى األرضِ أعْظم َح َ ٍ َّا ُ فى َع ٍ َفى ِقبَا ِ‬
                      ‫ل‬       ‫َ س‬           ‫لُْ‬             ‫َّ‬            ‫ع‬          ‫مه‬
                      ‫أَحْكا ُ ُمْ تجْرِى َلَى وَجْهِ السدَ ادِ، وَحَاُهم فى ذَاك أحْ َنْ حَا ِ‬
                              ‫ل‬        ‫ُد و َر ُم و و ُل و حبة‬                      ‫ا‬
                              ‫أَمْنً، وعزا فى ه ًى، َت َاح ٍ َتَ َاص ٍ، َمَ َ ّ ٍ، وَجال ِ‬
                               ‫ل‬          ‫ب َلو‬      ‫عه َت د م ك‬                        ‫َّر‬
                               ‫فَتَغَي َتْ أَوْضَا ُ َا، ح َّى غَ َتْ َنْ ُورةً، ِت ُّثِ األعما ِ‬
                                    ‫فَتَغَي َتْ أَعماُ ُمْ َت َّلَتْ أَحْ َاُهمْ َّق ِ َع َ كمَا ِ‬
                                    ‫و ل ُ بالن ْص ب ْد ل‬              ‫له و َبد‬           ‫َّر‬
                                  ‫ول‬           ‫س‬           ‫ر ه‬                 ‫د ن ِ ِْ‬
                                  ‫لَوْ كانَ ِي ُ اهلل فيهم قائماً لَ َأَيْتَ ُمْ فى أَحْ َنِ األحْ َا ِ‬
                                 ‫إ هم ح م ح ج ح م م ِر بك و ل‬
                                 ‫وِذا ُ ُوا َكَ ُوا ب ُكْمٍ َائرٍ َكَ ُوا ل ُنْك ِهِ ِ ُل َبَا ِ‬
                        ‫ل‬           ‫َّ‬      ‫ِذ ّ‬             ‫ت كر ح َ ع مح د‬                 ‫ق‬
                       ‫ُالوا:أ ُنْ ِ ُ ُكمَ شرْ ِ ُ َم ٍ؟ حَاشَا ل َا الشرْعِ الشرِيفِ العَاِى‬
                                 ‫ل‬         ‫ب ُر ت‬             ‫َج ْ فر ج الن س ُم حق قه‬
                                 ‫ع َّت ُ ُو ُ َّا ِ، ث َّ ُ ُو ُ ُم هللِ بِال ُك َا ِ واآلصَا ِ‬
                                     ‫َ ض ِ رب م ل‬                      ‫حْ ب ِ‬       ‫ت َل‬
                                    ‫كمْ ُسْتَح ُّ بكل ُكمٍ َاطلٍ ال يرْتَ ِيه َ ُّنَا ال ُتَعَاِى‬
                        ‫هلل ل و ل‬            ‫م سو َّ ي ض ب‬                            ‫ُّ‬
                        ‫والكل فى قَعْرِ الجَحِي ِ، ِ َى الذِى َقْ ِى ِدينِ ا ِ، ال ِنَ َا ِ‬
                                     ‫ذ الز‬         ‫الن‬     ‫نث ِ غ‬                 ‫م سم‬
                      ‫أَوَ َا َ ِعْتَ بأَ ّ ُلْثَيْهمْ َدا فى َّار، فى َاكَ َّمَانِ الَخْالى؟‬
                              ‫ل‬      ‫ذ الث ث َ ه‬               ‫ِم َ‬       ‫َب‬              ‫َزم ن‬
                            ‫و َ َا ُنَا هذَا، فَر ُّكَ عَال ٌ هلْ فيهِ َاكَ ُّلْ ُ، أمْ ُوَ خَاِى؟‬
                                    ‫يا بَا ِىَ اإلِحْسَا ِ يَطُْ ُ ر َّ ُ ِيَ ُو َ ِنْ ُ ِغَا َهِ اآلمَا ِ‬
                                    ‫ل‬          ‫ن لب َبه ل ف ز م ه ب ي‬                             ‫غ‬
                         ‫ل‬            ‫الز‬         ‫ن ع‬           ‫ْ الصح بة و‬            ‫ُ‬
                        ‫انْظرْ إلى هدىِ َّ َا َ ِ َالذِى كا ُوا َلَيْهِ فى َّمَانِ الَخْاِى‬
                        ‫ش ل‬          ‫َّ ب‬       ‫َمم ُ ي ة‬                       ‫ْ‬        ‫ل ر‬
                        ‫واسُْكْ طَ ِيقَ القَومِ أَيْنَ تَي َّ ُوا خذْ َمْنَ ً ما الدرْ ُ ذَاتَ ِمَا ِ‬
                        ‫ل‬       ‫ْل و‬            ‫س سب ُ‬              ‫ف‬         ‫هلل م ت ر‬
                        ‫تَا ِ َا اخْ َا ُوا ألَنْ ُسِهمْ ِوَى ُ ُلِ الهدَى فى القَو ِ َاألفعا ِ‬
                        ‫ل‬                              ‫الرس ل و َ وب‬              ‫َ ج عل‬
                        ‫درَ ُوا ََى نَهْجٍ َّ ُو ِ َهدْيه َ ِهِ اقْتَدوْا فى سَائرِ األحوا ِ‬

‫(41/181)‬




                             ‫ِعمَ الر ِي ُ ِطَاِ ٍ َبْ ِى الْ ُدى فمآُ ُ فى الَحْش ِ خَيْ ُ مآ ِ‬
                             ‫ْر ر ل‬                  ‫له‬       ‫ن ْ َّف ق ل لب ي غ ه‬
                                        ‫ول‬          ‫نت م ب ِر ِ الن ق ن ْد‬
                                        ‫القَا ِ ِينَ ال ُخْ ِتينَ ل َبهمْ َّاطِ ِي َ بأَص َقِ األق َا ِ‬
                                      ‫َّا ِ ِينَ لكل ِع ٍ منكر َال َا ِلي َ بأَحْ َنِ األعمَا ِ‬
                                      ‫ل‬           ‫و عم ن س‬                  ‫ف ْل‬        ‫الت رك‬
                                 ‫ل‬              ‫و ؤ ُ ع ل ن ب وسو ُم ِالض َّ‬
                                 ‫أَه َا ُهمْ تَبَ ٌ ِدي ِ نَ ِيهمْ َ ِ َاه ُ ب ِّد فى ذِى الحْا ِ‬
                         ‫ل‬         ‫ح ه‬                           ‫و‬          ‫د ِ‬        ‫ُ‬
                        ‫مَا شَانَهمْ فى ِينْهمْ نَقْص، َال فى قَوْلِهمْ شَطْ ُ الَجْ ُولِ الْغاِى‬
‫(41/881)‬




                          ‫ُد ب ل‬            ‫ب‬         ‫علم و ي لف ِذ ك‬                        ‫عمل‬
                          ‫ص -732- َ ُِوا بمَا َِ ُوا، َلم َتَكَّ ُوا فَل َا َ مَا شَا ُوا الْه َى ِضَال ِ‬
                                   ‫ِ‬              ‫ُد َد‬          ‫ر ن رك‬                             ‫و‬
                                   ‫وَس َاهم بالضد فى األَمْ َيْ ِ،قد تَ َ ُوا الْه َى، و َعَوْا لكل ضْالل‬
                                           ‫ل‬         ‫م‬         ‫ُد ُم َ‬       ‫ُم د ة ل ر م ي‬
                                           ‫فَه ُ األ ِل ُ ِلْحَيا َى، َنْ َسرْ به َاه ُ لمْ يَخْش ِنْ إضْال ِ‬
                                                   ‫ُلو م ْز ة ب ْد م ل‬               ‫ُم النج م ِد ية إ‬
                                                   ‫وَه ُ ُّ ُو ُ ه َا َ ً وِضاءَةً وع َّ َن ِل ً، و ُع َ َنا ِ‬
                                              ‫ُه‬             ‫ج‬                  ‫ش ن ب الن س ا ن ق‬
                                            ‫يمْ ُو َ َيْنَ َّا ِ هَوْنً، ُطْ ُهمْ بالَحْق، ال ب َهَالَةِ الْج َّال‬
                                        ‫ل‬             ‫تق و و ضع ص حة َ ر‬                           ‫ح ا وع‬
                                        ‫ِلمً، َ ِلْمًا، مَعْ ُ ًى َتَ َا ُ ٍ ونَ ِي َ ٍ، مْع ُتبةِ اإلفضَا ِ‬
                                                   ‫ُحْ ُونَ لَيْلَه ُ ِطَا َةِ َب ِمْ ِتِالوَ ٍ، َتَض ُّ ٍ، َ ُؤَا ِ‬
                                                   ‫ُم ب ع ر ه ب ة و َرع وس ل‬                                   ‫ي ي‬
                                          ‫َط ل‬          ‫و‬         ‫عي نه ْر ب ْ دم ع ِ م ْ ه‬
                                          ‫و ُ ُو ُ ُمْ تج ِى ِفَيضِ ُ ُو ِهمْ ِثلِ انْ ِمَالِ ال َابلِ اله َّا ِ‬
                                          ‫ل‬                   ‫ال ْ ِ ر ن وع ْد ج ِ ل َد ِ م‬
                                          ‫فى َّليل ُهبَا ٌ، َ ِن َ ِهَادِهمْ ِع ُوهمْ ِنْ أَشْجَعِ األبطا ِ‬
                                                ‫ل‬         ‫ُ يس ق نب ل‬                   ‫ِ‬        ‫وِذ َد عَم‬
                                                ‫َإ َا ب َا َل ُ الرَهَان رأَيتَهمْ َتَ َابَ ُو َ ِصَاِح األعما ِ‬
                                                      ‫م‬         ‫ِعة ن‬          ‫وج ه ِ ر السج لر و‬
                                                ‫بِ ُ ُو ِهمْ أَثَ ُ ُّ ُودِ ِ َبهمْ َبهَا أَش َّ ُ ُورِهِ ال ُتَاللى‬
                                           ‫ل‬         ‫ب‬                   ‫س‬      ‫ه‬        ‫ك ب‬
                                          ‫ولَقدْ أَبَانَ لك ال ِتَا ُ صِفَات ِمْ فى ُورَةِ الفَتْحِ الم ِينِ العَاِى‬
                                                  ‫ه ْم ُب ُم و ِ ل‬                      ‫ول‬                 ‫و ِر‬
                                                  ‫َب َابِع السبع الط َا ِ صِفَات ُم قَو ٌ يحُّه ُ ذَ ُو إدْال ِ‬
                                           ‫ل‬          ‫وس ر‬             ‫وبر ءة ح ِ ف و ف ُ وب َ‬
                                           ‫َ َ َا َ ٍ، والْ َشْر ِيهَا َصْ ُهمْ َ ِهلْ أَتَى، َب ُو َةِ األنفا ِ‬
                                                                                                             ‫فصل‬
                                                              ‫د‬
                  ‫هذا السماع الشيطانى المضا ّ للسماع الرحمانى، له فى الشرع بضعة عشر اسما:‬
‫اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق فى‬
        ‫القلب، والصوت األحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود:‬
                                              ‫صف‬           ‫مء‬            ‫ص فه َب ل‬            ‫ه دل عل‬
                                              ‫أسْمَاؤْ ُ َّتْ ََى أَوْ َا ِ ِ ت َّا ِذى األَسْ َا ِ واألَوْ َا ِ‬

‫(41/002)‬




     ‫فنذكر مخازى هذه األسماء، ووقوعها عليه فى كالم اهلل عز وجل وكالم رْسوله والصحابة ليعلم‬
                                           ‫أصحابه وأهله بما به ظفروا، وأى تجارة رابحة خسروا:‬
‫(41/102)‬




                     ‫ص -132- فدع صاحب المزمار والدف والغنا وما اختاره اهلل عن طاعة اهلل مذهبا‬
                                                          ‫ودعه يعش في غيه وضالله على تاتنا يحيا ويبعث أشيبا‬
                                                        ‫وفي تنتنا يوم المعاد نجاته إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا‬
                                             ‫سيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ما خف أو ربا‬
                                                              ‫ويعلم ما قد كان فيه حياته إذا حصلت أعماله كلها هبا‬
                                                       ‫ال‬
                                                ‫دعاه الهدى والغي من ذا يجيبه؟ فقال لداعي الغي: أه ً ومرحبا‬
                                      ‫وأعرض عن داعي الهدى، قائالً له هواي إلى صوت المعارف قد صبا‬
                                               ‫يراع، ودف بالصنوج، وشاهد وصوت مغن، صوته يقنص الظبا‬
                                                           ‫إذا ما تغني فالظباء تجيبه إلى أن تراها حوله تشبه الدبا‬
                                                  ‫فما شئت من صيد بغير تطارد ووصل حبيب كان بالهجر عذبا‬
                                                ‫فيا آمري بالرشد، لو كنت حاضراً لكان توالي اللهو عندك أقربا‬
                                                                                                                              ‫فصل‬
                                                                                      ‫فاالسم األول: اللهو، ولهو الحديث:‬
 ‫قال تعالى: { َ ِنَ َّا ِ َنْ َشْتَرِى لَهْوَ الَح ِيثِ ِ ُض َّ َنْ َ ِيلِ ا ِ ِغَيرِ ِل ٍ َي َّ ِذَ َا ُ ُ ًا ُول ِ َ‬
 ‫ْد لي ِل ع سب هلل ب ْ ع ْم و ِتخ ه هزو أ ئك‬                                            ‫وم الن س م ي‬
  ‫َ ي م ه َّ ف ُذ ه َ ْر ب ِّ ه ب َذ ب‬                                ‫ُ َ ب مه ن وِذ ت ل ع ه ي ت َل م ب‬
  ‫لَهمْ عذَا ٌ ُ ِي ٌ َإ َا ُتَْى َليْ ِ آ َا ُنَا وَّى ُسْتَكْ ِراً كَأَنْ لمْ َسْ َعْ َا كَأَن ِى أ ُنَيْ ِ وق ًا فَ َشرْ ُ ِع َا ٍ‬
                                                                                                                          ‫م‬
                                                                                                           ‫أَلِي ٍ} [لقمان: 3 7].‬
 ‫قال الواحدى وغيره: أكثر المفسرين: على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، قاله ابن عباس فى رواية‬
 ‫سعيد بن جبير ومقسم عنه، وقاله عبد اهلل بن مسعود، فى رواية أبى الصهباء عنه، وهو قول مجاهد‬
                                                                                                                        ‫وعكرمة.‬
                                              ‫وروى ثور بن أبى فاختة عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى:‬
   ‫ري ت َن ل و ه ر‬                      ‫ه الر ُل ي َر‬                       ‫و َد ث‬                  ‫وم الن س م ي‬
‫{ َ ِنَ َّا ِ َنْ َشْتَرِى لَهْ َ الْح ِي ِ} [لقمان: 3] قال: " ُوَ َّج ُ َشْت ِى الَجْا ِ َةَ ُغِّيهِ ِيْالً َن َا ًا"}‬

‫(41/202)‬
  ‫ص -832- وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد: "هو اشتراء المغنى والمغنية بالمال الكثير، واالستماع‬
                                                                ‫إليه، وإلى مثله من الباطل" وهذا قول مكحول.‬
                                                                                    ‫ا‬
                                                                                   ‫وهذا اختيار أبى إسحاق أيضً.‬
        ‫قال: أكثر ما جاء فى التفسير: أن لهو الحديث هاهنا هو الغناء، ألنه يلهى عن ذكر اهلل تعالى.‬
    ‫قال الواحدى: قال أهل المعانى: ويدخل فى هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف‬
 ‫على القرآن، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر فى االستبدال، واالختيار، وهو كثير‬
             ‫ال‬
‫فى القرآن. قال: ويدل على هذا: ما قاله قتادة فى هذه اآلية "لعله أن ال يكون أنفق ما ً" قال: "وبحسب‬
                                             ‫المرء من الضاللة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق".‬
      ‫قال الواحدى: وهذه اآلية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء، ثم ذكر كالم الشافعى فى رد‬
                                                                                              ‫الشهادة بإعالن الغناء.‬
‫قال: وأما غناء القينات: فذلك أشد ما فى الباب، وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روى أن النبى‬
            ‫نك ْ ق مة‬                        ‫ُب ُذ‬                   ‫إ‬             ‫م‬
          ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم قال: " َنِ اسْتَمَعَ ِلَى قَيْنَةٍ ص َّ فى أ ُنَيْهِ اآل ُ ُ يَومَ الْ ِيَا َ ِ".‬
                                                                                          ‫اآلنك: الرصاص المذاب.‬
                ‫وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعاً إلى النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم.‬
‫ففى "مسند اإلمام أحمد"، "ومسند عبد اهلل بن الزبير الحميدى"، "وجامع الترمذى" من حديث أبى أمامة،‬
 ‫َر ُن و ت َلم ُن‬                ‫ت و‬             ‫بع‬
‫والسياق للترمذى: أن النبى صلى اهلل عليه وسلم قال:"ال تَ ِي ُوا الْقينَا ِ، َال تَشْت ُوه َّ، َال ُعِّ ُوه َّ،‬
                                                                          ‫ج ف ِن و من ُن َر م‬                            ‫و‬
                                                                        ‫َال خَيْرَ فى تِ َارَةٍ ِيه َّ َث َ ُه َّ ح َا ٌ".‬
               ‫َد لي ِل ع سب هلل‬                          ‫وم الن م ي َ‬
  ‫فى مثل هذا نزلت هذه اآلية: { َ ِنَ َّاسِ َنْ َشْترِى لَهْوَ الْح ِيثِ ِ ُض َّ َنْ َ ِيلِ ا ِ} [لقمان: 3].‬
                                                                                              ‫وهذا الحديث وإن كان‬

‫(41/302)‬




 ‫ص -042- مداره على عبيد اهلل بن زحر عن على بن يزيد اإللهانى عن القاسم، فعبيد اهلل بن زحر‬
      ‫ثقة، والقاسم ثقة، وعلى ضعيف، إال أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء اهلل، ويكفى‬
      ‫تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث: بأنه الغناء، فقد صح ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود.‬
  ‫قال أبو الصهباء: "سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: {ومن الناس من يشترى لهو الحديث} [لقمان:‬
                                          ‫3] فقال: واهلل الذى ال إله غيره هو الغناء -يرددها ثالث مرات.‬
                                                 ‫وصح عن ابن عمر رضى اهلل عنهما أيضاً أنه: [ الغناء ].‬
  ‫قال الحاكم أبو عبد اهلل فى التفسير، من كتاب المستدرك: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى‬
                                            ‫الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند.‬
                                    ‫وقال فى موضع آخر من كتابه: "هو عندنا فى حكم المرفوع".‬
  ‫وهذا، وإن كان فيه نظر، فال ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم األمة بمراد اهلل‬
 ‫عز وجل من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من األمة. وقد شاهدوا تفسيره من الرسول‬
                                                  ‫ال‬    ‫ا‬
      ‫صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم علمً وعم ً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فال يعدل عن‬
                                                                     ‫تفسيرهم ما وجد إليه سبيل.‬
‫وال تعارض بين تفسير "لهو الحديث" بالغناء، وتفسيره: بأخبار األعاجم وملوكها، وملوك الروم، ونحو‬
    ‫ذلك مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكالهما لهو الحديث،‬
                                             ‫ولهذا قال ابن عباس: "لهو الحديث: الباطل والغناء".‬
                            ‫فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر اآلخر، ومنهم من جمعهما.‬
                                                                             ‫ا‬
      ‫والغناء أشد لهوً، وأعظم ضرراً من أحاديث الملوك وأخبارهم، فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق،‬
 ‫وشرك الشيطان، وخمرة العقل، وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكالم الباطل، لشدة ميل‬
                                                                      ‫النفوس إليه، ورغبتها فيه.‬
   ‫إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن،‬
                              ‫وإن لم ينالوا جميعه، فإن اآليات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث‬

‫(41/402)‬




                                 ‫ا‬
      ‫ص -142- بالقرآن ليضل عن سبيل اهلل بغير علم ويتخذها هزوً، وإذا تليى عليه القرآن ولى‬
                                                       ‫ا‬
      ‫مستكبراً كأن لم يسمعه، كأن فى أذنيه وقرً، وهو الثقل والصمم، وإذا علم منه شيئاً استهزأ به،‬
                                                ‫ا‬
      ‫فمجموع هذا ال يقع إال من أعظم الناس كفرً، وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم، فلهم حصة‬
                                                                          ‫ونصيب من هذا الذم.‬
 ‫ال‬    ‫ا‬
‫يوضحه: أنك ال تجد أحداً عنى بالغناء وسماع آالته، إال وفيه ضالل عن طريق الهدى، علمً وعم ً،‬
   ‫وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن‬
 ‫عدل عن هذا إلى ذاك، وثقل عليه سماع القرآن، وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ ويستطيل‬
 ‫قراءته، ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته، وأقل ما فى هذا: أن يناله نصيب وافر من هذا الذم، إن لم‬
                                                                                 ‫يحظ به جميعه‬
‫والكالم فى هذا مع من فى قلبه بعض حياة يحس بها. فأما من مات قلبه، وعظمت فتنته، فقد سد على‬
                                                                                                      ‫نفسه طريق النصيحة:‬
    ‫ف الد ي‬         ‫َّذ ن َ ُ ِ هلل ي ِّ َ قل ب ُ‬                ‫أ‬                 ‫ل هم‬                  ‫وم ُ ِ ُ ف ُ‬
   ‫{ َ َنْ يردِ اهلل ِتْنَتَه فَلَنْ تَمِْكَ لَ ُ ِنَ اهللِ شَيْئاً ُولئِكَ ال ِي َ لمْ يردِ ا ُ أَنْ َطَهر ُُو َهمْ لهم ِى ُّنْ َا‬
                                                                                ‫م‬       ‫ِر َ ب‬               ‫ِ ْى و ُ‬
                                                                ‫خز ٌ َلَهمْ فى اآلخ َةِ عذَا ٌ عَظِي ٌ} [المائدة: 14].‬
                                                                                                                            ‫فصل‬
                                                                                  ‫االسم الثانى والثالث: الزور، واللغو.‬
                                     ‫ي َد الز ر وِذ َر ِال و َر ِر ا‬                            ‫و َّذ‬
                     ‫قال تعالى: { َال ِينَ ال َشْه ُونَ ُّو َ َإ َا م ُّوا ب َّلغْ ِ م ُّوا ك َامً} [الفرقان: 27].‬
‫قال محمد بن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد، وقال الكلبى: ال يحضرون مجالس‬
                                                                                                                         ‫الباطل.‬
‫واللغو فى اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: ال يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى‬
   ‫من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه. ويدخل فى هذا: أعياد المشركين، كما‬
                                                                     ‫فسرها به السلف، والغناء، وأنواع الباطل كلها.‬

‫(41/502)‬




 ‫ص -242- قال الزجاج: "ال يجالسون أهل المعاصى، وال يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين‬
                              ‫ال يرضون باللغو، ألنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، واالختالط بأهله".‬
   ‫وقد روى أن عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه: مر بلهو فأعرض عنه، فقال رسول اهلل صلى اهلل‬
                                                             ‫ب ن م ع َر ا‬                       ‫إ‬
                                                           ‫تعالى عليه وآله وسلم: "ِنْ أَصْ َحَ ابْ ُ َسْ ُودٍ لَك ِيمً".‬
    ‫ْرض ع ه‬                 ‫وِذ سمع‬
    ‫وقد أثنى اهلل سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه نقال: { َإ َا َ ِ ُوا اللغو أَع َ ُوا َنْ ُ‬
                                                                                   ‫لُ‬          ‫ل وُ‬                     ‫َ ل‬
                                                                   ‫وقَاُوا لَنَا أَعْمَاُنَا َلَكمْ أَعْمَاُكمْ} [القصص: 55].‬
    ‫وهذه اآلية، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغواً فأعرض عنه،‬
                                                       ‫وقال بلسانه أو بقلبه ألصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".‬
                                                                    ‫ي َد الز ر‬
                                                    ‫وتأمل كيف قال سبحانه {ال َشْه ُونَ ُّو َ} [الفرقان: 27].‬
 ‫ولم يقل: بالزور، ألن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف‬
                                                                       ‫بالتكلم به، وفعله ؟. والغناء من أعظم الزور.‬
 ‫والزور: يقال على الكالم الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما فى حديث معاوية لما‬
                      ‫أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور" فالزور: القول، والفعل، والمحل.‬
 ‫وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فالنا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور:‬
                                        ‫ال‬
                                       ‫ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذى ال حقيقة له قوالً وفع ً.‬

‫(41/302)‬




                                                                                       ‫ص -342- فصل‬
                                                                                    ‫االسم الرابع: الباطل.‬
     ‫والباطل: ضد الحق، يراد به المعدوم الذى ال وجود له، والموجود الذى مضرة وجوده أكثر من‬
                                                                                                    ‫منفعته.‬
 ‫فمن األول: قول الموحد: كل إله سوى اهلل باطل، ومن الثانى قوله: السحر باطل، والكفر باطل، قال‬
                                       ‫َ زه ا‬        ‫ب ِل إ ب ط‬                ‫َق َز‬              ‫َُ‬
                       ‫تعالى: {وقلْ جَاءَ الح ُّ و َهَقَ الْ َاط ُ ِن الْ َا ِلَ كَان َ ُوقً} [اإلسراء: 11].‬
‫فالباطل إما معدوم ال وجود له، وإما موجود ال نفع فيه، فالكفر والفسوق والعصيان والسحر، والغناء،‬
                                                                ‫واستماع المالهى: كله من النوع الثانى.‬
  ‫قال ابن وهب: أخبرنى سليمان بن بالل عن كثير بن زيد: أنه سمع عبيد اهلل يقول للقاسم بن محمد:‬
  ‫"كيف ترى فى الغناء، قال: فقال له القاسم: هو باطل، فقال: قد عرفت أنه باطل، فكيف ترى فيه ؟‬
                             ‫فقال له القاسم: أرأيت الباطل، أين هو ؟ قال: فى النار، قال: فهو ذاك".‬
    ‫وقال رجل البن عباس رضى اهلل عنهما: "ما تقول فى الغناء، أحالل هو أم حرام؟ فقال: ال أقول‬
‫حراماً إال ما فى كتاب اهلل. فقال: أفحالل هو ؟ فقال: وال أقول ذلك، ثم قال له: أرأيت الحق والباطل،‬
‫إذا جاء يوم القيامة، فأين يكون الغناء ؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب فقد‬
                                                                                             ‫أفتيت نفسك".‬
        ‫فهذا جواب ابن عباس رضى اهلل عنهما عن غناء األعراب، الذى ليس فيه مدح الخمر والزنا‬
 ‫واللواط، والتشبيب باألجنبيات، وأصوات المعازف، واآلالت المطربات. [ فإن غناء القوم لم يكن فيه‬
     ‫شىء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا ] أعظم قول. فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب‬
                                                                         ‫الخمر بكثير، وأعظم من فتنته.‬
‫فمن أبطل الباطل أن تأتى شريعة بإباحته، فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا‬
                      ‫على البيع، والميتة على المذكاة، والتحليل الملعون فاعله على النكاح الذى هو‬

‫(41/702)‬
 ‫ص -442- سنة رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم. وهو أفضل من التخلى لنوافل العبادة،‬
                                                                 ‫ا‬
   ‫فلو كان نكاح التحليل جائزً فى الشرع لكان أفضل من قيام الليل، وصيام التطوع، فضالً أن يلعن‬
                                                                                                                ‫فاعله.‬
                                                                                                                 ‫فصل‬
                                                                                     ‫وأما اسم المكاء والتصدية.‬
                              ‫ن ص ته ع ْ ب إ م و دية‬                                   ‫و‬
              ‫فقال تعالى عن الكفار: { َمَا كا َ َالَ ُ ُمْ ِندَ الْ َيْتِ ِال ُكَاءً َتَصْ ِ َ ً} [األنفال: 53].‬
       ‫قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير،‬
                                                                                            ‫والتصدية: التصفيق".‬
 ‫وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه:‬
‫مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء األصوات، كالرغاء، والعواء،‬
                    ‫والثغاء. قال ابن السكيت: األصوات كلها مضمومة، إال حرفين: النداء، والغناء.‬
 ‫وأما التصدية: فهى فى اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه. قال حسان بن‬
                                                              ‫ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:‬
                                                         ‫ت ُم الت َد و م ء‬            ‫ئ ة بع ت‬                       ‫ذ‬
                                                         ‫ِإ َا قامَ المَال ِكَ ُ انْ َ َثْ ُمْ صَالُك ُ َّص ِّى َال ُكا ُ‬
           ‫وهكذا األشباه يكون المسلمون فى الصلوات الفرض والتطوع، وهم فى الصفير والتصفيق.‬
       ‫قال ابن عباس رضى اهلل عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".‬
‫وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبى صلى اهلل عليه وسلم فى الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون‬
                                                             ‫عليه صالته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.‬
                                                                       ‫وال ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.‬

‫(41/102)‬




 ‫ص -542- فالمتقربون إلى اهلل بالصفير والتصفيق أشباه النوع األول، وإخوانهم المخلطون به على‬
                                                         ‫أهل الصالة والذكر والقراءة أشباه النوع الثانى.‬
  ‫قال ابن عرفة، وابن األنبارى: المكاء والتصدية ليسا بصالة ولكن اهلل تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان‬
    ‫الصالة التى أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم األوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل‬
                                                         ‫جفائى صلتى، أى أقام الجفاء مقام الصلة.‬
 ‫والمقصود: أن المصفقين والصفارين فى يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤالء، ولو أنه مجرد‬
         ‫الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم فى جميع مكائهم‬
 ‫وتصديتهم، واهلل سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال [وقت الحاجة إليه ] فى الصالة إذا نابهم أمر، بل‬
‫أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئال يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه ال لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من‬
                                                                              ‫ال ال‬
                                                                           ‫المعاصى قو ً وفع ً ؟.‬
                                                                                             ‫فصل‬
                                                                         ‫وإنما تسميته رقية الزنى:‬
  ‫فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس فى رقى الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة‬
                                                                           ‫عن الفضيل بن عياض.‬
  ‫قال ابن أبى الدنيا: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: "الغناء رقية الزنى".‬
  ‫قال: إبراهيم بن محمد المروزى عن أبى عثمان الليثى قال: قال يزيد بن الوليد: "يا بنى أمية، إياكم‬
                                ‫والغناء، فإنه ينقص الحياء، ويزيد فى الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه‬

‫(41/802)‬




     ‫ص -342- لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم البد فاعلين فجنبوه النساء، فإن‬
                                                                              ‫الغناء داعية الزنى".‬
 ‫قال: وأخبرنى محمد بن الفضل األزدى قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما‬
‫جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عنى، فقال: وما تكره من ذلك ؟ فقال: إن الغناء‬
           ‫رائد من رادة الفجور، وال أحب أن تسمعه هذه، يعنى ابنته، فإن كففته وإال خرجت عنك.‬
  ‫ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن قال: "كنا فى عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل،‬
 ‫فأرسل إليهم بكرة، فجئ بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع‬
                                                                        ‫ب‬
         ‫له الناقة، وإن التيس لين ّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة. ثم قال:‬
     ‫اخصوهم، فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة، وال تحل، فخل" [ سبيلهم قال: ] فخلى سبيلهم".‬
  ‫ا‬
  ‫قال: وأخبرنى الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جاوروا الحطيئة قومً‬
   ‫من بنى كالب، فمشى ذو النهى منهم بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم، إنكم قد رميتم بداهية، هذا‬
                                                              ‫فيحق‬
 ‫الرجل شاعر، والشاعر يَظن ِّق، وال يستأنى فيتثبت، وال يأخذ الفضل فيعفو، فأتوه وهو فى فناء‬
‫خبائه، فقالوا: يا أبا مليكة، إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل إلينا، وقد أتيناك لنسألك عما تحب،‬
    ‫فنأتيه، وعما تكره، فنزدجر عنه، فقال: جنبونى ندى مجلسكم، وال تسمعونى أغانى شبيبتكم. فإن‬
                                                                                         ‫الغناء رقية الزنى".‬
‫فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذى هابت العرب هجاه خاف عاقبة الغناء وأن تصل رقيته إلى‬
                                                                                ‫حرمته، فما الظن بغيره ؟‬
     ‫وال ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى‬
                                                    ‫سماع رقية الزنى فهو أعلم باإلثم الذى يستحقه.‬

‫(41/012)‬




   ‫ص -742- ومن األمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها‬
                                                                    ‫صوت الغناء، فحينئذ تعطى الليان.‬
                                                 ‫ا‬
 ‫وهذا ألن المرأة سريعة االنفعال لألصوات جدً، فإذا كان الصوت بالغناء، صار انفعالها من وجهين:‬
  ‫من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبى صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم ألنجشة حادية:‬
                                                                  ‫ج ة رو ْد ِ ا و ر‬
                                                   ‫"يَا أَنْ َشَ ُ، ُ َي َك رفْقً بِالْقَ َارِي ِ": يعنى النساء.‬
 ‫فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء‬
                                                                                     ‫لحبلت من هذا الغناء.‬
  ‫فلعمر اهلل، كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا،‬
                                                                 ‫ا‬
‫وكم من غيور تبدل به اسمً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذى غنى وثروة أصبح بسببه على األرض بعد‬
                                                      ‫ر‬                  ‫ا‬
        ‫المطارف والحشايً، وكم من معافى تع ّض له فأمسى، وقد حلت به أنواع الباليا، وكم أهدى‬
                   ‫ر‬
  ‫للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم ج ّع من غصة وأزال من‬
‫نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ ألهله من آالم منتظرة، وغموم متوقعة،‬
                                                                                  ‫وهموم مستقبلة كما قيل:‬
                                                   ‫الزو ي‬        ‫َ ب‬             ‫خ ةيب عهل‬                     ‫َ‬
                                                  ‫فَسلْ ذا ِبْرَ ٍ ُنْ ِيكَ َنْ ُ ِتَعْلَم كمْ خَ َايا فى َّ َا َا‬
                                                    ‫م ي‬          ‫ْد‬          ‫شغ ب سه ا ُر‬               ‫ِ‬
                                                   ‫وَحاذرْ إذا ُ ِفْت ِه ِ َامً م َيشَةً بأَه َابِ ال َنَا َا‬
                                                     ‫َّز ي‬              ‫ب‬      ‫ْ ا ئ ا‬                  ‫إ م‬
                                                    ‫ِذا َا خَالَطَت قَلْبً كَ ِيبً يقلب َينَ أطباقِ الر َا َا‬
                                             ‫ج ع لص ي‬                            ‫ح‬        ‫َ‬      ‫ويصبح ب ْ‬
                                            ‫َُ ُ ِ ُ َعدَ أن قدْ كانَ ُرا عَفِيفَ الفَرْ ِ: َبْداً ِل ّبا َا‬
                                                 ‫ي‬         ‫م ه م َر‬              ‫ي ن غ ء‬            ‫وي ط م‬
                                                ‫َُعْ ِى َنْ بهِ ُغ ِى ِنَا ً وذلِكَ ِنْ ُ ِنْ ش ِّ العَطَا َا‬
                                                                                                             ‫فصل‬
                                                                                           ‫م‬
                                                                                ‫وأما تسميته: ُنبت النفاق.‬
      ‫فقال على بن الجعد: حدثنا [ محمد بن ] طلحة عن سعيد بن كعب المروزى عن محمد بن عبد‬
   ‫الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رضى اهلل عنه قال: "الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء‬
                                                                                                         ‫الزرع".‬

‫(41/112)‬




   ‫ص -142- وقال شعبة: حدثنا الحكم عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد اهلل بن مسعود: "الغناء‬
                                                                                     ‫ينبت النفاق فى القلب".‬
    ‫وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. وقد روى عن ابن مسعود مرفوعاً رواه ابن أبى الدنيا فى‬
                                                                                         ‫"كتاب ذم المالهى".‬
   ‫قال: أخبرنا عصمة بن الفضل حدثنا حرمى بن عمارة حدثنا سالم بن مسكين حدثنا شيخ عن أبى‬
   ‫وائل عن عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه قال: قال رسول اهلل صلى اهلل تعالى عليه وآله وسلم:‬
                                                   ‫ي بت م ء ْ‬                                 ‫غ ء ي بت الن‬
                                               ‫"الْ ِنَا ُ ُنْ ِ ُ ِّفَاقَ فى القَلْبِ كما ُنْ ِ ُ ال َا ُ البَقلَ".‬
                             ‫وقد تابع حرمى بن عمارة عليه بهذا اإلسناد والمتن مسلم بن إبراهيم.‬
   ‫قال أبو الحسين بن المنادى فى كتاب "أحكام المالهى": حدثنا محمد بن على بن عبد اهلل بن حمدان‬
 ‫المعروف بحمدان الوراق، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا سالم بن مسكين فذكر الحديث. فمداره على‬
                                           ‫هذا الشيخ المجهول، وفى رفعه نظر، والموقوف أصح.‬
                                ‫فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق فى القلب من بين سائر المعاصى ؟‬
   ‫قيل: هذا من أدل شئ على فقه الصحابة فى أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها،‬
  ‫وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها،‬
 ‫فكانوا كالمدوى من السقم بالسم القاتل، وهكذا واهلل فعلوا بكثير من األدوية التى ركبوها أو بأكثرها،‬
 ‫فاتفق قلة األطباء، وكثرة المرَضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن فى السلف، والعدول عن الدواء‬
   ‫النافع الذى ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوى مادة المرض، فاشتد المرض وتفاقم األمر،‬
                    ‫وامتألت الدور والطرقات واألسواق من المرضى، قام كل جهول يطبب الناس.‬
           ‫فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير فى صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.‬
  ‫فمن خواصه: أنه يلهى القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن ينهى عن‬
               ‫اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغى، وينهى عن اتباع‬

‫(41/212)‬




    ‫ص -842- خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات‬
‫الغى فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو‬
     ‫والخمر رضيعا لبان، وفى تهييجهما على القبائح فرساً رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه‬
‫وخليفته، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد اإلخاء الذى ال يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء‬
    ‫التى ال تفسخ، وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل فى مكامن القلوب،‬
       ‫ويطلع على سرائر األفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة‬
   ‫والرقاعة، والرعونة، والحماقة. فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل، وبهجة اإليمان،‬
                     ‫َل‬
‫ووقار اإلسالم، وحالوة القرآن. ف