الفكر الصوفى في الكتاب والسنه1 by waleedOsama

VIEWS: 81 PAGES: 169

More Info
									                                                                 ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬



                                                                    ‫الفكر الصوفي‬

                                                                 ‫يف ضوء الكتاب والسنة‬

                                                              ‫مقدمة الطبعتني الثالثة والرابعة‬

‫احلمد هلل ال حنصي ثناء عليه كما أثىن على نفسه. فله احلمد كما ينبغي جلالل وجهه وعظيم سلطانه، له احلمد كالذي نقول وخرياً مما نقول وله احلمد أن هدانا‬
                                                                      ‫حلمده، وعرفنا به، ونسأله تعاىل أن يرزقنا اإلميان به، والثبات على اإلميان حىت نلقاه.‬

                                                                                                     ‫ل‬
‫والصالة والسالم على نيب اهلدى والرمحة، الذي بّغ البالغ املبني، وأدى األمانة كاملة، وكان العبد الكامل لسيده ومواله، والرسول الكامل، والننيب املبلنل‬
                                                                                                   ‫واملكرم واإلمام فصلوات اهلل عليه وسالمه. وبعد،،،‬

‫أخي القارئ هذه هي الطبعة الثالثة من (الفكر الصويف) متتاز عن سابقتيها بتدارك األخطاء املطبعية واللغوية، وزيادة الفصل اخلاص بالطريقة الرفاعية من صنفةة‬
                                                                      ‫562 إىل صفةة 692. وقد نبهنا إىل منهلنا يف هذا الكتاب يف مقدمة الطبعة الثانية.‬

‫وقد أصبح هذا الكتاب حبمد اهلل موسوعة ومرجعاً لكل من أراد التعرف على هذا الفكر، واإلحاطة مبباحثه املتفرقة، وتصور عقائده وشرائعه، وطرائق أهلنه يف‬
‫الفكر. وكذلك الرد على معظم ما انتةلوه من عقيدة وشريعة. وهبذا تيسري -حبمد اهلل- على طالب العلم معرفة الفكر الصويف يف يسر وسهولة، وتعلم طريقنة‬
‫الرد على زندقتهم وخرافاهتم ودجلهم، ومعرفة أمهات الكتب عندهم، وأساطني فكرهم، وكيف تطورت العقيدة والشريعة الصوفية. ونرجو هبذا أن نكون قند‬
‫مهدنا الطريق إىل القضاء على هذا الفكر املنةرف، وفتةنا الطريق أمام ناشئة املسلمني إىل االعتصام بالكتاب والسنة، وإزالة عقبة كأداء كانت حتول بينهم وبني‬
                                                                                                     ‫ً‬
    ‫ذلك. واهلل سبةانه هو املسئول أن جيعل هذا خالصا لوجهه، وأن يكتب له القبول يف األرض، والرفعة مع األعمال الصاحلة إىل السماء إنه هو السميع العليم.‬

                                                               ‫وكتبه عبدالرمحن عبداخلالق‬

                                                                       ‫يف الكويت‬

                                                            ‫يف رجب احلرام سنة 6406هن‬

                                                            ‫أبريننننننل سنة 6996م‬
                                                                     ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬

                                                                       ‫مقدمة الطبعة الثانية‬

‫احلمد هلل الواحد األحد الفرد الصمد الذي مل يلد ومل يولد ومل يكن له كفواً أحد، سبةانه وأشهد أنه ال ند له وال شريك وأنه بذاته فوق عرشه عال على مجيع‬
‫خملوقاته وخمترعاته ومصنوعاته وأنه هو الذي خلق اخللق وأوجد هذا العامل من العدم وأنه ما خلق املالئكة واجلن واإلنس إال ليعبدوه ويوحندوه وميلندوه وأن‬
‫السموات واألرض وما فيهما مجيعاً كل له خاضع وأن اجلميع وفق أمره، ورهن مشيئته، فما شاء كان وما مل يشأه مل يكن، وأثين عليه سبةانه وأصلي وأسنلم‬
       ‫ط‬       ‫م ف‬
‫على عبده ورسوله حممد الذي بعثه اهلل إماماً للناس وهادياً ومرشداً ومفرقاً بني الضاللة واهلدى، والكفر واإلميان، والشرك والتوحيد {فَ َن يَكْ ُنر بااْل اناتوت‬
                                                                                                                         ‫ع و‬                                 ‫م‬
                                                                                     ‫ويؤ ِن بااهللِ فقَدِ استمسَك بال ُروَة ال ُثقى ال انفصام له واهلل مسيع عليم}.‬

                                                                                                                                                            ‫وبعد:‬

                                                                                                               ‫ً‬
  ‫فإن أعظم فتنة ابتلي هبا املسلمون قدمياً وحديثا هي فتنة التصوف. هذه الفتنة اليت تلبست للمسلمني برداء الطهر والعفة والزهد واإلخالص، وأبطنت كل أننوا‬
‫الكفر واملروق والزندقة، ومحلت كل الفلسفات الباطلة ومبادئ اإلحلاد والزندقة. فأدخلتها إىل عقائد اإلسالم وتراث املسلمني على حني تفلة منهم، فأفسندوا‬
‫العقول والعقائد. ونشروا اخلرافات والدجل والشعوذة، ودمروا األخالق، وأتوا على بنيان دولة اإلسالم من القواعد إذ حارب املتصوفة العلم واجلهاد والبصرية يف‬
‫الدين، بل والزواج والعمل والكسب، فنصبوا للقرآن والسنة حرباً ال هوادة فيها، وحرفوا الناس عن تعليمها بكل سبيل زاعمني تارة أن القرآن والسنة علم أوراق‬
‫وظواهر وأن علمهم الباطين علم أرواح وحقائق واطال على الغيب ومشاهدة وتارة أخرى زاعمني أن أورادهم وأذكارهم تفضل ما يف القرآن والسنة آالف بل‬
   ‫عشرات اآلالف من املرات وتارة ثالثة واصفني كل علماء الشريعة بأهنم حملوبون مرتزقة ظاهريون جامدون، مل يتذوقوا احلقائق ومل يشاهدوا الغيب، واخنت‬
                                                   ‫املتصوفة أنفسهم وهم بوجه عام من الزنادقة املبتدعني والكفار املستترين بأهنم أهل العلم اللدين، واحلقيقة..‬

‫واستطاعوا بذلك أن يدخلوا كل ما سطره الكفار والزنادقة إىل عقائد املسلمني وأول ذلك ما يسمى بعقيدة وحدة الوجود اليت تنادي بأن الوجود كله وحندة‬
‫واحدة فال خالق وال خملوق، الكل عني واحدة، وحقيقة واحدة يف زعمهم تعددت وجوداهتا، وتغريت صفاهتا ولكنها شيء واحد فاجلننة والننار، والرسنل‬
‫والشياطني، واملؤمنون والكفار، والطهارة والنلاسة، والشرك والتوحيد شيء واحد وذات واحدة، وال فرق -بتاتاً- عندهم بني موسى وفرعون، وإبليس أفضل‬
                                                                                                                 ‫وفض‬
‫من حممد صلى اهلل عليه وسلم َّل شيخهم األكرب كما يدعون فِرعون على موسى ألن فرعون علم احلقيقة اليت يدعيها الصوفية -حيث قنال (أننا ربكنم‬
‫األعلى)!! وهكذا خرج املتصوفة على املسلمني بدين، هذه مبادئه دين يرى يف إبليس مثاالً للفتوة والتوحيد. ألنه مل يرض أن يسلد إال هلل بزعمهم، وبفرعنون‬
‫إماماً ألهل اإلميان الصويف.. ألنه عرف احلقيقة وأنه هو اهلل، واحلال عندهم أنه ليس يف الكون إال اهلل.. دين ال يفرق بني خالق وخملوق وشرك وتوحيد، وكفنر‬
                                                                                                                 ‫وإميان، وطهر وفلور.. وجنة ونار.‬

‫أق ول لقد استطا املتصوفة إفساد عقائد املسلمني يف قرون متطاولة، واستطاعوا كذلك إفساد أعماهلم وشرائعهم وكانت هلم اليد الطوىل يف هزمية العامل اإلسالمي‬
‫وسقوطه حتت نري االستعباد والذل والتبعية لدول الكفر، كان التصوف هو املعربة اليت عرب عليها امللةدون والزنادقة واملفسدون يف األرض والعباءة اليت تستر هبا‬
‫كل من يريد التخريب والتدمري ألمة اإلسالم ورسالة القرآن مث بعد ذلك كان التصوف هو اجلسر الذي ركبه وعربه كل من يريد الوصول إىل تعظيم الناس لنه،‬
‫واستعباد اآلخرين، وأكل أمواهلم بالباطل فقد حتول الزنادقة ومن ال أصول هلم معروفة من األعاجم واملالحدة فدخلوا يف التصوف، وانتسبوا زورًا إىل أهل بينت‬
‫النبوة وادعوا الكرامات والكشوف والعلوم اإلهلية اللدنية اليت تنزل عليهم، ومن مث سخروا الناس خلدمتهم بل وعبادهتم من دون اهلل أحياءً وأمواتاً، فةملت هلنم‬
‫اهلبات واهلدايا. واهنالت من كل حدب وصوب، وقدسهم الناس وعظموهم تعظيماً مل تعرفه امللوك وال أبناء امللوك من اجلبابرة املفسدين واستطا هؤالء الزنادقة‬
                                                ‫املتسترون أن يقيموا إقطاعات دينية، وممالك طائفية تربعوا على عروشها، وجعلوها وراثة يف أوالدهم من بعدهم.‬

                                                                                                                                            ‫سبب تأليف الكتاب:‬

‫لقد كانت رؤية هذا اخلطر املاحق على أمة اإلسالم هو السبب الذي حداين إىل أن أؤلف هذا الكتاب، كاشفاً القنا عن احلركة الصوفية قدمياً وحديثاً، مبصراً‬
                                                                                                                       ‫املسلمني بأبعادها، مبيناً خماطرها وأهدافها.‬

                                                                                                                                        ‫منهج الكتاب وتقسيماته:‬

‫وقد صدر أصل هذه الرسالة سنة 2996م وقد مشلت اجلانب العقائدي فقط من التصوف وانشغلت عن إمتام الكتاب مبشاتل أخرى مث يسر اهلل سبةانه وتعاىل‬
‫أن يتم الكتاب بالصورة اليت كنت أطمع فيها حيث قسمت الكتاب إىل أبواب ستة جعلت الباب األول لبيان اخلطوط العريضة لعقيندة اإلسنالم يف الكتناب‬
‫والسنة، وأنه ال عقيدة إال من القرآن والسنة، وال شريعة كذلك إال منهما وأن كل ما خالفهما فهو باطل. وذلك حىت تتضح هذه احلقيقة اليت هي أصل الندين‬
‫وأساسه واليت عمل الصوفية كل مههم لنقضها وهدمها، فالتصوف يقوم أول ما يقوم على هدم هذين األصلني توحيد املعتقد، وتوحيد العمل، فعند الصوفية كل‬
‫ما اعتقده الناس مجيعاً مؤمنني وكفاراً وزنادقة وفالسفة وعلى أي ملة ومذهب فهو حق، وكل عمل وشريعة فهي حق وأما اإلسالم فإنه يقوم أول ما يقوم على‬
‫أنه ال هدي إال هدي اإلسالم وال عقيدة حق إال عقيدة الكتاب والسنة وال شريعة واجبة اإلتبا إال شريعة الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم وأننه ال صنراط‬
                                            ‫يوصل إىل اهلل إال صراطه. وأما املتصوفة فكل الطرق نافعة وصاحلة وكل الشرائع مهما كانت فعينها واحدة.‬

‫وخصصت الباب الثاني لمجمل تاريخ التصوف: كيف بدأ التصوف، وكيف انتشر وما هي المراحل التي مر بها إلى يومناا ها ا‬
                                                                                        ‫والخطوط العريضة للفكر الصوفي في العقائد والشرائع.‬

‫وأما الباب الثالث فهو أوسع األبواب، وقد مشل ثالثة عشر فصالً كلها يف تفصيل املعتقد الصويف كيف بدأ وكيف تطور إىل أن وصل إىل تاياته وهناياته يف القول‬
‫بوحدة الوجود، واملناداة بوحدة العقائد مجيعاً، واألديان مجيعاً وجعل كل املتناقضات حقيقة واحدة (هلل يف زعمهم) تعاىل اهلل عن ذلك علواً كنبرياً. مث عرضننا‬
‫لعقيدة املتصوفة النهائية فشرحناها حبمد اهلل فصالً فصالً بدأنا مبا مسوه باحلقيقة احملمدية ويعنون بذلك أن الرسول هو أول موجود يف الكون وهو املستوي علنى‬
‫عرش اهلل فوق السماوات السبع، وأنه هو الذي خلق هذا العامل من نوره وهو الذي أرسل الرسل وأنزل الشرائع وأن كل العوامل السفلية والعلوية من فعله وصنعته‬
                                                       ‫وتدبريه وأنه بذلك املظهر احلسي هلل يف زعمهم. اهلل الذي ال يعدو كونه عندهم هو جممو هذا العامل!!‬

 ‫شرحنا عقيدهتم هذه بالنصوص من كتبهم، ورددنا عليهم، مث بينا معتقدهم يف اخلضر عليه السالم والذي جعلوا له صورة وحقيقة تري ما جاء يف الكتاب والسنة.‬
‫مث بينا عقيدهتم يف علم الغيب وما مسوه بالكشف، مث قوهلم يف معراج الروح إىل السماوات ونقلنا نقوالً مستفيضة من خرافاهتم وترهاهتم مث بينا كذلك أقنواهلم‬
‫وعقائدهم يف الوالية الصوفية وشرحنا كيف خلعوا كل صفات الربوبية على أوليائهم املزعومني. وبينا مراراً الوالية عندهم وتقسيماهتم هلا، مث خصصنا فصنالً‬
                   ‫ملعتقدهم فيما مسوه خبتم الوالية ومن قال بذلك منهم قدمياً وحديثاً مث يف عقيدهتم اخلرافية يف الديوان الذي حيكم العامل من جبل حراء مبكة!!.‬

‫وأما الباب الرابع: فقد خصص ناه للشعائر الصوفية فعرضنا لشعائرهم يف الذكر وكيف يتلقون أذكارهم يف زعمهم من الرسول يقظنة ال منامناً ومنن اهلل -يف‬
‫زعمهم- مكتوبة!! وكيف يتلقون من القبور. وبينا أيضاً ما زعموه من فضائل ألذكارهم املكذوبة. مث بينا منهلهم وطريقتهم فيما مسوه بالشنطح. وشنرحنا‬
‫منهلهم يف التربية الصوفية وكيف يغسلون األخماخ وحيولون العقالء إىل جمانني وجماذيب ودراويش سائمة يسهل قيادهتم وتوجيههم. وبينا يف الفصل الرابع منن‬
   ‫هذا الباب الطرق الصوفية وشرحنا بالتفصيل طريقة حديثة مشهورة هي الطريقة التلانية ملا هلذه الطريقة من شهرة وانتشار. ويف الفصل اخلامس نقلننا بنالن‬
                                                                                           ‫مناظرة شيخ اإلسالم ابن تيمية ألتبا الطريقة الرفاعية يف وقته.‬

                                                                   ‫ً‬
     ‫وأما الباب اخلامس: فقد شرحنا فيه الصلة بني التصوف والتشيع وأهنما كانا دائما وجهني لعملة واحدة. عمالً ألهداف واحدة وأخذ كل منهما عن اآلخر.‬

‫وأما الباب السادس: واألخري فقد بي نا فيه موقف طائفة من علماء املسلمني قدمياً وحديثاً من الفكر الصويف بدءاً باإلمام الشافعي رمحه اهلل الذي كان له السنبق‬
‫األول يف الكشف عن هذه الفرق الباطنية، مث اإلمام أمحد الذي فضح مسلكهم وحارب أوائلهم حىت اختفوا إىل أن ماتوا. وختمنا هذا الباب بشنهادة لنرجلني‬
‫متأخرين كانا من رجال التصوف البارزين فهدامها اهلل إىل اإلسالم الصةيح وكتب كل منهما يف فضح التصوف ومها الشيخ الدكتور تقي الدين اهلاليل والشيخ‬
                                                                                                                               ‫الراحل عبدالرمحن الوكيل.‬

‫هذا وإين ألسأل اهلل أن ينفع هبذا الكتاب املسلمني يف مشارق األرض ومغارهبا وأن يكون هذا الكتاب النور اهلادي لألمة لكشف تمة التصوف حىت تننزاح إىل‬
                                                                                                          ‫تري رجعة عن وجه العامل اإلسالمي.‬

‫وقد حاولت جهدي أن أسهل العبارة وأشرح الغامض وأختصر يف الرد وأبسط وأسترسل يف النقل من كتب القوم وذلك لعلمي أن ظهور عقائد هؤالء الزنادقة‬
‫كاف يف إبطاهلا وذلك أهنا عقائد ينفر منها كل قلب سليم وكل فطرة مل تتنلس. وإنه ليكفي فقط أن نكشف اهلالة الزائفة اليت أحيطت بالتصوف لتظهر احلقيقة‬
                                                                                    ‫العارية البغيضة املشينة واليت إذا علمها أي مسلم ال بد أن ينكرها.‬

                                                                                                                            ‫مميزات هذه الرسالة عن تريها:‬

‫وأمحد اهلل أن هذا الكتاب قد متيز عن كتب كثرية كتبت يف ب يان حقيقة الصوفية أنه كان موضوعياً مفصالً وهو أول كتاب فصل بني العقيدة الصوفية والشريعة‬
‫الصوفية وشرح كل باب من أبواب املعتقد الصويف على حدة وكل شريعة هلم على حدة. وبذلك تكتمل الصورة عند القارئ ويفهم مغاليق التصوف ويتعنرف‬
                                                                                                                     ‫على دروبه وسراديبه اخلفية.‬

‫ويف اخلتا م أسأل اهلل ثواب هذا العمل من عنده إنه هو السميع العليم وصلى اهلل وسلم على عبده ورسوله األمني وأصةابه الطيبني الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان‬
                                                                                                                                   ‫إىل يوم الدين.‬

                                                                                                                                      ‫عبدالرمحن عبداخلالق‬

                                                                                                                                    ‫الكويت يف يوم االثنني‬
                                                                                                                     ‫9 من ذي القعننندة سنة 0406هن‬

                                                                                                                         ‫املوافق 6 من أتسطس سنة 0996م‬




                                                                   ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬

                                                                     ‫مقدمة الطبعة األوىل‬

‫احلمد هلل الذي وصف نفسه يف كتابه، وعلى ألسنة رسله، فهدانا وعلمنا، وشرح صدور أهل اإلميان إىل توحيده وعبادته وتقديسه، فشهدوا شهادة احلق أن اهلل‬
                             ‫م‬      ‫َ ز‬                                                                           ‫َ ُ أن‬
            ‫إله واحد سبةانه، كما قال عز وجل {شهد اهلل َّه ال إلهَ إال هوَ واملالئكة وأولوا العلم قائماً بالقسطِ ال إلهَ إال هو العزي ُ احلكي ُ} (آل عمران:96).‬

‫أمحده سبةانه، وأستعينه وأستغفره، وأسأله أن جيعلين أحد أولئك الذين شهدوا له بالوحدانية، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله، حممد الداعي إىل سبيل ربه على‬
    ‫بصرية، الذي وصف ربه مبا أوحي إليه، فأقام، للناس دينهم احلق، فصلوات اهلل وسالمه عليه، وعلى آله وأصةابه، ومن سار على هنله القومي إىل يوم الدين.‬

                                                                                                                                                        ‫وبعد:‬

‫فاحلركة الصوفية حركة قدمية، نشأت يف منتصف القرن الثاين اهللري، وبلغت قمتها العقائدية يف أواخر القرن الثالث، أي بعد مرور مئة ومخسني سنة تقريباً على‬
                                                                                      ‫ً‬                           ‫ً‬
‫نشأهتا. وأصبةت عقيدة عامة، ودينا عاماً لعموم املسلمني إال قليال يف القرون التاسع والعاشر واحلادي عشر، وكانت هذه القرون قرون ظالم وجهل، أفاق العامل‬
‫اإلسالمي بعدها على الغزو األوريب ألراضيه. وكان العامل اإلسالمي يف ذلك الوقت يف حالة بلغت منتهى السوء، فإن كثرياً من علماء املسلمني مل جيندوا منا‬
‫جياهبون به الفاحتني من الفرنسيني إال أن يقرؤوا كتاب البخاري!! وكان ذلك يف القاهرة ويف األزهر مث اصطةاب نابليون وإلباسه جبة املشيخة، وإدخاله يف حلقة‬
                                                                                                                                 ‫من حلقات الذكر!!.‬

‫وأما يف املغرب فإن أتبا الشيخ أمحد ال تلاين كان هلم شرف خدمة الفرنسيني يف ترسيخ أقدامهم يف مشال أفريقيا وترهبا، وأما يف السودان فإن السيد املريتنين‬
                                                                                ‫والطريقة اخلتمية قد وطأت الناس لدخول اإلجنليز، والقضاء على الثورة املهدية.‬

‫وهذه احلركة الصوفية ما زالت تعيش إىل يومنا هذا، بل هي يف حالة بعث جديد ت قوم عليه اليوم مراكز تعليمية كبرية يف بالد الغرب ويف بالدننا اإلسنالمية،‬
                                              ‫وهناك حركة نشطة لبعث التراث الصويف، ليكون دعامة لبعث إسالمي يف زعم القائمني على نشر هذا الفكر.‬

‫ولقد كانت صليت بدراسة التصوف قدمية، وذلك للموقف املتناقض الذي وقفه كثري من الباحثني والعلم اء من هذه احلركة الصوفية، ومن فكرها الذي نشأ عنها،‬
‫وكذلك لالختالف الشديد حول رجاهلا، فكم من رجل من رجال التصوف اهتمه أناس بالزندقة واإلحلاد، ووصفه آخرون بالقديسية والقطبية والغوثية. ولقند‬
                                                                 ‫ً‬
                                   ‫كان هذا التناقض واالختالف يف موقف علماء اإلسالم إزاء هذه احلركة، وهذا الفكر باعثا يل على النظر والتفكري والبةث.‬
‫فمكثت مدة طويلة أمجع القول إىل القول، وأقف عند العبارة الغامضة طويالً، وأفسر كالم القوم بعضه ببعض. وأظن أنين اآلن حبول اهلل قد عرفت مغاليق هنذا‬
‫الفكر، ومساربه اخلفية، ومل يكن هذا األمر سهالً قط، بل يعلم اهلل أنين حتملت فيه كثرياً من اآلالم النفسية املرهقة، وذلك أن أساطني القوم قد مارسوا تشنويهاً‬
                                                                                                                               ‫ً‬
                                               ‫لكتاب اهلل عز وجل، وقلبا ملفاهيم السنة الصةيةة، ال حييط به إال اهلل، وال يطيق الوقوف عليه مسلم جاد!!‬

‫ولقد جتشمت مشقة ذلك لعلمي بعد الدراسة واجلهد أن هذا الفكر هو أخطر ما جي ابه املسلمني يف الوقت احلاضر من مشكالت، فمشكلة الفكر الصويف مشكلة‬
‫عقائدية، واملشاكل العقائدية هي أخطر ما تقابله األمة، فاألمة يتةول عملها كله بتةول عقيدهتا، فالتتر عندما أسلموا حقيقة، تركوا حرب املسلمني، واملسلمون‬
                                                             ‫عندما تركوا اإلسالم، وعقيدة اجلهاد رضوا باملستعمرين، وختلقوا بأخالقهم، وتثقفوا بثقافتهم.‬

‫وهذا الكتاب الذي بني يديك أيها القارئ هو حبث يف العقيدة الصوفية: ما هي؟ وما الغاية اليت تسعى املتصوفة إىل ترسها؟ وما الفروق بني هذه العقيدة وعقيدة‬
‫أهل السنة؟ وهذه العقيدة أنقلها لك بنصوصها من الكتب واملراجع ال صوفية، اليت يعتربها املتصوفة من أنقى كتبهم وأشهرها، كاللمع للطوسي، والتعرف علنى‬
                              ‫مذهب أهل التصوف للكالباذي، وطبقات الصوفية للسلمي، وتري ذلك من الكتب اليت كتبت بأقالم رجال التصوف بأنفسهم.‬

‫وستعلم من هذه الدراسة أن التصوف عقيدة فلسفية قدمية، نشأت قبل اإلسالم يف الفلسفة االستشراقية املنسوبة إىل (أفلوطني). والفلسفة اهلندية القدمية، واليت ما‬
     ‫زالت عقيدة اهلند إىل اليوم، وهي القول بوحدة الوجود، وهذه العقيدة هي عقيدة كثري من شعراء الفرس قبل اإلسالم، وبعد اإلسالم كلالل الدين الرومي.‬

‫وهذا يعين أن التصوف تري الزهد املعرو ف يف العقيدة اإلسالمية، فالزهد شيء، والتصوف شيء آخر، خيتلف عنه كل االختالف، بل هناك فرق بني الزهند يف‬
‫عقيدة الكتاب والسنة، والزهد يف العقيدة الصوفية. فالتصوف فلسفة كاملة، وعقيدة تايتها فتح القلب على علوم تيبية، ال تتلقى عن الرسل، بل تتلقى بطرينق‬
‫(الكشف) عن اهلل رأساً، أو عن الرسول (حسب زعمهم). مث التةقق بعد ذلك أن ال موجود يف الكون إال اهلل، وبذلك يصبح العبد هو الرب، والرب هو العبد،‬
                                                                                                             ‫ر‬
‫بل الكل شيء واحد يف احلقيقة، متف ّق يف الصور فقط!! وطريق الوصول إىل هذا العلم الغييب (الكشف هو اجملاهدة بصور كثرية). وختتلف هذه الصور باختالف‬
                           ‫الزمان واملكان، واألشخاص والديانات!! وجيمعها أمور واحدة هي تعذيب النفس، وترديد أذكار معينة، والعزلة وترك الطهارات.‬

‫وال يعين هذا أن كل رجل نسب إىل التصوف كان يعتقد هذه العقيدة، بل من وصل الغاية منهم وصل إىل هذا، ومن مل يعرف التصوف مل يصل إىل هذه الغاية،‬
        ‫ووقف عند مرحلة من مراحل الطريق الصويف، الذي ينتهي بتلك النهاية. فالطريق الصويف مراحل، وكالم كل إنسان فيه يدل على املرحلة اليت انتهى إليها.‬

‫واجلوانب اليت جيب أن يتعرض هلا حبث كامل عن التصوف جوانب كثرية، ال يسعها هذا البةث، ولذلك فقد اقتصرت يف البةث الذي بني يدي القنارئ اآلن‬
‫على حبث اجلانب العقائدي فقط يف الفكر الصويف، جواباً عن سؤال هام: ما هو التصوف؟ وما العقيدة اليت ينتهي إليها؟ وما موقف هذا الفكر من قضية الكتاب‬
‫والسنة؟ وأسأل اهلل أن يوفقين قريباً إىل إخراج هذا البةث كامالً، معاجلاً مجيع القضايا اليت أثارها هذا الفكر يف العبادات والسلوك وتزكية الننفس، مث اآلثنار‬
                                                                          ‫ً‬
‫السياسية واالجتماعية هلذا الفكر، مع تعريف برجاالته، منذ ظهوره إىل يومنا هذا، سائال اهلل تبارك وتعاىل أن جيعل يف هذه الرسالة امليسرة هداية ونوراً ألبناء أميت‬
‫اإلسالمية، الذين يعزهم الطريق امل ستقيم إىل رب العاملني سبةانه وتعاىل، يف وقت ختتلط فيه السبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، وأسأله تعاىل أن جيعنل‬
                                                                                                                             ‫هذا العمل خالصاً لوجهه الكرمي.‬

                                                                                                                                ‫عبدالرمحن عبداخلالق يوسف‬

                                                                                                                 ‫الكويت يف ترة مجادي اآلخرة لن 0996‬

                                                                                                             ‫65 يونيننننننننننننو 0996‬
                                                                      ‫الباب األول‬

                                                             ‫الكتاب والسنة عقيدة ومنهلا‬

                                                                ‫أ- الكتاب والسنة عقيدة‬

                                                        ‫6- بُعث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف عصر قد انطمست فيه معامل اإلميان باحلق تبارك وتعاىل:‬

‫أ- فالعرب يعتقدون يف وجود اهلل، وأنه خالق الكون، ومنزل املطر، ولكن هذا اإلله يف نظرهم ال يستطيع إحياءهم بعد املوت، وليست له تاية من خلق النناس‬
‫تري هذه الدنيا اليت خلقهم فيها، فليس هناك قيامة وال حساب، مث هو إله كملوك األرض يتوسل إليه من أجل الرزق واملطر، والنصر على األعداء بكل حبينب‬
                                                                                                                       ‫عنده كاملالئكة والصاحلني.‬

‫ب- وأما النصارى فقد درس دينهم احلق، ومل يبق عليه إال أفراد قالئل، وأما الكثرة الغالبة فقد اعتقدت أن عيسى هو اهلل أو ابن اهلل -تعاىل ربنا عما يقولنون-‬
   ‫وجعلوا علماءهم ورهباهنم أرباباً، ينفذون أقواهلم يف كل شيء، ولو خالف ذلك نصوص الكتاب عندهم، ورفعوا الصاحلني منهم إىل منزلة التقديس والتأليه.‬

               ‫ج- وأما اليهود فقد تالوا يف تشبيه اهلل خبلقه، ونسبوا إليه كل القبائح اليت تنسب إىل البشر من الكذب والبخل، والغفلة، وعدم العلم باملستقبل.‬

                                                   ‫د- ويف بالد فارس واهلند عاشت فلسفات كثرية، كل فلسفة تصور معبودها بصورة تروق يف عقل قائلها:‬

‫- ففلسفة نادت بإهلني للعامل: إله للنور وآخر لل ظلمة، وزعمت صراعاً بينهما، ودعت الناس إىل مساعدة إله اخلري والنور، بإشعال النريان لينتصر احلنق علنى‬
                                                                                                                                            ‫الباطل.‬

‫- وفلسفة نادت خبالق للكون، جيب على اإلنسان أن جياهد نفسه بصنوف من اجملاهدات حىت يفىن فيه ويلتةق به، وال تنسخ روحه مرة ثانية بعد املوت إىل هذا‬
                                                                                                                                        ‫العامل.‬

‫- وفلسفة نادت بالوجود الكلي لذات واحدة، تعددت وجوداهتا بتعدد صفاهتا، وهلج الشعراء والكتاب من الفرس حبب هذه الذات اليت تتراءى هلنم يف كنل‬
                                                                                                            ‫شيء، وتظهر هلم يف كل موجود.‬

‫هن- ويف اليونان ظهرت فلسفات كثرية نادى معظمها خبالق للكون مسوه واجباً للوجود أو علة للعلل، عنه نشأ العامل وصدر، ولكن هذه الفلسفة وقفت حائرة‬
                                                             ‫عاجزة أمام الغاية واهلدف الذي من أجله خلق هذا اخلالق الكون، والنهاية اليت يسري إليها الناس.‬

‫5- وكل هذه الفلسفات السابقة كانت حماوالت بشرية ملعرفة الغيب، وما وراء هذا العامل املشاهد، وبديهي أن تنتهي هذه احملاوالت البشرية باإلخفاق الذريع،‬
                                                                         ‫إذ ال سبيل للبشر إىل معرفة الغيب إال الظن واحلدس والتخمني، أو اجلن والشياطني.‬

‫9- بعث اهلل رسوله حممداً صلى اهلل عليه وسلم لريشد كل أولئك احليارى الضالني إىل رهبم وخالقهم سبةانه وتعاىل، وليعلمهم احلكمة اليت من أجلها خلقهم،‬
                                                                                    ‫والغاية اليت إليها يسريون، واملنهج الذي حيبه اهلل لعباده ويرضاه هلم.‬

‫0- وقدم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم للناس الدليل الكامل على أنه رسول من اهلل تبارك وتعاىل، يأتيه الوحي من السماء، فقال هلم: هذا كالم اهلل، أقنرؤه‬
                                                                                                  ‫عليكم، وإن مل تصدقوين فأتوا بسورة واحدة من مثله.‬

‫2- وكان على الرسول صلى اهلل عليه وسلم أن يواجه كل هذا الركام من األفكار والعقائد واملذاهب والفلسفات، وأن يقيم احللة والربهان على فسادها مجيعاً،‬
                                                                                                ‫وصةة ما يدعو هو الناس إليه، وكانت املعركة عقائدية.‬

                                                                                    ‫6- وتركزت هذه احلرب حول أصلني اثنني يتفر عنهما فرو كثرية:‬

‫أ- فاألصل األول هو توحيد اهلل وحده، وهذا يعين أنه اإلله اخلالق وحده، املعبود وحده، الذي ال يشاركه يف صفاته وأفعاله أحد سبةانه وتعاىل، والذي يتصف‬
                                                                                   ‫بكل صفات الكمال واجلمال واجلالل، وينتفي عنه أضداد ذلك.‬

‫ب- واألصل الثاين هو توحيد الطريق إليه، فال حيكم يف شؤون الناس تريه، وال يتقرب إليه مبا شر هو سبةانه وتعاىل، وكان هذا هو معنىن "ال إلنه إال اهلل،‬
                                                                         ‫حممد رسول اهلل" فال إله إال اهلل: األصل األول، وحممد رسول اهلل: األصل الثاين.‬
                                                                                                                                          ‫ن‬
                                                                                          ‫9- ولقد ُوز رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف هذين األصلني:‬

     ‫ز‬                    ‫ال‬                                           ‫ءع ب‬            ‫ن‬
‫أ- فأما املشركون من العرب فقالوا: {أجعل اآلهلة إهلاً واحداً إ ا هذا لشي ٌ ُلا ٌ} (الزمر:9) وقالوا عن آهلتهم: {ما نعبُدهم إ ّ ليقربوننا إىل اهلل ُلفنى}‬
                                                                                                                   ‫ِش ؤ َ‬
                                                                                              ‫(الزمر:9) وقالوا: {هؤالء ُفعا ُنا عند اهللِ} (يونس:96).‬

                                                           ‫ق ِ الش‬                            ‫ٌ هلل‬
                                  ‫وكان رد اهلل تبارك وتعاىل: قل: {لَو كانَ فيهاما ءاهلَة إال ا ُ لفسدَتا} (األنبياء:55)، {ُل هلل َّفاعَة مجيعاً} (الزمر:00).‬

    ‫وعن األصل الثاين: قال تعاىل هادماً تشريعاهتم الباطلة يف احلالل واحلرام والتقرب: {أم هلم شركاؤا شرعوا هلم من الدين ما مل يأذن به اهلل} (الشورى:65).‬

‫ب و ج- وأما اليهود والنصارى فزعمت كل طائفة أن طريقه ا هو الصواب، وأن معبودها هو احلق، وأن اجلنة خالصة هلم من دون الناس، فكان رد اهلل تبنارك‬
                                     ‫وتعاىل: {قل إن هدى اهلل هو اهلدى} (البقرة:456)، {قل إن كنتم حتبون اهلل فاتبعوين حيببكم اهلل} (آل عمران:69).‬

                                                       ‫والقرآن كله بيان جلهاد الرسول صلى اهلل عليه وسلم مع هذه الطوائف الثالث يف شأن هذين األصلني.‬

‫9- وآمن بالرسول صلى اهلل عليه وسلم رجال أخلصوا دينهم هلل، فأحبوه وآثروه على كل شيء، وأحبوا رسوله صلى اهلل عليه وسنلم، وافتندوه بنأرواحهم‬
‫وأنفسهم، وبذلوا اجلهد يف متابعته وطاعته، ويف تنزيه اهلل وتقديسه وعبادته، وحتققوا هبذين األص لني، وقاموا هبا خري قيام حىت أثىن عليهم احلق سبةانه وتعاىل يف‬
                                                                                                             ‫آيات كثرية من كتابه. من ذلك قوله جل وعال:‬

‫{ حممد رسول اهلل والذين معه أشداء على الكفار رمحاء بينهم تراهم ركعا سلداً يبتغون فضالً من اهلل ورضوانا سيماهم يف وجوههم من أثر السلود}..اآلينة‬
                                                           ‫(الفتح:95)، فرضي عنهم سبةانه ورضوا عنه، وعرفوه حق معرفته، وقاموا بدينه خري قيام.‬

‫وأثىن عليهم رسوله صلى اهلل عليه وسلم فقال: [خري الناس قرين، مث الذين يلوهنم، مث الذين يلوهنم] (رواه الشيخان وتريمها عن ابن مسعود، وتريهم عن تريه)،‬
‫وشهد ألفراد منهم باجلنة والفضل، وكان من هؤالء أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه، الذي قال عنه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : [وزنت باألمة فرجةنت،‬
‫ووزن أبو بكر باألمة -لست فيها- فرجح، ووزن عمر باألمة -لست فيها وأبو بكر- فرجح] (رواه أمحد (5/69) بنةوه وإسناد ضعيف، فيه عبيند اهلل بنن‬
                             ‫ً‬
‫مروان أورده ابن أيب حامت يف (اجلرح والتعديل-2/099) ومل حيك فيه جرحاً وال تعديالً، وذكره ابن حبان يف الثقات، وفيه أيضا أبو عائشنة أورده صناحب‬
‫(اجلرح والتعديل-9/960) ومل حيك فيه كذلك جرحاً وال تعديالً، وعلى هذا فهما جمهوالن وباقي رجاله ثقات. وروى أمحند (2/00 و 42) وأبنو داود‬
‫(0960) والترمذي (9995-حتفة) وصةةه، كلهم عن أيب بكرة أن أحد الصةابة رأى يف منامه أن ميزاناً ديل من السماء، فوزن به النيب صلى اهلل عليه وسلم‬
‫وأبو بكر، فرجح النيب صلى اهلل عليه وسلم، مث وزن به أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، مث وزن عمر وعثمان، فرجح عمر، مث رفع امليزان. وقد قنواه أسنتاذنا‬
                                                                                                        ‫األلباين يف (ختريج املشكاة-9/995) بطريقيه).‬

‫وقال: [لو كان نيب بعدي لكان عمر] (رواه بنةوه أمحد (0/026) والترمذي (5/995) وحسنه واحلاكم (9/29) وصةةه وتريهم، كلهم عن عقبة بنن‬
‫عامر مرفوعاً، وحسنه أستاذنا األلباين يف (السلسلة الصةيةة-959) ويف (صةيح اجلامع-4662))، وقال لبالل: [إين مسعت دف نعليك بني يدي يف اجلننة]‬
‫(رواه البخاري (9/699)-من الفتح) وأمحد (5/999 و990) عن أيب هريرة، ولفظ البخاري: قال النيب صلى اهلل عليه وسلم لبالل عند صالة الفلر: [ينا‬
‫بالل، حدثين بأرجى عمل عملته يف اإلسالم، فإين مسعت دف نعليك بني يدي يف اجلنة] قال: ما عملت عمالً أرجى عندي أين مل أتطهر طهوراً يف ساعة ليل أو‬
                             ‫هنار إال صليت بذلك الطهور ما كتب يل أن أصلي. ودف النعل هو صوت حركتها اخلفيف وسريها اللني)، وحنو ذلك كثري جداً.‬

‫9- ومع ذلك فقد حرص رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم طيلة حياته على بقاء أصلي التوحيد "ال إله إال اهلل، حممد رسول اهلل" نقيني صافيني، فما كان يسنمح‬
                                                                   ‫بتاتاً خيدش هذين األصلني، ولو من أحب الناس لديه وآثرهم عنده صلى اهلل عليه وسلم.‬

                                                                                                                                      ‫ومن األدلة على ذلك:‬

‫أ- أنه رأى يوماً بيد عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه ورقة من التوراة، وكان عمر قد أعلبه ما فيها، فغضب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم تضبا ًشديداً، وقال‬
‫لعمر: [ أهذا وأنا بني أظهركم، لقد جئتكم هبا بيضاء نقية.. واهلل لو كان موسى حياً ملا وسعه إال أن يتبعين] (رواه بنةوه اإلمام أمحند يف مسننده (9/999)‬
‫والبيهقي يف شعب اإلميان، والدارمي(6/266-666) بأمت منه، قال أستاذنا األلباين يف (ختريج املشكاة-6/96): "وفيه جمالد بن سعيد، وفيه ضعف، ولكنن‬
             ‫احلديث حسن عندي ألن له طرقاً كثرية عند الاللكائي واهلروي وتريمها، وقد خرجت بعضها يف (اإلرواء-9926)")، ويف هذا احلديث من الفقه:‬

‫أوال: أن الرسول صلى اهلل عليه وسل م تعلب أن يبدأ االهتداء بغري الكتاب والسنة وهو ما زال حياً. ومن مقتضى اإلميان بالكتاب والسنة أن يعتقد أن اهلندي‬
                                                                                                                                   ‫فيهما وحدمها.‬
‫وثانيا: أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم قد جاء بالدين نقياً خالصاً، مل تشبه شائبة من تغيري أو تبديل أو حتريف، والصةابة يتلقونه تضاً طرياً خالصاً، فكينف‬
                                                                                    ‫ينصرفون عنه ويهتدون مبا شابه التةريف والتبديل والزيادة والنق .‬

‫وثالثا: أن موسى عليه السالم نفسه الذي نزلت عليه التوراة لو أنه حي موجود لكان الالزم يف حقه هو متابعة الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وترك شريعته النيت‬
                                                                                                                                     ‫بلغها للناس.‬

‫وهذا احلديث أصل يف بيان منهج الكتاب والسنة، وأنه ال جيوز ألحد أن يهتدي بعلم يقرب إىل اهلل، ويصلح النفس تري الذي بعث به رسول اهلل صلى اهلل عليه‬
                                                                                  ‫وسلم حىت لو كان أصله من شريعة منزلة علي أحد األنبياء السابقني.‬

‫ب- والدليل الثاين أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مسع خطيباً خيطب بني يديه فكان مما قاله: من يطع اهلل ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد توى فقال له‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : [بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يع اهلل ورسوله فقد توى] (رواه مسلم (6/926-بشرح النووي) وأمحند (0/625‬
                                                                                                                                         ‫و999).‬

                                                                                          ‫وقب‬
‫فهذا اخلطيب قد قاطعه رسول اهلل صلى اهلل علي ه وسلم، َّح قوله أمام الناس، والسبب أنه مجع بني اهلل ورسوله يف ضمري واحد [ومن يعصهما] فأمره الرسول‬
                                                                                ‫ي‬
‫صلى اهلل عليه وسلم بأن يعيد ذكر اإلسم الظاهر هلل ولرسوله، حىت ال ُظن ولو من بعيد أن منزلة الرسول كمنزلة اهلل عز وجل. وهذا احلرص من الرسول صلى‬
‫اهلل عليه وسلم دليل على وجوب صون جناب توحيد اهلل تبارك وتعاىل صوناً كامالً، ووجوب التفريق التام بني ما جيب هلل عز وجل، وما جيب لرسوله صلى اهلل‬
                                                                                                                                    ‫عليه وسلم.‬

‫ج- والدليل الثالث أن عثمان بن مظعون رضي اهلل عنه، وكان من خيار الصةابة، ملا تويف، وحضر عنده الرسول صلى اهلل عليه وسلم مسع الصةابية اجلليلة أم‬
   ‫ً‬
‫العالء تقول: شهاديت عليك أبا السائب أن اهلل قد أكرمك.. فرد الرسول صلى اهلل عليه وسلم قائالً: [وما يدريك أن اهلل قد أكرمه؟] وكان هذا تنبيهاً عظيما من‬
‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم هلذه الصةابية بأهنا قد حكمت حبكم تييب، وهذا ال جيوز، ألنه ال يطلع على الغيب إال اهلل عز وجل، ولكنها ردت قائلة: سنبةان‬
‫اهلل يا رسول اهلل!! ومن يكرم اهلل إذا مل يكرمه؟ أي إذا مل يكن عثمان بن مظعون رضي اهلل عنه ممن يكرمهم اهلل تبارك وتعاىل فمن بقي منا حىت يكرمه اهلل تبارك‬
                                                                                                                                              ‫وتعاىل.‬

‫وهذا رد يف تاية البالتة والفهم. ولكن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رد عليها مبا هو أبلغ من ذلك حيث قال هلا: [واهلل إين لرسول اهلل ال أدري ما يفعنل يب‬
‫تداً] وكان هذا هناية األمر وحسمه، فالرسول بنفسه وهو من هو صلوات اهلل وسالمه عليه جيب أن يظل خائفاً مترقباً (حيذر اآلخرة ويرجو رمحة ربنه) وهننا‬
‫وصلت أم العالء إىل احلقيقة الشرعية العظيمة فقالت: واهلل ال أزكي بعده أحداً أبداً (رواه البخاري (9/929 و6/955 و055 و9/665 و6/90 و96-من‬
                                                                                                ‫الفتح) وأمحد (6/690) عن أم العالء األنصارية بنةوه).‬

‫وهذا األصل مقرر يف الشريعة يف آيات وأحاديث كثرية، منها قوله تبارك وتعاىل: { أمل تر إىل الذين يزكون أنفسهم بل اهلل يزكي من يشاء وال يظلمون فتنيالً*‬
‫انظر كيف يفترون على اهلل الكذب وكفى به إمثا مبينا} (النساء:90 و42) ومنها قوله: {ليس بأمانيكم وال أماين أهل الكتاب من يعمل سوءا جيز به وال جيد له‬
‫من دون اهلل وليا وال نصريا} (النساء:956)، وكان هذا ردًا على اليهود الذين قالوا: حنن أهل اجلنة، وحنن شعب اهلل املختار، وردًا على النصارى الذين قالوا: بل‬
‫حنن أهل اجلنة، ألننا أتبا ابن اهلل املخل للبشر من خطيئتهم، ورد أيضاً على املسلمني الذين قالوا: بل حنن أهل اجلنة ألننا أتبا رسوله حممد خنامت الرسنل‬
‫واملوحدين، فأخرب تعاىل أن اجلنة ليست باألماين، وإمنا بالعمل الصاحل، وأن من عمل سوءاً جيز به، وال تنفعه نسبته وروي يف احلديث: [من قال أنا يف اجلنة فهو‬
‫النار] ( فيه إشارة إىل ضعفه، وقد أورده احلافظ السخاوي يف املقاصد احلسنة ص950 ضمن احلديث على حديث: [من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: أنا‬
‫عامل فهو جاهل] وعزاه إىل (املعلم الصغري للطرباين عن حيىي بن أيب كثري) وقال: وسنده ضعيف، وهو عند الديلمي يف مسنده عن جابر بسند ضنعيف جنداً،‬
                                                                  ‫ورواه احلارث بن أيب أسامة من جهة قتادة عن عمر بن اخلطاب موقوفاً عليه، وهو منقطع).‬

‫د- والدليل الرابع أن رجالً جاء إىل الرسول صلى اهلل عليه وسلم فقال له: ما شاء اهلل وشئت فقال له صلى اهلل عليه وسلم : [أجعلتين هلل نداً؟ قل ما شناء اهلل‬
‫وحده] (رواه أمحد (6/065 و055 و995 و909) والبخاري يف (األدب املفرد-999) وتريمها، وأورده أستاذنا األلباين يف (السلسلة الصنةيةة-996)‬
                                                                     ‫يل‬
              ‫وعزاه إىل خمرجيه وحسنه) ، فلعل صلى اهلل عليه وسلم املشيئة هلل وحده، حىت ُعّم املؤمنني أن ال مشيئة ألحد مع مشيئة اهلل تبارك وتعاىل.‬

‫هن- وأما الدليل اخلامس فهو أن بعض الصةابة رضوان اهلل عليهم مروا يف أثناء خروجهم إىل هوازن بعد فتح مكة على شلرة، كان املشركون يعلقون عليها‬
‫سيوفهم، ظانني أنه من فعل ذلك حالفه النصر يف معاركه مع العدو، فقالوا: يا رسول اهلل اجعل لنا ذات أنواط كما هلم ذات أنواط. أي شلرة ينوطنون هبنا‬
                        ‫ة‬
‫أسلةتهم. فقال هلم الرسول صلى اهلل عليه وسلم: [قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل ملوسى: {اجعل لنا إهلاً كما هلم ءَاِلهَ ٌ..} (رواه اإلمام أمحد يف‬
‫مسنده (2/965) والترمذي يف (سننه–6/940 و940-حتفة) وقال: حديث حسن صةيح، قلت: وإسناده صةيح كما قال، ورجاله رجال الستة تري سنان‬
‫بن أيب سنان فلم يرو له أبو داود وابن ماجة)، فبني صلى اهلل عليه وسلم أن هذا من عمل املشركني، وأن مشاهبتهم يف هذا شرك باهلل تبارك وتعناىل، إذ طلنب‬
                                                                                                ‫الربكة والنصر من تري اهلل عز وجل شرك به تعاىل.‬

‫46- واألدلة السابقة كلها لبيان أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم ما كان ليسمح بتاتاً خبدش األصل األصيل يف اإلسالم، وهو توحيد اهلل عز وجل، والقول عليه‬
                                                                        ‫بال علم. وأخذ اهلداية من تريه سبةانه وتعاىل، وتري رسوله صلى اهلل عليه وسلم.‬

‫َّق‬                                                                                                                                      ‫سد‬
     ‫66- وقد َّ رسول اهلل صلوات اهلل وسالمه عليه باب العرافة والكهانة وادعاء علم الغيب، وأخرب صلى اهلل عليه وسلم أن مدعي ذلك كافر، وأن من صند‬
‫عرافاً أو كاهناً فقد كفر مبا أنزل على حممد صلى اهلل عليه وسلم، وقد سئل صلى اهلل عليه وسلم عن العرافني فقال: [ليسوا بشيء] هكذا بنفي قيمتهم وحتقريهم،‬
‫فقال له أصةابه رضوان اهلل عليهم: ولكنهم خيربوننا أحياناً باألمر، فيكون كما قالوا، فأخربهم الرسول صلى اهلل عليه وسلم أن الشياطني تركب بعضها بعضناً‬
 ‫وتصل إىل العنان، وتسمع املالئكة تتكلم باألمر من أمر اهلل تعاىل، فيتعلمونه منهم، فريسل اهلل عليهم الشهب، فيلةقهم الشهاب أحياناً فيةرقهم، وأحياناً يلقون‬
 ‫الكلمة إىل من هو أسفل منهم قبل الشهاب، فيكذب الشيطان مع هذه الكلمة مئة كذبة، فلذلك يصدق أولياء الشياطني من اإلنس مرة، ولكنهم يكذبون كثرياً‬
  ‫(رواه مسلم يف (صةيةه 06/255-نووي) ولفظه: قالت عائشة: سأل أناس رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن الكهان، فقال هلم رسول اهلل صلى اهلل علينه‬
  ‫وسلم: [ليسوا بشيء]. قالوا : يا رسول اهلل، فإهنم حيدثون أحياناً الشيء يكون حقاً؟ قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: [تلك الكلمة من احلق خيطفها اجلنين‬
  ‫فيقرها يف أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة] ، وأما صعود الشياطني إىل السماء الستراق السمع، وقذفهم بالشهب فقد ورد يف حنديث‬
  ‫آخر رواه البخاري يف عدة مواضع من صةيةه، منها كتاب التفسري (9/520-فتح) عن أيب هريرة، وعزاه ابن كثري إىل أيب داود والترمذي وابن ماجة أيضناً.‬
                                  ‫كما ورد مثله يف حديث رواه مسلم يف صةيةه (9/69 و99-نووي) وأمحد وتريمها عن ابن عباس عن رجل من األنصار).‬

‫56- وملا شك الصةابة يف (ابن صياد اليهودي) الذي كان يسكن املدينة، وظنوه الدجال الذي حدث عنه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وأخذ الرسول معه‬
                                                                               ‫مجاعة وزاره يف منزله قال له الرسول خمترباً: [لقد خبأت لك خبئاً..].‬

‫وكان الرسول صلى اهلل عليه وسلم قد أضمر يف نفسه (سورة الدخان) فسأله الرسول عما يف نفسه، فقال عدو اهلل :(هو الدخ) ومل يستطع أن يكمل الكلمنة،‬
‫فقال له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: [اخسأ فلن تعدو قدرك]. أي لن تتعدى كونك كاهناً تتصل باجلن. ولذلك قال له رسول اهلل صلى اهلل علينه وسنلم‬
                       ‫ُب‬
‫[كيف ترى؟] قال: يأتيين أحياناً صادق وكاذب. أي تأتيه أخبار من الشيطان صادقة أحياناً، وكاذبة أخرى، فقال رسول اهلل: [لقد لِّس علينه] (رواه بنةنوه‬
                                         ‫مطوال البخاري (9/560 و6/562 و96/496-من الفتح) ومسلم (96/60 و92-بشرح النووي) وتريمها).‬            ‫ً‬

‫ويف هذا احلديث دليل على أن الشيطان من املمكن أن يطلع على ما يف نفس املؤمن، وخيرب وليه من اإلنس، وأننا مأمورون أال نصدق من الغيب إال ما أتانا منن‬
                                                                                               ‫طريق اهلل، ومن طريق رسوله صلى اهلل عليه وسلم فقط.‬

‫وكل هذه األدلة اليت ذكرناها، وتريها ال حيصى، إمنا كانت لتثبت اجلانب العقائدي اإلمياين يف دعوة الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وبيان أن العقيدة واإلمينان‬
                                                                                               ‫ً‬
            ‫بالغيب مصدره اهلل تبارك وتعاىل، وأنه ال جيوز ملسلم بتاتا أن يتخذ طريقاً آخر للغيب يتلقى عنه، وأن من فعل ذلك فقد خرج من اإلميان باهلل تعاىل.‬

                                                              ‫ب- الكتاب والسنة منهلاً‬

‫للتشريع ميادين كثرية منها العبادات، واملعامالت، والسياسة وأمور املعاش واحلياة، وباب االجتهاد مفتوح فيها مجيعاً إال العبادات فليس فيها اجتهاد، فكل منا‬
‫يتقرب به إىل اهلل تبارك وتعاىل من أعمال جيب الوقوف فيها عند احلد املشرو ، ومل يسمح الرسول صلى اهلل عليه وسلم ألحد أن يزيد على ما قال فيها، أو أن‬
                                                                               ‫يبدل شيئاً منها. وهاك بعض األدلة اليت تثبت هذا األصل من أصول اإلميان:‬

‫أ- رأى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رجالً ميشي يف احلج بني رجلني يسندانه فقال صلى اهلل عليه وسلم: [ما هذا؟] فقالوا: يا رسول اهلل نذر أن حيج ماشياً.‬
‫فقال صلى اهلل عليه وسلم: [إن اهلل عن تعذيب هذا نفسه لغين!! مروه فلريكب] (رواه بنةوه البخاري (0/420 و620-فتح) ومسنلم (66/546 و946)‬
                      ‫وتريمها عن أنس) فنهى صلى اهلل عليه وسلم عن فعل مل يشرعه اهلل عز وجل، وإن كان فاعله قاصداً به التعبد والتقرب إىل اهلل عز وجل.‬

‫ب- ورأى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم رجالً آخر جيلس يف الشمس فسأل عنه، فقالوا: يا رسول اهلل نذر أن يصوم، وال يتكلم وجيلس يف الشنمس فقنال‬
‫صلوات وسالمه عليه: [ليتم صومه، وليتكلم وليللس يف الظل] (رواه بنةوه البخاري (56/640 و560) وأبو داود (4499) وتريمها عن ابن عباس) فأقره‬
‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم على الصوم الشرعي فقط، وهناه عن الصوم املبتد وهو السكوت. وإن كان مشروعاً يف شريعة سابقة كما يف قصة زكريا وقول‬
‫مرمي عليهما السالم: {إين نذرت للرمحن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً} (مرمي:65) ، ولكن اهلل عز وجل مل يتعبدنا هبذه الشريعة وأمره بأن يتةول إىل الظل، ألن‬
                                         ‫اجللوس يف الشمس مع وجود الظل تكلف سخيف، وخروج عن جادة احلق، وعبادة مل يشرعها اهلل سبةانه وتعاىل.‬
‫ج- وأبلغ من الدليلني السابقني حديث عبداهلل بن عمرو بن العاص أن أباه شكاه إىل الرسول صلى اهلل عليه وسلم بأنه زوجه امرأة من أشراف العرب، ومكث‬
‫يسأهلا كل يوم: كيف رأيت زوجك؟ فقالت: صاحلاً تري أنه مل يطأ لنا فراشاً.. وذلك خلمس عشرة ليلة، فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم لعبداهلل بن عمرو‬
‫بن العاص: [بلغين أنك تصوم النهار وتقوم الليل]، فقال: نعم يا رسول اهلل. مث قال له الرسول صلى اهلل عليه وسلم: [صم من كل شهر ثالثة أيام] فقنال: ينا‬
‫رسول اهلل! قال صلى اهلل عليه وسلم: [مخساً]. قال: يا رسول اهلل! قال: [سبعاً]. قال: يا رسول اهلل! قال: [تسعاً]، مث قال له يف النهاية: [صم صيام أخني داود‬
‫كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً وال يفر إذا القى] (هذا احلديث مركب من روايتني روامها مسلم يف صةيةه (9/00-90 نووي) بنةنوه، كمنا روى حننوه‬
                                                                                                                             ‫البخاري (2/056 فتح)).‬

‫ويف هذا احلديث من الفقه أن منهج اإلسالم هو اإلعتدال بني حاجات اإلنسان كلها فيعطي اإلنسان حق ربه، وال ينسى يف سبيل ذلك حق زوجه ونفسه، وعينه‬
‫وقوته. ولذلك جاء يف احلديث الصةيح: [إن لربك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه] (رواه البخاري (2/066 فتح) يف قصة سلمان‬
          ‫وأيب الدرداء، وفيه أن املتكلم هبذا هو سلمان، وقد صدق النيب صلى اهلل عليه وسلم كالمه هذا. ويف قصة ابن عمرو اجلملتان األوليان منه مرفوعتني).‬

                                                              ‫ً‬
‫وهنا لفظه يف احلديث جيب أن نقف عندها طويالً، وهي أن املسلم ال جيوز أن يصوم صوما يضعفه حىت إنه ليفر من العدو، ولذلك قال الرسول لعبد اهلل: [فصم‬
‫صيام داود كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وال يفر إذا القى] وهذه القوة البدنية للقاء العدو مطلوبة يف اإلسالم، ألن اجلهاد هو من أعلى مراتب اإلسالم. فالذين‬
       ‫مييتون قواهم بالتعبد ولو كان أصله مشروعاً، ويطغى هذا على جانب آخر من العبادة فإهنم مفرطون هبذا الفعل، عاصون هلل تبارك وتعاىل من جهة أخرى.‬

‫د- ويف احلديث الصةيح اآلخر أن رجالً سأل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن صومه، فغضب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم تضباً شديداً، وجلس عمر بن‬
‫اخلطاب يقول: رضينا باهلل رباً وباإلسالم ديناً حىت سكن تضب النيب صلى اهلل عليه وسلم (رواه مسلم (6/90-62) عن أيب قتادة األنصاري رضي اهلل عننه‬
‫بنةوه مطوالً) ، وسر تضبه صلوات اهلل وسالمه عليه أن هذا السائل أراد أن يضاهي فعل الرسول يف هذه العبادة اليت كان له فيها خصوصية، وهي أنه يواصنل‬
                                                                                                                   ‫ي‬
‫اليوم واليومني والثالثة وكان ُسأل صلى اهلل عليه وسلم عن ذلك فيقول: [لست كهيئتكم إين أبيت عند ريب يطعمين ويسقيين] (رواه مسلم (9/565 و265)‬
                                                                                              ‫بنةوه عن أيب هريرة وعائشة وأنس رضي اهلل عنهم).‬

‫هن- وأبلغ هذه األدلة كلها يف مسألة التعبد والتقرب، أنه ال جيوز فيه إال اتبا املشرو ، والتقيد بالكتاب والسنة هو حديث النفر الثالثة الذين أتوا إىل بينوت‬
‫النيب صلى اهلل عليه وسلم، فسألوا عن عبادته، فلما أخربوا كأهنم تقالوها، فقال أحدهم: وأين حنن من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم! إن اهلل قد تفر له ما تقدم‬
‫من ذنبه وما تأخر. أما أنا فأقوم وال أنام، وقال اآلخر: أما أنا فأصوم وال أفطر، وقال الثالث: أما أنا فال أتزوج النساء. فلما رجع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫وأخرب خربهم صعد املنرب، ومجع الناس مث قال: [ما بال أقوام يقولون كذا.. أما إن أعلمكم باهلل، وأتقاكم هلل أنا، أما إين ألصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتنزوج‬
                                    ‫النساء، فمن رتب عن سنيت فليس مين] (رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي اهلل عنه وليس فيه صعود املنرب ومجع الناس).‬

‫ويف هذا احلديث من الفقه شيء كثري ويهمنا اآلن ما حنن بصدده، وهو أن أي جتاوز فيما شرعه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف العبادات اليت يتقرب هبنا إىل‬
       ‫ي‬
‫اهلل عز وجل، فمعىن ذلك اخلروج من منهج اإلسالم إىل منهج آخر حىت ولو صلةت النيات، وأريد بذلك وجه اهلل عز وجل، فإن الرب تبارك وتعاىل ال ُعبد إال‬
                                                                                                                                         ‫مبا شر .‬

                                                                ‫وأمر آخر وهو أن جتاوز فعل الرسول صلى اهلل عليه وسلم، سواء كان بتشريع جديد كالتره‬
‫ُّب، أو الزيادة يف املشرو كالصيام أبداً، وقيام الليل كله هو اهتنام‬
‫للرسول صلى اهلل عليه وسلم أنه مل يكن يف القمة من معرفة اهلل تبارك وتعاىل، والقيام حبقه. ولذلك قال أولئك النفر: وأين حنن من رسول اهلل صنلى اهلل علينه‬
          ‫ً‬
‫وسلم؟ إنه قد تفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعنون أن اهلل قد تفر ذنوبه، فليس مبةتاج إىل اجتهاد يف العبادة، ومعىن هذا أن الرسول قد ترك شيئا من وسعه‬
‫يف العبادة استناداً إىل هذه املغفرة، واحلظوة عند اهلل تبارك وتعاىل، وهذا من االعتقادات اليت ال تليق يف حق الرسول صلى اهلل عليه وسلم الذي ما ترك وسنعاً يف‬
‫عبادة اهلل وطاعته، وكان صلى اهلل علي ه وسلم يف القمة دائماً، ويف املقدمة دائماً كما أمره بذلك ربنا سبةانه وتعاىل حيث قال: {قل إن صاليت ونسكي وحمياي‬
‫وممايت هلل رب العاملني* ال شريك له وبذلك أمرت وأنا أول املسلمني} (األنعام:566و966)، فهو صلى اهلل عليه وسلم أول املسلمني يف كل شيء، فال جينوز‬
‫ملسلم أن يظن فيه تري ذلك، والزيادة علي ما شرعه إمنا هي اهتام له صلى اهلل عليه وسلم، ولذلك قال: [إن أعلمكم باهلل، وأتقاكم هلل أنا] مث فاصل بني من أراد‬
                                                                                      ‫طريقه بااللتزام، ومن مل يلتزم قال له [فمن رتب عن سنيت فليس مين].‬

‫66- ومل يكتف الرسول صلى اهلل عليه وسلم ببيان كل ذلك، بل أعلن يف كل خطبة من خطبه للناس : [وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة يف الننار] (هاتنان‬
‫اجلملتان جزء من خطبة احلاجة اليت كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يبدأ هبا خطبه، واجلملة األوىل عند مسلم والبيهقي، وهي اجلملة الثانية عند النسنائي،‬
‫وإسناده صةيح، وانظر رسالة (خطبة احلاجة) ألستاذنا األلباين فقد مجع فيها طرقها ورواياهتا)، وقال أيضاً : [من أحدث يف أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] (رواه‬
                                      ‫البخاري ومسلم) فكل عمل حمدث يراد له التقرب إىل اهلل عز وجل فهو مردود على صاحبه، والتعبد هو باملشرو فقط.‬
‫96- ولقد أصل الرسول صلى ا هلل عليه وسلم بعد ذلك أصالً خطرياً، وهو تعمد خمالفة أهل الكتاب واألمم األخرى، وذلك حىت تتةقق ميزة األمنة باملننهج‬
‫املستقل واألفعال املستقلة، وحىت ال ختتلط أفعال األمة وعباداهتا بأفعال األمم األخرى وعباداهتا، فأمر أن نصلي بالنعال واخلفاف مع العلم أن خلعهنا أمت ملعناين‬
‫اخلضو والذلة، وذلك خمالفة لليهود والنصارى الذين ال يصلون يف خفافهم ونعاهلم. فقال: [ إن أهل الكتاب ال يصلون يف خفافهم ونعاهلم، فصلوا يف خفافكم‬
‫ونعالكم] (رواه أبو داود (526) عن شداد بن أوس، وإسناده صةيح، ولفظه: [خالفوا اليهود، فإهنم ال يصلون يف نعاهلم وال خفافهم] وصنةةه األلبناين يف‬
                                                                                                    ‫(صةيح اجلامع-2459) و (ختريج املشكاة-269)).‬

‫وهلذا األصل أدلة وشواهد ال حتصى كثرة (من أمجع الكتب املؤلفة يف ذلك كتاب (اقتضاء الصراط املستقيم) لشيخ اإلسالم ابن تيمية والفصل اخلناص حبرمنة‬
‫التشبه بالكفار من (حلاب املرأة املسلمة) لأللباين) ، واملراد هنا التنبيه على أن األمة اإلسالمية جيب أن تكون أمة مستقلة يف كل شيء: املنهج والعبادة، والسلوك‬
                                                                                                     ‫واآلداب والعبادات، وحىت اللباس واملظاهر والعادات.‬

          ‫96- وأرجو أن أكون هبذه املقدمة قد أوضةت جانباً من هذه القضية: قضية االلتزام بالكتاب والسنة عقيدة وعبادة، وسلوكاً وآداباً باملشرو فقط.‬

                                                                                                           ‫الصةابة رضوان اهلل عليهم واألصالن السابقان:‬

‫96- فهم الصةابة رضوان اهلل عليهم هذا األصل األصيل ألنه مقتضى قوهلم "ال إله إال اهلل حممد رسول اهلل" فاتبعوا هذا األصل، وكانوا حراساً له، فما شاهدوا‬
‫احنرافاً ولو يسرياً إال شددوا نكريهم على فاعليه، وبتروه من أصله. ومن أكرب األدلة على ذلك أن عبداهلل بن مسعود رضي اهلل عنه دخل املسلد يف الكوفة فرأى‬
‫حلقاً، ويف وسط كل حلقة كوماً من احلصى، ورجل قائم على كل حلقة يقول هلم: سبةوا مئة فيسبةون مئة. امحدوا مئة فيةمدون مئة، كربوا مئة، فيكربون‬
‫مئة؛ فقال هلم ابن مسعود رضي اهلل عنه: يا قوم! واهلل ألنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول صلى اهلل عليه وسلم أو مقتةموا باب ضناللة (رواه الندارمي‬
‫(6/96) بتمامه مع بعض اختالف، وإسناده جيد، وصةةه أستاذنا األلباين يف رسالة (الرد على التعقب احلثيث ص20))، وهذه قضية منطقية سليمة، فهؤالء‬
‫إما أن يكونوا أهدى من الرسول صلى اهلل عليه وسلم، ألهنم قد وفقوا لعمل مل يصل إليه علم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وإمنا أن يكوننوا يف ضناللة،‬
‫والفرض األول منتف حتماً، ألنه ال أحد أفضل من رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، فلم يبق إال الفرض اآلخر، وهو أهنم قد اقتةموا باب ضاللة، فقالوا: واهلل يا‬
‫أبا عبدالرمحن ما أردنا إال اخلري، وهذا دليل منهم على صالح نياهتم، وإرادهتم وجه اهلل تبارك وتعاىل هبذا العمل املبتد . ولكن عبداهلل بن مسعود قال هلم: "وكم‬
                                ‫من مريد للخري مل يبلغه"!! وهذا معناه أن النية وحدها ال تكفي لتصةيح الفعل، بل ال بد أن ينضاف إىل ذلك التقيد باملشرو .‬

‫45- وبالغ الصةابة رضوان اهلل عليهم يف محاية جناب الدين وجانبه أن يدخل فيه الغريب، وما ليس منه حىت يصفو للناس التأدب باألدب اخلال ، والتخلنق‬
‫باخللق الكامل من كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم، فطرد علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه القصاصني من املساجد، وهم الوعاظ النذين يعظنون‬
‫الناس، ويزعمون ترقيق قلوهبم بالقص اخليايل، واحلكايات واألساطري، وأنكر ابن عمر على رجل عطس، فقال: احلمد هلل والصالة والسالم علنى رسنول اهلل‬
‫قائالً له: "ما هكذا علمنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بل قال إذا عطس أحدكم فليةمد اهلل ومل يقل: وليصل على رسوله"!! (رواه بنةوه الترمنذي (9/9‬
                                                                                                                       ‫ً‬
                                                                  ‫حتفة) وفيه ضعف، ورواه أيضا الطرباين والبزار فينظر اسناده فيهما، فلعله يقوى به).‬

                                                                                                                                      ‫احلقائق.. واملوازين:‬

                                                                                   ‫ومبلمو هذه األدلة يتضح لنا احلقائق التالية لفهم قضية الكتاب والسنة:‬

                ‫أوالً: اهلدى هو ما كان من اهلل سبةانه وتعاىل ورسوله صلى اهلل عليه وسلم فقط {قل إن هدى اهلل هو اهلدى} {فماذا بعد احلق إال الضالل}.‬

                      ‫وإن هذا اهلدى حمصور يف كتاب اهلل وسنة رسوله صلى اهلل عليه وسلم فقط، وليس وراء هذا طريق ثالث يقرب إىل اهلل، ويباعد عن النار.‬

                                                              ‫ثانياً: إن كل عقيدة ختالف كتاب اهلل وسنة رسوله هي عقيدة باطلة جيب حرهبا والقضاء عليها.‬

‫ثالثاً: إن كل زيادة أو نق يف تشريع العبادات والسلوك يراد به التقرب إىل اهلل تبارك وتعاىل، وإصالح النفس إمنا هو بدعة مرفوضة، حىت لو كان صدر هذا ممن‬
                                                                                                                   ‫ينتسبون إىل اإلسالم ويدعون إليه.‬

                                                                                  ‫ً‬                                     ‫ً‬
   ‫رابعاً: إن كل من ادعى علما تيبياً يف كتاب اهلل وسنة رسوله، زاعما أنه قد وصل بطريق اجلن أو الفيض أو الفتح، أو االتصال بالسماء إمنا هو كاذب مارق.‬

‫خامساً: إن أقوال العلماء يف أمور الدين ال تؤخذ قضية مسلمة قط، بل ال بد م ن عرضها على الكتاب والسنة، فما وافق أخذ وما خالف ذلك رد، وإذا جاز لنا‬
                                ‫أحياناً األخذ هبا والعمل هبا إذا مل نعلم الدليل، فإمنا ذلك إىل حني معرفتنا بالدليل، ومىت عرفنا الدليل حكمنا به على القول.‬

‫سادساً: إن الصةابة رضوان اهلل عليهم كانوا أعبد الناس، وأتقى الناس، وأهنم حتققوا هبذين األصلني: الكتاب والسنة، وأن من كان على مثل ما كانوا عليه فقد‬
                                                                                                             ‫اهتدى، ومن شذ مييناً أو يساراً فقد ضل.‬
                                                                        ‫الباب الثاين‬

                                                                ‫جممل تاريخ الشريعة الصوفية‬



                                                                       ‫الفصل األول‬

                                                               ‫حملة سريعة عن تاريخ التصوف‬

‫ال يعرف على وجه التةديد من بدأ التصوف يف األمة اإلسال مية ومن هو أول متصوف وإن كان اإلمام الشافعي رضي اهلل عنه عندما دخل مصر قال: تركنت‬
‫بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئاً يسمونه السما .. والزنادقة الذين عناهم الشافعي هنا هم املتصوفة (والسما ) هو الغناء واملواجيد واملواويل اليت ينشندوهنا‬
‫ومعلوم أن الشافعي دخل مصر سنة 996 هن وكلمة الشافعي توحي بأن قضية السما هذه قضية جديدة ولكن أمر هؤالء الزنادقة يبدو أنه كان معلوماً قبنل‬
‫ذلك. بدليل أن الشافعي قال كالماً كثرياً عنهم كقوله مثالً (لو أن رجالً تصوف أول النهار ال يأيت الظهر حىت يكون أمحق) (تلبيس إبلنيس البنن اجلنوزي‬
‫ص499) وقال أيضاً: ما لزم أحد الصوفية أربعني يوماً فعاد إليه عقله أبداً (املصدر السابق ص499)، وكل هذا يدل على أنه قد كان هناك قبل هناينة القنرن‬
                                                                  ‫الثاين اهللري فرقة معلومة عند علماء اإلسالم يسموهنم أحياناً بالزنادقة وأحياناً باملتصوفة..‬

‫وأما اإلمام أمحد فقد كان معاص راً للشافعي وتلميذاً له يف أول األمر فقد أثر عنه أقوال كثرية يف التنفري من أفراد معينني نسبوا إىل التصوف. كقوله يف رجل جاء‬
‫يستفتيه يف كالم احلارث احملاسيب: قال أمحد بن حنبل: "ال أرى لك أن جتالسهم" وذلك بعد أن اطلع أمحد بن حنبل على جمالسهم اليت كانوا جيلسون فيها للبكاء‬
‫-وحماسبة النفس كما يزعمون- والكالم على الوساوس وخطرات القلوب. فلما اطلع اإلمام أمحد على ذلك قال لسائله حمذرًا إياه من جمالستهم وكتبهم "إيناك‬
‫وهذه الكتب، هذه كتب بد وضالالت". والذي يبدو أن اإلمام أمحد بن حنبل رضي اهلل عنه قال هذا الكالم يف مطلع القرن الثالث، ولكن هذا القرن ما كاد‬
                                 ‫يكتمل حىت ظهر التصوف على حقيقته، وانتشر يف األمة انتشاراً ذريعاً، واستطا املتصوفة أن يظهروا ما كانوا خيفونه سابقاً.‬

‫واملطلع على احلركة الصوفية من أول نشأهتا إىل حني ظهورها العلين على ذلك النةو جيد أن أساطني الفكر الصويف مجيعهم بال استثناء يف القرن الثالث والرابنع‬
‫اهللريني كانوا من الفرس ومل يكن فيهم عريب قط، وعند مقابلة الدين الصويف ستلد أن التصوف هو الوجه اآلخر للتشيع (اقرأ الفصل اخلاص بذلك: الصلة بني‬
‫التصوف والتشيع) وأن أهداف التصوف والتشيع كانت واحدة تقريباً، يف السياسة والدين،،.. ، واملهم هنا هو التذكري بأن التصوف بلغ تايته وذروته من حيث‬
‫العقيدة والتشريع يف هناية القرن الثالث حيث استطا احلسني بن منصور احلالج أن يظهر معتقده على املأل ولذلك أفىت علماء العصر بكفره وقتله فقتنل سننة‬
    ‫949هن وصلب على جسر بغداد، وسئل الصوفية اآلخرون فلم يظهروا ما أظهر احلالج.. وسيأيت وصف تفصيلي لعقيدة احلالج عند بيان العقيدة الصوفية.‬

‫وعلى الرتم من ذلك فإن الصوفية ظلت تواصل انتشارها يف أرض فارس على اخلصوص مث العراق.. وساعد على انتشارها يف فارس أن أقام رجل يسنمى أبنو‬
‫سعيد امليهين نظاماً خاصاً للخانات الذي أصبح فيما بعد مركزاً للصوفية، وقلده يف ذلك عامة رجال التصوف ومن هنا نشأت يف منتصف القرن الرابع اهللري‬
‫بدايات الطرق الصوفية اليت سرعان ما انتشرت يف العراق ومصر، واملغرب، ويف القرن السادس ظهرت جمموعة من رجال التصوف كل منهم يزعم أنه من نسل‬
‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم واستطا كل منهم أن يقيم له طريقة صوفية خاصة وأتباعاً خمصوصني، فظهر الرفاعي يف العراق، والبدوي يف مصر وأصنله منن‬
‫املغرب وال يعرف له أم وال أب وال أسرة وال هو من املغرب، وكذلك الشاذيل يف مصر وأصله كذلك من املغرب. وتتابع ظهور الطرق الصوفية اليت تفرعت من‬
‫هذه الطرق، ويف القرون السادس والسابع والثامن.. بلغت الفتنة الصوفية أقصاها وأنشئت فرق خاصة بالدراويش وظهر اجملاذيب وبنيت القباب على القبنور يف‬
‫كل ناحية، وذلك بقيام الدولة الفاطمية يف مصر وبسط سيطرهتا على أقاليم واسعة من العامل اإلسالمي، وبنائها للمزارات والقبور املفتراة كقرب احلسني بن علني‬
‫رضي اهلل عنهما يف مصر والسيدة زينب، وإقامتهم بعد ذلك املوالد والبد واخلرافات الكثرية، وتأليههم يف النهاية للةاكم بأمر اهلل الفاطمي؛ لقد بدأت الدعوة‬
‫الفاطمية باملغرب لتكون بديالً للةكم العباسي السين، واستطاعت هذه الدول ة جتنيد هذه الفرق الصوفية وتزو العامل اإلسالمي هبذه اجليوش الباطنية اليت كان هلا‬
                                                          ‫أعظم األثر بعد ذلك يف متكني اجليوش الصليبية من أرض اإلسالم كما ستطالعه بأدلته يف هذه الرسالة.‬

‫وأخرياً عم اخلطب وطم يف القرون املتأخرة التاسع والعاشر واحلادي عشر إذ ظهرت آالف ا لطرق الصوفية، وانتشرت العقيدة والشنريعة الصنوفية يف األمنة،‬
                                                                                                ‫واستمر ذلك إىل عصر النهضة اإلسالمية احلديثة.‬

‫لقد بدأت طالئع هذه النهضة ومقدماهتا يف آخر القرن السابع وبداية القرن الثامن على يد اإلمام اجملدد أمحد بن عبداحلليم بن تيمية احلراين الذي صناول كنل‬
‫العقائد ا ملنةرفة بقلمه وبيانه ومن مجلة ذلك عقائد املتصوفة وشرائعهم املبتدعة والقى يف هذا ما القى (اقرأ الفصل اخلاص مبناظرة ابن تيمية للرفاعية البطائةينة)‬
‫وجاء تالميذه من بعده جماهدين يف هذا الصدد كابن القيم، وابن كثري، واحلافظ الذهيب، واحلافظ املزين، وتريهم،.. ولكن شوكة التصوف والتخريف والعقائد‬
‫الباطلة كانت قد متكنت من األمة متكناً عظيماً، ولكن اهلل سبةانه وتعاىل هيأ لألمة يف القرن الثاين عشر اهللري اإلمام اجلليل حممد بن عبدالوهاب الذي تتلمذ‬
‫على كتب شيخ اإلسالم ابن تيمية فقام مصاوالً هذا الباطل الذي عم اآلفاق وقد حقق اهلل على يديه ظهور النهضة اإلسالمية احلديثة فقد اسنتلاب لدعوتنه‬
‫املخلصون يف كل أحناء العامل اإلسالمي وتردد صداها يف اهلند والسودان ومصر والشام وكل بالد اإلسالم، ومنذ ذلك الوقت بدأت احلركة الصنوفية تتعنرى‬
                                                         ‫أوراقها شيئاً فشيئاً، وتبدد عقيدة التوحيد ظالمها، وتزيل من نفوس األمة ترهاهتا وخرافاهتا..‬

‫واليوم حبمد اهلل يكتسح طوفان احلق جيش الباطل ويعود التصوف مرة أخرى إىل اإلجنةار واالستتار كما بدأ وكما هو دائماً شأن العقائد الباطنية، ولكن منا‬
‫زالت دولة الصوفية قوية يف أحناء كثرية من العامل اإلسالمي وخاصة يف أفريقيا ودول من آسيا. حيث العربية تري معلومة وحيث اجلهل بالتوحيد والدين الصةيح‬
‫ما زال قائماً، مث إن رموز التصوف ما زالت موجودة وأعين برموزه القبور واملزارات والشيوخ الضالني والعقائد الفاسدة؛ كل ذلك ما زال موجوداً، وهو حيتاج‬
 ‫إىل جهد جهيد، وجهاد طويل القتال آثاره يف القلوب والنفوس واألرض. ويف الفصل اخلاص بالطرق الصوفية سريى القارئ بعض هذا الواقع القائم إىل اليوم.‬

                                                                                                     ‫..هذه حملة سريعة جمملة لنشأة الفكر الصويف وتطوره..‬

                                                                      ‫الفصل الثاين‬

                                                            ‫حملة عن العقيدة والشعائر الصوفية‬

‫ختتلف العقيدة الصوفية يف صورهتا األخرية عن عقيدة الكتاب والسنة من كل وجه من حيث التلقي واملصادر أعين مصدر املعرفة الدينية؛ ففي اإلسالم ال تثبنت‬
‫عقيدة إال بقرآن أو سنة لكن يف التصوف تثبت العقيدة باإلهلام والوحي املزعوم لألولياء واالتصال باجلن الذين يسموهنم الروحنانيني، وبعنروج النروح إىل‬
‫السماوات، وبالفناء يف اهلل، واجنال ء مرآة القلب حىت يظهر الغيب كله للويل الصويف حسب زعمهم، وبالكشف، وبربط القلب بالرسول حيث يستمد العلوم منه‬
                                        ‫يف زعمهم، وبلقاء الرسول يف اليقظة واملنام حسب زعمهم، وبالرؤى..، وباجلملة فاملصادر الصوفية للغيب كثرية جداً.‬

‫وملا تعددت هذه املصادر على هذا النةو، كانت العقيدة نفسها واسعة متطورة متغرية خمتلفة بل ومتناقضة بني صويف وصويف حيث كل منهم يزعم أنه خيرب مبنا‬
                    ‫أداه إليه كشفه هو، وما ورد على خاطره وما قاله له الرسول صلى اهلل عليه وسلم، أو ألقاه امللك إليه أو اطلع عليه بنفسه يف اللوح احملفوظ..‬

‫وأما القرآن والسنة فإن للصوفية فيهما تفسرياً باطنياً حيث يسمونه أحياناً تفسري اإلشارة، ومعاين احلروف فيزعمون أن لكل حرف يف القرآن معىن ال يطلع على‬
‫معناه إال الصويف املتبةر، املكشوف عن قلبه.. وعلى هذا األساس كان للمتصوفة دينهم اخلاص الذي خيتلف يف أصوله وفروعه عن الدين الذي جاء به الرسنول‬
          ‫صلى اهلل عليه وسلم. وهذه باختصار هي مجلة عقائدهم يف اهلل والرسول واألولياء واجلنة والنار وفرعون وإبليس، وكذلك مجلة اعتقاداهتم يف الشرائع.‬

                                                                                                                                     ‫6- عقيدهتم يف اهلل:‬

‫يعتقد املتصوفة يف اهلل عقائد شىت منها احللول كما هو مذهب احلالج، ومنها وحدة الوجود حيث ال انفصال بني اخلالق واملخلوق وهذه هي العقيدة األخرية اليت‬
‫انتشرت منذ القرن الثالث وإىل يومنا هذا وأطبق عليها أخرياً كل رجال التصوف وأعالم هذه العقيدة كابن عريب وابن سبعني، والتلمساين، وعبدالكرمي اجليلي،‬
                                                                                           ‫وعبدالغين النابلسي، وعامة رجال الطرق الصوفية احملدثني.‬

                                                                                                                    ‫5- ويف الرسول صلى اهلل عليه وسلم:‬

‫يعتقد الصوفية يف الرسول صلى اهلل عليه وسلم أيضاً عقائد شىت فمنهم من يزعم أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم ال يصل إىل مرتبتهم وحاهلم، وأنه كان جاهالً‬
 ‫بعلوم رجال التصوف كما قال البسطامي: (خضنا حبراً وقف األنبياء بساحله) ومنهم من يعتقد أن الرسول حممد هو قبة الكون وهو اهلل املستوي على العرش وأن‬
   ‫السماوات واألرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خلقت من نوره وأنه هو أول موجود وهو املستوي على عرش اهلل وهذه عقيدة ابن عريب ومن جاء بعده.‬

                                                                                                                                        ‫9- ويف األولياء:‬

‫يعتقد الصوفية يف األولياء عقائد شىت فمن هم من يفضل الويل على النيب وعامتهم جيعل الويل مساوياً هلل يف كل صفاته فهو خيلق ويرزق وحييي ومييت ويتصرف يف‬
‫الكون وهلم تقسيمات للوالية فهناك الغوث املتةكم يف كل شيء يف العامل، واألقطاب األربعة الذين ميسكون األركان األربعة يف العامل بأمر الغوث، واألبندال‬
‫السب عة الذين يتةكم كل واحد منهم يف قارة من القارات السبع بأمر الغوث والنلباء كل واحد منهم يتصرف يف ناحية تتةكم يف مصائر اخللق وهلنم دينوان‬
                                                        ‫جيتمعون فيه يف تار حراء كل ليلة ينظرون يف املقادير، وباختصار؛ األولياء عامل خرايف كامل.‬

‫هذا بالطبع خالف الوالية يف اإلسالم اليت تقوم على الدين والتقوى وعمل الصاحلات والعبودية الكاملة هلل والفقر إليه وأن الويل ال ميلك من أمر نفسه شيئاً فضالً‬
                                                                        ‫عن أنه ميلك لغريه قال تعاىل لرسوله {قل إين ال أملك لكم ضراً وال رشداً} (اجلن:65).‬

                                                                                                                                     ‫0- ويف اجلنة والنار:‬
‫وأما اجلنة فإن الصوفية مجيعاً يعتقد ون أن طلبها منقصة عظيمة وأنه ال جيوز للويل أن يسعى إليها وال أن يطلبها ومن طلبها فهو ناق ، وإمنا الطلنب عنندهم‬
                                               ‫والرتبة يف الفناء املزعوم يف اهلل، واإلطال على الغيب والتصريف يف الكون.. هذه جنة الصويف املزعومة.‬

‫وأما النار فإن الصوفية يعتقدون أيضاً أن الفرار م نها ال يليق بالصويف الكامل ألن اخلوف منها طبع العبيد وليس األحرار بل منهم من تبلح أنه لو بصق على النار‬
‫ألطفأها، كما قال البسطامي. وأما من يعتقد بوحدة الوجود منهم فإنه يعتقد أن النار بالنسبة ملن يدخلها تكون عذوبة ونعيماً ال يقل عن نعيم من يدخل اجلنة.‬
                                                                                                     ‫وهذه عقيدة ابن عريب كما ذكر ذلك يف الفصوص.‬

                                                                                                                               ‫2- ويف إبليس وفرعون:‬

‫وأما إبليس فيعتقد عامة الصوفية أنه أكمل العباد وأفضل اخللق توحيداً ألنه مل يسلد إال هلل بزعمهم وأن اهلل قد تفر له ذنوبه وأدخله اجلنة، وكنذلك فرعنون‬
                       ‫عندهم أفضل املوحدين ألنه قال {أنا ربكم األعلى} فعرف احلقيقة ألن كل موجود هو اهلل مث هو يف زعمهم من آمن ودخل اجلنة.‬

                                                                                                                                  ‫وأما الشعائر الصوفية:‬

                                                                                                                                     ‫6- ففي العبادات:‬

     ‫يعتقد الصوفية أن الصالة والصوم واحلج والزكاة هي عبادات العوام وأما هم فيسمون أنفسهم اخلاصة، أو خاصة اخلاصة ولذلك فإن هلم عبادات خمصوصة.‬

        ‫وقد شر كل قوم منه م شرائع خاصة هبم كالذكر املخصوص هبيئات خمصوصة، واخللوة واألطعمة املخصوصة، واملالبس املخصوصة واحللقات اخلاصة.‬

‫وإذا كانت العبادات يف اإلسالم لتزكية النفس وتطهري اجملتمع فإن العبادات يف التصوف هدفها ربط القلب باهلل للتلقي عنه مباشرة حسب زعمهم، والفناء فينه‬
 ‫واس تمداد الغيب من الرسول والتخلق بأخالق اهلل حىت يقول الصويف للشيء كن فيكون ويطلع على أسرار اخللق، وينظر يف كل امللكوت، ويتصرف يف الكون.‬

‫وال يهم يف التصوف أن ختالف الشريعة الصوفية ظاهر الشريعة احملمدية اإلسالمية. فاحلشيش واخلمر واختالط النساء بالرجال يف املوالد وحلقات الذكر كل ذلك‬
‫ال يهم ألن للويل شريعته تلقاها من اهلل مباشرة فال يهم أن يوافق ما شرعه الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم ألن لكل واحد شريعته فشريعة حممد للعوام وشريعة‬
                                                                                                                                  ‫الصويف للخواص.‬

                                                                                                                                ‫5- ويف احلالل واحلرام:‬

‫وكذلك الشأن يف احلالل واحلرام فأهل وحدة الوجود يف الصوفية ال شيء حيرم عندهم ألن لكل عني واحدة.. ولذلك كان منهم الزناة واللوطية، ومن ينأتون‬
                                                        ‫احلمري جهارًا هناراً. ومنهم من اعتقد أن اهلل قد أسقط عنه التكاليف وأحل له كل ما حرم على تريه.‬

                                                                                                                    ‫9- ويف احلكم والسلطان والسياسة:‬

                   ‫وأما يف احلكم والسلطان والسياسة فإن امل نهج الصويف هو عدم جواز مقاومة الشر ومغالبة السالطني ألن اهلل يف زعمهم أقام العباد فيما أراد.‬

                                                                                                                                        ‫0- ويف التربية:‬

‫ولعل أخطر ما يف الشريعة الصوفية هو منهلهم يف التربية حيث يستةوذون على عقول الناس، ويلغوهنا وذلك بإدخاهلم يف طريق متندرج يبندأ بالتنأنيس، مث‬
‫بالتهويل و التعظيم بشأن التصوف ورجاله مث بالتلبيس على الشخ مث بالزرق إىل علوم التصوف شيئاً فشيئاً مث بالربط بالطريقة وسد مجيع الطرق بعند ذلنك‬
                                                                                                                                    ‫للخروج.‬

                                                                                     ‫ولكن كيف بدأت هذه العقائد الصوفية وتطورت على هذا النةو..؟!‬

                                                                                                    ‫تعالوا نشاهد كيف بدأت العقيدة الصوفية وتطورت..‬
                                                                     ‫الباب الثالث‬

                                                             ‫نشأة العقيدة الصوفية وتطورها‬



                                                                     ‫الفصل األول‬

                                                                  ‫طريق اهلداية الصويف‬

 ‫مل يصل يف -حدود علمي- أحد ممن حبث يف التصوف إىل معرفة الرجل األويل الذي تسمى باسم (الصويف) يف اإلسالم وال من وضع اللبنات األوىل هلذا الفكر.‬

‫وال شك أن التصوف منهج نشأ قبل اإلسالم فكراً وسلوكاً وعقيدة، وأنه كان يف كل األمم والديانات وخاصة يف الربمهية اهلندوكية والفلسفة اإلشراقية اليونانية‬
‫واجملوسية الفارسية، وكذلك نشأت النصرانية -وال شك أن التصوف تري الرهبانية وتري الزهد كما سنعلم تفصيالً- مث انتقل بعد ذلك إىل الفكر اإلسالمي عنن‬
‫طريق الزنادقة اجمل وس، وأخذ جمراه يف واقع األمة اإلسالمية وتطور حىت بلغ شأوه وألفت مصادره، ووضعت أصوله وقواعده النهائية يف القرن الرابع واخلنامس‬
                                                                                                                                             ‫اهللري.‬

‫ولكن بعض الكتاب ظن أن هناك صلة بني التصوف والزهد، ولذلك نسب إىل التصوف كل من عرف بالزهد والرتبة عن الدنيا، واإلقبال على اهلل كنإبراهيم‬
‫وكالفضل بن عياض، وعبداهلل بن املبارك وبشر احلايف وإبراهيم بن أدهم وحنوهم من العباد والزهاد.. والذي ساعد يف هذا اخللط بني الزهد والتصوف أن الذين‬
‫وضعوا طبقات الصوفية جعلوا أمثال هؤالء أئمة يف هذا الشأن، بل جتاوز بعضهم احلدود من أمثال الشعراين، وجعل اخللفاء الراشدين هم أو رجال يف طبقنات‬
                                                                                                                                   ‫الصوفية وحاشاهم..‬

‫واحلال أنه شتان ما بني الزهد والتصوف فالزهد يف الدنيا فضيلة وعمل مشرو مستةب وهو خلق األنبياء واألولياء وعباد اهلل الصاحلني الذين يؤثرون ما عند اهلل‬
‫على التنعم، والتلذذ واالنشغال باملباحات، بل يتركون بعض الطيبات يف املباحات طمعاً فيما عند اهلل سبةانه وتعاىل كما قال تعاىل: {ويؤثرون على أنفسهم ولو‬
                   ‫كان هبم خصاصة} وقال أيضاً: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسرياً* إمنا نطعمكم لوجه اهلل ال نريد منكم جزاءً وال شكوراً}.‬

‫ويف الصةيةني أن عائشة رضي اهلل عنها قالت "كان يأيت اهلالل واهلالل واهلالل ثالثة أهلة يف شهرين وال يوقد يف أبيات رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ننار".‬
                                                                                                     ‫قيل فما كان طعامكم: قالت "األسودان التمر واملاء"..‬

‫وهذا لكمال زهدهم، ورتبتهم عن الدنيا. وأما التصوف فمنهج آخر ألن الصويف إذا حتقق يف صوف يته يصبح الزهد عنده شيئاً ال معىن له، فهو قد حيتاج الزهند‬
                                                                ‫ً‬
‫فقط يف أول الطريق الصويف مث يف النهاية عليه أن يعب من كل ما قدر عليه ولو كان حراما يف الشر مخراً أو زنا، أو حىت إتياناً للذكران ألن عقيندة وحندة‬
‫الوجود ال جتعل يف النهاية فرقاً بني الزنديق والصديق، و ال بني األخت واألجنبية، وال بني امللَك والشيطان، بل وال بني العبد والرب على حد قول ابنن عنريب‬
                                                                                                                      ‫املهندس األخري للفكر الصويف:‬

                                               ‫ياليت شعري من املكلف؟!‬                ‫العبد رب والرب عبد‬

                                                ‫وإن قلت رب أىن يكلف؟!‬               ‫رب‬
                                                                                    ‫إن قلت عبد فذاك ُّ‬

‫وهذا سيأيت تفصيله وبيانه، والشاه د هنا أن هناك فرقاً هائالً بني الزهد الذي هو فضيلة وهناية يف الشريعة اإلسالمية وبني التصوف الذي قد جيعل الزهند منن‬
                                                            ‫شعائره ولكنه للمبتدئني فقط وأما يف النهاية فيلب عند الصويف أن يتمتع بكل ما قدر عليه.‬

‫وأعود فأقول أنه ال يعرف بالتةديد من أول من تسمى بالصويف حق يقة يف اإلسالم وكنت يف الطبعة الثانية من الكتاب ملا قرأت ما كتبه أبو عبدالرمحن السلمي‬
‫صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات مشمت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترمجة إبنراهيم بنن أدهنم‬
‫فوجدت أن أئمة اجلرح والتعديل منهم من يوث قه ومنهم ينسبه إىل اخلرافة واجلهل بشر اهلل فغلب على ظين أنه رمبا كان الرائد األول النذي وضنع البنذرة‬
                                                                                                                                       ‫الصوفية..‬

‫ولقد لفت نظري بعد ذلك كثري من األخوة أن شيخ اإلسالم ابن تيمية أثىن على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتمياً إىل هذا املنهج وكنت قد قرأت ما كتبنه‬
                                                                                                             ‫ب‬
‫شيخ اإل سالم رمحه اهلل وقد رأيت أنه رّما يثين على شخ ما من أجل موقف صةيح يف العقيدة، وهو قد ال يرضى عنه يف موقف آخر بل إنه كثرياً ما يستدل‬
                                                                                                   ‫بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئاً من احلق..‬
                                                                                                                          ‫ت‬
‫وبعد أن أعدت النظر وجد ُ أن كالم أئمة اجلرح والتعديل ال يرقى إىل اهتام إب راهيم بن أدهم رمحه اهلل بشيء مما وضعه املتصوفة يف عقائدهم ومناهلهم، وأما‬
‫احلكايات اليت رويت عنه واملوجودة يف طبقات الصوفية أليب عبدالرمحن السلمي فإنه ال يعول عليها يف اجلرح والتعديل ألن أبا عبدالرمحن السلمي نفسه قد ذكر‬
               ‫شيخ اإلسالم ابن تيمية أنه كان يضع احلكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم رمحه اهلل.‬

‫وعلى كل حال فيعلم اهلل أن قصدي من تأليف الكتاب هو بيان الفكر الصويف من حيث هو مدون ومسطور يف كتب القوم وبيان ما فيه من الباطل والتغرينر،‬
‫وأنا أعلم أيضاً أن الذين وضعوا هذا الفكر قد كذبوا على كثري من فضالء الناس، وزهاد األمة وليس قصدنا عداوة مع هؤالء الفضالء فنعوذ بناهلل أن ننؤذي‬
    ‫مسلماً بلسان أو يد.. وإمنا مقصدنا الذب عن عقيدة اإلسالم وشريعة سيد املرسلني وبيان ما يف هذا الفكر من االحنراف، وما يف هذه احلكايات من الباطل.‬

‫ومرة أخرى أقول ال نستطيع أن جنزم من هو أول شخ تسمى باسم الصويف يف اإلسالم، وألقى بالكلمات األوىل والقواعد األوىل ليؤسس هنذا املننهج. وال‬
‫شك أن ذلك كان يف منتصف أو أوائل القرن الثاين من اهللرة. فإن اإلمنام الشافعي املتويف سنة 245هن يقول: "تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئاً‬
                                                                                                                          ‫يسمونه السما " أ.هن‬

‫(والزنادقة) هنا هم الصوفية (والسما ) هو الغناء واألناشيد اليت كانوا يتلمعون عليها، وال شك أن ظهور الصوفية هبذه البدعة مل يكن وليد سنة أو سنتني إمننا‬
‫كان وليد سنوات تطورت بدعة الصوفية حىت استطاعوا أن يعلنوا بدعتهم ب الغناء والطرب بالدفوف وحنو ذلك يف عاصمة اخلالفة ببغداد، وال شك أن مثل هذه‬
‫املظاهر والعقائد املنافية لإلسالم الصةيح بدأت دعوة سرية مث تطورت واستفةل شرها، وأعلن عنها أصةاهبا ومن أجل ذلك ال يعلم على القطع واحلقيقة الرائد‬
                                                                                                 ‫األول للفكر الصويف يف اإلسالم وواضع لبناته األوىل..‬

‫ومما يدل على أن األمر كان سرياً يف أوله ما روي عن اإلمام أمحد أنه مسع احلارث احملاسيب جيتمع مع مجاعة يف منزل من املنازل وأهنم يقضون ليلهم يف البكناء‬
‫وحماسبة النفس والكالم على اخلطرات والوساوس وأن اإلمام أمحد بعد أن استمع إليهم خلسة من منزل جماور أصبح يقول: نفروا الناس عن احلارث احملاسنيب،‬
                                                                         ‫وقال ملن سأله هل جيلس معهم ويقضي الليل معهم قال: ال أرى لك أن جتالسهم.‬

                                                                                  ‫والشاهد أن هذه البدعة ال شك أهنا بدأت سرية مث تطورت واستعلنت.‬

‫ونعود إىل أيب عبدالرمحن السلمي املتويف سنة 560هن والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة املشايخ السابقني لنلد أنه جعل إبراهيم بن أدهم رائداً‬
                                                                                                                   ‫ومؤسساً لبدايات هذا الفكر..‬

‫نأيت إىل حكايات السلمي لنناقش هذه احلكايات ال من حيث ثبوهتا ونفيها ولكن من حيث أهنا قد أصبةت هي العماد الذي قام عليه هذا الفكر.. نأيت لنناقش‬
                                                   ‫هذه احلكايات على ضوء الكتاب والسنة لنرى ما فيها من الباطل ولنعرف كيف بدأ هذا الفكر وتطور:‬

‫6- قال أبو عبدالرمحن السلمي (تويف سنة 560هن): " مسعت أبا العباس حممد بن احلسن اخلشاب قال حدثنا أبو احلسن علي بن حممد بن أمحد املصري، قنال‬
‫حدثين أبو سعيد أمحد بن عيسى اخلراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: صةبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسويل، وأبو عبداهلل السننلاري،‬
‫فقلت: يا أبا إسةاق! خربين عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أيب من ملوك خراسان، وكنت شاباً فركبت إىل الصيد، فخرجت يوماً على دابة يل، ومعني‬
‫كلب، فأثرت أرنباً أو ثعلباً، ف بينما أنا أطلبه، إذ هتف يب هاتف ال أراه، فقال: يا إبراهيم: أهلذا خلقت؟ أم هبذا أمرت؟ ففزعت، ووقفت، مث عدت فركضنت‬
‫الثانية، ففعل يب مثل ذلك ثالث مرات، مث هتف يب هاتف من قربوس (قربوس: كةلزون، حنو السرج ومنعطفه، ومها قربوسان) السرج: واهلل ما هلذا خلقنت،‬
‫وال هبذا أمرت. قال: فنزلت فصادفت راعياً أليب يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إىل مكة فبينما أننا‬
‫يف البادية، إذ أنا برجل يسري ليس معه إناء وال زاد، فلما أمسى وصلى املغرب، حرك شفتيه بكالم مل أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلنت‬
‫وشرب، وكنت معه على هذا أياماً، وعلمين "اسم اهلل األعظم" مث تاب عين وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت اهلل به، فإذا أننا‬
‫بشخ آخذ حبلزيت وقال: سل تعطه!! فراعين قوله، فقال: ال رو عليك أنا أخوك اخلضر، إن أخي داود علمك اسم اهلل األعظم، فال تدعو به على أحد بينك‬
‫وبينه شةناء، فتهلكه هالك الدنيا واآلخرة، ولكن اد ُ اهلل أن يشلع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، وجيدد يف كل ساعة رتبتك، مث انصرف‬
                                                                                                              ‫وتركين" (طبقات السلمي (95-69)).‬

                                                                                                                                     ‫وهذا خرب آخر:‬

‫5- "مسعت حممد بن احلسن البغدادي يقول: مسعت علي بن احلسن بن أمحد املصري يقول: مسعت أمحد بن عيسى اخلراز يقول: حدثين تري واحد من أصةابنا‬
‫منهم: سعيد بن جعفر الوراق، وهارون اآلدمي، وعثمان النلار، قالوا: حدثنا عثمان بن عمارة قال حدثين إبراهيم بن أدهم عن رجل من أهل اإلسكندرية يقال‬
‫له أسلم بن يزيد اجلهين قال: لقيته باإلسكندرية فقال يل: من أنت يا تالم؟ قلت: شاب من أهل خراسان. قال: وما محلك على اخلروج من الدنيا؟ قلت زهنداً‬
 ‫فيها، ورجاء لثواب اهلل تعاىل. فقال: إن العبد ال يتم رجاؤه لثواب اهلل تعاىل حىت حيمل نفسه على الصرب. فقال رجل ممن كان معه: وأي شيء الصرب؟ فقال: إن‬
 ‫أدىن منازل الصرب أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره األنفس. قال: قلت: مث مه؟ قال: إن كان حمتمالً للمكاره أورث اهلل قلبه نوراً. قلت: وما ذلك النور؟‬
‫قال: سراج يكون يف قلبه، يفرق بني احلق والباطل، والناسخ واملتشابه، قلت: هذه صفة أولياء رب العاملني. قال: استغفر اهلل، صدق عيسى بن مرمي عليه السالم‬
                                                                      ‫حني قال: ال تضعوا احلكمة عند تري أهلها فتضيعوها، وال متنعوها أهلها فتظلموها!!‬

‫فبصصت إليه، وطلبت إليه، وطلب معي أصةابه إليه، فقال عند ذلك: يا تالم إياك إذا صةبت األخيار أو حادثت األبرار أن تغضبهم عليك، فإن اهلل يغضنب‬
   ‫لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن احلكماء هم العلماء، وهم الراضون عن اهلل عز وجل إذا سخط الناس، وهم جلساء اهلل تداً بعد النبيني والصديقني.‬

‫يا تالم احفظ عين واعقل، واحتمل وال تعلل، فإن التأين معه احللم واحلياء، وإن السفه معه اخلرق والشؤم، قال: فسالت عيناي، وقلت: واهلل ما محلنين علنى‬
                                              ‫مفارقة أبوي، واخلروج من مايل، إال حب األثرة هلل، ومع ذلك الزهد يف الدنيا، والرتبة يف جوار اهلل تعاىل.‬

‫قال: فإياك والبخل، قلت: وما البخل؟ فقال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل خبيالً مباله، وأما الذي عند أهل اآلخرة فهو الذي يبخل بنفسه عنن‬
‫اهلل تعاىل. أال وإن العبد إذا جاد بنفسه هلل، أورث قلبه اهلدى والتقى، وأعطى السكينة والوقار والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك تفتح له أبواب السماء،‬
                            ‫ً‬
‫فهو ينظر إىل أبواهبا بقلبه كيف تفتح، وإن كان يف طريق الدنيا مطروحاً، فقال له رجل من أصةابه: " اضربه فأوجعه، فإنا نراه تالما قد وفق لوالية اهلل تعاىل!!"‬
‫قال: فتعلب الشيخ من قول أصةابه: "لقد وفق لوالية اهلل تعاىل" فقال يل: يا تالم أما إنك ستصةب األخيار، فكن هلم أرضاً يطأون عليهنا، وإن ضنربوك‬
‫وشتموك وطردوك، وأمسعوك القبيح، فإن فعلوا بك ذلك ففكر يف نفسك: من أين أتيت، فإنك إذا فعلت ذلك يؤيدك اهلل بنصره، ويقبل بقلوهبم عليك، واعلنم‬
‫أن العبد إذا قاله (أي كرهه) األخيار، واجتنب صةبته الورعون وأبغضه الزاهدون، فإن ذلك استعتاب من اهلل تعاىل لكي يعتبه، فإن أعتب اهلل عز وجل أقبنل‬
‫بقلوهبم عليه، وإن مت رد على اهلل أورث قلبه الضاللة، مع حرمان الرزق، وجفاء من األهل، ومقت من املالئكة، وإعراض من الرسل بوجوههم، مث مل يبال يف أي‬
                                                                                                                                             ‫واد يهلكه.‬

‫قال: قلت: إين صةبت -وأنا ماش بني الكوفة ومكة- رجالً فرأيته إذا أمسى يصلي ركعتني فيهما جتاوز، مث يتكلم بكالم خفي بينه وبني نفسه، فإذا جفنة منن‬
‫ثريد عن ميينه، وكوز من ماء، فكان يأكل ويطعمين. قال: فبكى الشيخ عند ذلك، وبكى من حوله، مث قال: يا بين أو يا أخي ذاك أخي داود، ومسكنه من وراء‬
‫بلخ، بقرية يقال هلا (الباردة الطيبة) وذلك أن البقا تفاخرت بكينونة داود فيها، يا تالم: ما قال لك؟ وما علمك؟ قال: قلت: علمين اسم اهلل األعظم، فسنأل‬
‫الشيخ ما هو؟ فقلت: إنه يتعاظم علي أن أنطق به. فإين سألت به مرة، فإذا برجل آخذ حبلزيت وقال: سل تعطه، فراعين، فقال: ال رو علينك: أننا أخنوك‬
‫اخلضر، إن أخي داود علمك إياه، فإياك أن تدعو به إال يف بر، مث قال: يا ت الم إن الزاهدين يف الدنيا، قد اختذوا الرضا على اهلل لباساً، وحبه دثاراً واألثنرة لنه‬
‫شعاراً، فتف ّل اهلل تعاىل عليهم ليس كتفضله على تريهم، مث ذهب عين. فتعلب الشيخ من قويل، مث قال: إن اهلل سيبلغ مبن كان يف مثالك ومن تبعنك منن‬     ‫ض‬
                                                                                                ‫املهتدين، مث قال يا تالم إنا قد أفدناك ومهدناك، وعلمناك علماً.‬

                                   ‫مث قال بعضهم: يا إهلنا احلبه عنا، واحلبنا عنه، قال إبراهيم: فما أدري أين ذهبوا؟!!!" (أ.هن من طبقات السلمي بنصه).‬

                                  ‫لقد وضع من وضع هاتني احلكايتني أصول التصوف، ومنها تفر الفكر الصويف فيما بعد، ولنستعرض معاً أصول هذا الفكر:‬

‫أوالً: إن اهلداية قد جاءت بزعمه إلبراهيم من هاتف هتف به أوالً، مث من كالم خرج من قربوس السرج، ولست مناقشاً اآلن صةة هذه الدعوى أو بطالهننا،‬
‫ولكين أريد أن أذكر اآلن أن هذا طريق للهداية يغاير وخيالف الطريق الذي جاء به الرسول صلى اهلل عليه وسلم، فاهلداية يف اإلسالم إمنا تكون دائماً عن طرينق‬
‫كتاب اهلل الذي أنزل للناس هدى ونوراً. والدعوة إىل اإلميان يف شريعة الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم إمنا تكون باحللة واإلقنا ، وبتقدمي الدليل على إعلاز‬
                                                                                                          ‫القرآن وصدق رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬

‫ثانياً: اهلداية اليت ادعاها أبو عبدالرمح ن السلمي إلبراهيم بن أدهم قد محلته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، (وترك الدنيا) على حد التعبري، وليس مالبس‬
‫الصوف اليت كانت على جسم الراعي، ومن مسي هذا املنهج بالتصوف، وليس من شروط اهلداية يف اإلسالم أن يترك املهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إال إذا‬
‫قابل فيه اضطهاداً أو منعاً من أداء الشعائر، أو كان يف بلد كثري املعاصي وأراد النقلة إىل بلد آخر يكثر فيه الصاحلون، ومل تكن (بلخ) النيت هلرهنا إبنراهيم‬
‫كذلك؛ ألنه جاء يف حكايته أهنا مسكن (داود) وأن البقا قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية اليت مسيت (الباردة‬
                                                                 ‫الطيبة) اليت يسكن فيها داود وخيرج إىل الرباري والقفار، وليس من سبب شرعي هلذا التةول؟‬

‫ثالثاً: جاء يف احلكاية أن إبراهيم لقي رجالً بالبادية يسري، وليس معه زاد وال طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا‬
       ‫الرجل علمه اسم اهلل األعظم، مث أخرب أن هذا الرجل إمنا هو داود عليه السالم، وأنه ملا دعا باسم اهلل األعظم حضر اخلضر إليه يف احلال، وسأله عن طلبه.‬

‫ولست أدري شرعاً ما الذي يدعو داود عليه السالم أن يعود إىل الدنيا، (إن كان ذلك يف مكنته) ويت لاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجالً من أمة حممد صلى‬
‫اهلل عليه وسلم اسم اهلل األعظم، مع العلم أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم قال لعمر: [واهلل لو كان موسى حياً ملا وسعه إال أن يتبعين] فكذلك لو عاد داود حياً‬
                                                            ‫ل‬
                           ‫لوجب أن يتبع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وال جيوز له أن يعلم الناس شيئاً من الدين مل يعّمه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫وقد جاء يف احلديث الصةيح أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مسع رجالً يدعو قائالً: اللهم إين أسألك بأين أشهد أنك أنت اهلل (رواه أمحد (2/909-429)‬
     ‫وأبو داود (99906) وتريمها عن بريدة بن احلصيب رضي اهلل عنه) الذي ال إله إال أنت، األحد الصمد، الذي مل يلد ومل يولد، ومل يكن له كفوًا أحد.‬

                                                       ‫فقال: صلى اهلل عليه وسلم : [قد سأل اهلل بامسه األعظم، الذي إذا سأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب].‬

‫فالرسول صلى اهلل عليه وسلم أخرب أن اسم اهلل األعظم يف هذا الدعاء، وأن اهلل تبارك وتعاىل إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ومل يقل صنلى اهلل علينه‬
‫وسلم: إن هذا اإلسم من دعا به أتاه اخلضر يف التو واحلال، وقال: سل تعطه!! هكذا على اإلطالق: اسأل ما بدا لك.. ما أشبه هذا الكالم بالقصن اخلنرايف‬
                                                           ‫الذي يزعم بأن سليمان نيب اهلل عليه السالم كان له خامت إذا حركه أتاه عفريت من اجلان!!.‬

    ‫به أحداً قبله من الصةابة والتابعني؟.‬    ‫داود عليه السالم إبراهيم بن أدهم باسم اهلل األعظم، ومل خي‬    ‫مث لو فرضنا صةة احلكاية، أليس لنا أن نسأل: ملا خ‬

‫مث ملاذا يقول اخلضر إلبراهيم بن أدهم –كما جاء يف احلكاية-: لق د تعلمت اسم اهلل األعظم، فال تد به على أحد بينك وبينه شةناء، فتهلكه هنالك الندنيا‬
‫واآلخرة، هكذا وإبراهيم بن أدهم ليس معصوماً، فرمبا ختاصم مع رجل مسلم، فإذا دعا باسم اهلل األعظم على هذا الرجل هلك هالك الدنيا واآلخرة، وحرم جنة‬
‫اهلل، وباء بالنار، ألنه خاصم إبراهيم بن أدهم فقط، وهذا ليس للرسول، ألن الرسول دعا على أناس فقال له اهلل: {ليس لك من األمر شيء} (آل عمران:956)‬
‫(انظر حديث البخاري يف شأن نزول هذه اآلية). هذا مع أن احلال يف اخلصومة بني النيب صلى اهلل عليه وسلم وبني أعدائه إمنا هو من أجل العقيدة والدين، وليس‬
                                                                                                                         ‫كخصومة تريه من أهل الدنيا.‬

‫رابعاً: جاء يف احلكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهله الذي سلكه يف تعبده أنه "اخلروج من الدنيا" ولقد علمنا نتائج هذا اخلروج، وهني خلنع‬
‫مالبسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول يف البادية، ولن نناقش اآلن مدى قرب هذا املسلك أو بعده عن الرسالة اليت بعث هبا حممد بن عبنداهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم، ولكننا سنناقش اآلثار اليت ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخربه أسلم بن يزيد اجلهين يف اإلسكندرية أنه إذا كان حقناً طالبناً‬
 ‫لثواب اهلل فال بد له من حتمل الصرب، وأنه إن فعل ذلك أورث اهلل قلبه نوراً يفرق به بني احلق والباطل، والناسخ واملتشابه (هكذا)!! وهنا تضع احلكاية األصنل‬
 ‫الرابع يف التصوف، وهو أنه باجملاهدة والصرب حيصل النور الذي يعرف به علم احلق والباطل، والناسخ واملتشابه!! واملعروف أن اجملاهدة بالصرب مهما عظمنت ال‬
 ‫تعلم اإلنسان اآل يات الناسخة واملنسوخة، واحملكم واملتشابه من كالم اهلل تبارك وتعاىل، وال جتعله يفرق بني حق وباطل، بل ال بد من التعلم، ألن رسول اهلل صلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم يقول: [إمنا العلم بالتعلم] (ذكره البخاري يف (صةيةه-6/496 من فتح الباري) معلقاً، وبني احلافظ بن حلر من وصنله يف شنرحه علينه،‬
 ‫وحسن إسناده، وأورده أستاذنا األلباين يف (السلسلة الصةيةة-509) بأمت منه، وصةةه وقال يف خمتصره لصةيح البخاري (6/95): "هو طرف من حديث‬
 ‫رواه ابن خيثمة (066) بسند صةيح عن أيب الدرداء موقوفاً، ورواه تريه عنه مرفوعاً، وله شاهد من حديث معاوية") ومل يقل: إمنا العلم بالصرب. وأمنا أن اهلل‬
 ‫تبارك وتعاىل يوفق العامل بعلمه، والقائم بتقواه إىل اهلداية والعلم فنعم، وذلك بتيسري أسباب العلم اجلديد فقوله تعاىل : {واتقوا اهلل ويعلمكم اهلل واهلل بكل شيء‬
                                                                                  ‫د‬
 ‫عليم} (البقرة:595). هي ختام أطول آية يف كتاب اهلل، وقد نزلت بشأ ن ال ّين وكتابته واإلشهاد عليه، والتعلم املقصود يف اآلية هو هذا التعلم الذي أنزله اهلل‬
 ‫على الرسول صلى اهلل عليه وسلم. ويستةيل شرعاً وعقالً أن يبلغ املسلم علم شيء بالصرب أو الصيام مثالً دون بذل السبب املوصل إىل هنذا العلنم. فنالعلم‬
                                                                     ‫الشرعي بالتعلم، والعلم الدنيوي أيضاً بالتعلم، وليس شيء من ذلك يورث بالصرب واجملاهدة.‬

‫وال شك أن احلكاية عندما دعت إىل هذا العلم فإمنا أرادت علماً آخر، ألهنا قالت على لسان أسلم بن يزيد: "وذلك أن احلكماء هم العلماء" فهو يعنين طائفنة‬
‫أخرى هلا تقاليدها وعاداهتا، وجماهداهتا املستقلة وعلمها املستقل أيضاً، وستعلم هذا بأدلته فيما يأيت إن شاء اهلل تعاىل. ومل يعن بالطبع علمناء الشنريعة النذين‬
‫يعلمون الكتاب والسنة، ألن علم هؤالء ال يتأتى إال بالدرس والنقل والكتابة واحلفظ، وسؤال اهلل الفهم والعمل والتوفيق، وأما طريق القوم الذين عنتهم احلكاية‬
‫فإمنا هو ا جملاهدة بأسلوب خاص، وعادات خاصة، ومنهج خاص ليصل اإلنسان منهم إىل علم خاص، وفهم خاص، ووجد خاص، وال يستطيع علماء الشنريعة‬
‫مهما بلغ علمهم أن يصلوا إىل شيء منه. وباب هذا العلم اخلاص الذي عنته احلكاية هو ما عرب عنه بقوله: "وأن العبد إذا جاد بنفسه هلل، أورث قلبنه اهلندى‬
‫والتقى، وأعطي السكينة والوقار، والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك يفتح له أبواب السماء فهو ينظر إىل أبواهبا بقلبه كيف تفتح، وإن كان يف طرينق‬
                                                                                                                                ‫الدنيا مطروحاً"!!.‬

‫فهذا العلم اخلاص بابه السماء، وينظر أهل هذا العلم إىل فتح هذه األبواب بقلوهبم حىت لو كانوا مطروحني يف طريق الدنيا، وقبل أن حنكم على هذا العلم املزعوم‬
                                                                          ‫بالصةة أو البطالن ال بد أن نرى مناذج منه، وهذا موعده فيما يأيت إن شاء اهلل.‬

‫خامساً: الغاية اليت حددهتا هذه الرواية املزعومة هلذا الطريق، وهذا املنهج هو: "واهلل ما محلين على مفارقة أبوي، واخلروج من مايل إال حب األثرة هلل، ومع ذلك‬
                      ‫الزهد يف الدنيا، والرتبة يف جوار اهلل تعاىل" وقد فسر له على حد زعمه أسلم بن يزيد (البخيل) بأنه "الذي يبخل بنفسه عن اهلل تعاىل".‬
‫فاألثرة هلل اليت جاءت يف احلكاية ليست هي حب اهلل وإيثار مرضاته، والطمع يف جنته، وخوف ناره، بل سنعلم بالنصوص والنقول من مقاالت القوم أهنم يعنون‬
‫باألثرة هلل (الفناء به عن كل ما سواه) وعبادته دون رجاء مثوبة، أو خوف عقوبة، وسنعلم كيف تطور هذا الفكر فيما بعد إىل أن أنتج القول بوحدة الوجنود،‬
                                                                                                                   ‫وأن العابد هو عني املعبود!!‬

                              ‫ً‬
‫سادساً: من الغرائب يف احلكاية عن إبراهيم السابقة أنه قال إن أصةاب أسلم بن يزيد اجلهين قالوا له: "اضربه فأوجعه، فإنا نراه تالما قد وفق لوالينة اهلل عنز‬
‫وجل" وكأن إبراهيم يف زعم احلكاية قد فاز بكنز مل يفز به أحد قبله، وهو والية اهلل عز وجل، وقد ذكر اهلل سبةانه وتعاىل أنه ويل كل مؤمن. قال تعاىل: {اهلل‬
‫ويل الذين ءامنوا} (البقرة:925) وأخرب الرسول صلى اهلل عليه وسلم يف حديث البخاري الصةيح أن اهلل تعاىل يقول [من عادى يل ولياً فقد آذنته باحملاربة، وما‬
‫تقرب إيل عبدي بشيء أحب إيل مما افترضته عليه، وال يزال عبدي يتقرب إيل بالنوافل حىت أحبه، فإذا أحببته كنت مسعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصنر‬
‫به..، احلديث]. فبني اهلل تبارك وتعاىل طريق واليته، وهي أداء الفرائض مث االستزادة من النوافل، ومل يذكر تبارك وتعاىل أن الوالية تأيت هبناتف منن قربنوس‬
‫السرج، مث بلقاء مع داود يف البادية وتعليم لالسم األعظم. وسنعلم يف جولتن ا القادمة يف الفكر الصويف أن الوالية ستصبح قاصرة على أناس خمصوصني، هلم منهج‬
                                                    ‫خمصوص وطريق خمصوص، وأن هذه الوالية سيلزم هبا جزماً، وسيدعيها من يدعيها بكل إصرار وتشبث!!.‬

                                ‫ً‬
‫سابعاً: جاء يف احلكاية أن أسلم بن يزيد اجلهين نصح إبراهيم قائالً: "يا تالم أما أنك ستصةب األخيار، فكن هلم أرضا يطئون عليك، وإن ضربوك وشنتموك،‬
‫وطردوك وأمسعوك القبيح" وال نعلم أن صةبة األخيار تكون كذلك، بل األخيار إذا صةبتهم أكرموك وساحموك، وعلموك وقربوك وتفروا إساءتك، وسنيعلم‬
                                                           ‫القارئ السر وراء هذا املنهج، يف النقول القادمة ويف بيان فرعيات هذا املنهج ودروبه.‬

‫ثامناً: جاء يف احلكاية أن الشيخ وهو أسلم بن يزيد اجلهين قال له: " إن اهلل سيبلغ مبن كان مثالك، ومن تبعك من املهتدين، وإنه قال له: يا تالم إنا قد أفندناك‬
                                                                                                                              ‫ومهدناك وعلمناك علماً".‬

‫وهذا كله إشعار بأن هناك طريقاً آخر ورواداً جدداً قد هيئوا ألمر ما، ووج هوا وجهة خاصة، وأن اهلل سيبلغ هبم ما مل يبلغ بسواهم من قبل يف رجنال القنرن‬
‫األول، ومن الصةابة والتابعني رضوان اهلل عليهم، وسيعلم القارئ إن شاء اهلل تعاىل أي مهمة هذه اليت توجهت إليها هذه الفئة، وأي بالغ عن اهلل تبارك وتعاىل‬
                                                                                                                                          ‫سيبلغون!!.‬

‫تاسعاً: لقد ختمت احلكاي ة مبثل ما بدئت، وهي أن قائالً ممن كانوا حول الشيخ أسلم بن يزيد قال: يا إهلنا احلبه عنا، واحلبنا عنه. ففي احلنال ذهبنوا، وال‬
                                                                       ‫يدري أين ذهبوا؟ هكذا كما جاءه اهلاتف وقال له: ما هلذا خلقت، وال هبذا أمرت.‬

                             ‫وهذا األصل من احلكايات الغريبة سيكون بداية حلكايات تعترب هذ ه احلكاية بالنسبة إليها أمراً مقبوالً وسائغاً، فما هذه احلكايات؟‬

‫وهبذه األضواء يكون أمامنا تسع نقاط جيب أن نكون على ذكر منها يف رحلتنا هذه يف الفكر الصويف، وخالصة هذه النقاط هي أن هناك طريقاً للهداية هو طريق‬
‫اهلواتف، وأن هذه اهلداية حتمل اإلنسان على ترك ال دنيا، وترك اآلباء واألمهات والدخول إىل الرباري والقفار، وأن املهتدي على هذا النةو يرى األنبياء ويتكلم‬
‫معهم، ويأكل من الغيب ال من الشهادة، وأن اخلضر عليه السالم خادم السم اهلل األعظم، هذا اإلسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطرينق‬
‫الذي يلج فيه الصويف يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو املنهج الوحيد للةصول على والية اهلل عز وجل، وأنه جيب الصرب مع أهل هذا الطريق،‬
‫وعدم اإلنكار عليهم، بل جيب على املهتدي أن يكون أرضاً هلم يطئون عليها. وأن هؤالء القوم قد أرسلوا يف مهمة خاصة، وأهنم يتلقون عن اهلل هكذا رأساً بال‬
                                                                                                                                 ‫ً‬
                                                                        ‫وساطة، ويبلغون علما خاصاً، وأنه بدعاء واحد خيتفي املوجود، ويوجد املفقود!!..‬



                                                                      ‫الفصل الثاين‬

                                                          ‫طلب اجلنة والفرار من النار ليس هدفاً‬

‫يف الفصل السابق علمنا أن التصوف يف بدء نشأته قد جعل تايته ما عرب عنه إبراهيم بن أدهم (باألثرة هلل)، وأنه يف سبيل ذلك جيب أن تتةقق مفارقنة الندنيا‬
‫واالخنال منها، وعلى هذا األصل كان تشريع ترك الزواج والتكسب، ألهنما من أسباب القعود عن حتقيق هذه الغاية. وهذا اإلله الذي سعى املتصوفة األولنون‬
‫ومن بعدهم إىل إثاره على كل شيء. ال يستمدون معرفته والعلم بذاته وأفعاله عن طريق الكتاب والسنة، وإمنا عن طريق فتح أبواب السنماء -علنى حند‬
‫تعبريهم- باجملاهدة والسلوك الصويف، لينكشف هلم وجه احلق، ويعلموه على حقيقته، وعندما نتتبع هذه العقيدة منذ ظهورها إىل أن اكتملت يف صورهتا النهائية،‬
                        ‫وحددت حتديدها األخري، فإننا سنعلم الصورة الكاملة للعقيدة الصوفية يف الرب سبةانه وتعاىل، واجلنة والنار، والرساالت والغيب كله.‬

                                                                                                                                    ‫أوالً: عبادة اهلل لذاته:‬
‫زعم املتصوفة أن العبادة احلقة هي ما كانت دون طلب العوض من اهلل وأن يشهد فيها فعل اهلل ال فعل العبد، وأن من شاهد فعله يف الطاعة فقد جةند، وقند‬
                                                                                                      ‫استدلوا على ذلك بأدلة نذكرها فيما يلي:‬

‫6- ذكر أبو بكر الكالباذي يف كتابه (التعرف ملذهب أهل التصوف) وهو املوسوعة الفقهية اليت نشرها الدكتور عبداحلليم حممود وطه عبدالباقي سرور، وشهدا‬
‫يف مقدمة الكتاب بأنه أقدم ما كتب عن هذا العلم ورجاله وأدقه وأصفاه، أقول؛ قال الكالباذي يف بيان املعىن احلق للعبادة، وأهنا ال جتوز يف حنق الصنويف أن‬
‫تكون عن عوض، قال: "العوض ما هلل عليك يف العمل يف قوله: {إن اهلل اشترى من املؤمنني أنفسهم وأمواهلم}" (التوبة:666)، ومل يكمنل اآلينة مث قنال:‬
                                                             ‫"لتعبدوه بالرق ال بالطمع" (ص606) فرؤية اجلنة عندهم معصية، وطلبها نق يف حق العابد".‬

‫ولذلك قال (ص226): "دخل مجاعة على رابعة يعودوهنا من شكوى، فقالوا: ما حالك؟ قالت: واهلل ما أعرف لعليت سبباً، تري أين عرضت على اجلنة (هكذا)‬
‫فملت بقليب إليها، فأحسب أن موالي تار علي، فعاتبين فله العتىب". ومعىن هذا أن جمرد ميل القلب إىل اجلنة يعتربه املتصوفة ذنباً يعاقبون عليه. ويف سبيل هنذه‬
                     ‫العقيدة حول املتصوفة معاين اآليات واألحاديث إىل ما يريدون إثباته من ذلك. وهذه بعض أدلتهم اليت أخذوها من اآليات واألحاديث:‬

‫6- قوله تعاىل: {إن اهلل اشترى من املؤمنني أنفسهم وأمواهلم} هبذا املقطع من اآلية فقط يستدل الكالباذي علي عقيدة القوم، ويقول: ليعبدوه بالرق ال بالطمع.‬
‫ويقطع اآلية عن هنايتها اليت ترد فيها قوله، وهي قوله تعاىل: {بأن هلم اجلنة} فشراء اهلل ألنفس املؤمنني وأمواهلم إمنا كان بعوض وهو اجلنة، وعمل املؤمنني كان‬
‫سبباً للوصول إىل هذه اجلنة، وإن كان تري مكافئ هلا، ولكن ال مينع هذا املؤمن أن يطمع يف فضل اهلل ورمحته، ودخول اجلنة، وأن يسعى إىل ذلك، بل هذا هنو‬
                                                                                                                                          ‫التعبد الصةيح.‬

‫5- قوله تعاىل: {كلوا واشربوا هنيئاً مبا أسلفتم يف األيام اخلالية} (احلاقة:05) يقول الكالباذي: "أي اخلالية عن ذكر اهلل، لتعلموا أنه بفضله نلتم ال بأعمالكم"‬
‫(ص506) فسر اخلالية هنا مبعىن اخلالية عن ذكر اهلل، أي ألنكم مل تذكروا اهلل يف بعض األيام استةق هذا مين أن أدخلكم اجلنة، لتعلموا أمنا دخلتموها بفضلي‬
‫ال بعلمكم. وهذا تفسري خاطئ معكوس ملعىن اآلية، فاهلل عز وجل يقول للمؤمنني يوم القيامة: كلوا واشربوا هنيئاً بسبب ما أسلفتموه يف األيام اخلالية أي السابقة‬
                                                                                                                  ‫اليت خلت. والذي أسلفوه هو العمل الصاحل.‬

‫9- استدل الكالباذي أيضاً على هذه العقيدة بقول الرسول صلى اهلل عليه وسلم يف احلديث القدسي: [الصوم يل، وأنا أجزي به] (هو جزء من حنديث رواه‬
                ‫بنةوه البخاري ومسلم (9/926 و926 نووي) والترمذي (069) عن أيب هريرة) قال: "قال أحد الكرباء: أي أنا اجلزاء به" (ص906).‬

                                                                        ‫وأحد الكرباء هذا هو احلالج. وهذا حتريف ملعىن احلديث، ليوافق هذا املعتقد الباطل.‬

‫وقد يظن املسلم يف عصرنا احلاضر أن هذه العقيدة يف اجلنة عقيدة سامية، وهي أن يعبد اإلنسان اهلل، ال طمعاً يف اجلنة وال خوفاً من النار، ولكنها عقيندة تنري‬
                                                                                                             ‫صةيةة إذ هي خمالفة لعقيدة الكتاب والسنة.‬

                                                              ‫ً‬
‫فقد وصف اهلل حال األنبياء يف عبادهتم وتقرهبم ودعائهم بأهنم كانوا {ويدعوننا رتباً ورهبا وكانوا لنا خاشعني} (األنبياء:49)، والرتب هو الطمع يف جنة اهلل‬
                                                                    ‫وفضله، والرهب هو اخلوف من عقابه، واألنبياء هم أكمل الناس عقيدة وإمياناً وحاالً.‬

                                     ‫ب‬                     ‫ك‬
‫وكذلك وصف تبارك وتعاىل أكمل املؤمنني إمياناً بقوله تعاىل: { إمنا يؤمن بآياتنا الذين إذا ذ ّروا هبا خروا سلداً وسّةوا حبمد رهبم وهم ال يستكربون* تتلاىف‬
                                                                   ‫سم‬                                    ‫مم‬
   ‫جنوهبم عن املضاجع يدعون رهبم خوفاً وطمعاً و ّا رزقناهم ينفقون* فال تعلم نف ٌ ّا أخفي هلم من قرة أعني جزاء مبا كانوا يعملون} (السلدة:26-96).‬

‫فهؤالء الذين ادخر اهلل هلم ما ال عني رأت، وال أذن مسعت، وال خطر على قلب بشر ال شك أهنم أكمل الناس إمياناً وحاالً، ومع ذلك فهم يدعون رهبم خوفناً‬
                                                                                                                      ‫ً‬
                                                                    ‫وطمعاً: خوفاً من عذابه، وطمعا يف جنته. وآيات القرآن يف هذا املعىن ال حتصى كثرة.‬

                                                                                             ‫د‬
‫وأما السنة فال حصر لألحاديث يف ذلك، ومن أبلغها يف ال ّاللة على هذا األمر قول أحد األعراب للنيب صلى اهلل عليه وسلم: واهلل إين ال أحسنن دنندنتك وال‬
‫دندنة معاذ، وإمنا أقول: اللهم إين أسألك اجلنة، وأعوذ بك من النار؛ فقال صلى اهلل عليه وسلم: [حوهلا ندندن] (رواه أبو داود (599 و999) وابنن ماجنة‬
‫(469) وأمحد (9/090 و2/09) وابن خزمية، وصةح إسناده األلباين يف (صفة الصالة-545))، فإذا كان الرسول صلى اهلل عليه وسلم يدندن بدعائه حول‬
                                  ‫ً‬               ‫ً‬
                        ‫اجلنة، فهل يتصور عقالً وجود رجل أو امرأة أكمل منه صلى اهلل عليه وسلم، فيدعو اهلل ويعبده ال طمعا يف جنته وال خوفا من نار؟.‬

‫وهذه احلالة اليت سعى املتصوفة إىل حتقيقها، أعين عبادة اهلل جمردة عن الطمع واخلوف جرت عليهم الباليا: فقد سعوا إىل تاية أخرى بالعبادة وهي القول بالفناء‬
                                                     ‫يف الرب، وجرهم هذا إىل اجلذب، مث جرهم هذا إىل احللول، مث جرهم هذا يف النهاية إىل وحدة الوجود.‬

                                                                               ‫ويف هذا الفصل من الرسالة سنسوق إليك األدلة على هذا التسلسل العقائدي.‬
‫وقد مر بك أن رابعة العدوية ملا اشتكت، وعادها بعض املتصوفة زعمت أن ذلك بسبب ترية اهلل عليها (هكذا) ألهنا مالت بقلبها إىل اجلنة. وإين ألتساءل: منن‬
‫أين هلا أن تعلم حب اهلل هلا وقبوله لعملها، فضالً عن تريته سبةانه وتعاىل عليها؟ وقد وصف اهلل تبارك وتعاىل املؤمنني بقوله: {إن الذين هم من خشية رهبنم‬
‫مشفقون* والذين هم بآيات رهبم يؤمنون* والذين هم برهبم ال يشركون* والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوهبم وجلة أهنم إىل رهبم راجعون* أولئنك يسنارعون يف‬
                                                                                                    ‫اخلريات وهم هلا سابقون} (املؤمنون:92-66).‬

‫وقد سألت السيدة عائشة رضي اهلل عنها رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم عن قوله تعاىل: {يؤتون ما ءاتوا وقلوهبم وجلة} فقالت يا رسول اهلل يسرقون ويزننون‬
‫وخيافون؟ قال: [ال يابنة الصديق، ولكن يصومون ويصلون وخيافون أن ال يتقبل منهم] (رواه أمحد يف (املسند-6/926 و245) والترمذي يف (سننه-645/5)‬
‫وابن ماجة (9960) وإسناده ضعيف: منقطع، عبدالرمحن بن سعيد بن وهب مل يدرك عائشة، كما قال احلافظ العسقالين يف (التهذيب) ولكن له عند ابن جرير‬
                                                                ‫(96/65) طرقاً وشاهداً موصوالً يتقوى به، وقد حسنه األلباين يف (الصةيةة 566)).‬

‫فإذا كان حال املؤمن هو اخلوف دائماً من اهلل تبارك وتعاىل حىت مع الطاعة، فمن أين لرابعة العدوية أن تعرف أن اهلل قد تار عليها؟ (العياذ باهلل..) ألهنا مالنت‬
  ‫بقلبها إىل اجلنة؟ أليس هذا القول من رابعة ( إن صح نسبته إليها، وقد ذكر يف أقدس كتب القوم وأنقاها باعترافهم) هو قول على اهلل بال علم، وهو من اتبنا‬
‫خطوات الشيطان اليت هنانا اهلل عنها بقوله: {يا أيها الناس كلوا مما يف األرض حالالً طيباً وال تتبعوا خطوات الشيطان إن لكم عدو مبني* إمنا يأمركم بالسنوء‬
                                                                                       ‫والفةشاء وأن تقولوا على اهلل ما ال تعلمون} (البقرة:966 و966).‬
                                                                    ‫الفصل الثالث‬

                                                           ‫التنفري من الطريق الشرعي للهداية‬

‫ملا كان الدخول يف الطريق الصويف ال يشترط له التوجه إىل الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأ يت أحياناً عن طريق اهلاتف، وأحياناً بطرق أخرى سنعرفها فيمنا‬
‫بعد إن شاء اهلل تعاىل، فإن القوم منذ نشأهتم رأوا أن علمهم الذي حيصلون عليه -يف زعمهم- أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسننة‬
                                                                                            ‫مشغلة عن طريقهم ومسلكهم، وهذه بعض عباراهتم يف ذلك:‬

                                                               ‫‪ - I‬قال أبو يزيد البسطامي (مات سنة 665هن) ناعيا على علماء الشريعة مفاخرًا هلم:‬
                                                                                              ‫ً‬

‫" أخذمت علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن احلي الذي ال ميوت، حدثين قليب عن ريب، وأنتم تقولون: حدثين فالن، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فالن وأينن‬
                                                                                               ‫هو؟ قالوا: مات" (الفتوحات املكية ج6-ص269).‬

                                                                   ‫ب- وهذا اجلنيد يقول: "ما أخذنا التصوف عن القيل والقال" (طبقات السلمي 926).‬

‫ج- ويقول أيضاً: "أحب للمبتدئ أال يشغل قلبه هبذه الثالث، وإال تغريت حاله: التكسب وطلب احلديث والتزوج، وأحب للصويف أن ال يقرأ وال يكتب ألننه‬
                                                                                                          ‫أمجع هلمه" (قوت القلوب:9/296).‬

                 ‫د- وقال أبو سليمان الداراين: "إذا طلب الرجل احلديث، أو سافر يف طلب املعاش، أو تزوج فقد ركن إىل الدنيا" (الفتوحات املكية 6/99).‬

                                      ‫وهذه أقوال قليلة مما نسب إىل القوم يف وجوب ترك علم الشريعة، واالنصراف إىل طريقهم اخلاص يف التلقي والكشف.‬

‫وال خيفى على أي منصف يتقي اهلل تبا رك وتعاىل، ويقول كلمة احلق أن هذه األقوال كافية يف هدم الشريعة اإلسالمية، بل يف هدم العمران كله، ألن احلضنارة‬
‫اإلنسانية حىت املادية منها ال تقوم إال على هذه الثالث: العلم، وطلب الكسب واملعاش، والزواج. وحضارة اإلسالم خاصة تقوم على هذه الثالث، وتأمر بطلب‬
                                          ‫علم اآلخرة وهو علم الكتاب والسنة، وكذلك علم الدنيا وهو كل علم نافع حلياة اإلنسان ورقيه يف هذه األرض.‬

‫ومل يكتف أهل هذا املنهج من املتصوفة بالتنفري من علم الشريعة واحلديث بل جعلوا كشفهم، وما يزعمون نقله من العلم عن اهلل تبارك وتعاىل حاكماً على إسناد‬
‫احلديث فيصة ةون ما شاؤوا من األحاديث، وإن كانت ضعيفة عند علماء احلديث والسنة، ويضعفون ما شاؤوا منها، وإن كانت ثابتة صةيةة حسب املوازين‬
‫العلمية الدقيقة اليت تعارف عليها علماء احلديث ومصطلةه، واليت هي حبق مفخرة اإلسالم، فليس عند أمة من أمم األرض قدمياً وحديثاً تثبت يف النقل على النةو‬
 ‫الذي درج عليه علماء هذه األمة يف التعرف على احلديث الصةيح من الضعيف، وبذلك -وهلل احلمد- سلم دين األمة من دخول أقوال الزنادقة واملالحدة فيه.‬

‫أقول عمد رؤساء املتصوفة إىل هدم اإلسناد يف احلديث، وهو مفخرة اإلسالم حبق، وذلك عن طريق احلكم على اإلسناد بعلمهم اخلاص. يقول ابنن عنريب يف‬
                                                                                                                                   ‫رسائله:‬

‫"ورمبا قالوا (أي علماء الشريعة) إذا عاينوهم (أي عاينوا علماء الصوفية) يتكلمون مبواجيدهم مع أصةاهبم: دين مكتوم، دين مشوم، وما عرفوا جهات الندين.‬
‫وهؤالء ما تكتموا بالدين فقط، وإمنا تكتموا بنتائله، وما وهبهم احلق تعاىل يف طاعته حني أطاعوه، ومبا صح عندهم من أحاديث األحكام ما اتفق على ضعفه،‬
‫وجتريح نقلته، وهم أخذوه عن الكشف (الكشف: هو انكشاف حلاب القلب ورؤيته أشياء من الغيب زعم الصوفية أنه حيصل هلم، ومراد ابنن عنريب هننا‬
‫بالكشف االتصال بالرسول، ومعرفة احلديث منه رأساً (انظر الباب اخلاص بالكشف الصويف))، عن قائله صةيةاً، فتعبدوا به أنفسهم على تري ما تقنرر عنند‬
‫علماء الرسوم، فينسبوهنم إىل اخلروج عن الدين، وما أنصفوا فإن للةق وجوهاً يوصل إليه منها هذا أحدها، ورب حديث قد صةةوه واتفقوا علينه، ولنيس‬
                                                       ‫بصةيح عندهم من طريق الكشف، ويتركون العمل به مثل ذلك سواء" (رسائل ابن عريب:ص0).‬

‫ومعىن هذا كله أن للمتصوفة حكمهم اخلاص على إسناد احلديث، فعن طريق الكشف يتصلون رأساً بالنيب ويصةةون احلديث أو يضعفونه!! وهبذا اهللوم على‬
‫قواعد علم احلديث تتهدم السنة، وتبقى ألعوبة يف يد هؤالء الذين حيكمون عليها مبا شاؤوا وليس من ضابط يرجع إليه، وال فيصل حيتكم إليه ما دام أن الكشف‬
                                                                                             ‫هذا علم تييب، وقد يكون كشف هذا تري كشف ذاك.‬

‫أقول: مل يكتف املتصوفة بوضع األصول على ترك العلم الشرعي والتنفري منه، بل أصلوا األصول أيضاً هلدم علوم الشريعة وزواهلا، وهذا أول معول من معناول‬
                                                                                             ‫اهلدم، هدم اإلسناد ملعرفة احلديث الصةيح من الضعيف.‬

‫ومل يكتف املتصوفة بالنهي عن العلم، بل جعلوا العلم عورة جيب أن تستر وتغطى، حىت إن شيخاً يرى مريداً له، وقد سقطت منه حمربة، فيقنول لنه: اخنف‬
                                                                                          ‫سوأتك!! (عن تلبيس إبليس البن اجلوزي ص499)‬
‫وبعد أن وضع املتصوفة هذه القواع د هلدم العلم الشرعي والتنفري منه دعوا الناس إىل العلم الباطين الذي أطلقوا عليه اسم احلقيقة، وقالوا: إن طريق الوصول إلينه‬
‫هو الكشف والفتح الرباين والفيض الرمحاين. لنعلم أهنم ال يعنون بالعلم الباطن إصالح حال القلوب كما يزعم بعضهم، بل إهنم يعنون علماً خاصاً يكشفون به‬
‫حقائق يزعمون رؤيتها والتةقق هبا. ولقد بالغوا يف تفضيل هذا العلم، وتشديد التنكري على من نفاه أو خالفه. وقد كانوا خيفون هذا العلم والكشنف يف أول‬
                                        ‫أمرهم، وجيعلونه من األسرار واخلصوصيات، ولكنهم سرعان ما أعلنوا عنه وكشفوه بعد أن حتولت دفة الناس إليهم.‬



                                                                      ‫الفصل الرابع‬

                                                                     ‫القول باحللول‬

                                                                                                        ‫ً‬
‫ملا كان طلب اجلنة والفرار من النار ليس هدفا عند املتصوفة بل كان هذا هو طلب العامة والدمهاء يف زعمهم فإن املتصوفة جعلوا هلم أهدافاً أخرى تري ذلك وهو‬
‫أن يكون كل منهم إهلاً ورباً يعلم الغيب كله كما يعلمه اهلل سبةانه وتعاىل ويتصرف يف الكون كله كما يتصرف اهلل فيةيي، ومييت وخيفض ويرفنع، ويعنز‬
                                                                                                                                            ‫ويذل..‬

                               ‫لقد أصبح اهلدف الصويف هو الوصول إىل مقام النبوة أوالً مث الترقي حىت يصل الفرد منهم يف زعمهم إىل مقام األلوهية والربوبية.‬

‫فهذا مثالً أبو يزيد البسطامي وهو من أئمة القننوم ومقدميهم، تويف سنة 665هن، فهو من أعالم القرن الثالث يف التصوف، وقد مر بك كالمنه يف شنأن‬
                                 ‫الرجل الذي استفتاه يف أنه ال جيد يف نفسه من علوم القوم شيئاً، فأفتاه بتلك الفتوى العليبة. يذكر عن نفسه ما يأيت:‬

‫"رفعين مرة فأقامين بني يديه، وقال يل: يا أبا يزيد! إن خلقي حيبون أن يروك، فقلت: ز يين بوحدانيتك، وألبسين أنانيتك، وارفعين إىل أحديتك، حنىت إذا رآين‬
                                                                           ‫خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، وال أكون أنا هنا" (اللمع ص660).‬

‫وهذا الكالم ال حيتاج إىل تفسري وتأويل، واالعتذار عنه مشاركة لصاحبه يف الباطل الذي يسعى إليه، ولنترك سيد الطائفة يف وقته (اجلنيد) يفسر كالم صاحبه أيب‬
                                                                                                  ‫يزيد البسطامي يقول اجلنيد يف تفسري الكالم السابق:‬

‫" هذا كالم من مل يلبسه حقائق وحدة التفريد يف كمال حق التوحيد، فيكون مستغنياً مبا ألبسه عن كون ما سأله.. وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب ملا هناك،‬
‫وليس املقارب للمكان بكائن فيه على اإلمكان واالستمكان.. وقوله: ألبسين وزيين، وارفعين يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ومل ينل احلظوة‬
                                                                                                       ‫إال بقدر ما استبانه" أ.هن (اللمع ص660).‬

‫وبالطبع لن يستطيع أحد أن يفهم شرح اجلنيد لكالم صاحبه أيب يزيد إال من فهم عقيدة القوم، وعرف حمتواها على احلقيقة. وإليك شرح كالمه حىت كأننك‬
                                                                                                                     ‫حتسه وتراه إن شاء اهلل.‬

‫أقول: حكم اجلنيد على صاحبه أيب يزيد بأنه مل يصل بعد إىل كمال حقيقة التفريد ( ومعىن التفريد أن يعتقد الصويف أنه ما مت يف احلياة إال فرد واحد، هنو اهلل،‬
                                                 ‫ي ه‬
‫تعددت وجوداته حبسب ما يظهر للناس، ولكن احلق واحد!! ولذلك قال عن أيب يزيد: "هذا كالم من مل ُلبس ُ (أي اهلل تعاىل) حقائق وحدة التفريد"، أي مل ير‬
‫تري اهلل ترياً كما مر من كالم احلالج.. ولذلك قال عنه أيضاً بأنه لو رأى التفريد على احلقيقة لكان مستغنياً مبا ألبسه عن كون ما سأله، فقد سأل البسطامي ربه‬
                                      ‫ً‬
‫أن يلبسه أنانيته، ويرفعه إىل أحديته.. ولو كان متةققاً من القول بوحدة الوجود مل يقل ذلك، ومل يطلبه، ألنه سيعلم يقينا أنه هو اهلل.. ولذلك رآه اجلنيد بسؤاله‬
                                           ‫هذا مقارباً للةقيقة الصوفية النهائية، فقال: "وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب ملا هناك.." مث شرح هذا القول بقوله:‬

‫"وقوله ألبسين وزيين وارفعين: يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ومل ينل احلظوة إال بقدر ما استبانه" أي فهذا مكان أيب يزيد يف فهم احلقيقنة‬
                                                                                                         ‫الصوفية، ومل يصل بعد إىل فهمنا على احلقيقة.‬

                                                                ‫فانظر أيها األخ املنصف أين كان اجلنيد سيد الطائفة الصوفية من قضية التوحيد يف اإلسالم..‬

          ‫ومل يكن حكم اجلنيد على أيب يزيد البسطامي يف قوله السابق منفرداً به، بل حكم هبذا احلكم صاحبها الشبلي الذي كان أوحد القوم حاالً كما قالوا.‬

‫وروى صاحب اللمع احلكاية اآلتية (ص609): "حكي عن الشبلي رمحه اهلل.. أنه سئل عن أيب يزيد البسطامي رمحه اهلل. وعرض عليه ما حكي عنه مما ذكرناه‬
         ‫وتري ذلك، فقال الشبلي رمحه اهلل: لو كان أبو يزيد رمحه اهلل ها هنا ألسلم على يد بعض صبياننا..، وقال: لو أن أحداً يفهم ما أقول لشددت الزنانري".‬

‫فانظر كيف حكم الشبلي على أيب يزيد بأنه ال يصلح تلميذاً له، بل لو كان موجوداً معه اآلن يف وقته ألسلم على يد بعض صبيان الشبلي.. وأنا أجزم اآلن أننه‬
‫يقصد هبذا اإلسالم أن يعلمه أنه ال موجود إال اهلل.. ولذلك قال بعد ذلك: "لو أن أحداً يفهم ما أقول لشدد الزنانري" ومعىن شد الزنار أن يلبس لباس أهل الذمة‬
‫من اليهود والنصارى واجملوس، ألنه كان يعتقد -مبا لبس على الناس- أن أحداً من معاصريه ال يفهم ما يشري إليه هبذه األقوال.. وهذا حق، ألن القوم ليسوا على‬
‫الناس مبا ادعوه من الصالح والتقوى وحمبة اهلل ورسوله. وقد مر بك أن هذا الشبلي كان مسيناً بديناً، ومع ذلك كان يزعم أنه حيمي املرود ويكتةل به حنىت ال‬
                                                                                                                                               ‫ينام.‬

                                                                                                                       ‫ً‬
                                        ‫ومما يدلك على ما جزمت به سالفا من تفسري قول الشبلي اآلنف ما فسر به أيضاً اجلنيد حال أيب يزيد البسطامي قائالً:‬

                        ‫"إن أبا يزيد رمحه اهلل.. مع عظم حاله، وعلو إشارته مل خيرج من حال البداية، ومل أمسع منه كلمة تدل على كمال النهاية" (ص990).‬

‫فانظر وتيقن اآلن معتقد القوم الذين يشهدون على البسطامي بأنه مل جياوز حال البداية، وهو الذي قال األقوال السالفة.. وال ترو يف ذلك ما دام الشبلي يقنول‬
‫عن نفسه أليب عبداهلل بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن خيرج من عنده هو وبعض زمالئه: "مروا أنا معكم حيثما كنتم، أنتم يف رعاييت ويف كالءيت" (ص990).‬

                                                                    ‫فالذي وصل إىل هذه النهاية ال شك أنه حيكم على كالم البسطامي أن ما جاوز البداية..‬

‫وقد يظن ظان أن اجلنيد كان دون الشبلي يف هذه األقوال، وهذا من اجلهل والغفلة، وعدم تتبع القضية الصوفية، والغوص على مغاليقها وأسرارها، واألمر علنى‬
‫تري ذلك، فاجلنيد كان أسبق أولئك القوم إىل العقيدة الصوفية، وأعلم الناس هبا، ويدلك على هذا أن الشبلي يسأله يوماً، فيقول له: يا أبا القاسم ما تقول فيمن‬
‫كان اهلل حسبه قوالً وحقيقة؟ فقال اجلنيد رمحه اهلل.. يا أبا بكر (وهي كنية الشبلي) بينك وبني أكابر الناس يف سؤالك هذا عشرة آالف مقام، أوله حمنو منا‬
                                                                                                                             ‫بدأت به (اللمع ص990).‬

‫فانظر كيف سأل اجلنيد عن حقيقة من حقائق اإلسالم، وهي أن يكون اهلل حسب املرء يف اعتقاده وقوله وكل شؤونه، أي أن يعتقد املسلم أن اهلل كافيه يف كل‬
‫ما يهمه ويشغله، وهذا من كمال التوحيد كما قال تعاىل: {أليس اهلل بكاف عبده وخيوفونك بالذين من دونه} (الزمر:69)، وقال الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
‫عندما قيل له: إن قريشاً عزمت أن ترجع لتستأصل شأفة املسلمني بعد هزمية أحد قال صلى اهلل عليه وسلم: [حسبنا اهلل ونعم الوكيل] أي اهلل كافينا ومنليننا‬
‫سبةانه وتعاىل. انظر كيف حكم اجلنيد على هذه احلقيقة الشرعية بأن سؤال الشبلي عنها يدل على أن بينه وبني أكابر الناس أي (كرباء الصوفية) عشرة آالف‬
                                                                         ‫مقام، أول هذه املقامات حمو هذه احلقيقة الشرعية اليت بدأ الشبلي بالسؤال عنها..‬



                                                                     ‫الفصل اخلامس‬

                                                                  ‫القول بوحدة الوجود‬

‫ملا بدأ القول باحللول، وجعل املتصوفة تايته م من التصوف أن يتشبهوا بصفات اهلل يف زعمهم فيكون أحدهم إهلاً يعلم كل شيء، ويتصرف يف كل شيء فنإن‬
  ‫هذا احلال استمر هبم حىت وصلوا يف النهاية إىل القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء إمنا هو اهلل وأن اهلل هو الذي يف الكون وحده وليس هناك شيء آخر معه.‬

‫ومصطلح وحدة الوجود يعين يف العقيدة الصوفية أنه ليس هناك موجود إال اهلل فليس تريه يف الكون، وما هذه الظواهر اليت نراها إال مظاهر حلقيقة واحدة، هي‬
‫احلقيقة اإلهلية (تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً) ، هذه احلقيقة اليت تنوعت وجوداهتا ومظاهرها يف هذا الكون املشاهد، وليس هذا الكون -يف هذه العقيدة الباطلة-‬
                                                                                                                   ‫إال اهلل يف زعمهم، تعاىل اهلل عن ذلك.‬

‫وقد رأينا كيف عرب احلالج عن هذه العقيدة بكل صراحة ووضوح فيما نقلناه عنه آنفاً، وكيف عرب عنها الشبلي بشيء من التعمية واللف والدوران، وكينف‬
                                                                                   ‫جاءت يف الكالم املنسوب إىل اجلنيد يف شيء من احلذر واحليطة.‬

‫ولقد استمرت هذه العقيدة معلومة عند أناس خمصوصني فقط بلغوا النهاية يف الطريق الصويف، ولكنهم مل يعربوا عنها إال بتعبريات ملفوفة تامضة، ال يفهمها إال‬
                                                                                                 ‫من سار سريهتم، وذاق ذوقهم، وكشف توامض كالمهم.‬

‫ولكن القرن السادس اهللري شهد يف أواخره، وبداية القرن الذي يل يه رجالً عليباً استطا أن يصوغ هذه العقيدة صياتة كاملة، ويضرب هلا آالف األمثلنة،‬
‫ويبين عليها فروعها املختلفة يف االعتقاد والتصور، ويؤلف فيها عشرات الكتب، ذلك الرجل هو حميي الدين بن عريب املتويف سنة 996هن، نشأ هذا الرجل يف‬
‫األندلس، واستقر به املقام يف الشام، ورمي بالكفر والزندقة واإلحلاد والكذب، ولكن عقيدته ومذهبه وجدت املشيعني واملروجني الذين استطاعوا أن يرفعنوه -‬
                                                            ‫كما رفع نفسه- إىل مرتبة الوالية، بل إىل ختم الوالية ومرتبة املشيخة الكربى وإحياء الدين.‬

‫وبالرتم من أن ابن عريب هذا قد زعم أنه نقل علمه وكتبه عن الرس ول صلى اهلل عليه وسلم مباشرة، وكتب عن اللوح احملفوظ بال وساطة، وصاغ عقيدة وحدة‬
‫الوجود بكل جرأة وبال مواربة، بل بقليل من التدليس واملراوتة، واستطا أن حيرف آيات القرآن فيزعم أن قوم هود الكافرين كانوا على الصراط املستقيم، وأن‬
‫فرعون كان مؤمناً كامل اإلميان، و أن قوم نوح كانوا مؤمنني، فلازاهم اهلل بأن أترقهم يف حبار الوحدة، وأدخلهم نار احلب اإلهلي ليتنعموا فيها، وأن هنارون‬
‫أخطأ ألنه هنى بين إسرائيل عن عبادة العلل، وما كان العلل إال املعبود احلق، أو صورة من صور املعبود احلق، وأن قوم نوح أصابوا يف عدم تركهم وداً وسواعاً‬
 ‫ويغوث ويعوق ونسراً ألهنا مظاهر لإلله الواحد، وأن النار عذوبة ال عذاب، وأنه ما من إنسان إال مرحوم مرضي عنه، وأن اهلل ال يعلم شيئاً قبل وجنوده، ألن‬
 ‫وجود الشيء هو وجود العلم، بل وجود كل شيء هو ترمجة لوجود اهلل (تعاىل اهلل عن ذلك) أقول: بالرتم من أن ابن عريب قال هذا الكالم كله، بل هذا جنزء‬
 ‫يسري جداً مما قاله، فإنه أدعى بأن كل ذلك قد نقله بال زيادة وال نقصان عن الرسول الذي أمره بتبليغ ذلك للناس، وبالرتم أيضاً من كل ذلك فقد وجد هنذا‬
 ‫الرجل من املروجني واألتبا ما ال يقع حتت احلصر منذ ظهوره إىل زماننا هذا، ومن أمة اإلسالم الذين يشهدون يف كل يوم مرات كثرية بأن ال إلنه إال اهلل وأن‬
                                                                                                            ‫حممداً رسول اهلل، وهذا من أعلب العلب.‬

                                                                                                                                       ‫ً‬
                                                                                                   ‫وهاك اآلن نقوال صوفية من كتبه تدلك على هذه العقيدة.‬

‫6- قال يف مطلع كتابه "فصوص احلكم" وهو الكتاب الذي جعله خامتة ألعماله جامعاً لعقيدته: "أما بعد فإين رأيت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف مبشنرة‬
‫أريتها يف العشر اآلخر من احملرم سنة سبع وعشرين وستمائة مبةروسة دمشق، وبيده صلى اهلل عليه وسلم كتاب، فقال يل: هذا "كتاب فصوص احلكنم خنذه‬
                                                  ‫واخرج به إىل الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة هلل ولرسوله وأويل األمر منا كما أمرنا" مث يقول:‬

‫فةققت األمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد واهلمة إىل إبراز هذا الكتاب كما حده يل الرسول صلى اهلل عليه وسلم من تري زيادة وال نقصان" (الفصوص،‬
                                                                                                   ‫ص90، طبع بريوت. حتقيق: أبو العالء عفيفي).‬

‫ويقول يف مكان آخر بعد أن ذكر مواضيع الكتاب: "فاقتصر ت على ما ذكرته من هذه احلكم يف هذا الكتاب على حد ما ثبت يف أم الكتاب، فامتثلت ما رسم‬
                                               ‫يل، ووقفت عند ما حد يل، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإن احلضرة متنع من ذلك" (ص92).‬

‫ويقول أيضاً يف "ف حكمة علوية يف كلمة موسوية": "وأنا إن شاء اهلل أسرد منها يف هذا الباب على قدر ما يقع به األمر اإلهلي يف خاطري فكان هذا أول منا‬
                                                                                                                ‫شوفهت به من هذا الباب" (ص92).‬

‫وهذه النقول من مقدمة الكتاب ومن ثناياه تعلمك إصرار الرجل أنه ينقل عن اهلل مباشرة بل مشافهة، وعن اللوح احملفوظ رأساً، وعن الرسول الذي أمره يف تلك‬
                                      ‫الرؤيا املزعومة أن خيرج على الناس هبذا الكتاب، فماذا يف هذا الكتاب من العلم باهلل ورساالته واهلدى والنور؟ لننظر.‬

‫5- يزعم ابن عريب أن قوم نوح أجابوا رسوهلم إجابة حقيقية، وأن نوحاً مكر هبم فمكروا به، وأن متسكهم بآهلتهم إمنا هو متسك حبق أراد نوح أن يزيلهم عنه،‬
                                                                                                                         ‫وهاك ن عباراته يف ذلك:‬

‫" علم العلماء باهلل ما أشار إليه نوح عليه السالم يف حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أهنم إمنا مل جييبوا دعوته ملا فيها من الفرقان، واألمنر قنرآن ال‬
‫فرقان، ومن أقيم يف القرآن ال يصغي إىل الفرقان وإن كان فيه..، دعاهم ليغفر هلم، ال ليكشف هلم، وفهموا ذلك منه صلى اهلل عليه وسنلم. لنذلك (جعلنوا‬
                                            ‫أصابعهم يف آذاهنم، واستغشوا ثياهبم) وهذه كلها صورة الستر اليت دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، ال بلبيك.‬

‫قال نوح يف حكمته لقومه: {يرسل السماء عليكم مدراراً} وهي املعارف العقلية يف املعاين والنظر االعتباري، {وميددكم بأموال} أي مبا مييل بكم إليه، فإذا مال‬
                                      ‫بكم إليه رأيتم صورتكم فيه، فمن ختيل منكم أنه رآه فما عرفه، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف" (ص69).‬

‫فانظر كيف جعل املطر واخلصب الذي هو نتيلة للصالح والتقوى واإلميان واالستغفار واملعارف العقلية.. وكيف جعل األموال أي ما مييل هبم إلينه فنريون‬
                                ‫صورهتم فيه، وهذه هي وحدة الوجود، ولذلك يقول بعدها: "فمن ختيل أنه رآه فما عرف وأما من رأى نفسه فهو العارف".‬

‫مث يقول: {ومكروا مكراً كباراً} ألن الدعوة إىل اهلل مكر باملدعو، أدعو إىل اهلل فهذا عني املكر، فأجابوه مكراً كما دعاهم (ص59)، فانظر كيف جعل الدعوة‬
‫إىل اهلل مكراً باملدعوين، بل عني املكر مث بني نو املكر الذي قابل قوم نوح نوحاً، فيقول: "فقالوا يف مكرهم: ال تذرن آهلتكم، وال تذرن وداً وال سنواعاً، وال‬
‫يغوث ويعوق ونسراً، فإهنم إذا تركوهم جهلوا من احلق على قدر ما تركوا من هؤالء، فإن للةق يف كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه، وجيهله من جيهله..، فمنا‬
                                                                                                                 ‫عبد تري اهلل يف كل معبود" (ص59).‬

                                                     ‫وهبذا جيعل ابن عريب تلك اآلهلة الباطلة اليت عبدها قوم نوح آهلة حقة، ألهنا يف زعمه وجه من وجوه احلق.‬

‫مث يقول مكمالً تبديل آيات اهلل: {وال تزد الظاملني} ألنفسهم (املصطفني) الذين أورثوا الكتاب أول الثالثة، فقدمه على املقتصد والسابق {إال ضالالً} إال حرية"‬
                                                                                                                                              ‫(ص99).‬
‫وهنا جيعل ابن عريب قول اهلل يف شأن قوم نوح: {وال تزد الظاملني إال ضالالً} وهو الدعاء الذي دعا به نوح على قومه، جيعل ابن عريب هذا الظلم كالظلم الذي‬
‫وصف اهلل به طائفة من الذين أورثهم الكتاب حيث قال: { مث أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظامل لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق باخلريات}‬
                                                                                            ‫فيلعل هذا الظلم كذاك الظلم، وهذا تاية التلبس والثعلبية.‬

‫مث يقول ابن عريب: (مما خطيئاهتم) فهي اليت خطت هبم، فغرقوا يف حبار العلم باهلل. {فلم جيدوا هلم من دون اهلل أنصاراً} فكان اهلل عني أنصارهم، فهلكوا فيه إىل‬
‫األبد" (ص99)، مث حيرف قول اهلل تعاىل: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} قائالً: " أي حيريوهم، فيخرجوهم من العبودية إىل ما هم فيه من أسنرار الربوبينة،‬
                                                                     ‫فينظرون أنفسهم أرباباً بعدما كانوا عند أنفسهم عبيداً، فهم العبيد األرباب" (ص09).‬

                                            ‫ً‬
                               ‫فيلعل ضالل قوم نوح إمنا هو حرية، ألهنم عرفوا أسرار الربوبية، وأن كل موجود هو اهلل، فأصبةوا بذلك أربابا عند أنفسهم..‬

‫مث حيرف كلمات اآلية الباقية فيلعل (رب اتفر يل) وهو بقية كالم نوح أي استرين، (ولوالدي) يعين العقل والطبيعة و (ملن دخل بييت) يعين قليب، (وللمؤمنني)‬
‫أي العقول. (واملؤمنات) أي النفوس (وال تزد الظاملني) أي أهل الغيب، (إال تباراً) أي هالكاً، فال يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه احلق دوهنم، مث يقنول بعند‬
                            ‫ذلك: "ومن أراد أن يعرف أسرار نوح فعليه بالرقي يف فلك نوح، وهو يف (التنزالت املوصلية) لنا واهلل يقول احلق" أ.هن (ص09).‬

‫9- مل يكتف ابن عريب بتصةيح موقف قوم نوح الضالني املكذبني، بل عمد إىل مجيع كفار األرض فلعلهم مؤمنني موحدين عنارفني واصنلني، وعمنل إىل‬
‫املسلمني فلعلهم مؤمنني جبزء من احلق فقط كافرين بأجزاء أخرى، ومل ينس ابن عريب فرعون اللعني الذي مل تعرف األرض قبله أكفر منه وال أظلم، فلعله من‬
                                                                                                     ‫املؤمنني املوحدين الفائزين باجلنة حيث يقول:‬

‫" وملا كان فرعون يف منصب التةكم صاحب الوقت، وأنه اخلليفة بالسيف، وإن جار يف العرف الناموسي، لذلك قال: (أنا ربكم األعلى) أي وإن كان الكنل‬
‫أرباباً بنسبة ما فأنا ربكم األعلى منهم، مبا أعطيته يف الظاهر من التةكم فيكم، وملا علمت السةرة صدقه يف مقاله مل ينكروه، بل أقروا له بذلك، فقالوا: (إمننا‬
                                                ‫تقضي هذه احلياة الدنيا). (فاقض ما أنت قاض) فالدولة لك، فصح قوله: أنا ربكم األعلى" (ص665،465).‬

‫وهذا الكالم واضح ووازنه بكالم احلالج اآلنف يف شأن فرعون، لتعلم وحدة العقيدة اليت دعا إليها هؤالء األقوام. بقي أن تعلم إشاراته اخلبيثة يف كالمه، حنو:‬
‫أن فرعون كان اخلليفة بالسيف، ويعين باخلليفة قول اهلل لداود: (إنا جعلناك خليفة يف األرض) فيقيس اخلالفة الشرعية النبوية على امللك املتسلط الفاجر، مث شريعة‬
‫موسى ُرفاً، أي ما يعرفه موسى، ولذلك اهتم بعض الصوفية اآلخرين موسى عليه السالم باجلهل، وفرعون بالعلم واملعرفة، فقال: كان فرعون أعلم بناهلل منن‬    ‫ع‬
‫موسى، ألنه عرف حقيقة احلق، وأما موسى فما عرف إال وجهاً واحداً، ومل يعرف أن الكل أرباب وأهنم خملوقون يف نفس الوقت، فاإلنسان عندهم هو احلنق‬
‫واخللق، كما سيأيت بالن إن شاء اهلل من كالم ابن عريب، ولذلك قال ابن عريب معلالً كلمة فرعون: (أنا ربكم األعلى) أن الكل أرباب بنسبة ما؛ وفرعون أعلى‬
                                                                                                     ‫من هؤالء األرباب، ألنه امللك املطا يف ذلك الوقت.‬

‫وعلى هذا فقد حكم له باإلميان واجلنة زاعماً أنه آمن عندما رأى انفالق البةر لبين إسرائيل، فنلاه اهلل من العذاب اآلخروي، وعمته النلاة حساً ومعىن، وأنكر‬
‫على من يقول: إنه من املعذبني قائالً: "ليس لديهم ن يف هذا املعىن"، مع العلم أن اهلل يقول عنه: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبني* إىل فرعون وملئه‬
‫فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد* يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد املورود* وأتبعوا يف هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفند املرفنود}‬
                                                                                                                                      ‫(هود:69-99).‬

                                               ‫عن ابن عريب، ولكنه التلبيس والثعلبية واملكر، وخمالفة سبيل املؤمنني من أوهلم إىل آخرهم.‬   ‫وما تاب هذا الن‬

                     ‫ط‬
‫وعلى هذه العقيدة الباطلة أيضاً صةح ابن عريب موقف السامري، وصناعته للعلل الذي فنت به بنو إسرائيل، فعبدوه من دون اهلل، وخ ّأ ابن عريب هارون عليه‬
‫الصالة والسالم، ألنه ما عرف احلق، وأنكر على بين إسرائيل، وز عم ابن عريب أن موسى عرف احلق وأنكر على السامري أن حيصر اإلله يف شيء واحد فقنط،‬
                                                                        ‫ألن عني كل شيء هي عني اإلله، وهي عني احلق (تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً).‬

‫يقول ابن عريب يف ذلك: "مث قال هارون ملوسى عليه السالم: (إين خشيت أن تقول فرقت بني بين إسرائيل) فتلعلين سبباً يف تفريقهم، فإن عبادة العلل فرقنت‬
‫بينهم، فكان منهم من عبده اتباعاً للسامري وتقليداً له، ومنهم من توقف عن عبادته حىت يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك‬
‫الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم باألمر من هارون، ألنه علم ما عبده أصةاب العلل، لعلمه أن اهلل قضى أال يعبد إال إياه.. وما حكم اهلل بشيء إال وقع..‬
‫فكان عتب موسى أخاه هارون ملا وقع األمر يف إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى احلق يف كل شيء، بل يراه عني كل شنيء" أ.هنن (الفصنوص‬
                                                                                                                                       ‫ص596).‬

‫فانظر كيف زعم اخلبيث أن موسى علم أن أصةاب العلل ما عبدوا إال اهلل، ألن اهلل قال: {وقضى ربك أال تعبدوا إال إياه} (اإلسراء:95)، فلعل هذا القضاء‬
‫قضاء كونياً قدرياً، وأن اهلل ما حكم بشيء إال وقع، ومعىن هذا عنده أن كل معبود يف األرض إمنا هو اهلل، وما عبد اإلنسان شيئاً حلراً أو تريه إال عبند اهلل،‬
‫مستدالً باآلية السالفة مبعىن حكم وأمر، وهذا احلكم واألمر حكم شرعي، فمن هداه اهلل ووفقه إليه امتثله. ومن اتبع سبيل الغواية والشيطان احنرف ومال عننه،‬
‫كبقية األوامر الشرعية، حنو وأقيموا الصالة، وآتوا الزكاة، وحنو قوله تعاىل: {وما كان ملؤمن وال مؤمنة إذا قضى اهلل ورسوله أمراً أن يكون هلنم اخلنرية منن‬
‫أمرهم} (األحزاب:69). وقد خالف قضاء اهلل وأمره كثري من الكفار واملالحدة واجلاحدين، وخالف بعض املؤمنني بعض ما قضى اهلل به ورسوله، وكثرياً ممنا‬
                                                                                                                                               ‫أمر به.‬

‫وها قد رأيت أن ابن عريب ختم عبارته بقوله: "فالعارف من يرى احلق يف كل شيء، بل يراه عني كل شيء" وهذا منتهى العقيندة الصنوفية، والفنارق هنو‬
‫االصطالح الصويف ملن حتقق من هذه العقيدة اخلبيثة، ووصل النهاية يف هذا العلم اخلبيث (واحلق) هو اهلل يف زعمهم، تعاىل اهلل عن ذلك وسبةانه، وهو حسنبنا‬
                                                                                                                                      ‫ونعم الوكيل.‬

‫مث يتمم ابن عريب شرح عقيدته الباطلة، فيةرف معىن قول اهلل تعاىل: {فما خطبك يا سامري} قائالً: "يعين فما صنعت من عدو لك إىل صورة العلنل علنى‬
‫االختصاص" أ. هن، أي ملاذا خصصت العلل فقط بكونه إهلاً، واحلال يف هذه العقيدة أن كل شيء هو اهلل، ولذلك حرق موسى العلل حىت ال حيصر اإللنه يف‬
                                                                ‫ً‬
           ‫شيء واحد (تعاىل اهلل عن ذلك) مث يستطرد اخلبيث قائالً: "وقال له: (وانظر إىل إهلك) فسماه إهلا بطريق التنبيه للتعليم أنه بعض اجملايل اإلهلية" أ.هن.‬

‫فانظر كيف زعم أن قول موسى للسامري: (وانظر إىل إهلك) أن هذا اعتراف موسى بألوهية العلل، ألنه بعض األشياء اليت يتللى فيها الرب (سبةانك هنذا‬
                                                                                 ‫هبتان عظيم، كربت كلمة خترج من أفواههم إن يقولون إال كذباً).‬

                                           ‫ً‬
‫مث يفلسف ابن عريب عدم تسلط هارون على نسف العلل وإحراقه، وكون موسى هو الذي سلط على ذلك، زاعما أن هذا كان ليعبند اهلل يف كنل صنورة،‬
‫والعلل هو إحدى هذه الصور اليت جيب عنده -لعنه اهلل- أن يعبد اهلل فيها، وحيرف يف ذلك قول اهلل تعاىل: {رفيع الدرجات} فلله درجات يعبد فيها، وكنل‬
‫صنم وإله عبد يف األرض، فهو إحدى درجات اهلل يف زعمه (تعاىل اهلل عن ذلك) مث جيعل عبادة اهلوى أعظم هذه الدرجات ۈأمساها. وهاك ن عبارته يف ذلك:‬
‫"فكان عدم قوة إردا هارون بالفعل أن ينفذ يف أصةاب ا لعلل بالتسليط على العلل كما سلط موسى عليه حكمة من اهلل تعاىل ظاهرة يف الوجود، ليعبند يف‬
‫كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إال بعد ما تلبست عند عابدها باأللوهية" مث يقول "وما عبد شيء من العامل إال بعد التلبس بالرفعة عند‬
‫العابد، والظهور بالدرجة يف قلبه، وكذلك تسمى احلق لنا برفيع الدرجات، ومل يقل.. رفيع الدرجة، فكثر الدرجات يف عني واحدة، فإنه قضى أن ال يعبند إال‬
‫إياه يف درجات كثرية خمتلفة، أعطت كل درجة جملى إهلياً عبد فيها، وأعظم جملى عبد فيه وأعاله (اهلوى) كما قال: {أفرءيت من اختذ إهله هواه} (اجلاثية:95)‬
                                                                              ‫وهو أعظم معبود، فإنه ال يعبد شيء إال به.. وال يعبد هو إال بذاته، وفيه أقول:‬

                                         ‫ولوال اهلوى يف القلب ما عبد اهلوى"‬      ‫وحق اهلوى إن اهلوى سبب اهلوى‬

                                                                                                                                      ‫(الفصوص ص096)‬

‫مث يقول بعد ذلك: " والعارف املكمل من رأى كل معبود جملى للةق يعبد فيه، ولذلك مسوه كلهم إهلاً مع امسه اخلاص حبلر أو شلر، أو حيوان أو إنسنان، أو‬
                                                                                                        ‫كوكب أو ملك" (الفصوص ص296).‬

‫مث جعل ابن عريب بعد ذلك كفار قريش الذين متسكوا بآهلتهم الباطلة قائلني {ما نعبدهم إال ليقربونا إىل اهلل زلفى} (الزمر:9) تري منكرين هلل، بل متعلبني ألهنم‬
‫وقفوا مع كثرة الصور، ونسبو ا األلوهية إليها، مث يزعم أن الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم قد جاء داعياً هلم إىل إله يعرف، وال يشهد.. مث يصف ابن عنريب‬
‫هذا اإلله قائالً: "فدعا (أي الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم) إىل إله يصمد إليه ويعلم من حيث اجلملة.. وال يشهد وال تدركه األبصار، للطفه وسنريانه يف‬
‫أعيانه األشياء، فال تدركه األبصار كما أهنا ال تدرك أرواحها املدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف اخلبري، واخلربة ذوق، والذوق جتل، والتللني يف‬
               ‫صور فال بد منها، وال بد منه، فال بد أن يعبده من رآه هبواه إن فهمت.." أ.هن، مث يقول مستهزئاً بعقول اجلاهلني: "وعلى اهلل قصد السبيل..".‬

‫وأظنك أيها القارئ قد فهمت اآلن العقيدة اليت دعا إليها ابن عريب واإلله الذي ختيله، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري يف مجيع املوجودات، بل املوجنودات‬
‫هي صورته الظاهرة.. وهي عينه (تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً) ومل يكتف أن ينسب ه ذا إىل نفسه، ومن شايعه، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسنى‬
‫وحممد، بل ومجيع األنبياء واملرسلني الذين عرفوا األمر على حقيقته، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين احلنق، والرسنالة‬
                                                      ‫الصةيةة، وأنه نقل فقط، وما تصرف يف شيء، بل سار يف حدود ما أمر به، ومل يزد حرفاً واحداً.‬

                       ‫0- ومل تستطع عقبة أن تقف أمام ابن عريب لترده إىل صوابه، وليعلم العقيدة احلقة، ولكنه مضى يف شوط التلبيس والتخطيط إىل منتهاه.‬

                                                             ‫ب‬
‫وكانت من هذه العقبات العقيدة يف النار: جهنم اليت أعدها اهلل للكافرين، واليت يصطرخون هبا: {رّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظاملون} (املؤمننون:946)‬
‫واليت يتمنون فيها املوت، بل يكون هو منتهى آماهلم وتاية مطلبهم {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} فنريد علنيهم مالنك قنائالً {إنكنم مناكثون}‬
‫(الزخرف:99) ، جهنم اليت يدعو أهلها على أنفسهم بالويل والثبور، ويرد اهلل عليهم قائالً: {ال تدعوا اليوم ثبوراً واحدًا وادعوا ثبوراً كثرياً} (الفرقان:06) ألنه‬
‫ال استلابة هلم، وال خروج منها، فال ميوتون فيها وال حييون، وآيات كثرية يف وصف جهنم، وبشاعتها وحرقتها، وعذاب أهلها هبا، كل هذه اآليات مل متنع ابن‬
‫عريب الذي حكم لقوم نوح باملعرفة وا إلميان، ولقوم فرعون ولكفار مكة كذلك، بل لكل كافر على األرض أنه ما عبد إال اهلل يف صورة من الصنور، أقنول:‬
‫كذلك هذه اآليات مل متنع ابن عريب أن حيكم ألهل النار بالنعيم املقيم، والسعادة واهلناء. وأين ذلك؟.. يف النار نفسها، هذه النار اليت وصفها اهلل مبنا وصنف،‬
                        ‫ووصف أهلها مبا وصف.. هذه النار دار سعادة عند ابن عريب، ال دار شقاوة وعذاب، بل دار عذوبة وهناء. وهاك ن عبارته يف ذلك:‬

                                     ‫على لذة فيها نعيم مباين‬                             ‫"وإن دخلوا دار الشقاء فإهنم‬

                                     ‫وبينهما عند التللي تباين‬                           ‫نعيم جنان اخللد، فاألمر واحد‬

                                 ‫وذاك له كالقشر والقشر صاين"‬                                              ‫ً‬
                                                                                            ‫يسمى عذابا من عذوبة طعمه‬

                                                                                                                                   ‫(الفصوص ص09)‬

             ‫فانظر كيف جعل نعيم النار كنعيم اجلنة، ألن األمر واحد يف زعمه، وأن العذاب من العذوبة، وأن النار قشرة ختفي وراءها النعيم املقيم ألهل النار.‬

‫ويقول أيضاً: "فمن عباد اهلل من تدركه تلك اآلالم يف احلياة األخرى يف دار تسمى جه نم، ومع هذا ال يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا األمر على ما هو‬
‫عليه إنه ال يكون هلم يف تلك الدار نعيم خاص هبم، إما بفقد أمل كانوا جيدونه، فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك األمل.. أو أن يكون النعيم‬
                                                                                                                                           ‫ً‬
                                                                             ‫مستقال زائداً كنعيم أهل اجلنان واهلل أعلم". انتهى (الفصوص ص066).‬

‫ومع أنه تناقض هنا مع ما قرره يف أبياته السابقة، وقال: يكون النعيم ألهل النار بفقد آالم سابقة، أو حبصول لذة ومتا بالنار كنعيم اجلنة و (أو) تقتضي الشك،‬
‫ولذلك قال: واهلل أعلم، مع العلم أنه قال يف مطلع الكتاب ويف ثناياه أنه ينقل عن اهلل بال زيادة وال نقصان.. فانظر هذا التهافت والتخبط والعمى.. نعوذ باهلل من‬
                                                                                                                                                  ‫اخلذالن.‬

‫أقول مع هذا يعود ويقرر دون شك أن النار ستكون برداً وسالماً على أهلها، كما كانت نار إبراهيم برداً وسالماً عليه، يقول يف (الفصوص ص966): "وأمنا‬
‫أهل النار فمآهلم إىل النعيم ولكن يف النار.. إذ ال بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون برداً وسالماً على من فيها، وهذا نعيمهم، فينعم أهل النار بعد‬
‫استيفاء احلقوق نعيم خليل اهلل حني ألقي يف النار، فإنه عليه السالم تعذب برؤيتها. ومبا تعود يف علمه، وتقرر من أهنا صورة تؤمل من جاورها من احليوان" أ.هن.‬

‫2- أظنك أيها القارئ الكرمي قد عرفت اآلن فرعيات هذه العقيدة الصوفية الباطلة، وملزيد من هذه املعرفة والتوضيح سأنقل إليك بياناً واضةاً من كالم ابن عريب‬
‫أو الشيخ "األكفر أو األكرب" كما يسمونه، مما تتصور به هذه العقيدة، ويكفي يف إبطاهلا أن تتصورها، فهذه العقيدة ال حتتاج إىل رد يبطلها، وإمنا تصورها تصوراً‬
 ‫صةيةاً يكفي لبطالهنا. فما عرف البشر يف تارخيهم الطويل كفراً وإحلاداً أعظم من هذا الكفر؛ فإن اهلل تبارك وتعاىل استعظم مقالة من قالوا: {اختذ اهلل ولنداً}‬
 ‫سبةانه وتعاىل عن ذلك قائالً: {وينذر الذين قالوا اختذ اهلل ولداً* ما هلم به من علم وال آلبائهم كربت كلمة خترج منن أفنواههم إن يقولنون إال كنذباً}‬
                                                                                                                                          ‫(الكهف:0-2).‬

‫وقال جل وعال: {وقالوا اختذ الرمحان ولداً* لقد جئتم شيئاً إداً* تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق األرض وختر اجلبال هداً* أن دعوا للرمحن ولداً* وما ينبغي‬
   ‫للرمحن أن يتخذ ولداً* إن كل من يف السماوات واألرض إال ءايت الرمحن عبداً* لقد أحصاهم وعدهم عداً* وكلهم ءاتيه يوم القيامة فرداً} (مرمي:99-29).‬

‫فإذا كانت السماوات تكاد تنفطر من تلك املقالة اخلبيثة، بل وتنشق األرض وختر اجلبال هداً، فكيف مبن ينسب كل شيء خبيث يف األرض إىل ذات اهلل، بنل‬
                                                                                             ‫ً‬
                                        ‫جعله عني اهلل؟!.. فالذين نسبوا هلل ولداً نسبوا شيئا صاحلاً كنيب أو ملك، أما الذي جعل اهلل عني كل شيء..‬

‫أقول: إن تصور هذه العقيدة يكفي لبطالهنا عند من له أدىن حس أو شعور، وال أقول عقل ولب، فالقضية ال حتتاج معقولية لردها، وإمنا حتتناج قلنيالً منن‬
                                                                                                     ‫ب‬
‫اإلحساس والشعور، واحلياء واخللل، وقد لّس هؤالء الشياطني على الناس زاعمني أن كالمهم ال يفقهه إال من ذاق ذوقهم، ووجد وجدهم، وعرف معرفتهم،‬
‫هأنا ذا أعطيك مفاتيح هذه املعارف الباطلة، والذوق اخلبيث، والوجد اللعني، لتعرف األمر عندهم على ما هو عليه، ولذلك فسأسرد لك طائفة أخنرى منن‬
‫الشرح التفصيلي هلذه العقيدة، وكل هذا الشرح من كالم القوم حىت ال يبقى عندك يف احلق لبس، ولتعلم أيضاً أن من زعم منهم أن هذا الكالم املنقنول عنن‬
‫أساتذة الضالل إمنا هو شطح فقط، وتلبة حال فزعمه باطل، ألن األمر ليس شطةاً، وإمنا هو عقيدة فلسفية مقررة مشروحة يف عشرات الكتب، وأن كنل آي‬
‫القرآن قد حرفوها واستدلوا هبا، ليغريوا عقيدة املسلمني احلقة يف إهلهم سبةانه وتعاىل، الذي يتصف بصفات الكمال، والذي ال يشبه أحدًا من خلقه، بل هو اهلل‬
                                                                          ‫الواحد األحد، الفرد الصمد، الذي مل يلد ومل يولد، وملن يكن له كفوًا أحد.‬

‫يقول ابن عريب شارحاً عقيدته مستدالً عليها باحلديث املوضو : "من عرف نفسه عرف ربه" قال: "قال عليه السالم: "من عرف نفسه عرف ربه"، وهو أعلنم‬
‫اخللق باهلل، فإن بعض احلكماء وأبا حامد ادعوا أنه يعرف اإلله من تري نظر يف العامل، وهذا تلط، نعم تعرف ذات قدمية أزلية، ال تعرف أهنا إله حنىت يعنرف‬
‫املألوه، فهو الدليل عليه، مث بعد هذا يف ثاين حال يعطيك الكشف أن احلق نفسه كان عني الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العامل ليس سوى جتليه يف صور‬
‫أعياهنم الثابتة اليت يستةيل وجودها بدونه، وأنه يتنو ويتصور حبسب حقائق هذه األعيان وأحواهلا، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا، مث يأيت الكشف اآلخنر،‬
                                                     ‫فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض يف احلق، فيعرف بعضنا بعضاً" أ.هن (الفصوص ص59،69).‬

‫فهنا قد أنكر ابن عريب على أيب حامد وبعض املتصوفة اآلخرين الذين قالوا: إن احلق ال يشترط ملعرفته النظر يف الكون، بل قد يأيت ذلك عن طريق الكشف رأساً‬
 ‫دون استدالل بالكون املشاهد على اخلالق سبةانه وتعاىل. وقال ابن عريب: "إن هذا ال يكفي إال ملعرفة ذات قدمية أزلية، ولكن ال بد من النظر يف الكون لتعلم أن‬
 ‫الذي تشاهده هو احلق، وهو الدليل على احلق، أي أن الصور ا ملشاهدة يف الكون هي اهلل، وهي الدليل عليه، مث يأيت بعد ذلك الكشف اآلخر النذي يتةقنق‬
            ‫اإلنسان فيه من نفسه أيضاً بأنه نفسه صورة من صور احلق، فعند ذلك يعرف نفسه، فيعرف ربه، يعرف نفسه أنه اهلل، فيعرف اهلل أنه كل موجود.."‬

‫ومل يكتف ابن عريب بأن يتبع أسلوب الثعالب يف اللف والدوران واملراوتة، بل اتبع أيضاً أسلوب االستفزاز لكل مؤمن، والنيل من عقيدة اإلسالم بكل احتقنار‬
‫واستهزاء، ويدلك على ذلك أن اسم اهلل عز وجل (العلي) يفهم منه سلف األمة وعلماؤها األفاضل أن املقصود به العلو احلقيقي املستلزم مباينته تعناىل خللقنه،‬
‫والعلو اجمل ازي الذي هو علو املكانة، فاهلل علي بذاته سبةانه وتعاىل ألنه فوق عرشه، والعرش سقف املخلوقات كما مدح نفسه بذلك يف سبع آيات من كتابنه‬
                                                                                                                      ‫الكرمي، وكما قال مالك بن أنس:‬

‫"االستواء معلوم، والكيف جمهول، والسؤال عنه بدعة"، وأما املكانة فمنزلة اهلل عز وجل فوق كل منزلة، فهو العلي العظيم سبةانه وتعناىل، واخلنالق القنوي‬
‫القدير، وما سواه معبود مربوب مقهور، فةىت العلماء الذين نفوا عن اهلل العلو احلقيقي، وأثبتوا علو املكانة فقط ما نفوا عن اهلل هذه الصفة، ولكن انظر إىل ابن‬
                                                                                                 ‫عريب كيف فهم هذه الصفة، وطبقها حسب عقيدته الباطلة:‬

‫قال (الفصوص ص69-99): "ومن أمسائه احلسىن العلي، على من.. وما مث إال هو؟ فهو العلي لذاته. أو عن ماذا. وما هو إال هو؟ فعلوه لنفسه، وهو من حيث‬
                                                                                                         ‫ل‬
‫الوجود عني املوجودات، فاملسمى احملدثات هي العّية لذاهتا، وليست إال هو، فهو العلي، ال علو إضافة، ألن األعيان اليت هلا العدم الثابتة فيه ما مشت رائةة منن‬
‫الوجود، فهي على حاهلا مع تعداد الصور يف املوجودات، والعني واحدة من اجملمو يف اجملمو ، فوجود الكثرة يف األمساء، وهي النسب، وهي أمنور عدمينة،‬
‫وليس إال العني الذي هو الذات فهو العلي لنفسه ال باإلضافة، فما يف العامل من هذه احليثية علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلو اإلضافة موجود يف‬
‫العني الواحدة من حيث الوجوه الكثرية، لذلك نقول يف: هو ال هو، أنت ال أنت، قال اخلراز (رمحه اهلل تعاىل) وهو وجه من وجوه احلق ولسان من ألسنته ينطق‬
‫عن نفسه بأن اهلل تعاىل ال يعرف إال جبمعه بني األضد اد يف احلكم عليه هبا، فهو األول واآلخر، والظاهر والباطن، فهو عني ما ظهر، وهو عني ما بطن يف حنال‬
                  ‫ظهوره، وما مث من يراه تريه، وما مث من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو املسمى أبا سعيد اخلراز وتري ذلك من أمساء احملدثات".‬

‫فانظر استهزاءه باسم اهلل (العلي) حيث يقول: على من؟ وعن ماذا؟ وليس يف الوجود تريه، فهو احملدثات، بل هو املسمى أبو سعيد اخلراز، وأبو سعيد هذا أحد‬
                                                                                                            ‫أئمة القوم يف القرن الثالث اهللري..‬

‫وانظر كيف جعلوا العلو إمنا هو لبعض احملدثات على بعض، وما دام أن مجيع احملدثات هو احلق، وهو اهلل عندهم، فال يوصف اهلل بالعلو إضافة أبداً، ألنه لنيس‬
                                                                                         ‫شيء تريه يف الكون، ولكن يوصف -عندهم- بالعلو لذاته فقط.‬

‫وال يتور ابن عريب مع ذلك أن ينسب ما يف الوجود من شر وقبائح وظلم وسفك دم إىل اهلل، بل جيعل كل ذلك هو اهلل فيقول: "فالعلي لنفسه هو الذي يكون‬
‫له الكمال الذي يستغرق ب ه مجيع األمور الوجودية، حيث ال ميكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت حممودة عرفاً وعقالً وشرعاً، أو مذمومنة عرفناً وعقنالً‬
                                                                                     ‫وشرعاً، وليس ذلك إال ملسمى اهلل خاصة" (الفصوص ص99).‬

‫فانظر كيف جعل مسمى اهلل يستغرق مجيع األمور الوجودية، سواء كانت ممدوحة يف العرف والعقل والشر ، أم كانت مذمومة يف العرف والعقل والشنر ،‬
   ‫وليس هناك كفر على األرض أكرب من هذا الكفر، بل ليس هناك وقاحة وسوء أدب مع اهلل أعظم من هذا، فاللهم رمحتك بنا ونقمتك بأولئك، أبعدهم اهلل..‬

‫وبصفات النذم؟" (الفصنوص‬           ‫ولقد كرر هذا املعىن كثرياً يف كتابه فقال أيضاً: "أال ترى احلق يظهر بصفات احملدثات، وأخرب بذلك عن نفسه وبصفات النق‬
                                                                                                                                            ‫ص49).‬

                                                                                                           ‫ً‬
           ‫ومل يكتف هبذا القول اجململ، بل فصل ذلك أيضا حيث جعل الكبش الذي أنزله اهلل فداءً إلمساعيل من الذبح هو اهلل (تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً).‬

                                                                                                                                         ‫قال ابن عريب:‬

                                      ‫كبيش عن خليفة رمحان‬       ‫شخي‬               ‫فيا ليت شعري كيف ناب بذاته‬

                                                                                                                                    ‫(الفصوص ص09)‬
                                           ‫ووقتاً يكون العبد عبداً بال إفك‬        ‫فوقتاً يكون العبد رباً بال شك‬

                                      ‫وإن كان رباً كان يف عيشة ضنك‬                   ‫فإن كان عبداً كان باحلق واسعاً‬

                                                                                                                                        ‫(الفصوص ص49)‬

‫بل مل يكتف هبذا أيضاً حىت زعم أن احلق ال يشهد أمت شهود، وال يعرف حق املعرفة إال يف املرأة.. حال اللذة والشهوة.. وهاك نصوص عباراته القبيةة يف ذلك،‬
‫وواهلل لوال وجوب بيان هذا الباطل وحتذير األمة منه ما كان يل أن أخط قلماً هبذا اإلمث والفلور، ولكن ما حيلتنا وبني أظهرنا من يدافع عن هذا الباطل، ويعتقد‬
                                                                                                                                  ‫ف‬
‫الوالية لقائليه، بل ويك ّر من تعرض هلذا اإلمث والفلور، ويرميهم بالكفر والزندقة، وهؤالء الضالون قد ملؤوا أكرب املراكز الدينية يف بالدنا، واتبعهم عوام الناس‬
                                                                ‫دون وعي منهم مبا خلف هذه العمائم الفارتة، والشهادات الزائفة من اإلمث والفلور والباطل؟!‬

‫هذا ابن عريب سيد الصوفية وشيخها من لدنه إىل هذا يفسر حديث الرسول صلى اهلل عليه وسلم: [حبب إيل من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عنيين يف‬
                                                                                                                           ‫الصالة] فيقول:‬

‫" اشتق اهلل من اإلنسان شخصاً على صورته مساه امرأة، فظهرت بصورته فةن إليها حنني الشيء إىل نفسه، وحنت إليه حنني الشيء إىل وطنه، فةببنت إلينه‬
‫النساء، فإن اهلل أحب من خلقه على صورته، وأسلد له مالئكته النوريني على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلو نشأهتم الطبيعية، فمن هناك وقعت املناسبة والصورة‬
                                                                                               ‫أعظم مناسبة، وأجلها وأكملها" (الفصوص ص665).‬

‫وقبل أن نستطرد يف النقل عن ابن عريب أشرح لك اإلفك الذي أفكه هنا، فقد زعم أن اإلنسان أحب املرأة، ألهنا جزء منه وال مانع يف ذلك، وقد يكون هنذا‬
‫قوالً صةيةاً، مث قاس على هذا أن اهلل أحب اإلنسان ألنه خلقه على صورته، يعين أن ابن آدم ظهر يف الوجود على صورة الرمحن، تعاىل اهلل عن ذلنك علنواً‬
 ‫كبرياً، فكان ابن عريب مشبهاً هلل خبلقه أيضاً، وهذا القول منه خيالف عقيدته السابقة يف وحدة الوجود، وأن مجيع املوجودات هي صورة للةق، وال تنفرد صورة‬
 ‫واحدة بأن تكون مثالً للخالق بل مجيع الصور ذاهتا ذات اخلالق، وهذا يدلك على تناقضه وخبثه وثعلبيته، وجيعل السبب الذي من أجله أحب اهلل اإلنسنان أن‬
                              ‫ً‬
               ‫الصورة اليت خلق عليها هي أعظم مناسبة وأقرأ عبارته السابقة مرة أخرى حىت تفهم ما يقول. مث يستطرد ابن عريب شارحاً ومفلسفا عقيدته قائالً:‬

‫"فإهنا زوج (أي صورة اإلنسان آدم) أي شفعت وجود احلق كما كانت املرأة شفعت بوجودها الرجل، فصريته زوجاً، فظهرت الثالثة: حق ورجل وامنرأة!!!‬
                    ‫و‬
‫فةن الرجل إىل ر به الذي هو أصله حنني املرأة إليه، فةبب إليه ربه النساء، كما أحب اهلل من هو على صورته، فما وقع احلب إال ملن تك ّن عنه، وقد كان حبه‬
                                                                                                                                          ‫و‬
‫ملن تك ّن منه، وهو احلق، فلهذا قال (حبب) ومل يقل (أحببت) من نفسه، لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حىت يف حمبته المرأته، فإنه أحبها حبب اهلل إيناه‬
                                                                                                                                ‫ختلقاً إهليا") أ.هن.‬

‫فانظر كيف جعل حب الرجل للمرأة من التخلق بأخالق اهلل يف زعمه، ألن اهلل قد أحب حممدًا الذي خلقه على صورته (تعاىل اهلل عن ذلك علواً كنبرياً)، وألن‬
                                                                                                         ‫حممدًا هو أول موجود حسب عقيدة ابن عريب.‬

                                                                                                ‫مث يستطرد ابن عريب يف عباراته الوقةة الكافرة القبيةة قائالً:‬

‫" وملا أحب الرجل املرأة طلب الوصلة أي تاية الوصل اليت تكون يف احملبة، فلم يكن يف صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، وهلذا تعم الشهوة أجزاءه‬
‫كلها، ولذلك أمر باالتتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن احلق تيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغريه!! فطهره بالغسنل،‬
‫لريجع بالنظر إليه فيمن فين فيه، إذ ال يكون إال ذلك، فإذا شاهد الرجل احلق يف املرأة كان شهوداً يف منفعل، وإذا شاهد يف نفسه -من حيث ظهور املرأة عنه-‬
                                                                               ‫و‬
‫شاهده يف فاعل، وإذا شاهده يف نفسه من تري استةضار صورة ما تك ّن عنه كان شهوده يف منفعل عن احلق بال وساطة، فشهوده للةق يف املرأة أم وأكمنل..‬
‫وألنه يشاهد احلق من حيث هو فاعل منفعل.. ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة، فلهذا أحب الرسول صلى اهلل عليه وسلم النساء، لكمال شنهود احلنق‬
                                                                                 ‫فيهن.. إذ ال يشهد احلق جمرداً عن املواد أبداً.." (الفصوص ص965).‬

‫وأظن ليس بعد هذا الكالم كالم، وليس بعد هذا البيان بيان، وال ميلك املسلم الذي عصمه اهلل من هذا التردي اخللقي والعقلي إال أن يقول (يا مقلب القلنوب‬
                                                                                                                            ‫ثبت قلوبنا على دينك).‬

                                                                                 ‫ا‬
              ‫ويستطرد ابن عربي مقرراً ه ا المعنى شارحً له بمثل ه ه العبارات: "فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله..".‬

                                                                                                                                                  ‫ً‬
                                                                         ‫وقائال أيضاً: "فمن أحب النساء على هذا احلد فهو حب إهلي". وقائالً بعد هذا أيضاً:‬

                                                 ‫تري أن مل يعرفوا عشقي ملن‬      ‫صح عند الناس أين عاشق‬
‫(الفصوص ص965)‬
                                                                      ‫الفصل السادس‬

                                                                      ‫طريقة املتصوفة‬

                                                              ‫يف اإلعراب عن عقيدهتم الباطنية‬

‫مع بداية القرن الثالث اهللري ابتدأ املتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا اجلنيد يقول للشبلي: "حنن حربنا هنذا العلنم‬
‫حتبرياً، مث خبأناه يف السراديب، فلئت أنت فأظهرته على رؤوس املأل" فرد عليه الشبلي بقوله: "أنا أقول وأنا أمسع فهل يف الدارين تريي" (التعرف على منذهب‬
                                                                                                                           ‫التصوف ص206).‬

                                                                                                        ‫وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود.‬

‫مث ابتدأت مجاعة من املتصوفة تصرح بشيء من هذا العلم الباطن الذي مل يكن يف حقيقته إال القول باحللول، الفناء يف ذات اهلل الذي تقول به العقيندة اهلندينة‬
‫الربمهية، والقول بوحدة الوجود، وكان هذا يف هناية القرن الثالث اهللري وبداية القرن الرابع. وهذه طائفة من هذه األقوال اليت ظهرت على أفواه القوم، وكانت‬
                                                                  ‫ختفي حتتها العقيدة الباطنة اليت زعموا أهنا يف منتهى الكمال والرقي يف سلم التعبد اإلسالمي.‬

‫أ- ذكر أبو نصر السراج الطوسي صاح ب كتاب اللمع يف التصوف، وهو الكتاب الذي نشره الدكتور عبداحلليم حممود وطه عبدالباقي سرور أن أبنا محنزة‬
‫الصويف دخل دار احلارث احملاسيب فثغت (ثغاء الشاه: صوهتا) شاة احلارث، فشهق أبو محزة شهقة وقال: "لبيك يا سيدي"!! فأنكر عليه احلارث احملاسيب، فقال له‬
                  ‫أبو محزة: إن إنكارك علي يشبه أحوال املريدين املبتدئني" (اللمع يف التصوف ص290) أي الذين مل يصلوا بعد إىل التةقق من وحدة الوجود.‬

                                                                 ‫ب- وهذا أبو احلسني النوري يسمع كلباً يعوي فيقول: "لبيك وسعديك" (اللمع ص590).‬

                                                 ‫ج- وهذا الشبلي أيضاً يقول ألحد زواره عند خروجه: "أنا معكم حيثما كنتم، أنتم يف رعاييت ويف كالءيت".‬

                            ‫د- وكان من أجرأ هؤالء الذين صرحوا هبذا العلم الباطن احلالج وقبل أن أستشهد بشيء من أقواله أحب أن أقدم هذه املقدمة عنه:‬

‫نشأ احلالج يف أواخر القرن الثالث اهللري، وهو من أهل بيضاء فارس، ونشأ بواسط بالعراق، وصةب اجلنيد الذي يعترب سيد الطائفة الصوفية، وأبا احلسنني‬
‫النوري والفوطي، وقد قتل ببغداد، وصلب يوم الثالثاء السادس من ذي القعدة سنة تسع وثالث مئة وعموم املتصوفة راضون عنه، وإن كان قد رده بعضهم بعد‬
‫قتله خوفاً على أنفسهم، ولكن ذكر األقدمون منهم أقواله يف كتبهم دون ذكر امسه، بأن يقولوا مثالً: قال أحد الكرباء (وهذا صنيع أيب بكر حممند الكالبناذي‬
‫الذي ألف املوسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه (التعرف على مذهب أهل التصوف) وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب املوسوعة الصوفية األوىل‬
‫(اللمع) وقد استشهد بكالم احلالج يف أكثر من مخسني موضعاً من كتابه مصدراً القول بقوله: قال بعضهم، أو قال القائل) (انظر مقدمة كتاب احلالج ص66)‬
‫ومل يستطيعوا التصريح بامسه، وهذا صنيع أكرب رجلني كتبا يف التصوف يف القرن الرابع، ومها أبو بكر حممد الكالباذي املتويف سنة 499هن وأبو نصر السنراج‬
  ‫الطوسي املتويف سنة 999هن،وقد بالغت طائفة منهم بالثناء عليه حىت قال عنه حممد بن خفيف: "احلسني بن منصور عامل رباين" (طبقات الصوفية ص949).‬

‫ويف القرن اخلامس وما يليه ابتدأ املتصوفة يصرحون بامسه، ويذكرون مقاالته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد أشاد به أبو حامد الغزايل، وابن عريب، وعبندالغين‬
‫النابلسي وكل املتصوفة منذ القرن اخلامس. وأما يف العصر احلديث فقد كتب فيه طه عبدالباقي سرور كتاباً بعنوان: (احلالج شهيد التصوف اإلسنالمي) وقند‬
                                                                                 ‫ً‬
                                                         ‫جعله يف هذا الكتاب ثائرًا على الفساد، ومصلةاً إجتماعياً، وداعية إسالميا إىل اهلل سبةانه وتعاىل.‬

‫وبعد هذه املقدمة أعود إىل سياق البةث، وهو أن أجرأ الناس يف إظهار العقيدة الباطنية للفكر الصويف كان احلسني بن منصور احلالج، وهذه اجلرأة هي النيت‬
                                       ‫أدت بعد ذلك إىل القتل والصلب، ولقد كان هناك من املتصوفة من هم على عقيدته ولكنهم كتموا. يقول الشبلي:‬

‫"كنت أنا واحلسني بن منصور شيئاً واحداً، إال أنه أظهر وكتمت" (احلالج لطه عبدالباقي سرور) ، ومن أبرز ما صرح به احلالج عن املعتقد الباطن للتصوف ما‬
                                                        ‫أنقله بنصه عن كتاب الطواسني للةالج (نشر لويس ماسنيون) قال احلالج (طاسني األزل وااللتباس).‬

‫" ما صةت الدعاوي ألحد إال إبليس وأمحد، تري أن إبليس سقط عن العني، وأمحد كشف له عن عني العني، قيل إلبليس: اسلد، وألمحد: انظر. هذا ما سلد‬
‫وأمحد ما نظر، ما التفت مييناً وال مشاالً، {ما زاغ البصر وما طغى} أما إبليس فإنه دعا لكنها ما رجع عن حوله، وأمحد ادعى ورجع عن حوله بقولنه: [بنك‬
                                                                    ‫أحول وبك أصول] وبقوله: [يا مقلب القلوب] وقوله: [ال أحصي ثناء عليك].‬

                         ‫ل‬
‫وما كان يف أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغري عليه العني، وهلر األحلاظ يف السري، وعبد املعبود على التلريد، وُعن حني وصنل إىل التفريند،‬
                                                                                                                                           ‫ط‬
                                                                                                                       ‫و ُلب حني طلب املزيد.‬
‫فقال له: (اسلد) قال: "ال تري" قال له: (وإن عليك لعنيت) قال: "ال تري"، مايل إىل تريك سبيل، وإين حمب ذليل، قال له: (استكربت) قال: لو كان يل معنك‬
‫حلظة لكان يليق يب التكرب والتلرب، وأنا الذي عرفتك يف األزل (أنا خري منه) ألن يل قدمة يف اخلدمة، وليس يف الكونني أعرف مين بك، ويل فيك إرادة، إرادتك‬
‫يف سابقة، إن سلدت لغريك، فإن مل أسلد ال بد من الرجو إىل األصل، ألنك خلقتين من النار، والنار ترجع إىل النار، ولك التقدير واالختينار، تيقننت أن‬
                                                                                                     ‫القرب والبعد واحد!!" مث يستطرد احلالج قائالً:‬

‫"التقى موسى وإبليس على عقبة الطور، فقال له: يا إبليس ما منعك عن السلود؟ قال: منعين الدعوة مبعبود واحد، ولو سلدت له لكنت مثلك، فإنك نوديت‬
‫مرة واحدة.. انظر إىل اجلبل.. فنظرت، ونوديت أنا ألف مرة أن أسلد فما سلدت لدعواي مبعناي، فقال: تركت األمر؟ قال: كان ذلك ابتالء ال أمراً، فقنال‬
 ‫له: ال جرم قد تري صورتك. قال: يا موسى ذا وذا تلبيس، واحلال ال يعول عليه فإنه حيول، لكن املعرفة صةيةة كما كانت وما تغريت وإن الشخ قد تغري.‬

                ‫فقال موسى: اآلن تذكره؟ فقال: يا موسى الفكرة تذكر، أنا مذكور وهو مذكور، ذكره ذكري، وذكري ذكره، وهل يكون الذاكرون إال معاً.‬

                                                       ‫حلظ‬
                                                    ‫خدميت اآلن أصفى، ووقيت أخلى، وذكري أجلى، ألين كنت أخدمه يف القدم حلظي، واآلن أخدمه ِّه".‬

‫مث استطرد بعد ذلك قائالً: "ويف أقوال عزازيل (زعم املتصوفة أن إبليس كان يسمى عزازيل قبل أن يطرد من رمحة اهلل) أحدها أنه كان يف السنماء داعيناً ويف‬
                                  ‫األرض داعياً: يف السماء دعي املالئكة برهبم احملاسن، ويف األرض دعا اإلنس برهبم القبائح، ألن األشياء تعرف بأضدادها".‬

                           ‫ويف هذه الصياتة الطويلة ملعصية إبليس تستطيع اآلن أن تلم مبالمح العقيدة الصوفية الباطنية، ونستطيع أن نلخصها على النةو التايل:‬

‫6- أعبد الناس يف كالم احلالج هو إبليس والرسول صلى اهلل عليه وسلم، وانظر كيف ينظمها عدو اهلل يف سلك واحد، مث يستدل على ذلك بأن إبلنيس أمنر‬
‫بالسلود فلم يسلد، والذي منعه من ذلك هو مشيئة الرب فيه وجرب الرب له. وحتققه أن ال موجود إال هو، وأن القرب والبعد من الرب واحد، ألنه ليس على‬
‫احلقيقة إال اهلل، وأن إبليس قد كان داعياً للمالئكة إىل احملاسن، بإقامة اهلل له، ويف األرض إمنا هو دا إىل القبائح، وما هو يف احلقيقة إىل قنائم مبنراد النرب‬
                                                                                                                                                 ‫ومشيئته.‬

‫وأما الرسول صلى اهلل عليه وسلم -وحاشاه- فقد أصبح أعبد الناس عند احلالج -وهذا من التلبيس- ألن اهلل أمره يف السماء أن ينظر إليه، فما نظر، واسنتدل‬
‫على ذلك بقوله تعاىل: {ما زاغ البصر وما طغى} واآلية يف أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قد رأى جربيل على صورته اليت خلقه اهلل عليها، وأن البصر منا‬
‫زاغ وال طغى، وهو ينظر إىل جربيل (فانظر كيف حول احلالج اآلية عن معناها، وأن املقصود هبا هو: ما زاغ البصر أي ما نظر إىل اهلل، ألنه ليست هناك ذات‬
                                                    ‫مستقلة هلل تبارك وتعاىل يف زعم الصوفية، بل ذاته هي ذات موجوداته. انظر هذا يف كالم النابلسي اآليت).‬

‫وأما الدليل اآلخر الذي ساقه احلالج، فهو قول الرسول صلى اهلل عليه وسلم: [اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقول] (هو جزء حمرف من حديث رواه أبنو‬
‫داود يف (سننه 5965) عن أنس بن مالك، ولفظه: كان رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إذا تزا قال: [اللهم أنت عضدي ونصريي، بك أجول، وبك أصنول،‬
‫وبك أقاتل] وصةح إسناده أستاذنا األلباين يف (ختريج الكلم الطيب ص29) كما رواه ببعض اختصار الترمذي (5/995) وحسنه، وأمحد (6/66)) واملعنىن‬
‫الذي هو مراد الرسول صل ى اهلل عليه وسلم هو معىن ال حول وال قوة إال باهلل، فال يستطيع أحد أن يفعل خرياً، أو يوفق إىل خري إال حبنول اهلل وقوتنه ولكنن‬
                                           ‫ً‬
              ‫احلالج قلب هذا املعىن إىل عقيدته اخلبيثة يف الرب جل وعال، وجعل معناها أن الرسول قال ذلك ألنه كان متةققا أنه هو هو، أي أنه هو اهلل!!.‬

                                                         ‫وأما موسى يف نظر احلالج فلم يكن على معرفة حبقيقة الرب، ولذلك قال له: (رب أرين أنظر إليك).‬

‫ولقد كان من اجلرأة مبكان أن يظهر احلالج دعوته وعقيدته على هذا النةو من الصراحة والوضوح، ولقد كان يعاصره عدد كبري من املتصوفة يف العراق وإيران‬
        ‫والشام، ولكنهم قنعوا باإل شارات والرموز إىل عقيدهتم، ومل يقنع هو إال بالتصريح، وقد مسى هو هذا املقام الذي وصل إليه مقام الفتوة، ويف ذلك يقول:‬

‫"تناظرت مع إبليس وفرعون يف الفتوة ( الفتوة اليت عناها احلالج هنا هي اجلرأة يف إظهار معتقده، وأستاذه يف ذلك كما يقول إبليس وفرعون!!)، فقال إبليس: إن‬
‫سلدت سقط عين اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضاً: إن رجعت عن دعواي وقويل سقطت منن بسناط‬
‫الفتوة!! وقال إبليس:أنا خري منه، حني مل ير تريه ترياً، وقال فرعون :(ما علمت لكم من إله تريي) حني مل يعرف يف قومه من مييز بني احلق والباطل!! وقلنت‬
‫أنا: إن مل تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك األثر، وأنا احلق ألين ما زلت أبداً باحلق حقاً!! فصاحيب وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عنن‬
‫دعواه، وفرعون أترق يف اليم وما رجع عن دعواه، ومل يقر بالواسطة أبداً، وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجالي، ما رجعت عن دعواي" (الطواسنني‬
                                                                                                                                            ‫ص52).‬

‫وهذا الذي وصل احلالج إليه قد كان عقيدة لكثري من معاصريه، ولكنهم مل يستطيعوا التصريح به بنفس الوضوح والصراحة اليت صرح هبا احلالج، يقول الشبلي:‬
                                                                                 ‫ر‬
                                                                  ‫"كنت واحلسني بن منصور شيئاً واحدًا إال أنه أظهر وكتمت" وقد م ّ بك هذا القول.‬
‫ولقد حاول احلالج أن ينقل عموم املتصوفة إىل موقفه، ولذلك مل يفتأ حيركهم حنو هذه الغاية، ففي الرسالة القشريية أنه لقي إبراهيم اخلواص فقال له احلنالج:‬
‫ماذا صنعت يف هذه األسفار، وقطع هذه املفاوز؟ قال: بقيت يف التوكل أصةح نفسي عليه. فقال احلالج: أفنيت عمرك يف عمران باطننك، فنأين الفنناء يف‬
                                                                                                                                           ‫التوحيد!!‬

‫ويدخل احلالج مسلد بغداد، ويرى اجلنيد يتكلم على املنرب واجلنيد سيد الطائفة يف وقته فيقول له: يا أبا القاسم إن اهلل ال يرضى من العامل بالعلم حىت جينده يف‬
                                  ‫العلم، فإن كنت يف العلم فالزم مكانك، وإال فانزل، فنزل اجلنيد ومل يتكلم على الناس شهراً (أخبار احلالج طبع ماسنيون).‬

‫وهذا القول من احلالج لللنيد إنكار شديد عليه، وأمر له بأن يظهر ما يعتقده، وبأن يتةقق ظاهراً فيما حتقق فيه باطناً. وهذا معىن قوله: "فإن كنت يف العلنم‬
‫فالزم مكانك" أي إن كنت قد وصلت إىل حقيقة معتقد التصوف فالزم هذا املكان، وأظهر ما تعتقد. واحلالج هنا مل ينكر على اجلنيد معصية شرعية ظناهرة،‬
‫ولكنه أنكر عليه إظهاره من علوم الشريعة للعامة ما خيالف ما وصل إليه من عقيدة التصوف، ولذلك احتلب عن الناس شهراً ال يكلمهم، ومل يستطع اجلنيد أن‬
                                                                                   ‫يظهر ما أظهر احلالج، ألنه كان يعلم هناية اإلفصاح عن حقيقة املعتقد.‬

     ‫ّ‬
‫ولذلك روى أبو عبدالرمحن السلمي يف طبقاته يف ترمجة الشبلي أن اجلنيد قال للشبلي "لو رددت أمرك إىل اهلل السترحت" فقال الشبلي: "يا أبا القاسم لو رد اهلل‬
                                                                    ‫أمرك إليك السترحت" فقال اجلنيد: "سيوف الشبلي تقطر دماً!!" (الطبقات ص909).‬

‫واملعىن الذي عناه اجلنيد يف كالمه للشبلي أنه إذا استسلم ألمر اهلل، واسترسل معه كما يقولون: التصوف االسترسال مع اهلل (يعين املتصوفة هبنذا القنول أن ال‬
         ‫يكون لك اختيار وفعل، بل تترك مشيئة الرب تسريك، وهذا معناه هدم اإلرادة البشرية وترك الوسائل كلها) أي ترك االختيار معه السترحت وهدأت.‬

                                            ‫د‬
‫فرد الشبلي عليه بعكس العبارة وباملعىن نفسه!! ومعىن عبارة الشبلي أن اهلل قد جرب العبد وأقامه مبا هو فيه، ومل ير ّ أمره إليه، بل جعل أمر العبد إليه هو، ولو رد‬
‫أمر العبد إىل نفسه الستراح، واختار ما حيلو له. وكانت عبار ة الشبلي للداللة على املعىن أصرح من عبارة اجلنيد، ولذلك قال اجلنيد رداً على ذلنك: سنيوف‬
                                                                            ‫الشبلي تقطر دماً. أي أنه هبذا التصريح عن معتقده سيعرض نفسه للقتل!!‬

‫ومما يدل على ذلك أن احلالج عندما أحضر للقتل والصلب مجعت املتصوفة، وأرتموا على النيل من احلالج وسبه، وكان ممن أحضروا لذلك الشبلي، وضنعوا‬
‫املنديل يف رقبته، وسةبوه إىل احلسني بن منصور احلالج ليلعنه فتأىب من ذلك، فأمره اجلند بأن يذهب بنفسه أو يرسل من يلعن احلالج، فأرسل امرأة متصنوفة،‬
                        ‫وأمرها أن تقول للةالج: إن اهلل قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم احلديد!! (ماسنيون. وانظر نشرات الصوفية).‬

                           ‫وهذه الروايات كلها تدل على أن أفراد الطائفة يف القرن الثالث اهللري كانوا على علم باطين واحد قد تفاوتوا يف إظهاره وإعالنه!!‬

                                                                                                                           ‫(طريق الوصول إىل العلم الباطن):‬

             ‫ً‬
‫ولقد ظن كثري من الناس أن هذا العلم الباطين كان نتيلة للصالح وال تقوى، واملداومة على التسبيح والذكر، فداوم على هذا وسار يف طريقهم زمانا عله يظفر مبا‬
‫يظفرون به، ولكنه مل يصل إىل شيء، من هؤالء من حيدثنا عنه أبو حامد الغزايل يف كتابه اإلحياء يقول (ج0 ص929): "حكي أن شاهداً عظيم القندر منن‬
‫أعيان أهل (بسطام) كان ال يفارق جملس أيب يزيد البسطامي فقال يوماً: أنا منذ ثالثني سنة أصوم الدهر وال أفطر، وأقوم وال أنام، وال أجد يف قليب من هذا العلم‬
                                                                                                                   ‫الذي تذكر شيئاً، وأنا أصدق به وأحبه!‬

‫فقال أبو يزيد: ولو صمت ثالمثائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة!! قال: ومل؟ قال: ألنك حملوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل يل‬
‫حىت أعمله. قال: ال تقبله. قال: فاذكره يل حىت أعمل. قال: اذهب إىل املزين فاحلق رأسك وحليتك، وانز هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق يف عنقك خمنالة‬
‫مملوءة جوزاً، وامجع الصبيان حولك، وقل.. كل من صفعين صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف األسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأننت‬
                                                                                                                                   ‫على ذلك!!‬

‫فقال الرجل: سبةان اهلل، تقول يل مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك.. "سبةان اهلل" شرك!! قال: وكيف؟ قال: ألنك عظمت نفسك، فسبةتها، وما سنبةت‬
                 ‫ربك. فقال: هذا ال أفعله، ولكن دلين على تريه. فقال ابتدئ هبذا قبل كل شيء. فقال: ال أطيقه. فقال: قد قلت لك.. إنك ال تقبل..!."‬

                                     ‫والعليب أن أبا حامد الغزايل يعقب على هذه القصة بقوله: فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو جزاء من اعتل بنظره إىل نفسه.‬

                                                    ‫ر‬
‫فهذا الرجل الصاحل الذي صام دهره وأقام ليله، يرجو الوصول إىل علوم القوم، وما جاءه خاطر، وال م ّ به هاتف، تعلب من هذا وشكا إىل أيب يزيد، فقال له:‬
‫لن تصل إىل شيء ألنك حملوب بنفسك. ومعىن ذلك أنه يرى أنه القائم بالعبادة فريى نفسه عابداً هلل، وعقيدة الصوفية تعتقد أن اهلل قد أقامنك فيهنا، وأننه‬
    ‫ر‬
‫اختارها لك، وتلك إرادته، وال إرادة لك معه، وباملقابل ال بد أن تعتقد أن اهلل قد أقام العصاة يف معاصيهم، والكفرة يف كفرهم، وإبليس يف إتوائه (كما م ّ بنا‬
‫يف كالم احلالج)، وكذلك أيضاً قال أبو يزيد لذلك الرجل عندما قال: سبةان اهلل: سبةان اهلل شرك. مث قال له: كيف؟ قال: ألنك نزهت نفسك عنن فعنل‬
‫السوء، ومل تنزه اهلل ال ذي يفعل السوء ويريده، ويقيم الناس فيه، فقد عظم الرجل نفسه يف عقيدة أيب يزيد وطائفته عندما امتنع عن عمل يقوم اهلل بنه ويرينده‬
                                                                                                                                              ‫وحيبه!!‬

‫وهلذا أمر أبو يزيد البسطامي ذلك الرجل ليصل إىل هذه احلقيقة الصوفية أن يفعل بنفسه ذلك الفعل املرعب، وهبذه الوسيلة اليت تعترب جماهدة يف عرف التصوف‬
                                                                                                                                           ‫ً‬
                                    ‫سيتةقق يقينا هبذا العلم الباطين، وهو أن الكون على هذا النةو مراد هلل سبةانه، ولذلك قالوا: "أقام العباد فيما أراد"!!‬

‫وال شك أن اخلطأ يف فهم قضية القضاء والقدر قد جرت الباليا والفنت على كثري من الناس، والعياذ باهلل، والسبب يف ذلك أهنم مل يستطيعوا أن يفرقوا بني علنم‬
‫اهلل األزيل سبةانه وتعاىل، وما سطره من مقادير الكون وفق هذا العلم، وأنه سبةانه يعلم ما سيكون كيف يكون، وبني االختيار واملشيئة للعبد اليت جعلها الرب‬
                          ‫ً‬                                                                                                      ‫ً‬
‫تبارك وتعاىل أساساً ومناطا للتكليف واحلساب. فللعبد مشيئة خاصة يوقع هبا الفعل الذي يريده، ولكنه ال يوقعه جربًا على اهلل ورتما عنه "وسيأيت لقضية القضاء‬
                                                                                               ‫والقدر رسالة مستقلة إن شاء اهلل أرجو عون اهلل يف إمتامها".‬

‫فالطاعة بتوفيقه وهدايته، واملعصية بإذنه سبةانه ومشيئته، إذ ال يقع يف ملكه إال ما شاء، وهو سبةانه وتعاىل القادر على منع الكافر من الكفر، والفناجر منن‬
‫الفلور، ولكنه االبتالء واالختيار والتكليف: {ولو شاء ربك آلمن من يف األرض كلهم مجيعاً} (يونس:99)، وقد جعل سبةانه وتعاىل اهلداية حقاً عليه ملنن‬
‫جاهد يف سبيلها، قال تعاىل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال: {فأما من أعطى واتقى* وصدق باحلسىن* فسنيسره لليسرى} وجعل سبةانه وتعاىل‬
‫الضالل أيضاً مثرة للسعي يف طريقه، واحليدة عن هدى اهلل. قال تعاىل: {فلما زاتوا أزاغ اهلل قلوهبم} وقال تعاىل: {ونقلب أفئدهتم وأبصارهم كما مل يؤمنوا به‬
                                                                                                                                           ‫أول مرة}.‬

‫وقال عز وجل: {ومن يعش عن ذكر الرمحن نقيض له شيطاناً فهو له قرين} وقال تعاىل: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} إىل آخر اآليات النيت‬
         ‫تدل على أن الرب تبارك وتعاىل ال يعلل الشر ابتداء، ولكنه يعاقب به جزاء، وسبةانه وتعاىل أن يبدأ اإلنسان بالشر، تعاىل ربنا عن ذلك علواً كبرياً.‬

‫فهؤالء مل يفهموا هذه العقيدة ا لشرعية اليت بينها اهلل يف كتابه أمت البيان، وشرحها رسوله صلى اهلل عليه وسلم تاية الشرح. ظنوا -وخابت ظننوهنم- أن الشنر‬
‫واملعاصي والفلور مرادة اهلل تبارك وتعاىل إرادة حب وقبول ورضى، فقالوا ما قالوا، ومل يعلموا أهنا مرادة هلل أن تقع يف ملكه فقط، فليست تفعل من فاعليهنا‬
‫رتماً عن اهلل سبةانه وتعاىل، وعلزاً عن دفعها ومنعها، وحاشاه ربنا سبةانه وتعاىل عن ذلك، ولكنها إرادة وقو ، ومشيئة إذن ومساح، ووراء ذلنك كلنه‬
‫العقوبة ألهلها يف الدنيا واآلخرة، واملذمة واللعنة والطرد واإلبعاد ألهلها، وحاشا اهلل أن ينسب هذا إليه [والشر ليس إليك] (هو جزء من حديث رواه مسلم يف‬
‫(صةيةه-6/92-92 بشرح النووي) وأبو داود (469) وأمحد وتريهم، وأوله: [وجهت وجهي للذي فطر السماوات واألرض حنيفاً..] وهو من أدعينة‬
                                                                                                    ‫استفتاح الصالة املأثور عنه صلى اهلل عليه وسلم).‬

‫أقول إن هؤالء املتصوفة ملا مل يفهموا هذه احلقي قة الشرعية، رأوا أن فعل الكفرة والفلرة موافق للرب يف إرادته وحمبته، وكذلك قال احلالج عن إبليس وفرعون:‬
                 ‫إهنما عرفا احلقيقة، وأهنما قائمان بأمر اهلل يف ذلك، وهلذا ما سلد إبليس، وما آمن فرعون إال بأنه هو اهلل، وهلذا أيضاً ما رجع هو عن قوله.‬

‫والعليب بعد هذا كله أن املتصوفة الذين جرهم سوء الفهم لقضية القضاء والقدر إىل هذه العقيدة الباطلة، واملعتقد السيء، زعموا أهنم وصلوا إىل هذا الفهم عن‬
‫طريق الكشف والعلم اللدين والفيض الرمحاين (العلم اللدين نسبة يف زعمهم إىل قوله تعاىل عن اخلضر: {وعلمناه من لدنا علما} وهو مبعىن الفنيض عنندهم،‬
                                   ‫ويعنون بكل ذلك انفتاح علم الغيب وحقائق الدنيا واآلخرة عليهم!!)، وأن اهلل سبةانه وتعاىل هو الذي أوحى إليهم هبذا.‬

‫وبعد أن قدس املتصوفة األقدمون علمهم الباطن على هذا النةو، وأظهره بعضهم بذلك الوضوح، وجعلوا علم الشريعة املنزلة على رسوله صلى اهلل عليه وسنلم‬
                                                                                                  ‫ً‬                                        ‫ً‬
‫علما خاصاً بالعوام، وجعلوا علمهم الباطين علما خاصاً باخلواص يتلقى رأساً عن اهلل بطريق انكشاف حلاب الغفلة -يف زعمهم- مل يكتف املتأخرون منهم هبذا‬
‫التقسيم، بل تالوا إىل أن جعلوا علوم الشريعة مرحلة فقط لعلمه الباطين، وجزموا بأن من وقف عند علم الشريعة، وتقيد بظاهره فقط فال ينلو من اآلخرة، بل‬
                                                                                                     ‫هو تافل عن دين حممد، شأنه شأن الكافرين.‬

‫يقول الشيخ عبدالغين النابلسي (وهو كما ترجم له صاحب "األعالم" من كبار العلماء املتأخرين، له مصنفات كثرية جداً يف علوم الشريعة والتصنوف واألدب،‬
‫ولد ونشأ يف دمشق، وتويف هبا سنة 9066هن، يقول فيكتابه: "الفتح الرباين والفيض الرمحاين ص996"): "فكل من اشتغل بالعلوم الظاهرة، ومل يعتقد أن وراء‬
‫ما هو سا يف تعلمه من الفقه واحلديث والتفسري حقائق وعلوماً باطنة، رمزها الشار حتت ما أظهر من هذه الرسوم هي مقصودة له، ألهنا املنلينة عنند اهلل‬
‫تعا ىل، فهو تافل عن اهلل تعاىل، جاهل بدين حممد صلى اهلل عليه وسلم، داخل حتت قوله تعاىل: {يعلمون ظاهراً من احلياة الدنيا وهم عن اآلخر هم تنافلون}"‬
                                                                                                                                         ‫أ.هن.‬

‫وقد ساغ يف كالم الشيخ كما ترى أن يستدل باآلية السابقة على أن علوم الشريعة من الفقه واحلديث والتفسري، العلم هبا كالعلم بظاهر احلياة الدنيا. والغفلة هبا‬
                                                                                          ‫عن العلم الباطين كالغفلة بعلوم الدنيا وزخرفها عن حقائق اآلخرة!!.‬
                                                                                                                                 ‫(الذنب عند النابلسي):‬

‫لقد كتب الشيخ عبدالغين النابلسي هذا الكالم يف كتابه الفتح الرباين، وقد قال يف مقدمته: إنه يكتب كتابه هذا مترمجاً عن اإللقاء الرمحاين له مباشرة، وبغنري‬
                                                   ‫وساطة، فهو وحي أو إهلام أو كشف حسب ما يدعيه، قال النابلسي يف تعريف الذنب حسب العلم الباطين:‬

‫" اعلم أن الذنب له حقيقة مىت علمت علم سره، ومىت علم سره علم جهره، وله حال ومقام، وله أقسام، وأنا أتكلم لك اآلن يف ذلك حبسب الوارد ترمجة عنن‬
                                                                                                                           ‫اإللقاء الرمحاين".‬

‫فالنابلسي عندما قرر يف (ص996 من كتابه الفتح الرباين) أن علوم الشريعة ال تنلي وحدها من عذاب اآلخرة، بل ال بد أن يدخل املتعلم إىل احلقائق والعلنوم‬
‫الباطنية اليت ذكرت يف الشريعة بالرمز فقط، ومل ين عليها نصاً؛ وذلك لينلو من عذاب اهلل يوم القيامة، عندما قرر النابلسي كل ذلك فإمنا قرره ترمجنة عنن‬
                                                                                              ‫اإللقاء الرمحاين يف زعمه، ومل يقرر ذلك إجتهاداً ورأياً!!‬

‫ولعلك أخي القارئ حتب أن تقف على مناذج من هذا اإللقاء الرمحاين على الشيخ عبدالغين النابلسي، لتعلم احلقيقة الباطنة اليت أرادها اهلل، وأرادها رسوله صلى‬
‫اهلل عليه وسلم -يف زعم القوم- واليت تكلم اهلل ورسوله عنها بطريق الرمز يف زعمهم، واليت فهمها وعقلها، بل نزل الفيض الرمحاين والفتح الرباين هبا على الشيخ‬
                                                                                                                                    ‫عبدالغين النابلسي!!‬

                                                                                                                      ‫يقول الشيخ يف بيان حقيقة الذنب:‬

‫"وأما الذنب حبسب باطن األمر اإلهلي املسمى احلقيقة فهو: املوافقة للرب سبةانه وتعاىل يف شيء مما أراد بنفسه من نفسه بعد وصول التبليغ عن نفسه بنفسه إىل‬
                                                                                                        ‫نفسه، ويرجع ذلك إىل تعيني وجود العبد" أ.هن.‬

           ‫ل‬
‫(ونفسه) هذه اليت تكررت يف العبارة مخس مرات هي مضمون وحدة الوجود، فاهلل نفسه هو املريد، وما أراد شيئاً بغريه، وإمنا أراد بنفسه، واملبّنغ عننه هنو‬
                               ‫الرسول، وهو اهلل نفسه يف زعمهم، واملبلغ إليهم هم البشر، وهم اهلل نفسه أيضاً -يف زعمهم- تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً.‬

‫وحىت ال يظن القارئ أن تفسريي هذا جتن على الرجل أنقل ن عبارة الشيخ النابلسي يف تفسريه للفقرة السابقة. يقول: "ما مث إال ذات وصنفات، وصنفات‬
‫صفات، وهي األفعال، ومنفعالت وهي العامل فاألول هو املعبود، والثاين املوصل إليه وهو الوساطة، والثالث هو العابد، والرابع هو العائق واملانع، واألول مرتبنة‬
‫اهلل تعاىل، والثاين مرتبة حممد صلى اهلل عليه وسلم، والثالث مرتبة املؤمنني، والراب ع مرتبة الشيطان، وهذه األربعة يف احلقيقة شيء واحد، لكنه تننزل وتفصنل،‬
                                                                                                 ‫فظهرت له هذه األطوار وتعددت وجوداته" (الفتح ص62).‬

‫فهذا شرح واضح لوحدة الوجود اليت ينقلها الشيخ عبدالغين النابلسي عن شيخه األكرب ابن عريب، فليس يف الوجود عندهم إال اهلل، وهذه املوجودات املشناهدة‬
       ‫مجيعها صفاته، تعددت وتنوعت لتعرب عن الصفات الكثرية اليت يتصف هبا الرب يف زعمهم، تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً. وهو حسبنا ونعم الوكيل.‬

‫كالمه إىل‬    ‫فاملعبود والرسول واملؤمنون والشياطني كلهم بن النابلسي شيء واحد، ولذلك فالذنب عند النابلسي هو "املوافقة للرب سبةانه" وهذا راجع بن‬
                                                                                     ‫"تعني وجود العبد". ويشرح النابلسي "تعني الوجود" هذا بقوله:‬

‫فمن تعني عنده وجوده مع اهلل تعاىل ظاهراً أو باطناً فقد أفةش، وبغى وقال ما مل يعلم (كذا!!) وذلك ألن التعينات يف الوجود احلادث إمنا هي لبينان امتيناز‬
‫احملضرات الصفاتية، لتنفصل جممالهتا، وتبني كماالهتا، وليست املغايرة أمراً مقصوراً، وإمنا لزمت من ظهور حقائق بعض الصفات كالغفور واحللنيم واملننتقم‬
                                                                                                                                  ‫بوساطة حتقق الذنب.‬

                                                                      ‫قال اجلنيد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات مسعتها، وأنا مار ببعض الطرقات منها:‬

                                     ‫أجبتين: وجودك ذنب ال يقاس به ذنب‬         ‫وإن قلت: ما ذنيب إلينننننك؟‬

                                                                                                                                        ‫(الفتح ص90)‬

‫فالذنب عند النابلسي مبقتضى كالمه السابق هو أن يظن العبد أن له وجوداً مستقالً عن وجود اهلل!! ومن ظن ذلك فقد أفةش وبغى، وقال ما مل يعلم، واستدل‬
                                                                                                         ‫على ذلك ببيت الشعر الذي مسعه اجلنيد.‬

                                              ‫ويبالغ النابلسي أكثر من ذلك، فيزعم أن حال الذنب هو القرب من اهلل، وليس البعد منه. ولذلك يقول بالن :‬

                                                                                                ‫"فاملذنب يف حال ذنبه أقرب إىل اهلل منه يف حال طاعته"!!‬
                                                                                                                             ‫(الفرق بني الصديق والزنديق):‬

                                                                                  ‫ً‬
‫وقد أوضح النابلسي هذه العقيدة الباطنية أكثر من ذلك عندما عقد فصال مطوالً قارن فيه بني الزنديق والصديق، وكانت خالصة هذا الفصل أن الزنديق من يرى‬
‫أن كفره وفسقه صادر منه فقط، وأنه مستقل هبذا الكفر. وأما الصديق فهو من يرى أن كل أفعال العباد صادرة من اهلل سبةانه -تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً-‬
                                                                                                          ‫ً‬
‫وأن املؤمن والكافر والفاسق والبار ما هم مجيعا إال مظاهر خمتلفة حلقيقة الرب املوجود وحده، واستدل على ذلك بقوله تعاىل: {ما ترى يف خلق الرمحنان منن‬
‫تفاوت} (امللك:9) ، فاملؤمن عنده والكافر من خلق اهلل، وال فرق بني هذا وذاك، ومن عرف هذه احلقيقة فهو الصديق، ومن جهلها وظن أن الكنافر يصننع‬
                                                                                                   ‫كفره، وخيلق فعله، ويستقل بأمر نفسه فهو الزنديق!!.‬

                                ‫وحيسن أن أنقل كالمه يف هذه املسألة بنصه حىت تتضح صورة هذه العقيدة الباطنية وضوحاً ال شك فيه. يقول الشيخ النابلسي:‬

‫" واعلم أن األديان كلها اليت يف العامل بالنسبة إىل املتدينني هبا من اخللق تنقسم إىل قسمني: دين واحد حق وهو اإلسالم، وأديان مجيعها باطلة، وهي ما عدا دين‬
                                                                                                                                              ‫اإلسالم.‬

‫وأما بالنسبة إىل اخلالق سبةانه وتعاىل فلميع األديان الباطلة والصةيةة خملوقة له تعاىل، وهو خالقها، وقد قال تعاىل: {وله أسلم من يف السنماوات واألرض‬
                 ‫طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون} (آل عمران:99)، أي انقادوا إليه طائعني يف حق املؤمنني، ومكروهني، ألنه ال خالق تريه، يف حق الكافرين.‬

‫فمن نظر إىل ما يظهر من كال الفريقني، وقال: إن مجيع ذلك صواب وحق فهو الزنديق، ومن مل ينظر إىل ما يظهر من كال الفريقني، وإمنا نظر إىل يد اهلل العلينا‬
                 ‫اليت فوق أيديهم مجيعاً، واعتقد أن مجيع ما يصدر منها صواب وحق فهو الصديق، والفرق بينهما دقيق. ال يدرك إال بعناية من اهلل تعاىل وتوفيقه.‬

‫فرمبا يظهر الصديق يف حلية الزنديق، ورمبا يظهر الزنديق يف حلية الصديق، وموقع النظر واحد، وهو اخللق. فمن نظر إىل اخللق وقال: إهنم كلهم على الصواب:‬
          ‫فإما أن ينظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القدمي، ويقول ذلك فهو الصديق. وإما أن ينظر إليهم من حيث ذواهتم ويقول ذلك فهو الزنديق.‬

‫وسبب ذلك أن من نظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القدمي، فةكم بالتساوي بينهم، ألن اهلل تعاىل يقول: {ما ترى يف خلق الرمحان منن تفناوت}‬
‫(امللك:9)، (انظر كيف قطع النابلسي هذا املقطع من اآلية عن موضعه، فبدل معناه، وموضعه هكذا: {الذي خلق سبع مساوات طباقا، ما ترى يف خلق الرمحان‬
‫من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور} والتفاوت املقصود هنا هو التفاوت يف خلق السماوات واألرض، ال يف فعل البشر، ألن كل عاقل يعلم أن فعنل‬
‫البشر متفاوت، فكم بني اإلميان والكفر من تفاوت!!) {واهلل خالق كل شيء} (الرعد:96) ، فال يكلف إىل الفرق والتمييز حينئذ، وهو صادق يف حكمه بذلك‬
                                                                                                          ‫التساوي، ألنه مأمور باإلميان بذلك.‬

‫وأما من نظر إليهم من حيث ذواهتم، وما هم عليه من األحوال، فةكمه بالتساوي بينهم خطأ حمض وجهل. قال تعاىل: {أفنلعل املسلمني كاجملرمني* ما لكنم‬
‫كيف حتكمون} (القلم:29و69) وقال تعاىل: { أم جنعل الذين آمنوا وعملوا الصاحلات كاملفسدين يف األرض أم جنعل املتقني كالفلنار} (ص:95). وإمننا‬
‫يكلف إىل الفرق والتمييز حينئذ، وهو كاذب يف حكمه بالتساوي بينهم، قد يشتبه كالم الصديق بالزنديق، والقصد هو الفارق، ويعرف ذلك من كالم آخر يف‬
                                                      ‫موضع آخر كقول الشيخ األكرب حميي الدين بن عريب (رضي اهلل عنه) من أبيات الفتوحات املكية:‬

                                  ‫وأنا اعتقدت مجيع ما اعتقدوه‬                                  ‫عقد الربية يف اإلله عقائداً‬

‫ومراده مجيع ما اعتقدوه من حيث صدور ذلك عن الصانع القدمي، فإن مجيع ذلك آثار دالة عليه تعاىل، ال من حيث صدور ذلك عن املعتقدين ألهنا من حيث هم‬
             ‫دالة عليهم ال عليه، وعقيدة أهل االختصاص فيها الغفلة عن اآلثار، والنظر إىل املؤثر، يعلم ذلك يف مواضع شىت يف كالمه" (الفتح ص29-69).‬

‫وهبذا النقل املطول عن الشيخ النابلسي تتضح أمامنا اآلن صورة ا لعقيدة الباطنية اليت سعى القوم إىل ترسها وبنائها، وأهنا التةقق -يف زعمهم- من أن املوجودات‬
‫ما هي إال مظاهر حلقيقة واحدة هي اهلل، وأن األفعال ال تتفاضل وال تتناقض إال بالنظر إىل اخللق، وأما بالنظر إىل اهلل الفاعل احلقيقي - يف زعمهم- فإمنا هني‬
                                                                                                                        ‫شيء واحد يدل على ذات واحدة.‬

‫وهبذه العقيدة هدموا مجيع األديان، وأبطلوا مجيع الشرائع واستةلوا كل احملرمات، وهذا الذي أقرره هنا ال أقرره أيضاً استنباطاً واجتهاداً، وحتميالً أللفاظ القوم‬
                                                                                                  ‫ما ال حتتمل، فقد مر بك بيت الشعر املنسوب إىل ابن عريب:‬

                                  ‫وأنا اعتقدت مجيع ما اعتقدوه‬                                  ‫عقد الربية يف اإلله عقائداً‬

‫وقد فسره ابن عريب بأن من اعتقد بأن هناك ديناً واحداً حقاً، وبقية األديان باطلة فقد فاته خري كثري، ألنه آمن جبزء من احلقيقة، ومل ير احلقيقة كاملة، وهي أن‬
                                                                        ‫كل هذه األديان اليت ظنها باطلة هي مرادة هلل تبارك وتعاىل، بل هو خالقها وبارئها.‬
‫وأصرح من هذا كله ما وصل إليه الشيخ النابلسي، وهو أن مقام الزهد املشهور يف التصوف ما هو إال مرحلة يف الطريق الصويف، وأما املرحلة النهائية يف فهنو‬
                                                                                   ‫ترك الزهد، واالستمتا باملقسوم على أمت وجه، ويف ذلك يقول الن :‬

‫"وأما بالنظر إىل تري اهلل تعاىل فهو اشتغال الروحانية مبا يرد عليها من أسئلة األكوان السائرة للكون احلق، والستر هو الكفر، وأصةاب هذا االشتغال املذكور هم‬
‫الزهاد الذين يزهدون يف األشياء، فإهنم لوال مالحظتهم لألشياء وادعاؤهم بثبوهتا ما زهدوا فيها، فقد استتر احلق عنهم بزهدهم يف األشياء، فكفروا كفراً خفياً،‬
‫ولو عقلوا ملا زهدوا يف شيء، ألن الذي ليس هلم عدم، فكيف يزهدون يف العدم وهو تري مقدور، والذي هلم ال بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه، ملنا أمكننهم‬
                                                               ‫وعاندوا األقدار فهم مشغولون بزهدهم عن اهلل تعاىل، فمىت يتفرتون له تعاىل؟ وهلل در القائل:‬

                                   ‫فأنت احلق وحدك يف شهودي‬                                        ‫جترد عن مقام النزهد فليب‬

                                   ‫أراه سواك يا سر الوجننود"‬                                  ‫أأزهد يف سواك، وليس شيء‬

                                                                                                                                     ‫(الفتح الرباين ص096).‬

‫فانظر كيف نسب الكفر اخلفي إىل الزهاد، ألهنم اشتغلوا بزهدهم يف األشياء، ألن الذي ليس هلم عدم، أي أن ما قدر هلم ال بد أن يكون. ولذلك يقول: "والذي‬
                                                                                                   ‫هلم ال بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه ملا أمكنهم".‬

                                                                            ‫ولذلك رآهم النابلسي معارضني لألقدار، مشغولني بزهدهم عن اهلل تبارك وتعاىل..‬

‫أحب أن أكرر هنا أن النابلسي ليس رجالً مغموراً جاهالً، بل هو مقدم عند القوم، مستشهد بأقواله عند اجلميع وبعضهم يعتذر عن مثل مقاالته هذه بأنه منن‬
                                                                                   ‫الشطح، والشطح مغفور هلؤالء، ألن ذلك من تلبة وجدهم وحبهم ملوالهم.‬

‫وأقول: إذا كان مث شطح مغفور عند اهلل، معذور صاحبه، فهو أن تصدر كلمة أو مجلة يف تلبة حال كما يقولون. أما أن يؤلف رجل مئيت كتاب، كلها علنى‬
 ‫هذا النةو، وذلك يستغرق آالف الساعات واأليام، فكيف يكون الت أليف والتةقيق شطةاً وسكراً؟ فافهم أخي املسلم هذه احلقيقة فإهنا سهم قاتل هلذا الباطل.‬

‫وبعد هذا االستطراد أعود إىل السياق األصلي، وهو أن القوم يف هناية مطافهم وصلوا إىل هدم األديان، والتسوية بني الكفر واإلميان، بل وجعل مرتبة الزهد النيت‬
                                                                                                        ‫ً‬
                                                        ‫هي بداية للطريق الصويف، ومرحلة من مراحله شركا خفياً باهلل، ألن ذلك تيبة بالزهد عن اهلل تعاىل.‬

‫ولعل ظاناً يظن أن هذه العقيدة الباطنية اليت وصل إليها كانت عقيدة نظرية فقط، ومل يكن هلا واقع عملي يف حياة القوم، وهذا الظن ساذج ومنريض، بنل إن‬
‫القوم قد مارسوا هذه العقيدة الباطنية ممارس ة واقعية، وقد جاءت ممارستهم الواقعية هلذه العقيدة شيئاً صارخاً ال يكاد العقل يصدق به. ولكن ماذا نفعل واحلقيقة‬
                                                                                                                              ‫قد أصبةت أكرب من اخليال.‬


                                                                        ‫الفصل السابع‬

                                                               ‫احلقيقة احملمدية يف الفكر الصويف‬

‫يستةيل علينا أن نفهم ما يريده املتصوفة بقوهلم (احلقيقة احملمدية) إال مبعرفة عقيدهتم يف اهلل. فالنظرية الصوفية الفلسفية قد وصلت يف هناية القرن الثالث إىل القول‬
‫بأن اهلل هو هذا الوجود القائم املتلدد املتغري فهو السماوات واألرض والعرش والكرسي واملالئكة واإلنسان واحليوان والنبات وهو األزل واألبد -تعاىل اهلل عما‬
‫يقولون علواً كبرياً- وإن كانت عباراهتم ختتلف أحياناً فمرة يقولون: هو الروح الساري يف املوجودات ويشبهون هذا السريان بأنه كرائةة النورد يف النورد.‬
‫ووجود الروح يف اجلسم احلي. وتارة يقولون نفس وجود املوجودات هو وجود اهلل فليس عناك اثنان يف الوجود خالق وخملوق بل املخلوق هو عنني اخلنالق،‬
‫واخلالق هو نفس املخلوق، اعتقد بذلك ونشره يف الناس كبار الصوفية من أهل الزندقة واإلحلاد كابن عريب، واحلالج، واجليلي، وابنن سنبعني، ومنن علنى‬
‫شاكلتهم، وهؤالء الصوفية أنكروا يف كتبهم على من يشهد بأن اهلل سبةانه وتعاىل هو اإلله القائم بنفسه املستوي على عرشه البائن من خلقه والذي هو معتقد‬
           ‫ط‬
‫املسلمني يف رهبم سبةانه وتعاىل. وقد كان هذا املعتقد أيضاً هو معتقد بعض من نسب إىل التصوف ولذلك شدد ابن عريب عليهم النكري أيضاً وخ ّأهم ونسبهم‬
‫إىل القصور وعدم الفهم (اقرأ كتاب ابن عريب التلليات الذي يزعم فيه أنه التقى برجال التصوف السابقني يف الربزخ وناقشهم يف عقائدهم هذه يف التوحيد وبني‬
‫هلم خطأهم وعرفهم يف النهاية أن ال موجود إال اهلل، وأن اهلل والعبد شيء واحد، وأهنم أقروا مجيعاً بذلك وكل ذلك يف كتاب التلليات). واملهنم أن هنؤالء‬
‫املتصوفة الذين نقلوا عقيدة وحدة الوجود عن الفلسفة األفال طونية واعتقدوها وجعلوها هي احلقيقة الصوفية وسر األسرار وهي معتقد أهل اإلسالم يف زعمهم،‬
‫نقلوا ما قاله هؤالء الفالسفة يف نظرياهتم يف بدء اخللق فقد قال الفالسفة األقدمون "إن أول شيء بدأ يف اخللق هو اهلباء (أي الذرات) وإن أول موجود وجد هو‬
                                ‫العقل األول ومسوه (العقل الفعال)، وأنه عن هذا العقل األول نشأ العامل العلوي السماوات والكواكب مث العامل السفلي.. اخل.‬
‫هذه النظرية الفلسفية القدمية جاء ابن عريب ونقلها هي نفسها إىل الفكر الصويف ولكنه استبدل بدالً من العقل الفعال عند الفالسفة ما أمساه هو احلقيقة احملمدينة‬
‫فزعم أن أول اخللق كان هباء، -كالم الفالسفة نفسه- وأن أول موجود هو "احلقيقة احملمدية" اليت زعم ابن عريب أهنا أول املوجودات وعلى حند تعنبريه أول‬
‫التعينات -أي أول عني تشكلت وتصورت من الذرات- يتطاول ابن عريب ويقول إن هذه (احلقيقة احملمدية) هي اليت استوت على العرش اإلهلي. فيلعنل منا‬
‫حدثنا اهلل سبةانه وتعاىل به عن نفسه من أنه خالق اخللق، وأنه املستوي على العرش.. يلوي ابن عريب كل ذلك ويلبس على املسلمني وينقل هلم كالم الفالسفة‬
‫امللةدين يف أسلوب جديد بغطاء إسالمي وآيات قرآنية فيقول إن ذات حممد هي أول ذات تكونت من اهلباء وهي اليت استوت على العرش اإلهلي. ومن نور هذه‬
‫الذات خلق اهلل اخللق مجيعاً بعد ذلك فاملالئكة والسماوات واألرض كل ذلك قد خلق من نور الذات األوىل وهي الذات احملمدية عند ابن عريب، والعقل الفعال‬
‫يف الفكر الفلسفي، وهكذا استطا ابن عريب أن ينقل ترهات الفالسفة وختيالهتم املريضة إىل دنيا املسلمني وعقائدهم بل جعل هذه العقيدة اإلحلادية هي العقيدة‬
‫األساسية اليت قام الفكر الصويف كله بعد ذلك عليها، فإذا علمنا ماذا يعنيه املتصوفة املتفلسفون بوحدة الوجود وأن اهلل عندهم ليس ذاتاً يراها املؤمنون يف اآلخرة‬
                                                           ‫َ‬
‫وتستوي على العرش، وإمنا ه و نفس الوجود بكل درجاته وتناقضاته، فاهلل عندهم هو عني وجود امللَك والشيطان واإلنس واجلان، واحليوان والنبات، أقنول إذا‬
‫علمنا بعد ذلك ماذا يريد املتصوفة من قوهلم باحلقيقة احملمدية املستوية على العرش وجعل النيب حممداً صلى اهلل عليه وسلم هو املخلوق األول قبل األكوان مجيعاً‬
 ‫وهو الذي استوى على العرش ومن نور النيب صلى اهلل عليه وسلم خلق اهلل مجيع األكوان بعد ذلك السماوات واألرض واملالئكنة واإلننس واجلنن وسنائر‬
 ‫املخلوقات. فأصبةت احلقيقة احملمدية -يف زعمه- الصورة الكاملة املتلسدة للذات اإلهلية اليت ال ترى بذاهتا، وال تنفصل عن هذا الوجود.. فالنيب حممد صنلى‬
 ‫اهلل عليه وسلم عند ابن عريب ومشايخ التصوف الذين جاؤوا من بعده هو اهلل املتللي على العرش. أو -قل- هو صورة اهلل املصغرة وهو الذي منه استمدت كل‬
‫املوجودات وجوداهتا وانفلقت عنه كل األنوار وكل األكوان وكل املوجودات.. وهو يعين أن حممداً صلى اهلل عليه وسلم هو البذرة األوىل لكل موجود فكأننه‬
‫بذرة لشلرة كان منها بعد ذلك الساق والفرو واألوراق والثمار واألشواك، فهكذا بدأ الوجود مبةمد صلى اهلل عليه وسلم مث خلق من نوره العرش والكرسي‬
‫والسماوات واألرض وآدم وذريته وتفر اخللق وتدرج بعد ذلك من املخلوقات اليت خلقت من نور النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم، فاملوجودات كلها يف عقيدة‬
‫التصوف شيء واحد متفر عن أصل واحد أو قل شلرة متفرعة عن بذرة واحدة. وإليك اآلن نصوص عبارات هؤالء املالحدة الكنافرين يف هنذه العقيندة‬
                                                                                                                                ‫الكفرية الزندقية:‬

‫قال القاشاين شارح فصوص احلكم البن عريب: " إن حممداً أول التعينات اليت عني به الذات األحدية قبل كل تعني فظهر به ما ال هناية من التعينات، فهو يشنمل‬
‫مجع التعينات. فهو واحد فرد يف الوجود ال نظري له: إذ ال يتعني من يساويه يف املرتبة، وليس فوقه إال الذات األحدية املطلقة املنزهة عن كل تعني وصفة واسنم‬
                                                                                                                                           ‫د‬
‫ورسم وح ّ ونعت، فله الفردية املطلقة، ومن هذا يعلم أن االسم األعظم ال يكون إال له دون تريه من األنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله: (كنت نبياً وآدم بنني‬
‫املاء والطني) كونه خامت النبيني وأول األولني وآخر اآلخرين، ومن أوليته ومجعيته سر قوله: (أوتيت جوامع الكلم) وكونه أفضل األنبياء فإهنم يف التصاعد وسعة‬
‫االستعداد واملرتبة ينتهون إىل التعني األول وال يبلغونه، والتعني األول هو حممد الذي يرجع إليه مجيع التعينات فهو الربزخ بني النذات األحدينة وبنني سنائر‬
                                                                                           ‫املوجودات" (شرح القاشاين على الفصوص ص 965،665).‬

‫ومعىن أ ول التعينات أي أول موجود معني له ذات وجسمه وقبله مل يكن هناك أي ذات ال عرش وال كرسي وال مساوات وال أرض. وقول القاشناين شنارح‬
‫الفصوص ( وليس فوقه إال الذات األحدية املطلقة املنزهة عن كل تعني وصفة واسم ورسم وحد ونعت.. اخل) يعين أنه ليس فوق مرتبة الرسول شيء إال النذات‬
‫اإلهلية اليت ال توصف بأي صفة بتاتاً ألن ذات اهلل عنده مطلقة عن كل قيد -يف زعمه- منزهة عن أن تكون ذاتاً معينة حمدودة مثالً كأن يقول هلل وجه أو يد أو‬
‫ساق، أو استوى على العرش، أو يأيت يوم القيامة ألن الذات اإلهلية يف العقيدة الصوفية هي املطلقة عن كل هذه القيود ألهنا كل املوجودات. ويشرح ابن عنريب‬
‫نفسه عقيدته هذه بقوله: " بدء اخللق اهلباء وأول موجود فيه احلقيقة احملمدية الرمحانية املوصوفة باالستواء على العرش الرمحاين وهو العرش اإلهلي" (الفتوحنات‬
                                                                                                                                   ‫املكية ج6 ص526).‬

‫فاخللق يف زعمه بدأ باهلباء أي الذرات وأول موجود وجد بذات قائمة حمدودة هي ذات الرسول اليت مساها احلقيقة احملمدية الرمحانية املوصوفة باالسنتواء علنى‬
                                                                                                                ‫العرش الرمحاين وهو العرش اإلهلي.‬

‫وجاء بعد ابن عريب من شرح هذه العقيدة واستفاض فيها، قال أمحد بن مبارك السللماسي يف كتابه األبريز فيما يرويه عن شيخه عبدالعزيز الدباغ: "(ومسعته)‬
‫رضي اهلل عنه يقول يف قوله وانفلقت األنوار أن أول ما خلق اهلل تعاىل نور سيدنا حممد صلى اهلل عليه وسلم مث خلق منه القلم واحللب السبعني ومالئكتنها مث‬
‫خلق اللوح مث قبل كماله وانعقاده خلق العرش واألرواح واجلنة والربزخ أما العرش فإنه خلقه تعاىل من نور وخلق ذلك النور من النور املكرم نور نبينا وموالننا‬
‫حممد صلى اهلل عليه وسلم وخلقه أي العرش ياقوتة عظيمة ال يقاس قدرها وعظمها وخلق يف وسط هذه الياقوتة جوهرة فصار جممو الياقوتة واجلوهرة كبيضة‬
‫بياضها هو الياقوتة وصفارها هو اجلوهرة مث إن اهلل تعاىل أمد تلك اجلوهرة وسقاها بنوره صلى اهلل عليه وسلم فلعل خيرق الياقوتة ويسقي اجلوهرة فسقاها مرة‬
‫مث مرة مث مرة إىل أن انتهى إىل سبع مرات فسالت اجلوهرة بإذن اهلل تعاىل فرجعت ماء ونزلت إىل أسفل الياقوتة اليت هي العرش مث إن النور املكرم النذي خلنق‬
‫العرش إىل اجلوهرة اليت سا لت ماء مل يرجع فخلق اهلل منه مالئكة مثانية وهم محلة العرش فخلقهم من صفائه وخلق من ثقله الريح وله قوة وجهد عظيم فأمرهنا‬
‫تعاىل أن تنزل حتت املاء فسكنت حتته فةملته مث جعلت ختدم وجعل الربد يقوى يف املاء فأراد املاء أن يرجع إىل أصله وجيمد فلم تدعه الرياح بل جعلت تكسنر‬
‫شقوقه اليت جتمد وجعلت تلك الشقوق تتعفن ويدخلها الثقل والنتونة وشقوق تزيد على شقوق مث جعلت تكرب وتتسع وذهبت إىل جهات سبع وأماكن سنبع‬
‫فخلق اهلل منه األرضني السبع ودخل املاء بينها والبةور وجعل الضباب يتصاعد من املاء لقوة جهد الريح مث جعل يتراكم فخلق اهلل منه السنماوات السنبع مث‬
‫جعلت الريح ختدم خدمة عظيمة على عادهتا أوالً وآخراً فلعلت النار تزيد يف اهلواء من قوة حرق الريح للماء واهلواء وكلما زندت نار أخذهتا املالئكة وذهبت‬
‫هبا إىل حمل جهنم اليوم فذلك أصل جهنم فالشقوق اليت تكونت منها األرضون تركوها على حاهلا و الضباب اليت تكونت منه السماوات تركوه على حاله والنار‬
‫اليت زندت يف اهلواء أخذوها ونقلوها إىل حمل آخر ألهنم لو تركوها ألكلت الشقوق اليت منها األرضون السبع والضباب الذي منه السماوات السبع بل وتأكنل‬
‫املاء وتشربه بالكلية لقوة جهد الريح مث إن اهلل تعاىل خلق مالئكة األرضني من نوره صلى اهلل عليه وسلم وأمرهم أن يعبدوه عليها وخلق مالئكة السماوات منن‬
                                                         ‫ً‬
‫نوره صلى اهلل عليه وسلم وأمرهم أن يعبدوه عليها، وأما األرواح واجلنة إال مواضع منها فإهنا أيضا خلقت من نور وخلق ذلك النور من نوره صنلى اهلل علينه‬
‫وسلم، وأما الربزخ فنصفه األعلى من نوره صلى اهلل عليه وسلم فخرج من هذا أن القلم واللوح ونصف الربزخ واحللب السبعني ومجيع مالئكتها ومجيع مالئكة‬
‫السماوات واألرضني كلها خلقت من نوره صلى اهلل عليه وسلم بال وساطة وأن العرش واملاء واجلنة واألرواح خلقت من نور خلق من نوره صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                                                                                      ‫ً‬
‫مث بعد هذا فلهذه املخلوقات أيضا سقي من نوره صلى اهلل عليه وسلم أما القلم فإنه سقي سبع مرات سقياً عظيماً وهو أعظم املخلوقات حبيث إنه لنو كشنف‬
‫نوره جلرم األرض لتدكدكت وصارت رميماً وكذا املاء فإنه سقي سبع مرات ولكن ليس كسقي القلم وأما احللب السبعون فإهنا يف سقي دائم وأما العرش فإنه‬
‫سقي مرتني مرة يف بدء خلقه ومرة عند متام خلقه لتستمسك ذاته وكذا اجلنة فإهنا سقيت مرتني مرة يف بدء خلقها ومرة بعد متام خلقها لتستمسك ذاهتا وأمنا‬
‫األنبياء عليهم الصالة والسالم وكذا سائر املؤمنني من األمم السابقة ومن هذه األمة فإهنم سقوا مثاين مرات األوىل يف عامل األرواح حني خلق اهلل ننور األرواح‬
‫مجلة فسقاه الثانية حني جعل يصور منه األرواح فعند تصور كل روح سقاها بنوره صلى اهلل عليه وسلم. الثالثة يوم ألست بربكم فإن كل من أجاب هلل تعناىل‬
                            ‫ً‬
‫من أرواح املؤمنني واألنبياء عليهم الصالة والسالم سقي من نوره صلى اهلل عليه وسلم لكن منهم من سقي كثرياً ومنهم من سقي قليال فمن هنا وقع التفاوت بني‬
‫املؤمنني حىت كان منهم أولياء وتريهم. وأما أرواح الكفار فإهنا كرهت شرب ذلك النور وامتنعت منه فلما رأت ما وقع لألرواح اليت شربت منه من السنعادة‬
‫األبدية واإلرتقاآت السرمدية ندمت وطلبت سقيا فسقيت من الظالم والعياذ باهلل. الرابعة عند تصويره يف بطن أمه وتركيب مفاصله وشق بصره فإن ذاته تسقى‬
‫من النور الكرمي لتلني مفاصله وتنفتح أمساعها وأبصارها ولوال ذلك ما النت مفاصلها. اخلامسة عند خروجه من بطن أمه فإنه يسقى من النور الكرمي ليلهم األكل‬
‫من فمه ولوال ذلك ما أكل من فمه أبداً. السادسة عند التقامه ثدي أمه يف أول وضعه فإنه يسقى من النور الكرمي أيضاً. السابعة عند نفخ الروح فيه فإنه لنوال‬
‫سقي الذات بالنور الكرمي ما دخلت فيها الروح أبداً مع ذلك فال تدخل فيها إال بكلفة عظيمة وتعب حيصل للمالئكة معها ولوال أمر اهلل هلا ومعرفتها به ما قدر‬
                                                                                   ‫ملك على إدخاهلا بالذات". انتهى. منه بلفظه (األبريز ص255،055).‬

‫وهذا اهلذيان الكامل، والتخريف الكامل شرح لعقيدة الصوفية فيما يسمونه باحلقيقة احملمدية، وأهنا الذات األوىل اليت انطلقت منها بعد ذلنك كنل النذوات‬
                                                                                                                        ‫والكائنات واملوجودات.‬

                                                                                                                             ‫ً‬
                                                                    ‫ويستطرد أمحد مبارك شارحا عقيدة الصوفية فيما يسمونه باحلقيقة احملمدية فيقول أيضاً:‬

‫"(ومسعته) رضي اهلل عنه يقول مرة أخرى إن األنبياء عليهم الصالة والسالم وإن سقوا من نوره مل يشربوه بتمامه بل كل واحد يشرب منه ما يناسبه وكتب لنه‬
                                                         ‫ً‬
‫فإن النور املكرم ذو ألوان كثرية وأحوال عديدة وأقسام كثرية فكل واحد شرب لوناً خاصاً ونوعا خاصاً، قال رضي اهلل عنه: فسيدنا عيسى صلى اهلل عليه وسلم‬
‫شرب من النور املكرم فةصل له مقام الغربة، وهو مقام حيمل صاحبه على السياحة، وعدم القرار يف موضع واحد. وسيدنا إبراهيم صلى اهلل عليه وسلم شنرب‬
‫من النور املكرم فةصل له مقام الرمحة والتواضع مع املشاهدة الكاملة؛ فتراه إذا تكلم مع أحد خياطبه بلني، ويكلمه بتواضع عظيم، فيظن املتكلم أنه يتواضع لنه‬
‫وهو إمنا يتواضع هلل عز وجل لقوة مشاهدته. وسيدنا موسى صلى اهلل عليه وسلم شرب من النور املكرم فةصل له مقام مشاهدة احلق سبةانه يف نعمه وخرياته‬
                                   ‫وعطاياه اليت ال يقدر قدرها. وهكذا سائر األنبياء عليهم الصالة والسالم واملالئكة الكرام واهلل أعلم" (األبريز ص655).‬

                                                                                                                                        ‫ويقول كذلك:‬

‫"(ومسعته) -أي شيخه عبدالعزيز الدباغ- رضي اهلل عنه يقول إين مل أزل أتعلب من الوايل الذي يقول إنه ميأل الكون وذلك ألن للكون باباً منه يقع الدخول إليه‬
‫وهو النيب صلى اهلل عليه وسلم وال يطيق خملوق من املخلوقات أي حيمل نوره صلى اهلل عليه وسلم ومن علز عن الباب فكيف يطيق تريه اللهم إال أن يكنون‬
‫دخل من تري باب؛ يعين فيكون فتةه شيطانياً ظلمانياً، وهذا ال ميأل بيته فضالً عن داره فضالً عن شيء آخر. قال رضي اهلل عنه واعلم أن أنوار املكونات كلنها‬
                                                       ‫ً‬
‫من عرش وفرش ومساوات وأرضني وجنات وحلب وما فوقها وما حتتها إذا مجعت كلها وجدت بعضا من نور النيب صلى اهلل عليه وسلم وأن جممو نوره صلى‬
‫اهلل عليه وسلم لو وضع على العر ش لذاب ولو وضع على احللب السبعني اليت فوق العرش لتهافتت ولو مجعت املخلوقات كلها ووضع عليه ذلك النور العظنيم‬
‫لتهافتت وتساقطت وإذا كان هذا شأن نوره صلى اهلل عليه وسلم فكيف يقول من يقول إنه ميأل الكون، فأين تكون ذاته إذا بلغت املدينة املنورة، وقربنت منن‬
‫القرب الشريف. أم كيف تكون إذا تصاعدت حنو الربزخ وقربت من املوضع الذي فيه النور العظيم القائم بالروح الشريفة؟ أفتكون ذاته حاملة له واملخلوقنات‬
‫جبملتها عاجزة عنه أم يتخطى ذلك املوضع فلم ميأل الكون؟ والغرض أن املوضع املذكور آخذ من القرب الشريف إىل قبة الربزخ حتت العرش ولعله أراد بالكون ما‬
‫بني السماء واألرض ما عدا موضع الربزخ الذي فيه نور املعظم فقلت ولعله أنه ميلؤه من حيث النور أي ميلؤه بنوره ال بذاته كالشمس النيت سنطعت علنى‬
‫السماوات واألرض. فقال رضي اهلل عنه وما مراده إال أنه ميلؤه بنوره وال يريد أنه ميلؤه بذاته. ولكن أين نوره من نور املصطفى صلى اهلل عليه وسلم فإن ذلنك‬
‫النور من النور املكرم مبنزلة الفتيلة يف وسط النهار وقت الظهرية. وهل يصح أن يقال إن تلك الفتيلة كسفت نور الشمس؟ فقلت ونور الشمس من النور املكرم‬
‫مبنزلة الفتيلة فما باله مأل األكوان؟ فقال رضي اهلل عنه: مل ميأل األكوان مبعىن أن النور املكرم ذهب بسببه واضمةل فكيف ونور الشمس إمنا هو من ننور أرواح‬
‫املؤمنني الذي هو من نوره صلى اهلل عليه وسلم وإمنا سبب ذلك أنا حلبنا عن مشاهدة النور املكرم كما حلبنا عن مشاهدة أنوار األولياء فلو كشف احللاب‬
       ‫لكانت له أنوار من النور املكرم مبنزلة الفتائل وسط النهار ومل يظهر للشمس وال لغريها نوراً إال كما يظهر للفتائل وسط النهار" (األبريز ص495). أ.هن‬

                                                              ‫ويقول أيضاً يف شرح قول الشاذيل (اللهم صل على من منه انشقت األسرار وانفلقت األنوار).‬

‫"* ( الباب السابع يف تفسريه رضي اهلل عنه لبعض ما أشكل علينا من كالم األشياخ رضي اهلل عنهم) فمن ذلك أنه شرح لنا رضي اهلل عنه بعض األلفناظ منن‬
‫صالة القطب الكامل الوارث الواصل موالنا عبدالسالم بن مشيش رضي اهلل عنه فسمعته رضي اهلل عنه يقول يف شرح قوله (اللهم صل على من مننه انشنقت‬
‫األسرار) حاكياً عن سيد حممد بن عبدالكرمي ال بصراوي رضي اهلل عنه أن اهلل تعاىل ملا أراد إخراج بركات األرض وأسرارها مثل ما فيها منن العينون واآلبنار‬
‫واألهنار واألشلار والثمار واألزهار أرسل سبعني ألف ملك إىل سبعني ألف ملك إىل سبعني ألف ملك ثالث سبعينات من األلوف فنزلوا يطوفنون يف األرض؛‬
‫فالسبعون األوىل يذكرون اسم النيب صلى اهلل عليه وسلم ومرادنا باالسم االسم العايل ما يأيت يف شرح وتنزلت علوم آدم. والسبعون الثانية يذكرون قربه صلى اهلل‬
‫عليه وسلم من ربه عز وجل ومنزلته صلى اهلل عليه وسلم منه. والسبعون الثالثة تصلي عليه صلى اهلل عليه وسلم ونوره صلى اهلل عليه وسلم مع الطوائف الثالث‬
‫فتكونت الكائنات بربكة ذكر امسه صلى اهلل عليه وسلم وحضوره بينها ومشاهدهتا قربه صلى اهلل عليه وسلم من ربه عز وجل قنال وذكنروه علنى األرض‬
‫فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فالنت بإذن اهلل تعاىل وعلى مواضع عينيه ففتةت باألنوار اليت فيها فهذا معىن قوله منه انشقت‬
‫األسرار. فقلت: فهذا معىن دالئل اخلريات وباالسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار وعلى السماوات فاستقلت وعلى األرض فاستقرت وعلى‬
‫اجلبال فرست وعلى البةار ففلرت وعلى العيون فنبعت وعلى السةاب فأمطرت. فقال رضي اهلل عنه: نعم ذلك االسم هو اسم نبينا وموالنا حممد صنلى اهلل‬
‫عليه وسلم فبربكته تكونت الكائنات واهلل أعلم. قلت وقد سبق كالم سيدي أمحد بن عبداهلل الغوث رضي اهلل عنه وقوله ملريده يا ولدي لوال نور سيدنا حممند‬
‫صلى اهلل عليه وسلم ما ظهر سر من أسرار األرض؛ فلوال هو م ا تفلرت عني من العيون وال جرى هنر من األهنار، وإن نوره صلى اهلل عليه وسلم يا ولدي يفوح‬
‫يف شهر مارس ثالث مرات على سائر احلبوب فيقع هلا اإلمثار بربكته صلى اهلل عليه وسلم ولوال نوره صلى اهلل عليه وسلم ما أمثرت، ويا ولدي إن أقل النناس‬
‫إمياناً من يرى إميانه على ذاته مثل اجلبل وأعظم منه فأحرى تريه، وأن الذات تكل أحياناً عن محل اإلميان فتريد أن ترميه فيفوح نور النيب صلى اهلل عليه وسنلم‬
                                                                      ‫عليها فيكون معيناً هلا على محل اإلميان فتستةيله وتستطيبه" (األبريز ص 555). أهن.‬

                                                                                                                     ‫وصالة ابن مشيش هذه يقول فيها:‬

‫"اللهم صل على من منه ا نشقت األسرار، وانفلقت األنوار، وفيه ارتقت احلقائق وتنزلت علوم آدم بأعلز اخلالئق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سنابق وال‬
‫الحق، فرياض امللكوت بزهر مجاله مونقة، ووحياض اجلربوت بفيض أنواره متدفقة، وال شيء إال هو به منوط، إذ لوال الواسطة لذهب كما قينل املوسنوط"‬
                                                                                                                       ‫(أذكار الطريقة الشاذلية).‬

‫واحلق أن هذه العبارات يف وصف (احلقيقة احملمدية) حسب املفهوم الصويف الفلسفي، قد خيتلف بعضها عن بعض قليالً ولكنها مجيعها جممعة على شيء واحند‬
‫وهو أن الرسول هو أول موجود فمنهم من يقول نور الرسول هو أول موجود، ومنهم من يقول بل وأيضاً ذاته النورانية املستوية علنى العنرش، وأن وجنوده‬
‫البشري يف وقته إمنا كان جمرد تعيني جديد، وجتسد جديد لذات الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وبعض الصوفية أيضاً جيعل عني الرسول وذاته هي عني اهلل وذاته،‬
‫وأنه ليس هناك حقيقة إهلية تري احلقيقة احملمدية ومن ذهب إىل ذلك عبدالكرمي اجليلي وتريه، وبعضهم يفرق بني الذات اإلهلية اليت ليس هلا تعني ذايت ووجنود‬
‫منفصل عن اخلالئق بل هي كل املوجودات بل هي يف زعمهم الروح اخلفي الساري يف املوجودات. وأن هذه الذات اإلهلية خلقنت الننيب حممنداً أوالً قبنل‬
‫املخلوقات مجيعاً مث خلقت املخلوقات بعد ذلك من نور ذات الرسول، وأن ذات الرسول هي املستوية على العرش الرمحاين كما قال ابن عريب. ومنهم وال سيما‬
‫املتأخرون جيعل ذات الرسول واحلقيقة احملمدية هي عني احلقيقة اإلهلية، وجيعلون الرسول بصورته البشرية صورة كاملة أو هو أكمل صورة للةقيقنة اإلهلينة.‬
‫وجيعلون كذلك الصورة البشرية احملمدية هي إحدى الصور املمكنة للرسول، ويعتقدون أنه يتشكل كثريًا يف أي صورة يشاء وهذا ن عبارة عبدالكرمي اجليلي يف‬
                                                                                                                          ‫ذلك قال يف الباب الستني:‬

‫" اعلم حفظك اهلل أن اإلنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفالك الوجود من أوله إىل آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إىل أبد اآلبدين، مث له تنو يف‬
‫مالبس ويظهر يف كنائس (اإلنسان الكامل للليلي) ، فيسمى به باعتبار لباس، وال يسمى به باعتبار لباس آخر، فامسه األصلي الذي هو له حممد، وكنيتنه أبنو‬
‫القاسم، ووصفه عبداهلل، ولقبه مشس الدين، مث له باعتبار مالبس أخر أسام، وله يف كل زمان اسم ما يليق بلباسه يف ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى اهلل عليه‬
‫وسلم وهو يف صورة شيخي الشيخ شرف الدين امساعيل اجلربيت، ولست أعلم أنه النيب صلى اهلل عليه وسلم، وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من مجلنة مشناهد‬
‫شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعني وسبعمائة، وسر هذا األمر متكنه صلى اهلل عليه وسلم من التصور بكل صورة، فاألديب إذا رآه يف الصورة احملمدية اليت كان‬
‫عليها يف حياته فإنه يسميه بامسه، وإذا رآه يف صورة ما من الصور وعلم أنه حممد، فال يسميه تلك الصورة، مث ال يوقع ذلك االسم إال على احلقيقة احملمدية. أال‬
‫تراه صلى اهلل عليه وسلم ملا ظهر يف صورة الشبلي رضي اهلل عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أين رسول اهلل وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك‬
‫رسول اهلل، وهذا أمر منكور، وهو كما يرى النائم فالناً يف صورة فالن وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به يف اليقظة ما يسوغ به يف النوم ولكن بني الكشنف‬
‫والنوم فرقاً، وهو أن الصورة اليت يرى فيها حممد صلى اهلل عليه وسلم يف النوم ال يوقع امسها يف اليقظة على احلقيقة احملمدية، ألن عامل املثال يقع يف التعبري فينه‬
‫فيعرب عن احلقيقة احملمدية إىل حقيقة تلك الصورة يف اليقظة، خبالف الكشف فإنه إذا كشف لك عن احلقيقة احملمدية أهنا متللية يف صورة من صور اآلدمنيني،‬
‫فيلزمك إيقا اسم تلك الصورة على احلقيقة احملمدية، وجيب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع حممد صلى اهلل عليه وسلم، ملا أعطاك الكشف‬
‫أن حممداً متصور بتلك الصورة، فال جيوز لك بعد شهود حممد صلى اهلل عليه وسلم فيها أن تعاملها مبا كنت تعاملها به من قبل، مث إياك أن تتوهم شيئاً يف قنويل‬
‫من مذهب التناسخ، حاشا اهلل وحاشا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن يكون ذلك مرادي، بل إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم له من التمكني يف التصنور‬
‫بكل صورة حىت يتللى يف هذه الصورة ، وقد جرت سنته صلى اهلل عليه وسلم أنه ال يزال يتصور يف كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأهنم ويقيم مَيَالَنهُم فهم‬
                                                                                                             ‫خلفاؤه يف الظاهر وهو يف الباطن حقيقتهم". أ.هن‬

‫وأظن أنه قد وضح اآلن حقيقة املعتقد الصويف الفلسفي يف النيب صلى اهلل عليه وسلم وحىت تتضح الصورة أمامنا أكثر من ذلك جنمل ما قدمناه فيما يلي، فنقول..‬
                                                                                  ‫معتقد املتصوفة يف النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم على ثالث درجات:‬

‫6- من يقولون بوحدة الوجود، وأن اهلل هو ذات املوجودات فيلعلون الرسول هو املخلوق األول ومنه وعنه صدرت املوجودات مجيعاً وهو اإلله املستوي على‬
                                                                                               ‫العرش وهذا هو معتقد ابن عريب ومن على شاكلته.‬

                                                            ‫ً‬
             ‫5- من يقولون إن نور الرسول هو أول موجود فعالً ومنه انشقت األنوار وخلق اخللق مجيعا لكن ال يقولون بأن ذات الرسول مستوية على العرش.‬

                              ‫ا‬
‫9- من يقولون بأن نور الرسول أول موجود وهو أكرم الخلق ومن أجله خلق اهلل الكون جميعً دون أن يصرحوا بأن العوالم قاد‬
                                                                                                        ‫خلقت من نوره، وإنما يقولون خلقت ألجله.‬

‫هذا وبالرتم من أن الصوفية على هذه الدرجات الثالث يف االعتقاد يف النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم فإهنم متفقون وجممعون تقريباً إال ما شذ مننهم أن ذات‬
‫الرسول الذات اليت منها تفيض كل العلوم وتنزل كل الرساالت، فالرسل ال ينزل عليهم الوحي إال من الرسول ويعربون عن ذلك بقنوهلم إن الرسنل مجيعناً‬
 ‫واألولياء أيضاً ال تفيض وال تنزل عليهم العلوم اإلهلية إال من ذات الرسول يف األزل واألبد أي قبل أن يوجد الرسول بذاته الترابية يف األرض، وبعد أن وجند مث‬
 ‫بعد أن خرجت ما يسمونه بذاته الترابية من هذه األرض.. وهذا بالطبع هو حاصل اعتقادهم يف أن الرسول أول موجود وأن العوامل من نوره، أو أن الكون خلق‬
                                                                                                                                                     ‫ألجله.‬

                            ‫وكذلك مفهوم املتصوفة -املعتدلني- منهم يعتقدون أن الرسول يعلم الغيب كله، وال خيفى عليه شيء يف األرض وال يف السماوات.‬

‫وال شك أن املتصوفة الذين يعتقدون يف مثل هذه العقائد يف الرسول صلى اهلل عليه وسلم مل يتأثروا فقط بالفالسفة يف نظريتهم يف اخللق وقوهلم باهلباء، والعقنل‬
                     ‫ً‬
‫األول أو العقل الفعال.. بل إهنم تأثروا أيضاً مبا قاله النصارى يف عيسى، وال شك أن نظرية النصرانية يف املسيح متأثرة بقول الفالسفة أيضا يف العقنل الفعنال.‬
‫ولقد استطا املتصوفة نقل هذه النظرية بالرتم من تموضها الفلسفي، وصعوبة التدليل عليها بدليل منطقي يقبله العقل. ومبلافاة هذه النظرية عن عقيدة اإلسالم‬
‫الواضةة السهلة، أقول بالرتم من كل ذلك فإن املتصوفة استطاعوا أن جيعلوا هذ ه العقيدة هي عقيدة العوام والكثرة من املسلمني وذلك بصياتتها لعبارات سهلة،‬
‫ويف شعر سلس جيري على األلسنة سريعاً كقوهلم مثالً: (لوالك ما خلقت األفالك)!!.. وكنت مرة أخطب يف احلرم النبوي يف حنو سنة 6996هنن املوافقنة‬
‫4696 م تقريباً مبيناً العقيدة الواجبة يف الرسول صلى اهلل عليه وسلم فقام إيل أحد احللاج من كبار السن وقال يل: أليس يقول اهلل تعاىل (لوالك منا خلقنت‬
‫األفالك) فقلت: له ليست هذه بآية من القرآن، وال حبديث أيضاً واعتقادها شرك باهلل!! فانظر كيف جرى هذا املعتقد على ألسنة الناس بكالم مسلو يظننه‬
                                                                                                                      ‫العامي قرآناً وما هو بقرآن.‬

                                                                               ‫فكيف إذا كان شعراً من أمثال شعر البوصريي الذي سارت به الركبان كقوله:‬

                                        ‫ومن علومك علم اللوح والقلم‬                     ‫وإن من جودك الدنيا وضرهتا‬

                                                                                                                                                     ‫وقوله:‬

                                           ‫فإمنا اتصلت من نوره هبم‬                 ‫وكل آي أتى الرسل الكرام هبا‬
‫وهذا البيت يعرب عن معتقد الصوفية يف أن علم الرسل كله من الرسول حممد مأخوذ من ذاته األوىل قبل أن ختلق ذاته الترابية كما يقولون. والبيت األول جيعنل‬
                        ‫الدنيا واآلخرة نفةة من نفةات الرسول، وما سطره القلم ووعاه اللوح احملفوظ جزء وبعض من علوم الرسول صلى اهلل عليه وسلم..‬

‫وكذلك وصفوا مثل هذه العقيدة يف أذكار تقرأ صباحاً ومسا ءً ال أقول عشرات املرات بل يوجبون قراءهتا أحياناً على مريديهم آالف املرات؛ حنو قوهلم يف صالة‬
                                                                                                                                          ‫ابن مشيش :‬

‫" اللهم صل على من منه انشقت األسرار وانفلقت األنوار وفيه ارتفعت احلقائق وتنزلت علوم آدم فأعلز اخلالئق وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سنابق وال‬
‫الحق فرياض امللكوت بزهر مجاله مونقة وحياض اجلربوت بفيض أنواره متدفقة وال شيء إال وهو به منوط إذ لوال الواسطة لذهب كما قيل املوسوط صالة تليق‬
‫بك إليه كما هو أهله اللهم إنه سرك اجلامع الدال عليك وحلابك األعظم القائم لك بني يديك اللهم أحلقين بنسبه وحققين حبسبه وعرفين إياه معرفة أسلم هبا من‬
‫موارد اجلهل وأكر هبا من موارد الفضل وامحلين على سبيله إىل حضرتك محالً حمفوفاً بنصرتك واقذف يب على الباطل فأدمغه، وزج يب يف حبار األحدية وانشلين‬
                                                                                                                         ‫من أوحال التوحيد". أ.هن‬

‫وكذلك لقوهلم يف مناجاة الرسول: "يا أول خلق اهلل يا نور عرش اهلل" و مثل هذه الكلمات كان وما زال املؤذنون يف أماكن شىت من العامل اإلسالمي يقولوهنا يف‬
‫املآذن قبل اآلذان وخباصة آذان الفلر.. فالعامي يفهم معىن عاماً من هذه الكلمات وأما الصويف املتمرس القارئ أو املريد املترقي يف سلم التصوف فإنه يظل يأخذ‬
‫من هذه العقيدة حىت يتشرهبا أخرياً وتنطبعفي نفسه ويظن -حقاً- أن الرسول هو أول موجود أو متعني ومنه انفلقت أنوار الوجود فكنان العنرش والكرسني‬
‫والسماوات واألرض املالئكة واجلن واإلنس وأن اهلل ما خلق هذا اخللق إال من أجله وحىت يستوي هو أي الرسول على عرش الكون ويكون كما قال ابن عريب‬
                                                                                                                                        ‫قبة الكون..!!‬

‫ولو أن املسلمني يقرأون القرآن ويفهمونه، ويتعلمون أحاديث الرسول ويدرسون سريته كما استشرت وانتشرت مثل هذه العقيدة الباطلة يف أوساطهم لنلةنوا‬
‫يف البعد عن البد ولكن الصوفية كانوا قد أحكموا الطوق على املسلمني فزعموا أن القرآن كله أسرار وأن أسراره يف الفاحتة، وأن سر الفاحتة يف البسملة وسنر‬
                                                                                                               ‫البسملة يف الباء وسر الباء يف النقطة!!!‬

‫ومن هذا الذي يستطيع أن يفتح نقطة الباء حىت يعلم أسرار القرآن، وكذلك جعلوا قراءة احلديث تربكاً فقط دون حماولة فهم ألن من حاول الفهنم ال بند أن‬
‫يكون جمتهداً وال اجتهاد بعد األئمة األربعة. وجعل املتصوفة قراءة السري ال تعدو أن تكون ترديداً ملنظومات ملئوها بالكفر والشرك والغلو والتغنزل يف عينون‬
‫الرسول الكةلية، وخدوده الوردية، وقوامه املمشوق.. هكذا واهلل.. وأما سريته وجهاده وحياته ومعاناته صلى اهلل عليه وسلم فإهنم شغلوا الناس عن كل ذلنك‬
‫هبذه ال ترهات واخلرافات، ولذلك ضاعت حقيقة الرسول صلى اهلل عليه وسلم من أوساط عامة املسلمني إال من رحم اهلل، وحل مكاهنا هذه العقيندة الصنوفية‬
                                                                                                                                             ‫الكفرية.‬

                                                                                        ‫املعتقد الواجب يف الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم وسائر الرسل:‬

‫من املعلوم أن اإلميان بالرسل من أركان اإلميان الستة كما جاء يف حديث جربيل ملا سأل النيب عن اإلميان قال: [أن تؤمن باهلل ومالئكته وكتبه ورسنله والينوم‬
‫اآلخر وتؤمن بالقضاء والقدر خريه وشره من اهلل تعاىل] (متفق عليه) ، وقد وصف اهلل الرسل يف القرآن بأهنم بشر اختارهم لدعوة الناس إليه وأهنم كانوا يأكلون‬
‫الطعام وكانوا ي عاجلون املعاش والسعي يف األرض كبقية البشر، ومل يكن أحد منهم يعلم من الغيب، أو يتصرف يف األكوان كما يشاء، أو يأتيه الطعام من الغيب‬
‫وقتما يشاء إال آية واحدة جعلها اهلل لعبده عيسى بعد هتديد ووعيد من اهلل بأن من يكفر بعد تنزل هذه اآلية فإنه يعذبه عذاباً ال يعذبه أحداً من العاملني كما قال‬
‫تعاىل: { إذ قال احلواريون يا عيسى ابن مرمي هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا اهلل إن كنتم مؤمنني* قالوا نريد أن نأكل منها وتطمنئن‬
‫قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين* قال عيسى ابن مرمي اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً ألولنا وآخرنا وآينة مننك‬
                 ‫وارزقنا وأنت خري الرازقني* قال اهلل إين منزهلا عليكم فمن يكفر بعد منكم فإين أعذبه عذاباً ال أعذبه أحداً من العاملني} (املائدة:566-266).‬

‫وهكذا مل تكن هذه اآلية والكرامة إال عالمة على الرسالة وصدق عيسى فيما دعا قومه إليه وأنه عبداهلل ورسوله، لقد كانت سرية الرسل وعلى رأسهم حممند‬
‫صلى اهلل عليه وسلم مبينة أهنم بشر قاسوا ما قاساه البشر من اآلالم واألسقام واألوجا والفنت والباليا وتضرعوا إىل رهبم ودعوه، وخافوه، وأحبنوه كنذلك‬
‫وطلبوا نصرته وعونه سبةانه و تعاىل، وكان خامتهم وخريهم حممداً صلى اهلل عليه وسلم أكمل الرسل يف حتقيق عبودية اهلل سبةانه وتعاىل على نفسه فقد قام من‬
‫الليل حىت تفطرت قدماه، وأوذي باهلل أشد األذى، وأخرجه كفار مكة منها، وعاداه املنافقون يف املدينة عداء شديداً فسبوه أقذ السباب، ورموا زوجته بأشنع‬
‫فرية، وقال قائلهم: لئن رجعنا إىل املدينة ليخرجن األعز منها األذل..!!.. وعاش صلى اهلل عليه وسلم على الكفاف، وقالت عائشة رضي اهلل عنها "كان ينأيت‬
 ‫اهلالل واهلالل واهلالل ثالثة أهلة يف شهرين وال يوقد يف أبيات رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم نار..!! قيل هلا فما كان طعامكم؟ قالت األسودان التمر واملناء"‬
‫(رواه البخاري)، وربط رسول اهلل احللر بل احللرين على بطنه.. وجا مع أصةابه وصرب معهم.. وكان يف املرض يتأمل ويوعك كما يوعك رجنالن منن‬
‫املسلمني.. وحياة الرسول صلى اهلل عليه وسلم ال ختفى فأموره أتلبها من املعلوم من الدين ضرورة.. وأشهر ذلك أنه مل يطلب من أحد أن يعظمه أو يعطيه حقاً‬
‫هلل فيسلد له أو يركع له، أو يقوم على رأسه أو يقوم ملقدمه كما قال أنس " كان أصةاب النيب صلى اهلل عليه وسلم حيبونه وكانوا ال يقومون له ملا يعلمون من‬
‫شدة كراهته لذلك" ومعلوم كذلك أن الرسل ال يعلمون الغيب كما قال تعاىل: {قل ال يعلم من يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل وما يشعرون أيان يبعثون}‬
‫(اقرأ الفصل اخلاص بذلك يف باب الكشف الصويف) ، وكذلك مل تكن كل دعواهتم تستلاب هلم فقد دعا نوح وشفع يف ابنه قائالً: {رب إن ابين من أهلني}‬
‫فقيل له {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل تري صاحل فال تسألن ما ليس لك به علم إين أعظك أن تكون من اجلاهلني} ودعا إبراهيم ألبيه فلم يستلب لنه،‬
‫وجاء يف صةيح البخاري أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة وقد سربل بسربال من قطران وقد علت وجه آزر تربة وقترة فيقول له إبراهيم: يا أبت أمل أقنل‬
‫لك ال تعصين. فيقول له آزر: يا بين اآلن ال أعصيك. فينادي إبراهيم ربه قائالً: ريب لقد وعدتين أال ختزين يوم يبعثون، وأي خزي أكرب من أيب األبعد، فيقال له‬
‫يا إبراهيم إين حرمت اجلنة على الكافرين.. وانظر حتت قدميك فينظر حتت قدميه فإذا هو بزيخٍ متلطخ بالدماء -والزيخ هو ذكر الضبع- فيؤخذ منن قوائمنه‬
‫ويلقى يف النار، وكذلك امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتني ومل ينفعهما القرب من األنبياء، وأما النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم فقد شفع يف أيب طالب فلنم‬
                                             ‫ً‬
‫يستلب اهلل له إال بأن أخرجه من مكانه يف النار إىل مكان آخر يف ضةضاح من النار يغلي منه رأسه، وقال أيضا صلى اهلل عليه وسلم [اسنتأذنت ريب أن أزور‬
        ‫قرب أمي فأذن يل، واستأذنت أن أستغفر هلا فلم يأذن يل] وقال صلى اهلل عليه وسلم البنته فاطمة [ال أتين عنك من اهلل شيئاً سليين من مايل ما شئت]..!!‬

‫وقال أيضاً صلى اهلل عليه وسلم [لن يدخل أحدكم اجلنة بعمله] قالوا وال أنت يا رسول اهلل. قال [وال أنا ما مل يتغمدين اهلل برمحة منه وفضنل] وكنل هنذه‬
‫األحاديث مما أخرجه أهل الصةيةني وما تضمنته هو من املعلوم يف اإلسالم ضرورة فإن اآليات القرآنية اليت وصفت حال الرسل وافتقارهم إىل رهبم، ومعاتبتنه‬
‫إياهم على جمرد فعلهم خلالف األوىل كثري، كقوله لرسوله حممد صلى اهلل عليه وسلم {ولوال أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليالً* إذاً ألذقناك ضنعف‬
‫احلياة وضعف املمات مث ال جتد لك علينا نصرياً} (اإلسراء:99-29) وكذلك قوله تعاىل: {ولوال فضل اهلل عليك ورمحته هلمت طائفة منهم أن يضلوك ومنا‬
‫يضلون إال أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل اهلل عليك الكتاب واحلكمة وعلمك ما مل تكن تعلم وكان فضل اهلل عليك عظيماً} (النساء:966) وكنذلك‬
‫قوله تعاىل: {عفا اهلل عنك مل أذنت هلم} وقوله تعاىل: {عبس وتوىل* أن جاءه األعمى} وقوله تعاىل: {وختفي يف نفسك ما اهلل مبديه وختشى الناس واهلل أحق‬
                                                                                                                                   ‫أن ختشاه}.‬

‫وأما اآليات اليت يبني اهلل تعاىل فيها فضله على عبده ورسوله حممد صلى اهلل عليه وسلم فكثرية جداً يصعب حصرها وسردها يف هذه املقام ومنها قوله تعاىل: {أمل‬
‫جيدك يتيماً فآوى* ووجدك ضاالً فهدى} فكيف يقول تعاىل {ووجدك ضاالً فهدى} وتقول صوفية وجد حممد قبل اخللق مجيعاً ومن نوره استمد مجيع األنبياء‬
                               ‫علومهم!؟ ويقول تعاىل أيضاً: {ما كنت تدري ما الكتاب وال اإلميان ولكن جعلناه نورًا هندي به من نشاء من عبادنا} (الشورى).‬

                                                                                                                    ‫ً‬
‫واملهم أن من قرأ القرآن وعلم شيئا من اإلسالم ودرس سرية الرسول صلى اهلل عليه وسلم حصل العلم الضروري الذي ال يدافع بأن حممدًا صلى اهلل عليه وسنلم‬
‫هو عبداهلل ورسوله وأنه وجد يوم وجد على األرض بشراً كالبشر ال علم له بشيء مما كان يف املأل األعلى كما قال تعاىل: {قل هو نبؤا عظنيم* أننتم عننه‬
‫معرضون* ما كان يل من علم باملأل األعلى إذ خيتصمون* إن يوحى إيل إال أمنا أنا نذير مبني* إذ قال ربك للمالئكة إين خالق بشرًا من طني* فإذا سويته ونفخت‬
‫فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (ص:96 وما بعدها)، فالرسول أمره اهلل أن يقول هنا: {ما كان يل من علم باملأل األعلى إذ خيتصمون} واملأل األعلى هنم‬
‫املالئكة ع ندما أمرهم اهلل بالسلود آلدم فسلدوا إال إبليس فكان بينه وبني الرب سبةانه وتعاىل ما كان مما قصه على رسوله حممد صلى اهلل عليه وسلم ومما مل‬
‫يكن عن الرسول قبل بعثته وقبل نزول هذا الوحي أو يف علم منه.. بل إن رسول اهلل عندما جاءه جربيل بالوحي ظنه شيطاناً وجاء أهله ترتعد فرائصنه، وهنو‬
                                                                              ‫يقول زملوين وقال للسيدة خدجية رضي اهلل عنها: لقد خشيت على نفسي!!‬

‫وظن أن الذي أتاه يف تار حراء شيطان من الذين ينزلون على الكهان والسةرة فلو كان جربيل خملوقاً من نور الرسول كما زعمت املتصوفة لقنال الرسنول‬
‫جلربيل عندما نزل إليه أهالً مبن خلقه اهلل من نوري. ومل يكن شأن الرسول أمام جربيل كما كان حيث يأمره بأن يقرأ ما يف يده من آيات ما أنا بقارئ.. فيضمه‬
‫جربيل حىت تكاد أنفاس الرسول تنقطع مث يرسله ويقول له مرة ثانية اقرأ ويفعل ذلك ثالث مرات، وما كان ذلك إال إلشعار الرسول أن ما يراه وما يسمعه ليس‬
‫خياالً وال رؤيا منامية وإمنا هو حق.. أقول ال شك أن من قرأ سرية الرسول صلى اهلل عليه وسلم وعلم شيئاً يسرياً من عقيدة اإلسالم استةال عليه اإلميان مبا آمن‬
‫به الصوفية يف شأن الرسول، ولكن هؤالء ألهنم تركوا الكتاب والسنة وراءهم ظهرياً وتركوا العقول أيضاً وراءهم وألقوها واتبعوا ما كتبه شياطني اإلنس منن‬
‫الفالسفة مما تومهوه بعقوهلم يف قوهلم باهلباء واهليويل والعقل األول، والعلة، وواجب الوجود الذي ال يوصف بصفة ثبوتية وإمنا يوصنف بالصنفة وضندها..‬
                                                   ‫كالوجود والعدم، واحلياة واملوت، والفوق والتةت، وتري ذلك من هذه األوهام واخلرافات، واملتناقضات.‬

‫أقول: عندما آمن فالسفة التصوف هبذه اخلرافات اإلتريقية وتركوا اإلسالم والعقل فإهنم خرجوا على الناس هبذه اخلرافات وأدخلوا يف الدين اإلسنالمي هنذه‬
‫اخلزعبالت. والعليب أهنم استطاعوا بفنهم الشيطاين أن جيعلوا عقيدهتم هذه وما مسوه (باحلقيقة احملمدية) عقيدة العامة والدمهاء من املسلمني الذين أحسنوا الظن‬
            ‫برجال التصوف الذين لبسوا هلم مسوح الرهبان وأضمروا هلم عقائد الشيطان، وخرجوا على الناس جبلود الضأن، وقد أخفوا عنهم قلوب الذئاب..‬

‫وقد تذر املتصوفة لنشر عقيدهتم فيما مسوه (باحلقيقة احملمدية) أيضاً حبديث موضو وهو (كنت أول النبيني يف اخللق وآخرهم يف البعث) وذكره الشوكاين يف‬
‫األحاديث املوضوعة ص659، وحديث آخر (كنت نبياً وآدم بني الروح واجلسد) ذكرها احلاكم وقال الصنعاين هو موضو وكذا قال ابن تيمية. وعلى فرض‬
                                                   ‫ً‬
‫صةة هذا احلديث األخري فإنه ال شاهد فيه على عقائد الصوفية وإمنا يعين أن الرسول قد قدر اهلل كونه نبيا عندما خلق آدم. وال شك أن اهلل قد قدر مقادير اخللق‬
‫قبل أن خيلق السماوات واألرض خبمسني ألف سنة كما جاء يف احلديث [ إن أول شيء خلقه اهلل تعاىل القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون] (رواه أبو يعلنى‬
‫والبيهقي وصةةه األلباين وأخرجه يف الصةيةة برقم996). وهبذا يتضح لك أن ما ذكره الصوفية يف عقائدهم عن (احلقيقة احملمدية) ما هو إال هذيان وأقوال‬
                                                                                                      ‫فالسفة وكهان، وليس هو يف شيء من دين اإلسالم.‬

                                                                                                                 ‫وصلى اهلل على عبده حممد إمام أهل اإلميان .‬



                                                                        ‫الفصل الثامن‬

                                                             ‫اخلضر عليه السالم يف الفكر الصويف‬

                                                 ‫ر‬
‫قصة اخلضر عليه السالم اليت وردت يف القرآن يف سورة الكهف، ووردت يف السنة يف البخاري وتريه، ح ّف املتصوفة معانيها وأهدافها ومراميهنا وجعلوهنا‬
‫عموداً من أعمدة العقيدة الصوفية، فقد جعلوا هذه القصة دليالً على أن هناك ظاهراً شرعياً، وحقيقة صوفية ختالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة علنى‬
‫علماء احلقيقة أمراً مستغرباً (فقد أنكر موسى من قبل على اخلضر وكان كل منها على شريعة خاصة) وجعل الصوفية اخلضر مصدراً للوحي واإلهلام والعقائند‬
             ‫والتشريع. ونسبوا طائفة كبرية من علومهم اليت ابتدعوها إىل اخلضر، وليس منهم صغري أو كبري دخل يف طريقهم إال ادعى لقيا اخلضر واألخذ عنه.‬

‫وملا كان هلذه القصة هذا الدور العظيم يف الفكر الصويف فقد أحببت أن أجلي هذا األمر وأوقف اإلخوة القراء على حقيقة األمر ولنبدأ أوالً بالقصة يف القنرآن‬
                                                                                                                                                     ‫والسنة:‬

                                                                                                                                     ‫اخلضر يف القرآن الكرمي:‬

‫قال تعاىل: {وإذ قال موسى لفت اه ال أبرح حىت أبلغ جممع البةرين أو أمضي حقباً* فلما بلغا جممع بينهما نسيا حوهتما فاختذ سبيله يف البةر سرباً* فلما جناوزا‬
‫قال لفتاه ءاتنا تداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً* قال أرأيت إذ أوينا إىل الصخرة فإين نسيت احلوت وما أنسانيه إال الشيطان أن أذكره واختذ سبيله يف البةر‬
‫علباً* قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارمها قصصاً* فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رمحة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً* قال له موسى هل أتبعك علنى أن‬
‫تعلمن مما علمت رشداً* قال إنك لن تستطيع معي صرباً* وكيف تصرب على ما مل حتط به خرباً* قال ستلدين إن شاء اهلل صابراً وال أعصي لك أمراً* قال فنإن‬
‫اتبعتين فال تسألين عن شيء حىت أحدث لك منه ذكراً* فانطلقا حىت إذا ركبا يف السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً* قال أمل أقل إنك‬
‫لن تستطيع معي صرباً* قال ال تؤاخذين مبا نسيت وال ترهقين من أمري عسراً* فانطلقا حىت إذا لقيا تالماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغري نفس لقد جئت شيئاً‬
 ‫نكراً* قال أمل أقل لك إنك لن تستطيع معي صرباً* قال إن سألتك عن شيء بعدها فال تصاحبين قد بلغت من لدين ذكراً* فانطلقا حىت إذا أتيا أهل قرية استطعما‬
 ‫أهلها فأبوا أن يضيف ومها فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت الختذت عليه أجراً* قال هذا فراق بيين وبينك سأنبئك بتأويل ما مل تستطع علينه‬
 ‫صرباً* أما السفينة فكانت ملساكني يعملون يف البةر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة تصباً* وأما الغالم فكان أبواه مؤمنني فخشنينا أن‬
 ‫يرهقهما طغياناً وكفراً* فأردنا أن يبدهلما رهبما خرياً منه زكاة وأقرب رمحاً* وأما اجلدار فكان لغالمني يتيمني يف املدينة وكان حتته كنز هلما وكان أبومها صاحلاً‬
                                          ‫فأراد ربك أن يبلغا أشدمها ويستخرجا كنزمها رمحة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما مل تستطع عليه صرباً}.‬

                                                                                                                                             ‫اخلضر يف السنة:‬

‫وقبل أن نتعرض لبعض ما جاء يف هذه اآليات الكرمية بالشرح والتفسري نستعرض ما رواه اإلمام البخاري رضي اهلل عنه يف شأن هنذه القصنة. قنال اإلمنام‬
                                                                                                                                  ‫البخاري:‬

                                                                                                                ‫باب حديث اخلضر مع موسى عليهما السالم:‬

‫6- حدثنا عمرو بن حممد حدثنا يعقوب ب ن إبراهيم قال حدثين أيب عن صاحل عن أيب شهاب أن عبيداهلل بن عبداهلل أخربه ]عن ابن عباس أنه متارى هو واحلر بن‬
‫قيس الفزاري يف صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر، فمر هبما أيب بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إين متاريت أنا وصاحيب هذا يف صاحب موسى الذي‬
                                                                                                                                 ‫ي‬
‫سأل السبيل إىل لقّه، هل مسعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال نعم مسعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول: [بينما موسى يف مأل من بين‬
‫إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: ال. فأوحى اهلل إىل موسى بل عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه، فلعل له احلوت آية، وقيل له إذا‬
‫فقدت احلوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان يتبع احلوت يف البةر، فقال ملوسى فتاه: أرأيت إذا أوينا إىل الصخرة فإين نسيت احلوت وما أنسانيه إال الشنيطان أن‬
                                   ‫أذكره. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارمها قصصاً فوجداً خضراً، فكان من شأهنم الذي ق اهلل يف كتابه[.‬
                                          ‫ً‬
‫5- حدثنا علي بن عبداهلل حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال أخربين سعيد بن جبري قال قلت البن عباس إن نوفا البكايل يزعم أن موسى صاحب اخلضنر‬
‫ليس هو موسى بن إسرائيل، إمنا هو موسى آخر. فقال كذب عدو اهلل، حدثنا أيب بن كعب عن النيب صلى اهلل عليه وسلم أن موسى قام خطيباً يف بين إسنرائيل‬
                                                                                                    ‫د‬
‫فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال أنا. فعتب اهلل عليه إذ مل ير ّ العلم إليه فقال له: بلى، يل عبد مبلمع البةرين هو أعلم منك. قال أي رب ومن يل به؟ -ورمبا قنال‬
                                                                                                                                        ‫ب‬
‫سفيان؟ أي ر ّ وكيف يل به؟ -قال تأخذ حوتاً فتلعله يف مكتل، حيثما فقدت احلوت فهو مث ورمبا قال: فهو مثه- وأخذ حوتاً فلعله يف مكتل مث انطلق هنو‬
‫وفتاه يوشع بن نون حىت إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما، فرقد موسى واضطرب احلوت فخرج فسقط يف البةر، فاختذ سبيله يف البةر سرباً، فأمسك اهلل عنن‬
‫احلوت جرية املاء فصار مثل الطاق -فقال هكذا مثل الطاق- فانطلقا ميشيان بقية ليلتهما ويومهما، حىت إذا من الغد قال لفتاه آتنا تداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا‬
‫نصباً. ومل جيد موسى النصب حىت جاوز حيث أمره اهلل، قال له فتاه أرأيت إذ أوينا إىل الصخرة فإين نسيت احلوت وما أنسانيه إال الشيطان أن أذكره، واختنذ‬
‫سبيله يف البةر علباً، فكان للةوت سرباً وهلما علباً، قال له موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارمها قصصاً -رجعا يقصان آثارمهنا- حنىت انتنهيا إىل‬
                                                                                            ‫ن‬                                   ‫ل‬
‫الصخر، فإذا رجل مس ّى بثوب، فسلم موسى فرد عليه فقال: وأّى بأرضك السالم، قال أنا موسى، قال: موسى بين إسرائيل؟ قال نعم، أتيتك لنتعلمين ممنا‬
                                                     ‫ل‬
‫علمت رشداً. قال يا موسى إين على علم من علم اهلل علمنيه اهلل ال تعلمه، وأنت على علم من علم اهلل عّمك اهلل ال أعلمه. قال هل أتبعك؟ قال: إننك لنن‬
‫تستطيع معي صرباً، وكيف تصرب على ما مل حتط به خرباً -إىل قوله- إمراً. فانطلقا ميشيان على ساحل البةر، فمرت سفينة كلموهم أن حيملوهم فعرفوا اخلضر‬
‫فةملوه بغري نول. فلما ركبا يف السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر يف البةر نقرة أو نقرتني، قال له اخلضر يا موسى، ما نق علمي وعلمك‬
                         ‫د‬
‫من علم اهلل إال مثل ما نق هذا العصفور مبنقاره من البةر. إذا أخذ الفأس فنز لوحاً، قال فلم يفلأ موسى إال وقد قلع لوحاً بالق ّوم، فقال له موسى: منا‬
‫صنعت؟ قوم محلونا بغري نول عمدت إىل سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمراً. قال: أمل أقل لك إنك لن تستطيع معي صرباً؟ قال ال تؤاخذين مبا‬
‫نسيت وال ترهقين من أمري عسراً. فكانت األ وىل من موسى نسياناً، فلما خرجا من البةر مروا بغالم يلعب مع الصبيان، فأخذ اخلضر برأسه فقلعه بيده هكذا -‬
‫وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً- فقال له موسى: أقتلت نفساً زكية بغري نفس لقد جئت شيئاً نكراً. قال أمل أقل لك إنك لن تستطيع معي صرباً؟‬
‫قال: إن سألتك عن شيء بعدها فال تصاحبين قد بلغت من لدين عذراً. فانطلقا حىت إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفومها، فوجدا فيها جداراً يريد‬
‫أن ينقض مائالً - أومأ بيده هكذا، وأشار سفيان كأنه ميسح شيئاً إىل فوق، فلم أمسع سفيان يذكر (مائالً) إال مرة- قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ومل يضيفونا،‬
‫عمدت إىل حائطهم، لو شئت الختذت عليه أجراً. قال هذا فراق بيين وبينك، سأنبئك بتأويل ما تستطع عليه صرباً، قال النيب صلى اهلل عليه وسلم :]وددنا لو أن‬
‫موسى كان صرب فق اهلل علينا من خربمها]. قال سفيان: قال النيب صلى اهلل عليه وسلم: [يرحم اهلل موسى لو كان صرب يق علينا من أمرمها]. وقنرأ ابنن‬
‫عباس: أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صاحلة تصباً. وأما الغالم فكان كافراً وكان أبواه مؤمنني. مث قال يل سفيان: مسعته منه مرتني وحفظته منه. قيل لسفيان قبل‬
                               ‫أن تسمعه عن عمرو أو حتفظه من إنسان؟ فقال ممن أحتفظه؟ ورواه أحد عن عمرو تريي؟ مسعته منه مرتني أو ثالثاً وحفظته منه.‬

‫9- حدثنا حممد بن سعيد األصبهاين أخربنا ابن املبارك عن معمر عن مهام بن منبه عن أيب هريرة رضي اهلل عنه عن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال: [إمننا مسني‬
‫اخلضر ألنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي هتتز من خلفه خضراء] قال احلموي قال حممد بن يوسف بن مطر الفربري حدثنا علي بن خشنرم عنن سنفيان‬
                                                                                                                                            ‫بطوله..‬

                                                                                                               ‫فقه القصة كما وردت يف الكتاب والسنة:‬

                                                           ‫الفوائد التالية:‬   ‫ومن هذا العرض الكامل لنصوص القصة يف القرآن ويف صةيح البخاري نستخل‬

‫6- أن اهلل سبةانه وتعاىل أراد أن يؤدب نبيه موسى صلى اهلل عليه وسلم الذي قال جواباً عن سؤال (ال أعلم على األرض أعلم مين)!! إن كان جيب أن ينرد‬
‫علم ذلك إىل اهلل سبةانه وتعاىل، فأراه اهلل جل وعال أن هناك عبداً ال يعلمه موسى هو على علم من علم اهلل ال يعلمه موسى وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بني‬
                                                                                                                                   ‫موسى واخلضر.‬

‫5- أن اخلضر بعد أن مت لقاؤه مبوسى أخربه أن علم اخلضر وعلم موسى جبوار علم اهلل سبةانه ال شيء وأهنما مل ينقصا من علم اهلل إال كما شرب العصفور من‬
                                                                                                                                      ‫ماء النهر.‬

‫9- أن الشريعة اليت كان عليها اخلضر مل تكن يف حقيقتها خمالفة للشريعة اليت عليها موسى، وإمنا كان خيفى على موسى فقط اخللفية اليت من أجلها فعل اخلضر‬
‫ما فعله، ولذلك فإن اخلضر عندما بني ملوسى األسباب اليت دفعته إىل خرق السفينة، وقتل الغالم، وبناء اجلدار مل يستنكر موسى شيئاً من ذلك ألن هذا كله سائغ‬
‫يف الشريعة، فإتالف بعض املال الستنقاذ بعضه جائز فلو وكلت مثالً ر جالً على عمل لك مث جاء لصوص أو ظلمه قطا طريق ليستولوا على املال كله ومل جيد‬
‫هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إال بأن يدفع هلم بعض املال ويتركوا بعضه ملا كان ملوماً شرعاً، وال يالم ممن وكله بل يستةسن فعله، وما فعله اخلضر بالنسنبة إىل‬
‫السفينة ال يعدو ذلك فهو إمنا أفس د السفينة فسادًا جزئياً لتظهر ألعوان ذلك امللك الظامل أهنا تري صاحلة فيتركوها وبذلك تسلم من الغصب، وال شك أن ما فعله‬
‫اخلضر يف حقيقته إحسان ألصةاب السفينة ألن اهلل أطلعه على شيء من املستقبل يف أن ذلك امللك الظامل سيصادر السفن ألمر ما كما هو حنال كنثري منن‬
                                                                                                   ‫ً‬
                                                                     ‫الرؤساء وامللوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانا إما ملصاحلهم أو ملصلةة عامة..‬
‫فما فعله اخلضر بالنسبة إىل السفينة موافق للشر اإلهلي متاماً يف كل دين وملة وليس خمالفاً للتشريع، وإنكار موسى يف أول األمر ناشئ من أنه مل يعرف اخللفية‬
                                                                                              ‫الغيبية اليت كان اهلل قد أطلع عليها اخلضر بوحي من عنده.‬

‫وأما قتل الغالم فهو كذلك سائغ يف الشريعة إذا كان هذا الغالم سيكون ظاملاً لوالديه، جمرباً هلما على الكفر وكان هذا مما علمه اهلل مسنتقبالً، وأطلنع علينه‬
‫اخلضر، فكان قتله أيضاً سائغاً، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل املعتدي. حقاً إن ال شريعة ال تأمر بقتل الصائل إال إذا باشر العدوان، والطفل هننا مل يباشنر‬
‫العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر اهلل سبةانه وتعاىل الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه سبةانه وتعاىل رمحة بعبدين من عباده صاحلني أراد اهلل جل وعال‬
‫أن ال يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتأمل ا أملني، األمل األول أنه ولدمها وعقوق األوالد شديد على قلوب اآلباء، والثاين أهنما قد يبلغان الكفر ويتعبان يف التمسك‬
                         ‫ً‬
‫باإلميان وهذا عذاب آخر، فلمع اهلل سبةانه وتعاىل هلما عذاباً واحداً فقط وهو فقد الولد، وفيه خري هلما وال شك ألن صربمها، أيضا على فقده فيه خري هلمنا.‬
‫فلما علم اهلل ذلك، وأطلع اخلضر عليه، ونفذ هذا بأمر اهلل كان ذلك كله موافقاً للشريعة اليت عليها موسى وعليها حممد صلى اهلل عليه وسنلم وعليهنا سنائر‬
                                                                                                                                                     ‫األنبياء.‬

‫ولذلك ملا قيل البن عباس على هذه احلادثة: أجيوز أن نقتل األوالد؟.. قال: إذا علمت منهم ما علم اخلضر فافعل.. أي إن ذلك سائغ يف الشريعة ولكن أين من‬
                                                                                               ‫يطلعه اهلل على الغيب كما أطلع اخلضر عليه السالم.‬

‫وأما مسألة بناء جدار لقوم خبالء مل يبذلوا القرى (بكسر القاف) والضيافة الواجبة، فإن ذلك من باب مقابلة اإلساءة باإلحسان، وهذا خلق من أخالق الشريعة‬
‫اإلسالمية واملسيةية واليهودية ففي القرآن { وال تستوي احلسنة وال السيئة ادفع باليت هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ويل محنيم} ويف اإلجنينل‬
‫(أحسنوا إىل من أساء إليكم وباركوا ألعينكم)، وقال تعاىل فيما أوحاه ملوسى {وقولوا للناس حسناً}، وما فعله اخلضر هو من باب اإلحسان إىل قنوم قندموا‬
                                                                                                                                         ‫اإلساءة.‬

                                                                                   ‫ً‬
‫مث إن إحسانه هلذين الغالمني مل يتأت منهما إساءة وكان أبومها رجال صاحلاً وهم يف قرية ظاملة خبيلة ولو هدم جدار بيتهم النكشف كنزهم والستوىل عليه هؤالء‬
 ‫القوم البخالء، فال شك أن ما فعله اخلضر من بناء اجلدار هو عني ما تأمر به كل شرائع األنبياء اليت أمرت بالفضل واإلحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم..‬

‫فأي شيء يستغرب مما فعله اخلضر، وأي حقيقة اطلع عليها اخلضر ختالف ظاهر شريعة كان عليها موسى بل ما فعله اخلضر موافق متاماً لشريعة موسى ولشريعة‬
‫عيسى ولشريعة حممد ولكل شرائع اهلل املنزلة، ومل يقل ا خلضر أو يفعل شيئاً خيالف ما كان عليه األنبياء صلوات اهلل عليهم، وإمنا فقط أطلعه اهلل على بعض أسرار‬
‫املقادير ففعل ما فعل من احلق الذي ال تنكره الشرائع بناء على هذه األخبار واألنباء اليت أطلعه اهلل عليها. وباختصار مل يفعل اخلضر شيئاً خمالفاً لشريعة موسنى‬
                                                                                                                                 ‫فافهم هذا جيداً ومتسك به.‬

‫0- وجود اخلضر عليه السالم على دين وشريعة تري شريعة موسى كان أمراً سائغاً وسنة من سنن اهلل قبل بعثة حممد صلى اهلل عليه وسلم ألن النيب كان يبعث‬
     ‫ن‬
‫إىل قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسوالً إىل بين إسرائيل فقط، ومل يكن رسوالً للعاملني، ولذلك ملا سلم موسى عليه السالم على اخلضر قال اخلضر: وأّنى‬
‫بأرضك السالم. قال له موسى أنا موسى. قال اخلضر: موسى بين إسرائيل!؟ قال: نعم.. أي أنت مبعوث إىل بين إسرائيل ومنهم، ولذلك مل تكن شريعة موسى‬
‫الزمة للخضر وجلميع الناس يف زمانه، وأما بعد بعثة حممد صلى اهلل عليه و سلم فإنه ال جيوز شرعاً أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته، ألن الرسول صلى‬
‫اهلل عليه وسلم رسول للعاملني، فال يسع اخلضر وال تريه أن يتخلف عن اإلميان به واتباعه ولذلك فال وجود بتاتاً للخضر وأمثاله بعد بعثة الرسول حممد صلى اهلل‬
                                                                                                                                         ‫عليه وسلم.‬

‫2- ال شك أن ما فعله اخل ضر فعله عن وحي حقيقي من اهلل وليس عن جمرد خيال أو إهلام ألن قتل النفس ال جيوز مبلرد الظن، ولذلك قال اخلضر: وما فعلتنه‬
‫عن أمري.. فلم يفعل إال عن أمر اهلل الصادق ووحيه القطعي. ومثل هذا األمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النيب صلى اهلل عليه وسلم فال وحي بعده، ومنن‬
‫ادعى شيئاً من ذلك فقد كفر ألنه بذلك خالف القرآن الذي يقول اهلل فيه: { ما كان حممد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اهلل وخامت النبيني وكان اهلل بكنل‬
                                                                                                                    ‫شيء عليماً} (األحزاب:40).‬

                                                                    ‫وقال أيضاً رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم [وختم يب النبيون فال نيب بعدي] ( رواه مسلم).‬

‫من بيان احلقائق السالفة تتضح لنا الصورة احلقيقية لقصة اخلضر عليه السالم، واإلعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة. ولكن املتصوفة جعلوا من هذه القصة‬
                        ‫يل‬
‫شيئاً خمتلفاً متاماً. فقد زعموا أن اخلضر حي إىل أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطين خيتلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه و ّ وليس بنيب، وأن علمنه‬
‫علم لدين موهوب له من اهلل بغري وحي األنبياء وأن هذه العلوم تنزل إىل مجيع األولياء يف كل وقت قبل بعثة الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم وبعد بعثته، وأن‬
                                       ‫يل‬
‫هذه العلوم أكرب وأعظم من العلوم اليت مع األنبياء، بل وعلوم األنبياء ال تدانيها وال تضاهيها، فكما أن اخلضر وهو و ّ فقط يف زعمهم كان أعلم من موسنى‬
‫فكذلك األولياء من أمة حممد هم أعلم من حممد صلى اهلل عليه وسلم ألن حممداً عامل بالشريعة الظاهرة فقط، والويل عامل باحلقيقة الصوفية، وعلماء احلقيقة أعلم‬
‫من علماء الشريعة، وزعموا كذلك أن اخلضر يلتقي باألولياء ويعلمهم هذه احلقائق ويأخذ هلم العهود الصوفية، وأن احلقائق الصوفية ختتلف عن احلقيقة احملمدية‬
‫ولذلك فلكل ويل شريعته املستقلة فما يكون معصية يف الشريعة كشرب اخلمر والزنا واللواط، قد يكون حقيقة صوفية وقربة إىل اهلل حسب العلنم البناطين،‬
                                  ‫وكذلك يف أمر العقائد ومسائل اإلميان فلكل ويل كشفه اخلاص، وعلمه اخلاص اللدين الذي قد خيتلف عن الوحي النبوي..‬

‫وهكذا جعل املتصوفة من قصة اخلضر باباً عظيماً إلدخال كل أنوا اخلرافات والزندقة واجلهل واإلسفاف..، بل بلغ اهلذيان وحده عندهم حيث يوجد من زعم‬
                                       ‫منهم أن اخلضر ال يصلي ألنه على شريعة خاصة!! ومنهم من زعم أن اخلضر يصلي ولكن على املذهب احلنفي!!‬

‫ولكن صوفياً آخر يزعم أنه رأى اخلضر يصلي ولكن على املذهب الشافعي!! بل وأكثر من ذلك زعموا أن اخلضر هو الذي يلقنه أذكار الطريقنة اإلدريسنية‬
                                                                                                                                ‫والسنوسية.‬

‫وهكذا أصبح اخلضر الصو يف هذا ألعوبة عظيمة، ومل يكتفوا بذلك بل جعلوا يف كل مكان يف األرض تقريباً مكاناً زعموا أن اخلضر جلس فينه أو رآه صنويف‬
             ‫عنده، ولذلك أصبح له يف كل أرض من أراضي اإلسالم مقام ومزار، تذبح فيه الذبائح، وتقدم فيه القرابني، وينتفع بذلك الكذابون والغشاشون.‬

  ‫باختصار لقد حتول اخلضر إىل قصة خرافية كبرية أشبه بقصة ما يسمونه بالسوبرمان الذي يطري يف كل مكان، ويلتقي باألصدقاء واخلالن يف كل البلدان، ويشر‬
‫للناس ما شاء من عبادات وقربات، ويلقن األذكار وينشئ الطرق الصوفية، ويعمد األولياء واألقطاب، ويويل من يشاء، ويعزل من يشاء، وما علينك إذا أردت‬
‫لقاء اخلضر إال أن تذكر جمموعة من األذكار فيأتيك اخلضر يف احلال، ويبشرك مبا تشاء من البشارات، وجيعلك ولياً من األولياء، ويعطيك علوماً لدنية مل يعلمها‬
                                                                                                               ‫الرسل أنفسهم وال خطرت هلم على بال.‬

                                                                                                                                       ‫ً‬
                                                                                       ‫ولنذهب معا يف جولة مع الفكر الصويف وخرافاته حول قصة اخلضر:‬

                                                                                                                    ‫أول من افترى القصة الصوفية للخضر:‬

‫يبدو أن أول من افترى القصة الصوفية للخضر هو حممد بن علي بن احلسن الترمذي املسمى باحلكيم واملتويف يف أواخر القرن الثالث اهللري -فالترمذي هنذا‬
                            ‫يقول يف كتابه ختم الوالية- (وهذا الكتاب بنظري هو أخطر كتاب صويف على اإلطالق) يقول يف جوابه عن عالمات األولياء:‬

‫" وللخضر عليه السالم، قصة عليبة يف شأهنم وقد عاين شأهنم يف البدء ومن وقت املقادير فأحب أن يدركهم، فأعطى احلياة حىت بلغ من شأنه أنه حيشر مع هذه‬
‫األمة ويف زمرهتم، حىت يكون تبعاً حملمد صلى اهلل عليه وسلم، وهو رجل من قرن إبراهيم اخلليل، وذي القرنني، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنني‬
                                                                                                   ‫عني احلياة ففاتته وأصاهبا اخلضر، يف قصة طويلة.‬

                                                                                  ‫وهذه آياهتم وعالماهتم. فأوضح عالماهتم ما ينطقون به من العلم وأصوله.‬

                                                                                                                             ‫قال له قائل: وما ذلك العلم؟‬

                                                                                               ‫قال: علم البدء، وعلم امليثاق، وعلم املقادير، وعلم احلروف.‬

                  ‫فهذه أصول احلكمة وهي احلكمة العليا. وإمنا يظهر هذا العلم عن كرباء األولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الوالية" (ختم الوالية ص569)‬

‫ويف هذا الن يزعم جمرد زعم بال أدىن دليل أو علم أن اخلضر هذا عاين منذ بدء اخلليقة أمور األولياء وعرفهم منذ كتابه املقادير (انظنر) وأحنب -يف زعنم‬
                                                            ‫الترمذي- أن يدرك هؤالء األولياء، فأعطى احلياة حىت يبلغ أمة حممد صلى اهلل عليه وسلم..‬

‫وأما هو أي اخلضر فكان يف قرن إبراهيم أي وجد يف زمانه.. وزمن ذي القرنني.. فانظر هذا اجلهل والتخريف واإلفتراء.. الذي ال يقوم علنى أدىن دلينل إال‬
‫الكذب والبهتان.. مث يستطرد يف هبتانه فيزعم أن ذا القرنني كان حيارب ويسافر ليصل إىل عني احلياة اليت من شرب منها فال ميوت أبداً فلم يستطع الوصول إليها‬
                                                                                             ‫ولكن اخلضر وصل إليها.. فانظر هذا الكذب والتخريف.‬

‫وهذا بالطبع منقول بعضه من ختريف اليهود وافتراءاهتم أن آدم ملا خلقه اهلل يف اجلنة أكل من شلرة املعرفة فأصبح كاهلل يعلم اخلري والشر، مث خاف اهلل مننه أن‬
                         ‫يأكل من شلرة احلياة فيةيا أبداً وال ميوت فلما خاف اهلل من ذلك طرده من اجلنة من أجل ذلك.. (انظر التوراة اإلصةاح الثالث).‬

‫ولقد لفق الترمذي من هذه القص اخلرقاء قصته عن اخلضر اليت تلقفها الصوفية فيم بعد وزادوا عليها ما شاؤوا. واملهم هنا أنه زعم كل هذه املزاعم وأن اخلضر‬
‫حي أبداً وأنه قاتل مع ذي القرنني.. ولسنا ندري أين كان ما دام أنه حي يرزق إىل آخر احلياة. أين كان عن شهود تزوة بدر وأحد واخلندق واملواقع، وملاذا مل‬
‫يشارك يف فتح ال قادسية والريموك، وملاذا مل يلتق بأيب بكر وعمر، ومل يتشرف قبل ذلك برؤيا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ما دام أنه حي أبدًا واطلنع علنى‬
‫مجيع األولياء منذ البدء.. بل وملاذا مل ينزل ومل يلتق إال بالكذابني الضالني أمثال هذا الترمذي الذي مل يتنبأ له إال امرأته اليت تنزل عليها الوحي حسنب زعمنه‬
                                                           ‫وبشرته بأنه سيكون من شأنه كذا وكذا إىل أن يكون خامت األولياء كما كان حممد خامت النبيني!!‬
‫والترمذي الذي هذا هو شأنه يذكر أيضاً من صفات أوليائه املزعومني أنه تظهر علي أيديهم اآليات كطي األرض، واملشي على املاء، وحمادثة اخلضر عليه السالم‬
                                                               ‫ً‬                                                                   ‫ً‬
                                     ‫الذي زعم أيضا أن األرض تطوي له برها وحبرها، سهلها وجبلها، يبةث عن األولياء شوقا إليهم (ختم الوالية ص669).‬

‫ومنذ ذلك الوقت الذي افترى فيه من افترى هذه الفرية على اخلضر عليه السالم سواء كان الترمذي نفسه هذا أو هو ناقل عمن قبله.. أقول سواء كان هنذا أو‬
                                                ‫هذا فإن املتصوفة بدأوا ينسةبون اخلرافات حول قصة اخلضر وإليك بعضاً من هذه اخلزعبالت واخلرافات:‬

                                                                                                                   ‫اخلضر يصلي على املذهب الشافعي:‬

‫من أطرف القص ما ذكره أمحد الفاروقي السرهندي يف كتابه املنتخبات أنه رأى اخلضر وإلياس عليهما السالم حضرا عنده يف حلقة الدرس وأن اخلضر قال له‬
‫إهنما من عامل األرواح وأهنما يتشكالن مبا شاءا من الصور.. وأنه أي السرهندي هذا سأل اخلضر هل تصلون مبذهب الشافعي فقال له اخلضر لسننا مكلفنني‬
‫بالشرائع!! ولكن ألن قطب الزمان الشافعي فنةن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي.. ويعلن السرهندي على ذلك فيقول إن كماالت الوالية خمتصة باملنذهب‬
‫الشافعي، وأما كماالت النبوة فهي من اختصاص املذهب احلنفي!! ولذلك عندما ينزل عيسى بن مرمي فإنه يصلي ويعمل باملذهب احلنفي!! وإليك ن أمحند‬
                                                                                                                 ‫السرهندي يف هذه اخلرافات قال:‬

                ‫المكتوب الثاني والثمانون والمئتان إلى المال بديع في بيان مالقاة الخضر وإلياس عليها السالم وبيان نب ة من أحوالهما‬

  ‫احلمد هلل وسالم على عباده الذين اصطفى قد مضت مدة من استفسار األصةاب عن أحوال اخلضر على نبينا عليه الصالة والسالم. وملا مل يكن للفقري اطنال‬
‫على أحواله كما ينبغي كنت متوقفاً يف اجلواب فرأيت اليوم يف حلقة الصبح أن اإللياس واخلضر عليهما السالم حضرا يف صورة الروحانيني فقال اخلضر باإللقاء‬
                                                                                                                                        ‫الروحاين:‬

‫حنن من عامل األرواح قد أعطى احلق سبةانه أرواحنا قدرة كاملة حبيث تتشكل وتتمثل بصورة األجسام ويصدر عنها ما يصدر عن األجسام منن احلركنات‬
‫والسكنات اجلسمانية والطاعات والعبادات اجلسدية. فقلت له يف تلك األثناء: أنتم تصلون الصالة باملذهب الشافعي. فقال حنن لسنا مكلفني بالشرائع، ولكن ملا‬
‫كانت كفاية مهمات قطب الدار مربوطة بنا وهو على مذهب اإلمام الشافعي نصلي حنن أيضاً وراءه مبذهب اإلمام الشافعي رضي اهلل عنه فعلم يف ذلك الوقت‬
                                        ‫ً‬
‫أنه ال يترتب اجلزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة ألهل الطاعة ومراعاة لصورة العبادة وعلم أيضا أن كماالت الوالية موافقة لفقه الشافعي‬
‫وكماالت النبوة موافقة لفقه احلنفي فعلم يف ذلك الوقت حقيقة كالم اخلواجة حممد بارسا قدس سره حيث ذكر يف الفصول الستة نقالً أن عيسى عليه وعلنى‬
‫نبينا السالم يعمل بعد نزوله مبذهب اإلمام أيب حنيفة رضي اهلل عنه رضي اهلل عنه فوقع يف اخلاطر يف ذلك الوقت أن نستمد هبما وأن نطلب منهما الدعاء فقنال‬
‫إذا كانت عناية احلق سبةانه شاملة حلال الشخ فال مدخل لنا هناك وكأهنم أخذوا أنفسهم من البني. وأما إلياس على نبينا وعليه الصالة والسالم فلم يتكلم يف‬
                                                                                                                                 ‫ً‬
                                                                  ‫ذلك الوقت أصال والسالم (املنتخبات من املكتوبات ألمحد الفاروقي ص69 طبع تركيا).‬

                                                                                                                      ‫ا‬
                                                                                                                     ‫الخضر حنفي وليس شافعيً:‬

‫ويبدو أن الكشف السابق ملا يسمونه بالعامل الرباين أمحد السرهندي الذي أراد به التنق من املذهب ا لشافعي وعالء منزلة املذهب احلنفي وذلك أننه جعنل‬
‫املذهب احلنفي لألنبياء، واملذهب الشافعي لألولياء.. أقول يبدو أنه مل يطلع على كشف الشعراين الذي زعم أن اخلضر كان حنفياً ومل يكن شافعياً حيث ذكر يف‬
‫كتاب معارج األلباب عن بعض شيوخه أنه ذكر له أن اخلضر عليه السالم كان حيضر جملس فقه أيب حنيفة يف كل يوم بعد صالة الصبح يتعلم منه الشريعة فلمنا‬
‫مات (أي أبو حنيفة) سأل اخلضر ربه أن يرد روح أيب حنيفة إىل قربه حيث يتم له علم الشريعة وأن اخلضر كان يأيت إليه كل يوم على عادته يسمع منه الشريعة‬
                                                           ‫داخل القرب وأقام على ذلك مخس عشرة سنة حىت أكمل علم الشريعة (معارج األلباب ص00).‬

‫فانظر أي ختليط وكذب مسج، فهذا اخلضر املزعوم أين هو من تعلم الشريعة على يد حممد صلى اهلل عليه وسلم، وهم يزعمون أنه كان حياً ذلك الوقت وملاذا مل‬
‫يتتلمذ على اخللفاء الراشدين وهم أعلم الناس بالشريعة.. ولقد قال أبو حنيفة نفسه: دعوا قويل لقول أصةاب رسول اهلل فإهنم كانوا أعلم بالتنزيل!! فإذا كنان‬
‫أبو حنيفة يأمرنا أن نترك قوله لقول رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقول أصةابه فكيف يترك اخلضر املزعوم تعلم الشريعة عن الرسول وأصةابه وينتظر حيناً‬
 ‫حىت يأيت أبو حنيفة ليتعلم منه الشريعة.. مث أي تلميذ بليد هذا اخلضر الصويف املزعوم حىت ميكث مع أيب حنيفة كل حياته وال يستطيع أن يتعلم علمه.. ويندعو‬
                        ‫ً‬
 ‫اهلل أن يظل أبو حنيفة حياً يف قربه ليستكمل الدراسة ويستمر يف التردد على القرب يومياً ملدة مخس عشرة سنة ليتعلم علم أبو حنيفة فضال عن عشرات السنني قبل‬
                                                                                                                                             ‫ذلك!!‬

                                                                            ‫مث كيف يكون اخلضر هو ممد األولياء ومعلمهم وهو هبذه البالدة وقلة احلفظ!!‬

                            ‫كل هذه األمور، ولكن ألهنم مل تكن هلم عقول سليمة فإهنم كذبوا مثل هذا الكذب السمج.‬          ‫لقد فات الذين يفترون هذه القص‬
‫ورحم اهلل اإلمام الشافعي القائل: "ال أرى أن رجالً يتصوف أول النهار حىت يكون أمحق يف آخره".. وقال: "ال أرى أن رجالً يصاحب الصوفية أربعني يومناً‬
                                                                                                                         ‫فيعود إليه عقله أبداً".‬

                                                                        ‫وهؤالء ال شك أهنم كانوا كذلك محقى جمانني ذهبت عقوهلم ومل ترجع إليهم أبداً.‬

‫والعليب أن مثل هذه اخلرافات تظل تسري وجتري فقد زعم احلصفكي احلنفي يف مقدمة كتابه الدر املختار أن اخلضر أود أوراق املنذهب احلنفني يف هننر‬
                    ‫جيةون إىل وقت نزول عيسى عليه السالم حىت إذا نزل أخذ هذه الصةائف وتعلم منها املذهب احلنفي حىت حيكم به يف آخر الزمان!!‬

                                                                                                                     ‫الخضر يعلم األ كار الصوفية:‬

‫اخلضر الصويف املزعوم يكاد يكون يف كل ميدان من ميادين التصوف، فهو صاحب الكشف وهو نقيب األولياء، وهو آخذ العهود، وهو مرشد األنام، وهو معلم‬
‫األذكار. يقول أمحد بن إدريس: " اجتمعت بالنيب صلى اهلل عليه وسلم اجتماعاً صورياً ومعه اخلضر عليه السالم فأمر النيب عليه السالم اخلضر أن يلقنين أذكنار‬
‫الطريقة الشاذلية فلقنين إياها حبضرته صلى اهلل عليه وسلم" (مفاتيح كنوز السماوات واألرض لصاحل حممد اجلعفري ص9) ويستطرد أيضاً قائالً: "مث قال صلى اهلل‬
‫عليه وسلم للخضر عليه السالم يا خضر لقنه ما كان جامعاً لسائر األذكار والصلوات واالستغفار" (مفاتيح كنوز السماوات واألرض لصاحل حممند اجلعفنري‬
                                                                                                                                             ‫ص9).‬

‫قلت اعلم أن أذكار الطريقة الشاذلية هذه فيها كفر وشرك فمن أذكارها صالة ابن مشيش (اللهم انشلين من أوحال التوحيد، وأترقين يف عني حبر الوحدة) وفيها‬
‫أن حممد صلى اهلل عليه وسلم هو أصل هذا الوجود وأول خملوق فيه ومنه انشقت كل األنوار وظهرت كل املوجودات (اقرأ الباب اخلاص باحلقيقنة احملمدينة،‬
                                                                                                                 ‫والباب اخلاص بالذكر الصويف)..‬

‫واملهم هنا التنبيه على أن اخلضر الصويف خيتلف متاماً عن اخلضر الذي ذكره اهلل يف القرآن وق علينا النيب صلى اهلل عليه وسلم قصته. فذاك نيب عبد موحد مؤمن‬
‫على علم من علم اهلل بالوحي عاش ومات لوقت ه وزمانه وفعل ما فعل موافقاً للةق والشريعة أما اخلضر الصويف فهو ما رأينا مصدراً للخرافة واجلهنل والشنرك‬
                             ‫ولذلك أخرب اإلمام ابن تيمية بأن اخلضر املزعوم هذا ال حقيقة له شأنه يف ذلك شأن الغوث والقطب الصويف، ومنتظر الرافضة.‬

                                                                                                                 ‫الخضر الصوفي خرافة ال حقيقة:‬

                                                                        ‫يقول اإلما م ابن تيمية رمحه اهلل يف رسالة زيارة القبور واالستنلاد باملقبور ما نصه:‬

‫"ثالثة أشياء ما هلا من أصل: باب النصريية، ومنتظر الرافضة، وتوث اجلهال، فإن النصريية تدعي يف الباب الذي هلم أنه الذي يقيم العامل فذاك شخصه موجنود‬
‫ولكن دعوى النصريية فيه باطلة، وأما حممد بن احلسن املنتظر، والغوث املقيم مبكة وحنو هذا فإنه باطل ليس له وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب‬
‫الغوث اجلامع ميد أولياء اهلل ويعرفهم كلهم وحنو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر رضي اهلل عنهما مل يكونا يعرفان مجيع أولياء اهلل وال ميداهنم فكينف هبنؤالء‬
‫الضالني املغترين الكذابني، ورسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم سيد ولد آدم إمنا عرف الذين مل يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء هو الغرة والتةليل ومن هؤالء‬
‫من أولياء اهلل ال حيصيه إال اهلل عز وجل وأنبياء اهلل الذي هو إمامهم وخطيبهم مل يكن يعرف أكثرهم بل قال اهلل تعاىل: {ولقد أرسلنا رسالً من قبلك منهم من‬
‫قصصنا عليك ومنهم من مل نقص عليك} وموسى مل يكن يعرف اخلضر، واخلضر مل يكن يعرف موسى بل ملا سلم عليه موسى قال له اخلضر: وإين بأرضنك‬
                                                                                                                                                  ‫س‬
‫ال ّالم، فقال له: أنا موسى، قال: موسى بين إسرائيل؟ قال: نعم، وقد كان بلغه امسه وخربه ومل يكن يعرف عينه ومن قال أنه نقيب األولياء أو أنه يعلمهم كلهم‬
‫فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه احملققون أنه ميت وأنه مل يدرك اإلسالم ولو كان موجوداً، يف زمان النيب صلى اهلل عليه وسلم لوجب عليه أن يؤمن بنه‬
‫وجياهد معه كما أوجب اهلل ذلك عليه وعلى تريه ولكان يكون يف مكة واملدينة ولكان يكون حضوره مع الصةابة لللهاد معهم وإعانتهم على الدين أوىل بنه‬
‫من حضوره عند قوم كفار لريفع هلم سفينتهم ومل يكن خمتفياً عن خري أمة أخرجت للناس وهو قد كان بني املشركني ومل حيتلب عنهم مث ليس للمسلمني بنه‬
‫وأمثاله حاجة يف دينهم ودنياهم، فإن دينه م أخذوه عن الرسول صلى اهلل عليه وسلم النيب األمي الذي علمهم الكتاب واحلكمة وقال هلم نبيهم [لو كان موسى‬
‫حياً مث اتبعتموه وتركتموين لضللتم] وعيسى بن مرمي عليه السالم إذا نزل من السماء إمنا حيكم فيهم بكتاب رهبم وسنة نبيهم فأي حاجة هلم مع هذا إىل اخلضنر‬
‫وتريه و النيب صلى اهلل عليه وسلم قد أخربهم بنزول عيسى عليه السالم من السماء وحضوره مع املسلمني وقال [كيف هتلك أمة أنا أوهلا وعيسى يف آخرها] فإذا‬
‫كان النبيان الكرميان اللذان مها مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل وحممد صلى اهلل عليه وسلم سيد ولد آدم ومل حيتلبوا عن هذه األمنة ال عنوامهم وال‬
         ‫خواصهم فكيف حيتلب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان اخلضر حياً دائماً فكيف مل يذكر النيب صلى اهلل عليه وسلم ذلك فقط، وال خلفاؤه الراشدين؟!!‬

‫وقول قائل إنه نقيب األولياء، فيقال له، من واله النقابة وأفضل األولياء أصةاب حممد صلى اهلل عليه وسلم وليس فيهم اخلضر، وتاية ما حيكى يف هذا الباب من‬
                 ‫ً‬
‫احلكايات بعضها كذب وبعضها مبين على ظن رجال مثل شخ رأى رجالً ظن أنه اخلضر، وقال إنه اخلضر، كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أننه اإلمنام‬
‫املنتظر املعصوم أو تدعي ذلك. وروي عن اإلمام أمحد بن حنبل أنه قال وقد ذكر له اخل ضر من أحالك على تائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس‬
                                                                                                                 ‫إال الشيطان. انتهى املراد منه.‬



                                                                       ‫الفصل التاسع‬

                                                                     ‫الكشف الصويف‬

                                                                                                                          ‫اإلميان بالغيب يف الكتاب والسنة:‬

‫من أصول الدين وقواعد اإلميان أن تعتقد أن الغيب علمه هلل تعاىل وحده سبةانه وتعاىل وأنه يطلع وسبةانه تعاىل على ما شاء من الغيب من شاء منن أنبيائنه‬
‫ورسله فقط وأن األنبياء ال يعلمون من الغيب إال ما أعلمهم اهلل إياه كما قال سبةانه وتعاىل لرسوله: {قل ال أملك لنفسي نفعاً وال ضراً إال ما شناء اهلل ولنو‬
                                             ‫كنت أعلم الغيب الستكثرت من اخلري وما مسين السوء إن أنا إال نذير وبشري لقوم يؤمنون} (األعراف:996).‬

‫وقال جل وعال: {عامل الغيب فال يظهر على تيبه أحداً* إال من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بني يديه ومن خلفه رصداً* ليعلم أن قد أبلغوا رساالت رهبم‬
                                                                                    ‫وأحاط مبا لديهم وأحصى كل شيء عدداً} (اجلن:65-95).‬

‫وأمر رسوله حممداً صلى اهلل عليه وسل م أن خيرب الناس أنه ليس ملكاً وال ميلك خزائن اهلل وال يعلم الغيب قال تعاىل: {قل ال أقول لكم عندي خزائن اهلل وال أعلم‬
                                         ‫الغيب وال أقول لكم إين ملك إن أتبع إال ما يوحى إيل قل هل يستوي األعمى والبصري أفال تتفكرون} (األعراف).‬

‫وهذا الذي قاله الرسول صلى اهلل عليه وسلم هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعاىل على لسان نوح: {وال أقول لكم عندي خزائن اهلل وال أعلم الغيب وال أقول‬
                                           ‫إين ملك وال أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم اهلل خريًا اهلل أعلم مبا يف أنفسهم إين إذًا ملن الظاملني} (هود).‬

‫ويف صةيح البخاري عن ابن عمر رضي اهلل عنهما عن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال: [مفاتيح الغيب مخسة ال يعلمها إال اهلل: ال يعلم ما تغيض األرحنام إال‬
‫اهلل، وال يعلم ما يف تد إال اهلل، وال يعلم مىت يأيت املطر أحد إال اهلل، وال تدري نفس بأي أرض متوت إال اهلل وال يعلم مىت تقوم الساعة إال اهلل]. وهذا احلنديث‬
‫يقرر قوله تعاىل: { إن اهلل عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما يف األرحام وما تدري نفس ماذا تكسب تداً وما تدري نفس بأي أرض متوت إن اهلل علنيم‬
                                                                                                                                          ‫خبري} (لقمان).‬

‫ويف صةيح البخاري أيضاً عن عائشة رضي اهلل عنها قالت: من حدثك أن حممداً صلى اهلل عليه وسلم رأى ربه فقد كذب وهو يقول: {ال تدركه األبصنار}‬
                                        ‫ومن حدثك أنه يعلم ما يف تد فقد كذب وهو يقول {قل ال يعلم من يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل}.‬

‫فهذه اآليات واألحاديث ومثلها كثري جداً قاطع بأنه ال يعلم أحد يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل ال ملك مقرب، وال نيب مرسل، وأنه ال يعلم أحند منن‬
‫هؤالء الغيب إال ما أطلعه اهلل سبةانه عليه، فهاهم املالئكة خيلق اهلل آدم وال يعلمون احلكمة من خلقه، ويعرض اهلل عليهم مسميات معينة ويقول هلنم أنبئنوين‬
‫بأمساء هؤالء إن كنتم صادقني، فيقولون سبةانك ال علم لنا إال ما علمتنا إنك أنت العليم احلك يم، ويعلم اهلل آدم النيب األمساء فيعلمها هلم، وآدم نيب مكلم كما‬
‫جاء يف احلديث الشريف، وهؤالء األنبياء ال يعلمون الغيب بن القرآن ومبئات بل بآالف الوقائع، فنوح مل يعلم أن ابنه ليس من أهله وأن زوجته على تري دينه،‬
‫وإبراهيم مل يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سا رة إال بعد أن جاءته املالئكة ولقد جاءته املالئكة يف صورة بشر فذبح هلم علالً وقربه إلنيهم وهنو ال يعلنم‬
                             ‫ً‬
‫حقيقتهم حىت أعلموه، ومل يكن يعرف مقصدهم حىت أعلموه أهنم ذاهبون لتدمري قرى لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية املالئكة علما أهنم قد أتوا إلجنائه وإجنناء‬
‫أهله، ومل يعلم حقيقة أمرهم إال بعد أن علموه ومل يكن له كشف خاص، وال علم خاص يستطيع أن يعرف من القوم، وأما حممد صلى اهلل عليه وسنلم فقند‬
‫حدث له مئات بل آالف الوقائع اليت تدل يقيناً أنه مل يكن يعلم يف الغيب إال ما أعلمه اهلل إياه.. فقد ظن أن جربيل الذي أتاه يف الغار شيطان وقال خلدجية لقد‬
‫خفت على نفسي، ومل يعرف أنه امللك حىت أتى ورقة بن نوفل فأخربه أن الكالم الذي جاء به يشبه الكالم الذي نزل على األنبياء من قبله.. ومل يدر خبلد النيب‬
‫أنه سيؤذى وخيرج من مكة أبداً علماً بأن النيب صلى اهلل عليه وسلم قد مكث يتعبد يف تار حراء سنوات طويلة، وعند الصوفية أن من لف رأسه خبرقه وجلس يف‬
‫مكان مظلم رأى اهلل، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعاله وأسفله.. بل النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم مكث ثالث عشرة سنة يف مكة ال يعلم أين سيهاجر‬
‫بعد ذلك، وبعد اهللرة خرج إىل أيب سفيان ففاته واصطدم جبيش املشركني وجاءه املشركون يف املدينة املرة تلو املرة يزعمون أهنم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل‬
‫هلم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خرية القراء، فيغدرون هبم يف الطريق.. فغدر املشركون بأربعني رجالً من املسلمني مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علنم‬
‫رسول اهلل ما يكون من أمر اهلل بل لو علم أن هؤالء الكفرة األعراب يكذبون عليه ملا أسلم هلم أصةابه وحبس املشركون يوماً وليلة يف مكان ليس فيه ماء ألن‬
‫السيدة عائشة رضي اهلل عنها قد فقدت عقداً هلا ولو كان هناك كشف صويف على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد السيدة عائشة الذي كان حتت‬
‫بعريها ومل يفطن إليه أحد من املسلمني من أصةاب النيب.. ورمى املنافقون السيدة عائشة بالزنا -شرفها اهلل ومحاها وبرأها ولعن اهلل من سنبها- .. ومكنث‬
‫رسول اهلل شهراً كامالً ال يدري ما يقول، وكان يستفيت أصةابه ويسأل علي بن أيب طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته وموالته هل رأوا على عائشة شيئاً..‬
‫ومل يستطع رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أن يعلم حقيقة األمر حىت أنزل اهلل براءهتا من السماء.. هذا إىل العشرات واملئات من الوقائع اليت تبني أن رسنول اهلل‬
                                                          ‫وأكرم خلق اهلل من البشر على اهلل مل يكن يطلع على شيء من الغيب إال ما أطلعه اهلل حبكم النبوة..‬

                                                                                                                                  ‫الغيب يف املعتقد الصويف:‬

‫ولكن الصوفية منذ القدم.. منذ نشأهتم يف اإلسالم وإىل يومنا هذا عمدوا إىل هذا األصل األصيل من أصول الدين فهدموا بل اقتلعوا جذوره من قلوب من يسري‬
‫يف طريقهم وينتهج منهلهم هذا األصل فهدموه جعله اهلل أول صفة يف كتابه لل متقني حيث يقول تبارك وتعاىل يف سورة البقرة الثانية يف القرآن بعند الفاحتنة:‬
                                                                               ‫{امل* ذلك الكتاب ال ريب فيه هدى للمتقني* الذين يؤمنون بالغيب} اآلية.‬

‫جعل اهلل صفة اإلميان بالغيب أول صفة للمتقني املهتدين بالقرآن والسنة وذلك حىت يوحد املؤمنون طريق التلقي فال يتلقون تيباً إال من اهلل ومن أقامه لألخبنار‬
‫بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط، جاء املتصوفة فكان أول هدم هلم يف اإلسالم أن يهدموا هذا األصل فأقاموا شيئاً مسوه (الكشف الصويف) وهو يعين عندهم‬
‫رفع احللب أمام قلب الصويف وبصره ليعلم ما يف السماوات مجيعاً، وما يف األرض مجيعاً، فال تسقط ورقة إال بنظره وال تقع قطرة ماء من السماء إال بعلمه وال‬
   ‫يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتةرك ساكن أو يسكن متةرك إال بعلم الصويف.. هكذا واهلل؛ وسريى القارئ يف هذا الفصل النقول من كتب القوم كلها تن‬
‫على أن الصويف ال يقف أمامه حلاب، وال يوصد أمامه باب، وال يعلزه علم شيء يف األرض وال يف السماء. فهو يعلم ما يكتب يف اللوح احملفنوظ سناعة‬
‫بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح احملفوظ، وماذا يف أم الكتاب، وماذا كان منذ األزل وماذا سيكون إىل األبد، ال أقول قد سناوى الصنوفية‬
‫أنفسهم باألنبياء بالغيب أ و ساووا أنفسهم باخلضر الذي يزعمون النقل عنه ال واهلل بل جعلوا كل زنديق منهم ممن ال وزن له يف خلق وال علم جعلوا هؤالء هم‬
                                                                                                 ‫اهلل علماً بكل شيء، وإحاطة مبا يف السماوات واألرض..‬

‫وسريى القارئ أن أي زندقة وأي كفر يف األرض مل جيرؤ كاتبوه ومؤيدوه أن يكتبوا مثل هذا ولكن الصوفية سبقوا كل الكفار يف كل امللل والنةل واألقنوام‬
                                                                                                                   ‫ً‬
                                                     ‫وكتبوا بأقالمهم ما مل جيرؤ أحد بتاتا أن يكتبه أو يسطره فيما علمناه من الكفرة والزنادقة واملالحدة..‬

‫لقد ترقى املتصوفة يف قضية الكشف عندهم فزعموا أوالً أن الصويف يكشف له معان يف القرآن واحلديث ال يعلمها علماء الشريعة الذين مسوهم بعلماء الظناهر‬
‫والقراطيس واآلثار اليت ينقلوهنا عن املوتى.. ، وأما هم فيلتقون بالرسول صلى اهلل عليه وسلم يقظة أحياناً، ومناماً أحياناً ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم مث‬
‫ترقوا فقالوا إن لنا علوماً ليست يف الكتاب والسنة نأخذها عن اخلضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي ميد األولياء هبذه الشريعة، فموسى وحممد واألنبياء‬
‫على شريعة ظاهرة، وأما اخلضر فهو على شريعة باطنة جيوز فيها ما ال جيوز يف الظاهر، فقد قتل الغالم بغري ذنب، وكسر السفينة ملن محلهم بغري ننوال، وبنىن‬
          ‫ً‬
‫اجلدار إحساناً منه ملن أساء إليهم.. ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، وحنن يف الباطن على شريعة اخلضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علوما خاصنة‬
‫ينكرها أهل الظاهر جلهلهم.. والعليب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن اخلضر إتيان (احلمارة) والزنا، وشرب اخلمر واللواط، والتعنري،‬
‫والصراخ يف الطرقات، وسب املؤذنني للصالة، وسب األنبياء واإلدعاء بأن كل خملوق هو اهلل وإلقاء السالم على الكالب واخلنازير، والترحم على إبليس وحماولة‬
‫الوصول إىل مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى باهلل وتربئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول حممد هو اهلل املستوي على العرش.. هذه األشياء قليلة جنداً‬
 ‫من هذا الدين الباطين الذي زعم املتصوفة أهنم نالوه عن طريق الكشف الصويف، وهو رفع احللب عن القلوب واألبصار لرؤية احلق على ما هو عليه، وأن اخلضر‬
 ‫عليه السالم هو مبلغ كل هذا هلم، وتارة يترقون يف هذا الكذب أو باألحرى يهوون إىل أسفل سافلني يف دعاوي الكذب هذه فيزعمون أهنم تلقوا هذه العلوم من‬
 ‫ملك اإلهلام كما تلقى حممد صلى اهلل عليه وسلم علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أهنم تلقوا علومهم هذه اليت أشرنا إىل بعضها آنفاً من اهلل رأساً وبنال‬
 ‫وساطة وأهنا انطبعت يف نفوسهم من اهلل رأساً وأهنم مطالعون األمر يف األزل بأرواحهم، واألمر يف األبد يرونه كما يكون عليه احلال يرونه كذلك بأرواحهم بغري‬
                                                                                         ‫وساطة وأن مهتهم تصل السماوات وما فوقها واألرض وما حتتها..‬

‫ولقد وسع املتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أهنم يعلمون أسرار احلروف املقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقص األنبياء يرووهنا على حقيقتها وجيتمعون‬
‫باألنبياء ويسألوهنم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم.. فيفيدون فوائد كثرية دوهنا كثريًا ما هو موجود فعالً يف القرآن، وأما اجلنة والنار، فهم وإياها دائمناً‬
‫رأي العني، بل هي ساقطة أصالً من عيوهنم ألن النار وما النار، لو بصق أحدهم عليها ألطفأها كما قال أبو يزيد وتريه منهم.. وأما اجلنة فالنظر إليهنا شنرك‬
                                                                                                                    ‫وكفر ألهنم ينظرون إىل اهلل فقط..‬

‫ولذلك قال قائلهم معيباً على الصةابة عندما قرأ {منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد اآلخرة} قال.. أف.. أليس منكم أحد يريد اهلل.. وقال آخر عن قوله‬
                                                                                ‫تعاىل: {إن أصةاب اجلنة اليوم يف شغل فاكهون} قال.. أهلاهم عنه..‬

‫باختصار لقد اكتشف املتصوفة بزعمهم للقرآن معاين تري اليت يعرفها أصةاب النيب صلى اهلل عليه وسلم وعلماء األمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عنن‬
‫طريق كشفهم الشيطاين أن للقرآن معاين أخرى وأن فيه علوماً كثرية جداً ال يعلمها تريهم.. وما هذه العلوم.. إهنا كنل الفلسنفات القدمينة، واخلنزعبالت‬
‫واخلرافات اليت عند فالسفة اإلتريق، وكهنة اهلنادك واهلندوس، وشياطني اجملوس وإباحية املانوية واملزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كنل هنذا‬
                                                          ‫وهذا جعله املتصوفة كشفاً وحقيقة صوفية ومعاين للقرآن الكرمي وحلديث النيب الشريف..‬

                                  ‫ومن أراد منهم أن ال ينسب هذه اخلرافات واخلزعبالت إىل القرآن واحلديث، ورأى أنه حتقق بعلوم أكثر بكثري مما فيهما قال:‬

‫خضنا حبراً وقف األنبياء بساحله.. فلعل نفسه أعظم معرفة وحتقيقاً مما لدى األنبياء.. وذلك ملا رأى أنه قد مجع من اخلرافات واخلزعبالت واألساطري شيئاً هنى‬
‫الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله.. هذه هي حقيقة الكشف الصويف الذي زعم أصةابه أنه مثرة العبادة والتقوى واالتصال باهلل واملالئكنة واألنبيناء‬
‫واخلضر، وأنه نتيلة حتمية لسباحة أرواحهم يف األزل واألبد، والسماوات السبع وما فوقها واألراضني السبع وما حتتها.. لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية‬
‫بعشرات اجمللدات واخلرافات واخلزعبالت بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا األمر على عامة املسلمني، وأضلوا من ال علم هلنم‬
‫بالكتاب وال سنة، وظنوا فعالً أن هؤالء الناس صاحلون وأن علومهم هذه قد أتوا هبا فعالً من الغيب، وخاصة أهنم رأوهم أحياناً جتري على أيديهم بعض احلينل‬
‫الشيطانية، وبعض الكرامات اإلبليسية من خرق العادات أو اإلخبار ببعض املغيبات ما هو عند اهلندوس واجملوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر مننه مئنات‬
‫املرات، لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤالء من هذه الكرامات اإلبليسية اليت هي حقاً أمثال شيطانية من ما جيري للكفار واملنافقني والدجالني، فظننوا أن‬
‫هؤالء من أهل اهلل حقاً، وأن احللب ترتفع عنهم صدقاً وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقيناً وبذلك راجت يوماً بضاعة هؤالء الزنادقة وصرفوا املسلمني عنن‬
                                                                                                                       ‫دينهم احلق وعقيدهتم املستقيمة.‬

‫وها حنن نورد بعد هذه املقدمة اليت ال بد منها طائفة من النقول من كتب القوم املعتمدة اليت تبني هذا الباطل الذي يدعونه ويسمونه كشفاً، وحقيقنة، وعلمناً‬
                                                                                                                                           ‫ً‬
                                                                            ‫لدنياً، وحتققا واطالعاً ليكون القارئ املسلم على بينه مما عليه هؤالء الزنادقة.‬

                                                                                                          ‫عبدالكريم الجيلي وكتابه اإلنسان الكامل:‬

‫هذا عبدالكرمي اجليلي يكتب كتابه (اإلنسان الكامل) زاعماً أيضاً أنه من اهلل أخذه، وأن اهلل أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إال وهو مؤيند‬
                                                                                                                              ‫بالكتاب والسنة يقول:‬

‫".. مث ألتمس من الناظر يف هذا الكتاب بعد أن أعلمه أين ما وضعت شيئاً يف هذا الكتاب إال وهو مؤيد بكتاب اهلل أو سنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، أنه‬
‫إذا الح له شيء يف كالمي خبالف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه ال من حيث مرادي الذي وضعت الكالم ألجله فليتوقف عن العمل به منع‬
                                                          ‫التسليم إىل أن يفتح اهلل تعاىل عليه مبعرفته، وحيصل له شاهد ذلك من كتاب اهلل تعاىل أو سنة نبيه.‬

‫وفائدة التسليم هنا وترك اإلنكار أن ال حيرم الوصول إىل معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئاً من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكراً، وال سبيل إىل تري ذلك،‬
                                                        ‫بل وخيشى عليه حرمان الوصول إىل ذلك مطلقاً باإلنكار أول وهلة، وال طريق له إال اإلميان والتسليم.‬

‫واعلم أن كل علم ال يؤيده الكتاب والسنة فهو ضاللة، ال ألجل ما ال جتد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم يف نفسه مؤيداً بالكتاب والسننة، ولكنن قلنة‬
‫است عدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له هبمتك من حمله فتظن أنه تري مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق يف هذا التسليم وعدم العمل به من تري إنكار‬
                                                                                                   ‫إىل أن يأخذ اهلل بيدك إليه" (اإلنسان الكامل ص9).‬

‫علماً بأنه مل يضع فيه شيئاً مطلقاً وافق الكتاب والسنة، بل مجع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر األولني واآلخرين كيف ال وقد جعل كل من عبد شيئاً‬
 ‫يف األرض فما عبد إال اهلل. بل زعم أنه ليس يف الوجود إال اهلل، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إال هنو فهنو النرب والعبند، والشنيطان‬
                                                                    ‫والراهب،والسماء واألرض، والظلمات والنور، واحلمل الوديع والذئب الكاسر..‬

‫تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً واستغفر اهلل من تسطري ذلك وكتابته.. اللهم رمحاك رمحاك.. لقد قلت يف كتابك عن الذين ادعوا األلوهية يف عيسى وهو نيب كرمي‬
‫ونفس طيبة {كربت كلمة خترج من أفواههم إن يقولون إال كذباً} وقلت أيضاً {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق األرض وختر اجلبال هداً* أن دعوا للرمحن‬
‫ولداً* وما ينبغي للرمحن أن يتخذ ولدا* إن كل من يف السماوات واألرض إال آيت الرمحن عبداً}.. وهذا الزنديق يا ريب وأمثاله جعلوا كل كلنب وخنزينر يف‬
‫األرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءاً منك، ومظهراً لك (وجملى) -حسب عبارهتم- من جماليك وجتلياتك مث أنت ترزقهم وتعافيهم وحتلم عليهم‬
                           ‫سبةانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. ال إله إال أنت استغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاتفر يل إنه ال يغفر الذنوب إال أنت.‬

                                                                                                             ‫نعود إىل اجليلي وكتابه الذي يقول فيه بالن :‬

‫"وكنت قد أمس يت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله باخلرب الصةيح (..انظر) ومسيته باإلنسان الكامل يف معرفة األواخر واألوائل" مث يقول: "فأمرين‬
‫احلق اآلن بإبرازه بني تصرحيه وإلغازه، ووعدين بعموم االنتفا فقلت طوعاً لألمر املطا ، وابتدأت يف تأليفه متكالً على احلق يف تعريفه، فها أنا ذا أكر من دنه‬
‫(الدن: هو وعاء اخلمر الذي خيمر فيه) القدمي، بكأس االسم العليم، يف قوابل أهل اإلميان والتسليم مخرة مرضعة من احلي الكرمي، مسكرة املوجود بالقدمي) أ.هن‬
                                                                                                                                           ‫(ص6).‬

                                                                                                              ‫ما الذي يتكلم عليه اجليلي يف هذا الكتاب:‬

‫إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معىن واحد وهو وصف اهلل بصفات خملوقاته، وبيان أن املخلوق هو عني اخلالق.. هذا كل ما يريد اجليلي أن يصل إليه وهذا‬
‫هو ما شرحه شرحاً كامالً يف كتابه، وأضاف أن حممداً صلى اهلل عليه وسلم هو اإلنسان الكامل واإلله الكامل الذي اتصف بكل صفات اهلل بعلوها وسنفلها،‬
‫حبلوها ومرها؛ فقل هو اهلل أحد معناها كما يفسرها اجليلي: قل يا حممد اإلنسان هو اهلل أحد. فهاء اإلشارة يف (هو) راجع إىل فاعل قل وهو أنت.. فيكون املعين‬
                ‫يا حممد هو أي أنت اهلل أحد.. هذا هو الكشف الذي كشفه لنا اجليلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء خيالف الكتاب والسنة.‬

                                                                                                                       ‫عبارة اجليلي يف ذلك:..‬   ‫وهذا ن‬

‫"احلرف اخلامس من هذا االسم: هو اهلاء، فهو إشارة إىل هوية احلق الذي هو عني اإلنسان قال اهلل تعاىل (قل) يا حممد (هو) أي اإلنسان (اهلل أحد) فهاء اإلشارة‬
‫يف هو راجع إىل فاعل قل وهو أنت، وإال فال جيوز إعادة الضمري إىل ت ري مذكور أقيم املخاطب هنا مقام الغائب التفاتاً بيانياً إشارة إىل أن املخاطب هبذا لنيس‬
                                                                                               ‫نفس احلاضر وحده، بل الغائب واحلاضر يف هذا على السواء.‬

‫قال اهلل تعاىل (ولو ترى إذ وقفوا) ليس املراد به حممداً وحده بل كل راء، فاستدارة رأس اهلاء إشارة إىل دوران رحى الوجود احلقي واخللقي على اإلنسان، فهنو‬
‫يف عامل املثال كالدائرة اليت أشارت اهلاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهنو‬
        ‫خلق، وإن شئت قلب األمر فيه باإلهلام، فاألمر يف اإلنسان دوري بني أنه خملوق له ذل العبودية والعلز وبني أنه على صورة الرمحن، فله الكمال والعز.‬

‫قال اهلل تعالى (واهلل هو الولي) يعني اإلنسان الكامل ال ي قال فيه (أال إن أولياء اهلل ال خوف عليهم وال هم يحزنون) ألنه يساتحيل‬
‫الخوف والحزن وأمثال لك على اهلل ألن اهلل هو الولي الحميد (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) أي الولي، فهو حاق‬
‫منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني اإللهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي الانقص‬
        ‫والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء واألرض، وهو الطول والعرض، وفي ه ا المعنى قلت:‬

                                   ‫سواي فأرجو فضله أو فأخشاه‬                       ‫يل امللك يف الدارين مل أرى فيهما‬

                                 ‫وال بعد من بعدي فأسبق معناه‬                              ‫وال قبل من قبلي فاحلق شأنه‬

                                 ‫مجال جالل الكل ما أنا إال هو‬                          ‫وقد حزت أنوا الكمال وإنين‬

                                   ‫وحيوانه مع أنه وسلاياه‬                               ‫فمهما ترى من معدن ونباته‬

                                 ‫ومن هباء األصل طيب هيواله‬                              ‫ومهما ترى من عنصر وطبيعة‬

                                ‫ومن شلر أو شاهق طال أعاله‬                                  ‫ومهما ترى من أحبر وقفاره‬

                                   ‫ومن شهد للعني طال حمياه‬                             ‫ومهما ترى من صورة معنوية‬

                                                                                                                                          ‫إىل أن يقول:‬

                                                            ‫أنا املتللي يف حقيقته ال هو" (ص69)‬                            ‫فإين ذلك الكل والكل مشهدي‬

                                                                                                                ‫ً‬
                                                                          ‫ويشرح اجليلي هذا املعىن اجململ تفصيليا يف الباب الستني من كتابه فيقول بالن :‬

                                                             ‫الباب امللفى ستني: يف اإلنسان الكامل وأنه حممد صلى اهلل عليه وسلم وأنه مقابل للةق واخللق.‬

‫" اعلم حفظك اهلل أن اإلنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفالك الوجود من أوله إىل آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إىل أبد اآلبدين، مث له تنو يف‬
‫مالبس ويظهر يف كنائس (الكنيسة مكان العبادة عند النصارى. واملعىن املشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار: ومنا الكلنب‬
‫واخلنزير إهلنا وما اهلل إال راهب يف كنيسة) فيسمى به باعتبار لباس، وال يسمى به باعتبار لباس آخر، فامسه األصلي الذي هو له حممد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه‬
‫عبداهلل ، ولقبه مشس الدين، مث له باعتبار مالبس أخرى أسام، وله يف كل زمان اسم ما يليق بلباسه يف ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى اهلل عليه وسلم وهو يف‬
‫صورة شيخي الشيخ شرف الدين امساعيل اجلربيت، ولست أعلم أنه النيب صلى اهلل عليه وسلم وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من مجلة مشاهد شاهدته فيها بزبيد‬
‫سنة ست وتسعني وسبعمائة وسر هذا األمر متكنه صلى اهلل عليه وسلم من التصور بكل صورة، فاألديب إذا رآه يف الصورة احملمدية اليت كان عليها يف حياته فإنه‬
                   ‫يسميه بامسه، وإذا رآه يف صورة ما من الصور وعلم أنه حممد فال يسميه إال باسم تلك الصورة، مث ال يوقع ذلك االسم األعلى احلقيقة احملمدية.‬

 ‫أال تراه صلى اهلل عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي اهلل عنه قال الشبلي لتلمي ه أشهد أني رساول اهلل وكاان التلميا‬
‫صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول اهلل، وه ا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فالن في صورة فالن. وأقل مراتاب‬
                       ‫ا‬
‫الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقً وهو أن الصورة التي يرى‬
‫فيها محمد صلى اهلل عليه وسلم في النوم ال يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، ألن عالام المثال يقع التعبير فيه فيعبار‬
‫عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخالف الكشف فإنه إ ا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلياة فاي‬
‫صورة من صور اآلدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة‬
                                                      ‫ا‬
‫تأدبك مع محمد صلى اهلل عليه وسلم. لما أعطاك الكشف أن محمدً صلى اهلل عليه وسلم متصور بتلك الصورة، فال يجوز لك بعد‬
                         ‫ا‬
‫شهود محمد صلى اهلل عليه وسلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئً في قولي من م هب التناسخ،‬
‫حاشا هلل وحاشا الرسول صلى اهلل عليه وسلم أن يكون لك مرادي، بل إن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم له مان التمكاين فاي‬
‫التصور بكل صورة حتى يتجلى في ه ه الصورة، وقد جرت سنته صلى اهلل عليه وسلم أنه ال يزال يتصور في كل زمان بصورة‬
                                                    ‫أكملها ليعلي شأنهم ويقيم ميالنهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم" أ.ها‬

‫مث يست طرد اجليلي حسب اعتقاده مبيناً كيف يكون حممد صلى اهلل عليه وسلم إنساناً كامالً، وإهلاً حتققت فيه كل مظاهر الربوبية واأللوهية وجتلت فيه كل أمساء‬
                                                                                                                                        ‫اهلل وصفاته..‬

                                      ‫ً‬
‫وملا كان اهلل عند اجليلي ومن على طريقته من هؤالء الزنادقة امللةدين هو هذه املخلوقات ال تري.. استطرد اجليلي مبينا أن الكون الوجود يف كل شيء منه مقابل‬
‫للذات احملمدية. ففي ذات الرسول شبيه العرش والكرسي، والسماوات واألرض واملالئكة واحليوان والنبات واجلماد.. وسائر املوجودات اليت هي يف حقيقتها عند‬
                                                                                                            ‫اجليلي هي اهلل تعاىل عن ذلك علواً كبرياً..‬

                                                                                                                                     ‫يقول اجليلي شارحاً ذلك:‬

                                                                                              ‫"واعلم أن اإلنسان الكامل مقابل جلميع احلقائق الوجودية بنفسه.‬

‫فيقابل احلقائق العلوية بلطافته، ويقابل احلقائق السفلية بكثافته، فأول ما يبدو يف مقابلته للةقائق اخللقية يقابل العرش بقلبه، قال صلى اهلل عليه وسلم (قلب املؤمن‬
‫من عرش الرمحن)، ويقابل الكرسي ب آنيته، ويقابل سدرة املنتهى مبقامه، ويقابل القلم األعلى بعقله، ويقابل اللوح احملفوظ بنفسه، ويقابل العناصر بطبعه، ويقابل‬
‫اهليويل بقابليته، ويقابل اهلباء حبيز هيكله، ويقابل الفلك األطلس برأيه، ويقابل الفلك املكوكب مبدركته، ويقابل السماء اخلامسة هبمته، ويقابل السماء الرابعنة‬
‫بفهمه، ويقابل السماء الثالثة خبياله، ويقابل السماء الثانية بفكره، ويقابل السماء األوىل حبافظته، مث يقابل زحل بالقوى الالمسة، ويقابل املشتري بالقوى الدافعة،‬
‫ويقابل املريخ بالقوى احملركة، ويقابل الشمس بالقوى الناظرة، ويقابل الزهرة بالقوى املتل ذذة، ويقابل عطارد بالقوى الشامة، ويقابل القمر بالقوى السنامعة، مث‬
‫يقابل فلك النار حبرارته، ويقابل فلك املاء بربودته، ويقابل فلك اهلواء برطوبته، ويقابل فلك التراب بيبوسته، مث يقابل املالئكة خبواطره، ويقابل اجلن والشنياطني‬
‫بوسواسه، ويقابل البهائم حبيوانيته، وي قابل األسد بالقوى الباطشة، ويقابل الثعلب بالقوى املاكرة، ويقابل الذئب بالقوى اخلادعة، ويقابل القرد بالقوى احلاسدة،‬
‫ويقابل الفأر بالقوى احلريصة، وقس على ذلك باقي قواه، مث إنه يقابل النار باملادة الصفراوية، ويقابل املاء باملادة البلغمية، ويقابل الريح باملادة الدموية، ويقابنل‬
  ‫التراب باملادة السوداوية، مث يقابل السبعة أحبر بريقه وخماطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه وبوله والسامع احمليط، وهو املادة اجلارية بني الدم والعرق واجللد، منها تتفر‬
‫تلك الستة، ولكل واحد طعم، فةلو وحامض، ومر وممزوج، وماحل وننت وطيب، مث يقابل اجلوهر هبويته وهي ذاته، ويقابل العرض بوصفه، مث يقابل اجلمنادات‬
‫بأنيابه، فإن الناب إذا بلغ وأخذ حده يف البلوغ بقي شبه اجلمادات ال يزيد وال ينق وإذا كسرته ال يلتةم بشيء، مث يقابل النبات بشعره وظفنره، ويقابنل‬
‫احليوان بشهوانيته، ويقابل مثله من اآلدميني ببشريته وصورت ه، مث يقابل أجناس الناس، فيقابل امللك بروحه، ويقابل الوزير بنظره الفكري، ويقابل القاضي بعلمه‬
‫املسمو ، ورأيه املطبو ، ويقابل الشرطي بظنه، ويقابل األعوان بعروقه وقواه مجيعها، ويقابل املؤمنني بيقينه، ويقابل املشركني بشكه وريبه، فال يزال يقابل كل‬
‫حقيقة من حقائ ق الوجود برقيقة من رقائقه، فقد بينا فيما مضى من األبواب خلق كل ملك مقرب من كل قوى من اإلنسان الكامل، وبقي أن نتكلم عن مقابلة‬
                                                                                                                                    ‫األمساء والصفات.‬

‫اعلم أن نسخة احلق تعاىل كما أخرب صلى اهلل عليه وسلم حيث قال: (خلق اهلل آدم على صورة الرمحن) ويف حديث آخر (خلق اهلل آدم على صورته) وذلك أن‬
                                                                 ‫اهلل تعاىل حي عليم قادر مريد مسيع بصري متكلم، وكذلك اإلنسان حي عليم..اخل.‬
‫مث يقابل اهلوية باهلوية، واإلنية باإلنية، والذات بالذات، والكل بالكل، والشمول بالشمول، واخلصوص باخلصوص، وله مقابلة أخرى يقابل احلق حبقائقه الذاتية،‬
                                      ‫وقد نبهنا عليها يف هذا الكتاب يف تري ما موضع، وأما هنا فال جيوز لنا أن نترجم عنها، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها.‬

‫مث اعلم أن اإلنسان الكامل هو الذي يستةق األمساء الذاتية، والصفات اإلهلية استةقاق األصالة وامللك حبكم املقتضي الذايت، فإنه املعرب عنن حقيقتنه بتلنك‬
‫العبا رات واملشار إىل لطيفته بتلك اإلشارات ليس هلا مستند يف الوجود إال اإلنسان الكامل، فمثاله للةق مثال املرآة اليت ال يرى الشخ صورته إال فيهنا، وإال‬
‫فال ميكنه أن يرى صورة نفسه ال مبرآة االسم اهلل فهو مرآته، واإلنسان الكامل أيضاً مرآة احلق، فإن احلق تعاىل أوجب على نفسه أن ال ترى أمساؤه وال صفاته إال‬
‫يف اإلنسان الكامل، وهذا معىن قوله تعاىل { إنا عرضنا األمانة على السماوات واألرض واجلبال فأبني أن حيملنها وأشفقن منها ومحلها اإلنسان إنه كان ظلومناً‬
             ‫جهوالً} يعين قد ظلم نفسه بأن أنزهلا عن تلك الدرجة، جهوالً مبقداره ألنه حمل األمانة اإلهلية وهو ال يدري" أ.هن (املصدر السابق ص99،69).‬

                                                                                                                        ‫ادعاء رؤية العوامل العلوية والسفلية:‬

‫وال يتوقف هذا اهلذيان الذي يطالعنا به اجليلي يف كتابه حلظة واحدة فهو يزعم أنه قد كشفت له احللب فرأى العامل عاليه وسافله وشناهد املالئكنة مجيعناً‬
 ‫وخاطبهم والرسل واألنبياء؛ فها هو يقول ويدعي: "ويف هذا املشهد ( يعين باملشهد اتصال الصويف بأرواح املخلوقات اليت وجدت يف احلياة واليت مل توجد أيضناً‬
  ‫ألن األرواح يف زعمه خملوقة أبداً ال تفىن) ، اجتما األنبياء واألولياء بعضهم ببعض أقمت فيه بزبيد (زبيد: مدينة من مدن اليمن املشهورة) بشهر ربيع األول يف‬
  ‫سنة مثامنائة من اهللرة النبوية فرأيت مجيع الرسل واألنبياء صلوات اهلل وسالمه عليهم أمجعني واألولياء واملالئكة العالني، واملقربني، ومالئكة التسخري، ورأينت‬
  ‫روحانية املوجودات مجيعها، وكشفت عن حقائق األمور على ما هي عليه من األزل إىل األبد" (انظر) ويستطرد قائالً "وحتققت بعلوم إهلية ال يسع الكنون أن‬
                                                                                                                             ‫نذكرها فيه" (ص99 ج5).‬

                    ‫ً‬
‫ويستطرد اجليلي يف هذيانه وكفرياته قائالً عن مشاهداته املزعومة يف خلق السماء الثانية: "رأيت نوحاً عليه السالم يف هذه السماء جالسا على سرير خلق من نور‬
                                                           ‫الكربياء بني أهل اجملد والثناء فسلمت عليه ومتثلت بني يديه فرد علي السالم ورحب يب وقام".‬

‫إىل أن يقول: " وروحانية امللك احلاكم على مجيع مالئكة هذه السماء علائب من آيات الرمحن وترائب من أسرار األكوان ال يسعنا إذاعتها يف أهل هذا الزمان"‬
                                                                                                                              ‫(ص446) أ.هن.‬

‫ويستطرد اجليلي مبيناً مشاهداته امل زعومة يف السماء الثالثة وأنه رأى يوسف عليه السالم وأنه دار بينهما هذا احلديث الذي يزعم اجليلي يف آخره أنه كان يعلنم‬
                 ‫هذه العلوم اليت أخربه يوسف هبا قبل أن يتفوه هبا يوسف. وما هذه العلوم.. إهنا هذه الكفريات واهلذيانات نفسها وهذا ن عبارته يف ذلك:‬

‫"اجتمعت يف ه ذه السماء مع يوسف عليه السالم، فرأيته على سرير من األسرار كاشفاً عن رمز األنوار عاملاً حبقيقة ما انعقدت عليه أكلة األحبار متةققاً بنأمر‬
‫املعاين، جماوزاً عن قيد املاء واألواين فسلمت إىل حتية وافد إليه فأجاب وحياً مث رحب يب وبيا، فقلت له: سيدي أسألك عن قولك {رب قد آتيتين منن امللنك‬
‫وعلمتين من تأويل األحاديث} أي اململكتني تعين وعن تأويل أي األحاديث تكىن فقال: أردت اململكة الرمحانية املودعة يف النكتة اإلنسانية (يعين أن يوسف عليه‬
‫السالم أجابه بأن اهلل أطلعه عل وجود الرمحن يف كيان اإلنسان) وتأويل األحاديث: األمانات الدائرة يف األلسنة احليوانية، فقلت له يا سيدي أليس هذا املود يف‬
‫التلويح حلالً من البيان والتصريح. فقال: اعلم أن للةق تعاىل أمانة يف العباد يوصلها املتكلمون هبا إىل أهل الرشاد، قلت: كيف يكون للةق أمانة وهنو أصنل‬
‫الوجود يف الظهور واإلبانة، فقال: ذلك وصفه وهذ ا شأنه وذاك حكمه وهذه عبارته، واألمانة جيعلها اجلاهل يف اللسان وحيملها العامل يف السر واجلنان، والكنل‬
‫يف حرية عنه، ومل يفز تري العارف بشيء منه، فقلت: وكيف ذلك. فقال: اعلم أيدك اهلل ومحاك أن احلق تعاىل جعل أسراره كدرر إشارات مودعنة يف أسنرار‬
‫عبارات (يعين أن سر اخللق قد صةبه اهلل يف أسرار العبارات اليت يوحيها إيل) ، فهي ملقاة يف الطريق دائرة على ألسن الفريق، جيهل العام إشارهتا، ويعرف اخلاص‬
‫ما سكن عبارهتا، فيؤوهلا على حسب املقتضى ويؤول هبا إىل حيث املرتضى، وهل تأويل األحالم إال رشةة من هذا البةر أو حصاة من جنادل هذا القفر فعلمت‬
                                                                                                                  ‫ً‬
                                 ‫ما أشار إليه الصديق ومل أكن قبله جاهال هبذا التةقيق، مث تركته وانصرفت يف الرفيق األعلى ونعم الرفيق" أ.هن (ص646).‬

‫مث يزعم اجليلي أن السماء الرابعة هي قلب الشمس وأن فيها إدريس وأن أكثر األنبياء يف دائرة هذا الفلك املكنني مثنل عيسنى وسنليمان وداود وإدرينس‬
                                                                                                                               ‫وجرجيس.. وتريهم.. اخل.‬

‫أمسعتم يا مسلمون نبياً من أنبياء اهلل يسمى جرجيس،.. ها هو اجليلي اطلع عليه يف السماء وجاءكم بامسه كما جاءكم باسم ملك يسمى توحائيل.. أنظرمت كيف‬
‫يكون الكشف وعلم الغيب. هذه هي مناذجه. وأما السماء اخلامسة عند اجليلي فهي مساء الكوكب املسمى هبرام.. وحاكم هذه السماء عزرائيل وهو روحانينة‬
‫املريخ صاحب االنتقام والتوبيخ.. (هكذا واهلل..) ويستطرد اجليلي فيصف السماء السادسة فهي عنده كوكب املشتري.. ويقول "رأيت فيها موسى عليه السالم‬
‫متمكناً يف هذا املقام واضعاً قدمه على هذه السماء قابضاً بيمينه ( يالحظ يف هذا التخليط والتقول على اهلل أن هؤالء الكاذبني يعمندون إىل النوحي القنرآين‬
‫واحلديثي فيأخذون منه ما يشاءون وخيلطونه هبذه األكاذيب ويزعمون أن ذلك هو الكشف الذي كشف هلم فذكر منصبة موسى على ساق سدرة املنتهى مأخوذ‬
‫من قول الرسول صلى اهلل عليه وسلم أكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بساق العرش) ساق سدرة املنتهى سكران من مخر جتلي الربوبينة.." أي موسنى‬
                        ‫انطبعت يف مرآة علمه أشكال األكوان وجتلت فيه ربوبية امللك الديان.. وأنه دار بينه وبني اجليلي هذا احلوار.. يقول اجليلي بالن :‬

‫"فوقفت متأدباً بني يديه، وسلمت بتةقيق مرتبته عليه، فرفع رأسه من سكرة األزل ورحب يب مث أهل، فقلت له: يا سيدي قد أخرب الناطق باجلواب الصادق يف‬
‫اخلطاب، أنه قد برزت لك خلعة لن تراين من ذلك اجلناب، وحالتك هذه تري حالة أهل احللاب، فأخربين حبقيقة هذا األمر العلاب، فقال: اعلنم أننين ملنا‬
‫خرجت من مصر أر ضي إىل حقيقة فرضي، ونوديت من طور قليب بلسان ريب من جانب شلرة األحدية يف الوادي املقدس بأنوار األزلية {إنين أنا اهلل ال إلنه إال‬
‫أنا فاعبدين} فلما عبدته كما أمر يف األشياء، وأثنيت عليه مبا يستةقه من الصفات واألمساء جتلت أنوار الربوبية يل فأخذين عين، فطلبت البقاء يف مقام اللقناء،‬
‫وحمال أن يثبت احملدث لظهور القدمي، فنادى لسان سري مترمجاً عن ذلك األمر العظيم، فقلت: {رب أرين أنظر إليك} فأدخل بانييت يف حضرة القدس علينك‬
‫فسمعت اجلواب من ذلك اجلناب {لن تراين ولكن انظر إىل اجلبل} وهي ذاتك املخلوقة من نوري يف األزل، {فإن استقر مكانه} بعد أن أظهر القدمي سنلطانه‬
                                                                                                                                ‫ل‬
‫{فسوف تراين فلما جتّى ربه لللبل} وجذبتين حقيقة األزل وظهر القدمي على احملدث {جعله دكاً وخر موسى صعقاً} فلم يبق يف القدمي إال القدمي، ومل يتلنل‬
‫بالعظمة إال العظيم، هذا على أن استيفاؤه تري ممكن وحصره تري جائز، فال تدرك ماهيته وال ترى وال يعلم كنهه وال يدري، فلما اطلع ترمجان األزل على هنذا‬
‫اخلطاب أخربكم به من أم الكتاب (أي أن اجليلي اطلع على هذه املكاشفة من أم الكتاب) فترجم باحلق والصواب، مث تركته وانصرفت وقد اتترفت من حبره ما‬
                                                                                                                             ‫اتترفت (ص046) أ.هن.‬

‫ويستطرد اجليلي مبيناً مشاهداته يف هذه السماء فيقول: " مث إين رأيت مالئكة هذه السماء خملوقة على سائر أنوا احليوانات فمنهم من خلقه اهلل تعاىل على هيئة‬
‫الطائر وله أجنةة ال تنةصر للةاصر، وعبادة هذا النو خدمة األسرار ورفعها من حضيض الظلمة إىل عامل األنوار، ومنهم من خلقه اهلل تعاىل على هيئة اخليول‬
‫املسومة، وعبادة هذه الطائفة املكرمة رفع القلوب من سلن الشهادة إىل فضاء الغيوب، ومنهم من خلقه اهلل تعاىل على هيئة النلائب ويف صنورة الركائنب،‬
‫وعبادة هذا النو رفع النفوس إىل عامل املعاين من عامل احملسوس، ومنه من خلقه اهلل تعاىل على هيئة البغال واحلمري!! وعبادة هذا النو رفع احلقري وجرب الكسري‬
‫والعبور من القليل إىل الكثري ومنهم من خلقه اهلل تعاىل على صرة اإلنسان وعبادة هؤالء حفظ قواعد األديان، ومنهم من خلق على صنفة بسنائط اجلنواهر‬
‫واألعراض وعبادة هؤالء إيصال الصةة إىل األجسام املراض، ومنهم من خلق على أنوا احلبوب واملياه وسائر املأكوالت واملشروبات، وعبادة هؤالء إيصنال‬
‫األرزاق إىل مرزوقها من سائر املخلوقات، مث إين رأيت يف هذه السماء مالئكة خملوقة حبكم االختالط مزجاً، فالنصف من نار والنصف من ماء عقد ثللاً، فنال‬
                                                                                   ‫املاء يفعل يف إطفاء النار وال النار تغري املاء عن ذلك القرار" (ص246).‬

‫وأما السماء السابعة اليت شاهدها اجليلي وجاء يق علينا مشاهداته فهي السماء السابعة، وهي عنده زحل، وحيكى أنه شاهد فيها إبراهيم عليه السالم قائماً يف‬
                  ‫هذه السماء وله منصة جيلس عليها على ميني العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية {احلمد هلل الذي وهب يل على الكرب إمساعيل وإسةاق..}.‬

‫ويستطرد اجليلي بعد ذلك تبلةاً أنه صعد إىل سدرة املنتهى وأنه رأى هناك املالئكة وأهنا على هيئات خمتلفة وأمامهم سبعة، مث ثالثة مث ملنك مقندم يسنمى‬
‫عبداهلل.. وأهنم أخربوه أهنم مل يسلدوا آلدم -هكذا.. علماً بأن اهلل سبةانه وتعاىل يقول يف حمكم كتابه {فسلد املالئكة كلهم أمجعون* إال إبليس أىب أن يكون‬
                                                                                                                 ‫من الساجدين} (احللر:49-69).‬

‫فأكد اهلل سبةانه سلود املالئكة بكل ومجيع ولكن جاءنا اجليلي ليخربنا بأن املالئكة هؤالء الذين شاهدهم يف السماء مل يؤمروا بالسلود آلدم فاكتشف منا مل‬
                                                                                                        ‫يعلمه اهلل ورسوله. وهذا ن عبارته يف ذلك:‬

‫" مث رأيت سبعة مجلة هذه املائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيني، ورأيت ثالثة مقدمني على هذه السبعة يسمون بأهل املراتب والتمكني، ورأيت واحنداً‬
‫مقدماً على مجيعهم يسمى عبداهلل، وكل هؤالء عالون ممن مل يؤمروا بالسلود آلدم، ومن فوقهم كامللك املسمى بالنون وامللك املسمى بالقلم وأمثناهلم أيضناً‬
 ‫عالون، وبقية مالئكة القرب دوهنم، وحتتهم مثل جربيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ( ليس يف مالئكة اهلل عز وجل ملك يسمى عزرائيل ومل يثبنت ذلنك يف‬
 ‫حديث صةيح أو ضعيف ولكنه اسم جيري على ألسنة العامة، ولكن هؤالء اجلهلة يلتقطون مثل هذه األمساء وجيعلوهنا كشفاً وعلماً لدنياً وروحياً وإهلاماً هلنم‬
                                                                                                                               ‫فانظر وتعلب..) وأمثاهلم.‬

                                                                              ‫ورأيت يف هذا الفلك من العلائب والغرائب ما ال يسعنا شرحه" (ص946).‬

‫وال يكتفي اجليلي ببيان كفرياته وهذيانه يف السماء فينتقل إىل األرض وهي عنده ليست أرضاً واحدة بل هو يزعم أنه شاهد سبعة أرضني وسبعة حبار وحميطات‬
‫وهاك بعضاً من هذا اهلذيان الذي يزعم فيه اجليلي أنه رأى فيه اخلضر وموسى، وأفالطون وأرسطو واالسكندر، إىل هذيان وكفر ال يسع املؤمن عنند مساعنه‬
 ‫وقراءته إال أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) وأن يقول أيضاً (احلمد هلل الذي عافانا وما علينا ووقانا) وهاك أخي القارئ شيئاً من هذا اهلذيان:‬

‫" إن اهلل تعاىل ملا بسط األرض جعلها على قرين ثور يسمى الربهوت وجعل الثور على ظهر احلوت يف هذا البةر يسمى البهموت، وهو الذي أشار إليه احلق تعاىل‬
‫بقوله {وما حتت الثرى} وجممع البةرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى عليه السالم باخلضر على شطه، ألن اهلل تعاىل كان قد وعده بأن جيتمع بعبد من عباده‬
‫على جممع البةرين، فلما ذهب موسى وفتاه حامالً لغذائه ووصال إىل جممع البةرين مل يعرفه موسى عليه السالم إال باحلوت الذي نسيه الفىت على الصخرة وكان‬
‫البةر مداً، فلما جزر بلغ املاء إىل الصخرة فصارت حقيقة احلياة يف احلوت، فاختذ سبيله يف البةر سرباً، فعلب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار،‬
‫وهذا الفىت امسه يوشع بن نون، وهو أكرب من موسى عليه السالم يف السن سنة مشسية وقصتهما مشهورة، وقد فصلنا ذلك يف رسالتنا املوسومة (مبسامرة اخللينل‬
                                                                                                                    ‫ومسايرة الصةيب) فليتأمل فيه.‬

‫سافر اإلسكندرية ليشرب من هذا املاء اعتماداً على كل كالم أفالطون أن من شرب من ماء احلياة فإنه ال ميوت، ألن أفالطون كان قد بلغ هذا احملل وشرب من‬
‫هذا البةر فهو باق إىل يومنا هذا يف جبل يس مى دواوند، وكان أرسطو تلميذ أفالطون وهو أستاذ االسكندر صةب االسكندر يف مسريه إىل جممع البةنرين،‬
                                                                   ‫ثب‬
‫فلما وصل إىل أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون يف مدينة تسمى ُُت برفع الثاء املثلثة والباء املوحدة وإسكان التاء املثناة من فوق وهو‬
‫حد ما تط لع الشمس عليه، وكان يف مجلة من صةب االسكندر من عسكر اخلضر عليه السالم، فساروا مدة ال يعلمون عددها وال يدركون أمدها وهم علنى‬
‫ساحل البةر، وكلما نزلوا منزالً شربوا من املاء، فلما ملوا من طول السفر أخذوا يف الرجو إىل حيث أقام العسكر، وقد كانوا مروا مبلمع البةنرين علنى‬
‫طريقهم من تري أن يشعروا به، فما أقاموا عنده وال نزلوا به لعدم العالمة، وكان اخلضر عليه السالم قد أهلم بأن أخذ طرياً فذحبه وربطه على ساقه، فكان ميشي‬
‫ورجله يف املاء، فلما بلغ هذا احملل انتعش الطري واضطرب عليه، فأقام عنده وشرب من ذلك املاء واتتسل منه وسبح فيه، فكتمه عن االسكندر وكتم أمره إىل أن‬
‫خرج، فلما نظر أرسطو إىل اخلضر عليه السالم علم أنه قد فاز من دوهنم بذلك، فلزم خدمته إىل أن مات واستفاد من اخلضر هو واالسنكندر علومناً مجنة"‬
                                                                                                                                           ‫(ص966).‬

                                                                                              ‫ويستطرد اجليلي شارحاً له عن طريق كشوفاته وهذيانه فيقول:‬

                                                                       ‫".. واعلم أن اخلضر عليه السالم قد مضى ذكره فيما تقدم، خلقه اهلل تعاىل من حقيقته‬

‫{ونفخت فيه من روحي} فهو روح اهلل، فلهذا عاش إىل يوم القيامة، اجتمعت به وسألته، ومنه أروي مجيع ما يف هذا البةر احمليط (مجيع الصوفية يزعمنون أن‬
‫كل ما ينقلونه من علومهم يسمعونه من اخلضر، وقد زاد اجليلي أن اخلضر خملوق من روح اهلل.. وال يعلم هذا اجلاهل أن آدم هو الذي أمر اهلل جربيل أن يننفخ‬
                                                                                                           ‫ً‬
                                                                                                   ‫فيه وجربيل هو روح اهلل وليس اخلضر خلقا خاصاً).‬

‫واعلم أن هذا البةر احمليط املذكور، وما كان منه منفصالً عن جبل (ق) مما يلي الدنيا فهو ماحل وهو البةر املذكور، وما كان منه متصالً باجلبل فهو وراء املاحل،‬
‫فإنه البةر األمحر الطيب الرائةة وما كان من وراء جبل (ق) متصالً باجلبل األسود فإنه البةر األخضر، وهو من الطعم كالسم القاتل، ومن شرب مننه قطنرة‬
‫هلك، وفين لوقته، وما كان منه وراء اجلبل حيكم االنفصال واحليطة والشمول جبميع املوجودات فهو البةر األسود الذي ال يعلم له طعم وال ريح وال يبلغه أحد،‬
                                                                                                         ‫بل وقع به األخبار، فعلم وانقطع عن اآلثار فكتم.‬

‫وأما البةر األمحر الذي نشره كاملسك األذفر فإنه يعرف بالبةر األمسى ذي املوج األمنى، رأيت على ساحل هذا البةر رجاالً مؤمنني، ليس هلم عبادة إال تقريب‬
‫اخللق إىل احلق، قد جبلوا على ذلك، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف اهلل بقدر معاشرهتم، وتقرب إىل اهلل بقدر مسايرهتم، وجوههم كالشمس الطالع والنربق‬
‫الالمع، يستضيء هبم احلائر يف تيهات القفار، ويهتدي هبم التائه يف تيابات البةار، إذا أرادوا السفر يف هذا البةر نصبوا شركاً حليتانه، فإذا اصطادوا ركبوا عليها‬
‫ألن مراكب هذا البةر حيتانه، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه، ولكنهم عند أن يستووا على ظهر هذا احلوت ينتعشون بطيب رائةة البةر فيغمى عليهم، فال يفيقون‬
‫إىل أنفسهم، وال يرجعون إىل حمسوسهم ما داموا راكبني يف هذا البةر، فتسري هب م احليتان إىل أن يأخذوا حدها من الساحل، فتقذف هبم يف منزل منن تلنك‬
‫املنازل، فإذا وصلوا إىل الرب وخرجوا من ذلك البةر، رجعت إليهم عقوهلم، وبان هلم حمصوهلم فيظفرون بعلائب وترائب ال حتصر، أقل ما يعرب عنها، بأهنا ما ال‬
                                                                                          ‫عني رأت، وال أذن مسعت وال خطر على قلب بشر" (ص966) .‬

                                                                                                                        ‫ويف ختام هذا اهلذيان يقول اجليلي:‬

‫" وأما البةر السابع فهو األسود القاطع، ال يعرف سكانه، وال يعلم حيتانه، فهو مستةيل الوصول تري ممكن احلصول، ألنه وراء األطوار وآخر األكوار واألدوار،‬
‫ال هناية لعلائبه، وال آخر لغرائبه، قصر عنه املدى فطال، وزاد على الع لائب حىت كأنه احملال، فهو حبر الذات الذي حارت دونه الصفات، وهو املعدوم املوجود‬
‫واملوسوم واملفقود واملعلوم واجملهول واملنقول واحملتوم واملعقول، وجوده فقدانه، أوله حميط بآخره وباطنه مستو على ظاهره، ال يدرك ما فيه، وال يعلمنه أحند‬
                                  ‫فيستوفيه، فلنقبض العنان عن اخلوض فيه والبيان (واهلل يقول احلق وهو يهدي السبيل) وعليه التكالن" (ص966) أ.هن.‬

‫وهكذا يكون اهلذيان خمتوماً بقوله تعاىل {واهلل يقول احلق وهو يهدي السبيل..} .. أعرفتم احلق الذي يدعونا إليه اجليلي ومن على شاكلته من هؤالء املالحندة‬
                                                                                                  ‫والزنادقة؟ إنه هذا اهلذيان الذي ال أول له وال آخر.‬

                                                                                                                           ‫ما الذي يريده هؤالء املالحدة؟!‬
‫وقد يسأل سائل: وما الذي يريده هؤالء من تأليف هذه الكتب، ونشر هذا اجلنون واهلذيان؟! ولست أنا الذي سأجيب عن هذا السؤال، وإمنا سأثبت اجلنواب‬
                                                                                                      ‫من كالم اجليلي نفسه. إنه يقول بالن :‬

‫"اعلم أن اهلل تعاىل إمنا خلق مجيع املوجودات لعبادته، فهم جمبولون على ذلك مفطورون عليه من حيث األصالة، فما يف الوجود شيء إال هو يعبد اهلل حباله ومقاله‬
‫وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء يف الوجود مطيع هلل تعاىل، لقوله تعاىل للسماوات واألرض {ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعني} وليس املراد بالسماوات‬
‫إال أهلها، وال باألرض إال سكانه. وقال تعاىل {وما خلقت اجلن واإلنس إال ليعبدون} مث شهد هلم النيب صلى اهلل عليه وسلم أهنم يعبدونه بقوله [كل ميسر ملنا‬
‫خلق له] ألن اجلن واإلنس خملوقون لعبادته وهم ميسرون ملا خلقوا له، فهم عباد اهلل بالضرورة، ولكن ختتلف العبادات الختالف مقتضيات األمساء والصنفات،‬
‫ألن اهلل تعاىل متلل بامسه املضل، كما هو متلل بامسه اهلادي، فكما جيب ظهور أثر امسه املنعم، كذلك جيب ظهور أثر امسه املنتقم. واختالف الناس يف أحواهلم‬
‫الختالف أرباب األمساء والصفات، قال تعاىل {كان الناس أمة واحدة} ي عين عباد اهلل جمبولون على طاعته من حيث الفطرة األصلية، فبعث اهلل النبيني مبشنرين‬
                  ‫ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث امسه املضل، فاختلف الناس وافترقت امللل وظهرت النةل، وذهبت كل طائفة إىل ما علمته أنه صواب.‬

‫ولو كان ذلك العلم عند تريها خطأ ولكن حسنه اهلل عند ها ليعبدوه من اجلهة اليت تقتضيها تلك الصفة املؤثرة يف ذلك األمر، وهذا معىن قوله {ما من دابنة يف‬
‫األرض إال هو آخذ بناصيتها} فهو الفاعل هبم على حسب ما يريد مريده، وهو عني ما اقتضته صفاته، فهو سبةانه وتعاىل جيزيهم على حسب مقتضى أمسائنه‬
‫وصفاته، فال ينفعه إقرار أ حد بربوبيته وال يضره جةود أحد بذلك، بل هو سبةانه وتعاىل يتصرف فيهم على ما هو مستةق لذلك من تنو عباداته اليت تنبغي‬
‫لكماله، فكل من يف الوجود عابد هلل تعاىل، مطيع لقوله تعاىل {وإن من شيء إال يسبح حبمده ولكن ال تفقهون تسبيةهم}، ألن من تسبيةهم ما يسمى خمالفة‬
‫و معصية وجةوداً وتري ذلك، فال يفقهه كل أحد، مث إن النفي إمنا وقع على اجلملة، فصح أن يفقهه البعض؛ فقوله {ولكن ال تفقهون تسبيةهم} يعين من حيث‬
                                                                                                            ‫اجلملة، فيلوز أن يفقهه بعضهم" (ص456).‬

‫وبعد أن يذكر اجليلي طوائف الناس ومللهم يقول : "فكل هذه الطوائف عابدون هلل تعاىل كما ينبغي أن يعبد ألنه خلقهم لنفسه ال هلم فهم له كما يستةق مث إنه‬
                                          ‫سبةانه وتعاىل أظهر يف هذه امللل حقائق أمسائه وصفاته فتللى يف مجيعها بذاته فعبدته مجيع الطوائف" (ص556).‬

                                                                                                                               ‫ويشرح هذا املعىن تفصيلياً فيقول:‬

‫" فأما الكفار فإهنم عبدوه بالذات، ألنه ملا كان احلق سبة انه وتعاىل حقيقة الوجود بأسره والكفار من مجلة الوجود وهو حقيقتهم فكفروا أن يكون هلم رب ألنه‬
‫تعاىل حقيقتهم وال رب له بل هو الرب املطلق، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواهتم اليت هو عينها ( وما دام أهنم يف زعمه وكفره هم عني اهلل فهم ينفذون لثبتنه‬
‫وأمره بل هم اهلل فال حاجة هبم إىل أن يعلموا ذلك أو ال يعلموه. وبالتايل فكفرهم بإله تريهم وخارج عن طبيعتهم هو عني اإلميان وعني احلق يف نظنر اجليلني‬
                                                                 ‫الزنديق ومن على شاكلته من هؤالء املالحدة الذين مل تعرف األرض أفلر وال أكفر منهم).‬

‫مث من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبةانه بكماله بال حلول وال مزج يف كل فرد من أفراد ذوات الوجود، فكان تعاىل حقيقة تلك األوثان اليت يعبدوهنا فمنا‬
                                                                                                                      ‫عبدوا إال اهلل" (ص556).‬

                                            ‫وأظن أنه ليس هناك عبارة أصرح وأوضح من هذه العبارات تبني املقصود واملآل الذي يرمي املتصوفة والوصول إليه.‬

‫ويستطرد اجليلي مبيناً عقائد الناس وأهنم مجيعاً على حق. فيقول عن اليهود : " وأما اليهود فإهنم يتعبدون بتوحيد اهلل تعاىل مث بالصالة يف كنل ينوم منرتني..‬
‫ويتعبدون باالعتكاف يوم السبت، وشرط االعتكاف عندهم أن ال يدخل يف بيته شيئاً مما يتمول به، وال مما يؤكل، وال خيرج منه شيئاً، وال حيدث فيه نكاحاً وال‬
                                                                                             ‫بيعاً وال عقداً، وأن يتفرغ لعبادة اهلل تعاىل لقوله تعاىل يف التوراة:‬

‫( أنت وعبدك وأمتك هلل تعاىل يف يوم السبت) ، فألجل هذا حرم عليهم أن حيدثوا يف يوم السبت شيئاً مما يتعلق بأمر دنياهم، ويكون مأكوله مما مجعه يوم اجلمعة،‬
                                                                           ‫وأول عندهم إذا تربت الشمس من يوم اجلمعة، وآخره االصفرار من يوم السبت.‬

‫وهذه حكمة جليلة؛ فإن احلق تعاىل خلق السماوات واألرضني يف ستة أيام، وابتدأها يف يوم األحد مث استوى على العرش يف اليوم السابع وهو يوم السبت، فهو‬
                      ‫يوم الفراغ، فألجل هذا عبد اهلل اليهود هبذه العبادة يف هذا اليوم إشارة إىل االستواء الرمحاين وحصوله يف هذا اليوم فافهم" (ص956).‬

                                                                                                                                             ‫ً‬
                                                                                                                         ‫مث يقول مادحا النصارى كذلك فيقول:‬

‫" وأما النصارى فإهنم أقرب من مجيع األمم املاضية إىل احلق تعاىل، فهم دون احملمديني، سببه أهنم طلبوا اهلل تعاىل فعبدوه يف عيسى ومرمي وروح القدس، مث قنالوا‬
                                                ‫بعدم التلزئة، مث قالوا مبقدمه على وجوده يف حمدث عيسى وكل هذا تنزيه يف تشبيه الئق باجلناب اإلهلي".‬
‫أي أن فعل النصارى هذا من تشبيه اهلل خبلقه ومن عبادة الثالث ومن اختاذ أرباب مع اهلل كل ذلك الئق يف عقيدة عبدالكرمي اجليلي ولكنه يراهم أيضاً مقصرون‬
                                                                  ‫ألهنم حصروا اهلل يف ثالث نقط، واهلل عنده ال ينةصر يف ثالثة ألن كل موجود هو اهلل.‬

‫هذه هي الغاية اليت يسعى هؤالء الزنادقة سعياً حثيثاً إليها. إهنا التسوية بني احلق والباطل، واهلدى والضالل، والكفر واإلميان، وإبليس وجربيل، وحممد صلى اهلل‬
‫عليه وسلم وأبو جهل، واخلمر واملاء، واألخت واألجنبية، وا لزواج والزنا واللواط، والقتل ظلماً والرمحة، والتوحيد والشرك، فال ضالل يف األرض إال يف نظنر‬
‫القاصرين فقط، وأما العارفون فكل هذه املوجودات شيء واحد بل ذات واحدة تعددت وجوداهتا، وتعددت أشكاهلا وألواهنا وهي حقيقة واحدة -وهبذا الندين‬
‫الذي مل تعرف البشرية أظلم وال أفلر وال أكفر منه- اعتقد هؤالء الزنادقة وألبسوا هذا الدين الفاجر آيات القرآن وأحاديث النيب الكرمي، ووصفوا أنفسهم بأهنم‬
‫خري الناس وأعلمهم وأتقاهم، وهذه هي حاهلم يف الظلم والكفر والفلور، وهدم دين اإلسالم وإحالل شرائع الشيطان مكان شريعة الرمحن، وطمس صفات اهلل‬
‫ونوره سبةانه وتعاىل عما يقول الظاملون علواً كبرياً. وأستغفر اهلل من نقل هذا الكفر وتسطريه. فإنه كفر مل تقله اليهود وال النصارى وال اجملوس وال الصنابئة..‬
‫ورحم اهلل اإلمام عبداهلل بن املبارك الذي كان يقول: إنا لنةكي كفر اليهود والنصارى ونستعظم أن حنكي كفر اجلهمية.. فكيف لو رأى كفر هؤالء الصنوفية‬
                                                                                                                         ‫املالحدة ماذا كان يقول يف ذلك؟!‬

‫حقاً إن هذا لشيء عظيم ولكننا مضطرون أن نذكر كفرهم لندحضه ولنبينه للناس ليةذرون بعد أن عم شرهم البالد والعباد، وبعد أن اتتر هبم مجع تفري منن‬
‫املسلمني، فظنوا أن احلق مع هؤالء فاتبعوهم حىت صرفوهم عن دين الرسول صلى اهلل عليه وسلم وأوصلوهم إىل هذه النهاية املزرية اليت يستةيل على اإلنسان إذا‬
                                                              ‫وصلها أن مييز بني خري وشر، وهدى وضاللة، ألن كل هذه األضداد ستكون عنده شيئاً واحداً.‬

                                                                                        ‫ومع ذلك فإن اجليلي يستطرد يف هذا الباب شارحاً مراده متاماً فيقول:‬

‫"ومل يفتقر يف ذلك إىل علمهم، وال حيتاج إىل نياهتم، ألن احلقائق ولو طال إخفاؤها ال أن تظهر" أ.هن. يعين أن اهلل ال حيتاج أن يعلم الكافر به ما دام أن وجود‬
                                                                               ‫هذا الكافر هو وجود اهلل، وأن هذه احلقيقة ال بد وأن تظهر للعيان يوماً ما..‬

                                                                                                                       ‫وميضي اجليلي شارحاً معتقده فيقول..‬

‫"وأما الطباعية فإهنم عبدوه من حيث صفاته األربع..، ألن أربعة األوصاف اإلهلية.. اليت هي احلياة والعلم والقدرة واإلرادة أصل بناء الوجود فاحلرارة والنربودة‬
‫والرطوبة واليبوسة مظاهرها يف عامل األكوان، فالرطوبة مظهر احلياة، والربودة مظهر العلم، واحلرارة مظهر اإلرادة، واليبوسة مظهر القدرة. وحقيقة هذه املظاهر‬
‫ذات املوصوف هبا سبةانه وتعاىل.. فعبدت هذه الطبائع هلذا السر فمنهم من علم ومنهم من جهل العامل سابق، واجلاهل الحق فهم عابدون للةق منن حينث‬
                                    ‫الصفات، ويؤول أمرهم إىل السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور احلقائق اليت بين أمرهم عليها" (ص956-056).‬

‫وهكذا يقرر اجليلي أن الفالسفة الطبائعيني الذين قالوا برجو الطبيعة إىل العناصر األربعة هم عابدون هلل شاؤوا أم أبوا، علموا أم جهلوا، وأن أمرهم إىل السعادة‬
‫األبدية. ويستدل هلذا الكفر الشنيع أيضاً بالقرآن فيقول: "والدليل من القرآن أن اهلل قال يف األحزاب املختلفني {كل حزب مبا لديهم فرحنون} فيقنول: "إن‬
                  ‫ً‬
‫فرحهم هذا يف الدنيا واآلخرة، فكل حزب يفرح مبا عنده يف الدنيا، ويفرح به أيضاً يف اآلخرة عندما يطلع اجلميع أنه ال مثة إال اهلل وأهنم مجيعا مظناهر للنذات‬
                                                                                                                               ‫ً‬       ‫ً‬
                                                                                                                        ‫اإلهلية، وليسوا شيئا خارجا عنها".‬

‫وهكذا يستخدم القرآن أيضاً يف هذا الكفر والباطل الذي مل تعرف البشرية له مثيالً يف كل تارخيها فقد ارتكز يف الفطرة أن هناك حقاً وباطالً، هدى وضنالالً،‬
‫نوراً وظالماً، كذباً وصدقاً، وإمياناً.. ، ولكن عند هؤالء الصوفية كل هذا شيء واحد وحق واحد اختلفت مظاهره ومل ختتلف حقيقته فاجلنة والنار كالمها نعيم،‬
                                                                     ‫وإبليس وجربيل كالمها عابد، بل معبود، بل شيء تعددت صفاته بتعدد موجوداته..‬

                                                                                                             ‫ويستطرد اجليلي يف شرح كفره وفلوره فيقول:‬

‫" وأما الثنوية فإهنم عبدوه من حيث نفسه تعاىل، ألنه تعاىل مجع األضداد بنفسه، فشمل املراتب احلقية واملراتب اخللقية، وظهر يف الوصفني باحلكمني، وظهنر يف‬
                                                                   ‫ً‬
‫الدارين بالنعتني، فما كان منسوباً إىل احلقيقة احلقية فهو الظاهر يف األنوار وما كان منسوبا إىل احلقيقة اخللقية فهو عبارة عن الظلمة، فعبدوا النور والظلمة هلذا‬
                                ‫السر اإلهلي اجلامع للوصفني والضدين واالعتبارين واحلكمني كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبةانه جيمعه وضده بنفسه.‬

‫فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة اإلهلية مما يقتضيه يف نفسه سبةانه وتعاىل، فهو املسمى باحلق، وهو املسمى باخللق، فهو النور والظلمة" (ص256) أ.هن.‬

                                              ‫هبذا الوضوح شرح اجليلي مذهب الفالسفة الصوفية الزنادقة املالحدة، وهبذا التفصيل والبيان يستطرد أيضاً قائالً:‬
‫" وأما اجملوس فإهنم عبدوه من حيث األحدية، فكما أن األحدية مفنية جلميع املراتب واألمساء واألوصاف، كذلك النار فإهنا أقوى االستقصاءات وأرفعها، فإهننا‬
‫مفنية جلميع الطبائع مبةاذاهتا، ال تقارهبا طبيعة إال تستةيل إ ىل النارية لغلبة قوهتا، فكذلك األحدية ال يقابلها اسم وال وصف إال يندرج فيها ويضمةل، فلهنذه‬
                                                                                                           ‫اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاهتا وتعاىل".‬

‫فيلعل اجملوس قسماً تري الثنوية واملعلوم أهنم قسم واحد فالثنوية القائلون بالنور والظلمة وإله للخري وإله للشر هم أيضاً اجملوس عبدة النار اليت جيعلوهننا سنتاراً‬
 ‫وعالمة إلهلم إله اخلري يف زعمهم ولكن اجليلي امللةد جيعل هؤالء أيضاً عبدة النريان من أهل احلق والتوحيد وأن عبادهتم للنار حق أقوى العناصر وأرفعها ويقول‬
                                                 ‫والنار حقيقتها ذات اهلل تعاىل. فأي كفر يا قوم يف األرض أعظم من هذا وأكرب.. وميدح اجليلي اجملوس فيقول:‬

                         ‫"فلما انتشقت مشام أرواح اجملوس لعطر هذا املسك زكمت عن مشه سواه فعبدوا النار وما عبدوا إال الواحد القهار" أ.هن (ص656).‬

                                                                                                                   ‫فأي تصريح عن عقائد القوم أبلغ من هذا..‬

‫مث يقول: "وأما الدهرية (أي االسم) فإهنم عبدوه من حيث اهلوية (الدهرية: هم القائلون بأنه ال إله واحلياة مادة فما هي أرحام تدفع وأرض يبلع وامسهنم هنذا‬
‫مأخوذ من قوله تعاىل { وقالوا ما هي إال حياتنا الدنيا منوت وحنيا وما يهلكنا إال الدهر وما هلم بذلك من علم إن إال يظنون} (اجلاثية:05)) فقال عليه السالم:‬
                                                                                                                    ‫[ال تسبوا الدهر فإن اهلل هو الدهر]".‬

‫قلت: هذا إبليس والزنادقة مل يصل إىل هذا احلد يف الكفر فاملقصود بقول رسول اهلل [إن اهلل هو الدهر] هو أنه سبةانه وتعاىل مقدر املقادير؛ فسب األيام سب‬
‫هلل ألنه هو مقدر املقادير سبةانه وتعاىل والزمان ال دخل له يف ذلك. فنهانا الرسول صلى اهلل عليه وسلم عن سب الزمان ألن هذا من مث يتوجه إىل اهلل سبةانه‬
‫وتعاىل. وليس مقصود الرسول حتماً أن اهلل هو الزمان ألن اهلل جل وعال هو خالق الزمان واملكان واخلالق تري املخلوق. وأما الدهرية فإهنم ال يؤمنون بإله أصالً‬
                                                                                                                ‫واجليلي جيعل هؤالء املالحدة عباداً هلل.. انظر..‬

                                                                                                                                    ‫الغزايل - وطريق الكشف:‬

‫لعل من العلائب والغرائب أن يسقط رجل يف طريق التصوف كالغزايل رمحه اهلل وعفا عنه. وعلى ما كان منه فقد كان من علماء الشريعة. ولكن لقصر باعه -‬
‫رمحه اهلل- يف علم السنة ومعرفة صةيح احلديث من ضعيفه فقد اتتر مبا عليه الصوفية من ظاهرهم، وما يبدونه ويعلقونه من الور والتقوى، وملا كان عنده من‬
‫الفلسفة األوىل اليت دخل يف بطنها ومل يستطع اخلروج منها على حد قول تلميذه اإلمام ابن العريب املالكي رمحه اهلل فإنه قد دون للمتصوفة ما دون يف كتابه إحياء‬
                                                                                        ‫علوم الدين. ومن ذلك ما نقله عنهم يف زعمهم بالكشف حيث يقول:‬

‫"فاأل نبياء واألولياء انكشف هلم األمر، وفاض على صدورهم النور، ال بالتعليم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد يف الدنيا والتربي من عالئقها، وتفريغ القلب‬
‫من شواتلها واإلقبال بكنه اهلمة على اهلل تعاىل. فمن كان هلل، كان اهلل له - وزعموا أن الطريق يف ذلك، أوالً بانقطا عالئق الدنيا بالكلية، وتفريغ القلب منها،‬
‫وبقطع اهلمة عن األهل واملال والولد والوطن، وعن العامل والوالية واجلاه، بل يصري قلبه إىل حالة يستوي فيها وجود الشيء وعدمه. مث خيلوا بنفسه يف زاوية مع‬
‫االقتصار على الفرائض والرواتب، وجيلس فارغ القلب، وال يفرق فكره بقراءة قرآن، وال بالتأمل يف تفسريه، وال يكتب حديثاً وال تريه. بل جيتهد أن ال خيطنر‬
‫بباله شيء سوى اهلل تعاىل. فال يزال، بعد جلوسه يف اخللوة، قائالً بلسانه: اهلل.. اهلل.. على الدوام، مع حضور القلب، حىت ينتهي إىل حالة يترك حتريك اللسنان‬
‫ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه. مث يصري عليه إىل أن ميةي عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، ويبقي معىن الكلمة جمرداً يف قلبه حاضراً فينه،‬
‫كأنه الزم له، ال يفارقه، وله اختيار إىل أن ينتهي إىل هذا احلد، واختيار يف استدامة هذه احلالة بدفع الوسواس. وليس له اختيار يف استلالب رمحة اهلل تعاىل. بل‬
                         ‫هو مبا فعله صار متعرضاً لنفةات رمحة اهلل، فال يبقى إال االنتظار ملا يفتح اهلل من الرمحة، كما فتةها على األنبياء واألولياء هبذه الطريق.‬

‫وعند ذلك إذا صدقت إرادته، وصفت مهته، وحسنت مواظبته، فلم جتاذبه شهواته، ومل يشغله حديث النفس بعالئق الدنيا - تلمع لوامع احلق يف قلبه، ويكون يف‬
‫ابتدائه كالربق اخلاطف مث يلبث مث يعود وقد يتأخر. وإن عاد فقد يثبت، وقد يكون خمتطفاً. وإن ثبت قد يطول ثباته وقد ال يطول، وقد يتظاهر أمثالنه علنى‬
                                                                                                                            ‫التالحق وقد يقتصر على فن واحد.‬

‫ومنازل األولياء اهلل تعاىل فيه ال حتصر، كما ال حيصى تفاوت خلقهم وأخالقهم - وقد رجع هذا الطريق إىل تطهري حمض من جانبك، وتصنفية وجتلينات، مث‬
                                                                                                            ‫استعداد وانتظار فقط" أ.هن‬

‫فانظر قول الغزايل عن الصويف الذي يريد الوصول إىل الكشف (وجيلس فارغ القلب، جممو اهلم، وال يفرق فكره بقراءة القرآن وال بالتأمل يف تفسري وال يكتب‬
‫حديثاً وال تريه.. بل يقول.. اهلل اهلل على الدوام..) فهل وجد مثل هذا األمر يف كتاب أو سنة أو أنه عمل مبتد يريد به صاحبه تاية ال حتصل له، وهي رؤينة‬
                                                                                                      ‫اهلل أو أنوار اهلل، أو املالئكة أو رسول اهلل؟!‬
‫وهل يرى الصويف من وراء هذا الذكر املبتد تري طوالع نار ال شياطني، وبوارق كيدهم، ولوائح طلوعهم على من جعل له تاية تري تايات الدين وطريقاً تنري‬
                    ‫ً‬
‫طريق املؤمنني الذي سنه لنا رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ومل يسن لنا الرسول أن جيلس أحدنا يف زاوية مظلمة وال جيعل على خاطره شيئا تري اهلل وينتظنر أن‬
‫ينزل عليه الوحي والكشف.. وبالطبع من جعل له تاية تري تايات الكتاب والسنة تالعبت به الشياطني وظن أن ما تنزل عليه إمنا هو من اهلل وما هو منن اهلل..‬
‫والغزايل الذي قرر هذا الكالم للصوفية وساعد يف نشر زندقتهم وكفرهم مل يتقدم فيما أعلمه خطوة أخرى وجعل من تنزل املالئكة على الصوفية وذلك فيمنا‬
‫أظن وأعلم أن الرجل يعلم أن من قال بنزول الوحي عليه بعد النيب فقد كفر ولذلك أنكر الغزايل أن تكون املالئكة تنزل على األولياء والصوفية كما تنزل علنى‬
‫األنبياء، واكتفى مبا ذكرناه عنه آنفاً أن األولياء والصوفية تشرق على قلوهبم هذه العلوم اليت يقولوهنا إشراقاً من الغيب فضالً من اهلل هلم ورمحة –يف زعمه- هبم.‬
‫لقد اكتفى الغزايل يف تقريره الكشف الصويف بإشراق العلوم يف القلب ومسا الصوت أيضاً كما قال: "اخللوة ال تكون إال يف بيت مظلم فإن مل يكن له مكنان‬
        ‫مظلم فليلق رأسه جبيبه، أو يتدثر بكساء أو إبراز ففي مثل هذه احلالة يسمع نداء احلق ويشاهد جالل - احلضرة البوبية) (إحياء علوم الدين ج5 ص66).‬

‫وعلى الرتم من أن الغزايل جارى الصوفية يف مزاعمهم هذه، وقرر ما ابتدعوه من اخللوة والظالم ولف الرأس وانتظار العلوم إال أن إنكاره نزول امللنك علنى‬
‫الصويف مل يعلب كبار الصوفية، وأهل احلقيقة م نهم، ولذلك عنفوه وجهلوه وجعلوا هذا منه لقلة الذوق وعدم التةقق بنفسه وعدم مقابلته ملن هو أعلى مننه‬
‫مقاماً، وأحسن منه حاالً، وأنه لو التقى مبن هو أعظم منه وأكرب منه يف هذا الطريق لعلم أن املالئكة ينزلون على أولياء الصوفية متاماً كما ينزلون على األنبياء وأنه‬
‫ال فرق إال يف نو العلوم فقط ال يف كيفية النزول ولذلك كتب عبدالوهاب الشعراين يف كتابه اليواقيت واجلواهر اعتراض الغزايل وإنكاره لنزول امللنك علنى‬
                                                     ‫الصويف وأتى باجلواب من ابن عريب الذي خطأ الغزايل ورد عليه يف عدم جواز نزول امللك على الصويف فقال:‬

‫"(فإن قلت) قد ذك ر الغزايل يف بعض كتبه أن من الفرق بني تنزل الوحي على قلب األنبياء وتنزله على قلوب األولياء نزول امللك فإن الويل يلهم وال ينزل علينه‬
                                                                                      ‫قط، والنيب ال بد له من الوحي من نزول امللك به فهل ذلك صةيح؟‬

‫(فاجلواب) كما قاله الشيخ يف الباب الرابع والستني وثالمثائة أن ذلك تلط واحلق أن الكالم يف الفرق بينهما إمنا هو يف كيفية ما ينزل به امللك ال يف نزول امللك‬
‫إذ الذي ينزل به امللك على الرسول أو النيب خالف ما ينزل به امللك على الويل التابع فإن امللك ال ينزل على الويل التابع إال باالتبا لنبيه وبإفهام ما جاء به مبا مل‬
‫يتةقق له علمه كةديث قال العلماء بضعفه مثالً فيخربه ملك اإلهلام بأنه صةيح فللويل العمل به يف حق نفسه بشروط يعرفها أهل اهلل عز وجل ال مطلقاً. وقد‬
‫ينزل امللك على الويل ببشرى من اهلل بأنه من أهل السعادة كما قال تعاىل يف الذين قالوا ربنا اهلل مث استقاموا؛ وهذا وإن كان إمنا يقع عند املوت فقد يعلنل اهلل‬
‫تعاىل به ملن يشاء من عباده *قال الشيخ: وسبب تلط الغزايل وتريه يف منع تنزل امللك على الويل عدم الذوق وظنوا بأهنم قد علموا بسلوكهم مجيع املقامات فلما‬
‫ظنوا ذلك بأنفسهم ومل يروا ملك اإلهلام نزل عليهم أنكروه وقالوا ذلك خاص باألن بياء فذوقهم صةيح وحكمهم باطل مع أهنؤالء الذين منعوا قائلون بأن زيادة‬
‫الثقة مقبولة وأهل اهلل كلهم ثقات. قال ولو أن أبا حامد وتريه اجتمعوا يف زماهنم بكامل من أهل اهلل وأخربهم بتنزل امللك على الويل لقبلوا ذلك ومل ينكنروه.‬
                         ‫قال وقد نزل علينا ملك اإلهلام مبا ال حي صى من العلوم وأخربنا بذلك مجاعات كثرية ممن كان ال يقول بقولنا فرجعوا إلينا فيه وهلل احلمد".‬

‫وهكذا يقرر ابن عريب، الفيلسوف الصويف والذي يسمونه الشيخ األكرب، جواز، بل وقو نزول املالئكة على شيوخ الصوفية وأن هذا قد وقع له ومد ملشنايخ‬
                                      ‫كثريين ممن هم على شاكلته من أهل الكذب والزيغ. وإليك يف الفصل اآليت طائفة من كالم ابن عريب يف هذا الصدد:‬

                                                                                                                                  ‫ابن عريب والكشف الصويف:‬

          ‫مل أطلع فيما اطلعت على كاتب صويف أكثر تبلةاً فيما زعمه من العلم الباطين أكثر من ابن عريب األندلسي األصل، املغريب، مث الشامي، سكناً ووفاة.‬

‫لقد مأل هذا الكاتب كتبه مدحاً لنفسه، وأنه ال يستطيع أحد جماراته قط. فقد زعم لنفسه اإلطال على كل ما سطره الفالسنفة قندمياً ومنا كتبنه اليهنود‬
‫والنصارى.. واملطالع لكتبه جيد هذا واضةاً جداً يف مؤلفاته فقد ادعى لنفسه ختم الوالية الكربى اخلاصة وأنه خامت األولياء كما كان حممد صلى اهلل عليه وسلم‬
‫خامت األنبياء، وكان يف هذا الكذب متبعاً ملن سبقه ممن ادعى ختم الوالية كالترمذي الذي يسمونه احلكيم وهو حممد بن علي الترمذي.. وادعى لنفسنه العلنم‬
‫الكامل احمليط بالقرآن والسنة، وأن تآليفه كلها معصومة من اخلطأ، وأنه ال يكتب شيئاً إال عن وحي يوحى، بل زعم أن أبواب كتابه الفتوحات املكية تنوقيفي‬
                                                                                                  ‫يتبع فيه ما يوحى إليه وليس له يد يف ترتيب فصوله وأبوابه..‬

‫وأنه أحياناً يتكلم بشيء بعد شيء ال رابط بينهما كما نزل يف القرآن {حافظوا على الصلوات والصالة الوسطى وقوموا هلل قانتني} بعد آيات الطالق وال رابط‬
‫بينهما.. وأن علومه كلها حمفوظة من اخلطأ. وإليك نصوص عباراته يف ذلك كما مجعها الصويف الكبري عبدالوهاب الشعراين من ثنايا كتاب (الفتوحات املكينة)‬
                                                                           ‫وضمنها عبدالوهاب يف كتاب أمساه اليواقيت واجلواهر يف بيان عقائد الكبائر:‬

‫"قال يف الباب السادس والستني وثالمثائة من الفتوحات املكية مجيع ما أتكلم به يف جمالسي وتآليفي إمنا هو من حضرة القرآن العظيم فإين أعطيت مفاتيح العلنم‬
‫فال أستمد قط يف علم من العلوم إال منه كل ذلك حىت ال أخرج من جمالسة احلق تعاىل يف مناجاته بكالمه أو مبا تضمنه كالمه *وقال يف الكالم على اآلذان منن‬
‫الفتوحات: اعلم أين مل أقرر حبمد اهلل تعاىل يف كتايب هذا وال تريه قط أمراً تري مشرو ، وما خرجت عن الكتاب والسنة يف شيء من تصانيفي *وقال يف الباب‬
‫السادس والستني وثالمثائة: مجيع ما أكتبه يف تصانيفي ليس هو عن فكر وال روية وإمنا هو عن نفث يف روعي من ملك اإلهلام *وقال يف الباب السابع والسنتني‬
‫وثالمثائة ليس عندي حبمد اهلل تقليد ألحد تري رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فعلومنا كلها حمفوظة من اخلطأ *وقال يف الباب العاشر من الفتوحات: حنن حبمند‬
‫اهلل ال نعتمد يف مجيع ما نقوله إال على ما يلقيه اهلل تعاىل يف قلوبنا ال على ما حتتمله األلفاظ *وقال يف الباب الثالث والسبعني وثالمثائة: مجيع ما كتبته وأكتبه إمنا‬
‫هو عن إمالء إهلي وإلقاء رباين أو نفث روحاين يف رو كياين كل ذلك يل حبكم اإلرث ال حبكم االستقالل فإن النفث يف الرو منةط عن رتبة وحي الكنالم‬
‫ووحي اإلشارة والعبارة ففرق يا أخي بني وحي الكالم ووحي اإلهلام تكن من العلماء األعالم *وقال يف الباب السابع واألربعني من الفتوحات: اعلم أن علومنا‬
‫وعلوم أصةابنا ليست من طريق الفكر وإمنا هي من الفيض اإلهلي *وقال يف الباب السادس واألربعني ومائتني: منها مجيع علومنا من علوم الذوق ال من علم بال‬
‫ذوق فإن علوم الذوق ال تكون إال عن جتل إهلي والعلم قد حيصل لنا بنقل املخرب الصادق وبالنظر الصةيح *وقال يف الباب التاسع والثمانني منها والباب الثنامن‬
‫واألربعني وثالمثائة: اعلم أن ترتيب أبواب الفتوحات مل يكن عن اختيار مين وال عن نظر فكري وإمنا احلق تعاىل ميلي لنا على لسان ملك اإلهلام مجيع ما نسطره‬
‫وقد نذكر كالماً بني كالمني ال تعلق له مبا قبله وال بعده كما يف قوله تعاىل حافظوا على الصلوات والصالة الوسطى بني آيات طالق ونكناح وعندة ووفناة‬
‫تتقدمها وتتأخر عنها انتهى وأطال يف ذلك *وقال يف الباب الثامن من الفتوحات: اعلم أن العارفني رضي اهلل تعاىل عنهم ال يتقيدون يف تصانيفهم بالكالم فيمنا‬
‫بوبوا عليه فقط وذلك ألن قلوهبم عاكفة على باب احلضرة اإلهلية مراقبة ملا يربز هلم منها فمهما برز هلم كالم بادروا إىل إلقائه على حسب ما حد هلم فقد يلقون‬
‫الشيء إىل ما ليس يف جنسه امتثاالً ألمر رهبم وهو تعاىل يعلم حكمة ذلك. انتهى. فهذه النقول تدل على أن كالم الكمل ال يقبل اخلطأ من حيث هو واهلل أعلم"‬
                                                                                                                           ‫(اليواقيت واجلواهر ص25،05 ج5).‬

‫ويف ن آخر، يقرر الشعراين ما زعمه شيخه ابن عريب يف أنه ال فرق بني وحي األولياء وحي األنبياء إال أن وحي األنبياء تشريع جديد، وأمنا األوليناء فنإن‬
                                                                                                         ‫وجهتهم كشف وعلم واتبا ملشر األنبياء..‬

‫"وقال يف الباب الثالث واخلمسني وثالمثائة: اعلم أنه مل جييء لنا خرب إهلي أن بعد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وحي تشريع أبدًا إمنا لنا وحي اإلهلام. قال تعاىل‬
                                                                                              ‫ً‬
‫ولقد أوحي إليك وإىل الذين من قبلك ومل يذكر أن بعده وحيا أبداً. وقد جاء اخلرب الصةيح يف عيسى عليه السالم وكان ممن أوحي إليه قبل رسول اهلل صلى اهلل‬
‫عليه وسلم أنه إذا نزل آخر الزمان ال يؤمنا إال بنا أي بشريعتنا وسنتنا مع أن له الكشف التام إذا نزل زيادة على اإلهلام الذي يكون له كما اخلواص منن هنذه‬
                                                                                                                                                      ‫األمة.‬

                                    ‫(فإن قلت) فإذن اإلهلام خرب إهلي (فاجلواب) نعم وهو كذلك إذ هو إخبار من اهلل تعاىل للعبد على يد ملك مغيب عن امللهم.‬

‫(فإن قلت) فهل يكون إهلام بال وساطة أحد (فاجلواب) نعم قد يلهم العبد من الوجه اخلاص الذي بني كل إنسان وربه عز وجل فال يعلم به ملك اإلهلام لكنن‬
‫علم هذ ا الوجه يتسار إىل إنكاره ومنه إنكار موسى على اخلضر عليهما الصالة والسالم وعذر موسى يف إنكاره أن األنبياء ما تعودوا أخذ أحكام شنرعهم إال‬
‫على يد ملك ال يعرف شرعاً من تري هذا الطريق فعلم أن الرسول والنيب يشهدان امللك ويريانه رؤية بصر عندما يوحي إليهما وتري الرسول حيس بأثره وال يراه‬
‫فيلهمه اهلل تعاىل بوساطته ما شاء أن يلهمه أو يعطيه من الوجه اخلاص بارتفا الوسائط وهو أجل اإللقاء، وأشرفه إذا حصل احلفظ لصاحبه وجيتمنع يف هنذا‬
                                                                                         ‫الرسول والويل أيضاً" أ.هن (اليواقيت واجلواهر ص09 ج5).‬

‫وقول ابن عريب هنا "أو يلهمه أو يعطيه من الوجه اخلاص بارتفا الوسائط (أي بني الويل واهلل) وهو أي هذا اإللقاء هبذه الطريقة أجل اإللقاء وأشرفه –إذا حصل‬
‫احلفظ لصاحبه- وجيتمع يف هذا الرسول والويل أيضاً.." أ.هن.. فانظر كيف جعل الويل كالنيب يف تلقي اإللقاء اخلاص من اهلل بال وساطة ومل يكتف ابن عنريب‬
                          ‫ب تقرير هذا أيضاً بل راح يزعم أن هناك صورة أخرى للوحي لألولياء وهي انطبا صورة ما يريده اهلل يف ذهن الويل قال الشعراين:‬

‫"(فإن قلت) فما حقيقة الوحي (فاجلواب) كما قال الشيخ يف الباب الثالث والسبعني من الفتوحات أن حقيقته هو ما تقع به اإلشارة القائمة مقام العبارة يف تري‬
‫عبارة إذ العبارة يتوصل منها إىل املعىن املقصود منها وهلذا مسيت عبارة خبالف اإلشارة اليت هي الوحي فإهنا ذات املشار إليه والوحي هو املفهوم األول واإلفهنام‬
‫األول وال علب من أن يكون عني الفهم عني اإلفهام عني املفهوم منه فإن مل حيصل لك يا أخي معرفة هذه النكتة فليس لك نصيب من معرفة علم اإلهلام الذي‬
                                                                                ‫يكون لألولياء. أال ترى أن الوحي هو السرعة وال أسر مما ذكرناه انتهى.‬

‫(فإن قلت) فما صورة تنزل وحي اإلهلام على قلوب األولياء (فاجلواب) صورته أن احلق تعاىل إذا أراد أن يوحي إىل ويل من أوليائه بأمر ما جتلى إىل قلب ذلنك‬
‫الويل يف صورة ذلك األمر فيفهم من ذلك الويل التللي مبلرد مشاهدته ما يريد احلق تعاىل أن يعلم ذلك الويل به من تفهيم معاين كالمه أو كالم نبيه صلى اهلل‬
‫عليه وسلم علم يف الضر به باليد اإلهلية، كما يليق جبالله تعاىل وكما وجد العلم يف شربة اللنب ليلة اإلسراء. مث إن من األولياء من يشعر بذلك ومنهم من ال يشعر‬
‫بل يقول وجدت كذا وكذا يف خاطري وال يعلم من أتاه به ولكن من عرفه فهو أمت حلفظه حينئذ من الشيطان وأطال يف ذلك يف الباب الثاين عشر وثالمثائنة*‬
                                                                                                                        ‫(اليواقيت واجلواهر ص09 ج5).‬
‫ويعين بالقربة اإلهلية حديث النيب صلى اهلل عليه وسلم الثابت يف مسند أمحد: رأيت ريب الليلة يف أحسن صورة فقال يل يا حممد: [فيم خيتصم املأل األعلى] فقلت:‬
‫[اهلل أعلم] فوضع رب العزة يده على ظهري حىت وجدت بردها يف صدري فرأيت السماوات فقلت: [يا ريب يف الكفارات والدرجات..] احلديث. ويعين ابنن‬
‫عريب بذلك أنه كما أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم ارتفع عنه احللاب عندما وضع يده سبةانه على الكيفية اليت شاءها سبةانه -على ظهر النيب فرأى الننيب‬
‫لذلك املأل األعلى وهم املالئكة- خيتصمون أي يتناقشون يف الكفارات والدرجات أي ما يكفر الذنوب لبين آدم، وما يعلي درجاهتم فقال اهلل سبةانه وتعناىل‬
‫جميباً بعد رؤيته للمالئكة ومساعه حلديثهم أما الكفارات فهي إسباغ الوضوء على املكاره، وكثرة اخلطا إىل املساجد، وانتظار الصالة بعد الصالة.. وأما الدرجات‬
                                                                                         ‫فهي إطعام الطعام وإالنة يف الكالم والصالة بالليل والناس نيام..‬

‫أقول أراد ابن عريب أن جيعل للص وفية ما خ اهلل به األنبياء من الرؤيا الصادقة يف النوم واالطال على ما يف السماوات من املأل األعلى واملالئكة فزعم أنه يكون‬
                                                                              ‫للويل الصويف كذلك ما كان للنيب من كشف قنا قلبه ورؤيته للمأل األعلى.‬

‫ومل يكتف ابن عريب هبذا أيضاً بل زعم لنفسه ومجاعته الصوفية ما مل يعلمه رسل اهلل أنفسهم وعلى رأسهم سيدهم وخامتهم حممد صلى اهلل عليه وسلم فقد زعم‬
                                                                                          ‫أن الصوفية أحياناً ينزل عليهم الوحي مكتوباً من السماء.‬

‫وأنه أعين ابن عريب يعلم الفرق بني ما يف اللوح احملفوظ من كتابه وما يكتبه املخلوقون وبذلك يستطيع أن يفرق بني املكتوب النازل من السماء واملكتنوب يف‬
‫األرض.. قلت مل يقل نيب قط وال أخربنا اهلل سبةانه وتعاىل أن هناك بشراً اطلع على ما يف اللوح احملفوظ ولكن العليب أن هؤالء يزعمون العلم واإلحاطة به.‬
‫بل نقل الشعراين يف كتابه الطبقات الكربى عن شيخه اخلواص أنه كان يعلم ما يكتب يف اللوح احملفوظ ساعة بساعة.. وزعم أمحد بن املبارك أن شيخه األمني‬
‫عبد العزيز الدباغ يعلم اللوح احملفوظ ويعلم كتابته وأنه بالسريانية! واملهم هنا أن ابن عريب يقرر يف فتوحاته أن وحي األولياء كثرياً ما ينزل مكتوباً كما نزلنت‬
                                                                                                                                          ‫التوراة مكتوبة..‬

                                                                                                                                ‫يقول الشعراين عن شيخه:‬

‫"وقد يكو ن ذلك كتابة ويقع هذا كثرياً لألولياء وبه كان يوحى أليب عبداهلل قضيب البان، وتريه، كبقي بن خملد تلميذ اإلمام أمحد رضي اهلل عنه لكنه أضنعف‬
‫اجلماعة يف ذلك فكان ال جيده إال بعد القيام من النوم مكتوباً يف ورقة انتهى (فإن قلت) فما عالمة كون تلك الكتابة اليت يف الورقة من عند اهلل عز وجل حنىت‬
‫جيوز للويل العمل هبا (فاجلواب) أن عالمتها كما قال الشيخ يف الباب اخلامس عشر وثالمثائة أن تلك الكتابة تقرأ من كل ناحية على السواء ال تتغري كلما قلبت‬
‫الورقة انقلبت الكتابة النقالهبا. قال الشيخ: وقد رأيت ورقة نزلت على فقري يف املطا ف يعتقه من النار على هذه الصفة فلما رآها الناس علموا أهنا ليست منن‬
                                ‫كتابة املخلوقني فإن وجدت تلك العالمة فتلك الورقة من اهلل عز وجل لكن ال يعمل هبا إال إن وافقت الشريعة اليت بني أظهرنا.‬

‫قال: وكذلك وقع لفقرية من تالمذتنا أهنا رأت يف املنام أن احلق تعاىل أعطاه ا ورقة فانطبقت كفها حني استيقظت فلم يقدر أحد على فتةها فأهلمين اهلل تعناىل‬
‫أين قلت هلا إنوا بقلبك أنه إذا فتح اهلل كفك أن تبتلعيها فنوت وقربت يدها إىل فمها فدخلت الورقة يف فيها قهراً عليها فقال الويل مب عرفت ذلك فقلت أهلمنت‬
‫أن اهلل تعاىل مل يرد منها أن يطلع أحد عليها وقد أطلعين اهلل تعاىل على الفرق بني كتابة اهلل تعاىل يف اللوح احملفوظ وتريه وبني كتابة املخلوقني وهو علم عليب‬
                                                                                           ‫رأيناه وشاهدناه انتهى (اليواقيت واجلواهر ص09،99 ج5)..‬

‫فانظر هذا الوحي اإلهلي هلذه املريدة العزيزة الذي نزل يف يدها وانطبقت عليه مث ابتلعته.. وإن العامل النةرير والشيخ الكبري عرف بالكشنف منراد اهلل فقنال‬
                                                                                ‫ابتلعيها.. اخل.. سبةانك يا رب ال إله إال أنت نستغفرك ونتوب إليك..‬

‫ومل يكتف ابن عريب بكل ما قرره يف هذا الكشف الشيطاين للصوفية من أنه تنزل عليهم املالئكة، ويشاهدون اهلل ويسمعون الصوت ويأتيهم الوحي مكتوباً بنل‬
                                                                                                                                        ‫ً‬
                   ‫قرر أيضا أن قلوب األولياء تنكشف عنها احللب فيشاهدون اجلنة وما فيها، والنار وما فيها متاماً كما حدث للرسول صلى اهلل عليه وسلم.‬

                                                                                                                                            ‫قال الشعراين:‬

‫"(فإن قلت) فما صورة وصول األولياء إىل العلم بأحوال السماوات (فاجلواب) يصل األولياء إىل ذلك باجنالء مرآة قلوهبم كما يكشفون عن أحوال أهل اجلننة‬
‫وأهل النار حبكم اإلرث لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ملا رأى اجلنة والنار يف صالة الكسوف ورأى يف النار عمرو بن حلي الذي سيب السوائب وصناحب‬
‫احمللن، وصاحبة اهلرة اليت حبستها حىت ماتت. ويف بعض طرق احلديث رأيت اجلنة والنار يف عرض هذا احلائط انتهى واهلل أعلم.." أ.هن (اليواقيت واجلنواهر‬
                                                                                                                                     ‫ص99).‬

‫باختصار مل يترك ابن عريب صورة من صور الوحي اإلهلي الذي يوحي به للرسل إال أثبت مثيله ونظريه بل وأكمل منه للصوفية، وبالطبع كان ال بد للمتصوفة من‬
‫أن جييبوا عن تكفري علماء األمة هلم ونسبتهم إىل الزندقة واملروق من الدين وذلك الدعائهم ما هو من خصوصيات الرسل رضوان اهلل عليهم، إذ ال فنرق بنني‬
‫الرسول وتريه إال الوحي، ولو كان واحد من األمة يوحى إليه ويطلع على الغيب، ويكون وارثاً للرسول يف هذا اإلطال والتةقق ملا كان للرسالة معنىن، وال‬
‫للنبوة منزلة وف ائدة، ما دام كل إنسان يستطيع بنفسه أن يصل إىل اهلل ويطلع على الغيب، وأن يعلم مراد اهلل على احلقيقة. ما مزية الرسول هنا وما منزلته، ما دام‬
‫كل أحد إذا فعل بعض اجملاهدات يكون مثله وينزل عليه الوحي ويرى املالئكة ويطلع على املأل األعلى، ويشاهد اهلل وجيلس يف حضرته ويطبع اهلل مراده يف ذهنه،‬
‫ويكتب له ما شاء من الرسائل كما ادعى احلالج أنه نزلت عليه رسائل كثرية خبط اهلل، وادعى هذا ابن عريب كما مر سابقاً، ملاذا يكنون مسنيلمة إذاً كنذاباً‬
 ‫والقرآن الذي افتراه أحسن حاالً يف جوانب كثرية من حكايات كثرية من الصوفية اليت زعموا أهنم تلقوها من اهلل ومالئكته.. لقد كان مسيلمة أقنوى حلنة‬
                                                                                                                                ‫ً‬
                                                                                                 ‫وأكثر تابعاً، وأعز جيشا من كل مشايخ التصوف الكاذبني..‬

‫وإذا قال هؤالء بأننا علمنا أن مسيلمة كاذب بتكذيب النيب له قلنا هلم وكذلك جيب أن حتكموا على كل مشايخ التصوف الذين يزعمون نزول الوحي علنيهم‬
‫بتكذيب النيب صلى اهلل عليه وسلم أيضاً هلم. إنه صلى اهلل عليه وسلم هو القائل ال تقوم الساعة حىت يقوم كذابون كثريون يزعم كل منهم أنه نيب.. وأن ال نيب‬
‫بعدي وأليس كل من زعم أنه يوحى إليه قد ادعى النبوة فكيف إذا زعم أيضاً أنه يرى اهلل؟ ويلتقي باملالئكة ويسمع أصواهتم، ويلتقي باخلضر، ويننزل علينه‬
                 ‫الكتب مكتوبة من السماء، ويطلع بقلبه على املأل األعلى واملأل األسفل، أليس مسيلمة كان أقل كذباً من هؤالء بل وأحكم منطقاً وأعظم عقالً؟‬

‫أقول ملا علم ابن عريب ومن على شاكلته أن دعاواهم هذه لن تنطلي إال على جاهل من أهل القبلة، وأن علماء املسلمني ال بد أن يكفروهم ويزنندقوهم فإننه‬
‫احتاط لذلك وأجاب عما رماه به علماء األمة الصاحلون، ورموا به أيضاً من هم على شاكلته يف ادعاء العلم الغييب والكشف الصويف. أجاب على ذلك بنأهنم‬
‫على شريعة خاصة، وأن علماء الشريعة ميكن أن حيملوا كالم الصوفية على خالف يف الرأي كما هو حادث بني الشافعي واحلنفي أو ينزلوا كالم املتصوفة كأنه‬
                                                                                                   ‫كالم أهل الكتاب فال يصدقوهنم وال يكذبوهنم..‬

                                                                                                                                            ‫قال الشعراين:‬

                                                                                                 ‫د‬
‫"(فإن قلت) قد رأينا يف كالم بعضهم تكفري األولياء احمل ّثني بفتح الدال املهملة لكوهنم يصةةون األحاديث اليت قال احلفاظ بضعفها. (فاجلواب) تكفري النناس‬
‫للمةدثني املذكورين عدم إنصاف منهم ألن حكم احملدثني حكم اجملتهدين فكما حيرم على كل واحد من اجملتهدين أن خيالف ما ثبت عنده فكذلك احملدثون بفتح‬
‫الدال وكالمها أشر بتقرير رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم. قال الشيخ حميي الدين يف الباب الثالث والسبعني من اجلواب السابع واخلمسني: وقد وقع لنا التكفري‬
‫مع علماء عصرنا ملا صةةنا بعض أحاديث قالوا بضعفها قال وحنن نعذرهم يف ذلك ألنه ما قام عندهم على صدق كل واحد من هذه الطائفة وهم خمناطبون‬
‫بغلبة الظن ولو أهنم وفوا النظر معهم حقه لسلموا هلم حاهلم كما يسلم الشافعي للةنفي حكمه وال ينقض حكم من حكم به من احلكام. ومما اعتذروا به قوهلم‬
‫لو صدقت القوم يف كل ما يدعونه من حنو ذلل لدخل اخللل يف الشريعة لعدم العصمة فيهم فلذلك سددنا الباب وقلنا: إن الصادق من هؤالء ال يضره سدنا هذا‬
‫الباب، قال الشيخ حميي الدين ونعم ما فعلوه وحنن ن سلم هلم ذلك ونصوهبم فيه وحنكم هلم باألجر التام على ذلك ولكن إذا مل يقطعوا بأن ذلك الويل خمطنئ يف‬
‫خمالفتهم فإن قطعوا خبطئه فال عذر هلم فإن أقل األحوال أن ينزلوا األولياء املذكورين منزلة أهل الكتاب ال يصدقوهنم وال يكذبوهنم انتهى (اليواقيت واجلنواهر‬
                                                                                                                                           ‫ص49 ج5)..‬

‫و هذا االعتذار واجلواب عن تكفري أهل السنة هلؤالء يف تاية اجلهالة أيضاً ألن ما أتى به املتصوفة مما يسمونه كشفاً ليس من اخلالف يف النرأي، وال اخلنالف‬
                                                                                               ‫الفرعي، بل هو مصادم ألحكام اإلسالم ومبادئ اإلميان.‬

‫فالتصديق أصالً بأهنم يعلمون من طريق الوحي كفر ألنه يناقض ما ج اء به القرآن واحلديث، من أن الوحي قاصر على األنبياء فقط وأن ال نبوة بعد رسنول اهلل‬
‫صلى اهلل عليه وسلم، وأنه من النبوة الرؤيا الصادقة فقط.. وأما مسا صوت امللك وانقشا حلاب القلب ونزول األوراق املكتوبة من السماء كل هنذا منن‬
                                                                                        ‫خصائ النبوة اليت انتهت بوفاة الرسول صلى اهلل عليه وسلم..‬

‫مث ما جاء به الصوفية مما جعلوه ونسبوه إىل الكشف هو يف عامته وحي إبليسي شيطاين مل يترك كفراً يف األرض إال نسبه إىل الدين كتربئة إبليس منن الكفنر‬
                                                                      ‫ن‬
‫والقول بنلاة فرعون ودخوله اجلنة وأن فالناً من أهل اجلنة ومن الصديقني واحلال أ ّ شارب اخلمر ز نديق، وأن فالناً يطلع على اللوح احملفوظ، وأن فالناً الذي‬
‫يأيت (احلمارة) يف الشار ويل هلل تعاىل، وفالناً القذر الذي ال ميس املاء وال يتطهر من حدث أو جنابة ويل صاحل، وفالن الذي يقول أنا اهلل وما يف اجلبنة إال اهلل‬
                                                                                                                                 ‫وسبةانه ويل صاحل.. اخل.‬

‫هذا الكفر كيف يكون هذ ا من جنس اخلالف بني الشافعي واحلنفي يف قراءة الفاحتة وراء اإلمام ويف نقض الوضوء من مس املرأة.. ومثل هذه الفرعيات اليت كان‬
                                                                                                      ‫فيها خالف حول فهم النصوص القرآنية احلديثية..‬

‫وأما قياس ابن عريب ما جاء به املتصوفة أيضاً على كالم أهل الكتاب الذين قال الرسول فيهم ال تصدقوهم وال تكذبوهم.. فإنه قياس بعيد أيضاً ألن هذا فيمنا‬
‫قاله أهل الكتاب مما ال يناقض عقيدة اإلسالم. وإال كيف ال نكذب أهل الكتاب يف قوهلم إن اهلل استراح يف اليوم السابع وإنه تصار مع يعقنوب (إسنرائيل)‬
‫وصرعه إسرائيل وإن لوطاً زىن بابنتيه وإبراهيم قدم زوجته حلا كم مصر ليةصل على إبل وتنم، وإن املسيح ابن اهلل وتري ذلك منن اخلرافنات واخلنزعبالت‬
                                                                                                               ‫وصنوف الكذب على اهلل واألنبياء.‬
‫ال شك أن املسلم يكذب اليهود يف كل ما زعموه مما هو مناقض لعقيدة اإلسالم وما قرر اهلل سبةانه وتعاىل تريه متاماً وضده يف القرآن، كيف ننؤمن بكنالم‬
‫الصو فية وكشوفاهتا وهو ال يقل يف عمومه خبثاً وجناسة عما افتراه اليهود والنصارى على اهلل.. كيف نصدق الصوفية يف كشفهم أن اخلنزير والكلب هنو اهلل،‬
‫وأن املخلوق واخلالق شيء واحد، وأن القائلني خبالق فوق العرش مباين للعامل جاهلون بعقيدة التوحيد.. كيف يكون الكشف الصويف هذا الذي يزعم أصنةابه‬
‫أهنم أخذوه عن اهلل ونقلوه حبرفيته هو احلق وأنه جيب على علماء الشريعة واإلسالم أن يعاملوا الصوفية كما يعاملون اليهود والنصارى يف أن ال يصندقوهم وال‬
‫يكذبوهم.. أقول بل جيب تكذيبهم يف كل ما افتروه على اهلل وعلى رسوله مما خيالف كالم اهلل وكالم رسوله. ومما هو كفر صراح بواح ال يشك وال مياري فيه‬
‫من له أدىن علم بالكتاب والسنة عنده بصر وبصرية يستطيع أن مييز فيه بني كالم اهلل وكالم الشياطني وبني وحي اهلل سبةانه الذي ينزل به جربيل األمني حمفوظاً‬
            ‫أن يناله الشياطني أو أن يدخلوا معه ما ليس منه وبني وحي إبليس اللعني الذي يلقبه هو وأوالده وأفراخه على أوليائه من هؤالء الكذابني واألفاكني..‬

                                                                                                 ‫فيدعون ألنفسهم ما ادعوه من كل كذب وزور وفلور..‬

                                                                                                                                      ‫ً‬
‫والعليب أيضا أن ابن عريب الذي حنن بصدد بيان افتراءاته يف الكشوف والعلوم اليت له كان يعلم أن هناك وحياً شيطانياً يتنزل على بعض الصوفية، وأن هناك من‬
                                                                                                     ‫حيفظ منهم من تلبيس الشيطان ومنهم من ال حيفظ.‬

                                                                                 ‫يقول عبدالوهاب الشعراين أيضاً يف كتابه اليواقيت فيما ينقله عن ابن عريب:‬

‫"(فإن قلت) فمىت حيفظ الويل من التلبيس عليه فيما يأتيه من وحي اإلهلام (فاجلواب) يعرف ذلك بالعالمات؛ فمن كان له يف ذلك عالمة بينه وبني اهلل عنرف‬
                                                   ‫الوحي احلق اإلهلامي امللكي من الوحي الباطل الشيطاين حفظ من التلبيس ولكن أهل هذا املقام قليل.‬

‫قال الشيخ يف الباب الثالث والثمانني ومائتني: مما تلط فيه مجاعة من أهل اهلل عز وجل كأيب حامد الغزايل وابن سيد لون (رجل بوادي اشت) قوهلم إذا ارتقنى‬
‫الويل عن عامل العناصر وفتح لقلبه أبواب السماء حفظ من التلبيس قالوا وذلك ألنه حينئذ يف عامل احلفظ من املردة والشياطني فكل ما يراه هناك حق. قال الشيخ‬
‫حميي الدين وهذا الذي قالوه ليس بصةيح وإمنا يصح ذلك أن لو كان املعراج بأجسامهم مع أرواحهم إن صح أن أحداً يرث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يف‬
‫هذا املعراج وأما من عرج به خباطريته وروحانيته بغري انفصال موت وجسده يف بيته مثالً فقد ال حيفظ من التلبيس إال أن يكون له عالمة يف ذلك كما مر وأطال‬
‫يف ذلك مث قال واعلم أن الشيطان ال يزال مراقباً لقلوب أهل الكشف سوا ء كان أحدهم من أهل العالمات أو مل يكن ألن له حرصاً على اإلتواء والتلبيس لعلمه‬
‫بأن اهلل تعاىل قد خيذل عبده فال حيفظه فيعيش إبليس بالترجي ويقول لعل وعسى فإن رأى إبليس باطن العبد حمفوظاً وأنوار املالئكة قد حفت به انتقل إىل جسد‬
‫ذلك العبد فيظهر له يف صورة احلس أموراً عسى أن يأخذ هبا فإذا حفظ اهلل تعاىل قلب ذلك العبد ومل ير له على باطنه سبيالً جلس جتاه قلبه فينتظر تفلة تطنرأ‬
‫عليه فإذا علز أن يوقعه يف شيء يقبله منه بال وساطة نظر يف حال ذلك الويل فإن رأى أن من عادته األخذ للمعارف من األرض أقام له أرضاً متخيلة ليأخذ منها‬
‫فإن أيد اهلل تعاىل ذلك العبد رده خاسئاً الطالعه حينئذ على الفرق بني األرضني املتخيلة واحملسوسة وقد يأخذ الكامل من إبليس ما ألقاه إليه من اهلل ال من إبليس‬
‫فريده أيضاً خاسئاً وكذلك إن رأى إبليس أن حال ذلك الويل األخذ من السماء أقام له مساء متخيلة مثل ال سماء اليت يأخذ منها ويدرج له فيها من السموم القاتلة‬
‫ما يقدر عليه فيعامله العارف مبا قلناه يف شأن األرض املتخيلة واألصلية وإن رأى أن حال ذلك الويل األخذ من سدرة املنتهى أو من ملك من املالئكة خيل لنه‬
‫سدرة مثلها أو صورة ملك مثل ذلك امللك وتسمى له بامسه وألقى إ ليه ما عرف أن ذلك امللك يلقيه إليه من ذلك املقام فإن كان ذلك الشخ من أهل التلبيس‬
‫فقد ظفر به عدوه وإن كان حمفوظاً حفظ منه فيطرد عنه إبليس ويرمي ما جاء به أو يأخذ ذلك عن اهلل تعاىل ال عن إبليس كما مر ويشكر اهلل تعاىل على ذلنك‬
‫وإن رأى الشيطان أن حال ذلك الويل األخذ من العرش أو من العماء أو األمساء اإلهلية ألقى إليه الشيطان حبسب حاله ميزاناً مبيزان وأطال الشنيخ يف ذلنك يف‬
                                                                                     ‫الباب الثالث والثمانني ومائتني" أ.هن (اليواقيت واجلواهر ص99 ج5).‬

‫والعليب من الغزايل أيضاً كيف ظن أن ما يزعم الصويف نقله من السماوات ال يكون فيه شيء شيطاين ألن اهلل حفظ السماء من الشياطني، وكأنه قد تاب عنه‬
                                      ‫أن الصويف الذي يزعم الوصول إىل السماوات هو جالس هنا يف األرض تستهويه الشياطني وحتف به من كل جانب.‬

                                                                                             ‫ً‬
‫ومل أر ابن عريب صدق يف هذا الصدد إال فيما نقلناه عنه آنفا من بيان تلبيس الشياطني على الصوفية يف تصويره هلم مساء متخيلة، أو سدرة املنتهى أو املالئكنة..‬
‫اخل. حىت يظن الصويف أنه قد رأى ذلك فعالً وأنه ينقل علمه من هناك واحلال أنه ينقل عن الشياطني الذين يزخرفون له ذلك وحييلون له ما يشاهده ممنا لنيس‬
‫هنالك هو متاماً ما وقع هلؤالء الصوفية ومنهم بل أوهلم يف ذلك هو ابن عريب هذا الذي مل يترك كفراً يف األرض إال سطره يف كتبه وخباصة كتابنه الفصنوص‬
                                                                                                        ‫(فصوص احلكم) وكتابه (الفتوحات املكية).‬

                                                                                                                            ‫ً‬
                    ‫لقد عرف ابن عريب حقا الطريق الذي استقى منه هو والصوفية وأنه الشياطني الذي خييلون هلم هذه اخلياالت ويوحون إليهم هبذه الكلمات.‬

‫وسيلد الق ارئ يف ثنايا هذا الكتاب نقوالً مستفيضة عن ابن عريب تبني ما هي حقيقة كشوفاته ووحيه الذي أوحي به إليه ولكين أحب أن أختم هذا الفصل يف‬
‫بيان موقف ابن عريب من الكشف حبقيقة موقفه من إبليس لنبني للقارئ مبا ال يد جماالً للشك أي دين يدين به هؤالء وأي علم يزعمون الوصنول إلينه وأي‬
                                                                                                                            ‫كشف اكتشفوه..‬
‫فمن املعلوم يقيناً عند كل مسلم أن إبليس هو رأس الشر والبالء وأنه عدو آلدم وذريته منذ امتنع عن السلود آلدم وطرده اهلل بسبب ذلك من رمحته وجعل اهلل‬
                                                                             ‫عليه اللعنة إىل يوم يبعثون وأنه يكون يف اآلخرة يف جهنم كما قال تعاىل:‬

‫{وقال الشيطان ملا قضي األمر إن اهلل وعدكم وعد احلق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان يل عليكم من سلطان إال أن دعوتكم فاستلبتم يل فال تلوموين ولومنوا‬
                                  ‫أنفسكم ما أنا مبصرخكم وما أنتم مبصرخي إين كفرت مبا أشركتمون من قبل إن الظاملني هلم عذاب أليم} (إبراهيم:55).‬

‫والشيطان يف هذه اآلية هو إبليس بإمجا املفسرين وكذلك قوله تعاىل: {فكبكبوا فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أمجعون* قالوا وهم فيها خيتصمون* تاهلل إن‬
                        ‫كنا لفي ضالل مبني* إذ نسويكم برب العاملني* وما أضلنا إال اجملرمون* فما لنا من شافعني* وال صديق محيم} (الشعراء:09-646).‬

‫وال شك أن جنود إبليس يستةيل أن يدخلوا النار وال يدخل هو معهم إذ كيف يدخل اجلنود ويبقى رأس اجلند من الناجني. ولعل قائالً يقول وملاذا هذا التطويل‬
‫يف بيان أن إبليس من أهل اجلةيم. إن هذا أمر بديهي معلوم عند مجيع أبناء اإلسالم وأقول: إن هذا األمر البديهي املعلوم من الدين بالضرورة اليت يعترب جاحنداً‬
 ‫وناكراً وكافراً مرتداً من نفاه هو ما أثبت ابن عريب تبعاً يف زعمه لسهل بن عبداهلل التستري ضده، وهو أن إبليس من الناجني وأنه لن يدخل النار أبداً وأنه أعين‬
 ‫إبليس التقى يف زعم ابن عريب بسهل بن عبداهلل التستري الصويف كان من كبار مشاخيهم يف القرن الثالث فناقشه يف هذه املسألة وبني له أنه من الناجني، وأنه لن‬
 ‫يدخل النار وأن اهلل سبةانه وتعاىل سيغري ما أثبته يف القرآن ألن اهلل ال جيب عليه شيء وما دام أنه ال جيب عليه شيء وال يقيده قيد، فإنه قد قضى بنلاة إبليس‬
                                                                                            ‫يوم القيامة، وتربئته من مجيع التهم املنسوبة إليه والعفو التام عنه..‬

‫.. انظروا يا مسلمني هذا الكشف الصويف ما أعظمه وأطرفه بل ما أفلره وأكفره.. إن ما أتعب النيب حممداً صلى اهلل عليه وسلم فيه نفسه طيلة ثالثة وعشنرين‬
‫عاماً من بيان قصة إبليس وآدم، ومن لعن إبليس دائماً، واستفتاح صالته باالستعاذة منه، وقوله صلى اهلل عليه وسلم له عندما خنقه [ألعنك بلعنة اهلل.. ألعننك‬
                   ‫بلعنة اهلل.. ألعنك بلعنة اهلل..] وذلك عندما جاء إبليس اللعني هذا بشهاب من نار ووضعه يف وجه الرسول صلى اهلل عليه وسلم وهو يصلي..‬

‫هذا الذي أتعب فيه الرسول صلى اهلل عليه وسلم نفسه ومن بعده سائر الصةابة واملسلمني؛.. جاء ابن عريب اليوم ليبني لنا عن شيخه املزعوم التستري أنه كان‬
‫خطأً يف خطأ، وأنه يوم القيامة يكون يف اجلنة مع من أنعم اهلل عليهم من النبيني والصديقني والشهداء والصاحلني وحسن أولئك رفيقاً.. وأن هذا هو معتقد أهل‬
                                                                                                                                    ‫السنة واجلماعة..‬

                               ‫ويعين ابن عريب بذلك األشاعرة ألهنم يقولون (ال جيب على اهلل شيء) وما دام ال جيب عليه شيء فيلوز أن يدخل إبليس اجلنة..‬

‫وهذا اجلائز العقلي عن األشاعرة جعله ابن عريب ممكناً وواقعاً ألن شيخه القشريي التقى بإبليس وناقشه يف هذه املسألة وحتقق منه أنه سيكون يوم القيامنة منن‬
                                               ‫الفائزين الفاحلني.. وهذا ن احلكاية املزعومة وتعقيب ابن عريب عليها بنصها من كتاب اليواقيت واجلواهر..‬

‫" وذكر الشيخ حميي الدين يف الباب الثالث والتسعني ومائتني أيضاً ما يؤيد اعتقاد أهل السنة واجلماعة من أن احلق تعاىل ال جيب عليه شيء وهو أن سنهل بنن‬
‫عبداهلل ا لتستري رضي اهلل عنه قال لقيت إبليس مرة فعرفته وعرف مين أنين عرفته فوقع بيين وبينه مناظرة فقال يل وقلت له وعال بيننا الكالم وطال النزا حبيث‬
‫إنه وقف ووقفت حائراً وحرت فكان آخر ما قال يل يا سهل إن اهلل تعاىل قال ورمحيت وسعت كل شيء نعم وال خيفى عليك أنين شيء ولفظة كنل تقتضني‬
‫اإلحاطة والعموم إال ما خ وشيء أنكر النكرات فقد وسعتين رمحته أنا ومجيع العصاة فبأي دليل تقولون إن رمحة اهلل ال تنالنا. قال سهل فواهلل لقد أخرسنين‬
‫وحريين بلطافة سياقه وظفره مبثل هذه اآلية وفهمه منها ما مل أكن أفهمه وعلمه من داللتها ما مل أكن أعلمه فبقيت حائراً متفكراً وأخذت أردد اآلية يف نفسني‬
‫فلما جئت إىل قوله تعاىل فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة إىل آخر النسق فسررت هبا وظننت أين قد ظفرت حبلة وظهرت عليه مبا يقصم ظهره فقلت له:‬
‫تعال يا ملعون، إن اهلل تعاىل قد قيدها بنعوت خمصوصة خترجك عن ذلك العموم فقال سأكتبها للذين يتقون إىل آخر النسق. فتبسم إبليس وقال: يا سهل، التقييد‬
‫صفتك ال صفته تعاىل. مث قال: يا سهل ما كنت أظن أن يبلغ بك اجلهل باهلل ما رأيت وما ظننت أنك ههنا ليتك سكت، قنال سنهل فرجعنت إىل نفسني‬
‫وتصصت بريقي وأقام املاء يف حلقي وما وجدت له جواب اً وال سددت وجهه باباً وعلمت أنه طمع يف مطمع وانصرف وانصرفت وواهلل ما أدري بعد هذا منا‬
‫يكون فإن اهلل تعاىل ما ن مبا يرفع هذا اإلشكال فبقي األمر عندي على املشيئة منه يف خلقه ال أحكم عليه بذلك إال مبا حكم به على نفسه من حيث وجنود‬
‫اإلميان به. انتهى كالم سهل. قال الشيخ حميي الدين: وكنت قدمياً أقول ما رأيت أقصر حلة من إبليس وال أجهل منه فلما وقفت له على هذه املسنألة النيت‬
‫حكاها عنه سهل رضي اهلل عنه تعلبت وعلمت أن إبليس قد علم علماً ال جهل فيه فله رتبة اإلفادة لسهل يف هذه املسألة. انتهى فقد بان لك أن اهلل تعاىل خلق‬
                                                         ‫العامل كله من تري حاجة إليه ال موجب أوجب ذلك عليه" أ.هن (اليواقيت واجلواهر ص46 ج6).‬

‫وأظن اآلن أنه قد وضح للقارئ متاماً ما هو الكشف الصويف، وأنه عملية هدم منتظمة للدين احلنيف الذي جاء به سيد املرسلني صلى اهلل عليه وسلم، فمنا دام‬
                                                                                              ‫إبليس من الناجني فليس هناك شيء ثابت يف هذا الدين.‬

‫وال علب فيما رووا عن إبليس، فإن أستاذهم احلالج وأحد كربائهم قال يف إبليس ما مل يقله أحد منهم يف جربيل؛ إذ جعله سيد املالئكة أمجعني ذلك ألنه أىب‬
                                    ‫أن يسلد إال هلل.. ألن عبادته هلل خاصة فقط وذلك كان أعظم املوحدين. وإليك هذه النماذج من الكشف الصويف اللعني.‬
                                                                                                           ‫6- ملك ينزل إىل األرض على شكل خواجة:‬

‫كتب أمحد بن مبارك السللماسي املغريب كتاباً مساه (اإلبريز) زعم أنه ينقل ما فيه عن شيخه عبدالعزيز الدباغ املغريب أيضاً، وهذا الشيخ أمي جاهنل مل يكنن‬
   ‫ً‬
‫حيفظ حزباً واحداً من القرآن بشهادة تلميذه أمحد بن مبارك، ولكنه مع ذلك كان يستطيع التفريق بني القرآن واحلديث مبلرد السما ، بل كان يستطيع أيضا أن‬
‫يفرق بني القرآن واحلديث النبوي واحلديث القدسي وكل ذلك بالكشف من تري علم وال تعليم، وليس كذلك فقط بل كان يستطيع أيضاً أن يفنرق ويعلنم‬
‫صةيح احلديث من موضوعه وضعيفه فإذا أل قي إليه احلديث علم هل قاله الرسول أو ال ويقول أمحد بن مبارك اختربته يف ذلك فكنت ألقي عليه احلديث منن‬
‫اجلامع الصغري للسيوطي فما قال فيه السيوطي صةيح كان يقول الشيخ عنه صةيح وما قال فيه موضو يقول موضو دون أن يتلقى هنذا بنالعلم وإمننا‬
‫بالكشف فقط بل كان يعرف إن كان احلديث يف البخاري أو مسلم أو فيهما أو انفرد فيه أحدمها.. اخل.. ومل يكن هذا هو كل علم عبدالعزيز الدباغ بل كنان‬
‫يعرف معاين القرآن كلها وتفسريه الباطين وعلم احلروف املقطعة يف القرآن. بل وكان يعلم مجيع الكتب املنزلة على مجيع األنبياء ويعلم تفاسريها ومعانيهنا. ومل‬
‫يكن هذا فقط هو علم الدباغ أستاذ أمحد بن مبارك املزعوم بل كان يعلم ما يف اللوح احملفوظ كله من املقادير. بل كان كل هذا الذي ال حيفظ حزباً من القرآن‬
                ‫بشهادة تلميذه ال تغيب عنه ذرة يف األرض وال يف السماء، وأنه هو الغوث األكرب املتةكم يف العامل العلوي والسفلي والوارث للةقيقة احملمدية.‬

‫واحلقيقة احملمدية يف الفكر الصويف هو اهلل املستوي على العرش كما قال ابن عريب: "احلقيقة احملمدية هي املوصوفة باالستواء على العرش" (أهل التصرف يف الفكر‬
‫الصويف هم أهل الديوان الذين يتةكمون يف املقادير وهو الغوث واألقطاب األربعة) ، املهم أن أمحد بن مبارك يزعم فيما يزعم أن شيخه األكرب وهنو رئنيس‬
                                                                                      ‫الديوان الصويف وأنه استفاد منه علوماً مجة من بعضها كتابه اإلبريز.‬

                     ‫ً‬     ‫ً‬
‫وسيلد القارئ جانباً كبرياً من هذه العلوم يف الفصل اخلاص بالديوان الصويف ألن الدباغ هذا وصف ما مساه بالديوان الصويف وصفا عليبا.. واملهم هنا أن ننقل‬
                                                                                                                            ‫بعض كشوفات الدباغ..‬

                                                                                                        ‫قال أمحد بن مبارك: "ومسعته رضي اهلل عنه يقول:‬

                                                                                   ‫ً‬
‫إن يف كل مدينة من املدن عدداً كبرياً من املالئكة مثل السبعني ملكا أو أقل أو أكثر يكونون عوناً ألهل التصوف من األولياء فيما ال تطيقه ذات النويل؛ قنال‬
‫رضي اهلل عنه وهؤال ء املالئكة الذين يكونون موجودين يف املدن يكونون على هيئة بين آدم فمنهم من يلقاك يف صورة خواجة، ومنهم منن يلقناك يف صنورة‬
            ‫فقري(أي صويف أو شةاذ)، ومنهم من يلقاك يف صورة طفل صغري وهم منغمسون يف الناس ولكنهم ال يشعرون" أ.هن (اإلبريز ص266،066).‬

                                 ‫فانظر هذا الكشف ال عليب؛ املالئكة تنزل إىل األرض تأمتر بأمر الصوفية وهو على أشكال اخلواجات والشةاذين واألطفال..‬

                                                                                 ‫ً‬
                                 ‫فإذا رأيت خواجة فال تزعله يف الطريق وال تنظر إليه شذراً فرمبا كان ملكا من مالئكة اهلل نزل لتنفيذ أوامر مشايخ الصوفية..‬

                                                                                                               ‫5- تاريخ بناء األهرام عن طريق الكشف:‬

‫الكشف الصويف مل يترك شيئاً إال حاول الدخول فيه وإليه؛ من ذلك تاريخ بناء األهرام اليت بناها خوفو الفرعون قبل ميالد املسيح عليه السالم بنةو أربعة آالف‬
       ‫سنة ولكن بالكشف الصويف يقول ابن عريب: " بلغنا أنه وجد مكتوباً بالقلم األول على األهرام أهنا بنيت والنسر الطائر يف األسد، وهو اآلن يف اجلدي"..‬

‫قال عبدالوهاب الشعراين تعليقاً على كالم ابن عريب " ومعلوم أن النسر الطائر ال ينتقل من برج إىل تريه إال بعد مضي ثالثني ألف سنة قال الشنيخ عبندالكرمي‬
   ‫اجليلي، وهو اليوم يف الدلو فقد قطع حنو عشرة أبراج وال يتأتى ذلك إال بعد ثالمثائة ألف سنة" أ.هن (الكربيت األمحر على هامش اليواقيت واجلواهر ص9).‬

                     ‫وعلى الكشف الصويف هذا يصبح عمر األهرام حسب ختريفاهتم أكثر من 295 مائتني ومخسة وتسعني ألف سنة فقط من عمرها احلقيقي.‬



                                                                                                             ‫9- الدباغ يكتشف نبياً جديدًا امسه هويد..‬

                                                                                                                    ‫قال أمحد بن مبارك يف كتابه اإلبريز:‬

‫"ومم ا قاله رضي اهلل عنه يف نسب هود حمصلة كشف وعيان فإنه أمي ال يعرف تارخياً، وال تريه فال ينبغي ألحد أن يعارضه مبا قال أهل التاريخ يف نسب هود ألنه‬
‫مبين على خرب الواحد، ومع ذلك فقد اضطرب يف خرب الواحد يف نسب هو فقيل نسبه هود بن عبداهلل بن رباح بن اجلارود بن عماد بن عوض بن آدم بن سنام‬
‫بن نوح، وقيل هو هود بن شارخ بدار فخشذ بن سام بن نوح عليه السالم فهو على هذا ابن عم أيب عماد دائماً جعل من عاد وإن مل يكن منهم ألهننم أفهنم‬
‫لقوله وأعرف حلاله وأرتب يف اقتفائه.. قال رضي اهلل عنه: وأما عاداً األوىل فكانوا قبل نوح عليه السالم وأرسل اهلل هلم نبياً يسمى (هويد) وهو رسول مستقل‬
‫بشرعه خبالف هود الذي أرسل إىل عاد الثانية فإنه جمدد لشر من قبله من املرسلني. قال: وكل رسول مستقل فال بد أن يكون له كتاب. قال: ولسيدنا (هويد)‬
‫املذكور كتاب وأنا أحفظه كما أحفظ مجيع كتب املرسلني. فقلت له وتعدها. قال أحفظها وال أعدها امسعوا مين. مث جعل يعدها كتاباً كتاباً، قال: (أي الدباغ)‬
                                                                                                                               ‫ً‬
‫وال يكون الويل وليا حىت يؤمن جبميع هذه الكتب تفصيالً وال يكفيه اإلمجال فقلت هذا لسائر األولياء املفتوح عليهم فقال: بل لواحند فقنط وهنو الغنوث‬
‫فاستفدت منه يف ذلك الوقت أنه رضي اهلل عنه هو الغوث وعلومه دالة على ذلك فإين لو قيدت مجيع ما مسعت منه ملألت أسفاراً، وكم من مرة يقنول مجينع‬
                                                                                 ‫كالمي معكم على قدر ما تطيقه العقول" أ.هن (اإلبريز ص946-046).‬

                                                       ‫وليس هناك من تعليق على مثل هذا اهلراء إال أن يقول املسلم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك..‬

         ‫ً‬
‫اهلل تعاىل يف القرآن شيئا من قصصهم‬                                                     ‫ً‬
                                       ‫وانظر بعد ذلك تتمة هذه الفتوح الدباتية كيف أنه اكتشف أيضا بطريقة الكشف أن بني نوح وآدم سبعني رسوالً مل يق‬
                                                                                                     ‫ولكن عبدالعزيز الدباغ عرفهم بطريق الكشف..‬

   ‫قال أمحد بن مبارك تلميذ الدباغ: (ومسعته) رضي اهلل عنه يقول كان ق بل نوح سبعمائة رسول من األنبياء ويف قصصهم من العلائب الكثرية وإمنا مل يقصن‬
‫علينا يف كتابه العزيز منها شيئاً لعدم اشتهار أهلها يف أزمنة الوحي فقلت فما معىن قوله يف حديث الشفاعة يف صفة نوح وأنه أول الرسل فقال رضني اهلل عننه‬
‫املراد أنه أول الرسل إىل قوم كافرين ومن قبله من املرسلني أرسلوا إىل قوم عقيدهتم صةيةة فقلت فلم عوقب قوم هويد باحللارة والنار إذا كانوا مؤمنني فقال‬
                ‫رضي اهلل عنه كانت عادته تعاىل مع القوم الذين قبل نوح أن يهلكهم على ترك أكثر القواعد وإن كانوا على العقائد" أ.هن (اإلبريز ص046).‬

                   ‫فانظر كيف اكتشف ا لدباغ سبعني رسوالً قبل نوح وكيف أن اهلل أهلكهم ليس على الشرك والكفر ومعاندة الرسل بل على املعاصي فقط..‬

                                                                                                                               ‫0- األولياء أكثرهم أميون.‬

                                                                                                                 ‫الدباغ يفضل نفسه على إبراهيم الدسوقي:‬

       ‫ً‬
‫وال علب بعد ذلك إذا علمنا أن أهل هذه الكشوف املزعومة يف تالبهم أميون كعبدالعزيز الدباغ الذي روى عنه أو افترى عليه أمحد بن مبارك كان رجال أمياً،‬
                                           ‫وشيخ عبدالوهاب الشعراين وهو اخلواص كان أمياً كذلك وامسع ما يقول أمحد بن مبارك عن شيخه األمي الدباغ.‬

‫" ومسعته رضي اهلل عنه يقول مرة أخرى السماوات واألرضون بالنسبة إىل كاملوزونة (املوزونة: عملة مغربية) يف فالة من األرض يصدر هذا الكالم منه رضي اهلل‬
‫عنه وما أشبهه إذا شهدنا منه زيادة بل هو يف زيادة دائماً رضي اهلل عنه وقد كنت معه ذات يوم خارج باب الفتوح فلعل يذكر يل أكابر الصاحلني مع كونه أمياً‬
 ‫فقلت فمن أين تعرفهم فقال رضي اهلل عنه أهل الفتح الكبري مسكن أروا حهم قبة الربزخ فمن رأيناه فيها علمنا أنه من األكابر مث جرى بيننا ذكر الشيخ سنيدي‬
 ‫إبراهيم الدسوقي فقلت هو من األكابر فلعلت أذكر مناقبه والغرائب اليت نقلت من كراماته فقال رضي اهلل عنه لو عاش سيدي إبراهيم الدسوقي من زمننه إىل‬
 ‫زماننا ما أدرك من املقامات وال ترقى مثل ما ترقى أخوك عبدالعزيز يعين نفسه من أمس إىل اليوم واهلل ما قاله أخوك افتخاراً وإمنا قاله تعريفناً وحتندثاً معكنم‬
                                                                                                                       ‫بالنعمة" أ.هن (اإلبريز ص966)..‬

                                                                                                 ‫ونسأل ما فيه الربزخ هذه اليت جتتمع فيها أرواح الصوفية..‬

‫وملاذا ال خيتار اهلل لواليته -يف زعمهم- إال أميني علماً بأنه سبةانه وتعاىل فضل أهل العلم والعلماء وما كان اختياره للرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم أمياً إال‬
‫ليقيم به احللة على عباده وحىت ال يتهم بأنه أتى بالقرآن من عند نفسه كما قال تعاىل: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب وال ختطنه بيميننك إذاً الرتناب‬
                                                                                                                           ‫املبطلون} (العنكبوت:90).‬

‫وأما بعد النيب صلى اهلل عليه وسلم فقد فضل اهلل علماء هذه األمة على أهل اجلهالة منها، وجعل تعلم العلم بالكتابة والقراءة والسما واألسباب األخرى البشرية‬
‫املؤدية لذلك.. وليس بطريقة الغيب ألن هذا الطريق خاص باألنبياء رضوان اهلل عليهم وما سوى النيب الصادق فمتنبئ كاذب وهذا هو حال هنؤالء املسناكني‬
                                                                   ‫الذين استةوذ عليهم الشيطان فراحوا يهيمون يف أودية الضالل على هذا النةو املهني.‬

                                                                                                                       ‫2- الدباغ يكتشف سر ليلة القدر:‬

                                                       ‫ر‬
                                           ‫ومل يكتف الدباغ بكشوفاته يف األرض فراح يكتشف السماء أيضاً وأتى لنا هبذه احلكاية العليبة عن س ّ ليلة القدر.‬

                                                                                                                              ‫قال تلميذه أمحد بن مبارك..‬

                                                       ‫ً‬
‫" مث ذكر لنا رضي اهلل عنه سبب ليلة القدر فقال إن العامل قبل خلق النور يف حرم الشمس كان مظلما واملالئكة عامرون له أرضاً ومساء ويف الكهوف والسنهول‬
‫واجلبال واألودية فلما خلق اهلل تعاىل النور يف الشمس وأضاء العامل هبا أصبةت مالئكة السماء ومالئكة األرض وخافوا من خراب العامل ومن أمر عظيم ينزل هبم‬
‫فنزل مالئكة السماء إىل األرض وجعل مالئكة األرض يفرون من الضوء إىل الظل أي من ضوء النهار إىل ظل الليل فراراً من الضوء الذي مل يعرفنوه إىل الظنل‬
‫الذي يعرفونه خائفني متضرعني جمتمعني على االبتها ل إىل اهلل تعاىل والتضر له واخلوف منه يطلبون منه الرضا ويللأون إليه يف أن ال يسخط عليهم ومل يكن يف‬
                    ‫ظنهم أال أنه تعاىل أراد أن يطوي هذا العامل فاجتمعوا على التضر واالبتهال على الصفة السابقة مقدرين يف كل حلظة وقو ما خافوه.‬

‫فإذا زاد إليهم الضوء فروا عنه إىل الظل ومل يزالوا على تلك احلالة والضوء ينسخ الظل وهم يفرون إىل أن طافوا األرض كلها ورجعوا إىل املوضع الذي بدأوا منه‬
                        ‫فلما مل يروا شيئاً وقع حصل هلم األمن ورجعوا إىل مراكزهم جيتمعون من كل عام فهذا هو سبب ليلة القدر" أ.هن (اإلبريز ص266).‬

                                                                                                                ‫فهل علمتم ما سر ليلة القدر يا مسلمون..‬

                                                                                                                      ‫6- طبال ومغفل من أهل الكشف.‬

‫وبعض الناس قد يظنون أن هذا الكشف ال يأيت إال ألناس عقالء من أهل التقوى واالتزان ولكن الصوفية يقررون تري ذلك فهذا أمحد بن مبارك حيكي عن شيخه‬
                                                                                                ‫الدباغ بأن الفتح جاء إىل رجل وهو طبال، يقول:‬

‫"وأعرف رجالً بالرملة من أرض الشام فتح اهلل عليه وهو حبالة يتضاحك الناس عليه، كةالة الرجل املشهور مبدينة فاس (مبعيزو) (مدينة يف املغرب)، فبقي علنى‬
‫حاله بعد الفتح ومل ينتقل عنها. قلت: وكانت حالة املتقدم أن الصبيان وتريهم من ضعفة العقول يتبعونه طول النهار يضةكون عليه، وقال (رضني اهلل عننه)‬
‫وأعرف رجالً آخر فتح اهلل عليه وكان قبل ذلك طباالً فبقي على حالته قبل الفتح ومل ينتقل عنها" أ.هن (اإلبريز ص996). أي ظل طباالً كما هو وظل الفتح‬
‫الصويف ينزل عليه وال علب عند الصوفية يف ذلك فالوالية عندهم ليست مسألة كسبية يناهلا املسلم بتقوى اهلل وخمافته وحمبته والسعي إىل مرضاته. بل هي مسألة‬
‫يقولون –وهبية- تنال الشخ هبة له من اهلل وإن مل يكن هناك من األسباب والدواعي ما يستند عليها ففضل اهلل عندهم وحسب زعمهم ال حرج عليه فقند‬
‫يصيب الطبالني أو الزمارين، وقد يكون الويل سكرياً أو زنديقاً، أو طفالً صغرياً، أو جم ذوباً شاهد األنوار العلوية فضا عقله أو متخلفاً عقلياً يتضاحك الصبيان‬
‫منه ولكنه يكون ولياً ربانياً وحيدث الناس بأمور الغيب، ويشاهد ويطالع احلضرة اإلهلية والرسولية، واخلضرية (نسبة إىل اخلضر) وهكذا قلبوا كل موازين العلم،‬
‫وكل قوانني الشريعة، فالوالية ال شك أهن ا منةة إهلية وتفضيل وفضل رباين ولكنها ال تنال إال حملها ممن كان عنده االستعداد لذلك ومن سعى لنينل درجنات‬
                                                                 ‫القرب من اهلل سبةانه وتعاىل كما جاء يف حديث البخاري عن أيب هريرة رضي اهلل عنه:‬

‫[ من عادى يل ولياً فقد آذنته باحملاربة، وما تقرب إيل عبدي بشيء إيل أحب مما افترضت عليه، وال يزال عبدي يتقرب إيل بالنوافل حىت أحبه، فإذا أحببته كنت‬
‫مسعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده اليت يبطش هبا، ورجله اليت ميشي هبا ولئن سألين ألعطينه، ولئن استعاذ يب ألعيذنه]، فلعل اهلل للوالية طريقاً وهو‬
‫أداء الفرائض أوالً مث اإلكثار من النوافل حىت يصل املسلم إىل مرحلة القرب من اهلل سبةانه وتعاىل، فيةمي اهلل مسعه وبصره ويده ورجله، وجيعل ذلك كلنه يف‬
                                                                                                                                  ‫طاعته وحمبته ومرضاته.‬

                                                                                        ‫ولكن الوالية والفتح والكشف الصويف بغري ذلك ينال كل هؤالء..‬

                                                                                                ‫9- الوحي الصويف ال ينزل إذا كان أحد املنكرين حاضراً:‬

          ‫ا‬                                                                                         ‫ا‬
‫ومما يدل ك يقينً على أن ه ا الكشف الصوفي ما هو إال إلقاء شيطاني ه ه الحكاية التي يرويها أحمد بن مبارك أيضً عان شايخه‬
‫الدباغ وأنه كان إ ا حضر رجل من أهل التوحيد واإليمان الصحيح ممن ال يؤمن به ه الخرافات كان وحي الشيخ ينقطاع ويعاود‬
                                                                                                                    ‫جاهالً كما كان ال يتكلم الكلمة.‬

‫"(قال رضي اهلل عنه) وما مثلت الويل مع القاصدين إال كةلر بين إسرائيل. فإذا كان بني يدي أولياء اهلل تعاىل انفلرت منه اثنتا عشر عيناً وإذا كان بني أعدائه‬
‫تعاىل ال خترج منه وال قطرة واحدة (قلت) وقد شاهدت هذا املعىن يف الشيخ رضي اهلل عنه مراراً فإذا حضر بني يديه بعض من ال يعتقده ال خترج منه وال فائدة‬
‫واحدة وال يقدر على التكلم بشيء من العلوم اللدنية واملعارف الربانية حىت يقوم ذلك الشخ ويوصينا ويقول إذا حضر مثل هذا الرجل فال تسألوين عن شيء‬
‫حىت يقوم وكنا قبل الوصية جاهلني هبذا األمر فنسأل الشيخ ونريد أن نستخرج منه النف ائس واألسرار الربانية كي يسمعها الرجل احلاضر فيتوب فنإذا سنألناه‬
‫رضي اهلل عنه حينئذ وجدناه كأنه رجل آخر ال نعرفه وال يعرفنا فكأن العلوم اليت تبدو منه مل تكن له على بال أبدًا حىت ذكرنا له السبب ففهمنا السر واحلمد هلل‬
                                                                                                                    ‫رب العاملني" أ.هن (اإلبريز ص966).‬

‫وليس ذلك بالطبع إال ألن الشيطان يهرب إذا رأى من يؤمن باهلل حقاً، كما قال النيب صلى اهلل عليه وسلم لعمر: [واهلل ما رآك الشيطان سالكاً فلاً إال سنلك‬
                    ‫فلاً تري فلك]. وهؤالء الصوفية ال يأتيهم يف مكاهنم موحد إال انتهت أحواهلم واضمةلت أنوارهم املزعومة وانفض سامرهم الشيطاين.‬

                                                                                    ‫9- تقدمي مذهب أيب حنيفة على سائر مذاهب الفقهاء بطريق الكشف:‬
‫ولعل من أطرف ما تدخل فيه الكشف الصويف أيضاً تفضيل مذهب فقهي على مذهب آخر كما فعل أمحد الفاروقي السرهندي النقشبندي احلنفني، كمنا يف‬
                                          ‫الن اآليت الذي يفسر فيه أيضاً قول حممد بارسا أن املسيح عليه السالم إذا نزل حيكم باملذهب احلنفي يقول:‬

‫"ومثل أرواح اهلل (يعين املسيح عليه السالم) مثل اإلمام األعظم الكويف (أبو حنيفة رمحه اهلل) فإنه بربكة الور والتقوى وبدولة متابعة السنة ننال يف االجتنهاد‬
‫واالستنباط درجة عليا حبيث يعلز اآلخرون عن فهمه ويزعمون جمتهداته ب وساطة دقة املعاين خمالفة للكتاب والسنة ويسمون أصةابه أصةاب الرأي كل ذلنك‬
‫لعدم الوصول إىل حقيقة علمه ودرايته وعدم اإلطال على فهمه وفراسته إال أن اإلمام الشافعي وجد نبذة من دقة فقاهته عليهما الرضوان حيث قال الناس كلهم‬
‫عيال يف الفقه أليب حنيفة فويل لقاصري النظر على جراءهتم حيث ينسبون قصورهم إىل الغري ( املنتخبات من املكتوبات ألمحند الفناروقي طبنع اسنتانبول‬
                                                                                                                                      ‫ص426،906):‬

                                         ‫برأت ساحتهم عن أفةش الكلم‬                       ‫لو عاهبم قاصر طعناً هبم صفها‬

                                           ‫قيدت هبا أسد الدنيا بأسرها‬              ‫هل يقطع الثعلب احملتال سلسلة‬

‫وميكن أن يكون م ا قاله اخلواجة حممد بارسا قدس عمره يف الفصول الستة من أن عيسى على نبينا وعليه الصالة والسالم يعمل بعد النزول مبنذهب اإلمنام أيب‬
‫حنيفة بوساطة هذه املناسبة اليت له رضي اهلل عنه حبضرة روح اهلل عليه السالم يعين أن اجتهاد روح اهلل يكون موافقاً الجتهاد اإلمام األعظم ال أنه يقلد مذهبه فإن‬
‫شأنه عليه السالم أعلى وأجل من أن يقلد علماء األمة. ونقول من تري شائبة تكلف وتعصب: إن نورانية املذهب احلنفي ترى وتظهر يف النظر الكشفي كالبةر‬
                                                                     ‫العظيم وسائر املذاهب تظهر مثل احلياض واجلداول" أ.هن منه بلفظه (اإلبريز ص426).‬



                                                                        ‫الفصل العاشر‬

                                                                        ‫املعراج الصويف‬

          ‫ا‬
‫كثيرون من رجال التصوف ادعوا أنهم قد عرج بهم إلى السماوات العلى. فمنهم عبدالكريم الجيلي وقد كرنا بعضاً مماا زعام‬
‫مشاهدته في السماوات و لك في باب الكشف الصوفي وقد سبق الجيلي من زعم مثل ه ا، ويبدو أن أول من افترى لك هو أباو‬
                                                                             ‫ا‬
‫يزيد البسطامي ال ي ج عل لنفسه معراجً كمعراج الرسول صلى اهلل عليه وسلم وراح يحدثنا كيف أنه عرج بروحه إلى الساماوات‬
                                                                                                                               ‫ء‬
                                                    ‫سماءً سما ً وأن بغيته كانت في الفناء في اهلل، أو على حد قوله البقاء مع اهلل إلى األبد.‬

                                                                              ‫وهذه هي الفكرة الربمهية الوثنية نفسها يف الفناء يف الذات اإلهلية حسب زعمهم.‬

‫ولكن البسطامي أول من افتري له أو عليه ذلك. يدعي أنه عرج به إىل السماء السابعة فالكرسي، فالعرش، وأن اهلل قال له: إيل إيل، وأجلسه على بساط قدسنه‬
‫وقال له: ( يا صفي ادن مين واشرف على مشارف هبائي، وميادين ضيائي واجلس على بساط قدسي.. اخل)، وهذا هو ن املعراج الكاذب املنسوب إىل أيب يزيد‬
                                                                                                                                     ‫البسطامي.‬

                                                                                                          ‫"يف رؤيا أيب يزيد: يف القصد إىل اهلل تعاىل وبيان قصته:‬

‫قال أبو القاسم العارف، رضي اهلل عنه: اعلموا معاشر القاصدين إىل اهلل سبةانه وتعاىل أن أليب يزيد حاالت ومقامات ال حتتملها قلوب أهل الغفلة وعامة الناس،‬
‫وله مع اهلل أسرار ل و اطلع عليها أهل الغرة لبهتوا فيها، وإين نظرت يف كتاب فيه مناقب أيب يزيد، فإذا فيه أشياء من حاالته وأوقاته وكالمه، ما كلت األلسن عن‬
‫نعته وصفته، فكل من أراد أن يعرف كماله ومنزلته فلينظر إىل نومه ورؤياه اليت هي أصح يف املعىن، وأقرب يف التةقيق من يقظة تريه، فهذا ما حكى أن خنادم‬
‫أيب يزيد رضي اهلل عنه قال: مسعت أبا يزيد البسطامي رضي اهلل عنه يقول: إين رأيت يف املنام كأين عرجت إىل السماوات قاصداً إىل اهلل، طالبناً مواصنلة اهلل‬
‫سبةانه وتعاىل، على أن أقيم معه إىل األبد، فامتةنت بامتةان ال تقوم له السماوات واألرض ومن ف يهما، ألنه بسط يل بساط العطايا نوعاً بعد نو ، وعنرض‬
                                                 ‫ً‬
‫علي ملك كل مساء، ففي ذلك كنت أتض بصري عنها، ملا علمت أنه هبا جيربين، فكنت ال ألتفت إليها إجالال حلرمة ريب، وكنت أقول يف ذلك: ينا عزينزي‬
‫مرادي تري ما تعرض علي، قال فقلت له: رمحك اهلل صف يل مما عرض عليك من ملك كل مساء قال: رأيت يف املنام كأين عرجت إىل السماوات، فلما أتيت إىل‬
‫السماء الدنيا فإذا أنا بطري أخضر، فنشر جناحاً من أجنةته، فةملين عليه وطار يب حىت انتهى يب انتهائي إىل صفوف املالئكة، وهم قيام متةرقنة أقندامهم يف‬
‫النلوم يسبةون اهلل بكرة وعشياً، فسلمت عليهم، فردوا علي السالم، فوضعين الطري بينهم مث مضى فلم أزل أسبح اهلل تعاىل بينهم، وأمحد اهلل تعاىل بلساهنم وهم‬
‫يقولون: هذا آدمي ال نوري إذ جلأ إلينا وتكلم معنا، قال: فأهلمت كلمات، وقلت: باسم القادر على أن يغنيين عنكم، مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت‬
‫األلسن من نعته وصفته، فعلمت أن رهبا جيربين، ففي ذلك كنت أقول: مرادي تري ما تعرض علي، فلم ألتفت إليها إجالالً حلرمته، مث رأيت كأين عرجنت إىل‬
   ‫ً‬
‫السماء الثانية فإذا جاءين فوج فوج من املالئكة ينظرون إيل كما ينظر أهل املدينة إىل أمري يدخلها، مث جاءين رأس املالئكة امسه الويد (اسم فارسي جعله امسا من‬
‫أمساء املالئكة)، وقال: يا أبا يزيد، إن ربك يقرئك السالم، ويقول: أحببتين فأحببتك. فانتهى يب إىل روضة خضرة فيها هنر، جيري حوهلا مالئكة طيارة، يطريون‬
‫كل يوم إىل األرض مائة ألف مرة، ينظرون إىل أولياء اهلل، وجوههم كضياء الشمس، وقد عرفوين معرفة األرض، أي يف األرض، فلاؤوين وحيوين، وأنزلنوين‬
‫على شط ذلك النهر، وإذا على حافيته أشلار من نور، وهلا أتصان كثرية متدلية يف اهلواء، وإذا على كل تصن منها وكر طري، أي من املالئكنة، وإذا يف كنل‬
‫وكر ملك ساجد، ففي كل ذلك أقول: يا عزيزي مرادي تري ما تعرض علي ، كن يل يا عزيزي جاراً من مجيع املستلريين وجليساً من اجملالسني، مث هاج منن‬
‫سري شيء من عطش نارياق، حىت إن املالئكة مع هذه األشلار، صارت كالبعوضة يف جنب مهيت، وكلهم ينظرون إيل متعلبني مدهوشني من عظم ما ينرون‬
                                                                                                                                                   ‫مين.‬

                                        ‫ً‬
‫مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن عن نع ته، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين، فلم ألتفت إليه إجالال حلرمة ريب، وكنت أقول: يا عزيزي مرادي‬
‫تري ما تعرض علي، فلما علم اهلل تعاىل من صدق اإلرادة يف القصد إليه، وجتردي عما سواه، فإذا أنا مبلك قد مد يده فلذبين، مث رأيت كأين عرجت إىل السماء‬
‫الثالثة، فإذا مج يع مالئكة اهلل تعاىل بصفاهتم ونعوهتم قد جاؤوين يسلمون علي، فإذا ملك منهم له أربعة أوجه: وجه يلي السماء، وهو يبكي ال تسكن دموعنه‬
‫أصالً ، ووجه يلي األرض ينادي: يا عباد اهلل اعلموا يوم الفراغ (لعلها الفز )، يوم األخذ واحلساب، ووجه يلي ميينه إىل املالئكة يسبح بلسانه، ووجنه يلني‬
           ‫ّ‬
‫يساره يبعث جنوده يف أقطار السماوات يسبةون اهلل تعاىل فيها، فسلمت عليه، فرد علي السالم، مث قال: من أنت؟ إذ فضلت علينا، فقلت: عبد قد من اهلل تعاىل‬
‫عليه من فضله، قال: تريد أن تنظر إىل علائب اهلل؟ قلت: بلى، فنشر جناحاً من أجنةته، فإذا على كل ريشة من ريشه قنديل أظلم ضياء الشمس من ضيئها، مث‬
‫قال: تعال يا أبا يزيد، واستظل يف جناحي، حىت نسبح اهلل تعاىل وهنلله إىل املوت، فقلت له: اهلل قادر على أن يغنيين عنك، مث هاج من سري نور منن ضنياء‬
‫معرفيت أظلم ضوءها: أي ضوء القناديل من ضوئي، فصار امللك كالبعوضة يف جنب كمايل، مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن عن نعته، ففي ذلك‬
‫علمت أنه هبا جيربين، فلم ألتفت إىل ذلك إجالالً حلرمته، وكنت أقول يف ذلك: يا عزيزي مرادي تري ما تعرض علي، فلما علم اهلل تعاىل مين صندق اإلرادة يف‬
‫القصد إليه، فإذا أنا مبلك مد يده فرفعين مث رأيت: كأين عرجت إىل السماء الرابعة، فإذا مجيع املالئكة بصفاهتم وهيئاهتم ونعوهتم قد جاؤوين يسنلمون علني،‬
‫وينظرون إيل كما ينظر أهل البلد إىل أمري هلم يف وقت الدخول، يرفعون أصواهتم بالتسبيح والتهليل من عظم ما يرون من انقطاعي إليه، وقلة التفايت إلنيهم، مث‬
‫استقبلين ملك يقال له: نيائيل، فمد يده وأقعدين على كرسي له موضو على شاطئ حبر علاج، ال ترى أوائله وال أواخره، فأهلمت تسبيةه وانطلقت بلسانه،‬
‫ومل ألتفت إليه، مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين، فلم ألتفت إليه إجالالً حلرمته، وكنت أقول ينا‬
‫عزيزي، مرادي تري ما تعرض علي: فلما علم اهلل تعاىل مين صدق االنفراد به يف القصد إليه، فإذا أنا مبلك مد يده فرفعين إليه مث رأيت كأين عرجت إىل السنماء‬
‫اخلامسة، فإذا أنا مبالئكة قيام يف السماء رؤوسهم يف عنان السماء السادسة يقطر منهم نور تربق منه السماوات، فسلموا كلهم علي بأنوا اللغنات، فنرددت‬
‫عليهم السالم بكل لغة سلموا علي، فتعلبوا من ذلك، مث قالوا: يا أبا يزيد: تعال حىت تسبح اهلل تعاىل وهتلله ونعينك على ما تريد، فلم ألتفت إليهم من إجنالل‬
‫ريب، فعند ذلك هاج من سري عيون من الشوق، فصار نور املالئ كة فيما التمع مين كسراج يوضع يف الشمس، مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن‬
‫عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين، وكنت أقول يا عزيزي، مرادي تري ما تعرض علي، فلما علم اهلل تعاىل مين صدق اإلرادة يف القصد إليه فإذا أننا‬
‫مبلك مد يده فرفعين إليه، مث رأيت كأين عرجت إىل السماء السادسة، فإذا أنا باملالئكة املشتاقني جاؤوين يسلمون علي ويتفخرون بشوقهم إيل، فافتخرت عليهم‬
‫بشيء من طريان سري، مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين، فلم ألتفت إليه، وكنت أقول: يا عزيزي‬
‫مرادي تري ما تعرض علي. فلما علم اهلل تعاىل مين صدق اإلرادة يف القصد إليه، فإذا أنا مبلك مد يده فرفعين، مث رأيت كأين عرجت إىل السماء السابعة، فإذا مبائة‬
‫ألف صف من املالئكة استقبلين. كل صف مثل الثقلني ألف ألف مرة، مع كل ملك لواء من نور، حتت كل لواء ألف ألف ملك، طول كنل ملنك مسنرية‬
‫مخسمائة عام، وكل على مقدمتهم ملك امسه بريائيل، فسلموا علي بلساهنم ولغتهم، فرددت عليهم السالم بلساهنم فتعلبوا من ذلك، فإذا مناد ينادي: ينا أبنا‬
‫يزيد: قف قف؛ فإنك قد وصلت إىل املنتهى، فلم ألتفت إىل قوله مث مل يزل يعرض علي من امللك ما كلت األلسن عن نعته، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين،‬
‫وكنت أقول: يا عزيزي مرادي تري ما تعرض علي، فلما علم اهلل تعاىل مين صدق اإلرادة يف مقصدي إليه صريين طرياً، كأن كل ريشة من جناحي أبعند منن‬
‫الشرق إىل الغرب ألف ألف مرة، فلم أزل أطري يف امللكوت، وأجول يف اجلربوت، وأقطع مملكة بعد مملكة، وحلباً بعد حلب، وميداناً بعد ميدان، وحباراً بعند‬
‫حبار، وأستاراً بعد أستار، حىت إذا أنا مبلك املرسى استقبلين، ومعه عمود من نور، فسلم علي مث قال: خذ هذا العمود، فأخذته فإذا السماوات بكل ما فيها قند‬
‫استظل بظل معرفيت، واستضاء بضياء شوقي، واملالئك ة كلهم صارت كالبعوضة عند كمال مهيت يف القصد إليه، ففي كل ذلك علمت أنه هبا جيربين، فلم ألتفت‬
                                                                                                                                                 ‫ً‬
                                                                                                                           ‫إليها إجالال حلرمة ريب اهلل تعاىل.‬

‫مث مل أزل أطري وأجول مملكة بعد مملكة، وحلباً بعد حلب، وميداناً بعد ميدان، وحباراً بعد حبار، وأستاراً بعد أستار، حىت انتهيت إىل الكرسي، فإذا قد استقبلين‬
‫مالئكة هلم عيون بعدد جنوم السماوات، يربق من كل عني نور تلمع منه، فتصري تلك األنوار قناديل، أمسع من جوف كل قنديل تسبيةاً وهتليالً، مث مل أزل أطري‬
‫كذلك حىت انتهيت إىل حبر من نور تالطم أمواجه يظلم يف جنبه ضياء الشمس، فإذا على البةر سفن من نور، يظلم يف جنب نورها أنوار تلك األحبر، فلنم أزل‬
‫أعرب حباراً بعد حبار حىت انتهيت إىل البةر األعظم الذي عليه عرش الرمحن، فلم أزل أسبح فيه حىت رأيت ما من العرش إال الثرى من املالئكة الكروبيني ومحلنة‬
‫العرش، وتريهم ممن خلق اهلل سبةانه وتعاىل يف السماوات واألرض، أصغر من حيث طريان سري يف القصد إليه، من خردلة بني السنماء واألرض، مث مل ينزل‬
‫يعرض علي من لطائف بره وكمال قدرته وعظم مملكته ما كلت األلسن عن نعته وصفته، ففي كل ذلك كنت أقول: يا عزيزي مرادي يف تري ما تعرض يل، فلم‬
‫ألتفت إليه إجالالً حلرمته فلما علم اهلل سبةانه وتعاىل من صدق اإلرادة يف القصد إليه فنادى: إيل إيل، وقال: يا صفي ادن مين، وأشرف على مشرفات هبنائي،‬
‫وميادين ضيائي، واجلس على بساط قدسي حىت ترى لطائف صنعي يف آنائي، أنت صفيي وحبييب، وخرييت من خلقي، فكنت أذوب عند ذلك كمنا ينذوب‬
‫الرصاص، مث سقاين شربة من عني اللطف بكأس األنس، مث صريين إىل حال مل أقدر على وصفه، مث قربين منه، وقربين حىت صرت أقرب مننه منن النروح إىل‬
‫اجلسد، مث استقبلين روح كل نيب يسلمون علي ويعظمون أمري ويكلمونين وأكلمهم، مث استقبلين روح حممد صلى اهلل عليه وسلم، مث سلم علي، فقال: يا أبنا‬
‫يزيد: مرحباً وأهالً وسهالً، فقد فضلك اهلل على كثري من خلقه تفضيالً، إذا رجعت إىل األرض اقرأ ألميت مين السالم، وانصةهم ما استطعت، وادعهنم إىل اهلل‬
‫عز وجل، مث مل أزل مثل ذلك حىت صرت كما كان من حيث مل يكن التكوين، وبقي احلق بال كون وال بني وال أين وال حيث وال كيف، جل جالله وتقدست‬
                                                                                                                                           ‫أمساؤه.‬

‫قال أبو القاسم العارف رضي اهلل عنه: معاشر إخواين عرضت هذه الرؤيا على أجالء أهل املعرفة فكلهم يصدقوهنا وال ينكروهنا، بل يستقبلوهنا عند مراتب أهل‬
‫االنفراد يف القصد إليه، مث حيتلون بقول النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: (إن العبد ال يزال من اهلل واهلل منه ما مل جيز فإذا جنز وجنب علينه العتناب‬
‫واحلساب) وروي أيضاً عنه صلى اهلل عليه وسلم ( أن من العلم كهيئة املخزون ال يعرفه إال أهل العلم باهلل وال ينكره إال أهل الغرة باهلل) أ.هن منه بلفظه (ملةق‬
                                                                                 ‫رقم (5) لكتاب املعراج منقول من خمطوطة حيدر آباد بعنوان القصد إىل اهلل).‬

                                                                                                                      ‫معراج امساعيل بن عبداهلل السوداين:‬

‫ذكرنا يف باب الكشف الصويف ما افتراه عبدالكرمي اجليلي يف كتابه اإلنسان الكامل فيما زعمه أنه عرج به إىل السماوات ورأى هنالك املالئكة واألنبياء وكلمهم‬
‫واستفاد منهم فوائد، وأفادهم كذلك فوائد فيما زعمه، وقد نقل نا يف ذلك الباب نقوالً مستفيضة مما كذبه، وقد جاء من نسج على منوال اجليلي متاماً وكتنب‬
‫كتاباً يكاد يكون نسخة منه وهو إمساعيل بن عبداهلل السوداين والذي ألفه سنة 6656هن أي منذ مائة وسبع وثالثني سنة تقريباً ومساه (مشارق مشس األننوار‬
                                                                                                              ‫ومقارب حسها يف معىن العلوم واألسرار).‬

‫وقد سلك إمساعيل بن عبداهلل السوداين هذا مسلك اجليلي نفسه حيث زعم أنه عرج به إىل السماء مساء مساء. والعليب أنه جعل هذه السماوات هي الكواكب‬
‫السبعة اليت كانت معروفة يف ذلك الوقت (القمر، والزهرة، واملشتري، واملريخ، وعطارد، وزحل). واليت كان يظن قدمياً أهنا هي السماوات السبع فلعل لكنل‬
‫مساء من هذه (روحانية) كما يعتقده الصابئة عبدة النلوم، وشوه معراج الرسول صلى اهلل عليه وسلم فنقل منه أمساء األنبياء والرسل الذين التقى هبم الرسول يف‬
‫معراجه، فزعم إمساعيل هذا أنه التقى هبم أيضاً وأفادوه وباركوه واحتفلوا مبليئ ه إليهم، وأنه شاهد بعد ذلك العرش والكرسي وسدرة املنتهى، واملالئكة الذين مل‬
‫يسلدوا آلدم متاماً كما زعم اجليلي من قبله مكذباً بذلك القرآن حيث يقول سبةانه وتعاىل: {مث قلنا للمالئكة اسلدوا آلدم فسلدوا إال إبليس مل يكن منن‬
                                  ‫ً‬
                    ‫الساجدين} ويبدو أنه مل يقرأ هذه اآلية ق ط واكتفى بقراءة كتاب اجليلي ونقل عنه مشاهداته وزعمها لنفسه وجعلها كشفا خاصاً به هو..‬

‫وهذا هو شأن مشايخ التصوف ينقل بعضهم عن بعض نفس الدعاوي اليت يدعيها من قبله فإذا قال أحدهم أنا خامت األولياء قال من بعده بل أنا خامت األوليناء،‬
‫وإذا قال أحدهم رفعين اهلل وأ جلسين عنده وأعطاين وقربين جاء من يدعي هذه الدعاوي ويزيد على ذلك وهكذا. وهأنذا أنقل فقرات من هذه األكاذيب املفتراة‬
                                                                                                          ‫اليت افتراها إمساعيل بن عبداهلل السوداين: قال:‬
                                                                    ‫"املغرب السابع‬

                                                           ‫يف عني العروج إىل السماء السادسة‬

‫اعلم أيها االبن البار المبرور والمهدي إلى طريق الملك الغفور أن العبد إ ا طرح جميع األكوان العارضة له في السماء الخامساة‬
‫في حالة عروجه إلى حضرة الرحمن فإن الرب الكريم يصلح له السريرة ويحد له عين البصيرة فيعرج منها إلى السماء السادساة‬
                                                                      ‫فيجد البواب فيسلم عليه فيرد عليه السالم ويرحب به، ويفتح له الباب.‬

‫فافهم يا بين فإنه يدخل فينظر ما فيها من الغرائب ويتعلب من تلك العلائب فإن هذه السماء فيها من الكواكب املشتري ولوهنا يف تاية السواد قد يرى وهنو‬
‫جوهر شفاف من بديع الصنائع على االستواء من تري اختالف ودورها أوسع يزيد على دور مساء املريخ بألفني عام ومائتني سنة وثالثة وثالثني سننني (كنذا‬
                               ‫والصواب: بألفي عام، ومئيت سنة وثالث سنني!) وأربعة أشهر، وفيها نيب اهلل موسى على نبينا وعليه الصالة والسالم (هكذا).‬

                                                                                                                           ‫نفائس حقية من علوم ذوقية:‬

‫فنقول حبسب كشفنا، فإن العبد الراقي إىل تلك املراقي إذا وصل إىل هذه السماء يرى نفسه مغيباً يف أنوار القدس موشةة بأنوار اهليبة واألنس حوله مجالً منن‬
‫مالئكة الرمحن ناطقاً بغميض األسرار والعلوم معهم يف حالة عروجه إىل حضرة امللك الديان. فريى مالئكة هذه السماء متنوعة من عدة أصناف، فيهم مالئكنة‬
‫الرمحة األلطاف، يدرون مالئكة هذه السماء يف هذه األرض لرفع الوضيع وزيادة الرفيع، منهم من وكله اهلل تعاىل بإيصال الرزق إىل املرزوق، ووكل تريهم مبنا‬
                                                                                                                 ‫اقتضته احلكمة بني اخلالق واملخلوق..‬

‫وقد اجتمعت بامللك احلاكم عليهم وهو روحانية املشتري (كوكب معروف) ، رأيته جالساً على منرب من نور احلكمة ملتةفاً بثوب أصفر من أنوار اهلمة، وهنم‬
‫م طيعون له يف سره وجهره وممثلون له يف مجيع هنيه وأمره ال يفعل منهم أحد شيئاً إال بإذنه وال يتقدم إال بأمره لتنفيذ ما وكل به من شأنه، فسألته عن عدة علوم‬
‫فأجابين برمز مكتوم ففهمته منه بوساطة مظهر اسم اهلل القيوم، بفهم ال من حيث مطلق املفهوم فوثبت قائماً وسرت منه بفضل اهلل تعاىل عاملاً، فاجتمعت منن‬
                                 ‫ً‬                       ‫ً‬                          ‫ً‬
‫بعده بنيب اهلل موسى على نبينا وعليه أفضل الصالة والسالم فوجدته فانيا يف الشهود واملكاملات تالبا يف أنوار املشاهدات جالسا على كرسي من أننوار الوقنار‬
‫ولونه أصفر خملوط عليه خطوط مرموزة جامعة ملا حواه من الفخار من حضرة األسرار متأدباً مع استهالكه مع شهود مواله، مناجياً له ومستغرقاً يف فناه، جتلني‬
‫اآلنية فيةضره إظهار مظاهر احلق يف حقيقة سره، إنين أنا اهلل، فقد عرفته بعدما عرفين فسلمت عليه ورد علي السالم وقربين وانتصب يل قائماً وأهل يب حينث‬
                                                               ‫جئته حافظاً مالزمة أديب، فسألته سؤال من دخل حضرة األدب وعرف سر البسط والغضب.‬

‫فقلت له: يا سيدي حبق من نبأك وزكاك وأورثك هذا املقام وتوالك بأن جتود علي بإجابة مقايل وإفاديت يف سؤايل، فإن رسولنا الصادق الكرمي بلغنا ما قصه لنه‬
‫ربه يف الكتاب احلكيم بأنك طلبت رؤية موالك حيث قلت له: أرين أنظر إليك. فأتاك منه اخلطاب حيث قال: لن تراين، فما معىن طلبك له وجميء هذا اخلطاب‬
             ‫إليك فاستفدنا عدم حصول الرؤية لك يف حالة جميء اخلطاب فشتان ما بني حالتك هذه وحالة أهل احللاب، فكيف هذا السر، وباطن هذا األمر؟‬

‫فقال يل: يا عبداهلل إن السر تريب واألمر عليب، فافهم أرشدك مو الك وأورثك أسرار علومه وتوالك، فإن ريب حني أمرين بعبادته مبطلق العبودية وعرفين سنر‬
‫ظهور أسراره مظاهره يف عموم اآلنية حني أبصرت نار سر دالليت ورجوت إتياين ألهلي بشعلة منا كي يصدقوين هبا يف مقاليت أو أجد عليها هدى من ضنالليت،‬
‫فنوديت بعد إتياين هبا من جانب طور قليب مبا اقتضت احلكمة من ريب، يا موسى إين أنا ربك الصادر أمري لك، فاخلع نعليك الكائنتني يف عضنويك بنأن ال‬
‫تشرك بعباديت أحداً وال يدخلك ريب فيما آمرك به أبداً إنك بالواد الذي هو فضاء سر الظهور الظاهر من ربك إىل قلبك من جانب الطور املقدس عن حلنول‬
‫األتيار فيه، ا ملطهر لك حيث اقتضت احلكمة بأنك يف هذا الوادي املسمى بطوى توافيه، وأنا اخترتك حيث أمرتك فاستمع ملا يوحى من اإلحياء، فلما حققنت‬
‫هذا املقال من حضرة القرب على لسان احلال استعددت إىل تنزله يف داخل قليب وفنيت نفسي يف االستما ملا يوحى إيل من حضرة ريب، جناءين مننه األمنر‬
‫باالستفراغ لعبادته حيث قال يل: {إنين أنا اهلل ال إله إال أنا فاعبدين}. فقبلت ذلك وعبدته كما أمرين، فلما صدق اإلخالص مين وحسن يف اهلل ظين أردت بقاء‬
‫نفسي يف مقام لقاه وأيقنت بأن ال إله معبود حبق سواه. فقلت: ريب أرين أنظر إليك. فما طلبت سوى جتلي الذات للذات. وذلك من أسنرار الكربيائينة منن‬
‫التلليات، فلما علم اهلل استةالة بقاء القدمي يف احلادث وما مث تريي يف هذا املقام حمادث. قال يل: لن تراين يف احلال حبيث أبقى فيك، ألين قدمي وأنت حنادث‬
‫ولكن أنظر إىل اجلبل املستقر حولك إذ تنكشف لك حقيقة ذلك، فإن استقر مكانه بعد ظهور سلطاين له فسوف تراين، فلما جتلى ربه لللبل جعله دكاً وخنر‬
‫موسى صعقا، أي فلما ظهر سلطان القدمي لللبل ساخ يف األرض حيث نزل وقد حصل ملوسى ما حصل من الصعق والوجل. ويف هذا املقام سر لطيف وتعلمت‬
                                                                     ‫من موسى عليه السالم مائة ألف علم من العلوم اليت جتول يف األفكار تعذر النطق هبا.‬

‫مث تعلمت منه يف هذا املشهد علوماً مل يسعين الوقت أن أفشيها فيه، وما أظن أحداً من األولياء املتقدمني تكلم على حقيقة هذا املشهد على ما هو عليه أبندًا إىل‬
‫وقتنا هذا، وإن تكلم البعض عليه فذلك يف شيء منه فال يستطيع أحد منهم أن يستوفيه لشدة ما رأ يته من عظمة حقيقته ورقة دقيقته، وقد اجتمعت برجال من‬
‫األولياء األكابر حني تقييدي هلذا احملل فوجدته له معرفة تامة يف بعض املظاهر من هذا املشهد وقدمه موسوي متةقق بإحدى ومخسني امساً من أمساء اهلل احلسىن‬
‫له تعبري لطيف وحبث ظريف فسألته عن مقامه والذي حازه من علو م هذا املقام، فأخربين بدقائق من علومه فةققت أن له حظاً وافرًا وأخربين أن ملا وصل منن‬
                                                                                               ‫هذا املقام إىل هذا احملل وجدنا سيدنا موسى عليه السالم.‬

‫وسأله فبةث فيه فاستفاد بوساطته مخسة آالف علماً ويف كل علم أسرار ال حتصى فلما سألين عن علومي يف هذا املشهد وحبثت له يف ذروته من دقائق العلنوم‬
‫واألسرار واملظاهر واألنوار تاب عن نفسه تيبة عظيمة حىت خفت عليه من أن يذوب، فلما صةا تعلبت من ثبايت مع شدة التمكني فةمدت على ذلك امللك‬
                                                                       ‫ً‬
‫املعني، فلما حققت زياديت عليه ومتكين يف املشاهد بالذي ظهر مين إليه طلبين امسا من املخفيات ألجل التربك فأعطيته ذلك االسم بأنواره وعلوم حضراته وأسراره‬
                                                                             ‫فانتفع به" (كتاب مشارق مشوس األنوار ص696،956) انتهى منه بلفظه.‬

                                                                    ‫ويستطرد إمساعيل بن عبداهلل السوداين مبيناً مشاهداته املزعومة يف السماء السابعة فيقول:‬

‫"فنقول حبسب كشفنا، قد اجتمعت فيها (أي يف السماء السابعة) جبملة من املالئكة فعرفتهم وعرفوين وسألتهم عن علوم ال حتصى، ورأيت فيها كوكباً له توقد‬
‫من شدة عظمته ولكنه خفي عن أعني الناظرين، ألن معرفته مل حتصل ألحد سوى الكاملني من العارفني أهل الفتح ومل يظفر به إال أرباب املعارف الراقني ذروة‬
                                           ‫السطح ومن مث فعلت كيفية حلول زحل يف فلكه، وعلم كيفية سريه فيه، وعلم السر الذي وضعه اهلل فيه وتري ذلك.‬

‫واجتمعت يف هذه السماء بنيب اهلل سيدنا إبراهيم اخلليل على نبينا وعليه أفضل الصالة والسالم فوجدته جالساً على منرب من نور أمحر متكئ على منارق من نور‬
                                    ‫ً‬
‫أخضر الئةة على وجهه أنوار املعارف و الكمال متوجهاً بتاج أسرار النبوة واألجالل بيده قضيب من سر علوم الكنوز معتقال سيف فتق طالسم الرموز مسننداً‬
 ‫ظهره إىل البيت املعمور مشاهداً ما هو له من حضرة الغفور، فلما وصلت إليه وسلمت عليه، رد علي السالم وأكرمين بالقيام إكراماً لنبينا أشرف األنام فعنرفين‬
                                                                 ‫ورحب يب وبشرين ببلوغ مطليب.." انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق مشوس األنوار ص296).‬

                                                               ‫ويستطرد إمساعيل هذا يف بيان مشاهداته يف السماء السابعة والدعوة إىل طريقته اخلاصة قائالً:‬

‫" ويف باطن هذا سر ال أطيق ذكره يف هذا الكتاب ويف هذا املشهد سر لطيف ومقام طريف ما تكلم عليه أ حد األولياء املتقدمني إىل وقتنا هذا، وإن أردت التكلم‬
‫على بعض منه يف حني تقييدي هلذا احملل اجتمعت بسيدنا إبراهيم عليه السالم فأشار إيل بتركه وبشرين مبقام كبري أبلغه وأنال به يف اآلخرة مما ال يعطني لغنري‬
         ‫املقربني من الكاملني احملبوبني فأنعم به أنا ومن معي من أوالدي وإخواين وأصةايب اجملدين يف طريقيت" أ.هن (كتاب مشارق مشوس األنوار ص296).‬

                                                       ‫ويستطرد إمساعيل هذا يف بيان مشاهداته املزعومة فيزعم رؤية سدرة املنتهى والعرش والكرسي فيقول:‬

‫" فنقول حبسب كشفنا إن العبد الراقي إىل مقام هذه السدرة يراها عظيمة جداً وهبا (نويراً خارقاً) ممتداً فيعلم السر الذي وضعه اهلل سبةانه وتعاىل فيهنا وعلنم‬
‫السبب الذي ينتهي إليها الصاعد واهلابط. ويعلم مقام املالئكة الكروبيني منها ومنازهلم وكيفية حالتهم، فهم على أنوا مضعفة، وحاالت خمتلفة، فمنهم مدهوش‬
‫يف هويته، ومنهم مستغرق يف آنيته، ومنهم واقع على جنبه، ومنهم واقع على وجهه، ومنهم حاث على ركبتيه قد تمروا يف أنوار املشاهدات وانفنوا يف انطباق‬
‫تكرر التلليات فال يستطيع أحد منهم حركة لعدم شعورهم وشدة استغراقهم فيما هم فيه، فهم عالون يف املالئكة فما أمروا بالسلود آلدم علينه السنالم وال‬
‫سلدوا له قط، وقد اجتم عت بامللك احلاكم عليهم وهو مقدمهمالذي يأيت منه األمر، والنهي إليهم وينظره من املتقدمني على تريهم أعمدة النور ألجل تأدينب‬
‫الدون منهم وتريهم من اآلدميني، فسألته عن السر الذي سرى يف ذوات هؤالء املالئكة حىت الزمتهم تلك احلالة، فأفادين بأحسن مقال، مث سألته عنن دقنائق‬
‫العلوم ومن خفي السر املكتوم فأفادين حبول اهلل وقوته فيها ويف بعض أمور مما هي من املستور، وقد حزت يف هذا املشهد علوماً مل أطق إبنداءها ومل أسنتطع‬
                                                                                                                                              ‫إفشاءها.‬

‫مث نرجع إىل ما كنا يف سبيله فنقول: إن من هنا يرقى العبد إىل فلك الكرسي إىل كرسي جربيل عليه السالم، فمن ذلك يعلم حقيقة كل ستر كان وموجبه وسر‬
‫حقيقته، فريى عن ذلك أهناراً جارية فيغترف من أكربها وينال الشرب من أشهرها، فيةصل له بذلك التةقق مبا حيويه من األسرار اليت ال حتصي والعلوم اليت ال‬
                                                                                                  ‫تستقصي مث يرقى إىل الفلك احمليط الذي هو العرش.‬

‫وهو أول األفالك وأعظم السماك، فمن مث يتضح له مظهر االسم الرمحن، فهنالك يعلم ما شاء اهلل تعاىل من مناسبة مصاحبة بعض املالئكة واألنبياء صنلوات اهلل‬
‫وسالمه على نبينا وعليهم، فةينئذ ينظر محلة العرش، ويتعلم من علم السر الذي حيملونه به وكيفية صورهم الباقني هبا، وقبل هذا يعرف مظاهر كثرية، منها منا‬
‫يتعلق باألجسام املتغذية، ومنها ما يتعلق باألرواح، ويف هذا املقام أشياء ال يصح إبداؤها وال سبيل للتكلم إىل جماوزة ما فوق ذلك خمافة أن يدعيها أهل الدعاوي‬
‫احمللوبون الذين مل يصلوا إليها، فالسكوت عنها أوىل والتلذذ مبطالعة مشاهدة جتليات صانعها أحلى، واهلل على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل" انتهى مننه‬
                                                                                                  ‫بلفظه (كتاب مشارق مشوس األنوار ص606،406).‬

‫وبعد كل هذه السخافات واخلرافات اليت يسرقها إمساعيل بن عبداهلل السوداين من عبدالكرمي اجليلي وينقلها أحياناً بالن وال سيما يف ألوان كل مساء، وأن كال‬
‫منها كوكب من الكو اكب املشهورة يعود فيذكر مشاهداته املزعومة أيضاً يف األرضني السبع.. إىل أسفل سافلني متاماً كما فعل عبندالكرمي اجليلني، فينزعم‬
‫فيها اهلل قط، وأن الفلر يطلع بعد الغروب مبقدار يسري جنداً‬     ‫إمساعيل هذا أيضاً أنه طاف بالطبقة األوىل من األرض وهي أرض يف زعمه ناصعة البياض مل يع‬
                                                                                                              ‫وذلك على حد زعمه يف زمن الشتاء.‬

‫قلت من يعلم جغرافية األرض يعلم أن هذا وصف للقطب الشمايل وبياض األرض هو الثلج الذي يغطيها، وكون الليل يكون حنو ساعة واحدة نعم ولكن هذا ال‬
                                                     ‫ً‬
‫حيصل يف الشتاء كما زعم إمساعيل هذا ولكنه حيدث يف الصيف حيث يصبح الليل ساعة والعكس متاما يف الصيف حىت ال يكون بقاء الشمس إال حنو سناعة أو‬
‫أقل أحياناً يف بعض مناطق القطب.. ، ولكن هذه املعارف اجلغرافية العادية التقطها هؤالء الشيوخ وجعلوها كشفاً صنوفياً ال يتنأتى إال باجملاهندة املزعومنة‬
                       ‫وبانكشاف حلب القلب، وليتهم إذ نقلوها أيضاً نقلوها صةيةة بل مل يستطيعوا أن مييزوا بني ما عليه هذه املناطق يف الصيف والشتاء.‬

              ‫مث يذكر إمساعيل هذا أن األرض الثانية مسكونة باجلن وأن ليلهم هنارنا وهنارنا ليل عندهم. وهذا خلط بني معارف اجلغرافية وبني أتاليط الصوفية.‬

‫وأما الطبقة الثالثة من األرض فيزعم أهنا مسكونة باجلن كذلك (كتاب مشارق مشوس األنوار ص906)، وينتقل هذا الشيخ الصويف هكذا بني األرضني املزعومة‬
                                                                                                                                         ‫ً‬
                                                                       ‫أرضا أرضاً يطلعنا على مشاهدته وختريفاته فيقول مثالً ففي األرض السادسة:‬

‫"فنقول حبسب كشفنا: إن هذه الطبقة مسكونة باملردة من الشياطني وهم أقوى حاالً من العفاريت وكل منهم مسلط على إنسان للعداوة السابقة، فكثري يدخلون‬
                                                                                                              ‫ً‬
‫يف حوزهم فال ترى منهم متةركاً وال ساكنا إال قد قيده حكمهم مبا اقتضته احلكمة اإلهلية مبثابة تقلباهتم ودخوهلم على اخللق باألنوا املختلفة حبسب أجناسهم،‬
‫فمنهم من يظهر لآلدميني يف اخلواطر، ومنهم من يظهر هلم يف عامل املثال لسوقهم إىل تاية اخلذالن والضالل إىل تري ذلك مما ال يدركه على احلقيقة إال األوليناء‬
‫أهل الكمال وقد يتكلمون حبسب ما يؤذن هلم فيه من هذه األبواب واملقامات من العوامل العلويات والسفليات واهلل على ما نقول وكيل وهو يهندي السنبيل"‬
                                                                                                            ‫انتهى (كتاب مشارق مشوس األنوار ص906).‬

                                                                                                ‫ويستطرد أيضاً فيذكر مشاهداته يف األرض السابعة فيقول:‬

‫"نقول حبسب كشفنا: إن هذه الطبقة مسكونة باحليات والعقارب وهي اليت وردت هبا األخبار من أهنا كأمثال اجلبال وأعناق البخت وتري ذلك، فنإن العبند‬
         ‫ً‬
‫العارف حني يدخل هذه الطبقة يدخله هم شديد خمافة أن يرى مقاماً يف النار لبعض أصةابه ومريديه، فةينئذ يتطلع على مجيع املقامات فإذا وجد مقاما يف النار‬
                                       ‫لبعض مريديه أو بعض أصةابه سعى يف هتكه بالتضر إىل اهلل تعاىل إىل أن يبدله اهلل سبةانه وتعاىل (له) مقاماً يف اجلنة.‬

                       ‫ً‬
‫كما أنه إذا وقف على الفلك الكوكب املسكون بطائفة من الذين هم معدودون يف نعم اجلنة يتطلع على مقامات اجلنات، فإذا رأى مقاما من مقامنات بعنض‬
‫أصةابه سعى يف رفعته وزيادته، وهذا كله يكون كرامة يف احلق الويل العارف وشرفاً للوساطة الكربى والوصلة الفخري عني حقائق السنعود وجننة نعنيم‬
‫التلليات والشهود سيدنا وموالنا حم مد األسعد عليه أفضل الصالة والسالم من الرب األوحد ألن بشرفه على أمثاله شرف أمته على سائر األمم فإن الويل من أمة‬
‫حممد صلى اهلل عليه وسلم يطوف على مجيع العوامل العلويات والسفليات ويطلع على مكنون تيب السبع السماوات والسبع طبقات (هكذا والصنواب: سنبع‬
‫السماوات، وسبع الطبقات) ، ويعلم منازل أهل اجلنة ومنازل أهل النار، وعلم ما كان وما يكون وما هو كائن وتري ذلك وال حييطون بشيء من علمه إال مبنا‬
‫شاء، فإنه يعلمهم قدر ما تقتضيه حكمته وتعمهم به رمحته بالوهب والتفضيل، واهلل على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل" انتهى منه بلفظه (كتاب مشنارق‬
                                                                                                                           ‫مشوس األنوار ص926).‬

                                               ‫وال يكتفي أيضاً بكل هذا اإلفك والتخريف بل يذهب ليطلعنا أيضاً على كشفه املزعوم يف حبار العلوم، فيقول:‬

‫" وقد اجتمعت مرة يف بقعة من ساحل البةر احمليط الذي هو من وراء جبل قاف برجل من النقباء أصفر اللون مربو القامة كثيف اللةية صبيح الوجه، فوجدته‬
‫فانياً يف التلليات، تائباً يف أنوار املشاهدات وقدمه على قدم سيدنا يعقوب عليه السالم، وورده القائم به آخر سورة احلشر، {هو اهلل الذي ال إله إال هو عنامل‬
‫الغيب والشهادة هو الرمحن الرحيم}.. اخل السورة. وهو مسقي بثالثة عشر امساً من أمساء اهلل تعاىل احلسىن، ولكنه متةري يف مقامه، ويطلب التخل منه فمنا‬
‫وجد له سبيالً، فسلمت عليه، فإذا هو يف تاية االستغراق شاخصاً ببصره إىل الطباق، فإنه يشري إىل البةر الذي هو بساحله ففهمت منه أنه يشتكي إيل بصعوبة‬
                                                                                         ‫ً‬
‫ختليصه من هذا املقام، كأنه يقول إن خالصه منه أصعب حاال من شراب ماء هذا البةر، ألنه هو البةر األخضر، ماؤه مر ال يستطيع أحد الشنراب مننه، ألن‬
                                                                                                                      ‫ً‬
        ‫الذي يشرب منه يهلك حاال من شدة مرارته، فوجدت بيد الرجل رمانة مغلوقة وأكلت معه منها، فلما عرفته بومسه وخاطبته بامسه قلت له ما املقصود؟‬

                                                                                                                              ‫قال: مشاهدة امللك املعبود.‬

 ‫فلما عرفين فهم ت لغزه وأدركت رمزه، وحتقق أنين مفيده فيما يريده أخذ يطلبين من تري انفكاك عين وصةبين إىل حمل بعيد، فأخذت له يف املقال وأطلقت لنه‬
‫لسان احلال إىل أن شاهدنا الكنوز املستورة حتت قباب الرموز من البةر األسود الذي انتهى إليه املورد، فإن هذا البةر رمسه معدوم وظاهره مكتوم فال أسنتطيع‬
‫فيه التعبري ومل أتعرض إىل البيان فيه والتفسري فمن مث أخذ مين بعض أذكار مصاحبة أنواره وانصرف بسبيله إىل مشاهدة دليله، ويف حني تقييندي هلنذا احملنل‬
‫اجتمعت معه فوجدته يف حال عظيم ومقام فخيم فأخربين أنه حصلت له مين مفاحتات عظيمة وإمدادات كرمية حني أكلت معه يف تلك الرمانة، فةكى يل شيئاً‬
‫من حاله، ووجدته سقى خبمسة وثالثني امساً من أمسائه تعاىل، وصار يف زيادة بابتهاج طريقه األعلى. وقد اجتمعت يف ساحل البةر األمحر برجال من أربناب‬
‫األحوال مل يزالوا يف داللة املخلوقني إىل طريق معرفة رب العاملني فإذا أمعن ن اظرهم فكرة حيقق أهنم ليس هلم اشتغال أبداً بغري هذا، مث أمور ال سبيل إىل ذكرهنا‬
‫بقصور الوقت وضيقه عنها، فانتهج أيها العاقل وكابد يف خوض املقامات واملنازل فإن اهلل تعاىل حكيم كرمي يورثك من علم سره العظيم أنه واهب جلينل واهلل‬
                                                              ‫على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل" انتهى (كتاب مشارق مشوس األنوار ص466،926).‬

‫وقد يسأل السائل ما الداعي لكل هذا الكذب واالحنراف، وما الذي يدفع هؤالء إىل كل هذا التخريف والتكلف، هل هم عقالء أو جمانني وإن كنانوا عقنالء‬
                                                      ‫فماذا يريدون. وقطعاً هلذه التساؤالت جييب املؤلف نفسه عن مراده وذلك يف آخر كتابه فيقول:‬



                                                                      ‫"املغرب التاسع‬

                                                                   ‫يف عني خامتة الكتاب‬

                                                                                        ‫كيفية صفة خلوة للمؤلف وغير لك من األدعية المرجية.‬

‫اعلم أيها االبن اجملتهد واحملتسب املقتصد، أن كل خري ال ترقى ذروته إال جبهد النفس وأتعاهبا فيه، وقد تكلمنا لك فيما تقدم من اجملاهندات واملكابندات، وأن‬
‫الطرق املوص لة إىل اهلل تعاىل ال حتصى، وكل صاحب طريقة أدرى مبا فيه الصالح ملن يسلكها، وملا أنعم اهلل علي بنيل هذا املقام وجعلين من خواصه الكرام أذن‬
‫يل يف التكلم والظهور وإبداء طريقة أستقبل هبا وأسلك هبا املريدين ألجل أن يصلوا هبا، إىل حضرة الغفور، فةصل األمر كما أمر واشتهر ذلك واستمر، فلمنا‬
‫أذنت من احلضرتني بإظهار كل ما نراه يصلح ألهل طريقيت بالمني وأفاض علي الوهاب بوارد تأليف هذا الكتاب أردت أن أختمه بصفة خلويت اليت تصلح ألهل‬
‫طريقيت كما فعل قبلي أهل الطرق بنظرهم الذي يصلح ألهل طرائقهم، وجعلت كيفية هذه اخللوة رسالة مستقرة وأفردهتا يف هذا املغرب ألجل أن يسهل نقلنها‬
‫ونظرها ملن له رتبة فيها، فمن أراد نقل مجيع الكتاب فهي من مجلته، ومن أراد االستقالل هبا فليفردها منه من أول البسملة إىل حد اخلامتة اآلتية، وهني هنذه"‬
                                                                                                ‫انتهى منه بلفظه (كتاب مشارق مشوس األنوار ص666).‬

‫اخلالصة أن الرجل يريد أن يبين له طريقة خاصة لتسليك املريدين، ومجع األتبياء واملغفلني ومن مث مجع النذور والقرابني، وبالتايل جعل نفسه يف مكنان امللنوك‬
‫والسالطني!!! هذه هي النهاية اليت يسعى إليها ملوك التصوف، وأئمة الضاللة ومن أجل هذا كذبوا على اهلل هذا الكذب املبني وال يسع املسلم إال أن حيمد اهلل‬
                                                                                   ‫على العافية مما ابتلي به هؤالء املارقون الكاذبون واحلمد هلل رب العاملني.‬



                                                                   ‫الفصل احلادي عشر‬

                                                                      ‫الوالية الصوفية‬

                                                                                                                                           ‫الوالية الرمحانية:‬

‫أعلن القرآن أن كل مؤمن صادق يف اإلميان ويل هلل سبةانه وتعاىل. قال تعاىل: {اهلل ويل الذين آمنوا خيرجهم من الظلمات إىل النور والذين كفنروا أوليناؤهم‬
                                                     ‫الطاتوت خيرجوهنم من النور إىل الظلمات أولئك أصةاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:925).‬

‫نصت اآلية هنا على أن اهلل ويل كل مؤمن، وأنه بفضل هذه الوالية خيرج اهلل املؤمنني من الظلمات إىل النور، وقال تعاىل أيضاً: {إن ويل اهلل الذي نزل الكتناب‬
                                                                                                                 ‫وهو يتوىل الصاحلني} (األعراف:696)‬

‫وقال تعاىل: {مث جعلناك على شريعة من األمر فاتبعها وال تتبع أهواء الذين ال يعلمون* إهنم لن يغنوا عنك من اهلل شيئاً وإن الظاملني بعضهم أولياء بعض واهلل ويل‬
                                                                                                                               ‫املتقني} (اجلاثية:96-96).‬

‫خيرب سبةانه وتعاىل أنه ويل لكل من اتقاه وخافه.. وجاء يف دعاء موسى عليه السالم لربه {أنت ولينا فاتفر لنا وارمحنا وأنت خري الغافرين} (األعراف:226).‬

                                                                                                    ‫ً‬
‫وقال تعاىل أيضاً: {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا اآليات لقوم يذكرون* هلم دار السالم عند رهبم وهو وليهم مبا كانوا يعملون} (األنعام:656-956).‬

                                               ‫وقال تعاىل: {أال إن أولياء اهلل ال خوف عليهم وال هم حيزنون* الذين آمنوا وكانوا يتقون} (يونس:56-96).‬

                                                    ‫واآليات يف هذا املعىن كثرية جدًا اليت تبني واليته سبةانه وتعاىل لكل مؤمن صاحل متق هلل سبةانه وتعاىل..‬
‫والوالية هي احملبة والنصرة.. فاهلل سبةانه وتعاىل إذا واىل عبداً فإنه حيبه وينصره ويعزه ويكرمه كما قال تعاىل: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عنن ديننه‬
‫فسوف يأيت اهلل بقوم حيبهم وحيبونه أذلة على املؤمنني أعزة على الكافرين جياهدون يف سبيل اهلل وال خيافون لومة الئم ذلك فضل اهلل يؤتيه من يشاء واهلل واسنع‬
                                                                                                                                                  ‫عليم}.‬

‫وكذلك العبد إذا قيل إنه يوايل اهلل فمعىن ذلك أنه حيب اهلل وينصره كما قال تعاىل: {والذين آمنوا أشد حباً هلل} وقال تعاىل: {إن تنصروا اهلل ينصركم ويثبنت‬
‫أقدامكم} فويل اهلل من ينصره وحيبه، ومن حيب اهلل ينصره..، فكل من أحب اهلل ونصره، وسار يف مرضاته، وحفظ حدوده، وأقام شريعته ودينه، فهنو ويل اهلل‬
                                                                                                                                        ‫سبةانه وتعاىل.‬

‫وقد بني النيب صلى اهلل عليه وسلم طريق الوالية فقال صلى اهلل عليه وسلم: [ قال اهلل تعاىل من عادى يل ولياً فقد آذنته باحملاربة، وما تقرب إيل عبندي بشنيء‬
‫أحب إيل مما افترضته عليه، وال يزال عبدي يتقرب إيل بالن وافل حىت أحبه، فإذا أحببته كنت مسعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده اليت يبطش هبنا،‬
                                                                    ‫ورجله اليت ميشي هبا، ولئن سألين ألعطينه، ولئن استعاذ يب ألعيذنه] (رواه البخاري).‬

‫هنا بني الرسول فيما يرويه عن ربه سبةانه وتعاىل أن طريق الوالية للعبد هو أن يقوم بأداء الفرائض أوالً اليت هي أحب الطاعات إليه سبةانه وتعاىل، مث يتدرج‬
‫يف أداء النوافل حىت حيبه اهلل، فإذا أحبه اهلل سبةانه وتعاىل كان ولياً حقاً له جل وعال، وقد جاء يف احلديث الصةيح: [إن اهلل إذا أحب عبداً قال يا جربينل إين‬
‫أحب فالناً فأحبه فيةبه جربيل، مث ينادي جربيل يف أهل السماء فيقول إن اهلل حيب فالناً فأحبوه فيةبه أهل السماء، مث يوضنع لنه القبنول يف األرض] (رواه‬
                                                                                                                                                 ‫مسلم).‬

‫وال شك أن والية اهلل سبةانه وتعاىل هذه مبذولة لكل من سعى إليها وسار يف طريقها ووفقه اهلل سبةانه وتعاىل إىل بلوتها كما قال جل وعال: {فأما من أعطى‬
                                               ‫واتقى* وصدق باحلسىن* فسنيسره لليسرى* وأما من خبل واستغىن* وكذب باحلسىن* فسنيسره للعسرى}.‬

                                                                                                                                     ‫وقال أيضاً جل وعال:‬

                                                                                                ‫{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اهلل ملع احملسنني}.‬

‫وال شك أنه على الرتم من أن كل مؤمن هو ويل اهلل جل وعال فإن والية اهلل للعبد وحمبته له ت تفاوت حبسب اإلميان والتقوى والعمل الصاحل فكلما ازداد إمينان‬
  ‫العبد وترقى يف درجات الكمال والصالح وحتلى بالتقوى كان أعظم والية، وأقرب من ربه سبةانه وتعاىل، هذا مفهوم الوالية يف اإلسالم على وجه اإلمجال.‬

                                                                                                                                 ‫الوالية الصوفية الشيطانية:‬

‫ولكن يف التصوف الشيطاين فإن ا لوالية هلا معىن آخر متاماً يف الشكل املضمون واملوضو ، فويل اهلل عند الصوفية الزنادقة من اختاره اهلل وجذبه إليه، وليس منن‬
‫شرط ذلك أن يكون عند هذا املختار واجملذوب أية مواصفات للصالح والتقوى إذ الوالية عندهم نو من الوهب اإلهلي دون سبب، وبغري حكمة، وجيعلنون‬
  ‫ال والية الكسبية هي والية العوام واملتنسكني والوالية احلقيقية عندهم هي الوالية الوهبية، يستدلون لذلك مبثل قوله تعاىل: {خيت برمحته من يشاء} فيقولون:‬

‫الوالية اختصاص وهذا تلبيس منهم ألن اختصاص اهلل من يشاء برمحته ال يكون إال حلكمة وأسباب اقتضت ذلك كما قال سبةانه وتعاىل: {يا أيها الذين آمنوا‬
‫اتقوا اهلل وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا يف سبيله لعلكم تفلةون} فلعل سبةانه وتعاىل تقواه واختاذ الوسيلة منه هي الطريق املوصل لرمحته فيستةيل أن تكنون‬
‫رمحة اهلل اليت خيت هبا من يشاء كائنة دون حكمة ألن اهلل سبةانه وتعاىل يعلم أن جيعل رسالته وأين يضع هدايته كما قال تعاىل: {اهلل أعلنم حينث جيعنل‬
                            ‫رسالته} وقال تعاىل: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤالء من اهلل عليهم من بيننا أليس اهلل بأعلم بالشاكرين} (األنعام:92).‬

 ‫فأخرب سبةانه رداً على الكفار الذين احتقروا املؤمنني لفقرهم وقالوا: كيف يرزقهم اهلل التقوى وحنن أكرم على اهلل منهم ألنه رزقنا األموال واألوالد. قال تعاىل:‬
‫{أليس اهلل بأعلم بالشاكرين} (األنعام) سبةانه وتعاىل إنه أعلم من يوفق هلدايته وهم الذين حيكمون بواجب شكره سبةانه وتعاىل ولذلك عبد الرسول ربنه‬
‫حىت أتاه اليقني وهو املوت، وقام من الليل حىت تفطرت قدماه وقيل له: يا رسول اهلل تفعل هذا وقد تفر اهلل ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: [أفال أكون عبداً‬
                                                                                                                                     ‫شكوراً] (متفق عليه)..‬

                                               ‫فالعباد الذين يعلم اهلل منهم الطاعة واإلخالص والقيام بشكر نعمته هم الذين يوفقهم اهلل لطاعته وحمبته وواليته.‬

‫وملا اعت قد الصوفية الزنادقة أن الوالية قضية وهبية بال حكمة وال معقولية جعلوا اجملاذيب واجملانني والفسقة والظلمة واملالحدة املشركني من أهل وحدة الوجود،‬
‫أولياء هلل مبلرد أن ظهر على أيديهم بعض خوارق العادات اليت ظهر مثلها على الدجال وابن صياد، وأصناف من املشركني وأهل اإلحلاد.. فلعلنوا الكرامنة‬
‫الشيطانية اإلبليسية كاإلخبار ببعض املغيبات واحتراف بعض احليل والشعوذات وإتقاهنا كزعم الدخول يف النريان وضرب اجلسم بالسكاكني والسهام واللعنب‬
‫بالعقارب واحليات، وأمثال ذلك من املخاريق والترهات جعلوا أولياء اهلل هم هؤالء الذين يدجلون على الناس مبثل هذه اخلرافات مع ما هم عليه منن خمالفنة‬
‫اإلسالم، يف الظاهر والباطن فظاهرهم خمالف للشريعة حيث عبدوا اهلل بالبد واملظاهر الكاذبة والرياء والسمعة كملبس اخلرق امللونة واملرقعات وإظهار الفقنر‬
‫والزهد، وذكر اهلل بالصياح واهلوس واجلنون وإقامة مشاعر الشر ك عند القبور واملزارات واالستعانة باألموات، وعبادة املشايخ والذوات، جعلوا من هذه أحواهلم‬
‫يف ظاهرهم أولياء هلل، ومن أحواهلم يف بواطنهم أشر من ذلك وأمر. فهم من أهل وحدة الوجود الكافرين والزنادقة امللةدين الذين ال يفرقون بني خالق وخملوق،‬
‫ورب وعبد، ومن جيعلون النيب حممداً صلى اهلل عليه وسلم هو علة األكوان، واملستوي على عرش الرمحن، ومبد األرض والسماوات إىل آخنر هنذا الكفنر‬
 ‫واهلذيان مما يأباه من عنده أدىن إسالم وإميان... هذه هي الوالية الصوفية يف زعمهم جعلوها هلؤالء كما جعلوها أيضاً للملانني والصبيان وألهنل التخناريف‬
‫واهلذيان حىت عدوا يف أوليائهم من يأيت احلمارة يف وضح النهار، وأمام األمسا واألبصار وسلكوا يف سلك الوالية الشيطانية هذه من يشرب اخلمر جهاراً هناراً،‬
‫ويزين ويلوط عياناً بياناً، ويزعمون يف كل ذلك أن هذا مظاهر تري مراد، وأنه نو من التخييل للعباد، وأن الويل الصادق ال تضره معصية أبداً، أو أن األعينان‬
‫ينقلب له فاخلمر اليت يشاهدها الناس مخراً ينقلب يف بطن الويل لبناً خالصاً، والزانية الفاجرة اليت يرى الناس الويل بصةبتها تكون زوجته، ومل يكتفوا هبذا أيضاً‬
 ‫يف تعريف الوالية عندهم بل قالوا يف الفكر الصويف إن الويل يتص رف يف األكوان ويقول للشيء كن فيكون، وكل ويل عندهم قد وكله اهلل بتصريف جانب من‬
 ‫جوانب اخللق فأربعة أولياء ميسكون العامل من جوانبه األربعة، ويسمون األقطاب، وسبعة أولياء آخرون كل منهم يف قارة من قارات األرض السنبع ويسنمون‬
 ‫البدالء. وعدد آخر من األولياء يف كل إقلي م يف مصر ثالثون أو أربعون ويف الشام كذلك، والعراق وهكذا، وكل واحد من هؤالء قد أوكل إليه التصنريف يف‬
 ‫شيء ما، حىت عدو منهم من صرفه اهلل يف رعاية الكالب، ومنهم من له التصريف يف رعاية احليات، وفوق هؤالء األولياء مجيعاً ويل واحد مراد يسمى القطنب‬
                                                    ‫األكرب أو الغوث وهو الذي يدبر شأن امللك كله مسواته وأرضه واألولياء مجيعاً يف بقا األرض حتت أمره.‬

‫فاألرض والسماوات تدار حسب الوالية الصوفية وأما املالئكة مجيعاً فإهنم يف خدمة هؤالء األولياء ينفذون أوامرهم وخيضعون ملشيئتهم.. هنذه هني الوالينة‬
‫الصوفية وهي ال متت من قريب أو بعيد للوالية اإلسالمية القرآنية قط.. فالويل يف اإلسالم عبد هداه اهلل ووفقه وسار يف مرضاة ربه حسب شريعته، وهو خيشى‬
‫على نفسه دائماً من الكفر والنفاق وسوء العاقبة وال يعلم هل يقبل اهلل عمله أو ال.. وأما الويل الصويف فهو رب كبري أو صغري يتصرف يف جانب من جواننب‬
‫الكو ن وال يلتزم بشريعة ألن له شريعته املستقلة، واملالئكة حتت مشيئته والسماوات واألرض كاخللخال برجله!! وال يغرب عنه شنيء يف السنماوات وال يف‬
‫األرض، وال خوف عليه مطلقاً ألنه قد جاءه األمان، وال حيزن لشيء مطلقاً ألن بيده التصريف.. هذه هي الوالية الصوفية. واحلق أن الذي قرأ شيئاً من الفلسفة‬
‫اإلتريقية القدمية يعلم يقيناً أن فكرة الوالية الصوفية هذه منقولة عن هذه الفلسفة فآهلة اإلتريق قدمياً -كما صورهتا اإللياذة واألوديسيا- يتصنرفون يف الكنون‬
‫ولكل منهم جانب خاص من جوانب العامل، (فمارس) هو إله احلرب، (وكيوبيد) هو إله احلب و (افروديت) هي إهلة اجلمال، و (أبوللو) هنو رب األربناب‬
                                                                                                                                               ‫وهكذا..‬

‫إن فكرة تعدد اآلهلة عند اإلتريق وتصرفهم يف الكون هي فكرة الوالية الصوفية متاماً حيث يعبث هؤالء الوالية الصوفيون مبصائر البشر، ويتةكمون يف أرزاقهم‬
                                                                                 ‫وأعماهلم، ويتصارعون أيضاً ويتنافسون كما يصنع آهلة اإلتريق متاماً..‬

                                                        ‫واآلن اصةبين أيها القارئ ألريك نصوص املتصوفة وعباراهتم، وخياالهتم يف وصف واليتهم الصوفية:‬

‫أول من ألف كتاباً مستقالً يف الوالية الصوفية هو حممد بن علي بن احلسن الترمذي، الذي يسمونه احلكيم، وهو تري الترمذي صاحب السنن املشهورة بسننن‬
‫الترمذي، وقد نشأ (احلكيم) هذا يف أواخر القرن الثالث اهللري، وهو جمهول سنة الوالدة والوفاة. وكتابه الذي أشرنا إليه يسمى (خامت األولياء) (راجع الفصل‬
                                                                                                                             ‫خبتم الوالية الصوفية)..‬

‫واملهم هنا أن الترمذي هذا رسم املالمح اخليالية الزندقية للوالية الصوفية ومن أجل هذا الكتاب شهد علماء زمانه بالزندقة والكفر ونفوه من بلده (ترمذ) كمنا‬
‫أخرب بذلك صاحب الطبقات الصوفية أبو عبدالرمحن السلمي، وادعى الترمذي هذا يف الوالية ما تابعه بعد ذلك عامة الصوفية عليه من أن الوالية وهب ومنةنة‬
                                                 ‫إهلية ال كسب وموجدات، وأن الويل يعلم علم البدء وعلم املقادير وعلم احلروف (ختم الوالية ص569).‬

‫ووضع الترمذي هذا مراتب للوالية، فلعل منهم اجملاذيب وأهل العته واجلنون ألن اهلل جذهبم إليه وأسقط عنهم التكاليف، وأن هناك أربعني من أوليائهم النذين‬
‫يتصرفون يف شئون العامل، وأن هناك القطب األكرب واخلامت للوالية وأن األولياء هؤال ء حمروسون عند اهلل فال يلقى يف صدورهم إال الوحي الرمحناين املالئكني‬
‫فقط!! وجعل هؤالء األولياء منهم من بلغ ثلث النبوة، ومنهم من بلغ نصفها ومنهم من زاد على ذلك وهو ختم األولياء (ختم الوالية ص909). ومن هنؤالء‬
‫األولياء تظهر هلم اآليات مثل طي األرض، واملشي على املاء وحمادثة اخلضر (ص669). وزعم كذلك أن قلوب هؤالء األولياء هي كتاب اهلل يطبع فيه ما يشاء!!‬
‫وأهنم كاألنبياء هلم من اهلل عقد الوالية ولذلك كشف عن قلوهبم الغطاء فريون ملك اهلل يف كل أجزائه يف العامل العلوي والسفلي، وزعنم أن هنؤالء األوليناء‬
 ‫يعرفون منازهلم من اجل نة، وال خوف عليهم وال هم حيزنون، ويقطعون بذلك وأن الكرامات اليت تظهر على أيديهم دليل على صدقهم وإمياهنم..، يقول الترمذي:‬

                                                                                                                             ‫م َد‬
‫"ما قولك يف ُة ِّث، بشر بالفوز والنلاة فقال: رب اجعل يل آية حتقق يل ذلك اخلرب الذي جاءين لينقطع الشك واالعتراض. فقال (أي اهلل): آتيك أن أطنوي‬
‫لك األرض حىت تبلغ بيين احلرام يف ثالث خطوات، وأجعل لك البةر كاألرض متشي عليه كيف شئت وأجعل لك التراب واجلو يف يديك ذهباً، ففعل هذا هل‬
                                                 ‫ينبغي له أن يطمئن إىل هذه البشرى بعد ظهور هذه اآلية أوالً" أ.هن منه بلفظه (ختم الوالية ص640).‬
‫وهذا الكالم من احلكيم الترمذي تلبيس وتدليس كله.. من هذا الذي خياطبه اهلل بكلمة بعد حممد صلى اهلل عليه وسلم ؟! وال نيب بعد رسول اهلل، ومن هذا الذي‬
‫يعطيه من هذه الكرامات املزعومة ما مل يعط رسله وأنبياءه.. فإن الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم ما سار على املاء، وال طار يف اهلواء، وال جعلت له اجلبنال‬
‫ذهباً. بل جا هو وأصةابه وربط احللر على بطنه أياماً وسار على قدميه يف جيوشه حىت تقطعت أقدامهم وما كان هلم إال اخلرق يلفوهنا به حىت لقد مسو تزوة‬
‫من تزواهتم بغزوة ذات الرقا ألهنم مزقوا فيها بعض مالبسهم ليلفوا أرجلهم ولقد كانوا أفضل الناس وأفضل األمة، أيأيت بعد ذلك هؤالء البطالون املتنأكلون‬
‫اآلكلون أموال الناس بالباطل املعتقدون عقائد الوثنية والشرك ليعطيهم اهلل الوالية العظمى ميكنهم من الطريان يف اهلواء، والسري على املاء، وقلب األحلار فضنة‬
‫وذهباً ال شك أن الذي يزعم شيئاً من ذلك قد لبس عليه الش يطان وأدى له بعض اخلدمات كأن نقله مرة من مكان إىل مكان بسرعة الشيطان، وسرق له بعض‬
                                                ‫الذهب من مكان وتسمى هذه األمثلة كرامة رمحانية وما هي إال حيل شيطانية يلبس هبا الشيطان على أوليائه.‬

‫وال ترو أن يدعي الترمذي هذا ما يدعي فأنه قد ذكر على نفسه فيما مساه (بدو شأن الترمذي) أن زوجته قد تنبأت له، وزعمت له أهنا رأت يف شأنه عشرات‬
‫من الرؤى منها أهنا رأت أن سطح بيتها وكانت نائمة عليه قد هبط إىل األرض وأهنا وجدت داخل بيتها رجلني قاعدين يف هيبة وأهنما قاال هلا: قويل لزوجنك:‬
‫أنت وتد من أوتاد األرض متسك طائفة من الناس!! (بدو شأن الترمذي مطبو مع ختم الوالية ص25) وأن هذين الرجلني الذين بشراها مها حممند وعيسنى‬
‫عليهما الصالة والسالم، وزوجته هذه أيضاً تنبأت له بأهنا كانت نائمة مع زوجها يف فراش واحد وجاء الرسول صلى اهلل عليه وسلم فدخل فراشهما معهمنا!!‬
                                                                                                ‫(بدو شأن الترمذي مطبو مع ختم الوالية ص99).‬

‫وال خيفى أن أمثال هذه الرؤيا والتنبؤات رؤى شيطانية حتماً فليس هناك شيء يسمى أوتادًا متسك األرض ألن اهلل سبةانه وتعناىل يقنول: {إن اهلل ميسنك‬
                                                                                                               ‫السماوات واألرض أن تزوال}.‬

‫وإذا كان اهلل هو الذي ميسك السماوات واألرض فمعىن ذلك أنه ليس يف حاجة إىل الترمذي وتريه ليكون وتداً ميسك جانباً من األرض!! نعم جعل اهلل اجلبنال‬
‫أوتاداً لألرض ومل جيعل الترمذي الذي ينام ليله شاخراً وتداً من أوتاد األرض وأما الرسول صلى اهلل عليه وسلم الذي يقول [من رآين يف املنام فقند رآين فنإن‬
‫الشيطان ال يتمثل يب] يستةيل أن يأيت ليدخل يف فر اش رجل مع زوجته ومل يدخل مع زوجة الترمذي يف فراشها وهي مع زوجها إال الشيطان حتماً الذي يعلم‬
                                                                                                                                     ‫من هم أولياؤه.‬

                                                                                                     ‫وامسع إىل الترمذي حيكي عن خرافات زوجته فيقول:‬

‫"مث رأت رؤيا أخرى وهي بالفارسية ويف آخرها قالت: فانتبهت فوقع عليها حرص االستما إىل املوعظة وطلب احلقوق من نفسها. فأول ما ابتدى هلا من حتقيق‬
‫رؤياها أهنا كانت يف البستان قاعدة وذلك لثالث بقني من ذي القعدة، بعد أن رأت هذه الرؤيا، بنةو من مخسة أيام (ستة) إذ وقع على قلبها: يا نور كل شيء‬
                                                                                                            ‫وهداه أنت الذي فلق الظلمات نوره.‬

‫قالت فوجدت كأن شيئاً دخل صدري فدار حول قل يب فأحاط به وامتأل الصدر إىل احللق، حىت صرت شبه املخنوق من امتالئه، وله حرارة وحرقات على القلب‬
                    ‫فتزينت األشياء كلها يل. فما وقع بصري على أرض وال مساء وخلق من اخللق إال رأيته خبالف ما كنت أراه من الزينة والبهلة واحلالوة.‬

                                                              ‫ً‬
‫مث وقع على قليب كلمة بالفارسية: (نكيين من ترا داذم)، فامتألت فرحاً وطيب نفس ونشاطا فأخربتين بذلك فلما كان اليوم الثاين قالت: وقع علنى قلنيب أننا‬
‫أعطيناك ثالثة أشياء، ووقع الكالم بالفارسية: (سه جيزترا داذم جالل من (و) عظمة من وهباء من (ومعىن هذه الكلمات بالعربية: أي أعطيناك ثالثة أشياء هني‬
‫جاليل وعظميت وقدريت!!)) وأضاء يل من فوقي فدام هكذا فوق رأسي يف اهلواء كما كنت رأيته يف املنام فترى يف ذلك الضوء علم اجلالل وعلم العظمة وعلنم‬
                                                                                                                                         ‫البهاء..‬

‫فأما اجلالل فإين رأيت كأن البيت يتةرك (ايذون جيزي مهي بيود، ومجش خلق مهه ازوي، وعظمة بري (و) مهه جيزها ازوي، وهبا (و) سرا (ي) مهه جيزهنا‬
                                                             ‫مهه جيزها (ازوي خنست فر (أي أعطيناك علم األولني) مساهنا وبذم او كنده.. تفروذ).‬

‫مث وقع على قلبها، اليوم الثالث (تراداذم علم اولني وآخرين) فدام هبا هذا حىت نطقت بعلم أمساء اهلل فكان يفتح هلا يف كل يوم اسم األصل: ويبدو، ذلك الضوء‬
                        ‫على قلبها وينكشف هلا باطن ذلك. حىت كان يوم اجلمعة، يف أيام العشرة، حضرت اجمللس، فذكرت أنه وقع عليها اسم (اللطيف)".‬

‫فانظر كيف تنبأت زوجة الترمذي الفارسية وكانت الرؤى تنزل عليها بالفارسية أيضاً وأهنا أخربت أهنا أخذت من اهلل اجلالل والعظمة والقدر!! وأهنا كنذلك‬
‫نالت علم األولني واآلخرين، وهكذا مل يكتف الترمذي بأن يكون هو الوتد بل رأس األوتاد الذين زعم أهنم أربعون بل زعم أخرياً أهنم خامت األولياء مجيعاً كما‬
‫كان حممد صلى اهلل عليه وسلم خامت األنبياء ومل يكتف بكل ذلك إال أن جعل زوجته متنبئة كذلك وأهنا حصلت على علم األولني واآلخرين وأخذت ثنالث‬
                                                                                                ‫صفات من صفات هلل تعاىل وهي اجلاللة والعظمة والقدر!؟‬
‫هذا هو الزعيم األول والرائد األول لفكرة الوالية الصوفية، وفكرة ختم الوالية. والعليب أنه كتب كتابه هذا حنو سنة 965هن حيث ذكر أن زوجتنه رأت‬
‫بعض هذه الرؤى يوم السبت 45 من ذي القعدة سنة 965هن.. وبذلك يكون الترمذي أول من وضع لبنات الفكر الصويف يف قضية الوالية املزعومة.. ومنن‬
‫أجل هذا الكتاب رماه علماء بلده بالكفر والزندقة واستطاعوا طرده من ترمذ ولكنه عاد إليها بعد ذلك حتت جناح بعض الظاملني.. وقد أفضنا يف بينان هنذه‬
‫القضية من كتاب الترمذي ألنه أول من سن هذا الشر املستطري الذي جاء بعده، وكتابه هو أول كتاب فيما أظن قد وضع األسس اخلبيثة هذه لفكنرة الوالينة‬
                                                                                                                                       ‫الصوفية.‬

                                                                                                                             ‫مراتب الوالية عند الصوفية:‬

‫وقد ذهب املتصوفة إىل تقسيم مراتب الوالية عندهم فمنهم من قالوا إهنم يتقسمون إىل الغوث وهو أكرب األولياء مجيعاً وهو واحد يف كل زمان وحتتنه األوتناد‬
‫األربعة وكل واحد منهم يف ركن من أركان العامل يقوم به وحيفظه واألقطاب السبعة وكل منهم يف إقليم من أقاليم األرض السبعة أي يف قارة من القارات السبع،‬
‫(واألبدال) وزعموا أهنم أربعون وهم يعيشون يف العامل، وكلما هلك واحد منهم أبدله اهلل بغريه حلفظ الكون!! (والنلباء) وهم ثالمثائة كل منهم يتوىل شأناً من‬
                                                                                                                                       ‫شئون اخللق..‬

‫وال يشك مسلم يعلم شيئاً من الكتاب والسنة وال عامل قد اطلع على علوم الكتاب والسنة أن ما قاله الصوفية يف هذا الصدد هراء وكذب ال أساس له من كتاب‬
‫اهلل وسنة رسوله صلى اهلل ع ليه وسلم ولكن الصوفية أرادوا أن يؤسسوا هلم دولة يف الباطن حتكم وتنفذ وتتةكم يف شئون الناس فبنوا هذه الدولة العليبة الباطنية‬
‫اليت يتةكم فيها هؤالء الذين مسوهم بالغوث واألقطاب واألبدال والنلباء واألوتاد.. ويتعلب اإلنسان وهو يطالع الفكر الصويف يف هنذا الصندد كينف أن‬
‫املتصوفة أحكموا خطتهم للسيطرة على عقول الناس، وإلدخاهلم إىل دينهم العلب العليب حيث أومهوهم أن التصريف يف األرض والسماء واخللق أمجعني إمنا‬
                            ‫ً‬
‫هو لدولتهم اخلفية اليت يتةكم فيها أولياء الصوفية.. هؤالء األولياء الذين قد يكونون أحياناً أميني ال يعرفون قراءة وال كتابة وأحيانا جماذيب يصرخون ويبولون‬
‫يف الطرقات وأحياناً زناة وشاريب مخور قد رفعت عنهم التكاليف الظاهرة وأن منهم من يعيش طيلة عمره قذراً وسخاً ال يتطهر مباء قط أو صابون لينوفر املناء‬
‫(انظر) للفقراء!! ومع ذلك فهؤالء األولياء يعلمون الغيب كله وال خيفى عليهم شيء يف األرض وال يف السماء وال يعلزهم شيء وال يقف أمام إرادهتنم أحند‬
                                                             ‫أبداً.. وتعال معي يف جولة مع خرافات القوم وترهاهتم لتعلم أي عامل يعيش فيه رجال التصوف.‬

‫وقد كفانا عبد الوهاب الشعراين مئونة جتميع أقواهلم يف مراتب الوالية حيث مجع أقوال ابن عريب يف الفتوحات ولنبدأ أوالً مبفهوم القطب الغنوث أو القطنب‬
                                                                                                                              ‫األكرب عند الصوفية:‬

                                                                                                                                         ‫يقول الشعراين:‬

‫" وأما القطب فقد ذكر الشيخ يف الباب اخلامس ومخسني ومائتني أنه ال يتمكن القطب من أن يقوم يف القطابة إال بعد أن حيصل معاين احلروف النيت يف أوائنل‬
                                       ‫السور املقطعة مثل أمل، وامل ، وحنومها فإذا أوقفه اهلل تعاىل على حقائقها ومعانيها تعينت له اخلالفة وكان أهالً هلا.‬

                                                               ‫(فإن قلت) فما عالمة القطب فإن مجاعة يف عصرنا ادعوا القطبية وليس معنا علم برد دعواهم.‬

‫(فاجلواب) قد ذكر الشيخ أبو احلسن الشاذيل رضي اهلل عنه أن للقطب مخس عشرة عالمة: أن ميد مبدد العصمة والرمحة واخلالفة والنيابة ومدد محلنة العنرش‬
‫العظيم ويكشف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات ويكرم بكرامة احللم والفضل بني املوجودين وانفصال األول عن األول وما انفصل عنه إىل منتهاه وما ثبت‬
                ‫فيه حكم ما قبل وما بعد وحكم من ال قبل له وال بعد، وعلم اإلحاطة بكل علم ومعلوم ما بدا من السر األول إىل منتهاه مث يعود إليه.." انتهى.‬

‫وقال يف الفتوحات يف الباب السبعني ومائتني: " إن اسم القطب يف كل زمان عبد اهلل وعبد اجلامع املنعوت بالتخلق والتةقق مبعاين مجيع األمساء اإلهلينة (أي أن‬
‫يتصف مبا يتصف به اهلل من السمع والبصر والقدرة.. اخل)، حبكم اخلالفة وهو مرآة احلق تعاىل وجملى النعوت املقدسة وحمل املظاهر اإلهلية (يعين ظهور صفات اهلل‬
‫فيه)، وصاحب الوقت (أي املتصرف يف اخللق)، وعني الزمان وصاحب علم سر القدر وله علم دهر الدهور (فهو يعلم ما مضى وما يأيت)، ومن شأنه أن يكون‬
‫الغالب عليه اخل فاء ألنه حمفوظ يف خزائن الغرية ملتةف بأردية الصون ال يعتريه شبهة يف دينه قط وال خيطر له خاطر يناقض مقامه، كثري النكاح وراتب فينه،‬
‫حمب للنساء، يويف الطبيعة حقها على احلد املشرو له، ويويف الروحانية حقها على احلد اإلهلي، يضع املوازين ويتصرف على املقدار املعني املوقت له ال حيكنم‬
‫عليه وقت إمنا هو هلل وحده حاله دائماً العبودية واالفتقار، يقبح القبيح وحيسن احلسن، حيب اجلمال املقيد يف الزينة واألشخاص، تأتيه األرواح يف أحسن الصور‬
‫يذوب عشقاً يغار هلل عز وجل، ويغضب له تعاىل، له اإلطالق يف املظاهر من تري تقييد، ال تظهر روحانيته إال من خاف حلاب الشهادة والغيب، ال يرى منن‬
‫األشياء إال حمل نظر احلق فيها، يضع األسباب ويقيمها، ويدل عليها، وجيري حبكمها، ينزل إليها حىت حيكم عليه، ويؤثر فيه رياسة على أحد من اخللق بوجه من‬
‫الوجوه مصاحب هلذا احلال دائماً إن كان صاحب دنيا وثروة تصرف فيها تصرف عبد يف مال سيد كرمي وإن مل يكن بيده دنيا وكان على ما يفتح اهلل تعاىل له‬
‫به مل تستشرف له نفس بل يقصد بنفسه عند احلاجة بيت صديق ممن يعرفه يعرض عليه ما حتتاج إليه طبيعته كالشافع هلا عنده فيتناول هلا منه قدر ما حتتاج إليه مث‬
‫ينصرف ال جيلس عن حاجته إال لضرورة فإن مل جيد حاجته جلأ إىل اهلل تعاىل يف حاجة طبيعة ألنه مسؤول عنها ومتول عليها مث ينتظر اإلجابة من اهلل فيما سنأل‬
‫فإن شاء اهلل تعاىل أعطاه ما سأل عاجالً أو آجالً فمرتبته اإلحلاح يف الدعاء والشفاعة يف حق طبيعته خبالف أصةاب األحوال فإن األشياء كلها تتكنون عنن‬
‫مهمهم ألن اهلل تعاىل علل هلم نصيباً من أحواهلم يف اجلنة فهم ربانيون والقطب منزه عن احلال ثابت يف العلم فإن أطلعه اهلل على ما يكون أخرب بذلك على وجه‬
‫االفتقار اهلل ال على وجه االفتخار ال تطوى له أرض وال ميشي يف هواء وال على ماء وال يأكل من تري سبب وال يطرأ عليه شيء من خرق العوائد إال يف النادر ال‬
‫ما يراه احلق تعاىل فيفعله بإذن اهلل من تري أن يكون ذلك مطلوباً له وكذلك من شأنه أن جيو اضطراراً ال اختياراً ويصرب على النكاح كذلك لعدم الطول يعلم‬
‫من جتلي النكاح ما حيرضه على طلبه والتعشق به ال يتةقق قط بالعبو دية يف شيء أكثر مما يتةقق به يف النكاح ال يرتب يف النكاح للنسل وإمنا يرتب ففيه جملرد‬
‫الشهوة وإحضار التناسل يف نفسه ألمر مشرو فنكاحه جملرد اللذة كنكاح أهل اجلنة. وقد تاب عن هذه احلقيقة أكثر العارفني ملا فيه من شهود الضعف وقهنر‬
‫اللذة املغيبة له عن إحساسه فهو قهر لذيذ وذلك من خصائ األنبياء ولعلو مراقي هذا املقام جهله أكثر األولياء وجعلوا النكاح شهوة حيوانية ونزهوا أنفسهم‬
                                                                                               ‫عن اإلكثار منها" (اليواقيت واجلواهر ج5 ص99) أ.هن.‬

                                      ‫ً‬      ‫ً‬
                           ‫فانظر كيف لبس على الناس ووصف الويل املزعوم بصفات الربوبية الكاملة مث راح يصفه بصفات العبودية أيضا تلبيسا على الناس.‬

                                                                                              ‫ويستطرد الشعراين ناقالً عن ابن عريب وصفه للغوث فيقول:‬

‫" واعلم أن من مقام القطب أن يتلقى أنفاسه إذا دخلت وإذا خرجت بأحسن األدب ألهنا رسل اهلل إليه فترجع منه إىل رهبا شاكرة له ال يتكلف لنذلك (وهنذا‬
‫كذب حمض فالتنفس عملية ال إرادية شأهنا واحد يف كل إنسان وليس هناك نفس مسبح ونفس تري مسبح إال أنه يعتقد املؤمن أن حياته ال تقوم إال باهلل فيؤجر‬
                                                                                                       ‫على ذلك ويكون عائداً هلل من هذا الوجه).‬

‫وأطال الشيخ يف ذلك مث قال فإذن القطب هو الرجل الكامل الذي حصل أربعة الدنانري منها مخسة وعشرون قرياطاً وهبا توزن الرجال واألربعنة هنم الرسنل‬
‫واألنبياء واألولياء واملؤمنون فهو وارثهم كلهم رضي اهلل عنه. وقال الشيخ يف الباب احلادي واخلمسني وثالمثائة: من شأن القطب الوقوف دائماً خلف احللاب‬
‫الذي بينه وبني احلق جل وعال فال يرتفع حلابه حىت ميوت فإن مات لقي اهلل عز وجل فه و كاحللاب الذي ينفذ أوامر امللك وليس له من اهلل تعاىل إال صنفة‬
                                                                ‫اخلطاب ال الشهود" (عاد إىل التلبيس مرة ثانية فزعم أن الويل يتصرف يف اخللق بأمر اهلل).‬

                                                                                                                   ‫القطب الغوث واحد يف الزمان فقط:‬

                                                                                                                               ‫ً‬
                                                                   ‫ويستطرد أيضاً مبينا أن القطب األكرب أو ما يسمونه بالغوث واحد يف كل زمان. فيقول:‬

                                                                                                        ‫"قال الشيخ يف الباب اخلامس واخلمسني ومائتني:‬

‫ومن خصائ القطب أن خيتلي باهلل تعاىل وحده وال تكون هذه املرتبة لغريه من األولياء أبداً مث إذا مات القطب الغوث انفرد تعاىل بتلك اخللوة لقطب آخنر ال‬
‫ينفرد قط باخللوة لشخصني يف زمان واحد أبداً. وهذه اخللوة من علوم األسرار. وأما ما ورد يف اآلخرة من أن احلق تعاىل خيلو بعبده ويعاتبه فذلك منن بناب‬
                                                        ‫انفراد العبد باحلق تعاىل ال من باب انفراد احلق بالعبد فافهم واكتم". انتهى (اليواقيت واجلواهر).‬

‫وحىت ال يقع املتصوفة يف األشكال املعروفة وهو أن كان أقطاب التصوف يف عهد اخلالف ة الراشدة لذلك بادر ابن عريب للقول أن أبا بكر وعمر كنانوا أقطابناً‬
                                                                                 ‫باملعىن الصويف.. ونقول حاشا الصةابة أن يدخلوا يف هذا الزور والبهتان.‬

                                                                                                                                       ‫يقول ابن عريب:‬

‫" مث اعلم أنه ملا كان نصب اإلمام واجباً إلقامة الدين وجب أن يكون واحداً لئال يقع التناز والتضاد والفساد فةكم هذا اإلمام يف الوجود حكم القطب. قال:‬
‫وقد يكون من ظهر األئمة بالسيف أيضاً قطب الوقت كأيب بكر وعمر يف وقته، وقد ال يكون قطب الوقت فتكون اخلالفة لقطب الوقت النذي ال يكنون إال‬
‫بصفة العدل، ويكون هذا اخلليفة الظاهر من مجلة نواب القطب يف الباطن من حيث ال يشعر فإن اجلور والعدل يقع من أئمة الظاهر وال يكون القطب إال عادالً.‬
‫واعلم أن القطبية كما أهنا قد تكون لوالة األمور كذلك قد تكون يف األئمة اجملتهدين من األربعة وتريهم بل هي فيهم أظهر ويكون تظاهرهم باالشتغال بنالعلم‬
                                              ‫الكسيب حلاباً عليهم لكون القطب من شأنه اخلفاء رضي اهلل عنهم أمجعني" (اليواقيت واجلواهر ج5 ص49).‬

‫وهكذا جيعل ابن عريب بعض اخللفاء أقطاباً وبعض الفقهاء كذلك. ولقد من ابن عريب على اإلمام الشافعي فأعطاه رتبة (الوتد) يف مملكته الصوفية، أي أنه كنان‬
‫يسيطر على ربع العامل. وأما اإلمام أمحد فأن ابن عريب مل مين عليه بشيء من هذه الرتب الصوفية واكتفى بأن جعله جمرد (صديق)!! وهي منزلة العامة عندهم ممن‬
                                                                                                                           ‫يؤمن باخلرافات الصوفية.‬

                                                                                                                                       ‫يقول الشعراين:‬
‫"قال الشيخ حميي الدين: وقد اجتمعت باخلضر عليه السالم وسألته عن مقام اإلمام الشافعي فقال: كان من األوتاد األربعة فسألته عن مقام اإلمام أمحد فقال: هو‬
‫صديق وأطال يف ذلك مث قال يف قوله تعاىل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اهلل وأطيعوا الرسول وأويل األمر منكم} املراد بأويل األمر األقطاب واخللفناء والنوالة‬
‫ولكن فيما ال خيالف شرعاً مأموراً به وذلك هو املباح الذي ال أجر فيه وال وزر فإن الواجب واملندوب واحلرام واملكروه من طاعة اهلل ورسوله فما بقني ألويل‬
‫األمر إال املباح فإذا أمرك اإلمام الذي بايعته على السمع والطاعة مبباح من املباحات وجب عليك طاعته يف ذلك وحرمت عليك خمالفته وصار حكم اإلباحة منه‬
                                                                                                                         ‫بأمر هذا اإلمام الذي بايعته" أ.هن.‬

‫وال شك أن اإلمام أمحد مل يكن ممن يؤمن هبذه اخلرافات بل قال ملن سأله عن كتب احلارث احملاسيب هذه كتب بد وضالالت ولكن الصوفية ال يستطيعون أن‬
                                                                     ‫يسبوا أحد األئمة األربعة املتبعني وذلك ملنزلة هؤالء األئمة من قلوب الناس.‬

‫واملهم أن الصوفية قد بنوا هلم دولة يف الباطن على هذا النةو الذي أسلفناه.. أيضاً ألجل التلبيس على الناس ومتريغ عقوهلم يف األوحال واإللقاء هبنم بعينداً يف‬
                                                                                                                     ‫ً‬
                                        ‫مهاوي الضالل زعم ابن عريب أيضا أن األوتاد األربعة يكونون على قلوب الرسل الذين زعم أهنم ما زالوا أحياء، وهم:‬

‫إدريس، وإلياس، وعيسى، واخلضر، وأن هؤالء مجيعاً يرجعون يف األخذ من القطب األكرب (الغوث) الذي هو واحد يف األرض فقط وأنه إذا مات أقام اهلل تريه.‬
                                        ‫فهؤالء األولياء األربعة (األوتاد) الذين طبعوا على قلوب األنبياء األربعة األحياء يرجعون يف أحكامهم للقطب الغوث..‬

        ‫وكل هذه اخلرافات واخلزعبالت قد عرفها ابن عريب عن طريق الكشف اخلاص له والعلم اللدين ولذلك مساه املتصوفة بالشيخ األكرب والكربيت األمحر!!.‬

                                                                                                  ‫يقول الشعراين عن شيخه ابن عريب يف بيان هذه اخلرافات:‬

                                                                                                                 ‫"(فإن قلت) فاملراد بقوهلم القطب ال ميوت:‬

                                                                                        ‫(فاجلواب) كما قال الشيخ يف الباب الثالث والسبعني من الفتوحات:‬

‫أن املراد به من أن العامل ال خيلو زماناً واحداً من قطب يكون فيه كما هو يف الرسل عليهم الصالة والسالم، ولذلك أبقى اهلل تعاىل من الرسل األحياء بأجسادهم‬
‫يف الدنيا أربعة: ثالثة مشرعون، وهم إدريس وإلياس وعيسى، وواحد حامل العلم اللدين هو اخلضر عليه السالم. وإيضاح ذلك أن الدين احلنيف له أربعة أركان‬
‫كأركان البيت وهم الرسل واألنبياء واألولياء واملؤمنون، والرسالة هي الركن اجلامع للبيت وأركانه، فال خيلوا زمان من رسول يكون فيه، وذلك هنو القطنب‬
              ‫الذي هو حمل النظر احلق سبةانه وتعاىل من العامل كما يليق جبالله. ومن هذا القطب يتفر مجيع األمداد اإلهلية على مجيع العامل العلوي والسفلي.‬

                                                                                                                                    ‫قال الشيخ حميي الدين:‬

‫ومن شرطه أن يكون ذا جسم طبيعي وروح ويكون موجوداً يف هذه الدار الدنيا جبسده وحقيقته فال بد أن يكون موجوداً يف هذه الدار جبسده وروحه من عهد‬
‫آدم إىل يوم القيامة وملا كان األمر على ما ذكرناه ومات رسول اهلل صل ى اهلل عليه وسلم بعد ما قرر الدين الذي ال ينسخ والشر الذي ال يتبدل دخلت الرسل‬
‫كلها يف شريعته ليقوموا هبا فال ختلو األرض من رسول حي جسمه إذ هو قطب العامل اإلنساين ولو كانوا يف العدد ألف رسول فإن املقصود من هنؤالء هنو‬
‫الواحد؛ فإدريس يف السماء الرابعة، وعيسى يف السماء الثانية، وإلياس واخلضر يف األرض. ومعلوم أن السماوات السبع من عامل الدنيا لكوهنا تبقى بقاء الندنيا‬
‫بفنائها فهي جزء من دار الدنيا خبالف الفلك األطلس فإنه معدود من اآلخرة يف يوم القيامة تبدل األرض تري األرض والسماوات يعين يبدهلم بغريهن، كما تبدل‬
‫هذه النشأة الترابية منا أيها السعداء بنشأة أخرى أرقى وأصفى وألطف فهي نشأة طبيعية جسمية ال يبول أهلها وال يتغوطون كما وردت بذلك األخبار. وقند‬
‫أبقى اهلل يف األرض إلياس واخلضر وكذلك عيسى إذا نزل وهم من املرسلني؛ فهم القائمون يف األرض بالدين احلنيف فما زال املرسلون ال يزولون يف هذه الدار‬
‫لكن من باطنية شر حممد صلى اهلل عليه وسلم ولكن أكثر الناس ال يعلمون. فالقطب هو الواحد من عيسى وإدريس وإلياس واخلضر وهو أحد أركان بينت‬
‫الدين وهو كركن احللر األسود واثنان منهم مها اإلمامان وأربعتهم هم األوتاد فبالواحد حيفظ اهلل اإلميان وبالثاين حيفظ اهلل الوالية وبالثالث حيفنظ اهلل النبنوة‬
‫وبالرابع حيفظ اهلل الرسالة وباجملمو حيفظ اهلل الدين احلنيف فالقطب من هؤالء ال بعينه. قال الشيخ: ولكل واحد من هؤالء األربعة من هذه األمة من كل زمان‬
                                                                                                                                        ‫ً‬
‫شخ على قلبه نائبا عنه مع وجودهم وأكثر األولياء ال يعرفون القطب واإلمامني واألوتاد وال النواب وال هؤالء املرسلني الذين ذكرناهم، وهلا يتطناول كنل‬
‫أحد لنيل هذه املقامات مث إذا خصوا هبا عرفوا عند ذلك أهنم نواب لذلك القطب فاعرف هذه النكتة فإنك ال تراها يف كالم أحد ترينا ولوال ما ألقي يف سنري‬
                                                                                      ‫من إظهارها ما أظهرهتا" (اليواقيت واجلواهر ج5 ص69) انتهى منه بلفظه.‬

                                                 ‫ولعلك أيها القارئ بعد هذه اجلولة اخلرافية الصوفية تريد أن تعرف أين يسكن القطب وجييبك ابن عريب قائالً:‬

‫"فإن قيل هل يكون حمل إقامة القطب مبكة دائماً كما هو مشهور. (فاجلواب) هو جبسمه حيث شاء اهلل ال يتقيد باملكث يف مكان خبصوصه ومن شأنه اخلفناء‬
                                        ‫فتارة يكون حداداً وتارة تاجراً وتارة يبيع الفول، وحنو ذلك واهلل أعلم" (اليواقيت واجلواهر ج5 ص69) أ.هن.‬
                                 ‫ولعلك اآلن أيها القارئ تريد أن تعرف كيفية تويل القطب منصبه الباطين هذا وهل تكون له مبايعة كما يبايع األمراء واخللفاء..‬

                                                                                                      ‫وقد تفضل ابن عريب أيضاً فأجاب عن هذا التساؤل بقوله:‬

                                                                   ‫"فإن قلت: فهل حيتاج القطب يف توليته إىل مبايعة يف دولة الباطن كما هي اخلالفة يف الظاهر؟‬

                                                                                   ‫(فاجلواب) نعم كما قاله الشيخ يف الباب السادس والثالثني وثالمثائة وعبارته:‬

‫( اعلم أن احلق تعاىل ال يويل قط عبداً مرتبة القطا بة إال وينصب له سرير يف حضرة املثال يقعده عليه ينيب صورة ذلك املكان عن صورة املكانة كما ينيب صنورة‬
‫االستواء على العرش عن صورة إحاطته تعاىل علماً بكل شيء وهلل املثل األعلى فإذا نصب له ذلك السرير فال بد أن خيلع عليه مجيع األمساء اليت يطلبنها العنامل‬
‫وتطلبه فيظه ر هبا حلالً وزينة متوجاً مسورًا من مللا لتعمه الزينة علواً وسفالً ووسطاً وظاهراً وباطناً فإذا قعد عليه وقعد بصورة اخلالفة وأمر اهلل العامل ببيعته على‬
‫السمع والطاعة يف املنشط واملكره دخل يف تلك البيعة كل مأمور من أدىن وأعلى إال العالون املهيمنون يف جالل اهلل عز وجل العابدون هلل تعاىل بالذات ال بنأمر‬
‫إهلي ظاهر على لسان رسول. واعلم أن أول من يدخل عليه املأل األعلى على مراتبهم األول فيأخذون يده على السمع والطاعة وال يتقيدون مبنشط وال مكنره‬
‫ألهنم ال يعرفون هاتني الصفتني فيهم إذ ال يعرف شيء إال بضده فهم يف منشط ال يعرفون هلا طعماً لعدم ذوقهم للمكره وما منهم روح يدخل عليه للمبايعة إال‬
‫يسأله عن مسألة من العلم اإلهلي فيقول له يا هذا أنت القائل كذا وكذا فيقول له نعم فيقول له يف هذه املسألة وجهان يتعلقان بالعلم باهلل تعاىل أحدمها أعلى من‬
‫الذي كان عند ذلك الشخ فيستفيد منه كل من بايعه علماً ليس عنده مث خيرج. قال الشيخ: وقد ذكرنا مجيع سؤاالت القطابة يف جزء مستقل ما سبقنا أحد‬
‫إليه وليست هذه املسائل معينة يتةرر السؤال هبا لكل قطب وإمنا خيطر اهلل تعاىل ذلك ملن يسأل القطب حال السؤال بعد أن جرى ذلك على خاطره فيما مضى‬
                                                                                                                                                       ‫من الزمان.‬

‫قال الشيخ وأول من يبايعه العقل األول مث النفس مث املقدمون من عمار السماوات واألرض من املالئكة املسخرة مث األرواح املدبرة للهياكل اليت فارقت أجسامها‬
‫باملوت مث اجلن مث املولدات مث سائر ما سبح اهلل تعاىل من مكان ومتمكن وحمل حال فيه إال العالون من املالئكة كما مر، وكذلك األفراد من البشر ال يندخلون‬
‫حتت دائرة القطب وماله فيهم تصرف إذ هم كمل مثله مؤهلون ملا ناله هذا الشخ من القطبية لكن ملا كان األمر يقتضي أن ال يكون يف الزمان إال واحد تقوم‬
‫هبذا األمر تعني ذلك الواحد لكن ال بأولية وإمنا هو يسبق العلم فيه بأن يكون ه و الوايل ويف األفراد من يكون أكرب منه يف العلم باهلل تعاىل وحده" انتهى بلفظنه‬
                                                                                                                     ‫(اليواقيت واجلواهر ج5 ص49،99).‬

‫فانظر أيها املسلم هذا التهريج والتخريف واخلبط الذي يريد هؤالء األفاكون جذب الناس إليه وإيقا الناس فيه، وأمحد اهلل على نعمة العقل اليت أعطاك إياهنا‬
‫و نعمة اإلميان واإلسالم إن كنت من أهله، وانظر كيف يتالعب الشيطان هبؤالء املتهوكني الفارتني إال من اخلرافات واخلزعبالت والزندقة والكفر الذي ليس له‬
                                                    ‫ً‬
‫مثل يف األرض. والعليب أن ابن عريب ال يقف خياله الزندقي عند حد مطلقاً فقد ذهب ليزعم أيضا أنه عرف أمساء األقطاب منذ آدم وحىت بعثة رسولنا صنلى‬
                                                                               ‫اهلل عليه وسلم حيث ينقل عنه الشعراين أنه قال يف الفتوحات ما نصه:‬

                        ‫"فإن قلت فهل كان قبل حممد صلى اهلل عليه وسلم أقطاب وكم عددهم (فاجلواب) كما قاله الشيخ يف الباب الرابع عشر من الفتوحات:‬

‫(إن األقطاب ال خيلو عصر منهم قال ومجلة األقط اب املكملني من األمم السالفة من عهد آدم إىل حممد عليهما الصالة والسالم مخسة وعشرون قطباً أشهدنيهم‬
‫احلق تعاىل يف مشهد قدس يف حضرة برزخية وأنا مبدينة قرطبة وهم: الفرق ومداوي الكلوم والبكاء واملرتفع والشفار واملاضي واملاحق والعاقب واملنةور وسلر‬
‫املاء وعنصر ا حلياة والشريد والصائغ واملراجع والطيار والسامل واخلليفة واملقسوم واحلي والراقي والواسع والبةر واملنصف واهلادي األصلح والباقي فهؤالء هنم‬
‫األقطاب الذين مسوا لنا من آدم إىل حممد عليهما الصالة والسالم وأما القطب الواحد املمد جلميع األنبياء والرسل من حيث النشء اإلنساين إىل يوم القيامة فهنو‬
                                                                                ‫روح حممد صلى اهلل عليه وسلم (اليواقيت واجلواهر ج5 ص59) أ.هن.‬

‫فانظر كيف اكتشف ابن عريب أمساء األقطاب املزعومني منذ آدم إىل النيب صلى اهلل عليه وسلم وكيف راح يزعم أن هؤالء مجيعاً الذين افترى أمساءهم يستمدون‬
                                              ‫علومهم من روح الرسول ال يت زعم أهنا هي املستوي على العرش الرمحاين كما مر تفصيل ذلك يف احلقيقة احملمدية.‬

‫وذلك أن الرسول حممد صلى اهلل عليه وسلم هو أول موجود يف زعمهم وهو احلق الذي خلق العرش من نوره والكرسي والسماوات واألرض واجلن صنلى اهلل‬
                                                                     ‫عليه وسلم هو املستوي على عرش الرمحن تعاىل اهلل عما يقولون علواً كبرياً..‬

‫وهكذا جند الصوفية قلبوا كل موازين الشريعة وتريوا مجيع عقائد الدين وابتدعوا ديناً جديداً بعيداً عن اإلسالم الذي جاء به الرسول صلى اهلل عليه وسلم بعند‬
                                                                                                                                   ‫املشرق عن املغرب.‬

                                                                                                                   ‫قطب سنة 992هن من مدينة فاس باملغرب:‬
‫ويستطرد ابن عريب يف ختري فاته وكذبه فيزعم أن لكل إقليم بلدة وقرية قطباً صغرياً آخر حيفظ هذه املدينة!! وأنه التقى بالقطب األكرب يف املغرب يف مدينة فناس‬
                                                                                                                                  ‫وأنه كان مشلول اليد:‬

                                                                                                                                        ‫يقول الشعراين:‬

                                                                                               ‫"قال الشيخ حميي الدين يف الباب الثاين والستني وأربعمائة:‬

‫واعلم أن لكل بلد أو قرية أو إقليم قطباً تري الغوث حيفظ اهلل تعاىل تلك اجلهة سواء أكان أهلها مؤمنني أو كفاراً وكذلك القول يف الزهاد والعباد واملتنوكلني‬
‫وتريهم ال بد لكل صنف منهم من قطب يكون مدارهم عليه. قال الشيخ: قد اجتمعت بقطب املتوكلني فرأيت مقام املتوكل يدور عليه دوران الرحنى حنني‬
‫تدور على قطب ها وهو عبداهلل بن األستاذ ببالد األندلس صةبته زماناً طويالً وكذلك اجتمعت بقطب الزمان سنة ثالث وتسعني ومخسمائة مبدينة فاس وكنان‬
                    ‫أشل اليد فتكلمت على مقام القطبية يف جملس كان فيه فأشار علي أن أستره عن احلاضرين ففعلت" (اليواقيت واجلواهر ج5 ص99) أ.هن.‬

‫وهكذا تتم السيطرة الباطنية املزعومة من هؤالء األولياء على كل مدينة وقرية من قرى العامل، وهكذا حيكم الصوفية شباكهم ويصنطادون العقنول املريضنة‬
‫والضعيفة واليت سيقتلها اخلوف عندما تعلم أن الدولة الباطنية قد أحكمت سيطرهتا على العامل وأنه ليس هناك من قرية وال مدينة إال فيها حاكم باطين حيكنم أو‬
                                                                     ‫قالوا حيفظ هذه املدينة والقرية، وقد أعطاه اهلل يف زعمهم التصريف يف شئون عبادها..‬

                                                                                                                                        ‫وظيفة القطب:‬

‫ولعلك تريد أن تعرف الوظيفة املناطة بكل هؤالء الذين توزعوا األرض وتصرفوا يف حياة اخلالئق وحفظ اهلل هبم -يف زعم الصوفية- الوجود وكيف تورث هذه‬
                                                                                                                                               ‫الوالية:‬

                                                                                                                    ‫يقول الشعراين عن شيخه ابن عريب:‬

‫"وقال يف الباب الثالث والثمانني وثالمثائة: اعلم أن بالقطب حتفظ دائرة الوجود كله من عامل السكون والفساد وباإلمامني حيفظ اهلل تعاىل عامل الغيب والشهادة‬
‫وهو ما أدركه احلس، وباألوتاد حيفظ اهلل تعاىل اجلنوب والشمال واملشرق واملغرب، وباألبدال حيفظ اهلل األقاليم السبعة، وبالقطب حيفظ اهلل تعاىل مجيع هنؤالء‬
‫ألنه هو الذي يدور عليه أمر عامل الكون كله فمن علم هذا األمر علم كيف حيفظ اهلل الوجود على عامل الدنيا ونظريه من الطب علم تقومي الصةة (فإن قلنت)‬
                                                                                    ‫فهل للقطب تصريف يف أن يعطي القطبية ملن شاء من أصةابه وأوالده.‬

‫(فاجلواب) ليس له تصريف يف ذلك وقد بلغنا أن بعض األقطاب سأل اهلل أن تكون القطبية من بعده لولده فإذا باهلاتف يقول له: ذلك ال يكنون إال يف اإلرث‬
                                                                       ‫الظاهر وأما اإلرث الباطن فذلك إىل اهلل وحده اهلل أعلم حيث جيعل رسالته. انتهى.‬

‫فعلم أنه ما حفظ من حفظ من األولياء وتريهم من جهاته األربعة إال باألوتاد الذين كان منهم اإلمام الشافعي رضي اهلل عنه وما حفظ من حفظ يف صفاته السبع‬
                    ‫إال باألبدال السبعة فكل صفة هلا بدل حيفظها على صاحبها من حياة وعلم وقدرة وإرادة ومسع وبصر وكالم. انتهى (اليواقيت واجلواهر).‬

‫وهكذا يريد املتصوف إيهامك أن ما حفظ من مسعك وبصرك وقدرتك وعلمك، وحياتك وإرادتك إمنا مرجعه إىل بدل من األبدال السبعة الذين كنان مننهم‬
                                                                                                                   ‫الشافعي يف زمانه..‬

‫الشافعي هذا رضي اهلل عنه الذين يكذبون عليه والذي قال عن الصوفية بعد أن ارحتل عن العراق إىل مصر قال: "تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيهنا شنيئاً‬
                                                                                                                        ‫يسمونه السما " أ.هن.‬

‫وقال أيضاً رضي اهلل عنه: "ال أرى إنساناً يتصوف أول النهار إال يكون أمحق يف آخره"!!!!.. والصةيح أن احلمق يصيب األتبا والدمهاء الذين يصدقون مثنل‬
‫هذه اخلرافات ولكن الذين افتروا ذلك ودونوه ال شك أهنم دهاة عرفوا كيف يصرفون الناس عن عقيدة اإلسالم إىل عقائد الكفر والوثنية.. فهؤالء مل يتركوا ديناً‬
                                                        ‫أو فلسفة كافرة وال زندقة إال أضافوها إىل عقيدهتم وخرافاهتم وانظر إىل كيفية عمل األبدال عندهم.‬

                                                                                                                             ‫األبدال السبعة ووظائفهم:‬

                                                                                                                      ‫ً‬
                                                                                                 ‫قال الشعراين: وقال الشيخ أيضا يف الباب اخلامس عشر:‬

‫" اعلم أن لكل بدل من األبدال السبعة قدراً، ميده من روحانية األنبياء الكائنني يف السماوات فينزل مدد كل بدل من حقيقة صاحبه الذي يف السنماء. قنال:‬
                                                       ‫وكذلك أمداد األيام السبعة فتنزل من هؤالء األبدال لكل يوم مدد خيت به من ذلك البدل.‬
                                 ‫(فإن قلت) وهل يزيد األ بدال وينقصون حبسب الشئون اليت يبدهلا احلق تعاىل أو هم على عدد واحد ال يزيدون وال ينقصون؟؟‬

‫(فاجلواب) هم سبعة ال يزيدون وال ينقصون وهبم حيفظ اهلل األقاليم السبعة ومن شأهنم العلم مبا أود اهلل تعاىل يف الكواكب السيارة من األمنور واألسنرار يف‬
                                                                                                                     ‫حركاهتا ونزوله يف املنازل املقدرة.‬

                                                                          ‫(فإن قلت) فلم مسوا أبداالً؟ (فاجلواب) كما قاله الشيخ يف الباب الثالث والسبعني:‬

                                             ‫على صورته ال يشك الرائي أن ذلك البدل.‬        ‫أهنم مسوا أبداالً ألن كل واحد منهم إذا فارق مكانه خلفه فيه شخ‬

       ‫(فإن قلت) فهل ترتيب األقاليم السبعة على صورة ترتيب السماوات حبيث يكون ارتباط اإلقليم األول بالسماء السابعة والثاين بالسماء السادسة وهكذا..‬

   ‫(فاجلواب) كما قاله الشيخ يف الباب الثمن والتسعني ومائة: نعم يكون روحانية كل إقليم مرتبطة بالسماء املشاكلة له فاإلقليم األول للسماء السابعة وهكذا..‬

‫(وإيضاح ذلك) أن تعلم يا أخي أن اهلل تعاىل جعل هذه األرض اليت جتن عليها سبعة أقاليم (أي سبع قارات هي قارات العامل املعروفة)، واصطفى منن عبناده‬
‫املؤمنني سبعة مساهم األبدال وجعل لكل بدل إقليماً ميسك اهلل وجود ذلك اإلقليم به فاإلقليم األول ينزل األمر إليه من السماء األوىل اليت هي السابعة وينظر إليه‬
‫روحانية كوكبها والبدل الذي حيفظه هو على قلب اخلليل إبراهيم عليه السالم واإلقليم الثاين ينزل األمر إليه من السماء الثانية وينزل إليه الروحانينة كوكبنها‬
‫األعظم والبدل الذي حيفظه على قلب موسى عليه السالم واإلقليم الثالث ينزل إليه األمر اإلهلي من السماء الثالثة وينظر إليه روحانية كوكبها البدل الذي حيفظه‬
‫على قلب هارون وحيىي بتأييد الرابعة قلب األفالك كلها وينظر إليه روحانية كوكبها األعظم والبدل الذي حيفظه على قلب إدريس عليه السالم وهو القطنب‬
‫الذي مل ميت إىل اآلن واألقطاب فينا نوابه كما مر واإلقليم اخلامس ينزل إليه األمر من السماء اخلامسة وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل الذي حيفظ اهلل بنه‬
‫هذه األقاليم على قلب يوسف عليه السالم بتأييد حممد صلى اهلل عليه وسلم واإلقليم السادس ينزل األمر عليه من السماء السادسة وينظر إليه روحانية كوكبنها‬
‫والبدل الذي حيفظه على قلب عيسى روح اهلل وحيىي عليهما السالم واإلقليم السابع ينزل األمر إليه من السماء الدنيا وينظر إليه روحانية كوكبها والبدل النذي‬
                                                                                                                       ‫حيفظه على قلب آدم عليه السالم.‬

‫قال الشيخ: وقد اجتمعت هبؤالء األبدال السبعة مبكة خلف حطيم احلنابلة حيث وجدهتم يركعون هناك فسلمت عليهم وسلموا علي وحتدثت معهم فما رأينت‬
‫أحسن منهم مستاً وال أكثر شغالً منهم باهلل عز وجل، وما رأيت مثلهم إال سقيط الرفرف بن ساقط العرش بقونية وكان فارسياً رضي اهلل عنه وقد أطال الشنيخ‬
            ‫الكالم على أصةاب الدوائر من األولياء يف الثالث والسبعني من الفتوحات فراجعه واهلل أعلم" انتهى منه بلفظه (اليواقيت واجلواهر ج5 ص99).‬

‫وهكذا استطا املتصوفة نقل عقائد الصابئة الذي كانوا يف عهد إبراهيم عليه السالم وهم عبدة النلوم والكواكب الذين يؤمنون بأن لكنل كوكنب روحناً‬
 ‫يتصرف يف اخللق، وصوروا متاثيل لروحانية القمر والشمس واملشتري والزهرة.. اخل.. وعبدوها.. نقل الصوفية هذه العقائد الوثنية اجلاهلية إىل الفكر اإلسنالمي‬
                                                                                         ‫وجعلوها عقيدة من عقائد املتصوفة ومن أجل ذلك قال ابن عريب :‬

                                            ‫وأنا اعتقدت مجيع ما اعتقدوه‬             ‫عقد الربية يف اإلله عقائدا‬

                                                                                                      ‫وما ذلك إال ألنه يؤمن أنه ليس إال اهلل يف الكون !!!!‬

                                                                                                                               ‫مدة حكم القطب ووظيفته:‬

                                                     ‫ويستمر ابن عريب يف ختريفاته فيذكر لنا مدة حكم القطب واألعمال املنوطة به فيقول كما نقل الشعراين:‬

                                                                            ‫"(فإن قلت) فهل مدة معينة للقطبية إذا وليها صاحبها ال يعزل منها حىت تنقضي؟‬

‫(فاجلواب) ليس للقطبية مدة معينة فقد ميكث القطب يف قطبيته سنة أو أ كثر أو أقل إىل يوم إىل ساعة فإهنا مقام ثقيل لتةمل صاحبها أعباء املمالك األرضية كلها‬
‫ملوكها ورعاياها. وذكر الشيخ يف الباب الثالث والستني وأربعمائة أن كل قطب ميكث يف العامل الذي هو فيه على حسب ما قدر اهلل عز وجل، مث تنسخ دعوته‬
‫بدعوة أخرى كما تنسخ الشرائع بال شرائع وأعين بالدعوة ما لذلك القطب من احلكم والتأثري يف العامل فمن األقطاب من ميكث يف قطبيته الثالث والثالثني سننة‬
‫وأربعة أشهر ومنهم من ميكث فيها ثالث سنني ومنهم كما يؤيد ذلك مدة خالفة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فإهنم كانوا أقطاباً بال شك" انتهى (اليواقينت‬
                                                                                                                                 ‫واجلواهرج5 ص99).‬

                                                                                                                                 ‫ابن عريب القطب األعظم:‬

‫وبالطبع بعد أن يصف ابن عريب كل هذا الوصف اخلرايف لألقطاب واألبدال واألوتاد فال بد أن خي نفسه بلقب من هذه األلقاب. وتأىب كرامة ابن عريب طبعاً‬
                                                 ‫أن خيتار لقباً دوناً، أو مرتبة صغرية فيعلن عن نفسه أنه القطب األعظم الذي ال أعظم منه أبداً يقول بالن :‬
‫" ال أعرف يف عصري هذا أحداً حتقق مبقام العبودية مثلي وذلك ألنين بلغت يف مقام العبودية الغاية حبكم اإلرث لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فأنا العبد احملض‬
‫اخلال الذي ال يعرف للربوبية على أحد من العامل طمعاً، وقد منةين اهلل تعاىل هذا املقام هبة منه، ومل أنله بعمل وإمنا هو اختصاص إهلي" (اليواقيت واجلنواهر‬
                                                                                                                                         ‫ص66،26)..‬

‫فانظروا أين يضع ابن عريب نفسه، إنه يضعها يف القمة العليا اليت ال تدانيها قمة، ويدعي كذباً مع ذلك أنه نال ذلك باختصاص إهلي حىت ال يطالبه أحد مبسوتات‬
                                                                                                                              ‫هذا االختيار ومؤهالته.‬

‫وهكذا يعلن ابن عريب نفسه ملكاً متوجاً على مملكة الباطن اليت صورها اخليال الشيطاين املريض هلذه العقلية الصوفية، وجيعل من نفسه قطب األقطناب ووارث‬
         ‫الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وعلم األعالم، ويتبعه على هذا كل شيوخ التصوف الذين جاؤوا بعده فيلعلون منه الشيخ األكرب والكربيت األمحر..‬

‫وهكذا استطا هذا الزنديق دارس الفلسفة والديانات القدمية، وختريفات اجلاهلية يف كل العصور أن جيمع كل ما درسه وينسج منه عقيدة وثنية جاهلية محقناء‬
‫ويلبسها بإتقان وثعلبية نادرة اآليات واألحاديث القرآنية فتروج بذلك بني أيدي جهلة املسلمني، ويتاجر هبا جمموعة الشياطني الذين قادوا هذا الفكنر الصنويف‬
                                                                                     ‫املنةرف عرب القرون، والذين برروا له كل هذا الكفر واالحنراف.‬

‫وهكذا أخي املسلم تدرك الفارق بني الوالية اإلسالمية القرآنية، وبني والية هؤالء الشياطني فأولياء الرمحن وصفهم اهلل تعاىل يف كتابه فقال: {وعبناد النرمحن‬
‫ال ذين ميشون على األرض هوناً وإذا خاطبهم اجلاهلون قالوا سالماً* والذين يبيتون لرهبم سلداً وقياماً* والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جنهم إن عنذاهبا‬
                                                                                           ‫كان تراماً* إهنا ساءت مستقراً ومقاماً} (الفرقان:96-66).‬

‫فانظر كيف ميضون ليلهم كلهم يف الصالة ويستغفرون اهلل بعد ذلك وخيافون من عذاب النار مع ذلك، وامسع قوله تعاىل: {إن الذين هم منن خشنية رهبنم‬
‫مشفقون* والذين هم بآيات رهبم يؤمنون* والذين هم برهبم ال يشركون* والذين يؤتون ما آتوا وقلوهبم وجلة أهنم إىل رهبم راجعنون* أولئنك يسنارعون يف‬
                                                                                                 ‫اخلريات وهم هلا سابقون} (املؤمنون:92-66).‬

‫فهؤالء هم أولياء اهلل حقاً خائفون من رهبم مشفقون من عذابه، مؤمنون برهبم الواحد سبةانه وتعاىل الذي ليس له ند وال شريك وال ظهري وال معني، ومع كل‬
‫ذلك يصلون ويصومون وخيافون أن ال يتقبل اهلل أعماهلم.. أين هؤالء األولياء الصادقون من أولياء الشيطان الذين يزعمون أن اهلل ملكهم الدنيا واآلخرة، وأن اهلل‬
‫أمنهم من كل خوف، وأنه صرفهم يف العامل العلوي والسفلي وأن اهلل عقد هلم ألوية اجملد والعز وجعلهم جلساءه وخاصته، وعقد هلم الوالية يف السماء وبايعتهم‬
                                                                                                                                       ‫املالئكة هناك.. اخل.‬

‫أين الوالية اإلسالمية من والية الشياطني املتقولني على اهلل، الذين مل يتركوا صفة واحدة هلل إال نسبوها إىل أنفسهم، الذين مل جيعلوا هلل تصريفاً إال هبم، وال رمحة‬
‫إال منهم، وال إحساناً إال من عندهم، وال قدر ة إال بوساطتهم، ومهما أفاض اإلنسان يف وصف وقاحة هؤالء الشياطني فلن يبلغ عشر معشار ما يستةقون ولن‬
‫يكتب أ يضاً شيئاً قريباً مما سودته أيديهم يف االفتراء على اهلل والكذب على رسله الكرام.. هؤالء الرسل الذين قال اهلل ألشرفهم وسيدهم حممد صنلى اهلل علينه‬
‫وسلم { قل ال أملك لنفسي نفعاً وال ضراً إال ما شاء اهلل ولو كنت أعلم الغيب الستكثرت من اخلري وما مسين السوء إن أنا إال نذير وبشنري لقنوم يؤمننون}‬
                                                                                                                                           ‫(األعراف:996).‬

                                                    ‫والذي كان يقول هو صلى اهلل عليه وسلم [واهلل إين لرسول اهلل ال أدري ما يفعل يب تداً] (رواه البخاري).‬

    ‫وكان يقول أيضاً [واعلموا أنه ال يدخل أحدكم اجلنة بعمله]، قالوا وال أنت يا رسول اهلل، قال: [وال أنا إال أن يتغمدين اهلل برمحته منه وفضل] (متفق عليه).‬

‫فأين هذا مما يفترون ويقولون (لو بصقت على النار ألطفأهتا)!!! ومن يقول (أعطاين اهلل التصريف يف اخللق)!! ومن يقول (سبةاين ما أعظم شنأين)!!! ومنن‬
                                                                                                                                      ‫ومن؟..‬

                                                                                                     ‫أين أولياء الرمحن من أولياء الشيطان.. شتان.. شتان..!!!‬
                                                                    ‫الفصل الثاين عشر‬

                                                                        ‫ختم الوالية‬

‫نشأ يف الفكر الصويف منذ القرن الثالث اهللري دعوى كاذبة وهي أن األولياء خيتمون كما أن األنبياء هلم نيب خامت. وأول من أظهر هذه الفكرة ودعنا رجنل‬
‫يسمى حممد بن علي بن احلسن الترمذي -ويسمونه احلكيم- وجد يف أواخر القرن الثالث اهللري وهو جمهول سنة الوالدة والوفاة. ولقد ألف كتاباً يف هذا أمساه‬
                                                                                                          ‫(ختم األولياء) يقول يف هذا الكتاب املذكور؛‬

                                                                                         ‫"وما صفة ذلك الويل، الذي له إمامة الوالية ورياستها وختم الوالية؟‬

                                                                                                                ‫قال: ذلك من األنبياء قريب، يكاد يلةقهم.‬

                                                                                                                                          ‫قال: فأين مقامه؟‬

                          ‫قال: يف أعلى منازل األولياء، يف ملك الفردانية، وقد انفرد يف وحدانيته، ومناجاته كفاحاً يف جمالس امللك، وهداياه من خزائن السعي.‬

                                                                                                                                    ‫قال:وما خزائن السعي؟‬

‫قال: إمنا هي خزائن ثالث: خزائن املنن لألولياء، وخزائن السعي هلذا اإلمام القائد، وخزائن القرب لألنبياء عليهم السالم، فهذا خامت األولياء مقامه من خنزائن‬
‫املنن، ومتناوله من خزائن القرب: فهو يف السعي أبداً فمرتبته ههنا، ومتناوله من خزائن األنبياء عليهم السالم، قد انكشف له الغطاء عن مقام األولياء ومراتبنهم‬
                                                                                                                        ‫وعطاياهم وحتفهم" (ختم الوالية).‬

‫وقد تدرج الترمذي هذا يف دعواه تلك تدرجاً إبليسياً خبيثاً حيث هو جيابه العامل اإلسال مي مبثل هذه العقيدة الفاسدة، فيتذر لنشر عقيدته الباطلنة بتةرينف‬
‫النصوص القرآنية واحلديثية فيزعم أن لألولياء البشرى يف احلياة الدنيا مستدالً بقوله تعاىل: {أال إن أولياء اهلل ال خوف عليهم وال هم حيزنون* الذين آمنوا وكانوا‬
‫يتقون* هلم البشرى يف احلياة الدنيا ويف اآلخرة ال تبديل لكلمات اهلل ذلك هو الفوز العظيم} (يونس:56-06). وأن الرسول بشر بعض أصةابه باجلنة، وأننه‬
‫صلى اهلل عليه وسلم قد أخرب البشرى باقية يف الرؤيا، أقول.. يتذر الترمذي هبذه النصوص من القرآن والسنة الصةيةة ليبث يف عقائد املسلمني أن الوالينة ال‬
‫تنقطع وأن فضل اهلل على هذه األمة ال يتوقف، وأن البشرى باقية بعد الرسالة، وأن األولياء يصلون إىل معرفة احلق ألن اهلل يف زعمه كشف عنهم احللاب كلها‬
                                                                                                                                ‫ويقول يف هذا الشأن بالن :‬

‫"فهذه الطبقة اليت يكرب يف صدورهم (يعين علماء السنة الذين ينكرون هذه الترهات واألكاذيب) بلوغ األولياء هذا احملل من رهبم فيدفعون هنذا جلهلنهم، ال‬
‫يعلمون أن هلل عباداً أترقوا يف حبر جوده، فلاد عليهم، بكشف الغطاء عن قلوهبم، عن علائب، وأطلعهم من ملكه ما نسوا يف جنبه كل مذكور، حىت تنعموا به‬
                                                                                                        ‫يف حلبه الربانية" (ختم األولياء ص699).‬

‫مث يستطرد الترمذي أيضاً عائباً على من يعيب على املتصوفة هذه الدعاوي الباطلة فيسميهم علماء حطامني أي أهل دنيا، وتارة بلعامني -نسبة إىل بلعنام بنن‬
‫باعوراء- اليهودي الذي يذكر املفسرون أن اهلل أنزل يف شأنه { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ مننها فأتبعنه الشنيطان فكنان منن الغناوين}‬
                                                                                                                               ‫(األعراف:296).‬

‫مث يدعي الترمذي بعد ذلك لألولياء أهنم خيربون ويغترفون مما يغترف منه األنبياء. وأن األولياء يبشرون (بالبناء للملهول) كما يبشر األنبياء ويرد على من حيتج‬
                                                                          ‫عليهم أيضاً بقوله تعاىل {فال يأمن مكر اهلل إال القوم اخلاسرون} انظر إليه يقول:‬

    ‫"فإذا ذكر شأن األولياء قدروا أحواهلم على ما يرون من أمور نفوسهم فكذبوا نعم اهلل تعاىل، ودفعوا منه وجهلوا أمره. فهذا من أعظم الفرية على اهلل تعاىل..‬

‫قال له قائل: فإن بعضهم احتج بقوله (تعاىل): {فال يأمن مكر اهلل إال القوم اخلاسرون} (.. وقال: إن األمن من مكر اهلل أو ضالل هذه الطبقة، وهذا يؤدي إىل‬
                                                           ‫الزندقة). - وقال تعاىل {قل ال يعلم من يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل وما يشعرون}..‬

‫واحملبة والسعادة والشقاوة تيب عند اهلل تعاىل، ال يعلم إال هو، .. وزعم أنك ناظرت حيىي بن معاذ يف ذلك حىت بقي متةرياً.. وأن هذه الطبقة تقدم نفسها على‬
                                                                                                                                         ‫األنبياء..‬

‫قال له: أما قوله تعاىل: {فال يأمن مكر اهلل إال القوم اخلاسرون} فهذا قوله تعاىل، ال ريب فيه وال يف قبوله. وهو أنه ال يعلم ما حاله عند اهلل تعاىل فإن أمن فهو‬
‫خاسر جاهل. كأنه حكم على اهلل من تري أن حيكمه. فأما من بشره اهلل فرد بشراه فقد اجترم، كما اجترم ذلك اآلخر، فهذا من ذلك الوجه، فةق على منن ال‬
                                          ‫ُم ن‬
‫يعلم، أن ال يأمن، وحق على من أمن أن يأمن، فليس األنبياء عليهم السالم كانوا يؤمنون (من أنفسهم) ولكن ملا أ ِّنوا أَمُِوا واألنبياء هلم عقدة النبوة واألولياء هلم‬
                                                                                                            ‫عقدة الوالية.." أ.هن (ختم األولياء ص999-999).‬

‫ويستطرد الترمذي جميباً يف زعمه على من يقول للمتصوفة يف دعاواهم هذه أن هذا ادعاء لعلم الغيب وال يعلم الغيب إال اهلل، فيليب الترمذي على ذلك جبواب‬
                                                                                                                              ‫عليب حيث يقول:‬

‫"وأما قوله {ال يعلم من يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل} فعلم الغيب عند اهلل، وكم من ت يب أطلع اهلل عليه رسوله فأية حلة يف هذا؟ وإمنا يريد أن يروج‬
                                                                ‫مبثل هذا األتبياء. وكم من تيب أطلع اهلل عليه أهل اإلهلام حىت نطقوا به وأهل الفراسة..".‬

‫وبالطبع ميهد الترمذي هلذا كله الذي يهدم به الدين من أساسه بأن اهلل يف زعمه قد أعطاه الدليل على أن هذا الوحي املزعوم صدق، فيقول رداً على من ينكنر‬
                                                                                                                                    ‫ذلك عليهم:‬

                                                                                                                  ‫حمد‬
‫"ويقال (له أيضاً): ما قولك يف ِّث، بشر بالفوز والنلاة فقال: رب اجعل يل آية حتقق يل ذلك اخلرب الذي جاءين، لينقطع (الشك واالعتراض) فقال: آتيك أن‬
‫أطوي لك األرض حىت تبلغ بييت احلرام يف ثالث خطوات، وأجعل لك البةر كاألرض متشي عليه كيف شئت، وأجعل لك التراب واجلو يف يديك ذهباً.. ففعل‬
‫هذا فهل ينبغي له أن يطمئن إىل هذه البشرى، بعد ظهور هذه اآلية أم ال؟ فإن قال: ال، فقد عاند واجترأ على اهلل وحلت به دائرة السوء. وإن قال: نعم. فقند‬
                                                                                              ‫ذهب قوله واحتلاجه الظلماين" (ختم األولياء ص640).‬

‫مث يبالغ الترمذي بعد ذلك يف وصف هذا الويل املزعوم الذي يدعي أنه خامت األولياء فيقول يف ص640 من املصدر املذكور (ختم األولياء): "فهذا سيد األولياء‬
                                                              ‫وأمان أهل األرض ومنظر أهل السماء، وخالصة اهلل وموضع نظره وسوطه يف خلقه" أ.هن‬

                      ‫ً‬
‫وأن هذا الذي حصل عليه ذلك الويل إمنا كان باجتباء من اهلل ومنة منه فهو الذي جذبه إليه، وأراد به ذلك.. مث يسأل الترمذي سؤاال جييب عنه وهو كيف تقدم‬
                                                                                                    ‫اخلتم هذا األولياء فيقول (ختم األولياء ص650):‬

                                                                                                                        ‫"قال: فيم تقدم األولياء واحتاجوا إليه؟‬

‫قال: بأن أعطي ختم األولياء. فباخلتم تقدمهم، فصار ح لة اهلل على أوليائه، وقد ذكرت يف أول الكتاب سبب اخلتم.. (وهو) أن النبوة أعطيت األنبياء علنيهم‬
‫السالم، ومل يعطوا اخلتم فلم ختل تلك احلظوظ من هنات النفس ومشاركتها، وأعطي نبينا وختمت له نبوته. كالعهد الذي يكتب مث خيتم، فال يصل أحد إىل أن‬
                                                                                             ‫يزيد فيه وال أن ينق منه، وقد وصفت شأنه فيما تقدم.‬

‫وكذلك هذا الويل سري به (اهلل تعاىل) على طريق حممد صلى اهلل عليه وسلم، بنبوته، خمتوماً خبتم اهلل، فكما كان حممد صلى اهلل عليه وسلم حلة على األنبيناء‬
‫فكذلك يصري هذا الويل حلة على األولياء، أعطيتكم والييت فلم تصونوها من مشاركة النفس. وهذا أضعفكم وأقلكم عمراً قد أتى جبميع الوالية صدقاً، فلنم‬
                                                                                                                   ‫جيعل للنفس فيها نصيباً وال تلبيساً.‬

‫وكان لك في الغيب من منة اهلل تعالى على ه ا العبد، حيث أعطاه الختم لتقر به عين محمد صلى اهلل عليه وسلم، في الموقف حتى‬
‫قعد الشيطان في معزل، وليست النفس فبقيت محجوبة، فيقر له األولياء يومئ بالفضل عليهم. فإ ا جاءت تلك األهاوال لام ياك‬
           ‫ا‬                                                 ‫ا‬                                                ‫ا‬
‫مقصرً. وجاء محمد صلى اهلل عليه وسلم بالختم فيكون أمانً لهم من لك الهول. وجاء ه ا الولي بختمه فيكون أمانً لهام بصادق‬
                                                                                                                  ‫الوالية، فاحتاج إليه األولياء.." أ.ها‬

‫وهكذا جيعل الترمذي هلذا الويل املزعوم ما جعله اهلل لنبينا حممد صلى اهلل عليه وسلم.. وصدق اهلل سبةانه وتعاىل يف شأن املشركني {بل يريد كل امرئ منهم أن‬
                                                                                                                  ‫يؤتى صةفاً منشرة} (املدثر:52).‬

‫وهؤالء الزنادقة يريد كل منهم أن يوحى إليه كما يوحى إىل الرسول، بل مل يتركوا فضالً مما فضل اهلل به عبده ورسوله حممد صلى اهلل عليه وسلم إال انتةلنوه‬
                                        ‫ألنفسهم بل زادوا عليه، واحتقروا منزلة الرسول صلى اهلل عليه وسلم إىل املنازل اليت يزعمون أن اهلل قد بلغهم إياها.‬

‫لقد وضع الترمذي املسمى باحلكيم يف الكتاب (ختم الوالية) بذور الشر الكربى يف الفكر الصويف، وكل الذين جاؤوا بعده إمنا هم عيال عليه وتبع له يف كل هذا‬
‫الباطل الذي بثه يف كتابه، وخاصة يف مسألة اخلتم الوالية فلم يأت متصوف بعد الترمذي هذا من مشهوري املتصوفة إال وادعى ختم الوالية لنفسه. وها أننذا‬
                                                                                                                                       ‫ً‬
                                                                                                                             ‫أسوق بعضا من ذلك.‬

                                                                                                                                      ‫ابن عريب وختم الوالية:‬
                                                                                               ‫يقول ابن عريب املتويف سنة 996هن مدعياً لنفسه ختم الوالية:‬

‫"وأما ختم الوالية احملمدية فهي لرجل من العرب. من أكرمها أصالً ويداً. وهو يف زماننا اليوم موجود. عرفت به سنة مخس وتسعني ومخسمائة ورأيت العالمنة‬
‫اليت له قد أخفاها احلق فيه من عباده، وكشفها يل مبدينة فاس، حىت رأيت خامت الوالية منه –وهو خامت النبوة املطلقة- ال يعلمها كثري من الناس وقد ابنتاله اهلل‬
‫بأهل اإلنكار عليه فيما يتةقق به من احلق يف سره من العلم به. وكما أن اهلل ختم مبةمد صلى اهلل عليه وسلم نبوة الشرائع كذلك ختم اهلل بناخلتم احملمندي‬
‫الوالية اليت حتصل من الورث احملمدي ال اليت حتص ل من سائر األنبياء فإن من األولياء من إبراهيم وموسى وعيسى، فهؤالء يوحدون بعد اخلتم احملمدي، وبعده فال‬
                                                    ‫يوجد ويل على قلب حممد صلى اهلل عليه وسلم، هذا معىن خامت الوالية احملمدية" (الفتوحات ج5 ص90).‬

‫ويقول يف موضع آخر من فتوحاته الضالة: "ومنهم (يعين األولياء) ا خلتم، وهو واحد ال يف كل زمان، بل واحد يف العامل خيتم اهلل به الوالية احملمدية فال يكون يف‬
                                                                                                            ‫األولياء احملمدية أكرب منه" (الفتوحات ج5 ص9).‬

‫وهذه العقيدة املفتراة اليت مل يأت هبا كتاب وال سنة، وإمنا افتراها الترمذي وجاء هؤالء املالحدة لينسلوا على منواله، وكل منهم يريد فيها شيئاً، فبالرتم من أن‬
‫الترمذي مل يفضل خامت األولياء املزعوم هذا على خامت األنبياء صلى اهلل عليه وسلم فإن ابن عريب جاء من بعده ليزعم أن خامت األولياء -يعين نفسه- أفضل منن‬
                                                          ‫خامت األنبياء حممد صلى اهلل عليه وسلم وذلك بناء على تفضيله الويل على النيب كما قال يف شعره:‬

                                                ‫فويق الرسول ودون الويل‬                   ‫مقام النبوة يف برزخ‬

‫ويأيت إىل حديث النيب صلى اهلل عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم من رواية أيب هريرة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال: [مثلي ومثنل‬
                     ‫األنبياء من قبلي كمثل رجل بىن بيتاً فأحسنه وأمجله، ويعلبون له ويقولون: هال وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خامت النبيني].‬

‫فيزعم أن اللبنة اليت رآها الرسول هي لبنة فضة، وأما خامت األولياء فإنه يرى أن اجلدار قد نق لبنتني لبنة فضة ولبنة ذهب،وأنه يرى نفسه قد انطبع موضع هاتني‬
‫اللبنتني. يقول ابن عريب: " وملا مثل النيب صلى اهلل عليه وسلم النبوة باحلائط من اللنب، وقد كمل سوى موضع لبنة، فمكان الرسول صلى اهلل عليه وسلم تلنك‬
‫اللبنة، تري أنه صلى اهلل عليه وسلم ال يراها إال كما قال: لبنة واحدة. وأما خامت األولياء فال بد له من هذه الرؤيا، فريى ما مثله به رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
‫ويرى يف احلائط موضع اللبنتني واللنب، من ذهب وفضة. فال بد أن يرى نفسه تنطبع يف موضع تينك اللبنتني، فيكون خامت األولياء تينك اللبنتني، فيكمل احلائط".‬

‫والسبب املوجب لكونه رآها لبنتني، أنه تابع لشر خامت الرسل يف الظاهر، وهو موضع اللبنة الفضية، وهو ظاهره وما يتبعه فيه من األحكام. كما هو آخذ عن‬
‫اهلل، يف السر ما هو بالصورة الظاهرة متبع فيه من األحكام، كما هو آخذ عن اهلل، ألنه يرى األمر على ما هو عليه - فال بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبننة‬
          ‫الذهبية يف الباطن، فإنه آخذ من املعدن الذي يأخذ منه امللك، الذي يوحى به إىل الرسول صلى اهلل عليه وسلم. فصوص احلكم أ.هن الف الشيسي.‬

‫وال ين جاؤوا بعد ابن عربي من المتصوفة السائرين في ه ا الدرب المظلم رددوا ه ه العقيدة في كتبهم وزاد كثير مان مشاايخهم‬
‫فزعم لنفسه ه ه الوالية الكبرى التي يتم بها -في زعمهم- الوالية، وقد تصدى اإلمام ابن تيمية رحمه اهلل تعالى ورضي اهلل عناه‬
                                                                                            ‫له ه المزاعم في أماكن كثيرة من كتبه ومن لك قوله:‬

‫"وكذا خامت األولياء لفظ باطل ال أصل له. وأول من ذكره حممد بن علي احلكيم الترمذي. وقد انتةله طائفة كل منهم يدعي أنه خامت األولياء: كابن محنوي،‬
‫وابن عريب، وبعض الشيوخ الضالني بدمشق وتريها، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النيب صلى اهلل عليه وسلم من بعض الوجوه، إىل تري ذلنك منن الكفنر‬
‫والبهتان، وكل ذلك طمعاً يف رياسة خامت األولياء ملا فاتتهم رياسة خامت األنبياء، وقد تلطوا، فإن خامت األنبياء إمنا كان أفضلهم لألدلة الدالة على ذلك، ولنيس‬
‫كذلك خامت األولياء، فإن أفضل أولياء هذه األمة السابقون األولون من املهاجرين واألنصار، وخري هذه األمة بعد نبيها أبو بكر رضي اهلل عنه، مث عمر رضي اهلل‬
‫عنه، مث عثمان رضي اهلل عنه، مث علي رضي اهلل عنه، وخري قروهنا القرن الذي بعث فيه النيب صلى اهلل عليه وسلم، مث الذين يلوهنم، مث الذين يلوهنم، وخامت األولياء‬
‫يف احلقيقة آخر مؤمن نقي يكون يف الناس، وليس ذلك خبري األولياء، وال أفضلهم، بل خريهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه، مث عمر اللذان ما طلعت‬
                                                                    ‫مشس وال تربت على أحد بعد النبيني واملرسلني أفضل منهما" (الفتاوي: ج66 ص000).‬

                                                                                                                                        ‫وقال رمحه اهلل أيضاً:‬

‫".. إن دعوى املدعي وجود خامت األولياء، على ما ادعوه، باطل ال أصل له، ومل يذكر هذا أحد من املعروفني قبل هؤالء إال أبو عبداهلل حممد بن علي الترمنذي‬
‫احلكيم يف كتاب (ختم الوالية) وقد ذكر يف هذا الكتاب وهو خطأ وتلط خمالف للكتاب والسنة واإلمجا . وهو رمحه اهلل تعاىل وإن كان فيه فضل ومعرفنة،‬
‫ومن الكالم احلسن املقبول واحلقائق النافعة أشياء حممودة (قلت: رحم اهلل ابن تيمية: أي شيء حممود يف كتابه وقد بناه من أولنه آلخنره علنى أن األوليناء‬
‫معصومون، وأن اهلل هو خيتصهم وخيتارهم، وأن التكليف ليس شرطاً يف واليتهم، وأهنم يعلمون الغيب كله.. بل أسس يف كتابه ختم الوالية كل أصول الشر ملن‬
                                                                                                       ‫جاء بعده)، ففي كالمه من اخلطأ ما جيب رده.‬
‫ومن أشنعها ما ذكره يف ختم الوالية: مثل دعواه فيه أنه يكون يف املتأخرين من درجته عند اهلل أعظم من درجة أبو بكر وعمر وتريمها: مث إنه تناقض يف موضع‬
‫آخر، ملا حكى عن بعض الناس، أن الويل يكون منفرداً عن الناس، فأبطل ذلك واحتج بأيب بكر وعمر وقال: يلزم هذا أن يكون أفضل من أيب بكنر وعمنر"‬
                                                                                                                                   ‫(وأبطل ذلك).‬

‫ومنها أنه ذكر يف كتابه ما يشعر أن ترك األعمال الظاهرة، و لو أهنا التطوعات املشروعة، أفضل يف حق الكامل ذي األعمال القلبية، وهذا أيضاً خطأ عند أئمنة‬
‫الطريق. فإن أكمل اخللق رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وخري اهلدي هدي حممد صلى اهلل عليه وسلم وما زال حمافظاً على ما ميكنه منن األوراد والتطوعنات‬
                                                                                                                                  ‫البدنية إىل مماته..‬

                                                                                                                                                ‫وقال أيضاً:‬

‫" ومنها ما ادعاه من خامت األولياء، الذي يكون يف آخر الزمان وتفضيله وتقدميه على من تقدم من األولياء، الذي يكون يف آخر الزمان وتفضيله وتقدميه على من‬
‫تقدم من األولياء، وأنه يكون معهم خامت األنبياء مع األنبياء، وهذا ضالل واضح، فإن أفضل أولياء اهلل من هذه األمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثاهلم، من‬
‫السابقني األولني من املهاجرين واألنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص املشهورة، وخري القرون قرن صلى اهلل عليه وسلم، كما يف احلديث الصةيح: [خري القرون‬
                                                                                            ‫القرن الذي بعثت فيهم مث الذين يلوهنم مث الذين يلوهنم]..‬

‫ولفظ خامت األولي اء ال يوجد يف كالم أحد من سلف األمة وال أئمتها، وال له ذكر يف كتاب اهلل وال سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخنر منؤمن تقني،‬
‫(ومهما يكن األمر) فإن اهلل يقول: {أال إن أولياء اهلل ال خوف عليهم وال هم حيزنون} اآلية.، فكل من كان مؤمناً تقياً كان هلل ولياً. وهنم علنى درجنتني:‬
                                ‫السابقون املقربون وأصةاب اليمني املقتصدون، كما قسمهم اهلل تعاىل يف سورة فاطر وسورة الواقعة واإلنسان واملطففني..‬

‫بأفضل الرسل‬      ‫وإذا كان خامت األولياء آخر مؤمن تقي يف الدنيا، فليس ذلك الرجل أفضل األولياء وال أكملهم، بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم، الذين هم أخ‬
                                                                                                                                  ‫من تريهم..".‬

                                                      ‫وقد رد اإلمام ابن تيمية رمحه اهلل أيضاً على ما ادعاه الترمذي (احلكيم) يف ثبوت العصمة لألولياء بقوله:‬

‫".. وإن طائفة تدعي على أن الويل حمفوظ وهو نظري ما يثبت لألنبياء من العصمة -واحلكيم الترمذي قد أشار إىل هذا- فهذا باطل خمالف للسنة واإلمجا ، وهلذا‬
‫اتفق املسلمون على أن من الناس من يؤخذ من قوله ويترك إال الرسول صلى اهلل عليه وسلم.. وهبذا صار مجيع األولياء مفتقرين إىل الكتاب والسنة، ال بد هلم أن‬
                                                             ‫يزنوا مجيع أمورهم بآثار الرسول فما وافق آثار الرسول فهو احلق وما خالف ذلك فهو باطل..".‬

‫وقال أيضاً: "مث إن صاحب الفصوص (يعين ابن عريب) وأمثاله بنوا األمر على أن الويل يأخذ عن اهلل بال وساطة والنيب يأخذ بوساطة امللك. وهلذا صنار خنامت‬
‫األولياء أفضل عندهم من هذه اجلهة، وهذا باطل وكذب فإن الويل ال يأخذ عن اهلل إال بوساطة الرسول وإن كان حمدثاً (يشري اإلمام ابن تيمية بقوله (حمدثاً) إىل‬
‫حديث الرسول صلى اهلل عليه وسلم عن عائشة رضي اهلل عنها عن النيب صلى اهلل عليه وسلم: أنه كان يقول [قد كان يكون يف األمم قبلكم حمدثون فإن يكن يف‬
‫أميت منم واحد، فإن عمر بن اخلطاب منهم] قال ابن وهب: تفسري حمدثون أي ملهمون (متفق عليه))، فقد ألقي إليه بشيء وجب عليه أن يزنه مبا جاء الرسول‬
                                                                                                                              ‫من الكتاب والسنة" أ.هن‬

‫وال يظنن ظان أن قول اإلمام ابن تيمية أن الويل يكون (حمدثاً) أن اهلل يكلمه، وإمنا ذلك جمرد اإلهلام الذي ال يستطيع الويل بأن جيزم بأنه من اهلل أو من الشنيطان‬
‫إال بعرضه على ميزان الكتاب والسنة. وباطمئنان قلب املؤمن املتبع لشر اهلل إىل مثل هذا اإلهلام، وأما هذه املخاريق واخلزعبالت والكفر والزندقة اليت جاء هبنا‬
‫املتصوفة فليست إال وساوس شياطني إذ كيف يكون إهلاماً من اهلل وهو يدعي أنه خامت األولياء وأنه أفضل من حممد صلى اهلل عليه وسلم وأنه يعلم الغيب كلنه‬
                                                                   ‫وأنه يتصرف يف األكوان.. اخل هذه الكفريات. ولذلك قال اإلمام ابن تيمية يف هذا الصدد:‬

‫" واألولياء وإن كان فيهم حمدث، كما ثبت يف الصةيةني عن النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال [ إنه كان يف األمم قبلكم حمدثون فإن يكن يف أميت منهم فعمر]‬
‫فهذا احلديث يدل على أن أول احملدثني من هذه األمة عمر، وأبو بكر أفضل منه إذ هو صديق، واحملدث وإن كان يلهم وحيدث من جهة اهلل تعناىل فعلينه أن‬
                                                                                              ‫يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس مبعصوم.." أ.هن‬

‫وال شك بعد هذا أن دعوى ختم الوالية هي من الكفر الصريح الذي ال جيوز أن مياري فيها مؤمن يعي عن اهلل وعن الرسول صلى اهلل عليه وسلم ال سنيما إذا‬
‫انضاف إىل ذلك الزعم بتفضيل خامت األولياء هذا على خامت األنبياء صلى اهلل عليه وسلم. وقد ن ابن تيمية رمحه اهلل يف مواطن كثرية على كفر من زعم ذلك‬
                                                                                                                                         ‫كقوله:‬
‫"ومن األنوا اليت يف دعواهم، أن خامت األولياء أف ضل من خامت األنبياء من بعض الوجوه، فإن هذا مل يقله أبو عبداهلل احلكيم الترمذي (قلت: حقاً مل يقل هنذا‬
‫نصاً ولكن ما وصف به خامت األولياء املزعوم جيعله يف منزلة فوق النيب نفسه) وال تريه من املشايخ املعروفني. بل الرجل أجل قدراً وأعظم إمياناً من أن يفتري هذا‬
                                                                                           ‫الكفر الصريح ولكن أخطأ شرباً ففرعوا على خطئه ما صار كفراً.‬

‫وأعظم من ذلك زعم (ابن عريب) أن األولياء والرسل، من حيث واليتهم، تابعون خلامت األولياء وأخذوا من مشكاته. فهذا باطل بالعقل والدين فنإن املتقندم ال‬
‫يؤخذ من املتأخر، والرسل ال يأخذون من تريهم، وأعظم من ذلك أنه جعلهم تابعني له يف العلم باهلل، الذي هو أشرف علومهم، وأظهر من ذلك أنه جعل العلم‬
                                                                   ‫باهلل هو مذهب أهل وحدة الوجود، القائلني بأن وجود املخلوق هو عني وجود اخلالق!‬

                                                                                                      ‫فليتدبر املؤمن هذا الكفر القبيح درجة بعد درجة (!!..).‬

‫فقد زعم أنه أعلم باهلل من خامت األنبياء، وأن تقدمه عليه بالعلم باهلل، وتقدم خامت األنبياء بالتشريع فقط. وهذا من أعظم الكفر الذي يقع فيه تالية املتفلسنفة،‬
‫وتالية املتصوفة، وتالية املتكلمة، الذين يزعمون أهنم يف األمور العلمية أكمل من الرسل.. وأن الرسل إمنا تقدموا عليهم بالتشريع العام الذي جعل لصالح الناس‬
‫يف دنياهم. وقد يقولون إن الشرائع قوانني عدلية، وضعت ملصلةة الدنيا، فأما املعارف واحلقائق والدرجات العليا يف الدنيا واآلخرة فيفضلون فيهنا أنفسنهم‬
                                                               ‫وطرقهم على األنبياء وطرق األنبياء" (حيق مذهب االحتاديني البن تيمية ص266-956).‬

‫وأظن بعد هذا الكالم الصريح ال واضح والدليل الناصع ال يرتاب مسلم مؤمن باهلل يف كفر هذه الطائفة املارقة اليت فتةت الباب لكل زندقة وكفر ليدخل دينن‬
‫اإلسالم، ولألسف إن ذلك كل حيدث باسم التقوى والصالح والزهد والتصوف والتعبد وإصالح القلوب، والوصول إىل تاية الدين. وهؤالء املتصوفة يف حقيقة‬
                                                        ‫أمرهم متبعون يف دينهم للمالحدة الذين أرادوا هدم الدين.. واقرأ ما يقوله ابن تيمية أيضاً يف ذلك:‬

‫" وهلذا كان املالحدة من املتصوفة على طريقهم، كابن عريب وابن سبعني وتريمها، قد سلكوا مسلك مالحدة الشيعة، كأصةاب رسائل إخوان الصفا واتبعوا ما‬
‫وجدوه من كالم صاحب الكتب امل ضنون هبا على تري أهلها وتري ذلك مما يناسب ذلك، فصار بعضهم يرى أن باب النبوة مفتوح ال ميكن إتالقه. فيقول كمنا‬
                                                                                                                                 ‫َر‬
‫كان ابن سبعني يقول: "لقد ز َّبَ ابن آمنة ( ضيق على الناس ويعين بابن آمنة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم) ، حيث قال [ال نبوة بعدي]"! أو يرى، لكوننه‬
‫أشد تعظيماً للشريعة، أن باب النبوة قد أتلق؛ فيدعي أن الوالية أعظم من النبوة وأن خامت األولياء أعلم باهلل من خامت األنبياء، وأن خامت األنبياء بل ومجيع األنبياء‬
‫إمنا يستفيدون معرفة اهلل من مشكاة خامت األولياء. ويقول إنه يوافق النيب يف معرفة الشريعة العملية ألنه يرى األمر على ما هو عليه، فال بد أن يراه هكذا، وأننه‬
                                                            ‫أعلم من النيب باحلقائق العلمية ألنه يأخذ من املعدن الذي يأخذ منه امللك، الذي يوحى به إىل الرسول..‬

‫فمةمد عندهم يأخذ من امللك الذي هو عندهم خيال يف نفسه، وذلك اخليال يؤخذ عن العقل. فمةمد عندهم يأخذ عن جربيل وجربيل يأخذ عن ما علمه من‬
‫النفس الفلكية، فزعم ابن عريب أنه يأخذ من العقل، وهو املعدن الذي يأخذ منه جربيل فإن ابن عريب وهؤالء يعظمون طريق الكشنف واملشناهدة والرياضنة‬
‫والعبادة، ويذمون طرق النظر والقياس وما يدعونه من الكشف واملشاهدة، عامته خياالت أنفسهم، ويسمونه حقيقة.." (الرد علنى املنطقنيني، البنن تيمينة‬
                                                                                                                          ‫ص690-990).‬

                                                                                                                            ‫حممد عثمان املريتين وختم الوالية:‬

                                                                          ‫وممن ادعى ختم الوالية لنفسه حممد عثمان املريتين السوداين املتويف سنة 9656هن.‬

‫برمحته من يشاء" (انظر تاج التفاسري حملمد‬     ‫والذي كان يقول عن نفسه "من رآين ومن رأى من رآين إىل مخسة مل متسه النار! وال حرج على ذلك فإن اهلل خيت‬
                                                                                                                                ‫عثمان املريتين ص0).‬

                                                                                               ‫ً‬
‫ومسى نفسه اخلتم، أو خامت األولياء، وجعل هذا االسم أيضا علماً على طريقته الصوفية حيث مساها (اخلتمية) أي خامتة الطرق مجيعاً!! ومما يدعيه يف تفضيل نفسه‬
‫على سائر األمة مجيعاً مبن فيهم أبو بكر عمر ما يقوله يف كتابه الذي مساه تاج التفاسري ص996 عند قوله تعاىل: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً ميشي‬
                                                                                                                                     ‫به يف الناس} يقول:‬

‫" وملا وصلت يف التفسري إىل هذا املوضع رأيت يف تلك الليلة املصطفى صلى اهلل عليه وسلم يف حمفل من الرسل الكرام ويقول يل األنبياء من نوري، وطارت نقطة‬
‫نور منه فتخلق منها صورة سيدنا إمساعيل الذبيح فقال يل هكذا خلقوا من نوري واألولياء من نور اخلتم مث رأيته تلك الليلة عن ميينه جربيل وعن يده اليسنرى‬
‫ميكائيل وأمامه الصديق وخلفه اإلمام علي، فقال يل صلى اهلل عليه وسلم بعد أن دنوت منه وقبلت جبهته الكرمية: ما قام بأمر اهلل واملؤمنني أحد بعدي مثلنك‬
‫شكر اهلل سعيك فقلت له يا رسول اهلل، فقال تعبت يف املؤمنني ونصةتهم ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك فقلت له أأرضاك ذلك؟ قال أرضاين وأرضى اهلل منن‬
‫فوق سبع مساواته وعرشه وحلبه. مث نادى رضوان فقال يا رضوان: عمر جناناً ومساكن البين حممد عثمان وأبنائه وصةبه وأتباعه، وأتبا أتباعه إىل يوم القيامة:‬
‫مث قال يا مالك فةضر فقال عمر: يف النار مواضع ألعداء حممد عثمان إىل يوم القيامة. وأطال الكالم يف الواقعة ونسأل اهلل التوفيق لشكر النعم حبنق املصنطفى‬
                                                                                                           ‫صاحب األسرار اجلامعة" أ.هن منه بلفظه..‬

‫ويف هذه الرؤيا املزعومة كل الكفر والشرك. فاألنبياء مل خيلقوا من نور الرسول كما زعم يف رؤياه بل النيب صلى اهلل عليه وسلم بشر كسائر الناس يف البشنرية‬
                                                  ‫ً‬
  ‫لقوله تعاىل: {قل إمنا أنا بشر مثلكم يوحى إيل أمنا إهلكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمال صاحلاً وال يشرك بعبادة ربه أحداً} (الكهف:466).‬

‫فليس خملوقاً من نور كما زعموا بل من يقول هذا جيعل الرسول جزءاً من اهلل وهذا كفر كما قال اهلل للمشركني: {وجعلوا له من عباده جزءًا إن اإلنسان لكفور‬
                                                                                                                                           ‫مبني}.‬

 ‫فمن قال إن الرسول خلق من نور اهلل فهو كافر، ومن قال أيضاً خلق من نور عرش اهلل فهو كافر متقول على اهلل ما مل يقل، متقول على رسول اهلل ما مل يقلنه.‬
‫وأما احلديث املوضو املكذوب على رسول اهلل والذي فيه أن جابراً سأل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ما أول خلق اهلل؟ فقال: نور نبيك ينا جنابر، فهنو‬
                                                                                                                 ‫ً‬
‫حديث موضو باتفاق أئمة احلديث مجيعا على وضعه وأنه كذب حمض خمالف ملا صح عن الرسول صلى اهلل عليه وسلم من حديث ابن عمر أن أول شيء خلقه‬
‫اهلل سبةانه وتعاىل هو القلم فقال له اكتب. قال وما أكتب؟ قال اكتب ما كان وما يكون إىل يوم القيامة. (متفق عليه)، وأما قوله األولياء قد خلقوا من ننور‬
‫اخلتم!! يعين حممد عثمان املريتين فهذا ليس كذباً فقط ولكنه كذب وصفاقة وسخافة تضةك العقالء، فما النور الذي كان مع حممد عثمان حىت خيلق اهلل مننه‬
‫مجيع األولياء!! ومىت كان األولياء قد خلقوا من نور، واملالئكة هم الذين خلقهم اهلل من النور!! وأما األولياء واألنبياء فبشر كالبشر فضلهم اهلل بعبادته وطاعتنه‬
‫واإلميان به. وأما اإلدعاء بأن الرسول قد أمر رضوان أن يبين حملمد عثمان وأتباعه وذريته وأهل بيته.. اخل، هذه السخافات فشيء مل يدعيه الرسول لنفسه فضنالً‬
 ‫عن أن جيعلها لرجل كان أهم ما امتاز به هو أن مهد الطريق لالستعمار اإلجنليزي يف السودان، واستطا أن يأكل أموال الناس بالباطل مبا ال مثينل لنه فقند‬
          ‫ً‬
 ‫استةوذ على أموال البسطاء واملساكني والفقراء.. وأن يتزوج مئات النساء وينلب عشرات األطفال!! وأما أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم يأمر مالكا خنازن‬
 ‫النار أن يعمر مساكن ألعداء حممد عثمان إىل يوم القيامة.. هكذا.. فالنيب ال يأمر مالئكة اهلل من عند نفسه بل قال له سبةانه: {ليس لك من األمر شيء}!! فال‬
 ‫يتصرف يف الكون كما يزعمون، بل الرسول عبد كامل العبودية لربه سبةانه وتعاىل يتصرف بأمر مواله وهو أجل وأعظم صلى اهلل عليه وسلم أن يأيت لرجل يف‬
 ‫املنا م ويعطيه اجلنة كما يشاء له ولذريته وأتباعه، ويعطي النار ألعدائه.. هكذا.. وأين اهلل سبةانه وتعاىل أن يتصرف خملوق يف ملكه كما يشاء املخلوق.. ودون‬
 ‫الرجو إىل اخلالق سبةانه وتعاىل. تعاىل اهلل عن ذلك علواً كبرياً، وحاشا الرسول صلى اهلل عليه وسلم ما يفتريه عليه املفترون.. وهؤالء يصدق فيهم قول النيب‬
                                                          ‫صلى اهلل عليه وسلم [ من أرى عينيه ما مل تراءيا أمر يوم القيامة أن يعقد بني شعريتني وليس بفاعل].‬

‫أي أن من قال: رأيت يف النوم كذا وكذا وليس بذلك فهذا قد رأى يف عينه ما مل ترءيا، وإن كان رأى حقاً فإمنا ذلك من الشيطان حتماً ألن الرسول صلى اهلل‬
                                                                              ‫عليه وسلم ال يأت بعد مماته مبا خيلف شريعته يف حياته صلى اهلل عليه وسلم.‬

                                                                                                                               ‫أمحد التلاين وختم الوالية:‬

‫وممن ادعى لنفسه ختم الوالية أيضاً بصفاقة ليس بعدها صفاقة أمحد التلاين الفاسي املتويف سنة 4956هن وهذا التلاين جاء ليكذب مجيع الذين ادعوا اخلتمية‬
‫قبله على ألف سنة تقريباً. فإذا كان أول من ادعاها هو حممد بن علي بن احلسن الترمذي املسمى باحلكيم وكان ذلك يف أواخر القرن الثالث اهللري فقد جناء‬
‫التلاين يف القرن الثالث عشر ليكذب مجيع الذين ادعوا اخلتمية قبله وليزعم لنفسه أن اهلل قد ختم األولياء به حقاً وصدقاً، وأن الرسول صلى اهلل عليه وسلم قد‬
                                                                                                                                        ‫بشره بذلك.‬

                                                                                  ‫قال صاحب كتاب رماح حزب الرحيم على حنور حزب الشيطان الرجيم:‬

‫"قال صاحب الرماح ما نصه: وشيخنا التلاين ولد عام مخسني ومائة وألف ووقع له اإلذن من النيب صلى اهلل عليه وسلم يقظة ال مناماً بتربية اخللق على العموم‬
‫واإلطالق سنة ألف ومائة وست وتسعني، قال أخربين سيدي حممد الغايل أن الشيخ عاش وهو يف مرتبة اخلتمية ثالثني سنة وإذا تأملت هذا علمت أن اخلتمية مل‬
‫تثبت ألحد قبل شيخنا وأن أحداً ما ادعاها وثبت على ادعائها لنفسه وأما شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إىل ربنا سيد أمحد بن حممد الشريف احلسين التيلاين قنال:‬
‫أخربين سيد الوجود صلى اهلل عليه وسلم بأين أنا القطب املكتوم منه إيل مشافهة يقظة ال مناماً فقيل له ما معىن املكتوم؟ فقال هو الذي كتمه اهلل تعاىل عن مجيع‬
‫خلقه حىت املالئكة والنبيني إال سيد الوجود صلى اهلل عليه وسلم فإنه علم به وحباله وهو الذي حاز كل ما عند األولياء من الكماالت اإلهلية واحتوى على مجيعها‬
‫وأكرب من هذا أن النيب صلى اهلل عليه وسلم قال إن هلل ثالمثائة خلق من ختلق بواحد منها أدخله اهلل اجلنة وما اجتمعت يف نيب وال ويل إال يف سيد الوجود صنلى‬
‫اهلل عليه وسلم وأما األقطا ب الذين بعده حىت احللة العظمى ابن عريب احلامتي فإمنا يعلمون ظواهرها فقط ويسمون احملمديني وبه ختم اهلل األقطاب اجملتمعة فيهم‬
‫األخالق واإلهلية وهذه األخالق ال يعرفها إال من ذاقها وال تدرك بالوصف وال يعرف ما فيها إال بالذوق وقال إن الفيوض اليت تفيض من ذات سنيد الوجنود‬
‫صلى اهلل عليه وسلم تتلقاها ذات األنبياء وكل ما فاض وبرز من ذات األنبياء تتلقاه ذايت ومين يتفرق على مجيع اخلالئق من نشأة العامل إىل الننفخ يف الصنور،‬
   ‫وخصصت بعلوم بيين وبينه منه إىل مشافهة ال يعلمها إال اهلل عز وجل بال واسطة قال أنا سيد األولياء كما كان صلى اهلل عليه وسلم سيد األنبياء" أ.هن منه.‬
‫وهكذا تعلم أخي املسلم ما يتمتع به هؤالء القوم من صفاقة وكذب سبقوا به األولني واآلخرين فهؤالء هم يكذب بعضهم بعضاً، ويدعي كل منهم لنفسه ختم‬
‫الوالية وهو شيء مل يأت يف كتاب وال سنة وإمنا افتراه هلم مفتر فتتابعوا ورا ءه على مدى ألف ومائة سنة إىل اليوم مل أقرأ عن شيخ صويف مشهور إال ادعى هذا‬
                                                                                                                      ‫ً‬
‫لنفسه ولكنين مل أجد أكثر كذبا وصفاقة من هذا أمحد التلاين الذي ادعى أنه قد حتقق بكل األخالق اإلهلية وعددها ثالمثائة خلق وملا يتةقق هبنا إال الرسنول‬
‫حممد صلى اهلل عليه وسلم كذا، ومجيع األولياء عرفوا ظاهرها فقط وأما أمحد التيلاين (الكذاب) فقد حتقق هبا متاماً، مث تسأل أخي املسلم ما هي هذه األخنالق‬
‫فيقال لك إهنا أخالق ذوقية ال يعرفها إال من ذاقها فقط كيف تكون األخالق أذواقاً يا قوم، وكيف تكون هذه هي أخالق اهلل اليت ختلق هبا أمحد التلاين حقناً‬
                                                                                                                                           ‫وصدقاً!!..‬

‫إن هذا املفتري مل يترك فرية من الفرى واألكاذيب اليت افتراها من قبله على هذا الطريق اهلالك طريق التصوف إال افتراها هو لنفسه فقد زعم هنا أيضناً أن اهلل‬
‫ينزل الفيوض (العلوم الغيبية) على الرسول حممد وأن الرسول حممد هو الذي يفاض منه على سائر األنبيا ء، مث يفاض من األنبياء مجيعاً على شخ أمحد التلاين‬
‫فقط الذي يقوم بإمداد مجيع األولياء. بعد ذلك هبذه العلوم منذ خلق آدم وحىت النفخ يف الصور!! انظر إىل هذا الكذب امللفق ما أعظمه وأشنعه. لقند افتنرى‬
‫الفرية رجال قبله فلم يهدأ له بال حىت نسب ذلك إىل نفسه. انظر هن ا إىل الن اآليت كيف يناقش من يذكر أمامه فضيلة من الفضائل املزعومة أيضاً لشيخ منن‬
                                                                                                      ‫شيوخ التصوف. قال صاحب الرماح أيضاً ما نصه:‬

‫"ومدده اخلاص به (يعين الشيخ التلاين) إمنا يتلقاه منه صلى اهلل عليه وسلم وال اطال ألحد من األنبياء عليهم الصالة والسالم على فيضه اخلاص به ألن له مشرباً‬
 ‫معهم منه صلى اهلل عليه وسلم قال رضي اهلل عنه وأرضاه وعنا به مشرياً بإصبعه السبابة والوسطى روحي وروحه صلى اهلل عليه وسلم هكذا، روحه صنلى اهلل‬
 ‫عليه وسلم متد الرسل واألنبياء عليهم الصالة والسالم وروحي متد األقطاب والعارفني واألولياء من األزل إىل األبد وسبب ذلك أن بعض أصةابه حتاور مع بعض‬
                   ‫الناس يف قوله رضي اهلل عنه وأرضاه وعنا به كل شيوخ أخذوا عين يف الغيب فةكي له ذلك فأجاب رضي اهلل عنه وأرضاه وعنا به ما ذكر.‬

‫وقال: نسبة األقطاب معي كنسبة العامة مع األقطاب وقال الشيخ عبدالقادر اجليالين قال قدمي هذا (كذا) على رقبة كل ويل هلل تعاىل يعين أهل عصره وأما أننا‬
                                      ‫فقدماي هاتان مجيعها (وكان متكئاً فللس وقال) على رقبة كل ويل هلل تعاىل من لدن آدم إىل النفخ يف الصور" أ.هن..‬

‫فانظر هذا الكذب واإلفتراء. فإذا كان اجليالين قد نسب إليه قوله مفصالً لنفسه: قدماي هاتان على رقبة كل ويل هلل تعاىل!! فإن التلاين مل يهدأ باله حىت فسنر‬
‫كالم اجليالين بأن هذا يف وقته فقط وأما هو فقدماه على رقبة كل ويل هلل تعاىل من خلق آدم إىل النفخ يف الصور!! فانظر إىل هؤالء الذين يدوسون بأقندامهم‬
‫على أولياء اهلل تعاىل ويفضلون أنفسهم على هذا النةو. وهذه الكلمات منهم إن دلت على شيء فإمنا تدل على مقدار الوقاحة والكذب الذي حتلى به هنؤالء،‬
‫وعلى مقدار اجلهل والفساد والتردي الذي وصلت إليه األمة بأن جتعل أمثال هؤالء املفترين الوقةني هم سادهتا وقادهتا ووسيلتها إىل اهلل وأن متلك رقاهبا وأمواهلا‬
                                                                                               ‫وعقوهلا ألمثال هؤالء حيث يقودوهنم إىل درب الغواية والضالل.‬

‫وقد قسم اجليالين هذا مراتب األولياء واألنبياء إىل سبع مراتب مساها حضرات قال فيها: احلضرة األوىل: احلقيقة احملمدية. قال: وهذه احلضرة تيب من تيوب اهلل‬
                                                                                                                 ‫ً‬
          ‫تعاىل مل يطلع عليها أحد وال عرف شيئا من علومها وأسرارها وجتلياهتا وأخالقها ولو كان من الرسل واألنبياء ألهنا خاصة بالنيب صلى اهلل عليه وسلم.‬

‫والثانية احلضرة احملمدية ومتثلها الدائرة الثانية ومن هذه احلقيقة احملمدية مدارك النبيني واملرسلني ومجيع املالئكة واملقربني ومجيع األقطاب والصديقني ومجيع األولياء‬
‫والعارفني. وال ثالثة حضرة األنبياء ومتثلها الدائرة الثالثة وأهل هذه احلضرة يتلقون علومهم وأحواهلم وجتلياهتم من هذه احلقيقة احملمدية وخامت األولياء أعين الشيخ‬
‫التلاين له مشرب من هذه احلضرة مع األنبياء فهو يتلقى املدد رأساً من النيب صلى اهلل عليه وسلم من حقيقته احملمدية بال وساطة. الرابعة حضرة خامت األوليناء‬
‫ومتثلها الدائرة الرابعة وصاحب هذه احلضرة هو الشيخ أمحد التلاين فهو يتلقى كل ما فاض من ذوات األنبياء زيادة على ما يتلقاه بال وساطة من احلقيقة احملمدية‬
                                                                                                                             ‫ولذلك مسى نفسه (برزخ الربازخ).‬

‫وقال الشيخ التلاين: وخصصت بعلوم بيين وب ينه منه إىل مشافهة ال يعلمها إال اهلل عز وجل بال وساطة وقال: أنا سيد األولياء كما كان النيب صنلى اهلل علينه‬
‫وسلم سيد األنبياء. مث قال صاحب الرماح " وال اطال ألحد من األنبياء عليهم الصالة والسالم على فيضه اخلاص ألن له مشرباً معهم مننه صنلى اهلل علينه‬
                                                                                                                                                       ‫وسلم"!!.‬

‫احل ضرة اخلامسة حضرة املتبعني للطريقة التلانية املتمسكني هبا. قال الشيخ التلاين يف حق أهل هذه احلضرة ما نصه "لو اطلع أكابر األقطاب على ما أعند اهلل‬
‫ألهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا يا ربنا ما أعطيتنا شيئاً". وقال الشيخ التلاين ال مطمع ألحد من األولياء يف مراتب أصةابنا حىت األقطاب الكبار ما عدا أصةاب‬
                                                                                                                       ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬

‫وقال الشيخ التلاين: كل الطرائق تدخل عليه (كذا) طريقتنا فتبطلها وطابعنا يركب على كل طابع وال حيمل طابعنا تريه وقال من ترك ورداً من أوراد املشنايخ‬
‫ألجل الدخول يف طريقتنا هذه احملمدية اليت شرف ها اهلل تعاىل على مجيع الطرق أمنه اهلل يف الدنيا واآلخرة فال خياف من شيء يصيبه ال من اهلل وال من رسوله وال‬
                                                                                                             ‫من شيخه أيا كان من األحياء أو من األموات.‬
‫وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل تريها حتل به مصائب الدنيا وأخرى وال يفلح أبداً (هامش: قلت فانظر كيف يهدم كل صاحب طريق صويف طرينق‬
‫تريه من الكاذبني الضالني من أمثاله. واعترب!!). مث قال ناقالً عن شيخه التلاين كما هو يف جواهر املعاين: وليس ألحد من الرجال أن يدخل كافة أصةابه اجلنة‬
‫بال حساب وال عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا إال أنا وحدي. ووراء ذلك مما ذكر يل فيهم وضمنه أمر ال حيل يل ذكره وال يرى وال يعنرف إال‬
‫يف الدار اآلخرة بشرى للمعتقد علي رتم أنف املنتقد. مث استطرد صاحب الرماح ومن هنا صار مجيع أهل طريقته أعلى مرتبة عند اهلل تعاىل يف اآلخرة من أكابر‬
                                                                                       ‫األقطاب وإن كان بعضهم يف الظاهر من مجلة العوام احمللوبني.‬

                          ‫احلضرة السادسة حضرة األولياء ومتثلها الدائرة السادسة وهي مستمدة من حضرة خامتهم األكرب مجيع ما نالوا (اهلدية اهلادية ص69).‬

‫انظر ماذا يف هذه النصوص من الكفر الصريح واملخالفة الواضةة ملا هو معلوم من الدين بالضرورة، فمعلوم من الدين ضرورة أن من قال أنا يف اجلنة فهو يف النار‬
‫كما ثبت بذلك احلديث عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ألن هذا تيب بعد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وهؤالء مل يدعو اجلنة ألنفسهم فقط بل ادعوها‬
‫لكل من صدق أكاذيبهم ولو كان فاجرًا عاصياً هلل زيادة على الكفر بتصديقهم كأن يكون تارك الصالة زانياً.. وجعل التلانية هذا، أعين إدخالنه العصناة إىل‬
‫اجلنة، فضالً أعطاه اهلل إياه وبلغه الرسول بذلك. فانظر.. أقول: العليب بعد كل هذا الكفر البواح املخرج من ملة اإلسالم أن يدعي املدعي أن طريقته هذه مبنية‬
                             ‫على الكتاب والسنة وأنه مل يأت قط مبا خيالفها فانظر هذا التلبيس على الناس، وانظر أي فتنة فنت هبا املسلمون هبذا الطريق الصويف!؟‬



                                                                   ‫الفصل الثالث عشر‬

                                                             ‫الديوان الصويف الذي حيكم العامل‬

        ‫ا‬                                                                                                    ‫ال‬
‫إكما ً إلحكام السيطرة الخرافية على العالم، اخترع رجال التصوف بخياالتهم الشيطانية المريضة.. اخترعاوا ديواناً لطقطااب‬
                                             ‫ا‬
  ‫واألوتاد وسائر صنوف األول ياء عندهم ينعقد في غار حراء، وفي أماكن أخرى أحيانً ليدير ه ا الديوان العالم من خالل قراراته..‬

‫وقد كفانا أمحد بن مبارك السللماسي املغريب يف كتابه اإلبريز املؤنة وقد بسط وشرح خبيال ال جيارى، وبعقلية عندها قدرة عليبة على الكذب والبهتان، هنذا‬
‫الديوان العليب على الرتم من أنه تاية يف الكفر والزندقة وال خيلو من طرافة اخلرافة. وسأحاول أن تكون تعليقايت وشرحي لبعض ما جاء يف هذا الديوان قليلة‬
‫وذلك أنين أتصور وأعتقد أيضاً أن الفكرة السيئة يكفي لدحضها وبيان تفاهتها أن يعرفها الناس فلو أن الناس عرفوا األفكار الصوفية علنى حقيقتنها ملنا راج‬
‫التصوف وقامت سوقه ولكن ألنه دائماً كان يغلف اخلرافة والكفر والشرك بالرموز واألسرار، واللف والدوران مع ما يعلنه من التمسك بالكتاب والسنة جعنل‬
‫الناس يتهافتون على ما عندهم ظناً أن عندهم فعالً علوماً جديدة وفوائد عظيمة ولكن لو أن الناس فهموا ما عند املتصوفة على حقيقته لتغري احلال. وهذا منط من‬
                                           ‫األسرار الصوفية اليت يدعي املتصوفة أهنم وصلوا إليها. يقول السللماسي يف وصف الديوان الباطين الصويف ما يلي:‬

                                                                                                                                             ‫هيئة الديوان:‬

                                                                                               ‫"الباب الرابع يف ذكر ديوان الصاحلني رضي اهلل عنهم أمجعني.‬

                                                                      ‫َ‬
‫مسعت الشيخ (يعين بالشيخ عبدالعزيز الدباغ األمي اجلاهل الذي يدعي أنه قد علِم علم األولني واآلخرين مجيعاً)، رضي اهلل عنه يقول الديوان يكون بغار حنراء‬
‫الذي كان يتةنف فيه الرسول صلى اهلل عليه وسلم قبل البعثة قال رضي اهلل عنه فيللس الغوث خارج الغار ومكة خلف كتفه األمين واملدينة أمام ركبته اليسرى‬
‫وأربعة أقطاب عن ميينه وهم مالكية على مذهب مالك بن أنس رضي اهلل عنه وثالثة أقطاب عن يساره واحد من كل مذهب ومن املذاهب األخرى والوكينل‬
‫أمامه ويسمى قاضي الديوان وهو يف هذا الوقت مالكي أيضاً من بين خالد القاطنني بناحية البصرى وامسه سيدي حممد بن عبد الكرمي البصراوي ومع الوكينل‬
‫يتكلم الغوث ولذلك يسمى وكيالً ألنه ينوب يف الكالم عن مجيع من يف الديوان. قال والتصرف لألقطاب السبعة على أمر الغوث وكل واحد منن األقطناب‬
‫السبعة حتته عدد خمصوص يتصرفون حتته والصفوف الستة من وراء الوكيل وتكون دائرهتا من القطب الرابع الذي على اليسار من األقطاب الثالثنة فاألقطناب‬
‫السبعة هم أطراف الدائرة وهذا هو الصف األول وخالطه الثاين على صفته وعلى دائرته وهكذا الثالث إىل أن يكون السادس آخرها. قنال وحيضنره النسناء‬
‫وعددهن قليل وصفوفهن ثالثة وذلك يف جهة األقطاب الثالثة اليت على اليسار فوق دائرة ال صف األول فسةة هناك بني الغوث واألقطاب الثالثة قال رضي اهلل‬
‫عنه وحيضره بعض الكمل من األموات ويكونون يف الصفوف مع األحياء ويتميزون بثالثة أمور أحدها أن زيهم ال يتبدل خبالف زي احلي وهيئته فمنرة حيلنق‬
‫شعره ومرة حيدد ثوبه وهكذا. وأما املوتى فال تتبدل حالتهم فإذا رأيت يف الديوان رجالً على زي ال يتبدل فاعلم أنه من املوتى كأن تراه حملوق الشعر وال ينبت‬
‫له شعر فاعلم أنه على تلك احلالة مات، وإن رأيت الشعر على رأسه على حاله ال يزيد وال ينق وال حيلق فاعلم أنه ميت وأنه مات على تلك احلالة، ثانيها أنه‬
‫ال تقع معهم املشاورة يف أمور عامل األموات قال رضي اهلل عنه ومن آداب زائر القبور إذا أراد أن يدعو لصاحب القرب ويتوسل إىل اهلل تعاىل بويل من أوليائنه يف‬
‫إجابة دعوته أن يتوسل إليه تعاىل بويل ميت فإنه أجنع للمقصود وأقرب إلجابة دعوته. ثالثها أن ذات امليت ال ظل هلا فإذا وقف امليت بينك وبني الشمس فإنك ال‬
‫ترى له ظالً وسره أنه حيضر بذات روحه ال بذاته الفانية الترابية وذات الروح خفيفة ال ثقيلة وشفافة ال كثيفة قال يل رضي اهلل عنه وكم مرة أذهب إىل الديوان‬
‫أو إىل جممع من مللأ األولياء وقد طلعت الشمس فإذا رأوين من بعيد استقبلوين فأراهم بعني رأسي متميزين هذا بظله وهذا ال ظل له. قنال رضني اهلل عننه‬
‫واألموات احلاضرون يف الديوان ينزلون إليه من الربزخ يطريون طرياً بطريان الروح فإذا قربوا من موضع الديوان بنةو مسافة نزلنوا إىل األرض ومشنوا علنى‬
‫أرجلهم إىل أن يصلوا إىل الديوان تأدباً مع األحياء وخوفاً منهم. قال وكذا رجال الغيب إذا زار بعضهم بعضاً فإنه جييء بسري روحه فإذا قرب من موضعه تأدب‬
‫ومشى مشي ذاته الثقيلة تأدباً وخوفاً. قال وحتضره املالئكة وهم من وراء الصفوف وحيضر أيضاً اجلن الكمل وهم الروحانيون وهم من وراء اجلمينع وهنم ال‬
‫يبلغون صفاً كامالً قال رضي اهلل ع نه وفائدة حضور املالئكة واجلن أن األولياء يتصرفون يف أمور تطيق ذواهتم الوصول إليها ويف أمور أخرى ال تطينق ذواهتنم‬
                           ‫الوصول إليها فيستعينون باملالئكة وباجلن يف األمور اليت ال تطيق ذواهتم الوصول إليها" أ.هن منه بلفظه (اإلبريز ص066،966).‬

‫الغوث الصويف هو مبنزلة رب األرباب عندهم أو كبري املتصوفني يف هذا العامل، وهناك عدد كبري جدًا من املتصوفة زعم أنه وصل إىل هذه املرحلنة (الغوثينة أو‬
‫القطبية والقطبانية الكربى) منهم الدباغ هذا وكان أمياً جاهالً ال حيفظ حزباً من القرآن الكرمي (وانظر معىن الغوث يف فصل الوالية الصوفية) وجعلوا هذا الغوث‬
‫الذي يدبر العامل من تار حراء جعلوا يف خدمته األقطاب واألوتاد والنلباء وسائر األولياء بل واملالئكة واجلن أيضاً.. ومل يقصروا احلضور على األحياء فقط بل‬
                                                                                                                        ‫جعلوا احلضور لألموات أيضاً..‬

                                                                                                      ‫زعمهم أن النيب صلى اهلل عليه وسلم حيضر الديوان:‬

                                             ‫ا‬
‫ولم يكتف هؤالء الشياطين بأنفسهم لحضور ه ه الخياالت حتى زعموا أيضً أن الرسول يحضر معهم: قال (أي الادباغ): "وفاي‬
‫بعض األحيان يحضره النبي صلى اهلل عليه وسلم فإ ا أحضر عليه السالم جلس في موضع الغوث وجلس الغوث في موضع الوكيل‬
                                         ‫ا‬
‫للصف، وإ ا جاء النبي صلى اهلل عليه وسلم جاءت معه األنوار التي ال تطاق دائمً وهي أنوار محرقة مفزعة قاتله لحينها، وهاي‬
‫أنوار المهابة والجاللة والعظمة حتى إننا لو فرضنا أربعين رجالً بلغوا في الشجاعة مبلغاً ال مزيد عليه ثم فجؤوا به ه األنوار فإنهم‬
‫يصعقون لحينهم إال أن اهلل تعالى يرزق أولياءه القوة على تلقيها ومع لك فإنه قليل منهم هو ال ي يضبط األمور والتي صدرت في‬
‫ساعة حضوره صلى اهلل عليه وسلم. قال وكالمه صلى اهلل عليه وسلم مع الغوث قال وك لك الغوث إ ا غاب صلى اهلل عليه وسلم‬
‫تكون له أنوار الخارقة حتى ال يستطيع أهل الديوان أن يقربوا منه بل يجلسون منه على بعد فاألمر ال ي ينزل من عند اهلل تعالى ال‬
‫تطيقه ات إال ات النبي صلى اهلل عليه وسلم وإ ا خرج من عنده صلى اهلل عليه وسلم فال تطيقه ات إال ات الغوث ومان ات‬
              ‫الغوث يتفرق على األقطاب السبعة ومن األقطاب السبعة تفرق على أهل الديوان" أ.ها منه بلفظه (اإلبريز ص164).‬

                                                                                                                                   ‫ساعة انعقاد الديوان:‬

‫ويستطرد السللماسي قائالً: " وأما ساعة الديوان سبق الكالم عليها وإهنا هي الساعة اليت ولد فيها النيب صلى اهلل عليه وسلم وإهنا هي ساعة االستلابة من ثلث‬
‫الليل األخري اليت وردت هبا األحاديث كةديث: ينزل ربنا كل ليلة إىل السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل األخري فيقول من يدعوين فأستليب له... احلنديث.‬
‫قلت ومن أراد أن يظفر هبذه الساعة فليقرأ عند إرادة النوم {إن الذين آمنوا وعملوا الصاحلات كانت هلم جنات الفردوس نزالً..} إىل آخر السورة ويطلب منن‬
‫اهلل تعاىل أن يوقظه يف الساعة املذكورة فإنه يفيق فيها ذكره ال شيخ عبدالرمحن الثعاليب رضي اهلل عنه وقد جربناه ما ال حيصي وجربه ترينا حىت إنه وقع جلماعنة‬
‫تري مأمورة أن يقرأوا اآلية املذكورة ويطلبوا من اهلل تعاىل اإلفاقة يف الساعة املذكورة كل منهم يفعل ذلك يف خاصة نفسه من تري أن يعلم به صاحبه وإذا أفاقوا‬
                                                                                          ‫أفاقوا مجيعاً يف وقت واحد" انتهى منه بلفظه (اإلبريز ص066).‬

                                                                                                             ‫زوجات النيب صلى اهلل عليه وسلم والديوان:‬

‫ويستمر السللماسي يف خياالته الشيطانية فيقول: " وسألته رضي اهلل عنه هل حيضر الديوان األنبياء عليهم الصالة والسالم مثل سيدنا إبراهيم وسنيدنا موسنى‬
‫وتريمها من الرسل على نبينا وعل يهم أفضل الصالة والسالم فقال رضي اهلل عنه حيضرونه يف ليلة واحدة يف العام قلت فما هي قال يف ليلة القدر فيةضره يف تلك‬
‫الليلة األنبياء واملرسلون وحيضره املأل األعلى من املالئكة املقربني وتريهم وحيضره سيد الوجود صلى اهلل عليه وسلم وحيضر معه أزواجنه الطناهرات وأكنابر‬
                                                                                       ‫صةابته األكرمني رضي اهلل عنهم أمجعني" انتهى بلفظه (اإلبريز).‬

‫قلت يتعلب املسلم كيف تأيت هلؤالء هذه القدرة على الكذب والبهتان، وكيف قادهتم الشياطني ملثل هذه االفتراءات اليت يتضاحك منها الصبيان فضنالً عنن‬
‫العقالء. فاحلمد هلل الذي جنانا وهدانا وأخرجنا برمحته من ظلمات هذه الوثنية إىل نور اإلسالم واالستظالل بظالل القرآن احلكيم والسنة النبوية املطهرة وأبعدها‬
                                                                                                                              ‫عن ختريفات أهل البهتان.‬

                                                                                                                        ‫زعمهم حضور املالئكة للديوان:‬
‫مث يقول السللماسي "ومسعته رضي اهلل عنه يقول إن الديوان أوالً كان معموراً باملالئكة وملا بعث اهلل النيب صلى اهلل عليه وسلم جعل الديوان يعمر بأولياء هنذه‬
‫األمة فظهر أن أولئك املالئكة كانوا نائبني عن أولياء هذه األمة املشرفة حيث رأينا الويل إذا خرج إىل الدنيا وفتح اهلل عليه وصار من أهل الديوان فإنه جينيء إىل‬
‫موضع خمصوص يف الصف األول أو تريه فيللس فيه و يصعد املل ك الذي يف ذلك الوضع وهكذا كانت بداية عمارة الديوان حىت كمل وهلل احلمد كلما ظهنر‬
‫ويل صعد ملك وأما املالئكة الذين هم باقون فيه يكونون يف الصفوف الستة كما سبق فهم مالئكة ذات النيب صلى اهلل عليه وسلم الذين كانوا حفاظاً هلنا يف‬
‫الدنيا وملا كان نور ذاته صلى اهلل عليه وسلم مفرقاً يف أهل الديوان بقيت مالئكة الذات الشريفة مع ذلك النور الشريف. قال رضي اهلل عنه وإذا حضر النيب صلى‬
‫اهلل عليه وسلم يف الديوان وجاءت معه األنوار اليت ال تطاق بادرت املالئكة الذين مع أهل الديوان ودخلوا يف نوره صلى اهلل عليه وسلم فما دام النيب صنلى اهلل‬
                      ‫عليه وسلم يف الديوان ال يظهر منهم ملك فإذا خرج النيب صلى اهلل عليه وسلم رجع املالئكة إىل مراكزهم واهلل أعلم" (اإلبريز ص096).‬

‫ولست أدري ملاذا يقول هؤالء الكذابون بعد كل هذا الدجل والكذب (واهلل أعلم) ماذا تفيدهم هذه الكلمة العظيمة يف هذا املوضع الذي يكذبون فيه على اهلل.‬
‫إهنم بزعمهم يتكلمون على حقائق وعلوم وأسرار تيبية زعموا أهنم رأوها وشاهدوها وليست عندهم جمرد ظن أو اجتهاد فلماذا يقولون بعد ذلك واهلل أعلم وهم‬
                                                                                                                                      ‫ً‬
                                                         ‫يعلمون يقينا أهنم يكذبون ويفترون، ويضةكون على عقول الدمهاء واليت تسري وراءهم وتصدقهم.‬

                                                                                  ‫أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة واحلسن واحلسني أعضاء يف الديوان:‬

                                                                                                            ‫ويستمر السللماسي يف خياالته الفاجرة فيقول:‬

‫" قال رضي اهلل عنه وإذا حضر سيد الوجود صلى اهلل عليه وسلم مع تيبة الغوث فإنه حيضر معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي واحلسن واحلسني وأمهما فاطمنة‬
‫الزهراء تارة كل هم وتارة بعضهم رضي اهلل عنهم أمجعني، قال وجتلس موالتنا فاطمة مع مجاعة النسوة الاليت حيضرن الديوان يف جهة اليسار كما سبق وتكنون‬
‫موالتنا فاطمة أمامهن رضي اهلل عنها وعنهن قال رضي اهلل عنه ومسعتها رضي اهلل عنها تصلي على أبيها صلى اهلل عليه وسلم ليلة من الليايل وهي تقول اللهم صل‬
‫على من روحه حمراب األرواح واملالئكة والكون اللهم صل على من هو إمام األنبياء واملرسلني اللهم صل على من هو إمام أهل اجلنة عباد اهلل املؤمنني وكاننت‬
                                           ‫تصلي عليه صلى اهلل عليه وسلم لكن ال هبذا اللفظ وإمنا أنا استخرجت معناه. واهلل أعلم" انتهى (اإلبريز ص966).‬

                                                                                                                                          ‫لغة أهل الديوان:‬

                                                                                                                                   ‫ويقول أمحد بن مبارك:‬

‫" مسعته رضي اهلل عنه يقول إن لغة أهل الديوان رضي اهلل عنهم هي السريانية الختصارها ومجعها املعاين الكثرية وألن الديوان حيضر األرواح واملالئكة والسريانية‬
                                                    ‫هي لغتهم وال يتكلمون العربية إال إذا حضر النيب صلى اهلل عليه وسلم أدباً معه" أ.هن (اإلبريز ص966).‬

‫ولست أدري ملاذا جيمع املتصوفة تقريباً على اختيار اللغة السريانية لغة للديوان، وملعاين احلروف، ولألذكار فإما للتلبيس على الناس ألهنا لغة منقرضة ال توجد إال‬
‫يف قرية واحدة اآلن من قرى سوريا وال يتكلمها إال حنو مخسما ئة شخ فقط، أو ألن هذه اللغة كانت لغة أقوام اشتهروا بعبادة اجلن واألوثان وهذا الذي يبدو‬
              ‫فإن هذه اللغة كانت ألقوام وثنيني من عبدة اجلن والكواكب وما يزال كثري من هذه القرية اليت يتكلم أصةاهبا هبذه اللغة مهلوراً مسكوناً باجلن.‬

                                                                                                                    ‫أولياء حيضرون الديوان بأرواحهم فقط:‬

‫مث يقول السللماسي: " ومسعته رضي اهلل عنه يقول إن الصغري من األولياء حيضر بذاته وأما الكبري فال حتلري عليه يشري رضي اهلل عنه إىل أن الصنغري إذا حضنر‬
‫تاب عن حمله وداره فال يوجد يف بلدته أصالً ألنه يذهب إليه بذاته. وأما الكبري فإنه يدبر وعلى رأسه فيةضر وال يغيب عن داره ألن الكبري يقدر على التطنور‬
                                                                           ‫ً‬
‫على ما شاء من الصور لكمال روحه تدبر له إن شاء ثالمثائة وست وستون ذاتا بل مسعت الشيخ رضي اهلل عنه مرة وأنا معه خارج باب احلبشة أحد أبواب فاس‬
              ‫حرسها اهلل يقول: ايش هو: الديوان واألولياء الذين يقيمونه كلهم يف صدري ومسعته مرة يقول إمنا يقام الديوان يف صدري" (اإلبريز ص966).‬

‫ولعل الكلمة األخرية اليت قاهلا الدباغ هي أصدق ما قال أعين أن الديوان يقام فقط يف قلبه املريض ويف عقله اجملنون وأما ذكره من تار حراء واألولياء واألنبيناء‬
                                                                                                             ‫والرسل وسائر هذه التخريفات فال صةة هلا.‬

                                                                                                                   ‫الديوان يعقد يف صةراء السودان أحياناً:‬

‫الصةراء السودانية مكان آخر النعقاد الديوان يقول السللماسي: "(وسألته) رضي اهلل عنه هل يكون الديوان يف موضع آخر تري تار حراء فقال رضي اهلل عنه‬
‫نعم يكون يف موضع آخر مرة يف العام ال تري وهذا املوضع يقال له زاوية أَسَا بفتح اهلمزة والسني بعدها ألف خارج أرض سوس بينها وبني أرض ترب السودان‬
‫فيةضر أولياء السودان ومنهم من ال حيضر الديوان إال يف تلك الليلة ويأذن اهلل تعاىل ويسوق أهل آفاق تلك األراضي وجيتمعون بالوضع املذكور قبل تلك الليلة‬
‫بيوم أو يومني وبعدها كذلك جيتمع يف ذلك السوق من الترب ما ال حيصى فقلت وهل مث مع آخر يف تري هذين املوضعني فقال نعم جيتمعون ولكن ال جيتمع حننو‬
‫العشرة منهم يف موضع قط إال يف املوضعني السابقني ألن األرض ال تطيقهم ألنه تعاىل أراد تفرقهم يف األرض ويف اخللق واهلل تعاىل أعلم" أ.هنن مننه بلفظنه‬
                                                                                                                                 ‫(اإلبريز ص99).‬

                                                                                                                                   ‫ماذا لو تاب الغوث:‬

‫ويقول السللماسي أيضاً: " ومسعته رضي اهلل عنه يقول قد يغيب الغوث عن الديوان فال حيضر فيةصل بني أولياء اهلل تعاىل من أهل الديوان ما يوجب اختالفهم‬
‫فيقع منهم التصرف املوجب ألن يقتل بعضهم بعضاً فإن تالبهم اختار أمراً وخالف األقل يف ذلك فإن األقل حيصل فيهم التصرف السابق فيموتون مجيعاً وقند‬
‫اختلفوا ذات يوم يف أمر فقال طائفة منهم قليلة إن يكن لكم ذلك األمر فلتمت فقالت الطائفة الكثرية فموتوا إن شئتم فماتت الطائفة القليلة قال رضي اهلل عننه‬
‫فإن تكافأ الفريقان إن حصل التصرف فيهم معاً فقلت فإهنم أهل بصرية وكشف فلم حي صل بينهم النزا وهم يشاهدون مراد اهلل تعاىل ببصريهتم فقال رضي اهلل‬
‫عنه إذا كان األقل هو املخالف فإن اهلل حيلبهم عن املراد حىت ينفذ ما فيهم وإذا تكافأ الفريقان فإن مراد احلق سبةانه خيفى على اجلميع ألن قلنوب األوليناء‬
‫األوفياء مظاهر األقدار وقد اختلفت وتكافأت فقلت فما سبب تيبة الغوث رضي اهلل عنه عن الديوان فقال رضي اهلل عنه سببه أحد أمرين إما تيبته يف مشاهدة‬
‫احلق سبةانه فلهذا ال حيضر يف الديوان وإما كونه يف بداية توليته كما إذا كان بقرب موت الغوث الذي قبله فإنه قد ال حيضر يف بداية األمر حىت تتأنس ذاته شيئاً‬
 ‫فش يئاً قال رضي اهلل عنه وقد حيضر سيد الوجود صلى اهلل عليه وسلم يف تيبة الغوث فيةصل ألهل الديوان من اخلوف واجلز من حيث إهنم جيهلون العاقبة يف‬
                                            ‫حضوره صلى اهلل عليه وسلم ما خيرجهم عن جناسهم حىت إنه لو طال ذلك أياماً الهندم العوامل" (اإلبريز ص966).‬

                                                                                                                           ‫الغوث الصويف دكتاتور كبري:‬

                                                          ‫وأما الغوث هذا فهو أخطر دكتاتور فإن أي أحد ال يستطيع أن يفتح فمه عنده يقول السللماسي:‬

‫"وسألته مرة فقلت: إذا حضر الغوث فهل يقدر أحد على خمالفته فقال رضي اهلل عنه ال يقدر أن حيرك شفته السفلى باملخالفة فضالً عن النطق هبا فإنه لو فعنل‬
                                                               ‫ذلك خلاف على نفسه من سلب اإلميان فضالً عن شيء آخر واهلل أعلم" (اإلبريز ص966).‬

                   ‫ولست أدري ما دام هذا هو حال توثهم مع سائر أوليائهم املزعومني فلماذا احلضور إذن يف هذا الديوان هل هو جملرد تلقي األوامر فقط..؟!‬

                                                                                                                        ‫أولياء ينظرون يف اللوح احملفوظ:‬

‫ويستطرد السللماسي مبيناً مراتب األولياء الذين حيضرون ديواهنم املكذوب فيقول: " ومسعته رضي اهلل عنه يقول ليس كل من حيضر الديوان من األولياء يقندر‬
‫على النظر يف اللوح احملفوظ بل منهم من يقدر على النظر فيه ومنهم من يتوجه إليه ببصريته ويعرف ما فيه ومنهم من ال يتوجه إليه لعلمه بأنه ليس من أهل النظر‬
                                                                                       ‫إليه قال رضي اهلل عنه كاهلالل فإن رؤية الناس إليه خمالفة" أ.هن.‬

‫وأقول أال لعنة اهلل على من كذب مثل هذا الكذب الذي مل تعرف البشرية له مثيالً من قبل قط.. ولكن العليب أن ينشر مثل هذا الفكر اجملنون عنند أنناس‬
                                          ‫يقرأون كتاب اهلل الذي يقول {قل ال يعلم من يف السماوات واألرض الغيب إال اهلل وما يشعرون أيان يبعثون}.‬

                                                                                                                                ‫ملاذا جيتمع أهل الديوان:‬

‫واآلن نأيت إىل بيت القصيد كما يقولون فلماذا جيتمع أهل الديوان؟ يقول السللماسي: " ومسعته رضي اهلل عنه يقول أن أهل الديوان إذا اجتمعوا فيه اتفقوا على‬
‫ما يكون من ذلك الوقت إىل مثله م ن الغد فهم رضي اهلل عنهم يتكلمون يف قضاء اهلل عز وجل يف اليوم املستقبل والليلة اليت تليه قال رضي اهلل عنه وهلم التصوف‬
‫يف العوامل كلها السفلية والعلوية وحىت يف احللب السبعني وحىت يف عامل الرقا (بالراء وتشديد القاف) وهو ما فوق احللب السبعني فهم الذين يتصرفون فيه ويف‬
‫أهله ويف خواطرهم وما هتمس به ضمائرهم فال يهمس يف خاطر واحد منهم شيء إال بإذن أهل التصرف رضي اهلل عنهم أمجعني وإذا كان هذا يف عنامل الرقنا‬
                                                            ‫الذي هو فوق احللب السبعني اليت هي فوق العرش فما ظنك بغري من العوامل" (اإلبريز ص966)..‬

‫فانظر كيف يتةكم هؤالء خب ياالهتم وكذهبم ليس يف األرض فقط بل يف األرض والسماء وما فوق السماء من احللب والعرش، فماذا أبقى هنؤالء الكناذبون‬
                                                                                                 ‫َب‬
                                           ‫املارقون هلل سبةانه وتعاىل ليتصرف فيه.. تَّت عقول استساتت مثل هذا الكذب واعتقدت مثل هذا اهلراء!!‬



                                                                      ‫الباب الرابع‬

                                                                    ‫الشريعة الصوفية‬
‫في األبواب والفص ول السابقة اطلعنا على حقيقة المعتقد الصوفي، وسبرنا غور ه ا الفكر الباطني ال ي يتستر باإلسالم. واآلن نأتي‬
             ‫ال‬             ‫ال‬
‫إلى الشريعة الصوفية ونعني بها العمل الظاهر، والمنهج العملي ال ي سلكه رجال التصوف تضلي ً للعامة، ووصو ً إلى العقيادة‬
                                                                                                   ‫ا‬
‫الباطنية، وتظاهرً بالتمسك باإلسال م المنزل على محمد صلى اهلل عليه وسلم وسيعلم القارئ كيف أن الظاهر الصاوفي والشاريعة‬
        ‫ا‬
‫الخاصة الصوفية ال تكاد تخرج عن البدعة والفسق والكفر والشرك. ولنبدأ بأخص أمورهم وأشهرها، التي جعلوها دائمً المادخل‬
                                                                                                              ‫إلى الطريق الصوفي أال وهو ال كر.‬



                                                                      ‫الفصل األول‬

                                                                     ‫الذكر الصويف‬

                                                                                                                        ‫كيفية تتلقى األذكار عند الصوفية:‬

‫خيطئ من يظن أن الصوفية أتبا للرسول صلى اهلل عليه وسلم يف هديه يف الذكر حيث شر لنا صلى اهلل عليه وسلم أن نذكر اهلل سنبةانه وتعناىل بأذكنار‬
‫خمصوصة يف أوقات معلومة، والنيب عندما أخربنا صلى اهلل عليه وسلم أن من قال كذا وكذا فله كذ ا وكذا من األجر إمنا يتكلم بالوحي ألن األجر أمنر تنييب‬
‫يقدره اهلل ويعلمه، ولكن مشايخ الصوفية أراد كل منهم أن ينصب من نفسه مشرعاً جملموعة من املريدين، وإهلاً يعبده األتبا اجلاهلون، وكان باب األذكار هو‬
                                                               ‫ً‬
‫الباب الذي دخل منه هؤالء للتشريع لألتبا واملريدين فوضع كل منهم ألتبا طريقته منهلا خاصاً بالذكر، وأذكاراً خمصوصة وكان لكل واحد منهم أن يضفي‬
‫على ذكره اخلاص هالة من التقديس، وأن حياول جذب املريدين إليه بشىت الطرق والوسائل فمنهم من زعم أن ذكره اخلاص قد أخذه من الرسول مناماً، ومنهم‬
‫من ادعى أنه أخذه من الرسول يقظة، ومنهم من زعم أن اخلضر الذي أوحى له بالذكر، ومنهم من تنازل فنسب ذكره إىل شيخ طريقة ميت، ومنهم من تننازل‬
‫عن ذلك فأخرب أتباعه أنه مجع هلم هذا الذكر من آيات القرآن، وأحاديث الرسول وتأليفاته، وأنه جمرب وأن من فعله حصل له كذا وكذا من اخلري. فقد فعلنه‬
  ‫فالن فةصل له كذا وكذا، وفعله فالن فةصل له كذا وكذا.. وإليك أمناطاً من هذه االفتراءات واألكاذيب واخلزعبالت ال يصدقها إال من طمست بصائرهم:‬

                                                                                       ‫الزعم بأن الرسول صلى اهلل عليه وسلم يعلم أذكار الطريقة الشاذلية:‬

‫علم مجيع املسلمني بالضرورة من دين اإلسالم أن الرسول صلى اهلل عليه وسلم قد علم الناس كيف يذكرون اهلل وحيمدونه وميلدونه، وأن ذلك بوحي منن اهلل‬
‫له، ولكن الصوفية انفردوا عن مجيع املسلمني فزعموا أن الرسول يأتيهم بعد موته صلى اهلل عليه وسلم والتةاقه بالرفيق األعلى ليعلمهم الطريقة الشاذلية!! يقول‬
‫صاحل حممد اجلعفري الذي كان إماماً ملسلد األزهر ملدة طويلة (هذه الدعوى بالطبع هي الباب الذي يدخل منه هؤالء على املسلمني باخلرافات واخلزعبالت اليت‬
‫ينسبوهنا إىل الرسول، ويدعون هبا الغيب فما دام أنه رزق عيوناً إهلية فلماذا ال يطلع على الغيب)، يف كتابه الذي مساه (مفاتيح كنوز السماوات واألرض املخزونة‬
                                                                                      ‫اليت أعطاها صلى اهلل عليه وسلم لشيخ الطريقة اإلدريسية املصونة!!).‬

                                                                                                                                                   ‫يقول:‬

‫" قال سيدي أمحد رضي اهلل عنه اجتمعت بالنيب صلى اهلل عليه وعلى آله وسلم اجتماعاً صورياً ومعه اخلضر عليه السالم فأمر النيب صلى اهلل عليه وآلنه وسنلم‬
                                                                         ‫اخلضر أن يلقنين أذكار الطريقة الشاذلية فلقنين إياها حبضرته صلى اهلل عليه وسلم.‬

                          ‫ً‬
‫مث قال صلى اهلل عليه وآله وسلم للخضر عليه السالم: يا خضر لقنه ما كان جامعاً لسائر األذكار والصلوات واالستغفار وأفضل ثوابا وأكثر عدداً فقال أي شيء‬
   ‫هو يا رسول اهلل؟ فقال: ال إله إال اهلل حممد رسول اهلل يف كل حملة ونفس عدد ما وسعه علم اهلل فقاهلا وقلتها بعدمها وكررها صلى اهلل عليه وآله وسلم ثالثاً.‬

‫مث قال، قل: اللهم إين أسألك بنور وجه اهلل العظيم إىل آخرة الصالة العظيمية مث قال له استغفر اهلل الذي ال إله إال هو احلي القيوم تفنار النذنوب ذو اجلنالل‬
                             ‫واإلكرام إىل آخر االستغفار الكبري فقلت بعدمها وقد كسبت أنواراً وقوة حممدية ورزقت عيوناً إهلية (تويف سنة 9996) !!.‬

‫مث قال صلى اهلل عليه وسلم يا أمحد أعطيتك مفاتيح السماوات واألرض وهي الذكر املخصوص والصالة العظيمة واالستغفار الكبري املرة الواحدة منها بقدر الدنيا‬
                                                                                                 ‫واآلخرة وما فيها أضعافاً مضاعفة"!! واستطرد قائالً:‬

           ‫قال سيدي أمحد رضي اهلل عنه وقدس سره: مث لقنها يل صلى اهلل عليه وسلم من تري وساطة فصرت ألقن املريدين كما لقنين به صلى اهلل عليه وسلم.‬
   ‫ل‬
‫ومرة قال له رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ال إله إال اهلل حممد رسول اهلل يف كل حملة ون فس عدد ما وسعه علم اهلل خزنتها لك يا أمحد ما سبقك هبا أحد عّمها‬
‫أصةابك يسبقون هبا. وكان رضي اهلل عنه يقول أملى علي رسول اهلل صلى اهلل عليه وآله وسلم األحزاب من لفظه حىت استشكل بعض أصةابه من العلماء مرة‬
               ‫كلمة يف احلزب اخلامس فقال يا أخانا هكذا قال يل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم" (مفتاح كنوز السماوات واألرض املخزونة ص9،9) أ.هن‬

‫فهذه احلكايات اليت كان يرويها صاحل اجلعفري بالسند املتصل حسب زعمه إىل قائلة أمحد اإلدريسي فيها من الدعاوي والضالالت شيء كثري جداً. من ذلنك‬
‫اجتما ألمحد اإلدريسي بالرسول واخلضر ولسنا ندر ي ما عالقة اخلضر بالرسول صلى اهلل عليه وسلم وليس هو من أتبا الرسول حممد وال من هنذه األمنة‬
‫اإلسالمية أصالً، إمنا اخلضر صاحب موسى على شريعة تري شريعة موسى أيضاً، وقد مات كما مات الرسل واألنبياء ممن كانوا قبله وممن أتوا بعده، ولو كنان‬
‫حياً يف زمان النيب صلى اهلل عليه وسلم التبعه وحارب معه وشهد معه اجلمع واجلماعات وإال كان مرتداً كافراً، بدليل قول النيب صلى اهلل عليه وسلم [واهلل لو أن‬
‫موسى حياً ملا وسعه إال أن يتبعين] وبدليل نزول عيسى يف آخر الزمان وحكمه بشريعة النيب حممد صلى اهلل عليه وسلم فما عالقة اخلضر أن يكون حاضراً منع‬
‫الرسول وأن يأمره الرسول أن يعلم األذكار واألوراد!؟ (اقرأ الفصل اخلاص باخلضر يف عقيدة املتصوفة)، وملاذا يللأ النيب صلى اهلل عليه وسلم –وحاشناه- أن‬
‫يعلم شيئاً جديداً بعد إمتام رسالته وحلوقه بربه. أال تكفي األذكار واألوراد اليت علمها يف حياته؟ أمل يقل سبةانه وتعاىل {اليوم أكملت لكم ديننكم وأمتمنت‬
                                                                                                    ‫عليكم نعميت ورضيت لكم اإلسالم ديناً} (املائدة:9).‬

‫فما احلاجة بعد إىل أذكار جديدة.. وأليس لو كان للرسول هذا االتصال ببعض الناس أن يكون ذلك لبيان كيف خيرج املسلمون ممنا يواجهوننه منن حمنن‬
‫ومصائب، أال يأيت مثالً ا لرسول ليةل بعض املعضالت اليت جتابه العامل اإلسالمي وحيتار فيها العلماء وخيتلفون. مث لننظر ما هي األوراد واألدعية اليت جاء الرسول‬
‫يف زعمهم ليعلمها هلؤالء، إهنا كلمات ركيكة التركيب العريب، فيها جهل عظيم باهلل سبةانه وتعاىل، وتقول عليه سبةانه وتعاىل، وفيها اعتداء يف الدعاء بكنل‬
‫معاين االعتداء، وفيها من أمساء الشياطني ما فيها. وإليكم مناذج من هذه األدعية اليت يزعم أصةاهبا أهنم اجتمعوا بالرسول صلى اهلل عليه وسلم وعلمها هلم. هذه‬
                                                                                    ‫هي الصالة اليت يسموهنا (الصالة العظيمية)!! هكذا (والعظيمية!!) وهي:‬

‫"اللهم إني أسألك بن ور وجه اهلل العظيم، ال ي مط أركان عرش اهلل العظيم، وقامت به عوالم اهلل العظيم، أن تصلي على موالنا محمد‬
‫ي القدر العظيم، وعلى آل نبي اهلل العظيم، بقدر عظمة ات اهلل العظيم، في كل لمحة ونفس وعدد ما في علم اهلل العظيم، صاالة‬
                                                                                           ‫ا‬
‫دائمة بدوام اهلل العظيم، تعظيمً ل حقك يا موالنا يا محمد يا ا الحق العظيم، وسلم عليه وعلى آله مثل لك، واجمع بيني وبينه كماا‬
                                                    ‫ا‬                 ‫ا‬           ‫ا‬      ‫ا‬
‫جمعت بين الروح والنفس ظاهرً وباطنً يقظة ومنامً واجعله يا رب روحً ل اتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل اآلخرة يا عظيم".‬
                                                                                                                                                ‫أ.ها..‬

‫فانظر إىل ركاكة التعبري، وخطاب اهلل با لغيبة وهو سوء أدب مع اهلل فقوله اللهم إين أسألك وهذا خطاب. مث يقول (بنور وجه اهلل العظيم) وهذه تيبة كنأن اهلل‬
‫تري املخاطب، والصواب والبالتة أن تقول (بنور وجهك العظيم) ألنك ختاطب اهلل. ولكن الذين ألقوا هذه األذكار املبتدعة ال حيسنون العربينة والعلينب أن‬
‫ينسبوه ا بعد ذلك إىل أفصح العرب لساناً والذي آتاه اهلل جوامع الكلم. وانظر بعد ذلك تكرار اسم العظيم يف تري مناسبة، مث وصف العرش أن له أركاناً ومنن‬
     ‫أين هلم ذلك؟ ومل يرد هذا يف كتاب أو سنة وإمنا جاء يف احلديث أن للعرش ساقاً كما جاء يف قوله صلى اهلل عليه وسلم [فأجد موسى باطشاً بساق العرش].‬

‫مث ما معىن أن يدعو املسلم ربه ويسأله أن جيمع بينه وبني الرسول كما مجع بني الروح والنفس!! وأن يكون هذا ظاهراً وباطناً، يقظة ومناماً، وأن يكون الرسول‬
‫روحاً لذات الداعي وهذا كله من أكرب العدوان يف الدعاء، وهو فتح باب اإلدعاء بعلم الغيب. فما دام أن الرسول قد امتزجت روحه باملدعو ظاهراً وباطناً، يقظة‬
‫ومناماً، فمعىن هذا أنه يتكلم بلسان الرسول ويعلم علم الرسول وهذا فتح لباب التقول على اهلل!!! فهل هذا الدعاء الركيك السقيم معىن ومبىن يأيت الرسول صلى‬
                                                                                                                       ‫اهلل عليه وسلم ليعلمه للناس!!..‬

                                                                            ‫هذا من أذكار هذه الطريقة الشاذلية وإليك مناذج أخرى من أدعيتها وأذكارها..‬

‫" يا خالق السبع مساوات ومن األرض مثلهن، يتنزل األمر بينهن، أشهد أنك على كل شيء قدير، وأنك قد أحطت بكل شيء علماً، أسألك هبذا األمر الذي هو‬
‫أصل املوجودات، وإليه املبدأ واملنتهى، وإليه تاية الغايات أن تسخر لنا هذا البةر، حبر الدنيا وما فيه، كما سخرت البةر ملوسى، وسخرت الننار إلبنراهيم،‬
‫وسخرت اجلبال واحلديد لداود، وسخرت الرياح والشياطني واجلن لسليمان، وسخر يل كل حبر هو لك، وسخر يل كل جبل وسخر يل كل حديد، وسخر يل‬
‫كل ريح، وسخر يل كل شيطان من اجلن واإلنس، وس خر يل نفسي، وسخر يل كل شيء، يا من بيده ملكوت كل شيء، وأيدين بالنصر املبني إنك على كنل‬
                                                                                 ‫شيء قدير" أ.هن (أبو احلسن الشاذيل لعبداحلليم حممود ص299).‬

‫وعلى الرتم من أن الشيخ عبداحلليم حممود شيخ األزهر واإلمام األكرب كما يسمونه أورد هذا الدعاء وتريه يف ترمجة الشاذيل مستةسناً له، فإن يف هذا الندعاء‬
‫من التعدي شيئاً عظيماً جداً، فإنه ال جيوز لنا أن نسأل ما جعله اهلل ألنبيائه من هذه املعلزات فتسخري اجلن والشياطني لسليمان كان شيئاً خاصاً بسليمان فقط،‬
‫ولذلك روى البخاري بإسناده إىل النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: [جاءين ع دو اهلل إبليس بشهاب من نار ليضعه يف وجهي ولوال دعوة أخي سليمان ألصبح‬
                  ‫ً‬
‫موثقاً بسارية املسلد يلعب به صبيان املدينة]. وأما نار إبراهيم الذي يسأل الشاذيل ربه أن يسخرها له!! فإن اهلل عز وجل جعلها برداً وسالما على إبنراهيم يف‬
‫مناسبة خاصة وذلك بعد أن تعرض ملا تعرض له من البالء، ومل يسأل إبراهيم ربه أصالً بذلك، وكذلك إالنة احلديد لداود إمنا كان ألنه يأكل من عمنل ينده‬
‫فكافأه اهلل بأن أالن له احلديد وعلمه صنعة الدرو فكان هذا من اهلل فضالً له للمناسبة اليت فيه.. أما أن يأيت رجل ليس بنيب فيسأل اهلل مجيع معلزات األنبياء فال‬
‫شك أن يكون قد تعدى يف الدعاء وقد هنى النيب صلى اهلل عليه وسلم عن التعدي يف الدعاء واحلق أننا إذا قارنا هذا التعدي املوجود يف أدعية أخرى هلان األمنر‬
                                                                                                                 ‫فها هو الشاذيل نفسه يقول يف دعائه أيضاً:‬

‫" اللهم هب يل من النور الذي رأى به رسولك صلى اهلل عليه وسلم، ما كان ويكون، ليكون العبد بوصف سيده ال بوصف نفسه. تنياً بك عن جتديدات النظر‬
‫لشيء من املعلومات، وال يلةقه علز عما أراد من املقدورات، وحميطاً بذات السر جبميع أنوا الذوات، ومرتباً البدن مع النفس والقلب مع العقل، والروح مع‬
               ‫السر واألمر مع البصرية والعقل األول املمد من الروح األكرب املنفصل عن السر األعلى" أ.هن (أبو احلسن الشاذيل لعبداحلليم حممود ص966).‬

‫فأي تعد أكرب من هذا أن يدعو إنسان ربه ليعطيه نوراً من النور الذي رأى به النيب ما كان يكون -وهذا كذب أيضاً ألن الرسول مل يكن يعلم من الغينب منا‬
‫كان وما يكون وما مل يكن من ه إال ما أعلمه اهلل سبةانه وتعاىل إياه، ولكن هؤالء زعموا هذا للنيب صلى اهلل عليه وسلم ورتبوا على ذلك أن جيعلهم اهلل أيضناً‬
                                           ‫ً‬
 ‫كالنيب يعلمون الغيب، وقوله حىت يكون العبد بوصف مواله- يعين أن يتصف مبا اتصف به النيب ويكون الوصف راجعا يف النهاية للنيب ال يعفيه هذا أنه يطلب ما‬
                          ‫كان للنيب من منزلة وعلم، وصدق اهلل سبةانه حيث يقول يف أمثاهلم {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صةفاً منشرة} (املدثر:52).‬

‫واحلق أن الشاذيل يف هذا الدعاء قد طلب ما هلل من علم وليس ما للرسول فقط فمواله هنا راجعة إىل اهلل سبةانه فكل من هؤالء يريد أن يكون كاهلل سنبةانه‬
‫وتعاىل يف علمه وتصريفه وقدرته. واحلق أنه ال يتوقف التعدي يف الدعاء عند الصوفية أن يطلبوا منازل األنبيناء وخصائصنهم وعلنومهم بنل وصنفات اهلل‬
                       ‫وخصوصياته، بل وتعدى ذلك أيضاً إىل أن يتطاولوا على اهلل فيعلموه كيف يصفح وكيف يرحم؛ انظر إىل هذا الدعاء للشاذيل أيضاً:‬

‫" ولقد شكا إليك يعقوب فخلصته من حزنه ورددت عليه ما ذهب من بصره ومجعت بينه وبني ولده، ولقد نادى نوح من قبل فنليته من كربه، ولقند نناداك‬
‫أيوب بعد فكشفت ما به من ضره، ولقد ناداك يونس فنليته من تمه، ولقد ناداك زكريا فوهبت له ولداً من صلبه بعد يأس أهله وكرب سنه، ولقد علمت منا‬
‫نزل بإبراهيم فأنقذته من نار عدوه، وأجنيت لوطاً وأهله من العذاب النازل بقومه. فها أنذا عبدك إن تعذبين جبميع ما علمت من عذابك فأنا حقيق به وإن ترمحن‬
‫كما رمحتهم من عظيم إجرامي فأنت أوىل بذلك وأحق من أكرم به فليس كرمك خمصوصاً مبن أطاعك وأقبل عليك بل هو مبذول بالسبق ملن شئت من خلقك‬
‫وإن عصاك وأعرض عنك، وليس من الكرم أن ال حتسن إال ملن أحسن إليك وأنت الرحيم العلي كيف وقد أمرتنا أن حنسن إىل من أساء إلينا فأنت أوىل بنذلك‬
                                                                                                 ‫منا" (أبو احلسن الشاذيل لعبداحلليم حممود ص696)‬

‫فعلى الرتم من أنه دعا اهلل سبةانه أن ينليه كما أجنى عباده الصاحلني فإنه تطاول على اهلل يف آخر الدعاء فراح يقول هلل (وليس من الكرم أن ال حتسن إال ملنن‬
‫أحسن إليك)؟! (بل من الكرم أن حتسن إىل من أساء إليك) وكأنه يف هذا يعلم اهلل سبةانه كيف يتفضل وكيف حيسن وعلى هذا القنول تكنون عقوبنة اهلل‬
‫للمسيئني ليست جارية على سنة اهلل يف كرمه وعفوه وصفةه وحلمه وهذا خطأ بالغ ألن اهلل سبةانه وتعاىل ال يضع رمحته إال فيمن يستةقها، وال يعفنو إال‬
 ‫عمن هو أهل للصفح واملغفرة. كما قال تعاىل: {ورمحيت وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} (األعراف:626).‬

‫وهذا التعدي يف الدعاء هو مسة املتصوفة بوجه عام كما مر بك يف دعاء البسطامي " ارفعين إىل أحديتك وأدخلين يف صمديتك حىت أكون أنت أننا فنإذا رآين‬
‫عبادك عرفوك.." إىل آخر هذا اهلذيان والكفر.. والعليب أن يأيت من يسطر مثل هذا اهلراء وينشره على الناس داعياً إياهم إىل هذا الطرينق الصنويف طرينق‬
                                                                                                                                     ‫الظلمات..‬

‫هذه هي مناذج من األدعية واألذكار اليت زعم صاحل اجلعفري أهنا رويت بأهنا بإسناده إىل شيخه أمحد بن إدريس أن رسول اهلل علمها إياه وأن أحند املريندين‬
                                                       ‫استشكل لفظة من احلزب اخلامس فقال له يا أخانا هكذا قال يل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم!!‬
                                                                                                                                             ‫التلقي من القبور:‬

              ‫وهذه قصة تبني طريقة أخرى لتلقي األذكار، إهنا خماطبة املوتى واألخذ عنهم حىت لو كان الذكر كالماً ال معىن له يف أي لغة من اللغات املعروفة!!‬

                                                                                                ‫ذكر أمحد بن املبارك السللماسي املتويف سنة 2266هن قال:‬

‫"ق علينا بعض أ صةابنا من أخيار أهل تلمسان، فأخربين أنه مسع بعض من حج بيت اهلل احلرام يقول إنه زار قرب سيدي إبراهيم الدسوقي (نفعننا اهلل بنه)!!‬
‫فوقف عليه الشيخ سيدي إبراهيم الدسوقي نفعنا اهلل به وعلمه دعاء وهذا هو: بسم اهلل اخلالق، يللمه بللام قدرته. أمحى محيثاً أطمى طميثاً وكنان اهلل قويناً‬
                          ‫عزيزاً. حم عسق محايتنا كهيع كفايتنا، فسيكفيكهم اهلل وهو السميع العليم، وال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم" (اإلبريز) .‬

‫"فقال له سيدي إبراهيم: اد هبذا الدعاء وال ختف من شيء فقال له صاحبنا التلمساين وهو احلاج األبر التاجر األطهر سيدي عبدالرمحن بن إبراهيم منن أوالد‬
‫إبراهيم القاطنني بتلمسان: إن أخي احلاج حممد بن إبراهيم استشكل معىن هاتني الكلمتني ومها (أمحى محيثاً وأطمى طميثاً) امتنع من هذا الدعاء وقال: ال أدري‬
‫ما معناها ولعل أن يكون فيهما ما أكره، فسألين عن معىن الكلمتني. فسألت شيخنا رضي اهلل عنه عن معنامها، فقال رضي اهلل عنه بديهة ال يتكلم أحد اليوم على‬
                                                                                                     ‫وجه األرض هباتني الكلمتني فمن أين لك هبما؟!..‬

‫فةكيت له احلكاية، فقال رضي اهلل عنه: نعم سيدي إبراهيم الدسوقي من أكابر الصاحلني ومن أهل الفتح الكبري وهو وأمثاله الذين يتكلمون هباتني الكلمتني. مث‬
‫قال رضي اهلل تعاىل عنه: مها كلمتان باللغة السريانية: أما أمحى فمعناه يا مالك األسرار يا مالك األنوار يا مالك الليل والنهار يا مالك احلساب املدرار، يا مالك‬
‫الشموس واألقمار، يا مالك العطا والنفع، يا مالك اخلفض والرفع، يا مالك كل حي، يا مالك كل شيء، ويف هذا االسم سر عليب ال يطيق القلم وال العبنارة‬
                                                                                                                                                  ‫تبلغه أبداً..‬

‫وأما قوله (أطمى) فهو مبنزلة من يصفه تعاىل بالعظمة والكربياء والقهر والغلبة والعز واالنفراد يف ذلك كله وكأنه يقول: يا عامل كل شيء يا قادراً على كل شيء‬
                                        ‫يا مكون كل شيء ويا مدبر كل شيء ويا قاهر كل شيء ويا من ال يتطرق إليه علز وال يتوهم يف تصرفه نق ..‬

‫(وطميثاً) إشارة إىل األشياء اليت يتصرف فيها، وإىل املمكنات اليت يفعل فيها ما يشاء وحيكم ما يريد سبةانه ال إله إال هو. ويف هذا االسم سر عليب ال يطيق‬
                                                                                                              ‫القلم تبليغه أبدًا واهلل أعلم" (اإلبريز).‬

‫فانظر كيف أن إس ناد هذه القصة جمهول عن جمهول عن ميت وكلمات الذكر ال معىن هلا يف أي لغة قدمية أو حديثة، وكلمة السريانية هي ال تعين اللغة السريانية‬
‫البائدة املعروفة وإمنا يفسرها الصوفية بأهنا لغة األرواح!! ومع كل هذه اجلهالة يف اإلسناد واحلديث عن موتى يعلمون الناس األذكار من قبورهم إال أن كل ذلك‬
                                                                                                              ‫طرق معتمدة عند الصوفية لتلقي العلم..‬

‫ونقول (العلم) هنا جتوزاً واحلق أنه تلقى هذه الضالالت من أفواه الشياطني الذين خياطبوهنم من هذه القبور ويلبسون عليهم دينهم ويصرفوهنم عن الذكر الطيب‬
                                                                                                   ‫ً‬
‫الذي نطق به فم الرسول صلى اهلل عليه وسلم فبدال من أن يذكر املسلم اهلل قائالً: سبةان اهلل وحبمده، سبةان اهلل العظيم، وأمثال هنذه الكلمنات الطيبنات‬
                        ‫النافعات يقول: (سقفاطيس، سقاطيم، آمون، فاق آدم حم، هأ آمني، كد كد، كردد، ده، هبا هبيا هبيا، ملقفتلل يا أرض خُذيهم)!!‬

‫والعليب بعد كل هذا أهنم إذا سئلوا من أين لكم هبذه اخلزعبالت اليت تسموهنا أذكاراً يقولون كما قال أبو احلسن الشاذيل عن نفسه وقد سئل عن شيخه الذي‬
‫أخذ عنه العلم فقال: "أما فيما مضى فكان سيدي عبدالسالم بن مشيش. وأما اآلن فأستقي من عشرة أحبر مخسة مساوية ومخسة أرضية، أما السماوية فلربينل‬
‫وميكائيل وإسرافيل وع زرائيل والروح وأما األرضية فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والنيب صلى اهلل عليه وسلم" أ.هن (أبو احلسن الشاذيل لعبنداحلليم حممنود‬
                                                                                                                                     ‫ص465).‬

‫وأما سيده عبدالسالم بن مشيش هذا فهو الذي يقول يف صالته املشهورة عن الرسول: "اللهم إنه سرك اجلامع الدال عليك وحلابك األعظم القائم لنك بنني‬
‫يديك اللهم أحلقين بنسبه وحققين حبسبه وعرفين إياه معرفة أسلم هبا من موارد اجلهل وأكر هبا من موارد الفضل وامحلين على سبيله إىل حضرتك محالً حمفوفناً‬
 ‫بنصرتك واقذف يب على الباطل فأدمغه وزج يف حبار األحدية وانشلين من أوحال التوحيد وأترقين يف عني حبر الوحدة حىت ال أرى وال أمسع وال أجد وال أحس‬
 ‫إال هبا واجعل احللاب األعظم حياة روحي وروحه سر حقيقيت وحقيقته جامع عواملي بتةقيق احلق األول يا أول يا آخر يا ظاهر، يا باطن امسع ندائي مبا مسعت‬
                                                          ‫به نداء عبدك زكريا وانصرين بك لك وأيدين بك لك وامجع بيين وبينك" (احلزب الكبري للدسوقي).‬

‫ويف هذا الدعاء من الكفر واهلذيان شيء عظيم ال خيفى على من عنده أي إملام بشيء من علوم الدين قوله (وزج يب يف حبار األحدية وانشلين من أوحال التوحيد،‬
‫وأترقين يف عني حبر الوحدة) تصريح واضح لعقيدة ابن مشيش ومن على شاكلته من أهل وحدة الوجود الذين يسمون عقيدة التوحيد أوحاالً!!وأما قوله (واجعل‬
‫احللاب األعظم حياة روحي) فيعين باحللاب الرسول صلى اهلل عليه وسلم أي أن صورة الرسول صورة اهلل كما مضى بيان ذلك يف كالم عبدالكرمي اجليلني،‬
‫والعليب من قول الدكتور عبداحلليم حممود شيخ األزهر واإلمام األكرب "كان ابن مشيش متمسكاً بالكتاب والسنة عامالً هبا ملتزماً هلما" (أبو احلسن الشناذيل‬
                                                                                                                                           ‫ص65).‬

                              ‫وقوله أيضاً عن ابن مشيش "ولتأمل القارئ يف مدى انغماس (سيده) سيدنا ابن مشيش يف النور وما وصل إليه من الفضل اإلهلي".‬

                                                           ‫بل إن الشيخ عبداحلليم حممود يدون يف كتابه عن الشاذيل ما هو أدهى وأمر من ذلك وأضل فيقول:‬

‫" ولقد هبر ابن مشيش أبا احلسن الشاذيل، هبره بعلمه املشيد على الكتاب والسنة وهبره بواليته وكرامته، يقول أبو احلسن، كما ينروي صناحب كتناب درة‬
                                                                                                                                  ‫األسرار:‬

                                                                                                    ‫ً‬
‫ورأيت له خرق عادات كثرية، فمنها أنين كنت يوما جالساً بني يديه، ويف حلره ابن له صغري يالعبه، فخطر ببايل أن أسأله عن اسم اهلل األعظم، قال فقنام إىل‬
                                                                                                             ‫الولد، ورمى بيده يف طوقي وهزين وقال:‬

      ‫( يا أبا احلسن، أنت أردت أن تسأل الشيخ عن اسم اهلل األعظم ليس الشأن أن تسأل عن اسم اهلل األعظم، إمنا الشأن أن تكون أنت هو اسم اهلل األعظم)!!‬

                                                                                                                            ‫يعين أن سر اهلل مود يف قلبك.‬

                                                                                                                                 ‫قال فتبسم الشيخ وقال يل:‬

                                                                                                                                 ‫جاوبك فالن عين" أ.هن.‬

‫أال تعلب بعد ذلك من شيخ أكر