Docstoc

التقوى الدُرَة المَفقُودة والغاية المَنشُودة

Document Sample
التقوى الدُرَة المَفقُودة والغاية المَنشُودة Powered By Docstoc
					‫3‬                                            ‫التقـوى‬




       ‫مش‬                 ‫در م ق‬
    ‫التقوى ال ُ َة ال َف ُودة والغاية ال َن ُودة‬


               ‫الدكتور أحمد فريد‬
       ‫4‬                                                                               ‫التقـوى‬

                                 ‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
                                         ‫مقدمة‬

‫إن الحمد هلل ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من‬
‫يهده اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادى له ، واشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له‬
                                                                                     ‫ً‬
                                                                       ‫وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .‬


‫(‬           ‫م ت َّ ِال أ ت م لم ن‬                    ‫ي َيه َّ ن ن اتق ل َق تق ت‬
    ‫] َا أ ُّ َا الذِي َ آمَ ُواْ َّ ُواْ الّهَ ح َّ ُ َا ِهِ وَالَ تَ ُو ُن إ َّ وََن ُم ُّسِْ ُو َ [ .....‬
                                                                                        ‫أل عمران : 102 )‬

‫ل ك م ن ْس ِ َة و َق ه َ ه َث‬                                   ‫ي َيه الن س اتق َب ُم ال‬
‫] َا أ ُّ َا َّا ُ َّ ُواْ ر َّك ُ َّذِي خََقَ ُم ِّن َّف ٍ وَاحد ٍ َخَل َ مِنْ َا زوْجَ َا وَب َّ‬
‫س ل ن به و ح م ِن له ك ن‬                        ‫هم رج ال كث ا س َاتق له َّ‬
‫مِنْ ُ َا ِ َا ً َ ِيرً وَنِ َاء و َّ ُواْ الّ َ الذِي تَ َاءُو َ ِ ِ َاألَرْ َا َ إ َّ الّ َ َا َ‬
                                                                                     ‫علي ُ ْ رق ب‬
                                                          ‫ََ ْكم َ ِي ًا [ ..... ( النساء : 2 )‬

‫] َا أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ وَ ُوُوا َوًْا س ِي ًا (00) يصِْحْ لَ ُمْ أَعْ َاَ ُمْ‬
  ‫ُ ل ك م لك‬                          ‫ي َيه َّذ ن من اتق الله ق ل ق ل َد د‬
 ‫....... (‬              ‫َ م‬       ‫ُ ِ الله ورس ه ف َ ف ز ف‬                 ‫ي ف ُ ذن ُ‬
                   ‫وَ َغْ ِرْ لَكمْ ُ ُوبَكمْ وَمَن يطعْ َّ َ َ َ ُولَ ُ َقدْ َا َ َوْزًا عظِي ًا [‬
                                                                                    ‫األحزاب : 00 ، 20 )‬


                                                                                            ‫ثم أما بعد :‬


‫فإن أصدق الحديث كتاب اهلل ، وخير الهدى هدى محمد صلى اهلل عليه وسلم وشر األمور‬
                          ‫محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضالله وكل ضالله فى النار .‬
‫ففى مثل هذه االزمنة الغابرة التى استولت فيها الغفلة على القلوب ، وضعفت فيها العين‬
‫المتطلعة إلى األخرة فال تكاد ترى ، وظن الناس أن السعيد من فاز فى الدنيا بشهواتها ، ومن‬
                                            ‫وصل إلى جاهها وسلطانها ، والشقى من حرم هذا الخير‬
     ‫5‬                                                                          ‫التقـوى‬

‫العظيم والرزق الكريم وهذا من الغفلة الشنيعة والجهل البليغ بالسعادة الحقيقية والشرف العظيم‬
‫الذى جعله اهلل عز وجل للمتقين فى الحياة ويوم يقوم الناس لرب العالمين ولو ذاقت قلوب أهل‬
                                                                           ‫ا‬
‫الدن يا شيئ ً من مواجيد أهل التقوى وما يجدونه من العزة والشرف فى الدنيا مع ما ينتظرهم من‬
                                        ‫ا‬
‫سعادة األخرة ونعيمها ألكلوا أصابعهم ندم ً وحسرة على ما فاتهم من الخير ويفوتهم إذا‬
                                                                                 ‫استمرت غفلتهم ،‬
‫فالتقوى كما قال الغزالى رحمة اهلل : كنز عزيز، فلئن ظفرت به كم تجد فيه من جوهر شريف‬
‫، وخير كثير ، ورزق كريم ، وفوز كبير ، وغنم جسيم ، وملك عظيم ، فكأن خيرات الدنيا‬
‫واألخرة جمعت فجعلت تحت هذه الخصلة الواحدة التى هى تقوى اهلل ، وتأمل ما فى القرأن من‬
 ‫ذكرها فكم علق بها من خير وكم وعد عليها من خير وثواب وكم أضاف إليها من سعادة (1) .‬


‫فاهل التقوى هم ملوك الدنيا كما أنهم ملوك األخرة وهم وأهل السعادة الحقيقية والشرف العظيم‬
         ‫.......... ( طه : 132 )‬  ‫فى الدنيا واألخرة كما قال تعالى : ] َالْ َا ِبَ ُ ل َّقْ َى [‬
                                          ‫و ع ق ة ِلت و‬
                 ‫وقال تعالى : ] َا ْآ ِر ُ ِن َ ر ِّ َ ِ ْم َّ ِي َ [ .......... ( الزخرف : 33 )‬
                                                 ‫و ل خ َة ع د َبك لل ُتق ن‬

‫وأنت يا أخى الكريم معى فى هذا الكتاب نسير مع التقوى فى كل باب لعلى وإياك عند الختام‬
‫يمن اهلل علينا بالتوبة النصوح وما لها من الفتوح ويجعلنا من المتقين ، الذين تقر أعينهم فى‬
‫الدنيا بالطاعات وفى األخرة بالجنات ، وقد جمعت لك فى هذا الكتاب من المعانى الشريفة ،‬
‫والفوائد اللطيفة ما تنشرح له القلوب ، وتقترب به من عالم الغيوب وغفار الذنوب ، فبدأت‬
‫بذكر معانى التقوى وأقسامها ، وثنيت بذكر شرفها وخطرها ، وثم اجتهدت فى الباب الثالث فى‬
                                      ‫بيان ما تتطلع إليه قلوب اصحاب الهمم العالية والنفوس األبية‬
                                   ‫وهو فى بيان كيف تتقى اهلل عز وجل وذكرت لك خمسة وسائل :‬
                                                                      ‫األولى محبة اهلل عز وجل ،‬
                                                          ‫والثانية فى استحضار المراقبة والحياء ،‬



                                                                                                      ‫(1)‬
                                                                    ‫منهاج العابدين (7) مكتبة الجندى‬
     ‫6‬                                                                     ‫التقـوى‬

                               ‫والثالثة فى معرفة ما فى طريق الحرام من الشرور واالالم ،‬
                                       ‫والرابعة فى بيان كيف تغالب هواك وتطيع موالك،‬
              ‫والخامسة فى معرفة مكائد الشيطان ومصائده ، والحذر من وساوسه ودسائسه ،‬


‫ثم زدتك تشريفا وتعريفا باصحاب الرتب العالية والدرجات الرفيعة السامية، بذكر صفات‬
‫المتقين ، وختمت بحسن االختام ، وهو رحله فى رياض التقوى ننزة قلوبنا وابصارنا برؤية‬
                                                            ‫ثمرات التقوى العاجلة واآلجلة.‬


                                                                      ‫واالمر كما يقال :‬
                       ‫والطبيب سقيم‬     ‫....‬    ‫طبيب يداوى‬

‫ولوال ما نطمع فيه من رحمة اهلل وعفوه وكرمه ، وان ال نحرم دعوة صالحة من اخ كريم‬
‫لتقطعت القلوب يأسا من النفوس وصالحها وقلة تقواها ، وال تظن ان من تكلم عن التقوى فقد‬
‫صار بذلك من المتقين ، فما اظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى واكتساب االموال وهو فقير‬
‫وبين العلم بأسباب الصحة وهو سقيم ، ولكن نرجو بذكر القوم ومحبتهم ان نجد ريحا من اثار‬
                                                          ‫غبارهم او ان نلحق ولو بساقاتهم‬


                                                      ‫وكما قال بن الجوزى رحمة الله :‬
‫إن صدقت فى طالبهم فانهض وبادر، وال تستصعب طريقهم فالمعين قادر، تعرض لمن‬
‫اعطاهم وس ل فموالك موالهم ، رب كنز وقع به فقير ، ورب فضل اختص به صغير ، علم‬
                       ‫الخضر ما خفى على موسى وكشف لسليمان ما خفى على داود (1) .‬




                                                                                               ‫(1)‬
                                          ‫المدهش البن الجوزى ( 428 ) بتصرف دار الكتب العلميه‬
     ‫7‬                                                                 ‫التقـوى‬

‫وسوف تجد فى صحبة هذا الكتاب ومبانيه ما يبين لك شرف معانيه ، فتجد شرف التقوى فى‬
                                                             ‫طياته وسعادتها ين وريقاته ،‬


‫نسأل اهلل أن يجعلنا من أهلها وأن يقسم لنا من كنوزها وثمراتها . وأن يبارك فى هذا الكتاب‬
                                    ‫وفى جامعة وناشره ومن قرأه يلتمس الهداية والتوفيق ،‬
           ‫واهلل الهادى القوم طريق فهو الذى تقر القلوب بمحبته فى الدنيا ورؤيته فى الجنة ،‬
                ‫ً‬
              ‫وصلى اهلل على رسوله المصطفى واله واصحابه ومن اتبع السنة وسلم تسليما .‬




                                                                      ‫وكتبه‬
    ‫الشيخ / أحمد فريد‬
      ‫8‬                                                                                    ‫التقـوى‬
                                 ‫معنى التقوى ومراتبها‬
                      ‫المعنى اللغوى : قال فى المصباح : وقاه اهلل السوء وقاية : حفظه‬                        ‫‪‬‬


                                                  ‫ا‬
‫والوقاء مثل كتاب كل ما وقيت به شيئ ً ، وروى أبو عبيد عن الكسائى الفتح فى ( الوقاية ) و‬
                                                          ‫ء‬                         ‫ً‬
          ‫(الوقاء) أيضا و ( اتقيت ) اهلل ( اتقا ً ) و ( التقية ) و (التقوى ) اسم منه والتاء مبدله‬
                                                                           ‫(2‬
                                                                         ‫من واو واألصل (وقى) أهـ ).‬


‫المعنى الشرعى : اختلفت تعبيرات العلماء فى تعريف التقوى مع أن الجميع يدور‬                                   ‫‪‬‬


‫حول مفهوم واحد ، وهو أن يأخذ العبد وقايته من سخط اهلل عز وجل وعذابه ، وذلك بامتثال‬
                                                                              ‫المأمور واجتناب المحظور .‬


                                                                      ‫قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :‬
                          ‫وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه‬
‫فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه‬
‫من ذلك ، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه ، وتاره تضاف التقوى إلى اسم اهلل عز وجل ،‬
             ‫.......... ( المائده : 96 )‬ ‫كقوله تعالى : ] و َّ ُواْ الّ َ ال ِيَ إَِيْ ِ ُحْشَ ُو َ [‬
                                           ‫َاتق له َّذ ل ه ت ر ن‬
‫ي َيه َّذ ن من اتق الله ظ ن س م َدم ل َد َاتق الله ِن الله‬
‫] َا أ ُّ َا ال ِي َ آ َ ُوا َّ ُوا َّ َ وَلْتَن ُرْ َفْ ٌ َّا ق َّ َتْ ِغ ٍ و َّ ُوا َّ َ إ َّ َّ َ‬
                                                                                     ‫ل‬     ‫بر م‬
                                                                            ‫خَ ِي ٌ بِ َا تَعْمَُونَ [‬
                                                                                            ‫..... (الحشر : 12)‬

‫فإذا اضيفت التقوى إليه سبحانه وتعالى فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى ، وعن‬
                      ‫وي َذر ُم له نفسه‬
‫ذلك ينشأ عقابة الدنيوى واالخروى ، قال تعالى ] َ ُح ِّ ُك ُ الّ ُ َ ْ َ ُ [ ........ ( آل عمران‬
                                                                                                         ‫: 11 )‬

                   ‫.......... ( المدثر : 93 )‬          ‫ُو َ ل الت ْو َ ل م ف َ‬
                                                   ‫وقال تعالى ] ه َ أهْ ُ َّق َى وَأهْ ُ الْ َغْ ِرةِ [‬
     ‫فهو سبحانه أهل ان يخشى ويهاب ويجل ويعظم فى صدور عباده ، حتى يعبدوه ويطيعوه ،‬
                    ‫لما يستحقه من اإلجالل واإلكرام ، وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش .‬

                                                                                                               ‫(1 )‬
                                           ‫المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير للرافعى (666) – دار المعارف .‬
         ‫9‬                                                                                       ‫التقـوى‬

                                   ‫وفى الترمذى عن انس عن النبى صلى اهلل عليه وسلم فى هذه االية :‬
‫] ه َ َهْ ُ َّق َى ......... [ قال اهلل تعالى : ( أنا أهل التقوى فمن اتقانى فلم يجعل معى‬
                                                                       ‫ُو أ ل الت ْو‬
                                                                              ‫(2)‬
                                                                                    ‫إلهاً أخر فأنا أهل أن أغفر له)‬
               ‫وتارة تضاف التقوى إلى عقاب اهلل ، أو إلى مكانه كالنار ، أو إلى زمانه كيوم القيامة‬
         ‫[.......... ( آل عمران : 232 )‬      ‫كما قال تعالى : ] و َّ ُواْ َّارَ َّ ِي ُع َّت لِلْ َافِ ِي َ‬
                                             ‫َاتق الن الت أ ِد ْ ك ر ن‬
‫......‬    ‫وقال تعالى : ] ف َّ ُواْ َّا َ َّ ِي وَ ُود َا َّا ُ َالْ ِ َا َ ُ ُع َّتْ لِلْ َافِرِي َ [‬
            ‫َاتق الن ر الت ق ُه الن س و حج رة أ ِد ك ن‬
                                                                                                      ‫( البقره : 24 )‬
             ‫.......... ( البقره : 184 )‬   ‫وقال تعالى : ] و َّ ُواْ يوْ ًا ُرْجَ ُونَ ِي ِ إَِى الّ ِ [‬
                                              ‫َاتق َ م ت ع ف ه ل له‬
‫.......... ( البقره : 82‬         ‫وقال تعالى : ] و َّ ُواْ يوْمً َّ َجْزِي َف ٌ عَن نف ٍ شَيْئً [‬
                                   ‫َّ ْس ا‬          ‫ن ْس‬         ‫َاتق َ ا ال ت‬
                                                                                                                        ‫)‬
‫ويدخل فى التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وربما دخل فيها بعد ذلك‬
                                                                              ‫فعل المندوبات وترك المكروهات.‬


‫قال تعالى : ] الـم~ (1) ذَلكَ الْكِ َا ُ ال رَيْبَ ِيهِ ُ ًى ِّلْم َّ ِينَ (2) ال ِي َ يؤْمِ ُو َ‬
‫َّذ ن ُ ن ن‬                   ‫ف هد ل ُتق‬              ‫تب َ‬            ‫ِ‬
‫ِالْغَيْ ِ وَ ُقِي ُو َ َّال َ وَم َّا َزَقْ َاهمْ ُن ِ ُو َ (3) َّذِي َ يؤْمِ ُو َ بِ َا ُن ِ َ‬
‫وال ن ُ ن ن م أ زل‬                         ‫ب ب ي م ن الص ة ِم ر ن ُ ي فق ن‬
          ‫.......... (البقره : 1 – 2 )‬
                                       ‫(1)‬
                                             ‫َ ُ ي ن ن‬               ‫ِ ب‬                 ‫ك م أ‬
                                           ‫إِلَيْ َ وَ َا ُنزِلَ مِن قَبْلكَ وَ ِاآلخِرةِ همْ ُوقِ ُو َ [‬

                                                                                     ‫وقال ابن القيم رحمه الله :‬
‫ً‬                             ‫ا‬      ‫ا‬               ‫ا‬
‫وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة اهلل إيمان ً واحتسابا ، أمرً ونهي ً ، فيفعل ما أمر اهلل به إيمانا‬
                                             ‫ا‬                                     ‫ا‬
                     ‫باألمر وتصديق ً بوعده ، ويترك ما نهى اهلل عنه إيمان ً بالنهى وخوفا من وعيده ،‬
‫كما قال طلق بن حبيب : “ إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى . قالوا : وما التقوى ؟ قال : أن‬
‫تعمل بطاعة اهلل على نور من اهلل ترجو ثواب اهلل ، وأن تترك معصية اهلل على نور من اهلل‬
                                                                                               ‫تخاف عقاب اهلل “ .‬



                                                                                                                       ‫(1)‬
               ‫رواه أحمد ( 3 / 281 ، 382 ) وابن ماجه ( 6628 ) الزهد ، والدرامى ( 2 / 303 ) الرقاق ، وضعفه األلبانى .‬
                                                                                                                       ‫(2)‬
                                                                         ‫جامع العلوم والحكم ( 481 – 681 ) بأختصار .‬
     ‫01‬                                                                                    ‫التقـوى‬
‫وهذا من أ حسن ما قيل فى حد التقوى ، فإن كل عمل ال بد له من مبدأ وغاية ، فال يكون العمل‬
‫طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن اإليمان فيكون الباعث عليه هو اإليمان المحض ال العاده‬
            ‫وال الهوى وال طلب المحمدة والجاه وغير ذلك ، بل البد أن يكون مبدأه محض اإليمان‬
                                                  ‫وغايته ثواب اهلل وابتغاء مرضاته وهو اإلحتساب .‬


                                                                               ‫ً‬
                ‫ولهذا كثيرا ما يقرن بين هذين االصلين فى مثل قول النبى صلى اهلل عليه وسلم :‬
      ‫(1)‬                                                      ‫(2)‬
            ‫، ( ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً )‬               ‫( من صام رمضان إيماناً واحتساباً )‬
‫ونظائره . فقوله : ( على نور من اهلل ) إشارة إلى األصل األول وهو مصدر العمل والسبب‬
              ‫الباعث عليه . وقوله ( ترجو ثواب اهلل ) إشارة إلى األصل الثانى وهو اإلحتساب ،‬
                                                    ‫وهو الغاية التى ألجلها توقع العمل ويقصد به (3).‬


                                              ‫وقال العالمة نعمان بن محمود األلوسى رحمه الله :‬
                 ‫وفى تحفة اإلخوان : التقوى إمتثال االوامر واجتناب النواهى ولها ثالث مراتب :‬
  ‫االولى : التوقى من العذاب المخلد بالتبرى من الشرك وعليه قوله تعالى : ] وََلْزَمَهمْ َلِ َ َ‬
  ‫أ ُ ك مة‬
                                                                                          ‫الت ْو‬
                                                             ‫َّق َى [ .......... ( الفتح : 91 )‬
‫والثانية : التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم ، وهو المتعارف‬
‫بالتقوى فى الشرع وهو المعنى بقوله تعالى : ] َل ْ أ َّ َ ْل ا ْ ُ َى آ َ ُو ْ َات َو ْ [ ......‬
            ‫وَو َن أه َ لقر من ا و َّق ا‬
                     ‫(االعراف : 96 ) وعلى هذا قول عمر بن عبد العزيز رضى اهلل تعالى عنه :‬
      ‫التقوى ترك ما حرم اهلل وأداء ما افترض اهلل ، فما رزق اهلل بعد ذلك فهو خير إلى خير .‬




                                                                                                               ‫(2)‬
                                                                            ‫رواه البخارى ( 8 / 111 ) الصوم‬
                                                                                                               ‫(1)‬
                            ‫رواه البخارى ( 8 / 112 ) فضل ليلة القدر ، ومسلم ( 6 / 08 ، 18 ) صالة المسافرين‬
                                                                                                               ‫(3)‬
                            ‫الرساله التبوكيه بتحقيق أشرف عبد المقصود ونشر مكتبة التوعيه األسالميه ( 11 - 71)‬
      ‫11‬                                                                                      ‫التقـوى‬

‫والثالثة : أن يتنزه عما يشتغل سره عن اهلل تعالى ، وهذه هى التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله‬
             ‫....... ( أل عمران: 102 )‬        ‫تعالى : ] َا أ ُّ َا ال ِي َ آمَ ُواْ َّ ُوا الّهَ ح َّ ُ َاتِ ِ [‬
                                                ‫ي َيه َّذ ن ن اتق ْ ل َق تق ه‬
                                                       ‫(1)‬
                                                           ‫وقال ابن عمر : اال ترى نفسك خيرا من أحد .‬
                                                                     ‫ً‬
                                                                                   ‫وقال الغزالى رحمة الله :‬
                                                                          ‫ال‬
‫اعلم أو ً - بارك اهلل فى دينك وزاد فى يقينك - أن التقوى فى قول شيوخنا رحمهم اهلل هى‬
‫تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله ، حتى تحصل لك من القوة والعزم على تركه وقاية‬
                                                                                         ‫بينك وبين المعاصى .‬
‫فإذن لما حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصى من قوة عزمه على تركها ، وتوطين قلبه على‬
                 ‫ذلك ، فيوصف حينئذ بأنه متق ، ويقال لذلك التنزيه والعزم والتوطين : التقوى .‬


                     ‫والتقوى فى القرأن : تطلق على ثالثة اشياء : أحداهما بمعنى الخشية والهيبة .‬
‫قال تعالى: ] وَإ َّا َ ف َّ ُو ِ [ ....... ( البقرة : 21 ) وقال تعالى : ] و َّ ُواْ َوْ ًا ُرْجَ ُو َ‬
‫َاتق ي م ت ع ن‬                                                       ‫ِي ي َاتق ن‬
        ‫ِي ِ َِى الّ ِ [....... ( البقرة : 211 ) ، والثانى بمعنى الطاعة والعبادة قال اهلل تعالى :‬
                                                                                         ‫ف ه إ ل له‬
                                                   ‫ي َيه َّذ َ من ا اتق ْ له َق تق ته‬
                     ‫] َا أ ُّ َا ال ِين آ َ ُو ْ َّ ُوا الّ َ ح َّ ُ َا ِ ِ [ ....... ( أل عمران : 102 )‬
                                             ‫قال ابن العباس رضى اله عنهما : اطيعوا اهلل حق طاعته.‬
                   ‫وقال مجاهد : هو أن يطاع فال يعصى وأن يذكر فال ينسى وأن يشكر فال يكفر‬
‫والثالث : بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب ، فهذه هى الحقيقة عن التقوى دون األولين أال ترى‬
‫] وَمَن يط ِ َّ َ وَرَ ُولَ ُ وَ َخ َ َّ َ وَي َّقْ ِ َأوْلَئ َ ه ُ الْ َائِ ُو َ [‬
  ‫ُ ِع الله س ه ي ْش الله َت ه فُ ِك ُم ف ز ن‬                                                        ‫أن اهلل يقول‬
‫…..( النور : 13 ) ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى ، فعلمت أن حقيقة التقوى معنى سوى‬
                                                       ‫الطاعة والخشية ، وهى تنزيه القلب عما ذكرناه ،‬


                                                                              ‫ثم قالوا : منازل التقوى ثالثة :‬

                                                                                                                      ‫(‬
                                                ‫1) غالية المواعظ ومصباح المتعظ وقبس الواعظ ( 2 / 48 ) دار المعرفه .‬
  ‫وقول ابن عمر رضى اهلل عنهما يشير إلي نوع من التقوى وليست التقوى الكامله ، وأصح من ذلك أن يقال هو نوع من الزهد ،‬
                                                              ‫وهو الزهد فى النفس ، والزهد فى النفس أقصى غاية الزهد .‬
      ‫21‬                                                                                         ‫التقـوى‬
‫تقوى عن الشرك وتقوى عن البدعة ، وتقوى عن المعاصى الفرعية ، ولقد ذكرها اهلل تعالى فى‬
                                                                            ‫أية واحدة وهى قوله جل من قائل :‬
   ‫ْس ل َّ ن ن و ل الص لح ِ جن ح م طعم ِذ م اتق‬
‫] لَي َ عََى الذِي َ آمَ ُواْ َعَمُِواْ َّاِ َات ُ َا ٌ فِي َا َ ِ ُواْ إ َا َا َّ َواْ‬
                         ‫َّآمَ ُواْ َعَمُِوا الص لح ت ُم اتق ا و من ا ُم اتق ا وأحسن ا‬
     ‫َّاِ َا ِ ث َّ َّ َو ْ َّآ َ ُو ْ ث َّ َّ َو ْ ََّ ْ َ ُو ْ … [ ( المائده : 36)‬ ‫و ن و ل ْ‬

‫فالتقوى األولى عن الشرك ، واإليمان الذى فى مقابلتها التوحيد ، والتقوى الثانية من البدعة ،‬
‫واإليمان الذى ذكر معها إقرار عقود السنة والجماعة ، والتقوى الثالثة عن المعاصى الفرعية ،‬
‫وال إقرار فى هذه المنزلة فقابلها باإلحسان وهو الطاعة واالستقامة عليها ، فتكون منزلة السنة‬
                                                                                      ‫، ومنزلة استقامة الطاعة .‬


‫قال : وأنا وجدت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحالل ، وهو ما روى فى الخبر المشهور عن‬
‫النبى صلى اهلل علية وسلم أنه قال :( إنما سمى المتقون متقين لتركهم ما ال بأس به حذراً عما‬
                                                                                                     ‫به بأس ) (1) .‬


‫فهذه أقوال العلماء فى معنى التقوى وأقسامها وال شك أن اسم التقوى يسع ما ذكر ، وأحوال‬
‫الناس معها ال تعارض ذلك ، فمن الناس من يقى نفسه الخلود فى النار ، وذلك باإلقرار‬
           ‫بالتوحيد وتصديق الرسول صلى اهلل عليه وسلم ولكنه ال يقى نفسه خلود النار بالكلية ،‬
     ‫فيفرط فى الواجبات ويت لبس بالمخالفات ، فهذا نوع من التقوى وإن كان فى أدنى درجاتها ،‬
                  ‫وال يستحق صاحبها إسم المتقى بإطالق ، ألنه متعرض للعذاب مستحق للعقاب ،‬
         ‫إن لم تتداركه رحمة اهلل فإنه تعالى ال يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ،‬




                                                                                                                     ‫(2)‬
                                                                  ‫منهاج العابدين ( 87 ، 17 ) بتصرف مكتبة الجندى .‬
 ‫والحديث رواه الترمذى ( 6 / 472 ) ، القيامه وقال : هذا حديث حسن غريب ال نعرفه إال من هذا الوجه ، وابن ماجه ( 1128 )‬
 ‫الزهد ، والحاكم ( 8 / 613 ) الرقاق وقال : صحيح اإلسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى وقال األلبانى : هذا عجب منه فإن عبد اهلل‬
                                           ‫بن يزيد لم يوثقه أحد وضعفه فى بلوغ المرام ( 174 ) وضعيف ابن ماجه ( 826 ) .‬
       ‫31‬                                                                                     ‫التقـوى‬

 ‫ومن الناس من يتقى الكفر وكبائر الذنوب إال إنه ال يتورع عن الصغائر وال يكثر من النوافل .‬
‫] إِن َجْ َنِ ُواْ كَ َآ ِ َ َا ُنْ َوْ َ َنْ ُ ُك ِّرْ‬
  ‫ت ت ب ب ئر م ت ه ن ع ه ن َف‬                             ‫فال شك أنه أقرب للنجاة لقول اهلل عز وجل :‬
‫.....( النساء : 23 ) وقوله صلى اهلل علية وسلم‬                ‫ُ َيئ ُ ُ خ ك ُّ َال م‬
                                                          ‫عَنكمْ س ِّ َاتِكمْ وَندْ ِلْ ُم مدْخ ً كَرِي ًا [‬
‫: ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما‬
                                                                                       ‫(1 )‬
                                                                                              ‫اجتنبت الكبائر ).‬


‫إال أن لم يأخذ الجنة الكاملة من النار ، فالبد أن يكون هناك من التقصير فى الفرائض والوقوع‬
‫فى الصغائر التى يخشى من المداومة عليها التجرؤ على الكبائر ، وليس له من نوافل الطاعات‬
                                             ‫واجتناب الشبهات والمكروهات ما يكمل به تقوى العبد ،‬
 ‫.. ( أل عمران: 102 )‬      ‫لذا قال اهلل عز وجل :] َا أ ُّ َا الذِين آمَ ُواْ َّ ُوا الّ َ ح َّ ُ َاتِ ِ [‬
                             ‫ي َيه َّ َ ن اتق ْ له َق تق ه‬

‫فالتقوى الحقيقية هى أن يجتهد العبد فى ترك الذنوب كلها صغارها وكبارها ، ويجتهد فى‬
                                                          ‫الطاعات كلها الواجبات والنوافل ما استطاع ،‬
‫لعل كثرة النوافل تعوض ما قد يعرض من تقصير وإجتناب الصغائر يجعل بين العبد وبين‬
 ‫……( التغابن : 92 )‬       ‫الكبائر جنة حصينة كما قال عز وجل : ] ف َّ ُوا َّهَ َا اسْت َعْتمْ [‬
                              ‫َاتق الل م َط ُ‬
‫فمثل هذا يستحق اسم المتقى ، واجتهاده فى الطاعات كلها من الواجبات والنوافل وترك‬
                              ‫ا‬
                   ‫المعاصى ما استطاع من كبائر وصغائر وترك ما ال بأس به حذرً مما به بأس‬
                                                            ‫هو التقوى التى دارت عليها أقوال السلف .‬

‫قال ابو الدرداء : تمام التقوى أن يتقى اهلل العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك‬
                                   ‫ا‬             ‫ا‬
‫بعض ما يرى أنه حالل خشية أن يكون حرام ً ، يكون حجاب ً بينه وبين الحرام ، فإن اهلل قد بين‬
                                                                           ‫للعباد الذى يصيرهم إليه فقال :‬
‫...(‬   ‫] َ َن َعْمَلْ مِثْ َا َ ذَر ٍ خَيْ ًا يَر ُ (7) وَمَن يَعْ َلْ مِثْ َا َ ذَر ٍ ش ًّا يَر ُ [‬
         ‫م ق ل َّة َر َه‬                                ‫ق ل َّة ر َه‬                        ‫فم ي‬
                                                                                                 ‫الزلزله : 0-1 )‬
                                                      ‫ً‬                          ‫ً‬
                                   ‫فال تحقرن شيئا من الخير أن تفعله وال شيئا من الشر أن تتقيه .‬

                                                                                                                ‫(1)‬
                                      ‫رواه مسلم ( 411 , 711 / 3 ) الطهاره ، والترمذى ( 11 – 81 / 2 ) الصاله .‬
     ‫41‬                                                                                       ‫التقـوى‬

              ‫قال الحسن : ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرً من الحالل مخافة الحرام .‬
                                       ‫ا‬
                                                ‫وقال الثورى : إنما سموا متقين ألنهم اتقوا ماال يتقى .‬
‫المتقون تنزهوا عن أشياء من الحالل مخافة أن يقعوا فى الحرام‬                          ‫وقال موسى بن أعين :‬
                                                                                             ‫فسماهم اهلل متقين .‬

             ‫وقال ميمون بن مهران : المتقى أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه .‬
          ‫..... ( أل عمران : 102 )‬        ‫وقال بن مسعود فى قوله تعالى : ] َّ ُواْ الّ َ ح َّ ُ َاتِ ِ [‬
                                            ‫اتق له َق تق ه‬
                               ‫(1)‬
                                     ‫قال : أن يطاع فال يعصى ، ويذكر فال ينسى ، ويشكر فال يكفر .‬


                                                                                  ‫قال ابن رجب رحمه الله :‬
‫وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات ومعنى ذكره فال ينسى : ذكر العبد بقلبه ألوامر اهلل فى‬
‫حركاته وسكناته وكلماته فيتمثلها ، ولنواهيه فى ذلك كله فيجتنبها ، وقد يغلب استعمال التقوى‬
                              ‫على اجتناب المحرمات ، كما قال أبو هريره وسئل عن التقوى فقال :‬
                                                                 ‫ا‬
‫هل أخذت طريق ً ذا شوك ؟ قال : نعم ، قال : فكيف صنعت ؟ قال : إذا رايت الشوك عزلت‬
                                                     ‫عنه أو جاوزته أو قصرت عنه : قال ذاك التقوى .‬

                                                                                ‫وأخذ هذا ابن المعتمر وقال :‬
                        ‫وكبيرها فهو التقى‬                               ‫خل الذنوب صغيرها‬
              ‫أرض الشوك يحذر ما يرى‬                                       ‫واصنع كماش فوق‬
                      ‫إن الجبال من الحصى‬                                    ‫وال تحقرن صغيرة‬




                                                                                                                   ‫(1)‬
‫رواه الحاكم ( 2 / 862 ) التفسير ، دون قوله : " وأن يشكر فال يكفر " وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى‬
                                                                                                                     ‫.‬
    ‫51‬                                                                       ‫التقـوى‬

                                         ‫وأصل التقوى أن يعلم العبد ما يتقى ثم يتقى .‬


                            ‫ا‬
‫ذكر معروف الكرخى عن بكر بن خنيس قال : كيف يكون متقي ً من ال يدرى ما يتقى ؟ ثم قال‬
‫معروف الكرخى : إذا كنت ال تحسن تتقى أكلت الربا ، وإذا كنت ال تحسن تتقى لقيتك امرأة‬
                 ‫(1 )‬
                        ‫فلم تغض بصرك ، وإذا كنت ال تحسن تتقى وضعت سيفك على عاتقك .‬


                             ‫وروى الحافظ ابن عساكر فى ترجمة سعيد بن مسلم . قال سعيد :‬
                                                 ‫ا‬
  ‫لقد حدثنى سليمان بن المغيره أنه عمل ذنب ً فاستصغره فأتاه أت فى منامه فقال له يا سليمان :‬


               ‫ا‬          ‫ا‬
               ‫إن الصغير غدً يعود كبيرً‬                ‫ا‬
                                                       ‫ال تحقرن من الذنوب صغيرً‬
                           ‫ا‬
                    ‫عند اإلله مسطرً تسطيرا‬              ‫إن الصغير ولو تقادم عهده‬
             ‫ا‬        ‫م‬
             ‫صعب القياد وشـ ّرن تشميرً‬             ‫فازجر هواك عن البطالة ال تكن‬
                ‫طار الفؤاد وألهم التفكيرا‬                ‫إن المحب إذا أحب إلهـه‬
               ‫فكفى بربكم هاديا ونصيرا‬                     ‫فاسأل هدايتك اإلله فتتئد‬

                          ‫وقال اإلمام أحمد رحمة الله : التقوى هى ترك ما تهوى لما تخشى .‬
                ‫وقيل : هى الخوف من الجليل ، والرضا بالتنزيل ، واإلستعداد ليوم الرحيل .‬
                              ‫وقيل : هى أن ال يراك اهلل حيث نهاك ، وال يفقدك حيث أمرك .‬
                                                        ‫وقيل : هى علم القلب بقرب الرب .‬


‫نسأل اهلل أن يهدينا سواء السبيل ، وأن يغفر لنا ما بدا من تقصير ، وأن يدخلنا برحمته فى‬
‫شفاعة البشير النذير فقد بان بما ذكرنا عن التقوى فقرنا من أقسامها ومعانيها وإفالسنا من‬
                                                                               ‫أعالمها ومبانيها.‬



                                                                                                  ‫(1)‬
                                                  ‫باختصار من جامع العلوم والحكم ( 081 – 011 ) .‬
    ‫61‬                                                                                  ‫التقـوى‬


                                    ‫شرف التقوى وأهميتها‬

                         ‫2 - التقوى وصية اهلل عز وجل لألولين واألخرين‬


 ‫قال اهلل تعالى : ] وََ َدْ و َّيْ َا الذِي َ ُو ُواْ الْكِ َابَ ِن َبِْكمْ وَإَّاكمْ َ ِ ات ُوا الّهَ [‬
     ‫ت م ق ل ُ ِي ُ أن َّق ْ ل‬                         ‫لق َص ن َّ ن أ ت‬
                                                                                     ‫...... ( النساء: 232)‬


                                                                                            ‫قال الغزالى :‬
 ‫أليس اهلل تعالى أعلم بصالح العبد من كل أحد ، أو ليس هو أنصح له وارحم وأرأف من كل‬
   ‫أحد ، ولو كانت فى العالم خصلة هى أصلح للعبد ، وأجمع للخير وأعظم لألجر ، وأجل فى‬
                                 ‫العبودية ، واعظم فى القدر ، وأولى بالحال ، وأنجح فى المآل ،‬
‫من هذه الخصلة التى هى التقوى، لكان اهلل تعالى أمر بها عبادة ، وأوصى خواصه بذلك لكمال‬
                                                                                   ‫حكمته وسعة رحمته ،‬
‫فلما أوصى بهذه الخصله الواحده ، وجمع األولين واألخرين من عباده فى ذلك واقتصر عليها ،‬
 ‫علمت أنها الغاية التى ال متجاوز عنها ، وال مقصود دونها ، وأنه عز وجل قد جمع كل نصح‬
    ‫وداللة وإرشاد وتنبيه وتأديب وتعليم وتهذيب فى هذه الخصلة التى هى التقوى هى الجامعة‬
                       ‫لخيرى الدنيا واألخرة الكافية لجميع المهمات المبلغة إلى أعلى الدرجات .‬
          ‫وهذا أصل ال مزيد عليه ، وفيه كفاية لمن أبصر النور واهتدى وعمل بذلك واستغنى‬
                                                                 ‫(1 )‬
                                                                        ‫واهلل ولى الهداية والتوفيق بمنه.‬




                                                                                                             ‫(2)‬
                                                                        ‫منهاج العابدين ( 27، 37) باختصار .‬
     ‫71‬                                                                                    ‫التقـوى‬

                                                                  ‫-‬
                          ‫1 التقوى وصية النبى صلى اهلل علية وسلم ألمته‬

‫عن العرباض بن سارية قال : ( صلى بنا رسوله اهلل صلى اهلل علية وسلم الصبح فوعظنا‬
‫موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل : يا رسول اهلل كأنها موعظة‬
‫مودع فاوصنا فقال : اوصيكم بتقوى اهلل والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشياً ، فإنه من‬
‫يعش منكم فسيرى اخ تالفا كثيراً ، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا‬
                            ‫(2)‬
                               ‫عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات األمور ، فإن كل بدعة ضالله ) .‬


                                                       ‫قوله : " أوصيكم بتقوى اهلل والسمع والطاعة ".‬


                                                                               ‫قال ابن رجب رحمه الله :‬
 ‫فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا واألخرة ، أما التقوى فهى كافلة سعادة الدنيا واألخرة لمن‬
     ‫تمسك بها ، وهى وصية اهلل لألولين واألخرين ، وأما السمع والطاعة لوالة أمور المسلمين‬
    ‫ففيها سعادة الدنيا ، وبها تنظم مصالح العباد فى معاشهم ، وبها يستعينون على إظهار دينهم‬
                                                                                           ‫(1)‬
                                                                                              ‫وطاعة ربهم ".‬


‫وعن أبى ذر جندب بن جنادة وابى عبد الرحمن معاذ بن جبل رضى اهلل عنهما عن رسول اهلل‬
‫صلى اهلل علية وسلم :( اتق اهلل حيث ما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس‬
                                                                                            ‫(3)‬
‫وقوله صلى اهلل عليه وسلم :"حيثما كنت" أى : فى السر والعالنية ، حيث يراه‬                           ‫بخلق حسن )‬
                                                                                     ‫الناس وحيث ال يرونه.‬



                                                                                                                ‫(1)‬
                 ‫رواه أحمد (8 / 621 - 721) ، وأبو داود (3418) السنه، والترمذى (6762) العلم ، وابن ماجه (83) ،‬
‫والدرامى (1 / 88 - 81) المقدمه ، والبغوى (1 / 102 ) شرح السنه وقال الترمذى : هذا حسن صحيح ، وصححه األلبانى .‬
                                                                                                                ‫(4 )‬
                                                                        ‫جامع العلوم والحكم ( 782) باختصار .‬
                                                                                                                ‫(3 )‬
  ‫رواه الترمذى (4 / 111) البر، وقال : هذا حسن صحيح ، وأحمد (1 / 411) وحسنه األلبانى (4161) صحيح الترمذى .‬
    ‫81‬                                                                                    ‫التقـوى‬

‫وعن أبى هريره رضى اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى علية وسلم يوماً ألصحابه ( من‬
‫يأخذ عنى هؤالء الكلمات فيعمل بهن ، أو يعلم من يعمل بهن ؟ قال أبو هريره: قلت : أنا يا‬
‫رسول اهلل ، فأخذ بيدى وعد خمساً فقال : اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم اهلل‬
                               ‫ًً‬
‫لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً ، واحب للناس ما تحب لنفسك تكن‬
                                  ‫(1 )‬
                                         ‫مسلما ، وال تكثر الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب ).‬

       ‫وعن أبى أمامه قال : سمعت رسول اهلل صلى عليه وسلم يخطب فى حجة الوداع فقال :‬
‫( اتقوا اهلل وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وادوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم‬
                                                                                    ‫(1)‬
                                                                                       ‫تدخلوا جنة ربكم ) .‬


                         ‫وعن أبى سعيد رضى اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى اله عليه وسلم‬
‫( أوصيك بتقوى اهلل تعالى فإنه رأس كل شئ وعليك بالجهاد فإنه رهبانية اإلسالم ، وعليك‬
                ‫(3 )‬
                   ‫بذكر اهلل تعالى وتالوة القرأن ، فإن روحك فى السماء وذكرك فى األرض ).‬

                           ‫وعن ابى ذر رضى اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى اله عليه وسلم‬
‫( أوصيك بتقوى اهلل فى سر أمرك وعالنيته ، وإذا اسأت فأحسن ، وال تسالن احداً شيئاً ، وال‬
                                                                ‫(1 )‬
                                                                       ‫تقبض أمانة وال تقض بين اثنين ) .‬




                                                                                                               ‫(1)‬
         ‫رواه الترمذى (9 / 381 – 181) الزهد ، وقال : هذا حديث غريب ال نعرفه إال من حديث جعفر بن سليمان ،‬
          ‫و رواه أحمد (2 / 313) ، وابن ماجه (7121) الزهد بمعناه وحسنه األلبانى ، وكذا فى تحقيق جامع األصول .‬

                                                                                                               ‫(4 )‬
  ‫رواه الترمذى ( 1111 تحفة ) الصالة ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، رواه أحمد (5 / 152) ، والحاكم وقال: صحيح‬
                                                                 ‫على شرط مسلم ووافقه الذهبى وصححه األلبانى .‬
                                                                                                          ‫(3 )‬
                                  ‫رواه أحمد ( 3 / 28 ) وحسنه األلبانى بشاهده وهو فى الصحيحة رقم ( 555 ) .‬
                                                                                                                ‫(8)‬
                                          ‫رواه أحمد ( 1 / 141 ) وحسنه األلبانى فى صحيح الجامع رقم ( 1812 ) .‬
       ‫91‬                                                                                         ‫التقـوى‬

                                                                         ‫وعن ابى هريره رضى اهلل عنه قال :‬
 ‫(2)‬
       ‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم قال :( اوصيك بتقوى اهلل والتكبير على كل شرف) .‬

‫.وكان دعاء النبى صلى اهلل عليه وسلم :( اللهم أت نفسى تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها‬
                                                                                      ‫(1)‬
                                                                                            ‫، أنت وليها وموالها ) .‬




                                                                                                                     ‫(1 )‬
  ‫رواه أحمد ( 2 / 123 – 133) ، وابن ماجه (1772) الوصايا ، والحاكم ( 1 / 511-111 ) (2 / 89) وقال صحيح على‬
‫شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبى وقال األلبانى فى الصحيحة (3371) وهو كما قاال إال أن أسامه بن زيد الليثى فيه كالم يسير‬
                                                                                                           ‫حسن األسناد .‬
                                                                                                                      ‫(4)‬
        ‫رواه مسلم ( 71 / 11 ) بزياده فى أوله وأخره ، وأحمد ( 1 / 173 ) ، ( 1 / 932 ) بلفظ رب أعط نفسى تقواها .‬
     ‫02‬                                                                      ‫التقـوى‬

                                                                   ‫-‬
                ‫3 التقوى هى وصية جميع الرسل الكرام عليهم الصالة والسالم‬


‫] ك َّبتْ قو ُ ُو ٍ الْ ُرْسَلِي َ (531) إذْ َا َ َ ُمْ َ ُوهمْ ُو ٌ أََا تَّ ُون‬
  ‫ِ ق ل له أخ ُ ن ح ل َتق‬                      ‫َذ َ َ ْم ن ح م ن‬                     ‫قال تعالى :‬
                                                            ‫( الشعراء : 302 – 902 )‬         ‫…‬   ‫َ[‬
‫] ك َّ َتْ َا ٌ الْ ُرْ َلِي َ (321) إذْ قَا َ َهمْ َ ُوهمْ ُو ٌ أََا ت َّ ُو َ [‬
  ‫ِ ل ل ُ أخ ُ ه د ل َتق ن‬                         ‫َذب ع د م س ن‬                     ‫قال تعالى :‬
                                                             ‫( الشعراء : 312 - 112)‬        ‫……‬


‫وقال تعالى : ] ك َّ َتْ ثَ ُو ُ الْ ُرْسَِينَ (111) إذْ َا َ َ ُمْ َ ُوهمْ َاِح أََا ت َّ ُو َ [‬
  ‫ِ ق ل له أخ ُ ص ل ٌ ل َتق ن‬                         ‫َذب م د م ل‬
                                                             ‫( الشعراء : 212 - 112 )‬       ‫……‬


‫] ك َّ َتْ قو ُ ُو ٍ الْ ُرْ َلِي َ (311) إذْ َا َ َهمْ َ ُوهمْ ُو ٌ ََا‬
 ‫ِ ق ل ل ُ أخ ُ ل ط أل‬               ‫َذب َ ْم ل ط م س ن‬                             ‫وقال تعالى :‬
                                               ‫( الشعراء : 092 - 292 )‬      ‫....…‬        ‫َتق ن‬
                                                                                       ‫ت َّ ُو َ [‬

‫وقال تعالى : ] وَإذْ َادَى رَب َ ُو َى أَ ِ ائْ ِ الْقو َ َّاِمِي َ (31) قو َ ِرْعوْ َ‬
‫َ ْم ف َ ن‬         ‫ُّك م س ن ت َ ْم الظ ل ن‬                      ‫ِ ن‬
                                           ‫ََا ي َّ ُو َ [ …….. ( الشعراء : 02 - 22 )‬
                                                                            ‫أل َتق ن‬

      ‫وال شك ان الرسل هم أزكى البشر وانصح الناس لهم ، فلو علموا أن هناك خصلة للناس‬
                            ‫انفع لهم من التقوى لما عدلوا عنها ، فلما اجمعوا عليها بان خطرها‬
            ‫وعظم موقعها وشرفها نسأل اهلل أن يجعلنا من أهلها العاملين بها والمتعاونين عليها.‬
     ‫12‬                                                                            ‫التقـوى‬

                          ‫1 - التقوى وصية السلف الصلح رضى اهلل عنهم‬


                 ‫قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : ولم يزل السلف الصالحون يتواصون بها :‬
‫كان أبو بكر رضى اهلل عنه يقول فى خطبته : أما بعد فإنى أوصيكم بتقوى هلل ، وان تثنوا عليه‬
                          ‫بما هو أهله ، وان تخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا اإللحاف بالمسالة‬
‫فإن اهلل عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ] إ َّهمْ َا ُوا ُ َا ِ ُو َ ِي الْ َيْ َا ِ‬
‫ِن ُ ك ن يس رع ن ف خ ر ت‬
              ‫........ ) االنبياء : 06 )‬      ‫كن ن خ عن‬                      ‫َع ن ب ر‬
                                            ‫وَيدْ ُونَ َا رَغَ ًا وَ َهَبًا وَ َا ُوا لَ َا َاشِ ِي َ [‬

‫ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيته ، وأول ما قاله له : اتق اهلل يا عمر .‬


‫وكتب عمر إلى ابنه عبد اهلل : أما بعد ، فإنى اوصيك بتقوى اهلل عز وجل ، فإنه من اتقاه وقاه‬
          ‫، ومن أقرضه جزاه ، ومن شكره زاده ، واجعل التقوى نصب عينيك ، وجالء قلبك .‬


‫وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل : أوصيك بتقوى اهلل عز وجل ، والتى ال يقبل غيرها ،‬
        ‫وال يرحم إال أهلها ، وال يثاب إال عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل ،‬
                                                                        ‫جعلنا اهلل وإياك من المتقين .‬


      ‫ولما ولى خطب فحمد اهلل وأثنى عليه وقال : أوصيكم بتقوى اهلل عز وجل ، فإن تقوى اهلل‬
                                          ‫عز وجل خلف من كل شئ ، وليس من تقوى اهلل خلف.‬


                                                                        ‫وقال رجل ليونس بن عبيد :‬
   ‫أوصنى ، فقال : أوصيك بتقوى اهلل واإلحسان ، فإن اهلل مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.‬
     ‫22‬                                                                              ‫التقـوى‬

‫وكتب رجل من السلف إلى أخ له : أوصيك بتقوى اهلل فإنها من أكرم ما أسررت ، وأزين ما‬
                     ‫أظهرت ، وأفضل ما ادخرت أعاننا اهلل وإياك عليها وأوجب لنا ولك ثوابها.‬


                          ‫وقال شعبه : كنت إذا أردت الخروج قلت للحكم : ألـك حاجة فقال :‬
                                ‫أوصيك بما أوصى به النبى صلى اهلل عليه وسلم معاذ بن جبل :‬
    ‫(1 )‬
           ‫( اتق اهلل حيث ما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن ) .‬


                                        ‫وقال ابن القيم رحمه الله : ودع ابن عون رجال فقال :‬
                                               ‫ً‬
                                                   ‫عليك بتقوى اهلل فإن المتقى ليست عليه وحشه .‬


                        ‫وقال زيد بن أسد : كان يقال : من اتقى اهلل أحبه الناس وإن كرهوا .‬


‫وقال الثورى البن أبى ذئب : إن اتقيت اهلل كفاك الناس ، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من‬
                                                                                           ‫(1)‬
                                                                                                   ‫ً‬
                                                                                                 ‫اهلل شيئا .‬




                                                                                                    ‫(1) ، (4)‬
                           ‫باختصار من جامع العلوم والحكم ( 011 – 111 ) والحديث تقدم تخريجه صفحة .‬
     ‫32‬                                                                             ‫التقـوى‬

                                   ‫3 - التقوى أجمل لباس يتزين به العبد‬


‫قال اهلل تعالى : ] َا بَ ِي آد َ َدْ َنزَلْ َا عََيْكمْ ِ َا ًا ُوَارِي َوْ َا ِكمْ وَ ِي ًا َلِ َا ُ‬
‫س ءتُ ر ش وبس‬                       ‫ي ن َم ق أ ن ل ُ لب س ي‬
                                                   ‫َّق َ َ َل َ َ ْ ٌ [ ....... ( االعراف : 91 )‬
                                                                                  ‫الت ْوى ذِك خير‬
                        ‫فبعد ان تمنن اهلل عز وجل على عبادة بما جعل لهم من اللباس والريش .‬
‫واللباس ما يستر به العورات ، والريش والرياش ما يتجمل به – فاالول من الضروريات‬
‫والثانى من الزيادات التكميليات – دلهم على أفضل لباس وهو ما يوارى عورات الظاهر‬
                                                         ‫والباطن ويتجمل به ، وهو لباس التقوى .‬


‫" يبين ان التقوى خير‬    ‫قال القرطبى رحمه الله : قوله تعالى : " وَلِ َا ُ َّقوَ َ ذَل َ َيْ ٌ‬
                        ‫ب س الت ْ ى ِك خ ر‬
                                                                                                      ‫لباس‬
                                                                                            ‫كما قيل (1):‬
          ‫تقلب عريانا وان كان كاسيا‬                               ‫اذا المرء لم ثيابا من التقى‬
           ‫(2)‬
                 ‫وال خير فيمن كان عاصيا‬                            ‫وخير لباس المرء طاعة ربه‬

                 ‫وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبد الجهنى قال : ( لباس التقوى) الحياء .‬

 ‫وقال ابن عباس : ( لباس لتقوى ) هم العمل الصالح. وعنه أيضا : السمت الحسن فى الوجه .‬

                                                         ‫وقيل : ما علمه اهلل عز وجل وهدى به .‬

‫ومن قال إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى ، فقد كان‬
                            ‫(3 )‬
                               ‫الفضالء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى .‬


                                                                                                          ‫(1 )‬
                                                                   ‫الفوائد (71) دار الدعوه اإلسكندريه .‬
                                                                                                          ‫(4 )‬
                                                                        ‫البيتان منسوبان ألبى العتاهيه .‬
           ‫42‬                                                                                        ‫التقـوى‬

                                       ‫9 - التقوى هى أفضل زاد يتزود به العبد‬


 ‫...‬       ‫قال اهلل عز وجل : ] وَتَ َو ُواْ فإ َّ َيْر َّادِ َّقْ َى و َّ ُو ِ َا أوِْي األَلْ َا ِ [‬
             ‫بب‬           ‫ز َّد َِن خ َ الز الت و َاتق ن ي ُ ل‬
                                                                                        ‫......... ( البقرة : 062)‬


                                                                                    ‫قال ابن كثير رحمة الله :‬
‫" لما أمرهم بالزاد للسفر فى الدنيا ، أرشدهم إلى زاد‬                   ‫فإ َّ خَيْ َ َّا ِ َّقوَى‬
                                                                         ‫َِن ر الز د الت ْ‬                 ‫وقوله : "‬
‫األخرة ، وهو استصحاب التقوى إليها ، كما قال تعال : " وَ ِي ًا َِ َا ُ َّق َ َ ذَل َ َيْ ٌ‬
‫ر ش ولب س الت ْوى ِك خ ر‬
                                                                                                                       ‫"‬
                                                  ‫ا‬
‫لما ذكر اللباس الحسى ، نبه مرشدً إلى اللباس المعنوى ، وهو الخشوع والطاعة والتقوى ،‬
       ‫"‬   ‫وذكر أنه خير من هذا وأنفع ، قال عطاء الخرسانى فى قوله :" فإ َّ َيْ َ َّا ِ َّقْوَى‬
                ‫َِن خ ر الز د الت‬
                                                                                               ‫(1)‬
                                                                                                     ‫يعنى زاد األخرة.‬


‫وقال الزمخشرى رحمة الله : أى اجعلوا زادكم إلى األخرة اتقاء القبائح ، فإن خير الزاد اتقائها‬
‫وقيل : كان أهل اليمن ال يتزودون ويقولون نحن متوكلون ، ونحن نحج بيت اهلل أفال يطعمنا‬
                                                                                             ‫ال‬
                                                                    ‫فيكونون ك ً على الناس ، فنزلت فيهم ،‬
                                                             ‫(2)‬
                                      ‫الناس والتثقيل عليهم‬         ‫ومعناه : وتزودوا واتقوا االستطعام وإبرام‬
                         ‫"‬      ‫فإن خير الزاد التقوى : " و َّ ُونِ " : وخافوا عقابى " َا أوِْي األَلْ َا ِ‬
                                ‫بب‬           ‫ي ُ ل‬                         ‫َاتق‬
                         ‫(3 )‬
                                ‫يعنى : أن قضية اللب تقوى اهلل ومن لم يتقيه من األلباء فكأنه ال لب له .‬



                                                                                                                     ‫(3)‬
                                                              ‫الجامع ألحكام القرآن ( 3 / 0262 – 1262 ) باختصار‬
                                                                                                                     ‫(1 )‬
                                                                     ‫تفسير القرآن الكريم ( 1 / 632 ) دار المعرفه .‬
                                                                                           ‫.‬                         ‫(4 )‬
                                                                                               ‫أي إماللهم وإضجارهم‬
                                                                                                                     ‫(3 )‬
                                                                                      ‫الكشاف ( 1 / 882 ) الريان .‬
     ‫52‬                                                                              ‫التقـوى‬

                      ‫0 - أهل التقوى هم أولياء اهلل عز وجل وهم اكرم الناس‬


‫قال تعالى : ] أَال إ َّ َوْلِ َاء الّ ِ َ َوْ ٌ عََيْهمْ َ َ همْ َحْزَ ُو َ (21) َّذِي َ‬
‫ال ن‬               ‫ِن أ ي له ال خ ف ل ِ وال ُ ي ن ن‬
                                         ‫آ َ ُو ْ َ َا ُو ْ ي َّ ُو َ [ ....... ( يونس : 19 – 39 )‬
                                                                      ‫من ا وك ن ا َتق ن‬
‫وقال تعالى : ] هذَا هدًى َالذِي َ َفَ ُوا ِآ َا ِ ر ِّهمْ َهمْ عذَا ٌ َّن ِّجْ ٍ أَِي ٌ [‬
   ‫َ ُ و َّ ن ك ر ب ي ت َب ِ ل ُ َ ب م ر ز ل م‬
                                                                                   ‫…..( الجاثية : 62 )‬

             ‫وقال عز وجل مبينا أنه ال يستحق الوالية إال أهل هذه المنزلة العالية والرتبة السامية‬
 ‫[…( األنفال : 13)‬   ‫فقال عز وجل :] إِنْ أوْلِ َآؤ ُ إ َّ الْم َّ ُونَ وَلَـك َّ أَكثَرهمْ َ َعَْ ُو َ‬
                     ‫ِن ْ َ ُ ال ي لم ن‬                 ‫َ ي ُه ِال ُتق‬

‫وجعل اهلل عز وجل التقوى هى الميزان الحق الذى يوزن به الناس ، ال ميزان الحسب والنسب‬
‫…. ( الحجرات : 32)‬      ‫] إ َّ َكْرَمَكمْ ِن َ َّه أَتْ َاكمْ [‬
                            ‫ِن أ ُ ع د الل ِ ق ُ‬                  ‫والمال والشهرة ، فقال عز وجل :‬
                                      ‫وهذا الميزان كذلك هو ميزان النبى صلى اهلل علية وسلم .‬


     ‫عن أبى هريره رضى اهلل عنه قال : سئل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم من أكرم الناس؟‬
                                                                             ‫(2)‬
                                                                         ‫،‬      ‫قال ( اتقاهم هلل ....)‬

‫قال الشنقيطى رحمه الله : إن الفضل والكرم إنما هو بتقوى اهلل ال بغيره من األنتساب إلى‬
                                                                       ‫القبائل ، ولقد صدق من قال :‬
     ‫وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب‬                      ‫فقد رفع اإلسالم سلمان فارس‬
                                                  ‫وقد ذكروا أن سلمان رضى اهلل عنه كان يقول :‬
                ‫إذا افتخروا بقيس أو تميم‬                  ‫أبى اإلسالم ال اب لى سواه‬
      ‫(2)‬
            ‫فأكرم الناس وافضلهم أتقاهم هلل وال كرم وال فضل لغير المتقى ولو كان رفيع النسب .‬

                                                                                                          ‫(1 )‬
                                                             ‫رواه البخارى ( 6 / 718 ) أحاديث األنبياء .‬
                                                                                                          ‫(4 )‬
                                                                    ‫أضواء البيان ( 7 / 136 ) بتصرف .‬
     ‫62‬                                                                                   ‫التقـوى‬

                                                             ‫-‬
                         ‫1 ولشرف التقوى أمر اهلل عز وجل المسلمين‬
                        ‫بالتعاون عليها ونهاهم عن التعاون على ما يخالفها‬


‫] وَتَ َا َ ُواْ عََى ال ِّ و َّقْوَى َ َ َ َاوَ ُواْ ََى اإلِث ِ َالْعد َا ِ [‬
  ‫ْم و ُ ْو ن‬          ‫وال تع ن عل‬             ‫ل ْبر َالت‬         ‫ع ون‬                            ‫قال تعالى :‬
                                                                                         ‫…… ( المائدة : 1 )‬


                                                                                  ‫قال القرطبى رحمة اهلل:‬
‫قال الماوردى : ندب اهلل سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى هلل ، ألن فى التقوى رضا اهلل‬
‫تعالى ، وفى البر رضا الناس ، ومن جمع بين رضا اهلل تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته‬
                                                                                                ‫وعمت نعمته.‬


‫وقال بن خويذ منداد في احكامة : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ، فواجب على‬
‫العالم ان يعين الناس بعلمه فيعلمهم ، ويعينهم الغنى بماله والشجاع بشجاعته فى سبيل اهلل ، وان‬
                                                                 ‫يكون المسلمين متظاهرين كاليد الواحدة‬
‫قال رسول اهلل صلى اهلل علية وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم‬
                                                                                ‫(1)‬
                                                                                      ‫يد على من سواهم ) .‬


                                                                               ‫وقال القاسمى رحمة الله :‬
‫وفى "اإلكليل" استدل المالكية باآلية على بطالن إجارة اإلنسان نفسه لحمل خمر ونحوه ، وبيع‬
                 ‫(2 )‬
                                                                         ‫ا‬
                        ‫العنب لعصره خمرً ، والسالح لمن يعصى به وأشباه ذلك انتهى وهو متجه.‬




                                                                                                                ‫(1)‬
    ‫الجامع ألحكام القرآن ( 3 / 8802 ) والحديث رواه أبو داود ( 7018 ) الديات ، وابن ماجة ( 3462 ) الحدود وصححه‬
                                                                                                       ‫األلبانى .‬
                                                                                                            ‫(4)‬
                                                                        ‫محاسن التأويل ( 6 / 12 ) بتصرف .‬
     ‫72‬                                                                     ‫التقـوى‬

                                                                  ‫وقال ابن القيم رحمة اهلل:‬
‫وقد اشتملت هذه االية على جميع مصالح العباد فى معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم بعضا‬
‫وفيما بينهم وبين ربهم ، فإن كل عبد ال ينفك عن هاتين الحالتين ، وهذين الواجبين : واجب‬
                                                    ‫بينه وبين اهلل ، وواجب بينه وبين الخلق ،‬
‫فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصحبة فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه‬
                                                                ‫ً‬
                                                                ‫ا‬
            ‫بهم وصحبته لهم متعاون ًً على مرضاة اهلل وطاعته ، التى هى غاية العبد وفالحه ،‬
                   ‫(1)‬
                         ‫وال سعادة له إال بها ، وهى البر والتقوى ، الذين هما جماع الدين كله.‬




                                                                                                 ‫(1)‬
                                                                     ‫الرساله التبوكيه ( 21 ) .‬
     ‫82‬                                                                      ‫التقـوى‬

                               ‫كيف تتقى اهلل عز وجل‬

               ‫هذا باب ال يدخل فيه إال النفوس الفاضلة الشريفة األبية ، التى ال تقنع بالدون ،‬
                                               ‫وال تبيع األعلى باألدنى بيع العاجز المغبون .‬


                             ‫فبعد أن بينا شرف التقوى وتشوقت النفوس إليها فقد يقول قائل :‬
‫باهلل عليك كيف أحوز هذه الجوهرة النفيسة وأصل إلى هذه المرتبة الشريفة ، فإن المؤمن إذا‬
‫رغب فى الخير رغب ، وإذا خوف من الشر هرب ، وال خير فيمن إذا زجر ال ينزجر ، وإذا‬
                                                                                  ‫أمر ال يأتمر .‬


‫قال الغزالي رحمة الله : " إنما الفضيلة فى أمر هذه النفس أن تقوم عليها بقوة العزم فتمنعها‬
‫عن كل معصية ، وتصونها عن كل فضول ، فإذا فعلت ذلك كنت قد اتقيت اهلل تعالى فى عينك‬
‫وأذنك ولسانك وقلبك وبطنك وفرجك وجميع أركانك ، وألجمتها بلجام التقوى ، ولهذا الباب‬
‫شرح يطول ، وأما الذي ال بد منه هاهنا فأن نقول : من أراد أن يتقى اهلل فليراع األعضاء‬
‫الخمسة فإنهن األصول : وهى العين واألذن واللسان والقلب والبطن ، فيحرص عليها بالصيانة‬
                                                  ‫ً‬
‫لها عن كل ما يخاف منه ضررا فى أمر الدين من معصية وحرام وفضول وإسراف من حالل،‬
                             ‫وإذا حصل صيانة هذه األعضاء فمرجو إن يكف سائر أركانه ،‬
                                   ‫(1)‬
                                     ‫ويكون قد قام بالتقوى الجامعة بجميع بدنه هلل تعالى " .‬


‫فإن قلت : كيف لى أن أصون األعضاء الخمسة عن معصية اهلل عز وجل ؟ وكيف أقيدها‬
‫بطاعة اهلل ، فان هذا لب السؤال وغاية اآلمال والسبب الموصل إلى رحمة الكبير المتعال ؟‬
              ‫قلت : سوف اجمع لك من السطور ما يبين لى ولك الطريق ، واهلل ولى التوفيق.‬




                                                                                                  ‫)1(‬
                                                           ‫منهاج العابدين ( 76 / 77 ) باختصار .‬
‫92‬                                                          ‫التقـوى‬

                                          ‫وألخص ذلك فى خمسة أمور :‬        ‫‪‬‬




                                                                ‫-‬
             ‫1 محبة اهلل عز وجل تغلب على قلب العبد يدع لها كل محبوب‬
                                         ‫ويضحى فى سبيلها بكل مرغوب‬
       ‫2- أن تستشعر فى قلبك مراقبة اهلل عز وجل وتستحى منه حق الحياء .‬
              ‫3- أن تعلم ما فى سبيل المعاصى واالثام من الشرور واآلالم .‬
                             ‫1- أن تعلم كيف تغالب هواك وتطيع موالك .‬
     ‫5- أن تدرس مكائد الشيطان ومصائده ، وان تحذر من وساوسه ودسائسه.‬
     ‫03‬                                                                         ‫التقـوى‬

                                 ‫2- محبة اهلل عز وجل :‬

‫قال ابن القيم رحمة الله : فالمحبة شجرة فى القلب ، عروقها الذل للمحبوب وساقها معرفته ،‬
          ‫وأغصانها خشيته ، وورقها الحياء منه ، وثمرتها طاعته ، ومادتها التى تسقيها ذكره ،‬
                                              ‫(1 )‬
                                                   ‫ً‬
                                                 ‫فمتى خال الحب عن شئ من ذلك كان ناقصا .‬

                        ‫وقال ابن رجب رحمه الله : ومحبة اهلل سبحانة وتعالى على درجتين :‬
‫أحداهما : فرض الزم ، وهى أن يحب اهلل سبحانه وتعالى محبة توجب له محبة ما فرضه اهلل‬
‫عليه ، وبغض ما حرمه عليه ، ومحبة لرسوله المبلغ عنه أمره و نهيه ، وتقديم محبته على‬
‫النفوس واالهلين والرضا بما بلغه عن اهلل من الدين ، وتلقى ذلك بالرضى والتسليم ، ومحبة‬
‫االنبياء والرسل والمتبعين لهم باحسان جم لة ، وعموما هلل عز وجل ، وبغض الكفار والفجار‬
                      ‫جملة وعموما هلل عز وجل وهذا القدر البد منه فى تمام االيمان الواجب ،‬
              ‫ومن اخل بشئ منه فقد نقص من ايمانه الواجب بحسب ذلك ، قال اهلل عز وجل :‬
  ‫َال ِّك ال ي من ن َّى ي َكم ك م شجر ن ُ ُم ال ي ِد ف ف ه‬
‫] ف َ وَرَب َ َ ُؤْ ِ ُو َ حَت َ ُح ِّ ُو َ فِي َا َ َ َ بَيْ َهمْ ث َّ َ َج ُواْ ِي أَن ُسِ ِمْ‬
 ‫َ َ ًا م َّا ق َ ْ َ َ ُسِّ ُو ْ َ ِْي ًا [.. ( النساء : 39 ) وكذلك ينقص من محبته الواجبة‬
                                                         ‫حرج ِّم َضيت وي َلم ا تسل م‬
      ‫بحسب ما أخل به من ذلك ، فإن المحبة الواجبة تقتضى فعل الواجبات وترك المحرمات .‬

‫الدرجة الثانية : درجة السابقين المقربين ، وهى أن ترتقى المحبة إلى محبة ما يحبه من نوافل‬
‫الطاعات ، وكراهة ما يكرهه من دقائق المكروهات ، وإلى الرضا بما يقدره ويقضيه مما يؤلم‬
                                       ‫النفوس من المصائب ، وهذا أفضل مستحب مندوب إليه‬
                        ‫وفى صحيح البخاري عن أبى هريرة عن النبى صلى اهلل عليه وسلم :‬

‫قال : ( يقول اهلل عز وجل : من عادى لى ولياً فقد أذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدى‬
‫بشئ أحب إليه مما افترضت عليه، وال يزال عبدى يتقرب إلى بالنوفل حتى أحبه، فإذا أحببته‬
‫كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى‬



                                                                                                  ‫)1(‬
                                                             ‫دار الصفا .‬   ‫روضة المحبين ( 806 )‬
      ‫13‬                                                                                    ‫التقـوى‬
‫بها ، ولئن سألنى ألعطينه ، ولئن استعاذنى ألعيذنه ، وما تردت عن شئ أنا فاعله ترددى‬
                              ‫(2)‬
                                 ‫فى قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .‬

                                                                                ‫قال ابن القيم رحمه الله :‬
‫ولو لم يكن فى المحبة إال أنها تنجى محبه من عذابه ، لكان ينبغى للعبد أن ال يتعوض عنها‬
                                                                             ‫ا‬
‫بشئ أبدً . وسئل بعض العلماء أين تجد فى القران إن الحبيب ال يعذب حبيبه : فى قوله تعالى‬
‫: ] وَقَاَ ِ الْيَ ُو ُ َالن َارَى َحْ ُ َبْ َاء الّ ِ وََح َّاؤ ُ ُلْ فَل َ ُع ِّ ُ ُم ب ُ ُوبِ ُم (2) [‬
       ‫ن ن أ ن له أ ِب ُه ق ِم ي َذبك ِذن ك‬                                ‫لت ه د و َّص‬
                                                                                  ‫............( المائده : 12 )‬


                                                                       ‫األسباب الجالبة للمحبة :‬             ‫‪‬‬


                                                                ‫1- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعاينه .‬
                                                  ‫2- التقرب إلى اهلل عز وجل بالنوافل بعد الفرائض .‬
                                                                            ‫3- دوام ذكره بالقلب واللسان .‬
                                                         ‫1- إيثاره محابه على محابك عند غلبات الهوى‬
                            ‫5 – مطالعة أسمائه وصفاته ، ومشاهدتها ، والتقلب فى رياض معانيها.‬
           ‫1- تذكر نعمه وإحسانه وبره على العبد ، فإن القلوب جلبت على محبة من أحسن إليها‬
                                                                                      ‫وبغض من اساء إليها .‬
                              ‫7- الخلوة به وقت النزول اإللهى واإلذن العام ، عند قوله عز وجل :‬
                                                  ‫(1)‬
                                                     ‫هل من سائل .. هل من تائب .. هل من مستغفر .‬
                                     ‫8- مجالسة المحبين الصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كالمهم.‬
                           ‫9- مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين اهلل من الشهوات والشبهات .‬
‫31- التفكر فى مصنوعاته الدالة على كماله ، فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ، وكان‬
                                                                ‫السلف يفضلون التفكر على عبادة البدن .‬

 ‫)1( استنشاق نسيم األنس من نفحات رياض القدس ( 11 - 11 ) باختصار ، والحديث رواه البخارى ( 1 / 183 ) الرقاق ، وأبو‬
                                              ‫نعيم فى الحليه ( 1 / 8 ) ، وانظر طرق الحديث فى الصحيحة رقم ( 0861) .‬
                                                                                       ‫)2( روضة المحبين ( 618 ) .‬
                                                                                                               ‫(1)‬
‫حديث النزول رواه البخارى ( 31 / 868 ) التوحيد ، ومسلم ( 6 / 43 ، 63 ) والترمذى ( 31 / 03 ) الدعوات ، وأبو داود‬
                                                                                                ‫( 1031 ) الصاله .‬
        ‫23‬                                                                                  ‫التقـوى‬
                       ‫11- تذكر ما ورد فى الكتاب والسنة من رؤية أهل الجنة لربهم وزيارتهم له‬
                                                                                      ‫واجتماعهم يوم المزيد .‬

‫وال شك فى أن االشتغال بهذه االسباب الجالبة للمحبة مما يشغل القلب بطاعة اهلل ويبعده عن‬
                               ‫المعاصى، ثم إذا كملت المحبة فإن المحب ال يعصى محبوبه كما قيل :‬

              ‫هذا لعمرى فى القياس شنيع‬                           ‫تعصى اإلله وأنت تزعم حبه‬
                 ‫إن المحب لمن يحب مطيع‬                                  ‫ا‬
                                                                 ‫لو كان حبك صادقً ألطعته‬

           ‫وإذا فتح للعبد هذا الباب الشريف ، ودخل هذا القصر المنيف ، فإنه تحبب إليه الطاعات‬
                                                                         ‫ويجد فيها منتهى راحته وسعادته ،‬

‫قال النبى صلى اهلل عليه وسلم : ( وجعلت قرة عينى فى الصالة ) (2)، وكان يصلى حتى ترم‬
 ‫(1)‬
       ‫ساقاه وتشقق قدماه فيقال له فى ذلك فيقول صلى اهلل عليه وسلم: ( أفال أكون عبداً شكوراً )‬

                                                            ‫فمحبة اهلل عز وجل من أعظم أسباب التقوى ،‬
                                                                                                ‫كما قال القائل:‬
              ‫إن المحبين لألحباب خدام‬                              ‫وكن لربك ذا حب لتخدمه‬

‫فإن المحب يسر بخدمة محبوبه وطاعته ، وال تطاوعه نفسه على معصيته كما قال بعض‬
             ‫الصالحين : إنى ال أحسن أن أعصى اهلل . أى أن جوارحه ال تأتى معه فى المعصية ،‬
                                                                   ‫لمحبتها للطاعات ، وبغضها للمعاصى .‬

                                             ‫كما نصحت إحدى الصالحات من السلف بنيها فقالت لهم :‬
             ‫" تعودوا حب اهلل وطاعته فإن المتقين ألفت جوارحهم الطاعة فاستوحشت من غيرها ،‬
                      ‫ف إذا أمرهم الملعون بمعصية ، مرت المعصية بهم محتشمه فهم لها منكرون ".‬

                  ‫فنسال اهلل الغنى الكريم أن يمن علينا بمحبته وأن يوفقـنا ألسباب فضله ورحمته.‬

       ‫)1( رواه أحمد ( 421 / 3 ) والنسائى ( 7 / 16 ) عشرة النساء ، والحاكم ( 2 / 061 ) النكاح وصححه على شرط مسلم ،‬
                                                            ‫ووافقه الذهبى وصححه األلبانى فى الصحيحة رقم ( 6041 ) .‬
                  ‫)2( رواه البخارى ( 3 / 81 ) التهجد موصو ً عن المغيره وبمعناه معلقً عن عائشه ، وابن ماجه ( 6181 )‬
                                                ‫ا‬                        ‫ال‬
     ‫33‬                                                                             ‫التقـوى‬

‫1- ومما يعين على تقوى اهلل عز وجل أن يدرب العبد نفسه على المراقبة وان‬
‫يستشعر اطالع اهلل عز وجل عليه فيستحى عند ذلك من المعصية ويجتهد فى‬
                                                                                              ‫الطاعة :‬

   ‫… ( الحديد : 1 )‬   ‫قال اهلل تعالى :] وهوَ مَعَكمْ أَيْ َ مَا ُنتمْ و َّ ُ بِ َا َعْمَُو َ ب ِي ٌ [‬
                        ‫ُ ن ك ُ َالله م ت ل ن َص ر‬                               ‫َُ‬
‫قال ابن كثير رحمه الله : أى رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم ، من بر‬
‫أو بحر ، فى ليل او نهار ، فى البيوت او القفار ، الجميع فى علمه على السواء ، وتحت بصره‬
                               ‫(1 )‬
                                  ‫وسمعه فيسمع كالمكم ، ويرى مكانكم ، ويعلم سركم ونجواكم .‬

‫وقال تعالى : ] أَال إ َّهمْ َثْ ُو َ ص ُور ُمْ ِيَسْ َخْ ُواْ ِنْ ُ َال حِي َ يَسْ َغْ ُو َ ثِ َابَهمْ‬
  ‫ن تش ن ي ُ‬                     ‫ِن ُ ي ن ن ُد َه ل ت ف م ه أ‬
              ‫َ ْل ُ َا ُس ُّو َ َ َا ُ ِْ ُون إ َّ ُ َِي ٌ ِ َا ِ الص ُو ِ [ .... ( هود : 3 )‬
                                        ‫يعَم م ي ِر ن وم يعلن َ ِنه عل م بذ ت ُّد ر‬

                                                                        ‫قال الشنقيطى رحمة الله :‬
‫بين اهلل تعالى فى هذة االية الكريمه أنه اليخفى عليه شىء ، وان السر كالعالنية عنده ، فهو‬
‫عالم بما تنطوى عليه الضمائر وما يعلن وما يسر وااليات المبينة لهذا كثيرة جدا كقوله تعالى :‬
‫ل َ ل ن ْإ س ن ن َم م ُ ِس به َ سه ن ن أ رب إ ه م ح ل‬
‫] وََقدْ خََقْ َا الِن َا َ وَ َعْل ُ َا توَسْو ُ ِ ِ نفْ ُ ُ وَ َحْ ُ َقْ َ ُ ِلَيْ ِ ِنْ َبْ ِ‬
                                                                                          ‫ْور د‬
                                                                        ‫ال َ ِي ِ [ ... ( ق : 92 )‬
  ‫وقوله جال وعال ] َا َْ ُو ْ أ َّ الّ َ َ ْل ُ َا ِي َن ُ ِك ْ َاح َ ُو ُ [ .. ( البقره : 331 )‬
                         ‫و علم ا َن له يعَم م ف أ فس ُم ف ْذر ه‬
                ‫وقوله ] ََ َ ُص َّ ََ ْ ِم ِ ِل ٍ َ َا ك َّا َآ ِ ِي َ [ ....... ( األعراف : 0 )‬
                                              ‫فلنق َّن عليه بع ْم وم ُن غ ئب ن‬
‫وقوله ] وَ َا تَ ُو ُ ِي شأْ ٍ وَ َا تَتُْو ِنْ ُ مِن ُرْآ ٍ َ َ َعْمَُو َ ِنْ َمَ ٍ إ َّ كَّا‬
 ‫ق ن وال ت ل ن م ع ل ِال ُن‬                  ‫م ك ن ف َن م ل مه‬
‫ر ِّك م م ل َّة ف أل ْض‬                    ‫ُ شه ِ تف ض ن ف ه م زب‬
‫عَلَيْكمْ ُ ُودًا إذْ ُ ِي ُو َ ِي ِ وَ َا يَعْ ُ ُ عَن َّب َ ِن ِّثْقَا ِ ذَر ٍ ِي ا َر ِ‬
                                                 ‫َ َ ِي َّ َاء [ ....... ( يونس : 29 )‬
                                                                                ‫وال ف السم‬
                             ‫وال تقلب ورقة من المصحف الكريم إال وجدت فيها أية بهذا المعنى.‬




                                                                                                         ‫)1(‬
                                                                     ‫تفسير القرآن العظيم ( 8 / 803 ) .‬
    ‫43‬                                                                                         ‫التقـوى‬
                                                           ‫ثم قال تحت عنوان .... : تنبية هام :‬

            ‫ً‬              ‫ً‬
   ‫اعلم ان اهلل تبارك وتعالى ما أنزل من السماء الى االرض واعظا أكبر وال زاجرا أعظم مما‬
      ‫تضمنته هذة االيات الكريمة وامثالها فى القرآن ، من انه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه ،‬
‫رقيب عليهم ، ليس بغائب عما يفعلون ، وضرب العلماء لهذا الواعظ االكبر والزاجر االعظم‬
                                                                           ‫مثال ليصير بة كالمحسوس فقالوا :‬
                                               ‫ا‬               ‫ا ال‬
‫لو فرضنا ان ملك ً قتا ً للرجال ، سفاك ً للدماء ، شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته‬
                           ‫ً‬                                                           ‫ً‬
                         ‫ظلما وسيافه قائم على رأسه ، والنطع مبسوط للقتل ، والسيف يقطر دما ،‬
            ‫ا‬
‫وحول هذا الملك الذى هذة صفته جواريه وازواجه وبناته ، فهل ترى ان احدً من الحاضرين‬
                                                      ‫يهتم بريبة او بحرام يناله من بنات الملك وازواجه،‬
‫ال وكال ، بل جميع الحاضرين يكونون خائفين ،‬                        ‫وهو ينظر اليه ، عالم بأنه مطلع عليه ؟‬
                     ‫وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم ، ساكنة جوارحهم ، خوفا من بطش ذلك الملك.‬

  ‫ة‬             ‫ا‬
‫وال شك وهلل المثل األعلى أن رب السموات واالرض جل وعال أشد علم ً واعظم مراقب ً ،‬
                                                           ‫ً‬      ‫ً‬           ‫ا‬
                     ‫واشد بطش ً واعظم نكاال وعقوبة من ذلك الملك ، وحماه فى أرضه محارمه ،‬
      ‫فإذا الحظ اإلنسان الضعيف أن ربه جل وعال ليس بغائب عنه ، وأنه مطلع على ما يقول‬
             ‫(1)‬
                   ‫وما يفعل وما ينوى ، الن قلبه ، وخشى اهلل تعالى ، وأحسن عمله هلل جل وعال.‬

          ‫وقد دلت األحاديث الشريفة على ما دلت عليه هذه األيات الكريمات من وجوب مراقبة‬
                                                                    ‫اهلل تعالى ، واالستحياء منه حق الحياء.‬


                                                                        ‫عن ابن مسعود رضى اهلل عنه قال :‬
‫قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم :( استحيوا من اهلل حق الحياء ، من استحيا من اهلل حق‬
‫الحياء فليحفظ الرأس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبال ، ومن أراد‬
           ‫(2)‬
                 ‫األخرة ترك زينة الحياة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اهلل حق الحياء ) .‬

                                                                                   ‫)1( أضواء البيان : ( 3 / 6 – 01 )‬
  ‫)1( رواه الترمذي ( 06 / 142 ) القيامه ، والحاكم ( 8 / 323 ) الرقاق وقال : صحيح اإلسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبى ،‬
                                                                                                       ‫وحسنه األلبانى .‬
     ‫53‬                                                                                      ‫التقـوى‬

‫قال المناوى فى الفيض : " استحيوا من اهلل حق الحياء " بترك الشهوات والنهمات ، وتحمل‬
‫المكاره على النفس حتى تصير مدبوغة ، ف عندها تطهر األخالق ، وتشرق أنوار األسماء فى‬
                                                            ‫ً‬
                                              ‫صدر العبد ، ويقرر علمه باهلل فيعيش غنيا باهلل ماعاش .‬

‫قال البيضاوى : ليس حق الحياء من اهلل ما تحسبونه ، بل أن يحفظ نفسه بجميع جوارحه عما‬
                                                                                   ‫ال يرضاه من فعل وقول .‬

‫وقال سيفان بن عيينه : الحياء أخف التقوى ، وال يخاف العبد حتى يستحى ، وهل دخل أهل‬
‫التقوى إال من الحياء ( من استحيا من اهلل حق الحياء فليحفظ الرأس ) أى راسه ( وما وعى ) :‬
‫ما جمعه من الحواس الظاهرة والباطنة ، وحتى ال يستعملها إال فيما يحل ( وليحفظ البطن وما‬
                ‫حوى ) أى : وما جمعه الجوف باتصاله به من القلب والفرج واليدين والرجلين ،‬
                          ‫فإن هذه األعضاء متصله بالجوف فال يستعمل منها شئ فى معصية اهلل ،‬
                                                               ‫(2 )‬
                                                                  ‫فإن اهلل ناظر إلى العبد ال يواريه شئ .‬


‫وعن أسامة بن شريك رضى اهلل عنه عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : ( ما كرهت أن‬
                                                     ‫(3)‬
                                                           ‫يراه الناس منك فال تفعله بنفسك إذا خلوت ) .‬


                                                                            ‫وعن ثوبان رضى اهلل عنه قال :‬
                                 ‫ً‬
‫قال رسول اهلل صلى اله عليه وسلم ( ألعملن أقواما من أمتى ياتون يوم القيامة بحسنات‬
‫أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها اهلل هباء منشورا ، أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ،‬
              ‫(1)‬
                    ‫ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم اهلل انتهكوها ).‬




                                                                                          ‫)2( فيض القدير ( 1 / 448 )‬
‫)3( رواه ابن حبان فى روضة العقالء : ( 21 – 31 ) ، والضياء فى المختارة ( 1 / 688 ) وقال األلبانى : واألسناد ضعيف قال‬
                                                                                        ‫ال‬    ‫ا‬
      ‫: ثم وجدت للحديث شاهدً مرس ً فى ( جامع بن وهب ) ص16 - فالحديث به حسن إن شاء اهلل – الصحيحة ( 1101 ) .‬
                                                 ‫)1( رواه ابن ماجه ( 1828) الزهد وصححه األلبانى فى الصحيحة (101)‬
     ‫63‬                                                                                             ‫التقـوى‬
‫وعن أنس رضى اهلل عنه قال : قال رسول اهلل صلى اهلل علية وسلم : ( ثالث مهلكات وثالث‬
‫منجيات : فقال : ثالث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه . وثالث‬
‫منجيات : خشية اهلل فى السر والعالنية ، والقصد فى الفقر والغنى ، والعدل فى الغضب‬
                                                                                                        ‫(2)‬
                                                                                                              ‫والرضا ).‬


‫قال المناوى : قدم السر ألن تقوى اهلل فيه أعلى درجة من العلن لما يخاف من شوب رؤية‬
‫الناس ، وهذه درجة المراقبة وخشيته فيهما تمنع من إرتكاب كل منهى ، وتحثه على فعل كل‬
          ‫مأمور ، فإن حصل للعبد غفلة عن مالحظة خوفه وتقواه فارتكب مخالفة مواله لجأ إلى‬
                                                                                         ‫(3 )‬
                                                                                                ‫التوبة ثم داوم الخشية .‬


                        ‫وسئل النبى صلى اهلل علية وسلم عن اإلحسان فى الحديث المسمى بأم السنه‬
            ‫(1 )‬
                   ‫فقال صلى اهلل علية وسلم : ( أن تعبد اهلل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).‬


‫قال النووى رحمه الله : " هذا من جوامع الكلم التى أوتيها صلى اهلل عليه وسلم ، ألنا لو‬
                ‫ا‬                                                        ‫ا‬
‫قدرنا أن احدً قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى ، لم يترك شيئ ً ما يقدر عليه من‬
‫الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على االعتناء بتتميمها على أحسن‬
‫وجوهها إال أتى به فقال صلى اهلل عليه وسلم : ( اعبد اهلل فى جميع أحوالك كعبادتك فى حال‬
‫العيان ) فإن التتميم المذكور فى حال العيان إنما كان لعلم العبد باطالع اهلل سبحانه وتعالى عليه‬
‫، فال يقدم العبد على تقصير فى هذا الحال لالطالع عليه ، وهذا المعنى موجود مع رؤية العبد‬
‫، فينبغى أن يعمل بمقتضاه ، فمقصود الكالم الحث على األخالص فى العبادة ومراقبة العبد ربه‬
‫تبارك وتعالى فى إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك ، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة‬



         ‫)2( رواه البزار (40) ، والعقيلى ( ص213) وأبو بكر الدينورى فى ( المجالسه وجواهر العلم ) والسياق له ، وأبو نعيم‬
                                               ‫( 2 / 383 ) وله طرق هو بمجموعها حسن ، باختصار من الصحيحة ( 2041)‬
                                                                                              ‫)3( فيض القدير ( 3 / 703 )‬
   ‫)4( رواه البخارى ( 1 / 811 ) اإليمان ، ومسلم ( 1 / 711 ، 411 ) اإليمان ، والترمذى ( 01 – 74 / 44 ) اإليمان ، وأبو‬
                                                                                                                       ‫داود‬
                                                                             ‫( 0768) السنه ، والنسائى ( 4 / 76 ) اإليمان .‬
        ‫73‬                                                                           ‫التقـوى‬
                   ‫ء‬             ‫ا‬                            ‫ا‬
‫الصالحين ليكون ذلك مانع ً من تلبسه من النقائض إحترام ً لهم وإستحيا ً منهم ، فكيف بمن ال‬
                                                         ‫يزال اهلل مطلعا عليه فى سره وعالنيته (1).‬

‫وقال ابن رجب رحمه الله : يشير إلى أن العبد يعبد اهلل تعالى على هذه الصفة وهو استحضار‬
‫قربه ، وأنه بين يديه كأنه يراه ، وذلك يوجب الخشية والهيبة والتعظيم ن كما جاء فى رواية‬
‫أبى هريره : ( أن تخشى اهلل كأنك تراه ) ويوجب أيض ً النصح فى العبادة وبذل الجهد فى‬
                               ‫ا‬
             ‫تحسينها وإتمامها وإكمالها ، وقد وصى النبى صلى اهلل عليه وسلم جماعة من الصحابة‬
                                                                                         ‫بهذه الوصية .‬

‫وقوله صلى اهلل عليه وسلم : ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) قيل : إنه تعليل لألول ، فإن العبد‬
‫إذا أمر بمراقبة اهلل تعالى فى العبادة واستحضار قربة من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق‬
‫ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن اهلل يراه ويطلع على سره وعالنيته وباطنة وظاهره ،‬
             ‫وال يخفى عليه شئ من أمره فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه االنتقال إلى المقام الثانى،‬
                   ‫وهو دوام التحقق بالبصيرة إلى قرب اهلل من عبده ومعيته حتى كأنه يراه ، وقيل :‬
‫بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد اهلل كأنه يراه فليعبد اهلل على أن اهلل يراه ويطلع عليه‬
               ‫فليستحى من نظره إليه ، كما قال بعض العارفين : اتق اهلل أن يكون أهون الناظرين‬
‫(2 )‬
   ‫إليك . وقال بعضهم : خف اهلل على قدر قدرته عليك واستحى من اهلل على قدر قربه منك .‬

                    ‫وصفوة الكالم أن يقال : مما يعين على التقوى التدرب على مراقبة اهلل عز وجل‬
                   ‫وإحساس القلب بقربة وإطالعه ، فيستحى العبد عند ذلك من المعصية ويبذل جهده‬
                    ‫فى أداء الطاعة على أحسن وجوهها ، وهذه بعض األثار فى تقرير هذا المعنى :‬

                   ‫(1)‬
       ‫، فأردتها‬         ‫ذكر عن أعرابى قال : خرجت فى بعض ليالى الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم‬
                              ‫ٍ‬
                     ‫عن نفسها فقالت : ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين ؟‬
                                       ‫فقلت : إنه واهلل ما يرانا إال الكواكب ، فقالت : فأين مكوكبها.‬


                                                                                                         ‫)1(‬
                                                       ‫شرح النووى على صحيح مسلم ( 1 / 711 – 411 ) .‬
                                                                                                         ‫)2(‬
                                                              ‫جامع العلوم والحكم ( 33 – 83 ) باختصار .‬
                                                                                                         ‫)1(‬
                                                                                         ‫علم : أي جبل‬
    ‫83‬                                                             ‫التقـوى‬
‫وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر ؟ قال : بعلمك أن نظر اهلل إليك أسبق إلى ما تنظر‬
                                                                                ‫إليه.‬


                               ‫وقال الحارث المحاسبى : المراقبة علم القلب بقرب الرب .‬


                                                              ‫وكان اإلمام أحمد ينشد :‬
           ‫خلوت ولكن قل على رقيب‬                   ‫ا‬
                                           ‫إذا ما خلوت الدهر يومً فال تقل‬
              ‫وال أن ما يخفى عليه يغيب‬       ‫وال تحسبن الله يغفل ساعـــة‬
     ‫93‬                                                                          ‫التقـوى‬


     ‫3- ومما يعين على التقوى معرفة ما فى سبيل الحرام من المفاسد واألالم‬


                              ‫فليس فى الدنيا واألخرة شر و داء إال وسببه الذنوب والمعاصى ،‬
                  ‫قال ابن القيم رحمه الله : فما الذى أخرج األبوين من الجنة دار اللذة والنعيم‬
                                       ‫والبهجة والسرور إلى دار االالم واألحزان والمصائب .‬


‫وما الذى أخرج أبليس من ملكوت السماء ، وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته‬
                  ‫ا‬
‫أقبح صوره وأشنعها ، وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدً ، وبالرحمة لعنه ،‬
                                                                          ‫ا‬
       ‫وبالجنة نارً تلظى ، فهان على اهلل غاية الهوان ، وسقط من عينه غاية السقوط ، فصار‬
                   ‫ً‬                                                                     ‫ً‬
          ‫قودا لكل فاسق ومجرم ، رضى لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة ، فعياذا بك اللهم‬
                                                             ‫من مخالفة أمرك ، وأرتكاب نهيك .‬


                        ‫وما الذى أغرق أهل األرض كلهم حتى عال الماء فوق رؤوس الجبال .‬


            ‫وما الذى سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على سطح األرض كأنهم‬
      ‫أعجاز نخل خاوية ، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم ، وما الذى أرسل على‬
           ‫قوم ثمود الصيحه حتى قطعت قلوبهم فى أجوافهم وماتوا عن أخرهم ؟ وما الذى رفع‬
‫قرى اللوطية حتى سمعت المالئكة نبيح كالبهم ثم قلبها عليهم ، فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعهم‬
‫حجارة من سجيل ، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمه غيرهم ، وإلخوانهم أمثالها‬
          ‫وما هى من الظالمين ببعيد ، وما الذى أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل ،‬
                                            ‫ا‬
‫فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارً تلظى ؟ وما الذى أغرق فرعون وقومه فى البحر ،‬
‫ثم نقلت ارواحهم إلى جهنم ، فاألجساد للغرق ، واألرواح للحرق ، وما الذى أهلك القرون من‬
                                                                       ‫(1)‬
                                                                           ‫ا‬
                                                                          ‫بعد نوح ودمرها تدميرً.‬


                                                                                                      ‫)1(‬
                                              ‫الجواب الكافى باختصار ( 28 – 38 ) دار عمر بن الخطاب .‬
     ‫04‬                                                                   ‫التقـوى‬

                        ‫ا‬
      ‫ثم ذكر رحمه اهلل أثار الذنوب والمعاصى فلتراجع فإنها مفيده جدً فى الزجر عن معصية‬
       ‫اهلل والمباعدة عنها ، وهى التقوى المقصودة والدرة المفقودة ، نسال اهلل السالمه ، ونعوذ‬
                               ‫ا‬
‫باهلل من الحسرة والندامه ، فحقيق بكل عاقل أن ال يسلك طريق ً حتى يعلم سالمتها وأفاتها ، وما‬
                                                            ‫توصل إليه من سالمة أوعطب ،‬
‫وال شك أن سبيل المعاصى فيه من التعرض للعذاب العاجل واألجل وضيق الصدر والرزق‬
          ‫وبغض الخلق ومحق البركة فهى كطعام لذيذ مسموم يتمتع به لحظات وتبقى آالمه فى‬
                                                         ‫الحياة وبعد الممات كما قال القائل :‬
             ‫من الحرام ويبقى اإلثم والعار‬            ‫تفنى اللذاذة من نال لذتها‬
            ‫ال خير فى لذة من بعدها النار‬            ‫تبقى عواقب سوء من مغبتها‬
     ‫14‬                                                                                       ‫التقـوى‬
          ‫1- ومما يعين على التقوى أن تتعلم كيف تغالب هواك وتطيع موالك‬

       ‫قال الشيخ مصطفى السباعى رحمه الله : " إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها باهلل ، فإذا‬
‫لم ترجع فذكرها بأخالق الرجال ، فإذا لم ترجع فذكرها بالفضيحه إذا علم الناس ، فإذا لم ترجع‬
                                                           ‫(1)‬
                                                                 ‫فاعلم أنك تلك الساعة انقلبت إلى حيوان " .‬

          ‫وقال ابن القيم رحمه الله : " ومالك األمر كله الرغبة فى اهلل وأرادة وجهه والتقرب‬
          ‫إليه بأنواع الوسائل والشوق إلى الوصول إليه ، وإلى لقائه ، فإن لم يكن للعبد همة على‬
     ‫ذلك فالرغبة فى الجنة ونعيمها وما أعد اهلل فيها ألوليائه ، فإن لم تكن له همة عالية تطالبه‬
‫بذلك ، فخشية النار وما أعد اهلل فيها لمن عصاه ، فإن لم تطاوعه نفسه لشئ من ذلك ، فليعلم‬
            ‫أنه خلق للجحيم ال للنعيم ، وال يقدر على ذلك بعد قدر اهلل وتوفيقه إال بمخالفة هواه .‬

                              ‫ً‬
                ‫فلم يجعل اهلل طريقا إلى الجنة غير متابعته ، ولم يجعل للنار طريقا غير مخالفته ،‬
                                                                                                  ‫قال اهلل تعالى :‬
‫] فأ َّا مَن طَ َى (73) وَآ َ َ الْحَ َاةَ ُّنْ َا (83) فإ َّ الْ َ ِي َ ِ َ الْمأ َى (93)‬
            ‫َِن جح م هي َ ْو‬                  ‫ثر ي الد ي‬                       ‫غ‬          ‫ََم‬
‫وَأ َّا مَنْ َا َ َ َا َ ر ِّ ِ وَنَ َى َّفْ َ عَ ِ الْ َوَى (31) َإ َّ الْج َّ َ ه َ الْمأْ َى‬
  ‫فِن َنة ِي َ و‬                         ‫خ ف مق م َبه ه الن س ن ه‬                            ‫َم‬
                                                                   ‫[ ..... ( النازعات : 03 - 21 )‬
                    ‫وقال تعالى : ] َِ َ ْ َا َ َ َا َ ر ِّ ِ ج َّ َا ِ [ ..... ( الرحمن : 91 )‬
                                             ‫ولمن خ ف مق م َبه َنت ن‬
                ‫قيل : هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه فى الدنيا ومقامه بين يديه فى‬
                                                                                             ‫األخرة فيتركها هلل .‬
                            ‫وقد أخبر اهلل عز وجل أن اتباع الهوى يضل عن سبيله فقال اهلل تعالى :‬
‫ن ك ل ة ف ْ ْض ف ك ب ن الن س ب َق ل َت ِع‬                                  ‫ي و د ِن‬
‫] َا دَا ُو ُ إ َّا جَعَلْ َا َ خَِيفَ ً ِي الأَر ِ َاحْ ُم َيْ َ َّا ِ ِالْح ِّ وََا ت َّب ِ‬
                   ‫(1)‬
  ‫..( ص : 91 )‬           ‫ُ ِل ع ب ِ الل ِ ِن َّ َ َ ِل ن ع س ل الله‬
                       ‫الْ َوَى فَيضَّكَ َن سَ ِيل َّه إ َّ الذِين يضُّو َ َن َبِي ِ َّ ِ [‬‫ه‬
           ‫وقد حكم اهلل تعالى لتابع هواه بغير هدى من اهلل أنه أظلم الظالمين فقال اهلل عز وجل :‬
‫ُ وم َ َل ِمن ات َع هو ه‬                 ‫َإ َّ ي تج ب لك ف َ َنم َتبع ن َ‬
‫] فِن لمْ َسْ َ ِي ُوا َ َ َاعْلمْ أ َّ َا ي َّ ِ ُو َ أهْوَاءهمْ َ َنْ أض ُّ م َّ ِ َّب َ َ َا ُ‬
        ‫ِ َ ْ ِ ه ًى ِّن َّ ِ إ َّ َّ َ َا َه ِي ا ْ َو َ َّاِ ِي َ [ ..... ( القصص : 03 )‬
                                   ‫بغير ُد م َ الله ِن الله ل ي ْد لق ْم الظ لم ن‬
                                                                                                                    ‫)1(‬
                                                                                        ‫ال‬
           ‫علمتنى الحياه ( 23 ) نق ً عن هامش رسالة المسترشدين للمحاسبى ( 061 ) بتحقيق وتعليق عبد الفتاح أبو غدة .‬
                                                                                                                    ‫)1(‬
                                                                       ‫روضة المحبين ( 108 – 208 ) باختصار .‬
     ‫24‬                                                                        ‫التقـوى‬
 ‫وجعل سبحانه وتعالى المتبع قسمين ال ثالث لهما : إما ما جاء به الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
                                      ‫(2)‬
                                        ‫وإما الهوى : فمن اتبع أحداهما لم يمكنه إتباع األخر .‬

‫وقال ابن الجوزى رحمه الله : " الحذر الحذر من المعاصى فإنها سيئة العواقب ، والحذر من‬
                                                                               ‫ا‬
   ‫الذنوب خصوص َ ذنوب الخلوات ، فإن المبارزة هلل تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ، وال‬
‫ينال لذة المعاصى إال دائم الغفلة ، فأما المؤمن اليقظان فإنه ال يلتذ بها ، ألنه عند إلتذاذه يقف‬
‫بإيذائه علمه بتحريمها ، وحذره من عقوبتها ، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهى –‬
                      ‫ا‬
‫وهو اهلل – فيتنغص عيشه فى حال إلتذاذه ،فإن غلبه سكر القلب متنغص ً بهذه المراقبات ، وإن‬
‫كان الطبع فى شهوته فما هى إال لحظة ثم خزى دائم وندم مالزم وبكاء متواصل وأسف على‬
                       ‫ما كان مع طول الزمان ، حتى لو تيقن العفو وقف بإزائه حذر العتاب .‬

                                                                                      ‫ف‬
‫فأ ً للذنوب ! ما أقبح أثارها ؟ وأسوأ أخبارها ؟ وال كانت شهوه ال تنال إال بمقدار قوة الغفله‬
                                                                                                    ‫(1)‬
                                                                                                       ‫.‬

‫وقال ابن القيم رحمه الله : " واعلم أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه‬
                                              ‫ا‬
‫الشهوة ، فإن الشهوة إما أن توجب ألم ً وعقوبة ، وغما أن تقطع لذة أكمل منها ، وإما أن‬
                                    ‫ا‬                                       ‫ا‬
‫تضيع وقت ً إضاعته حسرة وندامة ، وإما أن تثلم عرض ً توفيره أنفع للعبد من ثلمه ، وإما أن‬
                                     ‫ا‬                                     ‫ال‬
‫تذهب ما ً بقاؤه خير من ذهابة ، وإما أن تضع قدرً قيامه خير من وضعه ، وإما أن تسل نعمة‬
                                                             ‫(2)‬
                                                                   ‫بقاؤها ألذ من قضاء الشهوة ".‬

       ‫وخالصة هذا الفصل أن الناس فى ترك المعاصى والتورع عنها دوافع متعددة :‬

       ‫‪ ‬منهم من يدفعه عن معصية محبة اهلل عز وجل وإجالله أن يخالف أمره ويرتكب‬
       ‫نهيه كما قال بعضهم : وددت أن جلدى قرض بالمقارض ، وأن هؤالء الخلق أطاعوا‬
                               ‫اهلل عز وجل ، وهذه أعلى مراتب الخشية واغلى دوافع التقوى.‬




                                                                                                     ‫)2(‬
                                                                                  ‫السابق ( 808 )‬
                                                                                                    ‫)1(‬
                                                                   ‫صيد الخاطر ( 621 ) بتصرف .‬
                                                                                                    ‫)2(‬
                                                               ‫الفوائد ( 241 – 341 ) دار الدعوة .‬
     ‫34‬                                                                                       ‫التقـوى‬

    ‫‪ ‬ومن الناس من يدفعه عن المعصيه الرغبة فى دار القرار وما فيها من نعيم مقيم‬
    ‫لألبرار ، قال النبى صلى اله عليه وسلم : (من شرب الخمر فى الدنيا لم يشربها فى‬
                                                                                ‫(3)‬
                                                                                   ‫األخرة إال أن يتوب) .‬

‫فالتمتع بالحرام فى دار الفناء سبب للحرمان من النعيم المقيم فى دار البقاء ، فلن يجعل اهلل من‬
‫أذهب طيباته فى حياته الدنيا واستمتع بها كمن صام عنها ليوم فطره من الدنيا إذا لقى اهلل عز‬
                                                                                          ‫وجل . قال بعضهم :‬
                             ‫فتأهب لشتاتك‬                                ‫أنت فى دار شتات‬
                        ‫صمته عن شهواتك‬                                    ‫واجعل الدنيا كيوم‬
                           ‫فى يوم وفاتك‬                               ‫واجعل الفطر عند الله‬

     ‫: معناه لم يدخل الجنة ، ألن الخمر شراب أهل الجنة ( جامع االصول 3/66)‬                            ‫قال الخطابى‬

‫وقال النووى : معناه أنه يحرم شربها فى الجنة وإن دخلها من فاخر شراب الجنة فيمنعها هذا‬
          ‫العاصى بشربها فى الدنيا ، وقيل إنه ينسى شهوتها الن الجنة فيها كل ما يشتهى ، وقيل‬
                                  ‫ً‬
           ‫ال يشتهيها وإن ذكرها ويكون هذا نقص نعيم فى حقه تمييزا بينه وبين تارك شربها –‬
                                                            ‫النووى على صحيح مسلم ( 31 / 371 ) .‬

                                                              ‫ا‬
                     ‫‪ ‬ومنهم من يتركها خوف ً من النار وإتقاء غضب الجبار . قال بعضهم :‬

              ‫ا‬
              ‫فولى على أعقابه الهم خاسئً‬                     ‫إذا ما هممنا صدنا وازع التقى‬

                                                                                                      ‫وقال أخر :‬
                       ‫ا‬
                       ‫عند الهوى ويخافه إيمانً‬                       ‫ال خير فيمن ال يراقب ربه‬
           ‫ا‬
           ‫حجب التقى سبل الهوى فأخو التقى يخشى إذا وافى المعاد هوانً‬



                                                                                                                 ‫)3(‬
       ‫رواه البخارى ( 01 / 03 ) ، و مسلم ( 31 / 371 ) األشربه بهذا اللفظ ، ومالك فى الموطأ ( 2 / 684 ) األشربه ،‬
                               ‫وأبو داود ( 2663) األشربه ، والترمذى ( 4 / 48 ) األشربه والنسائى ( 4 / 413 ) األشربه .‬
‫44‬                                                                               ‫التقـوى‬
                                                 ‫(1)‬
   ‫واستبقاء الحياء والوقار كما قال بعضهم :‬          ‫‪ ‬ومنهم من يتركها خوف العار والشنار‬

                ‫إال نهانى الحياء والكرم‬          ‫ما إن دعانى الهوى لفاحشة‬
                 ‫وال مشت بى لريبة قدم‬             ‫فال إلى فاحش مددت يدى‬

     ‫‪ ‬ومنهم من يترك المعصية لما يعقبها من شرور ومصائب وأالم كما قال بعضهم :‬

        ‫ومات فخالها وذاق الدواهيا‬             ‫وكم من معاص نال منهن لذة‬
     ‫تصرم لذات المعاصى وتنقضى وتبقى تباعات المعاصى كما هيا‬
        ‫لعبد بعين الله يخشى‬                      ‫فيا سوءتا والله راء وسامع‬
                                                                          ‫المعاصى‬

       ‫‪ ‬ومنهم من يحمله على ترك المعاصى لذة العفة واالستعالء عن أتباع الهوى فإن‬
                                   ‫لذلك حالوة فى القلوب ال يعرفها إال من ذاقها .‬

                                                                                  ‫كما قال بعضهم :‬
           ‫من المجد يكبو دونها المتطاول‬            ‫وإنى لمشتاق إلى كل غاية‬
     ‫(1)‬
           ‫بذول لمالى حين يبخل ذو النهى عفيف عن الفحشاء قرم حالحل‬

‫‪ ‬ومنهم من يتركها إلنها تنافى المروءة والشهامة كما قال عنترة وهو من شعراء‬
‫] ُل ِّلْمؤْمِنِي َ َغ ُّوا ِنْ‬
  ‫ق ل ُ ن ي ُض م‬                   ‫العصر الجاهلى لم يسمع قول اهلل عز وجل :‬
                                                           ‫....( النور : 03)‬        ‫ْ ِِ‬
                                                                                ‫أَبصَارهمْ [‬
           ‫حتى يوارى جارتى مأواها‬            ‫وأغض طرفى إن بدت لى جارتى‬

  ‫‪ ‬ومنهم من يتركها إستحياء من الناس وال يخشى اهلل عز وجل وهذة أدنى المراتب :‬
                                                                                  ‫كما قال بعضهم :‬
              ‫كنت خال لزوجها فاستحييت‬           ‫لم يكن شأنى العفاف ولكن‬


                                                                            ‫)1( الشنار : هو أقبح العيب .‬
                                          ‫والحالحل : السيد فى عشيرته .‬   ‫)1( القرم : السيد المعظم ........‬
      ‫54‬                                                                                            ‫التقـوى‬

           ‫3- ومما يعين على تقوى اهلل عز وجل معرفة مكائد الشيطان ومصائده‬
                                                                ‫، والحذر من وساوسه ودسائسه :‬

‫قال العالمة ابن مفلح المقدسى رحمه الله : اعلم أن الشيطان يقف للمؤمنين فى سبع عقبات‬
             ‫، عقبة الكفر ، فإن سلم منه ففى عقبة البدعة ، ثم فى عقبة فعل الكبائر ، ثم فى عقبة‬
                  ‫فعل الصغائر ، فإن سلم منه ففى عقبة فعل المبيحات فيشغله بها عن الطاعات ،‬
‫فإن غلبه شغله باألعمال المفضولة عن األعمال الفاضلة ، فإن سلم من ذلك وقف له فى العقبة‬
‫السابعة ، وال يسلم منها المؤمن إذ لو سلم منها أحد لسلم منه رسول اهلل صلى اهلل علية وسلم‬
                                                              ‫(1 )‬
                                                                     ‫وهى تسليط األعداء الفجرة بأنواع األذى .‬

‫فال شك فى أن معرفة العقبات التى يقف عندها الشيطان ، ومعرفة مداخله إلى قلب ابن أدم مما‬
‫يعين على الحذر منه ، وأولى من ذلك بالذكر أن تعرف أن الشيطان عدو لبنى أدم فال يمكن أن‬
                                                                                  ‫يأمره بخير أو ينهاه عن شر .‬


‫قال اهلل تعالى : ] إ َّ َّي َان لَكمْ عد ٌّ ف َّخ ُو ُ عد ًّا إ َّ َا يدْ ُو حِزْبَ ُ لِيَ ُو ُوا ِنْ‬
  ‫ه ك ن م‬                 ‫ِن الش ْط َ ُ َ ُو َات ِذ ه َ ُو ِنم َ ع‬
                                                             ‫أ ْ َا ِ َّ ِي ِ [ .........) فاطر : 9 )‬
                                                                                     ‫َصح ب السع ر‬
‫وقال تعالى : ] َا أ ُّ َا الذِي َ آمَ ُوا َا ت َّ ِ ُوا خطوَا ِ َّي َا ِ َ َن ي َّبعْ خط َا ِ‬
 ‫ي َيه َّ ن ن ل َتبع ُ ُ ت الش ْط ن وم َت ِ ُ ُو ت‬
                            ‫َّي َا ِ فإ َّ ُ ي ْ ُ ُ ِا ْ َ ْ َاء َا ْ ُن َ ِ [ ......... ( النور : 21 )‬
                                                           ‫الش ْط ن َ ِنه َأمر ب لفحش و لم كر‬

‫قال أبو افرج بن الجوزى : " إنما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه ، ويزيد تمكنه منهم‬
‫ويقل على مقدار يقظتهم ، وغفلتهم وجهلهم ، وعلمهم ، واعلم أن القلب كالحصن ، وعلى ذلك‬
                                                               ‫(2)‬
‫، وساكنه العقل ، والمالئكة تتردد على الحصن ،‬                         ‫الحصن سور ، وللسور أبواب ، وفيه ثلم‬
                                                                                              ‫(3)‬
                                                                                        ‫فيه‬         ‫وإلى جانبه ربض‬



‫)1( مصائب األنسان من مكائد الشيطان (66) باختصار ، وذكر ابن القيم رحمه اهلل هذه العقبات السبع فى تفسير المعوذتين بأطول‬
                                                                   ‫من ذلك ، فليراجعه من أراد زيادة التفصيل ( 37 – 67 ) .‬
                                                                          ‫)2( جمع ثلمه : وهى موضع الكسر من القدح .‬
                                                                                           ‫)3( المكان الذى يؤوى إليـه .‬
     ‫64‬                                                                         ‫التقـوى‬
‫الهوى ، والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانع ، والحارس قائم بين أهل الحصن‬
‫وأهل الربض ، والشياطين ال تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض‬
‫الثلم ، فينبغى للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذى قد وكل بحفظه وجميع الثلم ، وأن‬
                                            ‫ال يفتر عن الحراسة لحظة فإن العدو ما يفتر " .‬


‫قال رجل للحسن البصرى : أينام إبليس ؟ قال : لو نام لوجدنا راحة ، وهذا الحصن مستنير‬
‫بالذكر مشرق باإليمان ، وفيه مرآة صقيلة يتراءى بها صور كل ما يمر به ، فأول ما يفعل‬
‫الشيطان فى الربض إكثار الدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة ، وكمال الفكر يرد‬
          ‫الدخان ، وصقل الذكر يجلو المرآة ، وللعدو حمالت فتارة يحمل فيدخل الحصن فيكر‬
                                                ‫(1)‬
‫، وربما أقام لغفلة الحارس ، وربما ركدت الريح‬          ‫عليه الحارس فيخرج ، وربما دخل فعاث‬
‫الطاردة للدخان فتسود حيطان الحصن وتصدأ المرآة فيمر الشيطان وال يدرى به ، وربما جرح‬
                                                                ‫(2)‬
                                                                  ‫الحارس لغفلته وأسر واستخدم .‬


‫واعلم أن أول ما يغوى به الشيطان ابن أدم الوساوس التى يوسوس بها إليه ، كما قال تعالى‬
                                                                                     ‫ً‬
                                                  ‫أمرا باالستعادة باهلل عز وجل من وساوسه:‬
‫] ُلْ أَ ُو ُ بِر ِّ َّا ِ (1) مَل ِ َّا ِ (2) ِلَ ِ َّا ِ (3) ِن ش ِّ الوَس َا ِ‬
‫م َر ْ ْو س‬                ‫إ ه الن س‬      ‫ِك الن س‬      ‫ق ع ذ َب الن س‬
‫ا ْخ َّا ِ (1) َّ ِي ي َسو ُ ِي ص ُو ِ َّا ِ (5) ِ َ ا ْج َّ ِ َ َّا ِ [ ...... (‬
           ‫من ل ِنة و الن س‬          ‫الذ ُو ْ ِس ف ُد ر الن س‬            ‫ل َن س‬
                                                                                             ‫الناس )‬


‫فإذا غفل القلب عن ذكر اهلل عز وجل جثم عليه الشيطان واخذ يوسوس إليه بالذنوب والمعاصى‬
‫، فإذا ذكر اهلل عز وجل واستعاذ به انخنس الشيطان وانقبض ، وإذا كره ما وسوس به فإن ذلك‬
  ‫محض اإليمان ، عن أبى هريره قال : جاء ناس من أصحاب رسول اهلل صلى اهلل علية وسلم‬
‫فسألوه : إنا نجد فى أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : ( وقد وجدتموه ؟ ) قالوا : نعم .‬
                                                          ‫(3)‬
                                                                 ‫قال : ( ذلك صريح اإليمان ) .‬


                                                                                                    ‫)1(‬
                                                                                ‫عاث : أى أفسد‬
                                                                                                    ‫)2(‬
                                                ‫تلبيس أبليس ( 73 – 43 ) باختصار - مكتبة المتنبى .‬
      ‫74‬                                                                                        ‫التقـوى‬
                                                                                    ‫قال ابن القيم رحمه الله :‬
                                   ‫ا‬
‫" الوسوسة هى مبادئ اإلرادة فإن القلب يكون فارغ ً من الشر والمعصية فيوسوس إليه ويخطر‬
        ‫الذنب بباله فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه فيصير شهوه ، ويزينها له ويحسنها ويخيلها له‬
           ‫فى خيال تميل نفسه إليه فتصير إرادة ، ثم ال يزال يمثل ويخيل ويمنى ويشهى وينسى‬
       ‫علمه بضررها ويطوى عنه سوء عاقبتها فيحول بينه وبين مطالعته ، فال يرى إال صورة‬
‫المعصية وألتذاذه بها فقط ، وينسى ما وراء ذلك فتصير األراده عزيمه جازمه ، فيشتد الحرص‬
            ‫ا‬          ‫ا‬
‫عليها من القلب ، فيبعث الجنود فى الطلب فيبعث الشيطان معهم مددً لهم وعون ً ، فإن فتروا‬
                                                                ‫حركهم ، وإن ونوا أزعجهم كما قال تعالى :‬
       ‫......( مريم : 31)‬           ‫ل ك ن َؤ ُّ ُ ْ َز‬                ‫ن الشي ط‬             ‫َ ْ تر َن‬
                                 ‫] أَلم َ َ أ َّا أَرْسَلْ َا َّ َا ِينَ عََى الْ َافِرِي َ ت ُزهم أ ًّا [‬
                                                          ‫ً‬
‫أى تزعجهم إلى المعاصى ازعاجا كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم ، فال‬
                     ‫تزال بالعبد تقوده إلي الذنب ، وتنظم شكل األجتماع بألطف حيله وأتم مكيده .‬

                                                          ‫(1)‬
                                                                ‫فأصل كل معصيه وبالء إنما هى الوسوسة .‬

        ‫ال‬                                                    ‫ال‬
‫فمهما كان العبد مشغو ً بالطاعات وذكر اهلل عز وجل ، فإنه ال يكون عند ذلك مح ً للوساوس‬
     ‫فإذا غفل عن الذكر والطاعة وسوس إليه الشيطان بالمعاصى كما قال ابن القيم رحمه اهلل :‬
                             ‫إذا غفل القلب ساعة عن ذكر اهلل جثم عليه الشيطان وأخذ يعده ويمنيه .‬

‫وأختم هذا الفصل بما يستعان به من طاعة الرحمن الرحيم حتى يحفظ العبد نفسه من وساوس‬
                                                                                                         ‫الشياطين :‬
‫1- االستعاذة باهلل قال اهلل تعالى : ] وَإ َّا يَنزَغَن َ ِ َ َّي َا ِ نَزْ ٌ َاسْتَعذْ بِالّ ِ إ َّ ُ‬
‫َّك من الش ْط ن غ ف ِ له ِنه‬                             ‫ِم‬
                                                              ‫َ ِي ٌ َِي ٌ [ ..... ( األعراف : 201 )‬
                                                                                          ‫سم ع عل م‬




  ‫)3( رواه مسلم ( 1 / 311 ) األيمان ، قال النووى رحمه اهلل : معناه أستعظامكم الكالم به وهو صريح األيمان فإن أستعظام هذا‬
                              ‫ا‬     ‫ال‬                                                 ‫ال‬
  ‫وشدة الخوف منه ومن النطق به فض ً عن اعتقاده إنما يكون لمن أستكمل األيمان إستكما ً محققً وانتفت عنه الريبه والشكوك –‬
                                                                                   ‫النووى على صحيح مسلم ( 1 / 811 ) .‬
                                                    ‫)1( تفسير المعوذتين البن القيم (17) باختصار وتصرف – السلفيه .‬
          ‫84‬                                                                                        ‫التقـوى‬
                                                  ‫ا‬
‫وعن سليمان بن صرد قال : كنت جالس ً مع النبى صلى اهلل عليه وسلم ورجالن يستبان فاحدهما‬
‫احمر وجهه وانتفخت أوداجه ، فقال النبى صلى اهلل علية وسلم : ( إنى ألعلم كلمة لو قالها‬
    ‫(1)‬
‫.‬         ‫لذهب عنه ما يجد لو قال : أعوذ باهلل من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد ) . الحديث‬

                  ‫(1)‬
                    ‫2- قراءة المعوذات فقد قال صلى اهلل علية وسلم : " لم يتعوذ الناس بمثلهن " .‬

‫3- قراءة أية الكرسى عند النوم كما فى حديث أبى هريره فمن قرأها عند نومه ال يزال عليـه‬
                                                                                   ‫من اهلل حافظ ال يقربه شيطان .‬

                                                       ‫1- قراءة سورة البقرة قال النبى صلى اهلل عليه وسلم‬
                                       ‫(3)‬
                                          ‫( إن البيت الذى فيه سورة البقرة ال يدخله الشيطان ) .‬

 ‫5- خاتمة سورة البقرة عن أبى مسعود االنصارى قال : قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم :‬
                                             ‫(1)‬
                                                   ‫( من قرأ األيتين من أخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه ) .‬

‫1- " ال أله إال اهلل وحده ال شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير " مائة مـرة‬
                                                                 ‫ً‬
                                  ‫من قرأها فى يوم كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى .‬

               ‫7- كثرة ذكر اهلل عز وجل فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر اهلل عز وجل .‬

                 ‫8- الوضوء والصالة قال ابن القيم : وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه .‬

          ‫9- إمساك فضول النظر والكالم والطعام ومخالطة الناس ، فإن الشيطان إنما يتسلط على‬
                                                                ‫(1)‬
                                                                   ‫ابن أدم وينال منه غرضه من هذه األربعة .‬

    ‫)1( رواه البخارى 0 01 / 411 – 611 ) األدب ، ومسلم ( 61 / 361 ) البر والصله ، وابو داود ( 6178 ) األدب ، قال ابن‬
    ‫كثير رحمه اهلل : من لطائف األستعاذه أنها طهارة الفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب اللهو وهو بتالوة القرآن وهى‬
     ‫استعانه باهلل عز وجل واعتراف له بالقدره وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطن الذى ال يقدر على منعه‬
      ‫ودفعه إال اهلل الذى خلقه وال يقبل ممناعه وال يدارى باحسان بخالف العدو من نوع األنسان كما دلت على ذلك ايات من القرآن‬
                                                                                                        ‫( 1 / 01 ) التفسير .‬
                                      ‫)2( رواه النسائى ( 4 / 112 ) األستعاذه : وأحمد بمعناه ( 3 / 718 ) وصححه األلبانى .‬
             ‫)3( رواه مسلم ( 6 / 46 ) صالة المسافرين بلفظ : أن الشيطان يفر من البيت الذى تقرأ فيه سورة البقره ، والترمذى‬
                                                                                            ‫( 11 / 01 ) ثواب القرآن بلفظه .‬
      ‫)4( رواه البخارى ( 6 / 01 ) فضائل القرآن ، ومسلم ( 6 / 16 – 26 ) صالة المسافرين ن والترمذى ( 01 / 21 ) ثواب‬
                                                                                      ‫القرآن ، وابو داود ( 8431 ) الصاله .‬
                                                  ‫)1( تفسير المعوذتين باختصار( 24 – 64 ) وانظر البحر الرائق للمصنف .‬
     ‫94‬                                                                  ‫التقـوى‬
                                  ‫صفات المتقين‬

‫وبعد أن ذكرنا معنى التقوى وشرفها وطريق الوصول إليها نرى من المفيد كذلك أن نتعـرف‬
‫على أصحاب هذه الرتب العليه ، والدرجات السنية ، حتى ال تدعيها النفوس وهى عارية منها ،‬
      ‫وقد يكون العلم بها مما يشحذ الهمم فى طلبها ، وبذل نفائس األنفاس فى خطبتها وقرانها .‬


                                                               ‫يقول ابن القيم رحمه الله :‬
                              ‫ً‬
            ‫واما السابقون المقربون فنستغفر اهلل الذى ال إله إال هو أوال من وصف حالهم وعدم‬
‫االتصاف به ، بل ما شممنا له رائحة ، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بهـا‬
      ‫، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ، ففى معرفة حال القوم فوائد عديده :‬


                                    ‫ا‬              ‫ا‬
‫منها أن ال يزال المتخلف المسكين مزري ً على نفسه ذام ً لها ، ومنها أن ال يزال منكسر القلـب‬
                                                         ‫ً‬       ‫ال‬
             ‫بين يدى ربه تعالى ذلي ًله حقيرا يشهد منازل السابقين وهو فى زمرة المنقطعين ،‬
     ‫ا‬
‫ويشهد بضائع التجار وهو فى رفقة المحرومين ، ومنها أنه عساه أن تنهض همته يوم ً إلـي‬
‫التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد ، ومنها أنه لعله أن يصدق فى الرغبة واللجـوء إلـى‬
‫ً‬
‫من بيده الخير كله أن يلحقه بالقوم ويهيئه ألعمالهم فيصادف ساعة إجابة ال يسأل اهلل فيها شيئا‬
                                  ‫إال إعطاه ، ومنها أن هذا العلم هو من أشرف علوم العباد ،‬
‫وليس بعد علم التوحيد أشرف منه ، وهو ال يناسب إال النفوس الشريفة ، وال يناسـب النفـوس‬
‫الدنيئه ، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقلة فليبشر بالخير فقد أهل‬
‫له ، فليقل لنفسه : يا نفس فقد حصل لك شطر فاحرصى على الشطر االخر ، ومنها أن العلـم‬
                                                                            ‫ً‬
                                                                   ‫بكل حال خيرا من الجهل‬
‫ومنها أنه إذا كان العلم بهذا الشان همه ومطلوبه فالبد ان ينال منه بحسب استعداده ولو لحظـه‬
‫ولو بارقة ، ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه ، ومنها أنه لعله يجرى منه على لسانه ما ينتفـع‬
                                                              ‫به غيره بقصده أو بغير قصده‬
      ‫05‬                                                                             ‫التقـوى‬

‫واهلل ال يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم بذلك العالم ، وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن‬
‫صرت من أهله ، هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير وبين الغنى بالفعل ،‬
‫وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم وبين الصحيح بالفعل ، فاسمع األن وصف القوم‬
‫وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم الجليل ، فإن وجدت من نفسك حركة وهمة إلى التشبه‬
                                               ‫بهم فاحمد اهلل وادخل فالطريق واضح والباب مفتوح:‬


                 ‫فكنه تكن مثل ما يعجبك‬                      ‫إذا أعجبتك خصال امرئ‬
                  ‫إذا جئتها حاجب يحجبك‬                 ‫فليس على الجود والمكرمات‬


                               ‫ا‬      ‫ا‬
                              ‫2- فمن صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب إيمان ً جازم ً:‬
‫والغيب هو ما غاب عن حواسنا ما أخبرنا اهلل عز وجل بوجوده أو أخبرنا به رسوله صلى اهلل‬
‫عليه وسلم ، كاإليمان باهلل ومالئكته واإليمان باألخرة ، وال شك أن هذه الصفة أخص صفاتهم ،‬
              ‫فإنها التى تدعوهم إلى إقامة الصالة وإيتاء الزكاة واالنقياد الكامل ألمر اهلل عز وجل‬
                           ‫ونهيه ، وهذه الصفة هى أول صفة وصفهم اهلل عز وجل بها فى كتابه.‬

‫قال اهلل تعالى : ] ذَل َ الْكِ َا ُ َ رَيْبَ ِيهِ هدًى ِّلْم َّقِي َ (2) الذِي َ يؤْمِ ُو َ بِالْغَيْ ِ‬
‫ب‬           ‫َّ ن ُ ن ن‬                  ‫ف ُ ل ُت ن‬                 ‫ِك ت ب ال‬
‫وَ ُقِي ُو َ َّال َ وَم َّا رَزَقْ َاهمْ ُن ِ ُو َ (3) والذِي َ يؤْمِ ُو َ ِ َاا ُنازِ َ إِلَيْا َ وَ َاا‬
  ‫َّ ن ُ ن ن بم أ ل ك م‬                                 ‫ن ُ ي فق ن‬             ‫ي م ن الص ة ِم‬
                              ‫ُن ِ َ ِن َ ْل َ َ ِاآل ِر ِ ه ْ ُو ِ ُو َ [ ........( البقرة : 1 – 1 )‬
                                                            ‫أ زل م قبِك وب خ َة ُم ي قن ن‬
        ‫.‬
            ‫ومدحهم اهلل عز وجل كذلك فى هذه األيات الكريمات بأنهم أهل الهداية الحقيقية بالقرأن‬

                ‫قال القاسمى : قال الناصر فى االنتصاف : الهدى يطلق فى القرآن على معنيين:‬
                                         ‫أحداهما : االرشاد وإيضاح سبيل الحق ومنه قوله تعالى :‬
            ‫........( فصلت : 02)‬         ‫ل ُ‬                  ‫َم م د َ ن ُ ف ت َب‬
                                    ‫] وَأ َّا ثَ ُو ُ فَهدَيْ َاهمْ َاسْ َح ُّوا الْعَمَى عََى الْهدَى [‬
       ‫وعلى هذا يكون الهدى للضال باعتبار أنه رشد إلى الحق سواء حصل له االهتداء أو ال .‬

                                                                                                           ‫.‬
                                                                  ‫طريق الهجرتين ( 102 – 602 ) باختصار .‬
      ‫15‬                                                                                        ‫التقـوى‬
                                                    ‫واألخر: خلق اهلل تعالى االهتداء فى قلب العبد ومنه :‬
                                ‫...... ( االنعام : 06 )‬         ‫له ُ ُم َ ِ‬                ‫َ‬      ‫ُ ل ِ َّ‬
                                                            ‫] أوَْـئكَ الذِينَ هدَى الّ ُ فَبِهدَاه ُ اقْتدهْ [‬
                 ‫ً‬
               ‫فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو فى هذه األية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا .‬

‫وعلى األول فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا‬
                ‫.......( النازعات : 31 )‬    ‫به كما قال تعالى : ] إ َّ َا أَنتَ ُنذِ ُ مَن َخْ َا َا [‬
                                                ‫م ر ي شه‬                  ‫ِنم‬
 ‫...... ( يس : 22 )‬           ‫وقال ] إ َّ َا ُنذِ ُ مَنِ َّبعَ ِّكْرَ َخَش َ َّحْ َن ِالْغَيْ ِ [‬
                                ‫ِنم ت ر ات َ الذ و ِي الر م ب ب‬

                                                         ‫ا‬
‫وقد كان صلى اهلل عليه وسلم منذرً لكل الناس فذكر هؤالء ألجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنـذاره‬
‫، وهذه األية نظير أية :] ُال ُاو لَّا ِين آم ُاوا ُا ًى و ِا َاء و َّا ِين َاا يؤم ُاون ِاي‬
  ‫ق ْ ه َ ِل ذ َ َن ه د َش ف َال ذ َ ل ُ ْ ِن َ ف‬
                 ‫(1)‬
 ‫..( فصلت : 11 )‬          ‫ِ م ُ ِك ين َ ن م مك ن بع د‬                         ‫ذنِ ر َُ‬
                     ‫آ َا ِهمْ وَقْ ٌ وهوَ عَلَيْهمْ عَ ًى أوْلَئ َ ُ َادوْ َ ِن َّ َا ٍ َ ِي ٍ [‬

                                                          ‫1- ومن صفاتهم أنهم يعفون ويصفحون :‬


                        ‫....... ( البقرة : 031 )‬       ‫كما قال تعالى : ] وَأَن تَعْ ُواْ أَقْ َ ُ ل َّقوَى [‬
                                                            ‫ف رب ِلت ْ‬
                                                                                              ‫وقد قال عز وجل :‬
‫ف أ ُه ل الل ه ِن ه ي اب‬                               ‫ع َ‬                      ‫اي ة اي ة م ل‬                       ‫و‬
‫] َجَ ازَاء سَا ِّئَ ٍ سَا ِّئَ ٌ ِّثُْهَااا فَمَ انْ َفَااا وَأصْ الَحَ َ اَجْر ُ عََااى َّ ا ِ إ َّ ا ُ لَااا ُحِا ُّ‬
                                                                         ‫َّاِ ِي َ [ ......(الشورى : 01 )‬    ‫الظ لم ن‬

‫فأخبر اهلل عز وجل أن من اتصف بهذه الصفة فأجره فى ذلك على اهلل عز وجل كما رغبهم اهلل‬
   ‫عز وجل فى مغفرته إذا فعلوا ذلك فقال عز وجل فى سورة النور ] وَلْ َعْ ُوا وَلْيصْ َ ُوا‬
     ‫َ فح‬          ‫يف‬
                 ‫أَا ُح ُّو َ َن َ ْ ِ َ َّ ُ َك ْ و َّ ُ َ ُو ٌ َّ ِي ٌ [ ……( النور : 11 )‬
                                          ‫َل ت ِب ن أ يغفر الله ل ُم َالله غف ر رح م‬
‫وقال تعالى فى وصف المتقين ] َال َااِ ِين ال َايظ َال َاا ِين َان َّااس َالّاه ي ِاب‬
‫و ْك ِم َ ْغ ْ َ و ْع ف َ ع ِ الن ِ و ل ُ ُح ُّ‬
                                                      ‫ا ْ ُ ْ ِ ِي َ [.... ( أل عمران : 132 )‬
                                                                                ‫لمحسن ن‬


                                                                                                                   ‫)1(‬
                                                                      ‫محاسن التأويل ( 2 / 83 ) دار الفكر بيروت .‬
     ‫25‬                                                                           ‫التقـوى‬
                                                                  ‫قال العالمة محمد رشيد رضا :‬
     ‫قال الراغب : الغيظ أشد الغضب ، وهو الحرارة التى يجدها اإلنسان من فوران دم قلبه ،‬
              ‫وفى روح المعانى : أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر ، والفرق بينه وبين‬
                     ‫الغضب على ما قيل : أن الغضب يتبعه إرادة االنتقام البته ، وال كذلك الغيظ .‬


       ‫وقال الزمخشرى : كظم الغيظ هو ان يمسك ما فى نفسه منه بالصبر وال يظهر له أثرا ،‬
         ‫ً‬
                                                             ‫ً‬
      ‫ويروى عن عائشة أن خادما لها غاظها فقالت : هلل در التقوى ما تركت لذى غيظ شفاء .‬
‫العفو عن الناس هو التجافى عن ذنب المـذنب مـنهم وتـرك‬                 ‫ن الن س‬            ‫و ع‬
                                                                   ‫] َالْ َافِينَ عَا ِ َّاا ِ [‬
‫مؤاخذته مع القدرة عليها ، وتلك مرتبة فى ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قـل مـن‬
                                                                                              ‫يتبوأها ،‬
            ‫فالعفو مرتبة قبل مرتبة كظم الغيظ ، إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة ،‬
          ‫وهناك مرتبة أعلى منها وهى ما أفاده قوله عز وجل : ] وَالّ ُ ُح ُّ الْ ُحْسِنِي َ [‬
            ‫ن‬        ‫له ي ِب م‬
          ‫فاإلحسان وصف من اوصاف المتقين ، ولم يعطفه على ما سبقه من الصفات بل صاغه‬
                                                    ‫ا‬                ‫ا‬
‫بهذه الصيغة تمييزً له بكونه محبوب ً عند اهلل تعالى ويروى أن بعض السلف غاظه غالم له فجأة‬
    ‫فقال : كظمت غيظى ،‬   ‫غيظاً شديدًا فهم باالنتقام منه فقال الغالم ] َالْ َاِِمِي َ الْغَيْظ [‬
                         ‫َ‬          ‫و ك ن‬
‫قال الغالم : ] َالْ َافِينَ عَ ِ َّاس ِ[ فقـال : عفـوت عنـك . قـال ] وَالّا ُ ُح ُّ‬
‫ل ه ي ِاب‬                                                ‫ن الن‬          ‫و ع‬
                                                                                   ‫ن‬         ‫م‬
                                                                                ‫الْ ُحْسِنِي َ [‬
               ‫(1)‬
                 ‫قال : اذهب فأنت حر وجه اهلل . فهذه الواقعة تبين لك ترتيب المراتب الثالثة .‬


‫3- ومن صفاتهم أنهم غير معصومين من الخطايا إال من عصمه اهلل عز وجل من‬
                      ‫االنبياء غير أنهم ال يقارفون الكبائر ، وال يصرون على الصغائر :‬


            ‫ال‬
‫بل كلما وقعوا فى صغيرة رجعوا إلى اهلل بالتوبة واالستغفار والعمل الصالح عم ً بقول النبـى‬
                                      ‫(1)‬
                                            ‫صلى اهلل عليه وسلم : ( اتبع السيئة الحسنة تمحها ) .‬

                                                            ‫)1( تفسير المنار باختصار ( 8 / 831 ، 131 ) .‬
                                                                                      ‫)1( تقدم تخريجه‬
     ‫35‬                                                                             ‫التقـوى‬

‫ودل على هذه الصفة قوله عز وجل : ] إ َّ الذِينَ َّقَاواْ إ َا َ َّاهمْ َاا ِ ٌ ِّا َ َّاي َا ِ‬
‫ِن َّ ات ِذ مس ُ ط ئف م ن الش ْط ن‬
                                ‫تذ َّ ُو ْ فإ َا ُم ُّب ِ ُو َ [ .........( األعراف : 201 )‬
                                                                    ‫َ َكر ا َِذ ه م ْصر ن‬

‫قال ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عن المتقين من عبادة الذين أطاعوه فيما أمر وتركـوا‬
      ‫ما عنه زجر ، أنهم إذا مسهم - أى : أصابهم - طيف وقرأ األخرون طائف ، وقد جاء‬
‫فيه حديث وهما قراءتان مشهورتان فقيل : بمعنى واحد ، وقيل : بينهما فرق ، ومنهم من فسر‬
‫ذلك بالغضب ، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصدع ونحوه ، ومنهم من فسره بالهم بالذنب ،‬
             ‫[ أى : عقاب اهلل وجزيل ثوابه‬     ‫ومنهم من فسره بإصابة الذنب ، وقوله :] تذ َّ ُوا‬
                                                ‫َ َكر‬
‫[ أى : قـد‬    ‫ووعده ووعيده فتابوا وانابوا ورجعوا إليه مـن قريـب :] َاإذَا ُام ُّبصِا ُون‬
              ‫ف ِ ه مْ ر َ‬
                                                             ‫(2)‬
                                                                ‫استقاموا وصحوا مما كانوا فيه .‬
                             ‫ثم ذكر اهلل عز وجل ما يقابل هذه الصفة فى المتقين بقوله تعالى :‬
      ‫........ ( اإلعراف : 232)‬          ‫إ ْو ن ُ ُد ُ ف َي ُم ال ي ْ ر ن‬
                                       ‫] وَِخ َا ُهمْ يَم ُّونَهمْ ِي الْغ ِّ ث َّ َ ُقصِ ُو َ [‬

‫قال العالمة رشيد رضا رحمه الله : شأن المؤمنين المتقين إذا مسهم طائف من الشيطان لحملهم‬
             ‫على محاكاة الجاهلين والخوض معهم وعلى غير ذلك من المعاصى والفساد تذكروا‬
       ‫فأبصروا فحذروا وسلموا ، وإن زلوا تابوا وأنابوا ، وأن إخوان الشياطين وهم الجاهلون‬
                         ‫غير المتقين تتمكن الشياطين من إهوائهم فيمدونهم فى غيهم وفسادهم ،‬


          ‫ألنهم ال يذكرون اهلل تعالى إذا شعروا فى أنفسهم بالنزوع إلى الشر والباطل والفساد فى‬
              ‫ا‬
‫األرض ، وال يستعيذون منه باهلل ، وإما ألنهم ال يؤمنون بأن لإلنسان شيطان ً من الجن يوسوس‬
            ‫إليه ويغريه بالشر – ثم ال يقصرون وال يكفون عن إغوائهم وإفسادهم لذلك يصرون‬
                                 ‫(1)‬
                                       ‫على الشرور والفساد لفقد الوازع النفسى والواعظ الدينى .‬



                                                                                                         ‫)2(‬
                                                                     ‫تفسير القرآن العظيم ( 2 / 672 ) .‬
                                                                                                         ‫)1(‬
                                                                   ‫تفسير المنار ( 6 / 011 ) بتصرف .‬
     ‫45‬                                                                          ‫التقـوى‬
‫ال‬              ‫ا‬
‫1- ومن صفاتهم أنهم يتحرون الصدق فهم أصدق الناس إيمان ً وأصدقهم أقووا ً‬
                                                                                ‫ال‬
                                                       ‫وأعما ً وهم الذين صدقوا المرسلين‬


 ‫..( الزمر : 33 )‬   ‫قال تعالى : ] َال ِي َاء ِالصدقِ و َد َ بِ ِ أوْلَئ َ ه ُ الْم َّ ُو َ [‬
                      ‫و َّذ ج ب ِّ ْ َص َّق ه ُ ِك ُم ُتق ن‬

          ‫قيل : الذى جاء بالصدق هو محمد صلى اهلل عليه وسلم ، وقيل : جبريل عليه السالم ،‬
‫وقال مجاهد : أصحاب القران المؤمنون : يجيئون يوم القيامة فيقولون : هذا ما اعطيتمونا بمـا‬
                                                                                           ‫أمرتمونا.‬


             ‫قال ابن كثير : وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين ، فإن المؤمنين يقولون‬
‫الحق ويعملون به ، والرسول صلى اله عليه وسلم أولى الناس بالدخول فى هذه االية على هـذا‬
‫التفسير ، فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين ، وأمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن‬
                                                                 ‫(2)‬
                                                                       ‫باهلل ومالئكته وكتبه ورسله.‬


     ‫......( البقرة : 00 )‬   ‫وقال تعالى : ] ُوَـئكَ الذِي َ صدَ ُوا وَُوَـئكَ ه ُ الْم َّ ُو َ [‬
                               ‫أ ل ِ َّ ن َ ق أ ل ِ ُم ُتق ن‬

‫فى إيمانهم ألنهم حققوا اإليمان القلبى بـاألقوال‬   ‫قال القاسمى : ] ُوَـئكَ الذِي َ صدَ ُوا [‬
                                                      ‫أ ل ِ َّ ن َ ق‬
                                           ‫واألفعال ، فلم تغيرهم األحوال ولم تزلزلهم األهوال ،‬


‫] وَُوَـئ َ ه ُ الْم َّ ُو َ [‬
  ‫أ ل ِك ُم ُتق ن‬                ‫وفيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق فى دعواه اإليمان‬
‫عن الكفر وسائر الرذائل ، وتكرير اإلشاره لزيادة تنويه بشأنهم ، وتوسيط الضـمير لإلشـارة‬
                                                                         ‫(1)‬
                                                                               ‫النحصار التقوى فيهم‬
‫وقد رغب النبى صلى اله عليه وسلم فى هذه الخصلة النبيلة والرتبة الجليلة فقال صلى اهلل عليه‬
              ‫(1)‬
                ‫وسلم ( وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتي يكتب عند اهلل صديقا ) .‬

                                                                                                     ‫)2(‬
                                                                  ‫تفسير القرآن العظيم ( 8 / 31 ) .‬
                                                                                                     ‫)1(‬
                                                                         ‫تفسير القاسمى ( 3 / 81 )‬
     ‫55‬                                                                                       ‫التقـوى‬

                                                         ‫3- ومن صفاتهم أنهم يعظمون شعائر اهلل‬

 ‫...( الحج :23)‬    ‫قال اهلل تعالى: ] ذَلكَ وَمَن ُ َظمْ شَ َائِ َ َّهِ فإ َّهَا ِن َق َى الْ ُُو ِ [‬
                     ‫يع ِّ ع ر الل َ ِن م ت ْو قل ب‬                            ‫ِ‬
                                                                                ‫قال القرطبى رحمه اهلل عليه :‬
                                  ‫الشعائر جمع شعيره‬           ‫] ذَلكَ وَمَن ُ َظمْ شَ َائِرَ [‬
                                                                     ‫يع ِّ ع‬             ‫ِ‬                ‫قوله تعالى‬
‫وهى كل شئ هلل تعالى فيه أمر أشعر به واعلم ، ومنه القوم فى الحرب ، أى عالمـتهم التـى‬
‫يتعارفون بها تسمى شعيره بمعنى المشعورة ، فشعائر اإلسالم أعالم دينه ، والسيما ما يتعلـق‬
                                                                                                       ‫بالمناسبك ،‬
‫وقال قوم : المراد هنا تسمية البدن واالهتمام بأمرها ، والمغاالة بها قاله ابن عبـاس ومجاهـد‬
‫وجماعة ، وفيه إشارة لطيفة ، وذلك أن أصل شراء البدن ربما حصول اإلجزاء بما دونها فـال‬
                                   ‫يظهر له عمل إال تعظيم الشرع وهو من تقوى القلوب واهلل أعلم .‬


 ‫واضاف التقوى الى القلوب الن حقيقة التقوى فى القلب ولهذا قال (ص) فى الحديث الصحيح :‬
                                                                   ‫(2)‬
                                                                         ‫( التقوى ها هنا واشار الى صدره )‬

‫فالمتقون يعظمون طاعة اهلل وأمره فيدفعهم ذلك الى طاعته ، ويعظمون كذلك ما نهى اهلل عنـه‬
‫فيدفعهم ذلك عن معصيته ، وعكس ذلك االستهانة باالوامر فال يؤديها ، وبالنواهى فيقـع فيهـا‬
                                                                                              ‫نسال اهلل السالمة .‬

                                                                                   ‫قال انس رضى الله عنة :‬
‫" انكم لتعلمون اعماال هى ادق فى اعينكم من الشعر ، كنا لنعدها على عهـد رسـول اهلل مـن‬
                                                                                                    ‫(2)‬
                                                                                                       ‫الموبقات ".‬



     ‫)2( رواه البخارى ( 01 / 701 ) األدب ، ومسلم ( 61 / 061 ) البر و الصله ، وابو داود ( 4668 ) األدب ، وابن ماجه‬
                                                                        ‫( 68 ) المقدمه بزيادة فى اوله ، واللفظ لمسلم .‬
     ‫)1( الجامع ألحكام القرآن ( 1 / 4888 ) باختصار ، والحديث رواه مسلم ( 61 / 021 – 121 ) البر والصله ، والترمذى‬
                                                                                ‫( 4 / 11 ) البر ، وأحمد ( 20772 ) .‬
                                                                            ‫)2( رواه البخارى ( 11 / 623 ) الرقاق .‬
     ‫65‬                                                                                  ‫التقـوى‬
‫قال ابو عبدالله : يعنى بذلك المهلكات ، وعن ابن مسعود رضى اهلل عنة قال: ( ان الموؤمن‬
‫يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر علوى‬
                                                                                ‫(3)‬
                                                                                      ‫انفة فقال به هكذا ) .‬


‫قال العينى : السبب فى ان قلب المؤمن منور فاذا راى من نفسة ما يخالف ذلك عظـم االمـر‬
‫علية ، والحكمة فى التمثيل بالجدل ان غيرة من المهلكات قد يحصل منة النجاة بخالف الجـدل‬
                                                                  ‫(1)‬
                                                                        ‫اذا سقط علية فانة ال ينجو عادة .‬


‫1- ومن صفاتهم انهم يتحرون العدل ويحكمون بة وال يحملهم بغض احود علوى‬
                                                                                                     ‫تركة :‬

‫قال اهلل تعالى: ] وَ َ َجْرِم َّكمْ شَ َآ ُ قو ٍ عََى َ َّ َعدُِواْ اعْادُِواْ ُا َ َقْا َ ُ ل َّقْا َى‬
 ‫ل ه و أ رب ِلت و‬                      ‫ال ي َن ُ ن ن َ ْم ل أال ت ْ ل‬
                          ‫و َّ ُو ْ الّ َ إ َّ الّ َ َ ِي ٌ ِ َا َ ْ َُون [ ............( المائدة : 1 )‬
                                                              ‫َاتق ا له ِن له خب ر بم تعمل‬
                                                                                          ‫قال الزمخشرى :‬
‫ال يحملنكم بغض المشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما‬
‫فى قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما ال يحل لكم من مثلة أو قذف من مثلة أو قذف أو قتل أوالد‬
          ‫ال‬
‫نهاهم او ً أن تحملهم‬   ‫أو ساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك ] اعدُِواْ ه َ أَقْا َ ُ ل َّقْاوَى [‬
                               ‫ْ ل ُو رب ِلت‬
              ‫ا‬       ‫ا‬
‫البغضاء على ترك العدل ، ثم استانف فصرح لهم باألمر بالعدل تاكيدً وتشديدً ، ثـم اسـتأنف‬
                  ‫ا‬
‫لكونه لطف ً فيها . وفيه تنيـه‬   ‫فذكر لهم وجه االأمر بالعدل وهو قوله ] ه َ أَقْ َ ُ ل َّق َى [‬
                                   ‫ُو رب ِلت ْو‬
‫عظيم علىوجب العدل مع الكفار الذين هم أعداء اهلل إذا كان بهذه الصفة من القوة ، فما الظـن‬
                                                   ‫(1 )‬
                                                          ‫بوجوب مع المؤمنين الذين هم أولياؤه واحباؤه‬
                    ‫ال‬
‫وقد ثبت فى الصحيحين عن النعمان بن بشير أنه قال ( نحلنى أبى نح ً فقالت أمى : ال أرضى‬
‫حتى عن النعمان بن بشير انه قال : ( نحلنى أبى نحال فقالت أمى : ال أرضى حتى تشهد عليه‬
                                 ‫رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم فجاءه ليشهده على صدقتى فقال :‬

                                                                                                             ‫)3(‬
                                     ‫رواه البخارى ( 11 / 201 ) الدعوات ، الترمذى ( 6 / 403 ) صفة القيامه .‬
                                                                                                             ‫)4(‬
                                                                ‫نق ً عن هامش جامع األصول ( 11 / 401 ) .‬‫ال‬
                                                                                                             ‫)1(‬
                                                               ‫تفسيرالكشاف ( 1 / 216 / 316) باختصار .‬
     ‫75‬                                                                                             ‫التقـوى‬
‫( أكل ولدك نحلت مثله ؟ ) قال : ال. فقال : ( اتقوا اهلل واعدلوا بين أوالدكم ) . قال : فرجع‬
                                                                                         ‫(2)‬
                                                                                               ‫أبى فرد تلك الصدقة .‬
‫0- ومن صفاتهم أنهم يتبعون سبيل الصادقين من األنبياء والمرسولين وصوحابة‬
                                                        ‫سيد األولين واالخرين صلى اهلل عليه وسلم .‬

‫…….( التوبة :‬      ‫قال اهلل تعالى : ] َا أ ُّ َا الذِي َ آمَ ُواْ َّ ُوا الّ َ وَ ُو ُواْ م َ َّا ِقِي َ [‬
                     ‫ي َيه َّ ن ن اتق ْ له ك ن َع الص د ن‬
                                                                                                                     ‫622)‬
‫وقد فسر بعض العلماء هذه األية على أنها تحريض على الصدق وأمر به كابن كثير والقاسـمى‬
‫، ورجح بعضهم أها حض على التزام طريق الصادقين كالشوكانى ، ونقل عن سعيد بن جبيـر‬
‫أبو بكروعمر ، وذكر القرطبى وابن جريـر القـولين‬                         ‫والضحاك ] َ ُو ُاواْ َاعَ َّاادِقِي َ [‬
                                                                         ‫ك ن م الص ن‬
                                                                              ‫ورجح ابن جرير الثانى منها فقال :‬

                                  ‫(1)‬
‫والضـحاك ، وذلـك أن‬                     ‫والصحيح من التأويل فى ذلك هو التأويل الذى ذكرناه عن نـافع‬
‫وعى القراءة التى ال أستجيز‬           ‫] وَ ُو ُواْ م َ َّاا ِقِي َ [‬
                                       ‫ك ن َع الص د ن‬                          ‫رسوم المصحف كلها مجمعه على‬
                                             ‫(2)‬
‫فى ذلك على قراءته تأويل صحيح‬                       ‫ألحد القراءة بخالفها ، وتأويل عبد اهلل رحمة اهلل عليه‬
                                                                                      ‫(3)‬
                                                                                            ‫غير أن القراءة بخالفها .‬


‫وقال القرطبى : هذا األمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثالثة حين نفعهم الصـدق‬
‫وذهب بهم عن منازل المنافقين واختلف فى المراد هنا بالمؤمنين الصادقين على اقوال فقيل هو‬
                                                                                ‫خطاب لمن أمن من أهل الكتاب ،‬
‫اى مع الذين خرجوا مع النبى صلى اهلل عليه وسلم ال مـع‬                         ‫قيل ] وَ ُو ُاواْ َا َ َّاادِقِي َ [‬
                                                                               ‫ك ن م ع الص ن‬
‫المنافقين ، اى كونوا على مذاهب الصادقين وسبيلهم . وقيل هم المهاجرون لقول ابى بكر يـوم‬
                                                                                                                 ‫السقيفه :‬
                    ‫........( الحشر : 1 )‬          ‫إن اهلل سمانا الصادقين فقال ] لِلْ ُقَ َاء الْ ُ َاجِرِينَ [‬
                                                             ‫ف ر مه‬

                                                                                                                          ‫)2(‬
                                   ‫رواه البخارى ( 1 / 112 ) الهبه (1 / 412 ) الشهادات ، ومسلم ( 11 / 76 ) الهبه .‬
                                                                                                                          ‫)1(‬
         ‫األثر عن نافع قال : قيل للثالثه الذين خلفوا : يا ايها الذين أمنوا اتقوا اهلل وكونوا مع الصادقين محمد وأصحابه .‬
                                                                                                                          ‫)2(‬
  ‫قال بن جرير : وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه يقرأه } وكونوا من الصادقين { ويتأوله إن ذلك نهى من اهلل عن الكذب .‬
                                                                                                                          ‫)3(‬
                                                     ‫جامع البيان فى تفسير القرآن ( 11 / 68 ) دار المعرفه بيروت .‬
       ‫85‬                                                                        ‫التقـوى‬
       ‫[........( الحشر : 6 )‬   ‫ثم سماكم بالمفلحين فقال : ] َالذِي َ تَ َو ُوا َّارَ َالإِي َا َ‬
                                ‫و َّ ن ب َّؤ الد و ْ م ن‬
                                                   ‫وقيل : هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم .‬


‫قال ابن العربـى : وهذا القول هو الحقيقة والغاية التى إليها المنتهى ، فإن هذه الصفة يرتفـع‬
                                                      ‫بها النفاق فى العقيدة والمخالفة فى العمل ،‬
        ‫وصاحبها يقال له الصديق كابى بكر وعمر وعثمان ومن دونهم على منازلهم وازمانهم ،‬
 ‫(1)‬
       ‫وأما تفسير أبى بكر الصديق فهو الذى يعم األقوال كلها فغن جميع الصفات فيهم موجودة .‬


‫فال شك أن من صفات المتقين أنهم ينتهجون منهج الصحابة رضى اهلل عنهم ، ألنهم أولى الناس‬
‫بهذه الصفة التى أمرنا اهلل أن نكون مع أهلها ، فقد شهد اهلل عز وجل لهم بالصدق ، وشهد لهم‬
‫رسوله صلى اهلل عليه وسلم ، فال يجوز ألحد أن يلزمهم بشئ ، أو يتهمهم بما بـرأهم اهلل عـز‬
‫وجل ورسوله صلى اهلل عليه وسلم ، فالصحابة كلهم عدول ، وظهـرت فـيهم مـن عالمـات‬
‫الصدق واإليمان واليقين ما يجعل العاقل يقطع بتعدلهم ، فمن تقوى اهلل عـز وجـل مـواالتهم‬
‫ومحبتهم ونصرتهم واالحتجاج بغجماعهم ، وفهم تقثوى اهلل عـز وجـل مـواالتهم ومحبـتهم‬
‫ونصرتهم واالحتجاج بغجماعهم ، وفهم الكتاب والسنة على منهجهم وطريقهم ، وبغـض مـن‬
                                                                  ‫يبغضهم وبغير الخير يذكرهم .‬




                                                                                                     ‫)4(‬
                                                       ‫الجامع ألحكام القرآن ( 8 / 4213 ) باختصار .‬
     ‫95‬                                                                                          ‫التقـوى‬

                                      ‫ا‬
            ‫المتقون يدعون ما ال بأس به حذرً مما به بأس ويتقون الشبهات‬


‫عن ابن عمر رضى اهلل عنهما قال :" ال يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك فى الصـدر‬
                                                                                                                   ‫(1)‬
                                                                                                                         ‫".‬


‫قال الحافظ : المراد بالتقوى وقاية النفس عن الشرك واالعمال السيئة والمواظبه على األعمـال‬
‫الصالحة ، وقوله " حاك" أى تردد ففيه إشارة أن بعض المؤمنين بلغ كنه اإليمـان وحقيقتـه ،‬
‫وبعضهم لم يبلغ . وقد أخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب التقوى عن ابـى الـرداء قـال :( تموام‬
                      ‫(2)‬
                               ‫ً‬
                            ‫التقوى أن تتقى اهلل حتى تترك ما ترى أنه حالل خشية أن يكون حراما ).‬

                ‫(3)‬
                    ‫وعن عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه قال :" دع ما يريبك إلى ما ال يريبك ".‬


‫ومعنى ذلك أنهم يتركون كل ما يشكون فى حلة فإن الحالل المحض ال يحصل للمؤمن فى قلبه‬
                                                        ‫شك ، وغنما تسكن إليه النفس ، ويشبه هذا الحديث‬


‫كذلك قوله صلى اهلل عليه وسلم :( إن الحالل بين وبينهما أمور مشتبهات ال يعلمهن كثير مون‬
‫الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرا لدينه وعرضه ، ومن وقع فى الشوبهات وقوع فوى‬
                                                                                                        ‫(2)‬
                                                                                                              ‫الحرام ).‬


    ‫)1( رواه البخارى تعليقا مجزوما به ( 1 / 18 ) األيمان ، وروى الترمذى ( 6 / 472 ) صفة القيامه ، و ابن ماجه (1128 )‬
   ‫الزهد ، والحاكم ( 8 / 613 ) عن عطيه السعدى قال : قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : " ال يبلغ العبد أن يكون من المتقين‬
                                                                                               ‫ا‬
‫حتى يدع ما ال بأس به حذرً مما به بأس " وقال الترمذى : حسن غريب وصحح أسناده الحاكم والذهبى وضعفه األلبانى ، وأنظر‬
                                                                                                    ‫بلوغ المرام ( 471 ) .‬
                                                                                     ‫)2( فتح البارى ( 1 / 48 ) باختصار .‬
‫)3( رواه النسائى ( 4 / 032 ) أداب القضاء وقال أبو عبد الرحمن : هذا الحديث جيد ، وقال األلبانى : صحيح األسناد موقوف –‬
                                                     ‫ً‬
      ‫يعنى على عبد اهلل بن مسعود رضى اهلل عنه – وقد روى هذا الحديث مرفوعا عن الحسن بن على بن أبى طالب خرجه أحمد‬
‫والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم وصححه الترمذى وهو فى جامع العلوم الحديث الحادى عشر وأنظر كالم بن رجب رحمه‬
                                                                                                     ‫اهلل ( 101 – 201 ) .‬
‫)1( رواه البخارى ( 1 / 621 ) األيمان ، ومسلم ( 1172 ) المساقاه والمزارعه ، وابو داود ( 3132 ) البيوع ، والترمذى ( 1 /‬
                          ‫641 – 661 ) البيوع ، وابن ماجه ( 8463 ) الفتن ، والدرامى ( 2 / 182 ) ، وأحمد ( 8 / 662 ) .‬
        ‫06‬                                                                                     ‫التقـوى‬
                            ‫ال‬
‫فالمتقون يتورعون عن الشبهات وعما يرتابون فيه ما ليس حال ً بينا ، وذلك أدعى أن يتورعوا‬
‫عن الحرام البين ، ومن اجترأ على الشبهة اجترأ كذلك على الحرام ، ففى رواية الصـحيحين :‬
‫( فمن ترك ما يشتبه عليه من اإلثم كان لما استبان أترك ) يعنى : أن ترك اإلثم مع اشتباهه‬
                                                                   ‫عليه فهو أولى بتركه إذا استبان أنه إثم .‬


             ‫قال ابن رجب رحمه الله : وههنا أمر ينبغى التفطن له وهو أن التدقيق فى التوقف‬
         ‫عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله فى التوقف والورع ،‬
   ‫فأما من يقع فى انتهاك المحرمات الظاهره ثم يريد أن يتورع عن شئ من دقاءق الشبهة فإنه‬
                                                                              ‫ال يحتمل له ذلك بل ينكر عليه ،‬
‫كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق : يسألوننى عن دم البعوض وقـد‬
  ‫(2)‬
    ‫قتلوا الحسين وسمعت رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم يقول :( هما ريحانتاى من الدنيا ) .‬


                               ‫وسأل رجل بشر بن الحرث عن رجل له زوجه وامه تأمره بطالقها :‬


‫فقال إن كان بر أمه فى كل شئ ولم يبق من برها إال طالق زوجته فليفعل ، وإن كـان يبرهـا‬
                                          ‫ال‬
‫بطالق زوجته ثم يقوم بعد ذلك يشترى بق ً ويشترط الخوصة – يعنى التى تربط بهـا حزمـة‬
                               ‫لبقل – فقال أحمد : إيش هذه المسائل ؟ قيل : إن إبراهيم بن أبى نعيم‬
‫يفعل ذلك . فقال أحمد : إن كان إبراهيم بن أبى نعيم فنعم ، هذا يشبه ذاك ، وغنما أنكر هـذه‬
‫المسائل ممن ال يشبه حاله ، وأما أهل التدقيق فى الورع فيشبه حالهم هذا ، وقد كـان اإلمـام‬
                       ‫ا‬
‫أحمد نفسه يستعمل فى نفسه هذا الورع فإنه أمر من يشترى له سمن ً فجاء على ورقة فأمر برد‬
                                                                                                    ‫(1)‬
                                                                                                          ‫إلى البائع .‬




   ‫)2( رواه البخارى ( 7 / 16 ) فضائل الصحابه ، والترمذى ( 31 / 361 ) المناقب ، قال ابن األثير : ( الريحان والريحانه )‬
                                                                       ‫الرزق والراحه ، ويسمى الولد ريحان وريحانه لذلك .‬
                                                                     ‫)1( جامع العلوم والحكم ( 301 – 801 ) باختصار .‬
     ‫16‬                                                                 ‫التقـوى‬


                                    ‫ثمرات التقوى‬

‫ونختم هذا البحث المعطار بذكر ثمرات التقوى العاجلة واالجلة نسأل اهلل سعادة األولى واألخرة‬
‫فالتقوى هى أعظم سبب للسعادة فى الدنيا واألخرة ، بل ال سعادة بدونها ، ألن مـدار التقـوى‬
‫على معرفة اهلل عز وجل معرفة تشغل العبد بطاعته وذكره وشكره ، وهذه من سعادة النفوس ،‬
                 ‫وما يترتب على ذلك من محبة اهلل عز وجل والرضا به وحسن التوكل عليه .‬


‫سعادة أعظم من السعادة األولى ، فالمتقون يسعدون بالطاعة وثمارها فى الدنيا ، وشـاهد هـذه‬
‫السعادة فى نفس العبد أنه إذا وقع فى معصية اهلل عز وجل لضعف وازع التقوى كم يجد مـن‬
‫حرج فى صدره وضيق ووحشه بينه وبين اهلل عز وجل وبين عباد اهلل المؤمنين ، فلو حصـلت‬
                                                ‫له الدنيا بحذافيرها لم تعوضه هذه الوحشة .‬


                                   ‫ا‬           ‫ا‬
      ‫يقول ابن القيم رحمه الله واصافً من ذاق شيئً من سعادة التقوى ثم حرم ذلك :‬
                                                          ‫ا‬             ‫ا‬
‫" ومن ذاق شيئ ٍ من ذلك طريق ً موصلة إلى اهلل ثم تركها واقبل على إرادته وراحاته وشـهواته‬
        ‫ا‬
‫ولذاته وقع فى أثار المعاصب ، وأودع قلبه سجون المضايق ، وعذب فى حياته عذاب ً لم يعذب‬
‫به احد من العالمين ، فحياته عجز وغم وحزن ، وموته كدر وحسره ، ومعاده أسف وندامـه ،‬
    ‫قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله ، وأحضر نفسه الغموم واالحزان ، فال لذة الجاهلين ،‬
                              ‫وال راحة العارفين ، يستغيث فال يغاث ، ويشتكى فال يشتكى ،‬
‫فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة ، واقبلت االمه وأحزانه وحسراته ، فقد أبدل بأنسه وحشه ،‬
                                                  ‫ً‬                ‫ً‬             ‫ً‬
                     ‫ويعزه ذال ، وبغناه فقرا ، وبجمعيته تشتتا ، وابعدوه فلم يطظفر بقربهم ،‬
          ‫ا‬                                                     ‫ً‬
          ‫وأبدلوه مكان األنس إيحاشا ذلك بأنه عرف طريقه إلى اهلل ثم تركها وناكب عنها مكب ً‬
       ‫على وجهه ، فأبصر ثم عمى ، وعرف ثم انكر ، واقبل ثم أدبر ، ودعى فما أجاب وفتح‬
               ‫له فولى ظهره للباب ، وقد ترك طريق مواله ، واقبل بحليته على هواه التوحيد‬
                                                          ‫وميادين األنس ورياض المحبه ،‬
    ‫26‬                                                                  ‫التقـوى‬

‫وموائد القرب قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين ، وحصل فـى عـداد‬
‫الهالكين ، فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده ، وإعراض الكون عنـه إذا أعـرض عنـه‬
                                                        ‫(1)‬
                                                              ‫مواله حائل بينه وبن مراده ".‬


‫إلى أخر ما ذكره رحمه اهلل فال يستطيل ما ذكرناه واهلل يعصمنا من الزلل ويمن علينا بصـالح‬
‫القول والعمل ، وكما رزقنا محبة الصالحين نساله تعالى أن يرزقنا سلوك طريقهم وذوق حالوة‬
‫مواجيدهم ، ونعوذ به من السلب بعد العطاء ، ومن الحور بعد الكور ، وفى حدائق التقوى ننزه‬
‫قلوبنا وجوارحنا برؤية ثمرات التقوى وبشارات المتقين ، واهلل يهدى من يشـاء إلـى صـراط‬
                                                                                      ‫مستقيم‬




                                                                                            ‫)1(‬
                                                          ‫طريق الهجرتين ( 041 ) السلفيه .‬
       ‫36‬                                                                             ‫التقـوى‬


                                     ‫ثمرات التقوى العاجلة‬


                             ‫2 - المخرج من كل ضيق والرزق من حيث ال يحتسب :‬
‫] وَمَن يَت ِ َّ َ َجْعَل َّ ُ َخْ َجًاا (2) وَيَرْ ُقْا ُ مِانْ حَيْاث َاا َحْتَ ِا ُ‬
‫ُ ل ي سب‬                    ‫زه‬                    ‫له م ر‬          ‫َّق الله ي‬                   ‫قال تعالى :‬
                                                                               ‫[...... ( الطالق : 1-3 )‬


                                            ‫ً‬
        ‫عن ابن عباس رضى اهلل عنه : يجعل له مخرجا : ينجيه من كل كرب فى الدنيا واألخرة‬
                                             ‫وقيل : المخرج هو أن يقنعه اهلل بما رزقة على صالح.‬
                    ‫ا‬                         ‫ا‬
‫وقال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرج ً : من كل شء يجعل له مخرج ً من عقوبة أهل البـدع‬
                                                                  ‫ويرزقه اجنة من حيث ال يحتسب .‬


                          ‫قيل : ومن يتق اهلل فى الرزق بقطع العالئق يجعل له مخرجا بالكفاية .‬
                                     ‫ً‬
‫وقال عمر بن عثمان الصدفى : ومن يتق اهلل فيقف عند حدوده ويتجنب معاصيه يخرجـه مـن‬
‫الحرام إلى الحالل ، ومن يضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة ، ويرزقـه مـن حيـث ال‬
                           ‫يحتسب من حيث ال يرجو . وقال ابن عيينه : هو البركه فى الرزق .‬
         ‫ا‬
‫وقال أبو سعيد الخدرى : ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى اهلل يجعل له مخرج ً مما كلفه‬
                                                                                        ‫(1)‬
                                                                                              ‫بالمعونة له .‬


                                                              ‫1- السهولة واليسر فى كل أمر :‬


            ‫.......( الطالق : 1 )‬   ‫قال اهلل تعالى ] وَمَن يَت ِ َّ َ َجْعَل َّ ُ مِنْ أَمْر ِ ُسْرًا [‬
                                           ‫ِه ي‬           ‫له‬        ‫َّق الله ي‬
 ‫(2)‬
                          ‫ً‬
       ‫قال مقاتل : ومن يتق اهلل فى اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا فى توفيقه للطاعة .‬


                                                                                                          ‫)1(‬
                                                  ‫باختصار من الجامع ألحكام القرآن ( 4 / 4366 ، 6366 ) .‬
                                                                                                          ‫)2(‬
                                                                       ‫الجامع ألحكام القرآن ( 4 / 8866)‬
      ‫46‬                                                                                              ‫التقـوى‬

‫قال سيد قطب رحمه الله : واليسر فى األمر غاية ما يرجوه اإلنسان ، وإنها لنعمة كبرى أن‬
‫يجعل اهلل األمور لعبد من عباده فال عنت وال مشقه وال عسر وال ضيقة يأخذ الألمور بيسر فى‬
‫شعوره وتقديره ، وينالها بيسر فى حركته وعمله ، ويرضاها بيسر فـى حصـيلتها ونتيجتهـا‬
                                                     ‫(1)‬
                                                         ‫ويعيش من هذا ، فى يسر رخى ندى حتى يلقى اهلل .‬


                                                                                  ‫3- تيسير تعلم العلم النافع :‬
      ‫( البقرة : 111 )‬      ‫قال اهلل تعالى : ] و َّ ُواْ الّهَ وَ ُعِّ ُك ُ الّ ُ وَالّ ُ بِك ِّ شيْءٍ عَِي ٌ [‬
                              ‫لم‬         ‫َاتق ل ي َلم ُم له له ُل َ‬

‫قال العالمه محمد رشيد رضا : أى اتقوا اهلل فى جميع ما أمركم به ونهاكم عنه وهو يعلمكم ما‬
‫فيه قيام مصالحكم وحفظ أموالكم وتقوية رابطتكم ، فغنكم لوال هدايتـه ال تعلمـون ذلـك ، وو‬
                                              ‫ا‬
‫سبحانه العليم بكل شئ . فإذا شرع شيئ ً فإنما يشرعه عن علم محـيط بأسـباب درء المفاسـد‬
               ‫(2)‬
                     ‫وجلب المصالح لمن تبع شرعه ، وكرر لفظ الجالله لكمال التذكير وقوة التاثير .‬


‫وقال البيضاوى : كرر لفظ الجالله فى الجمل الثالث الستقاللها ، فاألولى حث على التقـوى ،‬
                     ‫والثانية وعد بإنعامه ، والثالثة تعظيم بشأنه ، وألنه أدخل فى التعظيم من الكناية .‬


                                                                                       ‫1- إطالق نور البصيرة :‬
 ‫.( االنفال : 61 )‬      ‫قال اهلل تعالى : ] ِا أ ُّ َا الذِينَ آمَ ُواْ إَن ت َّ ُواْ الّ َ َجْعَل َّكمْ ُرْ َانً [‬
                          ‫لُ ف ق ا‬            ‫َتق له ي‬                 ‫ن‬          ‫ي َيه َّ‬


                                                                                          ‫)1( فى ِالل القرآن ( 6 / 2063 ) .‬
      ‫)2( أستدل الصوفيه بهذه األيه الكريمه على ما يزعمون بحصول العلم اللدنى ، وأن ما يأتونه من رياضات وأوراد يكفى فى‬
  ‫حصول ذلك العلم دون أن يأخذوا بأسباب العلم من طلبه وتعلمه ن وقد قال النبى صلي اهلل عليه وسلم : " إنما العلم بالتعلم " ذكره‬
                                          ‫ا‬               ‫ا‬                                              ‫ً‬      ‫ً‬
 ‫البخارى تعليقا مجزوما به وسيأتى تخريجه إن شاء اهلل ، ويقولون فخرً : أخذت منكم ميتً عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحى الذى‬
   ‫ال يموت . ويقول بعضهم : أنتم تأخذون عن عبد الرزاق ونحن نأخذ عن الواحد الخالق . وهذا ال شك فيه من جهلهم بالدين وفتح‬
 ‫أبواب الشياطين ، فيدعى من شاء ما يشاء ويقول : حدثنى قلبى عن ربى . وال شك أن من يوحى أليه بتكاليف شرعيه يثبت له بذلك‬
‫مرتبة النبوه ، ورسولنا صلى اهلل عليه وسلم خاتم النبيين ولفظ األيه ال يساعده على دعواهم فلم يقل اهلل عز وجل : واتقوا اهلل يعلمكم‬
 ‫اهلل وإال كان مفيداً لما قالوه .والعطف يقتضى المغايره ، والصحيح أن يقال : ييسر اهلل عز وجل للعبد أسباب التعلم إذا اتقى اهلل عز‬
                               ‫وجل ، ويدل على ذلك أثر من عمل لما علم ورثة اهلل علم ما لم يعلم ومما يوضح ذلك الثمرة الرابعه .‬
     ‫56‬                                                                                       ‫التقـوى‬
‫قال العالمه محمد رشيد رضا : الفرقان فى اللغة هو الصبح الذى يفرق بين الليـل والنهـار ،‬
                                                                ‫ا‬
‫ويسمى القرأن فرقان ً ألنه يفرق بين الحق والباطل ، وتقوى اهلل فـى األمـور كلهـا تعطـى‬
                                                                                 ‫ً‬
                        ‫صاحبها نورا يفرق به بين دقائق الشبهات التى ال يعملهن كثير من الناس ،‬
                                                                    ‫ا‬     ‫ا‬
‫فهى تفيده علم ً خاص ً لم يكن ليهتدى إليه لوالها ، وهذا العلم هو غير العلم الذى يتوقف علـى‬
                                    ‫التلقين كالشرع أصوله وفروعه ، وهو ماال تتحقق التقوى بدونه ،‬
                                                           ‫ً‬     ‫ً‬
           ‫ألنها عبارة عن العمل فعال وتركا بعلم ، فالعلم الذى هو أصل التقوى وسببها ال يكون‬
                                                       ‫(1)‬
                                                             ‫إال بالتعلم كما ورد فى الحديث:( العلم بالتعلم)‬


‫وإذا علمت أن التقوى عمل يتوقف على علم ، وأن هذا العلم ال بد أن يؤخذ بـالتعلم والتلقـى ،‬
‫وان العلم بالعلم من اسباب المزيد فيه ، وخروجه من مضيق االبهام واإلجمال إلى فضاء الجالء‬
                                                         ‫والتفصيل ، فهمت المراد بالفرقان على عمومه ،‬
      ‫وعملت أن أدعياء التصوف الجاهلين ال حظ لهم من ذلك العلم األول ، وال من هذه التقوى‬
                        ‫(2)‬
                                ‫ً‬
                              ‫التى هى أثره ، وال من العلم األخير الذى هو أثر العلم والتقوى جميعا .‬


                                ‫3- محبه اهلل عز وجل ومحبة مالئكته والقبول فى األرض :‬


‫....( أل عمرران‬    ‫قال اهلل تعالى : ] بََى مَنْ أوْ َى بِعَهدهِ و َّقَى فإ َّ الّ َ ُح ُّ الْم َّ ِاي َ [‬
                     ‫ْ ِ َات َِن له ي ِب ُتق ن‬                         ‫َ ف‬         ‫ل‬
                                                                                                            ‫: 90 )‬


‫عن أبى هريره عن رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أنه قال : ( إذا أحب العبد قال لجبريل : قد‬
‫أحببت فالنا فأحبه . فيحبه جبريل عليه السالم ، ثم ينادى فى أهل السماء : إن اهلل قد أحوب‬
                         ‫(2)‬
                               ‫فالناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول فى األرض ) .‬



   ‫)1( قال الحافظ : " إنما العلم بالتعلم " هو حديث مرفوع أيضاً أورده ابن أبى عاصم والطبرانى من حديث معاويه – ثم ذكر –‬
  ‫وإسناده حسن إال ان فيه مبهماً اعتضد بمجيئه من وجه أخر ( فتح الباري 11 / 161 ) وقال األلبانى : رواه الخطيب فى تاريخه‬
                                                                                    ‫ً‬
                                                ‫( 6 / 72 ) عن ابى هريره مرفوعا ومحسناً وأنظر الصحيحة رقم ( 283 ) .‬
                                                         ‫)2( باختصار وتصرف من تفسير المنار ( 3 / 621 – 131 ) .‬
 ‫)1( البخارى ( 01 / 168 ) األدب ، ورواه مسلم ( 61 / 341 – 841 ) البر والصله ، ومالك فى الموطأ ( 2 / 316 ) الشعر .‬
     ‫66‬                                                                                ‫التقـوى‬
‫وكتب أبو الدرداء إلى مسلمه بن خالد : سالم عليك أما بعد ، فإن العبد إذا عمل بطاعة اهلل أحبه‬
                                                                  ‫اهلل ، فإذا أحبه اهلل حببه إلى عباده .‬


‫وعن هرم بن حيان قال : ما أقبل عبد بقلبه عبد بقلبه إلى اهلل إال أقبل اهلل بقلوب المؤمنين عليه‬
                                                                                   ‫حتى يرزقهم مودته .‬


‫فقد وعد اهلل عز وجل عبادة المؤمنين الذين يداومون على األعمال الصالحة بهذه المودة والمحبة‬
‫كما قال تعالى : ] إ َّ الذِي َ آمَ ُاوا وَعَمُِاوا َّااِ َا ِ سَا َجْ َ ُ َ ُا ُ الارحْمَ ُ و ًّا [‬
   ‫ل الص لح ت ي عل له م َّ ن ُد‬                                ‫ِن َّ ن ن‬
                                                                                         ‫...( مريم : 96 )‬


                                                  ‫9- نصره اهلل عز وجل وتأييده وتسديده :‬
      ‫وهى المعيه المقصودة يقول اهلل تعالى: ] و َّ ُواْ الّهَ َاعَْ ُواْ أ َّ الّهَ م َ الْم َّقِي َ [‬
        ‫َاتق ل و لم َن ل َع ُت ن‬
                                                                                   ‫.......( البقرة: 162)‬
‫فهذه المعية هى معية التأييد والنصره والتسديد وهى معية اهلل عز وجل ألنبيائه ومعيته للمتقين‬
                                                                                             ‫والصابرين .‬

      ‫قال ابن رجب رحمه الله : وهذه المعيه الخاصة بالمتقين غير المعيه العامه المذكورة فى‬
                                              ‫قولة تعالى : ] وهوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا ُنتمْ [‬
                               ‫.......( الحديد : 1)‬
                                                  ‫كُ‬               ‫ُ‬       ‫َُ‬
‫وقوله: ] وَ َ يَسْ َخْ ُو َ ِ ن الّاه و ُاو مع ُام إذ ي َي ُاون َاا ال ير َاى ِان ال َاول [‬
  ‫ال ت ف ن م َ ل ِ َه َ َ َه ْ ِ ْ ُب ِّت َ م َ َ ْض م َ ْق ْ ِ‬
                                                                                    ‫.....( النساء : 102)‬
‫فإن المعيه الخاصة تقتضى النصر والتأييد والحفظ واإلعانة كما قال تعالى لموسى عليه السـالم‬
                                 ‫(2)‬
             ‫........( طه : 91 )‬       ‫وهارون : ] قَا َ َا َ َا َا إ َّنِي مَعَ ُ َا أَسْم ُ وَأَرَى [‬
                                                 ‫كم َع‬                ‫ل ل تخ ف ِن‬
                     ‫والمعيه العامه تستوجب من العبد الحذر والخوف ومراقبة ، اهلل عز وجل .‬
                   ‫وأما الخاصة فتستوجب من العبد األنس باهلل عز وجل والثقة بنصره وتأييده .‬


                                                                                                           ‫)1(‬
                                    ‫نور األقتباس فى مشكاة وصية النبى صلي اهلل عليه وسلم البن عباس (18) .‬
      ‫76‬                                                                             ‫التقـوى‬
‫قال قتادة : ومن يتق اهلل يكن معه ، ومنيكن باهلل معه فمعه الفئه التى ال تغلب والحارس الذى ال‬
                                                                       ‫ينام ، والهادى الذى ال يضل .‬
 ‫وكتب بعض السلف إلى أخيه: أما بعد إن كان اهلل معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو .‬


                                                            ‫0- البركات من السماء واألرض :‬


‫قال تعالى : ] وَاو َن أهْال ال ُا َى آم ُاوا َات َاوا لفتح َاا عَاي ِم بر َاات ِّان َّاماء‬
  ‫َل ْ أ َّ َ َ ْق ر َن ْ و َّق ْ َ َ َ ْن َل ْه َ َك ٍ م َ الس َ‬
                                                       ‫َا َر ِ […… ( االعراف : 96 )‬
                                                                               ‫و أل ْض‬

    ‫أي :‬ ‫قال القاسمى رحمه الله : ( وَلوْ أ َّ أهْلَ الْ ُرَى ( أى : القرى المهلكة ( آمَ ُواْ )‬
               ‫ن‬                                    ‫ق‬       ‫َ َن َ‬
‫باهلل ورسلهم (و َّقَواْ ) أى : الكفـر والمعاصـى (لفَ َحْنَاا عَلَايْ ِم بَ َ َااتٍ ِّا َ َّا َاء‬
  ‫ه رك م ن الس م‬                          ‫َت‬                                  ‫َات‬
                                                                                         ‫و ْ‬
                                                                                    ‫َاألَرضِ )‬
‫أى : لو سعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب مكان ما أصابهم من فنون العقوبات مـن‬
                                                                     ‫(2)‬
                                                                        ‫السماء وبعضها من األرض .‬
‫َا َ ًا[ ..‬
     ‫غ دق‬     ‫ويدل على هذا قوله عز وجل :] وَأَلوِ اسْ َ َا ُوا عََى َّرِيقَا ِ لأَسْاقَيْ َا ُم َّااء‬
                 ‫َّ تق م ل الط ة َ ن ه م‬
                                                                                             ‫(الجن : 92)‬


‫يقول ابن القيم رحمه الله : فإذا أراد اهلل أن يطهر األرض من الظلمه والخونـة والفجـرة ،‬
           ‫ا‬                                                             ‫ا‬
‫يخرج عبدً من عباده من أهل بيت نبيه صلى اهلل عليه وسلم فيمأل األرض قسط ً كمـا ملئـت‬
                                                                               ‫ً‬
‫جورا ، ويقتل المسيح ايهود والنصارى ، ويقيم الدين الذى بعـث اهلل بـه رسـوله ، وتخـرج‬
‫األرض بركتها ، وتعود كما كانت ، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون من الرمانة ويستظلون‬
‫بقحفتها ، ويكون العنقود من العنب وقر بعير ، ولبن اللقحة الواحدة يكفى الفئام مـن النـاس ،‬
‫وهذا ألن األرض لما طهرت من المعاصى ظهرت فيها أثار البركة من اهلل تعالى الت محقتهـا‬
                                                                                    ‫(1)‬
                                                                                          ‫الذنوب والكفر .‬



                                                                                                         ‫)2(‬
                                                                   ‫محاسن التأويل ( 7 / 122 ) باختصار .‬
                                                                                                         ‫)1(‬
                                                    ‫الجواب الكافى ( 76 ) باختصار - دار عمر بن الخطاب .‬
      ‫86‬                                                                                       ‫التقـوى‬
             ‫فانظر إلى بركات التقوى ، واعلم أن ما نحن فيه من قلة البركة ونقص الثمار وكثرة‬
      ‫األفات واألمراض إنما هو نتيجة حتمية لضعف وازع التقوى وكثرة المعاصى كما قال اهلل‬
‫تعالى : ] َِهَ َ الْفَ َا ُ ِي الْب ِّ َالْ َحْر بِ َا كَسَ َت أَي ِي َّاس لِيذِي َ ُم بَع َ ال ِي‬
 ‫ر س د ف َر و ب ِ م ب ْ ْد الن ِ ُ قه ْض َّذ‬
                                    ‫َ ُِوا َعَّه ْ َ ْ ِ ُو َ [ ........ ( الروم : 21 ) .‬
                                                                      ‫عمل ل َل ُم يرجع ن‬

                                   ‫1- البشرى وهى الرؤيا الصالحة وثناء الخلق ومحبتهم .‬


‫قال تعالى : ] أَال إ َّ أوْلِ َاء الّ ِ َ خوْ ٌ عَلَيْهمْ َ َ همْ َحْزَ ُو َ (21) الذِينَ آمَ ُواْ‬
   ‫ن‬          ‫َّ‬      ‫ِن َ ي له ال َ ف ِ وال ُ ي ن ن‬
 ‫َ َا ُو ْ ي َّ ُو َ (31) َ ُ ُ ا ْ ُ ْ َى ِي ا ْ َيا ِ ُّ ْ َا َ ِي اآل ِر ِ [ ....... ( يونس :‬
                      ‫خ َة‬        ‫لهم لبشر ف لح ة الدني وف‬                         ‫وك ن ا َتق ن‬
                                                                                                          ‫19- 19 )‬


                                                                                  ‫قال الزمخشرى رحمه الله :‬
‫والبشرى فى الدنيا ما بشر اهلل به المؤمنين المتقين فى غير مكان من كتابه وعن النبى صلى اهلل‬
                                  ‫(1)‬
                                        ‫عليه وسلم :( هى الرؤيا الصالحه يراها المؤمن أو ترى له ) .‬


     ‫وعنه صلى اهلل عليه وسلم :( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات) (1): وقيل : هى محبة الناس‬
           ‫له والذكر الحسن . وعن أبى ذر قال : قلت لرسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم : الرجل‬
                            ‫(2)‬
                                  ‫يعمل العمل هلل ويحبه الناس . فقال :( تلك عاجل بشرى المؤمنين) .‬


‫وعن عطاء : لهم البشرى عند الموت تأتيهم المالئكة بالرحمة قال اهلل تعالى : ] تَتَن َّ ُ عَلَيْه ُ‬
‫َزل ِم‬
                   ‫ا ْ ََا ِ َ ُ أَّا َ َا ُوا ََا َ ْ َ ُوا ََ ْ ِ ُوا ِا ْج َّ ِ َ [ ......( فصلت : 03 )‬
                                            ‫لمل ئكة َل تخ ف ول تحزن وأبشر ب ل َنة‬


  ‫)2( رواه الترمذى ( 6 / 421 ) أبواب الرؤيه وقال : هذا حديث حسن ، ومالك فى الموطأ ( 2 / 416 ) الرؤيا ، والحاكم ( 8 /‬
                                                                                 ‫163 ) الرؤيا وصححه ووافقه الذهبى .‬
                                     ‫)1( رواه البخارى ( 21 / 173 ) التعبير ، والترمذى ( 6 / 721 ) أبواب الرؤيا عن أنس‬
‫)2( رواه مسلم ( 61 / 641 ) البر والصله ، وأحمد ( 1 / 612 – 711 – 461 ) ، وابن ماجه ( 1228 ) الزهد ، وقال العلماء :‬
‫معناه هذا البشرى المعجله له بالخير وهى الدليل على رضاء اهلل تعالى ومحبته له فيحببه إلى الخلق كما سبق فى الحديث ثم يوضع‬
   ‫له القبول فى األرض هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لمحامدهم وإال فاتعرض مذموم - شرح النووى على صحيح‬
                                                                                                   ‫مسلم ( 61 / 641 ) .‬
      ‫96‬                                                                                  ‫التقـوى‬
‫وأما البشرى فى األخرة فتلقى المالئكه إياهم مبشرين بالفوز والكرامة ، وما يرون من بيـاض‬
              ‫(3)‬
                 ‫وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرءون منها وغير ذلك من البشارات .‬


                                                              ‫6 - الحفظ من كيد األعداء ومكرهم‬
‫قال تعالى : ] وِن تصْاب ُوا و َت ُاوا ال ي ُاركم كيْادهم َاي ًا ِن الّاه ب َاا يعمُاون‬
‫َإ َ ِر ْ َت َّق ْ َ َض ُّ ُ ْ َ ُ ُ ْ ش ْئ إ َّ ل َ ِم َ ْ َل َ‬
                                                     ‫ُ ِي ٌ [ …… .( أل عمران : 012 )‬
                                                                               ‫مح ط‬

‫قال ابن كثير رحمه الله : يرشدهم تعالى إلى السالمه من شر األشرار وكيد الفجار باستعمال‬
‫الصبر والتقوى والتوكل على اهلل الذى هو محيط بأعدائهم ، فال حول وال قوة لهم إال به ، وهو‬
                                                                ‫(1)‬
                                                                      ‫الذى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .‬


‫وقال الزمخشرى رحمه الله : وإن تصبروا على عدواتهم وتتقوا ما نهيتم عنه من مـواالتهم ،‬
‫أو إن تصبروا على التكاليف الدين ومشاقة ، وتتقوا اهلل فى اجتناب محارمه ، وكنتم فى كنـف‬
                                                                                    ‫اهلل فال يضركم كيدهم .‬


                        ‫وهذا تعليم من اهلل وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى ،‬
‫وقد قال الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضـال فـى نفسـك ( إ َّ الّا َ بِ َاا‬
  ‫ِن ل ه م‬
                       ‫(1)‬
                           ‫َ ْ َُو َ ) من الصبر والتقوى وغيرهما محيط ففاعل بكم ما أنتم أهله .‬
                                                                                    ‫يعم ل ن‬

                                                 ‫02- حفظ الذرية الضعاف بعناية اهلل عز وجل‬

‫قال اهلل تعالى : ] وَلْ َخ َ الذِي َ َاوْ تَرَ ُاواْ مِانْ خَلْ ِ ِامْ ذ ِّ َّا ً ضِا َا ًا خَاا ُواْ عَلَايْهمْ‬
  ‫ِ‬           ‫فه ُري ة ع ف ف‬                                    ‫ك‬         ‫ي ْش َّ ن ل‬
                                      ‫َ ْي َّ ُوا الّ َ َ ْ َ ُوُو ْ ق ْ ً س ِي ًا [ ......... ( النساء : 6 )‬
                                                                             ‫فل َتق له وليق ل ا َوال َد د‬


                                                                                                                ‫)3(‬
                                                                                 ‫الكشاف ( 2 / 613 ) باختصار‬
                                                                                                                ‫)4(‬
                                                                            ‫تفسير القرآن العظيم ( 1 / 623 ) .‬
                                                                                                                ‫)1(‬
                                                                                       ‫الكشاف ( 1 / 408 )‬
      ‫07‬                                                                                 ‫التقـوى‬
                                                                                ‫قال القاسمى رحمه الله :‬
‫وفي األيه أشاره إلي أرشاد األباء الذين يخشون ترك ذرية ضعاف بالتقوى فى سـائر شـئونهم‬
      ‫حتي تحفظ أبنائهم وتغاث بالعنايه منه تعالى ، ويكون في إشعارها تهديد بضياع أوالدهم إن‬
                     ‫فقدوا تقوى اهلل ، وإشاره إلي أن تقوى األصول تحفظ الفروع ، وأن الرجال‬
                                               ‫الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف كما في األيه :‬
 ‫ن ف َد ة وك ن ت ه ك ٌ لهم ك ن ب هم‬                                      ‫َم ِد ر ك َ غل ِ‬
‫] وَأ َّا الْج َا ُ فَ َان لِ َُامَيْن يَتِيمَيْ ِ ِي الْم ِينَ ِ َ َا َ َحْتَ ُ َنز َّ ُ َا وَ َا َ أَ ُو ُ َا‬
                                                                   ‫َاِ ًا [ .........( الكهف : 11 )‬   ‫ص لح‬
                                    ‫(2)‬
                                          ‫فإن الغالمين حفظا ببركه صالح أبيهما فى أنفسهما ومالهما .‬

                                                                                 ‫قال محمد بن المنكدر :‬
‫إن اهلل ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التى هو فيها والدويرات التى حولها فمـا‬
                                                                             ‫يزالون فى حفظ اهلل وستره .‬
‫وقال ابن المسيب البنه : يا بنى إنى ألزيد فى صالتى من أجلك رجاء أن أحفظ وتـال هـذه‬
                                      ‫....... ( الكهف : 11 )‬     ‫] وَ َا َ أَ ُو ُ َا صَاِ ًا [‬
                                                                    ‫لح‬      ‫ك ن ب هم‬                   ‫االية :‬


                       ‫22- سبب لقبول األعمال التى بها سعادة العباد فى الدنيا واألخرة‬
                      ‫...... ( المائده : 01 )‬    ‫قال تعالى : ] َالَ إ َّ َا يَ َق َّل الّ ُ مِن الْم َّقِي َ [‬
                                                   ‫ق ِنم ت َب ُ له َ ُت ن‬

                                                                             ‫قال الزمخشرى رحمة الله :‬
           ‫لما كان الحسد آلخيه على تقبل قربانه هو الذى حمله على توعده آلخيه بالقتل قال له :‬
                     ‫إنما أتيت من قبل نفسك آلنسالخها من لباس التقوى ال من قبلى , فلم تقتلنى ,‬
‫ومالك ال تعاتب نفسك وال تحملها على تقوى اهلل التى هي السبب فى القبول , فأجابة بكالم حكيم‬
              ‫جامع لمعانى الخير وفيه دليل على أن اهلل تعالى ال يقبل طاعة إال من مؤمن متق ,‬
                                                                   ‫فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم .‬



                                                                                                            ‫)2(‬
                                                                                 ‫محاسن التأويل ( 1 / 78 )‬
    ‫17‬                                                                                   ‫التقـوى‬

 ‫وعن عامر بن عبد اهلل أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له : مايبكيك فقد كنت وكنت ؟ قال :‬
                                    ‫(1)‬
                                          ‫).‬   ‫إنى أسمع اهلل يقول : ( إ َّ َا يَ َق َّل الّ ُ ِنَ الْم َّقِي َ‬
                                               ‫ِنم ت َب ُ له م ُت ن‬

                                                                              ‫وقال الغزالى رحمة الله :‬
                                                                ‫ا‬
‫تأمل أصآل واحدً وهو أنه هب أنك قد تعبت جميع عمرك فى العبادة , وكابدت حتى حصل لك‬
 ‫ما تمنيت , أليس الشأن كله فى القبول , ولقد عملت أن اهلل تعالى يقول ( إ َّ َا يَ َق َّل الّ ُ ِ َ‬
 ‫ِنم ت َب ُ له من‬
                                                     ‫(2)‬
                                                         ‫ا ْم َّ ِي َ ) فرجع األمر كله الى التقوى .‬
                                                                                         ‫ل ُتق ن‬
        ‫ً‬
    ‫وقال بعض السلف : لو أعلم أن اهلل يقبل منى سجدة بالليل وسجدة بالنهار لطرت شوقا إلى‬
                         ‫) .‬    ‫الموت , إن اهلل عز وجل يقول : ( إ َّ َا يَ َق َّ ُ الّ ُ ِ َ الْم َّقِي َ‬
                                ‫ِنم ت َبل له من ُت ن‬

                                                               ‫12- سبب النجاة من عذاب الدنيا‬
 ‫قال تعالى : ] وَأ َّا ثَ ُو ُ فَهدَيْ َاهمْ َاسْ َح ُّوا الْعَ َى عََى الْ ُ َى فَخذَتْهمْ َا ِقَ ُ‬
 ‫م ل هد َأ َ ُ ص ع ة‬                                  ‫َم م د َ ن ُ ف ت َب‬
        ‫الْ َذَابِ الْ ُونِ بِمَا َا ُوا يَكْسِ ُو َ (71) وَن َّيْ َا الذِين آمَ ُوا َ َا ُوا ي َّ ُو َ [‬
          ‫َج ن َّ َ ن وك ن َتق ن‬                             ‫ب ن‬           ‫كن‬            ‫ه‬          ‫ع‬
                                                                             ‫....... ( فصلت : 02 - 12 )‬

                                                                             ‫قال ابن كثير رحمة الله :‬
     ‫) قال ابن عباس رضى اهلل عنهما وأبو العالية وسعيد بن جبير‬                    ‫( وَأ َّا ثَ ُو ُ فَ َدَيْ َاهمْ‬
                                                                                   ‫َم م د ه ن ُ‬
    ‫وقتادة والسدى وابن زيد : بينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح عليه الصالة‬
      ‫والسالم , فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة اهلل تعالى التى جعلها أية وعالمة على صدق نبيهم‬
        ‫ا‬       ‫ال‬
 ‫) أى : بعثنا عليهم صيحة ورجفة وذ ً وعذاب ً ونكاآل‬      ‫( فَخذَتْهمْ َا ِقَ ُ الْعذَابِ الْ ُونِ‬
                                                             ‫ه‬        ‫َأ َ ُ ص ع ة َ‬
   ‫( ِ َا َا ُوا َ ْ ِ ُو َ ) أى : من التكذيب والجحود ، ( ون َّ ْ َا ال ِي َ آ َ ُوا ) أى : من‬
               ‫َ َجين َّذ ن من‬                                           ‫بم ك ن يكسب ن‬
‫بين أظهرهم لم يمسهم سوء وال نالهم من ذلك ضرر , بل نجاهم اهلل تعالى مع نبيهم صالح عليه‬
                                                             ‫(1 )‬
                                                                    ‫السالم بإيمانهم وتقواهم هلل عز وجل .‬


                                                                                                             ‫)1(‬
                                                                                 ‫الكشاف ( 1 / 826 ) .‬
                                                                                                             ‫)2(‬
                                                                                  ‫منهاج العابدين (27) .‬
                                                                                                             ‫)1(‬
                                                                          ‫تفسير القرآن العظيم ( 8 / 16 ) .‬
    ‫27‬                                                                              ‫التقـوى‬
       ‫32- ما يجعله اهلل لهم من الشرف وهيبة الخلق وحالوة المعرفة واإليمان :‬

                                                                         ‫قال ابن رجب رحمة الله :‬
‫ومنها ( أى : مما يرغب فى شرف األخرة ) وليس هو قدرة العبد ولكنه من فضل اهلل ورحمته‬
  ‫ما يعوض اهلل عباده العارفين به الزاهدين فيما يفنى من المال والشرف مما يجعله اهلل لهم فى‬
  ‫الدنيا من شرف التقوى وهيبة الخلق لهم فى الظاهر , ومن حالوة المعرفة واإليمان والطاعة‬
                          ‫ً‬
‫فى الباطن , وهى الحياة الطيبة التى وعدها اهلل لمن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ,‬
      ‫وهذه الحياة الطيبة لم يذقها الملوك فى الدنيا وال أهل الرياسات والحرص على الشرف .‬


‫كان حجاج بن أرطاة يقول : قتلنى حب الشرف , فقال له سوار لو اتقيت اهلل شرفت . وفى هذا‬
                                                                                           ‫المعنى قيل :‬
    ‫وحبك للدنيا هو الذل والسقم‬                       ‫أال إنما التقوى هى العز والكرم‬
   ‫حقق التقوى وإن حاك أو حجم‬                          ‫وليس على عبد تقى نقيصة إذا‬

     ‫وقال صالح الباجى : الطاعة إمرة , والمطيع هلل أمير مؤمر على األمراء ، أال ترى هيبته‬
 ‫فى صدورهم إن قال قبلوا ، وإن أمر أطاعوا , ثم يقول : يحق لمن أحسن خدمتك ومننت عليه‬
   ‫بمحبتك أن تذلل له الجبابرة حتى يهابوه لهيبته فى صدورهم من هيبتك فى قلبه , وكل الخير‬
                                                                                  ‫من عندك بأوليائك .‬


               ‫وقال ذا النون المصرى : من أكرم وأعز ممن انقطع إلى من ملك األشياء بيده .‬
                                          ‫كان مالك بن أنس يهاب أن يسأل حتى قال فيه القائل :‬
                 ‫والسائلون نواكس األذقان‬                  ‫يدع الجواب وال يرجع هيبة‬
         ‫(1)‬
               ‫فهو المهيب وليس ذا سلطان‬                 ‫نور الوقار وعز سلطان التقى‬




                                                                                                        ‫)1(‬
                     ‫باختصار من شرح حديث ( ما ذئبان جائعان ) البن رجب الحنبلى ( 12-22 ) - دار الفتح .‬
    ‫37‬                                                                          ‫التقـوى‬
         ‫12- الذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين :‬


‫قال أبو الدرداء رضى الله عنه : ياحبذا نوم األكياس وفطرهم وكيف يغبنون به قيام الحمقى‬
     ‫وصومهم ، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين وهذا من‬
   ‫جواهر الكالم وأدله على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم فى كل خير رضى اهلل‬
                                                                                             ‫عنهم .‬
‫فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير الى اهلل بقلبه ال ببدنه والتقوى فى الحقيقه تقوى الروح ال‬
                                                                                  ‫تقوى الجوارح .‬


    ‫فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل‬
       ‫القليل , أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق , فإن‬
    ‫العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم والسبق الى اهلل سبحانه إنما هو بالهمم‬
       ‫وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل ,‬
                                                    ‫(1 )‬
                                                           ‫فإن ساواه فى همته تقدم عليه بعمله .‬


‫فاألعمال تتفاضل بحسب ما فى قلوب أصحابها من إيمان وتقوى هلل عز وجل , وإن الـرجلين‬
‫ليكونان فى صف واحد وخلف إمام واحد يكبران بتكبيره ويسلمان بتسليمه وبين صالتيهما كمـا‬
‫بين السماء واألرض , وكم من قائم محروم وكم من نائم مرحوم , هذا قام وقلبه فاجر وهذا نام‬
                                        ‫وقلبه عامر فالسير سير القلوب والسبق سبق الهمم .‬


                           ‫ا‬
             ‫تسير رويدً وتجئ فى االول‬                      ‫من لى بمثل سيرك المدلل‬




                                                                                                    ‫)1(‬
                                                       ‫الفوائد ( 641 – 741 ) البن القيم باختصار .‬
     ‫47‬                                                                                ‫التقـوى‬
                                        ‫الثمرات األجله‬

              ‫2 - تكفير السيئات وهو سبب النجاة من النار , وعظم األجر وهو سبب‬
                                                                       ‫الفوز بدرجات الجنة :‬


  ‫.... ( الطالق : 3 )‬   ‫قال تعالى : ] وَمَن َت ِ َّ َ ُك ِّرْ َنْ ُ س ِّ َاتِهِ وَ ُعظمْ لَ ُ َجْ ًا [‬
                           ‫يْ ِ هأ ر‬                ‫يَّق الله ي َف ع ه َيئ‬

       ‫قال ابن كثير رحمه الله : أى : يذهب عنهم المحظور , ويجزل لهم الثواب على العمل‬
                                                                                                ‫(1 )‬
                                                                                                       ‫اليسير .‬


    ‫وقال ابن جرير رحمه الله : ومن يخف اهلل فيتقه باجتناب معاصيه وأداء فرائضه يمحو اهلل‬
     ‫) يقول ويجزل له الثواب على عمله ذلك‬              ‫عنه ذنوبه وسيئات أعماله ( وَ ُعظمْ لَه َجْ ًا‬
                                                       ‫يْ ِ ُأ ر‬
                                  ‫(2)‬
                                        ‫وتقواه , ومن إعظامه له األجر أن يدخله جنته فيخلده فيها .‬


‫...... (‬   ‫وقال تعالى : ] وَاو َن أهْال الك َااب آم ُاوا َات َاوا ل َفر َاا َانهم َاي َاتهم [‬
             ‫َل ْ أ َّ َ َ ْ ِت ِ َن ْ و َّق ْ ْ َك َّ ْن ع ْ ُ ْ س ِّئ ِ ِ ْ‬
                                                                                              ‫المائده : 39 )‬
  ‫وال يصدر عن النار بعد ورودها إال المتقون قال اهلل تعالى : ] وَِن ِّنكمْ إَّا َارد َا َا َ‬
  ‫إ م ُ ِل و ِ ُه ك ن‬
   ‫عََى رَبكَ حَتْ ًا َّقض ًّا (17) ث َّ ُن ِّي ال ِي َ َّ َوا َّن َ ُ َّاِمِينَ ِي َا جِث ًّا [‬
       ‫ُم ن َج َّذ ن اتق و َذر الظ ل ف ه ِي‬                           ‫م م ْ ِي‬          ‫ل ِّ‬
                                                                                ‫...... ( مريم 20 – 10 )‬


                                                    ‫1- عز االفوقية فوق الخلق يوم القيامة :‬

 ‫قال اهلل تعالى : ] ز ِّنَ لِل ِينَ َفَ ُواْ الْحَ َا ُ ُّنْ َا وَيَسْخَ ُو َ ِ َ ال ِي َ آمَ ُواْ َالذِي َ‬
 ‫ر ن من َّذ ن ن و َّ ن‬                        ‫ي ة الد ي‬            ‫ُي َّذ ك ر‬
                                            ‫َّ َو ْ َ ْ َه ْ يو َ ا ْ ِ َا َ ِ [ ...... ( البقره : 121 )‬
                                                                             ‫اتق ا فوق ُم َ ْم لقي مة‬

                                                                                                            ‫)1(‬
                                                                        ‫تفسير القرآن العظيم ( 8 / 243 ) .‬
                                                                                                            ‫)2(‬
                                                                ‫جامع البيان فى تفسير القرآن ( 21 / 36 ) .‬
     ‫57‬                                                                              ‫التقـوى‬

     ‫)‬   ‫( الْحَ َا ُ ُّنْ َا‬
          ‫ي ة الد ي‬             ‫) حتى بدلوا النعمة‬   ‫قال القاسمى رحمة الله : ( ز ِّ َ لِل ِينَ َ َ ُواْ‬
                                                        ‫ُين َّذ كفر‬
                                                               ‫لحضورها فألهتهم عن رغائب األخرة .‬


 ‫قال الحدالى : ففى ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما , من حيث إن نظر العقل‬
 ‫واإليمان يبصر طيتها ويشهر جيفتها فال يغتر بزينتها وهى أفة الخلق فى انقطاعهم عن الحق ,‬
      ‫فأبهم تعالى المزين فى هذه االية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان . وأخفى‬
   ‫] كذَل َ َي َّا ِ ُل أ َّةٍ َمَلَهمْ [‬
       ‫َ ِك ز َّن لك ِّ ُم ع ُ‬               ‫التزيين الذى يكون من استدراج اهلل كما فى قوله تعالى:‬
                                                                          ‫............ ( األنعام : 102 )‬


‫قوله ( وَيَسْخَ ُو َ ) أى : يهزأون ( مِنَ الذِين آمَ ُواْ ) وهذا كما قال تعالى : ] إ َّ الذِي َ‬
‫ِن َّ ن‬                                  ‫َّ َ ن‬                            ‫ر ن‬
‫َ ْ َ ُوا َا ُو ْ ِ َ ال ِين آ َ ُوا ي ْ َ ُو َ (92) َإ َا م ُّو ْ ِه ْ َ َ َا َ ُو َ [ .....‬
           ‫وِذ َر ا ب ِم يتغ مز ن‬                 ‫أجرم ك ن ا من َّذ َ من َضحك ن‬
                                                                                ‫( المطففين : 61 – 03 )‬
        ‫ا‬
 ‫) وهم المؤمنون وإنمات ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها , وإيذان ً بترتيب‬        ‫( َالذِي َ َّقَواْ‬
                                                                                     ‫و َّ ن ات‬
‫الحكم عليها ( ف ْ َه ْ يو َ ا ْ ِ َا َ ِ ) ألنهم فى عليين وهم فى أسفل سافلين , أو ألنهم يتطاولون‬
                                                             ‫َوق ُم َ ْم لقي مة‬
‫عليهم فى االخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم فى الدنيا , كما قال تعالى : ] فَالْيومَ الذِي َ‬
‫َ ْ َّ ن‬
‫آ َ ُو ْ ِ َ ا ْك َّا ِ َ ْ َ ُو َ (13) ََى ال َ َائ ِ َن ُ ُو َ [ ..... ( المطففين : 13 –‬
                               ‫عل ْأر ِك ي ظر ن‬                 ‫من ا من ل ُف ر يضحك ن‬
                                                                                                    ‫33 )‬


                         ‫) وجهين :‬     ‫ولذا قال الراغب : يحتمل قوله تعالى ( فوْقَهمْ يومَ القِ َامَ ِ‬
                                       ‫َ ُ َْ ْي ة‬
                            ‫أحدهما : أن حال المؤمنين فى االخرة أعلى من حال الكفار فى الدنيا .‬
         ‫(1)‬
               ‫والثانى : أن المؤمنين فى االخرة فى الغرفات , والكفار فى الدرك األسفل من النار‬
                                                                                                 ‫انتهى .‬




                                                                                                        ‫)1(‬
                                                            ‫محاسن التأويل ( 3 / 241 : 141 ) باختصار .‬
    ‫67‬                                                                               ‫التقـوى‬

   ‫3- ميراث الجنة فهم أحق الناس بها وأهلها , بل ما اعد اهلل الجنة إال ألصحاب‬
                                                                ‫هذه الرتبة العلية والجوهرة البهية‬


  ‫..... ( مريم : 39 )‬     ‫قال تعالى : ] تِلك الْج َّ ُ َّ ِي ُو ِ ُ ِنْ عِ َادِ َا َن َا َ َق ًّا [‬
                             ‫ْ َ َنة الت ن رث م ب ن م ك ن ت ِي‬
                                                          ‫فهم الورثة الشرعيون لجنة اهلل عز وجل .‬
  ‫) أستعارة أى : نبقى عليه الجنة‬         ‫وقرئ ( ُو ّث‬
                                          ‫ن ر‬               ‫)‬   ‫قال الزمخشرى رحمة الله : ( ُو ِ ُ‬
                                                                ‫ن رث‬
‫كما نبقى على الوارث مال المورث , وألن االتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقطعت أعمالهم‬
      ‫وثمراتها باقية وهى الجنة , فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث المال من‬
                   ‫(1)‬
                         ‫المتوفى , وقيل أورثوا من الجنة المساكن التى كانت آلهل النار لو أطاعوا‬
‫.. ( آل عمران :‬   ‫وقال تعالى : ] َج َّةٍ عَر ُ َا َّ َاوَا ُ َاألَرْ ُ ُع َّتْ لِلْمَّقِي َ [‬
                    ‫ُت ن‬           ‫و َن ْضه السم ت و ض أ ِد‬
                                                                                                    ‫332 )‬
                  ‫..... ( القلم : 13 )‬   ‫وقال تعالى : ] إ َّ لِلْمَّقِي َ ِندَ ر ِّهمْ ج َّاتِ َّعِي ِ [‬
                                           ‫ِن ُت ن ع َب ِ َن الن م‬

           ‫ا‬
         ‫1- وهم ال يذهبون الى الجنة سيراً على أقدامهم بل يحشرون اليها ركبان ً :‬

                                           ‫ً‬
                   ‫مع أن اهلل عز وجل يقرب اليهم الجنة تحية لهم ودفعا لمشتقهم كما قال تعالى :‬
                                  ‫....... ( ق : 23 )‬       ‫َنة ُت غ ر ع‬                         ‫أ لف‬
                                                      ‫] وَُزِْ َتِ الْج َّ ُ لِلْم َّقِينَ َيْ َ بَ ِيدٍ [‬
           ‫..... ( مريم : 31 )‬      ‫وقال تعالى : ] يو َ َحْ ُر الْم َّقِين إَِى َّحْمَنِ وَفدًا [‬
                                         ‫ْ‬         ‫َ ْم ن ش ُ ُت َ ل الر‬

                                                                         ‫قال ابن كثير رحمه الله :‬
   ‫يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه فى الدار الدنيا , واتبعوا رسله , وصدقوهم فيما‬
         ‫أخبروا , وأطاعواهم فيما أمروهم به , وانتهوا عما زجروهم , انه يحشرهم يوم القيامة‬
                                                  ‫ً‬                                ‫ً‬
‫وفدا اليه , والوفد هم القادمون ركبانا , ومنه الوفود , وركوبهم على نجائب من نور من مراكب‬
                  ‫(2)‬
                        ‫الدار االخرة وهم قادمون على خير موفود إليه الى دار كرامته ورضوانه .‬
                                                                                                          ‫)1(‬
                                                                                  ‫الكشاف ( 3 / 42 ) .‬
                                                                                                          ‫)2(‬
                                                                      ‫تفسير القرآن العظيم ( 3 / 731 ) .‬
     ‫77‬                                                                                     ‫التقـوى‬

                                                                             ‫وقال الزمخشرى رحمة الله :‬
        ‫ذكر المتقون بلفظ التبجيل , وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذى غمرهم برحمته وخصهم‬
         ‫ّ‬
‫برضوانه وكرامته , كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم , وعن على رضى اهلل‬
  ‫عنه : ما يحشرون واهلل على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالها ذهب , وعلى نجائب سروجها‬
                                                                                                   ‫(1 )‬
                                                                                                          ‫ياقوت .‬


  ‫3- وهم ال يدخلون أدنى درجاتها بل يفوزون فيها بأعلى الدرجات وأفضل النعيم‬
                                                                              ‫نسأل اهلل من فضله العظيم‬

                                                            ‫قال تعالى : ] إِن ِلْم َّقِينَ َفَازًا [‬
                                              ‫..... ( النبأ : 23 )‬  ‫َّ ل ُت م‬
        ‫وقال تعالى : ] ه َا ِ ْ ٌ َإ َّ ِ ْم َّ ِي َ َ ُ ْ َ َآ ٍ [ ..... ( ص : 61 ) والمأب هو‬
                                           ‫َذ ذكر وِن لل ُتق ن لحسن م ب‬
           ‫المرجع والمنقلب , ثم فصل ذلك عز وجل فقال تعالى : ] ج َّاتِ عدْنٍ ُّف َّحَة َّه ُ‬
           ‫َ م َت ً ل ُم‬            ‫َن‬
    ‫الأَبْوَا ُ (35) م َّكِ ِينَ ِي َا يدْ ُونَ فِي َا ِ َاكِهَ ٍ كَ ِير ٍ وَ َ َا ٍ (15) وَ ِندهمْ‬
      ‫ع َُ‬                  ‫ه بف ة ث َة شر ب‬               ‫ُت ئ ف ه َ ع‬                    ‫ْ ب‬
      ‫َاصِرَا ُ َّرْف َتْرَا ٌ (25) َ َا َا ُو َ ُو َ لِيو ِ الْحِ َا ِ (35) إ َّ هذَا‬
         ‫ِن َ‬              ‫هذ م ت عد ن َ ْم س ب‬                     ‫ت الط ِ أ ب‬                    ‫ق‬
                                             ‫َ ِ ْ ُ َا َا َ ُ ِن َّ َا ٍ [..... ( ص : 03 – 13 )‬
                                                                         ‫لرزقن م له م نف د‬

                ‫وبين اهلل عز وجل قربهم من الحضرة واللقاء والرؤية والبهاء . فقال عز وجل :‬
  ‫..... (‬    ‫] ِن الْم َّ ِي َ ِي ج َّاتٍ وَ َهَرٍ (15) ِي َقْع ِ صد ٍ ِن َ َِيكٍ ُّقْتدِ ٍ [‬
               ‫ف م َد ِ ْق ع د مل م َ ر‬                     ‫ن‬       ‫إ َّ ُتق ن ف َن‬
                                                                                            ‫القمر : 13 – 33 )‬


    ‫) أى : مجلس حق ال لغو فيه وال تأثيم , وهو الجنة‬                  ‫قال القرطبى : ( فِي َقْع ِ صد ٍ‬
                                                                     ‫م َد ِ ْق‬



‫)1( الكشاف ( 3 / 28 ) وأثر عل ّ رضى اهلل عنه أخرجه ابن أبى شيبه ، وعبد اهلل بن أحمد فى زيادات المسند ، والطبرى وابن‬
                                                                                    ‫ى‬
                                                       ‫ى‬
 ‫أبى حاتم من رواية عبد الرحمن بن أسحق بن النعمان بن سعد بن عل ّ نحوه ، وأخرجه ابن أبى داود - فى كتاب البعث من هذا‬
                                       ‫ا‬
                                     ‫الوجه مرفوعاً ، ورواه ابن عدى عن حديث ابن عباس رضى اهلل عنهما مرفوعاً أيضً .‬
     ‫87‬                                                                            ‫التقـوى‬
      ‫) أى : يقدر على ما يشاء وعند هاهنا عندية القربة والزلفة والمكانة‬           ‫( ِندَ مَِيكٍ ُّقْتدِ ٍ‬
                                                                                 ‫ع ل مَر‬
                                                                   ‫(2 )‬
                                                                          ‫والرتبة والكرامة والمنزلة .‬


   ‫) فى مكان مرضى , وقرئ فى مقاعد صدق عند‬                 ‫وقال الزمخشرى : ( فِي َقْع ِ صد ٍ‬
                                                          ‫م َد ِ ْق‬
      ‫مليلك مقتدر مقربين عند مليك مبهم أمره فى الملك واالقتدار , فال شئ إال وهو تحت ملكه‬
             ‫(1)‬
‫وال عجب‬            ‫وقدرته , فاى منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة بأسرها‬
   ‫فى ذلك فقد جمع اهلل عز وجل للمتقين كل نعيم االخرة فقال تعالى : ] َالْآخِر ُ ِند رَب َ‬
   ‫و َة ع َ ِّك‬
                                                                 ‫ِ ْم َّ ِي َ [ ...... ( الزخرف : 33 )‬
                                                                                          ‫لل ُتق ن‬
                                  ‫وقال تعالى : ] َا ْ َا ِ َة ِ ْم َّ ِي َ [ ...... ( القصص : 31 )‬
                                                                ‫و لع قب ُ لل ُتق ن‬
‫ووصف دارهم فقال عز وجل : ] َل َا ُ اآل ِر ِ َ ْ ٌ ََ ِع َ َا ُ ا ْم َّ ِي َ [ ..... ( النحل‬
                ‫وَد ر خ َة خير ولن ْم د ر ل ُتق ن‬
                                                                                                 ‫: 03 )‬


                         ‫9- وهى تجمع بين المتحابين من أهلها حين تنقلب كل صداقة‬
                                                                      ‫ومحبة الى عداوة ومشاقة‬


 ‫..... ( الزخرف : 09 )‬    ‫قال تعالى : ] الَخَّاء يوْمَئذ بَع ُهم لِ َعضٍ عد ٌّ إَّا الْمَّقِي َ [‬
                            ‫َ ُو ِل ُت ن‬             ‫ْأ ِل َ ِ ٍ ْض ُ ْ ب ْ‬

                                                                                   ‫قال الزمخشرى :‬
                ‫ا‬
        ‫تتقطع فى ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين فى غير ذات اهلل وتنقلب عداوة ومقت ً إال خلة‬
          ‫المتصادقين فى اهلل فإنها الخلة الباقية المزدادة قوة إذا رأوا ثواب التحاب فى اهلل تعالى‬
                              ‫(2 )‬
                                     ‫والتباغض فى اهلل وقيل : إال المتقين والمجتنبين أخالء السوء .‬


                                                  ‫فالمتقون هم الذين تدوم محبتهم وخلتهم كما قيل :‬
          ‫وما كان لغير الله انقطع وانفصل‬                      ‫ما كان لله دام واتصل‬
                                                                                                       ‫)2(‬
                                                                 ‫الجامع ألحكام القرآن ( 7 / 0236 ) .‬
                                                                                                       ‫)1(‬
                                                                            ‫الكشاف ( 8 / 288 ) .‬
                                                                                                       ‫)2(‬
                                                                            ‫الكشاف ( 3 / 362 ) .‬
       ‫97‬                                                                            ‫التقـوى‬

       ‫ومن بركة التقوى كذلك ينزع اهلل عز وجل ما قد يعلق بقلوبهم من الضغائن والغل فتزداد‬
  ‫مودتهم وتتم محبتهم وصحبتهم كما قال تعالى : ] إ َّ الْم َّقِي َ ِي ج َّا ٍ َ ُ ُونٍ (51)‬
           ‫ِن ُت ن ف َن ت وعي‬
‫ادْ ُُو َا بِسال ٍ آ ِ ِينَ (11) وَ َزَعْنَا َا ِي ص ُور ِم ِّنْ غ ٍّ ِخْ َا ًا عََى ُ ُرٍ‬
  ‫م ف ُد ِه م ِل إ و ن ل سر‬                              ‫ن‬             ‫خل ه َ َم من‬
                                                ‫ُّ َ َا ِِي َ [ ...... ......( الحجر : 31 - 01 )‬
                                                                                   ‫متق بل ن‬
 ‫قال ابن الجوزى : قال ابن االنبارى : ما مضى من التأخى قد كان تشوبه ضغائن وشحناء ,‬
                 ‫(1)‬
                       ‫وهذا التاخى بينهم الموجود عند نزع الغل هو تأخى المصافاة واإلخالص .‬


            ‫0 – وهم يسعدون بالصحبه والمحبه وهم يساقون إلي الجنة زمراً زمرا :‬

   ‫قال تعالى : ] وَ ِي َ الذِي َ َّ َوْا ر َّهم إَِى الْج َّةِ ُ َ ًا ح َّى إ َا َا ُو َا وَ ُ ِ َتْ‬
     ‫َن زمر َت ِذ ج ؤ ه فتح‬                         ‫س ق َّ ن اتق َب ُ ْ ل‬
‫َب َا ُ َا َ َال َه ْ َ َ َ ُ َا ََا ٌ ََ ْك ْ ِ ْت ْ َا ْ ُُو َا َال ِي َ [ .... ( الزمر : 30 )‬
                        ‫أ ْو به وق َ ل ُم خزنته سل م علي ُم طب ُم ف دخل ه خ ِد ن‬

                                                                         ‫قال ابن كثير رحمة الله :‬
   ‫)‬   ‫وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا الى الجنة ( ُمَرًا‬
            ‫ز‬
                       ‫أى : جماعة المقربون ثم األبرار ثم الذين يلونها كل طائفة مع ما يناسبهم :‬
 ‫األنبياء مع االنبياء , والصديقون مع أشكالهم ، والشهداء مع أضرابهم , والعلماء مع أقرانهم ,‬
                                    ‫(2)‬
                                            ‫ً‬
                                          ‫وكل صنف مع صنف , وكل زمرة تناسب بعضها بعضا .‬


                                                                                       ‫وقال القرطبى :‬
       ‫) والزهاد والعلماء والقراء‬   ‫قوله تعالى : ( وَ ِي َ الذِينَ ا َّقوْا ر َّهمْ إَِى الْج َّة ُمَ ًا‬
                                     ‫َن ِ ز ر‬        ‫ت َ َب ُ ل‬                ‫س ق َّ‬
                             ‫وغيرهم ممن اتقى اهلل تعالى وعمل بطاعته , وقال فى حق الفريقين :‬
  ‫) بلفظ واحد فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزى والهوان كما يفعل باألسارى‬                         ‫س‬
                                                                                               ‫( وَ ِيقَ‬
  ‫والخارجين على السلطان إذا سيقوا الى حبس أو قتل , وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم الى‬

                                                                                                           ‫)1(‬
                                                                ‫زاد المسير ( 8 / 808 ) المكتب األسالمى‬
                                                                                                           ‫)2(‬
                                                                         ‫تفسير القرآن الغظيم ( 8 / 1 ) .‬
     ‫08‬                                                                       ‫التقـوى‬
       ‫دار الكرامة والرضوان , ألنه ال يذهب بهم إال راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من‬
                                     ‫(1 )‬
                                            ‫الوافدين على بعض الملوك فشتان ما بين السوقين .‬


‫وقيل كل جماعة أو طائفة تعاونت على الخير والطاعة فإنهم ينادون يوم القيامة ويكونون زمررة‬
                                                            ‫من الزمر المساقه الى الجنة .‬




                                                                                                 ‫)1(‬
                                                    ‫الجامع ألحكام القرآن ( 7 / 4271 - 6271 ) .‬
    ‫18‬                                                                ‫التقـوى‬

                           ‫خاتمة نسأل اهلل حسنها‬
                              ‫إذا بلغت الروح المنتهى‬

                                                                            ‫ا‬
      ‫وقد سعدن ً بصحبة التقوى وأهلها وثمارها بين طيات هذا الكتاب المبارك , فهل لك يأخى‬
‫القارئ الكريم فى أن تحقق لنفسك السعادة فى لحظة واحدة , وهى لحظة صدق يجلس فيها العبد‬
          ‫الى نفسه فال يخدعها وال تخدعه , يفكر فيما مضى من عمره , ويتذكر قول القائل :‬
   ‫ما مضى من أعمارنا وإن طالت أوقاته فقد ذهبت لذاته وبقيت تبعاته , وكانه لم يكن إذا جاء‬
                                                      ‫الموت وميقاته , قال اهلل عز وجل :‬
  ‫] َفَ َأَيْت إِن م َّعْ َاهمْ سِ ِينَ (532) ث َّ َاء ُم َّا َا ُوا ُوع ُو َ (132) َا‬
   ‫م‬       ‫ُم ج ه م ك ن ي َد ن‬                        ‫أ ر َ َّت ن ُ ن‬
                  ‫َ ْ َى َ ْ ُم َّا َا ُوا ُم َّ ُو َ [ ...... ( الشعراء : 301 - 001 )‬
                                                   ‫أغن عنه م ك ن ي َتع ن‬
    ‫28‬                                                                                     ‫التقـوى‬
‫تال بعض السلف هذه األية وبكى وقال : إذا جاء الموت لم يغن عن المرء ما كان فيه من اللذة‬
‫والنعيم , وفى هذا المعنى ما أنشده أبو العتاهية للرشيد حين بنى قصره واستدعى إليه ندماءه .‬
                      ‫فى ظل شاهقة القصور‬                               ‫ً‬
                                                                       ‫عش مابدل لك سالما‬
               ‫لدى الرواح وفى البكور‬                             ‫يسعى عليك بما اشتهيت‬
               ‫فى ضيق حشرجة الصدور‬                                  ‫فإذا النفوس تقعقعت‬
                ‫(2)‬
                      ‫ما كنت إال فى غرور‬                                  ‫فهناك تعلم موقنا‬

 ‫فالدنيا معبر ال مقر وراحلة ال مكث , والسعيد من اتعظ بغيره وانتهز فرصة الحياة فى التزود‬
                                                                                      ‫لألخرة .‬
                            ‫ال‬
 ‫قال الحسن : نعمت الدار كانت للمؤمن , وذلك ألنه عمل فيها قلي ً وأخذ منها زاده الى الجنة ,‬
 ‫وبئست الدار الدنيا كانت للكافر والنافق وذلك آلنه أضاع فيها لياليه وأخذ منها زاده الى النار ,‬
                           ‫ا‬
      ‫وكل نفس من أنفاس العمر جوهرة ثمنية تستطيع أن تشترى بها كنزً ال يقنى ابد اآلباد :‬
                               ‫وغره طول االمل‬                  ‫يامن بدنياه انشغل‬
                         ‫والقبر صندوق العمل‬                      ‫الموت يأتى بغته‬

 ‫فهل لك ياعبد اهلل فى الفالح والنجاح والفوز والنجاة فى لحظة واحدة , لحظة صدق تتذكر ما‬
 ‫مضى من جنايات ومخالفات فتصلح الماضى بتوبة , وتصلح الحاضر بعمل صالح , وتصلح‬
‫المستقبل بعزيمة صادقة ونية مخلصة على االستمرار فى طاعة اهلل عز وجل والتزود بالتقوى.‬
                                                                                         ‫قال اهلل عز وجل :‬
          ‫ِن َّ ن ل َبن لله ُم تق م ت َزل ِ ُ ل ئ ُ َل تخ ف ل‬
         ‫] إ َّ الذِي َ قَاُوا ر ُّ َا ا َّ ُ ث َّ اسْ َ َا ُوا َتَن َّ ُ عَلَيْهم الْمََا ِكَة أَّا َ َا ُوا وََا‬
   ‫َحْزَ ُوا وََبْشِ ُوا ِالْج َّةِ َّ ِي ُنتمْ ُوع ُونَ (03) َحْ ُ أوْلِ َا ُكمْ ِي الْحَ َا ِ‬
   ‫ية‬           ‫ن ن َ يؤُ ف‬                               ‫ت ن أ ر ب َن الت ك ُ ت َد‬
  ‫نزل‬              ‫َ و ُ ه م ه أ فس ُ ل ُ ه م َدع ن‬
 ‫ُّنْ َا وَ ِي الْآخِرةِ َلَكمْ فِي َا َا تَشْتَ ِي َن ُ ُكمْ وََكمْ فِي َا َا ت َّ ُو َ (13) ُ ًُا‬      ‫الد ي ف‬
                                                      ‫ِّ ْ َ ُور َّ ِي ٍ [ ...... ( فصلت : 03 - 13 )‬
                                                                                              ‫من غف ٍ رح م‬




                                                                                                               ‫)1(‬
                        ‫باختصار وتصرف من ( لطائف المعارف ) البن رجب الحنبلى ( 113 ، 713 ) دار الجيل‬
     ‫38‬                                                                                       ‫التقـوى‬

                                                            ‫(1)‬
          ‫فما أوجزه واطيبه وأجمعه لخيرى الدنيا‬                    ‫وقال النبى : ( قل أمنت باهلل ثم استقم )‬
                    ‫واآلخرة و كيف ال وهو من كالم من أوتى جوامع الكلم صلى اهلل عليه وسلم .‬


                                                                                   ‫قال ابن القيم رحمة الله :‬
      ‫هلم الى الدخول على اهلل ومجاورته فى دار السالم بال نصب وال تعب وال عناء , بل من‬
      ‫أقرب الطرق وأسهلها , وذلك أنك فى وقت بين وقتين وهو فى الحقيقة عمرك وهو وقتك‬
‫الحاضر بين ما مضى وما يستقبل , فالذى مضى تصلحه بالتوبة والندم واالستغفار , وذلك شئ‬
   ‫ال تعب عليك فيه وال نصب وال معاناة عمل شاق , وإنما هو عمل القلب وتمتنع فيما يستقبل‬
‫من الذنوب , وامتناعك ترك راحة ليس هو عمآل بالجوارح يشق عليك معاناته , وانما هو عزم‬
                                                                      ‫ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك ,‬
                            ‫فما مضى نصلحه بالتوبة , ومايستقبل تصلحه باالمتناع والعزم والنية ,‬
  ‫وليس للجوارح فى هذين نصب ال تعب , ولكن الشأن فى عمرك وهو وقتك الذى بين الوقتين‬
‫فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك , وإن حفظته مع إصالح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكر‬
                                                                   ‫(1 )‬
                                                                          ‫نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم .‬


‫نسأل اهلل أن يختم لنا بخاتمة السعادة وأن يرزقنا الحسنى وزيادة , وأن يجعلنا من عباده المتقين‬
‫الذين يسعدون فى الدنيا بالطاعات ومحبة رب العالمين , وفى األخرة بالجنات والنظر الى وجه‬
                                                                                                      ‫اهلل الكريم ,‬


                                                                   ‫وأخر دعوانا أن الحمد هلل رب العالمين .‬




‫)1( رواه مسلم ( 2 / - 6 ) األيمان ، وأحمد ( 3 / 318 ) ، ( 8 / 143 ) وفيه زيادة قال : وما أتقى فأومأ إلى لسانه ، ورواه‬
                                          ‫الترمذى ( 6 / 682 ) الزهد ، وابن ماجه ( 2763 ) . < بلفظ : قل ربى اهلل >‬
                                                                              ‫)1( الفوائد ( 111 ، 211 ) دار الدعوه .‬
‫48‬                                                          ‫التقـوى‬


                          ‫مراجع البحث‬
                                                               ‫أ - تفاسير :‬

                         ‫1 - أضواء البيان لمحمد األمين الشنقيطى المدنى .‬
                   ‫2 - تفسير القرأن العظيم , للحافظ ابن كثير دار المعرفة .‬
                      ‫3 - جامع البيان , البن جرير الطبرى , دار المعرفة .‬
                              ‫1 - الجامع ألحكام القرأن للقرطبى , الشعب .‬
                                ‫5 - روح المعانى , لأللوس , دار التراث .‬
                       ‫1 - زاد المسير , البن الجوزى , المكتب اإلسالمى .‬
                                ‫7 - فتح القدير , للشوكانى , دار المعرفة .‬
                        ‫8 - فى ظالل القرأن , لسيد قطب , دار العلم بينها .‬
                                      ‫9 - الكشاف , للزمخشرى , الريان .‬
                                ‫31 -محاسن التأويل , للقاسمى , دار الفكر .‬
                               ‫11 - المنار , لمحمد رشيد رضا دا المعرفة .‬

                                                              ‫ب - حديث :‬
‫1 - بلوغ المرام فى تخريج الحالل والحرام , لأللبانى , المكتب االسالمى .‬
                            ‫2 - جامع األصول , البن األثير , دار الفكر .‬
     ‫3 - سنن النسائى بشرح السيوطى وحاشية السندى , دار الكتب العلمية .‬
         ‫1 - سنن ابن ماجة بترقيم محمد فؤاد عبد الباقى , المكتبة العلمية .‬
                                  ‫5 - سنن الدرامى , دار الكتب العلمية .‬

                 ‫1 - سلسلة األحاديث الصحيحة لأللبانى الكتب اإلسالمى .‬
   ‫58‬                                                        ‫التقـوى‬
                ‫7 - شرح السنة للبغوى بتحقيق شعيب األرناؤوط دار بدر .‬

           ‫8 - صحيح الجامع الصغير وزيادات الأللبانى , الكتب اإلسالمى .‬

            ‫9 - صحيح ابن ماجة , لأللبانى , مكتب التربية العربية الدولى .‬

              ‫31 -صحيح النسائى , لأللبانى , مكتب التربية العربى الدولى .‬

             ‫11 -صحيح الترمذى , لأللبانى , مكتب التربية العربى الدولى .‬

     ‫21 -عون المعبود شرح سنن أبى داود لشمس الحق أبادى المكتبة السلفية.‬

‫31 -عارضة األحوذى شرح سنن الترمذى البن العربى , دار الوحى المحمدى .‬

            ‫11 -فتح البارى شرح صحيح البخارى البن حجر طبعة السلفية .‬

                     ‫51 -فيض القدير شرح الجامع الصغير , دار المعرفة .‬

             ‫11 -مستدرك الحاكم وبهامشة التللخيص للذهبى , دار المعرفة .‬

                  ‫71 -مسند االمام أحمد بفهرس األلبانى , المكتب اإلسالمى‬

                                             ‫81 -موطأ مالك ,ط الحلبى .‬

                            ‫91 -مسلم بشرح النووى , المطبعة المصرية .‬

               ‫32 - المعجم الفهرس , لجماعة من المستشرقين , دار الدعوة .‬

                                                     ‫جـ - رقائق ومواعظ :‬
                          ‫1 - اسنشاق نسيم األنس البن رجب ، دار الفتح .‬
                               ‫2 - تفسير المعوذين ، البن القيم ، السلفية .‬
‫68‬                                                        ‫التقـوى‬
                            ‫3 - تلبيس إبليس ، البن الجوزى المتنبى .‬
                       ‫1 - جامع لعلوم والحكم ، البن رجب ، الحلبى .‬
                ‫5 - الجواب الكافى ، البن القيم ، دار عمر بن الخطاب .‬
           ‫1 - شرح حديث ( ماذئبان جائعان ) ، البن رجب دار الفتح .‬
                 ‫7 - صيد الخاطر ، البن الجوزى ، دار الكتب العلميه .‬
                  ‫8 - صيانه اإلنسان ، البن مفلح ، دار الكتب العلميه .‬
                           ‫9 - طريق الهجرتين ، البن القيم ، السلفية .‬
       ‫31 - رسالة المسترشدين للمحاسبى ، بتحقيق أبو غدة ، دار السالم .‬
                         ‫11 - روضة المحبين ، البن القيم ، دار الصفا .‬
 ‫21 - الرساله التبوكيه ، البن القيم ، بتحقيق أشرف عبد المقصود ، التوعيه‬
                                                    ‫اإلسالمية .‬
            ‫31 - غالية المواعظ ، لنعمان محمود االلوسى ، دار المعرفة .‬
                                 ‫11 - الفوائد ، البن القيم ، دار الدعوة .‬
                ‫51 - لطائف المعارف ، البن رجب الحنبلى ، دار الجيل .‬
                        ‫11 - منهاج العابدين ، للغزالى ، مكتبة الجندى .‬
                             ‫71 - نور االقتباس ، البن رجب ، المدنى .‬
                     ‫81 - المدهش ، البن الجوزى ، دار الكتب العلمية .‬
                           ‫91 - المصباح المنير للرافعى ، دار المعرفة .‬

				
DOCUMENT INFO
Description: ملفات قصص حب وملفات تعليمية واسلامية