Docstoc

التقريب بين المسلمين

Document Sample
التقريب بين المسلمين Powered By Docstoc
					                                         ‫التقريب بين المسلمين‬
                                           ‫الحسن بن علي‬


‫صالح الحسن بن علي بن ابي طالب معاوية تقديما لألهم على المهم، واستشهد الحسين، ليتحول الى‬
‫شاهد للحق على الباطل الذي بلغ ذروته وكان ال بد لالحتجاج عليه ان يبلغ ذروته، وفي كربالء لم تكن‬
‫السلطة، هي هدف الحسين، ولكنه ابى ان ي ذعن، فاجتاحته السلطة مع اهل بيته، فلما وصل األمر الى‬
‫ولده علي بن الحسين أسس لسلوك متناغم مع سلوك ابيه وعمه فتخلى وانصرف الى سقاية زرع القيم‬
‫واالخالق والوحدة وحماية التوحيد من عوادي الفرقة، واستمر هذا السلوك في هذه الساللة، ما اغرى‬
‫اإلمام أبا حنيفة بالتضحية في سبيل مناصرتهم، واالنخراط مع جعفر الصادق في تأسيس متحول علمي‬
‫مشترك مازلنا نعيش نعمه ويدعونا الى استئنافه وتجديده وتنميته.. هنا تجسدت الوسطية سلوكا جامعا‬
‫وحافظا لإليمان والمؤمنين بالعلم الذي أدى الى حساب دقيق لألولويات. وقد نظر علي بن موسى الرضا‬
‫لهذا الخيار المسؤول بقوله: “ نحن آل محمد النمط الوسطي الذي ال يدركنا الغالي وال يسبقنا التالي”‬
‫ويعقب احد العلماء على هذا القول بقوله: “ اعلم ان النمط االوسطي ينبغي ان يكون جامعا بين الطرفين”‬
‫ان الذي يقوم في الوسط ليرى الى كل االطراف، يرى ما فيها من حقائق ولديها من حق وعليها من حق،‬
‫منطلقا من تعددية المعرفة وتركيب الحقيقة، فمن اراد مزيدا من الحقيقة فما عليه اال ان يعترف باآلخر،‬
‫بحقه وما لديه من حقيقة، وبحاجته الى ما في يد اآلخر من حقائق ومن حقوق، وإال تناقص أو تآكل‬
‫مخزونه االيماني مهما يكن باذخا، وتراجع مدخوله من الحقائق مهما يكن مجتهدا في طلب العلم: بعد‬
‫الدولة، وهذا ليس ترتيبا طوليا، ألن الدولة والمجتمع في عرض واحد، بعد الدولة، هناك االجتماع العام،‬
‫االسالمي أو العربي أو الوطني، وهذه كلها مفاهيم موحدة وموحِّدة.. ال تنفي التعدد، وال تشترط “الدولة‬
                                        ‫ّ‬      ‫ّ‬
‫األمة” كتحقيق لوحدتها ا لمتحدرة والمتجذرة في التوحيد، ألن وحدة االجتماع الوطني واالسالمي والعربي‬
‫وبنسب متفاوتة، بالجعل اإللهي اوال والتطور التاريخي ثانيا “وجعلناكم شعوبا وقبائل..” هذه الوحدة قائمة‬
‫في العمق، تتقدم مظاهرها وتتراجع بفعل النزاعات على انظمة المصالح، ولكنها تبقى راسخة وتبلغ اوج‬
‫التعبير عنها في المفاصل وامام القضايا واالحداث الكبرى، “فلسطين مثال”. وعليه فعندما تتعدد الدول، من‬
‫دون رغبة أو موافقة على التعدد المفتعل والضار الذي حدث في انفصال بنجالديش عن باكستان وال حتى‬
‫انفصال باكستان عن الهند، عندما تتعدد الدول الوطنية، ال يبقى سائغاً وال جائزا ان يستقيل المتشبثون‬
‫بالوحدة، من انجاز دولهم الوطنية كاملة مطالبة ومؤشرة بتكاملها مع غيرها.. متذرعين بأولوية “الدولة‬
                                                                                                  ‫األمة”.‬
‫ان اجتماعنا لو ترك وشأنه، أي من دون سياس ة حزبية تقوم على التعصيب وتطلب السهولة في ذلك،‬
‫فتجد المسكون المذهبي ناجزاً وجاهزاً، أو هي التي تعيد تجهيزه، فتستحضر الفوارق الطبيعية، تبعثها‬
‫بذهنية وخطاب فصالي أو سجالي، وتستولدها، تولد منها، طوعا أو قسرا، أي اعتمادا على مناطق لينة‬
‫ومرنة في منظومتها العقد ية أو الفقهية، فوارق اخرى، أو تلجأ الى الموروث التاريخي لتستدعي منه‬
‫االنكسارات التي حصلت بفعل عوامل خارجية ومؤثرات سياسية عمدت الى تضخم الفوارق وتفجيرها،‬
                                                               ‫وتذهب الى صناعة التمايزات طلبا للفرقة.‬
‫ان محمولنا التاريخي السياسي منه بامتياز، نحترمه، وحتى عندما ننقده، فإنما ننقده ال لنقوض، بل‬
‫مقدمة لنقد الحاضر والمستقبل الذي نريد ان نستقبله، فإذا ما احلناه على الماضي كما هو، أي من دون‬
‫تبصر أو نقد، فإننا نكون قد شرعنا في استقبال الماضي، وهذا عدوان على الماضي، ما يعني ان نستدبر‬
‫مستقبلنا، وهذا عدوان على المستقبل وعلى كل شيء.. اذن فهذا الموروث البد من تعطيل بعض‬
‫فعالياته، اذا ما أردنا ان ننجز مستقبلنا الصعب، والمحاصر باالسئلة، والذي ال سبيل الى التخفيف من‬
‫صعوبته اال ان نتواضع أونتواطأ على انجازه معا، ومن دون ذلك سوف يكون منقوصا، أو لن يكون أبدا.. ان‬
‫التشبث بالماضي يجعل الماضي عدة ال واحدا، أي انه يرسخ الصورة النمطية بكل طائفة منا عن ذاتها وعن‬
‫الطائفة االخرى، ونعود الى السيرة في اختراع منظومة ايديولوجية محمولة على الدين موصولة به شكال ال‬
‫مضمونا، من اجل تبرير فعالنا وقطائعنا، ماال يؤدي اال الى مزيد من دفع غاللنا الى طواحين اعدائنا الذين‬
                                                                          ‫يحولون هذه الغالل الى اغالل.‬
‫ان مجتمعنا أو مجتمعاتنا العربية واالسالمية والوطنية، لو تركت وحدها، بذاتها لذاتها، فإنها مؤهلة ألن تعيد‬
‫باستمرار اكتشاف قيمها المشتركة ومصالحها المشتركة، لتؤسس عليها وتعيد تأسيس عيشها‬
‫المشترك، الذي يقوم على المعرفة المشتركة والتعارف واالعتراف المتبادل، وتكامل المختلف وحيوية وقوة‬
‫المؤتلف، ارتقاء الى مستوى المواطنة التي تحفظ الجميع بالجميع للجميع تحت رعاية الدولة التي تستمد‬
                                                        ‫قوتها من عدالتها، وتحول قوتها الى عدل وعدالة.‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Tags:
Stats:
views:2
posted:4/12/2012
language:
pages:1