ابن بطوطة
Document Sample


ابن بطوطة
محمد بن عبداهلل اللوتي ، رحالة عربي ولد بطنجة قضي 82عام يجوب األرض
شرقاوغربا فقطع في رحالتة مسافة لم يقطعها رحالة في العصور الوسطي(قدرت بنحو
180ألف كيلو متر ) كانت رحلتة األولي بغرض الحج فخرج من طنجة ( عام 038 م )
وسار إلي شمال أفريقيا و مصر وزاربالد الشام وأدي فريضة الحج،
والفرم وحوض ثم تنقل في فارس و بالد العرب وزار شرق أفريقيا ثم زار آسيا الصغري
تركيا الفولجا األدني ودخل القسطنطينية ، ومنها سار شرقا إلي خوازم و بخاري و
سفارة وأفغانستان والهند حيث قضي ثمانية أعوام في خدمة سلطان دلهي الذي أرسلة في
( إلي الصين تعرف في طريقة علي جزر المهل ( مالديف ) وبعض جزرالهند الشرقية
أندونيسياوالصين ) ، ثم عاد إلي طنجة ( عام 1330م ) قام بعد ذلك برحلتين األولي إلي
عام ( األندلس ( عام 1330م ) ، واألخري إلي السودان الغربي( عام 8330) عاد إلي فارس
النظار 3330م ) فأقام بها حتي وفاتة وفيها أملي وصف رحالتة المشهورة بإسم : ( تحفه
وغرائب األمطاروعجائب اإلستار) وقد ترجمت أجزاء من رحلتة إلي كثير من اللغات
رحالت ابن بطوطة
ي
ال ُذكر اسم أدب الرحالت إال ويرد بالبال أول ما يرد اسم ابن بطوطة، ولد أبو عبد اهلل
محمد بن عبد اهلل بن إبراهيم الطنجي في مدينة طنجة في يوم اإلثنين السابع عشر من شهر
رجب سنة 703 هجرية الرابع والعشرين من فبراير سنة 1074 ميالدية ألب من أوساط الناس،
ر
أما ابن بطوطة فهو االسم الذي اشتهر به، كان ابن بطوطة مفطو ًا على حب الرحلة والسفر
د
والتجوال، بدأ رحلته سنة 723 هجرية قاص ًا الحج وكان في الثانية والعشرين من عمره، يقول
ًّا للمطلب العسير الذي أراده وأعانه اهلل مه ئ نفسي
د. حسين مؤنس: إن ابن بطوطة كان ُ َي ًا ًّا وجسدي
عليه فاستمتع بما أراد وأمتعنا معه، ومن لطائف حديثه في رحلته أنه كان يذكر كل شيء حتى
ع
الصادع الذي يلم به أو المغص الذي يصيبه أو الرمد الذي يشكوه، فيزيدنا استمتا ًا بقراءته،
م َد
فنحن مع ُح ِّث بارع وحديثه كله مفيد، حتى حديثه عن أمراضه وأوجاعه عظيم الفائدة فهو
يعطينا فكرة عن األدوية وأساليب التداوي في أيامه، ويكشف لنا عن حقيقة أكبر وهي أن
جد ض
مستوى العالج لم يكن منخف ًا كما نظن؛ فقد كان للناس معارف طبية كثيرة ًّا، وكانت
أدويتهم على بساطتها نافعة ناجعة، وهذا جانب من جوانب الحضارة اإلسالمية عظيم، وإليك
نماذج من رحالت ابن بطوطة.
الخروج من طنجة
قال الشيخ أبوعبد اهلل: كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني
د
من شهر اهلل رجب الفردعام خمسة وعشرين وسبعمائة معتم ًا حج بيت اهلل الحرام وزيارة قبر
د
الرسول عليه أفضاللصالة والسالم، منفر ًا عن رفيق أنس بصحبته، وركب أكون في جملته؛
لباعث على النفسشديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم، فجزمت
أمري على هجراألحباب من اإلناث والذكور، وفارقت وطني مفارقة الطيورللوكور، وكان
ب
والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهماوصبًا، ولقيت كما لقيا من الفراق نص ًا، وسني يومئذ ثنتان
وعشرون سنة.
قال ابن جزي،أخبرني أبو عبد اهلل بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم اإلثنين
السابع عشر منرجب الفرد سنة ثالث وسبعمائة.
وصلنا مدينةالجزائر، وأقمنا بخارجها أيامًا إلى أن قدم الشيخ أبو عبد اهلل وابن
ع
القاضي فتوجهناجمي ًا على منبجة إلى جبل الزان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية.
وكان أمير بجايةإذ ذاك أبا عبد اهلل محمد بن سيد الناس الحاجب، وكان قد توفي من
تجار تونس الذينصحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره، وترك ثالثة آالف دينار
من الذهب،وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته، فانتهى
خبرهالبن يد الناس المذكور، فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال
الموحدينووالتهم.
ي
ولما وصلنا إلىبجاية كما ذكرته أصابتني الحمى فأشار عل ّ أبو عبد اهلل الزبيدي
باإلقامة فيها حتىيتمكن البرء مني، فأبيت وقلت: إن قضى اهلل عز وجل بالموت فتكون وفاتي
بالطريق، وأناقاصد أرض الحجاز، فقال لي: إما أن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك
دابةوخباء، وتصحبنا خفيفًا، فإننا نجد السير خوف غارة العرب في الطريق، ففعلت
ر
هذاوأعارني ما وعد به جزاه اهلل خي ًا، وكان ذلك أول ما ظهر لي من األلطاف اإللهية فيتلك
الوجهة الحجازية.
وسرنا إلى أنوصلنا مدينةقسنطينةفنزلنا خارجها، وأصابنامطر جود، فاضطررنا إلى
الخروج عن األخبية ليالً إلى دور هنالك، فلما كان من الغدتلقانا حاكم المدينة، وهو من
ي
الشرفاء الفضالء، ُسمى بأبي الحسن، فنظر إلى ثيابيوقد لوثها المطر فأمر بغسلها في داره،
َّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، ًّا، وصر َل
وكان اإلحرام منها خِقًا فعبث مكانهإحرامًا بعلبكي
فكان ذلك أول ما يفتح بهعلي
َّ في وجهتي.
م
ورحلنا إلى أنوصلنا مدينة بونة، ونزلنا بداخلها، وأقمنا بها أيا ًا ثم تركنا بها من كان
فيصحبتنا من التجار ألجل الخسوف في الطريق، وتجردنا للسير، وواصلنا الجد،
وأصابتنيالحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف، وال
يمكنني النزولمن الخوف، إلى أن وصلنا مدينة تونس، فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد اهلل
الزبيدي،ولقاء أبي عبد اهلل النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسالم والسؤال، ولم يسلم
عل ّأحد لعدم معرفتي بهم، فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة، ي
علي
واشتدبكائي فشعر بحالي بعض الحجاج، فأقبل َّ بالسالم واإليناس، وما زال يؤنسني
بحديثهحتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين.
قال ابن جزي:أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن
إبراهيم السلمي، هو ابنالحاج البلفيقي: أنه جرى له مثل هذه الحكاية قال: قصدت مدينة بلش
من بالد األندلسفي ليلة عيد برسم رواية الحديثة المسلسل البعيد عن أبي عبد اهلل بن الكماد،
وحضرتالمصلى مع الناس، فلما فرغت الصالة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض
إلي ي
بالسالم، وأنافي ناحية ال يسلم عل ّ أحد فقصد َّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل
ذ
َّبالسالم واإليناس وقال: نظرت إليك رأيتك منتب ًا عن الناس، وال يسلم عليك أحد،فعرفت علي
ر
أنك غريب، فأحببت إيناسك، جزاه اهلل خي ًا. ثم وصلنا إلى مدينة قابس، ونزلنابداخلها وأقمنا
ر
بها عش ًا لتوالي نزول األمطار.
صحب
ثم خرجنا منمدينة قابس قاصدين طرابلس، و َ َ َنا في بعض المراحل إليها نحو
مائة فارس، أويزيدون، وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب وتحامت مكانهم، وعصمنا اهلل
منهم،وأظلنا عيد األضحى في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وصلنا إلى مدينة
طرابلس،فأمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس، فبنيت عليها
بطرابلس ثمخرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم، من عام تسعة وعشرين وسبعمائة
ومعي أهلي وفي صحبتيجماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم، وأقام الركب
في طرابلس خوفًا منالبرد والمطر وتجاوزنا مسالته ومسراته وقصور سرت، وهنالك أرادت
طوائف العرب اإليقاعبنا ثم صرفتهم القدرة، وحالت دون ما راموه من أذيتنا.
ثم توسطناالغابة، وتجاوزناها إلى قصر برصيصا العابد، إلى قبلة سالم وأدركنا
هنالك الركبالذين تخلفوا بطرابلس، ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته،
ت
وتزوجت بن ًالبعض طلبة فاس، وبنيت بها بقصر الزعافية، وأولمت وليمة حبست لها الركب
يومًا،وأطعمتهم.
الوصول إلى اإلسكندرية
ثم وصلنا في أولجمادى األولى إلى مدينة اإلسكندرية حرسها اهلل، وهي الثغر
المحروس والقطر المأنوس،العجيبة الشأن األصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين،
ومآثر دنيا ودين، كرمتمغانيها ولطفت معانيها وجمعت بين الضخامة واإلحكام مبانيها، فهي
ت َل
الفريدة في َجِّي سناها، والخريدة تجلى في حالها، الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة
لمفترقالمحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكل بديعة بها اجتالؤها، وكل طرفة
فإليهاانتهاؤها وقد وصفها الناس فأطنبوا، وصنفوا في عجائبها فأغربوا، وحسب المشرف إلى
ذلكما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك.
ذكر أبوابها ومرساها
الس
ولمدينةاإلسكندرية أربعة أبواب، باب َّدرة، وإليه يشرع طريق المغرب، وباب
رشيد، وبابالبحر، والباب األخضر، وليس يفتح إال يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة
َر
القبور،ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أ َ في مراسي الدنيا مثله، إال ما كان من مرسى
كولموقاليقوط ببالد الهند، ومرسى الكفار بسرادق ببالد األتراك، ومرسى الزيتون ببالدالصين
وسيقع ذكرها.
ذكر المنار
م
قصدت المنار فيهذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهد ًا، وصفته أنه بناء مربع ذاهب
في الهواء، وبابهمرتفع على األرض، وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه، وضعت بينهما ألواح
خشب يعبر عليهاإلى بابه، فإذا أزيلت لم يكن له سبيل، وداخله موضع لجلوس حارس المنار،
وداخل المناربيوت كثيرة، وعرض الممر بداخله تسعة أشبار، وعرض الحائط عشرة أشبار،
ر
وعرض المنار منكل جهة من جهاته األربع مائة وأربعون شب ًا، وهو على تل مرتفع ومسافة
ما بينه وبينالمدينة فرسخ واحد في بر مستطيل، يحيط به البحر من ثالث جهات إلى أن يتصل
البحربسور البلد، فال يمكن التوصل إلى المنار في البر إال من المدينة، وفي هذا البرالمتصل
بالمنار مقبرة اإلسكندرية.
وقصدت المنار عندعودتي إلى بالد المغرب عام خمسين وسبعمائة؛ فوجدته قد
استولى عليه الخراب بحيث اليمكن دخوله وال الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر، رحمه
اهلل قد شرع في بناء منارمثله بإزائه فعاقه الموت عن إتمامه.
ذكر أمير عالبور استشهاده
وكان أمير عالبوربدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من األبطال الذي تضرب بهم
د
األمثال، وكان ال يزاليغير على الكفار منفر ًا بنفسه فيقتل ويسبي حتى شاع خبره واشتهر
م ال
أمره وهابه الكفار،كان طوي ً ضخ ًا يأكل الشاة عن آخرها في أكلة، وأخبرت أنه كان يشرب
نحو رطل ونصفمن السمن بعد غذائه، على عادة الحبشة ببالدهم، وكان له ابن يدانيه في
الشجاعة،فاتفق أن أغار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار، فوقع به الفرس في
مطمورةواجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقتارة، والقتارة: حديدة شبه سكة الحرث
يدخاللرجل يده فيها فتكسو ذراعه، ويفضل منها مقدار زراعين وضربتها ال تبقي، فقتله
بتلكالضربة، وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية وقتلوا رجالها وسبوا نساءها ومافيها
وأخرجوا الفرس، وتوجه إلى دهلي فخرج عليه الكفار، فقاتلهم حتى قتل، وعاد الفرسإلى
أصحابه، فدفعوه إلى أهله، فركب صهر له فقتله الكفار عليه أيضًا.
ض
ثم سافرنا إلىمدينة كاليور، ويقال فيه أي ًا كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع
في رأس شاهقعلى بابه صورة فيل وفيال من الحجارة، وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب
الدين وأميرهذه المدينة أحمد بن سير خان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل
هذهالسفرة.
م
ودخلت عليه يو ًاوهو يريد توسيط رجل من الكفار، فقلت له: باهلل ال تفعل ذلك فإني
د
ما رأيت أح ًا قطيقتل بمحضري فأمر بسجنه، وكان ذلك سبب خالصه.
ثم رحلنا منمدينة كاليور إلى مدينة برون، مدينة صغيرة للمسلمين بين بالد الكفار
أميرها محمد بنبيرن التركي األصل، والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان
ر ال
يدخل إليهالي ً وأبوابها مغلقة، فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثي ًا، وكانوا يعجبون في
شأندخوله.
ً ر
وأخبرني محمدالتوفيري من أهلها، وكان جا ًا لي بها، أنه دخل داره ليال وافترس
ًّا من فوقالسرير، وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس، فخرج أحدهم لحاجة، صبي
فافترسه فخرجأصحابه في طلبه، فوجدوه مطروحًا بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه،
وذكروا أنه كذلكفعل بالناس.
ومن العجب أن بعضالناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع، وإنما هو آدمي من
السحرة المعروفينبالجوكية يتصور في صورة سبع، ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به
جماعة ولنذكربعضًا من أخبار هؤالء السحرة.
ذكر السحر الجوكية
وهؤالء الطائفة تظهر منهم عجائب منها: أن أحدهم يقيم األشهر ال يأكل وال يشرب، وكثير
منهم تحفر له تحت األرض وتبنى عليه، فال يترك له إال موضع يدخل منه الهواء، ويقيم بها
الشهور، وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة.
ال
ورأيت بمدينةمنجور رج ً من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة، وأقام
م
بأعالها، ال يأكلوال يشرب مدة خمسة وعشرين يو ًا، وتركته كذلك فال أدري كم أقام بعدي.
ب
والناس يذكرونأنهم يركبون حبو ًا يأكلون الحبة منها أليام، معلومة أو أشهر فال
يحتاج في تلكالمدة إلى طعام أو شراب، ويخبرون بأمور مغيبة، والسلطان يعظهم ويجالسهم
ومنهم منيقتصر في أكله على البقل، ومنهم من ال يأكل اللحم، وهم األكثرون، والظاهر من
حالهمأنهم عودوا أنفسهم الرياضة وال حاجة لديهم في الدنيا وزينتها، منهم من ينظر
ت
إلىاإلنسان فيقع مي ًا من نظرته، وتقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميتوجد
من دون قلب، ويقولون: أكل قلبه، وأكثر ما يكون هذا في النساء، والمرأة التيتفعل ذلك تسمى
كفتار.
حكاية امرأة كفتار
َف
لما وقعت المجاعةالعظمى ببالد الهند بسبب القحط، والسلطان ببالد التلنك ن َّذ أمره
أن يعطي ألهلدلهي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم؛ فجمعهم الوزير ووزع
المساكين منهمعلى األمراء والقضاة ليتولوا إطعامهم، فكان عندي منهم خمسمائة نفس،
فعمرت لهم سقائففي دارين وأسكنتهم بها، وكنت أعطيهم نفقة خمسة أيام في خمسة أيام. فلما
كان في بعضاأليام أتوني بامرأة منهم، وقالوا: إنها كفتار وقد أكلت قلب صبي كان إلى
جانبهاوأتوا بالصبي ميتًا؛ فأمرتهن أن يذهبوا بها إلى نائب السلطان، فأمر باختبارها، ذلكبأن
ملئوا أربع جرات بالماء وربطوها بيديها ورجليها، وطرحوها في نهر الجون، فلمتغرق، فعلم
ال َ ْف
أنها كفتار، ولو لم تط ُ على الماء لم تكن كفتار، فأمر بإحراقهابالنار، وأتى أهل البلد رجا ً
م
ونساءً فأخذوا رمادها، وزعموا أنه َن تبخر به أمنفي تلك السنة من سحر كفتار.
حكاية سحر الجوكية
م
بعث إل ّ السلطانيو ًا وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه، وهو في خلوة وعنده بعضي
خواصه ورجالن من هؤالءالجوكية وهم يلتحفون بالمالحف، ويغطون رؤوسهم؛ ألنهم
ينتفونها بالرماد كما ينتفالناس آباطهم، فأمرني بالجلوس فجلست، قال لهما: إن هذا العزيز من
بالد بعيدة فأرياهما لم يره، فقاال: نعم؛ فتربع أحدهما ثم ارتفع عناألرض حتى صار في لهناء
فوقنامتربعًا، فعجبت منه وأدركني الوهم فسقطت إلى األرض، فأمر السلطان أن أسقى
دواءعنده، فأفقت وقعدت، وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعالً له من شكارة كانت
معه،فضرب بها األرض كالمغتاظ، فصعدت إلى أن علت عنق المتربع، وجعلت تضرب في
ال
عنقه، وهوينزل قلي ً حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل،
ثمقال: لوال أني أخاف على عقلك ألمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت، فانصرفت عنه
وأصابنيالخفقان، ومرضت حتى أمر لي بشربة أذهبت ذلك عني.
ولن ُد لما كنابسبيله فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أموري ثم إلى منزل َع
كجرا وبه حوض عظيمطوله نحو ميل، وعليه الكنائس فيها األصنام قد مثل بها المسلمون،
ق ط
وفي وسطه ثالث قبابمن الحجارة الحمر على ثالثة ِباق، وعلى أركانه األربعة أربع ِباب،
ويسكن هنالكجماعة من الجوكية وقد لبدوا شعورهم، وطالت حتى صارت في طولهم، وغلبت
عليهم صفرةاأللوان من الرياضة، وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم، ويذكرون أن
من كانتبه عاهة من مرض أو جذام يأوي إليهم مدة طويلة فيبرأ بإذن اهلل تعالى.
وأول ما رأيت هذهالطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان، وكانوا نحو
حِ
الخمسين، ف ُفرَ لهم غارتحت األرض وكانوا مقيمين به ال يخرجون إال لقضاء حاجة.
ولهم شبه القرنيضربونه أول النهار وآخره وبعد العتمة، وشأنهم كله عجب، ومنهما
ب
الرجل الذي صنعللسلطان غياث الدين الدامغاني سلطان بالد المعبر حبو ًا يأكلها تقوية على
الجماع،وكان من أخالطها برادة الحديد، فأعجبه فعلها، فأكل منه أزيد من مقدار الحاجة،
فمات،وولى ابن أخيه ناصر الدين فأكرم هذا الجوكي ورفع قدره.
ثم سافرنا إلىمدينة جنديري، مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يسكنها أمير أمراء تلك
ال خير
البلد عز الدينالبنتاني هو المدعو بأعظم ملك، وكان ِّ ًا فاض ً يجالس أهل العلم، وممن
كانيجالسه الفقيه عز الدين الزبيري والفقيه العالم وجيه الدين البياني، نسبة إلى مدينةبيانة التي
تقدم ذكرها، والفقيه القاضي المعروف بقاضي خاصة، وإمامهم شمس الدين،وكان النائب عنه
على أمور المخزن سمي قمر الدين، ونائبه على أمور العسكر سعادةالتلنكي من كبار
الشجعان، وبين يديه تعرض العساكر، وأعظم ملك ال يظهر إال في يومالجمعة أو في غيرها
ر
ناد ًا.
ثم سرنا منجنديري إلى مدينة ظهار، وهي مدينة المالوة أكبر عمالة تلك البالد،
ت ص
وزرعها كثيرخصو ًا القمح، ومن هذه المدينة ُحمل أوراق التنبول إلى دهلي، وبينهما أربعة
م
وعشرونيو ًا، وعلى الطريق بينهما أعمدة منقوش عليها عدد األميال فيما بين كل عمودين،
فإذاأراد المسافر أن يعلم عدد ما سار في يومه، وما بقي له إلى المنزل أو إلى المدينةالتي
يقصدها قرأ النقش الذي في األعمدة فعرفه، ومدينة ظهار إقطاع للشيخ إبراهيمالذي من أهل
ذيبة المهل.
اليوم أبتدئالقراءة بعد صالة الصبح فأختم عند الزوال، وأجدد الوضوء وأبتدئ القراءة
م
فأختمالختمة الثانية عند الغروب، ولم أزل كذلك مدة ثالثة أشهر، واعتكفت فيها أربعين يو ًا.
من طنجة للعالم في 30 عامً
ا
ولد ابن بطوطة في طنجة بالمغرب عام 1304 لعائلة عرف عنها عملها في القضاء. وفي فتوته
درس الشريعة وقرر عام 1304, وهو ابن 43 عامً, أن يخرج حاجً. كما أمل من سفره أن يتعلم
ا ا
المزيد عن ممارسة الشريعة في أنحاء بالد العرب.
في أول رحلة له مر ابن بطوطة في الجزائر وتونس ومصر وفلسطين وسوريا ومنها إلى مكة. وفيما
يلي مقطع مما سجله عن هذه الرحلة:
ا
"كان خروجي من طنجة مسقط رأسي... معتمدً حج بيت اهلل الحرام وزيارة قبر الرسول عليه الصالة
ً
والسالم, منفردا عن رفيق آنس بصحبته, وركب أكون في جملته, لباعث على النفس شديد العزائم,
وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة... فجزمت نفسي على هجر األحباب من اإلناث والذكور, وفارقت
ا ا
وطني مفارقة الطيور للوكور, وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبً, ولقيت كما لقيا نصبً."
في تلك األيام الخوالي, كان السفر عبر هذه المسافات الشاسعة والمغامرة بدخول أراض غريبة مجازفة.
ا
غير أن ابن بطوطة كانت لديه الجرأة, أو على األقل العزم, بما يكفي للشروع في رحلته وحيدً على
حمار. وفي الطريق, التحق بقافلة من التجار, ربما بدافع السالمة, وكانت القافلة تتكاثر مع الطريق
بانضمام المزيد إليها. ومع وصولهم القاهرة كان تعداد القافلة قد بلغ عدة آالف من الرجال ولم يتوقف
بعد عن االزدياد. والبد أن ابن بطوطة قد أحس بإثارة بالغة لتقدم رحلته. فقد كانت أول تجاربه المباشرة
ا
في تعلم المزيد عن أكثر ما يهواه, وهو دار اإلسالم. فقد قابل علماء المسلمين واكتسب مزيدً من
المعارف الدينية والشرعية.
الجزائر وليبيا
حين وصولهم إلى الجزائر, أمضت القافلة بعض الوقت خارج أسوار المدينة لينضم إليها مزيد من
ا
الحجيج. وعند مدينة بجاية, تدهورت صحة ابن بطوطة. غير أنه بقي عازمً على مواصلة المسير
ا
وعدم التخلف عن الركب بسبب صحته. ومشيرً إلى هذا الحادث يقول: "إذا ما قضى اهلل أجلي, فسيكون
ا
موتي على الطريق, ميممً وجهي شطر مكة."
وأثناء مسيرة القافلة في أراضي ليبيا, وجد ابن بطوطة أن من المناسب له أن يتزوج ابنة تاجر تونسي
مسافر معهم في القافلة إلى الحج. وقد تزوجها ابن بطوطة في مدينة طرابلس, غير أن الزواج لم يعمر
ا ال
طوي ً بسبب خصومته مع حميه الجديد. لكن على ما يبدو لم يزعج هذا ابن بطوطة كثيرً فسرعان ما
ا ال
خطب فتاة أخرى هي ابنة حاج من فاس. وفي هذه المرة كان حفل الزفاف يومً كام ً من االحتفاالت.
مصر وسوريا
بدأت القافلة تقترب من مصر. وقد أذهلت القاهرة ابن بطوطة, إذ كانت كما هي اليوم, أكثر المدن
ا ا
العربية صخبً ونشاطً ولهذا قرر أن يمضي فيها بضعة شهور. إذ ال يزال على موعد الحج على أية
حال ثمانية شهور. كانت القاهرة كما وصفها ابن بطوطة "أم المدن, سيدة األرياف العريضة
واألراضي المثمرة, ال حدود لمبانيها الكثيرة, ال نظير لجمالها وبهائها, ملتقى الرائح والغادي, سوق
الضعيف والقوي... تمتد كموج البحر بما فيها من خلق بالكاد تسعهم..."
ا
بقي ابن بطوطة في القاهرة قرابة شهر. وحين رحيله عنها قرر أن يسلك طريقً غير مباشر إلى مكة
مادامت شهور عديدة تفصله عن موعد الحج. ومضى إلى دمشق, التي كانت حينها العاصمة الثانية
ا
للدولة المملوكية في مصر. لم يكن هذا الجزء من رحلة ابن بطوطة مليئً باألحداث, ربما الستتباب
ا
األمن فيه نسبيً في عهد المماليك. لكن دمشق سحرت ابن بطوطة بجو التسامح والتعاضد الذي يسود
فيها. وعنها يقول: "تنوع ونفقات األوقاف الدينية في دمشق تتجاوز كل حساب. هناك أوقاف للعاجزين
عن الحج إلى مكة, ومنها تدفع نفقات من يخرجون للحج نيابة عنهم. وهناك أوقاف أخرى توفر أثواب
الزفاف للعرائس الالئي تعجز عوائلهن عن شرائها, وأوقاف أخرى لعتق رقاب السجناء. وهناك أوقاف
ا
لعابري السبيل تدفع من ريعها أثمان طعامهم وكسائهم ونفقات سفرهم لبلدانهم. كما أن هناك أوقافً
لتحسين ورصف الدروب, ألن كل الدروب في دمشق لها أرصفة على جانبيها يمشي عليها الراجلون,
أما الراكبون فيمضون في وسط الدرب."
أخيرً مضى ابن بطوطة للحج. وبعد قضائه مناسك الحج, أدرك أن نفسه تواقة أكثر من أي وقت مضي ا
لمواصلة الترحال. ولم يكن لديه بالد بعينها يريد أن يقصدها, بل كان هدفه الوحيد هو زيارة قدر ما
ا
يستطيع من البلدان, لكنه توخى أن يعبر دروبً مختلفة. وهكذا تنقل في الشرق األوسط بأكمله, من إثيوبيا
ال
جنوباً إلى فارس شما ً. "ثم سافرنا إلى بغداد, دار السالم وعاصمة اإلسالم. فيها شاهدت جسرين كالذي
ال
في الحلة, يعبرهما الناس صباح مساء, رجا ً ونساء. الدروب إلى بغداد كثيرة ومعمرة بإتقان, معظمها
مطلي بالزفت من نبع بين الكوفة والبصرة يفيض منه بال انقطاع. ويتجمع على جوانب النبع كالطين
فيجرف من هناك ويؤتى به إلى بغداد. في كل معهد ببغداد عدد من الحمامات الخاصة به, وفي كل منها
جرن اغتسال عند أحد أركانها يتدفق الماء فوقه من صنبورين أحدهما للماء الساخن واآلخر للبارد.
ويعطى كل مغتسل ثالث مناشف, واحدة ليلفها حول خصره حينما يدخل واألخرى ليلفها حول خصره
حينما يخرج والثالثة ليجفف بها جسده."
ال
ثم توجه ابن بطوطة شما ً ليستطلع بحر قزوين والبحر األسود وجنوب روسيا. لكن أسفاره الالحقة
األكثر متعة كانت إلى الشرق في آسيا. فقد قصد الهند حيث نال هناك إعجاب اإلمبراطور المغولي
ا
لمعارفه وقصصه. وعرض اإلمبراطور على ابن بطوطة منصبً في بالطه فقبله. وهذا ما أتاح له
الفرصة ليجوب كل أنحاء الهند. وبعد اكتسابه معرفة وفيرة ببالد الهند لكثرة أسفاره فيها, أرسله
ا
اإلمبراطور سفيرً للهند إلى الصين. وكان مقدراً لهذه الرحلة أن تكون األخيرة قبل عودته ابن بطوطة
لوطنه. فرغم بعد المسافة قرر أن يقصد المغرب. وقد وصل شمال غرب إفريقيا عام 4104. وقبل
عودته أخيرً إلى فاس في المغرب عام 0104 خرج في رحلة صغيرة إلى إسبانبا ثم في سفرة جنوبية ا
إلى الصحراء الكبرى
Get documents about "