???? ?? ????? ???? ? ?????? ??????? ???????? ?????? ??????? ???? Oswald Wirth ??? ???? ?? by 2l4RYZ

VIEWS: 29 PAGES: 166

									                   ‫أبناء األرملة‬




‫بقلم أكرم أنطاكي‬
‫تقديم األستاذ ندره اليازجي‬



                         ‫1‬
2
                      ‫الفهرس‬

                                     ‫ر‬
    ‫1 – الفصل األول: المفهوم الس ّاني للبنائية لألستاذ ندره اليازجي‬
  ‫2 – الفصل الثاني: في األسطورة واألصول والتأريخ والتوجهات...‬
‫3 – الفصل الثالث: في الرمزية الطقسية للماسونية التأملية وتدرجاتها.‬
                              ‫4 – الفصل الرابع: على أرض الواقع.‬
                                                      ‫5 - الخاتمة.‬
                                                      ‫6 – مالحق:‬
                           ‫- الملحق األول: كتاب الدساتير ألندرسون.‬
                      ‫تحد‬
‫- الملحق الثاني: في األسس والمبادئ التي ِّد نظامية أي محفل أكبر.‬




                          ‫3‬
4
                              ‫ر‬
                  ‫المفهوم الس ّاني للبنائية‬

            ‫ا‬
‫ليست البنائية الروحية حكرً لعقيدة خاصة‬
‫أو لفئة معينة تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة،‬
‫أو تتبناها أو تمارسها.‬


‫ندره اليازجي‬


                                                                  ‫صديقي أكرم:‬
                                          ‫َ‬
‫قرأت بحثك الذي هدفت فيه، عبر منظورك، أن تتحدث عن "البنائية"1.‬
           ‫تمث‬     ‫م‬
  ‫قرأته بوعي جعلني أتمثل حقيقة هذه "البنائية" تما ًا كما َّلها حكماء‬
     ‫الماضي عامة وحكماء شرقنا المضيء بإشراقه خاصة. وفي سبيل‬
  ‫توضيح الحكمة الماثلة في مفهوم "البنائية الروحية"، تقضي الضرورة‬
      ‫أن أتحدث عن البنائية الكونية، والطبيعة الكائنة، على نحو تضم‬
  ‫َّن في‬
                      ‫َّدة، أو المشخ‬
       ‫َّصة في "البنائية‬          ‫اإلنسان ذاته، أي في كيانه، والمجس‬
 ‫الخارجية"، أي البنائية المكانية المحققة في بناء الهيكل أو مكان العبادة‬


     ‫المقصود هنا محاولة أكرم أنطاكي التي بعنوان أبناء األرملة المنشورة في معابر،‬   ‫1‬


                                    ‫والتي يشكل هذا الفصل مقدمة وخالصة فلسفية لها.‬



                                         ‫5‬
   ‫أو أي مكان آخر. ولما كانت بنائية الهيكل، أي مكان العبادة، ترمز‬
      ‫سر‬
 ‫إلى بنائية جسد اإلنسان وروحه من وجهة نظر إيزوتيرية أي َّانية،‬
           ‫فقد تم بناء الهيكل أو مكان العبادة وفق التقسيم الداخلي، أي‬
                                  ‫اإليزوتيري أو العرفاني الموح‬
 ‫ِّد لجسد اإلنسان وروحه في كيان واحد‬
     ‫غير قابل لالنقسام. ولما كنا، في حكمة شرقنا، نعتبر مكان العبادة‬
 ‫الذي دعي "هيكل سليمان" المثال األفضل لـ"البنائية الروحية" الفينيقية‬
 ‫أو الكنعانية التي كان الفينيقيون والكنعانيون يهندسونها أو يمارسونها،‬
   ‫وسعى إلى تحقيقها "حيرام" الفينيقي في هندسة بنائه للهيكل الحجري‬
 ‫المعروف بهيكل سليمان، فإنني أسعى إلى البحث في تكامل البنائيتين،‬
      ‫أي بنائية الجسد اإلنساني والهيكل الحجري، أو المعبد الحجري.‬
          ‫د‬
   ‫في هذا المنظور، أعلم، على نحو يقيني، أن البناء الذي ُعي هيكل‬
‫سليمان، وقام بهندسته وبنائه حيرام الفينيقي، كان ينقسم إلى ثالثة أقسام‬
                                                              ‫رئيسة:‬
                       ‫1. الفناء الخارجي، أي الساحة الخارجية.‬
                                 ‫2. المدخل ذو األعمدة الخمسة.‬
                          ‫3. القسم الداخلي الذي يضم في نطاقه:‬
                            ‫أ. غرفة الذبيحة أي المذبح.‬
                                 ‫ب. غرفة قدس األقداس.‬




                                 ‫6‬
                                                                   ‫م‬
‫ل ّا كانت البنائية الكونية والطبيعية ماثلة في كيان اإلنسان، فإني متيقن‬
     ‫أن "بنائية الهيكل" أي مكان العبادة تتماثل مع بنائية اإلنسان ذاته.‬
   ‫وعلى هذا األساس، أود أن أذكر المقارنة والمقاربة المتكاملتين بين‬
      ‫بنائية جسد اإلنسان المتضمنة أو المشتملة على كل ما يوجد في‬
         ‫الطبيعة والكون، وبنائية الهيكل الحجري، على النحو التالي:‬
       ‫1. الفناء الخارجي، أي الساحة الخارجية، ترمز إلى العالم‬
                                                   ‫الخارجي.‬
‫2. األعمدة الخمسة القائمة في المدخل ترمز إلى الحواس الخمس‬
  ‫التي هي المدخل الذي من خالله يلج عالم الخارج إلى عالم‬
                   ‫متحد‬
   ‫الداخل. وهكذا، يصبح عالم الخارج ِّ ًا بكامله في عالم‬
                           ‫ع‬
‫الداخل، وال يعود اإلنسان خاض ًا لتلقائية حواسه الخمس التي‬
‫هي مجرد مدخل، أي أنها مجرد بوابة عبور فقط. والحق أن‬
    ‫اإلنسان، الذي يحيا ضمن نطاق حواسه الخمس، لن يكون‬
           ‫ز‬                        ‫سر‬            ‫ر‬
‫قاد ًا على معرفة َّانية كيانه، وسيبقى محتج ًا داخل ظلمة‬
                                                       ‫المادة.‬
 ‫3. غرفة الذبيحة وقدس األقداس، أي الروح، اللذان يرمزان إلى‬
                                     ‫يقد‬
‫عالم الداخل حيث ِّم اإلنسان ذاته ذبيحة حية، طاهرة ونقية‬
                                                 ‫و‬
‫على نح ٍ يكون الجسد فيه هو الذبيحة الحقيقية، وليس الذبيحة‬
         ‫ً‬
 ‫الحيوانية، أو القربان أو أي تقدمة أخرى تكون دعاء للمغفرة‬


                                 ‫7‬
‫أو للطلب المادي. وفي هذا المنظور، ال يكون وجود اإلنسان،‬
                      ‫ي‬      ‫ر‬
‫إثر تقدمة نفسه ذبيحة، حضو ًا روح ًا في قدس األقداس ما لم‬
 ‫يقدم جسده ذبيحة حية وطاهرة، أي ما لم يتجاوز عالم الجسد،‬
  ‫أي جسدية المادة، إلى عالم الروح. وهذا يعني أن الجسد هو‬
       ‫و‬
  ‫هيكل الروح. وهكذا، يحقق الجسد روحانيته على نح ٍ تكون‬
‫فيه الروح والجسد، الذي هو كمال تطور المادة، حقيقة واحدة.‬
                    ‫ال‬       ‫و‬
    ‫تلك كانت بنائية حيرام الفينيقي الذي ُجد مقتو ً بين المذبح وقدس‬
‫األقداس. وإثر اغتياله تقدمت جسدية الهيكل، أي مادية البنائية المكانية،‬
 ‫وتم‬                                          ‫سر‬
 ‫وحدها، وتراجعت َّانية وروحانية الهيكل، أي روحانية البنائية، َّ‬
      ‫الفصل بين الروح والمادة، وانتصر السلب في العالم المادي. هذا‬
                         ‫سر‬
       ‫السلب الذي أدعوه إبليس. هكذا، تتراجع َّانية المبادئ لصالح‬
                                    ‫ظاهرية العقائد أو الشعائر المجس‬
       ‫َّدة بالعبادة الظاهرية على أيدي‬
                ‫ر‬
     ‫المنتفعين الذين يؤمنون بظاهر الحرف ويرفضون س َّانية المعنى‬
 ‫الماثلة في الروح. وبعد اغتيال حيرام، حدث تراجع أو تقهقر آخر في‬
   ‫عام 63 ميالدية أدى إلى إسقاط آخر لروحانية الهيكل والتأكيد على‬
                                              ‫بنائية المكان الظاهرية.‬
                                                            ‫صديقي،‬
   ‫لما كنتَ قد تحدثتَ عن األرملة وأبنائها، فإني أسعى إلى البحث عن‬
                                                  ‫حقيقة رمزيتها وسر‬
                          ‫َّانيتها على النحو التالي:‬


                                 ‫8‬
                      ‫سر‬                                       ‫ال‬
               ‫أو ً: األرملة بوصفها أم العالم المحتجبة في َّانيتها.‬
                                                              ‫ي‬
                                        ‫ثان ًا: أشكال صوفيا-الحكمة.‬
                                                                ‫ث‬
                                           ‫ثال ًا: طبيعة األم-الحكمة.‬
                                                               ‫ع‬
                            ‫راب ًا: اإلنسانية بوصفها اليتيمة الكبرى.‬
                         ‫سر‬                                  ‫ال‬
                   ‫أو ً: األرملة بوصفها األم المحتجبة في َّانيتها‬
                                ‫سر‬
  ‫أبدأ بحثي بالتساؤل التالي: ماهي َّانية األم المقدسة التي هي، كما‬
 ‫يدعوها الحكماء، أم العالم؟ لماذا يذكر بعضهم أنها محتجبة؟ هل ثمة‬
‫ما دعتنا إلى تحقيقه في القديم؟ وما الذي تدعونا إلى تحقيقه أو معرفته‬
                                                    ‫في هذا العصر؟‬
‫يبدو لي أن البشرية المعاصرة تمثل األرملة الماثلة في األم المقدسة -‬
        ‫البشرية التي تجردت من طبيعتها المادية، وطبيعتها الروحية،‬
‫وطبيعتها اإلنسانية، وتسعى إلى تدمير األرض والقضاء على التوازن‬
‫اإليكولوجي. لذا، تقضي الضرورة والواجب أن نتمثل ثيزيوس، بطل‬
     ‫األسطورة اليونانية، الذي احتفظ بخيط أريادنه الذهبي، أي المبدأ‬
   ‫األنثوي، لكي يجد طريق عودته خارج نمط الحياة المعاصرة حيث‬
‫ينتظر الوحش مينوتور كي يبتلعنا نحن الذين نخاف أن نفقد انضباطنا‬
       ‫ً ن‬
   ‫العقلي والمنطقي، ونفقد ثقتنا بحدسنا وجانبنا األنثوي، رجاال كّا أو‬
                                             ‫ل‬
‫نساء، ونخشى التخّي عن وهم انفصالنا لكي نعاين صلتنا الداخلية مع‬
              ‫الطبيعة والكون، أي الصلة التي هي منظورنا األنثوي.‬


                                ‫9‬
                ‫من‬                                   ‫يمث‬
 ‫هكذا، ِّل المبدأ األنثوي الكامن في كل واحد َّا روح األرض، أي‬
                                                  ‫ق‬
‫أكثر جذورنا عم ًا بوصفنا كائنات إنسانية. والحق أن علة ألمنا السلبي‬
    ‫تعود إلى اغترابنا عن هذه الصلة الماثلة في هذه الجذور العميقة.‬
‫من جانبي أعترف بوجود عالج لهذا االغتراب، وهو ما ندعوه الوعي‬
    ‫أو اليقظة التي تعيدنا إلى معرفة، أو تحقيق، األلوهة المحتجبة من‬
  ‫جديد. وتعتبر هذه اليقظة، أو الوعي، عودة إلى معرفة أو تحقيق أو‬
    ‫إجالل اإلله المحايث، أي الحضور اإللهي داخل كل إنسان وداخل‬
 ‫الطبيعة، أكثر منه عودة إلى اإلله المتعالي أو المفارق الذي يتجاوزنا‬
   ‫على نحو عدم حضوره في داخلنا. وفي سبيل اتصال أفضل وأكثر‬
            ‫نتمث‬                                         ‫ال‬
  ‫اكتما ً مع األنثى المقدسة في داخلنا، يجب علينا أن َّل النور في‬
  ‫داخلنا، ونأتي بالسماء إلى األرض. وهكذا، نعلم أن الروحانية كامنة‬
   ‫داخل أجسادنا وداخل األرض ذاتها، وليست موجودة فقط في سماء‬
             ‫بعيدة عنا. ومتى اعتبرنا الروحانية وجو ًا متعال ًا، وقص‬
 ‫ِّية عن حياتنا‬    ‫ي‬        ‫د‬
 ‫اليومية، نعلم أنها تقسمنا إلى قسمين مريعين على نحو يجعالننا نميل‬
           ‫سر‬
       ‫إلى إهمال أجسادنا والتخلي عن الطبيعة. ومتى أقصينا َّانية‬
         ‫ح‬
  ‫الروحانية عن المجال الفيزيائي، نعلم أننا تركنا العالم مسر ًا ألناس‬
                                                            ‫يحر‬
    ‫ِّضهم الطمع، األنانية، المصلحة الفردية، والخير الذاتي وليس‬
 ‫الخير العام. لذا، فإن العودة اليقظة إلى اإللهة المحتجبة تساعدنا على‬
‫احترام وتقدير وإجالل القداسة الكامنة في الحياة الفيزيائية أي المادية،‬


                                ‫01‬
  ‫وفي أنفسنا، وفي العالم والكون. هكذا، يكون قانون الطبيعة، وقانون‬
                           ‫د‬      ‫ي‬        ‫ن‬
     ‫اإلنسان، وقانون الكون قانو ًا تأليف ًا واح ًا. واإلنسان الحكيم، أي‬
‫اإلنسان الذي يعي حقيقة وجوده، هو الكائن الذي يحقق هذا القانون في‬
                                                          ‫صميم كيانه.‬
  ‫في هذا السياق، يدرك اإلنسان المبدأ األنثوي الكامن في عمق كيانه،‬
‫ويسعى إلى تحقيق الصلة أو العالقة الضامنة والموحدة لجميع األشياء،‬
   ‫ويرفض، في سعيه هذا، آلية المدنية المعتمدة والمهدمة للحياة. وإن‬
       ‫كان الوعي الذكري ِّل األشياء، ويعزلها عن بعضها، ويصن‬
‫ِّفها على‬                               ‫يحل‬
         ‫كل‬        ‫كل‬           ‫يعل‬
     ‫حدة، فإن الوعي األنثوي ِّم كيف يتصل ُّ شيء مع ِّ شيء‬
                                             ‫آخر، ويشك ال د‬
 ‫ِّل ك ً واح ًا ال يقبل الفصل أو التقسيم. وهكذا، يمكنني أن‬
    ‫أدعو هذا الوعي األنثوي وعي القلب مقابل وعي الرأس الذكري.‬
 ‫وهكذا يكون الوعي األنثوي األساس الذي يتأصل فيه الكون والكيان،‬
  ‫ويهيء الخلفية الجوهرية التي ستكون الخلفية المقبلة لفعاليات الحياة.‬
 ‫ومن هذا المصدر األنثوي والقدرة على التواصل والتكامل واالتصال‬
‫مع الالشعور أو الالوعي، الذي هو وعي كامن يتطلب التحقيق، ينبثق‬
  ‫منظور جديد للعالم يتميز بتأثيره العميق على الحياة. وبالتالي، يدرك‬
‫اإلنسان كيف ينبثق المبدأ األنثوي المحتجب من جديد ليكون قوة فاعلة‬
                                                            ‫في العالم.‬




                                 ‫11‬
                            ‫سر‬
  ‫في هذا المنظور، ندرك كيف تنبثق َّانية أسطورة اإللهة من جديد‬
  ‫في كل مكان من عالمنا المعاصر. وفي الوقت الحاضر، نرى كيف‬
‫يتحقق النموذج أو المثال البدئي لإللهة إيزيس على أيدي الذين يهتمون‬
  ‫أو يقفون إلى جانب وحدة الحياة قاطبة. وعلى سبيل المثال، نعلم من‬
                     ‫ال‬
    ‫هذه األسطورة المصرية، التي نجد لها مثي ً في جميع الحضارات‬
     ‫واألديان القديمة، كيف يقتل شت الشرير اإلله أوزيريس، ويوزع‬
 ‫أجزاء، أو أعضاء، جسده في كل أنحاء األرض. وبالتالي، نعلم كيف‬
‫تطوف زوجته الحزينة إيزيس، وتنتقل إلى أصقاع األرض وهي تجمع‬
               ‫كلي‬
   ‫األجزاء المتناثرة لكي تعيد له، أو تخلق من جديد، َّة كيانه. وفي‬
                 ‫الوقت الحاضر، بدأ عدد كبير من األشخاص المتمي‬
      ‫ِّزين بالحكمة‬
  ‫استعادة إحساسهم أو شعورهم أو حدسهم بالوحدة في داخلهم وداخل‬
     ‫العالم نتيجة لبحثهم الدؤوب عن األجزاء المفقودة، وإعادة جمعها‬
 ‫وتوحيدها من جديد. وفي إعادة جمع األجزاء أو األقسام المنفصلة أو‬
                             ‫ي‬
‫المعزولة للحضارات وألمم العالم، ُسهم من يتمثلون بإيزيس في خلق،‬
  ‫أو إبداع، أو تكوين، حضارة عالمية تعنى بإحداث تكامل لمقاصد أو‬
    ‫أهداف الصفات أو النوعيات الذكرية المتطورة في نطاقيها العقلي‬
                                                        ‫والعملي.‬
 ‫يؤسفني أن أقول: إن العقل اإلنعزالي، أو العقل التقسمي، الذي يتميز‬
     ‫به اإلنسان المعاصر، أي العقل الذي يفصل األشياء عن بعضها،‬


                              ‫21‬
                                   ‫ويعزلها إلى أجزاء، ويصن‬
   ‫ِّفها في اختصاصات ومناهج، يحول دون‬
     ‫رؤية الصورة بكاملها. لقد استطاع هذا العقل تدمير الحياة بعزله،‬
    ‫وتقسيمه، وتصنيفه. وعلى الرغم من ذلك، نرى اإللهة، أي الوعي‬
 ‫األنثوي الذي استهل رحلة انبثاقه من جديد في كل من الرجل والمرأة‬
     ‫في كل أنحاء العالم، يسعى جاه ًا الستعادة النظام ال ِّي المتضم‬
 ‫َّن في‬      ‫كل‬                     ‫د‬
  ‫العالم. وهكذا، بدأ الوعي األنثوي، أي اليقظة األنثوية، باإلضافة إلى‬
‫الوعي اإليكولوجي، في استعادة بعض العوامل أو العناصر الهامة التي‬
 ‫لم تكن قائمة أو ماثلة في فهمنا، وفي استراتيجية تفكيرنا، ومنظوراتنا‬
          ‫ر‬          ‫ي ث‬
‫السياسية. وهكذا، يعتبر الوعي األنثوي وع ًا منب ًا أو منتش ًا يشير إلى‬
‫اتصالية جميع األشياء وإلى تداخل كل شيء في أو مع كل شيء آخر.‬
   ‫وبالمثل، يعتمد الفكر اإليكولوجي على الوعي الماثل في النموذج أو‬
        ‫أذي‬
  ‫النسق الذي يصل كل شيء بكل شيء آخر، ويعلن أن أي ِّة تلحق‬
                                 ‫بشيء تلحق بجميع األشياء األخرى.‬
               ‫ٍ‬
 ‫يمكنني أن أقول: إن العصر الحديث يتميز باهتمام متنام باألم الحكيمة‬
 ‫المقدسة أي بإلهة األرض أو باإلنسانية األرملة. ففي غالبية حضارات‬
     ‫وأديان العالم القديمة، كانت األلهة أو األم الكبرى والعظمى تحتل‬
     ‫المركز األول في العبادة. لذا، نجد كيف أن اإلسم اإلغريقي إللهة‬
  ‫بدأ يجذب اهتمام العلماء الذين أعلنو أن األرض‬    ‫‪Gaia‬‬   ‫األرض ‪ G‬أو‬




                                ‫31‬
                                                       ‫حي‬
        ‫كيان ٌّ له نفس تنبض بالحياة، وتكمن فيه الخصائص العقلية‬
                                                               ‫والنفسية.‬
   ‫التي دامت‬   ‫‪Eleusus‬‬                                ‫هكذا، نعلم أن السر‬
                         ‫َّانية اليونانية الكالسيكية مثل‬
    ‫وبرسفون‬    ‫‪Demeter‬‬                     ‫سر‬
                          ‫ألفي عام، كانت في صلب َّانية اإللهة دِمتر‬
 ‫‪Persophon‬؛ وكانت تقبل المنتسبين إليها من الرجال والنساء على نحو‬
    ‫سواء من كل أنحاء العالم. وكان تقويض أو تشويه مبادئ األسرار‬
                                                          ‫ه‬
‫شبي ًا بتقويض أو تشويه الديمقراطية في عصرنا الحالي. وكانت أمرأة‬
    ‫تترأسس هيكل دلفي على نحو دائم. وكان كبار المفكرين والفالسفة‬
       ‫ت‬
   ‫يستشيرونها في األمور والقضايا الهامة. وكانت بنائية المكان ُعتبر‬
   ‫د‬
  ‫أي إلهة األرض قبل أن يصبح الهيكل معب ًا‬       ‫‪Gaia‬‬   ‫المكان المقدس لـ‬
                                                       ‫ت‬
                                           ‫ألبولو الذي اع ُبر شمس اهلل.‬
        ‫خل‬
     ‫في الوقت الحاضر، يتأمل عدد كبير من الناس التأثير الذي َّفته‬
   ‫اإللهة أو األم الكبرى والعظمى. والحق، إن االهتمام بصحة وحكمة‬
                                                    ‫ء‬        ‫ي‬
‫الجسد ُعتبر جز ًا من اليقظة الجديدة الماثلة في تأمل النموذج أو النمط‬
                    ‫ي‬
   ‫األصلي أو البدئي لإللهة. هذا، ألن الجسد كان ُعتبر وعاء أو هيكل‬
     ‫األم العظمى في كل األديان والحضارات القديمة. والحق، إن هذا‬
  ‫االهتمام كان يمارس في الهياكل والمعابد القديمة المماثلة لهيكل دلفي‬
      ‫في جميع البلدان األخرى، وكان تطوير أو تنمية الحدْس ممارسة‬




                                   ‫41‬
 ‫عميقة الصلة بصوفيا إلهة الحكمة. وكانت بنائية المكان وبنائية الروح‬
                                     ‫متالزمتين في التطبيق والتحقيق.‬
                       ‫ت‬
   ‫أخلص إلى القول: إن النهاية المكان كانت ُدعى "األم". وظلت هذه‬
‫التسمية قائمة حتى بداية نشاطها أو فعاليتها الكونية. وهكذا، نستنتج ما‬
                                                                ‫يلي:‬
                                                           ‫ت‬
   ‫1. ُعتبر ظاهرة األنثى في العالم المتجلي، المرموز إليها باألم‬
‫العذراء في الديانات العالمية، جوهر المادة الذي يساعد األلوهة‬
                      ‫بأن تكشف عن كيانها في عملية التجل‬
        ‫ِّي أو الظهور أو‬
                                                    ‫الصدور.‬
                         ‫2. الطبيعة ذاتها هي أم جميع األشكال.‬
                  ‫3. القمر، بوصفه رمز الحياة المنشئة أي المكو‬
       ‫ِّنة والخالقة‬
                ‫لألشكال، هو رمز تشكيل الطبيعة أو تكوينها.‬
   ‫4. تركيز القدرة األنثوية في الطبيعة رمز يشير إلى "أم العالم".‬
‫5. اإللهة، بظهوراتها كلها، رمز لوحدة شمول الحياة في الطبيعة.‬
                    ‫إنها تدعى اإللهة األم العظمى أو الكبرى.‬
                                                                ‫ي‬
                                     ‫ثان ًا: طبيعة األم العظمى-الحكمة‬
               ‫ر‬         ‫م‬
  ‫تعتبر األم العظمى صورة الحقيقة األكثر قد ًا وانتشا ًا بين الشعوب.‬
                   ‫تتمي‬                                   ‫سر‬
     ‫وفي َّانيتها، أو في ظاهرها، تبدو لنا بأنها َّز بقدرة خارقة،‬
‫وحكمة عظمى، وإلفة كبرى في قلب أو وسط كل حضارة رائعة. فهي‬


                                ‫51‬
 ‫تضيء أو تنير الكون كله لسبب هو أنها ليست إلهة محلية أو محدودة‬
                         ‫تعب‬                             ‫ر‬
  ‫بقد ِ ما هي األم الكونية. وبالفعل، ِّر عن نفسها بسالسة ووضوح‬
                                                       ‫سر‬
  ‫داخل كل َّانية مقدسة دون أن تجذب االنتباه إلى طبيعتها األنثوية.‬
           ‫م‬                                   ‫ع‬
       ‫هكذا، نعلم أن أنوا ًا متعددة من التعابير والمصطلحات ال ُلحقة‬
   ‫بقدسيتها شملت العالم القديم. والحق، إن تقليد اإللهة الحي والمتحقق‬
    ‫في كل مكان على هذه األرض، يرشدنا، ويحمينا، ويرهبنا، ويحر‬
‫ِّضنا،‬
    ‫ويشفينا، ويحررنا، ويضيء سبيلنا. وإن كونها األم العظمى للكون‬
                                          ‫يق‬
    ‫وأشكاله الحياتية ال ِّل أهمية عن كونها وثيقة الصلة مع كل روح‬
 ‫إنسانية هامة. وتعتبر هذه الصلة صوفية في جوهرها، أي حكيمة في‬
                                                            ‫حقيقتها.‬
     ‫يظهر تقليد اإللهة في صلب التحقيق أو الممارسة على كوكبنا في‬
   ‫الوقت الحاضر في الهندوسية والبوذية. ويالحظ بعض الباحثين أن‬
  ‫غالبية المعلمين والممارسين المتقدمين في هذا التقليد هم الذكور. وال‬
     ‫يعتبر هذا الواقع عقبة تعيق فعالية طاقة اإللهة وقدرتها. هذا، ألن‬
    ‫الحركة الكبرى على األرض في الوقت الحاضر ماثلة في الحركة‬
                         ‫ن‬
   ‫النسائية. ويعتبر هذا التغيير الطارئ برها ًا يتميز بأهميته القصوى‬
             ‫لصالح النساء المعاصرات في نطاق الممارسة الروحية.‬
  ‫يمكننا أن نرى، ونحن نتأمل الحياة القديمة والحديثة، القدرة المنشئة،‬
        ‫والمثقفة، والمحررة لإللهة األنثوية. إننا نعاينها وهي تفعل في‬


                                ‫61‬
  ‫المستويات األعمق لحكمة الحضارة. فهي تعمل على نحو مباشر من‬
   ‫خالل اإلنسانية جمعاء، ومن خالل الرجال والنساء بالدرجة األولى.‬
   ‫تشير بعض األبحاث إلى أن اإللهة األم هي الخلق المبدع، والمقدس‬
    ‫اإللهي، والقدرة الكامنة والفاعلة في التطور، والوعي الذي ال يحد‬
  ‫بزمان ومكان، والحقيقة المتعالية أو المتسامية، وكما تذكر النصوص‬
‫التانترية: هي كل امرأة. إنها تشكل المبدأ األنثوي داخل كل ذكر وأنثى‬
                               ‫حيث يتجلى فيه الجنس األنثوي الحر‬
      ‫ُّ، أي األم-الحكمة المضيئة،‬
    ‫والغبطة والوعي المجرد من الثنائية. ويعبر هذا المبدأ األنثوي عن‬
 ‫عالقة وثيقة ووحدة مع اإللهة-الحكمة عبر هذه المزايا المتعددة وعبر‬
     ‫صفاتها المقدسة واإللهية. وهكذا، نستطيع أن نحقق حضور األم،‬
                                 ‫لتجل‬
     ‫ونتصل مع الطيف الكامل ِّيها وظهورها، ونستغرق على نحو‬
  ‫تدريجي معها على كل مستوى من مستويات الكيان، ونتكل أو نعتمد‬
                                              ‫ال‬
     ‫عليها لكي نجد ح ً يساعدنا على تجاوز معضلة حياتنا. هذا، ألن‬
  ‫مرضنا المزمن والمستعصي يكمن، في أساسه، في خضوعنا للفردية‬
                                          ‫م‬
‫اإلنعزالية، ولماديتنا ال ُغرقة كما اعتدنا على إدراكهما والخضوع لهما.‬
     ‫م‬                        ‫ال‬
    ‫ويعتبر هذا اإلدراك والخضوع شك ً من أشكال الجنون، وتضخي ًا‬
                                                          ‫ي‬
     ‫مأساو ًا لألنا المتملكة والمتسلطة. وليس بوسعنا الخالص من هذا‬
‫الجنون، ومن تضخيم مركزية األنا، إال بلقائنا األليف والمحب مع األم‬




                                ‫71‬
                  ‫ن‬
‫العظمى-الحكمة. وهكذا، نعتبر الكون كله مضمو ًا في داخل اإلنسان،‬
                                                            ‫ويخص‬
                                                     ‫ُّه وحده.‬
‫يصف بعضهم الحماقة أو الجنون الفردي والجماعي لمركزية األنا بأنه‬
‫مجرد إسقاط أو مجرد انعكاس للحقيقة. وهكذا، ال يحصل اإلنسان على‬
  ‫الغبطة الحقيقة نتيجة النغماسه في استراتيجية معقدة، أكانت مادية أم‬
  ‫دينية، بل نتيجة لتعمقه في وعي أصلي وبدئي، يسبق عملية اإلسقاط‬
‫واالنعكاس ويتجاوزها في آن واحد. هذا، ألن الكون المنعكس فينا ليس‬
                                                  ‫س ت‬
  ‫إال انعكا ًا باه ًا للحقيقة اإللهية السامية. وفي محاولة الحصول على‬
‫الصورة المنعكسة، نخدع أنفسنا دون أن نحصل على التجربة الروحية‬
 ‫الحقيقية أو نحققها. لذا، يجب علينا أن نلتفت إلى األساس لكي نكتشف‬
                ‫الكنز الالمحدود للسعادة والغبطة الكامنتين في داخلنا.‬
                              ‫ه‬
      ‫في نطاق االنعكاس، نجد أنفسنا وج ًا لوجه مع التطور المحتوم‬
                                   ‫ت‬
‫لظروف فيزيائية وعقلية ال ُحصى. ومع ذلك، يبقى النطاق الالمحدود‬
                     ‫والال َّن للوعي األصلي أو البدئي بسي ًا وحر‬
    ‫ًّا على الدوام، وال‬   ‫ط‬                             ‫متعي‬
                                            ‫د‬         ‫ط‬
           ‫يكون مشرو ًا أو مقي ًا بالشدة أو الضغط الناتج عن الفكر‬
    ‫والموضوع. والحق أقول: إن العالم الفينومنولوجي، أي الظاهري،‬
      ‫ليس إال الوعي الخاص والالنهائي لألم- الحكمة. لذا، يعتبر هذا‬
  ‫الوعي الباب المؤدي إلى التجربة الروحية المختبرة والمباشرة لوعي‬




                                ‫81‬
  ‫الزماني هو وعي ديناميكي، نقي ولطيف تعززه اإللهة-الحكمة التي‬
    ‫تسكن داخل كل فكرة واعية، وكل حركة واعية وكل إدراك واع.‬
                                                       ‫يتجل‬
  ‫َّى الكون في كل ظاهرة وهو ينبض بالحياة ضمن وحدة أو كلية‬
                   ‫الحقيقة-األم-الحكمة التي تنعم في غبطتها. وتتجل‬
‫َّى هذه اإللهة-الحكمة‬
                  ‫كل‬
       ‫في كل األحداث، واألنماط، والمعاني، وتشمل ِّية الحضارات‬
‫واألديان التي تعبر الحدود الحضارية التي تتضمن فيها. وهكذا، تظهر‬
                                    ‫سر‬
  ‫جميع األشكال وتختفي ضمن َّانية الالشكلية لألم-الحكمة. ويعتبر‬
                                      ‫ج‬
‫االنفتاح إلى سرانيتها ولو ًا إلى نطاق البصيرة السامية التي هي فجر‬
       ‫يت‬
     ‫اإلستنارة، أي اليقظة التي تضع نهاية لواقع الثنائية. وهكذا، َّحد‬
                              ‫شكلها وكل شكل آخر في ظلمة مشعة.‬
                              ‫تر‬        ‫م‬
   ‫في ذروة هذه التجربة ال ُلهمة، ُد َك األم-الحكمة وحدها في، ومن‬
                   ‫ر ض‬           ‫ير‬
 ‫خالل، كل كشف أو ظهور، و ُد َك المد َك أي ًا. وفي هذه التجربة‬
                                                      ‫م‬
   ‫الروحية ال ُختبرة، يتعامل اإلنسان مع قدرة اإللهة-الحكمة، ويعاين‬
                ‫االنسجام الذي يؤلف جميع األشياء في تكامل الوحدة.‬
                                                           ‫ث‬
                      ‫ثال ًا: أشكال صوفيا-الحكمة، أو هندسة الروح‬
      ‫تستتر صوفيا، إلهة الحكمة، في الطبيعة. ومع ذلك، يبحث عنها‬
                                                  ‫ب‬
      ‫الفالسفة، محّو الحكمة، خارج الطبيعة، ويتحدثون عن المفاهيم‬
      ‫الروحية المقدسة في األمور أو األشياء المألوفة. ويعتبر بعضهم‬
                          ‫ص‬
  ‫صوفيا الحكمة المقدسة، ويجعلونها تشخي ًا لعملية كونية أو لنموذج‬


                                ‫91‬
                            ‫ر‬
    ‫بدئي. وفي هذه الحالة، تكون صوفيا انتشا ًا للحكمة والذكاء القدسي،‬
       ‫أو العقل اإللهي في عالم المادة. ويعتبر بعضهم حضور صوفيا-‬
    ‫الحكمة في كل معلم أو ظاهرة من ظاهرات أو معالم حياتنا. وهكذا،‬
     ‫نعلم أن صوفيا-الحكمة حاضرة على نحو دائم، وتحثنا لكي نكتشف‬
    ‫حكمتها الكامنة في األشكال عامة، وتضمين القيمة والمعنى في حياتنا‬
‫وفي العالم. ولما كانت األرض موطن اإلنسان، وكان حضور صوفيا-‬
         ‫الحكمة ضرورة تالزمنا لنعود بها إلى نطاق حكمتها، وجمالها،‬
    ‫ونظامها، فإن واجبنا يقضي بتحقيق هذه الضرورة الطبيعية والكونية‬
                                                          ‫واإلنسانية.‬
‫تعتبر الهندسة المقدسة، أي العلم الروحي القديم الذي يسعى إلى معرفة‬
 ‫معنى األشكال - المربع، الدائرة، المثلث، المكعب، الصليب، الـ ‪،PI‬‬
                             ‫م‬         ‫ر‬                    ‫والجس‬
               ‫ِّم كثير السطوح - مظه ًا أو معل ًا لحكمة صوفيا.‬




‫و‬
‫هكذا، تكمن صوفيا-الحكمة على نحو ميثاق أو تصميم، وتستتر حولنا‬
‫على نحو أنماط بدئية أو على نحو هندسة روحية. وتعتبر هذه الهندسة‬
                   ‫ب‬
‫المعنى المضمون والمختبر لألنماط الهندسية والُنى التي نجدها في كل‬



                                 ‫02‬
    ‫مكان أو في كل شيء داخل التكوين األرضي. لذا، كانت األشكال‬
                              ‫تمث ة‬
‫والعالقات الماثلة في الهندسة ِّل لغ ً رمزية للنفس، ولألنماط البدئية‬
 ‫التي تحدث عنها يونغ وعلم الفلك، أي علم األسترولوجي في مفهومه‬
  ‫القديم. وفي هذه الثالثة، ندرك كيف نفكر على نحو رمزي. وعندما‬
                                                             ‫نتعم‬
 ‫َّق في دراسة فكر يونغ، ندرك كيف تتماثل األنماط البدئية الماثلة‬
‫في األم-الحكمة، والبطل، والطفل اإللهي، والرجل المسن الحكيم. لذا،‬
                   ‫نجد داخل أو ضمن ديناميكية األسترولوجيا السجل‬
   ‫َّ األعظم لأللجبرا‬
   ‫نمي‬
  ‫‪ ،algebra‬أي عالم جبر الحياة. وباإلضافة إلى ذلك، نستطيع أن ِّز‬
   ‫في باطن ديناميكية األسترولوجي لغة وصفية بدئية لجميع العمليات‬
   ‫النفسية داخل اإلنسان. وتعتبر هذه اللغة خريطة تظهر كيف يتعامل‬
 ‫الناس مع عملية الحياة المتطورة عبر التجربة المختبرة. وهكذا، نعلم‬
  ‫أنها لغة رمزية تحتضن جميع العمليات التطورية الماثلة في األنماط‬
‫البدئية. وباإلضافة إلى ذلك، نختبر الهندسة داخل أنفسنا بوصفها حكمة‬
 ‫رمزية هي مورفولوجيا التصورات التي هي، بدورها، أشكال الحكمة‬
                    ‫ق‬
  ‫ذاتها. لذا، نجد خلف كل ظاهرة فيزيائية، انطال ًا من البللورات إلى‬
                      ‫ي‬      ‫ن‬        ‫د‬
                    ‫الزهور واألشكال األكثر تعقي ًا، تضمي ًا روح ًا.‬




                               ‫12‬
                                                    ‫هكذا، تتوس‬
‫َّط صوفيا-الحكمة بين عالم الخارج وعالم الداخل، أي، كما‬
        ‫توح‬
     ‫يقول يونغ، بين محور األنا والنفس. وباإلضافة إلى ذلك، ِّدنا‬
‫صوفيا-الحكمة مع العالم. والحق، إن تجربتنا الروحية المختبرة إلعادة‬
          ‫س‬         ‫ر‬
 ‫توحيد العالمين، الخارجي والداخلي، تعتبر مصد ًا أو أسا ًا للبصيرة‬
  ‫والغبطة. وفي هذه الحالة، تساعدنا على فهم العالم على نحو أفضل.‬
‫وعندما ندرك أن صوفيا-الحكمة هي الزميلة التي تساعد األلوهة على‬
                     ‫كو‬
    ‫مثولها في العالم، ندرك، في الوقت ذاته، أنها َّنت العالم المادي،‬
‫وهندسته على النحو الذي يشير إلى تضمين العقل اإللهي في األشكال.‬
     ‫عندئذ، استترت صوفيا في المادة وكأنها نقاط من النور، وتركت‬
‫آثارها في كل مكان. وبعد ذلك، أبدع اهلل اإلنسانية لكي تكتمل صوفيا-‬
  ‫الحكمة في وحدتها من جديد، ولكي نكتشفها من جديد ونتذكرها. لذا،‬
                           ‫م‬
  ‫تستتر صوفيا في كل ذرة وكل خلية تما ًا كما تستتر على نحو إلهام‬
              ‫ُّر أو التخف‬
‫ِّي أبدعت صوفيا–‬        ‫ورؤيا في داخلنا، هي بصيرة. وبهذا التست‬
  ‫الحكمة أشكال الهندسة كبداءة ألوضاعنا أو أحوالنا النفسية، وكشيء‬
                                 ‫يمكننا أن نراه في الواقع، ونختبره.‬



                               ‫22‬
    ‫في هذا المنظور، نعلم أن الطبيعة تستتر، في غموضها، ضمن أو‬
   ‫داخل أنماط هندسية سابقة لوجودها، وبواسطة صوفيا-الحكمة التي‬
                                             ‫وكو‬     ‫وشك‬
   ‫حاكتها، َّلتها، َّنتها بإبداع، بخيوط شبكتها. وعندما نكتشفها،‬
       ‫يستعيد العالم نظامه الحافل بالقيمة والمعنى، ونتجاوز، عبر هذا‬
   ‫الكشف، مفهوم الفوضى والعماء. وعندما نكتشف الدالئل الماثلة في‬
  ‫صوفيا-الحكمة، نعلم أننا قد حصلنا على البراهين األولية التي تؤكد‬
 ‫وجود أو حضور النظام اإللهي. لذا، كانت المشاكل التي نصادفها في‬
‫عصرنا الحالي، سواء أكانت مشاكل فردية أم حضارية، نتيجة إلقصاء‬
   ‫صوفيا-الحكمة عن العلم، وإقصاء األسترولوجيا عن األسترونوميا،‬
‫والهندسة عن الرياضيات، والمعنى الباطني لألشياء عن ظاهرها. هذا،‬
  ‫ألننا، في حياتنا، نفقد المعنى المضمون في التفكير الرمزي كما نفقد‬
      ‫العملية التطورية المستترة. ولقد تحولت مفاهيمنا وتصوراتنا إلى‬
    ‫أقطاب متصارعة أو متنازعة. والحق، إن نسياننا لصوفيا-الحكمة‬
                                                                ‫كل‬
 ‫َّف البشرية الكثير من المعاناة واأللم، األمر الذي أوقع الخالف بين‬
  ‫الرجل والمرأة، هذا الخالف الذي أدى إلى سيطرة الذكورة واستبعاد‬
                                                    ‫الحكمة-األنثى.‬
       ‫في هذا السياق، نحتاج إلى إعادة النظر لكي نستعيد التضمينات‬
‫المستترة والكامنة داخل هذه الرموز الفيزيائية، والهندسية، والرياضية.‬
              ‫ً‬
    ‫لذا، كان البحث عن أنماط صوفيا-الحكمة البدئية ماثال في الحكمة‬


                               ‫32‬
       ‫المقدسة، أي اإللهية الكامنة في كل إنسان وفي المبدأ المتضم‬
   ‫َّن في‬
‫اإلبداع الفيزيائي والهندسي للكون. لذا، تعلمنا صوفيا-الحكمة، وتلهمنا‬
                                             ‫سر‬
   ‫عندما نكتشف ِّها، وتؤكد وجودها أو حضورها لنا عبر أقطابها‬
    ‫المتقابلة، والمتكاملة، والمتوافقة. لذا، تعتبر صوفيا-الحكمة المعز‬
  ‫ِّي،‬
         ‫م‬
‫والروح القدس، والمرشد الداخلي والوجه األنثوي للحدْس ال ُرسل إلينا‬
                                         ‫منظ‬
          ‫ليؤكد لنا أن العالم َّم، وجميل، وحكيم، ويستحق محبتنا.‬
   ‫في هذه الحالة، يتماثل اكتشاف صوفيا-الحكمة المختبئة في الطبيعة‬
‫والمستترة فيها مع إطالق سراح الروح السجينة في المادة، أو ما أشار‬
                ‫إليه الخيميائيون القدامى ودعوه "الحمامة في الحجر".‬




                           ‫الحمامة في الحجر‬

     ‫وهذا يعني أن صوفيا-الحكمة كانت، في قديم الزمان، ترمز إلى‬
         ‫ء‬
     ‫الحمامة البيضاء الماثلة في الروح القدس، أي بوصفها جز ًا من‬
       ‫الثالوث المقدس، وكانت، في الوقت ذاته، ترمز إلى التحرر أو‬
    ‫االنعتاق من "حجر" المادة بالمحبة التي هي الصفة الرمزية للمحبة‬
                                                             ‫المخل‬
                                                          ‫ِّصة.‬



                                 ‫42‬
    ‫ز‬
   ‫عندما نتأمل الدائرة، ندرك أن فراغها كان يعتبر، منذ القديم، رم ًا‬
                                                    ‫للروح الالمتجس‬
‫ِّدة أو الالظاهرية، أي وجه اهلل، أو الشمس الداخلية، أو‬
           ‫نتفح‬                                     ‫القي‬
    ‫اللؤلؤة ِّمة، أو المركز األبدي في داخلنا. وعندما َّص حقيقة‬
‫الدائرة، ندرك أنه يمكننا أن نفترض أننا نرى المساحة المحتواة ضمنها‬
             ‫ت‬
      ‫أو داخلها، لكننا، مع ذلك، نعرف أن مساحة الدائرة ال ُحد، وال‬
             ‫سر‬                                     ‫ت‬         ‫ت‬
 ‫ُحسب، وال ُدرك. وهذا يعني أنها مجهولة. هذا، ألن َّانية الـ"‪"PI‬‬
      ‫ت‬
‫تحول دون هذه المعرفة. وفي الهندسة، تعتبر الـ"‪ "PI‬معادلة ُظهر أو‬
                                                           ‫تعي‬
   ‫ِّن نسبة محيط الدائرة لقطرها. وقد أغضب هذا األمر الرياضيين‬
‫لعصور مديدة. وفي الوقت الحاضر، استطاعت الحواسب أن تبلغ، في‬
  ‫حسابها، ماليين األرقام العشرية. وهذا يعني أن هذا الرقم ال نهائي،‬
   ‫ويعني، أكثر من ذلك، بأننا ال نستطيع أن نقيس كل شيء ونشرحه،‬
  ‫إنما نستطيع أن نقارب حقيقة الشيء. وهكذا، تكون الدائرة الفارغة،‬
           ‫م‬                           ‫ي‬      ‫ز‬
 ‫من خالل الـ"‪ "PI‬رم ًا مرئ ًا لالمعلوم أي للمجهول، تما ًا كما تكون‬
                                                ‫ي‬      ‫ز‬
 ‫النفس رم ًا مرئ ًا للمجهول. وبالتالي، تجعلنا صوفيا-الحكمة نتواضع‬
            ‫ز سر ي ر‬
 ‫إزاء هذا األمر. وهكذا، يعتبر الـ"‪ "PI‬رم ًا َّان ًا قاد ًا على تحقيق‬
             ‫ب‬
    ‫انفتاح بصيرتنا. والحق، إن صوفيا-الحكمة تفتح لنا با ًا ندخل من‬
                             ‫سر‬            ‫ق‬
       ‫خالله، أو تشق لنا طري ًا نعبره إلى َّانية النفس المجهولة أو‬
                                                         ‫الالمعلومة.‬




                                ‫52‬
    ‫عندما نضع نقطة في وسط الدائرة، نعلم أنها تشكل نقطة اإلدراك‬
                       ‫نمد ط‬
  ‫وبداية الكشف لعالم الروح. وعندما ُّ خ ًا من محيط الدائرة إلى‬
 ‫النقطة، نعلم أننا نحصل على نصف قطر هو رمز هندسي يشير إلى‬
  ‫طريقة أو كيفية اتصال الشخصية، أو األنا مع النفس. وهكذا، تدور‬
                                        ‫األنا على نحو لولبي‬
 ‫ٍّ حول محيط الدائرة، أي على طول محيط كلية‬
‫النفس، وهي تسعى جاهدة في بحثها عن اإلستنارة، بمعنى أنها تبحث‬
  ‫عن النقطة المركزية. هكذا، نعلم أن حياة األنا تتمثل في استمرارية‬
   ‫البحث، أي في استمرارية الدوران في دائرة، ومحاولة تقييم آالف‬
 ‫آالف األشياء في العالم الظاهري، إنما تعجز عن ذلك. وفي الواقع،‬
  ‫يصيبنا التعب من هذا الدوران الذي ال ينتهي، ونشعر، نتيجة لذلك،‬
                        ‫ذ‬
   ‫بالضياع والمعاناة من أزمة نفسية. عندئ ٍ، ندرك أن واجبنا يقضي‬
  ‫بالدخول إلى المركز أو الوسط الذي هو نصف القطر، أي الطريق‬
‫الوحيد الذي تعبره األنا التي تعاني من الدوران حول المحيط. وهكذا،‬
 ‫يكون نصف القطر الطريق الوحيد الممتد من األنا إلى المحيط، إلى‬
               ‫الضيف اإللهي أي النفس المتأللئة باإلشراق والضياء.‬
                              ‫م‬        ‫د‬      ‫ط‬
     ‫يعتبر نصف القطر خ ًا فري ًا مستقي ًا، والبعد األول الناتج عن‬
                          ‫ال ق‬            ‫ن‬
   ‫االمتداد. وكذلك، يعتبر برها ًا أو دلي ً عمي ًا للثنائية التي تختبرها‬
‫األنا. ويمثل هذا الخط الطول المجرد من العرض، والمسافة األقصر‬
                                                          ‫بين نقطتين.‬


                                ‫62‬
                   ‫1 ــــــــــــ 2‬
  ‫إنه خط يقسم الواحد إلى اثنين. ويتضمن هذا الخط القسمة، واآلخر،‬
 ‫واألقطاب المتقابلة، والسماء واألرض، والداخل والخارج. ومع ذلك،‬
              ‫م‬
    ‫يجذبنا الخط المستقيم إلى أكثر المسائل الجدلية اهتما ًا في عصرنا‬
             ‫تجن‬
    ‫الحديث، أال وهي قضية العالقة الوثيقة التي ال يمكننا ُّبها. وإذا‬
  ‫اقتضى األمر ظهور نصف القطر في امتداده أو الكشف، فإنما يجب‬
                ‫ب‬
‫عليه أن يضحي ببراءة النفس في سبيل عالم يسوده الُعد والثنائية حيث‬
         ‫سل‬
     ‫يهيمن األلم. ويالزم الخط الزمان الخطي الذي هو مجرد َّم من‬
  ‫المراتب والشاكرات. والحق، إن المراكز الروحية الداخلية، المدعوة‬
                                          ‫ي‬
    ‫"شاكرا"، مرتبة عمود ًا على نحو متجاور للعمود الفقري بحيث أن‬
                                                   ‫كل‬
 ‫كليهما يمثالن ِّية الوظائف العليا المتكاملة للوعي. وفي هذا التجاور‬
                                                         ‫ي‬
 ‫والتكامل، ُلغى االنفصال، وتسود العالقة الودية المتداخلة. لذا، نقول:‬
                                      ‫تنتظرنا صوفيا-الحكمة المعز‬
       ‫ِّية والمحبة على الجسر القائم بين‬
                            ‫األقطاب لكي ترشدنا إلى مسكننا الحقيقي.‬
                            ‫ر‬
    ‫في هذا المنظور، يعتبر الصليب جس ًا يصل بين أقطاب. ويحدثنا‬
                                       ‫ص‬
    ‫المبدأ اإليزوتيري كيف ُلبت الروح اإلنسانية على صليب المادة‬
                  ‫الثنائي المصنوع من محورين هما الزمان والمكان.‬
                                     ‫ويعتبر الخط العمودي ذكر ًا وخالق‬
    ‫َّ ًا بينما يعتبر الخط األفقي أنثويًا‬   ‫ي‬
                                                    ‫و‬         ‫ي‬
      ‫ومتلق ًا على نح ٍ يمثل الخطان فيه ثنائية الكيان اإلنساني المميز‬


                                ‫72‬
                           ‫ب‬
  ‫بمعلمي الذكورة واألنوثة. ولكونهما صلي ًا، يمثالن، في الوقت ذاته،‬
    ‫العالقة الوثيقة بين هذين المعلمين. وهكذا، يعتبر الصليب أحد أقدم‬
  ‫ً‬
 ‫الرموز الهندسية التي عرفتها شعوب البشرية. ولم يكن الصليب رمزا‬
                                                         ‫ص‬
    ‫خا ًا بالمسيحية وحدها. لقد عرفته شعوب غنوصية أو إيزوتيرية‬
                     ‫ر‬
    ‫عديدة. ويمثل أحد أسراره في كون المكعب تعبي ًا ثالثي البعد له،‬
                                                          ‫م‬
 ‫تما ًا كما يكون الشكل كثير السطوح أحد أسراره المتالزم، على نحو‬
     ‫أبدي، مع المادة، ومع عنصر التراب على نحو خاص. وتبدو لنا‬
 ‫الدهشة الصوفية-الحكيمة عندما تنفتح السطوح الست للمكعب لتصبح‬
                                                             ‫ن‬
                                ‫مكا ًا يتميز ببعدين يشكالن الصليب.‬




            ‫يهبنا هذا األمر المعادالت والصيغ الرمزية للمادة، والتجس‬
 ‫ُّد، والعالقة‬
               ‫ف‬      ‫ب‬
‫الوثيقة، أي عملية الصلب. ومتى صنعنا مكع ًا مؤل ًا من سبع وعشرين‬
                                                        ‫ب‬
 ‫مكع ًا، نجد أن المكعب السابع والعشرين يشغل مركز الوسط، ويكون‬
‫في تماس مع كل مكعب آخر في المجموعة. وبالنسبة لصوفيا-الحكمة،‬
       ‫نسأل: ما هو التضمين الروحي لهذا الواقع الهندسي؟ وعن هذا‬
         ‫ر‬
     ‫السؤال، نجيب: يعتبر المكعب المركزي، مثل النفس، حاض ًا في‬
                         ‫ف‬
   ‫العالم الثالثي البعد. ومع ذلك، يبقى مختل ًا وغير مرئي. وهنا تكمن‬


                                ‫82‬
                                 ‫النفس مطمئنة في مركز المكع‬
    ‫َّب أو في صليب المادة أو في وسط‬
                  ‫ر‬       ‫ض ر ي‬
      ‫حياتنا، وتذكرنا بأنها تمتلك أي ًا زائ ًا إله ًا مستت ًا داخل الجسد‬
                                                                ‫المادي.‬
       ‫في هذا المنظور، نسأل: كيف يمكننا أن نتسامى بثنائية الصليب‬
‫المصنوع من خطين متقاطعين؟ ومن جانبنا، نجيب: إننا نتسامى بقدرة‬
                               ‫و‬
      ‫أو سلطة الثالثة، أي المثلث على نح ٍ تكون فيه األنا معلقة على‬
    ‫القطبين المتقابلين والعائدين لهذا العالم الثنائي من أجل تحقيق حياة‬
  ‫عزيزة وجليلة. ولكن، عندما ننظر إلى األعلى من نقطة تالقي الخط‬
  ‫ال‬
  ‫األفقي مع الخط العمودي لنرى قمة الصليب، نتخيل بأننا ننشئ شك ً‬
   ‫ينطوي فيه خطان: أحدهما للهندسة، أي المكان المنطوي إذ نستعمل‬
     ‫ثالثة خطوط فقط تمثل المثلث. وعندئذ، ندهش لما يحدث في هذا‬
 ‫المضمار، وندرك أن التفسير النفسي لهذه البنية الهندسية البسيطة هو‬
  ‫ما اصطلح يونغ على تسميته "الوظيفة المتعالية" التي تشير إلى اتحاد‬
      ‫األقطاب المتقابلة. وهكذا، نعلم كيف ينغلق وينفتح كل قطب على‬
‫اآلخر، أي كيف ينفتح الوعي والالوعي على بعضهما في حوار مماثل‬
  ‫ئ ث ي‬                       ‫ر ي‬         ‫ت‬
‫لمناقشة تبدو وكأنها مجابهة ُحدث توت ًا ُحدث، بدوره، شي ًا ثال ًا ح ًا.‬
       ‫وتعتبر هذه العملية حركة تخرج عن نطاق التعطيل المؤقت بين‬
                    ‫ي‬        ‫ا‬
      ‫األقطاب المتعارضة لتبلغ مستوى جديدً للكيان ُعرف بأنه تأليف‬
                                         ‫جديد. ويتحقق الحل‬
 ‫ُّ المناسب عندما ندرك الموضوع من مستوى آخر‬


                                  ‫92‬
  ‫أو من بعد آخر. وهكذا، تتوسط صوفيا-الحكمة، الماثلة في الحدس،‬
      ‫بين تعارضات األنا، وترفعها نحو النفس نتيجة لتحرير البصيرة‬
             ‫الروحية من التجربة. وبهذه الطريقة تنمو حكمتنا وتزداد.‬
                              ‫عندما تذكر كلمة "ننمو" نعلم أننا نضم‬
      ‫ِّن الرقم الذهبي الذي يمثل‬
    ‫ال‬                                               ‫كلي‬
 ‫المبادئ َّة الحضور والماثلة في الطبيعة، األمر الذي يجعل ك ً من‬
                          ‫ن‬
  ‫الحركة، والتطور والتعديل المستمر ممك ًا. وهكذا، نجد ‪ ،phi‬بوصفه‬
                     ‫ق‬
   ‫الميزة الظاهرة للتصميم، في كل شيء انطال ًا من أصغر الجزئيات‬
 ‫ً‬        ‫ح‬
‫انفتا ًا أو تفتحا‬   ‫‪phi‬‬      ‫ت‬
                          ‫إلى اإلنسان. وفي وفاق مع الشكل الهندسي، ُبدع‬
         ‫سلسلة مضافة. وتعكس كال‬           ‫‪phi‬‬                         ‫ي‬
                                                ‫لولب ًا. وفي الرياضيات، تبدع‬
                      ‫وهي تتطور وتنمو.‬          ‫‪phi‬‬   ‫السلسلتين المتعاقبتين نسبة‬
  ‫تعتبر هذه النسبة أكثر األمور روعة في أسرار الهندسة اإللهية. إنها‬
                       ‫ي‬       ‫د‬
   ‫اتساع يحقق فيه عقل اإلنسان تجري ًا رياض ًا يتكامل مع قانون من‬
    ‫قوانين الطبيعة ويتوافق معه، أي يتطابق معه. وهكذا، يحتل الرقم‬
‫الذهبي الذروة األعلى في الهندسة والرائعة المثلى. وهكذا، نعلم أن اهلل‬
             ‫ي‬                                    ‫ض‬
 ‫يهندس. وتؤكد أي ًا أن قيمة الرمزية تقبل البرهان هندس ًا. وبالتالي،‬
 ‫يمكننا أن نقول: يمكن للرمز أن يؤدي إلى حقيقة تستطيع، عن طريق‬
‫االمتداد والتوسع، أن تؤدي بنا إلى حقيقة أسمى وأعظم. وبالمثل، يمثل‬
                                         ‫التجل‬
        ‫ِّي اإللهي األبدي لإلنسان في عالمنا‬               ‫‪phi‬‬   ‫رمز هندسي مثل‬
                           ‫األرضي، ويظهر عظمة وسمو صوفيا-الحكمة.‬


                                     ‫03‬
                                 ‫تجل‬
‫في العالم القديم، شبه الحكماء ِّي صوفيا أو ظهورها بتربيع الدائرة.‬
‫ويعد هذا التربيع الحل األقصى واألسمى للتعارضات الثنائية لسبب هو‬
   ‫أنه يستحيل علينا، على نحو تقني، أن تجعل من المربع دائرة. ومع‬
  ‫ذلك، يجب أن نأخذ هذا األمر بمعناه الرمزي لنعلم أن الدائرة ترمز‬
    ‫إلى الروح والنفس، بينما يرمز المربع أو المكعب إلى المادة وإلى‬
   ‫األنا. لذا، كانت عملية تربيع الدائرة تمثل العملية المستمرة للكشف‬
                                               ‫والظهور، وللتجس‬
                                    ‫ُّد والتشخيص.‬
 ‫في لغة علم نفس األعماق اليونغي، تدعى معالم انسجام وتكامل جميع‬
   ‫معالم النفس محيط الدائرة. ويوصف نصف القطر وكل التناقضات‬
 ‫والتعارضات بالتفرد أي التشخيص الذي يشير إلى عدم االنقسام. لذا،‬
          ‫ع‬
    ‫يكون تحقيق النفس، أي التشخيص وعدم االنقسام، مشرو ًا طويل‬
           ‫األمد. ويمثل هذا المشروع ثيولوجيا الروح، أي الغاية السر‬
‫َّانية لكوننا‬
                           ‫أحياء. وعندما ِّه تربيع الدائرة بالتجس‬
    ‫ُّد أو التشخيص، نعلم أننا‬                    ‫نشب‬
                            ‫نهدف إلى ُّل بصيرة عميقة فينا. ويشب‬
  ‫َّه هذا التمثل باإلنسان الذي‬                      ‫تمث‬
                                  ‫د‬
  ‫لبس الجسد المادي ويسعى جاه ًا إلى تجاوز المربع أو المكعب لكي‬



                               ‫13‬
                                                            ‫يت‬
  ‫َّسع إلى كلية النفس نتيجة لزيادة سطوح إضافية إلى شكله المكعب‬
  ‫األصلي. وعلى هذا األساس، يتطور وينمو نتيجة لتتابع الشكل كثير‬
‫السطوح النظامي حتى يبلغ المرحلة المعقدة لإلثنى عشر في السطوح،‬
                               ‫ه‬
  ‫أي الشكل ذا المئة وعشرين وج ًا أو سطحًا. وكلما أضاف سطوحًا‬
   ‫خالل عملية التشخيص، يقترب المكعب من الكمال الدائري للنفس،‬
         ‫ي‬                                                   ‫ب‬
    ‫وير ِّعه على نحو تقريبي. وعندئذ، يصبح الفرد بكامله إنسان ًا قدر‬
  ‫تجسد‬             ‫اإلمكان - اهلل يصبح إنسا ًا. وهكذا، يكون التفر‬
‫ُّد أو التشخيص ُّ ًا،‬                  ‫ن‬
                                                        ‫ط‬
   ‫أي هبو ًا إلى الجسد وإلى العالم الظاهري. في هذا المنظور، نعلم‬
                   ‫كيف هبطت صوفيا إلى عالم المادة واستترت فيه.‬
 ‫ال يعنى اإلنسان بقضية ما إن كانت الدائرة تتحول بكاملها إلى مربع،‬
     ‫وال يجعل منها قضية شبيهة بـ ‪ .pi‬إن اهتمام اإلنسان يكمن في‬
      ‫العملية التطورية النامية على نحو دائم. ومتى تأمل اإلنسان هذه‬
    ‫َّر وكأنه كائن في مركز هندباء برية مرص‬
  ‫َّعة‬                                  ‫القضية الصعبة، تصو‬
                                 ‫ف النف‬
     ‫بالجواهر وهي في مرحلة ال ُطر َّاث. هذا، ألن الهندباء البرية‬
                      ‫معل‬                     ‫ي‬       ‫ه‬
‫تعتبر وج ًا طبيع ًا لصوفيا-الحكمة. إنها ِّمة حافلة بالعجائب - هي‬
                                                            ‫ق‬
      ‫ُرص ذهبي من األشياء في مرحلة معينة ودائرة كاملة وممتلئة‬
   ‫ز‬
  ‫بأنصاف قطر بيضاء مضيئة في مرحلة أخرى. وهكذا، تعتبر رم ًا‬
                                            ‫ح ًا وكام ً بالنسبة للسر‬
   ‫َّانية العظمى الكائنة في مركز الخليقة؛ إنها‬           ‫ال‬      ‫ي‬
                               ‫المحبة المضيئة بقوة الروح المشرقة.‬


                               ‫23‬
‫هذه هي البصيرة التي تسعى صوفيا-الحكمة أن تلهمنا إلى ما النهاية.‬
  ‫وفي الواقع، تتمثل هذه المحبة بتأكيدنا الودي، وتصميمنا على محبة‬
  ‫العالم المادي ومحبة أسرار حكمته التي تساعدنا على تحرير حمامة‬
 ‫صوفيا من حجارة العالم - أن نكون في العالم، وال نكون فيه. وبجهد‬
                                   ‫ُحب‬
‫بسيط، نعاين العالم بعين م َّة، ونستطيع أن نعاين صوفيا-الحكمة في‬
   ‫ظهورها، وجمالها المشرق، ونعود بروح العالم إلى حياتها المؤهلة‬
   ‫بيننا. والحق، إن اكتشاف هذا الواقع الكامن بعمق في الطبيعة وفينا‬
                                                          ‫ء‬
‫يعتبر جز ًا من انبثاق جديد للمبدأ األنثوي في هذه الفترة الزمنية. وإن‬
  ‫عودة صوفيا-الحكمة المنبثقة في كل مكان، يعتبر قضية هامة. ولقد‬
    ‫تنبأ بعض حكماء الماضي بحلول عصر جديد يتمثل بعصر الروح‬
   ‫القدس. والحق، إن هذا العصر هو عصر صوفيا-الحكمة، أي حين‬
                               ‫أوح‬
   ‫تعلن صوفيا مبدأها التالي "إني ِّد جميع األشياء". وهكذا، تصبح‬
    ‫صوفيا-الحكمة حاملة األلوهة، أي األم الداخلية للطفل اإللهي، أي‬
                                                   ‫النفس المتجس‬
‫ِّدة أو المشخصة في داخلنا. وتساعدنا صوفيا على الوالدة‬
‫من جديد، من خالل الروح، في العالم. وفي هذا العالم الجديد، أي في‬
  ‫الوالدة الجديدة، تساعدنا صوفيا على معاينة األشكال الطبيعية للروح‬
                             ‫اإلنسانية في األشكال الهندسية الطبيعية.‬
                                                           ‫صديقي،‬




                                ‫33‬
‫أود قبل البدء ببحث موضوع تكامل المادة والروح في العلم والحكمة،‬
                                      ‫سر‬
            ‫أن أتحدث عن الحكمة في َّانيتها وعلنيتها، في شمولها‬
            ‫وخصوصيتها، ضمن نطاقات ثالثة متصلة في جوهرها:‬
                                                            ‫ال‬
   ‫أو ً الحكمة اإللهية: هي الحكمة الجوهرية والكونية المستغرقة في‬
            ‫الكل‬
 ‫ذاتها - أي في سكينة األبدية والسرمدية؛ هي الحكمة ِّية والشاملة‬
‫التي تتخلل الوجود وتثبت فيه على نحو حضور، دون تعيين أو تحديد؛‬
  ‫هي الحكمة التي ندعوها الحكمة الحقيقية السامية أو الوعي الكوني؛‬
                                 ‫هي الحكمة التي ندعوها ثيوصوفيا.‬
                            ‫تمي‬                                ‫ي‬
   ‫ثان ًا الحكمة البدئية: هي الحكمة التي َّز بها إنسان البدء، الكائن‬
 ‫الروحي الذي كان على اتصال وثيق مع الحكمة الكلية والكونية، هي‬
‫الحكمة التي يتصف بها الكائن اإلنساني-الروحي وهو يمارس اتصاله‬
    ‫بالواقع المادي لكي يحقق حضوره الروحي في العالم المادي؛ هي‬
‫الحكمة التي تشير إلى المعرفة من أجل المعرفة التي يختبرها اإلنسان‬
    ‫بالعلم الروحي؛ هي الحكمة التي ندعوها صوفيا؛ هي الحكمة التي‬
                                ‫ر‬
     ‫تشير إلى كون العالم المادي ظهو ًا للعالم الروحي، ويمارس فيه‬
                                             ‫اإلنسان سموه الروحي.‬
                                                            ‫ث‬
   ‫ثال ًا محبة الحكمة: هي الحكمة التي تميز بها اإلنسان بعد ممارسة‬
‫اتصاله بالواقع المادي؛ هي فعل العقل الذي يحب الحكمة وهو يمارس‬
   ‫تجربة وجوده في الواقع المادي عن طريق العقل؛ هي الحكمة التي‬


                               ‫43‬
‫تشير إلى المعرفة التي اختبرها اإلنسان البدئي بالعلم الذي ندعوه العلم‬
    ‫المادي؛ هي الحكمة العقلية التي ندعوها فيلوصوفيا؛ هي المستوى‬
     ‫الذي تراجعت فيه الحكمة عن عالقتها الوثيقة مع الحكمة اإللهية.‬
     ‫تشتمل الحكمة القديمة، أو البدئية-صوفيا، وهي تسعى إلى تحقيق‬
  ‫الحكمة اإللهية-ثيوصوفيا على مستوى الطبيعة، على المبادئ الثالثة‬
                                                                 ‫التالية:‬
‫1. تحقيق األخوة اإلنسانية ومحبة جميع الناس بمعزل عن عرقهم‬
                                        ‫أو لونهم أو عقيدتهم.‬
       ‫2. توحيد نطاقات الفكر اإلنساني في دراسة مقارنة للدين،‬
                                              ‫والفلسفة والعلم.‬
     ‫3. دراسة القوانين اإلنسانية والطبيعة والكونية، والولوج إلى‬
                         ‫تجل‬                       ‫سر‬
                     ‫َّانية حضورها وظهورها، أي ِّيها.‬
               ‫تبن‬                         ‫ر‬
 ‫يعد هذا البحث تعبي ًا عن وجهة نظر الحكمة التي َّت المبادئ التي‬
                              ‫نجدها في نصوص العالم القديم، وتتبن‬
‫َّى، في آن واحد، المبادئ الماثلة‬
        ‫وكل‬
‫في العلم الحديث. وتتمثل الحكمة القديمة في وعي شامل ِّي يتجاوز‬
  ‫التقليد السائد في العقائد الفئوية والمذهبية الخاصة، وذلك ألنها تعتمد‬
                             ‫الحكمة في مصادرها وأشكالها المتنوعة.‬
    ‫تؤمن الحكمة القديمة التي يدعوها بعضهم "ثيوصوفيا" بكل المبادئ‬
                      ‫يوح‬
‫السامية. وتسعى هذه الحكمة إلى تحقيق لقاء ِّد أبعاد الفكر اإلنساني‬


                                 ‫53‬
         ‫ومستويات تنوعاته دون الوقوف عند حدوده الضيقة وقواعده‬
    ‫تمث تجل‬
   ‫المشروطة. ولما كانت هذه الحكمة شاملة وكونية، فإنها ِّل ِّي‬
    ‫مبدأ الشمول والكل على مستوى عالم اإلنسان. ولئن كانت الحكمة‬
          ‫ء‬                             ‫تتمي‬
  ‫تتصف بالشمول، إنما َّز بخلفية تلقي، من خاللها، ضو ًا على ما‬
‫جاء في الفلسفات العديدة لتنتقي من مبادئها ما يتماثل أو ينسجم مع هذه‬
                                         ‫ت‬
 ‫الخلفية أو اللوحة التي ُرسم عليها صور اإلنسانية المشرقة. وفي هذا‬
 ‫المنظور، ندرك أن الحكمة ال تقف من أي مبدأ موقف الرفض الكلي،‬
                                 ‫ي‬          ‫ي‬      ‫ف‬
   ‫أو تقف منه موق ًا سلب ًا أو عدائ ًا. وعلى غير ذلك، تسعى إلى بناء‬
               ‫جسر بينها وبين الحكمة المنطوية في المبادئ األخرى.‬
‫في هذا السياق، ندرك الجانب الفلسفي-الروحي والعلمي للحكمة البدئية‬
              ‫ط‬                                          ‫تمي‬
 ‫التي َّز بها اإلنسان األول لدورنا الحالي الذي اص ُلح على تسميته‬
‫بـ"آدم". أما الجانب العلمي، النظري والواقعي فإننا ندركه في المبادئ‬
   ‫العقلية والمنطقية المتسامية التي يتحدث عنها العلماء-الحكماء الذين‬
 ‫بلغوا، في بحوثهم، تخوم الحكمة المضمونة في صدر الحقيقة الواحدة‬
  ‫الشاملة. وإن من يتعمق في دراسة هذه الفئة الواعية والحكيمة، يعلم‬
  ‫أنها تتجاوز العلوم المادية التي نجدها في بطون الكتب وفي البحوث‬
                                                            ‫الرائعة.‬
                                                               ‫ال‬
                                 ‫أو ً: الحكمة القديمة والعلم الحديث‬




                                ‫63‬
 ‫تبحث الحكمة البدئية في الموضوعات والقضايا المطروحة في نطاق‬
  ‫الفكر اإلنساني دون أن تتجاوز المستوى الذي بلغته العلوم التجريبية‬
‫المختبرة التي ندعوها العلم المادي. وإن هي تجاوزتها، فألنها تريد أن‬
‫تشير إلى أن المستوى الذي بلغته مبادئ الحكمة التي نجدها في تعاليم‬
  ‫الـ"ثيوصوفيا" أسمى بكثير من المستوى الذي بلغته المعرفة العلمية‬
             ‫متخل‬
  ‫المختبرة. فالعلوم الفيزيقية، في نظرها، ما زالت ِّفة عن معرفة‬
  ‫الحقيقة في جوهرها، وما زالت تتلمس سطوح المعرفة المنطوية في‬
‫الحكمة، وتدرك ظاهرتها فقط. وفي هذا التسامي والتجاوز، يتبوأ العلم‬
                               ‫الروحي، المنطوي في الحكمة والمعب‬
‫ِّر عنها، الصدارة. هذا، ألن العلم‬
‫الروحي يشير إلى أن المعرفة السامية والوعي الصافي ال يتحققان إال‬
     ‫بالحكمة التي تتجاوز التجربة الحسية -الحكمة التي تمثلها حكماء‬
   ‫الماضي، وتوصلوا، من خاللها، إلى معرفة أسرار الكون، والحياة‬
                                           ‫ح‬
                         ‫الطبيعية واإلنسان، وو ّدوها في كيان واحد.‬
‫يمكننا أن نقول: إن الحكمة القديمة ال تتنكر للنتائج الباهرة التي حققتها‬
          ‫العلوم الحديثة في أبحاثها األخيرة المتطورة. فقد عمد علماء‬
 ‫البيولوجيا، والفلك والفيزياء، في الفترة األخيرة، إلى إقامة تأليف بين‬
‫أبحاثهم واختباراتهم، وسعوا، بجهودهم المتواصلة في مراكز بحوثهم،‬
   ‫إلى تحقيق عالقة متداخلة بين هذه العلوم. وال شك أن التأليف الذي‬
              ‫وط‬                                      ‫ال‬
    ‫أحدث تكام ً بين هذه العلوم بلغ نطاق التوحيد. وقد َّد االعتقاد‬


                                 ‫73‬
 ‫واإليمان الراسخين بالوحدة الروحية-النفسية-الفيزيقية للكون. ويشير‬
  ‫تت‬
‫هذا التأليف إلى أننا سنجتاز عتبة أو مرحلة جديدة للحياة والوعي َّسم‬
 ‫بتالقي العلوم وتآلفها، وتتسامى على التشتت الذي أصابها في القرون‬
   ‫الماضية. ويعود الفضل لهذا التالقي إلى الجهود التي بذلها علماء-‬
     ‫حكماء عديدون في النطاقات الثالثة المذكورة. وفي سبيل تحقيق‬
                                                    ‫و‬
     ‫التأليف، ُضعت مؤلفات عديدة تبحث في النتائج التي اختبروها،‬
  ‫وحمل، على سبيل المثال، العناوين التالية: العلم والروحانية، الطاقة‬
                                                      ‫الحي‬
‫والمادة َّة، الطاقة والخصائص النفسية والعقلية للمادة، الروح، ذلك‬
‫المجهول، التأليف الجديد للمادة والعقل. وقد ساهم علماء-حكماء أفذاذ‬
                                       ‫في هذه الدراسات واألبحاث.‬
                                                             ‫دل‬
    ‫إن َّت هذه النتائج العلمية التأليفية على شيء، فإنما لتبرهن على‬
     ‫وجود حقيقة كونية واحدة تتجاوز الظاهرات كلها وتشملها في آن‬
 ‫واحد. وال يدهشنا أن نعلم أن هذه النتائج، التي توصل إليها العلماء-‬
                               ‫ن‬
    ‫الحكماء بعد جهد كبير استغرق قرو ًا عديدة، اتخذت، أثناءها، من‬
    ‫التجربة واالختبار طريقة للبرهان الذي يؤكد حضور حقيقة شاملة‬
 ‫وكلية، نجدها في مؤلفات الحكمة القديمة المتصلة بـ"الحكمة الكونية"‬
‫أو في تعاليم بعض الحكماء أمثال إخوان الصفا ومؤسسي هيكل دلفي،‬
                                               ‫بسر‬
      ‫الذين احتفظوا َّانية هذه العلوم، وعلموها لمريدين مختارين،‬
                       ‫أصبحوا، بدورهم، معلمين حكماء ومرشدين.‬


                               ‫83‬
  ‫في الوقت الحاضر، تبعث الحكمة القديمة مبادئها المكنونة، وعلومها‬
  ‫السرية السامية إلى الوجود، وتركز جهودها على دراسة كل حصيلة‬
 ‫علمية، وكل بحث اختبره العلماء في كل الحقول، وذلك لثالثة أسباب:‬
                                     ‫ط‬                     ‫ال‬
     ‫أو ً: هو أن هذا العصر قد ُبع بطابع البحث العلمي، والتجربة،‬
                          ‫يوح‬
    ‫واالختبار، والسعي إلى صياغة قانون ِّد جميع القوانين والقوى‬
                                            ‫بد‬
      ‫األربع الرئيسة. فال َّ، في هذه الحالة، من اعتماد طريقة علمية‬
                       ‫ومنطقية تضع الحكمة البدئية موضع االختبار.‬
                                                               ‫ي‬
‫ثان ًا: هو أن النتائج، التي توصل إلى تحقيقها العلماء-الحكماء، تتوافق‬
‫مع ما جاءت به كتب الحكمة القديمة ومبادئ المعلمين الحكماء الكبار.‬
                                              ‫ف‬
     ‫وهكذا، ال نجد اختال ًا بين العلم الروحي والعلم المادي، حتى ولو‬
                             ‫كانت األسبقية من نصيب العلم الروحي.‬
                                                               ‫ث‬
  ‫ثال ًا: هو أن العلماء-الحكماء الباحثين عن الحقيقة يسعون إلى معاينة‬
       ‫مبادئ الحكمة في تجاربهم واختباراتهم، األمر الذي يجعل العلم‬
                                                        ‫د‬
                                           ‫الحديث عو ًا إلى الحكمة.‬
    ‫نستدل، مما تقدم، أن الحكمة المضمونة في الحكمة الكونية، أو في‬
    ‫المؤسسات الفلسفية والعلمية التي تسعى إلى المعرفة الالمشروطة،‬
                                   ‫ل تتبن‬
‫وإلى الحقيقة السامية اّتي َّى الطرائق الكفيلة بشرح وتوضيح مبادئ‬
        ‫الحكمة القديمة وحقائقها. وتثابر هذه الحكمة في جهودها، على‬
 ‫المستوى العلمي والروحي، وتشدد على طرح قضية هامة على بساط‬


                                ‫93‬
     ‫البحث هي أن الروح والمادة قطبا كيان واحد على مستوى كوكب‬
‫األرض، وأن الدراسة العلمية المعمقة تعجز عن رؤية الكل أو اختباره‬
  ‫في الظاهر وحده، األمر الذي يشير إلى تقاعس التجربة الجزئية عن‬
   ‫معالجة الحقيقة الجوهرية بكليتها. وعلى غير ذلك، تستطيع الحكمة،‬
                                                  ‫م‬
‫وهي العلم ال ُختبر بمفهومه الروحي، والتي تبحث عن الكثرة المتنوعة‬
‫ضمن وحدة متكاملة، أن تشاهد الوحدة التي تؤلف هذه الكثرة الظاهرية‬
 ‫في األجزاء الفردية. أما العلم التجريبي الذي يبحث في الكثرة والتعدد‬
 ‫المتجزئ والمتنوع، فإنه يعجز عن تأليف أبعاد الكثرة في وحدة شاملة‬
    ‫وكلية. لذا، يؤكد العلم الروحي، الماثل في الحكمة، على أن الفرق‬
‫القائم بينه وبين العلم المادي، الممثل بالتجربة الحسية واإلدراكية، فرق‬
   ‫في الدرجة وليس في الجوهر. هذا، ألن الروح والمادة وجود واحد‬
                                       ‫تتدر‬                 ‫يت‬
              ‫َّصف بمراتب اهتزازية َّج من الكثافة إلى اللطافة.‬
                                          ‫ت‬
‫يمكننا أن نوجز ما أورد ُه أعاله، فأقول: إن العلم الروحي، وهو عملية‬
     ‫متنامية لوعي المادة، ال يبحث في وجود الجسد اإلنساني كظاهرة‬
    ‫واقعية فحسب، بل يدرسه على نحو وجود متصل بالكون. فالجسد‬
                      ‫وكلي‬                         ‫ي‬
      ‫اإلنساني ُدرس من حيث أنه حقيقة كونية َّة. وال تكتمل هذه‬
                       ‫الدراسة إال إذا وعينا الكل الكوني في اإلنسان.‬
                                      ‫يبدو لنا أن النتائج التي توص‬
‫َّل إلى معرفتها العلم الروحي تعتبر مذهلة‬
    ‫إذا قيست بالنتائج التي توصل إلى معرفتها العلم المادي. لذا، يقف‬


                                ‫04‬
                     ‫ز‬
    ‫الباحث من هذه النتائج عند مفترق طرق عاج ًا عن تبيان الطريق‬
‫الذي يوصله إلى الغاية المنشودة ما لم يركز تفكيره، ويحث طاقته على‬
  ‫الفعل وعقله على التأمل. وفي هذا المنظور، ال يكتمل كل علم منهما‬
 ‫إال باآلخر، وبالتأكيد، يكون الفشل حليف العلم المادي في حال عجزه‬
      ‫عن تصور الكل، أي وحدة الوجود الروحية، والنفسية، والعقلية،‬
  ‫والمادية. هذا، ألن الروح والمادة كيان واحد، وما الفرق بينهما غير‬
  ‫فرق في درجة االهتزاز. وبالمثل، يعتبر العلم الروحي والعلم المادي‬
                                                      ‫د‬      ‫م‬
‫عل ًا واح ًا، وما االختالف بينهما غير اختالف في الفهم والوعي. وفي‬
            ‫القديم، قالت الحكمة: كما في السماء، كذلك على األرض.‬
        ‫وتأك‬                                                 ‫أقر‬
 ‫َّ العلم المادي أن المادة طاقة في درجة اهتزاز معينة. َّد علماء‬
                    ‫ب‬
  ‫الفيزياء المحدثون، الذين يختبرون تجاربهم جن ًا إلى جنب مع علماء‬
        ‫الفلك والبيولوجيا، أن الجزيئات الدقيقة التي وجدوها في وسط‬
                                                    ‫د‬
‫النيوترون، و ُعيت نيوترينو، تتماثل مع األشعة التي تأتينا من مسافات‬
                                                     ‫د‬
      ‫بعيدة ج ًا. وبرزت حقيقة جديدة في هذه البحوث أشارت إلى أن‬
                                  ‫ض‬
 ‫االلكترونات السالبة هي أي ًا الكترونات موجبة. وبعد مخاض طويل‬
     ‫في هذه البحوث، أدرك العلماء أن هنالك، في أعماق المادة، مادة‬
  ‫أخرى هي مادة مضادة. وفي هذا المجال، يمكننا أن نسأل: ما طبيعة‬
                                                       ‫هذه المادة؟‬




                               ‫14‬
‫ثمة حقيقة واحدة ندعوها الطاقة. وال نخرج عن نطاق الحقيقة إن نحن‬
                                     ‫ح‬
       ‫دعونا هذه الطاقة حياة أو رو ًا. ولهذا، يؤكد العلماء-الحكماء‬
    ‫المحدثون وجود نفس شاملة وكونية، هي حياة، أو طاقة، أو وعي‬
‫كوني، أو روح واحدة للكون كله، فكأن للكون رئة واحدة يتنفس منها،‬
                                                        ‫ح‬
  ‫ورو ًا واحدة تحييه، وأعضاء واحدة تسري فيه حياة واحدة. والحق‬
 ‫إن الجوهر الثالثي للكون يشير إلى الروح والمادة والعالقة المتداخلة‬
 ‫والمتبادلة بينهما التي ندعوها النفس أو الحياة. ولقد أدى هذا المنظور‬
‫إلى وضع نهاية للنظرية اآللية التي تحدث عنها فالسفة وعلماء قدامى‬
       ‫جعلوا من الكون آلة ضخمة تتحرك أجزاؤها وفق نظام وتدبير‬
       ‫يصدران عن كيان أو مهندس يقع خارجها، يضبطها ويحركها.‬
                                                          ‫أحل‬
       ‫َّ علماء وحكماء وجهة النظر الديناميكية محل وجهة النظر‬
 ‫الميكانيكية-اآللية. ووفق وجهة النظر الديناميكية، تسري حياة واحدة‬
                                              ‫في الكون، وتتخل‬
‫َّل أجزاءه كلها، وتنبث في كل نقطة من نقاطه. ويرى‬
      ‫أنصار الديناميكية أن الروح-الحياة التي تنبث في الكون واحدة،‬
 ‫والطاقة التي تفعل فيه واحدة، والمادة التي نراها، ونلمسها ونحس بها‬
                                                            ‫ن‬
       ‫و ُجري تجاربنا عليها أو معها أو فيها ليست أكثر من تموجات‬
                                                      ‫معي‬
  ‫اهتزازية َّنة لهذه الطاقة، أو الحياة أو الروح، أو هي مجرد كثافة‬
                                                              ‫معي‬
                                ‫َّنة لها تتوافق مع مستوى كوكبنا.‬




                                ‫24‬
                                                 ‫يتجل‬
  ‫هكذا، َّى الكون في مستويات هي موجات اهتزازية وحقول طاقة‬
     ‫تمتد من األدنى إلى األعلى، من األكثر كثافة إلى األقل كثافة، أي‬
 ‫األكثر لطافة. وباإلضافة إلى ذلك، يعتقدون أن الكون البدئي هو، كما‬
                         ‫ي‬
       ‫يقول أحد العلماء-الحكماء، األبدية التي ُعتبر الزمان صورتها‬
                                                           ‫المتحركة.‬
                                                                ‫ي‬
                  ‫ثان ًا: التكامل أو الوحدة الضمنية لألقطاب المتقابلة‬
     ‫تنتهي نظرية األضداد عند تخوم النظرية الديناميكية التي يعترف‬
      ‫أنصارها بأن األضداد غير موجودة في الكون. وعلى غير ذلك،‬
                      ‫تتجل‬
  ‫يعترف أنصارها بوجود ثنائية ظاهرية َّى في قطبين هما وجهان‬
        ‫لكيان واحد أو لحقيقة واحدة. والحق، إن هذه الثنائية ال تحتفظ‬
   ‫بواقعيتها وظاهريتها ونحن نتوغل إلى أعماق الوجود المادي، ألننا‬
                                                ‫د‬      ‫ر‬
                                     ‫نجدها جوه ًا واح ًا هو إشعاع.‬
                      ‫سل‬
       ‫لما كانت األرض تحتل المركز األدنى في َّم مراتب الوجود،‬
 ‫وتتصف بكثافة كبرى وبدرجة اهتزاز ضئيلة، فإن الثنائية تبدو وكأنها‬
                                                           ‫مسل‬
 ‫َّمة أو ضرورة أو حتمية. وإذا كان الكون يتألف من عوالم يتداخل‬
 ‫بعضها ببعض، بحسب مستويات اهتزازها، فإنما لنشير إلى أنه نطاق‬
                                                 ‫حي‬
    ‫واحد ٌّ، تسري فيه طاقة واحدة، وعي واحد، وخصائص نفسية‬
‫وعقلية واحدة. وعلى الرغم من اختالف أو تنوع مستويات الكون، لكن‬




                                ‫34‬
  ‫تداخلها ببعضها، أو مع بعضها، يشير إلى تفاعلها ضمن كيان كوني‬
                                                            ‫واحد.‬
                  ‫مرت‬     ‫والحق، إن مستويات الكون ليست منض‬
‫َّدة أو َّبة فوق بعضها، وذلك‬
      ‫ألن التنضيد أو التسلسل الرتبي يحرم المستوى األدنى من مزايا‬
‫المستوى األعلى. ومع ذلك، ال يستطيع سكان هذا الكوكب أن يشعروا،‬
                                                       ‫يحس‬
   ‫أو ِّوا باهتزازات العوالم األخرى، وذلك ألنها تخرج عن نطاق‬
      ‫كثافتهم. ولن يكونوا قادرين على الشعور أو اإلحساس بها ما لم‬
‫يتجاوزوا كثافتهم بحكمة ووعي. والحق، إن دائرية الكون، أو كرويته‬
   ‫دليل على تداخل العوالم. لذا، نجد أن بعض العلماء يخطئون إن هم‬
                                                         ‫شب‬
 ‫َّهوا الحياة على مستوى آخر، أو على كوكب آخر، بمستوى الحياة‬
  ‫على كوكبنا. وإن هم أخضعوا تلك الحياة لمقاييسنا ومعاييرنا، لكننا،‬
    ‫مع ذلك، ال نستطيع أن ننفي الحياة على مستوى آخر، أو في عالم‬
     ‫آخر، أو نؤكد وجودها لمجرد أن حياتنا األرضية تخضع لمعايير‬
               ‫معي‬
            ‫اصطالحية نتفق على وضعها، ونصوغها بقواعد َّنة.‬
      ‫لما كانت العوالم متضمنة في جسدنا فإن الواجب يقضي بمعرفة‬
 ‫اإلنسان للحقيقة الكونية ووعيها، وهو يحيا حياته األرضية. وال شك،‬
         ‫أن هذه المعرفة حكمة تتطلب التحقيق. إذن، فاإلنسان المكو‬
    ‫َّن على‬
  ‫صورة نظام كوني يسعى إلى تحقيق الغاية من وجوده بحكمة ووعي‬
                                               ‫ز‬
            ‫دون أن يبقى محتج ًا داخل المقاييس الفيزيقية المحدودة.‬


                               ‫44‬
                                           ‫يتلم‬              ‫ث‬
                                   ‫ثال ًا: العلم المادي َّس الطريق‬
                                                      ‫يتلم‬
  ‫بدأ العلم َّس الطريق المؤدي إلى معرفة الحقيقة. فقد بدأ هذا العلم‬
                                  ‫ي‬
    ‫بدرس القوانين الكونية الشاملة ساع ًا إلى إدراك هذه الحقيقة الكلية‬
                                      ‫ع‬          ‫على نحو تصو‬
     ‫ُّر وحدْس م ًا. وفي دراسته، توصل هذا العلم إلى‬
     ‫اإلقرار بروحانية المادة وخصائصها العقلية والنفسية، واالعتراف‬
  ‫بنفس للكون تنبض بالحياة، والوعي والحكمة، وبطاقة ديناميكية تفعل‬
                 ‫و‬
   ‫فيه، وبحياة دائمة ال تضمحل، وبوعي كامن ومنط ٍ، وبعقل يتجاوز‬
           ‫تقل‬
  ‫الدماغ. وتأكد هذا العلم من استمرار وجود الطاقة بعد ُّص الكتلة.‬
  ‫فالمادة لم تعد تحافظ على تعريفها القديم الذي يشير بأنها طاقة هامدة‬
                                ‫ت‬
 ‫أو خامدة. وعلى غير ذلك، أصبحت ُعرف بأنها الطاقة ذاتها، الفاعلة‬
                                     ‫يضي‬       ‫معي‬
    ‫ضمن اهتزاز َّن. ولذا ِّق العلماء-الحكماء المحدثون الفجوة‬
         ‫ر‬
‫الواسعة التي كانت تفصل بين الروح والمادة. فقد بنوا جس ًا يصل بين‬
‫قطبي الثنائيات األرضية. وعلى هذا األساس، ال يعتبرون الوجود على‬
                          ‫ضد‬          ‫ض‬
‫مستوى كوكب األرض تناق ًا لثنائية َّين. والحق، إنهم بدأوا يعون‬
    ‫الوحدة الكامنة والمنطوية في قلب تنوعات األشياء والموضوعات.‬
 ‫يمكننا أن نقول: إن الثنائية، المطروحة على مستوى تناقض األضداد،‬
                                    ‫أدت إلى تأخر البشرية وتخل‬
  ‫ُّفها في نطاق المعرفة والحكمة وتضامن‬
                                ‫قل‬            ‫ال‬
 ‫الناس في المحبة أجيا ً طويلة. فقد َّصت هذه الثنائية العدائية القدرة‬
‫على المعرفة إلى حدها األدنى، وفرضت حصارها على مجال البحث،‬


                                ‫54‬
                                                            ‫والتقص‬
       ‫ِّي، واالختبار. وفي اآلونة األخيرة، بدأ العلماء-الحكماء‬
    ‫يت‬
  ‫يدركون أن الكون ال ينضوي تحت مقولة المادة والروح، بل َّصف‬
        ‫بمزايا الوحدة المتكثرة ضمن جوهر أو كيان واحد يتدرج عبر‬
                                     ‫مستويات سلسلة الوجود الكبرى.‬
                         ‫ه‬
        ‫إذ أدرك العلماء-الحكماء هذه الحقيقة، س ُلت عليهم الدراسات‬
                                               ‫وات‬
‫والبحوث، َّجهت حقول اختصاصاتهم إلى التكامل والتوحيد، ونزعت‬
 ‫مفاهيمهم إلى التقارب. ويعترف أولئك العلماء-الحكماء بوجود كوني،‬
 ‫وقانون واحد يشمل جميع الصيغ والقواعد، األمر الذي رفضه أدعياء‬
  ‫ثنائية األضداد المتناقضة على المستوى األرضي والكوني. فالثنائية،‬
      ‫في مفهومها العامي، تحمل في ثناياها بذور التناقض. هي ثنائية‬
     ‫نزاعية وخصامية، أدت إلى كل ما نجده من تناقضات عدائية بين‬
    ‫المادة والروح، بين العقل والدماغ، بين المثال والواقع، بين الظالم‬
 ‫والنور، بين الفناء والبقاء، بين الحياة والموت، بين المادة الحية وغير‬
    ‫الحية، بين الرجل والمرأة، بين الخير والشر، بين اهلل وإبليس، بين‬
    ‫األعلى واألدنى، بين اإلله المشخص واإلله الشامل. لقد أقامت هذه‬
     ‫الثنائية الخصامية والعدوانية حواجز منيعة بين تعارضات أقطاب‬
‫ظواهر الوجود، وأدت إلى تعزيز الكثرة والتجزئة، وعجزت عن وعي‬
         ‫الوحدة الكامنة فيها. وهكذا، تقهقر مبدأ التكاملية الذي يصالح‬
                    ‫التعارضات الظاهرية في أقطابها الثنائية المتقابلة.‬


                                ‫64‬
                                                            ‫ع‬
          ‫راب ًا: تكامل العلم المادي والعلم الروحي في نطاق الحكمة‬
 ‫ظلت األطروحات العقلية والروحية ضمن نطاق الرمزية طيلة قرون‬
             ‫سر‬                  ‫د ي‬
 ‫عديدة. ولم يبذل الباحثون جه ًا كاف ًا ليبدعوا أو يعوا َّانية الحكمة،‬
                              ‫مت‬
   ‫األمر الذي جعل منها أسطورة َّهمة بالغموض، أو أحجية سحرية‬
     ‫تخرج عن نطاق الحكمة، والفلسفة، والعلم. والحقيقة هي أن هذه‬
                     ‫طي‬                ‫بسر‬
‫األطروحات احتفظت َّانيتها وعاشت في ِّ الكتمان. ولهذا السبب‬
                                                         ‫سر‬    ‫ات‬
  ‫ُّهمت َّانية الحكمة باللغز، والغموض، والغيبية كما تفهمها غالبية‬
                   ‫ٍ‬          ‫الناس. وعلى غير ذلك، تنأى السر‬
  ‫َّانية عن عجز في الفهم أو قصور‬
  ‫في اإلدراك والوعي. فهي تعني التع ّق في العرفان. وليس السر ئ‬
 ‫ُّ شي ًا‬                  ‫م‬
     ‫ق‬                             ‫م‬
   ‫غير الحقيقة التي يزداد اإلنسان فه ًا لها ومعرفةً بها، فتزداد عم ًا،‬
                             ‫ويزداد تأمله بها عم ًا. لذا، تكمن السر‬
 ‫َّانية في الحكمة التي نحاول أن‬               ‫ق‬
 ‫نميط اللثام عن الحقيقة المختبئة والمستترة في عمق الوجود والطبيعة‬
‫واإلنسان. إنها الرؤيا التي تسبر عمق الحقائق والوقائع التي نعجز عن‬
     ‫معرفتها أو حدْسها إال بالتجربة الروحية المختبرة بالعقل المتصل‬
                                                 ‫بالروح والمجر‬
  ‫َّد من الدماغ الذي هو مجرد ترتيب للعالم المادي في‬
                                       ‫يرت‬
 ‫اإلنسان، ومجرد موضع ِّب فيه العقل المستنير معلوماته ومعارفه.‬
‫هنالك عمق في الكون ندعوه ًّا، وهنالك إنسان هو عمق بذاته، وسر‬
‫ٌّ‬                               ‫سر‬
                 ‫يسعى إلى فهم حقيقته وحقيقة الكون. ولما كانت السر‬
   ‫َّانية كامنة فيه‬
         ‫وخارجة عنه، وعميقة كل العمق، فإنه يستغرق في هذه السر‬
 ‫َّانية وهو‬


                                 ‫74‬
   ‫يتأملها في داخله وخارجه، ويتدرج في مستوى فهمها ووعيها حتى‬
     ‫يبلغ حدود تحقيقها وفق كمال هذا العالم وحكمته، لذا، تشير حقيقة‬
             ‫ي‬                              ‫سر‬
  ‫الحياة في معاينة َّانية الحكمة عبر الرمزية، بحيث ُبصر اإلنسان‬
    ‫سر‬                                                       ‫سر‬
   ‫َّانية الرمز في الداخل والخارج. وإذا كنا نعترف أن الحياة ٌّ،‬
                       ‫سر‬           ‫سر‬
‫والحقيقة السامية والمطلقة ٌّ، واإلنسان ٌّ، والوجود، في مستوياته،‬
          ‫ٌّ، والمادة، في جوهرها، ٌّ، فإنما نعني أن السر تغل‬
‫َّانية ِّفنا، وتحيط‬               ‫سر‬                      ‫سر‬
                    ‫م‬
   ‫بنا، وتحيينا في عمقها، وتحملنا في أحشائها تما ًا كما نحملها. وفي‬
  ‫النتيجة، نرى أنفسنا ونحن نسعى جاهدين لوعي أو فهم حكمتها التي‬
              ‫َّ‬
     ‫تشير إلى فهم أو وعي أنفسنا وكل ما تنطوي عليه سرانية حكمة‬
                                                           ‫الوجود.‬
          ‫يتمي‬
    ‫هكذا نعلم أن العلم الروحي هو العلم المادي ذاته، إنما ِّز بعمق‬
                                                              ‫وسر‬
‫َّانية هذا العلم. وفي هذا المنظور، يمثل العلم الروحي النومين، أي‬
  ‫الباطن والجوهر، ويمثل العلم المادي الفنومين، أي الظاهر والخارج‬
    ‫يتجل‬                                     ‫الذي يشير إلى السر‬
   ‫َّانية الكامنة في الجوهر والباطن. وهكذا، َّى‬
                                   ‫َّى السر‬
                        ‫ُّ في الباطن.‬    ‫الرمز في الظاهر، ويتجل‬
       ‫هكذا يكون حكماء الروح علماء مادة تعمقوا في دراسة أنفسهم،‬
                                                        ‫سر‬
       ‫ودراسة َّانية علم المادة. وبالمثل، يكون علماء المادة حكماء‬
                                                     ‫سر‬
‫يختبرون َّانية الروح الماثلة في الحكمة، في تجاربهم وبحوثهم. وفي‬




                               ‫84‬
 ‫هذه الصورة التأليفية، نشاهد العلم وهو يضع الحكمة موضع التجربة‬
                                                      ‫واالختبار.‬
                                                        ‫صديقي:‬
    ‫أحب، وقد بلغت هذا المستوى من مقدمتي، أن أتحدث عن الحكمة‬
     ‫بمفهومها المطلق. وتتدرج هذه الحكمة في هبوطها من المستوى‬
                   ‫اإللهي إلى المستوى المادي في مستويات ثالثة:‬
   ‫1: الحكمة اإللهية – ثيوصوفيا - هي الحكمة السامية المطلقة، أي‬
                       ‫متعي‬
         ‫الحقيقة السامية أو الوعي الكوني الال َّن، والالموصوف،‬
                                         ‫والالمحدود، والالنهائي.‬
‫2: الحكمة البدئية – صوفيا - هي حكمة اإلنسان الروحي البدئي الذي‬
 ‫كان، عبر حكمته، على صلة مع الحكمة اإللهية – اإلنسان الذي كان‬
     ‫سمو‬
    ‫يعرف أن العالم المادي ظهور للعالم الروحي، ويمارس فيه َّه‬
              ‫الروحي، ويحقق الحكمة اإللهية على مستوى الحكمة.‬
    ‫3: محبة الحكمة – فيلوصوفيا - هي المستوى الذي تراجعت فيه‬
    ‫الحكمة عن عالقتها الوثيقة مع الحكمة والحكمة اإللهية. وفي هذا‬
               ‫م‬                      ‫ب‬
             ‫المستوى، أصبح اإلنسان مح ًا للحكمة، ولم يعد حكي ًا.‬
   ‫تمخ‬                  ‫ر‬       ‫ث‬      ‫د‬      ‫ع‬
  ‫والحق، إن تراج ًا جدي ًا حدي ًا وأخي ًا حدث لمحبة الحكمة َّض‬
‫عنه ظهور العقل الذي يسعى إلى المعرفة عن طريق التجربة، فيخطئ‬
 ‫ويصيب. وفي هذا التراجع، حدث تراجع جديد إلى الثنائية، والتعدد،‬


                             ‫94‬
        ‫ً‬
‫والتنوع، األمر الذي أدى إلى ضياع العقل وسط الكثرة، نتيجة لتراجعه‬
 ‫عن الحكمة. وقد أدى هذا التراجع األخير إلى البحث عن الوحدة التي‬
 ‫تجمع األجزاء المتوزعة، والسعي للعودة إلى الحكمة التي هي السبيل‬
    ‫الوحيد لتحقيق الحكمة المطلقة السامية في العالم األرضي. وإذ فقد‬
  ‫اإلنسان حكمته أضاع الحكمة الكامنة في وسط المادة، في كيانه وفي‬
    ‫الكون، لذا، أصبحت اإلنسانية تمثل اليتيمة الكبرى التي تتألم نتيجة‬
                             ‫لضياع الحكمة وفقدان التكامل والوحدة.‬
  ‫في هذا المنظور، أتساءل: من هي األرملة الحقيقية؟ ومن هي اليتيمة‬
     ‫الحقيقية؟ والحق، إن األرملة هي الحكمة المفقودة أو المرفوضة،‬
                         ‫سر‬
      ‫واليتيمة هي اإلنسانية المتألمة التي فقدت َّانية الحكمة الكامنة‬
‫والمضمونة في العالم المادي وفي كيان اإلنسان. وهكذا أصبح اإلنسان‬
                                                             ‫ب‬
 ‫مح ًا للحكمة التي أضاعها نتيجة لضالله ومركزية أناه، اإلنسان الذي‬
‫جهل أن األنا، في حقيقتها، هي كون بكامله يتكامل في وجوده الطبيعي‬
         ‫واإلنساني والكوني. هكذا، تبحث اإلنسانية اليتيمة عن كيانها،‬
     ‫وجوهرها وروحها. وبالتالي، أصبحت تبحث عنها في الظاهرات‬
            ‫أحل‬
  ‫وحدها، وفي التشخيصات، والتجسيدات والشعائر التي َّها اإلنسان‬
                                                       ‫الجاهل محل‬
                                               ‫َّ الحكمة.‬
                                 ‫ت‬
     ‫في هذا المنظور، لم تعد البشرية ُصغي للحكمة الماثلة في تعاليم‬
  ‫ومبادئ حكمائها الذين ينشدون تحقيق الحكمة اإللهية في عالم المادة.‬


                                ‫05‬
                                                     ‫أحل‬
   ‫لقد َّ اإلنسان الناموس المكتوب بالحرف محل الناموس الروحي‬
  ‫الذي نحته اهلل في اإلنسان ليكون الغاية األولى والنهائية، أي األخيرة‬
       ‫التي يجب عليه تحقيقها في العالم المادي. لذا، تتألم الحكمة في‬
                   ‫سر‬                                ‫م‬           ‫سر‬
‫َّانيتها تما ًا كما تتألم اإلنسانية التي رفضت َّانية الحكمة. وهكذا،‬
                                                               ‫ح‬
      ‫ُرمت الحكمة من تحقيقها في روحانية بنائية الهيكل الماثلة في‬
                                 ‫يعل‬
     ‫اإلنسان، والطبيعة والكون. لذا، ِّم الحكماء المبدأ الروحي الذي‬
    ‫يدعو اإلنسان إلى تحقيق روحانيته في هيكل جسده. وهكذا، تنتظر‬
‫صوفيا – الحكمة – األرملة عودة اإلنسانية اليتيمة إلى وعي مضمون‬
       ‫حكمتها، وإلى تحقيق هذه الحكمة في حياتها األرضية، وتحقيق‬
     ‫دستورها الماثل في كلمتين: كونوا حكماء. والسؤال األخير الهام‬
                                                          ‫يتلخ‬
    ‫َّص في الكلمات التالية: هل بقيت صوفيا – الحكمة – األرملة‬
                                                   ‫سر‬
   ‫مستترة في َّانية حكمتها ألن اليأس اعتراها إذ علمت أن أبناءها‬
      ‫وبناتها اليتامى أوغلوا في الجهل الذي يحول دون معرفة الحكمة‬
     ‫المنطوية في وجودهم بشكل عام وفي أجسادهم بشكل خاص، وإذ‬
‫أدركت أن األلم السلبي يسيطر عليهم نتيجة لهذا الجهل الذي يؤدي إلى‬
                                                                ‫الشر‬
                                                               ‫ِّ؟‬
                         ‫*** *** ***‬




                                ‫15‬
                                 ‫الفصل الثاني‬

          ‫في األسطورة واألصول والتأريخ والتوجهات...‬




                     ‫ألن‬
‫ِّي في النهاية ال أبالي‬
‫ال بهمومكم، وال بنميمتكم...‬
‫باربارا – أغنية‬
‫‪Moi, je m’en balance‬‬

                                      ‫2-1‬
                              ‫مقدمة "محامي الشيطان"‬

                               ‫م‬                          ‫ال‬
‫ويصير التكرار مم ً في النهاية! والمصيبة دائ ًا هي أن أصحابه، الناطقين بما قد‬
‫يبدو وكأنه لسان حال "الجماعة" – أية جماعة – ال ينتبهون إلى هذه النقطة. لذلك‬
        ‫ي‬
‫تراهم يكتبون ويكتبون ويمألون المنابر صياحًا، مهاجمين ذاك الذي ُفترَض أن‬
  ‫د‬      ‫م‬        ‫نحم‬        ‫ي‬                                ‫ي م الكل‬
‫ُج ِع " ُّ" على عدائه – ذلك "الرجيم" الذي ُفترَض أن ِّله، دائ ًا وأب ًا،‬
                                                   ‫حد‬
‫بإصرار قد يصل إلى ِّ البالهة، مسؤولية جميع مصائبنا؛ ما قد يدفع بنا، نحن‬
‫القراء المساكين، إما إلى حال من الالمباالة وعدم االكتراث، كما هي اليوم حال‬
‫معظم مثقفينا في دنيا العرب، و/أو إلى الخروج عن المألوف، والمخاطرة بسمعتنا،‬



                                       ‫25‬
‫وربما حتى بأرواحنا، من خالل التعمق في البحث والتمحيص فيما قيل ويقال.‬
‫األمر الذي (قد) يوصلنا، بحكم "جهالتنا المستحكمة"، النابعة من "طبيعتنا اإلنسانية‬
                      ‫الفاسدة"، إلى نتائج قد تكون مغايرة لتلك التي توص‬
‫َّل إليها أولئك "العلماء‬
‫األفاضل"! وأحلم أنْ ربما كانت هذه غاية البعض منهم في الحقيقة – ومنذ‬
                                                                       ‫البداية...‬
      ‫ت‬                          ‫ت‬
‫وكان من أوائل "شياطين الفكر" التي قابلُها في حياتي، ذلك الذي واجهُه أيام‬
                    ‫ذ‬
‫شبابي، في أواخر الخمسينات من القرن الماضي. حينئ ٍ كانت الوحدة مع مصر.‬
                                       ‫ِّس جد‬
‫وكنت، كمعظم أبناء بلدي، متحم ًا ًّا لتلك "التجربة الرائدة"، ومعجبًا، بصفة‬
 ‫د‬
‫خاصة، بقائدها السيد الرئيس جمال عبد الناصر، رحمه اهلل. ولكني أتذكر جي ًا‬
     ‫ء‬       ‫ح‬
‫أيضًا أنه، حينئذٍ، كانت جميع وسائل إعالمنا تهاجم، صبا ًا ومسا ً فقط،‬
‫حد‬                                          ‫ُمي‬
‫وبإصرار، "شيطانًا رجيمًا" س ِّ َ آنذاك بـ"الشيوعية" التي كانت تربطها، إلى ٍّ‬
                         ‫م‬
‫ما، بالصهيونية – تلك "الشيوعية" التي كان يهاج ُها الغرب أيضًا، وعلى رأسه‬
   ‫ذ ض‬
‫أمريكا، كما كان يهاجمها حتى إسرائيل – "عدونا اللدود". ولكن، حينئ ٍ أي ًا –‬
          ‫وكانت بدأت تتسع، إلى ٍّ ما، دائرة قراءاتي، وكنت قرأت لروس‬
‫ُّو عن مفهوم‬                                ‫حد‬
                             ‫ن‬      ‫ذ‬
‫العدالة االجتماعية –، كان أستا ٌ وكاه ٌ من مدرستي يلفتان انتباهي إلى‬
                                                    ‫لتحق‬
‫الضرورات األخالقية ُّق مفاهيم تلك العدالة في عالمنا الحقير هذا؛ أي إلى ما‬
‫كان يدعى أيضًا، وإنْ من منظورهما، "شيوعية". وكانت نتيجة تعمقي النسبي في‬
         ‫ذ‬          ‫ِّي حوله بعقل وحماس شاب‬
‫ٍّ كان حينئ ٍ في مقتبل‬                   ‫دراسة هذا الموضوع، والتقص‬
                                                   ‫العمر، أني أصبحت شيوعي‬
‫ًّا، وأني بقيت على هذه "الحال التعيسة"، بهذا الشكل أو‬
                                              ‫م‬
‫ذاك، ما يناهز العشرين عا ًا. وأعترف هنا، للمناسبة، أني مازلت إلى اليوم –‬
                                   ‫أهم‬                          ‫ر‬
‫لسذاجتي – متأث ًا، إن لم أقل مقتنعًا، بأحد ِّ قيمها اإلنسانية الخالدة التي هي...‬
                                                                        ‫العدالة.‬



                                      ‫35‬
                                ‫ت‬
‫وكان من أواخر "شياطين الفكر" التي واجهُها، بدءًا من أواسط الثمانينات من‬
‫القرن الماضي، يدعى هذه المرة بـ"الماسونية" – تلك التي يجمعون عندنا اليوم‬
                 ‫كل‬              ‫يحم‬
‫أيضًا على ربطها بالصهيونية – التي ِّلونها مسؤولية ِّ "المؤامرات" التي‬
          ‫حيكت وتحاك ضدنا و/أو جميع المصائب التي حلتْ ومازالت تحل‬
‫ُّ بنا. وكان‬            ‫َّ‬
‫أيضًا – وإن كان األمر هذه المرة ألسباب مختلفة، قد يكون بعضها، ربما، عشقي‬
‫لموسيقى موتسارت و/أو حبي لفولتير و/أو لليف تولستوي، الذين كانوا ماسونيين‬
               ‫حب‬
‫كبارًا في زمن لم تكن هناك حركة صهيونية بعد! و/أو ربما ِّي واحترامي لعبد‬
‫القادر الجزائري، الذي كان من مريدي الشيخ األكبر محيي الدين بن عربي، و/أو‬
‫لجمال الدين األفغاني و/أو لمحمد عبده و/أو لعبد الرحمن الكواكبي، الذي كان‬
 ‫ع‬
‫قريبي، األديب والصحفي عبد المسيح األنطاكي، من أتباعه، والذين كانوا جمي ًا‬
               ‫ع ُذج‬
‫أيضًا، كما يقال، من "الفرمسون"، والذين لم يكونوا قط ًا س َّ ًا و/أو مخدوعين،‬
          ‫دف ْت‬                    ‫مؤي‬
‫كما لم يكونوا قطعًا صهاينة و/أو ِّدين للصهيونية – أن ُ ِع ُ للخروج عن‬
         ‫المألوف والمتعارَف عليه المفترَض اليوم، وإلى المزيد من التقص‬
‫ِّي حول هذه‬
                                                 ‫ت‬
      ‫الظاهرة المثيرة التي انكبب ُ سنواتٍ على دراستها بما أتيح لي من إمكانات.‬
                                      ‫والنتيجة كانت أني لم أصبح ماسوني‬
‫ًّا (بعد) هذه المرة أيها السادة و... هذه‬
‫المحاولة المتواضعة، التي أقدمها لكم كمحصلة ونتيجة لما توصلت إليه حولها من‬
                                   ‫م‬      ‫تسر ض‬
‫استنتاجات وقناعات، قد ال ُّ بع َكم حت ًا... لكن، ليس باليد حيلة. ونبدأ أول‬
                                                                ‫ما نبدأ بـ...‬




                                    ‫45‬
                                      ‫2-2‬
                                   ‫العنوان...‬

                  ‫الذي نرى، قبل الغوص فيه، ضرورة التأكيد على أن مرجعي‬
‫َّاتنا األساسية، ضمن‬
                      ‫ع‬              ‫ل‬      ‫ال‬
‫سياق هذا البحث، ستعتمد إجما ً وبشك ٍ عام – لكن طب ًا بعد التدقيق والتمحيص‬
              ‫ي‬       ‫ض‬      ‫ال‬
‫– على ما يقوله أصحاب العالقة عن أنفسهم أو ً؛ وأي ًا وثان ًا على ما يقوله‬
                              ‫ة كت‬                             ‫م‬
               ‫عنهم "خصو ُهم" و/أو، بطبيعة الحال وخاص ً، َّاب "محايدون"...‬
                                  ‫ة‬      ‫ي م‬
‫ألن تعبير أبناء األرملة – الذي ُستع َل عاد ً للداللة على "الفرمسون" – قد يبدو،‬
‫بادئ ذي بدء، غامضًا بعض الشيء، ويستحق القليل من الشرح لمن ليست لديه‬
                                                   ‫فكرة عن الموضوع... حيث...‬
‫يقول الماسوني بيريغو2 ‪ Perigou‬إنه "... بوسعنا القول إن الفرمسون هم أبناء‬
                    ‫د‬               ‫م‬
‫األرملة بمعنى أنهم أبناء الطبيعة العذراء دائ ًا والمتجددة أب ًا...". أما الماسونية‬
                                  ‫ت ل‬
‫جيدالج3‪ Gédalge‬فتقول إنه "... ُطَق هذه التسمية على الفرمسون للتذكير‬
                   ‫ض‬                            ‫أم‬
‫باألرملة التي كانت َّ المهندس المعمار حيرام؛ وأي ًا، بإيزيس، "األرملة‬
‫الكبرى" ألوزيريس، من خالل بحثها عن أعضاء زوجها المتناثرة. فكلتاهما يمكن‬
                ‫معل‬                                    ‫أم‬
‫اعتبارهما ًّا للماسون الذين انطلقوا للبحث عن جسد ِّمهم حيرام بعد أن‬
‫اغتاله ثالثة من رفاق السوء، وما يرمزون إليه من سيئات مدمرة لإلنسان هي‬
                                                           ‫الجمود والحس‬
‫ِّية والغرور...". أما الماسوني راغون4 ‪ Ragon‬فيقول إنه "... في‬
‫شهر كانون األول، حين يبدو وكأن شمس الشتاء على وشك أن تغادر أحوالنا‬
‫المناخية، لتسود فيما نعرفه بنصف الكرة الجنوبي، تظهر الطبيعة وكأنها قد‬

‫.3391 ,‪2 Annales Maçonniques Universelles, mars-avril‬‬
‫.» ‪3 Dictionnaire Rhéa, art. « Veuve‬‬
‫.12-02 .‪4 Rituel du grade de Maître, p‬‬


                                       ‫55‬
          ‫ي ز‬                          ‫كل‬                        ‫ترم‬
‫َّلت من زوجها الذي يخصبها َّ سنة بمحبته – األمر الذي ُح ِن أبناءها.‬
‫لذلك فإن الفرمسون، كتالميذ للطبيعة، يعيدون تكرار هذه األقصوصة الجميلة،‬
‫ويسمون أنفسهم بـ"أبناء األرملة" (أو أبناء الطبيعة)...". ويتوسع راغون5 قائ ً‬
‫ال‬
‫إنه "... بوسعنا أن نستنتج من هذا التفسير أن حيرام، كمهندس ومعمار لهيكل‬
‫سليمان، وكبطل لألسطورة الماسونية، هو، من خالل رمزه، أوزيريس (أو‬
‫الشمس)؛ بينما أرملته، التي هي إيزيس (أو الطبيعة)، هي المحفل الذي يرمز‬
‫في الوقت نفسه إلى األرض. أما حورص، الذي هو ابن أوزيريس، أو ابن‬
 ‫ر‬
‫األرملة، فهو الماسوني الساكن في المحفل األرضي...". وهذا ما يؤكده أخي ًا‬
‫المعلم والباحث الماسوني الكبير أوزفالد فيرث6‪ Oswald Wirth‬حين يقول إن‬
                                                    ‫يد‬
‫"... األرملة التي َّعي الماسون أنهم أبناؤها هي إيزيس، رمز الطبيعة، واألم‬
               ‫ق‬                          ‫أم‬                            ‫الكل‬
  ‫ِّية، التي هي، في الوقت نفسه، ُّ أوزيريس، اإلله الخفي ومو ِد الذكاء...".‬
                                                              ‫ونجد أنفسنا منذ البداية...‬
                                 ‫بن‬
‫أمام أسطورة جميلة تتحدث عن معلم َّاء (و/أو عن ملك) كان يدعى حيرام –‬
               ‫ال‬                                                  ‫د م‬
‫وَرَ َ اس ُه في كتاب "العهد القديم" أو "التوراة"، حيث جاء، مث ً، أنه "... أرسل‬
‫الملك سليمان فأخذ حيرام من صور وهو ابن أرملة من سبط نفتالي وأبوه رجل‬
        ‫كل‬                ‫م‬           ‫ئ‬
‫من صور صانع نحاس وكان ممتل ًا حكمة وفه ًا ومعرفة في عمل ِّ صنعة من‬
  ‫لبن‬                               ‫كل‬
‫النحاس فوفد على الملك سليمان وعمل َّ صنعته..."7 – وكان، كما يقال، ا َّاء‬
                               ‫ء‬
‫الحقيقي لهيكل سليمان قبل أن يقتله رفاق سو ٍ حاولوا أن ينتزعوا منه "األسرار‬
                                                      ‫المقدسة لمرتبته المهنية األعلى".‬



‫.‪5 Ibid‬‬
‫.‪6 La Franc-maçonnerie rendue Intelligible à ses adeptes, III. LE MAÎTRE‬‬
                                               ‫7 العهد القديم، سفر الملوك الثالث 7: 13-13.‬



                                           ‫65‬
‫ونجد أنفسنا، بالتالي، من خالل هذه األسطورة، أمام أسطورة أخرى هي األساسية‬
‫واألجمل في الديانة المصرية القديمة، أال وهي أسطورة الخليقة – وأقصد هنا،‬
                                                ‫أسطورة إيزيس وأوزيريس. لكننا...‬
‫إنْ عدنا إلى التسمية أو اللقب الذي هو ‪( Free-Mason‬باإلنكليزية) أو -‪Franc‬‬
            ‫البن‬
‫‪( maçon‬بالفرنسية)، الذي تعني ترجمته الحرفية إلى العربية َّاء-الحر، فإن‬
   ‫حد‬
‫الواقع الفعلي والتاريخ الملموس يعيدنا إلى أصول أكثر واقعية (وربما إلى ِّ ما‬
                   ‫بن‬                 ‫البن‬
‫أكثر تواضعًا)، أال وهي تجمعات َّائين، وخاصة منهم َّائي الكاتدرائيات في‬
‫العصر الوسيط، أولئك الذين كانت لهم طقوسهم وتقاليدهم المتشابهة في معظم‬
‫البلدان، والذين كانوا "أحرارًا"، بمعنى أنهم لم يكونوا في ذلك الحين عبيدًا أو أقنانًا؛‬
                                             ‫البن‬     ‫ت‬
‫ومن هنا جاءت تسمي ُهم بـ" َّائين األحرار"... أولئك الذين تشهد بعض الوثائق‬
‫أنهم بدؤوا، منذ نهايات القرن السابع عشر أو أوائل القرن الثامن عشر، بالقبول‬
‫في تجمعاتهم، على أساس فكري و/أو فلسفي و/أو ربما من منطلق نفعي و/أو‬
                                         ‫ذرائعي، أفرا ًا ال عالقة لهم عملي‬
‫ًّا بمهنة البناء األصلية، كما يشهد على ذلك،‬                 ‫د‬
 ‫ي‬
‫مثالً، التعميم الصادر عام 3701 عن "المحفل اإلنكليزي للقديس بولس (حال ًا‬
‫محفل 2 °‪ ،)Antiquity N‬حيث جاء أنه "... لن تكون االمتيازات الماسونية،‬
   ‫ال‬                                   ‫من اآلن فصاع ًا، مل ًا حصري للبن‬
‫ًّا َّائين العمليين، إنما ستمتد لتشمل رجا ً من‬     ‫ك‬      ‫د‬
                           ‫رر‬      ‫تتم‬
‫مختلف االختصاصات شريطة أن َّ مسا َ َتهم وقبولهم في الطريقة بشكل‬
                          ‫معل‬
‫نظامي ..."8 – مشيرين هنا إلى أن تجمعات ِّمي الكار هذه، التي تعود من‬
                    ‫بن‬
‫حيث أصولها إلى بدايات الحضارة اإلنسانية، أي إلى َّائي األهرامات في مصر‬
                                                    ‫بن‬
‫القديمة و/أو إلى َّائي تلك المنشآت المدنية الرائعة، من أبنية وجسور وطرق‬


‫‪8 “The privileges of Masonry shall no longer be restricted to operative masons, but‬‬
‫‪extend to men of various professions, provided they are regularly approved and‬‬
‫)‪initiated into the order.” (Preston, Illustrations of Masonry‬‬


                                         ‫75‬
                                                   ‫ومنشآت ري‬
‫ٍّ ومسارح في العصر الروماني و/أو إلى بنائي قالع وقصور‬
‫وكاتدرائيات العصر الوسيط، ما زالت موجودة إلى يومنا هذا في مختلف أقطار‬
                          ‫نتمع‬
                      ‫أوروبا وفي معظم بلدان العالم. لذلك فإننا حين َّن...‬




                                 ‫85‬
                                               ‫2-3‬
                    ‫في بدايات الماسونية التأملية الحديثة9...‬

                                                                     ‫بد‬
‫ال َّ أن نأخذ بعين االعتبار ما قاله أوزفالد فيرث01 بهذا الخصوص من أنه "...‬
 ‫ر‬                                                                  ‫ت ب‬
‫ُعت َر بعض األفكار عامل جذب يجمع بين أفراد منعزلين وتصبح، بالتالي، محو ًا‬
                                 ‫توف‬                    ‫أي‬
‫لتجمعهم. ألن َّ تجمع ال يتشكل لمجرد ُّر جماعة قد تفتقد أول ما تفتقد إلى‬
                              ‫م‬
‫التوازن أو التجانس. فالتجمع يحتاج حت ًا، كي يتحول من مجرد جمع ألشخاص‬
                                                    ‫كل‬
‫معينين إلى ٍّ متجانس، إلى قانون عضوي تستند إليه حياة الجماعة التي‬
             ‫نمي‬                             ‫يضمها. ألن َّ تجم‬
‫ُّع بحاجة إلى فكرة؛ وهذه يجب أن ِّزها عن الشكل.‬  ‫كل‬
                                             ‫فالفكرة، أو الروح، هي المول‬
‫ِّد المجرد والجامع؛ بينما األم هي الشيء الملموس‬
‫أو الشكل. وهذان العنصران اللذان يشكالن المبادئ األولى للتنظيم الماسوني‬
 ‫يؤس‬
‫يتمثالن بعمودين يرمز أولهما، الذي يمثل العنصر المذكر–الفاعل، إلى ما ِّس‬
‫ويقيم؛ بينما يرمز الثاني، الذي يمثل العنصر المؤنث–المفعول، إلى ما يدعم‬
                       ‫ويحافظ. لذلك، واستنا ًا إليه، فإنه ليس بوسع المؤر‬
‫ِّخ المستنير بضوء الفلسفة‬                         ‫د‬
‫إهمال هذين العاملين – األمر الذي قد يوصله إلى نتيجة هامة مفادها أن سجالت‬
                                                                    ‫مؤس‬
‫َّستنا هي في الحقيقة أقدم بكثير من العام 1111 الذي هو عام والدة الم...‬
                                                                              ‫الح... الحديثة...".‬
‫ألن األسطورة – وفي حالنا هذه تحديدًا – هي المفتاح األساسي لتفهم ما حصل‬
                                                                           ‫ة‬
                                                                        ‫وجاء بعدها، وخاص ً...‬



                                                                                               ‫ي م‬
        ‫9 ُستع َل تعبير ماسونية "تأملية" للتمييز بينها وبين الماسونية "العملية" التي كانت سائدة من قبل.‬
‫.‪10 La Franc-maçonnerie rendue Intelligible à ses adeptes, L’APPRENTI‬‬


                                                 ‫95‬
 ‫اإلوز‬
‫في 42 حزيران 0101، حين اتحدت أربعة محافل لندنية هي " َّة‬
‫والمشواة"‪ The Goose and the Gridiron‬و"التاج" ‪ The Crown‬و"شجرة‬
‫التفاح" ‪ The Apple Tree‬و"الطاس وعناقيد العنب" ‪The Rummer and‬‬
                                        ‫ال‬
‫‪ Grapes‬فيما أسمته آنذاك "محف ً أكبر"، فكان أول محفل أكبر تأملي من نوعه‬
                  ‫ذ‬                      ‫معل‬
‫حتى ذلك الحين. وانتخبت أول " ِّم أعظم" لها، كان حينئ ٍ أنتوني ساير، الذي‬
‫تاله في العام 1101 جورج باين، ثم جان تيوفيل ديساغولييه (الفرنسي األصل)،‬
                                                  ‫د‬
‫لتعود الرئاسة من بع ُ إلى جورج باين، ثم دوق مونتاغو في العام 1201، الذي‬
                     ‫ع‬      ‫ر‬
                   ‫شهدتْ الماسونية اإلنكليزية في عهده، وعلى يده، انتشا ًا واس ًا.‬
  ‫ُمي عر‬               ‫س‬
‫وكان في 01 كانون الثاني 3201 إقرار دساتير أندر ُن، أو ما س ِّ َ و ُ ِفَ‬
                                       ‫ن‬
‫بـدساتير األخوية القديمة والمحترمة للب َّائين األحرار والمقبولين11 – تلك القواعد‬
               ‫التي أضحت، منذ ذلك الحين، ولم تزل ُعت َر إلى اليوم، النص‬
‫َّ األساسي، إن لم‬               ‫ت ب‬
                                                 ‫نقل دستور الماسونية التأملية العاملة.‬




‫‪11 James Anderson, “ The Book of Constitutions of the Freemasons, containing the‬‬
‫”.‪history, charges and regulations of that most ancient and right worshipful fraternity‬‬


                                          ‫06‬
‫ثم انتشرت الماسونية بعد هذا انتشار النار في الهشيم في أوساط النخب األوروبية‬
                                                       ‫التو‬
‫المستنيرة، َّاقة إلى التحرر الفكري واالنعتاق من جور كنيسة تلك األيام‬
                                            ‫ل‬
‫وجمودها؛ فتوالدت محافُها وتشعبت. فكانت محافل أخرى جديدة في إنكلترا‬
‫واسكتلندا وإيرلندا. ثم انتقلت بعد هذا إلى القارة األوروبية، ومنها إلى مختلف‬
     ‫ة‬                                    ‫ع‬
‫أصقاع المعمورة، ومن ضمنها طب ًا إلى بلداننا، حيث كانت األرضية عام ً، وفي‬
                ‫تلم‬                              ‫ة‬
‫أوساط النخب المحلية خاص ً، مهيأة الستقبالها – ما سنحاول ُّسه، قدر اإلمكان،‬
                                                     ‫من خالل هذا البحث...‬




                                    ‫16‬
                                     ‫2-4‬
                     ‫موجز تأريخي "ماسوني" مختصر‬

                                          ‫ض‬
‫ونرى من الضروري هنا أي ًا التأكيد على ما قد يفاجئ القارئ، وأسميناه‬
‫بـ"ماسونية" هذا الموجز التأريخي، ليس ألننا ماسون، األمر الذي سبق وأكدنا‬
           ‫على نفيه ( َّق ُم ما َّعيه بهذا الخصوص، أيها السادة، أم لم تصد‬
‫ِّقوا!)، إنما‬                                     ‫ند‬     ‫أصد ت‬
                         ‫ب‬
‫ألننا ارتأينا، لدواعي الدقة العلمية، من جهة، وتجن ًا للوقوع في خطأ جسيم أضحى‬
                                                   ‫جد‬
‫مع األسف شائعًا ًّا، من جهة أخرى، الفصل والتمييز بين ما يورده الماسون‬
‫أنفسهم، على اختالف توجهاتهم، من خالل أدبياتهم، كتأريخ رمزي وواقعي‬
‫لحركتهم، وبين التاريخ (الفكري والسياسي) اإلنساني العام، ومواقف الماسون‬
                 ‫ض‬
     ‫خالله، سواء كأفراد و/أو كتوجهات. ونبدأ من هنا، مؤكدين أي ًا على أنه...‬
‫لما كان من المستحيل، ضمن إطار محاولة بحث محدودة ومتواضعة كهذه،‬
‫اإلحاطة بتاريخ قد تتطلب اإلحاطة به اآلالف المؤلفة من الصفحات فإن ما‬
‫سنستعرضه ونركز الضوء عليه هو مجرد نقاط عالم أساسية، إن لم نقل بعض‬
                                      ‫حد‬
‫التواريخ الهامة التي قد توضح، إلى ٍّ ما، كيفية تطور الماسونية وانتشارها في‬
‫د‬            ‫القارة األوروبية، أوالً، وفي فرنسا – التي ارتأيناها مث ً ِّرًا وممي‬
‫َّزًا – من بع ُ‬      ‫ال معب‬
       ‫ي‬                                                    ‫كل‬            ‫د‬
‫تحدي ًا؛ ومن خالل ِّ هذا أيضًا، متابعة انتشارها في القارة األمريكية ثان ًا. و...‬
                             ‫ة‬
                          ‫في مشرقنا العربي، ومن ضمنه بلدنا سوريا، خاص ً...‬




                                      ‫26‬
                                 ‫2-4-1‬
 ‫ًّا وعالمي‬
‫ًّا‬      ‫بعض التواريخ األساسية المتعلقة بانتشار الماسونية أوروبي‬


‫في 73 كانون الثاني 1773 كان إقرار كتاب الدساتير لجيمس‬                  ‫-‬
                                                              ‫س‬
                                                            ‫أندر ُن.‬
                      ‫ال‬
‫في 17 آذار 1773 شارك 73 محف ً في انتخاب دوق مونتاغو‬                    ‫-‬
                                                               ‫س‬
                                     ‫رئي ًا للمحفل اإلنكليزي األعظم.‬
                                           ‫تأس‬
‫في العام 1773 َّس المحفل اإلنكليزي األكبر لفرنسا، الذي تاله‬            ‫-‬
                                               ‫د د‬
‫من بع ُ عد ٌ من المحافل ذات التوجهات اإلنكليزية. وقد استمرت‬
‫األوضاع على هذه الحال (في فرنسا) حتى العام 1773، حين تحرر هذا‬
 ‫م‬                                 ‫ترض‬
‫المحفل (الفرنسي) مما اف ُ ِ َ بأنه "وصاية بريطانية"، فأصبح اس ُه‬
                                         ‫أم‬
‫"المحفل الفرنسي األكبر". َّا "الشرق الفرنسي األكبر" فقد ولد في العام‬
                                                            ‫1773.‬
‫في العام 3173 كان تشكيل أول محفل في الواليات المتحدة الذي‬              ‫-‬
‫هو المحفل األكبر لبنسيلفانيا. ثم تاله في العام 7173 المحفل األكبر‬
‫لفرجينيا. ثم في العام 3773، في بوسطن، كان إنشاء أول محفل للسود‬
                                      ‫في أمريكا ("محفل أمير الغال").‬
             ‫د‬
‫في العام 7173 كان الخطاب الشهير ألندريه ميشيل ُهْ رامسي الذي‬           ‫-‬
                                                       ‫ُس‬
‫وضع أ ُس اإليكوسية (وما أضحى يعرف من بعده بـ"الدرجات العليا").‬
                                        ‫أس‬
‫حوالى العام 1773 َّس "قبالي" من أصول برتغالية يدعى مارتينيز‬            ‫-‬
                             ‫دي باسكوالي طق ًا ماسوني س َّاني‬
‫ًّا ِر ًّا أسماه بـ"مصطفي كوهين"، الذي‬       ‫س‬
‫كان مقره مدينة بوردو الفرنسية. وكان أحد أبرز ممثلي هذا االتجاه‬


                                    ‫36‬
                            ‫ُ‬                            ‫ذ‬
‫حينئ ٍ فيلسوف مغمور يدعى لوي كلود دهْ سان مارتان، الذي أضحى هذا‬
                                                   ‫د‬
                ‫الطقس من بع ُ يعرف باسمه، أي الطقس الـ"مارتيني".‬
‫في العام 3773 حصل أول انشقاق هام في قلب الماسونية‬                                   ‫-‬
                                      ‫ذ‬      ‫عرف‬
‫اإلنكليزية، فيما ُ ِ َ حينئ ٍ بالخالف بين الماسون "المحدثين" (الذين‬
‫كانوا األقدم واألكثر ليبرالية) والماسون "القدماء" (الذين كانوا األحدث‬
‫واألكثر محافظة). ثم عادوا فاتحدوا عام 1313، ليشكلوا المحفل األكبر‬
                                                           ‫البريطاني المتحد.‬
                                      ‫تأس‬
‫في العام 3113 َّس في تشارلستون في الواليات المتحدة أول‬                              ‫-‬
‫مجلس أعلى عالمي للـ"طقس اإليكوسي (أو االسكتلندي) القديم‬
                                   ‫أس‬
‫والمقبول"؛ ذلك الذي َّس بدوره في العام 1113 في باريس ثاني‬
                                                        ‫مجلس أعلى عالمي.‬
‫في العام 7113 كان إنشاء أول محفل ماسوني خاص باليهود في‬                              ‫-‬
‫الواليات المتحدة األمريكية. وقد أسمي هذا المحفل بالـ"بني بعريت" أو‬
                             ‫د‬
‫"أبناء العهد"21 الذي انتشر من بع ُ بين النخب اليهودية في أوروبا‬
                                ‫ر‬
‫والذي يتبع الطقس اإليكوسي المما َس في المحافل اإلنكليزية أو شبيهه‬
                             ‫الطقس األمريكي المعروف باألود فيلووز.‬
‫في العام 7713 انعقد في مدينة لوزان في سويسرا مؤتمر ماسوني‬                           ‫-‬
    ‫د‬
‫دولي تم فيه إقرار بيان وإعالن مبادئ. وكان أهم ما جاء فيه التأكي ُ على‬
                    ‫ذ‬      ‫وصف‬
‫مفهوم "مهندس الكون األعظم" الذي ُ ِ َ حينئ ٍ بالقوة العليا. ولكن‬
                                                                         ‫في...‬



                       ‫21 قبل هذا التاريخ، بشكل عام، لم تكن الماسونية تقبل اليهود في صفوفها.‬



                                        ‫46‬
‫في العام 7713، بحجة التمسك بالعلمانية، ألغى الشرق األعظم‬                          ‫-‬
‫الفرنسي من طقوسه االستشهاد بمهندس الكون األعظم، مما أدى حينئذٍ‬
 ‫ض‬
‫إلى انقطاع العالقات بينه وبين المحفل األعظم البريطاني المتحد. وأي ًا‬
                                                                      ‫إلى...‬
          ‫استقالل المحفل الفرنسي األعظم في خريف العام 7713.‬                       ‫-‬
    ‫ر‬
‫في العام 1713 أسست السيدة ماريا دوميستر (التي نالت مسا َرتها‬                      ‫-‬
 ‫في العام 7113 في محفل " ِّرين األحرار" في بيك) أول توج‬
‫ُّه‬                          ‫المفك‬
         ‫د‬
‫ماسوني مختلط (للرجال وللنساء)، أضحى يعرف من بع ُ بـ "الحق‬
                                                             ‫اإلنساني"31.‬




                                          ‫تأس‬
‫في العام 1373 َّس في فرنسا المحفل األكبر المستقل والنظامي،‬                        ‫-‬
                                                  ‫ير‬
                  ‫الذي أضحى ُع َف بالمحفل الوطني الفرنسي األكبر.‬

                    ‫التبن‬
‫ومن هذا المحفل انبثق في العام 7173، "ب ِّي"، االتحاد الماسوني‬                     ‫-‬
‫النسائي الفرنسي، الذي تحول في العام 7773 إلى المحفل النسائي‬
                                                       ‫ال‬
‫الفرنسي، منتق ً بهذا من حالة "التبني" إلى حالة االتباع المباشر للطريقة‬
                                           ‫اإليكوسية القديمة والمقبولة...‬

                                                                                 ‫31 تقليدي‬
                                       ‫ًّا، لم تكن الماسونية تقبل النساء في صفوفها.‬



                                      ‫56‬
‫ونستنتج مما سبق أول ما نستنتج أن للماسونية طقوسها وتوجهاتها المختلفة التي‬
                                                          ‫د‬
                ‫من الممكن – استنا ًا إلى مصادرها – تعدادها إجماالً كما يلي...‬


                                  ‫2-4-2‬
                                     ‫في المناحي و/أو التوج‬
    ‫ُّهات (الطقوس) الماسونية الرئيسية41‬
                         ‫‪Obédiences‬‬

                                        ‫الطقس القديم والمعد‬
‫َّل المتبع بشكل خاص في بلجيكا وهولندا؛ وهو‬                             ‫-‬
                                                         ‫جد‬
                            ‫قريب ًّا من الطقس الحديث أو الفرنسي.‬
‫الطقس اإلنكليزي للماسون القدماء األحرار والمقبولين الذي يتعاطى‬         ‫-‬
                      ‫ة‬
‫مع ما يعرف بماسونية القديس يوحنا، أي إضاف ً للدرجات الثالث األول:‬
‫3. مريد، 7. رفيق، 1. أستاذ، ماسونية الفلك الملكي، أي الدرجات: 1.‬
                               ‫معل‬          ‫معل‬     ‫معل ممي‬
‫ِّم َّز، 7. ِّم قديم، 1. ِّم ممتاز و7. فلك ملكي، وهو الطقس‬
                                                        ‫ي َد‬
‫الذي ُع ُّ، إلى جانب الطقس اإليكوسي، من األكثر انتشارًا في إنكلترا‬
                                                         ‫وفي العالم.‬
          ‫يت‬
‫الطقس االنتقائي ‪ Maçonnerie Eclectique‬الذي َّبعه المحفل‬                ‫-‬
‫األكبر لفرانكفورت على الماين؛ وهو يرفض جميع الدرجات العليا وال‬
‫يعتمد إال الدرجات الثالث األساسية األولى؛ وهو، من حيث طقوسه،‬
                                                             ‫جد‬
                                   ‫قريب ًّا من الماسونية اإلنكليزية.‬




‫.‪14 F. Clavel, Histoire de la Franc-Maçonnerie‬‬


                                     ‫66‬
‫الطقس اإليكوسي (أو االسكتلندي) القديم والمقبول، ذلك األكثر‬             ‫-‬
‫شهرة الذي يتبع جميع الدرجات الرمزية التي نعددها كما يلي: 3. مريد،‬
‫7. رفيق، 1. أستاذ، 1. أستاذ مكتوم، 7. أستاذ كامل، 1. أمين ثقة، 7.‬
                                                      ‫ح‬
‫قاض و َكَم، 1. مدير األبنية، 7. أستاذ مختار التسعة، 13. أستاذ‬
‫مختار الخمسة عشر، 33. فارس أعلى منتخب (أو رئيس األسباط‬
 ‫معل‬                             ‫معل‬
‫االثني عشر)، 73. مهندس ِّم أعظم، 13. الفلك الملكي، 13. ِّم‬
‫قديم كامل، 73. فارس السيف، 13. أمير بيت المقدس، 73. فارس‬
‫الشرق والغرب، 13. األمير األعظم للصليب الوردي، 73. الحبر‬
                           ‫معل‬
‫العظم أو اإليكوسي األعظم، 17. ِّم أعظم محترم لجميع المحافل،‬
‫37. فارس بروسي أو أستاذ أعظم لمفتاح الماسونية، 77. الفأس الملكي‬
‫أو أمير لبنان، 17. رئيس المظلة، 17. أمير المظلة، 77. فارس‬
‫الثعبان البرونزي، 17. أمير الرحمة، 77. القائد األعلى للمعبد، 17.‬
‫فارس الشمس، 77. االسكتلندي الكبير للقديس أندراوس اإليكوسي، 11.‬
             ‫المنتخب األعظم فارس قدوش، 31. القائد المفتش المحق‬
‫ِّق األعظم، 71.‬
                                                 ‫األمير السامي للسر‬
       ‫ِّ الملكي، 11. المفتش العام األكبر األعظم...‬
‫الطقس اإليكوسي (أو االسكتلندي) الفلسفي: ويتبع، إضافة للدرجات‬           ‫-‬
‫الثالث األولى غير المعلنة التي تصله بالماسونية الدولية، ثالث عشرة‬
                 ‫درجة عليا يسميها بتسميات خاصة ذات طابع رمزي.‬
             ‫مت‬
‫الطقس اإليكوسي (أو االسكتلندي) البدائي: وهو َّبع في بلجيكا،‬            ‫-‬
                                               ‫ويتبع الدرجات العليا.‬
             ‫ُت‬
‫طقس فسلر أو المحفل األعظم ليورك الملكية: وكان يَّبع في ألمانيا‬         ‫-‬
                         ‫عامة حتى العام 1113 ويمارس 7 درجات.‬



                                    ‫76‬
‫الطقس الفرنسي أو الحديث: ويمارس الدرجات الثالث األولى،‬                   ‫-‬
‫إضافة إلى الدرجات األربعة العليا التالية: 1. المختار، 7. اإليكوسي،‬
                               ‫1. فارس الشرق، 7. الصليب+الوردة.‬
                      ‫ُتب‬
           ‫طقس المحفل األكبر ذو الكرات الثالث: ويَّ َع في برلين.‬         ‫-‬
                                   ‫الطقس الهايتي (أو المارتيني).‬         ‫-‬
     ‫طقس هيريدوم أو طقس الكمال: ويتبع خمسة وعشرين درجة.‬                  ‫-‬
                         ‫ُل‬
‫طقس ممفيس-مصرايم: ويتبع سَّم درجات عليا يختلف من حيث‬                     ‫-‬
‫الظاهر عن الدرجات الـ11 المتعارف عليها. وهي تصل إلى التسعين‬
‫درجة بالنسبة للطقس الممفيسي القديم وإلى الـ77 بالنسبة لطقس‬
                                              ‫ممفيس–مصرايم المتحد.‬
                   ‫الطقس أو النظام المعدل: ويتبع خمس درجات.‬              ‫-‬
‫طقس أو نظام شرودر: ويتبع الدرجات الثالث األولى وبعض‬                      ‫-‬
              ‫الدرجات العليا التي تستند إلى الفلسفة أو إلى الثيوصوفيا.‬
‫الطقس السويدي: ويتبع اثنتي عشرة درجة، على رأسها ملك‬                      ‫-‬
                                                              ‫السويد.‬
                           ‫ست‬
                    ‫طقس أو نظام سفيدنبرغ: ويتبع َّ درجات.‬                ‫-‬
      ‫طقس الهيكل: وهو يشبه الطقس الفلسفي، ويتبع سبع درجات.‬               ‫-‬
                    ‫طقس أو نظام زينندورف: ويتبع سبع درجات.‬               ‫-‬
‫لكن المشكلة تبقى أن هذا الكالم، وبالتالي هذا التعداد، الذي، وإن كان يدل على‬
                    ‫ب‬
‫وجود اختالفات "فعلية" في قلب الماسونية، إنما يبقى غري ًا وغير مفهوم بالنسبة‬
             ‫ال‬
‫إلى أناسنا العاديين الذين قد يحتاجون إلى شرح أكثر تفصي ً وأكثر بساطةً‬




                                     ‫86‬
                                                       ‫ُ‬
‫لألمور، بلغة يفترَض أن تكون اليوم أكثر عصرية؛ األمر الذي قد يستدعي من‬
                         ‫قبلنا إعادة المحاولة من جديد، من أجل شرح وتفهم...‬


                                ‫2-4-3‬
                                         ‫المناحي والتوج‬
          ‫ُّهات األساسية للماسونية المعاصرة‬

‫ونجد في محاولتنا الجديدة هذه إلعادة تعريف الماسونية، استنادًا إلى ما يقوله‬
‫أبناؤها عن أنفسهم، إنها، كما كان (ومازال) يُفترَض أن تكون، مجرد: "تنظيم‬
‫مسارَري نقلي، يستند إلى مبادئ األخوة، ويشكل اتحادًا بين بشر أحرار ذوي‬
                                                   ‫كل‬
‫أخالق حسنة من ِّ األعراق والجنسيات والمعتقدات، ويعمل من أجل اإلصالح‬
                                                      ‫األخالقي لإلنسانية...".‬
‫ونستزيد... ألننا، بعد أخذ العلم بأن في عالمنا اليوم (كما يقولون) ما يزيد عن‬
‫الخمسة ماليين ماسوني، منتشرين في مختلف بلدان العالم، ومالحظة أن هؤالء‬
     ‫كل‬                          ‫نظري تبعي‬
‫الذين كانت تفترض األحوال ( ًّا) َّتهم لـ"محفل أكبر" واحد في ِّ بلد،‬
                                  ‫ح‬                             ‫هم، عملي‬
‫ًّا مشتتون، كما رأينا، بين منا ٍ وتوجهات مختلفة – اختالفات تعود في‬
                           ‫الحقيقة ربما إلى وجود على أرض الواقع، إن صح‬
‫َّ التعبير، دوائر نفوذ بوسعنا‬
                                                     ‫تقسيمها بشكل عام إلى:‬
                            ‫ماسونية-حرة أنكلوسكسونية التوج‬
‫ُّه (وتشكل 11% منها من حيث عدد‬                                                  ‫-‬
                                                            ‫األعضاء)؛ و...‬
                                            ‫ماسونية-حرة أوروبية التوج‬
                            ‫ُّه (تضم الباقين).‬                                  ‫-‬
‫ُّه األنكلوسكسوني، التي تشكل‬
                          ‫أما الماسونية الحرة التي تقع ضمن إطار التوج‬
                 ‫توج‬
‫11% من الحركة الماسونية تقريبًا، فهي تدور في فلك ُّهات المحفل األعظم‬


                                    ‫96‬
                                             ‫حالي‬
‫العالمي األم الذي هو ًّا المحفل األعظم اإلنكليزي المتحد ‪United Grand‬‬
‫‪ .Lodge of England‬وهذا يعترف، وفق مقاييسه، كما سبق وأسلفنا، بمحفل‬
                                                              ‫لكل‬
‫أعظم واحد فقط ِّ بلد. أما فيما يتعلق بالمقاييس أو نقاط العالم التي يعتمدها هذا‬
                                                              ‫التوج‬
‫ُّه فإن بوسعنا، بشكل عام، إيجازها بما يلي: االعتراف بمهندس الكون‬
‫األعظم، إلزامية الكتاب المقدس، وإلزامية الزاوية والفرجار؛ كما أنه ال يقبل‬
                                                                   ‫النساء مبدئي‬
                                         ‫ًّا في مجمل محافله.51 أما...‬
‫الماسونية الحرة ذات التوجه األوروبي فهي، بشكل عام، أكثر تنو ًا وأكثر‬
       ‫ع‬
         ‫ق‬
‫ليبرالية، حيث تختلف مناحيها بين محافل "ليبرالية" (غير نظامية وف ًا للمفهوم‬
                           ‫اإلنكليزي)، ال يلتزم بعضها االعتراف أو التوج‬
‫ُّه إلى "مهندس الكون األعظم"،‬
‫وأخرى تقبل النساء في صفوفها و/أو محافل نسائية، و... محافل أخرى (نظامية)‬
                                           ‫أكثر "محافظة" وأقرب إلى التوج‬
‫ُّه األنكلوسكسوني أو تابعة له. لذلك فإننا، إن‬
  ‫أخذنا على سبيل المثال ال الحصر، فرنسا كبلد نموذجي، لوجدنا أنه توجد هناك:‬
                                                   ‫محافل نظامية وتقليدية كـ:‬                ‫-‬




                    ‫51 للمزيد من المعلومات بهذا الخصوص، راجع الملحق رقم 7 في نهاية بحثنا.‬



                                        ‫07‬
La Grande Loge de              16‫المحفل الفرنسي الكبير‬              ·
                                                  France

La Grande Loge 17‫المحفل األكبر الوطني الفرنسي‬                       ·
                          Nationale Française

‫وهو المحفل الفرنسي الوحيد الذي يقيم عالقات نظامية مع المحفل األعظم‬
         .‫اإلنكليزي المتحد؛ ويعتبر ثاني المحافل الفرنسية من حيث تعداد أعضائه‬

La     18‫المحفل األكبر التقليدي والرمزي – األوبرا‬                   ·
– Grande Loge Traditionnelle et Symbolique
                                    Opéra

Loge Nationale            19‫المحفل الوطني الفرنسي‬                   ·
                                        La Française

Le Grand Prieuré des ‫المصلى الكبير لبالد الغال‬                      ·
                                          Gaules

                                 :‫ومحافل ليبرالية (غير نظامية) كـ‬               -




16 Grande Loge de France : 8, rue Puteaux, 75017 Paris.
17 Grande Loge Nationale Française : 12, rue Christine de Pisan, 75017 Paris.
18 Grande Loge Traditionnelle et Symbolique : 9, Place Henri Barbusse, 92300
Levallois Perret.
19 Loge Nationale Française : BP 154, 92113 Clichy Cedex.


                                        71
Le Grand Orient de France‫الشرق الفرنسي الكبير‬                       ·
                                                            20

                                          .‫وهو المحفل الرئيسي واألول في فرنسا‬

La Grande Loge 21‫المحفل األكبر النسائي الفرنسي‬                      ·
                          Féminine de France

22‫التنظيم الماسوني الدولي المختلط أو الحق اإلنساني‬                  ·
Le – L'Ordre Maçonnique Mixte International
                             Droit Humain

L’Ordre                              ‫م ر‬
             ‫التنظيم ال ُسا َري والتقليدي للفن الملكي‬               ·
           Initiatique et Traditionnel de l’Art Royal

                     :‫ومنظمات (أو جمعيات) ماسونية أخرى، أهمها‬           -




20 Grande Orient de France : 16, rue Cadet, 75009 Paris.
21 Grande Loge Féminine de France : 60, rue Vitruve, 75020 Paris.
22Le Droit Humain : 5, rue Jules Breton, 75013 Paris.


                                       72
‫جمعية عشاق الحقيقة ‪ The Philalethian Society‬التي‬                ‫·‬
‫تأسست في العام 1773، وكان ينتمي إليها عدد من كبار‬
‫الماسونيين، كاألديب روديارد كبلنغ وأوزفالد فيرث إلخ. وهي‬
     ‫تشترط أن يكون جميع أعضائها من الفرمسون النظاميين.‬


                                    ‫2-5‬
          ‫حول انتشار الماسونية في بلدان المشرق العربي...‬
                                           ‫جد‬        ‫ونشير هنا إلى الشح‬
‫ِّ الكبير ًّا في المعلومات وفي الوثائق، حيث ال توجد أية‬
‫دراسة جدية و/أو محايدة بهذا الخصوص. هنالك فقط بعض ما يقوله بعض كبار‬
‫الماسون العرب األوائل (وإنْ بلغتهم الخشبية) عن أنفسهم، كشاهين مكاريوس أو‬
                          ‫ذ‬
‫جرجي زيدان؛ وهناك أيضًا بعض ما قاله حينئ ٍ بعض "معارضيهم"، وأهمهم في‬
                ‫أوائل القرن الماضي األب (اليسوعي) لويس شيخو، وحالي‬
‫ًّا الصديق د. حسين‬
‫عمر حمادة. ومما قدمه هؤالء، ومن وثائق أخرى، بوسعنا أن نقول، ولو بشكل‬
‫أولي، أن نشوء الماسونية الحديثة في بلدان مشرقنا العربي إنما كانت نتيجة‬
                                                     ‫عاملين أساسيين اثنين هما:‬
           ‫ب‬                   ‫تلق‬                                 ‫ال‬
‫أو ً: الحداثة األوروبية التي سرعان ما َّفتْها في بالدنا نخ ٌ كانت تتطلع‬             ‫-‬
           ‫إليها وتحاول تقمصها واالستفادة منها من أجل النهوض بأوطانها؛ و...‬
                                     ‫محل‬                 ‫ي‬
‫ثان ًا: واقع وجود أساس ِّي متمثل على أرض الواقع بتقاليد معرفية‬                      ‫-‬
                                                                          ‫ِر‬
‫وس َّانية عريقة في هذه البلدان – التي كانت ذات يوم منبع األديان السامية الثالثة‬
‫(على اختالف تشعباتها) – كالقبالة بالنسبة لليهود، والغنوصية بالنسبة للمسيحيين،‬
               ‫يشك‬                                               ‫ة‬
‫وخاص ً الطرق الصوفية والباطنية بالنسبة للمسلمين الذين ِّلون أغلبية سكان‬
                                                                    ‫هذه البالد...‬



                                     ‫37‬
               ‫ب‬
‫لذا لم يكن نشوء وانتشار الماسونية الحرة في بالدنا أمرًا مستغر ًا على اإلطالق –‬
                                    ‫تلك التي يقول التاريخ أنها نشأت أول ما نشأت...‬


                                        ‫2-5-1‬
                                   ‫في مصر32...‬

‫في أواخر القرن الثامن عشر... حيث يتحدث هنا د. حسين عمر حمادة، فيقول إن‬
‫"... وضع الرحالة محمود خير الدين صاحب الشورى42 كتابًا عن رحالته مما‬
‫جاء فيه... أن الماسونية الرمزية انبعثت في مصر عام 1773، عندما احتلها‬
‫نابليون بونابرت. فقد أسس الجنرال كليبر وعدد من الضباط، وكانوا من "األخوة‬
‫الماسونيين" – كما يذهب جرجي زيدان52 إلى تأكيد ذلك – محفالً في شهر آب‬
‫عام 1773 دعوه محفل إيزيس، يعمل على طريقة ماسونية تسمى الطريقة‬
                                              ‫الممفيسية أو الطريقة الشرقية القديمة...".‬
                                                     ‫تأس‬
‫هذا وقد "... َّس في سنة 1113 في القاهرة محفل تحت رعاية المجلس العالي‬
‫الممفيسي الفرنسي واسمه مينيس. وفي سنة 7113 تأسس في اإلسكندرية تحت‬
‫رعاية الشرق األعظم الفرنسي محفل األهرام الذي أسسه الفرنسيون بشرق‬
‫اإلسكندرية. وقد التحق به قسم عظيم من رجال البالد من الوطنيين واألجانب،‬



                                ‫32 د. حسين عمر حمادة، الماسونية والماسونيون في الوطن العربي.‬
 ‫42 محمود خير الدين، الماسونية في مصر اإلنسانية، الجزءان 7 و1، دمشق، كانون األول والثاني 1173‬
                                                                          ‫-7173، ص 773.‬
                                  ‫52 جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مرجع سابق، ص 337.‬



                                            ‫47‬
           ‫الكل‬
‫ومنهم األمير حليم محمد علي باشا واألمير عبد القادر الجزائري و" ِّي االحترام"‬
                                                       ‫سلفاتوري أفنتوري زوال..."62‬
‫كما أنشأ "... المحفل األعظم اإلنكليزي في القاهرة عام 7113 محافل رمزية‬
‫تحت رعايته، منها محفل الكونكورديا، ومحفل البلور؛ ومعظم أعضاء األخير من‬
‫ضباط الجيش اإلنكليزي. وبعد ذلك أسست محافل أخرى منها محفل كوكب‬
                                                           ‫الشرق..."72 الذي "... كان‬
‫يعمل باللغة العربية، [و] كان ال يؤمه إال المصريون فحسب، و/أو من هم في‬
‫حكمهم؛ منهم جمال الدين األفغاني ومحمد عبده اللذان بثا فكرة االستقالل ومقاومة‬
                                                        ‫النفوذ األجنبي في البالد..."82‬
‫وأيضًا، لما "... تعددت السلطات الماسونية بمصر، وكان إيمان الممفيسيين كبيرًا‬
                                               ‫في نشر دعوتهم معتمدين على أساسين:‬
                                                    ‫أوالً: التخلص من التبعية األجنبية.‬
                                                     ‫ثانيًا: جلب العنصر الوطني إليهم.‬
‫فقد استندوا في تأسيس السلطة الماسونية الوطنية المصرية على أساس وحدة العمل‬
     ‫والتسامح بالنسبة لجميع الطرق الماسونية المتبعة في مصر آنذاك، (حيث)...‬
‫... بشهر أيلول عام 1113... حصل الماسوني إسكاروترا على‬                              ‫-‬
‫براءة من المجلس السامي اإليطالي للدرجة 11 للمملكة اإليطالية فرع‬
                                                          ‫وادي النيل؛ [و] ...‬


    ‫62 زكي إبراهيم، صوت الماسونية أو التقويم الماسوني العام لمحفل منف، مطبعة عطايا، 1773، ص‬
                                                                                       ‫313.‬
                                                ‫72جرجي زيدان، مرجع سابق، ص 737-137.‬
                                                ‫82 زكي إبراهيم، مرجع سابق، ص 713-113.‬



                                          ‫57‬
‫... عام 7113... حصل الماسوني بوريجار على براءة تأسيس‬                          ‫-‬
‫مجلس البطاركة بدرجات 77 للعظماء المحافظين على طريقة ممفيس‬
                                               ‫البنَّائية (الطقس الشرقي).‬
‫... عام 7113... حصل األمير عبد الحليم... على براءة تأسيس‬                      ‫-‬
        ‫المحفل األكبر اإلنكليزي اإلقليمي للبالد المصرية وملحقاتها...".‬
‫وفي 1 تشرين الثاني من العام 1113 "... اجتمع عدد من قدماء الماسون يتقدمهم‬
‫المركيز بوريجار، وقرروا تأسيس الشرق األعظم المصري أو مجلس‬
                                                                   ‫البطاركة..."92‬
                                                 ‫د‬            ‫تفر‬
‫الذي َّع عنه من بع ُ، في العام 1713، المحفل األكبر الوطني المصري؛ هذا‬
                                        ‫وترأ‬          ‫أس‬
‫المحفل الذي َّس عدة محافل َّسه السيد إدريس الراغب مدة 31 عامًا، وشهد‬
                                                                   ‫انشقاقات عديدة.‬
‫وقد استمرت الماسونية عاملة في مصر بشكل علني وشرعي، حتى كان العام‬
                          ‫1173 حين صدر "... قرار رسمي بإغالق وحل‬
‫ِّ المحافل الماسونية في جميع‬
        ‫ذ‬      ‫ت‬
‫أراضي الجمهورية العربية المتحدة..."03 التي اكتشفت السلطا ُ يومئ ٍ (أي بعد‬
                   ‫ز‬                                              ‫م‬
‫73 عا ًا من ثورة يوليو 777313) أنها كانت تستعمل "رمو ًا يهودية"... أما...‬




                         ‫92 عبد المجيد يونس، المحفل األكبر المصري، مرجع سابق، ص ج ود.‬
             ‫03 محمد علي الزعبي، الماسونية في العراء، بيروت، مطابع معتوق، 1773، ص 31.‬
                                                                         ‫13 بال تعليق.‬



                                       ‫67‬
                                         ‫2-5-2‬
                    ‫في بالد الشام (لبنان، سوريا، إلخ)23‬

              ‫ال‬
‫فيقول األب (اليسوعي) لويس شيخو33 بهذا الخصوص، نق ً عن جرجي زيدان‬
‫ودون التوسع الموثق في التفاصيل، "... أن أول محفل تأسس في سورية قد تأسس‬
‫في بيروت سنة 7113 تحت رعاية الشرق األعظم االسكوتلندي وعرف بشرق‬
‫فلسطين رقم 731 وترأس عليه كثير من األخوة األفاضل. أما لغته الرسمية‬
‫فالفرنساوية...". ثم "... في السنة 7113 تأسس في بيروت محفل آخر تحت‬
‫رعاية الشرق األعظم الفرنساوي [عُرِف] بشرق لبنان ولغته الرسمية هي العربية.‬
‫أما مخابرته مع الشرق الفرنساوي فبالفرنسوية. وكان رئيسه في أول أيامه األخ‬
‫... جرجي الخوري ثم ترأسه نقوال حجي وكاتب األسرار األخ ... مكاريوس...".‬
‫ثم أنشئت محافل أخرى، كمحفل الزهرة ومحفل فينيقيا ومحفل السالم ومحفل‬
‫صنين ومحفل المغارة السوداء ومحفل سورية (في دمشق) ومحفل سليمان الملوكي‬
                                                                                  ‫في يافا إلخ.‬
‫َّق حول الماسونية‬
               ‫أما د. حسين عمر حمادة،43 الذي سيبقى كتابه الموث‬
‫والماسونيون في العالم العربي، حتى إشعار آخر ورغم نواقصه، المرجع األساسي‬
                                  ‫ال‬
‫األهم حول هذا الموضوع، فيفيدنا إجما ً بأن الماسونية نشأت أول ما نشأت في‬
                                                                     ‫بالد الشام؛ إنما كان...‬


  ‫23 سنكتفي، ضمن سياق بحثنا هذا، بالتأكيد فقط عل سوريا ولبنان، محيلين القارئ الراغب في المزيد من‬
                  ‫المعلومات إلى كتاب السيد حسين عمر حمادة الماسونية والماسونيون في الوطن العربي.‬
                                          ‫33 األب لويس شيخو، السر المصون في شريعة الفرمسون.‬
                                  ‫43 د. حسين عمر حمادة، الماسونية والماسونيون في الوطن العربي.‬



                                             ‫77‬
                                                         ‫في لبنان حيث...‬              ‫-‬
‫كما يقول جرجي زيدان،53 "[ َّس] أول محفل في مدينة بيروت سنة‬
                              ‫تأس‬                                                     ‫·‬
‫7113 تحت رعاية الشرق األعظم االسكتلندي [وعُرِفَ] بشرق فلسطين رقم‬
‫731، وقد ترأسه كثير من اإلخوان الماسون من جملتهم قنصل إنكلترا. وانتظم‬
                                                ‫د‬
‫في سلك العشيرة الحرة عد ٌ غفير من أعيان البالد وثراتها، من وطنيين وأجانب،‬
              ‫ولم يشتغل إال بالدرجات الرمزية، أما لغته الرسمية فالفرنسية...".‬
‫"... وتأسس في بيروت سنة 7113 محفل آخر، تحت رعاية الشرق األعظم‬                         ‫·‬
‫الفرنسي، [عُرِفَ] بشرق لبنان، ولغته الرسمية العربية، أما اتصاالته مع الشرق‬
                                                       ‫الفرنسي فبالفرنسية...".‬
‫ثم توسعت الحركة وتطورت، وخاصة على يد السيد شاهين مكاريوس الذي‬                         ‫·‬
‫"... كان يشغل عام 3113 مهمة كاتب سر محفل لبنان، وكان باإلضافة إلى ذلك‬
                                                              ‫مؤس‬
‫ِّس محفل اللطائف في مصر ومحفل فينيقيا في بيروت عام 713..."،63 أو‬
                          ‫ذ‬       ‫ض‬
‫على يد السيد جرجي يني الذي شهد أي ًا حينئ ٍ تأسيس عدد من المحافل، حتى‬
          ‫كانت الحرب العالمية األولى واالنتداب الفرنسي على سورية ولبنان...‬
‫في العام 1773 كان يوجد في سورية ولبنان وفلسطين "... ثالثون محفالً‬                     ‫·‬
  ‫تضم نحو خمسة عشر ألف ماسوني، وتنتمي إلى أربعة [أو خمسة] شروق هي:‬
              ‫أوالً: الشرق األعظم االسكتلندي و[كانت] له تسعة محافل هي:‬
                           ‫محفل السالم في بيروت؛ رئيسه الدكتور عفيش.‬                  ‫·‬
                         ‫محفل قاديشا في طرابلس؛ رئيسه عبد اهلل غريب.‬                  ‫·‬
           ‫محفل فم الميزاب في ميناء طرابلس؛ رئيسه األمير أسعد األيوبي.‬                ‫·‬


                                              ‫53 جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام.‬
                                               ‫63 د. حسين عمر حمادة، نفس المرجع.‬



                                    ‫87‬
                            ‫محفل صنين في الشوير؛ رئيسه فارس مشرق.‬            ‫·‬
                                ‫محفل الكرمل في حيفا؛ رئيسه باترو أبيال.‬      ‫·‬
                      ‫محفل طوروس في اإلسكندرية؛ رئيسه قيصر صايغ.‬             ‫·‬
                      ‫محفل إميسا في حمص؛ رئيسه الخوري عيسى أسعد.‬             ‫·‬
                 ‫محفل جبل لبنان في الشويفات؛ رئيسه القس طانيوس عبده.‬         ‫·‬
                                             ‫محفل صالح الدين في عكا.‬         ‫·‬
                 ‫ثانيًا: الشرق األعظم الفرنسي و[كانت] له ستة محافل هي:‬
                             ‫محفل لبنان في بيروت؛ رئيسه سعيد صباغة.‬          ‫·‬
                          ‫محفل سورية في دمشق؛ رئيسه نعمان أبو شعر.‬           ‫·‬
                    ‫محفل زهرة العاصي في حمص؛ رئيسه حسن موصلي.‬                ‫·‬
                            ‫محفل أورنتس في حماه؛ رئيسه عيسى الباوي.‬          ‫·‬
                            ‫محفل كسروان في جونية؛ رئيسه يوسف ثابت.‬           ‫·‬
                    ‫محفل أرز لبنان في سوق الغرب؛ رئيسه حبيب الحتي.‬           ‫·‬
‫ثالثًا: المحفل األكبر الوطني المصري وله شرق إقليمي لسورية وفلسطين‬
‫برئاسة األستاذ األعظم الداماد أحمد نامي، ومقام خليج بيروت للدرجة 13، ومقام‬
                                 ‫األرز في ميناء طرابلس وعشرة محافل هي:‬
                    ‫محفل الرشيد في بيروت؛ رئيسه الدكتور حسن األسير.‬          ‫·‬
                                ‫محفل بيروت؛ رئيسه الشيخ إبراهيم منذر.‬        ‫·‬
                         ‫محفل الثبات في بيروت؛ رئيسه حسن المخزومي.‬           ‫·‬
                              ‫محفل االتحاد في بيروت؛ رئيسه جميل بيهم.‬        ‫·‬
                           ‫محفل دفنة في أنطاكية؛ رئيسه محمد آل يحيى.‬         ‫·‬
               ‫محفل الميناء األمين في أسكلة طرابلس؛ رئيسه جرجي ندلي.‬         ‫·‬



                                   ‫97‬
                                                             ‫محفل فينيقيا في بيروت.‬                 ‫·‬
                   ‫وهذه المحافل السبعة كانت (لألستاذ األعظم) محمد علي. و...‬
                                ‫محفل شرق بيروت؛ رئيسه فضل اهلل أبي حلقة.‬                            ‫·‬
                                       ‫محفل الشمس؛ رئيسه مصطفى مخزومي.‬                              ‫·‬
                                                ‫محفل الحاج؛ رئيسه يوسف الحاج.‬                       ‫·‬
                  ‫وهذه المحافل الثالثة األخيرة (لألستاذ األعظم) إدريس الراغب.‬
                      ‫رابعًا: المحفل األكبر الفرنسي وكان له أربعة محافل هي:‬
                             ‫محفل الحكمة في بيروت؛ رئيسه لبيب الرياشي...‬                            ‫·‬
                           ‫محفل الشمس في بعلبك؛ رئيسه عبد الغني الرفاعي.‬                            ‫·‬
                                 ‫محفل قاسيون في دمشق؛ رئيسه حسن الجندي.‬                             ‫·‬
                               ‫محفل االنبعاث في حلب؛ رئيسه نوري المدرس.‬                             ‫·‬
                      ‫خامسًا: الشرق األعظم اإليطالي وكان له محفل واحد هو:‬
                   ‫محفل األونيون في طرابلس؛ رئيسه موسى النحاس..."73‬                                 ‫·‬
                               ‫أما بعد االستقالل (عام 7173 مث ً) فنسجل:83‬
                                         ‫ال‬                                                         ‫·‬
                                 ‫أوالً: وجود محافل تنهج الطريقة األمريكية كـ:‬
          ‫المحفل السوري األمريكي؛ مركزه بيروت ورئيسه المستر سوان.‬                                   ‫·‬
                      ‫محفل نيويورك؛ مركزه بيروت ورئيسه األستاذ قمحين.‬                               ‫·‬
                       ‫محفل فخر الدين؛ مركزه بيروت ورئيسه سامي الحداد.‬                              ‫·‬


‫73 وديع نقوال حنا، "الماسونية في سورية: أسرار لم ُعَن بعد"، المعارف، العدد السابع، السنة السادسة،‬
                                             ‫ت ل‬
                                                           ‫تموز 1773، المطبعة الوطنية، بيروت.‬
  ‫83 ج. ف.، "الماسونية ومؤتمرها الدولي المئوي عقده بلبنان"، المسرة، العدد 717، السنة 37، أيار‬
                                                                                         ‫7173.‬



                                           ‫08‬
                             ‫محفل لبنان؛ مركزه بيروت ورئيسه فايز أسعد.‬        ‫·‬
                                             ‫محفل الشوف؛ مركزه بعلقين.‬        ‫·‬
                       ‫محفل البردوني؛ مركزه زحلة ورئيسه جورج صليبا.‬           ‫·‬
                         ‫محفل تربل؛ مركزه طرابلس ورئيسه ميشيل ديبي.‬           ‫·‬
                                     ‫محفل أميون؛ مركزه أميون (الكورة).‬        ‫·‬
                                           ‫محفل المرج؛ مركزه مرجعيون‬          ‫·‬
‫ثانيًا: وجود محافل ناهجة النهج االسكتلندي بعضها قديم نسبيًا (بمعنى أنه كان‬
                                    ‫موجودًا قبل االستقالل)، وبعضها جديد هي:‬
                     ‫محفل السالم؛ مركزه بيروت ورئيسه عبد اهلل الرفاعي.‬        ‫·‬
                                          ‫محفل الميزاب؛ ورئيسه جاك بل.‬        ‫·‬
                                          ‫محفل زحلة؛ ورئيسه إيلي ليون.‬        ‫·‬
                                           ‫ثالثًا: وجود محافل أخرى أهمها:‬
‫محفل الشرق األكبر اللبناني السوري؛ مركزه بيروت ودمشق، له بضعة‬                 ‫·‬
               ‫محافل فرعية، ويتصل باستمرار بالمنتمين إليه من الدول العربية.‬
                ‫محفل حنين قطيني؛ مركزه بيروت وله بضعة محافل فرعية.‬            ‫·‬
               ‫محفل محمد بدر – الشرق العربي؛ وله بضعة محافل فرعية.‬            ‫·‬
‫محفل حنا أبي راشد؛ مركزه الحازمية بيروت؛ وتتبعه عدد محافل فرعية.‬              ‫·‬
‫وهو، كما تنعته المحافل األخرى محفل نفعي، وقد سمح بدخول المرأة إلى‬
                                                                     ‫صفوفه.‬




                                     ‫18‬
‫محفل الشرق األكبر اللبناني؛ مركزه بيروت، له بضعة عشر محفالً فرعيًّا؛‬                                 ‫·‬
                                                                      ‫رئيسه سليم الترك.93‬
                                         ‫ح‬
                          ‫ونشير هنا إلى أنه مازالت الماسونية مسمو ًا بها في لبنان.‬


                                                                                    ‫أم‬
                                                                       ‫َّا في سورية...‬               ‫-‬
‫فقد "... دخلت (الماسونية) دمشق (سنة 7113) بمساعي األمير عبد القادر‬                                   ‫·‬
                                  ‫تأس‬
‫الجزائري، و(كان) أول محفل َّس فيها هو محفل سوريا شرق دمشق، تحت‬
‫إشراف شرق إيطاليا األعظم..."04. وكان األمير عبد القادر الجزائري قد "...‬
‫سمع كثيرًا عن الجمعية الماسونية وما لها من صحيح المبادئ، فتاقت نفسه إلى‬
‫االنضمام إليها واغتنم فرصة مروره باإلسكندرية أثناء عودته من الحجاز سنة‬
‫1113، فانتظم في سلوكها في 13 حزيران بمحفل األهرام التابع للشرق السامي‬
                         ‫الفرنسوي، ووافقت مشاربه من ِّ الوجوه، فأحبها وأحب‬
‫َّ أهلها، ومال إليها وإليهم‬                  ‫كل‬
                                                                        ‫ر‬
                     ‫كثي ًا، وكان ال يخفي نفسه. وطالما جاهر أنه من أعضائها.14‬




‫93 المرجع السابق، حيث جاء أن هذا المحفل الذي ال تعترف به المحافل األخرى في لبنان قد استأثر بتاريخ‬
 ‫حق‬
‫13/33/1173 بترخيص من وزير الداخلية اللبناني. وقد اكتسب بالترخيص صفة الشرعية، فأصبح من ِّه‬
 ‫العمل العلني في لبنان. وأول أعماله كان عقد مؤتمر دولي للماسونية في لبنان بتاريخ 17–31 آب 7173.‬
                                        ‫04 جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام منذ نشأتها إلى اليوم.‬
                             ‫14 شاهين مكاريوس، فضائل الماسونية، مصر، مطبعة المقتطف، 7713.‬



                                             ‫28‬
‫أما رسميًّا فتقول الوثائق أنه تأسس "محفل سوريا شرق دمشق تحت رعاية‬                                ‫·‬
‫شرق فرنسا السامي بموجب براءة مؤرخة في 13 كانون األول عام 3773،‬
‫الموافقة لسنة الن... الح... 3777، تحت رقم 11173. وجرى افتتاحه وتأسيسه‬
‫يوم الجمعة 17 شباط سنة 7773. وهو يجري أعماله طبقًا لدستور وقانون‬
     ‫الشرق األسمى، وهو يشتغل على الطريقة اإليكوسية القديمة والمقبولة"24...‬
‫وعام 1773 "... تأسس محفل إبراهيم الخليل تحت رعاية المحفل األكبر‬                                  ‫·‬
                                          ‫بوالية نيويورك. ومن مؤس‬
‫ِّسيه: داوود المارديني، مصطفى القباني، مصطفى‬
‫شوقي، عثمان سلطان، خليل الهبل، توفيق بيضون، عبد الرزاق عابدين، رفيق‬
‫الجالد ومصطفى القلعي..."34. كان من أهم أعضائه األحياء حتى فترة ليست‬
‫ببعيدة السيد بدر الدين الشالح (الرئيس األسبق لغرفة تجارة دمشق) الذي لم يجد‬
                                             ‫في حياته َّ حرج بالمجاهرة بماسوني‬
                                        ‫َّته.44‬                    ‫أي‬




       ‫24 النظام الداخلي لمحفل سوريا شرق دمشق باسم وتحت رعاية شرق فرنسا السامي سنة 7773.‬
                                     ‫34 عبد الحليم الياس الخوري، الماسونية ذلك العالم المجهول.‬
                                       ‫44 بدر الدين الشالح، للتاريخ والذكرى: قصة جهد وعمر.‬



                                         ‫38‬
                                                                   ‫وأيضًا، كان هناك...‬
‫محفل نور الشرق، ويحمل الرقم 1713، الذي كان "... من أقدم المحافل‬                               ‫·‬
‫الماسونية في سورية ولبنان، [وقد] ضم نخبة من الشخصيات العربية منهم: جبران‬
‫لويس، فارس الخوري، مصطفى السباعي، عبده القدسي وأمين األسطواني وعبد‬
‫الرحمن الشهبندر..."54. وكان يعمل تحت رعاية المحفل االسكتلندي.64 وأي ًا‬
 ‫ض‬
                                                                                 ‫ة‬
                                                                              ‫وخاص ً...‬
‫كان هناك محفل خالد ابن الوليد74 الذي كان يعمل تحت رعاية الشرق‬                                 ‫·‬
‫األكبر المصري والذي كان عام 1173 برئاسة األخ المحترم إبراهيم كنعان.‬
                             ‫ب‬
‫وكان من بين أعضائه، حين كان مازال طال ًا بالمدرسة الحربية، جمال فيصل‬
                                           ‫د‬
‫(الذي أصبح من بع ُ، بين عامي 1773-3173، قائدًا للجيش السوري).‬
                                                                                ‫وأيضًا...‬
‫في يوم الخميس 31/71/1773 اجتمع مندوبو المحافل المتحابة في سورية‬                               ‫·‬
‫ولبنان في دار محفل سوريا، وكان عدد الوفود ستة وعشرين. "... وعقدت الجلسة‬
‫األولى في الساعة الثامنة منه... برئاسة األخ المحترم نعمان أبو شعر، أكبر هيئة‬

         ‫54 نجدة فتحي صفوة، الماسونية في الوطن العربي، لندن، مطبوعات مركز الدراسات العربية.‬
                               ‫64 د. حسين عمر حمادة، الماسونية والماسونيون في الوطن العربي.‬
                                                                          ‫74 نفس المصدر.‬



                                          ‫48‬
‫المؤتمرين سنًّا. ثم انتخب [األخوان المحترمون] جميل بيهم لرئاسة األعمال،‬
‫وسعيد صباغة لنيابة الرئاسة، وجبران تويني لكتامة السر، يعاونه منح هارون،‬
‫سجعان عارج وسعيد الغزي. وقد واصل المؤتمرون اجتماعاتهم طيلة أربعة أيام‬
‫متتالية، عقدوا خاللها سبع جلسات قانونية، ختمت في الساعة الثالثة من بعد الظهر‬
‫يوم األحد 1 آب 1773. وقد اتخذ المؤتمر قراراته التي جرى إبالغها لمقام‬
‫الشرق السامي الفرنساوي والمحفل األكبر الفرنساوي ومنها: "... إن الحلفاء‬
‫احتلوا بالدنا باعتبارها من أراضي العدو، وأنشأوا فيها اإلدارات العسكرية‬
‫المؤقتة، تلبية للضرورات العسكرية المؤقتة يومئذ... وظلت التشكيالت المؤقتة‬
‫سارية إلى اآلن، وقد نتج عن هذه الحالة اضطراب في التشريع والحياة السياسية‬
‫والعلمية والعمرانية والقومية، ألن بقاء البالد ست سنوات في حكم مؤقت غير‬
                                            ‫ع‬
                                    ‫ثابت يوقع االرتباك في فروع حياتهم جمي ًا...""84‬
                                                                       ‫ض‬
                                                   ‫وكان هنالك أي ًا عدة محافل أهمها...‬
          ‫أس‬
‫محفل الزهرة، وقد "... تأسس قبيل الحرب الكونية الثانية، َّسه األستاذ‬                                  ‫·‬
                                                   ‫تخل‬
          ‫جورج كويتر... وقد َّى عن السلطة المصرية في سنواته األخيرة."94‬
‫محفل العزيز "... أسسه األستاذ إبراهيم كنعان، تحت سلطة المحفل األكبر‬                                  ‫·‬
‫الوطني المصري. ثم عدل عنه لسلطة الشرق العربي...". وكذلك أي ًا‬
 ‫ض‬
                                                                                     ‫وخاصة...‬




 ‫84 قرارات المؤتمر الماسوني الذي عقدته المحافل المتحابة السورية اللبنانية في مدينة دمشق من 31 تموز‬
                                              ‫إلى 1 آب سنة 1773، بيروت، مطبعة جريدة األحرار.‬
                                                             ‫94 د. حسين عمر حمادة، نفس المرجع.‬



                                              ‫58‬
‫محفل طوروس باإلسكندرونة الذي كان يحمل الرقم 7173، وكان "... يعمل‬                                      ‫·‬
‫تحت رعاية المحفل االسكتلندي بأدنبره..."،05 قبل أن يصبح من بع ُ تحت رعاية‬
          ‫د‬
                                                           ‫المحفل األكبر السوري العربي.‬
‫بتاريخ 13 آذار 7173، وبرعاية الشرق األكبر المصري، جرى تدشين‬                                           ‫·‬
                                           ‫الشغ‬
‫المحفل األكبر اإلقليمي السوري َّال بالطريقة اإليكوسية القديمة والمقبولة، من‬
‫اتحاد أربع محافل نظامية هي: 3. محفل قاسيون ش... دمشق. 7. محفل نور‬
‫الشرق ش... دمشق. 1. محفل فاروق ش... دمشق. 1. محفل خالد بن الوليد‬
 ‫ض‬                                  ‫ض‬
‫ش... دمشق،15 الذي كان يترأسه أي ًا األخ إبراهيم كنعان والذي كان أي ًا‬
                          ‫تحت رعاية الشرق األكبر المصري، وضم‬
‫َّ عددًا من الشخصيات السورية‬
                                                                                        ‫الهامة...‬
‫أما الشرق األعظم السوري الذي كان أول شرق ماسوني (مستقل) في‬                                            ‫·‬
‫سورية، فقد تأسس في 17 نيسان 7173، وكان يعمل على الطريقة اإليكوسية‬
‫القديمة المقبولة، ويمنح (بالتالي) الدرجات حتى الثالثة والثالثين. وقد كان تحت‬
                    ‫إشرافه ستة عشر محفالً موزعة في مختلف أنحاء سورية هي:‬
                                                   ‫محفل اإليمان رقم 3 شرق دمشق.‬
                                                     ‫محفل األمل رقم 7 شرق دمشق.‬
                                                   ‫محفل التوفيق رقم 1 شرق دمشق.‬
                                                   ‫محفل األندلس رقم 1 شرق دمشق.‬
                                                   ‫محفل النهضة رقم 7 شرق دمشق.‬
                                                     ‫محفل النجاة رقم 1 شرق حمص.‬


                                                         ‫05 عبد الحليم الياس خوري، نفس المرجع.‬
        ‫15 حنا مالك، بيان المحفل األكبر اإلقليمي لسورية – الطريقة اإليكوسية القديمة المقبولة، دمشق.‬



                                             ‫68‬
                                               ‫محفل الوادي رقم 7 شرق زحلة.‬
                                             ‫محفل االتحاد رقم 1 شرق دمشق.‬
                                             ‫محفل اإلنسانية رقم 7 شرق حماه.‬
                                            ‫محفل الغافقي رقم 13 شرق دمشق.‬
                                             ‫محفل األنوار رقم 33 شرق حلب.‬
                                         ‫محفل الفيحاء رقم 73 شرق طرابلس.‬
                                           ‫محفل اليرموك رقم 13 شرق درعا.‬
                                         ‫محفل األربعين رقم 73 شرق بانياس.‬
                                        ‫محفل ذي قار رقم 13 شرق السويداء.‬
‫وأيضًا، أنشئ المحفل األكبر الوطني اللبناني السوري عام 7173، "إثر‬                            ‫·‬
‫إعالن استقالله الماسوني عن السلطة المصرية. و[كان] يعمل تحت رعايته أحد‬
                                                          ‫ال‬
‫عشر محف ً ومقامان ومجلسان"25، من أهمها كان محفل العروبة في حمص الذي‬
                                 ‫ض‬
                             ‫كان رئيسه حينئذٍ السيد بشير المعصراني. وأي ًا...‬
‫كان الشرق األعظم العربي السوري الذي "... أعلن تأسيسه عام 7173 إثر‬                           ‫·‬
‫قطع العالقة بين محفلي الزهرة والعزيز والمحفل األكبر الوطني المصري...‬
                                        ‫وكان يعمل تحت رعايته أربع محافل هي:‬
                ‫محفل العدل رقم 3 (رئيسه المحترم) األستاذ شاكر الحنبلي.‬
                ‫محفل الزهرة رقم 7 (رئيسه المحترم) األستاذ وجيه الحفار.‬
                  ‫محفل العزيز رقم 1 (رئيسه المحترم) األخ إبراهيم كنعان.‬
                   ‫محفل الحكمة رقم 1 (رئيسه المحترم) د. حاج ويس."35‬


             ‫25 مجلة كل جديد، عدد خاص عن الماسونية، العدد الثامن، السنة الرابعة، آب 1173.‬
                                                                         ‫35 نفس المرجع.‬



                                       ‫78‬
                                                  ‫ر‬           ‫ر‬
‫وأخي ًا، وليس آخ ًا، كان المحفل األكبر السوري العربي الذي كان يترأسه‬                                  ‫·‬
                  ‫ب‬
‫سمو األمير محمد سعيد حفيد األمير عبد القادر الجزائري قطًا أعظمًا، الذي دعا‬
   ‫كل‬                       ‫حينئذٍ، عام 3773، إلى االستقالل التام ماسوني‬
‫ًّا، والذي كان من أعضائه ٌّ من‬
‫العقيد أديب الشيشكلي والزعيم فوزي سلو. هذا وقد كان يعمل تحت رعاية هذا‬
                                                          ‫المحفل المقامات والمحافل التالية:‬
                                      ‫مقام ابن الوليد لدرجة 13 رقم 1 شرق حمص.‬
                                     ‫مقام ابن هاني لدرجة 13 رقم 7 شرق الالذقية.‬
                                                       ‫مقام الشباب رقم 7 شرق دمشق.‬
                                                 ‫محفل الجزيرة رقم 1 شرق القامشلي.‬
                                           ‫محفل أويس القرني رقم 13 شرق المعرة.‬
                                                  ‫محفل الحرية رقم 33 شرق سيواس.‬
                                                 ‫محفل الوطن رقم 73 شرق قصيري.‬
                                              ‫محفل طوروس رقم 13 شرق إسكندرون.‬
                                                    ‫محفل الشمس رقم 13 شرق دمشق.‬
‫معلومات مبعثرة ومشتتة، وتفتقر للدراسة والتعمق والتمحيص... لكنها إن كانت‬
‫تدل على شيء فإنما تدل على سعة انتشار الماسونية في سورية، حتى كان العام‬
                                                        ‫7173 ُّها رسمي‬
       ‫ًّا بقرار من السلطات آنذاك،45 مما قد يستدعي ربما...‬     ‫وحل‬




 ‫45 صحيفة البعث السورية، "إلغاء المحافل الماسونية وأندية الروتاري في سوريا"، العدد 117، الثالثاء 13‬
                                                                                       ‫آب 7173.‬



                                               ‫88‬
                                   ‫2-6‬
                    ‫كنتيجة ومحصلة لهذا الفصل...‬

‫اإلقرار بأن هذه الحركة، التي كان لها وجود واسع وتأثير عميق في بلدنا، حتى‬
‫فترة قريبة، والتي ما زال لها تأثيرها ونفوذها في العالم عامة، وفي أوساط النخب‬
‫والمثقفين خاصة، تستحق المزيد من البحث والتمحيص – األمر الذي سنحاول‬
                                         ‫تقصيه من خالل ما سيأتي من بحثنا...‬

                                   ‫***‬




                                    ‫98‬
                                  ‫الفصل الثالث‬
          ‫في الرمزية الطقسية للماسونية التأملية‬
                                  ‫وتدرجاتها...‬


  ‫ن‬
‫"... أين أنا؟ ماذا تراني أفعل هنا؟ أتراهم يسخرون م ّي؟‬


                            ‫ال‬
‫ألن أخجل من نفسي مستقب ً حين أعود ألتذكر كل هذا؟..."‬


‫ليف تولستوي على لسان الكونت بيير بيزوغوف‬


‫ليف تولستوي - الحرب والسلم‬


                                    ‫ا‬
‫ألن القضية، وفي حالنا هذه تحديدً، هي قبل كل شيء، قضية مساررة... وهذا‬
                                          ‫عر‬
‫منطقي وطبيعي بالنسبة لجماعة َّفت نفسها بكل وضوح منذ البداية بأنها "تنظيم‬
                                                                 ‫ر‬
‫مسا ّي نقلي...". وألنه لكل مساررة تقاليدها وطقوسها. كذلك األمر بالنسبة‬
‫للماسونية العملية أو التأملية. خاصةً وانه كما قال رونيه غينون " ... لم يبقى في‬
      ‫ال‬                                     ‫ر‬
‫العالم الغربي، وكتنظيم مسا ّي يستطيع االدعاء بنسب تقليدي حقيقي، إ ّ معلمي‬
‫الكار والماسونية..."55 لذلك، فإننا سنحاول في هذا القسم من بحثنا، ومن أجل‬
‫تفهم أكبر لطبيعة الماسونية وأبنائها، تسليط بعض الضوء على ما نعتقد أنه أهم‬
                                                ‫ما لديهم. نقصد، طقوسهم ورمزيتها...‬


‫301 .‪55 - René Guénon - Aperçus sur L’Initiation, 1946, p‬‬


                                           ‫09‬
                                               ‫ا‬          ‫ة‬
‫مؤكدين خاص ً – واستنادً إلى ما يقولونه عن أنفسهم - على الدرجات الثالثة‬
                                           ‫ا‬
‫األولى. ثم سنحاول، واستنادً إلى نفس المرجعية، فتح نافذة قد تنير الطريق‬
                     ‫بالنسبة لما قد تعنيه درجاتها العليا... ونبدأ أول ما نبدأ بـ...‬

                                     ‫3-1‬
                                    ‫األدوات...‬

                                          ‫ن‬
‫والتي هي تلك التي يحتاجها البّاء كي يتمم عمله. ألن األدوات األساسية التي‬
                                            ‫ا‬     ‫ا‬
‫تستعملها الماسونية مجازً ورمزً هي في األصل، تلك التي كان يستعملها البناؤون‬
‫العمليون في األزمنة القديمة. وأول هذه األدوات وأهمها – األمر الذي يجعلها‬
‫مقترنة بالماسونية كشعار، إن لم نقل رمزها األساسي – هي الزاوية والفرجار...‬




         ‫اللوحة األولى – شعار الماسونية واهم أدواتها الرمزية، الزاوية والفجار‬


‫حيث تمثل الزاوية العنصر السلبي أو الجامد لكن، الضروري والذي ال غنى عنه‬
‫لتحديد استقامة وصحة قائمية الحجر و/أو المنشأة. بينما يمثل الفرجار العنصر‬
‫اإليجابي أو المتحرك الذي يؤكد على ملكة الفكر وتحكمه بالمادة. هذا وتختلف في‬
             ‫ن‬
‫الرمزية الماسونية، وحسب الدرجات، إن لم نقل، حسب مقدرة البّاء على التحكم‬
‫بطبيعة األشياء، وضعية كل من الفرجار والزاوية أحدهما بالنسبة لآلخر. ففي‬


                                         ‫19‬
‫الدرجة األولى التي هي درجة المبتدئ، ولما كانت المهمة األساسية المطلوبة من‬
‫هذا األخير تتمحور حول صقل نفسه، بحيث تتطور من حجر أصم إلى حجر‬
‫مصقول ومنحوت يمكن استعماله في البناء، نجد أن الزاوية تأتي من حيث‬
‫وضعيتها فوق الفرجار الذي ما زال على المريد تعلم كيفية التحكم به واستعماله‬
                                                             ‫م‬
‫كما يجب. أ ّا في الدرجة الثانية والتي هي درجة الرفيق فنالحظ تداخل اإلثنين‬
‫ببعضهما البعض. بينما في الدرجة الثالثة أي في درجة األستاذ فإننا نالحظ‬
                                               ‫ا‬
                   ‫ركوب الفرجار، الذي هو استحقاقً أداة المعلم، فوق الزاوية...‬
   ‫ونتابع استعراض باقي األدوات، وفقاً ألهميتها فننتقل إلى المطرقة واإلزميل...‬




                                 ‫ا‬
               ‫اللوحة الثانية – ومن أهم األدوات أيضً، المطرقة واإلزميل‬


                    ‫ن‬
‫اللتين هما األدتين الرئيسيتين المستعملتين من قبل البّاء لتشذيب وصقل الحجر‬
                                                                 ‫م‬
‫األص ّ. وهذه ترتبط في الماسونية بدرجة المبتدىء أي بالدرجة األولى. لكنها‬
                                                     ‫ة‬
‫ايضاً، وخاص ً منها المطرقة، تعتبر من األدوات األساسية لرئيس المحفل‬
                               ‫ا‬
‫ولمراقبيه ومن رموز سلطتهم. ونالحظ هنا أيضً أننا أمام عنصرين أولهما أيجابي‬
‫(اال وهو المطرقة) وثانيهما سلبي (الذي هو اإلزميل). هاتان األداتان اللتان‬
‫يتحدث عنهما أوزفالد فيرث حين يقول أنه "... يستلزم األمر بطبيعة الحال أداتان‬
‫(لنحت الحجر األصم): األداة األولى تمثل ما نقرره أصالً في صميم أنفسنا: وهو‬
‫اإلزميل الذي نتناوله باليد اليسرى، أي العنصر السلبي، الذي يرمز إلى ما نتلقاه‬



                                        ‫29‬
                                                             ‫ال‬            ‫ا‬
‫فكرً ونميزه تحلي ً. بينما األداة األخرى التي تجسد اإلرادة المن ّذة: أي المطرقة،‬
               ‫ف‬
‫فهي رمز السلطة، التي نشهرها باليد اليمنى، أو لنقل العنصر اإليجابي، المرتبط‬
‫بالطاقة الفعالة واإلرادة األخالقية التي ينبع عنها كل تحقق فعلي على أرض‬
                                                              ‫الواقع..."65. وأيضً...‬
                                                                 ‫ا‬
                                         ‫ن‬
               ‫من األدوات األساسية التي يستعملها البّاء، القائم و... المستوي...‬




                               ‫ا‬
              ‫اللوحة الثالثة والرابعة – ومن األدوات أيض ً، القائم والمستوي‬


‫هذا (المستوي) الذي كما قال بالنتاجينيت "... يمثل... العدالة الفطرية التي ال‬
                                       ‫ا‬
‫عالقة لها بتدرج القيم إنما يذكرنا دائمً بأن علينا معالجة كل األمور بصفاء..."75‬
‫ا ّا القائم فهو كما قالت جيدالج "... رمز البحث - المتعمق – في الحقيقة، ورمز‬
                                                                        ‫م‬
‫الثقة بالنفس والتوازن الذي يبدو وكأنه يقود إلى غرفة الوسط..."85 لهذا، يقولون‬
                                    ‫ا‬
  ‫في الماسونية، أنه عندما يصبح المبتدئ رفيقً فإنه ينتقل من المستوي إلى القائم.‬
                                                                    ‫ا‬
‫وأخيرً كأدوات، هناك المسطرة والعتلة والمالج... تلك التي تتجلى قيمتها بكامل‬
‫أبعادها في الدرجة الثانية أي في درجة الرفيق، من خالل ما يرمز إليه كل منها‬
       ‫خالل "الرحالت الخمس" لهذه الدرجة، والتي هي (حسب الطقس) كما يلي:‬
  ‫جدول يبين األدوات حسب الرحالت والطقس بالنسبة لمريد الدرجة الثانية أي‬
                                        ‫الرفيق‬

‫.‪56 - Oswald Wirth; Le livre du compagnon‬‬
‫.‪57 - Plantagenet; Causeries en chambre de compagnons‬‬
‫.”‪58 - Dic. Rhea. Art. “Fil a plomb‬‬


                                          ‫39‬
      ‫الحق اإلنساني‬        ‫الطقس الفرنسي‬            ‫الطقس اإلسكتلندي‬          ‫الرحلة‬
    ‫المطرقة واإلزميل‬      ‫المطرقة واإلزميل‬          ‫المطرقة واإلزميل‬         ‫األولى‬
    ‫الزاوية والفرجار‬       ‫الزاوية والفرجار‬         ‫المسطرة والفرجار‬         ‫الثانية‬
     ‫المسطرة والعتلة‬       ‫المسطرة والعتلة‬           ‫المسطرة والعتلة‬         ‫الثالثة‬
   ‫الفرجار والكتاب95‬                                ‫المسطرة والزاوية‬         ‫الرابعة‬
       ‫األيدي حرة‬                ‫المالج‬                ‫األيدي حرة‬           ‫الخامسة‬
‫وهي رموز سنحاول توضيحها بشكل أفضل ضمن سياق بحثنا الذي يقودنا بطبيعة‬
            ‫الحال إلى بعض التوسع في الدرجات األساسية للماسونية. ونبدأ بـ...‬




                                     ‫3-2‬
                  ‫رمزية الدرجة األولى أو... المبتدئ...‬




‫اللوحة الخامسة والسادسة – المبتدىء وشعار الدرجة األولى حيث نالحظ وضعية الزاوية فوق‬
                                          ‫الفرجار‬




                                ‫95 - هذا الكتاب هو عادة توجهات المنحى الذي يتبع له المحفل.‬



                                           ‫49‬
                       ‫ال‬
‫– ألنه حين يدخل "المريد" الذي ما زال جاه ً (‪ )profane‬غرفة التأمل.‬                        ‫1‬
‫وهي (كما يفترض) غرفة صغيرة متشحة بالسواد. فإنه يجد أمامه بقايا هيكل‬
‫عظمي وجمجمة ومنضدة صغيرة وضع عليها بعض أدوات الكتابة – محبرة‬
                                             ‫ا‬
‫وريشة وورق – وأيضً... يجد على المنضدة نفسها قطعة خبز وإبريق ماء‬
‫وإبريق آخر يحتوي على بعض الكبريت ووعاء يحتوي على بعض الملح...‬
                                      ‫ا‬
‫وعلى جدران هذه الغرفة يجد معلقً بعض الشعارات الغريبة التي تبدو وكأنها‬
                                              ‫ا‬
                                         ‫تخاطبه حين تقول مثالً وليس حصرً أنه:‬
              ‫" إن دخلت إلى هنا بدافع من الفضول فاخرج من فضلك... " و...‬
              ‫" إن شعرت بالخوف يتملك نفسك فتوقف وال تستمر... " ولكن...‬
‫" إن قررت االستمرار، فستتحرر من عناصرك، وتخرج من أعماق الجحيم،‬
                                                                        ‫وترى النور..."‬
                                                      ‫ا‬
‫ويجد أيضاً، (معلقً) على أحد الجدران، لوحة رمزية تزين الغرفة، وعليها رسوم‬
     ‫وكلمات غريبة. كصورة ديك. وأحرف .‪ V.I.T.R.I.O.L‬وأشياء أخرى...‬




              ‫اللوحة السابعة – اللوحة الرمزية المتعلقة بدرجة المبتدىء‬


‫ذلك أنه يتوجب على المريد في هذا "السجن" إعادة التفكير بحياته‬
‫الماضية وتحديد ما يبتغيه من حياته الجديدة المفترضة. كما يتوجب عليه‬




                                       ‫59‬
‫اإلجابة بصدق على األسئلة الثالثة التي ستطرح أمامه. وأن يكتب‬
                                         ‫وصيته... فماذا يعني كل هذا؟‬
                                                 ‫ال‬
‫إنه يعني او ً، أنه بعد خروجه من هذا المكان سيكون المريد قد مات‬
                           ‫ا‬
‫بالنسبة لحياته الماضية. وأنه أصبح مستعدً لمجابهة مسؤوليات ما تتطلبه‬
‫حياته الجديدة. تلك التي يتوجب عليه ههنا (وفي هذه الغرفة بالذات) أن‬
                                                              ‫يتهيأ لها.‬
                                           ‫ا‬
‫وهذا يعني ثانيً، وكتحصيل حاصل، أن عليه من أجل ذلك الغوص في‬
         ‫ا‬
‫أعماق نفسه؛ إن لم نقل في أعماق جحيمه. وهذا تحديدً ما تعنيه‬
                                                       ‫ا‬
‫إختصارً أحرف .‪ V.I.T.R.I.O.L‬التي إن أعدناها إلى أصلها الالتيني‬
‫‪Visita Interiora Terrae Rectificando Invenice‬‬                          ‫"‬
‫‪ ”Ocultum Lapidem‬تعني "قم بزيارة باطن األرض تجد صخرة‬
‫الحكمة المستورة"... وحيث الكبريت والزئبق (و/أوالديك) والملح هي‬
‫المبادىء الباطنية الثالثة التي يرمز أولها إلى العنصر المذكر وثانيها إلى‬
‫العنصر المؤنث وثالثها إلى العنصر الحيادي... أما الخبز والماء فهما‬
 ‫ل‬
‫يرمزان إلى ما هو أساسي في هذه الحياة حيث يتوجب على المريد تعّم‬
                                            ‫ضرورات التقشف وأهميته.‬
                                              ‫ة‬
‫ويجيب "المريد" كتاب ً على ما يطرح أمامه من أسئلة ثالثة قد تكون ربما‬
‫"من أين اتينا؟ ومن نحن؟ وإلى أين نسير؟" ويكتب ما يصطلح على‬
                                        ‫تسميته "وصيته الفلسفية". ثم...‬
       ‫ة‬      ‫ل‬                                            ‫يجر‬
‫َّد من معادنه (أي مما هو بحوزته في حينه من ما ٍ وزين ٍ وأشياء‬
             ‫ي‬
‫مادية أخرى) فيسلمها إلى األخ "خادم المحفل". و ُكشف عن الجانب‬
‫األيسر من صدره، وبعد تجريده من نعليه يكشف عن ركبته اليمنى،‬



                                      ‫69‬
                                                 ‫فا‬
‫ويلبس خ ًّ في قدمه اليمنى، ثم تعرى قدمه اليسرى. وتغطى عيناه‬
                                        ‫بضماد كثيف يمنعه من الرؤيا...‬




   ‫اللوحة الثامنة – وتمثل حال المريد )المبتدىء( وهو على وشك دخول المحفل‬


                                ‫ا‬                     ‫ا‬
‫ما يعني رمزً أن عليه أن يكون صادقً (ما يرمز إليه كشف منطقة القلب)،‬
                                                                  ‫ا‬
‫متواضعً (ما يرمز إليه كشف الركبة اليمنى)، وأن يحترم المكان المقدس الذي هو‬
‫على وشك تجاوز عتبته (ما ترمز إليه تعرية القدم اليسرى). وأنه ما زال حتى‬
                  ‫هذه اللحظة أعمى (ما يرمز إليه الضماد الذي يمنعه من الرؤيا).‬
‫- ثم يؤذن له بعد هذا، بأن يطرق بوابة المحفل التي تنفتح أمامه بصخب...‬                  ‫2‬
            ‫ر‬
‫تلك البوابة التي يُسمح له بتجاوز عتبتها شريطة أن يكون ح ّ المولد وحسن‬
‫األخالق... فيتقدم إلى داخل المحفل ورأس سيف متألق يضغط بنعومة على‬
‫صدره. ويقوم برحالته الرمزية الثالثة. تلك التي يصفها أوزفالد فيرث06، كما‬
                                                                             ‫يلي...‬
     ‫ر‬
‫الرحلة األولى: "... ألن مسار المرء الذي يبدأ التدرب على التفكير الح ّ يكون‬
‫بادىء ذي بدء كمسار األعمى. فإننا نراه ينطلق مبتدئاً من الغرب (الذي يرمز إلى‬


‫– ‪60 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes‬‬
‫.‪L’apprenti‬‬


                                        ‫79‬
‫العالم الحسّي والملموس)، فيتجه نحو ظلمات الشمال عبر تلك الغابة التي وصفها‬
‫دانت وحيث يتواجد مختبئاً الغصن الذهبي الذي هو رمز مفتاح أبواب الجحيم.‬
‫فيتعلم التعميم واالستنتاج وغالباً ما يخطىء... لذلك نراه يعيد الكرة من جديد‬
‫مصححاً أخطاءه. ما يقوده شرقاً إلى عالم التجريد... ثم يدفعه غرباً (إلى العالم‬
‫الحقيقي)... وتكون رحلته األولى هذه مليئةً باألشواك، فيرتفع فيها إلى القمة ثم‬
‫يهبط فجأة إلى األعماق. ويشعر في نهايتها بتعب شديد. وبشعور مرير‬
                                                           ‫بالفشل...". وتكون...‬
‫الرحلة الثانية: " ... ألن فشله في األولى ال يدفعه إلى اليأس. لذلك نراه يحاول‬
‫تلمّس مسببات أخطائه. فيعود أدراجه. ويتقدم بحذر فتتملك الحيرة نفسه...لكنه، في‬
‫هذه الرحلة، التي تتحقق فيها معموديته الفلسفية (بالماء)، تعود إليه ثقته بنفسه...‬
‫فيتعلم التفكير بحرية بمفرده، من دون أن يصبح أسيراً لرأي اآلخرين... لكن،‬
           ‫الحكمة التي تعلمها في هذه الرحلة ال تكفي حيث ما زال عليه إتمام..."‬
‫الرحلة الثالثة: "... تلك التي يتوجب عليه فيها التعرف إلى مملكة الجحيم، وهي‬
‫رمز الحقيقة المختبئة في أعماق قلبه. وأن يجرب لهيب نارها... لكن المريد‬
‫السائر بخطى واثقة سرعان ما يتجاوز هذه المرحلة بال صعوبة ويصل إلى هدفه.‬
‫فيتملكه شعور عميق بالراحة وبالثقة. تلك الثقة الناتجة خاصةً عن حبه العميق‬
‫لآلخرين. وعن هذه النار التي يفترض أن تبقى دائماً في قلبه متألقة ال تنطفىء..."‬
‫ويشرب المريد بعد هذا من "كأس المرارة". والتي هي (رمزً) كأس المسؤولية‬
               ‫ا‬
         ‫ر‬                    ‫ل‬
‫والحرية. ثم، بعد أدائه القسم أمام الهيكل، و... تعّم اإلشارة وكلمة الس ّ المتعلقة‬
                      ‫ا‬
                     ‫بدرجته... تعاد إليه معادنه، ويصبح المريد المبتدىء متدربً.‬


                                   ‫3-3‬


                                      ‫89‬
                  ‫في رمزية الدرجة الثانية أو... الرفيق...‬




 ‫الللوحة التاسعة والعاشرة – الرفيق وشعار هذه المرتبة حيث نالحظ تداخل الزاوية مع الفرجار‬


                                         ‫ر‬
‫ألنه "... عندما يتملك المتد ّب ما يكفي من الفهم النظري بحيث يصبح بوسعه‬
‫استيعاب طقوسية مساررته األولى، يصبح بإمكانه التطلع إلى المساررة الثانية.‬
‫عندئذ، يعود األمر ألستاذه كي يقترح تقديمه إلى المحفل من أجل الحصول على‬
                 ‫ال‬
‫الترقية التي أضحى يستحقها. لكن المشغل ال يعطي قراره إ ّ بعد االستماع إلى‬
‫المرشح الذي يتوجب عليه، وأمام باقي الممتهنين، اإلجابة على ما يطرح أمامه من‬
‫أسئلة تتعلق بالدرجة األولى... ولعل أهم سؤال يتوجب على المريد إجابته في‬
                                                                 ‫حالنا هو من نحن؟.."16‬
                                                                   ‫ض‬
‫ويح ّر المريد لتلقي راتبه األعلى لكن التحضير في هذه الدرجة، وحسب أوزفالد‬
‫فيرث، هو تحضير أخالقي من حيث األساس26. بمعنى أنه في هذه المرحلة بات‬




‫‪61- Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le‬‬
‫‪Compagnon‬‬
   ‫26 - هذا بالنسبة للطقس الفرنسي، أما في الطقس االسكتلندي، فإن طقوس التحضير، حسب جول بوشيه،‬
                                                                                ‫د‬
                                              ‫مشابهة إلى ح ّ كبير لطقوس التحضير للدرجة األولى.‬



                                            ‫99‬
                   ‫د‬
‫ِّح إلخوانه في المحفل "... ماذا أع ّ في قلبه للحصول على‬
                                                     ‫يتوجب عليه أن يوض‬
                                                                ‫درجته الثانية..."36‬
‫ونسجل هنا مع األسف، ما نالحظه بشكل عام في الحياة، أن هذه الدرجة التي‬
    ‫ا‬                      ‫ا‬
‫يفترض أن تكون األهم والمرتكز واألكثر اتساعً في الماسونية، هي عمليً على‬
                             ‫ة‬
‫أرض الواقع أقلها اتساعاً، وأقلها أهمي ً. وهذا قد يعود ربما – حسب جول‬
‫بوشيه46 - الى عدم تفهم الماسون بمعظمهم لما تعنيه رمزية "الرحالت‬
‫الخمسة" المرتبطة بهذه الدرجة األساسية. تلك الرحالت التي يقوم بها المريد بعد‬
                                       ‫أدائه القسم والتي سنحاول إيجازها كما يلي:‬
‫الرحلة األولى: التي من المفترض أن يكتشف المريد فيها ما تعنيه الحواس‬
‫الخمسة، أو ربما كما عبر أوزفالد فيرث رمزاً "... تعلم استعمال أدوات‬
‫مهنته...". "... ألن النظرية تبقى بال فائدة ما لم تقدنا إلى التطبيق العملي. كما أن‬
‫العمل يفرض نفسه بنفسه على المريد ما دام يرى األمور بوضوح وما دامت‬
‫الغشاوة قد زالت عن عينيه. لهذا فإن من أهم واجبات الرفيق التدرب على العمل‬
‫من خالل الثقافة المنطقية وقوة اإلرادة. ألن عليه إتمام تنوير نفسه وتعلم استعمال‬
‫هذه اإلرادة. وأدواته المعبرة في هذه الرحلة هي المطرقة واإلزميل..."56 أ ّا‬
 ‫م‬
                                                                                ‫في...‬
                      ‫ا‬
‫الرحلة الثانية: فيتعلم المريد الطامح ألن يصبح رفيقً معنى األنظمة الهندسية‬
‫األربعة (أو الخمسة حسب بعض المراجع). تلك التي أدواتها الرئيسية الفرجار‬
‫والمسطرة حسب الطقس األسكوتلندي (أو الزاوية والفرجار حسب الطقس الفرنسي‬

‫‪63 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le‬‬
‫‪Compagnon‬‬
‫.‪64 - Jules Boucher; La symbolique Maçonnique‬‬
‫‪65 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le‬‬
‫‪Compagnon‬‬


                                       ‫001‬
‫و/أو الحق اإلنساني). "... ألن المسطرة والفرجار يعلمان كيف نوفق بين المطلق‬
‫والنسبي؛ ما يعني ان ال نرفع مثاليتنا أعلى مما تتوجبه األمور؛ ما يعني أيضاً أن‬
 ‫ل‬
‫ال نطلب أبداً شيئاً يستحيل تنفيذه؛ وما يعني أخيراً أن نتجنب الوقوع في أي تصّب‬
‫عقائدي غالباً ما يخطىء مساره على أرضية الواقع. من هذا اإلدراك، ال يبقى من‬
‫عائق أمام النفس سوى تلك العوائق التي تضعها المادة والتي يتوجب قياسها‬
‫وتجاوزها بصبر وذكاء..."66 خاص ً، وأنه ما زال يتوجب على الرفيق أن يتفهم‬
                                       ‫ة‬
          ‫كل أوجه وأبعاد مهنته، ما يعني رمزاً متابعة المسير أو لنقل القيام بـ...‬
‫الرحلة الثالثة: تلك التي أدواتها الرئيسية، وفي مختلف الطقوس، المسطرة‬
                           ‫ا‬
‫والعتلة. والتي يربطها الطقس الفرنسي رمزً بالعلوم بينما يربطها الطقس‬
                                         ‫ر‬
‫األسكوتلندي بالفنون الح ّة السبعة التي يتوجب على الماسوني كما يقول‬
‫بالنتاجينيت "... أن يصونها كصميم إيمانه، وكما كان يقدمها رمزاً الدستور القديم‬
‫للـ(البنائين) العمليين. تلك التي هي تعداداً القواعد والبالغة والمنطق والحساب‬
‫والهندسة والموسيقى وعلم الفلك، هذه الفنون التي يتلقى المريد المبتدىء، وإلى‬
‫يومنا هذا، التعاريف المتعلقة بها..."76 وتتجسد هذه العلوم من حيث الرمز بالعتلة‬
‫د‬
‫التي "... كما تتجلى في المساررة، ليس بوسع أي شيء أن يقاوم قوتها. إلى ح ّ‬
‫ان أرخميدس حين تحدث عنها كمسار ادعى أن بوسعه بواسطتها رفع‬
                                                         ‫العالم..."86. ونتابع مع...‬
‫الرحلة الرابعة: التي أدواتها وفق الطريقة األسكوتلندية المسطرة والزاوية. وحيث‬
    ‫ا‬                                                               ‫ر‬
‫يتع ّف المريد (حسب نفس الطريقة) إلى الفالسفة الخمسة، والذين هم تعدادً وفق‬


‫.‪66 - Ibid‬‬
‫97 .‪67 - Plantagenet; Causeries en Chambre de Compagnon; p‬‬
‫‪68 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le‬‬
‫‪Compagnon‬‬


                                       ‫101‬
‫هذه الطريقة: صولون، سقراط، ليسورج، فيثاغوراس ويسوع... وهو تعريف‬
        ‫ا‬              ‫ا‬
‫يتجاهله أوزفالد فيرث الذي يفضل من ناحيته هنا أيضً (وقد يكون محقً من وجهة‬
‫نظرنا)، التقيد برمزية األدوات. تلك التي هي في الحقيقة مسار في منتهى العمق.‬
                                                 ‫ألنه يوصلنا في النهاية إلى...‬
‫الرحلة الخامسة واألخيرة لهذه الدرجة، والتي يؤكد أوزفالد فيرث بشكل أساسي‬
‫على طابعها التأملي. "... ألنه، وبعد أن يكون قد بذل كل جهده، يصبح من واجب‬
‫الرفيق تكريس بعض الوقت للتأمل. أي لالستيعاب الداخلي للمالحظات التي‬
‫تراكمت عنده خالل رحالته الماضية. وهي اكتشافات عميقة بات عليه هضمها.‬
                                      ‫وهذا أمر ال يتم مباشرة وال بسهولة..."96‬
‫إن الطابع العملي لهذه الرحالت قد يفسر ربما، حسب جول بوشيه، عدم االهتمام‬
     ‫ا‬
‫الكافي للماسون بهذه المرتبة.07 لكنه، من وجهة نظرنا، ال يبرره إطالقً. ألن‬
‫التجاوز السريع لهذه المرتبة، دون استيعابها كما يجب، هو من وجهة نظري،‬
‫تكرار ولو رمزي، ولو غير مقصود ربما، لقتل حيرام الذي يدعي الماسون‬
‫االنتساب إليه... األمر الذي سنحاول تفسيره بمزيد من التفصيل لدى تعرضنا‬
‫لرمزية الدرجة الثالثة. تلك التي قبل االنتقال إليها نجد من الضروري التوقف قلي ً‬
‫ال‬
‫أمام بعض أهم الرموز المتعلقة بالدرجة الثانية؛ والتي نستقيها من اللوحة الرمزية‬
                                                          ‫التالية المتعلقة بها...‬




‫.‪69 - Ibid‬‬
‫.‪70 - Jules Boucher; La Symbolique Maçonnique‬‬


                                     ‫201‬
                ‫اللوحة الحادية عشر – اللوحة الرمزية للدرجة الثانية‬


                                    ‫ونبدأ بالنجمة المتوهجة أو النجمة الخماسية.‬




                      ‫اللوحة الثانية عشر – النجمة المخمسة‬
‫ألن هذا الرمز هو األكثر أهمية في هذه المرتبة. لذلك يتوجب على الرفيق التأمل‬
      ‫ة‬                                                              ‫ا‬
‫مليً في معانيه. وذلك ربما ألنه كان من أكثر رموز الفيثاغوريين قداس ً. ألنه‬
‫يعيدنا مباشرة إلى الرقم الذهبي الذي كان هؤالء أول من اكتشفه... و/أو إلنه قد‬
                ‫ة‬                                     ‫ا‬
‫يكون ربما مشتقً من أكثر الرموز المصرية القديمة قداس ً، ونقصد بهذا رمز‬
                                                     ‫الصليب المصري أو العنخ...‬




                                      ‫301‬
            ‫اللوحة الثالثة عشر – لقد كان العنخ أحد أهم الرموز المصرية القديمة‬


‫ا‬                                                                          ‫م‬
‫أ ّا حرف الـ ‪ G‬الذي يتوسط هذه النجمة وكما يظهر في اللوحة، فإنه قد يكون اختصارً‬
                      ‫ا‬
‫لكلمة إله ‪ God‬باإلنكليزية حسب البعض، أو قد يعني أيضً المجد ‪ Glory‬أو العظمة‬
‫‪ Greatness‬أو الهندسة ‪ Geometry‬أو الغنوص ‪ Gnosis‬في نفس اللغة حسب البعض‬
                                           ‫ا‬       ‫ا‬
‫اآلخر؛ وهو قد يكون ربما أيضً اشتقاقً لرمز الملح حسب السيميائيين. و/أو قد يعيدنا‬
                       ‫ا‬                  ‫ال‬
                    ‫أصله إلى الحرف اليوناني‪ ‬والذي هو أص ً رمز الزاوية. وأيضً...‬

‫اللذان أنشأهما حيرام لبوابة الهيكل. وهما كما ورد ذكرهما في العهد‬         ‫17‬
                                                                              ‫هناك العمودان‬
‫القديم (التوراة) "... العمود األيمن ودعا اسمه ياكين... (و) العمود األيسر ودعا اسمه‬
‫هذان‬     ‫بوعز..."27 وهما يشكالن مدخل الهيكل أو لنقل في حالنا، مدخل المحفل.‬
‫العمودان اللذان يقف مراقبا المحفل أمام كل منهما. فيقف المراقب األول أمام العمود‬
      ‫ا‬
   ‫األيمن (أو الجنوبي) ويقف المراقب الثاني أمام العمود األيسر (أو الشمالي). وايضً...‬




       ‫17 هي في األصل خمسة أعمدة كما أورد األستاذ ندره اليازجي في مقدمته. لكن‬
                                            ‫(البناؤن) الماسون اختصروها إلى إثنان.‬

                         ‫27 - العهد القديم؛ الملوك األول؛ اإلصحاح السابع – 37.‬



                                          ‫401‬
‫اللوحتان الرابعة عشر والخامسة عشر – العمود األيمن ويدعى ياكن... والعمود األيسر ويدعى‬
                                       ‫بوعز‬


‫هناك العتبات السبعة التي ترمز ربما، حسب أوزفالد فيرث، إلى السنوات السبعة‬
‫التي كان على المريد المبتدئ (وفق التقاليد الفيثاغورية) قضاؤها قبل أن يسمح له‬
                                  ‫ا‬                   ‫ا‬
‫بأن يصبح رفيقً. ما يؤكد، ربما أيضً، صحة وجهة نظرنا المتعلقة باألهمية‬
‫القصوى لهذه الدرجة التي ضمرت وأضحت مهملة، والتي أضحى المرور بها يتم‬
                                                            ‫ا‬
                                                    ‫كمرور الكرام. وأيضً هناك...‬
‫النوافذ الثالثة التي يتلقى منها الرفيق في المحفل النور من الخارج. علىعكس ما‬
                                            ‫ى‬
‫كان عليه األمر في درجة المبتد ً حيث كان المريد المبتدىء يتلقى النور من داخل‬
                                                                       ‫الهيكل فقط..‬
‫وأيضاً، هناك السيف المتوهج الذي يرمز لواجب الدفاع عن المحفل والمقرون‬
‫بالمالج تلك األداة األساسية التي كان يستعملها البناء في المقابل لتحريك وتناول‬
‫اإلسمنت (أو الجبصين) كعنصر ضروري يؤمن لحمة وتماسك حجارة البناء.‬
                                                                             ‫ا‬
                                                                          ‫وأخيرً...‬




                                       ‫501‬
                              ‫ا‬
‫هناك لوحة الكتابة أو المرسم. والتي هي أساسً من أدوات األستاذ لكن، التي من‬
‫المفترض أن يطلع عليها ويتفهمها الرفيق كي يتمكن من قراءة المخططات‬
‫واستعمال األحرف واألرقام الرمزية التي تلقنه هذه المرحلة مبادئها األولية. وهذا‬
                                                  ‫ما ينقلنا بشكل طبيعي إلى...‬




                                    ‫601‬
                                    ‫3-4‬
                   ‫رمزية الدرجة الثالثة أو... األستاذ...‬




   ‫اللوحتان السادسة عشر والسابعة عشر – المعلم وشعار هذه المرحلة حيث نالحظ وضعية‬
                                ‫الفرجار فوق الزاوية‬


       ‫ا‬
‫تلك المرتبة التي يفترض أن يكون األستاذ الماسوني قد تعلم فيها نظريً ممارسة‬
   ‫الفن‬                    ‫ن‬                             ‫ن‬           ‫ن‬
‫أسرار فّه. ذلك الف ّ الذي تدعوه الماسونية بـ"الف ّ الملوكي". فما هو هذا ُّ يا‬
‫ترى؟ أتراه كما قال بالنتاجينيت37 الذي كان يعتقد بأن جماعة الوردة + الصليب‬
                                       ‫ن‬
‫هم أصل الماسونية التأملية "... ف ّ الحكم في ظل الفعل الشمسي، أي الحكم ليس‬
‫بالقوة المباشرة وإنما بقوة الروح. حكم هو في الحقيقة لإلنسانية وليس لألمم. حكم‬
‫ليس مجاله الكون الالنهائي إنما محدودية هذه األرض التي هي أرضنا. لذلك نتفهم‬
‫لماذا نسبت ممارسة الفن الملوكي إلى الماسونية. فممارسة السلطة على أرض‬
‫الواقع قد أفسدت الملوك والحكام جاعلةً من "حقهم اإللهي" الذي تستند إليه سلطتهم‬
                     ‫ن‬
‫مجرد شعار أفرغ من محتواه؛ عندما أصبح هذا الف ّ على يدهم مجرد ممارسة‬
‫ظاهرية لحكمة زال عنها كل ما كان يجعلها في الماضي سرانية ومتلقاة. لذلك‬
‫نالحظ إعادة إحياء هذه الحكمة في هياكلنا، ألن كنائسنا التي دنست الديانات‬

‫.‪73 - Plantagenet; Causeries en Chambre du Milieu‬‬


                                       ‫701‬
‫باطنيتها قد شوهت وحورت تعاليمها..." ؟ أم تراه كما عّر أوزفالد فيرث47‬
                ‫ب‬
                         ‫سر‬                                 ‫ر‬
‫مجرد "... س ّ ديني تناقله البناؤون منذ القدم. ٌّ لم يعد قويماً حين لم تعد‬
‫المسيحية المنتصرة في زمانها تتقبل أية عقيدة إالّها. مما فرض على البنّائين من‬
‫باب االحتراز التستر وراء سليمان. األمر الذي أضعف الشكوك بالتقاليد المعمارية‬
‫المتوارثة والتي أضحت آنذاك مسيحية..."؟ على كل حال، وسواء ص ّ التفسير‬
        ‫ح‬
                     ‫ر ن‬            ‫ا‬
‫األول، أم التفسير الثاني، أم اإلثنان معً، فإن س ّ الف ّ الملوكي وما يتبعه من‬
‫رمزية لهذه المرتبة إنما يدور بشكل أساسي حول أسطورة باني هيكل سليمان،‬
                                                         ‫نقصد، أسطورة حيرام...‬
                ‫البن‬
‫حيرام الذي كان، كما سبق وأسلفنا في القسم األول من بحثنا، َّاء الحقيقي لهيكل‬
                  ‫ء‬
‫سليمان؛ والذي كما تقول األسطورة الماسونية، قتله رفاق سو ٍ حاولوا أن ينتزعوا‬
                                      ‫منه "األسرار المقدسة لمرتبته المهنية العليا".‬
‫إن هذه األسطورة األساسية واألجمل في الماسونية، هي التي يتوجب أن يعيشها‬
       ‫ص‬
‫رمزاً، وبكامل طقسوها، الرفيق الطامح إلى األستذة. وهذا ما يق ّه علينا‬
‫راجون57 حين يقول أنه: "... كان هناك مهندس متمكن من مهنته، معلم يدعى‬
‫حيرام، ويتمتع بكل المهارات والمزايا. وقد جاء من تلك البالد التي يلد النور منها،‬
‫وعمل سبع سنوات متتالية في بناء هيكل كان يبغي من خالله جمع البشر تحت‬
            ‫ينس‬
‫سقف عقيدة واحدة، أال وهي عقيدة الحقيقة. وكان هذا المعلم ِّق بين مكونات‬
‫وأجزاء عمله بفن وبحكمة. فيستيقظ مع الصباح، ويراقب خالل النهار سيرورة‬
                      ‫س‬
‫العمل وتقدمه. متابعاً عماّله الكثر الذين كان ق ّمهم إلى ثالث مراتب هي:‬
  ‫ر‬
‫المتدربين، والرفاق واألساتذة (أو المعلمين)؛ بحيث كان لكل مرتبة كلمة س ّها‬


‫.‪74 - Oswald Wirth; Les Mystéres de l’Art Royal‬‬
‫.‪75 - Ragon; Rituel du grade de Maitre‬‬


                                       ‫801‬
‫الذي بموجبه كانت تقبض استحقاقها. فكان المتدربون يقبضون راتبهم عند العمود‬
‫(ي...)؛ والرفاق يقبضون راتبهم عند العمود (ب...)؛ أمّا األساتذة فكانوا يقبضون‬
‫راتبهم في غرفة الوسط. وكانت األعمال قد شارفت على نهاياتها، عندما قرر‬
‫ثالث رفاق، غير راضين بما كانوا يتقاضونه من استحقاق، ومتعطشين للحصول‬
    ‫ر‬
‫بسرعة على المرتبة األعلى، (قرروا) أن بوسعهم بالقوة انتزاع كلمة س ّ هذه‬
‫المرتبة. وكان هؤالء يعلمون أنه عند الظهيرة وحين يذهب الجميع للغداء، كان‬
‫حيرام يتفقد ورشات البناء لوحده. لذلك قرروا، ومن أجل تحقيق مآربهم الدنيئة،‬
‫انتظاره عند بوابات الهيكل الثالث. ويحضر حيرام عند الباب الجنوبي؛ فيجد رفيقاً‬
‫يطلب منه مهدداً تلقينه كلمة سر المعلم؛ فيجبه حيرام أن ليس بوسعه الحصول‬
‫عليها بهذه الطريقة، وأن عليه من أجل هذا أن ينتظر بصبر حلول وقته. لكن‬
‫الرفيق الذي لم يعجبه الجواب، ضرب المعلم بالمسطرة على رقبته. فيتراجع‬
‫حيرام متفاجئاً نحو البوابة الثانية حيث يجد رفيقاً ثانياً بانتظاره ليسأله نفس الطلب؛‬
‫والذي، أمام رفضه االستجابة ضربه مجدداً ضربةً قويةً بالزاوية على قلبه.‬
‫فيهرب حيرام مترنحاً من األلم نحو البوابة الثالثة حيث كان ينتظره الرفيق الثالث؛‬
‫والذي أمام رفضه المتكرر إعطاءه كلمة سر المعلم ضربه ضربة قويةً باإلزميل‬
‫على جبينه، وتكون هذه هي الضربة القاضية التي أردته قتيالً. ويجتمع القتلة بعدما‬
                                      ‫ر‬
‫فعلوا فعلتهم ويتساءلون حول كلمة س ّ المعلم التي لم يستطيعوا الحصول عليها.‬
‫فيتملكهم اليأس الرتكابهم جريمة من دون جدوى. ويقررون إخفاء آثار هذه‬
‫الجريمة، فيحملون الجثة ويخبئونها بين األنقاض أوالً؛ ثم عندما يحل الظالم،‬
‫يأخذونها إلى خارج المدينة حيث يدفنونها في التراب عند أسفل تلة قرب الغابة‬
                         ‫ص‬
‫ويغطون المكان للتمويه بغصن من نبتة السنط أو الف ّة. ولكن... سرعان ما يتنبه‬
‫العمّال لغياب المعلم. فيسودهم شعور بأن كارثةً وقعت بسبب أولئك الرفاق الثالثة‬



                                       ‫901‬
‫الذين تغيبوا في حينه عن النداء. وبسرعة يجتمع المعلمون في غرفة الوسط التي‬
‫جللوها بالسواد، وبعد أن تركوا العنان بعض الوقت لعواطفهم المتأججة من هول‬
‫الكارثة، يقررون بذل ما في وسعهم كي يجدوا جسد رئيسهم ليدفنوه (إن كان ميتاً)‬
            ‫س‬
‫في قبر يليق بمقامه. ويرسلون للبحث عنه تسعة معلمين ق ّموا إلى ثالث‬
‫مجموعات. وتذهب كل مجموعة في اتجاه مختلف..." وبعد بحث مضن، يجد أحد‬
                       ‫ا‬
‫هؤالء المعلمين حفنة تراب بدت له وكأنها قد ردمت حديثً وتغطيها نبتة السنط (أو‬
                                                                    ‫ص‬
‫الف ّة). فينتزع النبتة وتبدو أمامه جثة المعلم التي كانت بدأت تتفسخ. فيصرخ‬
                                          ‫صرخة رعب عظيمة ويستنجد بزمالئه...‬




   ‫اللوحة الثامنة عشر – نبتة السنط (‪)Acacia‬إحدى أهم الرموز الماسونية للدرجة الثالثة‬


                                                        ‫ال‬
‫ونتوقف هنا قلي ً. ألنه لما كانت كل الغاية من هذه القصة - األسطورة - التي‬
‫تشكل في الماسونية التأملية أساس رمزية طقس الدرجة الثالثة أو األستاذ هو،‬
‫حسب نفس المرجعية67، "... إفهامنا بأن الكذب والجهل والطموح الفارغ هي‬




‫.‪76 - Ibid‬‬


                                        ‫011‬
‫األوبئة الرئيسية المدمرة التي تسبب شقاء البشر. فإنه من األهمية بمكان إعطاء‬
‫هذه المرتبة وطقوسها كامل ما تستحقه من اهتمام وشروحات أخالقية وفلسفية...".‬
                             ‫ا‬      ‫ا‬
‫ونعود إلى أوزفالد فيرث الذي يقدم شرحً متميزً للطقسية النقلية لهذه المرتبة‬
‫مبتدئاً بما يدعوه السير التراجعي (‪ 77)La Rétrogradation‬يقول "... أنه عندما‬
‫يصبح الرفيق جديراً بهذه المساررة العظيمة، فإنه يقاد إلى مدخل مكان مظلم حيث‬
‫يدعى إلى السير ببطء متدرجاً نحو الخلف وظهره باتجاه الظالم. ذلك (الظالم)‬
‫الذي سرعان ما يحجب بكثافته رؤية ذلك الشخص الجسور الطامح إلى النور‬
‫الكامل. ألنه ككل شيء في الماسونية، كذلك فإن لهذا المسير التراجعي تأويالته‬
‫المختلفة... (هذه التأويالت التي من أهمها ربما) أنه للحصول على األستذة فإنه‬
‫من الضروري جداً التملك العميق لكامل تعاليم الدرجتين األولين. من هنا تأتي‬
           ‫ضرورة استعادة األستاذ المقبل لكامل مساره المهني وحتى هذه اللحظة.‬
‫ويعيد الرفيق مساره متطلعاً إلى النجمة المتوهجة في اللوحة المعلقة ما بين‬
‫العمودين ي... وب... . ألنها وحدها نجمة اإلدراك هذه تنيره خالل تراجعه‬
‫مبتدئاً بالرحلة الخامسة... والتي عليه فيها هذه المرة التأمل بما تعنيه تصوراته‬
‫الخاصة... وحيث (متجرداً من أوهامه) يتوجب عليه أن يدرك بأن جميع األشياء‬
‫إنما هي رموز في النهاية؛ لذلك فال ننخدع بالمُرَمَز إنما دعونا ندخل إلى عمق‬
                                                                        ‫الرمز نفسه.‬
               ‫ل‬
‫ويدرك الرفيق أن ليس بوسعه البتة، في الواقع، تملك الحقيقة الكّية. تلك التي ال‬
                                   ‫م‬
‫يمكن ألية معادلة اإلحاطة بها. لكن، ول ّا كان ما زال يتوجب عليه العمل بثقة،‬
‫لهذا نراه سرعان ما يجد أمامه وقد عاد إلى رحلته الرابعة، أدوات هذه الرحلة؛‬
                                                         ‫نقصد الزاوية والمسطرة...‬


‫.‪77 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le Maitre‬‬


                                        ‫111‬
‫وأيضاً، لما كان ال يكفي المعلم مجرد الثقة بنظامه الخاص. وألنه إن كان بتحقيقه‬
‫الحجر المكعب المنحوت، إنما يؤثر حتماً على محيطه الذي يرفعه إلى حال تبلور‬
‫مشابه؛ فإنه يبقى من المفترض أن يعمل بحزم وبقوة لرفع أثقل األحمال... مما‬
             ‫يستدعي استعماله للعتلة التي هي أداة رحلته الثالثة خالل مساره الرفاقي.‬
                                        ‫ا‬
‫... (ثم) يعيد رحلته الثانية مستلهمً المسطرة والفرجار... (المسطرة التي تعيده‬
‫دائماً إلى الواقع من خالل محدودية قياسها) ألنه وإن كان الفرجار هو أداة المعلم‬
 ‫استحقاقاً فإن اإلحساس بالواقع (أي المسطرة) هو ما يجعل منه في النهاية أستاذاً.‬
‫وألن على المعلم أن يتعلم القيادة من خالل استعمال المطرقة واإلزميل، فإنه لن‬
                              ‫ك‬
‫يتردد في استعادة رحلته األولى كرفيق. ما يذ ّره دائماً بأن عليه، وباستمرار،‬
                                                ‫السعي والعمل على تحسين نفسه...‬
‫ورغم أن الرفيق يكون قد حاول جاهداً أن ال يفقد من ناظره خالل رحالته‬
                                ‫ال‬
‫التراجعية الخمس هذه النجمة المتوهجة، إ ّ انه سرعان ما يالحظ بأن نورها قد‬
‫بدأ يتالشى عن ناظره، ما يعيده مجدداً لحال يسود حوله فيها ظالم دامس. فيشعر‬
‫وكأن الضماد قد عاد ليوضع مرة أخرى على عينيه. ويعود ليتجرع مجدداً من‬
‫كأس المرارة. ما يعني أن عليه تحمل كل الصعاب في سبيل أداء مهمته..."‬
‫وبالتالي، استمرار المسار التراجعي من خالل استعادة الرحالت الثالث لتلك‬
                                                       ‫ا‬
‫المرحلة التي كان فيها مبتدئً. ما يفهمه بأن عليه دوماً التعلم وإعادة التعلم بال كلل؛‬
‫األمر الذي يعيده في النهاية إلى ما قد يبدو بالنسبة له من جديد وكأنه غرفة‬
‫التأمل. وحيث يتساءل عن "... تلك الهياكل العظمية المضيئة التي يراها امامه‬
‫وعن هذه الدموع المتألقة التي تتحرك على الجدران. وكأن أمواتاً عدة قد مألوا‬
                                                                 ‫هذه الغرفة..."87‬


‫.‪78 - Ibid‬‬


                                        ‫211‬
                 ‫اللوحة التاسعة عشر – اللوحة الرمزية للمرتبة الثالثة‬


‫ويكون الرفيق – المعلم قد أصبح في الواقع في غرفة الوسط. تلك الغرفة التي‬
                                  ‫ا‬                               ‫يكر‬
‫َّس فيها األستاذ والتي نستعيد بعضً مما قاله عنها بمنتهى العمق الرمزي‬
‫والجمالية، المعلم أوزفالد فيرث حيث قال "... كما كان األمر بالنسبة لـ(األسرار‬
 ‫ر‬
‫الصغيرة) في العصور القديمة، والتي كانت تهيء فقط النفوس المنتقاة للمسا ّة‬
‫الكبرى المخصصة، كذلك هو األمر حالياً بالنسبة للماسونية التي يجري تلقينها‬
‫على مرحلتين؛ ألن ما يتعلمه المتدرب المبتدئ والرفيق يتتاليان، ثم سرعان ما‬
‫نراهما يتحدان ليشكال معاً مجمل البرنامج التحضيري الذي يستكمله األستاذ. ألنه‬
‫ال يمكن الحصول على هذه المرتبة مسبقاً. فهي المحصلة المنطقية للتقدم الحاصل‬
‫بسبب ما سبقها. لذلك فإنه من الواجب التملك العميق للمرتبتين األوليين قبل التطلع‬
‫إلى الثالثة. من هنا تأتي األهمية الرمزية للمسار التراجعي من أجل العودة إلى‬
                                      ‫نقطة البداية، واالنطالق منها في اتجاه جديد.‬
‫لكن تراجع طالب األستذة ال يؤدي به إلى السرداب الضيق لدفنه حيث مات في‬
‫المرحلة األولى، إنما يجعله يغوص أعمق بكثير هذه المرة في باطن األرض إلى‬


                                       ‫311‬
       ‫ال‬                      ‫ال‬
‫حد ولوج ذلك المركز حيث يتكون فكره الخ ّق. فوحده هذا الفكر الخ ّق بوسعه‬
    ‫أن يحي الحقيقة الميتة وأن يعيد الحياة إلى تلك المؤسسات التي دمرها الفساد.‬
‫فقد أصبح اآلن في هذه المغارة العميقة حيث تحاك تلك المؤامرة األزلية. أصبح‬
        ‫ا‬
‫في كهف ميترا حيث يعود ليحيا ذلك النور المحتجب بشكله األكثر تألقً. في هذا‬
‫القبر حيث يدفن الماضي ويتكون المستقبل. في هذا المكان الباطني والمستور الذي‬
                                       ‫ر‬              ‫ال‬
‫ال يمكن ولوجه إ ّ من قبل المسا ّين الجديرين بتلقي أعلى التجليات. إن هذا‬
                                                      ‫ال‬
    ‫الحرم الذي ال يعرفه إ ّ األساتذة (المعلمين)، إن هذا المكان هو غرفة الوسط.‬
‫لذلك، توجب األمر بالنسبة للرفيق الذي سمح له بدخول هذه الغرفة تقديم ضمانات‬
‫جادة. بأنه كان عامالً دقيقاً ومنتظماً وماهراً وذكياً ومخلصاً كما يشهد على ذلك‬
‫أساتذته. وأنه خاصةً، ومن خالل سعيه لألستذة، ال يحركه أي غرور أو طموح‬
                                                     ‫ال‬
‫دنيء. فهو لم يسع إ ّ إلى تحسين نفسه في هذا الفن العظيم بهدف جعل عمله أكثر‬
                                                   ‫ال‬
‫نفعاً. وهو لم يعمل إ ّ من أجل تقديم خدمات أكبر، وإفادة أكبر ألخوته الم...‬
                                                 ‫األ... األقل موهبة وعلماً منه.‬
‫ويُسأل (الرفيق – المعلم) بصوت جاد يبدو وكأنه آت من أعماق سحيقة، فيجيب‬
              ‫ر‬
‫المرشح بكل صراحة. ثم يدعى ألن يستدير وأن يؤكد ما ص ّح به باإلشارات‬
                                  ‫وبتمثيل المسار المتعلق بالمراتب التي يحملها.‬
‫ويكاد الظالم في هذا المكان أن يكون دامساً لوال تلك الجمجمة المتألقة التي تسمح‬
‫له أن يميز نعشاً وضع أمامه. ويلمح خياالت أشخاص يبدو وكأنه يتملكهم حزن‬
                                                                        ‫عظيم.‬
‫ويعلم حينئذ أن ما بنته الماسونية قد أصبح مهدداً باالنهيار بسبب اغتيال المعلم‬
‫الذي كان يقود أعمالها... ويعلم أيضاً أن العمل متوقف اآلن؛ وأنه لن يستعاد قبل‬




                                    ‫411‬
‫أن يطهّر الرفاق صفوفهم. حيث بات من الواجب على كل رفيق أن يبرهن بأنه‬
                                            ‫2[‬
                                              ‫بريء من جريمة اغتيال حيرام...”97‬
                                                                 ‫ل‬
                                                             ‫ويكون امتحان المعّم...‬




  ‫اللوحة العشرين – خطوات المرحلة األولى لتكريس األستاذ في المرحلة الثالثة وفق الطريقة‬
                                     ‫األسكوتلندية‬
                             ‫(وكما أوردها جول بوشيه)08‬
‫الذي يتوجب عليه (أوالً) "... إن كان يشعر بالصفاء في قلبه أن يتخطى الجثمان‬
                                                    ‫ا‬
‫الموضوع أمامه. بدءً من الرأس..." ووفق خطوات محددة كما تبين اللوحة أعاله‬
‫فيما يتعلق بالطريقة األسكوتلندية. ثم... "... بعد االنتهاء من هذه المسيرة يسقط‬
‫يده اليسرى التي كانت مرفوعة بزاوية قائمة نحو السماء وينزل يده اليمنى من‬
‫منطقة القلب إلى ما قرب الحالب األيسر. مبيناً بهذه الحركة أنه مستعد ألن تنتزع‬
                                                    ‫أحشاؤه إن لم يقم بواجباته كمعلم.‬


‫.‪79 - Ibid‬‬
‫‪80 - Jules Boucher; La Symbolique Maçonnique‬‬


                                        ‫511‬
‫لقد أصبح (الرفيق) اآلن جديراً بأن يعطى األستذة، ما يرمز إليه واقع أن الجثمان‬
‫قد أصبح خلفه..."18 وألنه فهم ما يعنيه التملك التام لنفسه ولمهنته، فإنه (ثانيً)،‬
  ‫ا‬
‫يقبل الموت مرةً أخرى كي ينبعث مجدداً لحياة جديدة. "... ويمثل المعلم الجديد‬
‫(مع بعض من في الغرفة) مأساة حيرام. فيُضرب (المعلم المريد المرشح) على‬
‫التتالي بالمسطرة والزاوية واإلزميل. ثم، كما كان األمر بالنسبة لمهندس الهيكل،‬
‫يلقى (المعلم – األستاذ الجديد) أرضاً (حيث يستلقي على ظهره) في ذلك الكفن‬
‫حيث يحل محل الجسد المفترض لحيرام. فمصيره أضحى من اآلن فصاعداً‬
                                      ‫مرتبطاً بكل شيء بمصير المعلم المفقود..."28‬
                                                             ‫ا‬
‫ثم تأتي (ثالثً) المرحلة الثالثة واألخيرة من طقس هذه المرتبة. حين يجد األخوة‬
                                     ‫ف‬                         ‫ا‬
‫األساتذة (رمزً) جثة معلمهم حيرام. فيلت ّون حول الكفن الذي بات يستلقي فيه اآلن‬
‫زميلهم الجديد مشكلين حلقة طقسية. "... وينفصل عنهم رئيس المحفل الواقف عند‬
‫قدمي الميت، فيمسك باليد اليمنى للجثة من المعصم. ويشدها إليه في الوقت الذي‬
‫يدفعها المراقبان نحوه من الكتفين، وذلك حتى وقوفها تماماً. بحيث يكون المعلم‬
‫الذي بعث من الموت مواجهاً تماماً للرئيس الذي يتلقاه فتكون قدمه اليمنى مالمسة‬
‫لقدمه اليمنى وركبته مالصقة لركبته، وصدره مالصق لصدره. ويداهما (اليمنيان)‬
‫متشابكتان. أمّا اليد اليسرى لرئيس المحفل فتكون ماسكةً (من أجل سنده) بكتف‬
                       ‫[‬
                           ‫الجثمان المترنح. فاالنبعاث لم يكتمل تماماً بعد وإنما..."38‬
                   ‫ر‬                               ‫ا‬
‫ما زال يتوجب األمر (رابعً) إعطاء المعلم الجديد كلمة الس ّ التي يفترض أن تلقن‬
                                              ‫ا‬
‫له بصوت منخفض جدً من قبل رئيس المحفل. ويوشوش رئيس المحفل في أذن‬
                                                     ‫ر‬
‫األستاذ الجديد كلمة الس ّ المتعلقة بهذه المرتبة ويعلمه إشاراتها. بعد هذا، تضاء‬


‫.‪81 - Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le Maitre‬‬
‫.‪82 - Ibid‬‬
‫.‪83 - Ibid‬‬


                                          ‫611‬
                                                   ‫ة‬
‫الغرفة التي كانت مظلم ً بأنوار ساطعة. وتنفتح من جهة الشرق تلك الستارة التي‬
‫كان يختبىء خلفها "المعلمون المستورون"، ويصبح بإمكان جميع المتواجدين في‬
                                                          ‫المكان التواصل فيما بينهم.‬
    ‫ا‬
 ‫وننتهي بهذا العرض المختصر والمعبر تلخيص هذا الطقس األهم. ولكن أيضً...‬
‫قبل االنتهاء من عرضنا لهذه الدرجة نرى من الضروري المرور ولو باختصار‬
                            ‫ة‬
‫شديد على بعض أهم رموزها الفلسفية. وخاص ً منها، تلك المتعلقة باألرقام‬
                                                                              ‫ر‬
      ‫وس ّانيتها. تلك األسرار التي استقاها الماسون من التقاليد الباطنية القديمة...‬
‫ونبدأ بأسرار الرقم السابع 7 الذي لن نستعرض تأريخ ميثولوجيته كما تناقلتها‬
‫أساطير شعوب الشرق القديمة إنما، نكتفي فيما يتعلق به، بشرح بعض ما تعنيه‬
‫الرموز السبعة المرسومة في قلب الوردة الثالثية الدوائر والتي تزين وزرة المعلم.‬
                                                                 ‫ا‬
                                                              ‫وكما هي مبينة رمزً...‬




               ‫اللوحة الحادية والعشرين – دوائر الوحدة الثالثية السباعية‬
‫حيث ترمز الدائرة الذهبية والشمس التي تتوسطها (الدائرة األولى) للروح التي‬
                      ‫ض‬
‫تحرك المادة ولونها هو األحمر. بينما ترمز الدائرة الف ّية والقمر الذي يتوسطها‬
‫(الدائرة الثانية) للجوهر السلبي واألساس المتزاوج لكل تشكيل ولونها هو األزرق.‬
‫بينما ترمز الدائرة البرونزية أو الرصاصية (الدائرة الثالثة) لزحل أو المادة التي‬
                       ‫م‬
‫هي األساس الصلب ألية منشأة ولونها هو األصفر. أ ّا منطقة تداخل الدائرتين‬
‫األولى والثانية، فهي ترمز لإلبن الناجم عن تزاوج األب واألم أو لنقل للمثالية‬



                                        ‫711‬
‫والوعي والمسؤولية والتحكم بالذات ولونها هو البنفسجي. بينما ترمز منطقة تالقي‬
‫الدوائر الثالث للمجال األوسط أو النجمة المتوهجة التي هي األثير ألن لونها‬
                                  ‫م‬
‫الناجم عن تداخل جميع األلوان هو األبيض. ا ّا تداخل الدائرتين الثانية والثالثة‬
                 ‫م‬
‫فهي ترمز للزهرة أو لنقل للمودة والحنان فلونها هو األخضر. أ ّا تداخل الدائرتين‬
‫األولى والثالثة فهي ترمز للمريخ أو لنقل للنار الناجمة عن تفاعالت المادة فلونها‬
                                       ‫هو البرتقالي (أي ما بين األحمر واألصفر).‬
                                                                          ‫م‬
‫أ ّا الرقم الثامن 8 فهو يرمز للتوازن الناجم عن الرقم الذي سبقه. وهو رمز بابلي‬
                ‫مقدس كان يتمثل في الماضي بتقاطع صليبين مشعين وكما يلي...‬




            ‫اللوحتان الثانية والعشرين والثالثة والعشرين – الثماني الشمسي‬
                                    ‫ن‬
‫والرقم 1 يرمز في الماسونية للتجانس البّاء الذي هو رمز متانة البناء الماسوني‬
                                                                             ‫األكبر.‬
                                  ‫ا‬
‫وننتقل إلى الرقم 7 الذي يمكن تمثيله رمزيً بمربع مقسم إلى تسع أقسام متساوية،‬
                                ‫وفيه سجلت األرقام من واحد إلى تسعة كما يلي...‬




          ‫اللوحتان الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين – رمزية الرقم التاسع‬
‫وحيث يمثل الصف األول درجة المبتدىء أو لنقل السبب. والصف الثاني درجة‬
           ‫الرفيق أو لنقل الفعل، والصف الثالث درجة األستاذ أو لنقل الموضوع.‬



                                       ‫811‬
                                                                          ‫م‬
 ‫أ ّا الرقم 13 فيقودنا إلى بعض القبالة و/أو إلى بعض ما كان يسمى بالعهد القديم‬
                         ‫باألرقام أو األسفار العشرة والتي تمثل رمزاً كما يلي...‬




                       ‫اللوحة السادسة والعشرين – السفيروت‬
‫تلك التي تبغي، من خالل رمزيتها، الربط بين المطلق أو الواحد الذي هو التاج أو‬
                   ‫ا‬
‫األلوهة، بالنسبي أو الخليقة والتي هي العشرة. وذلك مرورً باإلثنين الذي يرمز‬
‫إلى الحكمة، فالثالثة التي هي رمز الذكاء، فاألربعة التي هي رمز الرحمة،‬
‫فالخمسة أو لنقل رمز الجبروت، فالستة التي هي رمز الجمال، فالسبعة التي هي‬
‫رمز النصر، فالثمانية ألتي هي رمز المجد والجالل، فالتسعة التي تشكل األساس‬
                                                          ‫غير المادي لكامل البناء.‬
                  ‫ا‬
       ‫وننتقل من هنا إلى الرقم 33 رمز القوة السحرية والممثل رمزً كما يلي...‬




        ‫اللوحة السابعة والعشرين – النجمة السداسية وفي قلبها النجمة الخماسية‬
‫وهذا يفسره ربما، أن هذا الرقم، مؤلف من جمع رقمين هما الخمسة التي ترمز‬
‫إلى العالم األصغر أو الميكروكوزم والستة التي ترمز إلى العالم األكبر أو‬
                                                                      ‫الماكروكوزم.‬


                                      ‫911‬
                                                                       ‫م‬
‫أ ّا الرقم 73 وهو الرقم المطابق للتقسيم األقدم للدائرة التي هي رمز الكمال،‬
                             ‫ال‬
                          ‫والممثل رمزاً كما يلي وتبينه اللوحة التالية تفصي ً...‬




                       ‫اللوحة الثامنة والعشرين – الزودياك‬
‫وننتهي بهذا من رمزية الدرجة الثالثة وننتقل إلى القسم قبل األخير من هذا الفصل‬
                                                            ‫من بحثنا والمتعلق بـ...‬




                                     ‫021‬
                                  ‫3-5‬
                             ‫الدرجات العليا...‬
‫تلك التي نكتفي فيما يتعلق بها بنقل ما يقوله عنها بعض األساتذة. كالمعلم أوزفالد‬
‫فيرث مثالً الذي يرى "... أن القمة (في الماسونية) هي األستذة: فمن يشعر بنفسه‬
‫أستاذاً عن حق وحقيق ال يفترض أن يطمح ألي شيء آخر. لكن، لما كان الواقع‬
‫ليس كذلك مع األسف. لما كان كل من مثل دور حيرام لم يتشبع حقيقة روح‬
‫طقسه. لما كان معظم من تلقى هذا الطقس إنما تلقاه بشكل منفعل ومن دون أن‬
‫يتأثر به في العمق. لذا نراهم بقوا كما كانوا (على حالهم). ما يجعلنا نتساءل: كم‬
‫من أصل أولئك األربعة ماليين ماسوني الذين يحملون المرتبة الثالثة، هم في‬
‫الواقع أساتذة عن حق وحقيق؟! وحول كم من المحافل يحق لها االدعاء حقيقةً‬
  ‫بأنها محافل "صاحبة حق وكاملة"، وهل من يديرها هم أساتذة عن حق وحقيق؟!‬
        ‫ال‬
‫ونجد أن الماسونية الرمزية بمجملها ما هي في الواقع، ومع األسف، إ ّ رمز لما‬
‫كان يفترض ان تكون في الحقيقة. و(نجد أن الماسون) قد انتبهوا إلى هذا األمر‬
‫منذ القرن الثامن عشر. أي منذ بدأت الماسونية باالنتشار. حيث لوحظ أن من‬
‫كانوا يُدعَون األستذة، لم يكونوا أساتذة فعالً. وأن من كانوا يبتغون تطوير‬
            ‫أستذتهم، إنما كانوا بحاجة إلى مشاغل أنشئت خصيصاً لهذا الغرض.‬
‫لهذا، افترض الواقع أن يتم انتقاء األفضل من بين المعلمين اإليكوسيين الذين‬
‫برّروا في العام 7401 تشكيل درجة رابعة من المعلمين الفعليين الذين كانوا‬
‫ينقصون في المحفال الزرقاء (رمز الدرجات الثالثة األول). وأصبح اللون األحمر‬
                                               ‫هو لون مشاغل الدرجات العليا.‬
‫لكن، لمّا لم توفق الدرجة الرابعة عملياً في تجاوز تلك الثالثة على أرض الواقع،‬
‫فإن كل ما حصل كان مجرد مزاودة أدت إلى مضاعفة الدرجات التي لم تتوقف‬


                                    ‫121‬
‫عند الرقم 4. ولم التوقف عنده والرقم 0 أكثر روعة منه؟ وكان هذا ما حصل...‬
‫إنه من أجل هدف نبيل، هو تحسين مستوى الماسونية والتحقيق الفعلي لألستذة‬
‫الحقيقية، انبرت العديد من الطقوس للعمل على وضع تراتبيات ال تنتهي من‬
                                               ‫الدرجات التي أضحت تعرف بالعليا.‬
‫من هنا، نفهم لماذا انتقد جميع الذين تعمقوا في دراسة الثالثي األساسي والحقيقي‬
      ‫ر‬
‫للماسونية، بقسوة، ما أسموه "زؤان الدرجات العليا" معتبرين إياها مجرد ت ّهات ال‬
                ‫تسهم إالّ في ضياع الروح وفي تشويه الصورة الحقيقية الماسونية.‬
                                 ‫د‬
‫ونحن نعتقد أن هذا النقد مبرر إلى ح ّ كبير. ألنه إن كانت طقسية الدرجات‬
‫الثالث "الرمزية" األولى تحمل إلى حد كبير في طياتها بصمة المعلمين. فإن ال‬
‫شيء في المقابل أقل جدارة من رمزية تلك الدرجات التي أسمت نفسها بالفلسفية.‬
‫فمن كل شيء فيها تفوح رائحة االبتذال. وهي لم تنعكس إطالقاً، كتركيب مضيء،‬
                                                                 ‫للفكرة المسارية...‬
‫لكن دعونا ال نلقي الحجارة رغم هذا على مخترعي تلك لدرجات العليا لمجرد‬
‫أنهم أخطأوا في إلهامهم. فهدفهم كان نبيالً أال وهو التوصل إلى األستذة حقيقية.‬
‫لذلك، نحن نعتقد إنهم إن أخطأوا المرمى خالل بحثهم عن اللغز األكبر، فإن‬
‫جهودهم المخلصة تستحق كل التقدير. كما تستحق أخطاءهم المزيد من التعمق‬
‫والمزيد من الدراسة..."48 ويختتم أوزفالد فيرث تحليله العميق جدً لهذه الظاهرة‬
             ‫ا‬
‫قائالً "... وباختصار، فإن ما بوسعنا استنتاجه في المحصلة هو أن الحاجة إلى تلك‬
‫الدرجات العليا ما كانت لتظهر لو لم تتحول الدرجات الثالثة األساسية األولى إلى‬
‫مجرد أحرف ميتة. ألنه لو لم يحصل هذا، لو كان بوسع المحافل تخريج معلمين‬



‫.‪84- Oswald Wirth; La franc-maçonnerie rendue intelligible à ses adeptes – Le Maitre‬‬


                                       ‫221‬
‫حقيقيين، فإنه سرعان ما ستفقد هذه الدرجات (العليا) مبرر وجودها... لذلك،‬
                                         ‫م‬
               ‫وبانتظار تحقق هذا األمر، دعونا ال ند ّر شيئاً مما تم بناءه..."58‬
                                                                       ‫م‬
‫أ ّا إدمون كارتييه ال تانت الذي وإن كان يشارك فيرث في النتيجة، ال يتفق معه‬
‫في قسوة تقويمه للدرجات العليا فيقول "... أنه لو كان علينا النظر إلى الماسونية‬
‫من منظور مجرد أو لنقل نظري، فإن تلك االنتقادات القاسية جداً "لزؤان الدرجات‬
‫العليا" مبررة جداً مع األسف. ولكن، علينا أن نأخذ كل االحتماالت بعين االعتبار،‬
‫كما علينا أن نبدي ما بوسعنا من تسامح فيما يتعلق بعامل الضعف اإلنساني.‬
                                                          ‫ن‬
‫فجميع أنصار الف ّ الملوكي يكتفون فقط بتلقي درجاته الرمزية؛ لكنهم في الحقيقة‬
‫ال يحصلون عليها. فالذي بين أيديهم هو مجرد كنز يجهلون قيمته وبالتالي، ال‬
‫يعرفون كيفية االستفادة منه. ألن الغاية او الهدف من الدرجات العليا في الماسونية‬
                                                                   ‫ال‬
‫ما هو إ ّ إفهام ما يعنيه العمق الباطني للدرجات الثالث األساسية األولى. خاصةً‬
                                           ‫د‬
‫وأن هذه الدرجات التي ال ت ّعي كشف المزيد من األسرار؛ إنما يقتصر طموحها‬
‫على مجرد شرح إبعاد هذه األخيرة من خالل ما تحركه في قلوب أتباعها الساعين‬
‫للتدرب الفعلي كيف يكون بوسعهم أن يصبحوا رفاقاً حقيقيين وأساتذة حقيقيين.‬
‫فالدرجة العليا هي الهدف والمثل الذي يجب أن نسعى إليه والذي يتجاوزنا حقيقةً.‬
‫ألن هيكلنا لن يكتمل أبداً وألن أي منّا ال يمكنه أن يعيش تماماً في أعماقه حقيقة‬
                                             ‫القيامة الفعلية لحيرام الخالد..."68‬
‫ونكتفي بهذا القدر مذكرين في نهاية هذا القسم الثاني من بحثنا بأن الدرجات حسب‬
   ‫"الطقس األسكوتلندي القديم والمقبول" هي ثالث وثالثون درجة مقسمة كما يلي:‬




‫.‪85 - Ibid‬‬
‫.‪86 - Ed. QUARTIER LA TENTE. Les Grades et les Rites Maçonniques‬‬


                                    ‫321‬
        ‫آ – المحافل الزرقاء أو الرمزية وهي تتضمن الدرجات التالية:‬
                       ‫1.مريد، 2. رفيق، 3. أستاذ‬
     ‫ب – محافل او ورش اإلتقان الخضراء وهي تتضمن الدرجات التالية:‬
                     ‫ح‬
‫4. أستاذ مكتوم، 5. أستاذ كامل، 6. أمين ثقة، 0. قاض و َكَم، 1. مدير األبنية،‬
   ‫9. أستاذ مختار التسعة، 71. أستاذ مختار الخمسة عشر، 11. فارس أعلى‬
                   ‫معل‬
  ‫منتخب (أو رئيس األسباط االثني عشر)، 21. مهندس ِّم أعظم، 31. الفلك‬
                                   ‫معل‬
                       ‫الملكي، 41. ِّم قديم كامل.‬
       ‫ج – المحافل أو الورش الحمراء وهي تتضمن الدرجات التالية:‬
  ‫73. فارس السيف، 13. أمير بيت المقدس، 73. فارس الشرق والغرب، 13.‬
                                              ‫األمير األعظم للصليب الوردي.‬
  ‫د – المحافل أو الورش الفلسفية او السوداء وهي تتضمن الدرجات التالية:‬
                           ‫معل‬
‫73. الحبر العظم أو اإليكوسي األعظم، 17. ِّم أعظم محترم لجميع المحافل،‬
 ‫37. فارس بروسي أو أستاذ أعظم لمفتاح الماسونية، 77. الفأس الملكي أو أمير‬
‫لبنان، 17. رئيس المظلة، 17. أمير المظلة، 77. فارس الثعبان البرونزي، 17.‬
   ‫أمير الرحمة، 77. القائد األعلى للمعبد، 17. فارس الشمس، 77. االسكتلندي‬
         ‫الكبير للقديس أندراوس اإليكوسي، 11. المنتخب األعظم فارس قدوش.‬
                    ‫ه – ديوان القضاة ويتضمن الدرجة:‬
                                                    ‫31. القائد المفتش المحق‬
                                           ‫ِّق األعظم.‬
                   ‫و – مجمع الكرادلة ويتضمن الدرجة:‬
                                                    ‫71. األمير السامي للسر‬
                                             ‫ِّ الملكي‬
           ‫ز – المجلس األعلى (ولونه األبيض) ويتضمن الدرجة:‬
                                            ‫11. المفتش العام األكبر األعظم.‬



                                   ‫421‬
                                 ‫3-6‬
                ‫في النتيجة أو المحصلة لهذا الفصل...‬

‫الذي قد يشعر المرء في نهايته ببعض الدوار بسبب عمق وصعوبة رمزيته. فإننا‬
‫نرى ضرورة التمعن والتحليل والمناقشة على أرض الواقع – في عالمنا بشكل‬
‫عام أو في بالدنا بشكل خاص - ما يمكن أن يعنيه كل هذا، سواء من منظور أهل‬
‫الظاهر (الذين هم أغلبية ناسنا)، أو من منظور أهل الباطن (الذين هم القلة او‬
                      ‫م‬
 ‫النخبة). مناقشة وعرض سنحاول فيها قدر اإلمكان تل ّس الحذر والموضوعية...‬


                            ‫*********‬




                                  ‫521‬
                                    ‫4‬
                              ‫الفصل الرابع‬
                          ‫على أرضية الواقع‬

  ‫يقض‬              ‫وكل‬                    ‫في‬     ‫الكر كل‬
‫أنا الكرمة الحق وأبي هو َّام. ُّ غصن َّ ال يأتي بثمر ينزعه، ُّ غصن يأتي بثمر ِّبه‬
‫ليأتي بثمر أكثر..."‬
‫إنجيل يوحنا، 51: 1-2‬


                                              ‫ر‬
‫وأجدني، في النهاية، حائ ًا، غير قادر على الحكم و/أو على اتخاذ موقف قطعي‬
‫من هذا الموضوع الشائك المعقد، ألنه – ولست أخفي – ثمة جانب من هذه‬
                          ‫َّة: وأخص‬
‫ُّ بالذكر هاهنا العمق الروحي‬                                 ‫المؤس‬
                                 ‫َّسة اإلنسانية يجذبني إليه بشد‬
     ‫ب‬                                                          ‫والفلسفي والسر‬
‫َّاني لتقاليدها ورمزيتها وطقوسها. كما أن ثمة، بالمقابل، جان ًا آخر‬
                          ‫ع‬                              ‫ِّرني: وأخص‬
‫ُّ منه بالذكر، هاهنا أيضًا، واق َ حالها المؤسف وتشعباته على‬       ‫ينف‬
                                                ‫أرضية انحطاطنا اإلنساني القائم.‬
    ‫ذ‬                                     ‫حد‬       ‫أتفه‬
‫وما يجذبني يجعلني َّم، إلى ٍّ كبير، لماذا استحوذت هذه الحركة وقتئ ٍ على‬
‫نخبة النخبة من إنسانيتنا واستقطبتْها – تلك العقول والنفوس العظيمة التي وجدت‬
‫فيها المالذ، وعن طريقها ومن خاللها، الوحي. لذا تراني اليوم، على األقل من‬
                                     ‫أتلم‬
‫خالل الجاذب الذي يسحرني، َّس خطى عبد القادر الجزائري وجمال الدين‬
‫األفغاني، فأنقاد وراء ألحان الناي السحري لموتسارت، وأغوص في أعماق رمزية‬
                                ‫َّانية هيلينا بالفاتسكي، وأحل‬
‫ِّق في اآلفاق الروحانية واإلنسانية‬                         ‫رونيه غينون وسر‬
                                                       ‫لكل‬
            ‫الرحبة والمذهلة ٍّ من ليف تولستوي ونيكوس كازانتزاكيس. ولكن...‬




                                      ‫621‬
             ‫ً‬
‫واقع حالها القائم، المقرون بالمحدودية وبالسذاجة، وخاصة – مع األسف –‬
                           ‫أتفه‬
‫بالنفعية المباشرة للكثير من أبنائها، يجعلني َّم، في المقابل أيضًا، بعض ما‬
                         ‫ة‬
‫واجهتْه – ومازالت تواجهه – هذه الحرك ُ من عداء وتشكيك، وخاصة من‬
       ‫ر‬                            ‫َّسات بشرية أخرى – بدءًا من المؤس‬
‫َّسة الكنسية الكاثوليكية، مرو ًا، إبان‬                             ‫مؤس‬
        ‫ال‬
‫القرن الماضي، باألممية الشيوعية وبعض رموز الفكر القومي، وصو ً إلى بعض‬
                                               ‫القو‬
‫الحكومات والمرجعيات َّامة على بلدانها في منطقتنا اليوم – وإن كانت هذه‬
          ‫ال‬                ‫م‬                                  ‫ض‬
         ‫األخيرة، أي ًا بحكم بشريتها، ليست – ولم تكن يو ًا – أفضل منها حا ً!‬
‫وأعاود التفكير من جديد في مجمل ما عرفت وأعرف عنها، وفي مجمل ما قرأت‬
                      ‫حولها، فأجدني، بادئ ذي بدء، أمام ما قد يبدو لي وكأنه...‬

                                     ‫4-1‬
                         ‫مشروع دين فلسفي جديد...‬


           ‫ألن "مهندس الكون األعظم"، أو لن ُلْ "إله الماسون"، هو، مبدئي‬
‫ًّا وفي نهاية‬                         ‫ق‬
                                                              ‫م‬
            ‫المطاف، إله عقل ُحكَم أكثر منه إله قلب، إن لم نقل إنه "إله فالسفة".‬
‫كل‬         ‫جلي‬               ‫محد‬    ‫كذلك فإن الماسونية ال تتبنى مبدئي أي‬
‫ًّا َّ دين َّد. وهذا ما يبدو ًّا في نظر ِّ‬
‫من َّلع على "دساتيرها"، وبمجرد قراءة األسطر األولى من افتتاحية هذه الدساتير‬
                                                                      ‫اط‬
              ‫أي‬      ‫حيث جاء: "... رغم أنه في األزمنة الغابرة كان إلزامي‬
‫ًّا، في ِّ بلد، أن يعتنق‬
‫الماسون دين ذاك البلد، أيًّا كان هذا الدين، فإننا نجد أنه من األنسب عدم إلزامهم‬
                                                                 ‫بأي‬
‫ِّ دين حصرًا، إنما ذاك الذي يتفق عليه جميع البشر، وأن يكون لهم مطلق‬
‫الحرية فيما يتعلق األمر بآرائهم الخاصة. بالتالي، يكفي أن يكونوا أنا ًا طيبين‬
       ‫س‬




                                     ‫721‬
‫ومخلصين، أناسًا أصحاب شرف ونزاهة، وذلك أية كانت االنتماءات الدينية أو‬
                                                               ‫تمي‬
                                         ‫القناعات التي ِّزهم..."78. وبالتالي...‬
‫فإن هذا األمر يضعنا، بشكل طبيعي، أمام مشروع أممي حاول – وربما مازال‬
                      ‫يحاول – وطمح – وربما مازال يطمح – أن يتجاوز المؤس‬
‫َّسات الدينية (والمدنية)‬
‫القائمة، سواء في البلدان التي نشأ وترعرع فيها و/أو بشكل عام؛ مشروع دعا –‬
                                     ‫ي‬
‫وربما مازال يدعو – إلى مبادئ ُفترَض أن يتفق عليها البشر، على اختالف‬
                                 ‫مشاربهم وأديانهم (وهذه أمور قد تسج‬
‫َّل، من وجهة نظري، في نهاية المطاف،‬
                                                                     ‫لصالحهم)...‬
                                                   ‫مشروع آمن مؤس‬
‫ِّسوه وفالسفته آنذاك – وربما مازالوا يؤمنون – بضرورته‬
                  ‫الفن‬   ‫ث‬                         ‫عب بكل‬            ‫الملح‬
‫َّة ألنه، كما َّر ِّ بالغة بالنتاجينيه (متحد ًا عن ِّ الملكي)، يجب "...‬
      ‫إعادة إحياء هذه الحكمة في هياكلنا، ألن كنائسنا التي َّنست األديان باطني‬
‫َّتها قد‬               ‫د‬
                                                         ‫ر‬                 ‫شو‬
‫َّهتْ تعاليمها وح َّفتْها..."88؛ األمر الذي، إن لم ُفهَم منه – بالنسبة للموقف‬
                         ‫ت‬
            ‫ة‬      ‫ة‬             ‫أي‬                       ‫من األديان والمؤس‬
‫َّسات الدينية السائدة في ِّ بلد – حيادي ٌ ديني ٌ مطلوبة، فقد‬
‫يفسَّر، إنْ تجاوزنا حرفية التعبير، على أنه تجاو ٌ للشرائع وعودة إلى جوهر‬
                       ‫ز‬
                                              ‫ع‬
                                    ‫مفترَض، لن يتفق عليه الجميع قط ًا. لذلك...‬
‫كان من الطبيعي أن تواجه هذه الحركة، منذ بداياتها، وفي الكثير من األماكن‬
                             ‫ال‬
‫حيث انتشرت (بدءًا من القارة األوروبية، وصو ً إلى معظم بلداننا العربية ذات‬
                            ‫الغالبية اإلسالمية المحافظة)، معارض ً قوي ً من المؤس‬
‫َّسات المدنية والدينية السائدة‬       ‫ة ة‬
                                                                           ‫آنذاك.‬


‫‪87 James Anderson, “The Book of Constitutions of the Freemasons, Containing the‬‬
‫‪History, Charges and Regulations of That Most Ancient and Right Worshipful‬‬
‫”.‪Fraternity‬‬
‫.‪88 Plantagenet, Causeries en Chambre du Milieu‬‬


                                      ‫821‬
               ‫ونبدأ بالكنيسة الكاثوليكية التي كانت، منذ اليوم األول، العدو‬
‫َّ األساسي واألهم‬
 ‫ًّا) إلى اآلن. فنسج‬
‫ِّل‬                      ‫للحركة الماسونية، ولم تزل كذلك (على األقل نظري‬
                  ‫ًّا ونسبي‬
                                                                        ‫للتذكير...‬
‫أنه في العام 5301، أصدر البابا كليمانتوس الثاني عشر فقاعة بعنوان ‪In‬‬
‫‪ ،eminenti apostolatus specula‬أدان فيها، ألسباب مختلفة، من ضمنها "...‬
‫[أسباب] أخرى نعرفها نحن، وهي في الوقت نفسه صحيحة ومنطقية..."، (أدان)‬
                  ‫أي‬
‫التجمعات الماسونية التي "... تقبل في صفوفها، دون ِّ تمييز، أشخاصًا من‬
‫مختلف األديان والمناحي، حيث، وراء ظاهر خلفية صالحة يتم القبول بموجبها،‬
                                                        ‫ة‬        ‫َ‬
‫وُضِعتْ أنظم ٌ تجمع فيما بينهم، وتجبرهم خاصة، تحت طائلة أقسى العقوبات،‬
                         ‫سر‬                                         ‫َ‬
‫بالقسَم على الكتب المقدسة، من أجل الحفاظ على ٍّ ال يمكن البوح به، ويتعلق‬
‫بما يجري في تجمعاتهم..."98. ثم تاله في العام 1501 تأكيد البابا بونوا الرابع‬
                                      ‫ق‬
                                    ‫عشر، عبر فقاعته ‪ ،Providas‬إلدانة ساب ِه.‬
                                              ‫ض‬
‫لكننا نالحظ، في المقابل أي ًا، أن هذه اإلدانات – التي باإلمكان تبريرها، من‬
                                         ‫ي‬
‫منظور الكنيسة طبعًا، من جراء ما ُفترَض أنه تشجيع الماسونية للميول الهرطقية‬
‫و/أو لما يمكن أن تحمله هذه األخيرة في طياتها من مؤثرات أنغليكانية و/أو‬
‫بروتستانتية ألمانية – (نجد أن هذه اإلدانات) لم تصادق عليها آنذاك، بسبب تطور‬
           ‫ت‬                  ‫ت‬
‫أوضاع تجاوزتْ على أرض الواقع سلطا ِ الكنيسة، برلمانا ُ معظم الدول‬
  ‫يفس‬                        ‫ر‬
‫والممالك األوروبية، وبالتالي، بقيت يومذاك حب ًا على ورق؛ األمر الذي قد ِّر،‬
‫ربما، واقع تواجد الكثير من الكهنة في صفوفها. وقد استمرت األمور على هذه‬
                                                 ‫الحال حتى قيام الثورة الفرنسية.09‬


‫.‪89 Alain Guichard, Les Francs-Maçons, Grasset‬‬
‫.‪90 Ibid‬‬


                                      ‫921‬
‫ثم كانت إدانات أخرى في بدايات القرن التاسع عشر. لكن األمور استمرت على‬
‫هذه الحال العائمة، حتى كان ذلك الموقف األهم واألعمق عبر رسالة البابا ليون‬
‫الثالث عشر ‪ umanum genus‬في العام 4111، التي أدان بموجبها الفرمسون‬
‫َّة، واصفًا إياهم بأنهم أناس "... يريدون التدمير الكامل للسلوكية الدينية‬
                                                                      ‫بشد‬
                                          ‫واالجتماعية المنبثقة عن المؤس‬
‫َّسات المسيحية، واستبدال أخرى بها تخصهم، وهي‬
‫مبادئ تعود، من حيث منطلقاتها األساسية، إلى النزعة الطبيعية..."19. ثم تاله‬
‫البابا بونوا الخامس عشر، الذي أعطى لجميع هذه اإلدانات بُعدًا شرعيًّا؛ فكان البند‬
                      ‫ت ر‬
‫5332، الصادر في العام 5191 عن الفاتيكان، الذي َحْ ِم الكنيس ُ الكاثوليكية‬
            ‫ة‬
‫ضد‬         ‫سر‬                             ‫المل‬            ‫كل‬
‫بموجبه "... َّ من ينتسب إلى َّة الماسونية أو إلى أية جمعية ِّية تتآمر َّ‬
                                                                ‫د‬
                                         ‫الكنيسة وض َّ السلطات الشرعية..."29.‬
‫ونتذكر أنه، في القرن التاسع عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية مازالت تحارب من‬
‫أجل الحفاظ على سلطاتها المدنية والسياسية على ما تبقى لها من األرض‬
                                             ‫اإليطالية، وأن َّ أعدائها، والمهد‬
‫ِّدين مباشرة لسلطاتها الدنيوية هذه، كانوا جماعة‬              ‫ألد‬
‫الوحدة اإليطالية، الذين كان معظمهم من "الكاربوناري" و/أو من الفرمسون.‬
                                                                       ‫وأيضًا...‬
‫كانت الكنيسة قد فقدت الكثير من تأثيرها المباشر في فرنسا، حيث قامت في العام‬
      ‫دَ‬             ‫د‬                                          ‫ة‬
‫9101 ثور ٌ أطاحت بالنظام الملكي المطلق الذي كان سائ ًا هناك؛ ثورة َعتْ، في‬
‫ذروة عنفوانها، إلى قيام دين العقل، وأعلنتْ ميثاق حقوق اإلنسان والمواطن؛ ثورة‬
      ‫يفس‬                                ‫ض‬
‫كان الكثير من شخصياتها، أي ًا آنذاك، من الفرمسون؛ األمر الذي ِّر عداء‬
‫كنيسة تلك األيام لهذه الحركة، من جهة، ويضع على بساط البحث أمامنا، بشكل‬


‫.‪91 Ibid‬‬
‫.‪92 Ibid‬‬


                                     ‫031‬
                                                                ‫ملح‬
‫ٍّ، من جهة أخرى، عددًا من المواضيع الشائكة التي قد يكون أهمها، ضمن‬
                                               ‫سياق بحثنا، موضوع العالقة بين...‬


                                       ‫4-2‬
                               ‫الماسونية والسياسة‬


 ‫تدخ‬     ‫ح‬      ‫ط‬                      ‫س‬                ‫تؤك‬
‫ألنه، رغم ما ِّده "دساتير أندر ُن"، التي اشترطت اشترا ًا واض ًا عدم ُّل‬
‫المحافل بالسياسة، وأصرتْ على ضرورة أن يكون: "... الماسوني في الواقع تابعًا‬
                                                    ‫َّ‬
‫مسالمًا في كلِّ ما يتعلق بالسلطات المدنية، أينما كان مقرُّ إقامته أو عمله؛ وبالتالي،‬
            ‫ال يُفترَض أن يتورط على اإلطالق في أية مؤامرة أو تآمر يمس‬
‫ُّ سالمة األمة‬
‫ورفاهيتها، وال أن يتصرف بشكل غير الئق تجاه الحكام التابعين..."، وافترضت،‬
                      ‫ضد‬           ‫أي‬
‫بالتالي، أنه "... إذا حصل أنْ تمرَّد ٌّ من اإلخوة َّ الدولة فإنه ينبغي عدم‬
‫تشجيعه على ذلك، والتعامل معه في نفس الوقت برأفة، وكإنسان بائس الحال.‬
‫وفي حال لم تتم إدانته بأية جريمة فإنه ليس بوسع األخوية الوفية – التي يُفترَض‬
‫أي‬
‫فيها أن تستنكر التمرد، من أجل عدم إثارة السلطات القائمة، وعدم إعطائها َّ‬
                                   ‫د‬
‫مبرِّر سياسي يثير الشكوك – طر ُه من المحفل، بحكم كون العالقات التي‬
                                             ‫تربطهما عالقات ال تنفصم عراها."39‬
   ‫ة‬                        ‫ة‬
‫فما نالحظه يقول إن هذه االفتراضات لم تكن واقعي ً، وبالتالي، لم تكن مصيب ً من‬
‫حيث النتيجة. وقد كانت هذه االفتراضات غير مصيبة، بمعنى أنه لم يكن باإلمكان‬
                  ‫ض‬
‫تطبيقها، إن لم نقل إنه كان من المتعذر، منذ البداية، فر ُها على اإلخوة وعلى‬


‫‪93 James Anderson, “The Book of Constitutions of the Freemasons, Containing the‬‬
‫‪History, Charges and Regulations of That Most Ancient and Right Worshipful‬‬
‫”.‪Fraternity‬‬


                                       ‫131‬
                          ‫م‬     ‫جد‬          ‫م‬
‫المحافل؛ ألنه إن كان مفهو ًا ومبررًا ًّا عد ُ التدخل هذا – من أجل حماية‬
                                                   ‫معتقدات "رفاق الكار" وسر‬
‫َّانية تنظيمهم – عندما كانت الماسونية "عملية"، وعندما‬
‫كانت الكنيسة مهيمنة ومسيطرة سيطرة شبه كاملة. إال أن هذا االفتراض أضحى‬
                    ‫َّسة الماسونية افتراضي‬
‫ًّا إلى حركة "تأملية"،‬                           ‫َّد أن تحو‬
                                        ‫َّلتْ المؤس‬           ‫ال‬
                                                         ‫مستحي ً بمجر‬
                       ‫ت‬                        ‫ز‬              ‫وبمجر‬
‫َّد أن بدأت تزع ِع، على أرض الواقع، سلطا ِ الكنيسة الكاثوليكية في‬
                        ‫البلدان التي كانت خاضعة لسيطرتها – أقصد بمجر‬
‫َّد أن تحولت الماسونية إلى‬
                                ‫مشروع جامع، فلسفي العمق واألبعاد، وبمجر‬
‫َّد أن بدأ عصر التنوير. لماذا؟ ألن‬
                    ‫مثل هذا المشروع هو السياسة بعينها... ولكن، ربما، ألنه...‬
‫كان من الواجب عندئذٍ االرتقاء في فهم وتطبيق ما يُفترَض أن تعنيه السياسةُ في‬
‫ض‬                  ‫ب‬              ‫نظر الفرمسون. ربما ألنه إن كان ضروري‬
‫ًّا ومازال مطلو ًا من الماسونية رف ُ‬
                       ‫تعاطي السياسة بمعناها المباشر الحزبي و/أو العام‬
‫ِّي و/أو التآمري الممارَس‬
‫والسائد، فإنه كان – ومازال – من الواجب والمطلوب، في المقابل، وإلى يومنا‬
                                                  ‫ت‬                ‫م‬
‫هذا، فه ُ السياسة وممارس ُها – سواء من خالل المحافل أو من قبل أبنائها مباشرة‬
                              ‫– من منظورها األرسطي المبدئي، المثالي النبيل.‬
         ‫ة‬      ‫ة‬
‫لكن ما نالحظه، في نهاية األمر، يؤكد – مع األسف! – حقيق ً واحد ً تقول: إن‬
                             ‫الماسون كانوا، كغيرهم من أتباع المعتقدات والتوج‬
‫ُّهات الدينية والفلسفية األخرى،‬
‫كل‬                                                    ‫يتفه‬       ‫مجر‬
‫َّد بشر لم َّموا، كما كان ينبغي، عمق فلسفتهم وأبعادها، وأنهم، في ِّ‬
                     ‫مكان، تعاطوا – تعاطيًا مباشرًا ًّا، وغير معم‬
‫َّق على اإلطالق في معظم‬         ‫جد‬
          ‫ة‬                      ‫توج‬            ‫األحيان، إلى هذا الحد‬
‫ِّ أو ذاك، وفق ُّهات محافلهم – السياسي َ وغيرها من‬
                    ‫ض‬            ‫النشاطات االجتماعية واإلنسانية الدنيوية. ونسج‬
‫ِّل، هاهنا أي ًا، مستعيدين التاريخ،‬
                                                                         ‫ض‬
                                                             ‫وأي ًا للتذكير...‬




                                    ‫231‬
                                                       ‫ال‬
                                              ‫1. أنْ في فرنسا49 (مث ً)، حيث...‬
 ‫ب‬     ‫ع‬      ‫ة‬       ‫م‬
‫إنه، على الرغم من أن المحافل الماسونية كانت، دائ ًا وعام ً، مرت ًا خص ًا‬              ‫أ.‬
         ‫حد‬
‫لألفكار التحررية، إال أنها بقيت حتى الثورة (9101) متعايشة، إلى ٍّ كبير، مع‬
                   ‫السلطات الملكية، وتدعو أعضاءها للتعبير عن تأييدهم للملكية.‬
‫أما في واقع الحال، وكما كان يجري في المجتمع، فقد كانت النار تتأجج تحت‬
   ‫ُّع المفكرين والفالسفة والعلماء والمشك‬
‫ِّكين‬                                  ‫الرماد، وكانت المحافل مراكز لتجم‬
                                               ‫والسياسيين، على اختالف مشاربهم.‬
‫ونالحظ، في تلك الفترة مثالً، انتشارها الخاص في أوساط ضباط الجيش الفرنسي‬
‫العائدين من حرب التحرير األمريكية؛ كما نالحظ انتساب عدد من الشخصيات‬
                                   ‫م ر‬
‫الهامة إليها، كفولتير الذي تلقى ُسا َرته على يد بنجامين فرانكلين في محفل‬
                     ‫"األخوات التسع"، ذلك المحفل الشهير الذي ضم‬
‫َّ آنذاك في جملة أعضائه‬
                                      ‫ِ‬
‫كوندورسيه وسييس وفريسو وكميل دهْ موالن ودانتون وفلوريان، الذين لعبوا‬
                                                             ‫ز جد‬       ‫ر‬
                                        ‫جميعًا دو ًا بار ًا ًّا في الثورة الفرنسية.‬
‫لكننا نالحظ أنه كان هناك أيضًا، في المقابل، ماسون ملكيون، حاربوا الثورة‬
                                            ‫بشراسة، ودافعوا عن المؤس‬
‫َّسة الملكية، وعملوا من أجل قضيتها. وقد كان من‬
 ‫د‬
‫أبرزهم آنذاك بعض أعضاء العائلة المالكة نفسها، الذين سيعود بعضهم، من بع ُ،‬
                                                              ‫ك‬
‫ملو ًا على فرنسا، كـ"األخوين" (صاحبي الجاللة) لويس الثامن عشر وشارل‬
                                                                 ‫العاشر. وأيضًا...‬
                                ‫ق‬
‫ب. نالحظ إبان عهد اإلمبراطورية األولى، أو لن ُلْ إبان حكم نابوليون األول (الذي‬
                                           ‫ِّل للمناسبة أنه لم يكن ماسوني‬
‫ًّا)، ازدهار الماسونية التي كان يترأس أحد أهم‬                          ‫نسج‬
                                                               ‫توج‬
‫ُّهاتها – نقصد "شرق فرنسا الكبير" – شقيق اإلمبراطور، "األخ" جوزيف‬


‫.‪94 Alain Guichard, Les Francs-Maçons‬‬


                                        ‫331‬
                                ‫تم‬                            ‫بونابارت. ونسج‬
‫ِّل أنه في تلك الفترة تحديدًا َّ وضع القانون المدني الفرنسي الذي‬
‫كان على رأس لجنة صياغته، من الحقوقيين الكبار، "اإلخوان" ميرالن وجوبير‬
                                                                       ‫ُ‬
                                                      ‫وفابر دهْ لود. وأيضًا...‬
                          ‫عي‬
‫ت. نالحظ كيف أنه بعد انهيار اإلمبراطورية األولى، َّن "األخ" الملك لويس الثامن‬
                                            ‫س‬             ‫ُ‬
    ‫عشر قرينه الدوق دهْ ماييل رئي ًا لـ"معهد الطقوس" في "شرق فرنسا الكبير".‬
 ‫ِّل أنه هكذا، بشكل عام، وعلى الرغم من سيطر ِ منحاها العام المتحر‬
‫ِّر‬                  ‫ة‬                                         ‫ونسج‬
    ‫جد‬                         ‫َّ‬
‫والليبرالي، إال أن الماسونية الفرنسية ضمتْ في صفوفها شخصيات هامة ًّا من‬
                              ‫ة‬
‫مختلف االتجاهات السياسية. ونؤكد هنا، خاص ً، على االتجاهات اليسارية منها:‬
                            ‫ة‬
‫(شخصيات) كبالنكي ولويس بالن، وخاص ً... الشيوعي الطوباوي برودون.‬
                                                                    ‫وأيضًا...‬
     ‫عي‬
‫ث. نالحظ تطور الماسونية كثيرًا خالل فترة حكم نابوليون الثالث، الذي َّن، في‬
                                            ‫ر‬
‫كانون الثاني 2611، الما ِشال مانيان على رأس "شرق فرنسا الكبير". ولكن،‬
                                                                ‫ة‬       ‫ض‬
                                                             ‫أي ًا وخاص ً...‬
‫نالحظ أنه، بعد انهيار اإلمبراطورية الثانية، وإثر هزيمة الجيش الفرنسي في‬          ‫ج.‬
                               ‫دل‬     ‫ر‬
‫سيدان على يد بسمارك، حقيقة أم ٍ، إن َّ على شيء فإنما يدل على عدم وجود‬
                 ‫تشك‬                     ‫موقف سياسي ماسوني موح‬
‫َّد على أرض الواقع؛ حيث َّلت في فرنسا آنذاك‬
                                                    ‫دع َ‬
‫حكومتان: األولى ُ ِيتْ "حكومة اإلنقاذ الوطني"، برئاسة الكاثوليكي تروشو –‬
‫وكان تسعة من أعضائها األحد عشر من الفرمسون، الذين كان من أهمهم غامبيتا‬
‫وأدولف كريميو وجول فيري (صاحب قانون "العلمانية" الشهير) وإرنست بيكار‬
                                 ‫ة‬                      ‫تشك‬
‫إلخ؛ كما َّلتْ، في المقابل، حكوم ُ معارضة، هي حكومة "كومونة باريس"،‬
                                     ‫ض‬
‫التي كان العديد من أعضائها أي ًا من الفرمسون، الذين كان من أهمهم جول‬
                                    ‫فاليس وأودز وراسباي وغوستاف فلورينز.‬



                                   ‫431‬
‫ونتابع هكذا، مستعرضين إلى ما ال نهاية مختلف تموجات التاريخ الفرنسي، ومن‬
‫خالله، تموجات مواقف اإلخوة، حتى نصل إلى األزمنة الحديثة التي شهدتْ ظهور‬
                        ‫الحركة االشتراكية والشيوعية، فنتوقف هنا قليالً ألنه...‬
‫قبل أن يعلن المؤتمر الثالث لألممية الشيوعية، المنعقد في موسكو في العام‬           ‫ح.‬
                          ‫2291، عدم تطاُق سياسات الحركة الشيوعية وتوج‬
‫ُّهاتها مع الماسونية وإدانته‬                           ‫ب‬
‫لها، فإن العديد من اإلخوة كان قد انتسب عن قناعة إلى الحزب الشيوعي الفرنسي‬
‫الوليد، وأضحى من أبرز أعضائه، إن لم نقل من أهم قيادييه. نذكر منهم، على‬
‫سبيل المثال: مارسيل كاشان (صاحب صحيفة ‪ )l’Humanité‬وأندريه مارتي‬
 ‫د‬
‫وأنطونيو كوين وباشوليه وشارل لوسي وفروسار إلخ؛ مما استدعى، من بع ُ،‬
                                                             ‫ر‬      ‫ر‬
‫قرا ًا صاد ًا عن المكتب السياسي للحزب (بتاريخ األول من كانون الثاني 3291)‬
‫يؤكد على ضرورة أن يختار اإلخوة–الرفاق بين التزامهم الحزبي أو الماسوني.‬
‫وقد خضع آنذاك بعض اإلخوة لقرار الحزب، فتنازلوا عن ماسونيتهم، ككاشان‬
            ‫ومارتي، بينما رفض بعضهم اآلخر ذلك القرار، وتنازلوا عن حزبي‬
‫َّتهم، كفروسار‬
                                                             ‫وموريزه وكوين.‬
                                      ‫مد‬
‫وقد استمر واقع الحال هذا بين ٍّ وجزر، لكن لصالح الماسون عمومًا، وخاصة‬
                         ‫َّ‬
‫منذ زوال الستالينية وما تبعها من متالحقات أدتْ إلى تمايز معظم األحزاب‬
     ‫الشيوعية في أوروبا وفي العالم وإلى استقاللها عن الحزب األب في روسيا.‬
                            ‫رَ‬       ‫من َ‬                    ‫ر نسج‬
‫وأخي ًا، ِّل أن الماسونية التي ُ ِعتْ وحو ِبتْ بشراسة في فرنسا خالل فترة‬         ‫خ.‬
‫االحتالل النازي، سواء من سلطات االحتالل، أو من الحكومة المتعاونة معه في‬
                                          ‫ح‬       ‫ة‬
‫فيشي، عادت شرعي ً ومسمو ًا بها من جديد فور استعادة فرنسا الستقاللها‬
                                                               ‫وديموقراطيتها.‬




                                   ‫531‬
                             ‫2. أو في بالدنا59 (ليس حصرًا)، حيث نالحظ...‬
 ‫كل ضم‬
‫أن الحركة الماسونية، منذ تأسيسها، وإبان تاريخ وجودها العلني ِّه، َّت‬                      ‫أ.‬
‫العديد من الشخصيات الوطنية العاملة في الحقل العام، إضافة إلى أكابر البلد‬
‫ووجهائه؛ حيث كان من أعضائها، خالل فترة االنتداب الفرنسي، السادة (مثالً‬
‫وليس حصرًا): عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري ومصطفى السباعي‬
                             ‫وجبران لويس (المحفل االسكتلندي رقم 1571)...‬
                                        ‫د‬
‫ب. وأنها كانت تضم حتى عد ًا من ضباط الجيش، الذين من أبرزهم، كما هو‬
‫معروف: العقيد أديب الشيشكلي والفريق جمال فيصل (قائد الجيش األول أيام‬
            ‫ب‬
‫الوحدة)، الذي كان منتسبًا لمحفل "خالد بن الوليد" منذ أن كان طال ًا في المدرسة‬
‫الحربية... كما نالحظ أن معظم المنتسبين إليها كانوا من أبناء الطبقة الوسطى،‬
                             ‫وخاصة من الموظفين الحكوميين أصحاب المراكز.‬
        ‫جد‬                                   ‫ِّل أن الماسونية المحل‬
‫ِّية تعاطتْ السياسة بشكل صريح ومباشر ًّا. ال بل‬                  ‫ت. ونسج‬
                                 ‫إن هذا التعاطي كان موضع ُطالبة وأمرًا طبيعي‬
‫ًّا في نظر غالبية أبنائها، كـ"األخ"‬                ‫م‬
                         ‫عب‬
‫المحامي خيري رضا (محفل قاسيون)، الذي َّر بصراحة، في محاضرة له عن‬
‫تاريخ الماسونية، أنْ: "... نعم، لتكن لنا كلمة نافذة في إدارة شؤون بالدنا‬
                                                                 ‫ومقد‬
‫َّراتها. فحسبنا هذه العزلة الطويلة، وأن يكون لنا رأي مسموع في سياسة‬
                                                    ‫بلدنا. ثم ينبغي أن تحس‬
‫َّ األوساط السياسية بأن هنالك من يعالجها. وال يجدر بنا‬
                                     ‫أن ُنظَر إلينا بعين اإلهمال، وأن نظل‬
‫َّ على مثل هذه الحال من االجتماع للقيام‬                              ‫ي‬




                              ‫59 حسين عمر حمادة، الماسونية والماسونيون في الوطن العربي.‬



                                     ‫631‬
                  ‫ل كل‬               ‫تتمث‬
‫بطائفة من الطقوس والمراسيم التي َّل، ويعاد تمثيُها َّ أسبوع، دون أن تصل‬
                                                                ‫إلى غاية عملية..."69.‬
‫وأتوقف هنا قليالً، ألن مثل هذا الرأي إنما يدل، في نظري، على أمرين خطيرين:‬
                                      ‫أولهما هو التعامل مع الماسونية كتجم‬
‫ُّع سياسي؛ وثانيهما – وهو األخطر واألعمق‬
‫من منظوري – أال وهو تلك النظرة من االحتقار – إن لم نقل عدم الفهم المطبق –‬
        ‫تتمث‬
‫لما يدعوه صاحب العالقة "األخ" خيري رضا تلك "... الطقوس التي َّل، ويعاد‬
                                                               ‫ل كل‬
‫تمثيُها َّ أسبوع، دون الوصول إلى غاية عملية..."؛ األمر الذي أربطه بما سبق‬
‫أن أشرت إليه، ويتحدث عن سطحية المنتسبين إليها، وخاصة في بلداننا، وسعيهم‬
                            ‫عب‬
‫إلى تحقيق غاياتهم النفعية من خاللها. ألنه، كما َّر بمنتهى البالغة "األخ" وجيه‬
              ‫حد‬
‫بيضون: "... الماسونية في هذا البلد فاسدة، فاسدة آلخر ِّ. وقد أدرك ذلك‬
                           ‫ل‬                         ‫ال‬
‫الغرباء األباعد، فض ً عن اإلخوان األدنين. وعل ُ الماسونية أخالقية بحتة، ال‬
‫تقوم بغير المظاهر، وال يفيدها االنتساب إلى شرق دون آخر. إذن فليفكر العاملون‬
‫باألسباب الجوهرية قبل المظاهر الفرعية، ماداموا عاجزين عن إصالح أخالق‬
          ‫ط‬
‫األعضاء المنتسبين إلى المحافل. ومادام هؤالء [اإلخوان الماسون] خلي ًا مختلفًا،‬
  ‫ال يمكن أن تكون بينهم وحدة فكرية، وال يمكن أن ينشدوا الكمال الذي تتطل‬
‫َّبه‬
             ‫خد‬
‫المبادئ الحرة، وال يعرفون من الماسونية إال ظواهرها، ألنهم ُ ِعوا في الدخول‬
                   ‫إليها، ولم يطلبوها إال للربح والكسب على أكتاف غيرهم..."79.‬




 ‫69 خيري رضا، شذرات من تاريخ الماسونية، ص 77-11؛ نقالً عن: كتاب حسين عمر حمادة الماسونية‬
                                                               ‫والماسونيون في الوطن العربي.‬
‫79 وجيه بيضون، "بين الهياكل: شرق سوري جديد"، اإلنسانية، دمشق، ج 7 و1، شباط وآذار 7173، ص‬
                  ‫377-777؛ نق ً عن: الماسونية والماسونيون في الوطن العربي لحسين عمر حمادة.‬
                                                                             ‫ال‬



                                         ‫731‬
                                                                  ‫ث. وأسج‬
‫ِّل هنا أن المواقف السياسية العامة للماسون السوريين إنما كانت تتطابق‬
                                                                        ‫بدئي‬
‫م ًّا مع المواقف الوطنية العامة، حيث كان الكثير منهم من "الكتلة الوطنية" ومن‬
                                                                       ‫د‬
‫ُعاة االستقالل والوحدة العربية. لكن، مع تطور األوضاع بعيد االستقالل، ومع‬
‫احتدام الصراع العربي–اإلسرائيلي وانهيار األنظمة الليبرالية في المنطقة لصالح‬
                        ‫أنظمة عقائدية وعسكرية، ُ ِ َت الماسونية رسمي‬
‫ًّا في سورية بموجب األمرين‬              ‫حظر‬
‫العرفيين رقم 52، تاريخ 71 آب 5691، القاضي بـ"... إلغاء الجمعية الماسونية‬
‫المسماة بالمحفل األكبر السوري العربي والمحافل التابعة له في جميع أنحاء القطر‬
     ‫بأي‬                    ‫العربي السوري، إن ُجِدتْ. وُحظَر على المؤس‬
‫ِّسين المنتسبين القيام ِّ نشاط‬            ‫ي‬     ‫و َ‬
                    ‫ت‬        ‫لصالح الجمعية، و ُختَم بالشمع األحمر، وتصف‬
‫َّى موجوداُها من قبل لجان وزارة‬                      ‫ت‬
                                  ‫ل‬       ‫ح‬
‫الشؤون االجتماعية والعمل، ويال َق المخاِفون أمام المحكمة العسكرية المختصة،‬
‫إلجراء محاكمتهم بجرائم االنتساب إلى جمعية ذات طابع دولي..."، ورقم 62،‬
‫القاضي بـ"... إلغاء أندية الروتاري الدولي في دمشق وحلب وحمص وفي جميع‬
                                              ‫و َ‬
                                       ‫أنحاء القطر العربي السوري، إن ُجِدتْ...".‬
                     ‫حل‬                                            ‫وأسج‬
‫ِّل أيضًا أنه، إبان الفترة نفسها تقريبًا، كان ُّ المحافل الماسونية في‬                       ‫ج.‬
‫مصر، حيث "طلب [اإلخوان الماسون] تسجيل عشيرتهم في وزارة الشؤون‬
‫االجتماعية المصرية.89 ولكنه بعدما رفض الماسونيون إخضاع محافلهم إلشراف‬
                  ‫حق‬          ‫الوزارة، عم ً بقانون الجمعيات التي تخو‬
‫ِّل الوزارة َّ التفتيش على أعمال‬                       ‫ال‬
                                              ‫للتثب‬
‫الجمعيات ونشاطاتها، ُّت من أنها ال تخالف النظام العام، صدر في حزيران‬
                                          ‫4691 قرا ٌ رسمي بإغالق وحل‬
‫ِّ المحافل الماسونية في جميع أراضي الجمهورية‬              ‫ر‬
                                             ‫تم‬
‫العربية المتحدة. وقد َّ وضع المحفل الماسوني بشارع طوسون تحت الحراسة،‬


   ‫89 جورج فاخوري البولسي، المسرة، العدد 771، تموز 1173، ص 711-111؛ نقالً عن: الماسونية‬
                                                             ‫والماسونيون في الوطن العربي.‬



                                        ‫831‬
           ‫وتبي‬
‫وقام األستاذ علي عوض، نائب الحارس العام، بجرد محتوياته، َّن من عمليات‬
                                        ‫ق‬       ‫ي‬
‫اإلشراف والجرد أن المحفل ُدار طب ًا للقانون الماسوني اإلنكليزي، ويعمل جميع‬
                                                                 ‫ق‬
                                        ‫أعضاؤه وف ًا ألحكام هذا القانون...".‬
                                              ‫د‬
‫قرارات تسارعتْ من بع ُ وتالحقتْ، كان أهمها توصية مكتب مقاطعة إسرائيل‬
‫(رقم 4 للعام 0091) للحكومات العربية بحظر وإغالق فروع الحركة الماسونية‬
                 ‫في أراضيها، وقرار مجلس جامعة الدول العربية رقم 9732...‬
‫ألن الماسونية أضحت، مع األسف، في معظم الدول العربية ذات األغلبية المسلمة،‬
          ‫ت ب‬                                                        ‫ت ب‬
‫ُر َط بالصهيونية. وهو واقع حال لم يكن حين نشوئها، حيث كانت ُر َط بالحداثة‬
                                                          ‫وبالتحرر. لكن...‬
                                  ‫ح‬
‫يبقى أن الماسونية مازالت علنية ومسمو ًا بها في بعض الدول العربية، كلبنان‬       ‫ح.‬
‫وبعض بلدان المغرب العربي، كالمغرب وتونس، وأنه حتى في سورية، حيث هي‬
‫في حكم المحظورة، مازالت بعض الشخصيات الهامة تجاهر بانتمائها إليها،‬
‫كالمرحوم السيد بدر الدين الشالح (أبو راتب)، الرئيس السابق لغرفة تجارة‬
                                                                   ‫دمشق...‬




                                  ‫931‬
                                    ‫ق‬
‫السيد بدر الدين الشالح الذي كان صدي ًا ألهم شخصيات البالد، والذي اجتمع به‬
                                                                     ‫د‬
      ‫تحدي ًا الرئيس األمريكي األسبق، "األخ" جيمي كارتر، عندما زار سورية...‬
‫جيمي كارتر الذي كان يقف إلى جانب الرئيس الكوبي فيديل كاسترو في أثناء‬
                              ‫جنازة الرئيس الكندي األسبق بيير إليوت ترودو...‬




                                                    ‫ال‬
‫وأتوقف هنا قلي ً... ألن الحقائق على أرض الواقع تقول إن كوبا – وهو من‬
‫البلدان االشتراكية القليلة "الصامدة" إلى اآلن – هو البلد "االشتراكي" الوحيد الذي‬
                         ‫ظلتْ الماسونية علنية ومسمو ًا بها فيه، ولم تتعر‬
‫َّض ألية مضايقة، منذ انتصار‬                 ‫ح‬
                        ‫الثورة هناك في األول من كانون الثاني 1591 إلى اآلن.‬
 ‫ثوري‬
‫وأتأمل في هذا الواقع الذي يقول إن فيديل كاسترو كان – ولم يزل – " ًّا‬
                           ‫ضحم‬                                      ‫وشيوعي‬
‫ًّا مخلصًا"، وأنه في بلده، حيث فَرَ َ ُكْ َ الحزب الشيوعي الواحد – ولم‬
                                                                ‫يتعر‬
                                      ‫يزل – لم َّض إطالقًا للماسونية كسواه.‬
‫وأستقصي الوقائع قليالً، فأجد أنه كانت للماسونية في أمريكا الالتينية – ولم تزل‬
      ‫يفس‬                                                         ‫د‬
‫لها – تقالي ُها الثورية واليسارية، وذلك منذ أيام سيمون بوليفار؛ مما قد ِّر، إلى‬
                                ‫تعر‬                                 ‫حد‬
‫ٍّ كبير ربما، موقف كاسترو منها وعدم ُّضه لها على اإلطالق. ومما يؤكد ما‬
                     ‫أهم‬             ‫ع‬
‫أذهب إليه في تخميناتي هذه واق ُ أن العديد من ِّ الشخصيات اليسارية في‬


                                     ‫041‬
‫أمريكا الالتينية كانوا من الفرمسون، كالشهيد، الرئيس األسبق للتشيلي، الرفيق‬
                                                 ‫و"األخ" سالفادور ألليندي...‬
                                  ‫***‬




                                  ‫141‬
                                           ‫5‬
                                         ‫خاتمة‬

                   ‫ة‬                    ‫كل‬
‫... إذن، فقد تعاطتْ المحافل، في ِّ مكان، وتعاطى األخو ُ من خاللها، السياسة‬
     ‫التي افترضت منذ البداية أنْ‬   ‫99‬
                                          ‫ر‬             ‫نص‬      ‫ف‬
                                        ‫المباشرة، وذلك خال ًا لما َّت عليه دساتي ُهم‬
                           ‫كل‬     ‫م‬       ‫ع‬                         ‫ي ب‬
‫ُعت َر الماسوني في الواقع تاب ًا مسال ًا في ِّ ما يتعلق بالسلطات المدنية،‬
                          ‫ي ر‬                                ‫مقر‬
‫وأينما كان ُّ إقامته أو عمله؛ وبالتالي، ال ُفت َض فيه أن يتورط على اإلطالق‬
     ‫ف‬                                       ‫في أية مؤامرة أو تآ ُر يمس‬
‫ُّ سالمة األمة ورفاهها، وال أن يتصرف تصر ًا غير‬   ‫م‬
 ‫م ُ ِر‬
‫الئق تجاه الحكام التابعين. إن الحرب وسفك الدماء والثورات كانت دائ ًا مض َّة‬
                                                                            ‫بالماسونية.‬
                                                                                    ‫وأنه‬
                                                   ‫إذا حصل وتمر أي‬
‫َّد ٌّ من األخوة ضد الدولة فإنه ينبغي عدم تشجيعه على ذلك،‬
‫والتعامل معه في نفس الوقت برأفة، كإنسان بائس الحال. وفي حال لم تتم إدانته‬
                ‫ي ر‬
‫بأية جريمة فإنه ليس في وسع األخوية الوفية – التي ُفت َض فيها أن تستنكر‬
           ‫أي‬
‫التمرد، من أجل عدم إثارة السلطات القائمة، وعدم إعطائها َّ مبرر سياسي‬
‫يثير الشكوك – طرده من المحفل، بحكم كون العالقات التي تربطهما عالقات ال‬
                                                                         ‫تنفصم عراها.‬
                         ‫وخاصةً، خالفًا للبند السادس من هذه الدساتير، المحد‬
‫ِّد للـ"سلوكية داخل المحفل"‬
                                                                                ‫والقائل:‬



‫99‬
  ‫‪James Anderson, “The Book of Constitutions of the Freemasons, containing the‬‬
‫”.‪history, charges and regulations, of that most ancient and right worshipful fraternity‬‬


                                           ‫241‬
                          ‫ب‬
‫ال تدعوا لخالفاتكم كأفراد أو لصراعاتكم أن تع ُر عتبة هذا المحفل؛ وتجنبوا‬
                                                                 ‫ة‬
‫خاص ً أية نقاشات حول الديانات والقوميات والسياسة، ألنه معروف أنه، بحكم‬
                                                                    ‫ن‬
‫كوننا ماسو ًا، فإننا ال ندعو إال لتلك الديانة العالمية التي ذكرنا أعاله. وألننا،‬
‫تؤد‬                                              ‫كل‬                ‫ض‬
‫أي ًا بحكم كوننا من ِّ األمم واللغات واألعراق، نتجنب السياسة التي لم ِّ‬
               ‫في الماضي إلى ازدهار المحافل ولن تؤدي إلى ذلك في المستقبل.‬
‫وقد تعاطوها – مع األسف – ليس من منظورها األرسطي المفترض والمطلوب،‬
                               ‫فج‬
‫بل من منظورها العقائدي والحزبوي ال ِّ المباشر. وهذه قد تكون من دالئل‬
                                        ‫انحطاطهم الذي بدأ، ربما، كأي‬
‫ِّ جسم حي، منذ لحظة والدتهم، إن لم نقل منذ‬
                     ‫َّسة عملية ‪ operative‬إلى مؤس‬
‫َّسة تأملية ‪speculative‬‬                        ‫لحظة تحولهم من مؤس‬
            ‫ع‬              ‫حد‬
‫وانفتاحهم على غير "أبناء الكار". فهذا الفعل، في ِّ ذاته، كان قط ًا فعل سياسة،‬
                                                          ‫ر‬           ‫َّ‬
                                 ‫سواء أقرتْ الدساتي ُ به بوصفه كذلك أم لم تقر.‬
        ‫ا‬              ‫ر‬                            ‫ال‬
‫وقد يعترض أحدهم قائ ً إن هذا الفعل آنذاك كان مبر ًا، ال بل ضروريً، لتثبيت‬
       ‫د‬
‫مواقع األخوة في المدينة؛ وهذا صحيح ربما. لكن، يبقى أنه هنا تحدي ًا، ومنذ‬
                            ‫ي‬
‫البداية، كان ينبغي أن يحددوا ما كان ينبغي أن ُفهَم من "السياسة" التي حظروا‬
‫تعاطيها، وأن يتفهموا أنه لما كان من غير الممكن، وال الواقعي، منع تعاطي‬
‫السياسة في المطلق، كان من الواجب، كما أسلفنا، التأكيد على ممارستها من‬
                                               ‫ق‬
           ‫منظور آخر غير مباشر، انطال ًا من قيم ومبادئ أخالقية عامة وأزلية.‬
                                                        ‫ر‬
                   ‫لكن البشر يبقون بش ًا في النهاية – والماسون بشر كسواهم...‬
               ‫بشر كغيرهم... ولهذا أخطأوا، وانحطوا، كما أخطأ الجميع وانحط.‬
            ‫سر‬         ‫مؤس‬
‫ألنهم أخطأوا فعالً، ربما حين قرروا التحول من َّسة وتجمع َّاني عملي إلى‬
                       ‫ع‬      ‫ة‬                              ‫سر‬
‫تجمع أضاع َّانيته من خالل ما افترضه تأملي ً – قط ًا ليس ألن التأملية خطأ،‬
                                           ‫ه سر‬
‫بل ألنهم من خالل تجا ُل َّانية طقوسهم القديمة وتعميمها على غير "أبناء‬



                                     ‫341‬
‫الكار"، إنما حملوا، منذ البداية، بذور تحولهم، على أرضية الواقع البشري، إلى‬
                 ‫م‬
‫منتدى شبه نفعي و/أو إلى تجمع شبه سياسي – كالعقائد تما ًا، من خالل ما نجم‬
                            ‫القو‬          ‫مؤس‬
‫عنها من تنظيمات و َّسات وعلى يد َّامين على شرعها، حين نسيت (أو‬
                      ‫تناست) عمقها اإلنساني، فتحولت إلى مجرد مؤس‬
‫َّسات وشرائع، مهمتها فرض‬
       ‫الحظر والنهي والسهر على التقيد به، أو على "تقييد" المؤمنين به باألصح.‬
                                                          ‫ال‬
‫لقد أخطأوا فع ً حين لم يراجعوا أنفسهم في العمق، فهربوا إلى األمام من خالل‬
‫المزيد من الدرجات والمزيد المزيد من المناحي والتوجهات – كالعقائد تمامًا، حين‬
‫تشبثت، بال تبصر وإلى ما ال نهاية، بأحد جوانب أو مناحي حقيقة أزلية ال تتجزأ،‬
                                                                        ‫فتشع‬
                                                           ‫َّبتْ من خالله.‬
       ‫ض‬                                          ‫ال‬
‫لقد أخطأوا فع ً – أجل – حين تجاوزوا دساتيرهم وطقوسهم، عو ًا عن أن‬
‫يمعنوا النظر في أبعادها ورمزيتها؛ حين لم يراجعوها في العمق، فبقوا متمسكين‬
                               ‫ال‬
                   ‫بقشورها ومظاهرها، كموقفهم من المرأة، مث ً وليس حصرًا.‬
                                           ‫ال‬
‫أجل، لقد أخطأ الماسون فع ً، ليصلوا – كغيرهم – إلى ما وصلوا إليه اليوم‬
                                                                 ‫م‬
        ‫عمو ًا من سوء سمعة وانحطاط على مستوى أرض واقعنا البشري القائم.‬
‫ولكن، ربما، أيضًا بحكم نخبويتهم وعمق رمزيتهم – هذه المثالية التي جذبت إليهم‬
        ‫م‬                        ‫م‬
‫حينذاك خيرة البشر – كان هناك دائ ًا في صفوفهم – ولم يزل – َن حاول –‬
  ‫ومازال يحاول دائمًا وباستمرار وشجاعة – إعادة النظر في سلبياته ونواقصه...‬
‫كتجمعات "أصحاب الكار" ‪ Compagnons du métier‬الذين يحاولون اليوم،‬
                                       ‫ِّ جمالية وشجاعة، العودة إلى عملي‬
‫َّتهم القديمة النقلية عن طريق إعادة إحياء‬                             ‫بكل‬
‫تقاليدهم وقواعد فنهم العريقة وتطويرها، وإيجاد قواعد وتقاليد مهنية جديدة للمهن‬
‫المحدثة. وهي تجمعات أضحت اليوم واسعة االنتشار وحسنة السمعة في مختلف‬




                                    ‫441‬
                     ‫ض‬
‫أنحاء القارتين األوروبية واألمريكية؛ ونأمل أن تعود أي ًا إلى بالدنا لتحيي ما‬
                                                                     ‫ي‬
                                   ‫كان ُعرَف في موروثنا الصوفي بـ"الفتوة".‬




                                                                ‫و/أو ربما...‬
‫من خالل مراجعة النفس في العمق والعودة إلى رمزية تقاليدهم القديمة، كما في‬
           ‫تأس‬
‫جمعية "عشاق الحقيقة" ‪ The Philalethian Society‬التي َّست في العام‬
‫1291 مثالً، والتي كان ينتمي إليها عدد من كبار الماسون، كاألديب روديارد‬
                                                 ‫ال‬
                                     ‫كبلنغ وأوزفالد فيرث، مث ً وليس حصرًا.‬




                                                              ‫و/أو خاصة...‬




                                   ‫541‬
                                                       ‫من خالل التوج‬
‫ُّه نحو المزيد من الروحانية والعمق الباطني، والتمسك بهما،‬
                        ‫فنذك بأهم‬
       ‫كبعض المحافل الرمزية الفرنسية، التي نعود ِّر ِّها في هذا السياق:‬
‫‪La Grande Loge‬‬      ‫المحفل األكبر الوطني الفرنسي‬          ‫-‬        ‫-‬
                                               ‫‪Nationale Française‬‬
‫المحفل األكبر النقلي والرمزي – األوبرا ‪La Grande Loge‬‬     ‫-‬        ‫-‬
                         ‫‪Traditionnelle et Symbolique – Opéra‬‬
       ‫محفل فرنسا األكبر ‪La Grande Loge de France‬‬         ‫-‬        ‫-‬
‫الطقس القديم والبدئي لممفيس مصراييم ‪Le Rite Ancien et‬‬ ‫-‬      ‫-‬
                                  ‫‪Primitif de MemphisMisraïm‬‬
 ‫المحفل الوطني الفرنسي ‪La Loge Nationale Française‬‬    ‫-‬      ‫-‬
                           ‫توج سر‬      ‫ع‬
‫ونشير هنا إلى أن هذه المحافل جمي ًا ذات ُّه َّاني وروحاني. ال بل إن اثنين‬
‫منها تحديدًا – وهما المحفل األكبر الوطني الفرنسي والمحفل األكبر النقلي‬
‫والرمزي – األوبرا، يعمالن ضمن سياق فكر وتوجهات المفكر والباحث‬
‫الروحاني رونيه غينون – هذا المعلم واألستاذ الكبير، الذي طبع الماسونية‬
                                            ‫الروحانية – ولم يزل – بميسمه.‬




                                                             ‫و/أو أيضًا...‬
‫من خالل إصالح نفسها في العمق عبر انفتاحها على الجميع، وإزالة ما علق فيها‬
        ‫ر‬         ‫ال‬
‫من مفاهيم وتقاليد بالية: كتلك التي تمنع النساء، مث ً وليس حص ًا، من أن‬




                                  ‫641‬
‫ينضممن إلى صفوفها. وأذكر هنا بعض هذه التوجهات والمحافل التي خرقت هذه‬
                                                      ‫ت َ‬
                                   ‫المفاهيم البالية، فاع ُبِرتْ غير نظامية، مثل:‬
‫‪La Grande Loge‬‬             ‫المحفل األكبر النسائي الفرنسي‬     ‫-‬         ‫-‬
                                                   ‫‪Féminine de France‬‬
‫األخوية الماسونية المختلطة الدولية – الحق اإلنساني ‪L’Ordre‬‬   ‫-‬         ‫-‬
               ‫‪Maçonnique Mixte International – Le Droit Humain‬‬
                                      ‫مم‬                 ‫ر‬
‫وفي بالدنا، أخي ًا، حيث المرجو َّن تبقى من أبنائها، والراغبين باستعادة‬
‫نشاطهم التصرف من خالل علنية وشفافية كاملة تنفي ما علق في أذهان الناس من‬
‫أوهام حولهم. أوهام ناجمة إما عن انغماسهم في السياسة المباشرة و/أو من نفعيتهم‬
                                                   ‫بين‬
                                                 ‫المفرطة، كما سبق لنا أن َّا.‬
  ‫أما وقد حاولنا جاهدين أن نعطي ِّ ذي ٍّ َّه – وخاصة لهذه المؤس‬
‫َّسة‬                  ‫حق حق‬    ‫لكل‬
                                      ‫بد‬
‫العريقة في رمزيتها وتقاليدها – فال َّ لنا من أن نتساءل: إلى أية نتيجة نتوصل‬
                                                            ‫في النهاية يا ترى؟‬
                                           ‫ال‬
                  ‫لست أدري، ومازلت حائرًا فع ً، وليس في وسعي أن أحدد...‬
                                                       ‫وعب‬
           ‫ألني، كما سبق َّرت في مقدمة القسم الثالث من هذا البحث، مازلت‬
                                              ‫ر‬
‫أجدني، في النهاية، حائ ًا، غير قادر على الحكم و/أو على اتخاذ موقف قطعي‬
‫من هذا الموضوع الشائك المعقد، ألنه – ولست أخفي – ثمة جانب من هذه‬
                          ‫َّة: وأخص‬
‫ُّ بالذكر هاهنا العمق الروحي‬                                 ‫المؤس‬
                                 ‫َّسة اإلنسانية يجذبني إليه بشد‬
 ‫ب‬                                                          ‫والفلسفي والسر‬
‫َّاني لتقاليدها ورمزيتها وطقوسها. كما أن ثمة، بالمقابل، جان ًا‬
                      ‫ع‬       ‫ض‬                      ‫آخر ِّرني: وأخص‬
‫ُّ منه بالذكر، هاهنا أي ًا، واق َ حالها المؤسف وتشعباته‬       ‫ينف‬
                                      ‫على أرضية انحطاطنا اإلنساني القائم...‬
                                                                            ‫ألن‬




                                   ‫741‬
                                      ‫حد‬       ‫أتفه‬
‫... ما يجذبني يجعلني َّم، إلى ٍّ كبير، لماذا استحوذت هذه الحركة وقتئذٍ‬
‫على نخبة النخبة من إنسانيتنا واستقطبتْها – تلك العقول والنفوس العظيمة التي‬
‫وجدت فيها المالذ، وعن طريقها ومن خاللها، الوحي. لذا تراني اليوم، على‬
                               ‫أتلم‬
‫األقل من خالل الجاذب الذي يسحرني، َّس خطى عبد القادر الجزائري وجمال‬
‫الدين األفغاني، فأنقاد وراء ألحان الناي السحري لموتسارت، وأغوص في‬
           ‫َّانية هيلينا بالفاتسكي، وأحل‬
‫ِّق في اآلفاق‬                         ‫أعماق رمزية رونيه غينون وسر‬
                      ‫الروحانية واإلنسانية الرحبة والمذهلة لكل‬
‫ٍّ من ليف تولستوي ونيكوس‬
                                                            ‫كازانتزاكيس...‬
                                                                   ‫ولكن...‬
             ‫ة‬
‫... واقع حالها القائم، المقرون بالمحدودية وبالسذاجة، وخاص ً – مع األسف –‬
         ‫ض‬                 ‫أتفه‬
‫بالنفعية المباشرة للكثير من أبنائها، يجعلني َّم، في المقابل أي ًا، بعض ما‬
                         ‫ة‬
‫واجهتْه – ومازالت تواجهه – هذه الحرك ُ من عداء وتشكيك، وخاصة من‬
       ‫ر‬                            ‫َّسات بشرية أخرى – بد ًا من المؤس‬
‫َّسة الكنسية الكاثوليكية، مرو ًا، إبان‬        ‫ء‬                    ‫مؤس‬
    ‫ال‬
‫القرن الماضي، باألممية الشيوعية وبعض رموز الفكر القومي، وصو ً إلى‬
                                           ‫القو‬
‫بعض الحكومات والمرجعيات َّامة على بلدانها في منطقتنا اليوم – وإن كانت‬
    ‫ال‬                ‫م‬                                  ‫ض‬
   ‫هذه األخيرة، أي ًا بحكم بشريتها، ليست – ولم تكن يو ًا – أفضل منها حا ً!‬
                                                                   ‫ولكن...‬
‫ربما ألن األهم، من منظوري المتواضع، الذي يتجاوز في الحقيقة جميع‬
                                      ‫حد‬                              ‫المؤس‬
                                ‫َّسات والعقائد، يبقى اإلنسان في ِّ ذاته.‬
                        ‫سر‬       ‫ع‬
‫وربما ألن األهم في الماسونية قط ًا يبقى َّانيتها وطقوسها، في عمقها‬
                                                               ‫وجماليتها...‬




                                  ‫841‬
           ‫م‬       ‫ن‬           ‫معل‬
‫تراني، في النهاية، أعود إلى واحد من أكبر ِّميها، متمع ًا وحال ًا. أعود إلى‬
‫رونيه غينون، الذي تحدث ذات يوم عما هو أساسي فيها، أي المُسارَرة‬
                                                    ‫فقال:‬   ‫001‬
                                                                         ‫‪ Initiation‬وسر‬
                                                                  ‫َّانيتها،‬
                         ‫م ر‬
‫[...] ينبغي، بالتالي، أال ننسى أنه إذا كانت ال ُسا َرة الرمزية، التي ليست إال‬
                                                      ‫م ر‬
‫األساس لل ُسا َرة الفعلية وقاعدتها، هي وحدها بالضرورة التي يمكن منحها‬
                ‫م‬                                                ‫خارجي‬
‫ًّا، أو على األقل الحفاظ عليها ونقلها حتى عن طريق َن ال يفهم معناها‬
                ‫م‬
‫وال مداها، يكفي أن يحافَظ على الرموز سليمة كي تبقى دو ًا قادرة أن توقظ،‬
‫سر‬                          ‫ر‬                          ‫كل‬
‫فيمن هو قادر، َّ التصورات التي تمثل اختصا ًا لها. ففي هذا [...] يكمن ُّ‬
                                           ‫ي ه‬                   ‫م ر‬
‫ال ُسا َرة الحق، الذي ال ُنت َك بطبيعته ويستعصي على فضول الدنيويين، والذي‬
          ‫ليست السرية النسبية لبعض العالمات الخارجية إال تصوي ًا رمزي‬
‫ًّا له؛ وهذا‬    ‫ر‬
                                                          ‫لكل‬
‫السر يمكن ٍّ أن يلجه بمقدار يتناسب مع اتساع أفقه العقلي؛ لكنه، حتى وإن‬
                    ‫فعلي‬        ‫د‬                ‫م‬               ‫تمك‬
‫َّن من ولوجه تما ًا، لن يستطيع أب ًا أن ينقل ًّا إلى امرئ آخر ما لم‬
‫يفهمه بنفسه؛ ففي أحسن األحوال يمكن له أن يساعد على بلوغ ذلك الفهم أولئك‬
                                                            ‫وحدهم المؤهلين له. [...]‬
‫إذن فكل كائن يميل، عن وعي أو عن غير وعي، إلى أن يحقق في ذاته،‬
            ‫م ر‬
‫بالوسائل المتوافقة مع طبيعته الخاصة، ما تسميه األشكال ال ُسا َرية الغربية،‬
                                                                ‫د‬
‫استنا ًا إلى الرمزية "البنائية"، "مخطط مهندس الكون األعظم"، ويساهم، وفق‬
‫الوظيفة المنوطة به على الصعيد الكوني، في التحقيق التام لهذا المخطط عينه –‬
                                  ‫ال‬
‫تلك الوظيفة التي ما هي إجما ً غير إضفاء الصفة الكونية على تحققه‬
    ‫ال‬
‫الشخصي. ألنه عند هذه النقطة بالذات من تطوره، حيث يعي الكائن فع ً هذه‬


‫001‬
   ‫,0791 ,‪René Guénon, Aperçus sur l’initiation, Éditions Traditionnelles, 4e édition‬‬
‫.» ‪« De l’enseignement initiatique‬‬


                                         ‫941‬
                   ‫تدرج‬                               ‫م ر ت‬
‫الغاية، تبدأ ُسا َر ُه الفعلية، التي ينبغي أن تقوده ُّ ًا، وفق مساره الخاص،‬
‫نحو ذلك التحقق المتكامل الذي ال يتحقق من خالل التطور المعزول لبعض‬
              ‫لكل‬                                                   ‫م‬
‫ال َلَكات الخاصة، بل بالتطور التام، المتناغم والتراتبي، ِّ الممكنات التي‬
   ‫لكل‬
‫تتضمنها ماهية هذا الكائن. وبالتالي، لما كانت الغاية هي عينها بالنسبة ِّ ما‬
            ‫ر‬                   ‫م‬
‫له المبدأ نفسه، فإنه في الوسائل المستع َلة لبلوغها يكمن حص ًا ما يختص به‬
                 ‫ُّ كائن، منظو ًا إليه في حدود الوظيفة الخاصة المعي‬
‫َّنة له بحكم طبيعته‬                                 ‫ر‬            ‫كل‬
    ‫الفردية؛ وهي وظيفة يجب النظر إليها، مهما كانت، بوصفها عنص ًا ضروري‬
‫ًّا في‬     ‫ر‬
‫النظام الكوني والكامل. وبحكم طبيعة األشياء نفسها، تبقى تعددية الطرق الخاصة‬
                                                       ‫د و‬
                               ‫مادام لم يتم بع ُ تجا ُز مجال الممكنات الفردية.‬
                                   ‫ر‬            ‫م‬
‫بهذا فإن التعليم ال ُسارري، منظو ًا إليه في شموليته، ينبغي أن يتضمن –‬
                            ‫بوصفها عد ًا مساو ًا من التطبيقات، غير المتعي‬
‫ِّنة من حيث التعدد، لمبدأ واحد‬                        ‫ي‬       ‫د‬
                         ‫كل‬                         ‫كل‬   ‫ل‬
‫متعا ٍ – َّ طرق التحقق، التي ال تخص َّ فئة من الكائنات وحسب، بل‬
     ‫م ر‬                                         ‫ر‬                ‫وتخص كل‬
‫ُّ َّ كائن فردي منظو ًا إليه على حدة. وبالتالي، فإن مبادئ ال ُسا َرة ال‬
                              ‫بد‬
‫تتبدل، وإن كان يمكن لكيفياتها – بل ال َّ لها – أن تتبدل بحيث تتالءم مع‬
             ‫ع‬                                      ‫شروط الوجود المتجل‬
‫ِّي العديدة والنسبية؛ وهي شروط يجعل تنو ُها من المتعذر‬
                                      ‫كل‬                             ‫رياضي‬
‫ًّا، بنوع ما، أن يوجد في الكون ِّه شيئان متماثالن [...]. يمكن لنا، إذن،‬
                         ‫م‬
‫أن نقول إن من المتعذر أن توجد، لفردين مختلفين، ُساررتان متماثلتان بالدقة،‬
                      ‫حتى من وجهة النظر الخارجية والطقسية الصرف [...].‬
                                                           ‫م‬
‫فالتعليم ال ُسارري، الخارجي والقابل للنقل في أشكال، ليس – وال يمكن له أن‬
                ‫م ر‬
‫يكون – [...] غير تحضير للفرد الكتساب المعرفة ال ُسا َرية الحق عن طريق‬
       ‫ج‬
‫جهده الشخصي. وبذلك يمكن إرشاده إلى الطريق التي عليه انتها ُها وإلى‬
‫الخطة التي عليه أن يعمل بها، وإعداده التخاذ الموقف الذهني والعقلي‬



                                   ‫051‬
         ‫ض‬
‫الضروريين لبلوغ فهم فعلي، ال نظري وحسب؛ كما يمكن أي ًا مساعدته‬
‫وإرشاده من خالل مراقبة عمله باستمرار، ليس غير، ألنه ما من أحد آخر، وإن‬
                                                           ‫م بكل‬
‫كان "معل ًا" ِّ معنى الكلمة، قادر أن يقوم بالعمل المطلوب بالنيابة عنه. فما‬
                                                   ‫م ر‬
‫يجب على ال ُسا َر أن يكتسبه بالضرورة بنفسه – ألنه ليس في وسع أحد أو‬
       ‫ر‬      ‫شيء تلقينه إياه – هو إجما ً االكتساب الفعلي للسر م ر‬
‫ِّ ال ُسا َري حص ًا؛ ولكي‬              ‫ال‬
               ‫يتمكن من التوصل إلى تحقيق هذا االكتساب، بمداه ِّه وبكل‬
‫ِّ ما ينطوي عليه،‬    ‫كل‬
                              ‫س‬
‫يجب على التعليم، الذي يفيد بنوع ما أسا ًا وقاعدة لعمله الشخصي، أن يكون‬
               ‫بطبيعته مفتو ًا على ممكنات غير محدودة بالفعل، فييس‬
‫ِّر له بذلك توسيع‬                                  ‫ح‬
                   ‫ع ال‬               ‫ق‬      ‫ض‬                ‫ع‬
  ‫تصوراته توسي ًا غير متعين، عر ًا وعم ًا في آنٍ م ًا، بد ً من يغلقها [...].‬
                ‫أي حد‬
‫أما وقد أشار غينون إلى معايير اكتساب هذا السر، إلى ِّ ٍّ يا ترى في وسعنا‬
   ‫بكل‬                                                 ‫السير بهذا التعليم السر‬
‫َّاني عندما يتجاوز المراحل األولى لإلعداد والتأهيل، ِّ ما‬
                                                           ‫يتطل‬
‫َّبه من شكليات ورموز وطقوس خاصة مرتبطة به؟ وضمن أية شروط يمكن‬
                     ‫يقد‬
‫أن يوجد كما ينبغي من أجل تحقيق الغاية المطلوبة، بما ِّم مساعدة فعلية ألولئك‬
‫الذين يقومون بالعمل على أنفسهم، بحيث يكونون في النهاية قادرين على قطف‬
    ‫ثماره؟ وكيف تتحقق يا ترى هذه الشروط في تلك التنظيمات ذات الطابع السر‬
‫َّاني؟‬
‫وما الذي تعنيه في الواقع، بشكل دقيق ومحدد، هذه التراتبيات التي تتضمنها تلك‬
                                                                   ‫التنظيمات؟‬
                                         ‫و‬
‫إنها تساؤالت كثيرة من المتعذر تنا ُلها في مقام ضيق كهذا؛ تساؤالت جديرة فعالً‬
                ‫حد‬                                                ‫ت‬
‫أن ُعالَج بعمق، من دون أن تتجاوز نتيجة هذه المعالجة َّ التفكر والتأمل،‬
                                               ‫يتمل‬
‫وخاصة من دون أن َّكنا الغرور األجوف أن بوسعنا استيعاب موضوع يتشعب‬
                                                               ‫توغ‬
                                                       ‫ويتعمق كلما َّلنا فيه.‬




                                    ‫151‬
                                             ‫ر‬                     ‫كن‬
‫ألننا، إن َّا نملك ما يتطلب األم ُ من استعدادات ذهنية ونفسية وعقلية، نراه يتفتح‬
                  ‫باستمرار عن آفاق معرفية النهائية... وأكتفي هاهنا بهذا القدر.‬
                             ‫*** *** ***‬




                                     ‫251‬
                            ‫الملحق رقم 1‬
                           ‫دساتير أندرسن‬

‫بحكم كونها دساتير أول محفل أكبر، تعتبر دساتير أندرسن من النصوص األساسية‬
‫للماسونية الحرة المحدثة. ولكنه رغم هذا، علينا النظر إليها من خالل سياقها‬
‫التاريخي، وعدم أخذها في أي حال من األحوال كشيء مطلق، فهذه الدساتير قد‬
                                  ‫عدلت، وفي إنكلترا تحديداً منذ العام 1301.‬
                  ‫ال ا‬
‫وأيضاً، فإنه لما كان النص الكامل لهذه الدساتير طوي ً جدً، ويحتوي على أشياء‬
‫متنوعة بما في ذلك بعض األغاني، فإن ما سنقدمه منها للقارىء المهتم هو القسم‬
                                           ‫ا‬          ‫ال‬
                            ‫األكثر شهرةً وتداو ً. أي تحديدً ذلك المعروف بـ‬


                            ‫القواعد القديمة‬
                     ‫للماسون األحرار والمقبولين‬


                                                            ‫العناوين الرئيسة:‬
                                                     ‫- 1: حول األلوهة والدين.‬
                                     ‫- 2: في السلطة المدنية العليا أوالتابعة لها.‬
                                                              ‫- 3: في المحافل.‬
                           ‫- 4: حول األساتذة، والمراقبين، والرفاق والمتدربين.‬
                                             ‫- 5: في إدارة المهنة خالل العمل.‬



                                  ‫351‬
                                                       ‫ا‬
                                                      ‫- 6: في السلوك، وتحديدً:‬
                                                         ‫‪ o‬آ: في المحافل القائمة.‬
                 ‫‪ o‬ب: في السلوك الواجب بعد إغالق المحفل وقبل مغادرة األخوة.‬
            ‫‪ o‬ج: في سلوك األخوة حين يلتقون من دون غرباء وخارج محفل قائم.‬
                            ‫‪ o‬د: في السلوك الواجب أمام غرباء من غير الماسون.‬
                                 ‫‪ o‬ه: في السلوك في المنزل وفي المحيط القريب.‬
                                        ‫‪ o‬و: في السلوك الواجب تجاه أخ غريب.‬
‫هي نصوص جمعت من أراشيفها القديمة بأمر من األستاذ األكبر الحالي الدوق‬
                                                                 ‫دي مونتاغيو‬
‫ومقرة من قبل المحفل األكبر حيث طبعت كأول إصدار لكتاب الدساتير في 52‬
                                                                 ‫آذار 2221.‬



                ‫1 – في األلوهة والدين:‬
                        ‫ر‬                            ‫ي ب‬
       ‫ُعت َر الماسوني بحكم التزامه مجب ًا بالخضوع للقانون‬
           ‫د‬                  ‫د‬     ‫فن‬
      ‫األخالقي؛ وإن كان فهم َّه جي ًا فإنه لن يكون أب ًا ذلك‬
‫الملحد األبله، وال ذلك المتحرر الالديني. ورغم أنه في األزمنة‬
                                         ‫الغابرة كان إلزامي‬
    ‫ًّا، وفي أي بلد، أن يعتنق الماسون ديانة‬
‫ذاك البلد، أية كانت هذه الديانة، فإننا نجد أنه من األنسب عدم‬
                                   ‫د‬
   ‫إلزامهم بأية ديانة تحدي ًا، إنما تلك التي يتفق حولها جميع‬
  ‫البشر، وأن تكون لهم كامل الحرية فيما يتعلق األمر بآرائهم‬


                                    ‫451‬
                   ‫س‬
   ‫الخاصة. بالتالي، يكفي أن يكونوا أنا ًا طيبين ومخلصين،‬
                         ‫أي‬                         ‫س‬
‫أنا ًا أصحاب شرف ونزاهة، وذلك ًّا كانت االنتماءات الدينية‬
                                    ‫تمي‬
 ‫أو القناعات التي ِّزهم. هكذا تصبح الماسونية مركز اتحاد‬
       ‫ووسيلة إلقامة عالقات صداقة بين أشخاص كانوا بقوا‬
                                            ‫متفرقين لوالها.‬


    ‫2 - في السلطة المدنية العليا أو التابعة لها:‬
              ‫كل‬     ‫م‬       ‫ع‬                         ‫ي ب‬
     ‫ُعت َر الماسوني في الواقع تاب ًا مسال ًا في ِّ ما يتعلق‬
                           ‫مقر‬
 ‫بالسلطات المدنية، وأينما كان ُّ إقامته أو عمله؛ وبالتالي،‬
                                               ‫ي ر‬
   ‫ال ُفت َض أن يتورط على اإلطالق في أية مؤامرة أو تآمر‬
                                                  ‫يمس‬
‫ُّ سالمة األمة ورفاهيتها، وال أن يتصرف بشكل غير الئق‬
    ‫تجاه الحكام التابعين. إن الحرب وسفك الدماء، والثورات،‬
                                           ‫م ُ ِر‬
        ‫كانت دائ ًا مض َّة بالماسونية. لهذا كان قدماء الملوك‬
  ‫واألمراء مستعدين دوماً على تشجيع األخوة بسبب طبيعتهم‬
       ‫السلمية ووالئهم الذي بهما كانوا يردون على مغالطات‬
   ‫خصومهم ويدافعون عن شرف األخوية المزدهرة دوماً في‬
                                           ‫الفترات السلمية.‬
                                     ‫أي‬
  ‫وإذا حصل وتمرد ٌّ من األخوة ضد الدولة فإنه ينبغي عدم‬
      ‫تشجيعه على ذلك، والتعامل معه في نفس الوقت برأفة،‬
‫وكإنسان بائس الحال. وفي حال لم تتم إدانته بأية جريمة فإنه‬
                   ‫ي ر‬
   ‫ليس بوسع األخوية الوفية – التي ُفت َض فيها أن تستنكر‬
  ‫التمرد، من أجل عدم إثارة السلطات القائمة، وعدم إعطائها‬



                                    ‫551‬
                                                  ‫أي‬
    ‫َّ مبرر سياسي يثير الشكوك – طرده من المحفل، بحكم‬
        ‫كون العالقات التي تربطهما عالقات ال تنفصم عراها.‬


                   ‫3 – في المحافل:‬
‫يعتبر المحفل المكان الذي يجتمع فيه الماسون كي يعملوا. من‬
‫هنا جاءت تسمية المحفل التي تطلق على الجمعية أو الجماعة‬
 ‫الماسونية المنظمة بشكل نظامي، وضرورة أن ينتمي كل أخ‬
     ‫إلى إحداها وأن يخضع ألنظمتها الخاصة وكذلك ألنظمتها‬
     ‫ا‬             ‫م‬                    ‫م‬
    ‫العامة. فالمحفل إ ّا أن يكون خاصاً، وإ ّا أن يكون عامً،‬
   ‫وبمقدار ما نرتادها، بمقدار ما نفهمها. كذلك األمر بالنسبة‬
    ‫لقواعد المحفل العام أو المحفل األكبر المرفقة بما سيأتي.‬
         ‫في األزمنة القديمة، لم يكن بوسع األستاذ أو الرفيق‬
           ‫ا‬             ‫ة‬
‫الماسوني أن يتغيب عنه، وخاص ً إذا كان مدعوً، من دون أن‬
                                  ‫ال‬
  ‫توجه له عقوبة قاسية، إ ّ إن ارتئ األستاذ أو المراقبين أن‬
                          ‫ضرورة كبيرة منعته من الحضور.‬


   ‫على األشخاص الذين يقبلون كأعضاء في أحد المحافل، أن‬
         ‫ا‬
‫يكونوا أناساً طيبين ومخلصين، أناس ولدوا أحرارً، ويملكون‬
‫النضوج الروحي والحذر، وليسوا أقناناً أو نسوة وال أشخاص‬
      ‫منعدمي األخالق ومثيرين للفضائح إنما أناس من ذوي‬
                                           ‫السمعة الحسنة.‬




                                   ‫651‬
 ‫4 – في األساتذة والمراقبين والرفاق والمتدربين:‬
‫يجب أن تستند كل ترقية لإلخوة الماسون على القيمة الحقيقية‬
‫واالستحقاق الشخصي فقط؛ وذلك كي تتم خدمة األسياد بشكل‬
                                                ‫ال‬
 ‫جيد، وأ ّ يتعرض األخوة لإلهانة وأن ال تلحق بالفن الملوكي‬
      ‫أية إساءة: لهذا ال يتم اختيار أي أستاذ أو مراقب بسبب‬
 ‫قدمه، إنما بسبب استحقاقه. من المستحيل وصف تلك األمور‬
                                                  ‫ا‬
  ‫خطيً، لذلك يجب على كل أخ أن يبقى في مكانه المحدد وأن‬
   ‫يدرسها وفق الطرائق الخاصة بهذه األخوية. وكل ما يجب‬
   ‫على المتدرب أن يعلمه هو أنه ال يحق ألي أستاذ تبني أي‬
   ‫متدرب ما لم يكن له عمل محدد وما لم يكن (هذا المتدرب)‬
‫شاباً ممتازاً ال يشكو من أي تشوه أو عاهة جسمية تمنعه من‬
                                               ‫ن‬
   ‫تعلم ف ّ خدمة سيد أستاذه فيصبح أخاً ومن ثم، حين يحين‬
     ‫الوقت، رفيقاً بعد أن يقضي العدد الكافي من السنين التي‬
  ‫تحددها عادات البلد؛ وما لم يكن إبناً ألهل نزيهين؛ وهذا كي‬
    ‫يتمكن بعد اكتساب يصبح بوسعه أن يحوز على شرف أن‬
   ‫يصبح مراقب فأستاذ المحفل ومن ثم المراقب العام وأخيراً‬
                  ‫حسب استحقاقه األستاذ األكبر لكل المحافل.‬
   ‫ال يمكن ألي أخ أن يصبح مراقباً ما لم يمر بمرتبة الرفيق،‬
 ‫وال أستاذاً قبل أن يؤدي وظيفة المراقب، وال مراقباً عاماً قبل‬
     ‫ا‬                      ‫ا‬
 ‫أن يكون أستاذاً لمحفل، وال أستاذً أكبراً ما لم يكن رفيقً قبل‬
    ‫انتخابه. كما عليه أيضاً أن يكون نبيالً من حيث المنشأ أو‬
                                                  ‫ا ا‬
    ‫إنسانً دمثً يتمتع بطباع جيدة أو عالماً معروفاً أو معماراً‬



                                     ‫751‬
                                  ‫فن‬
‫مرموقاً أو رجل ٍّ من أصول شريفة ويتمتع باحترام شخصي‬
‫كبير من منظور المحافل. وكي يتمكن من القيام بمهمته بأكثر‬
 ‫األشكال فعاليةً وسهولةً واحتراماً، يتمتع األستاذ األكبر بحق‬
     ‫ا‬
    ‫اختيار نائبه الذي من المفترض أن يكون، أو كان سابقً،‬
   ‫أستاذاً لمحفلٍ خاص، وهذا تكون له صالحية التصرف كما‬
    ‫ال‬                     ‫ا‬
 ‫يتصرف األستاذ األكبر شخصيً، وأن يكون مستشاره، إ ّ إن‬
     ‫كان ذلك المستشار موجوداً أو يظهر سلطانه عن طريق‬
                                                     ‫حرف.‬
    ‫كما يجب أن تكون مسموعةً كلمة أولئك اإلداريون الكبار‬
     ‫والحكام، األعلى منهم واألخفض للمحفل الكبير، وأن يتم‬
              ‫كل‬
  ‫الخضوع لهم في وظائفهم الخاصة من قبل ِّ اإلخوة، وفق‬
     ‫القواعد والواجبات القديمة، بكل تواضع واحترام ومحبة‬
                                                     ‫وتفان.‬


              ‫5 – في إدارة المهنة خالل العمل‬
   ‫يعمل الماسون بشرف خالل أيام العمل حتى يكون بوسعهم‬
   ‫التمتع بشكل مشرف بأيام األعياد؛ ويحترمون بذلك الدوام‬
                       ‫المحدد من قبل قانون البلد أو العادة.‬
  ‫يختار الماسون أو يفوضون من هو أكثرهم خبرة كأستاذ أو‬
    ‫مدير ألعمال السيد؛ ويسمى معلماً من قبل العاملين تحت‬
   ‫ال‬
   ‫إمرته. وعلى العاملين أن يتجنبوا كل كالم غير الئق، وأ ّ‬




                                    ‫851‬
   ‫يتبادلوا فيما بينهم تعليقات مهينة، وإنما أن يستعملوا فيما‬
 ‫بينهم لقب أخ أو زميل؛ وأن يتعاملوا بلباقة في قلب المحفل.‬
     ‫يدير األستاذ الواثق من كفاءته اعمال السيد بكل عقالنية‬
‫ممكنة مستفيداً من المواد المتوفرة وكأنها ملك له، وال يعطي‬
                       ‫ألي أخ أو متدرب أكثر من استحقاقه.‬
    ‫يبقى األستاذ والماسون المتلقين لراتبهم المستحق أوفياء‬
   ‫للسيد وينجزون عملهم بكل ضمير، سواء كعمل مقطوع أو‬
‫كعمل يومي؛ وال ينجزون كعمل مقطوع ذاك الذي جرت العادة‬
                                          ‫على إتمامه بوقته.‬
   ‫لن يبدي أحد الحسد لنجاح أخ ول يحاول الحلول محله، أو‬
                              ‫ا‬
 ‫إبعاده عن عمله إن كان قادرً على القيام به بشكل جيد؛ ألنه‬
  ‫ليس بوسع أحد إنجاز عمل سواه، لصالح السيد، إن لم يكن‬
  ‫مطلعاً بشكل جيد على مشاريع وتصورات ذلك الذي بدأ به.‬
  ‫عندما يفوض الرفيق الماسوني كمراقب لألعمال التي بقيادة‬
‫األستاذ، فإن عليه أن يكون عادالً تجاه األستاذ وتجاه الرفاق،‬
 ‫وأن يشرف بعناية لدى غياب األستاذ على العمل الموكل إليه‬
             ‫لصالح المعلم؛ وعلى زمالئه االستجابة ألوامره.‬
‫يقبض جميع الماسون المستخدمين رواتبهم برضى، بال تذمر‬
   ‫أو تمرد، وال يتركون األستاذ قبل أن يكون العمل قد أنجز.‬
                                       ‫ا‬
‫يلقن أخ أكثر شبابً خالل العمل كيفية الحفاظ على األدوات من‬
     ‫أجل أن ال يتم تخريبها بسبب نقص الخبرة ومن أجل أن‬
                      ‫يحافظ على المحبة بين األخوة وتدعم.‬



                                    ‫951‬
                                    ‫ال‬
         ‫ال يستعمل في العمل إ ّ األدوات التي يقرها المحفل.‬
     ‫ال يستخدم أي عامل للقيام باألعمال الخاصة ذات العالقة‬
  ‫ا ال‬
  ‫بالماسونية؛ وال يعمل الماسون مع من هم ليسوا أحرارً إ ّ‬
  ‫في حالة الضرورة القصوى؛ ولن يعلموا العمال أو الماسون‬
                                    ‫ل‬
                 ‫غير المقبولين، كما يعّموا األخ أو الرفيق.‬


                        ‫ا‬
                       ‫6 – في السلوك وتحديدً:‬
                         ‫آ: في المحافل القائمة‬
   ‫ال يجب أن تعقدوا اجتماعات خاصة، وال أن أحاديث جانبية‬
     ‫من دون إذن من المعلم، وال أن تتحدثوا عن أشياء غير‬
 ‫مناسبة وغير الئقة؛ وال مقاطعة األستاذ، أو المراقبين أو أي‬
  ‫أخ يتحدث إلى المعلم: عليكم أن ال تتصرفوا بشكل ساخر أو‬
  ‫غبي حين يكون المحفل يعالج أشياء جادة وجليلة؛ وفي أي‬
   ‫حال يحظر استعمال تعابير غير الئقة؛ بل عليكم أن تظهروا‬
    ‫ألستاذكم، ومراقبيكم ورفاقكم اإلذعان الذي يستحقون وأن‬
                                       ‫تحيطوهم باالحترام.‬
    ‫وفي حال قدمت شكوى، فإنه يتوجب على األخ الذي تثبت‬
   ‫عليه القبول بقرار المحفل، الذي يعتبر وحده المخول للحكم‬
‫حول هذه اإلشكاالت (مع تحفظ االستئناف أمام المحفل األكبر)،‬
                         ‫ال‬
 ‫التي يجب رفع الخالف إليها، إ ّ إن كان هذا يؤثر على عمل‬
‫السيد، في مثل هذه الحال، يمكن اللجوء إلى إجراءات خاصة؛‬




                                   ‫061‬
    ‫ال‬                                                    ‫م‬
 ‫أ ّا القضايا الماسونية، فيجب أن ال ترفع أمام العدالة، إ ّ في‬
                   ‫حال رأى المحفل الضرورة القصوى لذلك.‬
   ‫ب: في السلوك الواجب بعد إغالق المحفل وقبل مغادرة األخوة.‬
‫بوسعكم تعاطي المتع البريئة، متعاملين بالمثل وفق إمكاناتكم،‬
 ‫متجنبين كل مبالغة ومن دون أن تحثوا أي أخ على األكل أو‬
 ‫الشرب أكثر مما يرغب، كما يجب أن ال تؤخروه حين تدعوه‬
        ‫ا‬
  ‫أعماله للمغادرة، وأن ال تقولوا أو تفعلوا فعالً مهينً بوسعه‬
  ‫أن يؤدي إلى منع محادثة سلسة وحرة؛ ألن هذا بوسعه أن‬
‫يدمر الوئام ويحطم أهدافنا النبيلة. لهذا يجب أن ال تتجاوز أية‬
      ‫مشاجرة أو خالف عتبة المحفل، وخاصةً منها تلك ذات‬
  ‫العالقة بالدين، واألمم، والسياسة. ألننا كماسون نعتنق فقط‬
    ‫تلك الديانة الجامعة المذكورة أعاله؛ كما أننا من كل األمم‬
       ‫واالصطالحات واألعراق واللغات، وأيضاً، نحن ضد كل‬
                      ‫ا‬                   ‫ة‬
      ‫سياسة، خاص ً وأنها لم تساهم يومً، وليس بوسعها أن‬
       ‫تساهم أبداً في خير المحفل. وقد تم احترام هذا الواجب‬
     ‫المنصوص بدقة دائماً، وخاصةً منذ اإلصالح في بريطانيا‬
  ‫العظمى، أو بعد انفصال وامتناع هذه األمم عن التواصل مع‬
                                                       ‫روما.‬
 ‫ج : في سلوك األخوة حين يلتقون من دون غرباء وخارج‬
                            ‫محفل قائم.‬




                                     ‫161‬
  ‫عليكم أن تتبادلوا التحية بشكل لبق، كما سيتم تلقينكم ذلك،‬
  ‫مخاطبين بعضكم البعض بلق أخ، متبادلين بحرية التعليمات‬
 ‫التي ترونها ضرورية، من دون أن يسمعكم أحد، أو يتجاوز‬
 ‫أحدكم اآلخر. ومن دون افتقاد مظاهر االحترام الواجبة ألخ،‬
                                ‫ا‬
  ‫في حال لم يكن ماسونيً: ألنه وإن كان الماسون متساوون‬
      ‫جميعاً كإخوة، فإن الماسونية ال تحرم رجالً من مظاهر‬
                         ‫ا‬
     ‫االحترام التي كان يستحقها سابقً؛ بل بالعكس، تزيد من‬
                            ‫ة‬
      ‫مظاهر االحترام هذه، وخاص ً أنه استحقها بجدارة من‬
  ‫األخوية التي يسرها تكريم الجديرين بها وتجنب التصرفات‬
                                                   ‫السيئة.‬
    ‫د: في السلوك الواجب أمام غرباء من غير الماسون‬
                   ‫ا‬
‫يجب أن يكون كالمكم وسلوككم مقتضبً، بحيث ال يكون بوسع‬
    ‫الغريب األكثر حزاقةً تخمين ما ال يفترض أن يعرفه، كما‬
‫عليكم أحياناً أن تحولوا الحديث وأن تقودوه بحذر حفاظاً على‬
                                         ‫شرف المؤسسة.‬
       ‫ه: في السلوك في المنزل وفي المحيط القريب‬
  ‫عليك أن تتصرف كما ينبغي أن يتصرف اإلنسان الحكيم ذو‬
                                 ‫ة‬
          ‫األخالق الحسنة؛ وخاص ً أن ال تتحدث مع عائلتك،‬
   ‫وأصدقاؤك، وجيرانك بقضايا المحفل إلخ. ولكن أن تحافظ‬
 ‫على شرفك وشرف األخوية القديمة ألسباب لن نعلنها ههنا.‬
‫كما عليك أن تداري صحتك في أن ال تتأخر كثيراً مع اآلخرين‬
 ‫وطويالً خارج المنزل، بعيد انتهاء أوقات اجتماعات المحفل؛‬


                                  ‫261‬
     ‫وأن تتجنب المغاالت في الطعام والشراب، حتى ال تعاني‬
    ‫عائلتك من الحرمان والضرر، وكي ال تفقد مقدرتك على‬
                                                  ‫العمل.‬
           ‫و: في السلوك الواجب تجاه أخ غريب‬
  ‫عليك أن تمتحنه بشكل صحيح، وبالطريقة التي يلهمك بها حذرك،‬
         ‫وذلك كي ال يخدعك دجال جاهل، يتوجب عليك إبعاده باحتقار‬
                      ‫واستهزاء، متجنباً أن تكشف أمامه أي معرفة.‬
    ‫ولكن إن تأكدت أنه أخ حقيقي وصادق، عليك أن تبدي له االحترام‬
‫الواجب؛ وإن كان في حاجة، عليك أن تساعده إن كان بوسعك ذلك، أو‬
   ‫أن ترشده إلى كيف يكون بوسعه تلقي المساعدة: عليك أن تقدم له‬
                ‫عمالً لبضعة أيام أو أن توصي به كي يتم استخدامه.‬
 ‫في هذه الحال، أنت لست ملزماً أن تفعل ما يتجاوز إمكاناتك وإنما في‬
   ‫ظروف مماثلة عليك أن تفضل أخاً فقيرً، هو في الوقت نفسه طيبً‬
   ‫ا‬                      ‫ا‬
                                                     ‫ا‬
                                  ‫وشريفً، على أي شخص محتاج.‬
‫ولكي يكون بوسعك اتباع كل هذه الواجبات، وحتى تلك التي ستتلقنها‬
     ‫بشكل آخر؛ أزرع المحبة األخوية التي هي األساس وحجر القبة،‬
‫اإلسمن الرابط وفخر هذه األخوية القديمة، وارفض كل خالف أو نزاع،‬
‫وكل نميمة وكالم سيء، وال تسمح بأن يساء إلى أخ شريف، إنما دافع‬
‫عن سمعته، وقدم له كل ما بوسعك من خدمات، بما يتناسب مع شرفك‬
   ‫وأمنك وال يتجاوزهما. وإن أساء لك أحد اإلخوة، عليك اللجوء إلى‬
  ‫محفلك أو إلى محفله، من بعد ذلك بوسعك اللجوء إلى المحفل األكبر‬
   ‫خالل جلسته الفصلية، أو المحفل األكبر خالل جلسته السنوية، وفق‬


                                  ‫361‬
   ‫التقاليد الجديرة بالثناء ألسالفنا في كل أمة؛ وال تلجأ أبداً إلى عدالة‬
  ‫القضاء ما لم تكن هناك إمكانية لحل القضية بطريقة أخرى، واستمع‬
     ‫بصبر إلى نصائح األتاذ والرفاق الراغبين في تجنيبك اللجوء إلى‬
     ‫حد‬
‫العدالة عن طؤيق غرباء عن الجماعة أو يحثوك على وضع ٍّ سريع‬
  ‫لكل اإلجراءات، كي يكون بوسعك االهتمام بقضايا الماسونية بحيوية‬
     ‫ونجاح أكبر؛ أما فيما يتعلق باألخوة والرفاق المتقاضين، فإنه من‬
    ‫واجب األستلذ واإلخوة عرض وساطتهم بكل أريحية، وعلى األخوة‬
     ‫المتخاصمين أن يقبلوها بكل امتنان؛ وإن أثبتت تلك الوساطة عدم‬
 ‫فعاليتها، عليهم االستمرار بقضيتهم بالوسائل القضائية، من دون حقد‬
‫وال مرارة (على عكس ما هو سائد)، من دون التفوه بأي قول أو القيام‬
       ‫بأي فعل قد يسيء للمحبة األخوية، وأن بعيدوا العالقات الطيبة‬
 ‫ويستمروا بها، ما يدع الجميع يالحظون األثر النافع للماسونية، وكما‬
      ‫فعل كل الماسون الحقيقيون منذ بدء العالم وحتى نهاية األزمنة.‬
                    ‫فليكن األمر كذلك، آمين.‬




                                     ‫461‬
                                ‫الملحق رقم 2‬
                         ‫تحد‬
 ‫في األسس والمبادئ التي ِّد نظامية أي محفل أكبر101‬




                                        ‫حد‬
 ‫... بتاريخ 4 أيلول 9291 َّد المحفل األعظم اإلنكليزي المتحد ‪United‬‬
‫‪ Grand Lodge of England‬المبادئ واألسس التي يتم بموجبها االعتراف‬
                                                                  ‫أي‬
                                        ‫بنظامية ِّ محفل أكبر. وهذه األسس هي:‬
 ‫َّس‬                     ‫ألي‬             ‫ي‬
‫نظامية األصول: بمعنى أنه ُفترَض بالنسبة ِّ محفل أكبر أن يكون مؤس ًا‬                ‫3.‬
‫بشكل فعلي ونظامي من قبل محفل أكبر نظامي آخر معترف به أو مما ال يقل عن‬
                                                             ‫ثالث محافل نظامية.‬
          ‫اإليمان ب م... ك... أ... (أي بـ"مهندس الكون األعظم") وبتجل‬
‫ِّياته كإحدى‬                                                                       ‫7.‬
                                                       ‫الشروط األساسية لألعضاء.‬
 ‫ح‬                                             ‫س‬
‫على جميع المسارَرين القَ َم بالتزامهم بواجباتهم على الكتاب المقدس مفتو ًا‬          ‫1.‬
             ‫م ِم‬
‫وواضحًا. بمعنى أن ما يتضمنه من وحي يصبح، بالتالي، ُلز ًا لضمير الشخص‬
                                                                       ‫المسارَر.‬




‫.‪101[ R.W. Christopher Haffner, Regularity of Origin‬‬


                                       ‫561‬
‫يجب أن يكون جميع أعضاء المحفل األكبر والمحافل التابعة له من الرجال‬             ‫1.‬
                                            ‫ألي‬                  ‫ر‬
‫حص ًا. ومن غير المسموح ِّ محفل أكبر إقامة أية عالقات ماسونية مع محافل‬
                               ‫مختلطة أو مع منظمات تقبل النساء في صفوفها.‬
                                       ‫ر‬        ‫د‬
‫يجب أن يكون المحفل سي ًا ومسيط ًا على جميع المحافل التابعة له. مما يعني‬        ‫7.‬
                                             ‫ال حر‬
‫أنه يجب أن يكون مسؤو ً ًّا وسيدًا في حكومته، وأن تكون له سلطة ال تناقش‬
‫بالنسبة لدرجاته الرمزية (المريد والرفيق واألستاذ الماسوني) التابعين له. وعلى‬
     ‫أي‬                             ‫م‬                   ‫ي‬
‫أية حال ال ُفترَض أن يكون منقس ًا على نفسه أو أن يشارك سلطته َّ مجلس‬
‫أعلى أو أية سلطة أخرى قد تتطلب بعض السلطة أو اإلشراف على هذه الدرجات.‬
‫يفترض أن تكون أنوار الماسونية الكبرى الثالث، أي تحديدًا الكتاب المقدس‬          ‫6.‬
‫والزاوية والفرجار، مبينة بشكل واضح في المحفل خالل أعماله؛ وأهمها الكتاب‬
                                                                    ‫المقدس.‬
                                                       ‫أي‬
                      ‫يمنع في المحفل ُّ نقاش له عالقة بالدين أو السياسة.‬       ‫0.‬
‫يجب في أعمال المحفل االتباع الدقيق لنقاط العالم المحددة القديمة ‪Ancient‬‬        ‫1.‬
                                           ‫‪ Landmarks‬وللتقاليد واألعراف.‬


                                    ‫***‬




                                   ‫661‬

								
To top