Bamberg 1980 Von Caligari zu Hitler
Document Sample


األيدولوجيا والفيلم
مقدمة نظرية
قيس الزبيدي
إن من يريد اليوم مكافحة الكذب والجهل، ومن يريد كتابة الحقيقة،
فعليه على األقل أن يتغلب على خمس مصاعب، عليه أن يتحلى
بالجرأة على كتابة الحقيقة، رغم أنها تضطهد في كل مكان، وأن
يمتلك الذكاء للتعرف عليها، رغم أنها تختفى في كل مكان، وأن
يملك فن استخدامها كسالح، وأن يكون قادراً على الحكم باختياره
أولئك الذين تصبح الحقيقة في أيديهم فعالة، وأن يمتلك الدهاء
لنشرها بين هؤالء.
إن المصاعب جسيمة بالنسبة للذين يكتبون تحت سيطرة النازية،
ولكنها تشمل أيضاً المالحقين والفارين، وحتى أولئك الذين يكتبون
في البلدان التي تسود فيها الحرية البورجوازية.
برتولت بريشت
الفكر كأداة بنية من المبادئ والمفاهيم واآلليات الذهنية والفكر
بنية من التصورات واآلراء واألفكار والنظريات.
وليس الفكر مضمونا أو محتوى وحسب، بل هو أداة أيضا إلنتاج
األفكار سواء منها التي تصنف داخل دائرة األيدولوجيا أو داخل
دائرة العلم.
كل خطاب ايدولوجيا هو نفسه خطاب أيديولوجي ومحاولة إحالل
التقانة محل األيدولوجيا هي نفسها ممارسة أيدولوجية. لم تنته
األيدولوجيا ولن تنتهي، إنما تتطور في الممارسة.
الدكتور محمد عابد الجابري
اإليديولوجيا ... والتعدد المفاهيمي
1
تؤكد المعارف المعاصرة على أن أي تصور ذهني للذات اإلنسانية هي حالة من نشاط فكري، ال
تبقى بمنأى عن األيدولوجيا، على هذا علينا أن نتساءل، بداية، ماذا تعني حقا كلمة أو مصطلح
ايدولوجيا؟
يتم تعريف األيدولوجيا، في العام، كنسق من اآلراء واألفكار والنظريات السياسية والحقوقية
والدينية واألخالقية والجمالية والفلسفية. واأليدولوجيا، التي تتحدد بظروف حياة المجتمع المادية،
على أساس من كونها جزءا من الوعي االجتماعي وتعكس العالقات االجتماعية في المجتمع
الطبقي وتتسم بطابعه.
هناك تعاريف عديدة لمفهوم األيدولوجيا، نشأت في مراحل تاريخية/اجتماعية مختلفة، عبرت
فيها عن طبيعة الصراع والتناقضات الطبقية والسياسية السائدة في المجتمع، عن أفكارها
ومصالحها، مثلت، من جهة، قوى اجتماعية سائدة، كما مثلت، من جهة أخرى أفكارا مضادة،
لقوى اجتماعية أخر ى، خضع وجودها االجتماعي للنظام السائد، وتطابقت أيديولوجيتها، بهذا
القدر أو ذاك، مع متطلبات التطور االجتماعي وانطوت على أفكار صحيحة عن الواقع. من هنا
يأتي الصراع في ميدان األيدولوجيا إنعكاسا طبيعيا لتضارب المصالح الطبقية، ويمثل، في
األساس، شكال من أشكال صراعها االجتماعي. على هذا، يبدو انه ال توجد أيدولوجيات ال
تفترض وجود أيدولوجيات أخرى.
وضمن التعريفات التأسيسية لمفهوم األيدولوجيا، الذي حافظ على أصل المفهوم ثم أضيفت إليه
تكميالت، ال تتنافر معه كمفهوم، هو تعريف "ايتينا ميناريك، في كتاب "الخمسون كلمة المفتاح
لعلم النفس االجتماعي" حيث تُعرف األيدولوجيا بكونها كل منظم لمجموعة من األفكار
والمعتقدات والفرضيات المشتركة المتعلقة بالمسببات والمبادئ المشخصة لمختلف ظواهر الحياة
ُ
االجتماعية وتشمل كل وجهات النظر لفريق اجتماعي وألفكار سياسية، تؤسس، في مجموعها،
قاعدة أيدولوجية لشكل دولة وتمثلها، أكانت غربية أو شرقية أو اشتراكية.
وفي االتجاه العام نفسه يُعرّف ريمون بودون وفرانسوا بوريك األيدولوجيا في قاموسهما التقني
"المعجم النقدي في علم االجتماع" كالتالي: نسق من القيم أو من المعتقدات التي ال تعني
بالضرورة اإلشارة الى مفاهيم وأفكار مقدسة أو ذات طبيعة متعالية، موضوعها التعامل، خاصة،
مع التنظيم االجتماعي والسياسي أو عامة مع صيرورتهما المشتركة في المجتمع.
وفي المعجم العام للعلوم اإلنسانية يعرفها "جورج تينيس واغنس لومبرو" كتبعية فكرية لموقف
معين إزاء المجتمع وبها تصبح األيدولوجيا تصورا ذهنيا محصورا لهذه التبعية الفكرية نفسها،
باتجاه مختلف األشكال االجتماعية ويرى تعريفهما أصل المفهوم ووظيفته، متمثلين في نماذج
نظرية مختلفة.
ويعطي اندريه الالند في قاموسه تعريفين فلسفيين لأليدولوجيا، األول: ضمن وظيفة اجتماعية
عامة، تمارسها المؤسسات السياسية القائمة، بعيدا عن التعريف العام لجوهر المصطلح، تتجاوز
وظيفته األساسية الى وظيفة ملموسة، بحيث تصبح المعتقد الملهم، الذي يبدو وكأنه يُلهم أفكار
حكومة ما أو حزب ما. والثاني: منبثق من االستخدام الواسع لهذا المفهوم، من قبل مجموعة من
الفالسفة أو في فكر فيلسوف معين. ويرى أن األيدولوجيا هي تفكير نظري يتطور ذاتيا على نحو
تجريدي معتمدا على طاقاته الخالصة، لكنه يعبر في الواقع عن الفعاليات االجتماعية، خصوصا
تلك الفعاليات االقتصادية، التي قد ال يعيها القائم ببناء األيدولوجيا نفسها أوال يعيها من ال يعرف،
على األقل، بان هذه الفعاليات هي التي تُحدد وتُعيّن أفكاره، وبهذا المعنى تستخدم الكلمة في الفكر
الماركسي.
2
ومع ماركس اتخذ مفهوم األيدولوجيا وجها ألهم عملية نقدية تحليلية في النظام الفكري الفلسفي،
دون أن يغفل مرور هذا بالمرحلة الماركسية التي شن فيها ماركس هجومه على األيدولوجيا
األلمانية واعتبرها وعيا خاطئا. وتقدم مادلين غرافتس في قاموسها "معجم العلوم االجتماعية"
تلخيصا مكثفا لنقد ماركس لاليدولوجيا والمراحل، التي تَحدد وفقها هذا المفهوم في فكره، ووجد
فيه أسلوبا لتغطية وإخفاء المحركات الحقيقية للواقع والتاريخ، اخترعته، اقتصاديا وماليا،
الطبقات السائدة كبناء فوقي يحمي مكانتها ويصون نظامها السياسي.
ويمكن أن تمتلك األيدولوجيات، في الوقت نفسه، دورا ايجابيا الن مضامينها الداخلية ليست وهما
أو استيهاما مطلقا، بل هي نتائج لبعض الحقائق الملموسة، ولكنها مسخ وتُحرّف جزئيا الشروط
التاريخية واالجتماعية لكل حقبة تاريخية . على هذا أصبح المفهوم النهائي يُعرفها، وفقا لمدرسة
فرانكفورت، كمنظومة أفكار متناسقة تشترك عضويا، لتبني نظرة وموقفا متجانسيّن، الى كل من
الكون والمجتمع وإلى كل مكونات الواقع العيني الملموس.
وعلى مستوى الفرد تكون منظومة أفكاره نتاجا إلستراتيجية فردية، تحقق ذاته ضمن واقع
اجتماعي موضوعي يتمخض عن حقبة تاريخية، يكون فيها الفرد مجبرا بالضرورة، بوعي أو
ُ
بغير وعي، على إدراج الواقع ضمن تكوين منظومته الفكرية، مع إدراج شروط الواقع الخارجي
في مشروعه الذهني.
ويرى الدكتور محمد عابد الجابري أن اإلنسان ال يكتسب مبادئه ومفاهيمه بشكل فطري أو
غريزي، إنما يكتسبها نتيجة الحتكاكه بمحيطه الطبيعي واالجتماعي والثقافي. من هنا تأتي أهمية
خصوصية المحيط في تشكيل خصوصية الفكر من جملة من المبادئ والمفاهيم واآلليات التي
تترسخ في ذهنه، منذ بداية تفتحه على الحياة، لتشكل فيما بعد عقله، الذي يفكر بوساطته، ويكون
ّ
جهازه، الذي يفهم ويؤول ويحاكم ويخالف. وال جدال في إن الفنان يعبر في اإلعمال التي يؤلفها
عن أفكاره الخاصة وأحاسيسه الذاتية وعن كل غزارة حياته الروحية الشخصية. وبهذا المعنى
فان إبداعه هو دائما تعبير ذات ولكن المجتمع بالذات ال يوجد فقط حول الفنان بل وفي داخله. وإذ
يعبر الفنان عن الذاتي فهو يعبر في نفس الوقت عن قيمة الموضوعي االجتماعية.
إن معرفة الفنان للحياة التي تلعب دورا هاما في نشاط العالم ال تعطي وحدها الشيء الجوهري،
ألنه بحاجة إلى ذلك التالحم بين المعرفة والتقويم بين الذاتي والموضوعي. الن الفنان يشكل، بقوة
تصعيده الذاتي، في عمق األشياء، بناء وحدة جديدة من عمق الذاتي وعمق الموضوعي.
وتبقى المهمة التي يواجهها الفكر، ليست في فهم العالم والمجتمع، إنما في محاولته السيطرة اكثر
فاكثر على مقبض الماكينة االجتماعية، التي تتحكم في وجوده وتقرر مصيره، وذلك عن طريق
المساهمة في معرفة آليات التناقضات االجتماعية وتسليط الضوء عليها، بهدف المساهمة في
عملية التغيير. لكن حينما تصبح األيدولوجيا بمنزلة نظام، يقوم على أساس من التصورات لقيم
مسبقةـ تتمسك بوجهات نظر وظنون ثابتة وتلتزم بها كغاية في ذاتها، عندها تتعارض ُ
األيدولوجيا، كليا، مع حقيقة الواقع وظواهره.
من كل هذه المفاهيم المختلفة نجد إن مصطلح "رؤية العالم" األلمانية weltanschauung
التي تقابل المصطلح اليوناني Ideologyيطلق دائما على كل عملية إنتاج فكرية فنية، ترتبط
بذات تقوم، على أساسها، برؤية موضوع من العالم والحياة وتمارس تقويمه.
ويبقى مصدر األيدولوجيا وهيمنتها يأتي غالبا من سلطة الدولة الحديثة، التي أصبح موقعها
حسب فوكو، ينتظم في اتجاهين، لكل منهما معناه الخاص، فمن جهة يوجد للدولة موقع، ألنها
ليست على اإلطالق شمولية، لكن من جهة أخرى ال يوجد لها موقع، وليست قابلة الن تحصر
نفسها في موقع، ألنها منتشرة، تتغلغل في كل جانب، وتتصرف بعنف أو تمارس نفسها
3
كأيدولوجيا. تارة تقمع وأخرى تُموه أو تخدع وتوهم، تارة كشرطي وتارة كدعاية. وتنتج سلطتها،
بكل هذه األساليب، الواقع، قبل أن تقمع كما تنتج الحقيقة، قبل تضفي عليها رداء ايدولوجيا.
ما يهمنا هنا هو محاولة التعرف على وجود عالقة بين األيدولوجيا والسينما وباعتقادنا أن البحث
في مثل هذه العالقة، يتطلب أوال النظر في الكيفية التي تتم فيها، اجتماعيا، عملية صنع األفالم،
ويتطلب هذا بدوره فحص ثالثة مكونات أساسية وتبيان عناصرها الفاعلة وهي:
التصور .. الصورة ... الوسيط
ولكي نحلل المكونات الثالثة، خصوصا، وإن لكل منها طبيعته الخاصة المختلفة عن المكون
ُ ّ
اآلخر، سنحاول أن نسلط الضوء على كل مكون منها على حدة.
مفهوم التصور
التصور أداة فكرية تولد مخيالها الخاص من ظواهر واقعية، في صور ذهنية، تحاول تجسيدها
في أشكال فنية، وتقترب، بهذا القدر أو ذاك، من جوهر وجودها الحقيقي في الواقع. ويحدد
التصور عالقة الصورة بالواقع، من حيث هي عالقة بين ذات متصورة وموضوع مصور.
ُ ُ
أصل التصور كمفهوم يوناني، يُطلق على تصور مادة صورة بسيطة أو مركبة تتخذ أشكال
أفكار ويتم التعبير عنها لغويا، بهدف إيصالها الى شخص أخر ليعرفها, علما أن كل معلومة
تتضمن معرفة. والتصور يخضع لعملية إدراك ظواهر العالم الواقعي ويقترب من محاكاتها
ويكون غالبا ذا طبيعة بصرية تُجسم تجربة حقيقية، كما لو إنها حدثت أمام "عين داخلية": -
سينما في رأس- وتظهر في مقادير مختلفة نوعية حسية، أثناء ما تأخذ األفكار المجردة
وتتطور مستقبال في عملية تجسيدها في أشكال لغوية أو هندسية، وفقا لمواقف فكرية وبالعالقة
مع مصدرها الواقعي الملموس.
إن إنتاج األفكار والتصورات والوعي مشبوك مباشرة منذ بدء الناس بالنشاط المادي وبمعاشرتهم
المادية، بلغة الحياة الفعلية. وإن تشكل تصورات الناس، وتفكيرهم، ومعاشرتهم الروحية هي
نتيجة مباشرة أيضا ألفعالهم المادية.
كيف يجسد التصور في صورة؟ وكيف تؤثر األيدولوجيا كنظام من أفكار مسبقة في صنع عملية
تجسيد التصور؟ وهل تصبح الصورة المجسدة، حقا، نتاجا لذات متصورها؟ آم تتجسد، في الوقت
ُ
نفسه، من تصورات أخرى مماثلة أو متعارضة؟
يستقي الفنان صور موضوعه من الحياة ويعالجها ويعيد خلقها وفقا لتصوره الذاتي. ومن المفهوم
أن تصور الذات ال يمكن أن تكشف الموضوع وتحيط به إال بشكل نسبي، مما يعطي لمعرفة
الفنان بالحياة مباشرة قوة فاعلة ترتبط جدليا بتصوره الفكرية الخاصة للعالم ورؤيته.
تلتقي الذات بالموضوع بوساطة الفيلم، وقبل هذا اللقاء تقترب الذات أوال من الموضوع الواقعي،
قبل عملية تجسيده المادي، عبر اللغة. تختار الذات موضوعا وتتصور تشكيله في صور
وأصوات. وتمر عملية التصور بمراحل إنتاجية مختلفة، تسعى فيها الذات إلى التعرف على
4
حقيقة الموضوع المختار، لكن أيضا تشارك الذات ذوات أخرى تسعى بدورها لتحقيق حضور
ُ
الموضوع، وفقا لتصورها ايضا، الى الفيلم المنتج.
ُ
في فن التشكيل تعبر الصورة المجسدة في اللوحة عن تصور الرسام الخاص، وفقا لعملية خلق
مركبة ومعقدة، لكنها في آخر المطاف تكون في الغالب ذاتية. أما في السينما، وبسبب طبيعة الفيلم
المصور، الذي هدفه الوصول الى عرض اجتماعي، فقد أصبحت طبيعة التصور الذاتية تدخل
وما تزال، في تصادمات ونزاعات مع أصحاب المال المنتجين. ويضع كل تاريخ تطور السينما
ُ
أمامنا مثل هذا النزاع، الذي كان الفيلم والمخرج الذي تصوره، ضحية لنوع العرض السائد،
الذي يحاول المنتج، أيا كان، من الفيلم أن يتطابق مع شروط عرضه.
وتندر الحاالت التي يتطابق فيها تصور صانع الفيلم الفنان، مع تصور منتجه. وال يستند موقف
المنتج، بالمقابل، على تصور ما يريد الجمهور مشاهدته فعال، إنما على تصور لنوع مشاهدة،
يبقي الجمهور أسيرها.
مرة أخرى من هي الذات؟ وهل تصنع هي وحدها الخطاب ومغزاه؟ والى أي مدى يكون
موضوع الفيلم الموجود في الواقع، مجسدا بشكل يتطابق مع صورة تصوره المتخيل؟
تصور يعيد إنتاج موضوع منتقى موجود موضوعيا بناء على مقياس ذهني يخضع لقناعة فكرية
تجسد إعادة خلقه في وجود تقني/فني ثان، بحيث يتطابق الى حد ما، من جهة، مع وجوده كما
يتطابق، من جهة أخرى، مع تصور، يخلق وجوده المضاعف. كذلك يخضع وجوده الى طبيعة
شروط الوسيط الفيلمي، ذي الطبيعة الواقعية. وال تتم هذه العملية إال ضمن دائرة صراع
وتناقضات بين العناصر الثالثة المكونة لشكل الموضوع الفني، فالتصور يخضع الى قناعة
فكرية أيدولوجية ال تكون بالضرورة مقاربة لحقيقة جوهره، ألنها تظهره كما تتصوره، كما إن
الوسيط الفيلمي يظهره وفقا لطبيعته السينمائية وتقنياته وأدوات تعبيره.
نستطيع أن نقول إ ن العناصر التي تصنع بنية الفيلم وتجسد فكرته الفنية لتصل بها الى مغزى
فكري، هي عوامل مكونة أساسية ثالثة. ذات إنسانية تتناول موضوع من الواقع وتعبر عنه في
شكل فني عبر وسيط تقني.
مفهوم الصورة
خلقت الصورة الفوتوغرافية عالقة جديدة بالزمن، بعد أن قامت بتثبيت لحظة معينة، ثم قامت،
من خالل الصورة المتحركة بتسجيل االمتداد الزمني، أو بطباعة الزمن. إذ وجد بازان أن
الصورة "الفوتوغرافيا تعمل بوساطة "عدسة" على تسجيل صورة واقع في لحظة زمنية، بينما
تسجل السينماتوغرافيا الصورة في ديمومتها الزمنية. وبرهنت بهذا على تدمير المفهوم التقليدي
للزمن، وجعلت جمهورها الغفير، يراها مدرسة للحياة وليس مصنعا لألحالم. فالناس تنظر إلى
األحداث على الشاشة بالضبط كما تنظر إلى األحداث اليومية ويعتبرون الفيلم مجرد قناة تعيد
إنتاج الواقع. فعلى صعيد المستوى التاريخي تكشف سبر تأثير ظهور الصورة بشكلها الحالي من
منظور رغبة اإلنسان في تصوير الواقع، مع مقارنة الصورة بفنون وآداب المحاكاة، إلظهار
كيف أن الصورة هي فن اإليهام بامتياز. الن المشاهد الذي يتابع مشاهدة الصور، يصدق ما يراه،
ناسيا أو متناسيا وجود شاشة، تشكل حدا فاصال بين الواقع والخيال.
إن ما يميّز الرؤية الفيلمية، يرتبط بمشاهدة المتفرج بزاوية آلة التصوير، ويرتبط أيضا، بمشاهدة
المتفرج مواضيع تحدد (عين) آلة التصوير شكلها الخاص. وإن إمكانات التعبير متضمنة سواء
في شكل تركيب الصورة وفي شكل تكوين ما هو مرئي في الصورة/ اللقطة: أي تنظيم كل
5
التفاصيل المرئية ضمن إطار الصورة: الناس واألشياء في حالة الهدوء أو الحركة، وتوزيع
النور والظالل ومن ثم األلوان، واتجاه حركة األشياء في الصورة، وتأثير الخطوط العمودية
واألفقية في العمق، وعالقة مكونات الصورة البصرية والسمعية، ومدة زمن الصورة وحدة
الرؤية في الصورة أو تشويهات المرئي فيها بوساطة العدسة، وتأطير المرئي بوساطة حواجب
خاصة والتقسيم الممكن للصورة إلى أجزاء صورة، أي ما يسمى (تقسيم الشاشة).
تملك الصورة كمدرك حسي ( )Perceptعالقة مباشرة بالموضوع الذي تصوره، وتحوله بسبب
المشابهة إلى عالمة أيقونية. وتأتي الداللة من عالقة العالمة بوجود المرجع ومن وحدتهما. إذا
فالمدلول هو الذي يربط عملية التصور الذهني على أساس عالقته بالمرجع في الواقع الخارجي
ّ
أو االجتماعي.أن كل صورة تمر على الشاشة هي عالمة، أي إنها ذات داللة وحاملة للمعلومات،
غير أن طبيعة العالمة السائدة في السينما هي أيقونية، هي حضور المرجع في الواقع مع كل ما
يملكه من مواصفات.
ونستخلص من كل ذلك أن الصورة كإيقونة :
1. تشترك، في كل منحنى، مع الموضوع التي تدل عيه.
2. تمثل الموضوع الذي تدل عليه، تشبهه.
3. تقيم عالقة ذهنية بينها وبين الموضوع تصوره، الذي تدل عليه، وهي تنشأ فقط في وعي
من يتصورها.
4. تحاكي طبيعة الموضوع الذي تصوره.
5. ال يكون وجود الموضوع، الذي تتصوره، موجودا، بالضرورة، في الواقع.
6. تشبه، بالدرجة األولى موضوعها، لكنها تكون، بالدرجة الثانية، رمزية أو ذات طبيعة
نصية.
وإذا قارنا الصورة بمجاالت إبداعية أخرى مثل المسرح والرواية والرسم فسنالحظ أن الصورة
تتميز:
أولا : أنها إيهامية بشكل كبير بسبب أن إمكانياتها عالية في نقل كل جزئيات الواقع.
ثانيا: أنها تؤثر في متلقيها حسيا، بالدرجة األولى، فهي تواجه العين ومن ثم العقل.
ثالثا ا : أنها تخلق بينها وبين متلقيها عالقة مباشرة، فهي إذ تُغيّب صانعها، ينسى متلقيها، وهو
يدخل عالم اإليهام، وجود الشاشة التي تشكل الوجود المادي والحقيقي الوحيد أمامه.
مفهوم وسيط الفيلم
الفيلم هو أوال وسيط تقني يتحول الى أداة تعبير. وتبقى مسألة استخدام نظامه كوسيط مستوى من
النقاش، ومعرفة القواعد والقوانين التي تحكم نظامه مستوى آخر. وقد شكل تطور نوعية الفيلم
البصرية الخاصة، منذ بداية القرن العشرين، قاعدة انطالق مهمة للبحث عن أشكال تعبير جديدة
وتقنية استقبال، تطورت، بدورها، في مسيرة اكتشاف وسائل تعبير جمالية جديدة. ويستند الفيلم
السينمائي، بخاصية تامة، على شروط ومعايير إنتاج وتوفير وتمثيل واستقبال مضامينه ونشرها
بشكل واسع. وله قاعدة مادية، فهو ينشأ أوال من أشرطة سيللولويد مصورة أو من تسجيالت
ُ
مغناطيسية أو من مجموعة معلومات تخزن في أقراص مضغوطة (دي.في.دي مثال) وينشأ ثانيا
من مجموعة عالمات مرتبة، إما تكون واقعية، في محيط ثقافتنا الشاملة، أو مجردة، يتم فيها
تبادل أنظمة عالمات ونصوص متنوعة.
وإذا كانت الفنون األخرى تنزع مادتها من خارج الواقع ثم تعالجها بحرية فان الفيلم يأخذ مادته
المنعزلة من الواقع ويراها كأشياء وأحداث ثم يعالجها في شكل فني. لذلك يطالب أرنهايم أن تتم
6
معالجة الفيلم كفيلم ال كواقع ألنه يقوم بعملية تمثيل الدنيا وليس إعادة إنتاج الدنيا. وألنه ال يقوم
على االستعمال الجمالي-الفني، لشيء في الدنيا إنما على االستعمال الجمالي- الفني، لشيء يمثل
لنا الدنيا. لهذا يجهد الفنانون، وهم يدركون ال واقعية الصور، في دفع المتفرج إلى أن يرى ليس
واقعية الشيء على الشاشة، إنما شكل الشيء الفني.
انطالقا من ذلك،أيد أرنهايم، بحماس، جهود السينما في تجاوزها لمادتها الواقعية الخام. لكن
كراكاور رأى إن السينما تختلف، في مادتها الخام الواقعية، عن الفنون التقليدية األخرى، واعتقد
أن الطبيعة كانت تنتظر ميالد التصوير الفوتوغرافي ليعبر عنها، وأن على صانع الفيلم أن يقرأ
بدقة ليس فقط الواقع إنما أيضا وسيطه الفني، لكي يدخل إلى الواقع ويغوص فيه. فاآللة التي
يستعملها الصانع هي آلة علمية صنعت لتستكشف مستويات الواقع وأنماطه. فالمادة الخام توجد
في الدنيا كما تصور أو كما يمكن تصويرها ليتأتى للواقع أن يكشف طبيعته. فما دام التصوير
الفوتوغرافي يمكن ه أن يخدم الواقع فعليه أن يقوم بذلك وبما أن السينما وريثته، فعليها أن تقوم
بذلك أيضا.
ويستنتج كراكاور كوسيط هي:
1. نتاج للتصوير الفوتوغرافي أكثر منها نتاج للتوليف أو للعمليات الشكلية األخرى
2. عملية ترتبط باألشياء التي تصورها وليست بتغيير شكل األشياء التي تصورها
التصوير
3. خدمة األشياء واألحداث التي تصورها المحافظة، قبل كل شيء، على أشكالها
الواقعية.
أين تقع األيدولوجيا في حقل السينما؟
وجدت اللغة السينمائية لغايات فنية وأيدولوجية محددة وهي تخدم هذه الغايات وتتميز بها، كما
إن خطابها مشبع بطموحات معرفية وأخالقية وهي ال تخلق فقط لكي تحدث مزيدا من الجمال في
العالم وحسب، ولكن أيضا لكي تقول لنا ما هي حقيقة المجتمع وجوهره الذي نعيش فيه.
أن فهم ما يُسمى مجازا "لغة الفيلم" هو خطوة أولى نحو فهم وظيفته الفنية وفهم أيديولوجيته،
فالتقدم التكنولوجي، حسب يوري لوتمان، سالح ذو حدين، فبدال من أن يقتصر على خدمة
المجتمع وخيره يستعمل بنجاح لخدمة أهداف مضادة. وال شك أن استعمال العالمات في وسائل
االتصال هو أحد أهم المكاسب البشرية لكنه، لم ينج أيضا من هذا المصير، فبينما كان المطلوب
ُ
من العالمات خدمة اإلعالم المطابق للحقيقة، نراها تستخدم غالبا وبشكل متزايد لخدمة التضليل.
ومع أن الصورة الفوتوغرافية جمعت، أوالُ، كل خصال الوثيقة الدامغة واحتلت الصدارة وعدت
ُ
"النص-الوثيقة" األكثر دقة وأمانة في نظام النصوص، باعتراف الخبراء الجنائيين والمؤرخين،
إال أن مجيء اختراع السينما التقني، كصور فوتوغرافية متحركة، جعلنا نعتقد بوجود البعد الثالث
بحيث وصلت الدقة في نقل الواقع الى أعلي درجة من الكمال، لدرجة يُخيّل فيها للمشاهدين
ويدفعهم الى االعتقاد، بأن ما يشاهدنوه على الشاشة هو حقيقي تماما.
ورغم أن ميكانيكية الفيلم وطبيعته التقنية تتلخص في معطياتهما الواقعي، الذي هو مأثرة السينما
الكبرى، ورغم وجود تيارات بالغة التنوع تحت مظلة الواقعية إال أن واقعية الفيلم تبقى نتيجة
ّ
لتصور موضوع من الواقع تنتجه ذات لتجعل مشاهديه يتوهمون أن كل ما يمر أمامهم على
الشاشة ينتمي الى الواقع الحقيقي. بمعنى آخر إن التصور يصنع صورة لعالم خاص رديف
لعالمنا الواقعي، ونحن نقبله ألنه عالم معروض لنا على الشاشة. وبدأنا نشهد تحوالت هائلة في
7
فلسفة المعرفة وفي شكل إدراك العالم، خاصة بعد تخطي مرحلة الصورة النقطية واختراع
(الصورة الرقمية)، الذي يسمح بعمليات تركيبية عالية المهارة، وهكذا أصبحنا نعيش في عالم
تصنعه لنا الصور.
كيف هو الواقع واقعيا؟
وصف األخوان لوميير السينما في براءة اختراعهما عام 5891، على أساس من خاصية
الحركة، بأنها آلة إلعادة إنتاج الحياة الحقيقية، ألن تسجيل وتمثيل الحركة هو قدرة السينما على
رسم العالم المرئي الذي تعيد إنتاجه. إن تأليف صور العالم بوساطة الكاميرا، أي إعادة تأليف
صور، ال تخضع إلرادة الفنان وحده، إنما تخضع، في تأليف الصور، التي تسجلها عدسته، إلى
حضور أشياء الواقع على شريط فيلمه الحساس.
فالسينما هي أوال فن الواقع أما بأمانة أسلوب واقعي نسبيا، أو فن الواقع الواقعي بأسلوب يحلل
الواقع ويجعله قريبا من السحر والخيال. ورغم ذلك فإن الصراع الدائم بين تصور الواقع وحقيقة
تسجيله في الصورة كان وسيبقى المصدر األساس لإلبداع في فن السينما.
فبعد اختراع التصوير الفوتوغرافي في حدود النصف الثاني من القرن التاسع عشر (عام
1491)، تحقق حلم اإلنسان عبر العصور بتصوير الواقع على أكمل وجه. وطال هذا االختراع
بتأثيره الهائل كل الفنون التصويرية واآلداب على المستوى الفكري والجمالي والتعبيري، بحيث
بدأت النزعة الواقعية تنحسر وتظهر مدارس جديدة مثل االنطباعية والتكعيبية والسريالية في
الفنون والمسرح. ويبقى، حتى اآلن، سحر السينما وروعتها بالنسبة للجمهور هو وهم تصويرها
الواقع المضاعف عبر أمانة صورة طبق األصل وعبر الحركة وعبر البساطة التي تبني شكل
الفيلم وفقا لهذا الوهم، أكثر من أي شيء آخر، وهو ما يميز حتى اليوم روعة الفيلم الروائي
بشكل عام والتسجيلي بشكل خاص. على هذا تكون أول معضلة تطرح أمام الباحث على مدار
البحث، هي معضلة الحلم والواقع أو باألحرى معضلة التصور الذهني األدبي ومضمون الصورة
الواقعية .
تشكل خاصية الفيلم البنائية األساس، الذي يقوم على مبدأ انتقاء صور الواقع، إشكالية العالقة بين
الموضوعية والذاتية في الفيلم. فعملية اختيار بعض صور وأحداث من الكون، تخضع لمراد
صانع الفيلم وإعادة إنتاج وطرق مونتاج مميزة تنتج عن ضرورة عملية تحريف تقنية التصوير
والمضمون. وهو ما يتضمن وقتذاك لحظات منتقاة ويرفض الباحث ولفغانغ غيرش وجود أي
فرق تقني بين الفيلم كعملية إعادة إنتاج وبين الفيلم كوسيلة تعبير. إن مجرد اختيار الموضوع
المصور عبر جهاز الكاميرا، يعني، حتى قبل المونتاج والبناء، مسالة تعبير. وهذا يعني مسالة
تأويل. فتصوير الموضوع من مسافة وزاوية معينة والعناية بحدة وضوح الصورة وترتيب
وعالقات النور واإلضاءة وتحديد مدة كل لقطة واعتماد نوع مادة فيلم خام الخ... لها، كعوامل
في إعادة اإلنتاج التقنية، مع موقع الذات، طابع تأويلي معبر. وكل هذا ال يمكن أن يعطي صورة
"أمينة" للواقع الحقيقي.
إن مجرد القرار في النظر الى أي جزء من العالم، عبر الكاميرا وتسجيله يؤكد ،بغض النظر
عن االعتراف أو عدمه، هو دائما أيضا مقطع من رؤية العالم، فاالختيار هو دائما تقويم وفي
الواقع فان ذاتية المؤلفين تتضمن، في كل متر من الفيلم، عن طريق اختيار الموضوع وتحديد
موقع الكاميرا ونوع العدسة ومن ثم في عملية المونتاج والمكساج، مكونات الصورة والصوت.
8
وحتى في الفيلم التسجيلي، التي تبدو صوره للمتفرج، كعالمات أيقونية حاضرة مباشرة من
الواقع، فإن المؤلف موجود، حتى لو اختفى في لغز الصورة، لكنه يبقى حاضرا بالفعل.
أخيرا سنحاول، باختصار، أن نختار بعض األمثلة والتيارات، التي برزت في تاريخ السينما،
علها تساعد على توضيح رؤيتنا للعالقة بين مكونات التصور والصورة والوسيط.
مقصورة الدكتور غاليغاري
يعد فيلم "مقصورة الدكتور غاليغاري" نموذجا مثاليا لتأثير األيدولوجيا في السينما انطالقا من
قصته الحقيقية التي أرادت بدل الكشف عن الجنون الذي يستوطن كل سلطة الى الثناء على
السلطة، وإلقاء تهمة الجنون على الجانب اآلخر. وهكذا تم قلب مادة سينمائية ثورية الى سينما
إصالحية توافقية. لكن كاليغاري وبسبب الظروف االجتماعية بعد السنوات التي أعقبت الحرب
العالمية األولى التي دفعت األلمان إلى الهرب من الواقع المؤلم والقاسي الى مملكة الروح فقد
عكست قصته المحرفة ايدولوجيا، التراجع األلماني العام نحو قوقعة الذات واستطاع رغم ذلك
ُ
أعطاء صورة طبق األصل عن الوجه المزدوج للحياة األلمانية . فقد ربط بين الحقيقية التي حققت
بها سلطة كاليغاري االنتصار وبين الوهم التي سقطت فيه هذه السلطة.
ومن جهة أخرى فان األسلوب التعبيري لم يفعل سوى ترجمة األوهام الكاذبة لمجنون الى أسلوب
أدبي يعتمد على الخيال والصور واظهر عالم الحياة النفسية الداخلية وظواهرها وأعاد إنتاجها،
بأسلوب تعبيري مميز، بوضوح أكثر من إطار ظاهرة قوقعتها الى الذات التي انتشرت في ألمانيا
بعد الحرب العالمية األولى..
تتوافق أدوار الدكتور غاليغاري وسيزار مع عالم خيال تعبيري منذ البداية: يغيب سيزار "النائم
في نومه" عن محيط حياته اليومية، الذي يسلبه كل نوع من الفردية، وكل مبادرة شخصية. إنه
ّ
يقدم على القتل بدون أي دافع، وبدون أي منطق، فقط ينفذ رغبة القتل عند سيده.
ترجم الفيلم األوهام الكاذبة للمجنون كاليغاري واستخدامه العنف بطريقة التنويم المغناطيسي،
إلجبار النفوس البشرية على تنفيذ رغباته اإلجرامية، بحيث جعلته مبشرا بهتلر، الذي كان أول
من استخدم تلك الرغبات فيما بعد إلى حدود هائلة!
لم يكن بوسع غالبية الشعب األلماني الذي كان مستسلما للتراجعات اإلقتصادية واالجتماعية ، إال
أن يخضع إلى سلطة هتلر القادمة. وكما تكهنت األفالم، انطلقت الشخصيات التي استحضرتها
من "الشاشة" إلى "المجتمع" وكما حصل كل شيء على شاشة السينما: تعالى ضجيج المعارك
وتعاقبت االنتصارات، وتحقق أيضا التشاؤم المبهم حول النهاية والسقوط!
إضافة الى ذلك "كاليغاري" كان مبشرا من نوع خاص، بمعنى انه استخدم العنف بطريقة التنويم
المغناطيسي إلجبار كائنات بشرية على تنفيذ رغباته في توجيه األرواح والسيطرة عليها والتي
استخدمها هتلر فيما بعد الى حدود ال نهائية. وهكذا لم يكن بوسع غالبية الشعب األلماني، الذي
كان مستسلما لتراجعات نفسية شديدة، إال أن تخضع لهتلر.
انتصار اإلرادة
لم يكن أدولف هتلر ووزير دعايته جوزيف غوبلز من عشاق مشاهدة األفالم فقط إنما كانا
يدركان تماما مدى أهمية الفيلم في تعبئة الجماهير وتأثيره عليهم. وكانت القيادة النازية العليا
تراقب شخصيا األفالم كما كان هتلر يشاهد "الجريدة السينمائية" ويفرض التغييرات المناسبة قبل
9
عرضها في الصاالت، بينما كان غوبلز يتدخل بنفسه، حتى في اختيار ممثلي األفالم ويغير من
سيناريوهات األفالم. وكان إعجابه بأغنية الفيلم الثوري"المدرعة بوتيمكين" بغض النظر عن
محتواه الثوري دافعا ليضعه كنموذج يُحتذى لما يجب أن تكون عليه جمالية األفالم الفاشية.
أما الممثلة الفاتنة والمخرجة ليني ريفنشتال، التي كان هتلر معجبا بها وبفنها، منذ أن حققت
فيلمها األول "الضوء األرزر " فقد تم تكريسها كمخرجة رسمية للحزب النازي الحاكم مع أنها لم
تكن عضوا في الحزب. وكلفت بتنفيذ فيلم "انتصار اإلرادة" عن مؤتمر الحزب النازي في العام
4481 الذي عملت عليه لمدة عامين ووضعت تحت تصرفها، لتحقيق الفيلم، إمكانات تقنية
ومالية وبشرية ليس لها مثيل. فقد استخدمت كل الوسائل التقنية ووضعت تحت تصرفها كل
المجاميع البشرية وصورت في ثالثين كاميرا واستخدمت ستة عشر مصورا بارعا وعشرات
التقنيين وعشرات األلوف من األشرطة الخام ولم يكن يعنيها تصوير المؤتمر ومداوالته أو
مساجالته إنما بالدرجة األولى كانت معنية بمظهر استعراضاته ومارشاته وحشود جماهيره
الهائجة المتلهفة لرؤية قائدهم المنتظر، أثناء ما كانت تنقله الطائرة من أعالي السماء المليئة
بالغيوم البيضاء المهيبة. ليهبط كإاله على مئات األلوف تصاحبه موسيقى فاغنر..
صنع الفيلم ببناء دقيق ومونتاج يجمع بين ما هو دعائي وشاعري وتم االستغناء بشكل كامل عن
التعليق، في محاولة تعالج مضمون الفيلم فقط كوظيفة فيلمية، بحيث لم نعد نعرف الى أي مدى
كانت الكاميرا تصور االستعراض العسكري الموجود والى أي مدى وضع االستعراض
العسكري تحت تصرف الكاميرا. وكما يكتب المؤرخ والباحث كالوس بويب فان: "المؤتمر
الحزبي وجد أول في صالت السينما وان الفيلم هو الذي خلقه".
وألننا صرنا نعرف بعد سقوط النازية استخدامها األيديولوجي المتالعب في السينما، الذي لم يعد
له مفعول حاضر، فلم يعد يعنينا سوى ما ابتكرته ريفينشتال في شكل وسيط السينما، أي ابتكار
شكل طليعي، ما يزال يحيا ويؤثر، رغم أن مضمونه الرجعي قد مات.
اكثر من ذلك إن صور الفيلم وتفاصيل مواده البصرية المعبرة استخدمت في أفالم أمريكية
وانكليزية وألمانية ذات أيدولوجية مناهضة، منها فيلم فرانك كابرا األمريكي "لماذا نحارب/
2481" والفيلم التحريضي االنكليزي "هؤالء هم الرجال/ 3481" وفيلم تشارلس ريللي "ألمانيا
تنادي/ 1481" وفيلم أرفين ليزر "كفاحي" عن ألمانيا ما بعد الحرب. وفي كل هذه األفالم
وضعت مواد الفيلم األصلي في سياق مختلف ضد النازية، ولعب فيه التعليق المصاحب للصور،
بنبرة تحريضية، أهميته القصوى في فضح أعمالها اإلجرامية.
الحقيقة في السينما التسجيلية
في العشرينات ظهرت السينما الثورية التسجيلية في روسيا االشتراكية على يد الرائد والمنظر
فيرتوف، واذا ما اعتبر فالهرتي األب الروحي للفيلم االتنولوجي ذي الرؤية اإلنسانية فإن
المخرج دزيغا فيرتوف يعتبر مؤسس السينما التحريضية االشتراكية الملتزمة. وقد كان فيرتوف
مرتبطا بجماعة جبهة الفن اليسارية وجماعاته البنائية والمستقبلية وصاحب نظرية "العين
السينمائية" و "الحقيقة السينمائية " وصاحب البيان البصري "الرجل ذو الكاميرا "العمل الطليعي
ّ
النموذجي، الذي قدم خالصة وافية ورائعة لإلمكانات السينمائية واألدوات الخالقة والتداعيات
البصرية.
وكانت نظريته "عين السينما" أسلوبا في رؤية الواقع، فهي ترى أكثر من ما تستطيع العين
البشرية رؤيته، إنها تستعمل الكاميرا المخبأة والكاميرا التي يعتاد الناس وجودها وتصور الحياة
على حين غرة وتستعمل كل الوسائل التي تساعد على عكس الواقع الحقيقي.
العين السينمائية هي تفسير للوثائق، تفسير للعالم المرئي والعالم غير المرئي، هي قهر الزمن،
هي تفتيت الزمن، هي إمكانية لرؤية العمليات الحياتية في نظام زمني ال تصله العين البشرية.
وشعارها "الحقيقة هي الهدف والعين السينمائية هي الوسيلة".
01
وال تزال تجاربه التسجيلية ونظريته المناهضة للفيلم الروائي ولتجارب إيزنشتين ونظرياته تجد
صداها عند السينمائيين وتأثيراتها هنا أو هناك، في األوقات الماضية والحاضرة.
ورأى األنكليزي غريرسون أن الشبه بين فيترتوف وفالهرتي، حصل في استعمال تقنيات السينما
التسجيلية، أما الفرق بينهما فيتضح في أن فيرتوف أراد تسجيل الواقع كما تراه عين السينما
واتبع اتجاهات تطور معينة للكاميرا، بينما فالهرتي أراد تسجيل الواقع، تماما، كما تراه العين
البشرية وتستدل عليه.
كان جون غريرسون يؤمن، ككثيرين، بفيرتوف، لكنه اعتبر أنه يميل مثل بقية المكتشفين إلى
المبالغة في اكتشافاته. ويبقى المهم عند فيرتوف كما رأى عين- السينما، التي تختلف عن العين
البشرية: "أن "عين-السينما" هي عين السينما ويمكنها أن ترى سياسيا وشاعريا كما نرى في
سينما الحقيقة وفي أفالمه األخرى مثل "ثالث أغنيات عن لينين".
عمل غريرسون مع فالهرتي في فيلم "رجل من أران" واختلف معه في مواقفه السياسية
وطبيعة نوع التزامه االجتماعي، لكنه ارتبط بمواقفه اإلنسانية، التي كانت عند فالهرتي أقوى
وأكثر نقاء. فغريرسون وجد أن فالهرتي: "كان رومانسيا أبى أن يعترف بقوانين الحياة
األساسية، ورجال ينتمي، إذا ما أردنا أن نستعمل مصطلحا سياسيا، الى ثورة العام 9491 بينما
كنت أنا رجل هذا العصر الذي يعرف ما تعنيه ثورة أكتوبر، وقد استخدمت الفيلم ألحلل العمليات
في المجتمع المعاصر ولكي أبين الجذور االقتصادية والدوافع االجتماعية لهذه العمليات، وأبين
دراما الحياة اليومية للناس البسطاء في مجتمعهم اليومي. وكنت أعني دائما في أن تكون أفالمنا
السياسية مركبّة بشكل فني مثلها مثل األفالم التجريبية أو األفالم ذات الطبيعة الحرفية".
ُ
فهم غريرسون الفيلم التسجيلي ووضع مبادئه األولية، ورأى أن قدرة السينما على التنقل بين
مناحي الحياة ومراقبتها واختيار المناسب منها، هو ما يمنحها إمكانية تفسير الوقائع المدهشة
والمعقدة التي تدور في العالم الواقعي. وعبر عن ذلك شعاره المهم: "معالجة خالقة للواقع
بأسلوب فني مبتكر".
الواقعية الجديدة
كانت الميزة األولى للفيلم الروائي ما بعد الحرب العالمية الثانية، هي اكتشافه للواقع. واإلشارة
األولى جاءت بها الواقعية الجديدة اإليطالية التي ارتبط مضمونها الجديد بشكلها الجديد أيضا.
وكان المضمون متجذرا في الحياة اإلجتماعية. وصار بطل هذه الواقعية اإلنسان العادي المحروم
من الماكياج الهوليوودي. وكما قيل "دخل الفلم معه الى الحياة" مما أعطاه الحقيقية التي عمقتها
وسائط تعبير سينمائية مقتصدة غير متفننة وخاضعة لمنطق السر(الحياتي). وصارت هذه
الواقعية أهم حدث في تاريخ سينما ما بعد الحرب وامتد تأثيرها الى أكثرية البلدان وخلقت انعطافا
كبيرا في السينما العالمية صوب الواقع وقضاياه الفعلية.
وفي منتصف الخمسينات ظهرت قضايا الواقع، من جديد، في الفلمين الفرنسي واألنجليزي بأقوى
صورة. عرفت حينها (الموجة الجديدة) و(سينما – حقيقة )cinema - véritéالفرنسيتان
و(السينما المستقلة )Free Cinemaاإلنجليزية. ولم يكن المنطلق هنا جماليا فقط بل كان
بالدرجة الرئيسية ذا طبيعة اجتماعية – سياسية. وقد تبدو هذه النزعات موسمية. إال أن تأثيراتها
المضمونية والشكلية أصبحت أساسية. وكان التحول األساسي هو إظهار الواقع بشتى هيئاته
وتعقيداته. لقد أصبح الفلم مرآة العصر وشاهده وقاضيه في الوقت نفسه. وتجسد هذا بالصورة
األكثر بروزا لدى برغمان وكوروساوا وفيلليني انطونيوني وبريسون وغيرهم ممن قاد الفلم
صوب واقع اإلنسان والمجتمع.
11
التكبير الصورة
عالج انطونيوني في فيلم"بلو أب/ تكبير الصورة-6681" قدرة الصورة على التعبير عن صورة
الواقع في لندن المعاصرة، عبر التوجه نحو الواقعة نحو الوثيقة بهدف اكتشاف وجه الحياة
الحقيقي في لندن المعاصرة، وكان موضوع معالجته الفنية مفهوم المصداقية واألمانة والواقعة
والوثيقة.
يجد انطونيوني أن الفيلم، كعمل فني، يركز على جزء من صورة الواقع، وحينما يكبر صورته،
يبعد أنظارنا عن الواقع الحقيقي، ألن الحقيقة، ال تكمن في الهدف ببساطة، إنما تكمن في الطريقة
ّ
الحقيقية التي يتبعها المرء للوصول إلى الهدف. على هذا لم تعد مهمة المؤرخ وعالم الجريمة
تقوم على إعادة تشكيل الواقع استنادا إلى الوثيقة، إنما أصبحت مهمتهما الحقيقية تأويل الواقع،
بمساعدة الوثيقة، فليس من الصعب نقل صور الحياة، بل الصعب هو حل رموز الصور التي
تنقل الحياة، فبالنسبة إلنسان ال يستند على رؤية تجريدية للعالم يصبح مرجعه الوحيد عالم
المشاهدات واإليمان بالواقع كما تعكسه مرآة تجربته اليومية ويبحث الفيلم ظاهرة الواقع
وتعارضه مع فن الفكر أي إشكالية العالقة بين الواقع والفكر.
بطل فيلم "تكبير" مصور فوتوغرافي، يخامره الشك في مضمون صورة، يكتشف وهو يقوم
بتكبيرها، أنه كان شاهدا على جريمة قتل لم يرها في الواقع، وحينما يذهب في الليل إلى موقع
الجريمة، يرى الجثة، لكنه حينما يذهب مرة ثانية في النهار، يجد أن الجثة اختفت. موضوع
القصة، العالقة بين االستنساخ والواقع، بين الوهم والحقيقة. وتبدو آلة التصوير، كناقل أمين
للحقيقة، مضللة وغير معصومة من الخطأ. من هنا يحاول انطونيوني أن يضع عملية إعادة
تشكيل الواقع بصورته المجردة، في الفن، أمام التساؤل، فالفيلم يعنى بالبحث عن شيء ال يتم
العثور عليه أبدا. وحينما يعتقد المصور أنه تصاهر مع الواقع، بوساطة كاميرته، يكتشف بأن
الواقع يخونه، وبأنه لم ير في الواقع سوى ظاهره فقط، وال يرى فيه سوى عالم من األشباح. في
البداية، يرى بعينيه ما ال يحدث في الواقع، وفي النهاية يسمع بأذنيه ما ال وجود له في الواقع.
ج.ف.ك
صدر كتاب جيم غارسون "عن محاكمة المغتالين" وقرأه اوليفر ستون على الفور واشترى
حقوق استغالله سينمائيا مقابل 152 ألف دوالرا.
ال يدور الموضوع في الحقيقة حول من قتل جون كنيدي؟، بل حول لماذا قتل جون كنيدي؟ ال
يسأل من هو الجاني؟ إنما لماذا ارتكب الجاني الجريمة؟ . قرأ ستون كل ما ظهر عن القضية من
كتابات تستند الى أسس محددة من بينها كتاب "إضافات ما بعد الحقيقة" كما أعجب بكتاب جيم
مارس "نيران متقاطعة" وقرأ أكثر من عشرين كتابا حول الموضوع واستعان بالباحثة جين
روسكي التي قرأت حوالي مائتي كتاب إضافة الى الملفات الصحفية المتاحة
ولم يقتصر" بعدئذ" دور فريق األبحاث على جمع كل المعلومات الممكنة بل شمل االستعانة
بخبراء في كل الجوانب المتعلقة باالغتياالت والمؤرخين واألشخاص الذين تتوفر لديهم معلومات
عن القضية.
أعيدت كتابة السيناريو خمس مرات على األقل لكن اوليفر كان صاحب القرار األخير في كتابة
المخطوطة األخيرة منطلقا من رغبته في خلق أسطورة ثقافية.
21
وتشجعت شركة وارنر التي عرض عليها اوليفر مشروع إنتاج الفيلم خصوصا بعد أن جاءت
نتيجة استطالع خاص أجراه لحسابها معهد غالوب مشيرا الى 10 في المائة من الجمهور بين
سن91 و 45 يرغبون بمشاهدة فيلم عن اغتيال كنيدي
ويعقب منتج هوليوودي على موافقة وارنر على إنتاج الفيلم وإعطاء اوليفر الضوء األخضر
قائال: " يتم دائما إسكات التساؤالت السياسية واألخالقية التي يمكن أن تثار حول فيلم ما لحساب
االعتبارات المالية".
لقد شاهد عرض الفيلم 1881 تسعة ماليين شخص وكان متوقعا حين يتم نقل الفيلم على أشرطة
فيديو أن يشاهده خمسون مليون أمريكي. وعقب اوليفر على ردود الفعل العنيفة والمناهضة للفيلم
" ترك لنا توماس غيفرسون مقولة انه إذا نزلت الحقيقة منافسة في سوق األفكار فإنها ستنتصر .
لكن ال توجد بعد سوق لتاريخ فترة اغتيال كنيدي وما بعدها مباشرة إذن لنصنع واحدة."
ويكرس نعوم شومسكي جزءا كبيرا من كتابه عن جون كنيدي إلثبات انه ال يوجد دليل مسجل،
من أي نوع على، صحة افتراضات فيلم كنيدي، الذي هرب من السؤال الجاد: لماذا انحرفت
النخبة السياسية األمريكية والطبقة السياسية األمريكية والصحافة، وكلها تعمل بنوايا حسنة، ذلك
االنحراف وارتكبت كل تلك األخطاء والشرور...؟؟"
المصادر
الدكتور محمد عابد الجابري. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة 1.
العربية/بيروت 9111
جيل دولورز. المعرفة والسلطة ترجمة سالم يفوت المركز الثقافي العربي بيروت 1911 2.
عالء طاهر مدرسة فرانكفورت مركز اإلنماء القومي بيروت (؟) 3.
جيل دولورز. الصورة-الحركة أو فلسفة الصورة ترجمة حسن عودة الفن السابع 9.
(11)المؤسسة العامة للسينما/دمشق 1111
نورمان كيجان. مأرز البطل الوحيد. ترجمة أمير العمري (122)المجلس األعلى 5.
للثقافة القاهرة 2222
سيغفريد كراكاور. من كاليغاري الى هتلر. ترجمة كامل إسماعيل. سلسلة الفن السابع 6.
المؤسسة العالمة للسينما دمشق 222
يوري لوتمان. مدخل الى سيميائية الفيلم ترجمة نبيل الدبس مراجعة قيس الزبيدي 1.
الفن السابع (19) المؤسسة العامة للسينما /دمشق 1222
هيرمان ليبر. الصورة كوسيط بين الموضوع والذات. جامعة ريغينسبورغ معهد للتربية 9.
الفن 2222
برتولت بريشت: درامية التغيير. إعداد قيس الزبيدي. داركنعان. دمشق 1.
Klaus Bueb
دراسة: كيف هو الواقع واقعيا؟ نظرية وتاريخ الفيلم التسجيلي
Film und Fernsehen Herausgegeben von Mnfred Brauenck
0891 C. C. Buchner Verlag. Bamberg
Von Caligari zu Hitler: Eine psychologische Geschichte des
deutschen Films (suhrkamp taschenbuch wissenschaft) von Siegfried
Kracauer, Ruth Baumgarten, und Karsten Witte von
)4891 Suhrkamp Verlag (Taschenbuch - 23. Oktober
31
Die dämonische Leinwand. von Lotte H. Eisner, Hilmar Hofmanns,
und Walter Schobert von Fischer-TB.-Vlg.,Ffm (Taschenbuch -
März 1995)
Das Gebraucte Bild. Tilo Prase. Vista Verlag. Berlin. 1997
Karl Marx / Friedrich Engels: Die deutsche Ideologie von Andreas
Arndt, Harald Bluhm, Matthias Bohlender, und Wolfgang
Eßbach von Akademie-Verlag (Broschiert - 2. Dezember 2009)
14
Get documents about "