دروس وعبر من الهجرة النبوية

Document Sample
دروس وعبر من الهجرة النبوية Powered By Docstoc
					‫ٌٌ ٌٌ ٌٌالهجرة النبوية‬
‫ٌٌ ٌ ٌ ٌ‬       ‫دروس وعبر من‬

                 ‫جمعٌوإعدادٌٌ‬
           ‫الباحثٌفيٌالقرآنٌوالسنةٌٌ‬
             ‫عليٌبنٌنايفٌالشحودٌٌ‬


‫))حقوقٌالطبعٌمتاحةٌلجميعٌالهيئاتٌالعلميةٌوالخيرية))ٌ‬




                          ‫1‬
                                                               ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬


 ‫ِن الذ ن توف هم مل ئ ة ظ لم‬
‫الحمد هلل رب العالمين ، القائل في محكم كتابه : { إ َّ َّ ِي َ َ َ َّا ُ ُ الْ ََا ِكَ ُ َاِ ِي‬
‫أ فسه ق ل ف م ك ت ق ل ُن م ت عف ن ف أ ض ق ل أل تك أ ض الله و سعة‬
‫َنْ ُ ِ ِمْ َاُوا ِي َ ُنْ ُمْ َاُوا كَّا ُسْ َضْ َ ِي َ ِي الْ َرْ ِ َاُوا ََمْ َ ُنْ َرْ ُ َّ ِ َا ِ َ ً‬
‫ِل م ت عف ن من الرج ل‬                     ‫فته جر ف ه فأ لئك م و ه ج َنم س ء مص ر‬
‫َ ُ َا ِ ُوا ِي َا َُوَ ِ َ َأْ َا ُمْ َهَّ ُ وَ َا َتْ َ ِي ًا (97) إَّا الْ ُسْ َضْ َ ِي َ ِ َ ِّ َا ِ‬
‫فأ لئك عس الله أ ي فو‬                ‫َالنس ء و و د ن ل تط ع ن ح ة ول ي د ن سب ل‬
‫و ِّ َا ِ َالْ ِلْ َا ِ َا يَسْ َ ِي ُو َ ِيلَ ً ََا َهْتَ ُو َ َ ِيًا (97) َُوَ ِ َ َ َى َّ ُ َنْ َعْ ُ َ‬
 ‫وم يه ج ف س ل الله يج ف أ ِ مر غم‬                              ‫ع ه وك ن الله ع ُو غف ر‬
‫َنْ ُمْ َ َا َ َّ ُ َف ًّا َ ُو ًا (77) َ َنْ ُ َا ِرْ ِي َبِي ِ َّ ِ َ ِدْ ِي الْ َرْض ُ َا َ ًا‬
‫َ ِي ًا َ َ َ ً َ َنْ َخْ ُجْ ِنْ َيْ ِ ِ ُ َا ِ ًا َِى َّ ِ َرَ ُوِ ِ ث َّ ُدْ ِكْ ُ الْ َوْ ُ فقَدْ وَقَ َ‬
‫ع‬          ‫كث ر وسعة وم ي ر م ب ته مه جر إل الله و س له ُم ي ر ه م ت َ‬
                                                         ‫أ ره عل الله وك ن الله غف ر رح م‬
                                ‫َجْ ُ ُ ََى َّ ِ َ َا َ َّ ُ َ ُو ًا َ ِي ًا (110) [النساء/97-110] }‬
‫ال ت قطع ه رة م ق ِ َ‬
‫والصالة والسالم على سيد األنبياء والمرسلين ، القائل :" َ َنْ َ ِ ُ الْ ِجْ َ ُ َا ُوتل‬
                                                                                                                                                               ‫1‬
                                                                                                                                                                     ‫ُف ر‬
                                                                                                                                                                   ‫الْك َّا ُ."‬
             ‫2‬
                    ‫ه رة ب د ف ح ولك جه د و ِية وإذ ت ف ت ف فر‬                                             ‫ا‬
                 ‫والقائل أيض ً : " الَ ِجْ َ َ َعْ َ الْ َتْ ِ ََ ِنْ ِ َا ٌ َن َّ ٌ ، َِ َا اسْ ُنْ ِرْ ُمْ َانْ ِ ُوا"‬
            ‫صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .‬
                                                                                                                                                              ‫أما بعد :‬
                                                           ‫من األمور المسل‬
‫َّم بها أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة ال يخدمها، بل يعوق مسارها‬
                                                                 ‫ويشل‬
‫ُّ حركاتها، وجرت سنة اهلل في خلقه أن يقبل بعض الناس على دعوات رسله،‬
                                   ‫ي‬
‫فتنشرح صدورهم لهدايته، وأن ُعرض بعض الناس فينشأ الصراع بين الحق‬
                                                                                                                                                               ‫والباطل.‬
‫تخضع القضية بعد ذلك لشيء من الموازنة. فإن كانت الفئة المؤمنة من أتباع الحق،‬
‫من القلة بحيث ال تملك إال أن تظل مستضعفة في األرض، فستتلقى من الفئة الكافرة‬
‫ضربات ال هوادة فيها، ولن يكن للفئة المؤمنة خيار إال أن تصبر وتتحمل كل صنوف‬


       ‫سل‬                      ‫َ ي ل ه د ن الس ِي‬                                                                              ‫ق ِي َ‬                 ‫َ‬                     ‫َ‬
 ‫1 - عنْ عَبْدِ اهللِ ْبنِ وقْدَانِ الْ ُرَش ِّ - وكَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدِ ْبنِ بَكْرٍ ، وكَانَ ُقَا ُ لَ ُ عَبْ ُ اهللِ ْب ُ َّعْد ِّ - قَالَ : قَالَ رَ ُو ُ اهللِ‬
                                                                                                            ‫ُف ر‬           ‫ة ق‬          ‫َ َ ع‬
                         ‫صَّى اللَّ ُ علَيْهِ وَسلَّمَ : ال تَنْقطِ ُ اْلهِجْرَ ُ مَا ُوِتلَ الْك َّا ُ.صحيح ابن حبان - (ج 00 / ص 918) (4496) صحيح‬          ‫َ‬           ‫َل ه َ‬
                                                                                       ‫َب‬         ‫َ‬
                                                         ‫2 - صحيح البخارى (2998 ) وصحيح مسلم (9276)عنِ اْبنِ عَّاسٍ - رضى اهلل عنهما‬


                                                                                      ‫2‬
‫األذى من أجل دعوتها إلى أن يأتي أمر اهلل، أو تهاجر لتتمكن من االنطالق في أرض‬
                                                                                                    ‫أخرى.‬
‫ولقد قص القرآن علينا أن من األنبياء من هاجر، منهم: سيدنا إبراهيم، ولوط،‬
 ‫ِن‬
‫وموسى، ومحمد عليهم الصالة والسالم. قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {إ ِّي‬
 ‫َ ِن‬        ‫ف من ه ل ط‬                                   ‫ذ هب إل َب سي د ن‬
‫َا ِ ٌ َِى رِّي َ َهْ ِي ِ} (77) سورة الصافات. وقال: { َآ َ َ لَ ُ ُو ٌ وَقَال إ ِّي‬
 ‫و ل أ ح ن إل‬                                 ‫مه جر إل َب ِنه هو عز ز حك م‬
‫ُ َا ِ ٌ َِى ر ِّي إَّ ُ ُ َ الْ َ ِي ُ الْ َ ِي ُ} [العنكبوت:48]. وقال: { ََقَدْ َوْ َيْ َا َِى‬
  ‫ر بعب د ف ر له طر ق ف ب ِ ي س ل تخ ف درك ول َ ش‬                                          ‫م س أ‬
‫ُو َى َنْ أَسْ ِ ِ ِ َا ِي َاضْ ِبْ َ ُمْ َ ِي ًا ِي الْ َحْر َبَ ًا َّا َ َا ُ َ َ ًا ََا تخْ َى}‬
                                                                                                ‫[طه:99].‬
 ‫الذ ن أ رج م دي ره بغ ر َق ِل أ‬
‫وقال عن هجرة رسول اهلل ‪ ‬وأصحابه: { َّ ِي َ ُخْ ِ ُوا ِن ِ َا ِ ِمْ ِ َيْ ِ ح ٍّ إَّا َن‬
‫يق ل َبن الله ول ل ع الله الن س ب ضه بب ٍ ل ُدم صو مع وبيع وصلو ت‬
‫َ ُوُوا رُّ َا َّ ُ ََوَْا دَفْ ُ َّ ِ َّا َ َعْ َ ُم ِ َعْض َّه ِّ َتْ َ َا ِ ُ َ ِ َ ٌ َ ََ َا ٌ‬
 ‫و س جد ي كر ف ه م الله كث ر ولي ص َن الله م ي صره ِن الله لق ِي عز ز‬
‫َمَ َا ِ ُ ُذْ َ ُ ِي َا اسْ ُ َّ ِ َ ِي ًا ََ َن ُر َّ َّ ُ َن َن ُ ُ ُ إ َّ َّ َ َ َو ٌّ َ ِي ٌ}‬
                                                                                              ‫[الحج:16].‬
 ‫وك َي م ق ية ِي َد ُوة م ق يتك الت أ رج ك ل ن ه َل‬
‫وقال أيضا : { َ َأِّن ِّن َرْ َ ٍ ه َ أَش ُّ ق َّ ً ِّن َرْ َ ِ َ َّ ِي َخْ َ َتْ َ أَهَْكْ َا ُمْ فَا‬
                                                                                            ‫ن صر له‬
                                                                              ‫َا ِ َ َ ُمْ} [محمد:20].‬
‫فالهجرة إهدار للمصالح، وتضحية باألموال، ونجاة بالنفس، مع شعور المهاجر بأنه‬
‫مستباح منهوب، وقد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وأنه يسير نحو مستقبل مبهم،‬
                                                    ‫ال يدري ما يتمخض عنه من قالقل وأحزان.‬
‫و‬        ‫و َ مت َسد ب دة‬              ‫َب ب ل أت ت الن ِى‬
‫روى اإلمام البخاري عن خَّا ً قا َ : َ َيْ ُ َّب َّ - ‪َ - ‬هْو ُ َو ِّ ٌ ُرْ َ ً ، وَهْ َ‬
‫ِى ظ ِّ الْ َعْ َ ِ ، وَقَدْ َ ِي َا ِ َ الْ ُشْ ِ ِي َ ش َّ ً َ ُلْ ُ أ َ تَدْ ُو َّ َ َ َ َ َ َهْ َ ُحْم ٌّ‬
‫لق ن من م رك ن ِدة فق ت َال ع الله فقعد و و م َر‬                                          ‫ف ِل ك بة‬
  ‫و هه ف ل ل ك ن م ق لك لي شط ب ش ط حد د م د ن عظ مه م َ م َ‬
‫َجْ ُ ُ َقَا َ « َقَدْ َا َ َنْ َبَْ ُمْ َ ُمْ َ ُ ِمِ َا ِ الْ َ ِي ِ َا ُو َ ِ َا ِ ِ ِنْ لحْ ٍ أوْ‬
  ‫عصب م ي فه ذلك ع د نه وي ضع م ش ر عل م رق ر سه في َق ب َ ن‬
‫َ َ ٍ َا َصْرِ ُ ُ َِ َ َنْ ِي ِ ِ ، َ ُو َ ُ الْ ِنْ َا ُ ََى َفْ ِ ِ َأْ ِ ِ ، َ ُش ُّ ِاثْنيْ ِ ،‬
 ‫م ي فه ذلك ع د نه وليت َّن الله هذ أل ر َت س ر الر كب م ص ع ء إَ‬
‫َا َصْرِ ُ ُ َِ َ َنْ ِي ِ ِ ، ََ ُ ِم َّ َّ ُ َ َا ا َمْ َ حَّى يَ ِي َ َّا ِ ُ ِنْ َنْ َا َ ِلى‬
                                               ‫ح رم ت م يخ ف ِال الله َالذ ب عل غنمه‬
                                          ‫َضْ َ َوْ َ َا َ َا ُ إ َّ َّ َ و ِّئْ َ ََى َ َ ِ ِ »3 .‬

                                                                                   ‫3 - صحيح البخارى(8892 )‬


                                                     ‫3‬
‫لكن مع شدة األلم وكثرة الطغيان وانتشار البطش بالمؤمنين والمؤمنات أذن رسول‬
‫اهلل ‪ ‬لمن يريد الهجرة بدينه أن يتجه إلى أرض يخلى بينه وبين أداء دينه، فبدأ‬
                                            ‫المسلمون يهاجرون، وهم يعرفون كل ذلك‬
                                           ‫ا‬      ‫ا‬
‫فإدراك الماضي إدراك ً واعي ً ضروري لمعرفة الطريق القويم- معرفة العدو من‬
‫الصديق- معرفة كيفية التعامل مع كل حديث وجديد ، فالتزاوج بين الماضي‬
‫والحاضر واستيعاب دروس الماضي واالستفادة منها وتحديد مكانة الماضي في‬
‫الحاضر ضروري حتى يتم االنطالق نحو المستقبل، وبغير ذلك تعجز األمة عن‬
                                                                 ‫دخول الواقع بأبعاده.‬
‫فالهجرة من وسائل التغيير وأهمها هجرة المسلم بقلبه من محبة غير اهلل إلى محبته ،‬
‫ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف‬
‫اهلل ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل واالستكانة‬
‫له.. إلى دعائه، وسؤاله والخضوع له والذل له واالستكانة له. وهذا معنى قوله‬
                                                              ‫ف ِر إل الله‬
                                              ‫تعالى:{ َف ُّواْ َِى َّ ِ }[الذاريات:18].‬
‫أما هجرة النبي ‪ ‬وهجرة صحابته رضوان اهلل عليهم، فقد كانت على أساس ثابت،‬
‫قائم على محبة اهلل تعالى ورضوانه، فأثبتوا للدنيا أجمع أنهم لدينهم ولعقيدتهم، وأنهم‬
‫ليسوا للتراب، وال لألهواء وال للعصبيات، وأن بناءهم ال يقوم على الحجر والطين،‬
‫وال يلقي ثقله على أموال اقترفوها وال تجارة يخشون كسادها، وال مساكن يرضونها،‬
    ‫ي‬
‫بل هي العقيدة الصافية الصادقة: (ال إله إال اهلل، محمد رسول اهلل). فأدرك الغو ّ أبو‬
‫جهل ومن وراءه إدراك الموقن بنفسه المعارض بلسانه، أنهم لم ينازعوهم في أرض‬
‫وال في مال وال في عقار وال في قمار، وال في زعامة فاشلة تهدم وال تبني، وال في‬
                                                                       ‫بِي‬
‫ق َل َّة عمياء جهالء، بل نازعوهم في تلك العقيدة التي حملوها، وحملوا على عاتقهم‬
                                 ‫نشرها والدعوة إليها رغم أنف أبي جهل ومن معه.‬
‫فهاجروا وتركوا األرض والديار واألهل؛ ولكن اإليمان أصيل يمأل القلوب، وآي‬
           ‫ا‬                                                ‫د م‬
‫التنزيل تنير لهم ُهْ َة (ظبمة) الليالي، وراية التوحيد تفتح أمامهم طرق ً كانت ضيقة،‬


                                        ‫4‬
            ‫أل‬            ‫ة‬     ‫ق‬
‫وتزيح أمامهم عراقيل الجبال الشوامخ، فإذا أف ُ طيب َ الطيبة يتأل ُ من بعيد وهو‬
‫قريب، طابت بخير قادم عليها، فهام أوسها وخزرجها على روابيها بصدور رحبة،‬
‫تحيي األمين وصحبه فرحة بخير قادم عليها، والمحبة أوثق العرى مع من ربطتهم به‬
                                               ‫4‬
                                                   ‫(ال إله إال اهلل، محمد رسول اهلل).‬
                                                                ‫َّ‬
‫إن هذا الحدث الذي غير مجرى التأريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني‬
‫الشجاعة والتضحية واإلباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة واإلخاء،‬
‫واالعتزاز باهلل وحده مهما بلغ كيد األعداء، إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله اهلل‬
‫سبحانه طريقا للنصر والعزة، ورفع راية اإلسالم، وتشييد دولته، وإقامة صرح‬
‫حضارته، فما كان لنور اإلسالم أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في‬
                                 ‫مهده، وهلل الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.‬
‫إن في هذا الحدث العظيم من اآليات البينات واآلثار النيرات والدروس والعبر‬
‫البالغات ما لو استلهمته أمة اإلسالم اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق‬
‫الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه ال حل‬
‫لمشكالتها وال صالح ألحوالها إال بالتمسك بإسالمها والتزامها بعقيدتها وإيمانها،‬
                                                                         ‫و‬
‫ف َالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إال بقيام الدين، وال نال‬
‫المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إال لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات‬
‫أن يحل أمن ورخاء وسالم إال باتباع نهج األنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك أيها‬
‫المسلمون، وتذكرت األمة هذه الحقائق الناصعة وعملت على تحقيقها في واقع حياتها‬
‫كانت هي السالح الفاعل الذي تقاتل به والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه‬
‫الهجمات الكاسحة والصراع العالمي العنيف، فالقوة هلل جميعا، والعزة هلل ولرسوله‬
                                                                           ‫5‬
                                                                               ‫وللمؤمنين.‬



                                               ‫4 - انظر موسوعة خطب املنرب - (ج 0 / ص 6428)‬
                                              ‫5 - انظر موسوعة خطب املنرب - (ج 0 / ص 2228)‬


                                       ‫5‬
‫وفي هذا الكتاب دروس وعبر كثيرة التقطتها من هنا وهناك ، من أجل النظر فيها ،‬
‫واالنتفاع بمضمونها ، فما أحوجنا لها في هذه األيام العصيبة التي تمر باألمة‬
              ‫ل رس ل هلل‬         ‫ع ث بن قل‬
‫اإلسالمية في كل مكان ، ف َنْ َوْ َا َ ، َا َ : قَا َ َ ُو ُ ا ِ صلى اهلل عليه‬
  ‫ي شك ألمم أ د ع عل ك كم د ع ألكَة إل ق عته ف ل ق ِل وم‬
‫وسلم: ُو ِ ُ ا ُ َ ُ َنْ تَ َا َى ََيْ ُمْ ، َ َا تَ َا َى ا َ َل ُ َِى َصْ َ ِ َا. َقَا َ َائ ٌ : َ ِنْ‬
‫قَّ ٍ َحْ ُ َوْ َ ِ ٍ ؟ قَا َ : َلْ َنْ ُمْ َوْ َ ِ ٍ كَ ِي ٌ ، ََك َّ ُمْ ُ َا ٌ َ ُ َا ِ َّي ِ ، ََ َنْ ِع َّ ا ُ‬
‫ل ب أ ت ي مئذ ث ر ول ِنك غث ء كغث ء الس ْل ولي ز َن هلل‬                                       ‫ِلة ن ن ي مئذ‬
‫م صد ر ع ُوكم مه بة م ك ولي َن هلل ف قل بكم وهن ف ل ق ِل ي س ل‬
‫ِنْ ُ ُو ِ َد ِّ ُ ُ الْ َ َا َ َ ِنْ ُمْ ، ََ َقْذِف َّ ا ُ ِي ُُو ِ ُ ُ الْ َ َ َ. َقَا َ َائ ٌ : َا رَ ُو َ‬
                        ‫َكر هية م ت‬               ‫ل ُب الد ي‬            ‫ِ وم وهن‬
‫اهلل ، َ َا الْ َ َ ُ ؟ قَا َ : ح ُّ ُّنْ َا ، و َ َا ِ َ ُ الْ َوْ ِ. سنن أبى داود(7786) وهو‬
                                                                                                         ‫صحيح‬
                ‫وقد بينت مصادرها في بدايتها أو نهايتها ، وهي كثيرة بحمد اهلل تعالى .‬
‫وقد تركتها في الغالب –كما هي- وقمت بفهرستها على الورد ، ووضعها في الشاملة‬
                                                                                        ‫2 ، ليعم النفع بها .‬
‫هذا وقد كنت كتبت كتابا كبيرا حول أحكام الهجرة وهو (المفصل في أحكام الهجرة)‬
‫وهو في مكتبة صيد الفوائد، وفي مشكاة ، تحدثت فيه بالتفصيل عن األحكام الشرعية‬
                                                                                           ‫المتعلقة بالهجرة .‬
               ‫أسأل اهلل تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .‬
                                                                                                   ‫جمع وإعداد‬
                                                                                  ‫الباحث في القرآن والسن‬
                                                                                 ‫َّة‬
                                                                                      ‫علي بن نايف الشحود‬
                                  ‫في 98 شعبان 7860 هـ الموافق ل 78/9/9118 م‬


                                       ‫‪‬‬




                                                        ‫6‬
7
                             ‫أسباب الهجرة النبوية الشريفة‬

                                  ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬
                                ‫أيها األحبة في اهلل : السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته ..‬
‫ال شك أن حدثا مثل الهجرة النبوية حين تكون تاريخا لألمة ال شك أنها حدث عظـيم‬
‫في تاريخها ونقطة تحول في حياتها .. فالهجرة فرقت بين الحق والباطل ، وميـزت‬
                                                                          ‫بين الخير والشر ..‬
              ‫حولت ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزة ، وعجزهم إلى قدرة .‬
      ‫وكما يقولون : إن لكل شيء سببا ، فللهجرة النبوية أيضا أسباب ، وهما سببان :‬
‫0) شدة األذى واالضطهاد الذي كان يتعرض له النبي ‪ ‬هو وأصحابه مـن كفـار‬
                                                                                        ‫قريش .‬
                                              ‫8) قبول أهل المدينة اإلسالم ودخولهم فيه .‬
      ‫السبب األول : شدة اإليذاء واالضطهاد من كفار قريش لرسول اهلل ‪.. ‬‬
     ‫حقيقة : لقد أوذي النبي ‪ ‬إيذاء شديدا لم يتعرض له نبي من األنبياء السابقين ..‬
‫من أنواع اإليذاء : كان المشركون يسخرون منـه ويحتقرونـه ، ويسـتهزؤون بـه‬
‫ويكذبونه ، فكانوا ينادونه بالمجنون كما قال اهلل تعالى عنهم : وقالوا يا أيها الذي نزل‬
                                                                     ‫عليه الذكر إنك لمجنون.‬
‫كانوا يقولون عنه انه ساحر كذاب ، كما قال تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر مـنهم‬
                                                          ‫وقال الكافرون هذا ساحر كذاب .‬
‫وإ يك د الذ ن كفر لي لق َ‬
‫كانوا يستقبلونه بنظرات استحقار ، كما قال سبحانه : { َِن َ َا ُ َّ ِي َ َ َ ُوا َ ُزِْ ُونَك‬
                                     ‫بأ ص ره ْ َم سمع الذ َ ويق ل َ ِن ُ لم ن ن‬
                  ‫ِ َبْ َا ِ ِم ل َّا َ ِ ُوا ِّكْر َ َ ُوُون إ َّه َ َجْ ُو ٌ} (08) سورة القلم .‬
‫كانوا يشوهون تعاليمه الشريفة ويثيرون حولها الشبهات ، وقـالوا أسـاطير األولـين‬
                                                     ‫اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيال .‬




                                              ‫8‬
‫وقالوا عن القران الكريم : إن هذا إال إفك افتراه … وكانوا يقولون أيضا : إنما يعلمه‬
                                                                            ‫بشر .‬
        ‫وقالوا عن الرسول ‪ : ‬مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في األسواق .‬
‫من أنواع اإليذاء ابيضا : إنهم عرضوا على النبي ‪ ‬ان يتنازل عن بعض تعاليمـه‬
‫ويتركون هم بعض ما عليه مثل المفاوضات فنزل قولـه تعـالى : ودوا لـو تـدهن‬
                                                                        ‫فيدهنون .‬
‫وأيضا عرضوا على النبي ‪ ‬أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون اهلل تعالى سنة فنول قوله‬
                                  ‫سبحانه : قل يا أيها الكافرون ال أعبد ما تعبدون .‬
‫من أنواع اإليذاء أن أبا لهب وهو عم النبي ‪ ‬أمر ولديه عتبة وعتيبة أن يطلقا ابنتي‬
               ‫النبي ‪ ‬رقية وأم كلثوم لما جاء بالدعوة وكان قد كتب كتابهما فقط .‬
‫وأيضا : لما توفي عبد اهلل وهو االبن الثاني للنبي ‪ ‬استبشر أبو لهب وقال لقومـه :‬
‫ابشروا فان محمدا قد صار ابترا يعني ليس له ولد يحمل ذكره من بعده . فنزل قولـه‬
                                                     ‫تعالى : إن شانئك هو األبتر .‬
‫وكانت زوجة أبي لهب وهي أخت أبي سفيان كانت تحمل الشوك وتضعه في طريـق‬
             ‫النبي ‪ ‬وعلى بابه ، ولذلك وصفها القران الكريم بأنها حمالة الحطب .‬
‫من أنواع اإليذاء أيضا : إنهم وضعوا رحم الشاة وهو يصلي كما وضع عقبة بن أبي‬
‫معيط سال الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد ‪ ‬حتى جاءت فاطمـة فطرحتـه‬
                                                                      ‫عن ظهره .‬
‫وكان أمية بن خلف إذا رأى الرسول ‪ ‬همزه ولمزه ، ونزل فيه قوله تعالى : ويـل‬
                                                                 ‫لكل همزة لمزة .‬
‫وكذلك األخنس بن شريق كان ممن ينال من النبي ‪ ، ‬فوصفه اهلل تعالى في القـران‬
‫بتسع صفات : وال تطع كل حالف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل‬
                                                                   ‫بعد ذلك زنيم .‬



                                       ‫9‬
‫أما أبو جهل رأس الكفر والشرك فقد كان ينهى النبي ‪ ‬عن الصالة فنزل فيه قولـه‬
                                       ‫تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى …‬
‫وفي يوم أراد أن يطأ رسول اهلل ‪ ‬بقدمه ويعفر وجهه في التراب لكـن اهلل تعـالى‬
                                                         ‫حال بينه وبين ما يريد .‬
‫ومرة أخرى حمل أبو جهل لعنه اهلل حجرا كبيرا ليضرب به النبي ‪ ‬وهو ساجد لكن‬
                                                        ‫اهلل تعالى منعه من ذلك .‬
‫من أنواع اإليذاء انه في يوم اجتمع عليه عشرة رجال وأحاطوا به فهذا يجذبه واألخر‬
    ‫يدفعه والثالث يضربه حتى جاء أبو بكر رضي اهلل عنه فدفعهم عن رسول اهلل ‪‬‬
                           ‫كما أنهم غيروا اسمه الشريف ‪ ‬من محمد إلى مذمم .‬
‫من أشد أنواع اإليذاء التي تعرض لها النبي ‪ : ‬الحصار في شعب أبي طالب ثالث‬
‫سنوات حتى أكلوا أوراق الشجر فصارت مخرجاتهم وفضالتهم مثل الدواب حتى أن‬
‫سعد بن أبي وقاص رضي اهلل عنه وجد في ليلة جلدة شاة فأخذها فوضعها على النار‬
                         ‫حتى تفحمت ثم أكلها وظل عليها ثالث ليال ال يأكل شيئا .‬
‫من أنواع اإليذاء أنهم حاولوا قتل النبي ‪ ‬عدة مرات ، ففي يوم الخميس 48 صـفر‬
‫سنة 60 من البعثة اجتمع سبعة من كبار كفار قريش في دار الندوة وجاءهم الشيطان‬
‫في صورة شيخ يريد نصحهم ودار نقاش طويل فقال احدهم : نحرجه من بيننا وننفيه‬
                                                                     ‫من بالدنا .‬
‫فقال الشيطان : ال واهلل ما هذا لكم برأي الم تروا حسن حديثه وحالوة كالمه واهلل لو‬
           ‫فعلتم ذلك فسينزل على حي من العرب فيتبعوه فيسير بهم إليكم فيقاتلوكم .‬
‫فقال أبو البختري : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه الباب حتى يموت . فقال الشيطان‬
                                ‫: ال واهلل ، لئن حبستموه ليخرجن من وراء الباب .‬
‫فقال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا قويا فنعطي كل فتى منهم سـيفا‬
‫صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فال يقدر بنو عبد منـاف‬



                                      ‫01‬
‫على حربكم فيرضوا منا بالدية . هذا عن السبب األول ويعتبر هو السبب الرئيسي من‬
                                                                 ‫أسباب الهجرة .‬
            ‫السبب الثاني : قبول أهل المدينة اإلسالم ودخولهم فيه :‬
‫كان من عادة النبي ‪ ‬وحكمته أن يعرض اإلسالم على القبائل بالليل ، وفي موسـم‬
‫الحج سنة 00 من البعثة خرج النبي ‪ ‬مع أبي بكر الصديق وعلي بن أبـي طالـب‬
‫إلى منى فسمع أصوات رجال يتكلمون وكانوا ستة نفر من شـباب المدينـة وكانـت‬
                                                                    ‫تسمى يثرب .‬
‫فعرض النبي ‪ ‬اإلسالم عليهم فاسلموا ، وحملوا اإلسالم إلى أهل المدينة حتـى لـم‬
                         ‫يبق بيت من بيوت األنصار إال وفيه ذكر لرسول اهلل ‪. ‬‬
‫في موسم الحج سنة 80 جاء 80 رجال وبايعوا النبي ‪ ‬بيعة العقبة األولى . وأرسل‬
                                   ‫النبي ‪ ‬مصعب بن عمير معهم غالى المدينة .‬
‫في موسم الحج سنة 20 من البعثة جاء 29 رجال وامرأتان وبايعوا النبـي ‪ ‬بيعـة‬
  ‫العقبة الثانية . وبذلك أصبح لإلسالم قواعد وأرضية صلبة يستند عليها في المدينة .‬
‫ونواصل الحديث في اللقاء القادم إن شاء اهلل عن أهم الدروس المستفادة مـن قصـة‬
           ‫الهجرة على صاحبها أفضل الصالة وأزكى السالم .. واهلل ولي التوفيق .‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫11‬
                     ‫أهمية المخابرات . . في صفوف العدو‬

‫إن بث العيون والمخابرات في صفوف أعداء المسلمين ، وخصوم الحركة اإلسـالمية‬
‫: أمر تحتمه الظروف وطبيعة العالقة األبدية بين أنصار الحق من جهـة وأنصـار‬
‫الباطل من جهة أخرى ، فضال عن أنها معاملة بالمثل : حيـث إن هـؤالء األعـداء‬
‫الخصوم ، ال يسكتون عن محاوالت بث عيونهم بين المسلمين ، واختراق صفوفهم ؛‬
 ‫لضربهم . . كسرا لشوكتهم ، ومنعا أو إعاقة لهم عن بلوغ أهدافهم ، وتحقيق غاياتهم‬
‫فال أقل من أن يكون المسلمون بعامة ، وأبناء الحركة بخاصة : على مستوى حمايـة‬
‫هذه الدعوة ، وشرف تبليغها ، ورفع رايتها ، وإعالء شأن أتباعها ، بكـل الوسـائل‬
                                                             ‫المشروعة الممكنة .‬
      ‫ومن هذه الوسائل : بث عيونهم ومخابراتهم في صفوف أعدائهم ، وخصومهم .‬
‫حيث إنه : البد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو ومخططاتـه وتوقعاتـه ،‬
‫بحيث تصل إلى القيادة أوال بأول ، فتكون المتابعة ، قائمة على خبـرة بـالواقع ، ال‬
                            ‫على الظن التخمين ، الذي قد يخطئ ويصيب . " 78 "‬
                            ‫وهذا ما فعله النبي ‪ ‬في هجرته من مكة إلى المدينة .‬
‫ففي البخاري : " . . . ثم لحق الرسول ‪ ، ‬وأبو بكر ، بغار في جبل ثور ، فمكثـا‬
‫فيه ثالث ليال ، يبيت عندهما عبد اهلل بن أبي بكر ، وهو : غالم ، شاب ، ثقف ، لقن‬
‫، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فال يسمع أمرا يكتادان‬
    ‫به ، إال وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حين يختلط الظالم . . " الحديث " 28 "‬
‫وما كان أغنى من رسول اهلل ‪ ‬عن هذا األمر ، وهو الذي يوحي إليه ، ويكشف له‬
                                     ‫ربه سبحانه عن خططهم ومخططاتهم . . ! !‬
‫ولكنه : التدريب لهذه الجماعة المؤمنة الوليدة ، التي تحيط بها سهام األعداء من كـل‬
                                                                   ‫جانب . . ! !‬




                                      ‫21‬
‫ولكنه : التعليم لهذه األمة المؤمنة ، التي سوف يتربص بها األعـداء ، وتحـيط بهـا‬
                                         ‫سهامهم ، في كل عصر ، وفي كل مصر .‬
‫ولكنه : التنبيه ألبناء الحركة اإلسالمية على هذا األمر الذي ينبغي عليها أن تعيه جيدا‬
  ‫، وأن ال تهمله أو تقصر فيه أبدا ، إن كانت جادة ، في أداء األمانة ، ورفع الراية .‬
‫ولكنه : التكليف لقادة الحركة اإلسالمية بدراسة هذا األمر ، وإعطائه بالغ اهتمامها ؛‬
‫إذ كلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو ، وأدرى بأسراره ، ولها في صفوفه من ينقـل‬
‫إليها كل تخطيطاته : كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها وأنجع لها‬
                                                 ‫في توقى سهامه وإبطال ضرباته .‬
‫وهذا أمر : يجب عدم إغفاله أو التهاون فيه ، في السراء والضراء ، فـي الصـفاء‬
‫والكدر ، في عظيم األمور وصغيرها ، فقد تنقلب السراء _ غدا أو فجأة _ إلى ضدها‬
‫، وقد يتحول الصفاء _ غدا أو فجأة _ إلى عكسه ، وقد يكون صغير األمور مقدمـة‬
‫إلى عظائمها ، والقائد _ بل المؤمن _ العاقل من ال يستهين بأي شئ لصالح دعوته .‬
‫وينبغي لمن يكلف بمثل هذه األمور : أن يمتلك من الصفات ما يعينه على النجاح في‬
‫مهمته ، وأن يؤديها تعبدا هلل تعالى ، ومرضاة له سبحانه ، ال انتظـارا لمغـنم ، وال‬
                                         ‫طمعا في مكسب ، وال ثأرا لشيء أصابه ،‬
‫وفي حديث البخاري : ما يوضح بعض هذه الصفات المطلوبة لهـذه المهمـة ، ثـم‬
‫يضاف إليها ما قد تدعو إليه الضرورة وتقتضيه الظروف الخاصة ، بشـرط : أن ال‬
‫يرتكب المكلف بهذه المهمة مخالفة شرعية ، كأن يطلع على عـورات ، أو يقتـرف‬
                                             ‫محرمات ، أو يهمل في أداء الواجبات .‬
‫ومن المهم جدا : أن ال يؤدي أحد هذه المهمة دون اختيار له وتكليف مـن القيـادة ،‬
      ‫وإال صار األمر فضوال وفوضى ، وقد يحدث ألبناء الدعوة ما ال تحمد عقباه .‬
‫وال مانع _ بل إنه لمن الالزم _ أن تكون هناك ، لدى المسلمين ، وأبناء الحركة على‬
‫وجه الخصوص ، دراسات جادة في هذا الموضوع وأمثالـه ، توضـح : أهميتـه ،‬
‫وأساليب ممارسته . و . . الخ على أن تعد هذه الدراسات من قبل متخصصين فيها ،‬


                                        ‫31‬
‫عالمين بها ، وليس هذا بالمستحيل ، حيث إن هذه الدراسات تقوم بها كـل الـدول ،‬
                                                              ‫ولها مدارس كثيرة .‬
‫كما أنه ال مانع _ بل إنه من الالزم _ أن تكون هناك دورات دراسية وتدريبية لمـن‬
                    ‫يختارون للقيام بهذه المهام ، وتتوافر فيهم مؤهالت النجاح فيها .‬
‫كما أنه ال مانع _ بل إنه من الالزم _ أن يقيم هؤالء األفراد ، وقد يوظفون ، أو . .‬
‫أو . . الخ لدى هؤالء األعداء أو الخصوم ، لتقريبهم مـن مصـادر المعلومـات ،‬
                         ‫وأماكن صنع القرارات ، والتيسير عليهم في أداء مهمتهم .‬
‫كل ذلك : بشرط أن ال ينحرف المسلمون عامة وأبناء الحركة خاصة ، فيما تسـتتبعه‬
‫هذه األعمال من مخالفات شرعية ، أو ممارسات ال أخالقية ، أو أية أمور غير ذلك ،‬
                  ‫مما هو معروف أو غير معروف ، فيما يسمى بعالم " الجاسوسية "‬
                                                                           ‫هذا . .‬
‫وإن هذا الدرس ال تقتصر فائدته على األمة أو الجماعات فقط ، بل إنه لمن الممكـن‬
‫أن يستفيد به الفرد _ على شرط المحافظة على ضوابطه الشرعية _ مع أية خصـوم‬
‫له ؛ رغبة فقط في الوقاية من شرهم ، والنجاة من أضرارهم ، وليس توصال إليذائهم‬
                                                                 ‫، أو النيل منهم .‬
                           ‫أهمية دور المرأة المسلمة‬
‫المرأة : نصف المجتمع ( وأنه خلق الزوجين الذكر واألنثى ) "17 " ، ويقول سبحانه‬
‫كذلك ( أيحسب اإلنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقـة‬
                          ‫فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر واألنثى ) "07 "‬
‫وهي هدية اهلل تعالى _ قدمها على غيرها _ لمن يشاء ( هلل ملك السـموات واألرض‬
                 ‫يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) "87 "‬
‫وهي : باب من أبواب الجنة إذا أحسن إليها ، وبولغ في إكرامها ، " من كان له ثالث‬
‫بنات أو ثالث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن ، واتقى اهلل فـيهن : فلـه‬
                                                                    ‫الجنة " "27 "‬


                                       ‫41‬
     ‫بل إن الجنة نفسها : تحت قدميها ، يقول ‪ " ‬الجنة تحت أقدام األمهات " "67 "‬
                                       ‫وهي : صانعة األجيال ، ومربية األبطال ،‬
             ‫األم مدرسة إذا أعددتها . . . أعددت شعبا طيب األعراق‬
                                                                   ‫ولذلك . . ! !‬
                                          ‫ففي طهارتها : طهارة المجتمع ونظافته .‬
                                    ‫وفي اإلحسان إليها : سعادة المجتمع وبهجته .‬
                                             ‫وفي تعليمها : وعي المجتمع ورقيه .‬
                                     ‫وفي حسن تربيتها : نجاح المجتمع وفالحه .‬
‫ومن هنا . . يجب االهتمام بها ، وعدم اإلهمال لهـا ، أو التقليـل مـن شـأنها ، أو‬
                                           ‫اإلغفال لدورها ، أو اإلهدار لجهودها .‬
‫وإذا كان ذلك بصفة عامة : فهو بالنسبة لها في مجال الدعوة إلى اهلل تعالى ، ونشـر‬
                        ‫هذا الدين ، ونصرته ، بصفة خاصة ؛ أكد وأولى وأوجب .‬
                                       ‫نستفيد ذلك من الهجرة على النحو التالي :‬
‫أ _ فهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على كتمـان السـر ، والفـوز‬
‫بتزكية أبي بكر لها أمام رسول اهلل ‪ ‬في معرفة أمر خطير ، حجب عن كثير مـن‬
                           ‫الرجال ، حينما طلب النبي ‪ ‬من أبي بكر إخراجهما .‬
‫ب _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التمويه عـن جـدها ،‬
‫حينما وضعت حجارة في حائط بالبيت وغطتها ، وأوهمته أنها أمـواال تركهـا لهـم‬
‫أبوهم ، أبو بكر ، قبل هجرته ، وذلك حتى يطمئن جدها عليهم في حال غياب أبـي‬
‫بكر عنهم ، وهي تقول _ في نفسها _ واهلل ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن‬
                                                             ‫الشيخ بذلك . "87 "‬
‫ج _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الصمود فـي مواجهـة‬
‫بطش " فرعون " عصرهم ، أبي جهل حينما جاء ليعرف منها مكـان المهـاجرين ،‬
‫فأنكرت معرفتها ، وتأبت على جبروته ، ولم تخش ظلمه وطغيانه ؛ ممـا أغضـبه ،‬


                                     ‫51‬
‫ودفعه ألن يلطمها على وجهها الشريف ، وخلف من بعده خلف اتبعوه ، واقتدوا بـه‬
                        ‫في تعذيب النساء المسلمات الصالحات القانتات الصامدات .‬
‫د _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التضحية وتحمل المشـاق‬
‫، حينما ذهبت للنبي ‪ ‬وأبيها بالغار مع بعد الطريق ، ومشقة المشوار ، وخطـورة‬
‫الحركة إلى هذا المكان ، حاملة لهما سفرتهما ، خالل رحلتهما ، دون خـوف ، مـن‬
‫اكتشاف ألمرها ، أو اعتقال تتعرض له ، أو تعذيب ينالها ، وهي تـدرك جيـدا أن‬
                                             ‫بعض ذلك _ بل كله _ محتمل جدا .‬
‫ه _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على حسن التصرف ، وسرعة‬
‫البديهة ، حينما لم تجد ما تعلق به السفرة في الراحلة ، إذ شقت نطاقهـا ، وربطـت‬
                    ‫السفرة بنصف ، وانتطقت باألخر ، ولذا سميت بذات النطاقين .‬
‫و _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة والسـفر الشـاق‬
                 ‫المضني من المدينة إلى مكة لمالقاة الرسول ‪ ، ‬في بيعة العقبة .‬
                       ‫كما حدثت من السيدتين العظيمتين " أم عمارة " ، " أم منيع "‬
‫ز _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقـدرة علـى الحركـة السـرية ،‬
‫والتخفي التام ، والتسلل كالقطا من رحال القوم في جنح الليل مع رجال مـن قومهـا‬
                               ‫للقاء الحبيب ‪ ، ‬ومبايعته في بيعة العقبة ، بمنى .‬
‫ومما ينبغي مالحظته جيدا : أن السيدة أسماء بنت أبي بكر ، لم تكـن هـي المـرأة‬
‫الوحيدة في المسلمات _ آنئذ _ هي المهيأة لذلك ، أو المستعدة ، أو المضحية ، لهـذا‬
‫العمل ، بل كان هناك الكثير والكثير ، ولكن لظروف السرية التي أحاطت بالهجرة ،‬
‫لم يكتب هذا الشرف _ بل لم يجلب هذا الشرف _ لواحدة من بنات حـواء إال لهـذه‬
                           ‫السيدة العظيمة ، التي رفعت قدر المرأة ومكانتها عاليا .‬
               ‫وهي نفس الملحوظة بالنسبة لهاتين السيدتين ، أم عمارة ، وأم منيع .‬
‫ولذلك ، ومن هذا الدرس : علينا أن نعيد النظر في عالقة المرأة بالدعوة اإلسالمية ،‬
‫وموقفها منها ، ودورها فيها ، بشرط : وضوح الفرق بين واجباتها وواجبات الرجال‬


                                      ‫61‬
‫، وبين ما يناط بها وما يناط بالرجال ، وما يطلب منها وما يطلب من الرجال ، ومـا‬
‫تختص هي به ، وما ال يقوم به إال الرجال ، على ضوء ما يمليه التشريع اإلسـالمي‬
‫في هذا الخصوص ، وما يتطلبه واقع الدعوة اإلسالمية _ تحت هذا اإلطار ، وهـذا‬
                                                      ‫الحصار _ في هذا العصر .‬
‫بدال من هذا اإلغفال ، وهذا اإلهمال ، الذي يؤدي بدوره إلى ضياع فـرص للـدعوة‬
           ‫كثيرة ، وإلى تفويت منافع على المجتمع المسلم _ رجاال ونساء _ كبيرة .‬
‫فليست المرأة كالرجل _ كما يقول منافقوها _ سواء بسواء ، حتى تقوم بكـل شـئ ،‬
‫وتمارس كل شئ ، وبالتالي تفشل في كل شئ ، أو على األقل في أهم شـئ ، وهـو‬
                                                           ‫دورها الذي خلقت له .‬
‫وليست المرأة كما مهمال ، حتى تبعد عن كل شئ ، وال تمارس _ فيما يخص الدعوة‬
     ‫_ أي شئ ، وبالتالي نفشل نحن في اإلفادة من أعز شئ ، وهو نصف المجتمع .‬
‫وعلى الحركة اإلسالمية أن تسارع في فتح ملف " المرأة المسلمة " ودراسته جيـدا ،‬
‫في ضوء ما يكشفه الدين ، وتقدمه النماذج اإلسالمية الرائدة ، وليس في غبش ما قيده‬
                          ‫الواقع مما أطلقه الدين ، أو أطلقه الواقع مما قيده الدين .‬
‫وذلك . . حتى تستفيد المرأة المسلمة ، _ ونستفيد من المرأة المسلمة _ فـي ظـالل‬
                                                             ‫ديننا السمح الحنيف .‬
‫وإال فستظل الجمعيات العالمية ، المشبوهة وغير المشبوهة تلعب بعواطف المـرأة ،‬
   ‫وتدغدغ أحاسيسها بدعوات : ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله الدمار والعذاب .‬
                                ‫*********‬
                        ‫أهمية مبادئ اإلدارة في الدعوة‬
                                                       ‫بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل‬
‫إن الدعوة إلى اهلل (سبحانه وتعالى) هي األساس الذي قامت عليه هذه األمة ونهضت‬
‫به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن عملية إدارية‬
            ‫محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك اإلنساني ذروتها.‬


                                      ‫71‬
‫وكما أن حركة الدعوة اإلسالمية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر القرون‬
‫لالستفادة منها بحكمة ـ بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع السلف ـ‬
                                                            ‫ً‬
                      ‫فكذلك هي مطالبة أيضا باالستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.‬
‫ونستعرض هنا بإيجاز العملية اإلدارية من منظورها النظري، وكيفية مالءمـة هـذه‬
‫العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم ، فإن نجاح تطبيق وظائف‬
‫اإلدارة المختلفة في مجاالت الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ لتطبيـق هـذه‬
                                              ‫ال‬
‫الوظائف في حياته الدعوية: فمث ً عندما نتحدث عن إدارة الوقت من الناحية النظرية‬
‫، فإنا نقوم خاللها بتحديد األعمال المطلوبة وترتيبها فـي قائمـة حسـب األولويـة‬
‫واألهمية ، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار ، ثم تقييم ماتم‬
‫إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة اإلنجاز وعمل التعديل الالزم.. إلـى‬
                            ‫غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.‬
                 ‫ال‬
‫وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية ، نجد أننا فعـ ً نقـوم بمثـل هـذا‬
                         ‫ا‬
‫التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة ، فتجد أنك تلقائي ً وقبل شروعك في إنجاز مهمة‬
                                                        ‫ا‬
‫ما تفكر ذهني ً وبسرعة متى يجب عليك االنطالق ، وكيف؟ ومع مـن؟ وأي طريـق‬
‫ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أيـن سـتذهب بعـد‬
                                                                      ‫ذلك.. إلخ.‬
‫هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية اإلدارية: أي أن ننقلها من الوضع النظـري‬
                                                               ‫إلى الواقع العملي.‬
                                                          ‫ماهي العملية اإلدارية؟‬
‫إن اإلدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات واألدوات) ،‬
‫والبشرية (األفراد) في منشأة من خالل التخطيط لها وتنظيمهـا وتوجيههـا ومراقبـة‬
                                            ‫إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.‬
‫كل جهاز دعوي على اختالف مستوياته البد له من االسـتفادة مـن علـم التخطـيط‬
‫والتنظيم والتوجيه والمراقبة ، أو ما يسمى بالوظائف ، وبالتالي شرح هذه الوظـائف‬


                                      ‫81‬
‫وكيفية االستفادة منه ، خاصة إذا استحضر اإلداري المسلم في قلبه وكيانه أنـه فـي‬
‫إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج ، تقوده للتفكير السليم القويم كسـمة يتميـز‬
                                                                     ‫بها عن غيره.‬
                                                                              ‫ال‬
                                                                    ‫أو ً: التخطيط:‬
‫هو »ضرورة لكل المنشآت ؛ ألنها تعمل في ظروف متغيرة ، ومن ثم فإن محاولـة‬
‫التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط ، كما أنه عمليـة‬
‫مستمرة تدعو الختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المسـتقبل« (0) ونحـدد مـن‬
‫خالله مانريد أن نعمله ، وما الذي يجب عمله ، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن طريـق‬
                                                                                   ‫م‬
                                                                                ‫َنْ؟‬
‫والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق االستراتيجي (اإلحكامي) البعيد المدى عن طريـق‬
‫القياديين ومفكري األمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظـرة البعيـدة‬
‫الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح اإلسالمي الفعلي ، »ثم على الخطـة أن تتسـم‬
‫بالواقعية والمرونـ ة والشـمولية وكـذلك تناسـق الخطـط فيمـا بينهـا لضـمان‬
                                                                 ‫استمراريتها«(8).‬
                                                                               ‫ا‬
                                                                     ‫ثاني ً: التنظيم:‬
‫يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب ، أو بمعنى آخر تنظيم التنفيذ‬
‫دون االرتباك في توزيع العمل ، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات كل األفـراد ـ‬
‫أعضاء المنشأة ـ وكذلك تحديد وبيان عالقة كل فرد وأين موقعـه مـن الجماعـة ،‬
‫وتوزيع السلطات والصالحيات لمستويات األفراد المختلفة ؛ كل ذلك من أجل إيجـاد‬
‫تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد إلنجاح مسيرة العمل اإلسالمي ، ولنا مـن الهجـرة‬
‫النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق إلحكام خطة الهجرة ، وتوزيـع‬
‫العمل والمسؤوليات على األفراد حسب تخصصهم دون فوضى ، وعمل االحتياطـات‬
‫الالزمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وباإلخالص وتظـافر الجهـود تتحقـق‬
                                                        ‫األهداف المنشودة بإذن اهلل.‬


                                        ‫91‬
‫ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العالقات بـين أجـزاء العمـل ،‬
‫ومواقع العمل ، واألفراد من خالل سلطة فعالة بهدف تحقيق االلتحام والتـرابط وأداء‬
                                                   ‫العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة (2).‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                      ‫ثالث ً: التوجيه والقيادة:‬
                                                ‫ا‬      ‫ا‬
‫إن للتوجيه اإلداري ارتباط ً وثيق ً بمهارات القياديين؛ لذا هو: »فن وقدرة المدير على‬
‫السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشـاعة روح الـود والحـب‬
               ‫والرضا والتفاني واالنتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب« (6).‬
‫ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة االتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام الداخلي‬
‫والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية واألهداف المطلوب تحقيقها من كل فـرد‬
                                                     ‫يعمل لهذا النظام على اختالف مستواه.‬
‫أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية لألفراد العاملين في مجال الـدعوة مـن تقـديم‬
‫التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف ، ناهيك عن الدافع الديني الذاتي لـدى‬
‫كل من يفهم معنى الدعوة وحجم االستثمار فيها ، واليفوتنا اإلشارة للتوجيه الربـاني‬
‫ُف ر رحم ُ‬            ‫م َمد رس ل الله َالذ ن معه ِد ء عل‬
‫لكل من القائد وأتباعه (( ُح َّ ٌ َّ ُو ُ َّ ِ و َّ ِي َ َ َ ُ أَش َّا ُ ََـى الك َّـا ِ ُ َ َـاء‬
                                                                                          ‫ب َه‬
                                                                         ‫َيْن ُمْ)) [الفتح: 78].‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                               ‫رابع ً: الرقابة:‬
‫والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ اآلنفة الذكر ـ التخطيط ، التنظيم،‬
‫التوجيه ـ تسير في االتجاه الصحيح نحو األهداف المرسومة ، ويكون ذلـك بقيـاس‬
                   ‫ا‬
‫األداء ومقارنة النتائج باألهداف ضمن معايير موضوعة سلف ً لتصـحيح وتعـديل أي‬
                                                                  ‫ً‬
                                          ‫انحراف في األداء ضمانا لفاعلية وكفاءة التنفيذ.‬
‫ولعل أبرز ما يتسم به اإلداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه ، فهي تشـمل كافـة‬
‫شئون الحياة الفردية والجماعية ، حيث يعلم أنه خلق لعبادة اهلل وحده ، وبالتالي فـإن‬
‫جميع أفعاله ـ إدارية أو دعوية ـ مقياس لمدى طاعته ألوامر اهلل ، ثم محاسبة نفسه‬
                         ‫َّ الل َ ك َ عل ك ْ ق ا‬
          ‫قبل أن يحاسبه خالقه ، يقول تعالى: ((إن َّه َان ََيْ ُم رَ ِيب ً)) [النساء: 0].‬


                                              ‫02‬
‫والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيـه المسـلم بالتناصـح والتوجيـه يقـول (تعـالى)‬
‫ِ‬    ‫و م من ن و م من ت ب ضه أ لي ء ب ض ي مر ن ب م ر ف وي ه ن‬
‫(( َالْ ُؤْ ِ ُو َ َالْ ُؤْ ِ َا ُ َعْ ُ ُمْ َوِْ َا ُ َعْ ٍ َـأْ ُ ُو َ ِـالْ َعْ ُو ِ َ َنْ َـوْ َ عَـن‬
                                                                                             ‫م كر‬
                                                                             ‫ال ُن َ ِ)) [التوبة: 09].‬
‫وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية اإلدارية في النهاية ، إال أني أعتقـد أن عنصـر‬
‫الرقابة هو العنصر األول والمالزم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم والتوجيه‬
‫وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي اإلداري المسلم مدى نجـاح‬
    ‫دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق اهلل كسمة يجب أن يتميز فيها عن غيره.‬
                                                                              ‫-------------‬
                                                                                             ‫الهوامش:‬
‫(0) اإلدارة دراسة تحليلة للوظائف والقرارات اإلدارية د. مدني عبد القادر عالقـي،‬
                           ‫مطبوعات تهامة ، جدة ، الطبعة الرابعة ، 1060هـ ص 89.‬
‫(8) الخطة والتخطيط ، لماذا وكيف، نبيل بن جعفر الفيصـل، مطـابع التسـهيالت،‬
                                                                ‫الخبر، 2060هـ ص 90: 18.‬
                                                        ‫(2) مرجع سابق ، رقم (0) ص 480.‬
‫(6) اإلدارة في اإلسالم،الفكر والتطبيق، د.عبـدالرحمن إبـراهيم الضـحيان، دار‬
                                       ‫الشروق، جدة، الطبعة األولى، 9160هـ ص 440.‬
                                                                              ‫مجلة البيان / عدد47‬
                                       ‫************‬
                      ‫إذن رسول اهلل ‪ ‬ألصحابه بالهجرة إلى المدينة‬
‫قال ابن سعد فى طبقاته يروى عن عائشة رضى اهلل عنها : لما صدر السبعون مـن‬
                    ‫ا‬
‫عند رسول اهلل ‪ ‬طابت نفسه ’ فقد جعل اهلل له منعة وقوم ً وأهل حرب وعدة ونجدة‬
‫’ وجعل البالء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ’ فضـيقوا‬
‫على أصحابه وتعبثوا بهم ’ ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم واألذى ’ فشكا ذلـك‬
‫أصحاب رسول اهلل ‪ ‬واستأذنوه فى الهجرة ’ فقال : ( قد أخبرت بـدار هجـرتكم‬


                                                   ‫12‬
‫وهى يثرب ’ فمن أراد الخروج فليخرج إليها ) فجعل القـوم يتجهـزون ويتوافقـون‬
‫ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ’ فكان أول من قدم المدينة من أصـحابه ‪ ‬أبـو‬
‫سلمة بن عبد األسد ثم قدم بعده عامر ابن ربيعة ومعه امرأته بنت أبى حشمة ’ فهـى‬
                    ‫ال‬
‫أول ظعينة قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول اهلل ‪ ‬أرسا ً فنزلوا على األنصـار‬
                                          ‫فى دورهم ’ فآووهم ونصروهم وآسوهم .‬
                        ‫ً‬
‫ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول اهلل ‪ ‬إال متخفيا غير عمر ابن الخطاب رضـى‬
                   ‫م ّ‬                                   ‫ى‬
‫اهلل عنه ’ فقد روى عل ّ ابن أبى طالب رضى اهلل عنه أنه ل ّا هم بالهجرة تقلد سـيفه‬
                                   ‫ا‬
‫وتنكب قوسه ’ وانتضى فى يده أسهم ً ’ واختصر عنزته ( عصاه ) ومضـى قبـل‬
                ‫ا‬       ‫ا‬       ‫ا‬
‫الكعبة ’ والمأل من قر يش بفنائها فطاف فى البيت سبع ً متمكن ً مطمئن ً ’ ثم أتى المقام‬
‫فصلى ’ ثم وقف فقال :( شاهت الوجوه ’ ال يرغم اهلل إال هذه المعاطس ’ مـن أراد‬
              ‫أن يثكل أمه ’ أو ييتم ولده ’ أو ترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى)‬
                                      ‫ل‬                             ‫ى‬
          ‫قال عل ّ فما أتبعه إال قوم مستضعفون عّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه .‬
‫وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إال رسـول اهلل‬
                                                     ‫ّ‬
     ‫‪ ‬وأبو بكر وعلى ’ أو معذب محبوس ’ أو مريض ’ أو ضعيف عن الخروج .‬
                                                                   ‫العبر و العظات :‬
‫كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبى ‪ ‬فى مكة ’ فتنة اإليـذاء و التعـذيب ومـا‬
‫يرونه من المشركين من ألوان الهزأ و السخرية ’ فلما أذن لهم الرسول ‪ ‬بالهجرة ’‬
‫أصبحت فتنتهم فى ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم ’ ولقد كانوا أوفياء لدينهم‬
‫مخلصين لربهم ’ أمام الفتنة األولى و الثانية ’ قابلوا المحن والشدائد بصـبر ثابـت‬
                                                                       ‫وعزم عنيد .‬
‫حتى إذا أشار عليهم رسول اهلل بالهجرة إلى المدينة ’ توجهوا إليها وقد تركـوا مـن‬
‫ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب ’ ذلـك أنهـم خرجـوا مسـتخفين‬
‫متسللين ’ وال يتم ذلك إال إذا تخلصوا من األمتعة و األثقال ’ فتركوا كل ذلك فى مكة‬



                                        ‫22‬
‫ليسلم لهم الدين ’ واستعاضوا عنها باألخوة الذين ينتظرونهم فـى المدينـة ليـؤووهم‬
                                                                                              ‫وينصرونهم .‬
‫وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذى أخلص الدين هلل : ال يبالى بالوطن وال بالمال و‬
                ‫النشب فى سبيل أن يسلم له دينه . هذا عن أصحاب رسول اهلل فى مكة .‬
‫أما أهل المدينة الذين آووهم فى بيوتهم وواسوهم ونصـروهم ’ فقـد قـدموا المثـل‬
                                              ‫الصادق لألخوة اإلسالمية و المحبة فى اهلل تعالى .‬
‫وأنت خبير أن اهلل عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخـوة النسـب وحـدها ’‬
‫ولذلك كان الميراث فى صدر اإلسالم على أساس وشيجة الدين ’ وأخوته والهجرة فى‬
‫سبيله ’ ولم يستقر حكم الميراث على أساس عالقة القرابة إال بعد تكامل اإلسالم فـى‬
                                               ‫المدينة وصارت للمسلمين دار إسالم قوية منيعة .‬
‫ب ِ‬      ‫ِن الذ ن من وه جر وج هد بأ و له وأ فسه ف‬
‫يقول اهلل عز وجل : {إ َّ َّ ِي َ آ َ ُواْ َ َا َ ُواْ َ َا َ ُواْ ِ َمْ َاِ ِمْ ََن ُ ِ ِمْ ِي سَـ ِيل‬
 ‫له َالذ ن و ونصر أ لئك ب ضه أ لي ب ض َالذ ن من ول يه جر م لك‬
‫الّ ِ و َّ ِي َ آ َواْ َّ َ َ ُواْ ُوَْ ِ َ َعْ ُ ُمْ َوِْ َاء َعْ ٍ و َّ ِي َ آ َ ُواْ ََمْ ُ َا ِ ُواْ َا َ ُم‬
 ‫م َاليته م َ ء َت يه جر وإن ت صر ك ف الد ن فعل كم الن ر ِال عل‬
‫ِّن و َ َ ِ ِم ِّن شيْ ٍ حَّى ُ َا ِ ُواْ َِ ِ اسْ َن َ ُو ُمْ ِي ِّي ِ َ ََيْ ُ ُ َّصْ ُ إ َّ ََى‬
                                   ‫ق م ب نك وب نه م ث ق و له بم ت مل ن بص ر‬
‫َوْ ٍ َيْ َ ُمْ َ َيْ َ ُم ِّي َا ٌ َالّ ُ ِ َا َعْ َُو َ َ ِي ٌ} (89) سورة األنفال. ثم إنه يسـتنبط‬
                                                      ‫من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان :‬
‫0- وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار اإلسالم ’ وروى ابن العربى ( أن هـذه‬
                                                            ‫ا‬
‫الهجرة كانت فرض ً فى أيام النبى ‪ ’ ‬وهى باقية مفروضة إلى يوم القيامة . والتـى‬
‫انقطعت بالفتح ’ إنما هي القصد إلى النبى ‪ ’ ‬فإن بقى فى دار الحـرب عصـى )‬
‫ومثل دار الحرب فى ذلك كل مكان ال يتسنى للمسلم فيه إقامة الشعائر اإلسالمية مـن‬
                            ‫صالة وصيام وجماعة وأذان ’ وغير ذلك من أحكامه الظاهرة .‬
‫وما يستدل على ذلك قوله تعالى :( إن الذين توفاهم المالئكة ظالمى أنفسهم قالوا ؟ فيم‬
‫كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين فى األرض ’ قالوا الم تكن أرض اهلل واسعة فتهاجروا‬
‫فيها ’ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ’ إال المستضعفين من الرجال و النسـاء‬
                                               ‫والولدان ال يستطيعون حيلة وال يهتدون سبيال ) .‬


                                                      ‫32‬
‫ً‬
‫8- وجوب نصرة المسلمين لبعضهم مهما اختلفت ديارهم وبالدهم ما دام ذلك ممكنـا‬
‫’ فقد اتفق العلماء و األئمة على أن المسلمين إذا قدروا على استنقاذ المستضـعفين أو‬
‫المأسورين أو المظلومين من إخوانهم المسلمين ’ فى أي جهة من جهـات األرض ’‬
                                             ‫ثم لم يفعلوا ذلك فقد باءوا بإثم كبير .‬
‫يقول أبو بكر العربى : إذا كان فى المسلمين أسراء أو مستضعفين فإن الوالية معهـم‬
‫قائمة و النصرة لهم واجبة بالبدن ’ بأن ال تبقى منا عين تطرف ’ حتى نخـرج الـى‬
‫استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ’ أو نبذل جميع أموالنا فى استخراجهم ’ حتى ال‬
                                                      ‫يبق ال ألحد درهم من ذلك .‬
‫وكما تجب مواالة المسلمين ونصرتهم لبعضهم ’ فإنه يجب أن تكون هذه المواالة فيما‬
‫بينهم ’ وال يجوز أن يشيع شىء من الوالية و التناصر أو التـآخى بـين المسـلمين‬
‫وغيرهم ’ وهذا ما يصرح به كالم اهلل عز وجل ’ إذ يقول :( والذين كفروا بعضـهم‬
                         ‫أولياء بعض إال تفعلوه تكن فتنة فى األرض و فساد كبير).‬
‫يقول ابن العربى قطع اهلل الوالية بين الكفار و المؤمنين ’ فجعل المـؤمنين بعضـهم‬
‫أولياء بعض ’ وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ’ يتناصرون بدينهم ويتعـاملون‬
                                                                       ‫باعتقادهم .‬
‫وال ريب أن تطبيق مثل هذه التعاليم اإللهية ’ هى أساس نصرة المسلمين فـى كـل‬
‫عصر وزمن ’ كما أن إهمالهم لها وانصرافهم إلى ما يخالفها هو أساس ما نراه اليوم‬
                  ‫من ضعفهم وتفككهم وتألب أعدائهم عليهم من وكل جهة وصوب .‬
                       ‫هجرة الرسول صلى اهلل عليه وسلم‬
‫جاء فى صحاح السنة وما رواه علماء السيرة أن أبا بكر الصديق رضى اهلل عنه لمـا‬
‫وجد المسلمين قد تتابعوا مهاجرين الى المدينة ’ جاء يستأذن رسول اهلل ‪ ‬هو اآلخر‬
‫فى الهجرة ’ فقال له رسول اهلل ‪ (: ‬على رسلك ’ فإني أرجو أن يؤذن لى ) فقـال‬
‫أبو بكر :( وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى ؟ ) قال :(نعم ) فحبس أبو بكر نفسه على‬



                                      ‫42‬
‫رسول اهلل ‪ ‬ليصحبه ’ وعلف راحلتين كانتا عنده ’ وأخذ يتعهدهما بالرعاية أربعـة‬
                                                                        ‫أشهر .‬
‫وفى هذه األثناء رأت قريش أن رسول اهلل ‪ ‬صارت له شيعة وأصـحاب غيـرهم‬
 ‫بغير بلدهم ’ فحذروا خروج رسول اهلل ‪ ‬إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم .‬
‫فاجتمعوا له فى دار الندوة ( وهى دار قصى ابن كالب التى كانت قريش ال تقضـى‬
‫ً‬                                                                       ‫ا‬
‫أمرً إال فيها ) يتشاورون فيما يصنعون بأمر رسول اهلل ‪ ’ ‬فاجتمع رأيهـم أخيـرا‬
             ‫ا‬                       ‫ا ا‬
‫على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شاب ً جلدً ’ ثم يعطى كل منهم سيف ً صـارما ’ ثـم‬
‫يعمدوا اليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ’ كى ال تقدر بنو عبد منـاف علـى‬
                                                                ‫ا‬
‫حربهم جميع ً ’ وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم فأتى جبريل عليه السالم رسـول اهلل‬
                         ‫‪ ‬يأمره بالهجرة ’ وينهاه أن ينام فى مضجعه تلك الليلة .‬
             ‫ا‬
‫قالت عائشة رضى اهلل عنها فيما يروى البخارى : فبينما نحن يوم ً جلوس فى بيـت‬
      ‫ً‬
‫أبى بكر فى حر الظهيرة ’ قال قائل ألبى بكر :( هذا رسـول اهلل ‪ ‬متقنعـا ’ فـى‬
                                  ‫ا‬
‫ساعة لم يكن يأتينا فيها ) فقال أبو بكر :( فدً أبى وأمى ’ واهلل ما جـاء فـى هـذه‬
‫الساعة إال ألمر ) قالت : فجاء رسول اهلل ‪ ’ ‬فاستأذن ’ فأذن له ’ فـدخل ’ فقـال‬
‫النبي ‪ ‬ألبى بكر : ( أخرج من عندك ) فقال أبة بكر :( إنما هم أهلك بأبى أنت يـا‬
‫رسول اهلل ) ’ قال رسول اهلل ‪ (: ‬فإنى قد أذن لى فى الخروج ) فقال أبو بكـر : (‬
‫الصحبة يارسول اهلل ) ’ قال رسول اهلل ‪ (: ‬نعم ) فقال أبو بكر :( فخذ بأبى أنـت‬
                   ‫يا رسول اهلل إحدى راحلتى ) ’ قال رسول اهلل ‪ ( : ‬بالثمن ) .‬
‫قالت عائشة : فجهزناهما أحث جهاز ’ وصنعنا لهما سفرة فـى جـراب ’ فقطعـت‬
‫أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ’ فبذلك سميت ذات‬
                                                                       ‫النطاق .‬
                                               ‫ى‬
‫وانطلق رسول اهلل ‪ ‬إلى عل ّ ابن أبى طالب رضى اهلل عنه فأمره أن يتخلف بعـده‬
‫بمكة ريثما يؤدى عن رسول اهلل ‪ ‬الودائع التى كانت عنده للناس ’ إذ لم يكن أحـد‬
‫من أهل مكة له شىء يخشى عليه إال استودعه عند رسول اهلل ‪ ‬لما يعلمـون مـن‬


                                      ‫52‬
                              ‫م‬
‫صدقه وأمانته . وأمر أبو بكر غبنه عبد اهلل أن يتس ّع لهما ما يقوله الناس عنهما فى‬
‫بياض النهار ’ ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من أخبار . وأمر عامر ابن فهيـرة‬
‫( مواله) أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى إلى الغار ( غار ثـور )‬
‫ليطعما من ألبانها ’وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما فى كل مساء‬
                                                                                ‫.‬
‫وروى ابن إسحاق واإلمام أحمد ’ كالهما عن يحى بن عباد بن عبد اهلل ابن الزبير ’‬
‫عن أسماء بنت أبى بكر قالت : لما خرج رسول اهلل ‪ ‬وخرج معه أبو بكر ’ إحتمل‬
‫أبو بكر ماله كله معه : خمسة آالف درهم أو ستة آالف درهم ’ قالت وانطلـق بهـا‬
‫معه ’ قالت : فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : واهلل إنى ألراه قـد‬
        ‫ا‬     ‫ا‬
‫فجعكم بماله مع نفسه ’ قالت : قلت :كال يا أبت ’ إنه قد ترك لنا خيرً كيثرً ’ قالت:‬
‫فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة فى البيت الذى كان أبى يضـع مالـه فيهـا ’ ثـم‬
                                                           ‫ا‬
‫وضعت عليها ثوب ً ’ ثم أخذت بيده ’ فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال ’ فقالت:‬
‫فوضع يده عليه ’ قال : البأس ’ إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ’ وفى هذا بالغ لكم‬
                                                    ‫ً‬
                    ‫. وال واهلل ما ترك لنا شيئا ولكنى أردت أن أسكت الشيخ بذلك .‬
‫ولما كانت عتمة تلك الليلة التى هاجر فيها النبى ‪ ‬أجتمع المشـركون علـى بـاب‬
‫رسول اله ‪ ‬يتربصون به ليقتلوه ’ ولكنه عليه الصالة و السالم خرج من بينهم وقد‬
     ‫ا‬                             ‫يا‬
‫ألقى اهلل عليهم سنة من النوم بعد أن ترك علّ ً رضى اهلل عنه فى مكانه نائمـ ً علـى‬
                                      ‫فراشه ’ وطمأنه بأنه لن يصل إليه أى مكروه‬
‫وانطلق رسول اهلل ‪ ‬وصاحبه أبو بكر إلى غار ثور ليقيما فيه ’ وكان ذلـك علـى‬
‫الراجح فى اليوم الثانى من ربيع األول الموافق 18 أيلول سـنة ( 884 م ) بعـد أم‬
‫مضى ثالثة عشر سنة من البعثة ’ فدخل أبو بكر قبل رسول اهلل ‪ ‬فلمس الغـار ’‬
                                                            ‫ي‬
‫لينظر أفيه سبع أو ح ّة ’ يقى رسول اهلل صلى اله عليه وسلم بنفسه ’ فأقاما فيه ثالثة‬
‫أيام ’ وكان يبيت عندهما عبد اهلل ابن أبى بكر يخبرهما بأخبار مكة ’ ثم يـدلج مـن‬
‫عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها ’ وكان عامر ابـن فهيـرة يـروح‬


                                       ‫62‬
‫عليهما بقطيعه من الغنم ’ فإذا خرج من عندهما عبد اهلل تبع عامر أثره بالغنم كـى ال‬
                                                                  ‫يظهر لقدميه أثر .‬
‫أما المشركون فقد انطلقوا - بعد أن علموا بخروج رسول اهلل ‪ - ‬ينتشـرون فـى‬
‫طريق المدينة يفتشون عنه فى كل المظان ’ حتى وصلوا إلى غـار ثـور ’ وسـمع‬
‫رسول اهلل ‪ ‬وصاحبه أقدام المشركين تخفق من حولهم فأخذ الروع أبا بكر وهمـس‬
‫يحدث النبى ‪ : ‬لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا ’ فأجابه عليه الصالة و السـالم :(‬
                                           ‫يا أبا بكر ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما ) ...‬
‫فأعمى اهلل أبصار المشركين حتى لم يحن ألحد منهم التفاتة الى ذلك الغار ولم يخطر‬
                                     ‫ببال واحد منهم أن يتساءل عما يكون بداخله .‬
‫ولما انقطع الطلب عنهما خرج رسول اهلل ‪ ‬وأبا بكر ’ بعد أن جاءهما عبد اهلل ابـن‬
‫أرقط وهو من المشركين ’ كانا قد استأجراه ليدلهما على الطرق الخفية الى المدينـة‬
‫بعد أن اطمأنا إليه ’ وواعداه مع الراحلتين عند الغار ) فسارا متبعين طريق السـاحل‬
‫بإرشاد من عبد اهلل بن أرقط ’ وكان قد جعل مشركوا مكة لكل من أتى برسـول اهلل‬
                                                ‫ي‬
‫‪ ‬وأبى بكر رضى اهلل عنه دّة كل منهما . وذات يوم ’ بينما كان جماعة مـن بنـى‬
‫مدلج فى مجلس لهم ’ وبينهم سراقة ابن جعشم ’ إذ اقبل إليهم رجل منهم فقال : إنى‬
                                  ‫ا‬                           ‫ا‬
‫قد رأيت آنف ً أسودة بالساحل ’ أراها محمدً و أصحابه ’ فعرف سراقة أنهـم هـم ’‬
           ‫ً‬
‫ولكنه أراد أن يثنى عزم غيره عن الطلب ’ فقال له : إنك قد رأيت فالنـا و فالنـا ’‬
‫انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم . ثم لبث فى المجلس ساعة ’ وقام فركب فرسه ثـم‬
                                ‫ر‬
‫سار حتى دنا من رسول اهلل فعثرت به فرسه فخ ّ عنها ’ ثم ركبها ثانية وسار حتـى‬
‫صار يسمع قراْءة النبى صلى اله عليه وسلم وهو ال يلتفت ’ وأبو بكر يكثر االلتفات‬
‫’ فساخت قائمتا فرس سراقة فى األرض حتى بلغتا الركبتين ’ فخر عنها ثم زجرهـا‬
‫حتى نهضت ’ فلم تكد تخرج قدميها حتى سطع ألثرهما غبار ارتفع فى السماء مثـل‬
‫الدخان ’ فعلم سراقة أنه ممنوع من رسول اهلل ‪ ’ ‬وداخله رعب عظيم ’ فناداهمـا‬
‫باألمان .فوقف رسول اهلل ‪ ‬ومن معه حتى وصل إليهم ’ فاعتذر إليـه وسـاله أن‬


                                      ‫72‬
     ‫م‬
‫يستغفر له ’ ثم عرض عليهما الزاد و المتاع ’ فقاال : ال حاجة لنا ’ ولكن عـ ّ عنـا‬
                                                                         ‫الخبر ’ فقال كفيتم .‬
‫ثم عاد سراقة أدراجه إلى مكة وهو يصرف أنظار الناس عن الرسول ومن معه بمـا‬
                                                                                ‫يراه من القول‬
                                       ‫ا‬
‫وهكذا انطلق إليهما فى الصباح جاهدً فى قتلهما ’ وعـاد فـى المسـاء يحرسـهما‬
                                                                     ‫ويصرف الناس عنهما .‬
                                          ‫قدوم قباء‬
                    ‫ال‬
‫ووصل رسول اهلل ‪ ‬قباء ’ فاستقبله من فيها بضعة أيام ناز ً على كلثوم ابن هدم ’‬
‫حيث أدركه فيها على رضى اهلل عنه بعد أن أدى عنه الودائع إلى أصحابها ’ وأسس‬
‫ل جد ُس َ‬
‫النبى ‪ ‬هناك مسجد قباء ’ وهو المسجد الذى وصفه اهلل بقوله {111 َّمَسْ ِ ٌ أ ِّـس‬
‫ُّ‬  ‫عل الت و م أ َّل ي م أ َق أ تق م ف ه ف ه ر ل ي ِب ن أ يت َهر و له ي‬
‫ََى َّقْ َى ِنْ َو ِ َوْ ٍ َح ُّ َن َ ُو َ ِي ِ ِي ِ ِجَا ٌ ُحُّو َ َن َ َط َّ ُواْ َالّ ُ ُحِـب‬
                                                                               ‫م َّهر ن‬
                                                          ‫الْ ُط ِّ ِي َ} (910) سورة التوبة .‬
‫ثم واصل سيره إلى المدينة فدخلها الثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع األول علـى مـا‬
‫ذكره المؤر خون فالتف حوله األنصار ’ كل يمسك زمام راحلته يرجوه النزول عنده‬
‫فكان ‪ ‬يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة فلم تزل راحلته تسير فـى فجـاج المدينـة‬
‫وسككها حتى وصلت الى مربد لغالمين يتيمين من بنى النجار أمام دار أبـى أيـوب‬
‫األنصارى ’ فقال النبى ‪ (: ‬ههنا المنزل إن شاء اهلل ) وجاء أبو أيـوب فاحتمـل‬
‫الرحل إلى بيته ’ وخرجت والئد من بنى النجار - فيما يرويه ابن هشام - فرحـات‬
                                         ‫ن‬      ‫ّ‬
                                         ‫بمقدم رسول اهلل ‪ ’ ‬وجواره لهن ’ وهن ينشد ّ‬
                      ‫نحن جوار بنى النجار يا حبذا محمد من جار‬
      ‫ّ‬                                                          ‫ّ‬
    ‫فقال عليه السالم لهن : ( أتحببننى ؟ ) فقلن : نعم فقال : اهلل يعلم أن قلبى يحبكن )‬
                                             ‫صورة عن مقام النبى ‪ ‬فى دار أبى أيوب :‬
‫روى أبو بكر ابن أبى شيبة وابن إسحاق و اإلمام أحمد ابن حنبل من طرق متعـددة‬
‫بألفاظ متقاربة أن أبا أيوب رضى اهلل عنه قال وهو يحدث عن أيـام رسـول اهلل ‪‬‬


                                              ‫82‬
‫عنده : لما نزل رسول اهلل ‪ ‬فى بيتى فى أسفل البيت وأنا وأم أيوب فـى العلـو ’‬
‫فقلت له : يانبى اهلل بأبى أنت و أمى إنى ألكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى ’‬
‫فاظهر أنت فكن فى األعلى ’ وننزل نحن نكون فى السفل ’ فقال : يا أبا أيوب ’ إنه‬
                                   ‫ألرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون فى أسفل البيت .‬
      ‫ر‬
‫قال : فكان رسول اهلل ‪ ‬فى سفله وكنا فوقه فى المسكن ’ ولقد انكسرت جـ ّة لنـا‬
‫فيها ماء يوما ’ فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ’ ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء ’‬
                                                                     ‫ا‬
‫تخوف ً أن يقطر على رسول اهلل ‪ ‬منه شىء فيؤذيه ’ فنزلت إليه وأنا مشفق ’ فلـم‬
‫أزل أستعطفه حتى أنتقل إلى العلو . قال : وكنا نضع له العشاء ’ ثم نبعث به إليـه ’‬
‫فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركـة ’‬
                               ‫ا‬      ‫ال‬
‫حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بص ً وثوم ً ’ فرده رسول اهلل ‪ ‬ولم أر ليده‬
                                                         ‫ا‬
‫فيه أثر ’ فجئته فزع ً فقلت يا رسول اهلل بأبى أنت و أمى ’ رددت عشاءك ولم أر فيه‬
‫موضع يدك ’ وكنت حينما ترد علينا فضل طعامك أتيمم أنا وأم أيوب موضـع يـدك‬
‫نبتغى بذلك البركة ’ فقال : إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة ’ وأنا رجـل أنـاجى ’‬
                         ‫ً‬
 ‫فأما أنتم فكلوه ’ قال : فأكلناه ’ ثم لم نضع فى طعامه شيئا من الثوم أو البصل بعد .‬
                                ‫العبر و العظات :‬
‫تحدثنا فى فصل سابق ’ عن معنى الهجرة فى اإلسالم ’ عند تعليقنـا علـى هجـرة‬
‫المسلمين األولى إلى الحبشة ’ وقلنا إذ ذاك ما خالصته : إن اهلل عز وجل جعل قداسة‬
‫الدين و العقيدة فوق كل شىء ’ فال قيمة لألرض و الوطن و المال و الجاه إذا كانت‬
‫العقيدة وشعائر الدين مهددة بالحرب و الزوال ’ ولذا فرض اهلل على عباده أن يضحوا‬
                        ‫بكل ذلك - إذا اقتضى األمر - فى سبيل العقيدة و اإلسالم .‬
‫وقلنا أيضا أن سنة اهلل تعالى فى الكون اقتضت أن تكون القوى المعنوية التى تتمثـل‬
‫فى العقيدة السليمة و الدين الحق هى المحافظة للمكاسب و القوى الماديـة ’ فمهمـا‬
‫كانت األمة غنية فى خلقها السليم متمسكة بدينها الصحيح فإن سلطانها المادى المتمثل‬
             ‫ا‬            ‫ا‬           ‫ا‬
‫فى الوطن والمال و العزة يغدو أكثر تماسك ً وأرسخ بقاءً وأمنع جانب ً . ومهما كانت‬


                                       ‫92‬
‫فقيرة فى أخالقها مضطربة تائهة فى عقيدتها فإن سلطانها المادى المتمثل فيما ذكرناه‬
     ‫يغدو أقرب إلى االضمحالل و الزوال ’ وقلنا إن التاريخ أعظم شاهد على ذلك .‬
‫ولذلك شرع اهلل عز وجل مبدأ التضحية بالمال و األرض فى سبيل العقيـدة و الـدين‬
‫عندما يقتضى األمر ’ فبذلك يضمن المسلمون ألنفسهم المال و الطن و الحيـاة ’ وإن‬
                                     ‫بدا ألول وهلة أنهم تعروا عن كل ذلك وفقدوه‬
                                                                ‫ال‬
‫وحسبنا دلي ً على هذه الحقيقة هجرة رسول اهلل ‪ ‬من مكة إلى المدينة ’ لقد كانـت‬
      ‫ا‬                                     ‫ا‬              ‫ا‬
‫بحسب الظاهر ترك ً للوطن وتضييع ً له ’ ولكنه كان فى واقع األمـر حفاظـ ً عليـه‬
‫وضمانة له ’ ورب مظهر من مظاهر الحفاظ على الشىء يبدو فى صورة التـرك و‬
‫اإلعراض عنه فقد عاد بعد بضع سنين من هجرته هذه - بفضل الـدين الـذى أقـام‬
‫صرحه ودولته - إلى وطنه الذى أخرج منه ’ عزيز الجانب ’ منيع القـوة ’ دون أن‬
‫يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به والحقوه بقصد القتل أن يدنوا إليه بأى سـوء‬
                                                                            ‫...‬
‫ولنعد اآلن الى التأمل فيما سردناه من قصة هجرتـه ‪ ‬لنسـتنبط منهـا الـدالالت‬
                                                     ‫واألحكام الهامة لكل مسلم :‬
‫0- من أبرز ما يظهر لنا من قصة هجرة الرسول ‪ ’ ‬استبقاؤه ألبى بكـر رضـى‬
                  ‫اهلل عنه دون غيره من الصحابة كى يكون رفيقه فى هذه الرحلة .‬
‫وقد استنبط العلماء من ذلك مدى محبة الرسول ‪ ‬ألبى بكر وأنه أقرب الصحابة إليه‬
                  ‫ا‬
‫وأوالهم بالخالفة من بعده ’ ولقد عززت هذه الدالالت أمورً كيثـرة أخـرى مثـل‬
‫استخالفه له فى الصالة بالناس عند مرضه وإصراره على أن ال يصلى عنه غيره ’‬
                             ‫ً‬     ‫ً‬
      ‫ومثل قوله فى الحديث الصحيح :( لو كنت متخذا خليال التخذت أبا بكر خليال )‬
‫ولقد كان أبو بكر رضى اهلل عنه - كما رأينا - على مستوى هذه المزية التى أكرمه‬
‫اله بها ’ فقد كان مثال الصاحب الصادق بل و المضحى بروحه وبكل ما يملك مـن‬
‫أجل رسول اهلل ‪ ’ ‬ولقد رأينا كيف أبى إال أن يسبق رسول اهلل فى دخول الغار كى‬
                                                            ‫ا‬
‫يجعل من نفسه فداءً له عليه الصالة و السالم فيما إذا كان فيه سـبع أو حيـة أو أى‬


                                      ‫03‬
‫مكروه ينال اإلنسان منه األذى ’ ورأينا كيف جند أموالـه وأوالده ومـواله وراعـى‬
‫أغنامه فى سبيل خدمة رسول اهلل ‪ ‬فى هذه الرحلة الشاقة الطويلـة . ولعمـرى إن‬
‫هذا ما ينبغى أن يكون عليه شأن كل مسلم آمن باهلل ورسوله ’ ولذا يقول رسـول اهلل‬
‫صلى اله عليه وسلم :( ال يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده و الناس‬
                                                                         ‫أجمعين )‬
‫8- قد يخطر فى بال المسلم أن يقارن بين هجرة عمر ابن الخطاب رضى اهلل عنـه‬
                    ‫ا‬
‫وهجرة النبى ‪ ‬ويتساءل : لماذا هاجر عمر عالنية متحدي ً المشركين دون أى خوف‬
                          ‫ا‬       ‫ا‬
‫ووجل ’ على حين هاجر رسول اهلل مستخفي ً محتاط ً لنفسـه ؟ أيكـون عمـر ابـن‬
                                                  ‫الخطاب أشد جرأة من النبى ‪ ‬؟‬
‫و الجواب أن عمر ابن الخطاب أو أى مسلم آخر غير رسول اهلل ‪ ‬يعتبر تصـرفه‬
                                                           ‫ا‬      ‫ا‬
‫تصرف ً شخصي ً ال حجة تشريعية فيه ’ فله أن يتخيـر مـن الطـرق و الوسـائل و‬
‫األساليب ما يحلو له وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه باهلل تعالى ’ أما رسـول اهلل ‪‬‬
                  ‫ا‬                                                   ‫ر‬
‫فهو مش ّع ’ أى أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريع ً لنا ’ ولذلك كانـت‬
‫سنته هى المصدر الثانى من مصادر التشريع اإلسالمى مجمـوع أقوالـه و أفعالـه‬
‫وصفاته وتقريره ’ فلو أنه فعل كما فعل عمر ’ لحسب الناس أن هذا هو الواجـب !‬
‫... وأنه اليجوز أخذ الحيطة و الحذر ’والتخفى عند الخوف ’ مع أن اهلل عز وجـل‬
‫أقام شريعته فى هذه الدنيا على مقتضى األسباب و المسببات ’وإن كان الواقع الذى ال‬
‫شك فيه أن ذلك بتسبيب اهلل تعالى و إرادته ’ ألجل ذلك غستعمل رسول اهلل ‪ ‬كـل‬
‫األسباب المادية التى يهتدى إليها العقل البشرى فى مثل هذا العمل ’ حتى لـم يتـرك‬
‫وسيلة من هذه الوسائل إال اعتد بها واستعملها ’ فترك على ابن أبى طالب ينـام فـى‬
‫فراشه ويتغطى ببرده ’ واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه- ليدله على الطـرق‬
       ‫ا‬
‫الفرعية التى قد ال تخطر فى بال األعداء ’ وأقام فى الغار ثالثة أيام متخفيـ ً ’ إلـى‬
‫آخر ما عبأه من االحتياطات المادية التى قد يفكر بها العقل ’ ليوضح بذلك أن اإليمان‬



                                       ‫13‬
‫باهلل عز وجل ال ينافى استعمال األسباب المادية التى أرادت حكمة اهلل تعالى أن تكون‬
                                                                             ‫ً‬
                                                                           ‫أسبابا .‬
‫وليس قيامه بذلك بسبب خوف فى نفسه ’ أو شك فى إمكـان وقوعـه فـى قبضـة‬
‫المشركين قبل وصوله المدينة ’ والدليل على ذلك أنه عليه الصالة و السالم بعـد أن‬
‫استنفد األسباب المادية كلها ’ وتحلق المشركون حول الغار الذى يختبىء فيه رسـول‬
‫اهلل ‪ ‬وصاحبه - بحيث لو نظر احدهم عند قدمه ألبصـر الرسـول ‪ - ‬اسـتبد‬
  ‫ال‬
‫الخوف بابى بكر رضى اهلل عنه على حين كان يطمئنه عليه الصالة و السالم قائ ً :‬
‫يا أبا بكر : ما ظنك بإثنين اهلل ثالثهما ) ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلـك‬
                  ‫االحتياطات أن يشعر بشىء من الخوف و الجزع فى تلك الحال .‬
                                       ‫ا‬
‫لقد كان كل ما فعله من تلك االحتياطات إذً وظيفة تشريعية قام بها ’ فلما انتهى مـن‬
                                        ‫ا‬                  ‫ً‬
‫أدائها ’ عاد قلبه مرتبطا باهلل تعالى معتمدً على حمايته وتوفيقه ’ ليعلم المسـلمون أن‬
‫االعتماد فى كل أمر ال ينبغى أن يكون إال على اهلل عز وجل ’ ولكن ال ينافى ذلـك‬
                               ‫ا‬
‫احترام األسباب التى جعلها اهلل فى هذا الكون أسباب ً . ومن أبرز األدلة على هذا الذى‬
                                                                  ‫ا‬
‫نقوله أيض ً ’ حالته ‪ ‬عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه ’ لقـد‬
‫كان من مقتضى تلك االحتياطات الهائلة التى قام بها أن يشعر بشىء من الخوف مـن‬
                                         ‫ا‬
‫هذا الذى يجد فى اللحاق به بل كان مستغرق ً فى قراءته ومناجاته ربه ألنه يعلم أن اهلل‬
  ‫الذى أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرهم كما بين فى كتابه المبين .‬
                                                        ‫ى‬
‫2- وفى تخلف عل ّ رضى اهلل عنه عن النبى ‪ ‬فى أداء الودائع التى كانت عنـده‬
‫الى أصحابها داللة باهرة على التناقض العجيب الذى كان المشركون واقعين فيـه ’‬
                         ‫ا‬          ‫ا‬
‫ففى الوقت الذى كانوا يكذبونه ويرونه ساحرً أو مخادع ً لم يكونوا يجدون من حولهم‬
                                                 ‫ا‬
‫من هو خير منه أمانة وصدق ً ’ فكانوا ال يضعون حوائجهم وأموالهم التـى يخـافون‬
‫عليها إال عنده ...! وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم فى صدقه ’‬
              ‫ا‬
‫وإنما هو بسبب تكبرهم واستعالئهم على الحق الذى جاء به وخوف ً علـى زعـامتهم‬
                                                                        ‫وطغيانهم .‬


                                        ‫23‬
‫6- ثم إننا نلمح فى النشاط الذى كان يبذله عبد اهلل ابن أبى بكر رضـى اهلل عنـه ’‬
                                                                      ‫ا ا‬
‫ذاهب ً آيب ً بين الغار ومكة ’ يتحسس األخبار و ينقلها الى رسول اهلل ‪ ‬وأبيه ’ وفيما‬
‫عمدت إليه أخته أسماء رضى اهلل عنها من الجد فى تهيىء الزاد و الراحلة واشتراكها‬
‫فى إعداد العدة لتلك الرحلة - نلمح فى ذلك صورة مما يجب أن يكون عليه الشـباب‬
                                                         ‫ا‬       ‫ا‬
‫المسلم ذكورً وإناث ً فى سبيل اهلل عز وجل ومن أجل تحقيق مبادىء اإلسالم وإقامـة‬
            ‫ا‬               ‫ا‬
‫المجتمع المسلم ’ فال يكفى أن يكون اإلنسان منطوي ً على نفسه مقتصرً على عباداته‬
                            ‫ا‬
‫’ بل عليه ان يستنفد طاقاته وأوجه نشاطه كلها سعي ً فى سبيل اإلسالم ’ وتلـك هـى‬
                    ‫مزية الشباب فى حياة اإلسالم و المسلمين فى كل زمن وعصر .‬
‫وإذا تأملت فيمن كان حول رسول اهلل ‪ ‬إبان دعوته وجهاده ’ وجدت أن أغلبيـتهم‬
   ‫ا‬                                                         ‫ا‬
‫العظمى كانوا شباب ً لم يتجاوزوا المرحلة األولى فى عمر شبابهم ’ ولم يألوا جهدً فى‬
                      ‫تجنيد طاقاتهم وقوتهم من أجل نصرة اإلسالم وإقامة مجتمعه .‬
                                                                      ‫م‬
‫8- أ ّا ما حدث لسراقة وفرسه وهو يلحق لبرسول اهلل ‪ ‬فينبغى أن ال يفوتنا أنهـا‬
‫معجزة خارقة لرسول اهلل ‪ ‬اتفق أئمة الحديث على صحتها ونقلها وفـى مقـدمتهم‬
 ‫البخارى ومسلم ’ فأضفها إلى معجزاته األخرى التى سبق الحديث عنها فيما مضى .‬
‫4- ومن أبرز المعجزات الخارقة فى قصة هجرته عليه الصالة و السالم خروجه ‪‬‬
‫ً‬
‫من بيئته وقد أحاط به المشركون يتربصون به ليقتلوه ’ فقد علق النوم بأعينهم جميعا‬
‫حتى لم يحس به أحد منهم ’ وكان من تتمة السخرية بتآمرهم على حياته ما امـتألت‬
‫به رؤسهم من التراب الذى ألقاه رسول اهلل ‪ ‬على رؤوسهم إذ خرج من بينهم وهو‬
                   ‫ا‬              ‫ا‬
‫يتلو قوله تعالى :( وجعلنا من بين أيديهم سدً ومن خلفهم سـدً فأغشـيناهم فهـم ال‬
                                                                       ‫يبصرون )‬
‫لقد كانت هذ ه المعجزة بمثابة إعالن لهؤالء المشركين وغيرهم فى كل عصر ووقت‬
‫’ بأن ما قد يالقيه الرسول وصحبه من ألوان االضطهاد و العذاب على أيـديهم مـدة‬
‫من الزمن فى سبيل دينه ’ ال يعنى أنه قد تخلى عنهم وأن النصـر قـد ابتعـد عـن‬



                                       ‫33‬
‫متناولهم ’ فال ينبغى للمشركين وعامة أعداء الدين أن يفرحوا ويستبشروا بذلك ’ فإن‬
       ‫نصر اهلل قريب وإن وسائل هذا النصر توشك أن تتحقق بين كل لحظة وأخرى‬
‫9- وتكشف الصورة التى استقبلت بها المدينة المنورة رسول اهلل ‪ ‬عن مدى المحبة‬
  ‫ال‬      ‫ا‬       ‫ال‬
‫الشديدة التى كانت تفيض بها أفئدة األنصار من أهل المدينة رجا ً و نساءً وأطفا ً ’‬
‫لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت لفـح الشـمس وصـول‬
                                             ‫ب‬
‫رسول اهلل ‪ ‬إليهم ’ حتى إذا ه ّ النهار ليدبر ’ عـادوا أدراجهـم ليعـودوا إلـى‬
‫االنتظار صباح اليوم التالى ’ فلما طلع الرسول عليهم جاشت العواطف فى صدورهم‬
                              ‫ا‬
‫وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد و األهازيج فرح ً لمرآه عليـه الصـالة و السـالم‬
‫ومقدمه عليهم ’ ولقد بادلهم رسول اهلل صلى اله عليه وسلم نفس المحبة ’ حتى إنـه‬
  ‫ال‬                       ‫ن‬      ‫ن‬
‫جعل ينظر إلى والئد بنى النجار من حوله ’ وه ّ ينشد ّ ويتغنين بمقدمـه ’ قـائ ً :‬
                                                  ‫ّ‬
                                                  ‫أتحببننى ؟ واهلل إن قلبى ليحبكن‬
‫يدلنا كل ذلك أن محبة رسول اله ‪ ‬ليست فى مجرد اإلتباع له ’ بل المحبة له هـى‬
‫أساس اإلتباع وباعثه ’ فلوال المحبة العاطفية فى القلب لما وجد وازع يحمـل علـى‬
                                                              ‫اإلتباع فى العمل .‬
‫ولقد ضل قوم حسبوا أن محبة رسول اهلل ‪ ‬ليس لها معنى إال اإلتبـاع و اإلقتـداء‬
‫وفاتهم أن اإلقتداء ال يأتى إال بوازع ودافع ’ ولن تجد من وازع يحمل على اإلتبـاع‬
‫إال المحبة القلبية التى تهز المشاعر وتستبد بالعواطف ’ ولذلك جعل رسـول اهلل ‪‬‬
‫مقياس اإليمان باهلل امتالء القلب بمحبته ‪ ’ ‬بحيث تغدو متغلبة على محبـة الولـد‬
‫والوالد و الناس أجمعين ’ وهذا يدل على أن محبة رسول اهلل ‪ ‬من جـنس محبـة‬
‫الولد و الوالد أى مصدر كل منهما العاطفة و القلب وإال لم تصح المقارنة و التفضيل‬
                                                                         ‫بينهما .‬
‫9- أما الصورة التى رأيناها فى مقامه ‪ ‬عند أبى أيوب األنصارى فـى منزلـه ’‬
‫فتكشف لنا مظهر آخر من مظاهر محبة أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه والسـالم‬
                                                                             ‫له .‬


                                      ‫43‬
‫والذى يهمنا من ذلك هنا ’ هو التأمل فى تبرك أبو أيوب وأم أيوب ’ بآثـار أصـابع‬
         ‫ا‬
‫رسول اهلل ‪ ‬فى قطعة الطعام ’ حينما كان يرد عليهما فضل طعامه ’ إذً فـالتبرك‬
                                             ‫بآثار النبى ‪ ‬مشروع قد أقره ‪. ‬‬
                                              ‫ا‬
‫وقد روى البخارى ومسلم صورً كثيرة من تبرك الصحابة بآثار النبى ‪ ‬و التوسـل‬
                                ‫بها لإلستشفاء أو العناية و التوفيق وما شابه ذلك .‬
‫من ذلك ما رواه البخارى فى كتاب اللباس ’ فى باب ما يذكر فى الشيب ’ من أن أم‬
‫سلمة زوج النبى ‪ ‬كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبى ‪ ‬فى جلجـل لهـا ( مـا‬
‫يشبه القارورة يحفظ فيه ما يراد صيانته ) فكان إذا أصاب أحد من الصحابة عـين أو‬
‫أذى أرسل إليها إناء فيه ماء ’ فجعلت الشعرات فى الماء ’ ثم أخذوا الماء يشـربونه‬
                                                  ‫توسال لالستشفاء و التبرك به .‬
‫ومن ذلك ما رواه مسلم فى كتاب الفضائل باب ( طيب عرقه ‪ ) ‬أنه عليه الصالة و‬
‫السالم كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست هى فى البيت ’ فجـاء ذات‬
‫يوم فنام على فراشها ’ فجاءت أم سليم وقد عرق رسول اهلل ‪ ‬واستنقع عرقه علـى‬
‫قطعة أديم على الفراش ففتحت عتيدها فجعلت تنشف ذلـك العـرق فتعصـره فـى‬
‫قواريرها ’ فأفاق النبى ‪ ‬فقال: ما تصنعين يا أم سليم ؟ فقالت يا رسول اهلل : نرجو‬
                                                 ‫بركته لصبياننا ’ قال : أصبت )‬
‫ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين من استباق الصحابة إلى فضل وضوئه ‪ ‬و التبرك‬
                            ‫بالكثير من آثاره كألبسته و القدح الذى كان يشرب به .‬
‫فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية فكيف بالتوسل بمنزلته عند اللع عـز وجـل‬
                                           ‫وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين ؟‬
‫وال يذهبن بك الوهم إلى أننا نقيس التوسل على التبرك ’وأن المسألة ال تعدو أن تكون‬
‫استدالال بالقياس ’ فإن التوسل و التبرك كلمتان تدالن على معنى واحد وهو التمـاس‬
‫الخير و البركة عن طريق المتوسل به . وكل من التوسـل بجاهـه ‪ ‬عنـد اهلل و‬
‫التوسل بآثاره أو فضالته أو ثيابه ’ أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق‬


                                      ‫53‬
‫التوسل الذى ثبت حكمه باألحاديث الصحيحة ’ وكل الصور الجزئية له يدخل تحـت‬
            ‫عموم النص بواسطة ما يسمى ب ( تنقيح المناط ) عند علماء األصول .‬
‫ولنكتف من تعليقنا على قصة هجرته ‪ ‬عند هذا القدر ’ لنتحدث بعـد ذلـك عـن‬
        ‫األعمال الجليلة التى بدأ يقوم بها ‪ ‬فى المجتمع الجديد فى المدينة المنورة .‬
                             ‫أسس المجتمع الجديد‬
                         ‫األساس األول ( بناء المسجد )‬
‫لقد كانت هجرة الرسول ‪ ‬إلى المدينة ’ تعنى نشاة أول دار إسالم إذ ذاك على وجه‬
                                                  ‫ا‬
‫األرض ’ وقد كان ذلك إيذان ً بظهور الدولة اإلسالمية بإشراف منشئها األول محمـد‬
                                                                            ‫‪‬‬
‫ولذا فقد كان أول عمل قام به الرسول ‪ ’ ‬أن أقام األسس الهامة لهذه الدولة ولقـد‬
                            ‫كانت هذه األسس ممثلة فى هذه األعمال الثالثة التالية :‬
                                                                              ‫ً‬
                                                                ‫أوال : بناء المسجد‬
                                                                         ‫ً‬
               ‫ثانيا : المؤاخاة بين المهاجرين و األنصار خاصة و المسلمين عامة .‬
                                                                       ‫ا‬
‫ثالث ً : كتابة وثيقة ( دستور ) حددت نظام حياة المسلمين فيمـا بيـنهم ’ وأوضـحت‬
                        ‫عالقتهم مع غيرهم بصورة عامة و اليهود بصورة خاصة .‬
‫قلنا فيما مضى : إن ناقة رسول اهلل ‪ ‬بركت فى موضع كان لغالمين يتيمـين مـن‬
‫األنصار ’ وكان أسعد ابن زرارة قد اتخذه مصلى قبل هجـرة رسـول اهلل ‪ ‬الـى‬
‫المدينة ’ فكان يصلى بأصحابه فيه . فأمر رسول اهلل ‪ ‬أن يبنـى ذلـك الموضـع‬
                                                                     ‫ا‬
‫مسجدً ’ ودعا الغالمين - وكانا فى كفالة أسعد ابن زرارة رضى اهلل عنه - فسـام‬
‫رسول اهلل ‪ ‬فيه ’ فقاال بل نهبه لك يا رسول اهلل ’ فأبى رسول اهلل ‪ ‬حتى ابتاعـه‬
‫منهما بعشرة دنانير . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور قديمة لـبعض المشـركين’‬
           ‫ف‬
‫فأمر رسول اهلل ‪ ‬بالقبور فنبشت و بالنخل وبالشجر فقطعت ’ وصـ ّت فـى قبلـة‬
‫المسجد ’ وجعل طوله مما يلى القبلة الى مؤخرته مائة ذراع ’ وفى الجانبين مثل ذلك‬
‫أو دونه ’ ثم بنوه باللبن ’ وكان رسول اهلل ‪ ‬يباشر البناء مع أصحابه وينقل معهـم‬


                                       ‫63‬
‫الحجارة بنفسه ’ وجعل قبلته إلى بيت المقدس ’ وجعـل عمـده الجـذوع ’ وسـقفه‬
‫بالجريد ’ وقيل له : أال نسقفه ؟ فقال : ( عريش كعريش موسى : خشيبات وثمـام -‬
‫نبت ضعيف قصير - الشأن أعجل من ذلك ’أما أرضه فقد بقيت مفروشة بالرمال و‬
                                                                       ‫الحصباء .‬
‫وروى البخارى فى سنده عن أنس ابن مالك ’ أنه ‪ ‬كان يصـلى حيـث أدركتـه‬
‫الصالة فى مرابض الغنم ’ قال ثم إنه أمر ببناء المسجد ’ فأرسل الى مأل مـن بنـى‬
‫النجار فجاؤوا ’ فقال يابنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا ’ فقـالوا ال واهلل ال نطلـب‬
‫ثمنه إال الى اهلل ’ فقال أنس فكان فيه ما أقول لكم ’ : كانت فيـه قبـور المشـركين‬
‫وكانت فيه خرب ’ وكان فيه نخل . فأمر رسول اهلل ‪ ‬بقبور المشركين فنبشت ثـم‬
‫بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ’ قال فصفوا النخل قبلـة المسـجد قـال : وجعلـوا‬
‫عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول اهلل ‪ ‬معهـم وهـو‬
                  ‫يقول : اللهم ال خير إال خير اآلخرة فانصر األنصار و المهاجرة .‬
‫وقد ظل مسجد رسول اهلل ‪ ‬على هذا الشكل دون أى زيادة أو تغيير فيه مدة خالفـة‬
‫أبى بكر رضى اهلل عنه ’ ثم زاد فيه عمر رضى اهلل عنه بعض التحسين ’ ولكنه بناه‬
                 ‫ا‬
‫على بنائه فى عهد الرسول ‪ ‬باللبن و الجريد وأعاد عمده خشب ً . ثم غيره عثمـان‬
‫رضى اهلل عنه فزاد فيه زيادة كبيرة ’ وبنى جداره بالحجارة المنقوشـة و القصـة (‬
                                                                       ‫الجص ) .‬
                                ‫العبر و الدالئل :‬
                             ‫بأخذ من هذا الذى ذكرناه دالئل هامة نجملها فيما يلى :‬
                  ‫0- مدى أهمية المسجد فى المجتمع اإلسالمى و الدولة اإلسالمية :‬
‫فقد أقبل رسول اهلل ‪ ’ ‬بمجرد وصوله الى المدينة واستقراره فيها على إقامة مجتمع‬
‫إسالمى متماسك راسخ ’ يتألف من هؤالء المسلمين : المهاجرين و األنصار الـذين‬
‫جمعتهم المدينة المنورة ’ فكان أول خطوة قام بها فى سبيل هذا األمر ’ بناء المسـجد‬
                                                                                ‫.‬


                                       ‫73‬
‫وال غرو وال عجب ’ فإن إقامة المسجد أول وأهم ركيزة فى بناء المجتمع اإلسـالمى‬
‫’ ذلك أن المجتمع اإلسالمى إنما يكتسب صفة الرسوخ و التماسـك بـالتزام نظـام‬
            ‫اإلسالم وعقيدته و آدابه ’ وإنما ينبع ذلك كله من روح المسجد ووحيه .‬
‫إن من نظام اإلسالم وآدابه شيوع آصرة األخوة و المحبة بين المسلمين ’ ولكن شيوع‬
             ‫ا‬
‫هذه اآلصرة ال يتم إال فى المسجد ’ فما لم يتالق المسلمون يوميـ ً ’ علـى مـرات‬
‫متعددة فى بيت من بيوت اهلل ’ وقد تساقطت عما بينهم فـوارق الجـاه و المـال و‬
                        ‫االعتبار ’ ال يمكن لروح التآلف و التآخى أن تؤلف بينهم .‬
‫إن من نظام اإلسالم وآدابه ’ أن تشيع روح المساواة و العدل فيما بين المسلمين فـى‬
‫مختلف شؤونهم وأحوالهم ’ ولكن شيوع هذه الروح ال يمكن أن يتم مـا لـم يـتالق‬
                                               ‫ا‬     ‫ا‬
‫المسلمون كل يوم صف ً واحدً بين يدى اهلل عز وجل ’ وقد وقفوا على صعيد مشترك‬
‫من العبودية ’ وتعلقت قلوبهم بربهم الواحد جل جالله ’ ومهما أنصرف كل مسلم الى‬
‫بيته يعبد اهلل ويركع له ويسجد دون وجود ظاهرة االشتراك و االجتماع فى العبـادة ’‬
‫فإن معنى العدالة و المساواة لن يتغلب فى المجتمع على معـانى اأثـرة والتعـالى و‬
                                                                       ‫األنانية.‬
‫وإن من نظام اإلسالم وآدابه ’ أ، ينصهر أشتات المسلمين فى بوتقـة مـن الوحـدة‬
‫الراسخة يجمعهم عليها حبل اهلل الذى هو حكمه وشرعه ’ ولكن ما لم تقم فى أنحـاء‬
‫المجتمع مساجد يجتمع فيها المسلمون على تعلم حكم اهلل وشريعته ليتمسكوا بهما عـن‬
‫معرفة وعلم ’ فإن وحدتهم تؤول الى أشتات ’ وسرعان ما تفـرقهم عـن بعضـهم‬
                                                           ‫الشهوات و األهواء .‬
‫فمن أجل تحقيق هذه المعانى كلها فى مجتمع المسلمين ودولـتهم الجديـدة ’ أسـرع‬
                              ‫رسول اهلل ‪ ‬قبل كل شىء فبادر إلى بناء المسجد .‬
               ‫2- حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من األطفال و األيتام :‬
‫فقد استدل بعض الفقهاء وهم الحنفية بهذا الحديث على صحة تصرف غيـر البـالغ‬
‫ووجه الداللة على ذلك أن النبى ‪ ‬اشترى المربد من الغالمين اليتيمـين ’ بعـد أن‬


                                     ‫83‬
‫ساومهما ’ ولو لم يصح تصرفهما لما اشترى منهما ’ غير أن الذين ذهبوا الى عـدم‬
‫صحة تصرف غير البالغ سن الرشد- وهم جمهور الفقهاء- استدلوا بقول اهلل تعـالى‬
‫:( وال تقربوا مال اليتيم إال بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده) أما حديث شراء المربـد‬
                                                           ‫فيجاب عليه بجوابين :‬
‫أحدهما- أنه جاء فى رواية عيينة أن النبى ‪ ‬كلم عمهما الذى كانا فى حجره وكفالته‬
                        ‫وابتاعه منهما بواسطته فال حجة فيه لما ذهب إليه الحنفية .‬
‫ثانيهما - أن للنبى ‪ ‬والية خاصة فى مثل هذه األمور ’ وأنه عليه الصالة و السالم‬
                              ‫ا ا‬
‫إنما اشترى األرض منهما بوصف كونه ولي ً عام ً لجميع المسلمين ’ ال بوصف كونه‬
                                                                            ‫ً‬
                                                                     ‫فردا منهم .‬
                       ‫ا‬
‫3- جواز نبش القبور الدارسة : واتخاذ موضعها مسجدً إذا نظفت وطابت أرضها :‬
                                                       ‫ا‬
‫ذكر اإلمام النووى تعليق ً على هذا الحديث فقال : فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه‬
‫إذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصالة فى تلك األرض ’ وجـواز‬
                                                         ‫ً‬
                                        ‫اتخاذ موضعها مسجدا ’ إذا طيبت أرضه.‬
‫كما أن الحديث يدل على أن األرض التى دفن فيها الموتى ودرست ’ يجـوز بيعهـا‬
‫وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده إذا لم توقف ’ وقد قال علماء السـيرة‬
                              ‫ا‬
‫عن تلك القبور التى كانت فى المربد أنها كانت قبورً قديمة دارسة ’ فال يتأتى فيهـا‬
‫الصديد و الدم ’ ومع ذلك فقد نبشت وأزيل ما فيها من بقايا . قلت : ومحـل جـواز‬
                ‫ا‬                        ‫ا‬
‫نبش القبور الدارسة واتخاذ أرضها مسجدً ’ إذا لم تكن األرض وقف ً ’ أما إذا كانـت‬
                          ‫كذلك فال يجوز تحويلها إلى شىء آخر غير ما وقفت له .‬
                                     ‫4- حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها :‬
‫و التشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد فى قوة بنائه ومتانة سقفه‬
          ‫وأركانه ’ والنقش و الزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة .‬
‫فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه عامة العلماء ’ بدليل ما فعله عمر و عثمان رضـى‬
         ‫ا‬
‫اهلل عنهما من إعادة بناء مسجده عليه الصالة و السالم ’ وهو وإن كان شيئ ً لم يفعله‬


                                      ‫93‬
‫رسول اهلل ‪ ‬إال أنه لم يدل على المفهوم المخالف ’ أى المنع من التشييد و التقوية ’‬
‫إذ ال يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التى من أجلها شرع بناء المساجد’ بل إن فـى‬
          ‫ا‬
‫ذلك زيادة فى العناية واالهتمام بشعائر اهلل تعالى . واستدل العلماء أيض ً علـى ذلـك‬
‫بقوله تعالى :( إنما يعمر مساجد اهلل من آمن باهلل و اليوم اآلخر ) والعمارة إنما تكون‬
                                                 ‫بالتشييد وتقوية البناء و العناية به .‬
   ‫ر‬      ‫ر‬
‫وأما النقش و الزخرفة ’ فقد كرهها عامة العلماء ’ ثم هم فى ذلك بين مح ّم ومك ّه ’‬
‫غير أن الذين قالوا بالحرمة و الذين قالوا بالكرهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال‬
‫الموقوف لعمارة المساجد على شىء من الزخرفة و الـنقش ’ أمـا إذا كـان المـال‬
   ‫ال‬
‫المصروف على ذلك من البانى نفسه فيرد الخالف فيه ’ وقد ذكر الزركشى نق ً عن‬
                      ‫ر‬
‫اإلمام البغوى أنه ال يجوز نقش المسجد من غلة الوقف ’ ويغ ّم القيم إن فعله ’ فلـو‬
                                     ‫فعله رجل بماله كره ألنه يشغل قلب المصلين .‬
                     ‫والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة و النقش واضح .‬
‫فاألول كما قلنا ال يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التى من أجلها شرع بناء‬
                                        ‫ال‬
‫المسجد ’ أما الزخرفة و النقش فإن ك ً منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمـة ’ إذ‬
‫من شأنه صرف قلب المصلين عن الخشوع و التدبر وشغله بمظاهر الـدنيا ’ علـى‬
‫حين أنه يقصد من الدخول فى المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البـال‬
                                                             ‫من زينتها و مغرياتها .‬
          ‫ن‬
‫وهذا ما نبه إليه عمر رضى اهلل عنه حينما أمر ببناء مسجد فقال :( أك ّ الناس مـن‬
‫المطر وإياك أن تحمر أو تصفر ’ فتفتن الناس ) ’ وقد اختلف العلماء فى كتابة آيـة‬
               ‫من القرآن فى قبلة المسجد هل هى داخلة فى النقش الممنوع أم ال ؟ .‬
‫يقول الزركشى فى كتابه إعالم الساجد :( ويكره أن يكتب فى قبلة المسجد آيـة مـن‬
                                                              ‫ا‬
‫القرآن أو شيئ ً منه ’ قال مالك ’ وجوزه بعض العلماء ’ وقال ال بأس به ’ لما روى‬
       ‫من فعل عثمان ابن عفان ذلك فى مسجد رسول اهلل ‪ ’ ‬ولم ينكر ذلك عليه )‬



                                        ‫04‬
‫ومما ذكرناه يتبين لك خطا ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد و تشييدها‬
‫اليوم ’ حيث ينصرفون بكل جهودهم الى التفنن فى تزيينها ونقشها وإضفاء مختلـف‬
‫مظاهر األبهة عليها ’ حتى إن الداخل إليها ال يكاد يستشعر أى معنى من ذل العبودية‬
‫هلل عز وجل ’ وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من االفتخار بما ارتقى إليه فـن‬
                                    ‫الهندسة المعمارية ’ وفنون الزخرفة العربية .‬
‫ومن أسوأ نتائج هذا التالعب الشيطانى ببسطاء المسلمين ’ أن الفقـراء لـم يعـودوا‬
‫يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر اإلغراء الدنيوى إلى أى جهـة ’ لقـد كـان فـى‬
‫المساجد ما يعزى الفقير بفقره ’ ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى اآلخرة وفضلها‬
‫’ فأصبحوا يجدون حتى فى مظهر هذه المساجد ما يذكرهم بزخـرف الـدنيا التـى‬
                                           ‫حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره .‬
‫فياهلل ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران الحقائق اإلسالمية وانشغالهم بمظـاهر‬
                ‫كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء .‬
                    ‫األساس الثانى ( األخوة بين المسلمين )‬
‫ثم إن الرسول صلى اله عليه وسلم آخى بين أصحابه من المهـاجرين واألنصـار ’‬
‫آخى بينهم على الحق و المواساة ’ وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات ’ بحيث يكون‬
                          ‫أثر األخوة اإلسالمية فى ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم .‬
‫فجعل جعفر ابن أبى طالب ومعاذ ابن جبل أخوين ’ وجعل حمزة ابن عبـد المطلـب‬
‫وزيد ابن حارثة أخوين ’ وجعل أبا بكر الصديق رضى اهلل عنه وخارجة ابن زهيـر‬
‫أخوين ’ وعمر ابن الخطاب وعتبان ابن مالك أخوين ’ وعبد الرحمن ابن عـوف و‬
                                    ‫سعد ابن الربيع أخوين ................ وهكذا‬
‫ثم ربط النبى ‪ ‬هذا التآخى بين أفراد الصحابة بنطاق عام من األخوة و المـواالة ’‬
                                                            ‫كما سنجدها فيما بعد .‬
                                   ‫ا‬
‫وقد قامت هذه األخوة على أسس مادية أيض ً ’ وكان حكم التوارث فيما بيـنهم مـن‬
‫بعض هذه المظاهر المادية . وظلت عقود هذا اإلخاء مقدمة على حقوق القرابة الـى‬


                                      ‫14‬
‫موقعة بدر الكبرى ’ حيث نزل فى أعقابها قول اهلل تعالى :( وأولوا األرحام بعضـهم‬
‫أولى ببعض فى كتاب اهلل إن اهلل بكل شىء عليم ) فنسخت هذه اآلية ما كـان قبلهـا‬
‫وانقطع أثر المؤاخاة اإلسالمية فى الميراث ’ ورجع كل إنسان فى ذلك إلـى نسـبه‬
                                       ‫وذوى رحمه ’ وأصبح المؤمنون كلهم إخوة .‬
‫روى البخارى عن ابن عباس قال : كان المهاجرون حـين قـدموا المدينـة يـرث‬
                                                       ‫ى‬         ‫ى‬
‫المهاجر ّ األنصار ّ دون ذوى رحمة لألخوة التى آخى النبى ‪ ‬بينهم ’ فلما نزلت‬
‫:( ولكل جعلنا موالى ) نسخت ’ ثم قال :( والذين عاقدت أيمانكم ) أى من النصر و‬
                                             ‫الرفادة و النصيحة وقد ذهب الميراث .‬
                                 ‫العبر و الدالئل :‬
‫وهذا هو األساس الثانى الذى اعتمده الرسول ‪ ‬فى سبيل بناء المجتمع اإلسـالمى و‬
                ‫الدولة اإلسالمية ’وإن أهمية هذا األساس تظهر فى الجوانب التالية :‬
                                                                        ‫ال‬
‫أو ً: إن أى دولة ال يمكن أن تنهض وتقوم إال على أساس من وحدة األمة وتساندها ’‬
‫وال يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي و المحبة المتبادلة فكـل‬
‫جماعة ال تؤلف بينها آصرة المودة والتآخى الحقيقية اليمكن أن تتحد حول مبدأ مـا ’‬
  ‫وما لم يكن اإلتحاد حقيقة قائمة فى األمة أو الجماعة فال يمكن أن تتألف منها دولة .‬
                                          ‫ا‬                    ‫ا‬
‫على أن التآخى أيض ً البد أن يكون مسبوق ً بعقيدة يتم اللقاء عليها و اإليمـان بهـا ’‬
‫فالتآخى بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة لألخرى ’ خرافة ووهم‬
                                                                 ‫ا‬
‫’ خصوص ً إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين فـى‬
                                                                      ‫الحياة العملية .‬
‫ومن أجل ذلك ’ فقد جعل رسول اهلل ‪ ‬أساس األخوة التى جمع عليها أفئدة أصحابه‬
‫’ العقيدة اإلسالمية التى جاءهم بها من عند اهلل تعالى و التى تضع الناس كلهـم فـى‬
‫مصاف العبودية الخالصة هلل تعالى دون االعتبار ألى فارق إال فارق التقوى و العمل‬
‫الصالح ’ إذ ليس من المتوقع أن يسود اإلخاء و التعاون واإليثار بين أنـاس شـتتتهم‬
                                       ‫ا‬
               ‫العقائد و األفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملك ً ألنانيته وأثرته وأهوائه‬


                                        ‫24‬
                                                                    ‫ا‬
‫ثاني ً - إن المجتمع - أى مجتمع - إنما يختلف عن مجموعة ما من النـاس منتثـرة‬
‫مفككة ’ بشىء واحد ’ هو قيام مبدأ التناصر و التعاون فيما بين أشخاص هذا المجتمع‬
‫’ وفى كل نواحى الحياة و مقوماتها ’ فإ، كان هذا التعاون و التناصر قائما طبق نظام‬
‫العدل و المساواة فيما بينهم ’ فذلك هو المجتمع العادل السليم ’ وإن كان ذلـك قائمـا‬
                          ‫على الحيف و الظلم ’ فذلك هو المجتمع الظالم المنحرف .‬
‫وإذا كان المجتمع السليم إنما يقوم على أساس من العدالة فى االستفادة مـن أسـباب‬
     ‫الحياة و الرزق ’ فما الذى يضمن سالمة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه ؟‬
‫إن الضمانة الطبيعية و الفطرية األولى لذلك ’ إنما هى التآخى و التوادد يليها بعد ذلك‬
‫ضمانة السلطة و القانون ’ فما أرادت السلطة أن تحقق مبادىء العدالة بين األفراد ’‬
‫فإنها ال تتحقق ما لم تقم على أساس من المحبة و التآخى فيما بيـنهم ’ بـل إن هـذه‬
‫المبادىء التعدو أن تكون حينئذ مصدر أحقاد وضغائن تشيع بين أفراد ذلك المجتمع ’‬
‫ومن شان األحقاد و الضغائن أن تحمل على طيها بذور الظلم و الطغيان فـى أشـد‬
‫الصور و األشكال من أجل هذا إتخذ رسول اهلل ‪ ‬من حقيقة التآخى الذى أقامه بـين‬
                                                      ‫ا‬
‫المهاجرين و األنصار أساس ً لمبادىء العدالة االجتماعية التى قام على تطبيقها أعظـم‬
‫و أروع نظام اجتماعى فى العالم ’ ولقد تدرجت مبادىء هذه العدالة فيما بعد بشـكل‬
‫أحكام وقوانين شرعية ملزمة ’ ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على تلـك األرضـية‬
‫األولى ’ أال وهى األخوة اإلسالمية ’ ولوال هذه األخوة العظيمة التى تأسست بدورها‬
‫على حقيقة العقيدة اإلسالمية ’ لما كان لتلك المبادىء أى أثر تطبيقى وإيجابى فى شد‬
                                               ‫أزر المجتمع اإلسالمى ودعم كيانه .‬
                                                                         ‫ً‬
                               ‫ثالثا : المعنى التفسيرى الذى صاحب شعار التآخى :‬
‫لم يكن ما أقامه الرسول ‪ ‬بين أصحابه من مبدأ التآخى مجرد شـعار فـى كلمـة‬
‫أجراها على ألسنتهم ’ وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقـع الحيـاة وبكـل أوجـه‬
‫العالقات القائمة بين المهاجرين و األنصار ’ ولذلك جعل النبى ‪ ‬من هـذه األخـوة‬
‫مسؤولية حقيقية تشيع بين هؤالء األخوة ’ وكانت هذه المسؤولية تؤدى فيما بينهم على‬


                                       ‫34‬
‫خير وجه ’ وحسبنا دليال على ذلك ما قام به سعد ابن الربيع الذى كـان قـد آخـى‬
‫الرسول بينه وبين عبد الرحمن ابن عوف ’ إذ عرض على عبد الرحمن ابن عـوف‬
‫أن يشركه فى بيته وأهله وماله فى قسمة متساوية ’ ولكن عبد الرحمن ابـن عـوف‬
‫شكره وطلب منه أن يرشده الى سوق المدينة ليشتغل فيها ’ ولم يكن سعد ابن الربيـع‬
                                                                  ‫ا‬
‫منفردً عن غيره من األنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن ’ بل كان هذا شأن‬
                       ‫ا‬
‫عامة الصحابة فى عالقتهم وتعاونهم مع بعض ’ خصوص ً بعد الهجرة وبعد أن آخى‬
                                                             ‫النبى ‪ ‬فيما بينهم .‬
                       ‫ا‬                                          ‫ا‬
‫ولذلك أيض ً ’ جعل اهلل سبحانه وتعالى حق الميراث منوط ً بهذا التآخى ’ دون حقوق‬
‫القرابة و الرحم ’ فقد كان من حكمة هذا التشريع أن تتجلى األخوة اإلسالمية حقيقـة‬
‫محسوسة فى أذهان المسلمين ’ وأن يعلموا أن ما بين المسمين من التآخى و التحابب‬
                                                         ‫ا‬       ‫ا‬
‫ليس شعارً وكالم ً مجردين ’ وإنما هى حقيقة قائمة ذات نتائج اجتماعية محسوسـة‬
                                           ‫تكون أهم أسس نظام العدالة االجتماعية .‬
‫أما حكمة نسخ التوارث على أساس هذه األخوة ’ فيما بعد ’ فهى أن نظام الميـراث‬
                                                               ‫ا‬
‫الذى استقر أخيرً ’ إنما هو نفسه قائم على أخوة اإلسـالم بـين المتـوارثين ’ إذ ال‬
‫توارث بين دينين مختلفين ’ إال فى الفترة األولى من الهجرة وضعت كل من األنصار‬
‫و المهاجرين أمام مسئولية خاصة من التعاون والتناصر و المؤانسة ’ بسبب مفارقـة‬
              ‫ا‬
‫المهاجرين ألهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم فى مكة ونزولهم ضيوف ً علـى إخـوانهم‬
‫األنصار فى المدينة ’ فكان ما أقامه الرسول ‪ ‬من التآخى بين أفـراد المهـاجرين‬
‫واألنصار ضمانة لتحقيق هذه المسئولية ’ ولقد كان من مقتضى هـذه المسـؤولية أن‬
                     ‫يكون التآخى أقوى فى حقيقته وأثره من أخوة الرحم المجردة .‬
‫فلما استقر أمر المهاجرين فى المدينة وتمكن اإلسالم فيها ’ وغدت الروح اإلسـالمية‬
‫هى وحدها العصب الطبيعى للمجتمع الجديد فى المدينة ’ أصبح من المناسب انتـزاع‬
‫القالب الذى كان قد صب فيه نظام العالقة بين المهاجرين و األنصار إثر إلتقائهم فى‬
‫المدينة ’ إذ ال يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك و التميع فى ظل األخـوة‬


                                      ‫44‬
‫اإلسالمية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة ’ وال ضير حينئذ أن يعود‬
                     ‫ا‬     ‫ا‬
‫تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرً زائدً علـى قرابـة اإلسـالم‬
‫وأخوته . ’ ثم إن هذا التآخى الذى عقده رسول اهلل ‪ ‬بين المهاجرين واألنصار كان‬
                                                                       ‫ا‬
‫مسبوق ً بمؤاخاة أخرى أقامها النبى ‪ ‬بين المهاجرين فى مكة ’ قال ابن عبد البر :(‬
‫كانت المؤاخاة مرتين : مرة بين المهاجرين خاصة ’ وذلـك بمكـة ’ ومـرة بـين‬
                                                        ‫المهاجرين و األنصار ) .‬
‫وهذا ما يؤكد لنا أن مناط األخوة وأساسها إنما هو رابطة اإلسالم ’ غير أنها احتاجت‬
‫الى تجديد و تأكيد بعد الهجرة بسبب ظروفها و بسبب اجتماع المهاجرين و األنصـار‬
                                                                 ‫فى دار واحدة .‬
                                                    ‫ا‬
‫فهى ليست فى الحقيقة شيئ ً آخر غير األخوة القائمة على أساس جامعة اإلسالم ووحدة‬
                                  ‫العقيدة ’ وإنما هى تأكيد لها عن طريق التطبيق .‬
              ‫األساس الثالث ( كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم )‬
‫وهذا األساس هو أهم ما قام به النبى ‪ ‬مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديـدة‬
‫روى ابن هشام أن النبى ‪ ‬لم تمض له سوى مدة قليلة فى المدينة حتى اجتمـع لـه‬
‫إسالم عامة أهل المدينة من العرب ’ ولم يبق دار من دور األنصار إال أسلم أهلهـا ’‬
                          ‫ا‬
‫عدا أفراد فى قبيلة األوس ’ فكتب رسول اهلل ‪ ‬كتاب ً بين المهـاجرين و األنصـار‬
 ‫وادع فيه اليهود وعاهدهم ’ وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم .‬
‫وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب بدون إسناد ’ وذكره ابن خيثمة فأسنده : حدثنا أحمد‬
‫ابن جناب ابن الوليد ’ ثنا عيسى ابن يونس ’ ثنا كثير ابن عبد اهلل ابن عمرو المزنى‬
                                   ‫ا‬
‫عن أبيه عن جده أن رسول اهلل ‪ ‬كتب كتاب ً بين المهاجرين واألنصار ’ فذكر نحـو‬
‫ما ذكره ابن إسحاق ’ وذكر اإلمام أحمد فى مسنده فرواه عن سريج قال : حدثنا عباد‬
     ‫ا‬
‫عن حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبـى ‪ ‬كتـب كتابـ ً بـين‬
                                                 ‫المهاجرين و األنصار ...... الخ‬



                                      ‫54‬
‫ونحن لن نأت بنص الكتاب كله ’ فهو طويل ’ ولكننا نجتزىء منـه البنـود الهامـة‬
‫بنصوصها الواردة فى كتابه عليه الصالة و السالم ’ كى نقف من ورائها على مـدى‬
‫القيمة الدستورية للمجتمع اإلسالمى ودولته الناشئة فى المدينة ’ وهـذه هـى البنـود‬
                                       ‫مرتبة حسب ترتيبها فى نص الكتاب نفسه :‬
‫0- المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم و جاهد معهم ’ أمة واحدة من‬
                                                                         ‫دون الناس‬
                                                    ‫ا‬
‫8- هؤالء المسلمون جميع ً على اختالف قبائلهم يتعاقلون بينهم ’ ويفـدون عـانيهم‬
                                                 ‫بالمعروف و القسط بين المؤمنين .‬
                                               ‫ً‬
               ‫2- إن المؤمنين ال يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه فى فداء أو عقل .‬
‫6- إن المؤمنين المتقين ’ على من بغى منهم أو إبتغى دسيعه ظلم أو إثم أو عـدوان‬
                                    ‫ً‬
                ‫أو فساد بين المؤمنين ’ وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم .‬
                                                      ‫ً‬
                   ‫8- ال يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر ’ وال ينصر كافر على مؤمن .‬
‫4- ذمة اهلل واحدة ’ يجبر عليهم أدناهم ’ والمؤمنون بعضهم موالى بعض دون الناس‬
                                                                                  ‫.‬
   ‫ا‬
‫9- ال يحل لمؤمن أقر بما فى الصحيفة وآمن باهلل و اليوم اآلخر أن ينصر محدث ً أو‬
‫أن يؤويه ’ وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة اهلل و غضبه يوم القيامـة ال يؤخـذ‬
                                                             ‫منه صرف وال عدل .‬
                                  ‫9- اليهود ينفقون مع اليهود ما داموا محاربين .‬
‫7- يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين ’ لليهود دينهم ’ وللمسلمين دينهم ’ إال من ظلم‬
                                              ‫وأثم فإنه ال يوتغ إال نفسه وأهل بيته .‬
‫10- إن على اليهود نفقتهم ’ وعلى المسلمين نفقتهم ’ وإن بينهم النصر علـى مـن‬
                                                         ‫حارب أهل هذه الصحيفة .‬
‫00- كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ’ فإن مرده‬
                                           ‫الى اهلل عز وجل و إلى محمد رسول اهلل.‬


                                      ‫64‬
                  ‫80- من خرج من المدينة أمن ومن قعد أمن ’ إال من ظلم وأثم .‬
      ‫20- إن اهلل على أصدق ما فى الصحيفة وأبره ’ وإن اهلل جار لمن بر واتقى .‬
                                ‫العبر و الدالئل :‬
‫لهذه الوثيقة دالالت هامة تتعلق بمختلف األحكـام التنظيميـة للمجتمـع اإلسـالمى‬
                                                               ‫ونلخصها فيما يلى:‬
‫0- إن كلمة الدستور هى أقرب إطالق مناسب فى اصطالح العصر الحديث على هذه‬
‫الوثيقة ’ وهى إذا كانت بمثابة إعالن دستور فإنه شمل جميع ما يمكن أن يعالجـه أى‬
‫دستور حديث يعنى بوضع الخطوط الكلية الواضحة لنظام الدولة فى الداخل و الخارج‬
‫: أى فيما يتعلق بعالقة أفراد الدولة مع بعض ’ وفيما يتعلـق بعالقـة الدولـة مـع‬
‫اآلخرين . وحسبنا هذا الدستور الذى وضعه رسول اهلل ‪ ‬بوحى من ربه واسـتكتبه‬
‫أصحابه ’ ثم جعله األساس المتفق عليه فيما بين المسلمين وجيرانهم اليهود - حسـبنا‬
                                                                  ‫ال‬
‫ذلك دلي ً على أن المجتمع اإلسالمى قام منذ أول نشأته على أسس دستورية تامـة ’‬
‫وأن الدولة اإلسالمية قامت - منذ بزوغ فجرها - على أتم ما قد تحتاج إليه الدولـة‬
‫من المقومات الدستورية و اإلدارية ’ وظاهر ان هذه المقومات ’ أساس البـد منـه‬
‫لتطبيق أحكام الشريعة اإلسالمية فى المجتمع . ’ إذ هى فى مجموعها إنما تقوم على‬
‫فكرة واحدة األمة اإلسالمية وما يتعلق بها من البنود التنظيمية األخرى ’ وال يمكـن‬
‫أن نجد أرضية يستقر عليها حكم اإلسالم وتشريعه ما لم يقم هذا التنظيم الدسـتورى‬
‫الذى أوجده رسول اهلل ‪ ’ ‬على أنه فى الوقت نفسه جزء من األحكام الشرعية نفسها‬
‫. ومن هنا تسقط دعاوى أولئك الذين يغمضون أبصارهم وبصائرهم عن هذه الحقيقة‬
                                    ‫ا‬
‫البديهية ’ ثم يزعمون أن اإلسالم ليس إال دين ً قوامه ما بين اإلنسان وربه ’ وليس له‬
                                    ‫من مقومات الدولة و التنظيم الدستورى شىء .‬
‫وهى أحبولة عتيقة ’ كان يقصد منها محترفو الغزو الفكرى وأرقـاء االسـتعمار أن‬
‫يقيدوا بها اإلسالم كى ال ينطلق فيعمل عمله فى المجتمعات اإلسالمية ’ وال يصبح له‬
‫شأن قد يتغلب به على المجتمعات المنحرفة األخرى ’ إذ الوسيلة الى ذلك محصـورة‬


                                       ‫74‬
                    ‫ا‬                                  ‫ا‬
‫فى أن يكون اإلسالم دين ً ال دولة ’ وعبادات مجردة ال تشريع ً و قوانين ’ وحتى لـو‬
                                                            ‫ا‬
‫كان اإلسالم دين ً ودولة فى الواقع ’ فينبغى أن يتقلب فيصبح غير صالح لـذلك ولـو‬
                                                                  ‫بأكاذيب القول .‬
                                         ‫ا‬
‫غير أن هذه األحبولة تقطعت سريع ً ’ لسوء حظ أولئك المحترفين ’ وأصبح الحديث‬
                                   ‫عنها من لغو القول ومكشوف الحقد و الضغائن .‬
‫ولكن مهما يكن فينبغى أن نقول ’ ونحن بصدد تحليل هذه البنود العظيمة : إن مولـد‬
‫المجتمع اإلسالمى نفسه إنمكا كان ضمن هيكل متكامل للدولة ’ وما تنزلت تشـريعاته‬
‫إال ضمن قوالب من التنظيم االجتماعي المتناسق من جميع جهاته و أطرافه ’ وهـذه‬
                                                      ‫الوثيقة أكبر شاهد على ذلك .‬
‫وهذا مع غض النظر عن قيمة األحكام التشريعية نفسها من حيث إنها قطع و أجـزاء‬
       ‫إذا ضمت الى بعضها تكون منها تنظيم متكامل لبناء دستورى وإدارى عظيم .‬
‫8- إن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة التى اتسمت بها معاملة النبى ‪ ‬لليهـود ’‬
‫ولقد كان باإلمكان أن تؤتى هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين و اليهـود ’‬
‫لو لم يتغلب على اليهود طبيعتهم من حب للمكر و الغدر و الخديعة ’ فما هى إال فترة‬
                                                        ‫ا‬
‫وجيزة حتى ضاقوا ذرع ً بما تضمنته بنود هذه الوثيقة التى التزموا بهـا ’ فخرجـوا‬
‫على الرسول و المسلمين بألوان من الغدر و الخيانة سنفصل الحديث عنها فى مكانها‬
   ‫المناسب إن شاء اهلل تعالى ’ فكان المسلمون بذلك فى حل مما التزموا به تجاههم .‬
     ‫2- دلت هذه الوثيقة على أحكام هامة فى الشريعة اإلسالمية نذكر منها ما يلى :‬
                                                                           ‫ال‬
‫أو ً: يدلنا البند األول منها على أن اإلسالم هو وحده الذى يؤلف وحدة المسلمين وهو‬
‫وحده الذى يجعل منهم أمة واحدة ’ وعلى أن جميع الفوارق و المميزات فيما بيـنهم‬
          ‫ا‬      ‫ا‬
‫تذوب وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة ’ تفهم هذا جلي ً واضح ً فـى قولـه‬
‫عليه الصالة و السالم ( المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهـم وجاهـد‬
‫معهم ’ أمة واحدة من دون الناس ) وهو أول أساس البد منه إلقامة مجتمع إسـالمى‬
                                                                   ‫متماسك سليم .‬


                                       ‫84‬
                                                                         ‫ا‬
‫ثاني ً: يدلنا البند الثانى و الثالث على أن من أهم سمات المجتمـع اإلسـالمى ظهـور‬
‫ً‬
‫معنى التكافل و التضامن فيما بين المسلمين بأجلى صوره وأشـكاله ’ فهـم جميعـا‬
‫مسؤولون عن بعضهم فى شؤون دنياهم وآخـرتهم ’ وإن عامـة أحكـام الشـريعة‬
‫اإلسالمية إنما تقوم على أساس هذه المسؤولية ’ وتحدد الطرائق التنفيذية لمبدأ التكافل‬
                                                    ‫و التضامن فيما بين المسلمين .‬
                                                                          ‫ا‬
‫ثالث ً : يدل البند السادس على مدى الدقة فى المساواة بين المسلمين ال من حيث أنهـا‬
‫شعار براق للدعاية و العرض ’ بل من حيث إنها ركن من أركان الشـرعية الهامـة‬
        ‫ا‬
‫للمجتمع اإلسالمى ’ يجب تطبيقه بأدق وجه وأتم صورة ’ وحسبك مظهـرً لتطبيـق‬
‫هذه المساواة بين المسلمين ما قرره النبى ‪ ‬فى هذا البند بقوله :( ذمة اهلل واحـدة ’‬
                             ‫ا‬
‫يجير عليهم أدناهم ) ومعنى ذلك أن ذمة المسلم أي ً كان محترمة ’ وجواره محفوظ ال‬
                        ‫ا‬
‫ينبغى أن يجار عليه فيه ’ فمن أدخل من المسلمين أحدً فى جواره ’ فلـيس لغيـره‬
                                                            ‫ا‬          ‫ا‬
‫حاكم ً أو محكوم ً أن ينتهك حرمة جواره هذا ’ والمرأة المسلمة ال تختلف فـى هـذا‬
                                           ‫ا‬                 ‫ا‬
‫عن الرجل إطالق ً ’ فلجوارها - أي ً كانت - من الحرمة ما ال يستطيع أن ينتهكه أى‬
  ‫إنسان مهما علت رتبته وبلغت منزلته ’ وذلك بإجماع عامة العلماء وأئمة المذاهب .‬
‫روى الشيخان وغيرهما أن أم هانىء بنت أبى طالب ذهبت الى رسول اهلل ‪ ‬عـام‬
                                    ‫ى‬
‫الفتح فقالت : يا رسول اهلل زعم ابن أمى عل ّ أنه قاتل رجل أجرته : فالن ابن هبيرة‬
                           ‫’ فقال رسول اهلل ‪ : ‬قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء .‬
‫وتستطيع أن تتأمل هذا فتعلم مدى الرفعة التى نالتها المرأة فى حمى اإلسالم وظلـه ’‬
‫وكيف أنها نالت كل حقوقها اإلنسانية و االجتماعية كما نالها الرجل سـواء بسـواء ’‬
‫مما لم يحدث نظيره فى أمة من األمم غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المسـاواة‬
‫اإلنسانية الرائعة التى أرستها شريعة اإلسالم ’ والمظاهر التقليدية لها مما ينادى بـه‬
‫عشاق المدنية الحديثة اليوم ’ تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة علـى الفطـرة‬
          ‫ا‬        ‫ال‬     ‫ء‬
‫اإلنسانية األصيلة ’ يتوخى منها سعادة الناس كلهم نسا ً ورجا ً ’ أفرادً و جماعـات‬



                                       ‫94‬
‫’ وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسـلية ورفاهيـة‬
                     ‫للرجل على أوسع نطاق ممكن ’ دون أى نظر إلى شىء آخر .‬
                                                                         ‫ا‬
‫رابع ً : يدلنا البند الحادى عشر على أن الحكم العدل الـذى ال ينبغـى للمسـلمين أن‬
‫يهرعوا إلى غيره ’ فى سائر خصوماتهم و خالفاتهم وشؤونهم إنما هـو شـريعة اهلل‬
‫تعالى وحكمه وهو ما تضمنه كتاب اهلل تعالى وسنة رسوله ‪ ’ ‬ومهما بحثـوا عـن‬
‫الحلول لمشاكلهم فى غير هذا المصدر فهم آثمون ’ معرضون أنفسهم للشقاء فى الدنيا‬
                                                   ‫وعذاب اهلل تعالى فى اآلخرة .‬
‫تلك هى أربع’ أحكام انطوت عليها هذه الوثيقة التى أقام عليها رسول اهلل ‪ ‬الدولـة‬
‫اإلسالمية فى المدينة وجعلها منهاجا لسلوك المسلمين فى مجتمعهم الجديد ’ وإن فيها‬
                                                                        ‫ا‬
                            ‫ألحكام ً هامة أخرى ال تخفى لدى التأمل و النظر فيها .‬
‫ومن تطبيق هذه الوثيقة ’واالهتداء بما فيها ’ و التمسك بأحكامها ’ قامت تلك الدولـة‬
‫على أمتن ركن وأقوى أساس ’ ثم انتشرت قوية راسخة فى شرق العالم وغربه تقـدم‬
‫للناس أروع ما عرفته اإلنسانية من مظاهر الحضارة و المدنية الصحيحة .(( من فقه‬
                                                                 ‫السيرة للبوطي)‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫05‬
                          ‫إذنه ‪ ‬لمسلمي مكة بالهجرة‬

‫قال ابن إسحاق: فلما أذن اهلل تعالى له ‪ ‬في الحرب وبايعه هذا الحي من األنصـار‬
‫على اإلسالم والنصرة له ولمن اتبعه. وأوى إليهم من المسلمين أمـر رسـول اهلل ‪‬‬
‫أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينـة‬
‫والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من األنصار، وقال (إن اهلل عز وجل قد جعل لكـم‬
‫إخوانا ودارا تأمنون بها) فخرجوا أرساال، وأقام رسول اهلل ‪ ‬بمكة ينتظر أن يأذن له‬
                                     ‫ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة.‬
                                                                 ‫إصالح النفس أوال‬
‫على الداعية الواعي : أن يركز أوال _ ودائما _ وقبل كل شئ ، على : تزكية نفـس‬
‫المدعو ، وطهارتها ، وإصالحها ، وتحبيبها في المعروف ، وتنفيرها وتبغيضها فـي‬
                                                                        ‫كل منكر .‬
‫حيث إن إصالح النفس : مدخل إلى كل خير ، وطريق إلى كل نجـاح ، وهـو فـي‬
‫الوقت نفسه : غاية عزيزة المنال ، غالية الثمن ، تحتاج إلى : صدق العـزم ، وشـد‬
                                                           ‫الرحال ، وبذل الجهود .‬
‫وهذا : ما ركز عليه ، ولفت األنظار إليه ، وفعله ، النبي ‪ ‬مع وفد األنصار الـذين‬
‫قدموا عليه بمكة ، وبايعوه في العقبة . . حيث بايعهم ‪ ‬على ذلك في بيعـة العقبـة‬
‫األولى ، ثم بعد عام كامل ، سمت فيه أرواحهم ، وزكت نفوسهم ، وطهرت قلوبهم ،‬
‫وصلب عودهم ، وصاروا صالحين لتحمل أعباء الدعوة ومهامها ومشاقها : بـايعهم‬
 ‫‪ ‬على األمور التنظيمية التي تحتاج الدعوة إليها ، وال يتم نشرها وال نجاحها بدونها‬
‫يقول عبادة بن الصامت :" كنت فيمن حضر العقبة األولى وكنا أثنى عشـر رجـال ،‬
‫فبايعنا رسول اهلل ‪ ‬على بيعة النساء . . على : أن ال نشرك باهلل شيئا ، وال نسرق‬
‫، وال نزني ، وال نقتل أوالدنا ، وال نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنـا ، وال‬
‫نعصيه في معروف . . ثم قال : فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلـك شـيئا‬


                                        ‫15‬
‫فأخذتم بحده في الدنيا : فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة : فأمركم إلى‬
                              ‫اهلل عز وجل ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر " "48 "‬
                              ‫أما في بيعة العقبة الثانية ، بعد عام كامل من األولى .‬
‫فقد كانت البيعة : " على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقـة فـي العسـر‬
‫واليسر ، وعلى األمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في اهلل ال تخـافوا‬
‫في اهلل لومة الئم ، وعلى أن تنصروني وتمنعوني _ إذا قدمت عليكم _ مما تمنعـون‬
                             ‫منه أنفسكم ، وأزواجكم ، وأبنائكم ، ولكم الجنة " "98 "‬
‫وهذا درس من الهجرة في غاية األهمية : حيث إن النفس الطاهرة يجذبها نور الدعوة‬
‫وصفاؤها ، وتستعذب التضحية في دين اهلل تعالى بالنفس والنفيس ، مع الثبات - الذي‬
                                       ‫ال تهزه شدائد أو لذائد _ على طريق الحق .‬
‫وإغفال هذا الدرس : باإلهمال إلصالح النفس كلية ، وترك الحبل لها على الغارب ،‬
‫حتى تبعت جموع هذه األمة هواها ، وضلت سبيل رشدها ، وفقدت صالح حالهـا :‬
    ‫هو الذي ألقى بها في أوحال هذا التردي الذي تعانيه ، والتخبط الذي ترسف فيه .‬
‫وبسبب إغفال هذا الدرس ، وهذا اإلصالح : أصبحت هذه األمة : خاوية الوفاض من‬
‫كل ما يثبتها ، ويملؤها طمأنينة ، وصارت : ترتجف من كل ناعق ، وتتبع كل مضل‬
‫لها ، رغبا أو رهبا ، حتى سقط أصحاب هذا الزمان في قاع المسـتنقع البشـري ،‬
‫وغلبهم التخلف العالمي ، وصاروا _ إن كان لقدمهم موضع _ في ذيل قائمـة أهـل‬
‫الدنيا وسكانها ، وفقدوا مقومات النجاح ، وضاعت منهم مؤهالت الخيريـة ، ونـدت‬
‫عنهم أنوار الوسطية ، وعوملوا بال اكتراث ، بل عوملت حقوقهم بـاالفتراس ، إلـى‬
                                    ‫غير ذلك من ألوان الخسف والنكال واالنتقاص .‬
‫وإن إغفال هذا الدرس من الحركة اإلسالمية خاصة : بسبب االهتمام والتركيز علـى‬
‫األمور التنظيمية قبل إصالح النفس ، أو دون استمرار ومتابعة لتزكيتها ، أمر خطير‬
                 ‫النتائج ، تعاني منه الدعوات ، وتدفع الثمن _ حال إغفاله _ غاليا .‬



                                       ‫25‬
‫كما وأن األمور التنظيمية التي تحتاجها الدعوة ، وال تستمر إال بهـا ، ال يمكـن أن‬
‫تنجح ، وتؤدى على الوجه األكمل ، إال من متعبد هلل تعالى بها ، باحث عن مرضـاة‬
‫ربه عن طريق اإلخالص هلل تعالى في أدائها ، وال يؤديها على هذا النحـو :إال مـن‬
‫سمت روحه ، وزكت نفسه ، وأسعدته الجندية الحقه في سبيل نشر كلمة اهلل تعـالى ،‬
                                      ‫ورفع راية الدعوة ، وإعالء شأن المسلمين .‬
                           ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫35‬
                                 ‫اقرؤوا التأريخ‬

‫اسم الخطيب عبد الرحمن السديس إمام الحرم اسم المدينـة مكـة المكرمـة تـاريخ‬
                              ‫الخطبة(هـ) 9/0/2860 اسم المسجد المسجد الحرام‬
                                                                  ‫. الخطبة األولى‬
‫ً‬       ‫ا‬      ‫ا‬
‫أما بعد: فأوصيكم ـ عباد اهلل ـ ونفسي بتقوى اهلل، فمن رام خيرً غفيـرً، ورزقـا‬
      ‫ا‬      ‫ا‬                                               ‫ا‬     ‫ا‬        ‫ا‬
‫وفيرً، ومقام ً كبيرً، فعليه بتقوى اهلل، فمن حققها حقق في الدنيا مجدً أثيـرً، وفـي‬
                                                ‫ا‬             ‫ا‬
                                               ‫اآلخرة جنة وحريرً، وروحا وعبيرً.‬
‫أيها المسلمون، في ظل ازدالف األمة إلى عام جديد، وتطلعها إلى مسـتقبل مشـرق‬
‫رغيد، تبرز بجالء قضايا حولية، وموضوعات موسمية، جديرة باإلشـادة والتـذكير،‬
                             ‫ال‬                 ‫ل‬
‫وحفية بالتوقف والتبصير، عّها تكون محركا فاع ً يستنهض الهمم، ويشحذ العـزائم‬
‫لمراجعة الذات، وتدقيق الحسابات، وتحديد الرؤى والمواقف، وتقويم المسيرة، لتستعيد‬
‫األمة تأريخها المجيد، ومجدها التليد، وما امتازت به من عالمية فريـدة، وحضـارة‬
                  ‫ا‬                                                     ‫و‬
                 ‫عريقة، ب ّأتها في الطليعة بين أمم األرض قاطبة، واإلنسانية جميع ً.‬
‫معاشر المسلمين، إن قضية المناسبة تكمن في وقفة المحاسبة، فاستقبال األمـة لعـام‬
 ‫ا هي ا‬
‫جديد هو بمجرده قضية ال يستهان بها، وإن بدا في أنظار بعض المفتونين أمرً ِّن ً،‬
‫لطول األمل والغفلة عن صالح العمل، وإن في مراحل العمر وتقلبات الدهر وفجـائع‬
                                  ‫د ا‬             ‫ا‬
‫الزمان لعبرة ومزدجرً، وموعظة وم ّكرً، يحاسب فيها الحصيف نفسـه، ويراجـع‬
‫مواقفه، حتى ال يعيش في غمرة، ويؤخذ على غرة، ويكون بعد ذلك عظـة وعبـرة.‬
                         ‫ي‬                                      ‫أ‬
‫ولئن ُسدل الستار على عام مضى، فإن كل ماض قد ُسترجع إال العمر المنصـرم،‬
                                                       ‫ٌّ‬
                                            ‫فإنه نقص في األعمال، ودنو في اآلجال.‬
             ‫نسير إلى اآلجال في كل لحظة وأيامنا ُطوى وهن مراح ُ‬
             ‫ل‬             ‫ت‬
                 ‫ل‬                    ‫ً‬
                 ‫وإذا كان آخر العمر موتا فسواء قصيره والطوي ُ‬




                                       ‫45‬
‫فكم من خطوات مشيت، وأوقات صرفت، ومراحل قطعت، ومـع ذلـك فاإلحسـاس‬
                                                                      ‫ي‬
‫بمضّها قليل، والتذكر واالعتبار بمرورها ضئيل، مهما طالت مدتها وعظمت فترتها،‬
                                                         ‫ودامت بعد ذلك حسرتها.‬
‫إخوتي في اهلل، إن عجلة الزمن وقطار العمر يمضي بسرعة فائقة، ال يتوقـف عنـد‬
                                          ‫د‬
‫غافل، وال يحابي كل ذاهل، كم و ّعنا فيما مضى من أخ أو قريب، وكم فقـدنا مـن‬
        ‫ت‬     ‫ال‬                                            ‫ز‬
‫عزيز وحبيب، ه ّنا خبره، وفجعنا نبؤه، حتى إذا لم يدع صدقه أم ً شرق ُ بـالريق‬
                                                              ‫حتى كاد يشرق بي.‬
                                                  ‫أ‬
‫لقد كانوا زينة المجالس، وُنس المجالس، سبقونا إلى القبور، وتركوا عـامر الـدور‬
‫والقصور، فاللهم أمطر على قبورهم سحائب الرحمة والرضوان، واللهم ال تحرمنـا‬
‫أجرهم، وال تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، هلل ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنـده‬
                                                                    ‫بأجل مسمى.‬
‫فاهلل المستعان، وإلى متى الغفلة يا عباد اهلل؟! ماذا ران على قلوبنا؟! ومـاذا غشـي‬
                                              ‫ف‬
‫أبصارنا وبصائرنا؟! إن المو ّق الواعي من سعى إلصالح حاله ليسعد في مآله، وإن‬
                 ‫ق‬                                                       ‫الكي‬
‫ِّس الملهم من أدام المحاسبة وأكثر على نفسه المعاتبة، وتف ّد رصيده األخـروي،‬
                  ‫ُبو‬
‫وحاذر كل لوثة عقدية وفكرية وسلوكية ليحيى حياة السعداء، وي َّأ نزل الشهداء، وما‬
                                                ‫ذلك بعزيز على ذي المن والعطاء.‬
‫إخوة العقيدة، ما أحوج األمة اإلسالمية اليوم وهي تتفيأ ظالل عام جديد مليء بالتفاؤل‬
‫والتطلعات للخروج من الفتن والمشكالت، وتجاوز العقبـات واألزمـات، ومواجهـة‬
                                              ‫التحديات والنكبات، أن تقرأ تأريخها.‬
                                             ‫ٌ‬
                             ‫اقرؤوا التأريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر‬
‫اقرؤوا التأريخ لتدركوا كيف كانت أحداثه العظام ووقائعه الجسام نقطة تحول كبرى،‬
‫ال في تأريخ األمة اإلسالمية فحسب، بل في تأريخ البشرية قاطبة، اقـرؤوا التـأريخ‬
                       ‫ا ي‬       ‫ا‬
‫اإلسالمي لتروا كيف كانت وقائعه العظيمة منعطف ً مهم ً غ ّر مجرى التأريخ اإلنساني‬
                                                                    ‫م‬
‫بر ّته، اقرئي ـ يا أمتي ـ تأريخك المجيد لتعلمي كيف أرست مصـادره وأحداثـه‬


                                       ‫55‬
                                 ‫س‬
‫مبادئ الحق والعدل واألمن والسالم، وكم ر ّخت وقائعه منذ ما يزيد علـى أربعـة‬
        ‫عشر قرنا من الزمان مضامين الحوار الحضاري الذي يتنادى به العالم اليوم.‬
‫أيتها اإلنسانية الحائرة، لتسلمي من األحكام الجزاف الجائرة، اقرئي تأريخ حضـارتنا‬
                                                               ‫تر‬
‫اإلسالمية، ل َ َيْ بأم عينيك كيف كفل اإلسالم حقوق اإلنسان بجدارة، أزال الطبقـات‬
                ‫ِن أ رمك ع د الله أ ق ك‬
‫والعنصريات، وألغى الفوارق والتمايزات، إ َّ َكْ َ َ ُمْ َن َ َّ ِ َتْ َا ُمْ [الحجرات:20]،‬
‫في وحدة تتضاءل أمامها االنتماءات العنصرية، واألواصر والعالقات الدنيويـة، بـل‬
                                                      ‫تضمحل بها كل دعاوى الجاهلية.‬
‫إخوة اإليمان، االرتباط التأريخي الوثيق، واالنتماء الحضاري العريق يؤكد أن لـيس‬
       ‫ا‬                         ‫ا‬                       ‫ا‬
‫غير العقيدة اإلسالمية جامع ً للعقد المتناثر، ومؤلف ً للشتات المتناكر، وناظمـ ً للـرأي‬
‫المتنافر، فهل تعي األمة ذلك بعد هذا التمزق المزري والتخلف المخزي والتيـه فـي‬
                                           ‫األنفاق المظلمة وسراديب الغواية المعدمة؟!‬
‫إنه ال درب سوى اإلسالم، وال إمام غير القرآن، وال نهج إال نهج سيد األنـام عليـه‬
‫الصالة والسالم، ألم تستيقن األمة بعد طول سبات أن التخلي عن العقيـدة والتسـاهل‬
‫بأمر الشريعة والتفريط في الثوابت والمبادئ والتقصير في المثل والقيم مآلـه شـقاء‬
‫المجتمعات، وانتقاض الحضارات، وهالك العباد، وخراب البالء، وطريـق البـوار،‬
‫وسبب االنهيار، وحلول التبار، وتحقق الدمار؟! فهل يدرك أصحاب الرأي والنظر في‬
‫األمة أن التحديات السابقة والمعاصرة وصور التصادم الحضاري والعـداء الثقـافي‬
                                                             ‫مرد‬
‫والفكري إنما ُّه إلى ثوابت عند الغير، ال يتحقق االنتصـار عليهـا إال بالتمسـك‬
‫ً‬        ‫ا‬                 ‫ا‬        ‫ا‬
‫بموروثنا الحضاري العريق الذي ينضح خيرً وسـالم ً للبشـرية، وأمنـ ً وإسـعادا‬
         ‫أقض‬                                           ‫ب‬
‫لإلنسانية في ُعد عن مسالك العنف واإلرهاب العالميـة، التـي َّـت مضـاجع‬
‫اإلنسانية، وهنا ينبغي أن يتنادى العقالء والمنصفون في العالم بإعالء القيم الحضارية‬
‫واألخالقية والمثل اإلسالمية واإلنسانية، والتأكيد على مبدأ الحوار الحضـاري، بـال‬
                                                                                     ‫تمي‬
                                                                      ‫ُّع وال انهزامية.‬



                                           ‫65‬
‫اقرؤوا التأريخ ـ أيها المنهزمون من بني جلدتنا ـ لتدركوا أن الحوار مـع اآلخـر‬
 ‫ا‬                                                          ‫ال‬      ‫ي‬
‫يجب أن ُبنى أو ً على اإلصالح من الداخل، حين تمتلئ النفوس محبة ومودة وحنان ً،‬
‫حينما توضع الكوابح المرعية، وترسم الضوابط الشرعية لحركة االنفتـاح الفكـري‬
                    ‫ه‬
‫والثقافي والتربوي واإلعالمي المتسارعة التي ال تعرف التم ّل، فقنوات وفضـائيات،‬
                     ‫ت‬
‫وتقانات وشبكات معلومات، واللهم حوالينا وال علينا. يجب أن ُعاد الثقة إلى الـذات،‬
                                                                               ‫ي‬
‫و ُعالج االنهزام النفسي لدى كثير من المعنيين في مجاالت التربية والثقافة واإلعـالم،‬
    ‫ال‬            ‫ن‬                   ‫ال‬           ‫عب‬
‫الذين لهثوا وراء عفن األمم، ُّوا منها طوي ً، فلم تغنهم ولم تغ ِ أمـتهم فتـي ً وال‬
                                                            ‫ا‬          ‫ا‬
‫نقيرً وال قطميرً، وهنا يتأكد تعزيز جانب الحسبة في األمة، حتى ال تغـرق سـفينة‬
                                                     ‫ب‬
‫المجتمع، كما يجب الذ ّ عن أهلها، وعدم الوقيعة بهم، وتضخيم هناتهم، والكف عـن‬
‫التمادي في اتهامهم، والطعون في أعراضهم، فـي وشـايات مأفونـة، أو مقـاالت‬
        ‫مغرضة، أو أقالم متشفية، فأي شيء يبقى لألمة إذا انتقصت معالم خيريتها؟!‬
‫أمة اإلسالم، حينما تتقاذف سفينة األمة أمواج الفتن فإن قوارب النجـاة وصـمامات‬
                   ‫ي‬
‫األمان مرهونة بوالء األمة لدينها وتمسكها بعقيدتها، وحينما ُجيل الغيور نظره فـي‬
‫واقع أجيال من المنتسبين إلى أمتنا اليوم، ويرى التبعية واالنهزاميـة أمـام تيـارات‬
‫العصر الوافدة ومبادئ المدنية الزائفة، ويقارن بينهم وبين جيلنا التأريخي الفريد يدرك‬
‫كم كانت وقائع تأريخنا المشرق الوضاء وحوادث سيرتنا العطرة سببا في عزة األمـة‬
                                          ‫تنك‬
‫وكرامتها، وبذلها وتضحياتها، وإن ُّر فئام من األمة لمبادئ ديـنهم ولهـثهم وراء‬
 ‫ر‬          ‫ب‬
‫شعارات مصطنعة ونداءات خادعة لهو األرضية الممهدة للعدو المتر ّص، مما جـ ّأ‬
‫علوج صهيون على العبث بمقدسات األمة وممارسة إرهاب الدولة بكل ما تحمله مـن‬
‫معنى الصلف والوحشية ضد إخواننا في األرض المباركة فلسطين تحت سمع العـالم‬
                                                                          ‫وبصره.‬
‫كما أن من الدروس المستفادة لتحقيق مصالح األمة جواز عقد المعاهدات والمهادنات،‬
                                                          ‫ال االستسالم والمداهنات.‬



                                       ‫75‬
‫يا أمة التوحيد والتأريخ، في خضم هذه الظروف الحوالك، التي اختلطت فيها المسالك،‬
                                                                ‫ق‬
‫يتأمل ُراء التأريخ ويتساءلون: أين دروس الهجرة وعبرها مـن شـعارات العصـر‬
                               ‫ت‬
‫بإنسانيته الزائفة وديمقراطياته المزعومة التي ُحسب على دعاتها مغانم وعلى غيرهم‬
        ‫عب‬
‫مغارم، في غياب المنهجية الشورية المصطفوية؟! أين دروس التأريخ و ِ َر الهجرة‬
            ‫وأحل‬                     ‫ز‬
‫وأخوة المهاجرين واألنصار من أناس م ّقهم التفـرق والتشـرذم، ُّـوا العـداوة‬
                                          ‫س‬                     ‫ل‬
‫والخصام مح ّ المحبة والوئام، وتر ّبت في سويدائهم األحقاد، وتـأجج فـي قلـوبهم‬
‫سعير الحسد والبغضاء، والغل والشحناء، حتى تمزقت األواصر وساد التفكك األسري‬
                       ‫واالجتماعي في كثير من المجتمعات؟! فرحماك ربنا رحماك.‬
‫اقرؤوا التأريخ لتجدوا كم تحتاج العقيدة إلى دولة وسلطان ينافح عن كيانهـا، ويـذود‬
‫عن حماها، كما هي منة اهلل سبحانه على بالد الحـرمين ومـدارج الهجـرة وأرض‬
‫التأريخ والرسالة حرسها اهلل. أال فليتيقن دعاة اإلصالح في األمـة أن ال عقيـدة وال‬
‫تمكين إال بجماعة، وال جماعة إال بوالية، وال والية إال بسمع وطاعـة، لتـدرأ عـن‬
                         ‫األمة غوائل الشرور والفتن، وعاديات االضطراب والمحن.‬
‫وفي الميدان التربوي يجب أن يقرأ التربويون تأريخنا ليروا كيف تربى المرء المسلم‬
                          ‫عبر كافة قنوات التربية على نصرة العقيدة والوالء للقيادة.‬
                                                        ‫ب‬
‫وليقرأ التأريخ شبا ُنا المعاصر الذين خدع كثير منهم ببريق حضارة مادية، أفـرزت‬
‫غزوا في الصميم، تنكب من خالله كثير من شباب األمة طريـق الهدايـة الربانيـة،‬
‫وعاشوا صرعى حرب الشهوات، وضحايا غزوا التفرق والشبهات، ويبرز ذلك فـي‬
‫مجال التشبه والتبعية والتقليد والمحاكاة للغير في كثير من المجاالت، وقد قـال فيمـا‬
                            ‫أخرجه أحمد وأبو داود: ((من تشبه بقوم فهو منهم))[0].‬
       ‫عز‬                            ‫ة‬
‫لتقرأ التأريخ وتستلهم دروسه وعبره المرأ ُ المسلمة المعاصرة، لتدرك أن َّ المرأة‬
              ‫ا‬       ‫ا‬         ‫ا‬       ‫ا‬
‫ومكانتها في تمسكها بقيمها ومبادئها، حجاب ً وعفاف ً، احتشام ً وقـرارً، وأن وظائفهـا‬
‫ومسؤولياتها التربوية واألسرية واالجتماعية في األمة كبيرة التبعة، عظيمة الجوانـب‬
                                                          ‫واآلثار، ال كما يصو‬
‫ِّرها أعداؤها الذين يوحون إلى أوليائهم وموليـاتهم أن الحجـاب‬


                                       ‫85‬
‫والعفاف فقدان للشخصية، وسلب للحرية، فأخرجوها دمية تفتش عن سعادة موهومة،‬
‫وحرية مزعومة، كان من نتائجها دوس العرض والشرف، والعبث بالعفة والكرامـة،‬
                        ‫من ذئاب مسعورة ال ترعى الفضائل، وال تبالي باقتراف الرذائل.‬
‫تلك ـ أيها المسلمون ـ إلماحة عابرة إلى شيء من وقائع التأريخ ودروس السـيرة‬
                        ‫ُقد‬
‫وعبرها، تظهر في حدث الهجرة النبوية والتأريخ بها، ت َّم لألمة اليوم وهـي تعـيش‬
                                            ‫ل‬
‫مرحلة من أخطر مراحلها عّها تكون نواة لمشروع حضاري إسـالمي، يسـهم فـي‬
                ‫ا‬       ‫ا‬
‫صالح الحال، وتقويم المسار لسعادة المآل، ويمثل بلسـم ً شـافي ً لعـالج الحمـالت‬
‫اإلعالمية المسعورة وسهام الحقد الطائشة ضد ديننا وأمتنا وبالدنا، التي ما فتئ أعداء‬
‫اإلسالم يصوبونها تجاهنا مستغلين نقاط الضعف في األمة، متصيدين في الماء العكر‬
                                                                             ‫أخطاء بعض أبنائها.‬
‫أال ما أشد حاجتنا ـ ونحن نستشرف آفاق العام الهجري الجديد ـ إلى وقفات تأمـل‬
‫ومحاسبة، ومراجعة جادة الستثمار كل ما يعزز مسيرة أمتنا، لتزدلف إلى عام جديـد‬
                                                    ‫ء‬          ‫ا‬
‫وهي أكثر عزم ً وأشد مضا ً لفتح آفاق جديدة إلسـعاد اإلنسـانية لتتبـوأ مكانتهـا‬
‫الطليعية، ومنزلتها الريادية فوق هذا الكوكب األرضي الذي ينشد سكانه مبادئ الحـق‬
‫والعدل والسالم، ويرومون الخير واألمن والوئام، ولن يجدوه إال في ظـل اإلسـالم،‬
          ‫قيم‬                                        ‫د‬
‫وتعاليم اإلسالم، زا ُنا في ذلك موروث حضاري وتأريخي وعقدي و ِ َ ِي ال ينضب،‬
                              ‫مث‬                                          ‫م‬    ‫ٌ‬
                   ‫ونهل من ُعطيات العصر وتقاناته في خدمة دين األمة و ُ ُلها وقيمها.‬
‫واهلل المسؤول أن يجعل هذا العام عام خيـر وبركـة، ونصـر وتمكـين لإلسـالم‬
‫والمسلمين، وعام أمن وأمان وعدل وسالم لإلنسانية قاطبة، وأن يجمـع فيـه كلمـة‬
                                       ‫المسلمين على الحق والهدى، ويوح‬
‫ِّد صفوفهم، ويطهر مقدساتهم، وينصـرهم علـى‬
                   ‫ا‬                         ‫ا‬
‫أعدائهم، وأن يجعل حاضرنا خيرً من ماضينا، ومستقبلنا خيرً من حاضرنا، إنه خير‬
‫ن َ‬      ‫َالذ ن ج هد ف ن لن د َنه سبلن وِن الله ل ع م‬
‫مسؤول، وأكرم مأمول، و َّ ِي َ َا َ ُواْ ِي َا َ َهْ ِيَّ ُمْ ُ َُ َا َإ َّ َّ َ َمَـ َ الْ ُحْسِـ ِين‬
                                                                                  ‫[العنكبوت:74].‬



                                                 ‫95‬
‫بارك اهلل لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهـدى والبيـان، ورزقنـا‬
‫التمسك بسنة المصطفى من ولد عدنان، أقول قولي هذا، وأستغفر اهلل العظيم الجليـل‬
  ‫ِن رب لط ف لم‬
‫لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، األحياء منهم واألموات، إ َّ َّى َ ِيـ ٌ ّ َـا‬
  ‫و ت فر َبك ْ ث َّ ت ب ْ إل ِ إ َّ رب‬                       ‫ش ِنه هو عل م حك م‬
‫يَ َاء إ َّ ُ ُ َ الْ َِي ُ الْ َ ِي ُ [يوسف:110]، َاسْ َغْ ِ ُواْ رَّ ُم ُم ُو ُـوا َِيْـه ِن َّـى‬
                                                                                  ‫رح ٌ ود ٌ‬
                                                                        ‫َ ِيم َ ُود [هود:17].‬
                                                                   ‫_________________‬
‫[0] أخرجه أحمد (8/18)، وأبو داود في اللباس، باب: في لبس الشـهرة (0216)،‬
‫وعبد بن حميد (948)، والبيهقي في الشعب (8/89) من حديث ابن عمر رضي اهلل‬
‫عنهما، قال ابن تيمية كما في المجموع (88/022): "هذا حديث جيد"، وقال العراقي‬
‫في تخريج اإلحياء (0/082): "سنده صحيح"، وحسن إسناده ابن حجـر فـي الفـتح‬
                  ‫(10/098)، وصححه األلباني في حجاب المرأة المسلمة (ص610).‬
                                                                                  ‫الخطبة الثانية:‬
         ‫حمدً لك اللهم، أنت الملك القدوس السالم، تجري الليالي واأليـام، وتجـد‬
‫ِّد الشـهور‬                                                              ‫ا‬
‫واألعوام، أحمد ربي تعالى وأشكره على ما هدانا لإلسالم، وأشـهد أن ال إلـه إال اهلل‬
     ‫ا‬
‫وحده ال شريك له، جعل شهر المحرم فاتحة شهور العام، وأشهد أن نبينا محمدً عبـد‬
‫اهلل ورسوله سيد األنام، وبدر التمام، ومسك الختام، صلى اهلل وسلم وبـارك عليـه،‬
‫وعلى آله البررة الكرام، وصحبه األئمة األعالم، والتابعين ومن تبعهم بإحسـان مـا‬
                                                                          ‫تعاقب النور والظالم.‬
‫أما بعد: فاتقوا اهلل عباد اهلل، تمسكوا بدينكم، فهو عصمة أمركم، وتاج عزكم، ورمـز‬
‫قوتكم، وسبب نصرتكم، واعلموا أن خير الحديث كتاب اهلل، وخير الهدي هدي رسول‬
                                            ‫اهلل ، وشر األمور محدثاتها، وكل بدعة ضاللة.‬
‫أيها اإلخوة األحبة في اهلل، تعيشون ـ يا رعاكم اهلل ـ هذه األيام فاتحة شهور العـام‬
‫شهر اهلل المحرم، شهر من أعظم الشهور عند اهلل تبارك وتعالى، عظيمـة مكانتـه،‬
‫قديمة حرمته، هو غرة العام، وأحد أشهر اهلل الحرم، فيه نصر اهلل موسى والمـؤمنين‬


                                                ‫06‬
‫معه على فرعون ومن معه، وقد ندبكم نبيكم إلى صيامه، فقد قال فيما أخرجه مسـلم‬
‫في صحيحه: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر اهلل المحـرم))[0]، ال سـيما يـوم‬
‫عاشوراء، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: قدم النبي المدينـة،‬
‫فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء، فقال لهم: ((ما هذا اليوم الذين تصومونه؟)) قالوا:‬
‫هذا يوم عظيم أنجى اهلل فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصـامه موسـى‬
                                                                  ‫ا‬
‫شكرً، فنحن نصومه، فقال : ((نحن أحق بموسى منكم)) فصامه وأمر بصـيامه[8]،‬
‫وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي اهلل عنه أن رسول اهلل سئل عن صـيام يـوم‬
                   ‫عاشوراء، فقال: ((أحتسب على اهلل أن يكفر السنة التي قبله))[2].‬
‫اهلل أكبر، يا له من فضل عظيم، من مولى كريم ورب رحيم، وقـد عـزم علـى أن‬
                                                    ‫ة‬            ‫ا‬
‫يصوم يوم ً قبله مخالف ً ألهل الكتاب، فقال : ((لـئن بقيـت إلـى قابـل ألصـومن‬
   ‫ي‬
‫التاسع))[6]، قال العالمة ابن القيم رحمه اهلل: "فمراتب صومه ثالثة: أكملها أن ُصام‬
                                             ‫ي‬
‫قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن ُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر األحاديث، ويلي‬
                                               ‫ذلك إفراد العاشر وحده بالصيام"[8].‬
                 ‫ا‬                      ‫ء‬
‫فينبغي للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم اقتدا ً بأنبيـاء اهلل، وطلبـ ً لثـواب اهلل، وأن‬
                        ‫ً‬              ‫ة‬            ‫ا‬             ‫ا‬
‫يصوموا يوم ً قبله أو يوم ً بعده مخالف ً لليهود، وعمـال بمـا اسـتقرت عليـه سـنة‬
‫المصطفى ، وعليه فمن أراد الصيام هذا العام فاألفضل أن يصوم يوم السبت واألحـد‬
‫واالثنين، وإن صام السبت واألحد فهو السنة، وال بأس بصيام األحد واالثنين، ويليـه‬
                                                     ‫يوم األحد، وهو يوم عاشوراء.‬
                  ‫ح‬
‫وإن صيام ذلك اليوم لمن شكر اهلل عز وجل على نعمه، واستفتا ِ هذا العام بعمل من‬
               ‫ا‬                                 ‫ي‬
‫أفضل األعمال الصالحة التي ُرجى فيها ثواب اهلل عز وجل، فهنيئ ً للصائمين، ويـا‬
‫بشرى للمشمرين، ويا خسارة المفرطين، ويا ندامة المقصرين، فاتقوا اهلل عبـاد اهلل،‬
‫واستفتحوا عامكم بالتوبة واإلنابة، والمداومة على األعمال الصـالحة، وخـذوا مـن‬
         ‫ا‬        ‫د ا‬                              ‫ا‬
‫مرور الليالي واأليام عبرً، ومن تصرم الشهور واألعوام م ّكرً ومزدجـرً، وإيـاكم‬
                                                     ‫والغفلة عن اهلل والدار اآلخرة.‬


                                        ‫16‬
‫ثم صلوا وسلموا ـ رحمكم اهلل ـ على النبي المصطفى والرسول المجتبى والحبيـب‬
‫ا ِن الله ومل ئ َ ُ‬           ‫ال‬
‫المرتضى، كما أمركم بذلك المولى جل وعال فقال تعالى قو ً كريم ً: إ َّ َّ َ َ ََا ِكتَه‬
                   ‫ي َل َ عل الن ِ ّ َي الذ َ من ْ َل ْ عل ِ سلم ْ ل ً‬
     ‫ُصُّون ََى َّبى ياأُّهَا َّ ِين ءا َ ُوا صُّوا ََيْه وَ َّ ُوا تَسِْيما [األحزاب:48].‬
‫اللهم صل وسلم وبارك على سيد األولين واآلخرين وأفضل األنبياء والمرسلين نبينـا‬
                                                ‫محمد بن عبد اهلل وعلى آله األطهار...‬
                      ‫________________________________________‬
‫[0] أخرجه مسلم في الصيام، باب: فضل صوم المحرم (2400) من حـديث أبـي‬
                                                                  ‫هريرة رضي اهلل عنه.‬
‫[8] أخرجه البخاري في الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء (6118)، ومسـلم فـي‬
                                   ‫الصيام، باب: فضل صوم يوم عاشوراء (1200).‬
                                                ‫[2] أخرجه مسلم في الصيام (8400).‬
‫[6] أخرجه مسلم في الصيام، باب: أي يوم يصام في عاشوراء (6200) من حـديث‬
                                                           ‫ابن عباس رضي اهلل عنهما.‬
                                                               ‫[8] زاد المعاد (8/49).‬
                                ‫ــــــــــــ‬




                                           ‫26‬
                        ‫األفضل أن تستبدل الكلمة بـ(الهجرة)‬

                            ‫تاريخ الفتوى : ... 68 صفر 2860 / 91-81-8118‬
                                                                                 ‫السؤال‬
‫فقط أريد معرفة هل يعتبر قول (إن النبي هرب) إساءة وطعنا إن قصد فيهـا معنـى‬
‫الخروج من بطش الكفار فلقد قرأت ألحدهم هذه العبارة... وحق له أن يهـرب فقـد‬
‫هرب النبي صلى اهلل عليه وآله من المشركين وهاجر إلى المدينة... وهرب موسـى‬
‫عليه السالم من فرعون... ولم يكن يقصد بها اإلساءة بل وصف حال ولكن الـبعض‬
                                                      ‫كفره بسبب كلمته فهل بها إساءة؟‬
                                                                        ‫والسالم عليكم.‬
                                                                                 ‫الفتوى‬
                ‫الحمد هلل والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه أما بعد:‬
            ‫ا‬        ‫ا‬
‫فقول الشخص: خرج رسول اهلل ‪ ‬من مكة إلى المدينة هارب ً ليس ذم ً بإطالق، بـل‬
                                                                            ‫فيه تفصيل.‬
                                                ‫ا‬
‫فإن قصد القائل أنه خرج هارب ً نتيجة جبن وخور وفرار من تبليغ رسالة اهلل تعـالى‬
‫ومواجهة المشركين ونحو ذلك، فهذا كافر ألنه طعن في النبي ‪ ‬وتنقص، وهو كفـر‬
                                                                               ‫بإجماع.‬
                                   ‫ا‬
‫وإن كان قصد القائل أنه خرج بإذن اهلل وهرب ً من أذى قومه بعد اتفاقهم علـى قتلـه‬
‫ونحو ذلك، فال شيء عليه، واألولى تجنب هذه اللفظة الموهمـة، واسـتبدالها بلفـظ‬
                                                                                ‫الهجرة.‬
                                                   ‫ا‬
‫ويدل على أنه خرج مهاجرً بإذن اهلل ما أخرجه أحمد والترمذي والحـاكم والضـياء‬
‫وصححوه عن ابن عباس رضي اهلل عنهما قال: كان رسـول اهلل ‪ ‬بمكـة، فـأمر‬
‫ُ َب خ ن م َل ص ق وأ ر ن م رج ص ٍ‬
‫بالهجرة من مكة، وأنزل عليه (وَقلْ ر ِّ أَدْ ِلْ ِي ُدْخ َ ِدْ ٍ ََخْ ِجْ ِي ُخْ َ َ ِدْق‬
                                                  ‫و َ ْ ل م ْ د س ط ً نص ا‬
                                  ‫َاجْعل ِي ِن لَ ُنْكَ ُلْ َانا َ ِيرً) [اإلسراء:19] .‬


                                          ‫36‬
‫وروى ابن إسحاق والطبراني عن أسماء رضي اهلل عنها أن أبابكر رضـي اهلل عنـه‬
‫أستأذن رسول اهلل ‪ ‬في الخروج قبل المدينة، فقال له رسول اهلل صـلى اهلل عليـه‬
‫وسلم: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" ، فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بـأبي‬
                                                         ‫وأمي أنت؟ قال: "نعم..." .‬
                                     ‫ا‬
‫فهذا يدل على أن رسول اهلل ‪ ‬خرج مهاجرً بإذن اهلل وأمره، وال يتنافى هـذا مـع‬
                                                 ‫ا‬      ‫ا‬
‫القول بأنه خرج مطاردً خائف ً من قومه، كما يدل عليه ما رواه البخاري أن ورقة بن‬
                     ‫ا‬
‫نوفل قال للنبي صلى اهلل عليه وسلم: ليتني أكون فيها جذع ً، إذ يخرجك قومك، قال:‬
                                                                    ‫َّ‬
          ‫"أومخرجي هم؟!!" ، قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إال أوذي وأخرج...‬
‫وما أخرجه أحمد بسند صححه ابن حجر : أن النبي ‪ ‬قال لألنصار: لو شئتم قلـتم:‬
                                      ‫ال‬               ‫ا‬              ‫ا‬
‫"جئتنا خائف ً فآمناك، وطريدً فآويناك، ومخذو ً فنصرناك" ، فقالوا: بل المن علينـا هلل‬
                                                                          ‫ورسوله.‬
‫وقد تقرر في معتقد أهل السنة والجماعة أن الخوف الطبيعي مـن العـدو، واتخـاذ‬
                      ‫األسباب الواقية من شره ال يقدح في العقيدة، وال ينافي التوكل.‬
                                                                         ‫واهلل أعلم.‬
                                   ‫المفتي: ... مركز الفتوى بإشراف د.عبداهلل الفقيه‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫46‬
                           ‫جواز اإلفادة من المشركين‬

‫جواز اإلفادة من المشركين - وال نقول : االستعانة بالمشركين ؛ ألنه ال استعانة بغير‬
                      ‫اهلل تعالى - أمر واضح في الدروس الحركية للهجرة النبوية .‬
‫ففي البخاري : " . . . واستأجر رسول اهلل ‪ ‬وأبو بكر ، رجال من بنـي الـديل ،‬
‫وهو من بني عبد بن عدى ، هاديا ، خريتا _ والخريت _ الماهر بالهداية _ قد غمس‬
‫حلفا في آل العاص بن وائل السهمي ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه ، فدفعا إليه‬
    ‫راحلتيهما ، وواعداه غار ثور ، بعد ثالث ليال براحلتيهما ، صبح ثالث " " 60 "‬
‫ويالحظ جيدا : أن هذه االستفادة توافرت فيها أمور ينبغي أن ال تغيب عنا ، إذ هـي‬
                                                        ‫شروط البد من مراعاتها .‬
            ‫أ _ أن يكون المستفاد منه أوبه صاحب تخصص نادر ، ال يجيده مسلم .‬
                                   ‫ب _ أن يكون ماهرا في تخصصه ، خبيرا به .‬
    ‫ج _ أن ال يكون محاربا ، أو من قوم محاربين للمسلمين ، أو مظاهرا لمحارب .‬
‫د _ أن يكون أمينا ، حيث إن المسلم المخذل أو المرجف يمنع ، فالكافر غير المؤتمن‬
                                                                    ‫أولى بالمنع .‬
                                   ‫ه _ أن يكون حسن الرأي في المسلمين . " 49 "‬
‫ويبدو أن الطريق المتعرج الوعر غير المألوف الذي اختار النبـي ‪ ‬السـير فيـه‬
‫للهجرة تخفيا عن قريش وعيونهم ، ما كان يعرفه إال القلة القليلة ، وكان عبد اهلل بـن‬
‫أريقط من هذه القلة ، التي امتاز عنها بباقي الصفات المذكورة ، لذلك وقع االختيـار‬
                                                                           ‫عليه .‬
          ‫ويجرنا هذا الدرس النبوي إلى اإلشارة العاجلة ألنواع العالقات مع الكفار .‬
                                                            ‫وهي على هذا النحو :‬
                                             ‫( أوال ) : الموالة لهم والوالء معهم .‬
                                    ‫وهذا ممنوع منعا باتا ، ومحرم تحريما قاطعا .‬


                                       ‫56‬
‫يقول تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضـهم أوليـاء‬
‫بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن اهلل ال يهدي القوم الظـالمين ) إلـى أن يقـول‬
‫سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هـزوا ولعبـا مـن‬
               ‫الذين أوتوا الكتاب والكفار أولياء واتقوا اهلل إن كنتم مؤمنين ) " 99 "‬
                                               ‫( ثانيا ) : البر بهم واإلحسان إليهم .‬
                 ‫وهذا يتوقف على نوع معاملتهم للمسلمين ، وعالقتهم بهم . . فهم :‬
                                              ‫إما مسالمين غير محاربين للمسلمين .‬
‫وتتحدد عالقة المسلمين بهم ، في ضوء قوله تعالى ( ال ينهاكم اهلل عـن الـذين لـم‬
‫يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اهلل يحـب‬
                                                                ‫المقسطين ) " 99 "‬
                                                           ‫وإما محاربين للمسلمين .‬
‫وتتحدد عالقة المسلمين بهؤالء _ كذلك _ في ضوء قوله تعالى ( إنما ينهاكم اهلل عن‬
‫الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخـراجكم أن تولـوهم‬
                                          ‫ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) " 99 "‬
                                                          ‫( ثالثا ) : االستعانة بهم .‬
                                  ‫وهذه ممنوعة منعا باتا ، ومحرمة تحريما قاطعا .‬
                                      ‫حيث إنه ال استعانة بغير اهلل تعالى من جهة .‬
‫ومن جهة أخرى . . لحديث النبي ‪ ، ‬الذي روته عائشة ، قالت : " خرج رسـول‬
‫اهلل ‪ ‬إلى بدر ، حتى إذا كان بحرة الوبرة ، أدركه رجل من المشركين ، كان يذكر‬
‫منه جرأة ونجدة ، فسر المسلمون به ، فقال يا رسول اهلل ! جئت ألتبعك ، وأصـيب‬
‫معك ، فقال له رسول اهلل ‪ : ‬أتؤمن باهلل ورسوله ؟ قال : ال ، قال : فـارجع فلـن‬
                                                                   ‫أستعين بمشرك "‬
‫قالت : " ثم مضى رسول اهلل ‪ ، ‬حتى إذا كان بالبيداء ، أدركه ذلك الرجل ، فقـال‬
        ‫له رسول اهلل ‪ : ‬أتؤمن باهلل ورسوله ؟ قال : نعم ، قال : فانطلق " " 79 "‬


                                       ‫66‬
‫وكذلك : روى اإلمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن حبيب قال : أتيت رسـول‬
‫اهلل ‪ ، ‬وهو يريد غزوة ، أنا ورجل من قومي ، ولم نسلم ، فقلنا : إنا لنسـتحي أن‬
‫يشهد قومنا مشهدا ال نشهده معهم ، قال : أفأسلمتما ؟ قلنا: ال ، قال : فإنا ال نسـتعين‬
                  ‫بالمشركين على المشركين ، قال : فأسلمنا ، وشهدنا معه . " 19 "‬
‫قال ابن المنذر : والذي ذكر غير ذلك مما قد يدل على أنه ‪ ‬استعان بهـم ، فغيـر‬
                                                                     ‫ثابت . "09 "‬
‫ومما يجدر التنبيه عليه هنا : أنه إذا كانت االستعانة بالمشركين على المشـركين . .‬
‫ممنوعة شرعا ، فإن االستعانة بالمشركين على المسلمين أكد في المنع ، وأشـد فـي‬
                                                                          ‫الحرمة .‬
                                                 ‫( رابعا ) : اإلفادة من المشركين .‬
‫وهذه مباحة بالشروط السابق ذكرها وقد فعلها النبي ‪ ، ‬على ما سبق أن بـدأنا بـه‬
                                 ‫الحديث في هذا الدرس من دروس الهجرة النبوية .‬
‫وما فعله النبي ‪ ، ‬من استئجاره لعبد اهلل بن أريقط ، المشرك ، وإفادته به ومنـه :‬
‫يعد درسا عظيما ، يفتح المسلمين على آفاق المعرفة ، وألوان اإلفادة بأي شـئ ، أو‬
‫من أي مصدر كان ، ما دام ذلك بعيدا عن اإلضرار بالعقيدة ، أو االنتقاص من الدين‬
                                  ‫، ألن الحكمة ضالة المؤمن ، ينشدها أنى وجدها .‬
‫وهو درس يفتح الباب لإلفادة مـن منجـزات المشـركين واكتشـافاتهم العلميـة ،‬
       ‫وصناعاتهم ، واختراعاتهم ، التي تساعد على عمارة الكون ، والتمتع بما فيه .‬
‫وال يهم في هذه الحالة : من الذي أنجز أو اكتشف أو صنع ، ألن العلم _ كما يقولون‬
‫_ ال جنسية له بشرط : أن تكون هذه اإلفادة ، بعيدة عن اإلضرار بالعقيدة ، وسـالمة‬
          ‫من االنتقاص بالدين ، وغير مقعدة للمسلمين عن التفوق في هذه المجاالت .‬
‫وفي الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني قال : سئل رسول اهلل ‪ ‬عن قدور المجـوس ،‬
                                             ‫فقال : " انقوها غسال واطبخوا فيها " .‬



                                        ‫76‬
‫وفي رواية أخرى ، يقول فيها : أتيت رسول اهلل ‪ ، ‬فقلت : يا رسول اهلل ! ! إنـا‬
‫بأرض قوم أهل كتاب . . نأكل في آنيتهم . . ؟ قال : " إن وجدتم غير آنيتهم ، فـال‬
                          ‫تأكلوا فيها ، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها " . "89 "‬
‫ويقاس عليه : التعامالت التجارية ، والتبادالت المادية ، و . . . و . . . الـخ علـى‬
                                                            ‫نفس الشروط السابقة .‬
‫ومن المعلوم جيدا في هذا الموضوع : أن ال تكون لهذا المشرك السيادة على المسـلم‬
                         ‫إطالقا ، بل السيادة تكون للمسلم أمرا ونهيا ، بدءا وإنهاء .‬
      ‫والواضح من فعل النبي ‪ : ‬أن هذا الحكم في حال الضعف الشديد للمسلمين .‬
                ‫ومن هنا : فإنه في حال قوة المسلمين يكون العمل به أولى وأوجب .‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                       ‫86‬
                    ‫التأريخ بالهجرة النبوية اجتمع عليه الصحابة الكرام‬

                           ‫تاريخ الفتوى : ... 91 ربيع الثاني 6860 / 71-41-2118‬
                                                                                                 ‫السؤال‬
                                ‫ما هي مشروعية التاريخ الهجري في ضوء الكتاب والسنة؟‬
                                                                                                  ‫الفتوى‬
                    ‫الحمد هلل والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه أما بعد:‬
                                                                  ‫فقد سبق أن بينا في الفتوى رقم:‬
‫98848، أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي اهلل عنه أراد أن يؤرخ الرسائل‬
‫والكتب التي ترد إليه، فجمع الصحابة لهذا األمر وانتهوا إلى التأريخ بالهجرة النبويـة‬
‫وابتدئوا بالمحرم، ويكفي لمشروعية هذا العمل الجليل أنه من عمل الخليفـة الراشـد‬
‫عمر، وقد جاء األمر النبوي باتباع هدي الخلفاء الراشدين المهديين كما في الحـديث:‬
                    ‫فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. رواه ابن ماجه وأحمد.‬
 ‫ا‬             ‫ا‬
‫فالخلفاء الراشدون ال يصدرون إال عن هـدي النبـي ‪ ‬إمـا نصـ ً أو اسـتنباط ً،‬
‫وبخصوص عمر قال النبي صلى اهلل عليه وسلم: إن اهلل جعل الحق على لسان عمـر‬
                                    ‫وقلبه. رواه الترمذي، ومعنى جعل أي أجراه على لسانه.‬
‫ثم إن هذا العمل اجتمع عليه الصحابة وسار عليه التابعون وتابعوهم والمسلمون على‬
‫و ْ‬
‫امتداد تاريخهم، فالمخالف لهم المضلل لرأيهم على غير السبيل، قال اهلل تعالى: َمَـن‬
 ‫َل‬       ‫يش قق الرس ل م ب د م ت َين ه هد و َتب غ ر سب ل م من ن ن َله م‬
‫ُ َا ِ ِ َّ ُو َ ِنْ َعْ ِ َا َبَّ َ لَ ُ الْ ُ َى َيَّ ِعْ َيْ َ َ ِي ِ الْ ُؤْ ِ ِي َ ُوِّ ِ َـا تَـوَّى‬
                                                ‫ون له ج َنم س ء مص ا‬
‫َ ُصِْ ِ َهَّ َ وَ َا َتْ َ ِيرً [النساء:800]، وقال ابن مسعود: مـا رآه المسـلمون‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                            ‫حسن ً فهو عند اهلل حسن. رواه أحمد.‬
                                                                                             ‫واهلل أعلم.‬
                                             ‫المفتي: ... مركز الفتوى بإشراف د.عبداهلل الفقيه‬
                                      ‫ــــــــــــ‬


                                                   ‫96‬
                            ‫التبشير . . ال التخويف‬

‫على المسلم بعامة، وكل من انخرط في صف الدعوة إلـى اهلل بخاصـة ، أن يكـون‬
‫مبشرا ميسرا _ ال مخوفا معسرا _ يعد بفضل اهلل تعالى لمن أحسن ، ويرجو عفو اهلل‬
       ‫تعالى لمن تاب ألن فضل اهلل تعالى ال يحجبه أحد ، وعفو اهلل ال يملكه سواه .‬
‫يقول عبادة بن الصامت ، بعد أن ذكر بنود بيعة العقبة األولى : ثم قال رسول اهلل ‪‬‬
‫: " فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا ، فأخذتم بحده في الـدنيا : فهـو‬
‫كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة : فأمركم إلى اهلل ، إن شاء عـذب ، وإن‬
                                                               ‫شاء غفر " " 22 "‬
                                                ‫يا لعظمة هذا النبي . . ‪! ! . . ‬‬
                                                     ‫ويا لسماحة هذا الدين . . ! !‬
                                      ‫"وإن غشيتم من ذلك شيئا : فأمركم إلى اهلل "‬
‫الحظ أخي المسلم الكريم . . أن اإلشارة هنا " من ذلك " ال تعود على صـغائر مـن‬
‫الذنوب ، بل على ذنوب هي من الكبائر ، بل هي الكبائر ، ومع ذلك يقول الحبيب ‪‬‬
                                    ‫" فأمركم إلى اهلل إن شاء عذب وإن شاء غفر "‬
‫نعم . . من وفى : يبشره النبي ‪ ‬بفضل اهلل وإحسانه . . ومن خالف : أيضا يبشره‬
                                                     ‫النبي ‪ ‬بعفو اهلل وغفرانه .‬
                                                 ‫لم يهدد النبي ‪ ‬ويتوعد . . ! !‬
‫ولم يتشنج _ وحاشاه ‪ _ ‬ويرغى ويزبد ، ويوحي لسامعيه أنه العليم ببواطن األمور‬
                                     ‫، والقابض على مفاتيح العدل والفضل . . ! !‬
‫ولم يقل : " ومن غشي من ذلك شيئا : فليفارق دعوتنا ، وليتبع سبيال غير سـبيلنا ،‬
                                              ‫حيث إنه ال يصلح في صفوفنا "..!!‬
                                                      ‫ال . . لم يقل هذا وال ذاك .‬




                                      ‫07‬
‫بل أفصح بأدب الدعوة الرفيع ، وأخبر عن منهجها السمح ، وبين _ بكل وضـوح _‬
                                        ‫أن مفاتيح ذلك كله بيد اهلل سبحانه وتعالى .‬
‫وهو درس يجب أن يعيه شباب الصحوة اإلسالمية المباركة ، الذين اتخذ بعضـهم _‬
‫وهم قلة _ التخويف من عذاب اهلل تعالى فقط ، أو اإلكثار منه ، في إقناع اآلخـرين‬
‫بالطاعة هلل تعالى ، منهجا ، أو التشديد على أنفسهم ، أو غيرهم أسلوبا فـي الحيـاة‬
                                                                         ‫وطريقا .‬
‫ومن تصفح كتاب اهلل تعالى وجد هذا الدرس واضحا فيه بجـالء ، حيـث إن آيـات‬
‫الرحمة أكثر فيه من آيات العذاب ، وآيات البشارة أكثر من آيات اإلنذار ، بل إنه ما‬
                    ‫من آية عذاب أتت إال أعقبتها ، أو جاءت قريبا منها آية رحمة .‬
‫ومن يفعل غير ذلك ، وغير ما فعله النبي ‪ ، ‬يكون قد خالف شـرع اهلل تعـالى ،‬
‫وبعد عن سنة محمد ‪ ، ‬وتجرأ _ من فرط جهله _ على سماحة هذا الـدين ، وأدب‬
                                                                     ‫الدعوة إليه .‬
‫وينبغي أن يكون واضحا : أن ال يصل الداعية بهذا التيسير والتسهيل والتبشير ، حدا‬
‫يدفع اآلخرين إلى الجرأة على اهلل تعالى ، أو التسويف في القيام بأحكام هذا الـدين ،‬
                                            ‫أو الترخص _ بال دليل _ في بعضها .‬
‫بل عليه : أن يكون متوازنا _ أوال _ في سلوكه ، معتدال في تفكيره وعباداته ، يرجو‬
                                       ‫رحمة اهلل ، وفي نفس الوقت يخشى عذابه .‬
‫كما أن عليه : أن يكون متوازنا _ ثانيا _ في عرضه لمبادئ هذا الدين ، وفي الدعوة‬
‫إليه ، فيقدم الصورة كاملة ، بحيث ال يتعرض لجانب التخويف والعذاب ، وعـرض‬
‫صوره وأدلته فقط ، كما ال يتعرض لجانب الرجاء والعفو والثواب ، وعرض صوره‬
‫وأدلته فقط ، بل يتعرض لهذا وذاك ، دون إهمال ألحدهما كلية ، أو طغيان له علـى‬
           ‫اآلخر ، بل يلتزم المنهج الوسط ، والعرض األمين ، واألسلوب المعتدل .‬
                                               ‫ثم يترك النتائج هلل سبحانه وتعالى .‬
                             ‫ــــــــــــ‬


                                       ‫17‬
                       ‫التدابير العلمية في الهجرة النبوية‬

                                                ‫بقلم الدكتور نظمي خليل أبو العطا‬
‫من األمراض الخطيرة التي هدت كيان األمة اإلسالمية حالة االتكالية الغيبية الصوفية‬
‫التي بذرت في التربة اإلسالمية فوجدت نفوسا جاهلة غير قادرة على األخذ باألسباب‬
‫العلمية، كما ساعدت الجاهليات المتجذرة في نفـوس بعـض البلـدان التـي فتحهـا‬
‫المسلمون، هذه التوجهات الغيبية الجاهلة ساعدت تلك الجاهليات والنفوس الخبيثة على‬
‫تدعيم االتكالية الغيبية الخطيرة، فضاعت األمة، وهدمت حضـارتها العلميـة وحـل‬
‫محلها الحضارة االنهزامية التي دعت ما لقصير لقصير وما هلل هلل وأذكر أنني سافرت‬
‫في سفر طويل بالسيارة فوجدت العجب العجاب وجدت مهندسين ومعلمين لم يأخـذوا‬
‫باألسباب العلمية في تجهيز سياراتهم وكان السبب الرئيس في هذا المسلك العجيب هو‬
‫حالة االتكالية العجيبة، وخاصة اننا كنا سنمر على بيت اهلل الحرام ومسجد رسول اهلل‬
‫‪ ‬فظنوا أن هذا يسمح لهم بعدم األخذ باألسباب العلمية واالتكال على أنهم قاصـدون‬
‫البيت الحرام ومسجد المصطفى ‪ ‬وقال لي أحدهم تعطلت سـيارتي (بسـبب عـدم‬
‫صيانتها وصالحيتها للسفر الطويل)، فدعوت رسول اهلل فسارت السيارة، قلت له لقـد‬
‫أخطأت انك دعوت رسول اهلل صلى اهلل من دون اهلل، وأنك لم تأخذ باألسـباب، فـال‬
                                       ‫أظن أن هذا سبب إصالح السيارة وسيرها.‬
                       ‫الهجرة والتدابير النبوية العلمية :‬
‫بدأ التخطيط العلمي للهجرة بعرض النبي ‪ ‬نفسه على الوافدين إلى مكة وعقد بيعـة‬
‫العقبة األولى والثانية وبايعهم المصطفى ‪ ‬على السمع والطاعة في المنشط والكسل‬
‫والنفقة في العسر واليسر، وعلى األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأال تأخـذهم‬
‫في اهلل لومة الئم، وأن ينصروه ويمنعوه إذا قدم إليهم بمـا يمنعـون منـه أنفسـهم‬
                                                                      ‫وأزواجهم.‬



                                      ‫27‬
‫8 ـ أرسل المصطفى ‪ ‬مصعب بن عمير ليعلمهم وليمهد البيئة في المدينة المنورة‬
                                                  ‫لقدوم المصطفى ‪ ‬والمهاجرين.‬
‫2 ـ ألمح المصطفى ‪ ‬ألبي بكر بالهجرة قائال: " على رسلك فإني أرجو أن يـؤذن‬
                        ‫لي " وهنا استعد أبو بكر للصحبة وحبس نفسه على الهجرة.‬
‫6 ـ أمر جبريل رسول اهلل ‪ ‬ليلة الهجرة بأن يترك بيته هذه الليلة فقال : ال تبـت‬
      ‫هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وهذا قمة األخذ باألسباب الدنيوية.‬
‫8 ـ تجهيز البعيرين بعلفهما مدة كافية (أربعة أشهر) حتى يتحمال مشـقة السـفر و‬
                                                                   ‫وعورة الطريق.‬
‫ً‬                       ‫ً‬
                        ‫ا‬
‫4 ـ اختيار الدليل الخبير بالطريق حتى ولو كان كـافرَ، المهـم أن يكـون عالمـا‬
                                                                    ‫ا‬
‫بالطريق أمين َ، في سلوكه وأخالقه، وهذا ما أثبتته نتائج األحداث، فقد سار بهم الدليل‬
‫في طريق وعرة، بعيدة عن مدارك الكفار والمشركين، حيث استأجر المصـطفى ‪‬‬
                 ‫ً‬
‫وأبو بكر رجال من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا ـ والخريـت‬
‫الماهر في الهداية ـ فدفعا إليه راحلتيهما صبح ثالث وانطلق معهما عامر بن فهيـرة‬
                              ‫والدليل فأخذ بهم طريق الساحل كما ورد في البخاري.‬
              ‫ا‬
‫9 ـ دبر المصطفى ‪ ‬من يبيت في فراشه، فلم يترك الفراش خالي ً، حتى ال تبعـث‬
‫مكة في طلب النبي صلى عليه وسلم فور اكتشاف خروجه، حتى إذا اكتشـفوا ذلـك‬
‫َ‬
‫يكون المصطفى ‪ ‬قد دبر أمر نفسه، كما أختار المصطفى ‪ ‬لذلك رجال شـجاعا‬
                                          ‫ا‬      ‫ا‬      ‫ا‬      ‫ا‬
‫شابا فتيا قوي َ مخلص َ صادق َ شجاع ً، هو اإلمام علي رضي اهلل عنه، حتى ال يخـاف‬
‫من األعداء ويأتي بحركة مغايرة للمطلوب، وهكذا ظهرت العلمية في أعلى صـورها‬
                               ‫وأجل معانيها في التدابير السابقة والالحقة بإذن اهلل .‬
‫9 ـ خرج المصطفى ‪ ‬من بيته مقنعاَ في وقت الظهيرة حيـث الحـر والقيلولـة،‬
‫وهجوع الناس في ديارهم اتقاء الحر الهاجرة، ومن يعش فـي القـرى والصـحراء‬
                                    ‫يعرف خلو الطرقات من المارة في هذا الوقت .‬



                                       ‫37‬
‫7 ـ وعندما وصل المصطفى ‪ ‬إلى بيت أبي بكر قال له : (أخرج مـن عنـدك )‬
‫خوفا من وجود من ال يؤتمن على السر من الخدم والزوار وغيرهم، فقال أبـو بكـر‬
‫إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول اهلل وقد أثبتت النتائج صدق تصور أبي بكـر‬
                                                        ‫في أبنائه وحسن تربيتهم.‬
‫10 ـ تجهيز المأكل والمشرب والظهر وإعداده للرحيل ومشاركة أوالد أبي بكر في‬
                        ‫األمر ليستشعروا عظم العمل، ويعذروا والدهم لتركه إياهم .‬
‫00 ـ تجهيز الميزانية المالية المطلوبة للرحلة و مشاركة المصطفى ‪ ‬في تكـاليف‬
     ‫الراحلة وقول الرسول ‪( ‬بالثمن) عندما عرض أبو بكر عليه إحدى الراحلتين.‬
‫80 ـ تحديد مكان اللجوء السريع واالختفاء عن األنظار فلجأ المصـطفى ‪ ‬غـار‬
‫ثور، وقد حدد المصطفى ‪ ‬مدة ثالثة أيام لالختباء فيه حتى يهدأ الطلب مـن مكـة،‬
                            ‫وتكف عن المالحقة لقناعتها انها عاجزة عن اللحاق به.‬
‫20 ـ الخروج من الباب الخلفي لبيت أبي بكر، فلم يخرج من الباب الرئيس للبيـت‬
                                                                          ‫ا‬
                                                                          ‫ً‬
                                                       ‫إمعان َ في األخذ باألسباب.‬
‫60 ـ كتمان الخبر عن الجميع ما عدا آل أبي بكر وسيدنا علـي والـدليل وتوزيـع‬
                                                                   ‫المهام عليهم.‬
‫َ‬
‫80 ـ تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ومحل ثقته أن يتأتي بغنم أبي بكر لـيال‬
‫فيتزود الركب من حليبها ولحمها وتقوم بمحو آثار األقدام من الطريق المأهول إلـى‬
                                                                           ‫الغار.‬
‫40 ـ تكليف عبد اهلل بن أبي بكر بمهمة اإلعالم و التغطية الميدانية لكفار مكة، ونقل‬
    ‫صورة ميدانية حقيقية لما يدور في مكة على أن يأتي كل يوم بحصاده اإلخباري.‬
‫90 ـ عند الخروج من الغار اختار المصطفى صلى اهلل وسلم طريق الساحل، ولـم‬
                ‫يمض الركب في الطريق المعتاد وقد أثبتت النتائج حسن هذا التدبير.‬




                                      ‫47‬
‫90 ـ دخول " أبي بكر " أوال إلى الغار لتهيئته للقائد حتى ال يصاب بأذى، وهذا قمة‬
‫العلمية وما يفعله الرؤساء حاليا ألن الحفاظ على القيادة يحفظ المسيرة. أما أبو بكـر‬
                           ‫فهو فرد من المسلمين ال تموت الدعوة في مهدها بموته .‬
‫70 ـ أرسل اهلل العنكبوت لينسج خيطا ماديا إمعانا في األخذ باألسباب العلمية فـي‬
‫التخفية، وتعليما للمسلمين في التمويه واألخذ باألسباب المادية من نـواميس اهلل فـي‬
                                                                           ‫الخلق.‬
‫18 ـ تحييد أمر سراقة وتبشيره بأساور كسرى والتمكين مع إعطائه درسا ماديا في‬
‫اإليمان عندما ساخت أقدام فرسه في الرمال فكان أول النهار طالبا لرسول اهلل والفدية‬
                     ‫ا‬              ‫ا‬                   ‫ا‬
‫وفي آخر النهار مدافع َ ومخذال عنه، وصارف ً للكفار ومثبط ً لهم عن االستمرار فـي‬
                                                        ‫البحث عن المصطفى ‪. ‬‬
‫08 ـ عندما وصل المصطفى ‪ ‬إلى خيمة أم معبد وبيت المـرأة األخـرى طلـب‬
‫منهما شاة ليحلبها ويجلس على ضرعها، وهذا يؤكد أخذ الرسول ‪ ‬باألسباب المتاحة‬
        ‫من الكائنات الحية وتأكيد علمي عملي على أن الحياة ال تتولد إال من الحياة .‬
‫88 ـ تجنب المصطفى ‪ ‬مواطن العمالء فقصد بيتا متفردا عن الحي ولما أخبرتـه‬
‫المرأة بمكان عظيم القوم وأشارت عليه أن يذهب إليه لم يفعل ذلـك، وهـذا موقـف‬
‫علمي عملي فإن زعماء قريش قد أرسلوا إلى زعماء القبائل وأغروهم بمكافأة ماليـة‬
                     ‫من اإلبل إن هم أتوا برسول اهلل ‪ ‬بالحيطة والحذر ولم يذهب.‬
‫28 ـ لم يميز رسول اهلل ‪ ‬نفسه عن أبي بكر في اللباس والهيئـة حتـى أن أهـل‬
‫المدينة لم يفرقوا بينهما عندما وصال إليها، وفي هذا زيادة في عدم جـذب األنظـار‬
                                                        ‫للمصطفى ‪ ‬في الطريق.‬
‫هذه كانت بعض التدابير العلمية في الهجرة النبوية تثبت أن ديننا دين العلمية الواقعية‬
‫التجريبية، وأن ما يدعيه البعض من الصوفية أنهم تخطوا الحواجز المادية هو ضرب‬
‫من الجهل بماهية اإلسالم وواقعيته وعلميته وتسخير ونواميس اهلل في الخلق لصـالح‬
                                 ‫اإلنسان وباقي المخلوقات الحية في الكرة األرضية.‬


                                       ‫57‬
‫وهذا درس خاص لشباب المسلمين يعلمهم األخذ باألسباب العلمية في حياتهم الدراسية‬
‫واالجتماعية واالقتصادية والثقافية وعدم التواكل على أسباب لم يبذلوا جهدا فيها، وإذا‬
                                          ‫ة‬      ‫ة‬
‫فعلنا ذلك أصبحنا قادة خلقية تطبيق ً عملي ً في هذه الحياة الدنيا كما كان سلفنا الصالح‬
                                                                 ‫رضوان اهلل عليهم.‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫67‬
                             ‫التورية عند الضرورة‬

‫الكناية والتورية في اإلجابة على أسئلة األعداء أو الخصوم دون التصريح ، للحفـاظ‬
‫على الكليات الخمس ، أو واحدة منها _ وهي : النفس ، والدين ، والعرض ، والنسل‬
              ‫، والمال _ لنفسه ، أو لغيره : أمر ال يعد كذبا ، عند الضرورة لذلك .‬
‫وعدم استعمال هذا األسلوب - عند استشعار الحرج فيه ، أحيانا - قـد يـؤدى إلـى‬
                                                               ‫ضرر أفدح منه .‬
                                      ‫وهو درس واضح في سيرة النبي ‪ ‬بعامة .‬
       ‫كما هو واضح في الدروس التي تستفاد من هجرته ، ‪ ، ‬على النحو التالي :‬
‫ففي البخاري . . " عن أنس بن مالك رضي اهلل عنه قال : أقبـل نبـي اهلل ‪ ‬إلـى‬
‫المدينة ، وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر : شيخ يعرف ، ونبـي اهلل ‪ : ‬شـاب ال‬
                                                                        ‫يعرف .‬
‫قال : فيلقي الرجل أبا بكر ، فيقول : يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يـديك . . ؟‬
                                               ‫فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل .‬
‫قال : فيحسب الحاسب . . أنه إنما يعني الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير " . " 28 "‬
‫وليس صمت النبي ‪ ، ‬وإقراره لتورية أبا بكر هذه : هي المستند الشرعي فيها فقط‬
                                                             ‫، وإن كانت كافية .‬
‫بل : إن النبي ‪ _ ‬كما في طبقات ابن سعد _ كان قد قال له : " أله الناس عني " "‬
                                                                           ‫88 "‬
‫وهو درس جد عظيم . . حيث يبيح للمضطر _ ويرشده إلى _ وسيلة ينجو بهـا ، أو‬
‫يحمي بها غيره ، من الهالك أو اإليذاء ، وفي نفس الوقت يتيح له عدم الوقع تحـت‬
                                                                   ‫غائلة الكذب .‬
‫وليس هذا ترخصا في الدين ، أو استهانة بأحكامه ، أو تالعبا بتعاليمـه ، بـل هـو‬
‫التشريع الذي يحفظ النفس أو الدين ، أو العرض ، أو النسل ، أو المال للمرء ذاتـه ،‬


                                      ‫77‬
‫أو لغيره ، ممن تضطره الظروف واألحوال أن ال يفشي لهم سرا ، أو يذيع لهم خبرا‬
                   ‫، إذ يقول ‪ " ‬إن في المعاريض : لمندوحة عن الكذب " " 48 "‬
‫بل إن الذي يستفيد من هذا الدرس ، ويستعمله _ عند الضـرورات أو النـوازل _ ال‬
 ‫ينجو بنفسه ، أو يحمي غيره ، من ضرر محقق ، فقط : إنما يثاب على ذلك أيضا .‬
‫ففي حديث عبد اهلل بن عمر رضي اهلل عنه ، أن رسول اهلل ‪ ‬قال : " المسلم أخـو‬
‫المسلم ، ال يظلمه ، وال يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه : كان اهلل فـي حاجتـه ،‬
      ‫ومن فرج عن مسلم كربة : فرج اهلل عنه كربة من كربات يوم القيامة " " 98 "‬
‫كل ذلك : بشرط أن ال يكون كتمان هذا السر والتوريـة عنـه ، ال يسـبب ضـررا‬
‫للمسلمين _ أفرادا كانوا أو جماعات _ أو لبالدهم ؛ إذ آن دفع الضرر عنهم : أولـى‬
                                    ‫وأوجب من قدسية كتمان السر والتورية عنه .‬
‫حيث إنه ما صار سرا ، وال وجب التورية عنه إال خوفا مـن : كيـد األعـداء ، أو‬
                             ‫بطش الخصوم وإيذائهم للفرد أو للجماعة ، أو لألمة .‬
‫والمقصود من حفظ هذا السر أو التورية عنه _ كما هو معلوم _ حمايـة الـنفس أو‬
                       ‫الغير من أفراد المسلمين ، أو جماعاتهم ، أو األمة بأسرها .‬
‫إن الدعاة إلى اهلل : ال بد وأن يكونوا على قدر من الوعي والنباهة ، وحضور البديهة‬
‫، وحدة الذاكرة لدرجة تجعلهم يدركون حجم الخطر ، ويقدرون على خداع عـدوهم ،‬
‫واإلفالت من بين يديه ، أو النجاة من إيذائه ، وبطش طغيانه ، دون استعمال أسلوب‬
‫الكذب الصراح إال عند الضرورة القصوى ، التي ال تجدي فيها كناية ، وال تنفع فيها‬
                                                                 ‫تورية . " 98 "‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫87‬
                       ‫ً‬
          ‫الحكمة من استئجاره عليه الصالة والسالم دليال لطريق الهجرة‬

                         ‫تاريخ الفتوى : ... 91 رجب 2860 / 60-71-8118‬
                                                                          ‫السؤال‬
‫من الذي سار مع الرسول صلى اهلل عليه وسالم ليلة الهجرة هو وأبوبكر مـن هـذا‬
                                                                           ‫الرجل‬
                                                                           ‫الفتوى‬
               ‫الحمد هلل والصالة والسالم على رسول اهلل وعلى آله وصحبه أما بعد:‬
‫فإن هجرة رسول اهلل ‪ ‬مليئة بالدروس والعظات والعبر، وكذلك سيرته كلهـا؛ بـل‬
                                                                     ‫وحياته كلها.‬
             ‫فعلى المسلم أن يتعلم من ذلك ما يدعوه إلى محبته صلى اهلل عليه وسلم،‬
‫فإن ذلك واجب على المسلم، وال يكمل إيمانه حتى يكون رسول اهلل ‪ ‬أحب إليه من‬
                            ‫ولده ووالده والناس أجمعين، ومن نفسه التي بين جنبيه .‬
‫ففي الصحيحين عن أنس رضي اهلل عنه أن رسول اهلل ‪ ‬قال: "ال يؤمن أحدكم حتى‬
                                   ‫أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".‬
‫وفي هجرة رسول اهلل ‪ ‬كان بصحبته أبوبكر رضي اهلل عنه -كما أشـار السـائل-‬
                           ‫ا‬
‫وكان معهما عبد اهلل بن أريقط الدؤلي وكان مشرك ً ولكن رسـول اهلل ‪ ‬اسـتأجره‬
                                              ‫ا‬     ‫ً‬
                                             ‫ليدله على الطريق وكان خريتا ماهرً.‬
‫وبعض الروايات تقول: إن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر كـان بصـحبتهما وكـان‬
‫يخدمهما، وكان قد أسلم قبل ذلك، والمتأمل في هجرة رسول اهلل ‪ ‬وفي أخذه لكافـة‬
‫االحتياطات الالزمة يعلم أن المسلم يجب عليه أن يأخذ باألسباب ثم بعد ذلك يتوكـل‬
‫على اهلل تعالى، كما فعل الرسول ‪ ‬وقال ألبي بكر "ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما". رواه‬
                                     ‫ا‬
‫البخاري ومسلم، وكان بإمكانه أال يتخذ سبب ً وهو على يقين بأن اهلل ناصره، ولكنه ‪‬‬




                                       ‫97‬
‫مشرع ألمته فيبين لهم أنه البد من أخذ األسباب، ولهذا السبب استأجر ذلـك الرجـل‬
                                  ‫المشرك عبد اهلل بن أريقط ليدله على الطريق .‬
                                                                     ‫واهلل أعلم.‬
                                ‫المفتي: ... مركز الفتوى بإشراف د.عبداهلل الفقيه‬
                           ‫ــــــــــــ‬




                                    ‫08‬
                                 ‫الداعية المطارد‬

                                                            ‫الخطيب: عائض القرني‬
                                                                     ‫الخطبة األولى‬
                                                                           ‫أما بعد:‬
                         ‫د‬
‫فإن أصدق الحديث كتاب اهلل، وأحسن الهدي هدي محم ٍ ، وشر األمـور محـدثاتها،‬
                                                                  ‫ٍ‬
                        ‫وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضاللة، وكل ضاللة في النار.‬
‫أيها الجيل الموحد، يا حملة المبادئ، أيتها الكتيبة المقدسة: نقف هذا اليوم نحيي بملء‬
‫القلوب واألجفان واألسماع رسولنا ، نحييه في أول العام الهجري، وهو رجل الهجرة‬
‫األول، نعيش اليوم مع األطفال في أيام طرد هو من أطفاله، ونعيش اليوم منعمين في‬
‫الدور والقصور، في أيام شرد من دوره، ونعيش اليوم مرفهين سعداء، في أيام عاشها‬
               ‫هو كلها أسى، وكلها لوعة، يقدم رأسه وروحه من أجل ال إله إال اهلل.‬
                                                       ‫إنها الهجرة، وعنوان الخطبة:‬
                                                                 ‫(الداعية المطارد).‬
‫طارده أقاربه وأرحامه وأصهاره، فما سبب المطاردة؟ ألنه يحمل مبدأ اإلنقاذ، لمـاذا‬
‫طورد؟ أمن أجل أنه أتى لينهب األموال، ويسفك الدماء، ويحتل األراضـي، ويبتـز‬
‫المعطيات؟ ال.. من أجل أنه أتى لينقذ اإلنسان، ليخرج اإلنسان مـن الظلمـات إلـى‬
                                                                             ‫النور؟‬
‫هذا حديث الهجرة، أغلقت فئة أبوابها في وجه االبن البار، وأنذرته في خـالل أربـع‬
                                  ‫وعشرين ساعة أن يغادرها، وال يبقى في ساحتها.‬
‫عجيب.. ولد في ربوعها، ترعرع في تاللها، شرب ماءها، استنشق هواءها، وتقـول‬
                                                   ‫له مكة: اخرج، إلى أين؟ ال ندري.‬




                                       ‫18‬
                                                   ‫ا‬
‫وليتهم تركوه ليخرج سالم ً معافى، لكن يريدون أن يخرجون جثة، أو يحبسوه ويقيدوه‬
‫بالحديد، أو ينفوه من األرض : {وإذ يمكر بك الذين كفـروا ليثبتـوك أو يقتلـوك أو‬
                    ‫يخرجوك ويمكرون ويمكر اهلل واهلل خير الماكرين} األنفال:12.‬
                                                               ‫تخفى قبل أن يذهب.‬
     ‫تخفيت من خصمي بظل جناحه . *** . فعيني ترى خصمي وليس يراني‬
      ‫فلو تسأل األيام عني ما درت ... *** ... وأين مكاني ما عرفن مكاني‬
‫دخل في غرفة علي أو في بيته هو، وطوقه الكفرة الفجرة؛ ألنه يهدد مصالحهم التـي‬
            ‫بنيت على الظلم، وألنه يصادر شهواتهم، وألنه ال يطاوعهم في نزواتهم.‬
                                                ‫ً‬      ‫ً‬
‫إن أهل الباطل قديما وحديثا يرون في حملة المبادئ، وفي رواد الحق، خصماء علـى‬
‫طوال الطريق؛ ألنهم يقولون لهم: ال، في كل معصية، وفي كل شهوة، وفي كل نزوة،‬
‫طوقوا بيته بالسيوف المشرعة، وتحروا متى يخرج ليفتكوا به، وهنا تأتي الشـجاعة،‬
‫ليست الشجاعة التي يبديها الناس، من أجل أراضيهم ومزارعهم ومناصبهم، األنـوف‬
‫الحمراء التي تغضب للجيوب والبطون، السيوف المسلولة من أجل التراب والطـين،‬
‫أما محمد - عليه الصالة والسالم -، فيقدم رأسه من أجل مبدئه، يتحدى الشـمس أن‬
‫تهبط في يمينه، والقمر أن ينزل في يساره، واهلل لو نزلت الشمس ونزل القمـر، مـا‬
                ‫تزحزح خطوة واحدة، حتى تعلن ال إله إال اهلل أصالتها في األرض.‬
                                            ‫ال‬
‫طوقوه، وأتاه جبريل، أخبره قائ ً: الخصوم خارج البيت، يريدون قتلك، فيقـول: إن‬
               ‫اهلل معنا، هلل درك، وهلل در الشجاعة المتناهية، وهلل در الروح العالية:‬
    ‫يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا ... *** ... فضائح أين منها زندك الواري‬
   ‫الشمس والبدر في كفيك لو نزلت .. ** .. ما أطفأت فيك ضوء النور والنار‬
      ‫أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة ... *** ... يذوب في ساحها مليون جبار‬
‫فخرج من البيت بال سيف، وهم بالسيوف، وخرج بال رمح، وهم بالرمـاح والعـار،‬
‫وأخذ حفنة من التراب، فألقى اهلل النوم عليهم فناموا، وسقطت سيوف الخزي والعـار‬



                                       ‫28‬
‫من أيديهم، فخرج ونثر التراب والغبار على رؤوس الفجار، وهو يقول: {وجعلنا مـن‬
                                                 ‫ا‬             ‫ً‬
                  ‫بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدً فأغشيناهم فهم ال يبصرون} يس:7.‬
                           ‫ا‬            ‫ً‬
                          ‫نقف اليوم بعد هذا الحدث، بأربعة عشر قرنا لنأخذ دروس ً.‬
                                                                           ‫ال‬
‫أو ً: درس التوكل على اهلل، وتفويض األمر له، وصدق اللجأ، فال كافي إال اهلل، يقول‬
                 ‫ر‬                            ‫و‬
‫سبحانه على لسان أحد أوليائه: {وأف ّض أمري إلى اهلل إن اهلل بصي ٌ بالعباد * فوقـاه‬
     ‫و‬
‫اهلل سيئات ما مكروا} غافر:66-86. ويقول سبحانه وتعالى لرسـوله: {ويخ ّفونـك‬
                                                       ‫بالذين من دونه} الزمر:42.‬
         ‫وكل من دون اهلل فهو تحته ودونه وعبد له، فال قيمة له، وال وزن وال تأثير.‬
‫والناس اليوم يحملون صدق التوكل واالنتصار باهلل فـي أذهـانهم، ال فـي حيـاتهم‬
      ‫وتصرفاتهم، إنهم أجبن من كل شيء، وأجبن ما يكون عندما تهدد ال إله إال اهلل.‬
‫إن قضية الوظائف قد استعبدت البشر، والمناصب، والموائد، والجاهات، والشـارات؛‬
                                      ‫ا‬      ‫ً‬
‫إنها تستبعد الحر الشجاع، فتجعله ذليال جبان ً، ال يقول كلمة الحق (تعس عبد الـدينار،‬
                                                  ‫والدرهم، والقطيفة، والخميصة)0‬
               ‫ا‬      ‫ال ا‬                                             ‫ا‬
‫إن محمدً - عليه الصالة والسالم -؛ أراد أن يبني جي ً قوي ً شجاع ً، يقـدم الواحـد‬
‫منهم رأسه لمبدئه، وروحه لمنهجه، ولكن طال األمد وقست القلوب، وانطمس المنهج،‬
                                              ‫ا‬      ‫ء‬
‫وأصبحت األمة تعيش خوا ً عقدي ً، أخوف ما تكون من البشر، انظر إلـيهم، واهلل إن‬
‫البشر عندهم أخوف إليهم من رب البشر، فكم يخافون، كم يجبنـون، وكـم يصـيب‬
‫أحدهم الزلزلة والرعدة من تهديد بسيط يتعرض لوظيفتـه، أو لمنصـبه، أو لدخلـه‬
‫ً‬
‫ورزقه، وال يرزق إال اهلل، وال يخلق إال اهلل : {واتخذوا من دونه آلهة ال يخلقون شيئا‬
 ‫ا‬                  ‫ا‬                ‫ا‬         ‫ا‬
‫وهم يخلقون وال يملكون ألنفسهم ضرً وال نفع ً وال يملكون موت ً وال حياة وال نشورً}‬
                                                                       ‫الفرقان:2.‬
‫إن قصة الهجرة، يتجلى فيها التوكل، كأحسن ما يتجلى فـي أي صـورة وفـي أي‬
                      ‫ا‬
‫موقف. يدخل الغار، ويتكرر لنا حديث الغار، ونعيد دائمـ ً حـديث الغـار؛ ألن أول‬
‫التاريخ بدأ من الغار، والنور انبعث من الغار، فمن يمنعه - عليه الصالة والسالم -،‬


                                       ‫38‬
‫أين موكبه، أين أقواس النصر التي تحف الناس، أين الجنود المسـلحة التـي تحمـي‬
                             ‫ا‬          ‫ا‬
‫عظماء الناس وكبراءهم، وهم أقل خطرً وأقل شأن ً منه، ال جنـود، ال حراسـة، ال‬
                                                  ‫سالح، ال مخابرات، ال استطالع.‬
             ‫وإذا العناية الحظتك عيونها *** نم فالحوادث كلهن أمان‬
‫فيقول أبو بكر، يا رسول اهلل واهلل لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيتبسم عليه‬
‫الصالة والسالم، والتبسم في وجه الموت أمر ال يجيده إال العظماء، حتى يقول المتنبي‬
                                          ‫ً‬                       ‫ا‬
   ‫يمدح عظيم ً، ال يستحق أن يكون جنديا في كتيبة محمد - عليه الصالة والسالم -:‬
      ‫وقفت وما في الموت شك لواقف . ***. كأنك في جفن الردى وهو نائم‬
                 ‫ٌ‬
      ‫تمر بك األبطال كلمى هزيمة ... *** ... ووجهك وضاح وثغرك باسم‬
‫يتبسم - عليه الصالة والسالم - ويقول: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين اهلل ثالثهما)8 هـل‬
‫يغلب هؤالء الثالثة، أم تكون الدائرة على أعدائهم، إذا كان اهلل ثالثهما، فمن المغلوب؟‬
‫من هو الخاسر في الجولة؟ من هو المنهزم في آخر المعركة؟ ويقول عليـه الصـالة‬
                                                      ‫ا‬
‫والسالم، ألبي بكر مواسي ً له: (ال تحزن إن اهلل معنا)2 بعلمه - سـبحانه وتعـالى -‬
‫وهي معية الحفظ والتأييد والتسديد ألوليائه، المعية التي صـاحبت إبـراهيم - عليـه‬
‫السالم -، وهو يهوي بين السماء واألرض، في قذيفة المنجنيق إلى النار، فيقول لـه‬
                                                                  ‫ي‬
‫جبريل: ألك إل ّ حاجة؟ فيقول: أما إليك فال، وأما إلى اهلل فـنعم: حسـبنا اهلل ونعـم‬
                                                   ‫ا‬       ‫ً‬
                                                  ‫الوكيل، فكانت النار بردا وسالم ً.‬
‫والمعية التي صاحبت موسى راعي الغنم، الذي يحمل عصـاه، وال يجيـد اللغـة أن‬
‫ينطقها، ويدخل إيوان الظالم السفاك المجرم فرعون، حرس فرعون أكثر من ثالثـين‬
                                                                           ‫ا‬
‫ألف ً، الدماء تسيل في البالط الملكي الظالم، موسى يلتفت ويقول: يا رب: {إننا نخـاف‬
                                                ‫أن يفرط علينا أو أن يطغى} طه:8.‬
‫فيعلمه اهلل درس التوحيد والتوكل: {ال تخافا إنني معكما أسمع وأرى} طه:46. إننـي‬
‫معكما أسمع وأرى. نواصي العباد بيديه، رؤوس الطغاة في قبضته، مقاليـد الحكـم‬
                                             ‫بيمينه، ال يصرف متصرف إال بقدرته.‬


                                        ‫48‬
                                                              ‫ا‬
‫يطارد سراقة محمدً -عليه الصالة والسالم -، فال يلتفت، يقرأ القرآن وال يلتفت؛ ألن‬
                                ‫ا‬
‫اهلل معه، يدعو على سراقة، فيصبح سراقة مهددً بالموت فيقول: يا محمد، اكتب لـي‬
                                                    ‫ي‬                         ‫ا‬
                       ‫أمان ً على حياتي، أنت اآلن محم ّ، وأنا مهدد، باهلل ال تقتلني.‬
                                                                            ‫ّ‬
                                                 ‫فر من الموت، وفي الموت وقع!!.‬
  ‫س و‬
‫محمد - عليه الصالة والسالم - يتبسم، ويقول: (يا سراقة، كيـف بـك إذا ُـ ّرت‬
‫بسواري كسرى؟) أين كسرى؟! امبراطور فـارس، ديكتـاتوري الشـمال، المجـرم‬
                                         ‫ٌ‬
‫السفاك، فيضحك سراقة كأنه ضرب من الخيال، هذا يسـتولي علـى امبراطوريـات‬
                     ‫الدنيا!! هذا يلغى مملكة العالم!! وهو ال يستطيع أن ينجو بنفسه.‬
                                                               ‫د‬
    ‫وبالفعل تم ذلك، و ُكدك الظلم، وفتح الشمال، ورفرفت ال إله إال اهلل على اإليوان.‬
     ‫ما نازل الفرس إال خاب نازلهم . *** . وال رمى الروم إال طاش راميها‬
        ‫وخالد في سبيل اهلل مشعلها ... *** ... وخالد في سبيل اهلل مذكيها‬
       ‫وما أتت بقعة إال سمعت بها ... *** ... اهلل أكبر تسري في نواحيها‬
‫الثاني: من دروس الهجرة: أن اهلل يحفـظ أوليـاءه، نعـم يـؤذون، ويضـطهدون،‬
‫ويحبسون، ويقدمون رؤوسهم رخيصة هلل، ولكن ينتصرون، ألن العاقبة للمتقين: {إنـا‬
‫لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم األشهاد * يوم ال ينفع الظالمين‬
‫معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} غافر:08-88. والنتيجة الحتميـة، أنهـم هـم‬
‫المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل مهما انتفش، ومهما عال، ومهما كبر، فإنه‬
                                     ‫ء‬
‫كما قال سبحانه: {فأما الزبد فيذهب جفا ً وأما ما ينفع الناس فيمكـث فـي األرض}‬
‫الرعد:80. الباطل له صولة، والحق له دولة، والعاقبة للمتقين، وتكفل اهلل أن يحفـظ‬
‫دعائم هذا الدين، والمتمسكين به، والمنضوين تحت لوائه، فمهما تعرضـوا لـه مـن‬
     ‫ا‬
‫اإلساءات، واالضطهاد واإلقصاء، واالستخذاء، فإنه ال يزيـدهم إال إصـرارً علـى‬
                                                                    ‫ً‬
                                                              ‫مبادئهم، وشمما وقوة.‬
‫الثالث من دروس الهجرة: عالم التضحيات والبذل، تحقق في سيرته، عليـه الصـالة‬
‫والسالم، لكن ما فعلت أنا، وماذا فعل أنت لهذا الدين؟ ماذا قدمنا؟ ومحمد عليه الصالة‬


                                       ‫58‬
‫والسالم، شغله الشاغل، أنفاسه، خواطره، أفكاره، أمواله، أهله، روحه، هلل، يقول في‬
‫أحد مواقفه: (والذي نفس محمد بيده؛ لوددت أني أغزو في سبيل اهلل فأقتل، ثم أغـزو‬
                                                          ‫فأقتل، ثم أغزو فأقتل)6‬
                                                    ‫ا‬
‫هاجر من مكة مطرودً، أغلقت مكة أبوابها في وجهه، ووقف فـي حمـراء األسـد،‬
                                  ‫يخاطب مكة، فبينه وبين مكة كالم رقيق مشوق.‬

          ‫إذا تر ّلت عن قوم وقد قدروا ..... أال تفارقهم فالراحلون ه ُ‬
          ‫م‬                                                  ‫ح‬
          ‫م‬
          ‫يا من يعز علينا أن نفارقهم ....وجداننا كل شيء بعدكم عد ُ‬
‫يقول لمكة: (والذي نفسي بيده إنك من أحب بالد اهلل إلـى قلبـي، ولـوال أن أهلـك‬
‫أخرجوني منك ما خرجت)8 ثم تدمع عيناه ويذهب، بناته أمامه، يضربن، فال يستطيع‬
‫أن يدفع عنهن الظلم، يوضع السال على رأسه وهو ساجد فال يتحرك، وهم يضحكون،‬
‫ثم تأتي فاطمة - رضي اهلل عنها - فتلقي السال عن ظهره، فلما قضى رسـول اهلل -‬
‫‪ - ‬الصالة قال: (اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهـم‬
‫عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن‬
‫خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد). قال عبـد اهلل: فـواهلل لقـد رأيـتهم‬
                                                               ‫صرعى يوم بدر4‬
                                       ‫فصلى اهلل وسلم وبارك عليك يا رسول اهلل.‬
                                                                      ‫غ‬
‫تباع ُرفه في مكة، بعقد يتواله عقيل بن أبي طالب، أعمامه يكذبونه أمـام النـاس،‬
                                        ‫ا‬     ‫ا‬
‫يحثى التراب عليه، يطارد بعيدً بعيدً، يشج رأسه، ويدمى أصبعه، وتكسر رباعيتـه،‬
                                                                ‫فيصبر ويحتسب.‬
‫يريدون إغالق صوته، فيزداد الصوت، أقوى، وأعظم، وأعمق، وأأصل، فيصل إلـى‬
                                                    ‫المدينة فإذا الدنيا تتحدث عنه.‬
    ‫ولوال اشتعال النار فيما جاورت ... *** ... ما كان يعرف طيب نفح العود‬
        ‫وإذا أراد اهلل نشر فضيلة ... *** ... طويت أتاح لها لسان حسود‬


                                      ‫68‬
‫هكذا العظمة، وهكذا الريادة.. وينصت العالم له، ويسمعون كلمته، ويقويـه اهلل بجنـد‬
                                                     ‫من عنده، وتحف به المالئكة.‬
      ‫وقاتلت معنا األمالك في أحد ... *** ... تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا‬
                                                                          ‫ٌ‬
          ‫سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا ... *** ... إياك نعبد من سلسالها رشفوا‬
                                                                        ‫ً‬
‫إذا التضحية هكذا، أن تقدم دمك، ومالك، ودموعك، ووقتك لإلسـالم، وإال الركعـات‬
‫والتسبيحات، التي يمتن بها كثير من الناس، ولكنهم ال يحترقـون علـى الـدين وال‬
‫يغضبون النتهاك محارم إياك نعبد وإياك نستعين، فهؤالء ال يسـتطيعون أن يتقـدموا‬
                                  ‫معك خطوة، لنصرة ال إله إال اهلل، هذا عالم آخر.‬
‫الرابع من الدروس: ماذا قدمنا للعام الهجري المنصرم، ذهب من أعمارنا عام، مـات‬
‫فيه قوم، وعاش قوم، واغتنى قوم، وافتقر قوم، وتولى قوم، وخلع قوم، فمـاذا قـدمنا‬
‫لإلسالم؟ ولك أن تتعجب معي، وإن تعجب، فعجب فعلهم في هجـرة محمـد عليـه‬
        ‫ف‬
‫الصالة والسالم، أين هي الصحف الصباحية ؟ أين هي الشاشة؟ أين صح ٌ ال تحيي‬
                                                                        ‫ا‬
‫محمدً عليه الصالة والسالم، كتابها حسنة من حسناته، كتابها متطفلون على مائدتـه،‬
                                                ‫ق‬
‫كتابها أحرار لما أخرجهم من الر ّ؛ رق الوثنية والعبودية لغير اهلل، بالد ما أشـرقت‬
                 ‫ا‬     ‫ا‬
‫عليها شمس إال بدعوته، وال تحييه!! ال كلمة، وال عمودً صغيرً، وال زاوية تحيـي‬
                                    ‫ا‬
‫المصلح العظيم. واهلل لقد قرأت أخبارً عن كالب، حدثت لها وقائع ومصـائب فـي‬
                                                ‫ً‬
   ‫الغرب وترجموا لها، لكن محمدا - عليه الصالة والسالم -، ال يجد من يترجم له.‬
‫ونقول للكتبة وللمحررين وللنخبة المثقفة - كما تزعم - وألهل الكلمة، وألبناء الفكر،‬
                                              ‫ا‬
‫ال عليكم : {وإن تتولوا يستبدل قوم ً غيركم ثم ال يكونوا أمثالكم} محمد:92. ال عليكم‬
‫إن بخلتم بأقالمكم على محمد - عليه الصالة والسالم -، وعـال صـفحاتكم الفنيـة‬
                                      ‫ل‬
‫كواكب الفن وشموس الغناء، فعندنا جي ٌ اآلن، أعلن توجهه إلـى اهلل، جيـل كتـب‬
‫الهجرة بدموعه، وحفظ المسيرة بقلبه، وأصبح حب محمد عليـه الصـالة والسـالم،‬
‫يجري في دمه. عندنا جيل كعدد الذر، كلهم واهلل يتمنى اليوم قبل غد، أن يقتـل فـي‬
‫سبيل اهلل، من أجل مبادئ محمد - عليه الصالة والسالم -، هذا أثره - عليه الصالة‬


                                       ‫78‬
                             ‫ت‬
‫والسالم - علينا، وهذا موقفنا من دعوته ورسالته، ُبحث األفكار إال فكره!! وتـدرس‬
                          ‫المناهج إال منهجه!! ويتكلم عن الشخصيات إال شخصيته.‬
                                                  ‫ص‬
                 ‫ورأيت في صحيفة زاوية، خ ّصتها لألعالم والمشاهير ولوفياتهم.‬
‫إنهم مشاهير السفك والنهب في العالم؟ مشاهير القتل واإلبادة، واستخذاء الشعوب، أما‬
‫المحرر األول، أما إنسان عين الكون، أما الرجل الذي أصلح اهلل به األمة، فال كالم،‬
               ‫ا‬
              ‫وال ترجمة!! فبماذا يعتذر هؤالء أمامه - عليه الصالة والسالم - غدً.‬
‫وال يفهم فاهم، أو يزعم زاعم؛ أني أريد أن ننشئ له عيد هجرة، فاإلسالم ال يقر هذا،‬
‫وال عيد ميالد، فاإلسالم ال يؤمن بهذا، وال أن نجتمع في زوايا، وفي خاليـا، وفـي‬
‫جوانب، لنرقص كما يرقص المخذولون المتهوكون، بالنشيد والتصفيق، فتحيته ليست‬
                       ‫ا‬
‫هكذا. تحيته؛ أن نطهر بالده مما طهرها هو، فتكون بالدً مقدسة، تحيتـه أن نسـير‬
‫على خطواته، وأن نقتفي منهجه، وأن نضحي لمبدئه، أعظم مما يضـحي الثوريـون‬
‫العرب، والماركسيون العرب، واالشتراكيون العرب، لألقـزام المالعـين، وللنخبـة‬
                                                  ‫المخذولين، ولألصنام المبعدين.‬
           ‫تحيتنا له؛ أن نقف مع سنته، وننشرها في األرض: (بلغوا عني ولو آية)9‬
                                                            ‫ئ‬
‫(نضر اهلل امر ً سمع مني مقالة، فوعاها، فأداهما كما سمعها، فرب مبلغ أوعى مـن‬
                                                          ‫ل‬
‫سامع)9 إن عاَم البادية، الذي كان يسجد للحجر ويجمع التمر على صـورة صـنم،‬
‫ويصلي له، ويأتي إلى الوثن الذي تبول عليه الكالب والثعالب، ويـدعوه أن يشـفي‬
                                                               ‫ل‬
                                                         ‫مريضه لهو عاَم ضال.‬
           ‫رب يبول الثعلبان برأسه *** قد ضل من بالت عليه الثعالب‬
‫فمن الذي حرر البشرية من هذا؟ إنه محمد - عليه الصالة والسالم - ؟ وإن العجـب‬
‫العجاب، أن تحتفل جهات متعددة بنظافة البيئة، محاضرة في نظافة البيئة، ومحاضرة‬
‫في فن السياحة، ومحاضرة في أدب االصطياف، ولم يبق إال محاضرة رابعـة فـي‬
‫بيطرة البقر، وما هو عالج البقر، ومن هم األبطال الـذين يعـالجون األبقـار مـن‬
                                                                      ‫أمراضها.‬


                                      ‫88‬
            ‫علي نحت القوافي من معادنها *** وما علي إذا لم تفهم البقر‬
‫لماذا لم تعد محاضرة بعنوان: أثر رسالته عليه الصالة والسالم على العالم؟ لمـاذا ال‬
‫يأتي هؤالء المحللون والمنظرون بمحاضرة عن: ((اإلسالم وحاجـة العـالم إليـه))،‬
‫((نحن والقرآن))، ((ماذا قدمنا للعالم))، ((أثر ال إله إال اهلل في حياة اإلنسان)) أما هذه‬
‫المحاضرات التي شبع منها الناس، ومجتها اآلذان، وأصبحنا نصـاب بغثيـان مـن‬
‫ٌ‬
‫سماعها وتردادها، فواهلل إنها شغل لألقوات، وإنها تسـويد للصـحف، وإنهـا مـج‬
                                                        ‫لألسماع، ورداءة على القلوب.‬
‫هذا هو المهاجر األول، هذا هو الداعية المطارد من أجل مبدئه، وهذه الصحف، وهذه‬
‫األقالم، ولكم أن تحكموا: {بل اإلنسان على نفسه بصـيرة * ولـو ألقـى معـاذيره}‬
         ‫و‬                             ‫ر‬
‫القيامة:60-80. {يا أيها اإلنسان ما غ ّك بربك الكريم * الذي خلقك فس ّاك فعدلك}‬
                                                                       ‫االنفطار:4-9.‬
‫أقول ما تسمعون، وأستغفر اهلل العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاسـتغفروه‬
                                                   ‫وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.‬
                                                                        ‫الخطبة الثانية:‬
‫الحمد هلل رب العالمين ولي الصالحين، وال عدوان إال علـى الظـالمين، والصـالة‬
‫والسالم على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة اهلل على الهالكين، وعلى آلـه‬
                                                            ‫ا‬     ‫ً‬
                                                           ‫وصحبه وسلم تسليما كثيرً.‬
                                                                        ‫أيها المسلمون:‬
       ‫ُ‬                              ‫ٌ‬
‫في مثل هذا الشهر، طورد داعية أول، أخ له عليه الصالة والسـالم، نهجـه نهجـه،‬
‫ومسيرته مسيرته، ودعوته دعوته، إنه موسى عليه السالم: {وكذلك جعلنا لكـل نبـي‬
                                      ‫ا‬      ‫ً‬                           ‫ً‬
                        ‫عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرً} الفرقان:02 .‬
‫ال يبعث نبي، إال وقد هيأ اهلل طاغية هناك يتربص به، وال يحمـل رائـد مـن رواد‬
           ‫ال‬
‫الدعوة مبدأ، إال ويتهيأ له ظالم يرصده، سنة اهلل، ولن تجد لسنة اهلل تبدي ً، ولوال دفع‬
    ‫ا‬
‫اهلل الناس بعضهم ببعض لفسدت األرض، في هذا الشهر خرج موسى مطرودً مـن‬


                                          ‫98‬
‫مصر، يطارده فرعون المجرم؛ بستمائة ألـف مقاتـل: فاسـتخف قومـه فأطـاعوه‬
                                                                   ‫الزخرف:68 .‬
‫قطيع الضأن، الشعوب التي ال تفهم إال الخبز، وال تفهم إال األكل، وال تفهم إال ثقافـة‬
                                                                         ‫ق‬
‫ال ِدْر والجيب والبطن، تصفق للطاغية، وتحثوا على رأس الداعية، الشعوب المهلهلة،‬
‫المهترية، المتهالكة من داخل، طاردت موسى، يريدون قتله؛ ألنه يريد أن يحـررهم،‬
‫ويقولون: ال، يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقولون: ال، يريد أن يرفـع‬
‫رؤوسهم، ويقولون: ال، اصطدم بالبحر، الجيش وراءه والموت والبحر أمامه، إلى أين‬
‫يا رب؟ إلى اهلل. التفت موسى ودعا، واهلل قريب : {وإذا سألك عبـادي عنـي فـإني‬
‫قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي} البقرة:490 . بنو إسرائيل ولولوا،‬
‫الخونة خافوا، الجبناء ارتعدوا، انهارت حوله الكتائب، يا موسـى: {إنـا لمـدركون}‬
‫الشعراء:04 . يتبسم موسى؛ كما تبسم محمد – صلى اهلل عليه وسلم- فـي الغـار :‬
‫{كال إن معي ربي سيهدين} الشعراء:84 . قالوا له كما ذكر بعض أهل السير: أيـن‬
‫يهديك وفرعون خلفك، والبحر أمامك؟! هذه ورطة ال حل لها، هذا مضيق ال مخـرج‬
                           ‫ل َل ِن م ِي َب سي د ن‬
‫منه في عرف البشر، {قَا َ كَّا إ َّ َع َ رِّي َ َهْ ِي ِ} (84) سورة الشعراء ويتلقـى‬
‫األمر في الحال، ال تتأخر اضرب بعصاك البحر، بسم اهلل، ضرب البحـر، انفجـر‬
‫البحر، انفلق، ظهر لهم طريق، مشى موسى، ومشى بنو إسرائيل، وأتى المجرم يريد‬
‫أن يجرب آخر جولة له في عالم الضياع، وفي مصـارع الطغـاة، والطغـاة لهـم‬
‫مصارع؛ إما أن تلعنهم القلوب، وهم يسيرون على األرض، وهذا مصرع، وإمـا أن‬
                  ‫ا‬               ‫د‬                                       ‫ي‬
      ‫ّشدخون كما شدخ هذا، وهذا مصرع، إما أن ي ّخر اهلل لهم نارً، وهذا مصرع.‬
‫ووصل فرعون وجنوده، ونجي موسى، وقال اهلل للبحر اجتمع فاجتمع، وكانت نهايـة‬
‫المجرم، دخل الطين في فمه، فلما أصبح في وقت ضائع قال: {آمنت أنـه ال إلـه إال‬
‫الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنـا مـن المسـلمين} يـونس:17. فيقـول اهلل: {آآلن}‬
                                                                       ‫يونس:07.‬



                                       ‫09‬
‫في هذه اللحظة أيها المجرم الخسيس!! بعد أن فعلت من األفاعيـل مـا تشـيب لـه‬
                                                    ‫الرؤوس، ال، ونجى اهلل موسى.‬
‫والحدث أن الرسول - عليه الصالة والسالم - يشارك أخـاه فـي فرحـة الفـالح‬
‫واالنتصار، ويشارك زميله في هذا اليوم األغر، يوم عاشوراء، ولذلك تضامن معـه،‬
                                                                 ‫وتكاتف هو وإياه.‬
‫وجد بني إسرائيل، اليهود الخونة الجبناء، في خيبر والمدينة، يصـومون عاشـوراء،‬
‫قال: (ما هذا اليوم قالوا يوم نجى اهلل فيه موسى قال: نحن أولـى بموسـى مـنكم)7‬
‫موسى قريبنا، موسى حبيبنا، نحن حملة منهج موسى، ال أنتم يا خونـة العـالم، ويـا‬
‫حثالة التاريخ، ويا أبناء القردة والخنازير، فصامه وقال عليه الصالة والسالم عن هذا‬
          ‫اليوم، كما في صحيح مسلم: (إني أرجو من اهلل أن يكفر السنة الماضية)10‬
                                            ‫ا‬              ‫ا‬
‫ومن السنة أن تصوم يوم ً قبله، أو يوم ً بعده؛ اليوم التاسع والعاشر من هذا الشهر، أو‬
‫اليوم العاشر والحادي عشر من هذا الشهر، يقول عليه الصالة والسالم: (لئن بقيـت‬
‫إلى قابل ألصومن التاسع والعاشر)00 فشكر اهلل لموسـى دعوتـه ومنهجـه وبذلـه‬
‫وتضحيته، وشكر اهلل لمحمد - عليه الصالة والسالم -، بذله وشجاعته وتضحيته من‬
‫أجل هذه األمة، وشكر اهلل لكل من سار على منهجه - عليـه الصـالة والسـالم -،‬
             ‫وضحى من أجل مبادئه، وبذل من أجل دعوته، وساهم في رفع رسالته.‬
‫أسأل اهلل أن يجمعنا بمحمد - عليه الصالة والسالم -، وبإبراهيم وبموسى وعيسـى،‬
‫وباألخيار الطيبين، وبالشهداء الصالحين، وباألبرار الصديقين، وبالشجعان البـاذلين،‬
                                                 ‫في مقعد صدق عند رب العالمين.‬
                                                                       ‫أيها الناس:‬
‫صلوا على الداعية المطارد، والمهاجر األول، والرسول األعظم، والهمام اإلمـام، -‬
‫عليه أفضل الصالة والسالم -، ؛ ما ترقرق الغمام، وما جنح الظـالم، ومـا أفشـي‬
‫السالم، وما كان في قلوبنا وفي أذهاننا إمام، ، ما فاحـت األزهـار، ومـا تمايلـت‬



                                       ‫19‬
‫األشجار، وما تدفقت األنهار، وما كور النهار في الليل والليل في النهار، ، ما تألقـت‬
                            ‫ٌ‬
   ‫عين لنظر، وما تحرقت أذن لخبر، وما هتف ورق على شجر، وعلى آله وصحبه.‬
                        ‫ا‬      ‫ا‬       ‫ا‬
‫اللهم انصر دينك، ومنهجك، اللهم اجعله عام ً مبارك ً، عام ً ينتصر فيه الدين، وترتفع‬
                                                      ‫فيه إياك نعبد وإياك نستعين.‬
‫وصلوا وسلموا على من أمركم اهلل بالصالة والسالم عليه، فقـال: {إن اهلل ومالئكتـه‬
                   ‫ا‬
      ‫يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليم ً} األحزاب:48.‬
      ‫ا‬
   ‫ويقول عليه الصالة والسالم: (من صلى علي صالة، صلى اهلل عليه بها عشرً)80‬
‫اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صالتنا وسالمنا في هذه السـاعة‬
                                                         ‫المباركة يا رب العالمين.‬
                                                    ‫المصدر:‬
                                        ‫-‪http://alminbar.al‬‬
  ‫‪islam.com/Default.aspx?ActionSpeachDetails&mediaItURL‬‬
                                         ‫4222‪&subsubID‬‬
                                    ‫___________________‬
                                                 ‫0 - أخرجه البخاري (9/890).‬
                                                 ‫8 - أخرجه البخاري (6/170).‬
                                                 ‫2 - أخرجه البخاري (6/170).‬
                  ‫6 - أخرجه البخاري (0/60) ، ومسلم (8/40) ، رقم (4990).‬
‫8 - أخرجه الترمذي (8/794) رقم (8872) وقال: حسن غريب صحيح ، ورقـم‬
‫(4872) وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وابن ماجه (8/9210) رقم (9102) ،‬
                                               ‫والدارمي (8/002) رقم (1088).‬
         ‫4 - أخرجه البخاري (0/020 ، 820) ومسلم (2/9060) رقم (6790).‬
                                                 ‫9 - أخرجه البخاري (6/860).‬
‫9 - أخرجه أبو داود (2/882) رقم (1442) ، والترمذي (8/22) رقـم (4848)‬
‫وقال : حديث حسن ، ورقم (9848) وقال : حسن صحيح رقـم (9848) ، وابـن‬


                                       ‫29‬
‫ماجه (0/89). رقم (028 ، 828) وصححه األلباني كما في صحيح الجـامع رقـم‬
                                                   ‫(2494 – 4494).‬
                                         ‫7 - أخرجه البخاري (8/088).‬
                               ‫10 - أخرجه مسلم (8/709) رقم (8400).‬
                               ‫00 - أخرجه مسلم (8/979) رقم (6200).‬
                                ‫80 - أخرجه مسلم (0/998) رقم (692).‬
                        ‫ــــــــــــ‬




                                 ‫39‬
                     ‫الدروس المستفادة من الهجرة النبوية‬

                                             ‫مقدم الحلقة: ماهر عبد اهلل رحمه اهلل‬
               ‫ضيف الحلقة: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: داعية إسالمي كبير‬
                                                   ‫تاريخ الحلقة: 90/21/8118‬
                                       ‫- الهجرة واألخذ باألسباب والسنن الكونية‬
                             ‫- أهمية التخطيط في العمل اإلسالمي وعدم االرتجال‬
                                              ‫ً‬
                                     ‫- كيفية تقديم اإلسالم لآلخرين أخذا باألسباب‬
                                                               ‫يوسف القرضاوي‬
                                                                    ‫ماهر عبد اهلل‬
                              ‫ا‬       ‫ال‬
‫ماهر عبد اهلل: سالم من اهلل عليكم، وأه ً ومرحب ً بكم في حلقة جديدة مـن برنـامج‬
                                                               ‫(الشريعة والحياة).‬
‫نعود في هذا األسبوع للحديث عن موضوع الهجرة بمناسبة انتهاء عام هجري وبداية‬
‫عام هجري.. عام هجري جديد. نستغل هذه الفرصة ونقول.. نتمنى أن يعـود علينـا‬
                 ‫ال‬
‫مثل هذه المناسبة ومثل هذا اليوم وأحوال األمة أحسن -ولو قلي ً- مما هي عليه هذا‬
‫اليوم، لمناقشة الموضوع يسعدني أن يكون معي فضيلة العالمـة الـدكتور يوسـف‬
                                           ‫ا‬        ‫ً‬     ‫ً‬
                                          ‫القرضاوي، سيدي أهال وسهال بك مجددً.‬
                                                    ‫ً‬
                     ‫د. يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ ماهر، وبارك اهلل فيك.‬
                      ‫ً‬
     ‫ماهر عبد اهلل: يعني.. ستالحظون أن فضيلة الدكتور قليال يعني صوته متوعك.‬
                                                 ‫د. يوسف القرضاوي: نحمد اهلل.‬
                              ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: فنرجو أن يرحمونا باألسئلة الحق ً. سيدي، هل ما يميـز الهجـرة أن‬
‫الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- يعني اختصارها عندما قال: لقد أخرجـوني.. "إنـك‬
‫ألحب أرض اهلل إلي.. ولوال أن أهلك أخرجوني ما خرجت".. يعني كانـت تضـحية‬
‫كبيرة أن يترك اإلنسان بلده من أجل البحث عن حياة أريح في.. فـي مكـان آخـر،‬


                                     ‫49‬
                                                              ‫ا‬
‫وكانت أيض ً يعني جزء من عمليته -صلى اهلل عليه وسلم- وأنه يعني بشر بكل مـا‬
‫في الكلمة من معنى عندما تضيق عليه بالد يذهب للبحث عن بالد أخرى، لـو.. لـو‬
‫ابتدأنا بهذه القيمة التعويل على السنن واألسباب وعدم التعويل على معجزات، علـى‬
                                            ‫كرامات في حياته صلى اهلل عليه وسلم.‬
‫د. يوسف القرضاوي: بسم اهلل الرحمن الرحيم، الحمد هلل والصالة والسالم على سيدنا‬
‫وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول اهلل وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، قبل أن‬
‫أجيب عن سؤالك يا أخ ماهر، أود أن أقول كلمتين، الكلمـة األولـى: كلمـة تهنئـة‬
‫للمسلمين في أنحاء العالم بهذا العام الهجري الجديد، بعد عام حافل باألحداث والمآسي‬
                       ‫ً‬
‫لألمة اإلسالمية في مشارق األرض ومغاربها، وحافل أيضا بالبطوالت والروائع فـي‬
‫نفس الوقت، وكل ما ندعو اهلل -تبارك وتعالى- به أن يجعل العام الجديد عـام خيـر‬
‫ً‬                         ‫ا‬
‫وبركة وفتح لألمة اإلسالمية.. وأن يجعل يومها خيرً من أمسها ويجعل غدها خيـرا‬
                                                 ‫من يومها، هذه هي الكلمة األولى.‬
‫الكلمة الثانية: هي كلمة عزاء، فقد جرت عادتنا في هذا البرنامج أن نـودع العلمـاء‬
‫الكبار الذين يرحلون عن عالمنا هذا ويفارقونا إلى العـالم اآلخـر، وفـي األسـبوع‬
                                                                 ‫ود‬
‫الماضي َّع إخواننا في سوريا الشقيقة وفي حلب الشـهباء أحـد العلمـاء الكبـار‬
‫الربانيين الذين عاشوا للعلم وللدين وللدعوة وللتربية وهو الشيخ عبد اهلل سراج الدين،‬
‫نسأل اهلل -سبحانه وتعالى- أن يتغمده برحمته وأن يسكنه الفردوس األعلى، الشـيخ‬
‫عبد اهلل سراج الدين رجل علم ودين وهو وارث العلم عن.. عن أبيه وهو من أقـران‬
‫أخينا وصديقنا الحبيب -رحمة اهلل عليه- الشيخ العالمة المحدث عبد الفتاح أبو غدة،‬
‫وهذا الرجل كان من علماء الحديث ومن علماء الفقه، ومن الدعاة والمربين حتى قالوا‬
‫إنه كان يحفظ كتاب "تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول" يحفظه برواياته وألفاظـه‬
                                                               ‫ويذاكره مع تالميذه.‬




                                       ‫59‬
‫لم أسعد باللقاء مع الشيخ عبد اهلل سراج الدين، ولكني عرفته من مريديه ومن تالميذه‬
‫الذين حكوا لي عنه حكايات كثيرة، ومنهم األخ العزيز الحبيب العالم الباحث الداعيـة‬
                                                                   ‫الشيخ مجد مكي.‬
‫والشيخ عبد اهلل سراج الدين هو خال أخينا وصديقنا العالم الباحـث الجليـل أسـتاذ‬
‫التفسير والحديث األستاذ الدكتور نور الدين عتر وهو أستاذ األخ العالم الباحث الشيخ‬
                                                  ‫ود‬
‫محمد عوامة، فهذا الرجل َّعه إخواننا في مدينة حلب الشهباء، فنحن نعزيهم ونعزي‬
‫أنفسنا معهم، ونحن اآلن في هذه األيام يرحل الكثير من العلماء الكبار عن هذه األمـة‬
                                                 ‫ا‬
‫ونسأل اهلل تعالى أن يعوضهم خيرً حتى ال يحدث ما نبأ به الرسول الكريم: "إن اهلل ال‬
                                                        ‫ا‬
‫يقبض العلم انتزاع ً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتـى‬
                                        ‫ا ال‬
‫إذا لم يبقى عالم اتخذ الناس رؤوس ً جها ً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضـلوا وأضـلوا"‬
        ‫ا‬
‫نسأل اهلل أال نصل إلى هذه الحالة وأن يعوضنا عن العلماء الذين نفقدهم خيرً.. اللهم‬
                                                        ‫آمين، هذه هي الكلمة الثانية.‬
                                             ‫الهجرة واألخذ باألسباب والسنن الكونية‬
‫ماهر عبد اهلل: سيدي، كنت سألتك عن أهمية موضوع الهجرة فيما يتعلـق بحـرص‬
‫الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- على األخذ باألسباب، ويعني متابعة سنن الكون بدل‬
       ‫التعويل على المعجزات والكرامات، كيف شاركت الهجرة في.. في تبيان هذا؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: بسم اهلل الرحمن الرحيم، هذا يعني يتجلى لنا في مواقف كثيرة‬
                                                                        ‫في الهجرة.‬
                                      ‫ا‬                               ‫ال‬
‫أو ً: كان اهلل -سبحانه وتعالى- قادرً على أن يهاجر برسوله عن طريق معجز كمـا‬
‫أسرى به بطريق معجز، نحن نعلم أن اهلل -سبحانه وتعالى- أسـرى برسـوله مـن‬
‫المسجد الحرام إلى المسجد األقصى، ثم عرج به من المسجد األقصى إلى السـموات‬
‫العلى إلى سدرة المنتهى، كل هذا في ليلة واحدة أو بعض ليلة.. جزء من ليلة.. قالوا‬
                                                             ‫ا‬
‫عاد وفراشه الزال دافئ ً، فلماذا لم يفعل اهلل تعالى ذلك برسوله، بدل هذه المعاناة، كان‬
‫يجيب له براق يركبه، وبدل ما يتعرض من الدخول في الغـار، والتعـرض للـذين‬


                                        ‫69‬
‫يحاولون أن يأخذوه في الطريق، ويتعرض للمضايقات، ولالغتياالت ولهذه األشـياء‬
‫كلها، كان ببراق يعني سهل أن ينتقل كما انتقل.. وأعتقد إن يعني المسافة من مكة إلى‬
‫المدينة أقصر بكثير من المسافة من مكة إلى بيـت المقـدس، ولكـن اهلل -سـبحانه‬
‫وتعالى- أراد برسوله أن يعاني ما يعانيه الناس، وأن يمضي حسب السنن السائدة في‬
‫هذا الكون وفي هذا المجتمع وال يخرج عن هذه السنن، ومن هنا وجدنا النبي -عليـه‬
‫الصالة والسالم- يعني حتى قبل الهجرة.. الرسول -عليه الصالة والسالم- بدأ يفكر‬
‫في البدائل المختلفة، يعني هو دعا قومه من قريش، أهل مكة، اسـتجاب لـه القليـل‬
‫واألقل من القليل.. واألكثرون أعرضوا عنه ألسباب شتى، بعضـها يعنـي التقليـد‬
                                          ‫وإن‬
‫األعمى، (إنا وجدنا آباءنا على أمه َّا على آثارهم مقتدون)، وبعضهم الكبرياء يعني‬
                                                                       ‫ُز‬
‫(لوال ن ِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ما تالقيش إال محمد اليتيم الفقير‬
‫الكذا، وبعضهم حسب إن بني هاشم اللي يأخذوا السقايا والكذا والكذا، فـي الجاهليـة‬
‫وبعدين يجوا كمان يقولوا فينا نبي، كما قال ذلك أبو جهل، بنو مخـزوم يقـول لـك‬
‫تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا.. وسقوا وسقينا وبعدين يجوا يقولوا‬
‫منا نبي، فهذا الذي ال نستطيع، هناك أسباب شتى جعلتهم يقفون ضد دعـوة محمـد‬
‫صلى اهلل عليه وسلم، الرسول -عليه الصالة والسالم- حينما وجد هذا اإلعراض ماذا‬
              ‫ال‬
‫فعل؟ بيفكر.. التفكير البشري المعتاد ما هي البدائل؟ من البدائل مث ً إنه ذهـب إلـى‬
‫الطائف حيث هناك قبيلة ثقيف وعرض عليهم اإلسالم ولألسف يعني قـابلوه بأسـوأ‬
‫مقابلة وعاملوه أسوأ معاملة، ولم يجد منهم أي استجابة، وكان من البدائل المعروضة‬
‫أمامه أن يعرض دعوته على القبائل، مكة تمتاز بأنها موسم للحجيج ويجتمـع فيهـا‬
‫العرب في كل عام من.. من أنحاء الجزيرة العربية، فهي فرصة يعنـي ال تعـوض‬
‫بالنسبة لصاحب الدعوة، لذلك النبي -عليه الصالة والسالم- كان يذهب إلى القبائـل‬
‫المختلفة ويعرض عليهم دعوته ويطلب منهم نصرته، من ينصره ويأخذ بيـده ويشـد‬
      ‫ا‬                          ‫ً‬    ‫ً‬
‫أزره، فبعض القبائل كانوا يردونه ردا حسنا وبعضهم يشترط عليـه شـروط ً يقـول‬
‫طيب لما ننصرك هل يبقى لينا األمر من بعدك؟ يبقى إحنا الحكام من بعـدك؟ يعنـي‬


                                       ‫79‬
‫فعايزين مقابل دنيوي، فكان النبي -عليه الصالة والسالم- يرفض أي اشتراط من هذا‬
‫النوع، وكان يعني النبي -عليه الصالة والسالم- يعني حريص إلى أن هيـأ اهلل لـه‬
‫األسباب، برضو أسباب طبيعية.. إنه بعض الناس الذين عرض عليهم هذا وكانوا من‬
‫الخزرج، ستة من الخزرج جاءوا من يثرب، فحينما عرض عليهم الـدعوة تفتحـت‬
‫ً‬
‫آذانهم وقلوبهم وعقولهم لهذه الدعوة، وأقبلوا عليها ودخلوا في اإلسـالم، خصوصـا‬
‫ً‬
‫هيأهم لهذا االستقبال للدعوة إنهم كانوا يسمعون من اليهود جيرانهم في يثرب أن نبيـا‬
‫قد قرب زمانه وأوشك أن.. أن يظهر وكانوا يعني يخوفونهم بهذا النبي ويقولوا لهـم‬
‫سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فهما قالوا واهلل دا يمكن هذا هو اللي كان يحـذرنا‬
‫منه اليهود.. ويخوفنا به اليهود، ففتح اهلل قلوبهم وشرح صـدورهم ودخلـوا فـي..‬
‫وبعدين هؤالء الستة جاءوا في العام المقبل بعدد أكبر وبايعهم النبي -صلى اهلل عليـه‬
‫وسلم- بيعة العقبة األولى.. العقبة اللي هي القريبة من مكة اللي فيهـا الرمـي اآلن،‬
‫وفي السنة الثانية بايعهم بيعة العقبة الثانية، وكانت بيعة على أن يهاجر النبي -صـلى‬
‫اهلل عليه وسلم- إليهم وأن يمنعوه مما يمنعوا منه ذراريهم ونسائهم وأوالدهم، يعنـي‬
‫حماية كاملة وحضر العباس بن عبد المطلب عم النبي -عليـه الصـالة والسـالم-‬
‫وأخبرهم إن محمد في عزة ومنعة من قومه، إذا كنتم أهل لهذا وبتاع، فقالوا واهلل إحنا‬
 ‫مستعدين نحارب األحمر واألسود، المهم كانت هذه الخطوات التي تمت قبل الهجرة.‬
‫ماهر عبد اهلل: اسمح لي، استوقفك عند مسألة العباس -رضي اهلل تعالى عنه- يعنـي‬
                                                     ‫ا‬     ‫ال‬
‫لماذا اختار رج ً كافرً لصحبه في هذه البيعة على سريتها، على خطورتها على تعلق‬
                                                              ‫مستقبل اإلسالم بها؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: ألن بني هاشم رغم إنهم لم يؤمنوا كانوا يعنـي يعتقـدون إن‬
    ‫ش‬      ‫ش‬
‫حماية محمد -صلى اهلل عليه وسلم- من واجبهم، ولذلك دخلوا معه ال ِعْب.. ِـعْب‬
‫بني طالب وظلوا ثالث سنوات محاصرين.. أكلوا أوراق الشجر حتى دميت أشـداقهم‬
                          ‫ا‬                 ‫ا‬
‫وجرحت أفواههم.. قوطعوا اقتصادي ً وقوطعوا اجتماعي ً، دخل مسلمهم وكافرهم.. بنو‬
‫هاشم وبنو المطلب.. وقالوا لم نفترق في جاهلية وال إسالم من بني عبد مناف، ولذلك‬


                                       ‫89‬
‫ربنا -سبحانه وتعالى- اختار العرب لهذه العصبية، ألن العصبية دية كانـت تمثـل‬
‫حماية لمحمد في فترة الدعوة األولى، فأراد العباس رغم إنه لم يسلم.. وبعضهم يقول‬
                             ‫ا‬                                     ‫ا‬
‫إنه أسلم مبكرً، ولكنه الظاهر أنه لم يسلم، وهذا أيض ً يعني من.. من يعني تدبير اهلل‬
‫تبارك وتعالى، إنه أعمام النبي عليه الصالة والسالم أبو طالب والعباس لم يسلما حتى‬
‫ال يقال.. أسلم فقط حمزة، فلذلك يعني أراد العباس أن يستوثق إلبن أخيه، ألنه معتبر‬
        ‫إنه هي مسؤولية بني هاشم، هذا من صنع اهلل -سبحانه وتعالى- لهذه الدعوة.‬
                          ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: أنا سألتك ألنه يعني يدور كثير خصوص ً هذه األيـام بعـد إشـكاالت‬
                 ‫ي‬
‫الحادي عشر من سبتمبر يعني قضية الوالء والبراء، ويجب أن ال ُستعان بكافر، وأنه‬
‫الكافر كأنه من ملة أخرى يعني، كيف توفق بين هذه القصة حقيقة يعتمد على عمـه‬
                                                         ‫من نسبه، من دمه مقابل..‬
‫د. يوسف القرضاوي: أل، هو االستعانة بكافر.. يعني أمر فيه خالف بـين الفقهـاء‬
‫االستعانة بهم في الحرب والجهاد، ولكن استعانة بكافر في األمور الفنية.. هذا ال مانع‬
‫حتى هو.. سنأتي إن في.. في الهجرة نفسها كان الدليل الذي يدل النبي -صـلى اهلل‬
‫عليه وسلم- على الطرق، أنت تعرف إنه فيه طرق معروفة يسلكها النـاس.. وفيـه‬
‫الخبراء بالطرق يعرفون الطرق التي ال يسلكها الكثيرون والتي يمكن أن تخفى علـى‬
                                               ‫ا‬     ‫ال‬
‫الكثيرين، فاستأجر رج ً خبيرً يقولون العرب عنه: (خرير)، يعني هو عبد اهلل بـن‬
                                                            ‫ا‬
‫أريقط وكان مشرك ً، ولكنه مشرك مأمون، ولذلك العلماء قالوا: ال مـانع أن نسـتخدم‬
‫المشركين وغير المسلمين المأمونين في األمور الفنية وكذا ماداموا تحـت سـطوتنا،‬
‫يعني مادمنا إحنا اللي بنأمرهم وبننهاهم وبيشتغلوا.. بيشتغلوا لحسابنا إحنا، ومادمنـا‬
‫مستأمنينهم ومأمونين عندنا فال مانع من.. إنما هو المشكل وحتى يعني فـي الحـرب‬
‫النبي -عليه الصالة والسالم- استعان ببعض المشركين في حرب الطـائف وحنـين،‬
‫صفوان بن أمية وغيره، فألنه عارف إنه هؤالء كانوا مخلصـين لـه مـن ناحيـة‬
‫العصبية، قال صفوان بن أمية ألن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجـل‬
‫من هوازن، يعني قال لك محمد ده مهما كان من قريش أن يسودني واحد من قـريش‬


                                       ‫99‬
‫أحسن ما يسودني واحد.. فهناك اعتبارات تجعلـك تـأمن للشـخص حتـى، ولكـن‬
‫المفروض إن يكون أنت المسيطر.. مش تشتغل أنت لحسابه ويبقى هو اللي بيأمرك..‬
                    ‫وهو اللي بيجعلك، وأنت يعني نفر بتشتغل عنده، هذا شيء آخر.‬
                ‫ماهر عبد اهلل: طيب، كيف تجمع بين هذا وبين عقيدة الوالء والبراء؟‬
                           ‫د. يوسف القرضاوي: دي مالهاش دعوة بالوالء والبراء.‬
                ‫ماهر عبد اهلل: يثور اآلن جدل أنه يجب أن ال نتصل بأي غير مسلم.‬
‫د. يوسف القرضاوي: أل.. ليس الوالء.. ليس معنى الوالء أنك ال تتصل بأي إنسـان‬
‫كان، هذا لم يقل أحد الوالء بهذا قط.. ألنه الرسول -عليه الصالة والسـالم- حينمـا‬
‫ذهب إلى المدينة أول ما عمل.. عمل أيه؟ عمل اتفاقية أو معاهدة مع.. مع اليهـود،‬
‫يهود المدينة اللي هم كانوا ثالث قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضـير عقـد‬
‫معاهم معاهدة معروفة وكتب الصحيفة المعروفة، هل ده ينافي الوالء؟ أل، هذا مـا..‬
‫الوالء شيء إنك.. الوالء أن تضمر لهم المودة وتنتصر لهم لكفرهم، إنما أن تعاشرهم‬
                                                            ‫توف‬
           ‫بالمعروف، أن ِّي لهم بما عاهدتهم عليه، هذا ليس من الوالء في شيء.‬
                                 ‫أهمية التخطيط في العمل اإلسالمي وعدم االرتجال‬
‫ماهر عبد اهلل: في.. في.. في جانب تحدث عن إنه زار عرض علـى بنـي ثقيـف‬
‫وعرض على أمم أخرى وطلب من جزء من الصحابة.. بعض الصحابة أن يهـاجر‬
    ‫ا‬
‫إلى.. إلى الحبشة، أهمية التخطيط في أي عمل إسالمي، يعني أليس هذا مؤشرً على‬
                       ‫أنه -صلى اهلل عليه وسلم- لم يكن يرتجل مثل هذه المواقف؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: ال.. ال.. أل بالعكس، كان عمله -عليه الصالة والسالم- كلـه‬
           ‫ا‬                                                     ‫ا‬        ‫ا‬
‫مرتب ً.. مخطط ً، حتى قضية الهجرة إلى.. إلى الحبشة هذه لم تكن اعتباط ً.. إنه يعني‬
                    ‫ا‬                 ‫ا‬               ‫ً‬
                   ‫اختار المكان المناسب جغرافيا والمناسب ديني ً، والمناسب سياسي ً.‬
                                      ‫ا‬     ‫ا‬                   ‫ا‬
‫المناسب جغرافي ً بحيث لم يختر مكان ً بعيدً يذهب إليه المسلمون فيهلكوا في الطريق،‬
‫في الصين أو في الهند أو.. أل، مكان قريب، بس يعدي البحر يوصل هنـاك، فهـو‬
                                                                   ‫ا‬
                                                                  ‫مناسب جغرافي ً.‬


                                      ‫001‬
                                                                ‫ا‬
‫ومناسب ديني ً، ألن الحبشة كانوا أهل كتاب وكانوا من النصارى الذين هم أقرب مودة‬
                                                                       ‫للمسلمين.‬
            ‫ا‬                                                 ‫ا‬
‫وهو مناسب سياسي ً، ألن الرسول قال: "اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملك ً أرجـو أن ال‬
              ‫ي‬
‫تظلموا عنده" ومعنى هذا إنه كان عنده معلومات إنه هذا الملك ال ُظلم أحـد يعنـي‬
                                                ‫ا‬
‫عنده، وهذا أمر مهم جدً يكون عندك يعني معلومات كافية حتـى تسـتطيع ترتـب‬
‫أمورك بناء على هذه المعلومات، اآلن في عصرنا بنقول عصر اإلحصاء واألرقـام،‬
                                                        ‫ً‬
                                              ‫فلهذا اختار.. وكانت فعال كما يعني.‬
                                                          ‫ماهر عبد اهلل: وصف..‬
       ‫ا‬
‫د. يوسف القرضاوي: قدر النبي -عليه الصالة والسالم- حتـى إن قريشـ ً حينمـا‬
‫أرسلت عمرو بن العاص ومعه اآلخر يحاولون أن يرشـوا هـذا الملـك ويسـلمهم‬
                                    ‫ال ال‬
‫المهاجرين رفض الرجل، فكان رج ً عاد ً وكان عند حسن الظن، ومع هذا لم يهاجر‬
                             ‫النبي -صلى اهلل عليه وسلم- إلى الحبشة مع أصحابه.‬
‫ماهر عبد اهلل: سيدي، يعني قبل أن ننهي موضوع التخطيط، ذكـرت فـي معـرض‬
‫الجواب على السؤال األخير أن رسول اهلل -صلى اهلل عليه وسلم- كان يعلم ما الـذي‬
‫يجري في الحبشة، كان اختيار جغرافي، كان يعلم عن طبيعة الحاكم، وعـن طبيعـة‬
‫نظام الحكم، هذه المعلومات هل كانت معلومات توقيفية جاءته من جبريل بالوحي، أم‬
                       ‫ا‬
‫أنه سعى لها؟ ألننا نالحظ الكثير من المسلمين وخصوص ً اإلسالميين يتحدثون عـن‬
      ‫ا‬
‫المعركة مع هذه الدولة وتغيير العالم وسيادة العالم وهم ال يعلمون عنهم شيئ ً، كيـف‬
                                         ‫ا‬
‫يمكن أن نتحرك، أن تغير أوضاع ً وأنت ال تعلم ال عن عدوك وال حتى عن نفسـك‬
                                                              ‫في بعض الحاالت؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: بسم اهلل الرحمن الرحيم، الشك أن أي تخطيط البد أن يكـون‬
‫ً‬                                                                      ‫ا‬
‫مبني ً على معلومات، وهذه المعلومات يجمعها اإلنسان بوسائله الخاصة، ليس معقـوال‬
‫أن يكون كل شيء بوحي، بعض الناس يظنون كأنه محمد -عليه الصالة والسـالم-‬
                                           ‫أم‬
‫كان عبارة عن آلة يحركها الوحي، أل، َّال لماذا يختار اهلل األنبياء من أذكى النـاس‬


                                      ‫101‬
                                                    ‫ا‬                  ‫ال‬
‫عقو ً وأزكى الناس أنفس ً وأقوى الناس شخصية؟ ألنهم يستطيعوا أن يدبروا األمـور‬
‫بعقولهم، وبعدين في اللحظة الحاسمة يأتي الوحي، الرسول هو بوسائله الخاصة كون‬
‫فكرة عن الحبشة من الناس الذين يذهبون من قريش، كان بين العرب والحبشة يعنـي‬
‫اتصاالت من.. من قديم، حتى إن الحبشة أرادت تهدم الكعبة حتى ينصـرف النـاس‬
      ‫ً‬                     ‫ً‬
‫وتعمل كعبة عندها، يعني فيه صالت قديمة أحيانا صالت عدائيـة وأحيانـا صـالت‬
                                       ‫ا‬
‫وفاقية، فأي تخطيط البد أن يكون مبني ً على..، مشكلتنا في عصرنا هذه إنه خصومنا‬
 ‫ا‬
‫وأعداءنا يعرفون عنا كل شيء، كشفونا حتى النخاع، ونحن ال نكاد نعلم عنهم شـيئ ً،‬
                         ‫ا‬
‫وهذا أمر في غاية الخطورة، من يريد أن يحارب عدوً فالبد أن يعرف عن عدوه كل‬
‫شيء عن هذا العدو، وهذا ولذلك تجد في الحروب النبي -صلى اهلل عليه وسلم- كان‬
‫يبعث إلى أناس يسمونهم العيون، عيون له يعرفون عن األعداء وكان يعرف خطـط‬
‫األعداء، يعني غزوة تبوك كان سبق من الرسول -عليه الصالة والسالم- ألنه عرف‬
‫أن الروم يريدون أن يغزوه في بلده، فبدأ هو وأيـه؟ وقـال نغـزوهم قبـل أن.. أن‬
                                                                          ‫يغزونا.‬
                       ‫ا‬    ‫ا‬
‫في قصة.. قصة الهجرة تجد فيها التخطيط واضح ً جـدً، النبـي -عليـه الصـالة‬
‫والسالم- حينما أذن اهلل له بالهجرة وبدأ يفكر في االنتقال إلى هـذه األرض الجديـدة‬
‫والقاعدة الجديدة التي تتكون فيها دار لإلسالم وأرض لإلسالم حـرة لإلسـالم، فبـدأ‬
                           ‫يفكر.. يفكر من سيكون رفيقه؟ فاختار أبا بكر الصد‬
‫ِّيق القديم، أول رجل آمـن فـي‬
‫اإلسالم، من يهديه الطريق.. الدليل، اختار عبد اهلل بن أيه.. ابن أريقط.. من يبيت في‬
‫موقعه ليلة خروجه؟ علي بن أبي طالب، البد أن يختبئ عدة أيام قبل أن.. أن يغـادر‬
‫مكة، فاختار غار ثور، واختار غار ثور في جنوب مكة، تعـرف إن المدينـة فـي‬
‫الشمال، واختار الغار في جنوب مكة، تعرف إن المدينة في الشمال، واختار الغار في‬
‫الجنوب ألن هم لما يجوا يبحثوا هيبحثوا.. ما هم عارفين إنه رايح إلنـه الصـحابة‬
                                        ‫ا‬
‫كانوا بدؤوا هاجروا، يعني.. تقريب ً كل الصحابة هاجروا ما عدا علي وصهيب وكـم‬
‫واحد يعني، فهو سيذهب إلى البلد اللي هاجر أصحابه إليها، فتتجه أبصارهم إلـى أن‬


                                      ‫201‬
         ‫ا‬
‫يبحثوا في المغارات التي هي في طريق المدينة هؤالء، فاختار هو غارً فـي غيـر‬
‫طريق المدينة، غار ثور، طيب سيبقى عدة أيام في هذا الغار، محتاج إلى من يأتيـه‬
‫بالطعام، وليس الطعام فقط، واألخبار، البد أن يعرف ماذا يحدث؟ فاختار يعني مـن‬
                                                          ‫ال‬
‫يأتي له، لم يختر رج ً وإنما اختار امرأة.. أسماء بنت أبي بكر، ألنه لو اختار واحد‬
‫من أصحابه ممكن العيون تكون عليه.. إنما اختار امرأة، ال يتصور أحـد إن امـرأة‬
‫تصعد هذا الغار ثور.. غار ثور، صعده بعض الشباب فلهثوا من.. من شدة التعـب،‬
‫فكيف بهذه الفتاة تصعد كل يوم؟! يعني.. طيب وبعدين وهي بتـذهب ممكـن آثـار‬
                             ‫ً‬
‫أقدامها تظهر، فرتب عامر بن فهيرة الذي كان راعيا عند أبي بكر فيذهب بغنمه بعـد‬
             ‫و‬                                     ‫ليعف‬
‫أن تذهب أسماء ِّي على آثارها، يعني شيء مرتب وكل واحد ُضع في الموضـع‬
‫المناسب له، يعني موضع أسماء ال ينفع فيها علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب‬
                                                 ‫ماينفعش يكون فيه أسماء، وهكذا..‬
‫فهذا هو الترتيب والتخطيط الذي فعله النبي عليه الصالة والسالم، يعني وضع لكـل‬
                                                                    ‫َّ‬
                                                      ‫شيء.. أعد لكل شيء عدته.‬
                                     ‫ومع هذا هناك أشياء تأتي وليست في الحسبان.‬
‫وهنا يأتي دور التوكل، يعني مع كل هذا الترتيب والتدبير اسـتطاع المشـركون أن‬
‫يصلوا إلى الغار، والرسول -عليه الصالة والسالم- وأبو بكر في قلب الغـار وأبـو‬
‫بكر في غاية اإلشفاق، ال يشفق على نفسه وال يخاف على نفسه وإنما يخـاف علـى‬
‫رسول اهلل وعلى مستقبل الدعوة، فلذلك.. يعني قال: "يا رسول اهلل، واهلل لـو نظـر‬
‫أحدهم تحت قدميه لرآنا"، يعني لو واحد كلف خاطره وطأطأ كده.. هيشوفنا، فقال أبو‬
‫بكر.. فقال النبي -صلى اهلل عليه وسلم- ألبي بكر: "يا أبا بكر ما ظنـك بـاثنين اهلل‬
‫ثالثهما" -تخاف على اثنين ثالثهما اهلل؟!- "ال تحزن إن اهلل معنا" فكان في غاية.. هنا‬
‫يأتي دور التوكل، يعني أخذ باألسباب وخطط ودبر ورتب، ولكن عندما خالص تفقـد‬
‫األسباب وال يكون لك شيء يأتي دور التوكل، هنا "ال تحزن إن اهلل معنا" الكلمة هـي‬
‫من معين واحد، سيدنا موسى حينما أقبل فرعون بجنوده، وقال أصحاب موسى (إنـا‬


                                       ‫301‬
‫لمدركون) البحر أمامنا وفرعون وجنوده من خلفنا، قال موسى (كال إن معـي ربـي‬
‫سيهدين) فـ (كال إن معي ربي سيهدين) مثل "ال تحزن إن اهلل معنا" عندما اإلنسان ال‬
‫يجد األسباب في صفه، هناك يتوكل على مسبب األسباب ورب األربـاب وهـو اهلل‬
                                                               ‫ال‬
‫تبارك وتعالى، وفع ً كان األمر، كما قال اهلل تعالى: (فأنزل اهلل سكينته عليـه وأيـده‬
‫بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اهلل هي العليا)، ولذلك هنـاك‬
              ‫ا‬            ‫ا‬
‫بعض العلماء المحققين يقولون: إن المسألة لم تكن حمام ً وال عنكبوت ً -كما هو سائد-‬
‫قصة الحمام لم ترد حتى -كما قال بعض العلماء- وال حتى فـي حـديث ضـعيف،‬
                  ‫وقصة العنكبوت وردت في حديث َّفه بعض العلمـاء وحس‬
‫َّـنه بعـض العلمـاء،‬                 ‫ضع‬
‫والبعض يقول: إن ظاهر القرآن.. يقول إن الجنود غير مرئية، (وأيـده بجنـود لـم‬
‫تروها) والعنكبوت جندي مرئي، ألنه حاجة حسية، فبيقول.. األوفق بالنص القرآنـي‬
‫إنه لم يكن هناك جند من جنود هذه األرض (أيده اهلل بجنود لم تروها وجعـل كلمـة‬
                                          ‫الذين كفروا السفلى وكلمة اهلل هي العليا).‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب، اسمح لي أن نعود إلى اإلخوة المشاهدين، معـذرة األخ أحمـد‬
                        ‫العنزي من السعودية، معذرة على التأخير أخ أحمد، اتفضل.‬
              ‫أحمد البهنسي: السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.‬
                                                            ‫ا‬
                                    ‫ماهر عبد اهلل: عفوً، أخ أحمد البهنسي، تفضل.‬
                                             ‫أحمد البهنسي: السالم عليكم ورحمة اهلل.‬
                                                        ‫ماهر عبد اهلل: عليكم السالم.‬
                            ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم يا أخي ورحمة اهلل.‬
                                               ‫أحمد البهنسي: وكل سنة وأنتم طيبين.‬
                                    ‫د. يوسف القرضاوي: وأنت بالصحة والسالمة.‬
                ‫أحمد البهنسي: وكل عام وأنتم بخير، وجزاكم اهلل خير على البرنامج.‬
                                                         ‫ماهر عبد اهلل: وأنت طيب.‬
                                                ‫د. يوسف القرضاوي: بارك اهلل فيك.‬


                                       ‫401‬
‫أحمد البهنسي: فرصة وجود الشيخ القرضاوي في هذه المناسبة الطيبة تشجعني على‬
‫السؤال على التوازن بين األخذ باألسباب في أمتنا اإلسالمية والتوكل أو التواكل فـي‬
                                                            ‫ال‬
‫أمور مث ً مثل المشروع الحضاري اإلسالمي، كيف نسعى لهذا المشروع الحضاري‬
            ‫تجم‬                                      ‫ال‬
‫اإلسالمي ونحن مث ً رابطة العالم اإلسالمي التي المفروض أن ِّع وتعرض هـذا‬
‫المشروع، رابطة العالم اإلسالمي هل.. هل أجاويد.. تركيا الرابطـة.. مـن.. مـن‬
‫سيعرض المشروع اإلسالمي؟ وأنا ال أحب أن أذكر أسماء، لكن األمثلة كثيرة، أيـن‬
                                            ‫م‬
‫من رابطة العالم اإلسالمي َنْ سيعرض المشروع الحضـاري اإلسـالمي؟ النقطـة‬
                                                                        ‫الثانية..‬
                                                ‫ا‬
‫د. يوسف القرضاوي[مقاطع ً]: أنت يا أخي أظنك.. أظنك.. أظن األخ تقصد مـؤتمر‬
                                               ‫العالم.. منظمة المؤتمر اإلسالمي؟‬
                                                           ‫أحمد البهنسي: أيوه..‬
‫د. يوسف القرضاوي: منظمة المؤتمر اإلسالمي، ألن رابطة العالم اإلسالمي شـيء،‬
                                                     ‫ومنظمة المؤتمر اإلسالمي..‬
                                                 ‫أحمد البهنسي: هي انبثقت عنه..‬
‫د. يوسف القرضاوي: ال.. ال.. ال، رابطة العالم اإلسالمي دي أسبق مـن منظمـة..‬
                                         ‫أ‬
‫رابطة العالم اإلسالمي دي رابطة شعبية ُقيمت من قديم في المملكة العربية السعودية،‬
‫إنما منظمة العمل اإلسالمي هي منظمة أقامها المسلمون بعد حريق المسجد األقصـى‬
‫حين اجتمع القادة في المغرب سنة 7470، فأنا أظن إنك تقصـد منظمـة المـؤتمر‬
                                                                     ‫اإلسالمي.‬
‫أحمد البهنسي: أيوه، جزاكم اهلل خير يا شيخ على التوضيح، هذا.. هل إحنا كمسـلمين‬
‫في العالم كيف نقوم بالمشروع الحضاري اإلسالمي وكيف نعرضه؟ ومثال آخر على‬
‫األخذ باألسباب في تطبيق االقتصاد اإلسالمي دراساتك دكتور القرضاوي ودراسـات‬
‫الكثيرين في االقتصاد اإلسالمي ومحاوالت العمل اإلسالمي في البنوك والمصـارف‬
‫اإلسالمية في الكويت وغيرها، وفي.. وفي مصر وفي السعودية، هذه المشاريع لما ال‬


                                     ‫501‬
                       ‫ي‬           ‫ا‬                 ‫ا‬              ‫تجم‬
‫َّع مع بعضها أخذً باألسباب وتعاون ً وتناصر كي ُطبق هـذا كمثـل للمشـروع‬
                                               ‫ال‬
‫اإلسالمي؟ في اإلعالم مث ً لما ال تتضافر الجهود وبمجهود مقنع زي حضرتك وزي‬
‫اإلخوة المخلصين الكثيرين في جميع أنحاء العالم لما ال يتضافروا على عمـل قنـاة‬
‫إعالمية ناطقة باللغة، ألنه (الجزيرة) لم تجب طلبنا من سنين علـى أن تكـون لهـا‬
‫ترجمة لكن أن تكون قناة بلغتهم، حتى نعرض فكرنا اإلعالمي؟ وجزاكم اهلل خير يـا‬
                            ‫ا‬                        ‫ال‬
‫دكتور يوسف فع ً كيف نحل هذه المشاكل آخذً باألسباب حتى نعـرض مشـروعنا‬
                                                 ‫ً‬
                                   ‫الحضاري اإلسالمي.. اقتصاديا وشورى وإعالم؟‬
‫ماهر عبد اهلل: مشكور يا أخ أحمد، مشكور يا أخ أحمد، معايا األخ عبد اهلل بدران من‬
                                                     ‫اإلمارات، أخ عبد اهلل اتفضل.‬
                                   ‫عبد اهلل بدران: السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته.‬
                                                      ‫ماهر عبد اهلل: وعليكم السالم.‬
                                   ‫د. يوسف القرضاوي: وعليكم السالم ورحمة اهلل.‬
                                    ‫عبد اهلل بدران: سيدي الشيخ يوسف القرضاوي.‬
                                              ‫د. يوسف القرضاوي: اتفضل يا أخي.‬
                                          ‫عبد اهلل بدران: عندي سؤالين إذا سمحت.‬
                                                      ‫د. يوسف القرضاوي: تفضل.‬
                                                         ‫ال‬
‫عبد اهلل بدران: أو ً: ما رأي فضيلتكم في من ال يؤدي األمانة ألهلهـا، وخاصـة أن‬
       ‫الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- قد رد األمانات إلى أهلها قبل الهجرة وبعدها؟‬
                                                                             ‫ا‬
‫ثاني ً: ما رأي فضيلتكم من الناحية الشرعية واألخالقية في اتفاقية السالم التي وقعتهـا‬
‫مصر واألردن مع العدو الصهيوني قبل أن يردوا األمانة إلى أهلها، واألمانة هي غزة‬
         ‫ا‬
‫لدى مصر والضفة الغربية التي كانت أمانة لدى األردن؟ وجزاكم اهلل خيرً، والسالم‬
                                                                 ‫عليكم ورحمة اهلل.‬
 ‫ماهر عبد اهلل: األخ وليد عدنان من لبنان.. طيب .. يبدو أنه فقدنا الصلة باألخ وليد.‬
                                                  ‫ً‬
                                         ‫كيفية تقديم اإلسالم لآلخرين أخذا باألسباب‬


                                       ‫601‬
‫ماهر عبد اهلل: التي نتمنى أن تنحصر فيها األسئلة والنقاش حول موضـوع الهجـرة‬
‫وكيفية االستفادة من بعض.. يعني بعض األحيان أشعر أنا بالتحايل على الموضـوع،‬
‫موضوع األسباب والتوكل أنا أعتقد يعني خاتمة كالمك، قبل سؤال األخ أحمد كان هو‬
‫هذا الموضوع، الجمع بين األخذ باألسباب والتوكل، يعني هل.. هل تحـب أن تعلـق‬
                                       ‫ً‬
                             ‫تعليق مختصر على كيفية تقديم اإلسالم أخذا باألسباب؟‬
                ‫ا‬
‫د. يوسف القرضاوي: هو يعني.. الشك أن المسلمين مقصرون جدً في رعاية السنن،‬
‫يعني هذه السنن هي القوانين التي أقام اهلل عليها نظام هذا الوجود، سـواء القـوانين‬
‫الكونية أو القوانين االجتماعية، كما يقول القرآن (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فـي‬
              ‫ال‬
‫األرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، (فلن تجد لسنة اهلل تبدي ً ولن تجد لسـنة‬
                                                                       ‫ال‬
‫اهلل تحوي ً)، (سنة اهلل في الذين خلوا من قبل)، يعني نستقرأ التاريخ ونستقرأ الواقـع‬
‫لنعرف منه سنن اهلل، المسلمون لألسف لم يعرفوا السنن، يعني واخدين األمور يعنـي‬
‫سبهللة، وال يمكن لإلنسان أن يستطيع أن يصل إلى النتيجة إال بمقدمتها الصـحيحة،‬
‫من.. من زرع حصد، ومن زرع الشوك ال يحصد العنب، هذه سـنن البـد أن.. أن‬
                                                                        ‫ت‬
‫ُراعى، نحن -لألسف- أجهل الناس بسنن اهلل، فما يقوله األخ بصفة عامة هو يـدل‬
‫على أن المسلمين ال يأخذون بالسنن، منظمة المؤتمر اإلسالمي التي يقول عنهـا األخ‬
‫هي يعني بتمثل األمة اإلسالمية، في وهن األمـة اإلسـالمية، فـي تشـرذم األمـة‬
‫اإلسالمية، في تمزق العالقات بين أبنائها، هي مرآة لألمة.. إذا قويت األمة قويت هذه‬
                                                          ‫المؤسسات من غير شك.‬
                                               ‫ماهر عبد اهلل: يعني عندي سؤالين..‬
                                             ‫د. يوسف القرضاوي: األخ اللي بعد..‬
           ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: يعني سؤال كان عن األمانة خرج عن الموضوع تمامـ ً، إذا حبيـت‬
‫تعلق عليه، موضوع.. كيف.. يعني ما رأيك وما تقول في ما ال يؤدي األمانـة إلـى‬
‫أهلها؟ وما هو موقفك من اتفاقية السالم مع مصر واألردن على اعتبار أنها لم تؤدي‬
                                                     ‫إلى أن تعود األمانة إلى أهلها؟‬


                                       ‫701‬
                                            ‫ال‬
‫د. يوسف القرضاوي: واهلل هو أو ً أنا أحب أقول لألخ أنا ممن يعارضون االتفاقات‬
‫الجانبية مع إسرائيل، وهذا رأي معروف لي وكتبت فيه وقلته من.. من.. من قـديم،‬
‫ً‬                                    ‫ت‬
‫والزلت أرى إنه إسرائيل ال يمكن أن ُقاوم إال بعمل جماعي مـن العـرب جميعـا‬
                                 ‫ا‬
‫ووراءهم المسلمون، البد أن يتفق العرب جميع ً ويقفوا وقفة رجل واحد، والصـهاينة‬
‫استطاعوا أن يخرجوا مصر من المعركة ثم يخرجوا األردن وهي أقرب الناس إلـى‬
‫القضية من المعركة، وهذه سياسة خبيثة ينبغي أن نفطـن لهـا ونحـاول أن نبطـل‬
                                                                      ‫مفعولها.‬
‫ماهر عبد اهلل: يعني اسمح لي بس أقرأ الرسالة من األخ ياسر عز الدين سليم علـى‬
‫اعتبار إنه فيها توضيح نحن لم نقل أن هذا ذكرى الهجرة النبوية، نحن نوهنا أن هـذا‬
‫بداية عام هجري جديد، األخ ياسر يقول، يعني كنا نود أن تضـيفوا مالحظـة ثالثـة‬
‫لفاتحة حديثكم وهو أن هذه األيام ليست أيام ذكرى الهجـرة النبويـة، ألن الهجـرة‬
‫المباركة حدثت في غرة ربيع األول، وبلغ الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- يثرب يوم‬
‫ً‬
‫الحادي عشر منه، ولكن هذه األيام تمثل بداية السنة الهجرية حتـى ال يكـون خطـأ‬
   ‫ق‬                         ‫ه‬
‫للسامعين، كما كنت أتمنى لو ذكرتم أن شهر محرم ُتكت به كرامة األمة عندما ُتـل‬
‫سبط رسول اهلل -صلى اهلل عليه وسلم- وسبي ذراري الرسول. الحقيقة يعني كوننـا‬
                                                                 ‫نعيش المحرم.‬
                                   ‫ا‬
‫عندي رسالة أخرى من األخ عباس رضا أيض ً بالفاكس يعني يريد منا التعريج علـى‬
                               ‫ا‬
‫حادث المحرم ومقتل اإلمام الحسين، خصوص ً إنه جزء من ضعف حالة األمة هـذه‬
      ‫األيام هي هذه الصراعات الداخلية، يعني هل.. هل نقف لحظة مع مقتل اإلمام؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: أنا يعني نبهت في أكثر من مرة إلى أن هذا البرنامج هو لألمة‬
‫اإلسالمية كلها وليس لطائفة من الطوائف، ال ينبغي لـبعض اإلخـوة أن يحـاول أن‬
‫يستغل هذا البرنامج لصالح طائفة معينة، نحن نحـب آل البيـت، ونحـب الحسـن‬
                                              ‫ي‬
‫والحسين ونعتبرهما سيد ّ شباب أهل الجنة، ونأسف على ما حدث للحسين -رضـي‬
                         ‫ت‬
‫اهلل عنه- ولكن ليس الحسين أول شهيد في األمة، اس ُشهد قبل الحسين أبوه -رضـي‬


                                     ‫801‬
‫اهلل عنه- علي بن أبي طالب، واستشهد قبله عثمان، واستشهد قبله عمـر، واستشـهد‬
                                              ‫ً‬            ‫ً‬
                                     ‫كثير من األنبياء (ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون).‬
                                                            ‫ا‬
                                    ‫ماهر عبد اهلل[مقاطع ً]: وسيد.. وسيد الشهداء..‬
                           ‫ن‬                        ‫ذ‬
‫د. يوسف القرضاوي: ُبح السيد الحصور يحيى، و ُشر بالمنشار زكريـا، وحـدث..‬
‫التاريخ مليء يعني بالشهداء، فلماذا اإلخوة فقط اهتموا بمقتل الحسـين ولـم يهتمـوا‬
‫بمقتل أبيه وال بمقتل..؟ نحن نأسف لمقتل الحسين، ولكن ال نقبـل أن نجعـل شـهر‬
‫المحرم شهر أحزان، وال نقبل ما يفعله بعض المسلمين ممن يجعلوا يوم عاشوراء يوم‬
                                                                 ‫ي‬
‫عيد عندهم و ُسن فيه االغتسال واالكتحال وكذا، ال هذا مقبول وال هذا يعني مقبـول،‬
                                     ‫وال أريد أن أدخل في هذا اللون من الصراع.‬
      ‫ماهر عبد اهلل: طيب، معايا األخ عالء الزعتري من فلسطين، أخ عالء اتفضل.‬
                                                ‫عالء الزعتري: آلو، السالم عليكم.‬
                                                      ‫ماهر عبد اهلل: عليكم السالم.‬
                                  ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم ورحمة اهلل.‬
                         ‫عالء الزعتري: تحياتي لك أخي ماهر وللشيخ القرضاوي.‬
                                           ‫د. يوسف القرضاوي: حياكم اهلل يا أخي.‬
                        ‫عالء الزعتري: اهلل يحييك، أنا إلي واهلل لو سمحت سؤالين.‬
                                                    ‫د. يوسف القرضاوي: تفضل.‬
‫عالء الزعتري: السؤال األول يتعلق بالطريق اللي سار فيه الرسول -عليه الصـالة‬
‫والسالم- حين وصل إلى المدينة وأقام دولة اإلسالم، هذا الطريق اللـي سـار فيـه‬
‫الرسول -عليه الصالة والسالم- والذي الرسول.. نحن يجب علينا االلتزام بطريقـه،‬
                                                     ‫ا‬
‫والتأسي به، أليس واجب ً علينا وعلى العاملين في هذه األوقـات التأسـي بالرسـول‬
                                    ‫للوصول إلى دولة اإلسالم؟ هذا السؤال األول.‬
‫أما السؤال الثاني: فإنني أوجهه إلى فضيلة القرضاوي.. الشيخ القرضـاوي: لمـاذا‬
‫الشيخ القرضاوي في هذا الظرف الذي يتعرض فيه أهل فلسطين، للقتل وللتـدمير -‬


                                     ‫901‬
                                                                    ‫ا‬
‫طبع ً في فلسطين وفي غير فلسطين من بـالد المسـلمين- لمـاذا ال يقـوم فضـيلة‬
‫القرضاوي بالتوجه إلى قواد الجيوش في العالم اإلسالمي لتتحرك نحو تحرير فلسطين‬
‫وقلع األنظمة التي ال تحكم باإلسالم والتي هي حائل لعودة اإلسالم إلى الوجود وبـين‬
                               ‫تحرير فلسطين من دنس الكافرين؟ وبارك اهلل فيكم.‬
                                                    ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: مشكور جدً يا أخ عالء، يعني نتمنى لو كان الشيخ يستطيع أن يفعـل‬
‫أكثر من.. من مثل ما يفعل، لكن ستسمع منه تعليق، معايا األخ خالد صالح الدين من‬
                                                   ‫ً‬
                                        ‫اليمن، أخ خالد اتفضل، عفوا خالد صالح.‬
                                           ‫خالد صالح: السالم عليكم ورحمة اهلل.‬
                                               ‫ماهر عبد اهلل: اتفضل يا أخ خالد.‬
                                                      ‫خالد صالح: السالم عليكم.‬
                           ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم ورحمة اهلل يا أخي.‬
                                                       ‫ا‬
‫خالد صالح: عفوً يا شيخنا الكريم، بس أنا بدي أعرف ما هو حكـم الشـرع فـي‬
                                          ‫ا‬
‫االحتفال بيوم السنة الهجرية؟ وأيض ً يوم مولد الرسول صلى اهلل عليه وسـلم، يـوم‬
‫اإلسراء والمعراج، ما هو الحكم الشرعي في ذلك؟ هذا هو الجائز أم هذا ابتداع وهو‬
                                                                      ‫ال يجوز؟‬
‫األمر اآلخر هو ما يختص في يوم عاشوراء وما إلى ذلك، في إخواننا الشـيعة فـي‬
‫‪ ،O.K‬نحن كلنا، نعم نأسف لموت الحسن والحسين وتلك مصيبة عظيمة، ولكن هـل‬
‫يجوز لنا أن نسب معاوية وهو صحابي من صحابة رسـول اهلل -صـلى اهلل عليـه‬
‫وسلم- وهو كما نعلم أنه كاتب للوحي؟ فال يجوز لنا سبه، ونعته بالنعت الذي ال يليق‬
                                             ‫على مسلم، وجزاك اهلل خيرا شيخنا.‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب، مشكور يا أخ خالد، معايا األخ سعد من السـعودية، أخ سـعد‬
                                                                        ‫اتفضل.‬
                                                     ‫سعد الحمدان: السالم عليكم.‬
                                                    ‫ماهر عبد اهلل: عليكم السالم.‬


                                     ‫011‬
                                  ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم ورحمة اهلل.‬
‫سعد الحمدان: لو سمحت أنا بأتكلم بس بخصوص مبادرة األمير عبد اهلل يعني شـيء‬
‫معروف أيه هدفها، مش هدفها الصلح مع.. يعني بس أنـا المشـاكل اللـي تصـير‬
                    ‫ا‬
‫للفلسطينيين أل، ليها هدفها هدف يعني كل الحكام العرب طبع ً (...) مواجهة فلسطين‬
‫إذا انحرجوا بالنسبة للديمقراطية وحقوق اإلنسان مطالبين بهم فينحرجون من أميركـا‬
                                                          ‫ومن مواجهة إسرائيل.‬
                                                     ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل[مقاطع ً]: بس.. أخ سعد.. أخ سعد يعني أيش عالقة هـذا بموضـوعنا‬
                                                                         ‫اليوم؟‬
‫سعد الحمدان: أنا بأوصل له، هو المشكلة إن الملكيين في زمن رموا التـاج ورمـوا‬
‫الخواتم الذهب ولبسوا البدالت العسكرية وقعدوا يتكلمون، اآلن شفناهم هم نفسهم رموا‬
‫البدالت العسكرية وقاعدين يتكلمون زي األميركان، متأمركين، إحنا الزم نحترم آراء‬
‫الغالبية، إحنا ما عندنا مشاكل معهم، إحنا طيب من عشر سـنوات، أيـش تعملـون؟‬
                                                                      ‫مناهجنا..‬
‫َّ‬                                                        ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل[مقاطع ً]: أل، أنا عايز يا أخ سعد.. يا أخ سعد، يعني لو تكرمـت علـي‬
                                           ‫تربطه بموضوع الحلقة ومضطر إنه..‬
‫سعد الحمدان: يا عزيزي أنا بأربطه بموضوع الحلقة بس خليني أتكلم فـي الحقيقـة‬
‫يعني أنا أحاول أربط موضوع.. معلش يعني، فأقول لك يعني هو.. الحين نتكلم عـن‬
‫الهجرة والتاريخ الهجري وكذا والعراق اآلن بينضرب طيب والمسلمين هناك، الكويت‬
‫يعني.. يعني مشاكل كتيرة، ياريت.. وبعدين عندي كلمة عن (الجزيرة) لو سـمحت‬
‫أوصلها: بالنسبة لكالمهم عن قوات القاعدة والطالبان، أل.. العدل الطالبان، يعني مش‬
‫قوات القاعدة، هذه.. هذه قاعدة.. يعني زي األميركان لمـا يتكلمـون عـن جيـوش‬
                                                           ‫ال‬    ‫ً‬
                                                          ‫األفغان، شكرا جزي ً.‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب، يعني أخ.. أخ سعد يعني أنا مضطر لألسف الشديد يا أخ سعد..‬
                      ‫ا‬
‫يا أخ سعد أعطيتك فرصة أكثر يعني موضوع خارج تمام ً عن الموضوع، وللتو كنا‬


                                     ‫111‬
‫نبهنا نرجو أن تنحصر األسئلة والتعليقات في موضوع الحلقة، نحن نعلـم أن همـوم‬
‫األمة كثيرة، وأن الحقائق التي يمكن أن تقال كثيرة، ولكن لو أردنا أن نتحدث في كل‬
 ‫المواضيع في كل حلقة فأعتقد أننا لن نفي أي موضوع حقه ولن نصل إلى أية نتيجة.‬
‫سيدي، سؤال األخ عالء الزعتري: لماذا ال نتأسى بالرسول صلى اهلل عليـه وسـلم،‬
‫كيف.. يمكن أنا أعيد صياغة.. صياغة سؤاله: كيف يمكن أن نتأسى بالرسول -صلى‬
                                ‫ا‬
‫اهلل عليه وسلم- إلقامة دولة اإلسالم؟ خصوص ً يعني لو سمحت لي كان أحد المحاور‬
                                ‫ا‬
‫التي كان البد أن.. يعني ثمة جانب خطير أيض ً في الهجرة أنه الرسول -صـلى اهلل‬
             ‫ي‬
‫عليه وسلم- ضحى بعزيز، ضحى بوطنه، متى يمكن لإلنسان أن ُضحي بوطنه مـن‬
  ‫أجل إقامة هذه..؟ هل ضحى بالوطن من أجل إقامة الدعوة أم من أجل إقامة الدولة؟‬
                       ‫ا‬          ‫ال‬              ‫ال‬
‫د. يوسف القرضاوي: أو ً: الهجرة هي فع ً كانت بحث ً عن أرض يستطيع اإلسـالم‬
                    ‫ا‬
‫فيها أن يمكن لدينه بكل أحكامه وتعاليمه، في مكة لم يكن قادرً على التمكين للـدين،‬
‫حتى إنه هو نفسه ما كانش قادر يصلي، يعني يمكن في األسبوع اللي فات اتكلم معاك‬
                           ‫ا‬
‫أخونا الشيخ القره داغي، (أرأيت الذي ينهى عبدً إذا صلى) حتـى محمـد -عليـه‬
                                                        ‫ي‬
‫الصالة والسالم- ُنهى عن الصالة في.. في الكعبة، فأرض لم يستطع المسـلمون أن‬
    ‫ت‬
‫يقيموا فيها دينهم فالبد أن يبحثوا عن أرض حرة، فكان البحث عن أرض حرة ُقـام‬
‫فيها كل أحكام اإلسالم كانت هي أرض يثرب، فكان إلقامة الدعوة وإقامـة المجتمـع‬
‫اإلسالمي، وإقامة الدولة اإلسالمية، ولذلك في المدينة هي التي نزل فيهـا قـول اهلل‬
‫تعالى: (يا أيها الذين آمنوا)، القرآن المكي كله ليس فيه (يا أيها الـذين آمنـوا)، ألن‬
‫الذين آمنوا معناها صيغة جماعة مؤمنة، لم تكن فيهم هناك جماعة لها سلطانها ولهـا‬
                                        ‫ت‬
‫سيادتها، ولها قوتها في مكة حتى ُخاطب بهذا الخطاب، حينما أصبحت هناك جماعة‬
‫مؤمنة لها أرضها ولها سلطانها، ولها قدرتها على التمكين لدينها نوديت بهذا الخطاب‬
‫(يا أيها الذين آمنوا)، فالرسول -عليه الصالة والسالم- حينما لم يجد في مكـة هـذا‬
‫األمر بحث عن بديلها وضحى بها وهي أحب الناس.. أحب البالد إليه، ومعروف أنه‬
‫قال -عليه الصالة والسالم- حينما غادر مكة: "أما إنك ألحب بالد اهلل إلى اهلل وأحب‬


                                       ‫211‬
      ‫ا‬                                                         ‫إلي‬
‫بالد اهلل َّ، ولوال أن قومك أخرجوني منك ما خرجت"، ولذلك القرآن دائمـ ً يعبـر‬
                                    ‫ظ‬             ‫ي‬         ‫أ‬        ‫أ‬
‫عن هذا بُخرجوا: (ُذن للذين ُقاتلون بأنهم ُلموا وإن اهلل على نصرهم لقدير الـذين‬
                                                                             ‫أ‬
‫ُخرجوا من ديارهم بغير حق إال أن يقولوا ربنا اهلل)، (للفقـراء المهـاجرين الـذين‬
                                     ‫ال‬                                  ‫أ‬
‫ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فض ً).. وإخراج اإلنسان من داره يعني كأنـه‬
‫قتل، حتى إن القرآن يقول: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسـكم أو اخرجـوا مـن‬
                  ‫خ‬                                 ‫ال‬
‫دياركم ما فعلوه إال قلي ً)، الخروج من الديار هذا خاصة إذا ُرجت منها رغم أنفـك‬
                                                                   ‫أ‬
‫كما ُخرج أهل فلسطين من ديارهم رغم أنوفهم وشتتوا وشردوا في أنحـاء األرض..‬
       ‫هذه، ولكن حينما يجد اإلنسان إنه فيه دينه وفيه وطنه، أيهما أغلى عنده وأعز؟‬
‫الدين والعقيدة أغلى من كل شيء، ولذلك القرآن يقول: (قل إن كان آباؤكم وأبنـاؤكم‬
                                       ‫ل‬
‫وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموا ٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومسـاكن‬
‫ترضونها) اللي هي األوطان (أحب إليكم من اهلل ورسوله وجهاد في سبيله فتربصـوا‬
‫حتى يأتي اهلل بأمره)، فكل هـذه األشـياء اآلبـاء، واألبنـاء، واألخـوة، واألزواج،‬
‫والعشيرة، والوطن، وكله في كفة وحب اهلل ورسوله والجهاد في سـبيله فـي كفـه‬
‫أخرى، فلذلك ضحى النبي -صلى اهلل عليه وسلم- وهذا هو شـأن المـؤمن، وده..‬
    ‫ي‬
‫وباب الهجرة مفتوح إلى يوم القيامة، إذا وجد اإلنسان إنه في بلده ال يستطيع أن ُقـيم‬
                   ‫ا‬
‫دينه وال أن يؤدي شعائره وال كذا، ووجد الفرصة متاحة أيض ً، ألنه في عصـرنا ال‬
‫توجد هذه الفرصة، الناس زمان كان ممكن يترك البلد ويروح بلد آخـر، وال توجـد‬
‫حوائل وال حواجز وال جنسية، وال.. أل، اآلن ليس األمر، إنما إذا وجد هذا نقول لـه:‬
‫البد أرض اهلل واسعة يا أيها.. (يا عبادي الذين آمنـوا إن أرضـي واسـعة فإيـاي‬
‫فاعبدون)، والقرآن الكريم يقول: ( إن الذين توفاهم المالئكة ظالمي أنفسهم قالوا فـيم‬
               ‫ة‬
‫كنتم قالوا كنا مستضعفين في األرض قالوا ألم تكن أرض اهلل واسع ً فتهاجروا فيهـا‬
‫فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إال المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان ال‬
‫يستطيعون حيلة وال يهتدون سبيال فأولئك عسى اهلل أن يعفو عنهم) فاإلنسـان إذا لـم‬



                                      ‫311‬
‫يمكن لدينه في األرض ووجد الفرصة للهجرة فليهاجر من بلد الكفر أو بلد المعصـية‬
              ‫م ً‬                                  ‫ٍ‬
          ‫أو بلد البدعة والمنكرات إلى بلد آخر يسلم فيه دينه، إذا كان ذلك ُيسرا له.‬
‫أنا بالنسبة أقول لألخ اللي بيقول التأسي بالرسول أنا أعـرف إخواننـا التحريـريين‬
‫وآراءهم في مسألة طلب النصرة وإنه الزم نطلب النصرة من قواد الجيـوش، وهـذا‬
‫َّ‬
‫أمر في عصرنا غير مقبول، ألن قادة الجيوش موظفون في.. في الدولة، ماهماش هم‬
‫اللي بيتحكموا في الجيوش ويعملوا، قائد الجيش، أو قائد األركان، أو وزير الـدفاع،‬
‫هذا موظف ممكن النهارده يكون قائد وبعد بكره يعني يغير ويـأتي بغيـره، فكوننـا‬
‫نطلب من قادة الجيوش هذا أمر ليس يعني..، والتأسي بالرسول.. التأسي ليس معنـاه‬
‫إنه زي ما الرسول هاجر الزم إحنا نهاجر مش شرط، إذا الهجرة مطلوبة لك تهاجر،‬
‫ولكن.. ولذلك النبي -صلى اهلل عليه وسلم- بعد كانـت الهجـرة فـي أول األمـر‬
‫مفروضة على المسلمين، وقال اهلل تعالى: (وما لكم من واليتهم من شيء)، (والـذين‬
                                ‫ء‬
‫آمنوا ولم يهاجروا مالكم من واليتهم من شي ٍ حتى يهاجروا)، وظلت الهجرة فريضة‬
‫على كل مسلم أسلم في أي مكان إنه يهاجر إلى النبي -صلى اهلل عليه وسـلم- فـي‬
            ‫المدينة، وينضم إلى الجماعة اإلسالمية، َّر سواد المسلمين، ويشد‬
‫ُّ مـن أزرهـم،‬                   ‫ويكث‬
‫ويتعلم اإلسالم، ثم بعد فتح مكة قال النبي -صلى اهلل عليه وسلم- بصريح العبارة: "ال‬
                                          ‫ت‬
‫هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا اس ُنفرتم فانفروا" فليس.. ليس معناه إنه ما دام‬
‫الرسول هاجر الزم نهاجر أل، فالتأسي في المنهج العام منهج الدعوة العام.. إنما ليس‬
‫الرسول عرض نفسه على القبائل نعرض نفسنا، أل، كل أمر حسب الظروف وحسب‬
                                                                       ‫المالبسات.‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب معايا األخ.. نعود لسؤال األخ خالد بعد قليل. معايا األخ علي بن‬
                                             ‫عيسى من البحرين، أخ علي، اتفضل.‬
‫علي بن عيسى: لو اتكرمت أحب أقدم هذا السؤال لفضيلة الشيخ. جناب الشيخ السالم‬
                                                                           ‫عليكم.‬
                                    ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم ورحمة اهلل.‬


                                       ‫411‬
                                                     ‫ا‬
                                                    ‫علي بن عيسى: ووفيتم خيرً.‬
                                             ‫د. يوسف القرضاوي: بارك اهلل فيك.‬
                                  ‫ي‬
‫علي بن عيسى: جنابكم في هذه األيام ُعرض مسلسل في الكويت يتنـاول موضـوع‬
    ‫فجر اإلسالم، وأبو طالب مع حمايته للنبي قد مر بالراهب بحيري فأخبره بحيري.‬
                                                        ‫ب‬
                                                   ‫د. يوسف القرضاوي: ِحيري.‬
   ‫ت‬
‫علي بن عيسى: عن النبي محمد وعن العالمات التي تتوفر في هذا النبي، فهل ُـرى‬
‫أبو طالب مع حس العرب.. مع حسه العربي وتكالب األخبار من الكتـب السـماوية‬
‫السابقة عن صفات النبي وإخبار بحيري إله وهو أبو طالب الذي هـو أبـو طالـب‬
‫معروف في البطحاء كلها، هذا حسه لم يساعده مع ما رأى من ابن أخيه وحـدا بـه‬
                     ‫ا‬                                        ‫ا‬
‫عليه أن يكون مؤمنً؟ وجناب الشيخ معلم المعلمين وقدوتنا طبع ً إذا أكد لنـا أن أبـو‬
                                                                ‫ا‬
‫طالب مات كافرً فقد نعتقد ذلك، أال يلحقنا أو يلحق الشيخ -ال سمح اهلل- شيء من لو‬
                                                          ‫ا‬
                                                         ‫أن أبا طالب مات مؤمنً؟‬
                                                      ‫ال‬
                            ‫وهل نحمل أبو طالب أص ً على اإليمان أو على الكفر؟‬
                                              ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب مشكور جدً أخ علي، معايا األخ عبد الباري هيكل من سـوريا،‬
                                                          ‫أخ عبد الباري، أتفضل‬
                              ‫عبد الباري هيكل: السالم عليكم ورحمة اهلل وبركاته.‬
                                                     ‫ماهر عبد اهلل: عليكم السالم.‬
                                  ‫د. يوسف القرضاوي: وعليكم السالم ورحمة اهلل.‬
                                      ‫عبد الباري هيكل: كيف حالك فضيلة الشيخ؟‬
                                             ‫د. يوسف القرضاوي: بارك اهلل فيك.‬
‫عبد الباري هيكل: واهلل أنا عندي.. ذكر الشيخ ببداية الكالم أنه لما أعرض أهل مكـة‬
                             ‫وعد‬
‫عن دعوة رسول اهلل -صلى اهلل عليه وسلم- َّد أسباب اإلعراض قام الرسـول -‬
‫كما قال الشيخ- بالتفكير البشري وبدأ باختيار البدائل، ومنها العرض علـى القبائـل‬
       ‫ا‬
‫والذهاب إلى المواسم. وقبائل العرب، هذا الكالم أظن أن عليه تعليق كبير جدً، فـإذا‬


                                      ‫511‬
‫لم نأخذ باآليات العامة واألدلة العامة التي تؤكد أن رسول اهلل -صلى اهلل عليه وسلم-‬
                                                                       ‫ي‬
‫وحي ُوحى على الطريقة التي أمره بها ربه، لنأخذ هذا الدليل الخـاص بالمسـألة إن‬
                                                   ‫كان يتسع صدركم لهذا الحديث.‬
                                                           ‫ماهر عبد اهلل: اتفضل.‬
‫عبد الباري هيكل: فقد جاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري ما نصـه: أخـرج‬
‫الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدالئل بإسناد الحسن عن ابن عباس حدثني علـي بـن‬
‫أبي طالب قال: "لما أمر اهلل نبيه أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معـه وأبـو‬
                                                           ‫ن‬
‫بكر إلى ِم َى".. إلى آخر الحديث، فهذا نص صريح بأن عرض النبـي -صـلى اهلل‬
                                            ‫ر‬
‫عليه وسلم- على القبائل إنما كان بأم ٍ من اهلل عز وجل، ومنه أال يقتضينا هذا الكالم‬
‫إلى إعادة سيرة الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- على أنها منهج دعوة، منهج إلعـادة‬
‫إحياء هذه األمة؟ وأرجو أن أرشدكم وأرشد األخوة المستمعين إلى كتـاب الـدكتور‬
‫محمد خير هيكل الذي اسمه "الجهاد والقتال فـي السياسـة الشـرعية" إصـدار دار‬
                                      ‫ف ف‬
‫البيارق، هذا الكتاب فيه بحث شا ٍ ووا ٍ عن موضوع إقامة الدولة اإلسالمية ومنها‬
          ‫عاملوا الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- وطلب النصرة، هذه النقطة األولى.‬
‫النقطة الثانية لألخ ماهر.. قال بأن.. في تعليقه على موضوع الوالء والبـراء ومـا‬
‫أشبه ذلك، واستنكر أنه قال كأن الكافر ملة أخرى، أقول لـك: يـا أخ مـاهر، مـع‬
‫االحترام نعم، الكفر ملة أخرى، ويوجد ملة اإلسالم وما دونها ملة الكفر، وملة الكفـر‬
‫واالستعانة بالكافر سؤال، وأظن أنه أتى ببعض اللبس االستعانة بالكافر ليس بإعطـاء‬
                                                         ‫السبيل لهم على المسلمين‬
                                       ‫ال‬
                                      ‫ولن يجعل اهلل للكافرين على المسلمين سبي ً.‬
                                                  ‫د. يوسف القرضاوي: المؤمنين.‬
              ‫عبد الباري هيكل: أرجو التعليق على ذلك، والسالم عليكم ورحمة اهلل.‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب مشكور يا أخ عبد الباري، معايا األخ سيدي محمد ولد عـويس‬
                                                                        ‫من قطر.‬


                                      ‫611‬
                                         ‫سيدي محمد ولد عويس: ألو، السالم عليكم.‬
                                                        ‫ماهر عبد اهلل: عليكم السالم.‬
                                                ‫د. يوسف القرضاوي: عليكم السالم.‬
                                              ‫سيدي محمد: حياك اهلل يا فضيلة الشيخ.‬
                                       ‫د. يوسف القرضاوي: حياك اهلل يا أخ تفضل.‬
‫سيدي محمد: سيدي فضيلة الشيخ، أريد أن أعرف عن تاريخ الهجري، هل الرسـول‬
                                                             ‫-صلى اهلل عليه وسلم-‬
               ‫في معاهداته وفي شؤون رعيته اليومية كان يستخدم هذا التاريخ أم ال؟‬
                           ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب مشكور يا أخ ولد عويس شكرً لك. سيدي، ما حكم الشرع فـي‬
                                      ‫االحتفال بهذه المناسبات؟ كان سؤال األخ خالد.‬
                                                         ‫د. يوسف القرضاوي: نعم؟‬
               ‫ماهر عبد اهلل: ما حكم الشرع في االحتفال بهكذا مناسبات.. عاشوراء؟‬
‫د. يوسف القرضاوي: ما معنى.. االحتفال؟ إحنا.. إحنا بننتهز هذه الفـرص لنـذكر‬
                                                                  ‫ن‬
‫المسلمين بمعا ٍ إسالمية والتذكر لنعم اهلل تعالى أمر مشروع، القرآن يقول: (يا أيهـا‬
    ‫ا‬       ‫ا‬
‫الذين آمنوا اذكروا نعمة اهلل عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريح ً وجنـودً لـم‬
‫تروها) في غزوة األية الخندق، (واذكروا إذ أنـتم قليـل مستضـعفون فـي األرض‬
‫تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم)، (يا أيها الذي آمنوا اذكروا نعمة اهلل عليكم‬
                ‫َذك‬                           ‫إذ ه َّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف‬
‫َّ أيديهم عنكم).. إلى آخره، ت ُّر نعم اهلل تعالى‬                             ‫َم‬
‫في األحداث المختلفة هذا أمر مشروع، وبعدين إذا كان بعض المسلمين -لألسـف-‬
‫بيحتفلوا برأس السنة الميالدية، فلماذا ال يحتفلون برأس السنة الهجرية؟ هـذا العـام‬
‫الهجري، ونحن في الحقيقة ال نحتفل بذكرى الهجرة، وإنما نحتفل بالعام الهجري، وقد‬
‫جرت عادة المسلمين، أن في أول العام الهجري أن يتحدثوا عن هجـرة الرسـول -‬
‫صلى اهلل عليه وسلم- وال يتحدثوا عنها في ربيع، وهذا أمر ال.. ال بأس بـه، ألنـه‬
‫ليس في ذلك نص، التذكير بأحداث السيرة النبوية وبمجريات هذه السـيرة وأحـداثها‬


                                        ‫711‬
‫الكبرى أمر مشروع.. وال شك، والهجرة هي من أعظم األحداث، واألخ اللي بيسأل:‬
‫هل كان الرسول بيكتب تاريخ هجري، أل، التاريخ الهجري، إنما حدث في عهد عمر‬
              ‫ا‬
‫بن الخطاب، هو الذي استشار الصحابة، إنه يجعلوا للمسلمين تاريخـ ً، ألنـه كـانوا‬
‫يقولوا.. سنة الفيل.. سنة كذا، أل.. الزم، وكان من توفيق اهلل تعالى لهم إنهم اختاروا‬
‫تاريخ المسلمين بأن يبدأ من هجرة الرسول -عليه الصالة والسـالم- هنـاك بعـض‬
                                                       ‫ال‬
‫المسلمين في بعض البالد مث ً في ليبيا… اختاروا أل، قالوا نجعل الوفاة.. يبدأ التاريخ‬
‫بالوفاة، بدل ما نقول هاء يقولوا واو، طب لماذا هذا؟ المسلمين، والصحابة، وعلي ابن‬
‫أبي طالب، وعمر بن الخطاب اختاروا أن يبدءوا بهذا، ألن هو وقت إقامة المجتمـع‬
‫المسلم في المدينة وإقامة الدولة اإلسالمية وإقامة سلطان اإلسالم في هذا البلـد فهـو‬
           ‫ت‬                                        ‫م‬
‫أصبح هذا أمر معروف و ُلئت الكتب والتواريخ بسنة كذا هجرة، وهذا ُوفي سنة كذا‬
‫هجرية، وولد سنة كذا هجرية، وولد سنة كذا هجرية، فلماذا نغير؟ الشك أن المسلمين‬
                                   ‫وعمر كانوا موفقين في اختيار هذا التاريخ. نعم.‬
                             ‫ماهر عبد اهلل: هل تريد أن تعلق على قصة أبو طالب؟‬
                                                        ‫د. يوسف القرضاوي: نعم؟‬
                                                         ‫ماهر عبد اهلل: أبو طالب.‬
‫د. يوسف القرضاوي: هذا أمر يعني فيه خالف بين الشيعة والسنة في هذا، والثابـت‬
‫في الصحيحين أنه النبي -عليه الصالة والسالم- عرض على أبي طالب أن يشهد أن‬
‫ال إله إال اهلل، ولكنه يعني وهو.. وظل عنده، هو يقول له: كذا، وأبو جهل يقول لـه:‬
‫على ملة عبد المطلب، فآخر ما قال قال على ملة عبد المطلب، قال له: قلهـا كلمـة‬
‫أحاج لك بها عند اهلل يوم القيامة وأشفع لك بها عند اهلل يوم القيامة فـرفض.. وهـذا،‬
‫وده يعني كما قلت من حكمة اهلل تبارك وتعالى، إنه رغم كفـره ظـل يـدافع عـنهم‬
‫ودفاعه عنه وهو مشرك نفعه، ألن أبا طالب كانت.. كان هذا يعني مـن أسـباب إن‬
                                                    ‫ا‬
‫قريش جعلت له احترام ً ومكانة على.. على دينهم، وجاء في أكثر من حديث إن هذا‬
                                              ‫ا‬
‫جعله من أخف أهل النار عذاب ً، الشيعة يقولون غير ذلك، حديث بحيرى هـذا يعنـي‬


                                       ‫811‬
‫الكثير من المحققين شككوا يعني فيه بحيرى الراهب، فيعني على كل حال أنا ال أحب‬
‫أن أثير األمور الخالفية بين السنة والشيعة في هذه األحداث، عندنا مـا صـح مـن‬
‫األحاديث أن أبا طالب مات على الشرك، وهذا واهلل يعز علي، وأنا.. كنت أحـب أن‬
         ‫ي‬                                                       ‫ا‬
‫يموت مسلم ً، ولكن هذا قدر اهلل عز وجل، وهذا أمر يعني البحث فيه ال ُجدي، يعني‬
‫هو إذا كان يعني مؤمن كما يقول الشيعة أو كذا، هو هيأخذ جزاءه عند اهلل كما يعلـم‬
                                      ‫ا‬
                                     ‫اهلل عز وجل، وكالمنا ال يغير من الواقع شيئ ً.‬
                                         ‫ماهر عبد اهلل: واهلل أرحم، وأعدل، وأحكم.‬
                          ‫أ‬
                       ‫طيب األخ عبد الباري هيكل يقول: إن الرسول ‪ ‬يعني ُمر.‬
‫د. يوسف القرضاوي: ما عندنا مانع إحنا نقول الرسول.. إحنا المشكل إحنا الذي أنـا‬
‫أعارضه أيه أن نقول إن الرسول كان في كل خطـوة مـن خطواتـه ال يمشـي إال‬
‫بالوحي، أل، هو فيه أمر عام بأن يعرض نفسه على القبائـل وأن كـذا، إنمـا طـب‬
‫يعرض نفسه على القبيلة دي أمتي والقبيلة دي أمتي ويروح كذا، هذه كان بيتصـرف‬
‫فيها الرسول بعقله واجتهاده، ألنه لم يكن آلة، يعني أل، ولماذا اختاره اهلل يعنـي مـن‬
‫هذا المعدن الثمين ويحمل هذا العقل الكبير؟ فهو يخطط التخطـيط البشـري، ويـدبر‬
                  ‫ي‬
              ‫التدبير البشري، والوحي يأتي في الوقت المناسب ويأمره، فيعني ُطيع.‬
‫ماهر عبد اهلل: أما تعليق األخ عبد الباري على موضوع الملة، أنا قصدت يعني من..‬
                                            ‫ا‬
‫من جنس آخر.. خطأ مطبعي طبع ً ملة أخرى ودين آخر، ولكن كان السؤال أنه يعني‬
‫بأعتبرهم كأنهم جنس آخر األصل في التعامل معهم أنه حـرام والبـد منـه.. مـن‬
                                    ‫ً‬
                  ‫الخروج، أما إنهم دين آخر وملة أخرى فقطعا لن نختلف على هذه.‬
‫األخ عادل من السعودية مع مجموعة من األخوة يسألون يعني هناك كالم كثيـر أنـه‬
                                ‫ال‬
‫الرسول - ‪ ‬عندما خرج من.. مكة خرج لي ً ولم يره من المشركين أحد، الـبعض‬
‫يقول أنه تلى آية من القرآن حجبت عنه أعين المشركين، يريد أن يعرف األخ عـادل‬
                                  ‫من السعودية ما هي اآلية؟ وهل يمكن استخدامها؟‬



                                       ‫911‬
‫د. يوسف القرضاوي: يقولون إنه قرأ سورة ياسين حتى وصل إلـى قولـه تعـالى:‬
                                     ‫ا‬             ‫ا‬
‫(وجعلنا من بين أيديهم سدً ومن خلفهم سدً فأغشيناهم فهم ال يبصرون) قـالوا إنـه‬
‫وصل لهذه اآلية، فلم يبصروا وحثى التراب على رؤوسهم، هكذا جاء يعني في كتـب‬
                                       ‫السيرة، وال أدري يعني قوة سند هذا األمر.‬
‫ماهر عبد اهلل: طيب، األخت رجاء محمد غريب من.. من سـوريا تقـول: السـالم‬
‫عليكم، الرجاء التعليق والرد على من يتهم الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- بأنه هرب‬
‫من مسؤوليته، وأنه بالتالي جبان، يعني أما كان األولى أن.. أن يقف.. أن يصمد فـي‬
                                                         ‫مكة وأن يقاوم في مكة؟!‬
         ‫د. يوسف القرضاوي: أل، يعني ليس من الضروري، يا أخي الشاعر يقول:‬
              ‫وإذا البالد تنكبت لك حالها فدع البالد وأسرع التحويال‬
            ‫ال‬               ‫ن‬        ‫ا‬      ‫ً‬
            ‫ليس المقام عليك فرضا واجب ً في موط ٍ يدع العزيز ذلي ً‬
                                                              ‫والشاعر آخر يقول:‬
                 ‫بالد اهلل واسعة فضاها ورزق اهلل في الدنيا فسيح‬
                                      ‫ٍ‬
              ‫فقل للقاعدين على هوان إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا‬
                          ‫أ‬
‫فال العقل وال المنطق وال الدين يقول لك تبقى في بلد ُغلقت قلـوب أهلهـا، الـبالد‬
‫األخرى: (يا عبادي الذين آمنوا إني أرض واسعة فإياي فاعبدون)، فلماذا يبقى؟ ولكن‬
                                               ‫ُت‬
‫ليس معنى هذا ما قاله بعض الكَّاب الكويتيين إن الرسول فشل في العهد المكي، وهذا‬
                                               ‫ا‬
‫كالم يعني خطير ونرفضه تمام ً، العهد المكي هو الذي أسس للعهد المدني، والرسول‬
                                                           ‫رب‬
‫في عهد مكة َّى الجيل األول الذي حمل اإلسالم على.. على.. علـى كاهلـه، دار‬
‫األرقم بن أبي األرقم، العهد المكي هو عهد التأسيس، ونزل فيه حوالي 19 سورة من‬
‫ً‬
‫القرآن الكريم، وأسس للعهد المدني والتشريع المدني، وظل الرسول ثالثة عشر عاما‬
‫يربي هذا الجيل األول الذي حمل اإلسالم في.. فيما بعد، فلوال العهد المكي مـا قـام‬
               ‫ي‬
‫العهد.. العهد المدني تكميل للتأسيس الذي تم في العهد المكي، فال ُقـال إن الرسـول‬
‫ً‬                           ‫ا‬      ‫ا‬                       ‫ا‬
‫هرب، لم يكن هروب ً، ال بالعكس، ده كان أمرً مخطط ً، ولم يكن كما يعني قيل مـثال‬


                                      ‫021‬
‫إنه كان بيبحث عن حياة أريح أل، مش مسألة حياة أريح، ده يبحث عن أرض خصبة‬
‫يستطيع أن يبذر فيها البذور فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أن يجد قاعـدة صـلبة‬
‫يبني عليها، فوجدها في هذه الدار دار الهجرة ودار اإلسالم الجديدة في يثرب حيـث‬
                          ‫هؤالء الذين سماهم فيما بعد أنصار اهلل األوس والخزرج.‬
‫ماهر عبد اهلل: سؤال من األخ أبو محمد الرجو من المغرب يسأل: قال صلى اهلل عليه‬
‫وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، فما حكم الهجرة من أجـل‬
‫الدنيا؟ سؤال آخر من األخ حسام مصطفي: هـل تكـون هجرتنـا نحـن المسـلمين‬
                                             ‫ا‬
 ‫المهاجرين إلى أميركا وكندا حرام ً؟ هل تدخل في نطاق "فهجرته إلى ما هاجر إليه"؟‬
                                               ‫ال‬
‫د. يوسف القرضاوي: أو ً، الحديث "أنا بريء من كل.." هذا ضعفه يعنـي بعـض‬
‫العلماء، وحتى الذين حسنوه أو صححوه قالوا: إن المقصود بـه الـذي يقـيم بـين‬
                                     ‫ق‬
‫المشركين، يقيم بين أظهر المشركين فإذا ُتل أو أصابه المسلمون حينما يغيرون على‬
‫بالد المشركين هو بريء من دمه ال يتحمل ديته، وهذا جاء في هذا األمـر، إنـه إذا‬
‫كان واحد عايش والمسلمون ال يعرفونه ودخلوا وقاتلوا هؤالء وكان واحد مسلم كيف‬
                                                       ‫نعرفه؟ فهذا هو المقصود.‬
‫أما الهجرة إلى ديار الكفر إحنا عرضنا لهذا في حلقات سابقة، وقلنا إذا كان من وراء‬
‫هذه الهجرة فائدة للدعوة اإلسالمية أو لتقوية الوجود اإلسالمي، تقوية المسلمين أهـل‬
‫البالد الموجودين هناك، فالبد من هذا، المسلمين لم.. لم يقفوا عند.. ما الـذي يعنـي‬
             ‫أدخل البالد اإلسالمية المختلفة في اإلسالم؟ مش هجرة المسلمين إليها؟!‬
‫كيف دخل المسلمون في ماليزيا، وفي إندونيسيا، وفي الفلبين، وفي كثير من بالد آسيا‬
    ‫كث‬
‫وإفريقيا إلى اإلسالم؟ بهجرة المسلمين، وكانوا حينما هاجروا.. أقلية، ولكـن َّـرهم‬
‫اهلل، ودخل من أهل البالد معهم الكثيرون فأصبحوا بعد ذلك يكونون أغلبيـة، فبهـذه‬
‫الهجرة انتشر اإلسالم، المهم إن اإلنسان ال يهاجر إال إذا كان وراء الهجـرة هـدف،‬
                            ‫ا‬
‫وإذا كان في دار الهجرة أو في أرض الهجرة قادرً على أن يحافظ على دينه وديـن‬
‫أهله وذراريه، أما إذا خاف على دينه أن يضيع هناك فأنا قلت لألخوة حينما ذهبـت‬


                                      ‫121‬
‫إلى أميركا في أوائل السبعينيات: "من لم يستطع منكم أن يحافظ على دينه ودين أوالده‬
                                ‫فليبدأ رحلة العودة من الغد"، هذا هو واجب المسلم.‬
                             ‫ا‬
‫ماهر عبد اهلل: سيدي، شكر اهلل لك وجزاك اهلل خيرً، أعزائي، لـم يبـق لـي إال أن‬
‫أشكركم وأشكر باسمكم فضيلة العالمة الدكتور القرضاوي على حسن استماعكم وعلى‬
                                                                  ‫حسن مشاركته.‬
‫إلى أن نلقاكم في األسبوع القادم تحية مني، والسالم عليكم ورحمة اهلل تعالى وبركاته.‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫221‬
                          ‫الرسول ‪ ‬وأبو بكر في الغار‬

‫قال ابن إسحاق (فلما أجمع رسول اهلل ‪ ‬الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجـا‬
‫من خوخة ألبي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة فـدخاله‬
‫وأمر أبو بكر ابنه عبد اهلل بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثـم‬
‫يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مـواله أن‬
‫يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنـت‬
                                ‫أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.‬
         ‫قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري‬
‫قال انتهى رسول اهلل ‪ ‬وأبو بكر إلى الغار ليال، فدخل أبو بكر رضي اهلل عنه قبـل‬
        ‫رسول اهلل ‪ ‬فتلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول اهلل ‪ ‬بنفسه).‬
                    ‫الذين قاموا بشؤون الرسول ‪ ‬في الغار‬
‫قال ابن إسحاق : (فأقام رسول اهلل ‪ ‬في الغار ثالثا ومعه أبو بكر وجعلت قـريش‬
                                            ‫فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم.‬
‫وكان عبد اهلل بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يـأتمرون بـه ومـا‬
       ‫يقولون في شأن رسول اهلل ‪ ‬وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر.‬
‫وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي اهلل عنه يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا‬
‫أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد اهلل بن أبي بكـر غـدا مـن‬
‫عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه حتـى إذا مضـت‬
‫الثالث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما‬
‫أسماء بنت أبي بكر رضي اهلل عنهما بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصـاما فلمـا‬
‫ارتحال ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام فتحل نطاقها فتجعلـه عصـاما، ثـم‬
                                                                        ‫علقتها به).‬
                                                      ‫لم سميت أسماء بذات النطاقين‬


                                      ‫321‬
                                  ‫فكان يقال ألسماء بنت أبي بكر ذات النطاق لذلك.‬
‫قال ابن هشام : وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول ذات النطاقين. وتفسيره أنهـا‬
 ‫لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين فعلقت السفرة بواحد وانتطقت باآلخر.‬
                        ‫راحلة النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
‫قال ابن إسحاق : (فلما قرب أبو بكر رضي اهلل عنه الراحلتين إلى رسول اهلل ‪ ‬قدم‬
‫له أفضلهما، ثم قال اركب فداك أبي وأمي ; فقال رسول اهلل ‪ " ‬إني ال أركب بعيرا‬
‫ليس لي ". قال فهي لك يا رسول اهلل بأبي أنت وأمي، قال " ال، ولكن ما الثمن الـذي‬
‫ابتعتها به " ؟ قال كذا وكذا، قال " قد أخذتها به "، قال هي لك يا رسـول اهلل. فركبـا‬
‫وانطلقا. وأردف أبو بكر الصديق رضي اهلل عنه عامر بـن فهيـرة مـواله خلفـه‬
                                                            ‫ليخدمهما في الطريق).‬
                                   ‫حديث الغار‬
‫وهو غار في جبل ثور، وهو الجبل الذي ذكره في تحريم المدينة، وأنها حرام ما بين‬
‫عير إلى ثور وهو وهم في الحديث ألن ثورا من جبال مكة، وإنما لفظ الحديث عنـد‬
        ‫أكثرهم ما بين عير إلى كذا، كان المحدث قد نسي اسم المكان فكنى عنه بكذا.‬
‫وذكر قاسم بن ثابت في الدالئل فيما شرح من الحديث أن رسـول اهلل - ‪ - ‬لمـا‬
‫دخله وأبو بكر معه أنبت اهلل على بابه الراءة قال قاسم وهي شجرة معروفة فحجبـت‬
                                                            ‫عن الغار أعين الكفار.‬
‫وقال أبو حنيفة الراءة من أغالث الشجر وتكون مثل قامة اإلنسان ولها خيطان وزهر‬
               ‫أبيض تحشى به المخاد، فيكون كالريش لخفته ولينه ألنه كالقطن أنشد:‬
            ‫ترى ودك الشريف على لحاهم *** كمثل الراء لبده الصقيع‬
‫وفي مسند البزار : أن اهلل تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجـه الغـار وأرسـل‬
‫حمامتين وخشيتين فوقعتا على وجه الغار وأن ذلك مما صد المشركين عنه وأن حمام‬
‫الحرم من نسل تينك الحمامتين وروي أن أبا بكر - رضي اهلل عنه حين دخله وتقـدم‬
‫إلى دخوله - قبل رسول اهلل - ‪ - ‬ليقيه بنفسه رأى فيه جحرا فألقمه عقبـه لـئال‬


                                       ‫421‬
‫يخرج منه ما يؤذي رسول اهلل ‪ ‬وفي الصحيح عن أنس قال قال أبو بكر - رضـي‬
‫اهلل عنه - لرسول اهلل ‪ - ‬وهما في الغار (لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا، فقـال‬
‫له رسول اهلل ‪ " ‬ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما) وروي أيضا أنهم لما عمي عليهم األثر‬
‫جاءوا بالقافة فجعلوا يقفون األثر حتى انتهوا إلى باب الغار وقد أنبت اهلل عليـه مـا‬
‫ذكرنا في الحديث قبل هذا، فعندما رأى أبو بكر رضي اهلل عنه القافة اشتد حزنه على‬
‫رسول اهلل - ‪ - ‬وقال (إن قتلت فإنما، أنا رجل واحد وإن قتلت أنت هلكت األمـة‬
‫فعندها قال له رسول اهلل ‪ " ‬ال تحزن إن اهلل معنا) "، أال ترى كيف قال ال تحـزن‬
                                                                ‫ولم يقل ال تخف ؟‬
‫ألن حزنه على رسول اهلل - ‪ ‬شغله عن خوفه على نفسه وألنه أيضا رأى ما نزل‬
‫برسول اهلل ‪ ‬من النصب وكونه في ضيقة الغار مع فرقة األهل ووحشـة الغربـة‬
‫وكان أرق الناس على رسول اهلل ‪ ‬وأشفقهم عليه فحزن لذلك وقد روي أنـه قـال‬
‫(نظرت إلى قدمي رسول اهلل - ‪ ‬في الغار وقد تفطرتا دما، فاستبكيت، وعلمت أنه‬
‫عليه السالم لم يكن تعود الحفاء والجفوة) وأما الخوف فقد كان عنده من اليقين بوعـد‬
                                                                 ‫اهلل بالنصر لنبيه.‬
‫ما يسكن خوفه وقول اهلل تعالى : فأنزل اهلل سكينته عليه قال أكثر أهل التفسير يريـد‬
‫على أبي بكر وأما الرسول فقد كانت السكينة عليه وقوله "وأيده بجنود لم تروها" الهاء‬
‫في أيده راجعة على النبي والجنود المالئكة أنزله عليه في الغار فبشروه بالنصر على‬
‫أعدائه فأيده ذلك وقواه على الصبر [ و ] قيل أيده بجنود لم تروها، يعني : يوم بـدر‬
‫وحنين وغيرهما من مشاهده وقد قيل الهاء راجعة على النبـي عليـه السـالم فـي‬
‫الموضعين جميعا وأبو بكر تبع له فدخل في حكم السكينة بالمعنى، وكان في مصحف‬
‫حفصة فأنزل اهلل سكينته عليهما، وقيل إن حزن أبي بكر كان عندما رأى بعض الكفار‬
‫يبول عند الغار فأشفق أن يكونوا قد رأوهما، فقال له النبي ‪( " ‬ال تحزن فإنهم لـو‬
    ‫رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول وال تشاغلوا بشيء عن أخذنا) "، واهلل أعلم.‬
                          ‫معية اهلل مع رسوله وصاحبه‬


                                       ‫521‬
‫وانتبه أيها العبد المأمور بتدبر كتاب اهلل تعالى لقوله (إذ يقول لصاحبه ال تحـزن إن‬
‫اهلل معنا) [ التوبة 16 ] كيف كان معهما بالمعنى، وباللفظ أما المعنى فكـان معهمـا‬
‫بالنصر واإلرفاد والهداية واإلرشاد وأما اللفظ فإن اسم اهلل تعالى كان يذكر إذا ذكـر‬
‫رسوله وإذا دعي فقيل يا رسول اهلل أو فعل رسول اهلل ثم كان لصاحبه كذلك يقال يـا‬
‫خليفة رسول اهلل وفعل خليفة رسول اهلل فكان يذكر معهما، بالرسالة وبالخالفـة ثـم‬
                                      ‫ارتفع ذلك فلم يكن ألحد من الخلفاء وال يكون‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫621‬
                       ‫السابقون األولون من المهاجرين‬

‫مضى رسول اهلل صلى عليه وسلم بأمر اهلل، رغم ما لقي من قومـه مـن الخـالف‬
‫واألذى، فآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من اهلل، وآزرته على أمره،‬
‫وكانت أول من آمن باهلل وبرسوله، وصدقت بما جاء به، فخفف اهلل بذلك عن نبيه ‪‬‬
‫ال يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إال فرج اهلل عنه بهـا‬
‫إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليـه أمـر النـاس، رحمهـا اهلل‬
                                                                      ‫تعالى0.‬
‫قال ابن إسحاق : ' ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم،‬
‫وصلى معه وصدق بما جاء من اهلل تعالى، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابـن‬
‫هاشم، رضوان اهلل وسالمه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ونعمة اهلل أنه كان في‬
                                              ‫حجر رسول اهلل ‪ ‬قبل اإلسالم8.‬
‫أخرج الحافظ أبو الحسن الطرابلسي عن عائشة رضي اهلل عنها قالت : خرج أبو بكر‬
‫رضي اهلل عنه يريد رسول اهلل ‪– ‬وكان له صديقا في الجاهلية- فلقيه، فقال : يا أبا‬
‫القاسم أفقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب آلبائها وأمهاتها، فقال رسول اهلل ‪‬‬
‫: إني رسول اهلل أدعوك إلى اهلل، فلما فرغ من كالمه أسلم أبو بكـر، فـانطلق عنـه‬
‫رسول اهلل ‪ ‬وما بين األخشبين2 أحد أكثر سرورا منه بإسالم أبي بكر، ومضى أبو‬
‫بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد اهلل والزبير بن العوام وسـعد بـن أبـي‬
‫وقاص فأسلموا، ثم جاء ... بعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن‬
‫بن عوف، وأبي سلمة بن عبد األسد، واألرقم بن أبي األرقـم فأسـلموا رضـي اهلل‬
                                                                       ‫عنهم6.‬
                          ‫1- الصاحب والمصحوب:‬
‫لقد آثر اهلل تعالى رسوله ‪ ‬بنعمه بالقدر الذي يجعله أهال لحمـل رايتـه والتحـدث‬
‫باسمه بل ويجعله أهال ألن يكون خاتم رسله، ومن ثم كان فضل اهلل عليـه عظيمـا،‬


                                     ‫721‬
‫جعلت أفئدة الناس تهوي إليه، وترى فيه المصحوب المربي والمعلم، والصديق؛ ممـا‬
‫جعل سادة قريش يسارعون إلى كلماته ودينه : "أبو بكر" و"طلحة" "والزبير" و"عثمان"‬
‫و"عبد الرحمان بن عوف" و"سعد بن أبي وقاص" متخلين بهذه المسارعة المؤمنة عن‬
‫كل ما كان يحيطهم به قومهم من مجد وجاه، متقبلين –في نفس الوقت- حياة "تمـور‬
                                     ‫مورا شديدا باألعباء وبالصعاب وبالصراع".‬
‫ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه ويهرعون إلى رايته ودعوته وهم يبصرونه‬
‫أعزل من المال ومن السالح ينزل به األذى ويطارده الشر في تحد رهيـب، دون أن‬
‫يملك عليه الصالة والسالم له دفعا ؟ ! ما الذي جعل جبـار الجاهليـة –عمـر بـن‬
‫الخطاب- وقد ذهب ليقطف رأسه العظيم بسيفه- يعود ليقطف بنفس السـيف رؤوس‬
                                                           ‫أعدائه ومضطهديه !‬
‫ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون وال ينقصون ومن حوله يلتفون، وهو الذي يهتـف‬
         ‫فيهم صباح مساء ال أملك لكم نفعا وال ضرا وال أدري ما يفعل بي وال بكم.‬
                      ‫ما الذي مأل قلوبهم يقينا وعزما ؟!‬
‫إنه محمد بن عبد اهلل رسول اهلل ‪ ‬المصـحوب، رأوا طهـره وعظمتـه، وأمانتـه‬
‫واستقامته، وشجاعته وسموه وحنانه، رأوا عقله وبيانه،رأوا سمو الحياة يسـري فـي‬
‫أوصال قلوبهم عندما بدأ رسول اهلل ‪ ‬يفيض عليها من قلبه المرحـوم برحمـة اهلل‬
‫ونبوته. رأوا ذلك وأضعافه ال من وراء قناع بل مواجهة وتمرسا وبصرا وبصـيرة.‬
‫فكانوا الصاحبين، بحق حملوا مبادئ الدعوة، وعبير الدعاة، وصدق التعـاليم وعظـة‬
‫المعلمين ونور الرسالة، ورحمة الرسول الكريم صلى اهلل عليه وسلم. فكـانوا النـواة‬
‫األولى لبناء جماعة المسلمين، عليهم قامت أمة اإلسالم دعوة ودولة، حموها بأنفسـهم‬
                                   ‫وبأموالهم وبذلوا في سبيلها كل غال ورخيص.‬
‫والعلماء أمناء الرسل وورثتهم، ورثوا الصحبة وفقه التربية يربون ويعلمون في كـل‬
‫عصر ومصر ما ورثوه عن رسول اهلل ‪ ‬من أخالق رفيعة وسمات جليلة، فيعلمون‬



                                     ‫821‬
‫بالقدوة والشهود بين ظهراني الناس يضيء ظالمهم وتفيض قلـوبهم رحمـة باألمـة‬
                                                                 ‫صبرا ومصابرة.‬
                            ‫2- كيف أثمرت الصحبة ؟‬
‫آمن الصحابة األولون برسول ‪ ‬وكانت المحاضن التربوية أساس البنـاء فـي دار‬
‫األرقم بن أبي األرقم تلقوا اإليمان غضا طريا يتلو ما أنزل إليهم من ربهم من اآليات‬
‫وهي حديثة عهد من اهلل تغرس اإليمان في القلوب وتزرع األمل في األنفـس ذكـرا‬
‫وتعلما ومدافعة للواقع المستبد بكل من يقول ربي اهلل، صدقا وتصديقا، شرفا واعتزازا‬
             ‫باالنتماء إلى هذه الدعوة المحمدية، استيعابا وفهما ودعوة وجهادا وفتحا.‬
                             ‫3- السابقون األولون :‬
‫علمنا ربنا الكبير المتعال أن ندعو للسابقين ونحبهم ونجلهم ألنهم كانوا بحق الوعـاء‬
‫الذي حوى الدين ودافعوا عنه، بذلوا في سبيله المهج والمقل، هجروا المـال والبنـين‬
‫والعشيرة، أقبلوا على ربهم إقباال منقطع النظير، فهم سـادة هـذه األمـة وزهرتهـا‬
‫فاستحقوا بذلك شرف السبق والسمو، يقول اهلل تعالى يعلمنا "للفقراء المهاجرين الـذين‬
‫أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضال من اهلل ورضوانا وينصرون اهلل ورسوله،‬
‫أولئك هم الصادقون ' (الحشر، اآلية 9) ويقول سبحانه عز وجل : والذين جاءوا من‬
‫بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا وإلخواننا الذين سبقونا باإليمان وال تجعل في قلوبنا غـال‬
‫للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم" (الحشر، اآلية 10). وهـذه الصـورة النظيفـة‬
‫الرضية الواعية تبرز أهم مالمح التابعين كما تبرز أخص خصائص األمة المسـلمة‬
                                         ‫على اإلطالق في جميع األوطان واألزمان.‬
‫هؤالء الذين يجيئون بعد المهاجرين واألنصار سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها فـي‬
‫طلب المغفرة، ال لذاتها ولكن كذلك لسلفها للذين سبقوا باإليمان، وفي طلـب بـراءة‬
‫القلب عن الفعل للذين آمنوا على وجه اإلطالق، ممن يربطهم معهم رباط اإليمان، مع‬
‫الشعور برأفة اهلل ورحمته ودعائه بهذه الرحمة وتلـك الرأفـة "ربنـا إنـك رؤوف‬
                                                                         ‫رحيم"8.‬


                                       ‫921‬
                               ‫4- دعاء الرابطة :‬
‫السابقون األولون من المؤمنين مدحهم اهلل تعالى في كتابه ونالوا محبة خاصـة مـن‬
‫رسوله ‪ ‬من أصحابه رضوان اهلل عليهم، وهذه المحبة تسري إلى كـل مـؤمن ال‬
‫تحجبه ال األمصار وال األزمان تنتظم في عقد الوالية بين المؤمنين. "تتجلى اآلصـرة‬
‫القوية الوثيقة التي تربط أول هذه األمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافـل‬
‫وثواب وتعاطف وشعور .... وشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمـان والمكـان‬
‫والجنس والنسب، وتستقر وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خالل القرون الطويلـة،‬
‫فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي، فـي إعـزاز‬
‫وكرامة وحب ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف على آثار السلف، صفا‬
‫واحدا وكتيبة واحدة على مرار الزمان واختالف األوطان، تحت راية اهلل تغذ السـير‬
                 ‫صعدا إلى األفق الكريم متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم"4.‬
‫هذه هي قافلة اإليمان، الموكب النوراني والعقد الفريد الغالي، هذا هو وعاء اإليمـان‬
                                                ‫وإنها لعائلة كريمة إنه لدعاء كريم.‬
                              ‫5- الدروس والعبر :‬
‫هؤالء هم السابقون األولون من المهاجرين، أول من صدق رسول اهلل ‪ ‬وأول مـن‬
            ‫صلى من األمة المحمدية، وفي قصصهم عبر ألولي األلباب نذكر منها :‬
‫0- دور المرأة المؤمنة في تحمل أعباء الدعوة، فقد كانت خديجة رضـي اهلل عنهـا‬
‫الملجأ الدافئ الذي يخفف عن رسول اهلل ‪ ‬أبناء قريش ومكرها وتعنتها وجهلهـا و‬
‫كذا فإن أزواج الدعاة يمثلن المحضن الذي يأوي إليه الداعي الصـادق بعـد مكابـدة‬
‫الواقع ومعاناة الناس وابتالء الظالمين. ألنه إذا استقر اإليمان بالقضية العظمى قضية‬
‫تبليغ الرسالة في قلب المرأة، فلنعلم أنها يمكن أن تيسر لزوجها كثيرا ممـا عسـر،‬
                                  ‫وتهون عليه كثيرا مما عظم، وتجعله دائم العطاء.‬
‫8- العناية باألطفال والصغار، تربى سيدنا علي كرم اهلل وجهه في كنف رسـول اهلل‬
                      ‫‪ ‬منذ صغره وكان أول ذكر أسلم، فقد كان عمره عشر سنين.‬


                                      ‫031‬
‫إن العناية باألطفال والشباب ألمانة عظيمة، بواسطتها يرسخ اإليمان فـي القلـوب،‬
‫وتتقوى العقيدة في األفئدة، فهذا رسول اهلل ‪ ‬يولي ابن عمه عناية كبـرى، ويعلمـه‬
‫الصالة، ويتابعه ويجالسه حتى يستوي عوده ويخرج منه الرجل المجاهـد، والـولي‬
                                              ‫المجاهد، والخليفة العادل رضي اهلل عنه.‬
 ‫ال بد للحركة اإلسالمية من إيالء االهتمام األكبر باألطفال فإنهم أمل األمة ومستقبلها.‬
‫2- أثر الصحبة الصالحة : إن للصحبة الصالحة األثر األول في ثبوت اإليمان فـي‬
‫القلوب، وإن لحظات التقاء الصاحب بالمصحوب ألكبر دليل على ذلك وإليك بعضه :‬
‫أ- عاد أبو بكر من رحلة التجارة وأبلغه القوم أن محمدا –صلى اهلل عليـه وسـلم-‬
‫يزعم أنه يوحى إليه فأجابهم إن قال فقد صدق فما أن حط عنه عناء السفر حتى أقبل‬
‫إلى النبي عليه الصالة والسالم متأكدا من ذلك فما أن سمع من النبي ‪ ‬حتى فاضت‬
‫عيناه وقبل صاحبه الذي ما تردد في النطق بأعظم كلمة أشهد أن ال إله إال اهلل وأشهد‬
                                                                      ‫أنك رسول اهلل.‬
‫بـ- لقد توفرت في أبي بكر خصال عظيمة جعلته خير ناقل ألثـر الصـحبة، كـان‬
‫رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من األمر فحسن مجالسته هذا كان سـببا فـي‬
      ‫إسالم السابقين فجاء بهم إلى المصحوب األعظم رسول اهلل ‪ ‬فأسلموا وصلوا.‬
‫6- التبليغ الصادق : إن بشاشة اإليمان حين تخالط القلوب ما تلبث أن تتحـول إلـى‬
‫طاقة ال تقهر فما يحمله المؤمن المقبل على ربه من مشاعر بعمق الحقيقة التي يراها،‬
‫وحالوة يجدها في روحه حتى يسعى بكل ما أوتي من جهد ووقت وإمكانات إلى تبليغ‬
                                                               ‫كلمة اهلل والدعوة إليه.‬
‫فهذا أبو بكر رضي اهلل عنه يبارك اهلل تعالى صحبته لرسول اهلل ‪ ‬فيدعو عثمان بن‬
‫عفان وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اهلل والزبير بن العوام، فكانوا هم السابقين‬
‫الذين ذكروا اهلل تعالى في أنفسهم لذلك ذكرهم اهلل تعالى في حياتهم في المإل األعلـى‬
‫وذكرهم في كل من جاء من أمة محمد صلى اهلل عليه وسلم، إنهم السـابقون، ومـن‬
‫حقهم علينا أن ندعو اهلل لهم في ورد الرابطة فإن لهم أجر عملهم وأجر مـن عمـل‬


                                        ‫131‬
‫بعملهم إلى يوم القيامة ولقد آثر اهلل تعالى على أيديهم دعوة الثلة األولى من الجماعـة‬
‫المباركة التي حملت النور إلى العالم فأسلم على أيديهم أبو عبيدة بن الجـراح، وأبـو‬
‫سلمة واألرقم بن أبي األرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد اهلل وسعيد بـن‬
‫زيد وغيرهم ومن النساء فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي‬
                                                                              ‫بكر.‬
                                                                ‫4- الئحة المراجع:‬
                                                              ‫0- السيرة ابن هشام.‬
                                                    ‫8- حياة الصحابة، الكاندهلوي.‬
                                                  ‫2- في ظالل القرآن، سيد قطب.‬
                                                                         ‫الهوامش:‬
                                      ‫0. السيرة النبوية البن هشام ج0/ ص 168.‬
                                                            ‫8. نفسه. ص 868/0.‬
                       ‫2. هما جبالن مطيفان بمكة، واألخشيب كل جبل خشن غليظ.‬
                                      ‫6. حياة الصحابة، الكاندهلوي، ج0 ص 86 .‬
                                 ‫8. في ظالل القرآن، سيد قطب، ج 4 ص 4882.‬
                                                      ‫4. نفسه، ج 4/ ص 9882.‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                       ‫231‬
                             ‫السرية طريق النجاح‬

‫يقول عمر بن عبد العزيز ، رضي اهلل عنه : " القلوب أوعيـة ، والشـفاه أقفالهـا ،‬
                         ‫واأللسن مفاتيحها ؛ فليحفظ كل إنسان مفتاح سره " " 88 "‬
‫غالبا : ما تكون السرية باألمر : عونا على قضائه ، وطريقا جيدا إلتمامه ، وأسـلوبا‬
                                                                 ‫نافعا إلنجاحه .‬
‫وهذه السرية الواعية النافعة المتعقلة ، نلحظها درسا هاما _ عمليا _ واضـحا كـل‬
                                            ‫الوضوح ، في حادث الهجرة النبوية .‬
                                                   ‫وبيان ذلك على النحو التالي :‬
‫أ _ لم يعلم بحادث الهجرة _ حين الخروج _ سوى علي بن أبي طالب بسـبب دوره‬
‫المطلوب ، وأبو بكر ألنه الصاحب فيها والرفيق ، وآل أبي بكر للتغطيـة ، والـدور‬
‫المطلوب كذلك ، وعامر بن فهيرة بسبب دوره كذلك ، وعبد اهلل بن أريقط ، األجيـر‬
  ‫المشرك ، لدوره المعروف ، وليس هؤالء بالعدد الكثير بالنسبة لهذا الحدث الجليل .‬
  ‫ب _ طلب النبي ‪ ‬أن يختلي وينفرد بأبي بكر حين أراد مفاتحته في أمر الهجرة .‬
‫فعن عائشة أم المؤمنين رضي اهلل عنها : أنها قالت " أتانا رسول اهلل ‪ ‬بالهـاجرة ،‬
‫في ساعة كان ال يأتي فيها ، قالت : فلما دخل ، تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس‬
‫رسول اهلل ‪ ، ‬وليس عند أبي بكر إال أنا وأختي " أسماء " بنت أبي بكـر ، فقـال‬
‫رسول اهلل ‪ : ‬أخرج عني من عندك ، فقال يا رسول اهلل . . إنهما ابنتـاي ، ومـا‬
                                                ‫ذاك فداك أبي وأمي . . ؟ " 28 "‬
‫ولو لم يوثقهما أبو بكر ، ولو لم يؤكد للنبي ‪ ‬بهذا القول أنهما على مستوى عال من‬
                ‫كتمان األمر ، وصيانته : لما تحدث النبي ‪ ‬بأمر الهجرة أمامهما .‬
‫وقد أثبتت أحداث الهجرة المبكرة ، صدق تزكية أبي بكر لهما ، وأنه ال دخل للعاطفة‬
‫_ بل الدخل لحسن التربية _ في هذه التزكية ، فيما قامت به السيدة أسماء بنت أبـي‬




                                     ‫331‬
‫بكر مما ال يتسع له المقام ، وهو مبسوط في كتب السيرة ؛ وقد نتعرض لبعضه فيمـا‬
                                                                         ‫يلي .‬
‫ج _ ذهاب النبي ‪ ‬ألبي بكر في ساعة ، ال تكاد ترى فيها أحدا في شوارع مكة أو‬
‫شعابها من قيظ الشمس وشدة الحر ، متقنعا _ كما في رواية البخـاري _ متخفيـا .‬
                                                                        ‫"28 "‬
‫وكذلك : عدم خروجهما من باب البيت األمامي ، بل من خوخة _ باب صغير خلفـي‬
                            ‫_ في ظهر البيت ، حتى ال يراهما _ إن وجد _ أحد .‬
‫د _ عدم إعالم النبي ‪ ‬ألحد من هؤالء الذين علموا إال في اللحظـات األخيـرة ،‬
                         ‫صيانة للسر من ذيوعه ، وصيانة لهم من مخاطر كتمانه .‬
‫وهذا درس يرينا : منزلة السر ، ومكانة كتمانه ، وإذا كانت صيانة السر وعدم إفشائه‬
‫واجب إسالمي مطلوب ، وأدب إسالمي مرغوب بصفة عامة ، فهو في أمور الدعوة‬
             ‫الحركية أولى وأوجب ، سواء كان منك أو من غيرك ، لك أو لغيرك .‬
‫فهذا يوسف عليه السالم ، فيما يحكيه اهلل تعالى عن والده يعقوب صلوات اهلل وسالمه‬
‫عليهما ، وهو يقول له معلما إياه أهمية السر ووجوب صيانته ( يا بنـي ال تقصـص‬
                                      ‫رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا ) " 68‬
    ‫ويقول علي رضي اهلل عنه :"سرك أسيرك ، فإذا تكلمت به : صرت أسيره" "88"‬
‫ويقولون :من حصن سره ، فله بذلك خصلتان : الظفـر بحاجتـه ، والسـالمة مـن‬
                                                            ‫السطوات . " 88 "‬
                                        ‫وليس األمر في ذلك خاص باألفراد فقط .‬
‫بل هو عام : في األفراد ، واألسر ، والجماعات ، والدول ؛ إذ كل مـنهم ينبغـي أن‬
                                            ‫يحتفظ بالسر ، وال يطلع عليه أحدا .‬
‫وإن كبرى الدول وصغراها لترصد من ميزانياتها ، وأموالها ، الشيء الكثير من أجل‬
‫اإلنفاق على وسائل االحتفاظ بأسرارها ، وصيانتها من أن يعرفها أحد ، وفي الوقـت‬



                                     ‫431‬
‫نفسه : لتعرف أسرار أعدائها ، وتكشف عن مخبوء نواياهم ، إما للنيـل مـنهم ، أو‬
                   ‫رغبة في صيانة نفسها ، وحماية شعوبها ، من كيدهم وعدوانهم .‬
         ‫وما ذاك : إال ألهمية هذه األسرار _ لديها ، أو لدى غيرها _ وخطورتها .‬
‫والعاقل : من استطاع أن يكتم السر ويحتفظ به ، ال أن يفشيه ويذيعه ، ومن ال سر له‬
                                                                  ‫: ال عقل له .‬
‫ومن ال يستطيع أن يحفظ سره : ال أمانة وال أمان له ، وال ينبغي أن يوكل إليه أمر ،‬
                                           ‫أو تستند إليه مهمة ، أو يكلف بواجب .‬
‫وكم من إظهار سر : أراق دم صاحبه ، ومنعه من بلوغ مآربه ، ولو كتمـه ألمـن‬
                                                       ‫ضرره وسطوته . " 88 "‬
‫ومن الخطأ البين : ما يظنه البعض من أن كتمان السر أمر مطلوب بالنسـبة ألنـاس‬
‫بعينهم ، وهو على غيرهم كأل مباح ؛ حيث إن السر ما سمي بذلك إال لطلب عمـوم‬
                                                                       ‫كتمانه .‬
     ‫ولذا يقال : انفرد بسرك . . ال تودعه حازما فيزل ، وال جاهال فيخون " " 68 "‬
‫وما قد يفعله البعض ، مما يحكيه األحنف بن قيس ، إذ يقول : " يضيق صدر الرجل‬
‫بسره ، فإذا حدث به أحدا قال أكتمه علي " "88 " ، وبذلك : سرعان ما يذيع وينتشر‬
                                                                              ‫.‬
                           ‫والعاقل من تمثل بقول كعب بن سعد الغنوي ، إذ يقول :‬
             ‫ولست بمبد للرجال سريرتي وال أنا عن أسرارهم بسؤول‬
‫وقد أطلنا في التعقيب على هذا الدرس : ألن أمناء األسرار _ كما يقولـون _ أقـل‬
‫وجودا من أمناء األحوال ، وحفظ األموال أيسر من كتمان األسـرار ، ألن إحـراز‬
‫األموال باألبواب واألقفال ، وإحراز األسرار بارزة يذيعها لسان نـاطق ، ويشـيعها‬
‫كالم سابق ، وحمل األسرار أثقل من حمل األموال ، فإن الرجل يستقل بالحمل الثقيل‬
‫فيحمله ويمشي به ، وال يستطيع كتم السر ، وإن الرجل يكون سره في قلبه : فيلحقـه‬



                                     ‫531‬
‫من ال قلق والكرب ما ال يلحقه من حمل األثقال ، فإذا أذاعه استراح قلبـه ، وسـكن‬
                              ‫خاطره ، وكأنما ألقى عن نفسه حمال ثقيال " " 88 "‬
               ‫ومن هنا : تكمن خطورة األسرار ، ويثقل حفظها ، وتسهل إذاعتها .‬
‫والداعية الواعي : من يكون على قدر المسئولية ، وعلى مستوى الفهم واالمتثال لهذا‬
                                                        ‫الدرس في حفظ السر .‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                    ‫631‬
                   ‫السيرة النبوية معلمة النهج الذي أعز السلف‬
                                     ‫من خطب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي‬
                                              ‫ا‬
‫الحمد هلل ثم الحمد هلل، الحمد هلل حمدً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما‬
               ‫ء‬
‫ينبغي لجالل وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم ال نحصي ثنا ً عليك أنـت كمـا‬
‫أثنيت على نفسك، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده ال شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينـا‬
‫ً‬                                                                        ‫ا‬
‫محمدً عبده ورسوله وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله اهلل إلى العالم كله بشيرا‬
‫ونذيرً، اللهم ِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صالة وسالم ً‬
‫ا‬                                                         ‫صل‬        ‫ا‬
‫دائمين متالزمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبـة بتقـوى اهلل‬
                                                                             ‫تعالى.‬
‫أما بعد فيا عباد اهلل ها هي ذي فاتحة العام الهجري الجديد، تمر بالعـالم اإلسـالمي‬
‫يتيمة في أسرتها، غريبة في عالمها، ال تشعر بانقضاء ذلك العام الذي مضى، ودخول‬
                                                    ‫ال‬
‫العام الجديد ا لذي أقبل، إ ّ قلة يسيرة ثم يسيرة من الناس، أما عامة أهـل المجتمـع‬
‫والعالم اإلسالمي ففي شغل شاغل عن الهجرة وعامها، وفي شغل شاغل عـن بدايـة‬
                                    ‫عبر‬
‫هذه السنة ونهايتها، وفي شغل شاغل عن ِ َ ِ هذا العام وعظاته، يمر آخر هذا العام‬
                       ‫ا‬      ‫ا‬
‫كما يقبل أوله، في مجتمعه في أسرته بين أهله يتيم ً غريب ً، بل أكثر من غريب، أيـن‬
‫هي االحتفاالت واالهتمامات التي ما زلنا نتذكر أصداءها بمناسبات مشـابهة مـرت؟‬
‫أين هو الطنين والرنين؟ أين هي المشاعر الجياشة التي تهتاج في نفـوس المسـلمين‬
    ‫ع‬                      ‫ر‬
‫لذكرى هجرة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، وما ج ّته معهـا مـن ذيـول ال ِبَـر‬
                                                                    ‫ع‬
‫وال ِظات والدروس واالنتصارات؟ لكن هذا هو حال عالمنا اإلسالمي، وهذا هو حال‬
‫األسرة اإلسالمية بخوض هذا العالم الذي يتماوج بالهرج والمرج كمـا تالحظـون،‬
                                         ‫م لم‬                              ‫م لم‬
‫و َعَْ َة الهجرة ما هي أيها اإلخوة؟ َعَْ َة الهجرة هي معلمة والدة الدولة اإلسـالمية‬
                             ‫ل‬
‫التي تجددت ببعثة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسّم، هجرة المصطفى عليـه الصـالة‬
                                                              ‫م لم‬
‫والسالم، هي َعَْ َة تاريخ هذه األمة، بهذه المعلمة نحصي التاريخ ونعده من ألف بائه‬
           ‫ض‬
‫إلى نهايته، هجرة رسول اهلل ‪ ‬هي الفيصل القاسم والحاسم، بين ما ٍ مـن الفقـر‬


                                        ‫731‬
                                                                 ‫ت‬
‫المدقع وآ ٍ من الغنى الذي لفت نظر العالم أجمع، معلمة الهجرة هي الفيصل الحاسم‬
             ‫و‬       ‫ت‬                                             ‫ض‬
‫بين ما ٍ من الشتات والتفرق والتشرذم والتخاصم، وبين آ ٍ من ال َحدة والتماسـك‬
          ‫ض‬
‫التي غدت مضرب المثل، معلمة الهجرة هي الفاصل الحاسم بين ما ٍ من الضـعف‬
                                                               ‫ت‬
‫والمهانة وآ ٍ من القوة والعزة التي كانت مضرب المثل في العالم، تلك هـي معلمـة‬
‫الهجرة التي أكرم اهلل بها هذه األمة من خالل شخص رسـول اهلل ـ ‪ ‬ــ وهـي‬
‫المعلمة التي خلد بيان ـ عز وجل ـ حديثه عنها في قوله: {وإذ يمكـر بـك الـذين‬
‫كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكـر اهلل واهلل خيـر المـاكرين}‬
   ‫ز‬
‫[األنفال: 9/12] . فما هي نسبة العالم اإلسالمي اليوم إلى هذه المعلمة التي أع ّتهم‬
                                                                  ‫ح‬
‫بعد ذل، وو ّدتهم بعد شتات، وأغنتهم بعد فقر، فانظر إلى العـالم اإلسـالمي اليـوم‬
                       ‫ال‬                  ‫ال‬                    ‫ا‬
‫فتجده معرض ً عن هذا النسب، متجاه ً لهذا الدرس، متجاه ً بهذه القيمة كلها، أليس‬
‫هذا هو واقع العالم اإلسالمي اليوم؟ هل هنالك من مبالغة إن قلت: إن هـذه المعلمـة‬
‫تمر بنا اليوم في نهاية عام مضى، ومقتبل عام جديد، تمر بنا يتيمـة فـي أسـرتها،‬
‫غريبة في عالمها، ليس هنالك أي مبالغة لو أن هذه األمة كانت أمينة علـى معـاني‬
                                                     ‫ور‬
‫الهجرة، يبقي غناها الذي َّثته إياها الهجرة النبوية الشريفة، ولبقيت عزتهـا التـي‬
                         ‫ور‬                                                      ‫ور‬
‫َّثتها إياها الهجرة النبوية الشريفة، ولبقيت وحدتها التي َّثتها إياها الهجرة النبوية‬
                                ‫ا‬
‫الشريفة، ولكن لما خلع العالم اإلسالمي متجسدً في مظهر حكامه وأكثر أهلـه، لمـا‬
                                           ‫ا‬
‫خلعوا هذا الشرف وألقوه وراءهم ظهريً، قال لهم اهلل: لقد أسلمتكم إلـى ماتشـاؤون،‬
          ‫ٍ‬
‫كانت العبرة التي يأخذها المسلمون من السلف الصالح من الهجـرة عبـرة إيجابيـة،‬
‫واليوم غدت العبرة التي نأخذها من الهجرة ـ ويالألسف ـ عبرة سلبية، بكل معنـى‬
                                                                     ‫َ‬
‫الكلمة، سلْ أكثر من تريد أن تسألهم من المسلمين اليوم عن اسم هذا الشهر الذي يمر‬
                         ‫ا ال‬
‫بهم من األشهر الهجرية، لن يستطيع أن يعطيك جواب ً إ ّ بعد أن يعـود فيـتعلم ثـم‬
           ‫ا‬
‫يخبر، بل لو سألتهم عن العام الهجري الذي يمرون به لن يعطيك جواب ً، ألنه غريب‬
‫ِ‬
‫عن عامه الهجري، معانق لذلك العام األخر، أليس هذا هو الواقع المرئـي؟ وأصـغ‬
                              ‫تج‬                                            ‫ا‬
‫جيدً إلى أجهزة اإلعالم في العالم اإلسالمي كله، َ ِدْ كيف أن اسم العام الهجري يمر‬


                                       ‫831‬
                  ‫ا‬                        ‫ا‬                               ‫ال‬
‫ذلي ً وال يمكن أن يذل عند اهلل غريب ً، وال يمكن أن يكون غريب ً في سماوات اهلل عز‬
                                              ‫ً‬                       ‫ا‬
‫وجل يتيم ً، وال يمكن أن يكون يتيما في ميزان اهلل عز وجل، لكنه يتيم اليـوم بقـرار‬
‫من العالم اإلسالمي الذي قضاه في حق نفسه، من هنا أيها اإلخوة حاقت بنا المهانـة‬
                 ‫ً‬
‫التي نتأفف منها، ولو أننا فكرنا وقدرنا وتأملنا لوجدنا ـ يقينا وبـدون ريـب ـ أن‬
‫الغرب ليس هو الذي أبرم قضاءه الجائر في حقنا أن يذلنا ويهيننا ويقطـع أوصـالنا،‬
‫ولكننا ـ نحن المسلمين ـ الذين أبرمنا هذا الحكم في حق أنفسنا، ثم إن الغرب جـاء‬
‫لينفذ ما قد قضيناه نحن، نحن الذين قضينا والغرب هو الذي ينفذ هذا هو الواقع، قال‬
‫لنا عدونا في الغرب: دعوا حضارتكم اإلسالمية، وتعالوا فاتبعوا الحضارة التي تمـأل‬
                                                               ‫ا‬
‫رحب العالم ألق ً، قلنا: نعم، لكم ما تطلبون، وهذا هو الحق، قال لنـا الغـرب الـذي‬
‫يعادينا ويحقد علينا وعلى كل شيء في تاريخنا: دعوكم من اإلسالم الذي تقادم عهده،‬
                                                                 ‫وبد وغي‬     ‫طو‬
‫ِّروه ِّلوه ِّروه، وتعالوا إلى النظم العجيبة العلمية والعلمانية التي تورثكم عزة‬
                                       ‫ا‬
‫ما بعدها عزة، قلنا: نعم، لكم ما تريدون حب ً وكرامة، فعلنا ما يقول، قال لنـا العـدو‬
        ‫ن‬                                                ‫ا‬
‫الذي يفيض قلبه حقدً علينا وعلى تاريخنا وديننا: دعوكم من محور الـدي ِ الجـامع‬
‫هنالك محاور أخرى كثيرة متطورة تجمع األمة وتقيم الوحدة، هناك محـاور القـوم،‬
‫محاور وحدة اللغة ووحدة المصير، وما إلى ذلك، دعوكم من الدين الذي يثير علـيكم‬
      ‫ا‬                                           ‫ا‬
‫األقليات المختلفة، قلنا: حب ً وكرامة، هذا هو الحـق، سـرنا وراءهـم تمامـ ً أذالء‬
                                                                ‫ُج‬
‫خاضعين، كلما و ِّه إلينا تعليم من تعليماتهم، رفعنا أيدي االستسـالم المهينـة لهـم،‬
                                                                  ‫ا‬
‫وقلنا: نعم، حب ً وكرامة. فلماذا نستنكر إذا جاءت النتيجة الطبيعية لهذا كلـه؟ لمـاذا‬
‫نستنكر إذا جاء هذا العدو بعد هذا كله، فقطع أوصالنا، ومزق كياناتنا، وسحقنا، وأقام‬
‫المذابح للقضاء علينا، ولتطهير الجيوب اإلسالمية في مجتمعاتنا؟ لماذا تنكرون النتيجة‬
‫الطبيعية للمقدمات التي أنتم كنتم أبطالها، وأنتم الذين قررتموها، والمقدمات المنطقيـة‬
‫ال بد أن ونتائجها المنطقية، أما هجرة المصطفى ـ ‪ ‬ـ فكانت وال تزال تقول لنـا‬
‫من وراء حواجز القرون: تعالوا إلى النهج الذي أعز أسـالفكم، وأنـا الكفيـل بأنـه‬
‫سيعزكم اليوم، تعالوا فالتزموا بما التزم به أولئك الذين أعرضوا عن الدنيا في سـبيل‬


                                       ‫931‬
‫اهلل، أعرضوا عن الوطن في سبيل العقيدة، أرأيتم كيف أن الهجرة أعادت إليهم الوطن‬
‫عندما بقيت لهم العقيدة، تعالوا أفعلْ بكم هذا النصر ذاته، أحقق لكم هذا األمر ذاتـه،‬
‫أعرضتم. قالت لنا الهجرة ببليغ البيان: تعالوا فكونوا أمناء على معنى الهجـرة كمـا‬
                              ‫َ‬
‫كان أسالفكم، أمناء عليها تستغنون بعد فقر، يبق لكم ماضي غناكم، ويضـيف اهلل ـ‬
                                                        ‫ا‬     ‫ً‬
‫عز وجل ـ إليه غنى جديدً، أرأيتم إلى أسالفكم الفقراء يوم نفضوا أيديهم من الـدنيا‬
‫كلها؟ من البساتين والعقارات واألموال المنقولة وغير المنقولة، في سبيل الهجرة، من‬
‫أجل العقيدة، من أجل المبدأ، أرأيتم كيف أن اهلل أعاد إليهم األمـوال، وأعـاد إلـيهم‬
                                                        ‫أضعاف أضعاف أضعافها؟‬
‫ها أنا ذا إن كنتم أمناء على هجرة رسول اهلل ـ ‪ ‬ـ ومعانيها أضمن لكم الغنى بعد‬
‫الفقر، أعيد إليكم مجدكم السابق، أعرضتم عن ذلك كله، أهابت بنا هجرة رسـول اهلل‬
                                                         ‫إلي‬          ‫و حك‬
‫َيْ َ ُمْ التفتوا َّ، هذا هو معين عزكم، هذا هو مصدر قوتكم، من هنا تستطيعون أن‬
                          ‫ا‬
‫تدخلوا الرعب في قلوب أعدائكم، ونظرنا فلم نجد أذان ً تصغي إلى هذا الكالم بشـكل‬
                                                     ‫م لم‬
‫من األشكال، بل رأينا َعَْ َة الهجرة تخب فيما بيننا يتيمة في عالمها اإلسـالمي مـن‬
‫شرقه إلى غربه، غريبة في هذا العالم من شماله إلى جنوبه، كلنا يالحظ هذا المعنـى‬
‫أيها األخوة، فهل بقي لنا لسان يعتب على اهلل؟ إذا كنا نسمع أو نرى ما الذي يحـدث‬
‫بإخوة لنا هنا أو هناك، ما ينبغي أن نكون متجاهلين لجرائمنا إلى هذا الحد، نجرم في‬
‫حق أنفسنا ثم نعتب على اهلل، نحكم على أنفسنا باالنتحار، بالـذل بالضـيعة بالفرقـة‬
‫بالهوان، ثم نعتب على اهلل، لماذا سلط علينا هؤالء الناس أو أولئك، قلت لكـم أيهـا‬
‫اإلخوة: ال واهلل ليس هناك عدو يملك أن يقضي بحكم بحق العالم اإلسـالمي، لكـن‬
‫العالم اإلسالمي هو الذي قضى بملء اختياره وحريته، بأن يحكم على نفسه باالنتحار‬
‫المهين البطيء الذليل، ثم جاء العدو منفذ، نحن الذين حكمنا، وجاء العدو ينفذ ما قـد‬
‫حكمنا به، وخير الكالم ما قل ودل، وال أجدني في هذا الموقف أمام هذه العبرة التـي‬
                                ‫ا‬
               ‫تمر بنا أو نمر بها، ال أجدني أستطيع أن أقول مزيدً على هذا الكالم .‬
                             ‫ــــــــــــ‬


                                       ‫041‬
                             ‫العبرة من الهجرة النبوية‬

                                                    ‫محمد سعيد رمضان البوطي ...‬
                                             ‫ا‬
‫الحمد هلل ثم الحمد هلل، الحمد هلل حمدً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد كما‬
               ‫ء‬
‫ينبغي لجالل وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم ال أحصي ثنا ً عليك أنـت كمـا‬
‫أثنيت على نفسك، وأشهد أن ال إله إال اهلل وحده الشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينـا‬
                                    ‫ي‬                                   ‫ا‬
‫محمدً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نب ٍ أرسله، أرسله اهلل إلـى العـالم كلـه‬
                                                  ‫صل‬        ‫ا‬      ‫ا‬
‫بشيرً ونذيرً، اللهم ِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلـى آل سـيدنا محمـد؛‬
                                                               ‫ا‬
‫صالة وسالم ً دائمين متالزمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي‬
                                                           ‫المذنبة بتقوى اهلل تعالى.‬
                                                              ‫أما بعد، فيا عباد اهلل:‬
‫كلكم يعلم أن هجرة المصطفى ‪ ‬وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينـة المنـورة،‬
                                                     ‫ا‬         ‫ء‬
‫إنما كانت ابتال ً وامتحان ً بين يدي النصر العظيم الذي قيضـه اهلل سـبحانه وتعـالى‬
‫لرسوله محمد ‪ ‬وألصحابه البررة الكرام، وكلكم يعلم أن هذا االبتالء القاسي إنمـا‬
‫تمثل في االبتعاد عن الوطن وتركه، دون معرفة أيرجع أصحابه إليه أم ال، تمثل فـي‬
‫ترك األرض والمال والعقار، تمثل في ترك الزوجة فـي بعـض األحيـان واألوالد‬
‫واألسرة، قطع المسلمون أنفسهم عن حظوظهم كلها التي تعارضت مع اعتناقهم لـدين‬
‫اهلل سبحانه وتعالى وإخالصهم له، ثم إنهم بعد أن قطعوا أنفسهم عن هذه الحظوظ كلها‬
‫اتجهوا إلى تلك األرض المعروفة بسوء مناخها، والمعروفة بوبائها، اتجهوا إلى يثرب‬
‫وهم يعلمون أنهم إنما ينفذون في هذا أمر موالهم وخالقهم سبحانه وتعالى، ولم يكونوا‬
‫يتصورون أي جزاء يمكن أن ينالوه إن في الدنيا أو في اآلخرة، كل ما في األمـر أن‬
‫المصطفى ‪ ‬تلقى األمر من ربه بأن يهاجر، فهاجروا معه، ونفضوا أيديهم في سبيل‬
        ‫ا‬
‫ذلك من المال والعقار واألهل والولد، واستقبلوا - كما قلت لكم - أرضـ ً معروفـة‬



                                       ‫141‬
                           ‫ال‬
‫بوبائها وسوء مناخها حتى إن المصطفى ‪ ‬دعا ربه قائ ً: ((اللهم حبب إلينا المدينة‬
                                             ‫كما حببت إلينا مكة، وانقل وباؤها إلى مهيعة)).‬
‫ونظر المصطفى ‪ ‬إلى أصحابه وقد قطعوا أنفسهم من حظوظهم كلها فأشفق عليهم،‬
 ‫ال‬                                                              ‫ا‬
‫رآهم جياع ً، رآهم عراة، رآهم تاركين لدنياهم معرضين عنها، فرفـع يديـه قـائ ً:‬
‫(( اللهم إنهم الغداة جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم))،‬
‫ولست بصدد ذكر القصص التي كم وكم طرقت أسماعكم، ولكنا بذكر العبـرة التـي‬
‫ينبغي أن نقطفها في عصرنا هذا من قصة الهجرة هذه، ما هي القوة التي بها نجحـوا‬
‫في ذلك االمتحان؟ ما هو الدافع الذي حملهم على أن ينفضوا أيديهم من كل ما كـانوا‬
‫يملكونه، وأن يتجهوا إلى المدينة المنورة وهم ال يملكون إال ثقتهم بـاهلل عـز وجـل‬
‫وإيمانهم بضرورة االنقياد لحكمه؟ ما هو رأس مالهم الذي يسر لهم النجاح في ذلـك‬
‫االبتالء؟ إنه الثقة بوعد اهلل؛ إنه الثقة بما ألزم اهلل عز وجل به ذاته العليـة، سـمعوا‬
                                 ‫و ن حقا عل ن ُ م من ن‬
‫قوله عز وجل: { َكا َ َ ّ ً ََيْنا َصْر الْ ُؤْ ِ ِي َ} [الروم: 12/96] سـمعوا قـول اهلل‬
‫الذ ي صرك م ب د ِ‬                 ‫لب لك وإ ي ذ ك فم‬                     ‫إ ي ص كم الله‬
‫عز وجل: { ِنْ َنْ ُرْ ُ ُ َّ ُ فَال غاِ َ َ ُمْ َِنْ َخْ ُلْ ُمْ َ َنْ ذا َّ ِي َنْ ُ ُ ُمْ ِنْ َعْ ِه‬
‫كْ‬      ‫َل الله م‬                                   ‫وعل الله ف يتو َّل م من ن‬
‫َ ََى َّ ِ َلْ َ َ َك ِ الْ ُؤْ ِ ُو َ} [آل عمران: 2/140]، سمعوا قوله: {ب ِ َّ ُ َـوْال ُم‬
‫ْ‬        ‫رك ِالله‬            ‫وهو خ ر ن صر ن سن ق ف قل ب الذ ن كفر الر ب ب‬
‫َ ُ َ َيْ ُ الّا ِ ِي َ، َ ُلْ ِي ِي ُُو ِ َّ ِي َ َ َ ُوا ُّعْ َ ِما أَشْ َ ُوا ب َّ ِ مـا لَـم‬
‫لن ِ َن ظ لم ن ولن ك َنكم أل َ‬                                          ‫ين ِّ به س ا‬
‫ُ َزلْ ِ ِ ُلْطان ً} [آل عمران: 2/180-080]، {َ ُهْلك َّ ال ّاِ ِي َ، ََ ُسْ ِنَّ ُ ُ ا َرْض‬
‫ونر د أ ْ‬                            ‫ف م م و ف وع د‬             ‫م ب ده ذلك لم‬
‫ِنْ َعْ ِ ِمْ َِ َ ِ َنْ خا َ َقا ِي َخا َ َ ِي ِ} [إبراهيم: 60/20-60]، { َ ُ ِيـ ُ َن‬
          ‫ن ُن عل الذ ن ت عف ف أل ض ون عله أ ِم ً ون علهم رث ن‬
‫َم َّ ََى َّ ِي َ اسْ ُضْ ِ ُوا ِي ا َرْ ِ َ َجْ ََ ُمْ َئ َّة َ َجْ ََ ُ ُ الْوا ِ ِي َ} [القصـص:‬
‫98/8] صكت هذه الوعود والعهود الربانية أسماعهم، وهيمنت على قلوبهم، وعلمـوا‬
‫أنه كالم اهلل، وكالم اهلل عز وجل حق ال يلحقه خلف قط، هذا هو الذي شجعهم وهـو‬
‫الذي يسر لهم أن ينفضوا أيديهم من القليل الذي كانوا يملكونه من الـوطن واألرض،‬
‫والعقار واألهل، وكل ما يقف عثرة في طريق سعيهم وسـلوكهم إلـى اهلل سـبحانه‬
                 ‫وتعالى، نجحوا في ذلك االبتالء واالمتحان بثقتهم بهذه الكلمات الربانية.‬



                                                ‫241‬
 ‫ا‬      ‫ا‬
‫ومكان العبرة في هذا أيها اإلخوة: أن هذا الذي يقوله اهلل عز وجل مكـررً مؤكـدً،‬
     ‫ا‬                                              ‫ا‬              ‫ا‬     ‫ا‬
‫مكررً مؤكدً، لم يكن خطاب ً للرعيل األول فقط، بل هو خطاب لعباد اهلل جميع ً، هـو‬
‫ُ‬   ‫ن‬      ‫و ن حق ا عل‬
‫خطاب للمؤمنين في سائر العصور وفي سائر األجيال { َكـا َ َ ّـ ً ََيْنـا َصْـر‬
  ‫ن ر م من ن‬                  ‫و ن َق ا عل‬                                    ‫ُ من ن‬
‫الْمؤْ ِ ِي َ} لم يقل: نصر أصحاب رسول اهلل { َكا َ ح ّـ ً ََيْنـا َصْـ ُ الْ ُـؤْ ِ ِي َ}.‬
‫َ‬          ‫إ ي ص كم الله‬
‫والخطاب إنما كان للمؤمنين كافة في كل العصور إذ قال: {ِنْ َنْ ُرْ ُ ُ َّ ُ فَال غالِب‬
  ‫ونر د أ ن ُـن عل‬                     ‫الذ ي صرك م ب ده‬                   ‫لك وإ ي ذ ك فم‬
‫َ ُمْ َِنْ َخْ ُلْ ُمْ َ َنْ ذا َّ ِي َنْ ُ ُ ُمْ ِنْ َعْ ِ ِ} وعندما قال: { َ ُ ِي ُ َنْ َم َّ ََـى‬
                                                             ‫الذ ن ت عف‬
‫َّ ِي َ اسْ ُضْ ِ ُوا} [القصص: 98/8] إنما كان يعني البيان اإللهي المستضـعفين مـن‬
  ‫الله وِي الذ ن من‬
‫عباد اهلل المؤمنين به الواثقين بنصره في كل عصر وعندما قال: { َّ ُ َل ُّ َّ ِي َ آ َُوا‬
                                                  ‫ي رجه من الظل ت إل الن ر‬
‫ُخْ ِ ُ ُمْ ِ َ ُُّما ِ َِى ُّو ِ} [البقرة: 8/988] إنما كان البيان اإللهي وال يـزال‬
                                                                 ‫يعني المؤمنين في كل عصر.‬
‫فما الفرق بين المؤمنين اليوم وبين أولئك المؤمنين من أصحاب رسـول اهلل؟ أولئـك‬
‫الذين سمعوا هذه البيان المكررة والمؤكدة وثقوا بكالم اهلل وصدقوه ورأوا ما وعـدهم‬
                                                        ‫ا‬
‫اهلل به كأنهم يتقرونه عيان ً، أما نحن فما أكثر ما نتلو هذه اآليات ونرددها، وما أكثـر‬
‫ما نسمعها في المناسبات المتنوعة المختلفة، لكن أين هم الذين هيمنت هـذه العهـود‬
‫الربانية والمواثيق اإللهية على قلوبهم؟ أين هم الذين وثقوا بوعود اهلل وعهـده الـذي‬
‫ألزم به ذاته العلية، كما وثق بها أصحاب رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم؟ هـذا هـو‬
‫فرق ما بيننا وبينهم، ومن ثم فهو هو فرق ما بين النتائج التي قطفها ذلـك الرعيـل‬
‫األول والنتائج المهينة المذلة التي نتقلب في حمأتها اليوم، أولئك وثقوا بعهـد البـاري‬
‫سبحانه وتعالى، فتركوا الوطن، تركوا الدنيا، تركوا العشـيرة، تركـوا كـل شـيء،‬
‫وعانقوا الوباء، عانقوا األرض ذات المناخ السيئ، ألن عزائهم إنما هو قول اهلل عـز‬
                                           ‫و ن حقا عل ن ر م من ن‬
‫وجل: { َكا َ َ ّ ً ََيْنا َصْ ُ الْ ُؤْ ِ ِي َ} [الروم: 12/96] نصرهم اهلل، أعادهم اهلل عز‬
‫وجل أعزة كرماء إلى الوطن الذي نفضوا أيديهم منه، وأكرمهم بمزيد من األوطـان،‬
‫بأضعاف أضعاف أضعاف األموال الذي تركوها في سـبيل اهلل سـبحانه وتعـالى،‬
                  ‫و ن حقا عل ن ر م من ن‬
‫وصدق عليهم قوله عز وجل: { َكا َ َ ّ ً ََيْنا َصْ ُ الْ ُؤْ ِ ِي َ} وصدق عليهم قولـه‬


                                               ‫341‬
  ‫قل ب ال ذ ن َ ر‬          ‫َل الله م ك وهو خ ر ن صر ن سن ق ف‬
‫عز وجل: {ب ِ َّ ُ َوْال ُمْ َ ُ َ َيْ ُ الّا ِ ِي َ، َ ُلْ ِي ِـي ُُـو ِ َّـ ِي َ كفَـ ُوا‬
                                                                               ‫الر ب‬
                                                                 ‫ُّعْ َ} كل ذلك تحقق.‬
‫أما نحن، فها نحن نسمع هذه البيانات الربانية كما سمعوا، ونتأمل فيها بعقولنـا كمـا‬
‫تأملوا، ولكن أين هم الذين يحفلون بهذه البيانات اإللهية؟ أين هم الذين جعلوا عقـولهم‬
‫أوعية لليقين بهذه العهود التي ألزم اهلل عز وجل بها ذاته العليـة، تـأملوا وانظـروا‬
‫تجدون أن جل المسلمين اليوم محجوبون عن خطاب اهلل عز وجـل يتعـاملون مـع‬
‫أهوائهم، يتأملون مع غرائزهم، مع رغباتهم، يتعاملون مع دنياهم، أجل، ومن ثم فقـد‬
‫كانت النتائج في حياتنا على النقيض من نتائج أولئك الناس، أولئك أدخل اهلل عز وجل‬
‫الرعب في قلوب الكافرين منهم، أما نحن اليوم فإنما يزيد اهلل سبحانه وتعالى قلـوب‬
                                      ‫ا‬
‫الكافرين وأعداء هذا الدين منعة وقوة وطغيان ً كلما أرادوا أن يتجهوا إلينـا بعـدوان،‬
‫يريدون أن ينفذوا خططه، انظروا إلى النقيض أيها اإلخوة، ورحم اهلل المثل القائـل:‬
‫((المرء حيث يضع نفسه)). ضع نفسك في موضع االعتزاز بالحق الذي ألزم اهلل بـه‬
‫ذاته العلية، ضع نفسك في موضع اليقين بما وعدك اهلل عز وجل بـه، انظـر كيـف‬
‫يدخل اهلل عز وجل الرعب منك في قلوب أعدائك وأعدائه، ولكن إن أنت أعرضـت‬
‫عن بيان اهلل عز وجل، وإن أنت نظرت إلى الدين نظرة تقليدية ولم تزد عالقتك بـه‬
‫على عالقة األمة بتراثها كما يقال اليوم، تراث، ليس أكثر من تراث، آل الدين الـذي‬
‫خلقنا ألجله، آلت العبودية التي هي هويتنا فوق هذه األرض، آلت إلى تراث لآلبـاء‬
‫واألجداد، نرتبط به ضمن حدود المصالح، فإذا رأينا أن رغباتنـا أهوائنـا، مختلـف‬
‫أمزجتنا تعارضت، فما أيسر أن نعانق الحداثة والتجديد والتبديل والتغيير، ونعانق مـا‬
                                                              ‫يدعونا إليه العدو األرعن.‬
‫هذا واقعنا، ومن ثم فقد وكلنا اهلل عز وجل إلى أنفسنا، وكلنا اهلل عز وجل إلـى هـذا‬
‫الوضع الذي تعاني منه نفوسنا، وإال فمن أين جاءت هذه الغطرسة التي يتمتـع بهـا‬
‫العدو ضدنا؟ من أين جاء هذا الطغيان؟ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن‬
‫يقلبها كيف يشاء، ال يمكن ألمة أن تذل وأن تهون إال إذا قطعت ما بينها وبين اهلل عز‬


                                           ‫441‬
                       ‫ا‬
‫وجل من صالت، وال يمكن أن يسلط اهلل عز وجل عليها عدوً له وله إال عندما تبتعد‬
 ‫ا‬
‫هذه األمة عن العهد وتخون األمانة وتلقي الخطاب الذي شرفها اهلل به وراءها ظهري ً،‬
                                                                 ‫وهذا هو حالنا، هذا هو حالنا.‬
‫ال يقولن قائل: ها نحن نردد بيان اهلل صباح مساء، ها نحن نسمع القرآن مـن أفـواه‬
‫تطرب لها اآلذان في مختلف اإلذاعات والفضائيات، هذه أطر أيها اإلخـوة، انظـروا‬
‫إلى ما في داخل األطر، وال تنظروا إلى اإلطار نفسه، اإلطـار مـزركش وداخلـه‬
‫مخجل، داخله مخجل نعم، هذا العدو األرعن يسمعنا أن علينا أن نبدل ديننا، أن نبـدل‬
‫مناهج التربية في مجتمعاتنا، علينا أن نودع هذا الدين إلى غير رجعة، ويـأتي مـن‬
‫ً‬
‫ينبطح في عالمنا العربي واإلسالمي ويقول: إن بلسان الحال أو بلسان المقال: سـمعا‬
                                                              ‫ا‬
‫وطاعة، سمع ً وطاعة، سنغير، سنبدل، أجل سنفعل ما تشاؤون. وأين هو اإلله الـذي‬
‫يملك النواصي، الذي يملك القلوب، الذي قلوب العباد بين أصـبعين مـن أصـابعه،‬
‫ويحكم أن بينكم وبين أن يطرد اهلل عدوكم من دياركم وبين أن يلحق به المهانة والذل‬
                                                               ‫ا‬     ‫ا‬
‫شيئ ً واحدً، هو أن تصدقوا مع اهلل كما صدق أصحاب رسول اهلل مـع اهلل، هـو أن‬
 ‫و ن حقا عل ن ر م من ن‬
‫تثقوا بهذه العهود المتكررة التي ألزم بها ذاته العلية: { َكا َ َ ّ ً ََيْنا َصْ ُ الْ ُؤْ ِ ِي َ}‬
 ‫ال ذ‬        ‫لب لك وإ ي ذ ك فم‬                     ‫إ ي ص كم الله‬
‫من يقول هذا الكالم اهلل: {ِنْ َنْ ُرْ ُ ُ َّ ُ فَال غاِ َ َ ُمْ َِنْ َخْ ُلْ ُمْ َ َـنْ ذا َّـ ِي‬
‫ب ل الل ُ‬                                                     ‫ي صرك م ب ده‬
‫َنْ ُ ُ ُمْ ِنْ َعْ ِ ِ} [آل عمران: 2/140] من الذي يقول هذا الكـالم اهلل: { َـ ِ َّـه‬
                  ‫م ك وهو خ ر ن صر ن سن ق ف قل ب الذ ن كفر الر َ‬
‫َوْال ُمْ َ ُ َ َيْ ُ الّا ِ ِي َ، َ ُلْ ِي ِي ُُو ِ َّ ِي َ َ َ ُوا ُّعْب} لكن إن آمنتم وإن‬
‫ونر د أ َم َّ‬
‫وثقتم بكالم اهلل سبحانه وتعالى وجددتم العهد الصادق من الذي يقول: { َ ُ ِي ُ َنْ ن ُن‬
              ‫رث ن‬          ‫عل الذ ن ت عف ف أل ض ون عله أ ِم ة ون عله م‬
‫ََى َّ ِي َ اسْ ُضْ ِ ُوا ِي ا َرْ ِ َ َجْ ََ ُمْ َئ َّـ ً َ َجْ ََ ُـ ُ الْـوا ِ ِي َ} اهلل سـبحانه‬
                               ‫ا‬
‫وتعالى. عندما نثق بهذا الكالم ونعاهد اهلل مجددً كما عاهدنا، فـإن اهلل عـز وجـل‬
‫سيخلق في حياتنا خوارق النصر والتأييد، أما عندما نضع الخطط المتنوعة المختلفـة‬
‫التي تهدف إلى غاية واحدة، أال وهو تمزيق هذا الدين، وتحويله إلى أمـور ضـبابية‬
                                                               ‫ا‬
‫تصبح بعد حين أثرً بعد عين، كالتجديد، كالحداثة، كالعلمانية، كتبديل الخطاب الديني،‬
‫كالتحويل، كالتبديل، هذه الكلمات التي تسمعونها خطط هي نتائج لخطط أجنبيـة أنـا‬


                                               ‫541‬
‫على يقين بها، المراد منها أن تخلع هذه األمة رداء دينها، ومن ثم أن تخلـع البقيـة‬
‫الباقية من رداء حضارتها، من الذي يبقى لها؟ يبقى لها أن تتحول إلى أجـراء، إلـى‬
‫عبيد يتقممون الحضارة الغربية اآلسنة، التي ظهر ريحها وظهر أنها بالء أطم يهلـك‬
‫الحرث والنسل، هذه هي العبرة التي ينبغي أن نأخذها مـن الهجـرة، مـن هجـرة‬
                                                 ‫المصطفى صلى اهلل عليه وسلم.‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                     ‫641‬
                           ‫الفوائد الجنية من الهجرة النبوية‬

                                                          ‫سلمان بن يحي المالكي‬
                                                   ‫_‪@hotmail.com788slman‬‬
                                    ‫مقدمة السلسلة‬
   ‫م‬               ‫س‬       ‫س‬                ‫م‬             ‫ن ف‬          ‫و‬
‫في ج ٍ مشحو ٍ بزي ِ الباطل وركا ِ الجاهلية ، يسو ُ النـا َ جهلهـم ، ويحك ُهـم‬
                     ‫ر‬               ‫عهر خ د‬                 ‫ل‬        ‫ت‬        ‫ف‬
‫عر ُهم وعاداُهم ، قت ٌ وزنا ، ُ ُ ٌ و َنا وأ ٌ للبنات ، تفاخ ٌ باألحساب واألنسـاب ،‬
     ‫ة‬         ‫تغ ر‬            ‫ن‬                 ‫ء‬                ‫ن‬      ‫ع‬           ‫د‬
‫سا َ في البِقا ِ قانو ُ الغاب ، فالبقا ُ للقوي ، والتمكي ُ للعزيز ، ُ ِي ُ القبيلـ ُ علـى‬
               ‫ح ت‬               ‫ة ت‬          ‫ب‬       ‫م‬               ‫ه‬
‫األخرى ألتف ِ األسباب ، تقو ُ الحرو ُ الطاحن ُ ، ُزهق األروا ُ ، و ُهلَك األمـوال ،‬
     ‫ٌ‬         ‫ُ‬                ‫ُ‬              ‫ُ‬                ‫ُ‬         ‫ت‬
‫و ُسبى النساء والذراري ، وتدوم السنون وتتعاقب األعوام ، والحرب يرثها جيل بعـد‬
             ‫ٌ‬          ‫ُ‬              ‫ْ‬    ‫س‬          ‫رع‬               ‫ل‬
‫جي ٍ ، وأصلها بعي ٌ ُقْر ، وفر ٌ سبقت أخرى ، أو قطيع أغنامٍ سيق وسرْق ، سـاد‬
‫ْ‬                ‫ت‬                               ‫ة‬      ‫ت‬      ‫ع‬        ‫م‬
‫في ذلك ُ المجتم ُ عادا ٌ غريب ٌ عجيبة ، فعند األشراف منهم كان ِ المرأة إذا شـاءت‬
‫ُ‬                          ‫ب‬      ‫ر‬                          ‫م‬       ‫ل‬        ‫ت‬
‫جمع ِ القبائ َ للسال ِ وإن شاءت أشعلتْ بينهم نا َ الحر ِ والقتال ، بينما كان الحـال‬
     ‫ع نعبر‬           ‫ِ‬       ‫ِ‬         ‫ط‬            ‫ع‬             ‫ط‬
‫في األوسا ِ األخرى أنوا ٌ من االختال ِ بين الرجل والمرأة ال نستطي ُ أن َّ عنـه‬
   ‫مخ‬                ‫رم ح‬                  ‫ة‬         ‫ن س ح‬              ‫د ة‬
‫إال بال َع ار ِ والمجو ِ وال ِفا ِ والفاحش ِ ، كانت الخم ُ ُمتَد ُ الشـعراء ، و َف َـرة‬
          ‫ة‬       ‫ك‬      ‫ر‬                     ‫سُل‬     ‫ل‬
‫ُالناس ، فهي عندهم سبي ٌ من ُب ِ الكرم ، ناهيك عن صو ِ الشر ِ وعباد ِ األوثان ،‬
               ‫ن‬                      ‫ل‬             ‫ن ك‬             ‫ُصور‬
‫التي ت ِّ ُ كيف كا َ أولئ َ يعيشون بعقو ٍ ال يفكرون بها ، وأعي ٍ ال يبصرون بهـا‬
‫ٌ‬        ‫ء‬               ‫ع م َ ه أ َل‬                ‫إ ه ِال‬                    ‫ن‬
‫، وأذا ٍ ال يسمعون بها ِنْ ُمْ إ َّ كَاألنْ َـا ِ بلْ ُمْ َض ُّ في هذه األثنا ِ حدث حادث‬
‫َ‬      ‫ب‬          ‫ن‬                   ‫ة ب‬                  ‫م‬     ‫ب ة‬
‫عجي ٌ لمك َ وحر ِها ، رأى أبره ُ نائ َ النجاشي على الـيم ِ أن العـر َ يحجـون‬
   ‫ل‬                      ‫ب‬      ‫ف حج‬      ‫ء‬       ‫ة‬      ‫ة‬             ‫ة‬
‫الكعب َ ، فبنى كنيس ً كبير ً بصنعا َ ليصر َ َّ العر ِ إليها ، وسمع بذلك رج ٌ من‬
‫َ‬                  ‫ة‬                   ‫عذ‬           ‫ال ولطخ ق‬                ‫ك‬
‫بني ِنانة ، فدخلها لي ً َّ َ ِبلتها بال َ ِرة ، ولما علم أبره ُ بذلك ثار غضبه وسار‬
    ‫ال‬                           ‫ة‬           ‫ن ف ي‬                 ‫م‬      ‫ش‬
‫بجي ٍ عرمر ٍ عدده ستو َ أل َ جند ٍ إلى الكعب ِ ليهدمها ، واختار لنفسه فـي ً مـن‬
            ‫ل ة‬                 ‫ال‬       ‫شق ة ة‬                         ‫ر ة‬
‫أكب ِ الفيل ِ ، وكان في الجي ِ ُراب َ ثالث َ عشر في ً ، وتهيأ لدخو ِ مك َ فلما كان في‬
   ‫ب‬                            ‫ق‬       ‫ك ل‬              ‫ة‬           ‫وادي محسر‬
‫ِّ ٍ بين مزدلف َ ومنى بر َ الفي ُ ولم ي ُم ، وكلما وجهوه إلـى الجنـو ِ أو‬



                                          ‫741‬
                        ‫ِ َ‬        ‫قَ َ‬                       ‫ق‬         ‫ل‬
‫الشما ِ أو الشر ِ قام يهرول ، وإذا وجهوه ِبل الكعبة برك فلم يتحرك ، فبينمـا هـم‬
‫ر ُ‬        ‫ر ة‬                         ‫ل‬              ‫ر‬
‫كذلك إذ أرسل اهلل عليهم طي ًا أبابيل أمثا ُ الخطاطيف مع كل طائ ٍ ثالث ُ أحجا ٍ مثل‬
              ‫بم‬                                    ‫ب د‬              ‫حم‬
‫ال ُ ُص ، ال تصي ُ أح ًا منهم إال تقطعت أعضاؤه وهلك ، وهر َ َن لم يصبه منها‬
       ‫ك‬                     ‫ق‬     ‫ل‬                            ‫ء ج‬
‫شي ٌ يمو ُ بعضهم في بعض ، فتساقطوا بك ِ طري ٍ ، وهلكوا على كل مهل ٍ ، وأما‬
‫ُ‬            ‫ء‬           ‫ص‬          ‫مل‬                                ‫ة ث‬
‫أبره ُ فبع َ اهلل عليه داء تساقطت بسببه أنا ُِه ، ولم ي ِل إلى صنعا َ إال وهو مثـل‬
             ‫ِ‬                                     ‫ب‬        ‫ر‬             ‫خ‬
‫الفر ِ ، وانصدع صد ُه عن قل ِه ثم هلك ، وكانتْ هذه الوقعةْ قبل مولد النبي بخمسين‬
      ‫ك‬         ‫م‬             ‫ت‬                   ‫د ة قد‬                          ‫م‬
‫يو ًا أو تزيد ، فأضحت كالتقْ ُم ِ َّمها اهلل لنبيه وبي ِه ، وبعد أيا ٍ من هـال ِ ذلكـم‬
‫ِ‬                 ‫د د‬               ‫ن تزف‬       ‫ع‬                         ‫ش‬
‫الجي ِ أشرقت الدنيا وتنادت ربو ُ الكو ِ ُّ ُ البشرى بول ِ سي ِ المرسلين ، وإمـام‬
    ‫ع‬           ‫ة م إل‬          ‫َ‬    ‫م‬         ‫شب‬                ‫ة‬
‫المتقين ، والرحم ِ للعالمين في ِعْ ِ بني هاش ٍ بمكة صبيح َ يو ُ ا ِثنين التاس ِ مـن‬
         ‫ق‬       ‫م‬                 ‫د د‬                ‫ر‬      ‫و‬         ‫ل م‬          ‫ع‬
‫ربي ٍ األو ِ لعا ِ الفيل ، ُلد خي ُ البشر ، وسي ُ ول ِ آدم ، ولد الرحي ُ الرفي ُ بأمتـه ،‬
                    ‫ي‬        ‫ب‬           ‫ن‬            ‫د ن‬       ‫ة‬               ‫أطل‬
‫َّ على هذه الحيا ِ محم ُ ب ُ عبد اهلل ب ُ عبد المطل ِ الهاشم ِ القرشي ، أرسله اهلل‬
‫إلى الناس جميعا ليقول للناس " إني رسول اهلل إليكم جميعا الذي له ملـك السـماوات‬
‫واألرض ال إله إال هو يحي ويميت فآمنوا باهلل ورسوله النبي األمي الذي يؤمن بـاهلل‬
               ‫ة‬          ‫َ‬             ‫ي‬
‫وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون " جاء النب ُ ‪ ‬يدعوا الناس إلى شهاد ِ أن ال إلـه إال‬
‫اهلل وأن محمد رسول اهلل بكل ما تضمنته هذه الشهادة من معنى ، جاء نبي الرحمـة‬
‫ِ‬            ‫ة‬     ‫ة‬                  ‫ق‬       ‫ر‬       ‫ف‬           ‫س‬
‫‪ ‬يدعو النا َ إلى العفا ِ والطه ِ والخل ِ الكريم واالستقام ِ وصل ِ األرحام وحسن‬
              ‫ب‬           ‫م‬                                         ‫الجوار والكف‬
‫ِّ عن المظالم والمحارم ، يدعوهم إلى التحاك ِ إلى الكتا ِ العزيز ال إلى‬
                   ‫ء‬          ‫ة‬                      ‫ْل‬               ‫ر‬
‫الكهان وأم ِ الجاهلية ، وجع ِ الناس كلهم أمام شريع ِ اهلل سوا ً يتفاضلون بالتقوى ،‬
‫َ‬    ‫ب‬          ‫رض‬                             ‫ن س‬           ‫ر‬     ‫ن‬
‫روى اب ُ جري ٍ عن اب ِ عبا ٍ رضي اهلل عنهما قال " لما م ِ َ أبو طالـ ٍ دخـل‬
‫ُ‬      ‫ل‬       ‫تم تن‬               ‫إن ن‬             ‫ل‬             ‫ش‬        ‫ة‬
‫عليه مشيخ ٌ من قري ٍ فيهم أبو جه ٌ فقالوا : َّ اب َ أخيك يش ُ ُ آله َ َا ويفع ُ ويفعـل‬
            ‫م ت دعه هه‬                       ‫ي ُف‬             ‫ن‬        ‫ل صن‬              ‫ل‬
‫ويقو ُ ويقو ُ فأنْ ِفْ َا من اب ِ أخيك ، فلْ َك َّ عن شت ِ آله ِنا ون َ ُ ُ وإل ُ ُ ، فقال أبـو‬
                  ‫ك تم ت‬              ‫ل مك ك ك عم‬                          ‫ن‬         ‫ب‬
‫طال ٍ : يا اب َ أخي ما با ُ قو ِ َ يش ُونَ َ ويز ُ ُون أن َ تش ُ ُ آله َهم ..؟ قال يا عم :‬
                                          ‫ُ‬             ‫ً د ُ‬
‫أريد أن يقولوا كلمة تَ ِين لهم بها العرب ، وتؤدي لهم بها العجم الجزية ، فقـال أبـو‬
    ‫ز‬                                                           ‫ر‬       ‫ل‬
‫جهل : نقوُها وعش ًا ، فقال عليه الصالة والسالم : قولوا ال إلـه إال اهلل ، فف ِعـوا‬


                                             ‫841‬
           ‫ة ه د ن‬                                  ‫ب‬       ‫فض‬         ‫ن‬
‫وولوا مدبري َ وهم ين ُ ُون ثيا َهم ويقولون : أجعل اآلله َ إل ً واح ًا إ ّ هـذا لشـيء‬
                ‫ى‬                 ‫س كل‬             ‫ل‬
‫عجاب " نعم .. لقد دعا رسو ُ اهلل ‪ ‬النا َ َّهم إلى هذا المعن َ العظـيم ، وقـام‬
‫ٍ‬     ‫ٍ‬                  ‫ِ‬                ‫ٍ‬    ‫ر‬             ‫ر‬       ‫ب‬
‫بهذا الواج ِ الكبي ِ الذي هو أكب ُ واجب في تأريخ البشرية كلها ، دعا إلى دين قـويم‬
‫ِ‬           ‫ة ة‬           ‫ة‬             ‫عد‬         ‫ل‬                 ‫ن‬
‫يرقى به اإلنسا ُ إلى أعلى المناز ِ ، ويسْ َ ُ به في اآلخر ِ سعاد ً أبدي ً فـي النعـيم‬
‫َ‬      ‫ن‬          ‫قهم‬
‫المقيم ، فاستجاب له القلة المؤمنة المستضعفة في مكة ، فأذا َ ُ ُ المشـركو َ أنـواع‬
‫َ‬         ‫ن‬         ‫ن‬                      ‫ه ة ع‬
‫العذاب ، ووقف في وجه ِ ثالث ُ أنوا ٍ من الناس : المستكبرو َ الجاحدو َ العـالمون‬
‫ً‬     ‫ة‬     ‫ث‬            ‫ون‬               ‫ل‬                    ‫س ن‬
‫بالحق ، والحا ِدو َ المحترقون ، والجها ُ الضالون ، وك ّ َ هذا الثالو ُ جبه ً عنيدة‬
                               ‫ة‬          ‫ل‬        ‫رك‬         ‫ي‬        ‫ب‬      ‫ب‬
‫وحر ًا وحز ًا شيطان ًا ال يت ُ ُ من سبي ٍ وال وسيل ٍ إال سلكها للصد عن سـبيل اهلل )‬
‫ُ‬      ‫يريدون ليطفئوا نور اهلل بأفواههم واهلل متم نوره ولو كره الكافرون ( واشتد‬
‫َّ الكـرب‬
‫َ‬               ‫ن ة‬             ‫ر‬                  ‫ن‬          ‫ة ُيق خ ق‬
‫بمك َ وضِّ َ ال ِنا ُ على الدي ِ اإلسالمي ، وائتم َ المشركو َ بمك َ أن يقتلوا رسـول‬
     ‫ِ‬            ‫ة‬
‫اهلل ‪ ‬قال جبريل عليه السالم " إن اهلل أذن لك يا محمد بالهجر ِ إلى المدينـة فـال‬
‫ٍ‬    ‫ة ل‬                         ‫ن‬                          ‫ة‬             ‫تب‬
‫َ ِتْ هذه الليل َ في فراشك " ورصده المشركو َ عند بابه ليضربوه ضرب َ رج ٍ واحد‬
‫ِ‬     ‫ر‬                            ‫ة‬                   ‫ل‬             ‫ق م‬
‫ليتفر َ د َه بين القبائ ِ ، فخرج عليه الصال ُ والسالم عليهم وهو يتلو صـد َ سـورة‬
‫َ‬      ‫م‬                                         ‫ب‬       ‫م‬
‫يس وذرى على رؤوسه ُ الترا َ وأخذ اهلل بأبصارهم عنه فلم يروه ، وأخذه ُ النعاس‬
  ‫ب‬                ‫ر ر ة م‬                   ‫ق‬                ‫ب‬
‫، واختبأ هو وصاح َه أبو بكر الصدي ِ في غا ِ ثو ٍ ثالث َ أيا ٍ حتى هـدأ الطلـ ُ ،‬
              ‫ر‬                    ‫ر‬               ‫ل و هة‬         ‫ش‬
‫ففتشتْ عنه قري ٌ في ك ِ ِجْ َ ٍ، وتتبعوا األث َ حتى وقفوا على الغا ِ فقال أبو بكـر‬
                       ‫ع‬               ‫د‬               ‫ل‬
‫رضي اهلل عنه : يا رسو َ اهلل لو أن أح َهم نظر إلى موض ِ قدميه ألبصرنا ، فقال "‬
          ‫م‬         ‫ي‬         ‫ث‬         ‫ل‬
‫يا أبا بكر ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما " ولقيا الدلي َ بعد ثال ٍ براحلتْ َهما ، وي ّما المدينة‬
‫َ‬         ‫ل‬      ‫ث‬                          ‫ر‬              ‫ة‬
‫َفكانت هجر ُ المصطفى ‪ ‬نص ًا لإلسـالم والمسـلمين حيـ ُ أبطـ َ اهلل مكـر‬
‫ِ‬         ‫ة‬       ‫المشركي َ وكي َهم في تفكير ِ ُ القضا َ على اإلسال ِ بمك َ وظنهم‬
‫َّ ُ القدر َ علـى قتـل‬  ‫م ة‬                ‫ء‬       ‫هم‬             ‫ن د‬
                                                                                  ‫رسول اهلل‬
                                                                       ‫------------‬
‫ِ‬       ‫َ‬     ‫بُ‬         ‫ً‬          ‫ل‬                              ‫س‬       ‫أهم‬
‫من ِّ الدرو ِ أيها األحبة التي ينبغي التأم ُ فيها وخاصة من يَسْ ُر أوراق السـيرة‬
                         ‫ِ‬      ‫ُ‬                     ‫ِ‬       ‫ُ‬     ‫ُ‬
  ‫، ذلكم األمر المهم في حياة النبي ‪ ، ‬أال وهو أمر الهجرة وما أدراكم ما الهجرة .‬


                                            ‫941‬
             ‫ة‬        ‫ق‬         ‫ث‬         ‫ر‬      ‫ة حد ت َض‬                   ‫ة‬
‫إن الهجر َ النبوي َ في ِّ ذا ِها بغ ِّ النظ ِ عن أحدا ِها تسـتح ُ الوقفـ َ المتأنيَـة ،‬
‫ً‬           ‫ة‬      ‫ة‬                        ‫ر‬      ‫ق‬                ‫ة‬       ‫ق‬
‫تستح ُ الوقف َ الثاقبة ، تستح ُ النظ َ الدقيق ، فهي ليستْ نزه ً بريـ ً وال وسـياحة‬
‫ِ‬            ‫ة‬           ‫ر‬
‫بحري ً ، الهجر ُ النبوي ُ ليست للتفر ِ واإلطال ِ ، وال للنظ ِ والمعاينـ ِ ، وال للسـفر‬
                                      ‫ع‬         ‫ج‬            ‫ة‬        ‫ة‬         ‫ة‬
‫ِ‬       ‫د‬     ‫ل‬
‫والتحصي ِ في ُتَ ِ هذه الدنيا وملذا ِها ، وإنما هي نقل ٌ جديد ٌ وانتقا ٌ وطي ٌ من أجـل‬
                       ‫ة‬      ‫ة‬                  ‫ت‬                  ‫مع‬       ‫ل‬
‫ِ‬      ‫ة‬           ‫ن‬
‫الحفا ِ على العقيد ِ ، الحفاظ على الرك ِ األسا ِ ، واأل ِّ المتي ِ مع التضحي ِ بالنفس‬
                           ‫ُس‬        ‫س‬       ‫ن‬                   ‫ة‬            ‫ظ‬
                   ‫ة‬          ‫ة‬            ‫ظ‬                    ‫د‬       ‫ل‬       ‫ل‬
‫والما ِ واأله ِ والول ِ ، نعم .. إنه الحفا ُ على العقيد ِ والمحافظ ِ عليها ، فهو مبدؤها‬
                                                                   ‫ت‬        ‫ل‬      ‫ف‬
                                                      ‫وهد ُها وأمُها وغاي ُها ونهايتها .‬
‫ِ‬                ‫ت‬        ‫ث ل‬                      ‫ة ث ير‬             ‫ة‬
‫إن الهجر َ النبوي َ حد ٌ غّ َ مجرى التأريخ ، حد ٌ حم َ في طيا ِه معانيْ الشـجاعة‬
       ‫ز‬           ‫ِ‬       ‫ة‬       ‫ل‬
‫والتضحي ِ واإلبا ِ والصب ِ والنص ِ والفدا ِ والتوك ِ والقو ِ واإلخاء واالعتـزا ِ بـاهلل‬
                                            ‫ء‬        ‫ر‬       ‫ر‬       ‫ء‬        ‫ة‬
                                                                                ‫وحده .‬
‫ِ‬     ‫ع‬      ‫ة‬
‫إن حد َ الهجر ِ النبوي ِ حد ٌ جعلَه اهلل سبحانه طريق ً للنص ِ والعـز ِ ورفـ ِ رايـة‬
                      ‫ر‬      ‫ا‬                        ‫ة ث‬           ‫ة‬       ‫َّ ث‬
    ‫م يش ع‬            ‫ن ر‬               ‫ت‬      ‫ح‬    ‫ة‬        ‫د ت‬           ‫م‬
‫اإلسال ِ وتشيي ِ دول ِه وإقام ِ صر ِ حضار ِه ، فما كا َ لنو ِ اإلسال ِ أن ِّـ َ فـي‬
     ‫ل‬        ‫ث ل ل‬                          ‫ا‬      ‫ي‬       ‫ة‬         ‫ء‬      ‫ع‬
‫جمي ِ أرجا ِ المعمور ِ لو بق َ حبيس ً في مهده ، إنه حد ٌ شام ٌ كام ٌ متكامـ ٌ لمـن‬
‫ٌ‬    ‫ة‬                      ‫ن‬
‫أحس َ االستفاد َ منه وأخ َ العبر َ والعظ َ على أحس ِ وجه ، إنه في الحقيقـ ِ حـدث‬
                                      ‫ة‬       ‫ة‬       ‫ذ‬         ‫ة‬          ‫ن‬
‫َ‬               ‫ق‬           ‫ج‬         ‫م‬        ‫ج‬         ‫رض ج ي‬
‫يع ِ ُ منه َ النب ِ ‪ ، ‬منه َ المعصو ِ ‪ ، ‬منه َ من ال ينط ُ عن الهوى ، مهـج‬
‫ٌ‬                              ‫ً‬     ‫ة ً‬                           ‫ِ‬     ‫َيد‬
‫المؤ َّ ِ من رب العالمين ، فليست الهجر ُ حدثا عاديا ، وال أمرا طبيعيا ، بل هي أمـر‬
                                                                       ‫ُ‬     ‫ٌ‬
               ‫جلل يستحق منا االهتمام بما تحويه هذه الهجرة وما بداخلها من كنوز .‬
‫ُ‬       ‫ء‬                     ‫ة‬                            ‫ة‬
‫إن بين أيدينا هجر ُ الرسول ‪ ، ‬بين أحضاننا هجر ُ النبي ‪ ‬وفيها الدوا ُ النـاجع‬
                                                           ‫ع‬         ‫ض‬         ‫ٍ‬
                                                ‫لكثير من أمرا ِنا وأوضا ِنا وعللنا .‬
‫ِ‬       ‫ِ‬        ‫ِ‬
‫إن في هذه الهجر ِ المبارك ِ من اآليا ِ البينا ِ واآلثار النيـرات والـدروس والعبـر‬
                          ‫ِ‬       ‫ت‬        ‫ت‬          ‫ة‬         ‫ة‬
‫م تر ِ‬       ‫ش‬          ‫ئ‬               ‫م م‬             ‫ة‬       ‫م‬             ‫ت‬
‫البالغا ِ ما لو استله َتْه أم ُ اإلسال ِ اليو َ وعملتْ على ضو ِه وهي تعي ُ على ُفْ َ َق‬
‫َّ‬          ‫ن‬        ‫َ‬
‫الطر ِ لتح ّ َ لها ع ُّ َا وقو ُها ومكان ُها وهيب ُها ، ولعلمت علم اليقـي ِ أنـه ال حـل‬
                                    ‫ت‬        ‫ت‬         ‫ت‬      ‫ِزه‬        ‫ق قق‬
              ‫ت‬          ‫م‬          ‫م‬       ‫ك‬              ‫ل‬      ‫ح‬           ‫ت‬
‫لمشكال ِها وال صال َ ألحواِها إال بالتمس ِ بإسال ِها والتزا ِها بعقيـد ِها وإيمانهـا ،‬
‫َ‬        ‫م ن‬                      ‫ت‬
‫‪ ‬بالح ِ بشيرً ونذيرً ما قام ِ الدنيا إال بقيا ِ الدي ِ وال نـال‬
                                           ‫ا‬      ‫ا‬     ‫ق‬                 ‫ث‬
                                                                    ‫فوالذي بع َ محمدا‬


                                         ‫051‬
   ‫ت‬                ‫المسلمو َ العز َ والكرام َ والنص َ والتمكي َ إال لما خضعوا لرب‬
‫ِّ العالمين وهيها َ أن‬                ‫ن‬         ‫ر‬       ‫ة‬         ‫ة‬      ‫ن‬
‫َ‬                                 ‫ء‬         ‫ع ج‬              ‫م‬      ‫ء‬      ‫ي ُل ن‬
‫َح َّ أم ٌ ورخا ٌ وسال ٌ إال باتبا ِ نه ِ األنبيا ِ والمرسلين ، ومن هنا جئنـا لنتحـدث‬
        ‫ة‬                  ‫ت‬        ‫ر‬       ‫س‬        ‫م‬         ‫ل ض‬
‫هذه الليلة حو َ بع ِ المفاهي ِ والدرو ِ والعب ِ والعظا ِ المجتناهْ من هجر ِ المجتبى‬
‫ِ‬                 ‫لم ت ُقلب‬
‫صلى اهلل عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وإني َّا كن ُ أ ِّ ُ صفحات هذه الهجـرة‬
‫َ‬             ‫صب ي‬                   ‫ة‬
‫المبارك ِ عرض ُ أتذك ُ حكم ً عربي ً قديم ً تقول " من أخْ َ َ تخ ّر " أي من وجـد‬
                                            ‫ة‬      ‫ة‬     ‫ر‬      ‫ت‬     ‫ة‬
‫أع ْ‬                  ‫ة ب‬            ‫ت‬               ‫ة تخير‬        ‫ض خ ة‬
‫األر َ ال ِصب َ الوفير َ َّ َ المرعى ، فرأي ُ الحكم َ تنقل ُ علي َّ فإني لـم َ ُـد‬
                                                   ‫ِ‬         ‫ُ‬           ‫د‬
                           ‫أج ُها وأنا أقلب صفحات هذه الهجرة " من أخصب تخير "‬
        ‫م‬                       ‫ة‬
‫ولكني وجدتها " من أخصب تحير " فماذا أقول الليل َ وماذا أدع ..؟ فال أكت ُكم أحبتي‬
‫ت َّ‬                              ‫ت‬            ‫س‬        ‫م‬         ‫ت م‬
‫أنني وقف ُ أما َ المفاهي ِ والدرو ِ التي اطلعْ ُ عليها ، واحترت : نعم .. احتر ُ أي‬
         ‫ص‬                    ‫ع‬            ‫ر‬             ‫خ‬                   ‫م‬
‫مفهو ٍ من هذه المفاهيم آ ُذ ؟ وأيها أت ُك ؟ أيها أد ُ ؟ وأيها ألتمس ؟ وو َلَتْ معـي‬
     ‫ا‬               ‫ة‬                     ‫م‬         ‫س‬
‫هذه المفاهيم وهذه الدرو ُ عددا وك ّا كبيرا ، ولكن مراعا ً للوقت ، وتركيزً علـى‬
          ‫ل‬       ‫ة‬     ‫ل‬                            ‫ل‬                      ‫ض‬
‫بع ِ النقاط ، وإال ال أقو ُ "على المهم ، أو األهم " فك ُ هجر ِ الرسو ِ ‪ ‬مهمـة ،‬
‫َ‬               ‫َ‬   ‫ُ‬                    ‫د‬           ‫ض ط‬              ‫ا‬
‫وتركيزً على بع ِ النقا ِ التي تزدا ُ حاجتنا إليها ؛ سأذكر بعض الوقفات ، وبعـض‬
‫َ‬                    ‫ة‬           ‫ب‬                              ‫ض‬
‫المفاهيم وبع َ الدروس التي أخذتها من استيعا ِ هذه الهجر ِ المباركة ، فما أجمـل‬
        ‫ر‬         ‫ة‬                 ‫ة‬                  ‫ة د‬          ‫ت‬       ‫ن ر‬
‫أن ُشي َ إشارا ٍ عابر ٍ لعد ٍ من القضايا المهم ِ الجديرة باإلشاد ِ والتذكي ِ في هجرة‬
                ‫ر‬                 ‫ي‬                                       ‫ل‬
‫رسو ِ العالمين الذي أسأل اهلل بمنه وكرمه أن ُلحقنا به وأن يحش َنا في زمرتـه وأن‬
                                                              ‫ً‬               ‫ي قي‬
                                           ‫ُس ِ َنَا من حوضه شربة ال نظمأ بعدها أبدا‬
                                ‫------------‬
                              ‫أوال .. لماذا الهجرة ..؟‬
  ‫ل‬        ‫ده‬            ‫ع د‬           ‫ت‬        ‫ة‬       ‫خ‬          ‫ت‬
‫إني لما نظر ُ إلى تأري ِ الهجر ِ ، ونظر ُ إلى اإل ِدا ِ الـذي أعـ ّ ُ الرسـو ُ ‪‬‬
  ‫ة‬         ‫ة‬          ‫ن‬        ‫ء‬                      ‫ب‬          ‫ب‬            ‫ت‬
‫ونظر ُ إلى األسبا ِ واألسالي ِ التي اتخذَها ، ابتدا ً من إذْ ِه بـالهجر ِ للصـحاب ِ ،‬
‫ُ‬                 ‫ة‬      ‫ة‬      ‫ب‬                                   ‫ء وص ل‬
‫وانتها ً ب ُ ُوِه إلى المدينة ، وما بينهما من أسبا ٍ بشري ٍ كثير ٍ ، فيهـا االختفـاء‬
‫ل ٍ‬        ‫ل‬        ‫ي ر‬         ‫ت‬                 ‫ب‬                        ‫والس ة‬
‫ِّري ُ ، فيها كثيرا من األسبا ِ البشرية ، تساءل ُ : ألم ُسْ َ بالرسو ِ ‪ ‬قب َ عام‬
‫ُ‬            ‫ل‬           ‫ت‬          ‫ء‬               ‫س ير‬             ‫ت‬        ‫ط‬
‫فق ٍ إلى بي ِ المقد ِ ، و ُع َج به إلى السما ِ ؟ ألم يأ ِ إليه جبري ُ علـى الصـالة‬


                                        ‫151‬
         ‫ة‬       ‫ه‬         ‫ل‬      ‫ق‬                           ‫م ند‬        ‫م‬
‫والسال ُ وهو ُسْ ِ ٌ ظهره الشريف للكعبة بالبرا ِ ليرح َ هو وإيا ُ من مك َ المكرمـة‬
       ‫ت‬               ‫ي‬                                              ‫ت‬
‫إلى بي ِ المقدس ومن هناك إلى السموات ..؟ سبحان اهلل ! ُسْرى به إلى بي ِ المقدس‬
‫ٍ ويت َ‬        ‫، وُعرج به إلى السما ِ ، ويرْ ِع في ليل ٍ واحد ٍ ، ويجلس عـد َ‬
‫َّة شـهور ‪َّ ‬خِـذ‬           ‫ة‬      ‫ة‬         ‫ج‬        ‫ء‬                 ‫ي‬
              ‫لم‬                           ‫ة‬            ‫ل‬         ‫ب‬
‫كثيرا من األسبا ِ والوسائ ِ لهذه الهجر ِ ! لماذا ..؟ ما السبب ..؟ ِ َ لمْ تكـن تلـك‬
             ‫ر‬             ‫ة‬           ‫ح‬      ‫ة‬           ‫ي‬             ‫ة ك‬
‫الهجر ِ كذا َ اإلسراء ..؟ ُمْسي في مك َ ويصب ُ في المدين ِ النبوية بأم ِ اهلل سـبحانه‬
    ‫ء‬                      ‫ي جز‬                  ‫ر‬
‫وتعالى وبقدرته ؟ أليس اهلل قاد ٌ على ذلك ..؟ أ ُعْ ِ ُه سبحانَه وتعـالى شـي ٌ فـي‬
                                 ‫ل‬      ‫ت‬                               ‫ض‬
‫األر ِ والسماء ..؟ كيف ال.. والمعجزا ُ تتنز ُ عليه عليه الصالة والسالم ، لكنني‬
                          ‫ة‬                                       ‫ت‬     ‫د ُل‬
‫بع َ التأم ِّ وجد ُ أن اهلل سبحانه وتعالى أراد منا ومن أم ِ النبي ‪ ‬أن نفقه هذا الدين‬
‫ُ‬            ‫ة‬                                             ‫ه‬                 ‫ا‬       ‫فه‬
‫ِقْ ًا دقيق ً ، أرادنا أن نفق َ هذه الدعوة المحمدية فقها سديدا ، فهذه الدعو ُ أيها األحباب‬
         ‫ة‬                ‫ذ‬        ‫ر‬                          ‫ج‬
‫هي وربي منه ٌ للبشر ، ربنا جل وعال قاد ٌ أن يأخ َ رسوله ‪ ‬في لحظ ٍ واحـدة ،‬
                                             ‫ج‬                       ‫ة‬        ‫قل‬
‫وين ُُه من مك َ إلى المدينة ، ال يحتا ُ إلى إعداد ، ال يحتاج إلى اختفـاء ، ال يحتـاج‬
    ‫َ‬     ‫ر‬            ‫ٍ‬                     ‫ة‬
‫إلى مئونة ، ال يحتاج إلى مطارد ٍ ، ال يحتاج إلى مصاحبة ، لكن األم َ أعمـق مـن‬
              ‫ة‬         ‫ا‬      ‫ن‬                     ‫ن‬                  ‫د‬           ‫ك‬
‫ذل َ وربي وأبع َ بكثير ، إنه الدي ُ ..! أراده اهلل ليكو َ منهج ً للبشـري ِ ، لمـاذا .. ؟‬
‫ِ‬           ‫هه ل‬               ‫ة‬           ‫ء د‬                           ‫ف‬
‫ألنه لو ُعل ذلك برسول اهلل ‪ ‬وجا َ بع َه من الدعا ِ ممن تواج ُ ُم مث ُ هذه المشاكل‬
‫ِ‬        ‫ج س‬            ‫ة‬       ‫ِ‬     ‫ل‬               ‫ة‬                   ‫ل‬
‫، مشاك ِ االضطهاد ، ومعانا ِ العذاب في سبي ِ تبيين الدعو ِ وإخرا ِ النا ِ من عبادة‬
                ‫ن‬            ‫العباد إلى عباد ِ ر ِ العبا ِ فأين حي َها يج ُو َ الحل‬
‫َّ ؟ كيف يجدو َ المخرج ؟ إلى من‬   ‫د ن‬       ‫ن‬         ‫د‬       ‫ة ب‬
              ‫ك ن ر ن‬                            ‫ن‬      ‫ي‬
‫يلتجئون ..؟ أولئك الذين ُضطهدو َ في دينهم ، أولئ َ الذي َ يحا َبو َ في عقيـدتهم ،‬
        ‫ِ‬             ‫مة‬        ‫َ‬                        ‫ت‬      ‫ت ته ُ‬
      ‫أولئك الذين ُم َ َن كرام ُهم عليهم أن يأخذوا الدروس العظي َ َ من هذه الهجرة .‬
‫ِ‬      ‫ة‬        ‫س‬         ‫ل‬
‫ُّ من خالِها الدرو َ العظيم َ للدعاة‬
                                  ‫إ ًا ..نحن في هذه الهجر ِ بجمي ِ مراحِها ، نتبين‬
                                            ‫ل‬     ‫ع‬      ‫ة‬                     ‫ذ‬
  ‫س‬        ‫ك‬                      ‫ة‬         ‫ة‬             ‫تم‬       ‫ن‬
‫وللمسلمي َ ، فلو َّتْ هذه الهجر ُ بين عشي ٍ وضحاها ؛ لخسـرنا تلـ َ الـدرو َ ،‬
‫ً‬     ‫خ‬                         ‫ر‬                 ‫ر‬           ‫ف‬        ‫ك‬
‫ولخسرن ا تل َ المواق َ ، وهذا أم ٌ ال ينتبه له كثي ٌ من الناس ، ويكفي التأري َ شـرفا‬
                                       ‫ة‬       ‫ة‬           ‫ة‬        ‫ه‬       ‫سطر‬
‫أن َّ َ بأحرف ِ الذهبي ِ هذه السير ِ العطر ِ ، وهذه الهجرة المباركة ، لنلجـأ إليهـا‬
                                ‫ض‬       ‫ش ء‬         ‫ت‬       ‫ل‬        ‫ك ت‬       ‫ٍ‬
         ‫كمخرج من ُربا ِنا ، وح ٍ ألزما ِنا ، و ِفا ٍ ألمرا َنا ، بعد اهلل جل وعال .‬



                                           ‫251‬
‫ُِ‬       ‫ل‬           ‫ق‬           ‫ب‬         ‫ذ‬         ‫ة‬        ‫ة ف‬
‫في هذه الهجر ِ يعر ُ الداعي ُ كيف يأخ ُ باألسبا ِ ، كيف يفر ُ بين التوك ِ والتواكل‬
    ‫ُ‬               ‫ة‬         ‫ِ‬             ‫م‬       ‫ف‬       ‫ر ح ة‬
‫، يأخذ الحذ َ وال ِيط َ ، يعر ُ المسل ُ من هذه الهجرة النبويـ ِ أنـه ال يسـتكين وال‬
‫َ‬       ‫ة‬                                                    ‫َل ة‬              ‫ن‬
‫يستهي ُ وال يقْب ُ الذل َ في دينه ، وال في عقيدته أبدا ، نعم .. إن هذه الهجر َ العظيمة‬
     ‫م بطه‬          ‫س‬            ‫ة‬       ‫ع‬           ‫ت‬                  ‫ج‬
‫منه ٌ للبشر ، ولو خرجْ ُ عن الموضو ِ من جه ٍ أخرى في در ٍ عظي ٍ أر ِ ُ ُ بهذا‬
‫ِ‬           ‫الموضو ِ ، وهو " قضي ُ المنافقين " فلقد وقف ُ كثيرً وتأ ّل ُ بـتمعن‬
‫ُّ ٍ قصـةَ عـالج‬   ‫ا مت‬           ‫ت‬                      ‫ة‬             ‫ع‬
    ‫ء‬                            ‫ل‬                             ‫ة‬      ‫م‬
‫اإلسال ِ لقضي ِ المنافقين ، وكيف عالج الرسو ُ ‪ ‬قضيتهم حتى انتهت ، ابتدا ً مـن‬
      ‫ن ر‬              ‫ة‬                  ‫ر‬         ‫ا‬        ‫ت‬          ‫ة‬
‫الهجر ِ وحتى وفا ِه ‪ ‬مرورً باألطوا ِ التي مرت بها قضي ُ المنافقي َ وأث ُهم فـي‬
              ‫ي لم ه‬              ‫ر‬                     ‫ءت ت‬
‫المدينة ، وتسا َلْ ُ وقل ُ : اهلل جال وعال قاد ٌ على أن ُعِْ َ نبي َ ‪ ‬بعـض أسـماء‬
                             ‫ط‬          ‫ق‬                       ‫ن ل تتي‬
‫المنافقي َ ِيَسْ َ ِ َبهم ؛ فإن تابوا ، وإال ُتلوا ، أو ُردوا " وممن حولكم من األعـراب‬
‫منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ال تعلمهم نحن نعلمهم " نعم .. ال تعلمهم‬
          ‫ر‬                                          ‫ي‬
‫كلهم نحن نعلمهم ، ألن اهلل لم ُردْ إبالغَه إياهم ؛ ألن اهلل تعالى لو أخب َ رسـولَه ‪‬‬
         ‫ن‬             ‫ن‬             ‫بر‬          ‫د‬            ‫ن ن‬                   ‫ه‬
‫بهذ ِ األسماء ، نح ُ الذي َ نأتي من بع ِه من سيخ ِ ُنا بالمنافقي َ الذين يعيشو َ بيننـا ؟‬
                                             ‫ت‬                        ‫ُ م كلت‬
                                     ‫كيف نعالج ُشْ َِ ِنَا معهم وهم من بني جلد ِنا ؟ إذا‬
            ‫ة‬               ‫ل‬       ‫ة‬                        ‫ء‬          ‫بد‬
‫ال َّ من اللجو ِ بعد اهلل تعالى إلى سير ِ الرسو ِ ‪ ، ‬إلـى هجـر ِ الرسـول ‪، ‬‬
     ‫َ‬      ‫م‬       ‫َمثَْ َا عال َ الرسو ُ ‪ ‬تل َ المشكل َ وتل َ الفتن َ داخ َ الصف‬
‫ِّ المسل ِ ، ووقف علـى‬   ‫ة ل‬           ‫ة ك‬            ‫ك‬      ‫ل‬       ‫ج‬      ‫ف ِ لم‬
      ‫ت‬                    ‫د‬       ‫تل َ الخيانا ِ التي ار ُكبتْ في داخ ِ هذا الصف‬
‫ِّ ؛ سنج ُ حينها عالجا لمشكال ِنا فـي‬       ‫ل‬            ‫ت‬         ‫ت‬         ‫ك‬
                                                                            ‫زماننا هذا .‬
     ‫م‬                                            ‫س‬                ‫ة‬       ‫س‬
‫إن در َ الهجر ِ أيها األحبة در ٌ عظيم ، أراد اهلل سبحانه وتعالى لنا أن نتعل َ منـه‬
‫ُ‬              ‫ُ‬      ‫ُ‬
‫الشي َ الكثي َ ، ولكن أين القلو ُ الحي ُ ؟ أين القلو ُ الصادقة اليقظة ؟ أيـن القلـوب‬
                              ‫ب‬             ‫ة‬      ‫ب‬                  ‫ر‬       ‫ء‬
‫َ‬          ‫ِ‬       ‫ة‬                                                  ‫ة‬
‫الباحث ُ عن الحق ؟ فالعودة العودة الصادقة الحميمة إلى هجر ِ الرسـول ‪ ‬لنسـتلهم‬
                                                                    ‫َ‬      ‫َ‬
                    ‫الدروس والعبر ,,, وإلى ثاني الدروس الجنية من الهجرة النبوية .‬
                             ‫-----------------‬
                   ‫ثانيا : المدينة النبوية ، التأسيس والتوطين ..!‬



                                          ‫351‬
‫ُ‬      ‫ع‬        ‫ن‬
‫وهذه قضي ٌ مهم ٌ ، وهي أنه ال ب َّ أن يكو َ للفئ ِ المسلم ِ موط ٌ أو موض ٌ تتأسـس‬
                      ‫ة‬        ‫ن ة‬             ‫ُد‬                ‫ة‬     ‫ة‬
                          ‫ة‬       ‫ل‬       ‫س‬         ‫ع‬
‫فيه وتتربى عليه ، وتستطي ُ أن تمار َ من خالِه عملي َ التغيير ، وقد كان هذا فـي‬
‫ٍ‬     ‫د‬       ‫م‬
‫دا ِ األرق ِ ب ِ أبي األرق َ قب َ الهجر ِ ، فقد كان موط ُ بنا ٍ وتعلي ٍ وإرشا ٍ وغـرس‬
                      ‫ن ء‬                   ‫ة‬       ‫م ل‬              ‫م ن‬         ‫ر‬
‫ِ‬          ‫ِ‬            ‫ٍ‬             ‫ٍ‬        ‫ِ‬                 ‫ة ء‬
‫للعقيد ِ وبنا ٍ لإلسالم في النفوس ، وتجميع للصفوف ومعرفة لواقع الباطل والجاهليـة‬
‫ُ‬            ‫ة‬                     ‫م‬        ‫ة‬     ‫حرك‬                ‫ع‬
‫، وهذا التجم ُ هو الذي كان ي ِّ ُ دعو َ اإلسال ِ حتى أذن اهلل بالهجر ِ فكان التأسيس‬
                    ‫ه جر‬        ‫ٍ‬      ‫ٍ‬     ‫ِ‬        ‫ة ٍ‬           ‫ُ‬
       ‫والتوطين في صور ِ دولة وفي صورة مجتمع متكامل في م َا َ ِ رسولِ اهلل ‪‬‬

                           ‫د‬      ‫ة‬            ‫ه‬           ‫ن ف ي‬
‫لقد كا َ هد ُ النب ِ ‪ ‬من هجرت ِ إلى المدين ِ إيجا ُ موطئ قدم للدعوة هنـاك حتـى‬
‫ِ‬       ‫ل ت طل ق‬                ‫ع ت ن سه‬                                  ‫ن‬       ‫ت عم‬
‫َنْ ُ َ باألم ِ واالستقرار ، حتى تستطي َ أن َبْ ِي نف َ َا من الداخ ِ و َنْ َِـ َ لتحقيـق‬
   ‫ت‬             ‫ل‬     ‫د‬        ‫ف ال ل‬                         ‫ج‬            ‫ف‬
‫أهدا ِها في الخار ِ ، ولقد كان هذا الهد ُ أم ً وحُما يراو ُ رسو َ اهلل ‪" ‬رأي ُ في‬
                                    ‫ٌ‬       ‫ض‬        ‫ة‬       ‫ر‬          ‫م‬
‫المنا ِ أني أهاج ُ من مك َ إلى أر ٍ بها نخل ، فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجـر‬
                                                                      ‫، فإذا هي يثرب "‬
      ‫ة‬       ‫ي م َيد‬                  ‫ر‬        ‫ة ر‬                 ‫ل‬       ‫ف‬
‫كان هد ُ الرسو ِ ‪ ‬من الهجر ِ تكثي ُ األنصا ِ وإيجاد رأ ٍ عا ٍ مؤ ِّ ٍ للدعو ِ ، ألن‬
   ‫ص‬       ‫ر‬         ‫ق‬        ‫د يذِّل‬             ‫ر‬       ‫ة‬           ‫د ك ر‬
‫وجو َ ذل َ يوف ُ على الدعو ِ الكثي َ من الجهو ِ و ُ َل ُ في طري ِها الكثي َ من ال ِعاب‬
    ‫ت‬            ‫ت طلق‬         ‫ف م طلق‬                   ‫تت ق‬         ‫ل خ ب‬
‫، والمجا ُ ال َصْ ُ الذي َ َحق ُ فيه األهدا ُ وال ُنْ ََ ُ الذي َنْ َِ ُ منه الطاقا ُ هـو‬
    ‫ر ل ر‬            ‫ب ن‬       ‫ث‬               ‫ل‬     ‫رص‬
‫في المدينة ، ولهذا ح ِ َ رسو ُ اهلل ‪ ‬أن يبع َ مصع َ ب َ عمي ٍ أو َ سفي ٍ فـي‬
‫َ‬     ‫م‬        ‫ر‬        ‫ة ليعلم‬            ‫ن ر‬                      ‫ر‬
‫اإلسالم ، ح ِص ‪ ‬أن يرسله ليكو َ سفي َه إلى المدين ِ ِّ َ األنصا َ اإلسال َ وينشر‬
    ‫ة‬        ‫ِ ي م َي د‬                         ‫ل‬     ‫دعو َ اهلل فيها ، ول ّا اطمأن‬
‫َّ رسو ُ اهلل ‪ ‬إلى وجود رأ ٍ عا ٍ مؤ ِّـ ٍ للـدعو ِ فـي‬     ‫م‬                ‫ة‬
         ‫ل‬                                          ‫ة‬            ‫ب‬      ‫ث‬
‫المدينة ح ّ أصحا َه إلى الهجر ِ إليها وقال لهم "هاجروا إلى يثرب ، فقد جع َ اهلل لكم‬
                                                                ‫َ‬      ‫ً‬     ‫ا‬
                                                          ‫فيها إخوان ً ودارا تأمنون بها "‬
           ‫ة‬       ‫ي‬         ‫ل‬       ‫ل‬        ‫ة‬                 ‫ل‬     ‫ف‬
‫لقد كان هد ُ رسو ِ اهلل ‪ ‬من الهجر ِ استكما ُ الهيك ِ التنظيم ِ للدعو ِ ، فقد كـان‬
‫ٌ‬                 ‫ن‬           ‫ر‬           ‫ة‬       ‫ل د‬             ‫ن‬        ‫ا‬
‫صعب ً أن يكو َ الرسو ُ القائ ُ في مك َ ، واألنصا ُ والمهاجرو َ في المدينة ، صـعب‬
       ‫ل‬     ‫ر‬                            ‫ن‬       ‫ذ‬          ‫ة‬       ‫م‬       ‫ن‬
‫أن يكو َ المعل ُ في مك َ والتالمي ُ بعيدو َ عنه في المدينة ، ولهذا هاج َ رسو ُ اهلل ‪‬‬
‫َ‬      ‫ليكو َ بين ظهْ ََنيْ أتبا ِه ، ألن الجماع َ بدو ِ قائ ٍ كالجس ِ بال رأ ٍ ، وألن‬
‫َّ تحقيـق‬     ‫س‬        ‫د‬       ‫ة ن د‬                       ‫ع‬         ‫را‬         ‫ن‬


                                          ‫451‬
  ‫ف‬          ‫ر‬      ‫ة ظمة ت َذ‬
‫أهدا ِ اإلسال ِ الكبرى ال ُّ إال بوجو ِ جماع ٍ مؤمن ٍ من َ َ ٍ ، ُغ ِّ السي َ إلى أهدا ِها‬
                                            ‫ة‬      ‫د‬          ‫يتم‬          ‫م‬        ‫ف‬
                                                                                ‫ٍ‬     ‫ٍ‬     ‫ٍ‬      ‫خط‬
                                                                              ‫ب ُ ًى وئيدة وطيدة متينة .‬
       ‫ِ‬                ‫ٍ‬       ‫ل‬              ‫ة‬         ‫ن م‬              ‫ج‬
‫فما أحو َ المسلمي َ اليو َ إلى هجر ٍ نحو اهلل ورسوِه ، هجرة إلى اهلل بالتمسك بحبلـه‬
          ‫ء‬                 ‫ع‬                   ‫ة‬             ‫ه‬     ‫م‬       ‫ن‬
‫المتي ِ وتحكي ِ شرع ِ القويم وهجر ٍ إلى رسوله ‪ ‬باتبا ِ سنته ، واالقتدا ِ بسـيرته ،‬
  ‫ر‬       ‫ب‬       ‫ن‬              ‫ح‬       ‫ق‬          ‫ر‬
‫فإنْ فعلوا ذلك فقد بدأوا السي َ في الطري ِ الصحي ِ وبدأوا يأخذو َ بأسبا ِ النصـ ِ ،‬
              ‫ً‬     ‫ن‬                        ‫َ‬                     ‫م‬     ‫ُ‬
            ‫وما النصر إلى ِن عندِ اهلل ، ويسألونك متى هو ؟ قل عسى أن يكو َ قريبا .‬
                                         ‫--------------‬
                                       ‫ٌ‬    ‫ٌ‬      ‫ة‬
                                ‫ثالثا : دعو ٌ مستمرة وصبر عظيم .‬
        ‫ل‬                          ‫َ ً‬           ‫َ‬      ‫ُ َّ‬          ‫ي‬
‫فالنب ُ ‪ ‬كما نعلم ظل في مكة ثالث عشرة سنة يدعو إلى اهلل جل وعال لي َ نهـار ،‬
   ‫ن‬       ‫ش‬      ‫ر‬        ‫ر‬        ‫د‬          ‫د‬
‫متعرضا في ذلك إلى األذى الشدي ِ واالضطها ِ المستم ِ من كفا ِ قـري ٍ الـذي َ ال‬
     ‫ن‬        ‫ت ة‬              ‫كل‬                       ‫ر‬         ‫ر‬      ‫ن‬
‫يريدو َ للخي ِ أن ينتش َ ، ومع ذلك فلم ييأس مع ِّ هذا العن ِ وقل ِ من آمـ َ معـه‬
‫ِ‬    ‫ر‬      ‫ل‬       ‫ع‬
‫خال َ هذه المد ِ ، فحاو َ أن يتج َ إلى بيئ ٍ أخرى لعل ُ يستطي ُ من خالِها نش َ ديـن‬
                            ‫ه‬          ‫ة‬         ‫ه‬        ‫ل‬        ‫ة‬          ‫ل‬
‫ل ُ‬              ‫ا‬           ‫ء‬         ‫ئ‬           ‫ف‬
‫اهلل جل وعال ، فاتجه إلى الطائ ِ ولكنه فوج َ بالسفها ِ يردونَه ردً منكرا ، تقو ُ أم‬
‫َْ‬   ‫ِلن ِي‬        ‫َنه ق‬               ‫تحدث ن‬                      ‫ة‬      ‫ن‬
‫المؤمني َ عائش ُ رضى اهلل عنها وهي ِّ ُ اب َ أختها عروة أَّ َا َالَتْ ل َّب ِّ ‪ ‬هل‬
    ‫ل ل لق ت م ق مك م لق ت وك ن َد‬                             ‫أت عل ك ي م ك ن َد م ي م أحد‬
‫َ َى ََيْ َ َوْ ٌ َا َ أَش َّ ِنْ َوْ ِ ُ ُ ٍ ..؟ قَا َ َقَدْ َ ِي ُ ِنْ َوْ ِ ِ َا َ ِي ُ َ َا َ أَش َّ مَا‬
  ‫لق ت م ه ي م عقبة إ عر ت ن س عل ن ع د ي ل ل ن ع د ك ل فل يج ن‬
‫َ ِي ُ ِنْ ُمْ َوْ َ الْ َ َ َ ِ ِذْ َ َضْ ُ َفْ ِي ََى ابْ ِ َبْ ِ َاِي َ بْ ِ َبْ ِ ُال ٍ ََمْ ُ ِبْ ِـي‬
‫ِ‬    ‫إل م أر ت ف طل ت وأن م م م عل و ه فل تف إ وأ ب ن الثع‬
‫َِى َا َ َدْ ُ َانْ ََقْ ُ ََ َا َهْ ُو ٌ ََى َجْ ِي ََمْ أَسْ َ ِقْ ِال ََنَـا ِقَـرْ ِ َّ َالِـب‬
‫ف ف ت ر س فإذ أن سح بة أ َل ن فنظ ت فإذ ف ه ج ر ل فن د ن ف ل ِن الل َ‬
‫َرَ َعْ ُ َأْ ِي َ ِ َا َ َا بِ َ َا َ ٍ قَدْ َظَّتْ ِي َ َ َرْ ُ َ ِ َا ِي َا ِبْ ِي ُ َ َا َا ِي َقَا َ إ َّ َّه‬
‫بعث إل ك م ك ج ل لت مره بم ش َ‬                               ‫سمع ق ْل ق مك ك وم َد عل ك‬
‫قَدْ َ ِ َ َو َ َوْ ِ َ لَ َ َ َا ر ُّوا ََيْ َ وَقَدْ َ َ َ َِيْ َ َلَ َ الْ ِبَا ِ ِ َأْ ُ َ ُ ِ َـا ِـئْت‬
‫ف ه فن د ن م ك ج ل َلم عَي ُم ل ي م َمد إ ش ت أ أ بق عل هم أل شب ِ‬
‫ِي ِمْ َ َا َا ِي َلَ ُ الْ ِبَا ِ فَسَّ َ َل َّ ث َّ قَا َ َا ُح َّ ُ ِنْ ِئْ َ َنْ ُطْ ِ َ ََيْ ِ ُ ا َخْ َ َيْن‬
‫َ أ ج أ ي رج الله م أ به م ي ب د الل َ‬                          ‫ف ل الن ِي‬
‫فعلت ولك ذلك ، َقَا َ َّب ُّ ‪ ‬بلْ َرْ ُو َنْ ُخْ ِ َ َّ ُ ِنْ َصْال ِ ِمْ َنْ َعْ ُـ ُ َّـه‬
                                                                                  ‫و دُ ي ر ُ ب ش‬
                                                            ‫َحْ َه ال ُشْ ِك ِهِ َيْئًا [ رواه البخاري ]‬
                           ‫ن‬                           ‫ة ل‬               ‫ة‬
‫إن هذه الوقف َ أيها األحب ُ تجعُنا نتساءل : ماذا قدمنا لدي ِ اهلل ؟ كم تحملنا مـن األذى‬
                                 ‫ر‬          ‫ر‬                        ‫ل‬
‫في سبي ِ نشره بين الناس ؟ هل صب َنا كما صب َ عليه الصـالة والسـالم ؟ أم أننـا‬


                                                      ‫551‬
      ‫ِ‬         ‫ق ِّ‬                     ‫ً‬         ‫جَ ً‬          ‫د‬
‫استسلمنا بمجر ِ أن نوا ِه أذى أو معارضة ، فقمنا بعد ذلك بالتو ُف عن الدعوة إليـه‬
    ‫م‬            ‫ت‬              ‫ِ‬              ‫ي‬       ‫ة‬
‫سبحانَه ، هل هذه هي القدو ُ بالنب ِ المصطفى األمين ، إنك لو نظر َ أيها الكري ُ إلى‬
    ‫دك‬               ‫ع‬       ‫ض‬
‫أمت َ الكريم ِ في القرآ ِ الكري ِ ونظر َ إليها في أر ِ الواق ِ النفلـق كبِـ ُ َ مـن‬
                                           ‫ت‬      ‫م‬       ‫ن‬          ‫ة‬        ‫ك‬
                          ‫ا‬      ‫ا‬               ‫ع ة‬            ‫ء‬        ‫ن‬
‫الحز ِ والبكا ِ على واق ِ أم ٍ قد انحرفت كثيرً وكثيرً عن منهج اهلل جل وعال وعـن‬
                  ‫ظ‬     ‫ش‬      ‫م‬                 ‫ة‬                      ‫ة‬
‫سن ِ رسوله ‪ ، ‬فهاهي األم ُ التي نراها اليو َ ونعي ُ تحت ِاللها ، ليسـتْ هـي‬
‫ْ‬                                              ‫ر‬                         ‫ة‬
‫األم ُ التي خرجتْ وبزغتْ في فج ِ اإلسالم ، أمتنا اليومْ بدلت شـرع اهلل وانحرفـت‬
‫ِ‬      ‫َ‬          ‫أذل‬                            ‫ت‬                   ‫ق‬
‫عن طري ِ رسول اهلل واستبدل ِ الذي هو أدنى بالذي هو خير ، َّ اهلل األمة ألحقـر‬
‫ِ‬       ‫ن‬           ‫ة‬         ‫ن‬        ‫م ة‬                        ‫ض‬      ‫وأذل أ م‬
‫ِّ ُم ِ األر ِ ممن كتب اهلل عليه ُ الذل َ والهوا َ واللعنـ َ مـن إخـوا ِ القـردة‬
‫ِ‬    ‫ر‬       ‫ة‬        ‫ت ة م ق عة‬                                 ‫ء‬         ‫ر‬
‫والخنازي ِ من أبنا ِ يهود ، نعم .. أصبح ِ األم ُ اليو َ َصْ َ ً مستباح ً ألحقـ ِ أمـم‬
      ‫ح‬       ‫ث‬                    ‫ق‬       ‫ل‬          ‫َق‬        ‫ض وأذل‬
‫األر ِ ِّها ، وح َّ عليها قو ُ الصاد ِ المصدوق ‪ ‬في الحدي ِ الصحي ِ الـذي‬
     ‫م م‬                     ‫شك‬                    ‫ث ن‬             ‫د‬
‫رواه أبو داوو َ من حدي ِ ثوبا َ رضي اهلل عنه : يو ِ ُ أن تتداعى عليك ُ األم ُ كمـا‬
                            ‫م ة ن مذ‬                                   ‫ة‬
‫تتداعى األكل ُ إلى قصعتها قالوا : أو ِن قل ٍ نح ُ يو ِئ ٍ يا رسـول اهلل ؟ قـال : ال ،‬
‫َّ‬         ‫ب عدوك‬        ‫ة‬
‫َّ َ ا ُ أن ينز َ المهاب َ من قلو ِ ِّ ُم ، وليقذفن‬
                                  ‫ع‬                      ‫ل‬      ‫ء‬      ‫ء‬
                                           ‫ولكنكم غثا ٌ كغثا ِ السي ِ ، وليوشكن هلل‬
        ‫ة‬               ‫ب‬                        ‫ن‬                ‫ن‬      ‫م‬
‫في قلوبك ُ الوه َ ، قيل وما الوه ُ يا رسول اهلل ؟ قال : ح ُ الدنيا وكراهي ُ الموت "‬
‫ِ‬   ‫ب‬      ‫ش‬      ‫ة‬        ‫ن ت‬           ‫رغ ء‬                ‫ت ة م‬
‫لقد أصبح ِ األم ُ اليو َ أيها األخيا ُ ُثا ً من ال ِفايا ِ البشري ِ تعـي ُ علـى ِسـاط‬
‫ٌ‬               ‫ة‬        ‫ة‬
‫الحيا ِ اإلنساني ِ ، تعي ُ األم ُ ك ُويالَ ٍ متناثر ٍ متصارع ٍ متحارب ٍ تفصل بينها حدود‬
                                  ‫ة‬        ‫ة د ت‬             ‫ش‬       ‫ة‬          ‫ة‬
‫ٌ‬      ‫ت‬                  ‫ت ف‬               ‫ة‬      ‫نعر ت‬               ‫ة‬
‫جغرافي ٌ مصطنعة ، و َ َ َا ٌ قومي ٌ جاهلية ، و ُرفر ُ على سمائها رايـا ٌ قوميـة‬
‫ُ‬          ‫ة‬         ‫ت‬        ‫ة‬       ‫ر‬                     ‫ن‬         ‫ة ت كم‬
‫ووطني ٌ َحْ ُ ُها قواني ٌ جاهلية غربية ، وتدو ُ باألم ِ الدورا ُ السياسي ُ فـال تملـك‬
‫ُ‬               ‫ر‬          ‫ن‬             ‫ر س‬                 ‫ن‬                 ‫ة‬
‫األم ُ نفسها عن الدورا ِ بل وال تختا ُ لنف ِها حتى المكا َ الذي تدو ُ فيه ! ذلت األمة‬
‫ِ‬       ‫ل‬                         ‫عت ة‬                     ‫ِزة جه ت ة‬
‫بعد ع َّ ٍ ، و َ ِل ِ األم ُ بعد علم ، وض ُف ِ األم ُ بعد قوة ، وأصبحتْ في ذي ِ القافلة‬
‫ِ‬                 ‫ة‬         ‫ة كل‬        ‫ب د‬           ‫س‬                    ‫ة‬
‫اإلنساني ِ بعد أن كانتْ باألم ِ القري ِ تقو ُ القافل َ َّها بجدار ٍ واقتـدار ، أصـبحت‬
‫ِ‬       ‫ة‬       ‫ت‬                    ‫ي‬         ‫د ر‬               ‫َّل‬    ‫ة م‬
‫األم ُ اليو َ تتسو ُ على موائ ِ الفك ِ اإلنسان ِ والعلمي بعد أن كان ِ األمـ ُ بـاألمس‬
‫ُ‬       ‫ة ل وأر‬             ‫قه ح‬               ‫ن‬          ‫ى‬         ‫ةتد‬          ‫ب‬
‫القري ِ منار ً َهْ ِي الحيار َ والتائهي َ ممن أحر َ ُمْ لف ُ الهاجر ِ القات ِ َّقهم طـول‬
‫ُ‬             ‫ر‬         ‫ت ة م ت ح‬                                ‫ه‬         ‫ي‬
‫المش ِ في التي ِ والضالل ، أصبح ِ األم ُ اليو َ ت َأْرج ُ فـي سـي ِها ، وال تعـرف‬


                                          ‫651‬
‫ِ‬       ‫س‬       ‫ت ة‬
‫طري َها الذي يج ُ عليها أن تَسُْكَهْ وأن تسي َ فيه بع َ أن كان ِ األم ُ باألم ِ القريـب‬
                                ‫د‬        ‫ر‬             ‫ل‬              ‫ب‬           ‫ق‬
‫ِ‬                    ‫ة‬        ‫ء‬
‫الدلي َ الحاذ َ األر َ في الدرو ِ المتشابك ِ والصحرا ِ المهلك ِ التي ال يهتدي للسـير‬
                                        ‫ة‬          ‫ب‬          ‫ب‬      ‫ق‬       ‫ل‬
                                                     ‫فيها إال األلدا ُ المجر ن‬
‫ِّبو َ .. فما الذي جرى ؟ ما الذي تغير .. ال شـيء ..! لكنهـا‬  ‫ء‬
‫َ‬              ‫هلل‬                                                    ‫ة‬         ‫ن‬
‫السن ُ الرباني ُ " إن اهلل ال يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " وا ِ إن هذا الواقـع‬
‫ل ُ‬         ‫ب‬        ‫ة‬        ‫ر ع هم‬                           ‫بأم ن‬              ‫م‬
‫األلي َ الذي نراه ِّ أعي ِنا في أمتنا يستنف ُ جمي َ ال ِم ِ الغيور ِ ويستوج ُ أن يسأ َ كل‬
    ‫ب‬      ‫ن‬                                           ‫ل‬            ‫س‬        ‫د‬
‫واح ٍ منا نف َه هذا السؤا َ ماذا قدمنا لدين اهلل جل وعال ؟ هل فعال نح ُ السب ُ فـي‬
‫ً‬      ‫ة‬            ‫يمِّل‬          ‫ل‬                ‫ل‬      ‫ة رك ب‬              ‫تخلف‬
‫ِّ هذه األم ِ و ُ ُو ِها ذي َ القطار ..؟ سؤا ٌ وإن كان ُ َث ُ في الحقيقـ ِ ظـاهرة‬
     ‫َ‬         ‫ح ِّ‬      ‫ِ‬
‫صحي ً إال أنه َ ُم عن َل ٍ في َهْم حقيق ِ االنتماء لهذا لدين إلى ال َد الذي أصبح فيـه‬
                                   ‫ِ‬        ‫ة‬      ‫خَل ف ِ‬         ‫ين ُّ‬        ‫ة‬
‫َ‬                        ‫ل‬        ‫يقدم ن‬              ‫ب‬            ‫ف‬        ‫م‬
‫المسل ُ ال يعر ُ ما الذي يج ُ عليه أن ِّ َه لدي ِ اهلل ج ّ وعال ، لماذا ؟! ألن قضية‬
   ‫ص‬      ‫م‬      ‫ة أججه‬        ‫ة س‬                                          ‫ل‬
‫العم ِ للدين ما تحركتْ في قلوبنا إال في لحظ ِ حما ٍ عابر ٍ َّ َ َا عال ٌ مخلـ ٌ أو‬
           ‫ر‬         ‫ة ل‬             ‫ة‬         ‫ة‬                       ‫ق‬     ‫ة‬
‫داعي ٌ صاد ٌ ، فقمنا بعد هذه اللحظ ِ الحماسي ِ المتأجج ِ نسأ ُ عن أدوا ِنـا .. إنـه‬
      ‫مت‬                 ‫ِل‬        ‫ل ب‬              ‫لم‬      ‫ل‬     ‫ل‬
‫وربي سؤا ٌ مخج ٌ سؤا ٌ َهيب ؟؟ سؤا ٌ يج ُ أال نم َّ طرحه وأال نسـئ َ ِكـراره‬
‫ل ِ‬          ‫ل ر‬             ‫ت تحرك‬
‫ل ُحي َ في القلو ِ قضي َ العم ِ لهذا الدي ِ في وق ٍ َّ َ فيه أه ُ الكف ِ والباط ِ بكل‬
                                          ‫ن‬           ‫ل‬      ‫ة‬     ‫ب‬          ‫ن ي‬
‫ِ‬                     ‫ل‬       ‫ت ش ل‬                   ‫ر‬       ‫ل‬     ‫ة ة‬
‫رجول ٍ وقو ٍ لباطِهم وكف ِهم ! في وق ٍ انتع َ أه ُ الباط ِ فيه وتحركوا في الوقـت‬
   ‫م‬         ‫ل ل ه‬           ‫ش‬                             ‫ل ق‬            ‫س‬
‫الذي تقاع َ فيه أه ُ الح ِ وتكاسلوا ، بل واهلل ما انتف َ الباط ُ وأهُـ ُ إال يـو َ أن‬
‫َ‬         ‫ة ق‬          ‫م‬      ‫ع‬     ‫ر‬          ‫ع ب‬               ‫ق ل‬
‫تخلى عن الح ِ أهُه ، إنه واق ٌ يج ُ أن يستنف َ جمي َ الهم ِ الغيور ِ ، ُـلْ لنفسـك‬
‫ْ‬                                 ‫م‬
‫وخاطبها .. ما هو دوري في هذه الحياة ؟ كيف أقد ُ لدين اهلل ..؟.. أما واهلل لو كانت‬
  ‫ع‬       ‫قضي ُ العم ِ لدي ِ اهلل تشْغ ُ أفكا َنا وتم ُ قلو َنا و ُح ِ ُ ُجدا َنا و ُ ِـض‬
‫ُّ مضـاج َنا‬ ‫أل ب ت رق و ن تق‬                       ‫َل ر‬               ‫ل ن‬          ‫ة‬
‫ُ‬                                  ‫السر‬    ‫ة‬        ‫م‬              ‫ل‬         ‫ر‬
‫ونفك ُ فيها لي َ نهار في النو ِ واليقظ ِ في ِّ ِ والعالنية ، نعم .. لو كانـتْ قضـية‬
       ‫العم ِ لدين اهلل في قل ِ ٍّ منا ما سأل نفسه أبدً هذا السؤا َ ، ألنـه سـيحدد‬
‫ِّ ُ أمـرَه‬           ‫ل‬           ‫ا‬                    ‫ب كل‬                 ‫ل‬
‫ِ‬     ‫ل‬      ‫ة‬
‫بحَ َ ِ الزما ِ الذي يعي ُه و ِحَ َ ِ المكا ِ الذي يعي ُ فيه ، ألن قضي َ العم ِ لـدين‬
                             ‫ش‬          ‫ن‬       ‫ش ب سب‬                ‫ن‬       ‫سب‬
       ‫ن‬         ‫ة‬      ‫ل ف ل‬                            ‫همه و‬         ‫أل‬
‫اهلل تم ُ عليه َّ ُ و ُجدانَه وقلبه ، لكن بك ٍ أس ٍ بك ِ مرار ٍ بكل حـز ٍ أصـبحت‬
‫َ‬                       ‫ِس ر‬          ‫ة‬       ‫ة‬       ‫ة‬          ‫ل ن‬          ‫ة‬
‫قضي ُ العم ِ لدي ِ اهلل قضي ً هامشي ً ثانوي ً في ح ِّ كثي ٍ من المسلمين!.. بل وأصبح‬
‫َ‬               ‫ن‬     ‫ن ِ ء‬             ‫ض ر‬        ‫ِس ق ع‬             ‫د‬
‫ال وجو َ لها في ح ِّ ِطَا ٍ عري ٍ آخ َ ممن يأكلو َ ملَ َ بطو ِهم وينـامون مـلء‬


                                          ‫751‬
       ‫د‬        ‫ع ة في ُز‬                ‫ن‬                     ‫ء‬
‫عيونهم ويضحكون مل َ أفواههم ، بل وينظرو َ إلى واق ِ األم ِ َ َه ُّ الواحـ ُ كتفيـه‬
                   ‫ُ‬      ‫َ‬     ‫َ‬         ‫خ َ‬                     ‫َ‬     ‫و َمْ ِي وكأن‬
                ‫َّ األمر ال يعنيه ، وكأنه ما ُلق إال ليأكل ويشرب ، أقول ..‬    ‫يض‬
    ‫ة‬      ‫ة ن‬           ‫ن‬        ‫بد‬       ‫ة‬       ‫ة كل م‬            ‫ل ن‬
‫إن العم َ للدي ِ مسئولي ُ ِّ مسل ٍ ومسلم ٍ ، فال َّ أن تكو َ لقضي ِ الدي ِ مساح ٌ فـي‬
‫ُّ‬    ‫ي ر‬            ‫ف‬      ‫بد ي َ ن‬                               ‫ن‬          ‫ة‬
‫خريط ِ اهتمامات ِا وبرامجنا نعم .. ال َّ أن َضْبط الدي ُ عواط َنا ، وأن ُحْـ ِقَ هـم‬
                             ‫ء‬     ‫ن‬        ‫رك‬         ‫م ل‬         ‫ِن‬       ‫نو ن‬
‫الدي ِ ِجدا َنا، وإ َّ من ال ُحا ِ أن يتح َ َ اإلنسا ُ لشي ٍ ال يعتقده ، ال يحمله في قلبه‬
      ‫ع‬                                                ‫ب‬
‫، وتأمل كيف احترق قل ُ نبينا ‪ ‬لهذا الدين حتى قال له ربه " فلعلك بـاخ ٌ نفسـك‬
                                                              ‫ِ‬
                                                       ‫على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "‬
                                           ‫------------‬
                                      ‫رابعا : الثبات على المبدأ .‬
‫ِ‬             ‫ة‬       ‫ة‬           ‫ب‬       ‫بد ه‬                     ‫ق‬
‫إن اهلل تعالى خل َ الخلق ليعرفوه ويع ُ ُو ُ ، ونص َ لهم األدل َ الدال َ علـى كبريائـه‬
‫ِ‬       ‫ء ة‬            ‫ل‬                      ‫ت‬                   ‫ب‬
‫وعظمته ليها ُوه ، وقد اقتضت حكم ُه سبحانه وتعالى أن جع َ االبتال َ سن ً من سـنن‬
‫ِ‬         ‫ُ‬      ‫يتمي َ‬  ‫ٍ‬
‫ا ِ الكوني ِ ، وأن المرء بحاج ٍ إلى تمحيص ومراجعة حتى َّز الخبيث من الطيـب‬
                                 ‫ٍ‬         ‫ة‬      ‫َ‬           ‫ة‬        ‫هلل‬
‫ُ‬                    ‫ع‬                            ‫د‬                  ‫ن‬
‫، والمؤم ُ من غيره ؛ فالسعي ُ من اعتصم باهلل ، وأناب ورج َ إلـى اهلل ، والمـؤمن‬
  ‫َن‬      ‫أ سب الن س أ ي رك أ يق ل‬                    ‫ء‬        ‫ء‬          ‫ق ت‬
‫الصاد ُ ثاب ٌ في السرا ِ والضرا ِ " الم * َحَ ِ َ َّا ُ َن ُتْ َ ُوا َن َ ُوُـوا آمَّـا‬
  ‫ي تن ن ول ف َن الذ ن م ق له فلي ل َن الله الذ ن ص ق ولي ل َن ك ذب َ‬                                          ‫وه‬
‫َ ُمْ ال ُفْ َ ُو َ * ََقَدْ َتَّا َّ ِي َ ِن َبِْ ِمْ ََ َعَْم َّ َّ ُ َّ ِي َ َدَ ُوا ََ َعَْم َّ الْ َا ِ ِين "‬
‫ُ‬      ‫َنة وَـم ي تك م َل الذ ن خل م ق لك َّس هم ب‬                                   ‫أ س ت أ خل‬
‫" َمْ حَ ِبْ ُمْ َن تَدْ ُُوا الْـج َّ َ َل َّا َأْ ِ ُم َّث ُ َّ ِي َ ََوْا ِن َبِْ ُم م َّـتْ ُ ُ الْ َأْسَـاء‬
‫َ‬   ‫و َّر ء وز زل َت يق ل الرس ل َالذ ن من معه مت ن ر الله أ إن ن‬
‫َالض َّا ُ َ ُلْ ُِوا حَّى َ ُو َ َّ ُو ُ و َّ ِي َ آ َ ُوا َ َ ُ َ َى َصْ ُ َّ ِ َال َّ َصْـر‬
                                                                                                    ‫الله قر ٌ‬
                                                                                                  ‫َّ ِ َ ِيب "‬
         ‫ر‬         ‫ء‬        ‫ة‬         ‫م‬                ‫ة‬              ‫ة ي‬
‫إن هجر َ النب ِ ‪ ‬إلى المدين ِ كشفتْ لنا معال َ في الشد ِ والرخا ِ ، والعس ِ واليسر ،‬
‫ِ‬               ‫ة‬     ‫علم‬               ‫ع‬         ‫س‬       ‫ن‬
‫وأبانت لنا عن معاد ِ النفو ِ ، وطبائ ِ القلوب ؛ ومن َِ َ حكم َ اهلل فـي تصـريف‬
‫ُ‬        ‫ت‬               ‫ال‬             ‫د س‬             ‫ر‬        ‫ن‬
‫األمور ، وجريا ِ األقدا ِ فلن يج َ اليأ ُ إلى قلبه سبي ً ، ومهما أظلمـ ِ المسـالك‬
               ‫ن‬           ‫ا‬          ‫د‬            ‫ت‬        ‫ت‬        ‫ب‬       ‫ت‬
‫وتتابع ِ الخطو ُ وتكاثر ِ النكبا ُ ؛ فلن يزدا َ إال ثبات ً ؛ فاإلنسا ُ إلى ربه راجع ،‬
‫ِ‬        ‫ة‬             ‫م‬                ‫مسل‬             ‫ك‬               ‫ن‬
‫والمؤم ُ بإيمانه مستمس ٌ وبأقدار اهلل ِّم ، وإن من معال ِ هـذه الهجـر ِ النبويـة‬
‫َ‬                      ‫ة‬           ‫ن‬          ‫ت‬                    ‫ت‬
‫المباركة : الثبا ُ على المبدأ ، الثبا ُ على الدي ِ واالستقام ُ عليه ، ذلـك أن الثبـات‬


                                                      ‫851‬
‫ِ‬        ‫ن‬        ‫ن‬
‫على دي ِ ا ِ واالعتصا َ به يد ُ دالل ً قاطع ً على سالم ِ اإليما ِ ، وحسـ ِ اإلسـالم‬
                           ‫ة‬          ‫ة‬      ‫ل ة‬            ‫م‬          ‫ن هلل‬
                                                                                       ‫ِ‬
                                                                              ‫وصحة اليقين .‬
‫ِ‬       ‫ن‬         ‫س‬                          ‫م‬     ‫ن خلق‬              ‫ت‬
‫إن الثبا َ على دي ِ اهلل ُُ ٌ عظي ٌ ، ومعنى جميل ، له في نفـ ِ اإلنسـا ِ الثابـت‬
    ‫ب‬              ‫ر أثره‬             ‫فل‬        ‫ة‬     ‫ت‬       ‫س‬
‫وفيمن حولَه من النا ِ مؤثرا ٌ مهم ٌ تفعل ِعَْها ، وتؤث ُ َ َ َ َا ، وفيه جوان ُ مـن‬
                                                         ‫ِ‬     ‫ِ‬        ‫ِ‬       ‫ِ‬
                                              ‫األهمية الفائقة في تربية الفرد والمجتمع .‬
              ‫ة‬      ‫ة‬          ‫ج‬         ‫ر‬           ‫م‬            ‫ة ت‬
‫إن صف َ الثبا ِ على اإلسال ِ واالستمرا ِ على منه ِ الحق نعم ٌ عظيم ٌ حبا اهلل بهـا‬
    ‫ا‬                ‫ا د‬                           ‫أو ليا َه وصفو َ خلقه ، وامتن‬
‫َّ عليهم بها ، فقال مخاطب ً عب َه ورسـولَه محمـدً ‪" ‬‬           ‫ة‬       ‫ء‬
                                        ‫َّ ت ك ُ ل ه ش ئ قل ً‬             ‫وَ أ َب ن َ ل ْ‬
                                      ‫َلوْال َن ثَّتْ َاك َقَد كِدت َرْ َن إَيْ ِمْ َيْ ًا َِيال "‬
‫ُ‬              ‫ة‬          ‫ة‬
‫إن الثبا َ على دي ِ اهلل دلي ٌ على سالم ِ المنه ِ ، وداعي ٌ إلى الثق ِ به ، وهو ضريبة‬
                                    ‫ج‬       ‫ة‬          ‫ل‬          ‫ن‬        ‫ت‬
      ‫ت‬                   ‫ة‬        ‫د‬          ‫ة‬        ‫ق‬        ‫ن‬         ‫ر‬
‫النص ِ والتمكي ِ والطري ِ الموصل ِ إلى المج ِ والرفع ِ ، ألم تروا كيف ثب َ ‪ ‬فـي‬
                      ‫ُك ُعز نصر‬                           ‫د‬            ‫ت ل‬
‫دعو ِه قب َ الهجرة وبع َها ؟ ألم تروا كيف م ِّن وأ َّ و ُ ِ َ بسبب ثباته على مبـدأه‬
                                                           ‫صلوات ربي وسالمه عليه ..؟‬
    ‫ب‬       ‫ن‬           ‫ة‬        ‫ت‬
‫إن الثبا َ طري ٌ لتحقي ِ األهدا ِ العظيم ِ ، والغايا ِ النبيل ِ ؛ فاإلنسا ُ الراغ ُ فـي‬
                                             ‫ة‬        ‫ف‬        ‫ق‬       ‫ق‬     ‫ت‬
              ‫غن‬      ‫ء ت‬                ‫ة‬         ‫ل‬                 ‫د س ب‬
‫تعبي ِ النا ِ لر ِ العالمين والعام ُ على رفع ِ دينه وإعال ِ راي ِه ال ِ َى له عن الثبات‬
                                                                                                ‫.‬
‫ِ‬          ‫ر س‬                     ‫ك‬                    ‫ة‬               ‫ت‬
‫إن الثبا َ يعني االستقام َ على الهدى ، والتمس َ بالتقى ، وقَسْ َ النف ِ علـى سـلوك‬
                    ‫ِ‬               ‫ِ‬         ‫ب ِ‬               ‫ِ‬    ‫ِ‬
   ‫طريق الحق والخير ، وال ُعْد عن الذنوب والمعاصي وصوارف الهوى والشيطان .‬
  ‫ِ فكلم‬       ‫ُ‬      ‫ِ‬
‫َّ مما ُعي ُ على الثبا ِ أما َ الفت ِ واالبتالءا ِ صح ُ اإليمان وصالبة الدين ؛ َّ َـا‬
                              ‫ة‬    ‫ت‬            ‫ت م ن‬                    ‫ي ن‬       ‫إن‬
    ‫د ت‬                         ‫ً‬               ‫ا‬                  ‫ن ا‬            ‫ن‬
‫كا َ اإلنسا ُ قوي ً في إيمانه ، صلْب ً في دينه ، صادقا مع ربه ، كلمـا ازدا َ ثبا ُـه ،‬
                ‫ا‬     ‫ة‬       ‫ب‬        ‫بك‬           ‫ح ت‬           ‫ت‬        ‫قوي‬
‫و َ ِ َتْ عزيم ُه وثبتَتْ ُج ُه ، وحَسْ ُ َ أن صاح َ الهجر ِ محمدً ‪ ‬كان يدعو ربـه‬
                         ‫ة‬          ‫ر‬         ‫ت‬                                 ‫ل‬
              ‫ويسأُه الثبات " اللهم إني أسألك الثبا َ في األم ِ، والعزيم َ على الرشد"‬
                  ‫ق ب‬        ‫س ل م‬             ‫م‬     ‫ب‬     ‫ن‬          ‫ت‬
‫إن الثبا َ على الدي ِ مطل ٌ عظي ٌ ورئي ٌ لك ِ مسل ٍ صاد ٍ يح ُ اهلل ورسـولَه ‪، ‬‬
   ‫ج‬     ‫ة م‬               ‫ة‬
‫ويري ُ سلو َ طري ِ الح ِ واالستقام ِ بعزيم ٍ ورشد ، واألم ُ اإلسالمي ُ اليو َ أحو ُ ما‬
                                          ‫ة‬       ‫ة‬           ‫ق ق‬         ‫ك‬     ‫د‬
         ‫ف‬                   ‫ع ن‬            ‫ج‬         ‫ة‬     ‫ت‬           ‫ن‬
‫تكو ُ إلى الثبا ِ خاص ً وهي تمو ُ بأنوا ِ الفت ِ والمغريـات وأصـنا ِ الشـهوات‬


                                         ‫951‬
                        ‫ء‬        ‫طمع‬             ‫م‬               ‫ال‬
‫والشبهات ، فض ً عن تداعي األم ِ عليها ، و َ َ ِ األعدا ِ فيها ومما ال شك فيـه أن‬
‫ِ‬                   ‫م‬            ‫ة‬        ‫م‬     ‫ل ت‬             ‫م م‬            ‫ة‬
‫حاج َ المسل ِ اليو َ لعوام ِ الثبا ِ أعظ ُ من حاج ِ أخيه المسل ِ إلى ذلك فـي القـرون‬
                 ‫قة‬          ‫ضف م‬                   ‫د ن رة‬            ‫ة‬
‫السالفة وذلك لكثر ِ الفسا ِ و ُدْ َ ِ اإلخوان ، و َعْ ِ ال ُعين ، و ِل ِ الناصح والناصر ،‬
                                                                             ‫واهلل المستعان .‬
                                ‫----------------‬
                                  ‫ن‬     ‫ِ‬      ‫ج ُ‬
                        ‫خامسا ً: ِنسية المسلم ووط ُه عقيدته .‬
                 ‫د‬       ‫ل‬      ‫مو ت ن‬                    ‫ن‬
‫إن أغلى ما لدى اإلنسا ِ إذا تخلى عن ُق ِما ِ دي ِه ، أهُه وولـ ُه ومالـه وبلـده ،‬
                  ‫فالصحاب ُ رضوا ُ اهلل عليهم لما وجدوا أن مك َ ليستْ مقرا ن‬
‫ًّ لدي ِهم ؛ اسـتأذنوا مـن‬     ‫ة‬                            ‫ن‬      ‫ة‬
‫ِ‬                   ‫ب‬                                     ‫ة‬          ‫ل‬
‫الرسو ِ ‪ ‬بالهجر ِ ، فأذن لهم ‪ ، ‬وهنا ارتفعوا عن مطال ِ الدنيا ، وعن حقـارة‬
‫ُ‬           ‫ت ه‬         ‫م ن‬                  ‫ت‬         ‫ونج‬            ‫ُل‬
‫الدنيا ، وعن ذ ِّ الدنيا ، َ َ َوا بعقيد ِهم ؛ ألن المسل َ وط ُـه عقيد ُـ ُ ، فالصـحابة‬
             ‫ل‬               ‫ل‬               ‫ن‬         ‫رضوا ُ اهلل عليهم ضح‬
‫َّوا بالوط ِ ، وضحوا باأله ِ ، وضحوا بالما ِ في سبيل هـذه‬            ‫ن‬
‫ً‬                                ‫ب‬                   ‫ت‬      ‫ل‬
‫الهجرة في سبي ِ عقيد ِهم ، وانظر إلى صهي ٍ الرومي رضي اهلل عنه ، كـان عبـدا‬
                      ‫د‬              ‫دق‬                             ‫ة‬       ‫ا‬
‫مملوك ً في مك َ ، فلما جاء اهلل باإلسالم ص ّ َ وأطاع ، فاشت َ عليه عذاب الكفار ، ثم‬
          ‫ر‬         ‫د‬                                ‫ة‬        ‫ن‬           ‫ذن ي‬
‫أَ ِ َ النب ُ ‪ ‬للمؤمني َ بالهجر ِ إلى المدينة فهاجروا ، فلما أرا َ أن يهاج َ معهم منعه‬
     ‫ي رب‬            ‫ا‬        ‫رس‬        ‫ر‬                             ‫ة ش‬
‫ساد ُ قري ٍ ، وجعلوا عنده بالليل والنها ِ من يح ُ ُه ، خوف ً مـن أن َهْـ ُ َ إلـى‬
        ‫ج‬                   ‫ش‬        ‫ج‬
‫المدينة ، فلما كان في إحدى الليالي ، خر َ من فرا ِه إلى الخالء ، فخر َ معه مـن‬
                  ‫ء‬                ‫ج‬        ‫ه‬          ‫د د‬                 ‫قب‬
‫يرْ ُ ُه ، ثم ما كا َ يعو ُ إلى فراش ِ حتى خر َ أخرى إلى الخال ِ ، فخرج معه الرقيب‬
      ‫ء‬                          ‫ب‬           ‫ج‬       ‫ج‬
‫، ثم عاد إلى فراشه ، ثم خر َ ، فخر َ معه الرقي ُ ، ثم خرج كأنه يريد الخال َ ، فلم‬
          ‫ة س َّل‬                         ‫ت‬       ‫لت‬                           ‫ر‬
‫يخ ُج معه أحد ، وقالوا : قد شغَ ُه الال ُ والعزى ببطنه الليل َ ، فت َـل َ رضـي اهلل‬
                ‫لم‬      ‫ه‬                       ‫تأخر‬        ‫ة‬       ‫رج‬
‫عنه ، وخ َ َ من مك َ ، فلما َّ َ عنهم ، خرجوا يلتمسونَ ُ ، فعِ ُـوا بهربِـه إلـى‬
         ‫شعر‬          ‫ق‬       ‫ض‬        ‫و‬              ‫خل‬
‫المدينة ، فلحقوه على َيِْهم ، حتى أدرك ُه في بع ِ الطري ِ ، فلما َ ُ َ بهم رقـى‬
‫ِ‬      ‫ت‬           ‫ر ش‬                            ‫نثر كن ة سه مه‬               ‫ث ِية ل‬
‫على َن َّ ِ جب ٍ ، ثم َ َ َ ِ َانَ َ ِ َا ِ ِ بين يديه وقال : يا معش َ قري ٍ ، لقد علم ُم واهلل‬
        ‫يدي ال‬         ‫تل ب ِل س م‬              ‫تصل ن إلي‬              ‫ا‬      ‫بك‬       ‫أن‬
‫ِّي أصو ُ ُم رمي ً ، وواهلل ال َ ُِو َ َّ حتى أَقْ ُ َ ِك ِّ َهْ ٍ بين َ َ ّ رج ً مـنكم ،‬
      ‫دل تك‬                              ‫ك‬      ‫ج‬          ‫ا‬     ‫صل ا‬
‫فقالوا : أتيتنا ُعُْوك ً فقيرً ، ثم تخر ُ بنفس َ ومالك ، فقال : أرأيتم إنْ ََلْ ُ ُم علـى‬


                                             ‫061‬
‫َ أ ُف ِ‬                                                       ‫ة‬       ‫ضع ي‬
‫مو ِ ِ مال ِ في مك َ أتأخذونه وتدعوني ..؟ قالوا : نعم .. فقال : احفروا تحت ُسْك َّة‬
      ‫ُل َ‬         ‫ة‬                                  ‫ي‬                       ‫ب‬
‫با ِ كذا وكذا فإن بها أواق َ من ذهب ، فخذوها واذهبوا إلى فالن َ فخذوا الحَّتيْن من‬
‫ُ‬       ‫ق‬                ‫ء‬        ‫ي و قف ر‬                             ‫ب‬
‫ثيا ٍ ، فرجعوا وتركوه ، ومضى َطْ ِي ِ َا َ الصحرا ِ ، يحملـه الشـو ُ ويحـدوه‬
‫ِ‬          ‫ل‬       ‫ة‬
‫األم ُ في لقا ِ النب ِ عليه السال ُ وأصحا ِه ، حتى إذا وص َ المدين َ ، أقب َ إلى المسجد‬
                            ‫ل‬               ‫ب‬       ‫م‬            ‫ء ي‬             ‫ل‬
      ‫ي‬                  ‫ر‬      ‫وو ث ء‬            ‫أثر‬                         ‫ل‬
‫فدخ َ على رسول اهلل ‪ ‬وعليه َ َ ُ الطريق َ َعْ َا ُ السف ِ ، فلما رآه النبـ ُ عليـه‬
     ‫ع‬                       ‫ح ع‬                     ‫بح ع‬                       ‫ة‬
‫الصال ُ والسالم قال : ر ِ َ البي ُ أبا يحيى .. رب َ البي ُ أبا يحيى .. ربح البيـ ُ أبـا‬
‫َ‬     ‫ي رك‬            ‫ن‬                                        ‫ح‬
‫يحيى .. نعم واهلل رب َ البيع .. ولماذا ال يربح..؟ وهو الذي ها َ عليه أن َتْ ُ َ المال‬
‫َ‬                  ‫َ‬     ‫َ‬                              ‫َد ل تعب‬
‫الذي جمعه بك ِّ اللي ِ و َ َ ِ النهار ، لماذا ال يربح وقد ترك األرض التي ألفها والبلـد‬
‫ُ‬                  ‫ة‬              ‫ِ‬                        ‫ر‬
‫التي عرفها ، والدا َ التي سكنها ، في سبيل طلب عقيدته ومرضا ِ ربه.. أيها األحبـة‬
                                                                                      ‫الكرام ..‬
  ‫ن‬     ‫م‬       ‫ة‬                 ‫ة ا‬                                 ‫ال بد أن نوطن‬
‫َّ أنفسنا ، وأن نفهم هذه الهجر َ فهم ً حقيقيا بأن جنسي َ المسل ِ ووط ِـه‬
‫ُ‬           ‫الذل‬                   ‫يهن‬                      ‫م ع‬              ‫ت‬
‫هي عقيد ُه ، فالمسل ُ تب ًا لهذا المبدأ ، فال َ ِ ُ وال يستكين وال يقبل َّ ، وال يقبـل‬
             ‫ف و تهن و ت زن وأ تم أ ل ن إ ْ ك ت ْ م من َ‬
‫الخور والضع َ " َال َ ِ ُوا َال َحْ َ ُوا ََنْ ُ ُ الْ َعَْوْ َ ِن ُنْ ُم ُؤْ ِ ِين " ولمـا وجـد‬
                                                                        ‫ة‬
‫الصحاب ُ رضي اهلل عنهم أنهم ال يستطيعون أن يعيشوا بهذا الدين إال بالذل والمهانـة‬
‫واالستكانة ؛ تخلوا عن هذا الوطن ، وذهبوا إلى بالد يرفعون فيها رؤوسهم عاليـة ،‬
                                       ‫فرفع اهلل مقامهم ، وأعادهم إلى وطنهم منتصرين .‬
‫ِ‬                               ‫م‬                 ‫ة‬        ‫ة‬       ‫س‬
‫لقد أكدت درو ُ الهجر ِ النبوي ِ أن عزة األمة تك ُن في تحقيق كلمة التوحيد ، وتوحيد‬
‫ُ‬     ‫ة ن ل‬               ‫ر‬                        ‫ق‬                     ‫ة‬
‫الكلم ِ عليها ، وأن أي تفري ٍ في أمر العقيدة أو تقصي ٍ في أخو ِ الدي ِ مآُه ضـعف‬
‫ِ‬          ‫م‬       ‫م‬          ‫ل‬                    ‫ة‬       ‫ع‬        ‫د كك‬
‫األفرا ِ وتف ُ ُ المجتم ِ وهزيم ُ األمة ، وإن المتأم َ في هـزائ ِ األمـ ِ وانتكاسـات‬
    ‫ل‬          ‫ة‬                ‫ط‬                ‫د‬       ‫خ د‬               ‫ب‬
‫الشعو ِ عبر التأري ِ يج ُ أن مر ّ ذلك إلى التفري ِ في أمر العقيـد ِ والتسـاه ِ فـي‬
                                              ‫ُ‬       ‫ِ‬          ‫ِ‬        ‫ِ‬
                                    ‫جانب الثوابت المعنوية مهما تقدمت الوسائل المادية .‬
‫ُ‬           ‫ة‬         ‫ت‬                  ‫ل‬            ‫ة‬           ‫د‬        ‫ة‬
‫إن عقيد َ التوحي ِ هي الرابط ُ التي تتضاء ُ أمامها االنتماءا ُ القوميـ ُ والتمـايزات‬
                   ‫م ن‬             ‫د‬        ‫ق ة‬                        ‫ة ع ت‬
‫القبلي ُ وال َالقا ُ الحزبية ، واستحقا ُ األم ِ للتمجي ِ والتكري ِ مدي ٌ بوالئهـا لعقيـدتها‬
‫َ‬          ‫ن‬              ‫ب‬         ‫ة‬                                  ‫ط‬
‫وارتبا ِها بمبادئها ، كيف ال ..؟ وفي األم ِ في أعقا ِ الزمن منهزمو َ كثـر أمـام‬


                                             ‫161‬
‫ٍ‬       ‫ة ت لق‬           ‫ت‬       ‫ة ع‬
‫تيارا ٍ إلحادي ٍ وافد ٍ ومباد َ عصري ٍ زائف ٍ ترف ُ شعارا ٍ مصطنع ٍ و ُطِْ ُ نـداءات‬
                                              ‫ة‬      ‫ئ‬       ‫ة‬      ‫ة‬        ‫ت‬
‫َ‬       ‫ء‬        ‫ر‬
‫خادع ً ، لم يج ِ أهلها من ورائها إال الذ ّ والصغا َ والمهان َ والتبا َ والشقا َ والبوار‬
                          ‫ة‬         ‫ر‬        ‫ل‬                         ‫ن‬         ‫ة‬
      ‫ِ‬                      ‫ب‬       ‫ِ‬          ‫ُ‬                  ‫ء‬
‫؛ فأهوا ٌ في االعتقاد ومذاهب في السياسة ومشار ُ في االجتماع واالقتصـاد كانـت‬
        ‫ي ِق‬     ‫ع م‬              ‫ِضم‬                 ‫ق‬        ‫ن‬       ‫ف‬
‫نتيجتها ا لتخل َ المهي َ والتمز َ المشين ، وفي خ َّ ِ هذا الواق ِ ال ُزري َح ُّ لنـا أن‬
‫َ‬         ‫ة‬                   ‫د‬           ‫ة‬       ‫س‬                ‫ة‬      ‫ل‬
‫نتساء َ بحرق ٍ وأسى : أين درو ُ الهجر ِ في التوحي ِ والوحدة ؟ أين أخو ُ المهاجرين‬
‫ٍ‬     ‫ي‬                            ‫ة‬         ‫ن‬        ‫ق‬     ‫ت‬        ‫رم‬
‫واألنصا ِ ِن شعارا ِ حقو ِ اإلنسا ِ المعاصر ِ الزائفة ؟ قولوا لي بربكم أ ُ نظـام‬
                     ‫ِ‬           ‫ق‬     ‫ٍ كِ َ‬      ‫َ‬      ‫ِ ر‬          ‫َ‬
            ‫راعى حقوق اإلنسان وك ّمه أحسن تكريم و َفل حقو َه كهذا الدين القويم .‬
                                 ‫--------------‬
                                    ‫ُ‬      ‫ُ‬
                          ‫سادسا: المسجد والدور الحقيقي .‬
  ‫ت لع م‬           ‫د‬       ‫ء‬             ‫ة‬            ‫ل‬        ‫ره‬       ‫ل ي‬
‫ويواص ُ النب ُ ‪ ‬سي َ ُ حتى وص َ إلى المدين ِ ، فبدأ ببنا ِ المسج ِ وعمار ِه ِ ِلْ ِـه‬
‫ِ‬        ‫ع‬        ‫ة‬                     ‫ة‬       ‫م ء‬                         ‫د‬       ‫َّ‬
‫أن المسج َ لم يوجدْ في اإلسال ِ ألدا ِ الصال ِ فقط ، وإنما هو مدرس ُ المجتم ِ الحقيقية‬
‫ِ‬         ‫ة‬        ‫ة‬          ‫ة‬       ‫كز‬                ‫ق غ ن‬                  ‫ن ة‬
‫وهو ُقط ُ االنطال ِ لتبلي ِ دي ِ اهلل ، وهو مر َ ُ الدول ِ اإلسالمي ِ السائر ِ على مـنهج‬
                                                                                        ‫اهلل .‬
‫َ‬          ‫ة‬       ‫ن مذ د‬               ‫ب‬                 ‫د‬       ‫ة‬
‫لقد نشأتْ مكان ُ المسج ِ وترعرعتْ في قلو ِ المسلمي َ ُنْ ُ عه ِ النبو ِ ، حيث كـان‬
‫َ‬                                ‫م‬               ‫ة‬                ‫ر ر‬
‫مصد َ النو ِ والعلم والبصير ِ والعزة لإلسال ِ والمسلمين ؛ فـأعلى سـبحانَه شـأن‬
‫َ‬        ‫ن‬         ‫ة‬
‫المساج ِ ورفع قدرها ، وال َّ على عظي ِ مكان ِ المسج ِ ومعرف ِ المسلمي َ األوائـل‬
                           ‫د‬       ‫ة‬      ‫م‬         ‫أدل‬                 ‫د‬
‫َّ‬   ‫ك‬            ‫ق‬                 ‫ر ِزه‬                ‫ء نم‬            ‫ق‬
‫أنْ ال طري َ إلعال ِ دي ِه ُ الذي هو مصد ُ ع ِّ ِم ، إال باالنطال ِ منه ، ولذل َ فـإن‬
  ‫د لج ل‬          ‫ب ء‬       ‫ة‬        ‫ة‬       ‫حل ض‬             ‫ي‬           ‫ل ب‬
‫أو َ ما َدأ به النب ُ ‪ ‬عندما َّ بأر ِ الهجر ِ النبوي ِ هو ِنـا ُ المسـج ِ ِ َعِْـه‬
           ‫س‬                      ‫ة‬         ‫د‬           ‫ع‬      ‫ة‬        ‫ر‬
‫مصد ًا للدعو ِ ومنب ًا لها ومور ًا للصحاب ِ رضي اهلل عنهم للجلـو ِ معـه عليـه‬
                        ‫ب‬                                            ‫ة‬
‫الصال ُ والسالم ، وعندما رسخَتْ هذه المعاني في قلو ِهم رضي اهلل عـنهم سـاروا‬
‫َ‬                   ‫ة‬                        ‫م ن‬               ‫ُل أ ت‬
‫عليها بك ِّ ما ُو ُوا من عزْ ٍ ويقي ٍ بعد وفاته عليـه الصـال ُ والسـالم ، ثـم سـار‬
‫ِ‬                 ‫ق‬                                                 ‫ن‬
‫المسلمو َ من بعدهم في هذا المسير ، وانطلقوا من هذا المنطل ِ ، ومن ذلك المكـان‬
       ‫ن‬         ‫د‬       ‫ذن‬          ‫ة تبع‬                 ‫م‬           ‫ف‬
‫الطاهر الشري ِ فإن اإلما َ عليه مسئولي ٌ و َ ِ َات ، ومؤ ِ ُ المسج ِ والمصلو َ كذلك ،‬
                      ‫ِ‬        ‫بث‬                    ‫ي تب ُ لب ً لبن ء‬              ‫ر‬       ‫ٌُ‬
           ‫كل له دو ُه الذي ُعْ َ َر َ ِنَة ِ ِ َا ِ هذه الرسالة ، و َعْ ِها ألرجاء المعمورة .‬


                                            ‫261‬
‫ِ‬         ‫ر‬             ‫ر‬          ‫ئ‬           ‫ل‬              ‫م ُل‬
‫أرأيتم لو قا َ ك ٌ بدوره المأمو ِ منه وإحيا ِه واستحضا ِه … أيبقى دو ٌ في أرجـاء‬
‫ِ‬        ‫ع ة‬           ‫أدل‬              ‫م‬        ‫ر‬               ‫ض ة‬
‫األر ِ وقو ٌ على ظهرها لغي ِ اإلسال ِ ودعوتـه ؟ وال َّ علـى ِنَايـ ِ اإلسـالم‬
‫ت ك ُ‬        ‫ع‬     ‫ة‬       ‫د‬
‫بالمسج ِ وقدا َ ِه من أمْ ِ الشار ِ بعدم زخرف ِه ، ونَشْ ِ الضال ِ ورف ِ الصو ِ ، ُـل‬
                                      ‫ت‬           ‫ع‬       ‫ر‬         ‫ست‬       ‫د‬
      ‫ل ت ق ته‬          ‫ف‬      ‫ن‬
‫ذلك ِ َ َو َّ َ القلو ُ وتبته َ إلى خاِقها وإل ِها بدو ِ صوار َ وشواغ َ ُعي ُ َ َيؤَهـا‬
                                       ‫ه‬        ‫ل‬       ‫ل‬       ‫ب‬       ‫لتت َحد‬
‫َ‬       ‫ة‬               ‫ن‬         ‫ء‬                      ‫د‬       ‫ه‬            ‫م‬
‫للقيا ِ بدورها تجا َ المسج ِ ورسالته ، فأين أغنيا ُ المسلمي َ عن هذه الحقيق ِ ، وأيـن‬
‫ُ‬       ‫ت‬                        ‫ة‬        ‫م‬      ‫ر‬             ‫ن‬           ‫ء‬
‫العلما ُ والمسئولو َ عن هذا األم ِ المه ِ في حيا ِ المجتمعات ، لماذا أصبح ِ المساجد‬
                        ‫ر‬             ‫ت‬        ‫م أ ْل‬        ‫ت ِي‬           ‫ة‬
‫مهمل ً ، وإذا اع ُن َ بها ف ِن َج ِ الصلوا ِ فقطْ وال دو َ لها بعـد ذلـك فـي حيـاة‬
                                                                               ‫المسلمين .‬
                                  ‫-------------‬
                                          ‫ة‬
                             ‫سابعا : الهجر ُ وتأريخها ..!‬
‫ِ‬         ‫ء‬      ‫ة ُعبر‬          ‫ة‬        ‫ة‬       ‫ر ق ث‬                      ‫ة‬
‫وإشار ً أخرى إلى أم ٍ يتعل ُ بحد ِ الهجر ِ النبوي ِ في قضي ٍ ت ِّ ُ بجال ٍ عن اعتزاز‬
         ‫ِ‬                           ‫ِ‬      ‫ِ ت ُ‬                     ‫ِ‬
‫هذه األمة بشخصيتها اإلسالمية و ُثبت للعالم بأسره اسـتقاللَ هـذه األمـة بمنهجهـا‬
‫ةع ٌ‬                 ‫ة‬              ‫ت‬                  ‫ت‬             ‫ز م‬
‫المتمي ِ ال ُستقى من عقيد ِها وتأريخها وحضار ِها ، إنها قضي ٌ إسالمية ٌوسن ٌ ُمرية‬
‫ُ‬                                   ‫د ر ن‬            ‫ن‬               ‫ع‬
‫أجم َ عليها المسلمو َ في عه ِ عم َ ب ِ الخطاب رضي اهلل عنـه إنهـا التوقيـت‬
    ‫ه‬          ‫خ‬            ‫ة‬        ‫ر‬                   ‫ة‬        ‫ة‬        ‫خ‬
‫والتأري ُ بالهجر ِ النبوي ِ المباركة ، واختيا ُ الصحاب ِ هذا التأري َ على غيـر ِ مـن‬
‫ُ‬        ‫ت ة‬                 ‫ث‬
‫األحدا ِ ُ َ ُّ من فق ِ ِمْ وفهمه ُ العمي ِ ألهمي ِ هذا الحد ِ الذي انتقل ِ األم ُ المسـلمة‬
                                        ‫ة‬       ‫ق‬       ‫م‬         ‫هه‬        ‫ث يعَد‬
                     ‫ف‬          ‫ة‬          ‫ء‬          ‫ف‬          ‫ة‬
‫بسببه من مرحل ِ االستضعا ِ واالبتال ِ إلى مرحل ِ االستخال ِ والتمكين ، وكم لهـذه‬
              ‫َ َكر ُ ت ي َ‬              ‫ِ‬       ‫م ي در ة‬             ‫ز‬            ‫ة‬
‫القضي ِ وربي من مغ ًى عظي ٍ َجْ ُ ُ بأم ِ اإلسالم اليوم تَذ ُّ َه وال َق َُد به ، كيف وقـد‬
             ‫د‬         ‫خ‬              ‫ه‬        ‫ن‬         ‫د ر‬            ‫فتن ض ئ‬
‫ُ ِ َ بع ُ أبنا ِها بتقلي ِ غي ِ المسلمي َ والتشب ِ بهمْ في تأري ِهم وأعيا ِهم ، فأين هـي‬
          ‫خ َم م ر ت‬                            ‫ة‬                        ‫ع ة‬
‫ِز ُ اإلسالم ؟ وأين هي شخصي ُ المسلمين ؟ هل ذابت في ِض ِّ ُغْ َيا ِ الحيـاة ؟‬
    ‫ت‬     ‫ة‬       ‫ء‬                   ‫ب ء ت‬                ‫ت‬
‫فإلى الذين تنكروا لثواب ِهم وخدشوا َها َ هوي ِهم وعملوا على إلغا ِ ذاكـر ِ أمـ ِهم ،‬
‫َ‬                      ‫م‬                ‫ا‬                 ‫ا‬       ‫ته ف ا‬
‫وتهافتوا َ َا ُت ً مذموم ً وانساقوا انسياق ً محموما خلف خصو ِهم وذابوا وتميعوا أمـام‬
‫ٍ‬       ‫د‬       ‫ة ت‬        ‫ن‬         ‫د‬                ‫ة‬       ‫ء‬
‫أعدائهم ، ننادي ندا َ المحب ِ واإلشفاق : روي َكم ؛ فنح ُ أمـ ٌ ذا ُ أمجـا ٍ وأصـالة‬
                         ‫ِ‬      ‫ب ب‬          ‫ز ق‬           ‫ج‬      ‫ة‬       ‫خ‬
‫وتأري ٍ وحضار ٍ ومنه ٍ متمي ٍ منبث ٍ من كتا ِ ر ِنا وسنة نبينا ‪ ‬فال مساومةَ علـى‬


                                           ‫361‬
      ‫ر‬              ‫د ر‬             ‫ة‬              ‫خ‬                           ‫ء‬
‫شي ٍ من عقيدتنا وثوابتنا وتأري ِنا ولسنا بحاج ٍ إلى تقلي ِ غي ِنا ، بل إن غي َنا فـي‬
‫ُ‬          ‫ة‬         ‫د‬                          ‫ت‬         ‫د‬              ‫ة‬      ‫ة‬
‫الحقيق ِ بحاج ٍ إلى أن يستفي َ من أصال ِنا وحضارتنا ، لكنه التقلي ُ والتبعي ُ والمجـاراة‬
                                  ‫ن‬         ‫ض‬              ‫ه‬        ‫ة‬
‫واالنهزامي ُ والتشب ُ األعمى من بع ِ المسلمي َ هداهم اهلل ، كيف ال ..؟ وقد حذر ‪‬‬
                             ‫ِ‬     ‫ُ‬    ‫ُ‬    ‫ُ‬       ‫ج‬                        ‫ت‬
   ‫أم َه من ذلك بقوله فيما أخر َه اإلمام أحمد وأهل السنن " من تشبه بقوم فهو منهم "‬
                                ‫--------------‬
                                          ‫ُ‬
                           ‫ثامنا : الهجرة ومبدأ الشورى .‬
    ‫ل‬        ‫ن‬                             ‫ر‬               ‫ا‬         ‫ف‬       ‫كل‬
‫َّنا نعر ُ أن قريش ً اجتمعتْ في دا ِ الندوة ، وتشاوروا كيف يفعلو َ بالرسو ِ ‪ ‬؟‬
‫ِ‬       ‫ع‬         ‫ع د‬
‫نعم .. تآمروا واختلفوا في الرأي ، لكنهم اتفقوا على أن يجتم َ عد ٌ من أمزا ِ القبائل‬
                                    ‫ِ‬            ‫يض ع م‬         ‫َ‬
                                  ‫وأفرادها ليقتلوا الرسول ‪ ‬ف َ ِي ُ د ُه بين القبائل .‬
           ‫ر‬        ‫ر‬               ‫بع ة‬                        ‫ه ة‬
‫ما أشب َ الليل َ بالبارحة ، وما أقر َ ِالق َ الماضي بالحاض ِ والحاض ِ بالماضـي ؛‬
    ‫ن‬      ‫ك‬                       ‫ب‬                  ‫ب ن‬        ‫ن‬           ‫ء‬
‫أعدا ُ اهلل جادو َ لحر ِ دي ِ اهلل ، جادون لحر ِ الدعاة ، كما كان أولئ َ جادي َ فـي‬
‫ِ‬       ‫ل‬         ‫ت‬
‫دا ِ الندوة ، فقط .. اختلف ِ األدوا ُ واتفق ِ األهدا ُ ، اختلفـ ِ الوسـائ ُ واتفقـت‬
                             ‫ف‬        ‫ت‬       ‫ر‬        ‫ت‬                       ‫ر‬
                                                                              ‫الغايات .‬

  ‫ة‬          ‫ة‬           ‫ء‬       ‫ً‬       ‫ة يشع‬      ‫ر‬       ‫ر ش‬
‫كما أجد أن كفا َ قري ٍ في دا ِ الندو ِ ُّون حماسا إلنها ِ هذه الدعو ِ المحمديـ ِ ،‬
           ‫ب‬      ‫ة‬       ‫ب‬
‫أجد وا ِ أعدا َ اهلل يتطاي ُ النو ُ من أعي ِهم حماس ً لحر ِ الدعا ِ وحـر ِ اإلسـالم ،‬
                                ‫ا‬        ‫ن‬        ‫ر م‬                 ‫ء‬      ‫هلل‬
 ‫ه‬        ‫س‬             ‫ء هلل‬
‫أج ُ أن الدعا َ يفتقرو َ إلى شي ٍ مما نجده عن َ أعدا ِ ا ِ وهـو الحمـا ُ لـدعوت ِم‬
                                   ‫د‬             ‫ء‬        ‫ن‬        ‫ة‬          ‫د‬
                          ‫ش‬      ‫ر‬               ‫د‬       ‫ط‬             ‫ئ‬
‫ومباد ِهم ، والتخطي ِ البعي ِ المستمر ، كفا ُ قـري ٍ جلسـوا يتشـاورون ويعقـدون‬
      ‫ن‬          ‫ن‬         ‫ل‬
‫ويتآمرون ، والسؤال المهم الذي ينبغي أن نستفيده : ه ِ المسلمو َ يتشـاورو َ فيمـا‬
          ‫ت‬          ‫ع‬                ‫ن‬                           ‫ر‬      ‫ق‬
‫يتعل ُ بأمو ِ دينهم وعقيدتهم ؟ هل يلتقو َ ليتدارسوا أوضا َ المؤامرا ِ علـى هـذه‬
    ‫ر‬       ‫ر‬      ‫ر‬               ‫ر‬            ‫ر‬       ‫ن‬
‫العقيدة ، وعلى هذا الدي ِ ؟ كفا ُ قريش في دا ِ الندوة ، وكفا ُ العص ِ الحاض ِ فـي‬
                                 ‫ن‬            ‫ن‬        ‫ن‬           ‫ة‬      ‫ر‬
‫دو ٍ كثير ٍ ، يتشاورو َ ويخططو َ ، والمسلمو َ نائمون ، كفار قريش في دار الندوة‬
           ‫ء‬      ‫ق‬       ‫س‬      ‫ة‬
‫سلكوا السبيل الذي يحقق لهم أهدافهم ، وبنفس القو ِ وبنف ِ المنط ِ أعدا ُ اإلسالم في‬
‫َّ‬                      ‫ل‬                         ‫ل‬       ‫ن‬
‫العصر الحاضر يسلكو َ السبي َ ذاتَه ، ولهذا فإن الرسو َ ‪ ‬عالجا للمشكلة التي مر‬


                                          ‫461‬
                   ‫ة‬                   ‫ط‬
‫بها والمؤامرة التي حلت به واجه التخطي َ بالتخطيط ، والقـو َ بـالقوة ، والحكمـة‬
                                                                    ‫َ‬
                                                         ‫بالحكمة ، واألسلوب باألسلوب .‬
                               ‫----------------‬
                                         ‫ُ‬
                              ‫تاسعا : الهجرة والتخطيط .‬
    ‫ر‬                          ‫د‬                           ‫ة‬       ‫ط‬
‫إن التخطي َ للهجر ِ من أعظم الدروس التي نستفي ُها في دعوتنا ، مأساة كثيـ ٍ مـن‬
                            ‫ف‬              ‫ط‬                  ‫ة‬
‫المسلمين بل مأسا ُ الدعاة أن التخطي َ لديهم فيه ضع ٌ كبير ، إن لم أقـل : إنـه ال‬
                        ‫د‬        ‫م‬                ‫م‬                ‫ر‬
‫يوجد لدى الكثي ِ منهم أبدا مفهو ُ التخطيط ، لديه ُ اإلعدا ُ الضعيف ، بينما نجده فـي‬
‫ُ‬          ‫ل‬          ‫ر‬       ‫د‬                           ‫ء‬          ‫ة يتمث‬
‫الهجر ِ َّل في أشيا َ كثيرة ، يتمثل في االستعدا ِ المبك ِ من الرسو ِ ‪ ، ‬يتمثـل‬
‫َ‬     ‫ح‬                  ‫ث‬                        ‫ر‬        ‫ة‬         ‫ط‬
‫التخطي ُ في تهيئ ِ أبي بك ٍ رضي اهلل عنه لذلك ، حي ُ جلس كما في الصحي ِ أربعة‬
‫ِ‬      ‫ة‬         ‫ط‬        ‫د‬
‫أشه ٍ ينتظ ُ الهجر َ م َ الرسو ِ ‪ ‬ويهي ُ الراحل َ ، نج ُ التخطي َ في إقام ِ الرسول‬
                                 ‫ة‬        ‫ئ‬        ‫ل‬       ‫ة ع‬         ‫ر‬      ‫ر‬
    ‫خط و‬       ‫ق‬       ‫ط‬        ‫ء‬             ‫ل‬
‫‪ ‬عليا مكانه ، وعندما بدأت مراح ُ الهجرة ؛ جا َ التخطي ُ الدقي ُ فـي ُ ُـ َات ،‬
                                             ‫وانتبهوا إلى هذه الخطوات وهذا التخطيط :‬
                     ‫ر‬           ‫ر ي‬                    ‫ر ر‬           ‫ل‬
‫أوال: االنتقا ُ إلى غا ِ ثو ٍ ، ولماذا اختا َ النب ُ ‪ ‬وأبو بك ٍ هـذا الغـار ؟ نعـم .‬
                                                                     ‫َ‬
                       ‫اختارا هذا الغار ليخالفوا ما أرادت إليه قريش ، فاتجهوا جنوبا .‬
      ‫َ‬     ‫ر ن‬                        ‫ر‬        ‫د هلل ن‬                 ‫ع‬
‫ثانيا : توزي ُ األدوار ، فعب ُ ا ِ ب ُ أبي بك ٍ يأتي باألخبار ، وعام ُ ب ُ فهيرة يـأتي‬
                ‫ء‬                 ‫ر د هلل ن‬                                  ‫م‬
‫بالغن ِ ليحلبوا ويشربوا ، ويغطي آثا َ عب ِ ا ِ ب ِ أبي بكر ، وأسما ُ تأتي بالطعـام ،‬
‫ٌ‬    ‫ب‬          ‫ف‬                  ‫د ث‬            ‫ق‬         ‫تعد‬         ‫د هلل ن أر ق‬
‫وعب ُ ا ِ ب ُ ُ َي ِط يَسْ َ ِ ُ لالنطال ِ بهم بع َ ثال ِ ليال ، أرأيتم كي َ أنه ترتي ٌ محكم‬
          ‫ر‬          ‫ر‬           ‫ن م‬                               ‫ط‬     ‫ق‬
‫دقي ٌ مخط ٌ له ، فهل نحن عندما نريد أن ُقْد َ على أي أم ٍ مـن أمـو ِ الـدعوة ؛‬
                 ‫د‬          ‫ف‬                 ‫د‬      ‫ن د‬        ‫ُّ لذلك ؟ نخطط‬
‫ُّ له ، ُجي ُ تحدي َ المراحل ، المؤس ُ أن الواح َ منـا إذا أراد أن‬          ‫نستعد‬
          ‫ر‬          ‫ر‬                          ‫سي ط ة ر‬                      ‫ي مر‬
‫َعْ ُ َ بيتا ؛ جَل َ ُخط ُ عد َ أشه ٍ ، نعم .. إذا أقبل على أم ٍ مـن أمـو ِ الـدنيا ؛‬
‫َ‬    ‫ي بط‬                   ‫ر‬               ‫ر‬               ‫د‬       ‫ب‬     ‫خطط‬
‫َّ َ ورت َ واستع َ ، ولكن في أمو ِ الدعوة في أمو ِ اإلسالم فإنـه َخْـ ِ ُ خـبط‬
   ‫ر‬      ‫ت‬           ‫ة ر‬            ‫ج‬         ‫ة‬        ‫ج‬        ‫ت‬
‫عشواء ، ومن هنا جاء ِ النتائ ُ السلبي ُ والنتائ ُ السيئ ُ لكثي ٍ من الدعوا ِ وكثي ٍ من‬
‫ِ‬                ‫ة‬      ‫ن ن‬              ‫ط‬      ‫ن ن‬                    ‫ت‬
‫الحركا ِ ؛ ألنهم يتحركو َ بدو ِ تخطي ِ ، يتحركو َ بدو ِ دراس ٍ للواقـع ، وبـدون‬
     ‫ل‬                                           ‫ب‬        ‫ب‬               ‫ب‬
‫حسا ٍ للمستقبل ؛ حس َ األسبا ِ التي شرعها اهلل سبحانه وتعالى ، وهذا رسـو ُ اهلل‬


                                            ‫561‬
‫ُ‬      ‫د‬        ‫ط‬              ‫ي‬     ‫ا‬       ‫ي ط‬          ‫ل‬
‫‪ ‬يا أحبابي ، وهو رسو ُ اهلل ‪ُ ‬خط ُ تخطيط ً بشر ًا دقيقا ، يخط ُ ليستفي َ الدعاة‬
                                                                   ‫ِ‬
                                   ‫من هذه التجربة ، إنها دروس ، فهل نستفيد منها ؟‬
    ‫ة‬           ‫ت‬            ‫ر‬
‫تذكر ُ وفكر ُ في كثي ٍ من النكبا ِ التي َّتْ بكثي ٍ من الجماعا ِ اإلسـالمي ِ فـي‬
                                      ‫حل‬      ‫ت‬           ‫ر‬        ‫ت‬      ‫ت‬
       ‫ء‬       ‫ة‬         ‫ط‬        ‫ف‬      ‫ب‬      ‫ت م أهم‬                    ‫ر‬
‫كثي ٍ من الدول ، ووجد ُ أن ِن ِّ أسبا ِها ضع ُ التخطي ِ لمقابلـ ِ أعـدا ِ اهلل ،‬
‫َ‬             ‫ع‬     ‫ن قلب‬                    ‫ر‬          ‫يد‬              ‫م كِّس‬
‫فالمسل ُ َي ٌ فطن ، فال ُقْ ِمْ على أم ٍ إال بعد أن يكو َ قد َّ َ جمي َ األمور ، وأخذ‬
           ‫ة‬        ‫م‬      ‫ح ي‬         ‫س‬                      ‫ل‬        ‫ع‬
‫بجمي ِ الوسائ ِ واألسباب ، وهذا الدر ُ واض ٌ وجل ٌ وعظي ٌ في سير ِ الرسول ‪، ‬‬
                        ‫ن‬         ‫ت‬           ‫ة‬         ‫د‬         ‫م ق‬         ‫ط‬
‫تخطي ٌ محك ٌ دقي ٌ ، ال تج ُ فيه ثغر ً من الثغرا ِ ، فسبحا َ اهلل ! ما أحوجنا إلى أن‬
‫َ‬                    ‫ل‬            ‫ل‬            ‫د‬                 ‫ر‬          ‫ف م‬
‫نق َ أما َ هذا األم ِ العظيم ؛ لتستفي َ منه األجيا ُ بعد األجيا ِ ، فإلى متى والمسلمون‬
‫ْ‬      ‫ف‬         ‫ء‬          ‫ء ص ة‬                                     ‫يتخب ن‬
‫َّطو َ في أمورهم ؟ إلى متي ونحن أبنا ُ ال ُـدف ِ ، وأبنـا ُ العواطـ ِ ؟ فقـط‬
  ‫الجد‬  ‫ر‬            ‫و‬                        ‫ِد‬                     ‫ف ج‬
‫عواط ُ تهي ُ ثم تخبوا ، فأين الج ُّ ؟ أين العزيمة ؟ أين ال ُضوح ؟ فاألم ُ من ِّية‬
‫ُ‬        ‫ك‬
‫بمكان ، ثم نقول بعد ذلك ونتفاخر " النصر من عند اهلل " ؟! نعم ، بال ش ٍ : النصـر‬
           ‫ل‬         ‫ذ‬         ‫ُد‬                 ‫ذ‬         ‫ُد‬
‫من عند اهلل ، ولكن ال ب َّ من األخ ِ باألسباب ، ال ب َّ من األخ ِ بالوسائ ِ المشروعة ،‬
         ‫ع‬                       ‫ِ‬      ‫ِ‬
‫فأين هذا من واقعنا ؟ أليس لنا في سيرة الرسول ‪ ‬عبرة ؟ أليس لنا فيه ِظة ؟ بـدأ‬
‫ُ‬                               ‫د‬         ‫ة‬             ‫ي‬        ‫م‬
‫وحيدا ‪ ‬وبالرق ِ القياس ِ بدأتْ الدعو ُ في ازيا ٍ شيئا فشـيئا ، حتـى قامـتْ دولـة‬
                                                            ‫اإلسالم .. أيها األحباب :‬
‫ِ‬                 ‫ن‬                                 ‫ن‬
‫أكرر فأقول : ال مكا َ للفوضى في هذا العصر ، بل ال مكا َ للفوضـى فـي حيـاة‬
      ‫ش‬             ‫ة‬     ‫ة‬                  ‫ب‬          ‫د‬     ‫ل‬
‫المسلم أبدا ، فك ُ واح ٍ منا يحاس ُ نفسه ولو من زاوي ٍ ضيق ٍ ، ألسنا نعي ُ فوضـى‬
‫ُ‬               ‫ا‬             ‫ينظم‬     ‫د‬     ‫ل‬                ‫ة‬         ‫ل ت‬
‫داخ َ حيا ِنا الخاص ِ اليومية ، هل ك ُ واح ٍ منا ِّ ُ وقتَه تنظيم ً دقيقا ؟ هـل كـل‬
‫فك َ‬          ‫م َ‬                  ‫َ‬       ‫ويفك ُ‬           ‫ش َم‬           ‫د‬
‫واح ٍ منا يعي ُ ه َّ هذه الدعوة ، ِّر لها ليل نهار ؟ ثم ماذا ع ِـل إن كـانَ َّـر‬
‫ِ‬                                          ‫م‬           ‫ع‬                 ‫ورتب‬
‫َّ َ لذلك ؟ واهلل ال ُذر لنا أما َ اهلل سبحانه وتعالى فيمـا نـرى مـن المصـائب‬
                                                                           ‫والمشكالت‬
                              ‫---------------‬
                                     ‫ُ‬      ‫ُ‬
                          ‫عاشرا : البيت المسلم المتكامل .‬



                                         ‫661‬
‫ُ‬                           ‫ِ‬        ‫ر ر‬          ‫ا‬     ‫م‬       ‫ن ت‬
‫لقد كا َ البي ُ المسل ُ حاضرً ألخط ِ قرا ٍ في تأريخ الدعوة ، فقـد كانـتْ عائشـة‬
            ‫ل‬                   ‫ت‬          ‫ن ك‬                            ‫ء‬
‫وأسما ُ رضي اهلل عنهما تسْتمعا ِ لتل َ المداوال ِ التي دارت بين رسو ِ اهلل ‪ ‬وبين‬
     ‫ت‬       ‫ن ا س‬                                      ‫ق‬           ‫ه ي‬
‫والد ِما أب ِ بكر الصدي ٍ رضي اهلل عنه قالت " بينما نح ُ يوم ً جلو ٌ في بي ٍ أبـي‬
    ‫ة‬        ‫متقن ا‬       ‫ل‬                    ‫ل‬           ‫ة‬        ‫ر‬       ‫ر‬
‫بك ٍ في نح ِ الظهير ِ ، قال قائ ٌ ألبي بكر : هذا رسو ُ اهلل ‪ِّ ‬ع ً في ساع ٍ لـم‬
‫ِ‬                 ‫ء‬                           ‫ء‬       ‫ر‬
‫يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بك ٍ : فدا ً له أبي وأمي ، واهلل ما جا َ به في هذه السـاعة‬
        ‫ي‬                     ‫ن ذن‬                     ‫ل‬     ‫ء‬              ‫ر‬
‫إال أم ٌ ، قالت : فجا َ رسو ُ اهلل ‪ ، ‬فاستأذ َ فأ ِ َ له فدخل ، فقال النب ُ ‪ ‬ألبـي‬
                      ‫ت‬         ‫لك‬                              ‫د‬     ‫أ ر م‬
‫بكر : َخْ ِجْ َن عن َك ، فقال أبو بكر : إنما هم أهُ َ بأبي أن َ يا رسول َاهلل ، قال :‬
            ‫ل‬                 ‫ة‬         ‫ر‬               ‫ج‬             ‫أذن‬
‫فإني قد ُ ِ َ لي في الخرو ِ ، فقال أبو بك ٍ : الصحب َ بأبي أنت يا رسو َ اهلل ، قـال‬
          ‫ت‬                ‫ل‬                   ‫ر خ‬                             ‫ل‬
‫رسو ُ اهلل : نعم ، قال أبو بك ٍ : ف ُذْ بأبي أنت يا رسو َ اهلل إحدى راحل ِي هـاتين ،‬
‫س رً‬         ‫ن‬      ‫ز‬       ‫ن‬                 ‫ة‬             ‫ن‬              ‫ل‬
‫قال رسو ُ اهلل ، بالثم ِ ، قالت عائش ُ : فجهزناهما أحس َ الجها ِ وصنع َا لهما َفْ َة‬
‫ِ‬        ‫فم‬                  ‫نط ق‬      ‫رق ة‬           ‫ء ت‬          ‫ب طع‬
‫في جرا ٍ فق َ َت أسما ُ بن ُ أبي بك ٍ ِطع ً من ِ َا ِها فربطتْ به على َ ِ الجِـراب‬
                                                                         ‫ُ‬      ‫س‬
                                                              ‫فبذلكَ ُميت ذات النطاقين "‬
                   ‫ن‬        ‫ر‬          ‫ر‬        ‫م ت‬          ‫ت‬          ‫ل‬
‫اهلل أكبر .. ما أجم َ هذا البي َ المسل َ بي َ أبي بك ٍ ، أبو بك ٍ ، وابْ ُه عبد اهلل وابْنتاه‬
‫ِ‬         ‫ة‬          ‫ط‬         ‫ه ر نف ة‬                          ‫ة‬       ‫ء‬
‫أسما ُ وعائش ُ ، بل وحتى موال ُ عام ُ ب ُ ُهير َ ، في وس ِ الجاهليـ ِ ، ومـرابض‬
                     ‫ن‬             ‫ي رب‬         ‫د‬       ‫ِضم‬                   ‫ة‬
‫الوثني ِ ، في وسط هذا الخ َّ ِ األسو ِ الذي َهْ ُ ُ فيه المسلمو َ بعقيدتهم ، نجد بيتـا‬
                    ‫ر‬         ‫ل‬       ‫ل‬                    ‫مقو ت‬
‫صالحا فيه ُ َ ِما ُ الصالح ، فعندما قا َ الرسو ُ ‪ " ‬أَخ ِج من عندك ، قال أبـو‬
                 ‫ل‬       ‫ل‬       ‫ن‬
‫بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اهلل " أكا َ الرسو ُ ‪ ‬يجه ُ أنهما ابنتا أبـي‬
                     ‫ل‬        ‫ر‬                      ‫ه‬
‫بكر ؟ ال وربي ، فهْو يعْرف ُما ، ولكن أراد أبو بك ٍ أن يقو َ " إنهما على منهجـي ،‬
                                                                                  ‫م‬
                                    ‫ه َا على عقيدتي ، ال خوف عليهما يا رسولَ اهلل " .‬
          ‫ر‬          ‫م ت‬            ‫ت‬                   ‫م‬       ‫ت‬          ‫ت م‬
‫لقد وقف ُ أما َ هذا البي ِ المسل ِ ، وقارنت هذا البي َ المسل َ ببيو ِنا في ديا ِ اإلسالم ،‬
                                        ‫ِ‬      ‫ِ‬     ‫ُ‬        ‫ر‬           ‫ُ‬
                       ‫أين البيت الذي تتوف ُ فيه صفات البيت المسلم كبيت أبي بكر ..؟‬
          ‫ة‬       ‫ع‬           ‫م‬      ‫ة‬            ‫م‬       ‫ت ت‬
‫إن من أولى أولويا ِ البي ِ المسل ِ وأسما رسال ٍ يقـد ُها للمجتمـ ِ تربيـ ُ األوالد ،‬
‫ِ‬      ‫ة‬       ‫ق‬           ‫ة‬
‫وتكوي ُ جي ٍ صال ٍ قو ٍ ، وال قيم َ للتربي ِ وال أث َ للنصيح ِ إال بتحقي ِ القدو ِ الحسنة‬
                                    ‫ر‬        ‫ة‬        ‫ة‬           ‫ح ي‬        ‫ن ل‬



                                            ‫761‬
    ‫ة‬                  ‫ل‬           ‫ة‬                  ‫ة‬           ‫ة‬
‫في الوالدين ؛ القدو ِ في العباد ِ واألخالق ، القدو ِ في األقوا ِ واألعمال ، القدو ِ فـي‬
                                                                                        ‫ِ‬
                                                                              ‫المخبر والمظهر .‬
‫ُ‬    ‫ع‬         ‫ة‬
‫في َيا ِ البي ِ المسل ِ الهاد ِ الهان ِ ينمو االنحرا ُ ، وتفشو الجريم ُ ، وترتف ُ نسبة‬
                                ‫ف‬              ‫ئ‬       ‫ئ‬       ‫م‬       ‫غ ب ت‬
                                                       ‫ِ ة‬           ‫ُ‬
                                            ‫المخدرات ، بل ونسمع بارتفاع نسب ِ االنتحار .‬
      ‫أ ة‬      ‫ش‬                ‫ج‬        ‫م‬           ‫ن‬        ‫ي ِس‬          ‫ت‬
‫إن البي َ الذي ال َغر ُ اإليما َ وال يستقي ُ على نه ِ القرآن وال يعي ُ في ُلف ٍ ووئام‬
                ‫د‬                 ‫ع‬                 ‫، ُن ِ ُ عناص َ تعي ُ التمزق‬
‫ُّ َ النفسي ، والضيا َ الفكري ، والفسا َ األخالقي ، هـذا‬   ‫ر ش‬          ‫ي جب‬
                        ‫ة‬        ‫د ع ت‬                ‫ض‬                 ‫ق‬
‫العقو ُ الذي نجده من بع ِ األوال ِ وال َالقا ِ الخاسر ِ بين الشباب والتخلـي عـن‬
    ‫ق‬      ‫صف‬          ‫ئ‬         ‫م‬          ‫المسؤولي ِ واإلعرا ِ عن اهلل والتمرد‬
‫ُّ ِ على القي ِ والمباد ِ الذي يع ِ ُ بفري ٍ مـن‬            ‫ض‬         ‫ة‬
‫َ‬       ‫ة‬         ‫ل‬        ‫ة‬           ‫ة ت ل‬             ‫ة‬                        ‫ء‬
‫أبنا ِ أمتنا اليوم ، ذلك نتيج ٌ حتمي ٌ لبي ٍ غف َ عن التزكي ِ ، وأهم َ التربيـ َ ، وفقـد‬
                                                                           ‫ل‬    ‫القدوة ، وتشت‬
                                                                        ‫َّت شمُه .‬     ‫َ‬
                  ‫ر‬                          ‫ع‬         ‫ع‬      ‫ل‬          ‫ت‬
‫البي ُ الذي يجع ُ شرائ َ اإلسالم ِضين ، يأخذ ما يشتهي ، ويذ ُ ما ال يريد ، إلـى‬
‫ِ‬          ‫ح‬                 ‫ا‬
‫شر ٍ أو غرب ، ُنشئ نماذ َ بشري ٍ هزيل ً ونفوس ً مهزوزة ، لن تفل َ في النهـوض‬
                                     ‫ة‬      ‫ة‬      ‫ج‬         ‫ي‬          ‫ق‬
                                                               ‫س دد‬          ‫ِ‬         ‫ِ‬
                                                           ‫باألمة إلى مواقع عزها و ُؤ ُ ِها .‬
               ‫د كل‬       ‫ل‬               ‫رد ر‬                        ‫ت‬
‫من سما ِ البيت المسلم أنه ي ُ ُ أم َه إلى اهلل ورسوِه ‪ ‬عن َ ِّ خالف ، وفـي أي‬
‫ن لم من َ َ‬            ‫وم‬             ‫أم ٍ مهما كان صغيرً ، وك ُ َن فيه يرضى ويسل‬
‫ِّم بحكم اهلل َ َا كَـا َ ِ ُـؤْ ِ ٍ وال‬             ‫لم‬       ‫ا‬              ‫ر‬
‫م م ة إذ قض الله و س له أ ا أ يك ن لهم خيرة م أ ره وم ي ص الل َ‬
‫ُؤْ ِنَ ٍ ِ َا َ َى َّ ُ َرَ ُوُ ُ َمْرً َن َ ُو َ َ ُ ُ الْ ِ َ َ ُ ِنْ َمْ ِ ِمْ َ َن َعْـ ِ َّـه‬
                                                               ‫و س ه ف ْ ض َّ ض ً مب ً‬
                                                             ‫َرَ ُولَ ُ َقَد َل َلَـال ُّ ِينا .‬
‫ِ‬      ‫ن‬       ‫ف‬                 ‫ة‬                  ‫م ون‬            ‫ت ت‬
‫من سما ِ البي ِ المسل ِ تعا ُ ُ أفراده على الطاع ِ والعبادة ، فضعْ ُ إيمـا ِ الـزوج‬
‫ٌ‬          ‫ض‬      ‫ل‬
‫ِّي ِ الزوج ُ ، واعوجا ُ سلو ِ الزوج ِ ِّ ُه الزوج ، تكام ٌ وتعا ُد ، ونصـيحة‬
                                  ‫ة يقوم‬       ‫ك‬     ‫ج‬          ‫ة‬       ‫تقو ه‬
                                                                                       ‫وتناصر .‬
     ‫ل‬       ‫م ك‬                  ‫ُحصن ت ك‬              ‫ء‬       ‫م‬             ‫ت‬
‫من سما ِ البيت المسل ِ الحيا ُ ، وبه ي ِّ ُ البي ُ ِيانَه من سها ِ الفت ِ ووسائ ِ الشر‬
‫َ‬   ‫ي‬      ‫ر‬     ‫ي ك‬                   ‫ق ت أس‬                    ‫ر‬       ‫ع‬
‫التي تد ُ الديا َ بالقع ، ال يلي ُ ببي ٍ ِّس على التقوى أن ُهتَ َ سـت ُه ، و ُـنقض‬
‫ِ‬       ‫ذ‬           ‫ن‬
‫حياؤه ، َّ َ هواؤه بما يخد ُ الحيا َ من أفال ٍ خليع ٍ وأغا ٍ ماجنة ونب ٍ للحجـاب‬
                           ‫ة‬      ‫م‬         ‫ء‬       ‫ش‬               ‫ويلوث‬



                                               ‫861‬
‫ُ‬     ‫ب ؤ ا‬             ‫ك ن ت‬           ‫س‬       ‫خر‬         ‫ل‬                  ‫ه‬
‫وتشب ٍ بأعداء الدين ، ك ُ ذلك ين ِ ُ كالسو ِ في َيا ِ البي ِ المسلم ، و ُـ َرً تفـتح‬
                                                             ‫َ‬      ‫ُ‬    ‫ِّ‬   ‫َ‬
                                                     ‫مغالق الشر وتدع العامر خرابا .‬
        ‫ت‬      ‫ة‬                     ‫ة‬                        ‫ت ت‬
‫من سما ِ البي ِ المسلم أن أسراره محفوظ ٌ ، وخالفاتِـه مسـتور ٌ ، ال ُفشـى وال‬
                 ‫ُي‬      ‫ِ‬           ‫ً‬              ‫ِ‬     ‫ِّ‬              ‫ت‬
‫ُستقصى " إن من شر الناس عند اهلل منزلة يوم القيامة الرجل ُفضـي إلـى امرأتـه‬
                                                            ‫ي شر ِر‬                   ‫ت‬
                                                        ‫و ُفضي إليه ، ثم َنْ ُ ُ س َّها "‬
‫ِ‬        ‫ج‬            ‫د س‬
‫ال يدخ ُ البي َ المسل َ من ال ُر َى دي ُه ، فدخو ُ المفس ِ ف َاد ، ووَلـو ُ المشـبوه‬
                                  ‫ل‬         ‫ن‬     ‫ي ض‬        ‫م‬       ‫ل ت‬
‫ِ‬        ‫ر‬                       ‫ق‬        ‫ت‬                              ‫ر‬
‫خط ٌ على فلذات األكباد بهؤالء فسد ِ األخال ُ في البيوت ، وفشا السح ُ ، وحـدثت‬
                ‫ت‬       ‫م‬     ‫ِل‬                       ‫ح‬        ‫ت‬          ‫ت‬
‫السرقا ُ ، وانقلب ِ األفرا ُ أتراحا ، بل إنهم معـاو ُ هـد ٍ للبيـ ِ السـعيد ، واهلل‬
                                                                            ‫المستعان ..‬

        ‫ة‬         ‫ن ت‬            ‫ة‬
‫لقد بر َ أث ُ الهجر ِ في مجا ِ تربي ِ الشبا ِ والمرأ ِ وميدا ِ البي ِ واألسـر ِ ، ِففـي‬
                                          ‫ب‬       ‫ة‬      ‫ل‬        ‫ة‬       ‫ز ر‬
             ‫ب‬     ‫ة ن ة‬                                   ‫هلل ن‬      ‫ف‬
‫موق ِ عبدا ِ ب ِ أبي بكر رضي اهلل عنهما في خدم ِ و ُصر ِ صاح ِ الهجرة عليـه‬
‫ِ‬           ‫ر‬     ‫ة‬          ‫ب‬       ‫ي ّي ر‬
‫الصالة والسالم بأبي هو وأمي ، ما ُجل ِ أث َ الشبا ِ في الدعو ِ ودو ِهم في األمـة‬
‫ِ‬      ‫ف ر‬        ‫ن‬          ‫ض‬           ‫ي‬                  ‫ن ة ن م‬
‫و ُصر ِ الدي ِ وال ِلة ، فأين هذا مما ُنادي به بع ُ المحسوبي َ علـى ِكـ ِ األمـة‬
‫ِ‬      ‫ت‬         ‫ل‬
‫وثقاف ِها من تخدي ِ الشباب بالشهوا ِ وجعِهـم فريسـ ً لمهـاز ِ القنـوا ِ وشـبكة‬
                          ‫ة‬          ‫ل‬    ‫ت‬                ‫ر‬           ‫ت‬
‫ِ‬         ‫ظ‬          ‫ت‬              ‫ع‬              ‫ي َد‬       ‫ت‬         ‫ت‬
‫المعلوما ِ في الوق ِ الذي ُع ُّون فيه لالطال ِ بأغلى المهما ِ في الحفا ِ على الدين‬
‫ِ‬         ‫و‬      ‫ة‬          ‫ت‬          ‫م‬              ‫ق‬            ‫ت‬
‫والقيم ، والثبا ِ على األخال ِ والمبادئ أما َ المتغيرا ِ المتسارع ِ ودعا َى العولمـة‬
‫ِ‬       ‫يجل ي ر‬                               ‫ء ت‬         ‫ف‬
‫المفضوحة ، وفي موق ِ أسما َ بن ِ أبي بكر رضي اهلل عنها ما ُ َّـ ِ دو َ المـرأة‬
              ‫ة‬         ‫ة‬        ‫د ة‬                                  ‫ت‬        ‫ة‬
‫المسلم ِ في خدم ِها لدينها ودعوتها ؛ فأين هذا من ُعا ِ المدني ِ المأفون ِ الذين أجلبـوا‬
           ‫ت‬       ‫ة‬       ‫أن ت َسك‬        ‫ا ب‬      ‫ن‬         ‫ة ل ورجل‬
‫على المرأ ِ بخيِهم َ َ ِِهم زاعمي َ زورً و ُهتانا َّ َم ُّ َ المرأ ِ بثواب ِهـا وقيمهـا‬
‫ِ‬                ‫س‬              ‫د‬       ‫ت‬      ‫د‬
‫واعتزازها بحجابها وعفافها تقيي ٌ لحري ِها وفق ٌ لشخصيتها وبئ َ ما زعموا فخرجَـت‬
‫ِ‬         ‫ق‬             ‫ة ت ُن‬         ‫ية‬        ‫ة‬       ‫ة‬         ‫ت ث‬
‫من البي ِ تبح ُ عن سعاد ٍ موهوم ٍ وتقدم ّ ٍ مزعوم ٍ ل َظَّها في األسوا ِ والشـوارع‬
‫َ‬      ‫ق‬       ‫ِ م تصب َ‬        ‫ِ م دن ِ‬       ‫ة‬             ‫ع‬         ‫ي‬
‫والماله ِ والمصان ِ فرجعت مسلوب َ الشرف ُ َ َّسة العرض ُغْ َ َ َة الحقو ِ عديمـة‬




                                         ‫961‬
  ‫ت‬      ‫ة‬         ‫ر‬
‫الحيا ِ موءود َ الغيْ َة ، وتل َ صورة من صو ِ إنسانيا ِ العص ِ المزعوم ِ وحري ِـه‬
                          ‫ت‬         ‫ر‬            ‫ك‬        ‫ة ر‬             ‫ء‬
                                                                               ‫المد‬       ‫ِ‬
                                                                  ‫المأفونة ومدنيته َّعاة .. أقول :‬
                                                       ‫ت ت‬
‫ما أحوجنا إلى بي ٍ كبي ِ أبي بكر ، ما أحوجنا إلى أسرة كأسرة أبي بكر ، ما أحوجنا‬
  ‫إلى إيمان كإيمان أبي بكر بل ما أحوجنا إلى آباء كأبي بكر وأبناء كأبناء أبي بكر ..‬
                                     ‫----------------‬
                            ‫الحادي عشر: الصدق واإلخالص مع اهلل‬
‫ِال ت صر ه ف نصره الل ُ‬                  ‫ح‬      ‫ر ي‬                                 ‫ر‬
‫نصْ ُ اهلل سبحانَه وتعالى لنبيه أم ٌ جل ٌ وواض ٌ وظاهر " إ ّ َنْ ُ ُو ُ َقَدْ َ َ َ ُ َّه‬
‫إ أ رجه الذ ن كفر ث ني ن ن إ هم ف غ ر إ يق ل لص حبه ت ز ِن الل َ‬
‫ِذْ َخْ َ َ ُ َّ ِي َ َ َ ُوا َا ِ َ اثْ َيْ ِ ِذْ ُ َا ِي الْ َا ِ ِذْ َ ُو ُ ِ َا ِ ِ ِ ال َحْ َنْ إ َّ َّـه‬
‫ِ‬           ‫ش‬      ‫د ر‬                                                 ‫معن‬
‫َ َ َا " روى اإلمام البخاري في صحيحه قال : لما صع َ كفا ُ قـري ٍ إلـى الجبـل‬
                    ‫ل‬           ‫ر د‬                 ‫ل‬
‫ونظروا ؛ قال أبو بكر: يا رسو َ اهلل ، لو نظ َ أح ُهم إلى أسف ِ قدميه لرآنا ، فقـال‬
‫رسول اهلل ‪ : ‬يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما ؟! " اهلل أكبر ، إنـه التوكـل‬
           ‫ب‬
‫والثقة بنصر اهلل تعالى لم يقل عليه الصالة والسالم "ما ظنك بنبي وصـاح ُه ؟! " ال "‬
              ‫ن‬       ‫ن ل ن‬                  ‫ة‬
‫ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما ؟! إنها قاعد ٌ عظيمة : أ َ ك َ اثني ِ صادقي ِ مخلصين ؛ اهلل‬
                                                         ‫ة‬
‫معهما ، لم يربطْ القضي َ عليه الصالة والسالم به ، لم يقل "يا أبا بكـر ، ال تخـف ؛‬
                     ‫ة‬      ‫ة‬       ‫طه‬                 ‫ل‬           ‫د‬
‫ألنني أنا موجو ٌ ، أنا رسو ُ اهلل " ال ، رب َ َا بقضي ٍ أصلي ٍ ؛ حتى إذا تكررتْ فـي‬
                                               ‫ب‬       ‫ر ف‬             ‫ر‬         ‫م‬
‫يو ِنا الحاض ِ ؛ يتكر ُ الهد ُ والسب ُ والنتيجة " ما ظنك بـاثنين اهلل ثالثهمـا ؟! إذا‬
‫أصابتك مصيبة وأنت معتصم باهلل ؛ فال تخف ؛ فأمامك "ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما ؟!"‬
‫إذا ادلهمت عليك الخطوب من كل جانب فال تحزن ألنك تقرأ " ما ظنـك بـاثنين اهلل‬
‫ثالثهما " إذا واجهك عدو فاعتصم برب العدو ألنك تتلوا " ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما "‬
                                                                                                       ‫إذا ..‬
‫إ ت صر الله ي ص ك ْ‬                                                 ‫ة‬            ‫ة‬
‫القضي ُ ليست مربوط ً بأنه نبي ، ال ؛ ألن اهلل تعالى يقول " ِنْ َنْ ُ ُوا َّ َ َنْ ُرْ ُم‬
     ‫ر‬       ‫ِال ت صر ه ف نصره الله‬                                              ‫ر‬     ‫ِي‬
‫" نب ٌ وغي ُ نبي ، ما دام أنه على منهج النبي " إ ّ َنْ ُ ُو ُ َقَدْ َ َ َ ُ َّ ُ " نصْ ُ اهلل‬
       ‫ن‬     ‫ق ص‬             ‫ل‬      ‫ن‬              ‫ة‬
‫كان لنبيه ، ولمن يقتفى سن َ نبيه ، وسيكو ُ وسيظ ُ لكل صاد ٍ مخل ٍ مؤم ٍ بـاهلل‬
        ‫ة‬         ‫ة‬        ‫ة‬                ‫ر‬         ‫ر‬                            ‫ع‬
‫متب ٍ نبيه ، كما نجد في هذا األم َ أن األم َ ال يتعلق بالقو ِ المادي ِ والضخام ِ المادية‬


                                                    ‫071‬
                ‫نص‬            ‫ُحق‬                       ‫ل‬       ‫ش‬
‫؛ فكم بذلت قري ٌ من أج ِ هذا األمر، ولكنها لم ت ِّقْ شـيئا و َ َـر اهلل نبيَـه ‪‬‬
                                                         ‫ة‬        ‫ة‬          ‫ئ‬
‫بوسا ِله الضعيف ِ البسيط ِ الهزيلة ، لكنها الوسائل المادية ، أما وسائله الكبرى فهـي‬
                 ‫ق‬                           ‫ن‬        ‫ة‬                     ‫ل‬
‫وسائ ٌ عظيمة ، أقواها وسيل ُ اإليما ِ باهلل سبحانه وتعالى والصد ِ معه والتوكل عليه‬
                                                                        ‫والثقة بنصره .‬
                                    ‫---------‬
                       ‫الثاني عشر : الداعية ال يمل وال يكل .‬
         ‫ن‬     ‫ي ر‬                           ‫ة‬          ‫قف‬          ‫م س‬
‫المسل ُ لي َ عنده تو ُ ٌ عن الدعو ِ هلل عز وجل ، وعن السع ِ لنش ِ ديـ ِ اهلل جـل‬
      ‫ف‬            ‫ب‬      ‫ة‬       ‫وعال ، وهكذا كا َ النب ُ ‪ ‬بعد أن َ َ َ الصد‬
‫َّ في مك َ ، ذه َ إلى الطـائ ِ عليـه‬   ‫وجد‬            ‫ن ي‬
‫ِ‬            ‫ة‬       ‫ب ب‬           ‫الصالة والسالم ، وبعد أن وج َ الصد ك ح‬
‫َّ هنا َ فت َ ألصحا ِه با َ الهجر ِ إلـى الحبشـة‬ ‫د‬
‫ِ‬        ‫ط ق ل‬          ‫ل‬            ‫ت‬               ‫ة ا‬            ‫ة‬             ‫ال‬
‫أو ً ثم جاءت بيع ُ العقب ِ ثاني ً ثم بدأت بدايا ُ الهجرة ، ك ُ هذا َرْ ٌ لك ِ األبـواب‬
             ‫ً‬     ‫ي رُ‬            ‫ُ‬                        ‫ة‬        ‫ب‬
‫واألسبا ِ ومواصل ٌ للدعوة هناك وهناك ، وبعض الناس قد َطْ ُق بابـا أو بـابين أو‬
           ‫ع عد‬           ‫ل‬      ‫ت‬        ‫ب‬        ‫ل ُدت‬                    ‫د‬
‫يلتقي بفر ٍ أو اثنين ثم يقو ُ س َّ ِ األبوا ُ وانقطع ِ السب ُ ويرج ُ ويق ُ ُ في بيتـه ،‬
      ‫م‬         ‫م‬        ‫د‬                    ‫ك ر ش‬                     ‫ن ي‬
‫لك ّ النب َ ‪ ‬حينما أدر َ تآم َ قري ٍ ، وأن قريشا ال تري ُ اإلسال َ ؛ استخد َ معهـا‬
 ‫ه ع ه‬               ‫ه‬        ‫ع ُوه‬                 ‫ع‬          ‫ل‬        ‫ئ‬       ‫كل‬
‫َّ الوسا ِل ، وبذ َ معهم جمي َ األساليب ، مع ُت ِّ ِم ونفور ِم وإصرار ِم و ِناد ِم‬
‫َ‬        ‫ُل‬                          ‫ر ي بد هلل‬                ‫ة‬
‫، فلم يخطرْ بباله العود َ إلى الغا ِ أو َعْ ُ َ ا َ في مسجده ، ال .. بدأ يبـذ ُ الوسـائل‬
    ‫ل‬        ‫ض‬                      ‫ة‬     ‫ض‬        ‫ة‬            ‫ل‬         ‫ب‬
‫واألسبا َ لالنتقا ِ بهذه الدعو ِ إلى أر ٍ خصب ٍ ، فإذا كانت هذه األر ُ ال تقب ُ هذه‬
               ‫ِ‬              ‫ِ س‬                     ‫ٌ‬          ‫ة ض‬
‫الدعو َ فأر ُ اهلل واسعة بدأ بالبحث ، وبعرض نف ِه ‪ ‬على القبائل شـيئا فشـيئا ،‬
               ‫د‬           ‫د‬        ‫ة‬            ‫ه ل‬         ‫وجد‬
‫وموسما موسما حتى َ َ َ من ُمْ أه ٌ لهذه الدعو ِ ، وبال َهم خير بال ٍ لهذه الدولـة ،‬
                                                         ‫ُ‬                    ‫ُ‬
                                        ‫فالمسلم ال يستكين ، والداعية ال يمل وال يكل .‬
                              ‫ِ‬         ‫ٌ‬             ‫ُ‬  ‫ِي‬          ‫ر‬
‫كثي ٌ من الدعاة ُصاب باليأس ، كثير من الدعاة يصاب بـالقنوط ، يقـول " دعـوت‬
 ‫ت‬                  ‫ة‬        ‫د‬                   ‫ي‬            ‫ي‬
‫ودعوت ، فلم ُسمع لي ، لم ُستجب لي " لكننا نج ُ في سير ِ الرسول ‪ ‬وفي هجر ِه‬
                                          ‫ِ‬      ‫ِ‬          ‫َ م‬                   ‫َ‬
                                ‫المثل الرائع ، والقدوة ال ُثلى للداعية الصابر المرابط .‬
   ‫أ‬                     ‫ج ي‬          ‫ن‬              ‫م‬               ‫ة ر ن‬
‫مشكل ُ كثي ٍ م َ المسلمين اليو َ أنهم يستعجلو َ النتائ َ ف ُصابون باليأس ، بل أسوُ من‬
                                ‫ر‬                ‫ئ‬
‫ذلك أنهم ربما شككوا في مباد ِهم ، شكوا في نص ِ اهلل سبحانه وتعالى ، شكوا بوعـد‬


                                          ‫171‬
  ‫بر وص بر‬              ‫ي َيه الذ ن من‬                    ‫ء‬
‫اهلل سبحانه وتعالى الذي وعد أوليا َه بالنصر " َا أُّ َا َّ ِي َ آ َ ُوا اصْ ِ ُوا َ َـا ِ ُوا‬
                                          ‫ور بط َاتق الله ل َلك ت لح ن‬
‫َ َا ِ ُوا و َّ ُوا َّ َ َعَّ ُمْ ُفِْ ُو َ " فال يصبرون وال يتصـبرون ، بـل يسـتعجلون‬
    ‫ر‬                     ‫ر‬                 ‫ر‬      ‫حل‬              ‫ج ث‬
‫النتائ َ وال ِمار ، ومن هنا َّت كثي ٌ من النكبات بكثي ٍ من المسـلمين ، كثيـ ٌ مـن‬
       ‫ب‬                 ‫ج‬        ‫ت‬                                      ‫ت‬
‫الدعوا ِ أصيبتْ بالوهن ؛ لماذا ؟ ألنها استعجل ِ النتائ َ ؛ ألنها لـم تصـ ِرْ علـى‬
     ‫ة‬        ‫م‬          ‫َ م‬      ‫ة‬        ‫ل‬       ‫س‬                   ‫ت‬
‫مقوما ِ الدعوة ، ولهذا جل َ الرسو ُ ‪ ‬ثالث َ عشر عا ًا يدعو قو َه في مك َ ومـع‬
‫َ‬                               ‫ء م ي‬              ‫ر ن بأن‬            ‫ل‬     ‫لم‬
‫ذلك َّا وص َ إلى أم ٍ يقي ِي َّ هؤال ِ القو َ ال ُريدون هذا الدين ، وأرادوا القضاء‬
      ‫ِ ع ر َ‬             ‫ِ‬                     ‫ٍ‬    ‫ٍ‬
‫عليه ؛ بحث عن مأمْن وأرض ومخرج ، فبدأ باالتصال بالقبائـل ، و َـ َض نفسـه‬
‫ِ‬       ‫ة‬                    ‫ة‬       ‫ة‬        ‫ة‬           ‫ب‬      ‫ء‬
‫عليها ومن هنا جا َ ترتي ُ هذه الهجر ِ في بيع ِ العقب ِ األولي ، وفـي بيعـ ِ العقبـة‬
                                 ‫ت‬      ‫تم‬                              ‫ِ‬
              ‫الثانية ، وما تال ذلك من مراحل ، حتى َّت هجر ُه صلى اهلل عليه وسل‬
                              ‫------------------‬
                           ‫ُ‬       ‫نت ل‬           ‫ر‬
                ‫الثالث عشر : بالصب ِ واليقي ِ ُنا ُ اإلمامة في الدين .‬
‫ُ‬                            ‫ة‬       ‫ن‬           ‫ن‬                   ‫ل ن م‬
‫يقو ُ اب ُ القي ِ رحمه اهلل " اليقي ُ من اإليما ِ بمنزل ِ الروح من الجسد " ويقـول ابـن‬
         ‫ن‬               ‫ن ل‬         ‫ن‬                  ‫ر ف‬                     ‫ة‬
‫تيمي َ رحمه اهلل " الصب ُ نص ُ اإليمان ، واليقي ُ اإليما ُ كُه " إن المسلمي َ اليـوم ،‬
         ‫ب‬       ‫د‬                      ‫ل‬         ‫ة‬      ‫ة‬       ‫ن‬
‫وهم يمرو َ بمرحل ٍ عصيب ٍ من مراح ِ تاريخهم المعاصر وتكا ُ تغلِـ ُ فـي هـذه‬
          ‫ِّ الحاج ِ إلـى التمسـك‬
‫ِّ بالـدين ،‬           ‫ة‬                ‫ط‬        ‫ر‬       ‫ل س‬           ‫ة‬
                               ‫المرحل ِ عوام ُ اليأ ِ ومشاع ُ اإلحبا ِ لهم بأمس‬
‫ِّ عليه بالنوا ِذ ؛ ألن االستسالم لليأس يقتل الهمـم و ُخ ِّر العـزائم ويـدم ُ‬
‫ِّر‬     ‫َ‬        ‫َ ي َـد ُ‬       ‫ِ ُ‬        ‫َ‬                ‫ج‬             ‫والعض‬
‫بِ‬      ‫م‬              ‫ل‬        ‫ت‬         ‫ت َرك‬
‫الطموحات ، وهذه المعاني هي التي ُح ِّ ُ اإلرادا ِ إلى بذ ِ الجهد ، ورغـ َ تتـا ُع‬
   ‫َ‬                        ‫ة‬         ‫ت‬        ‫ر‬          ‫ثر‬        ‫ن وعه‬
‫الفت ِ وتن ُ ِ َا وتكا ُ ِها فإن نص َ اهلل آ ٍ ال محال َ كما وعدنا سـبحانه شـريطة أن‬
                    ‫لم‬      ‫ل‬                 ‫ن‬        ‫ت‬       ‫نتمس َ بدي ِنا ونعتـز‬
‫َّ بشريع ِنا ويكو َ والؤنا هلل ولرسوِه ‪ ‬وِ َنْ والنا اهلل تعـالى‬       ‫ك ن‬
          ‫ة‬      ‫ل‬            ‫ولي ص َن الله م ي صره إن الله لق ِي عز ز‬
‫أمرهم " ََ َن ُر َّ َّ ُ َن َن ُ ُ ُ َّ َّ َ َ َو ٌّ َ ِي ٌ " " ال تزا ُ طائف ٌ مـن أمتـي‬
          ‫ُ‬     ‫ت‬            ‫خل‬           ‫ذل‬         ‫ق ضر‬               ‫ن‬
‫ظاهري َ على الح ِ ال ي ُ ُهم من خَ ََهم وال من َاَفهم حتى يـأ َي أمـر اهلل وهـم‬
‫َ‬          ‫ن‬            ‫ع ة‬           ‫اي ت‬         ‫ن‬          ‫ل‬
‫ظاهرون " و" ال يزا ُ هذا الدي ُ قائم ً ُقا ِل عليه ِصَاب ٌ من المسلمي َ حتـى تقـوم‬
                ‫د‬         ‫ن‬                ‫ب‬                 ‫ء‬      ‫ثر‬
‫الساعة " ومع تكا ُ ِ أعدا ِ اإلسالم ، وتكال ِهم على هذا الدي ِ ، والكي ِ له وألهله ، إال‬
‫ُك َ‬       ‫ن‬         ‫ء‬        ‫ن‬
‫أن النص َ والتمكي َ بمشيئ ِ اهلل لحمل ِ هذا الدي ِ المبشري َ بالثنا ِ والتمكي ِ كما م ِّـن‬
                                        ‫ن‬          ‫ة‬           ‫ة‬       ‫ن‬         ‫ر‬


                                            ‫271‬
‫َ‬                                                       ‫ت‬               ‫ل‬
‫رسو ُ اهلل ‪ ‬في حيا ِه وأذعنت له األمم ، كيف ال وهو القائـل " إن اهلل زوى لـي‬
                 ‫ز‬     ‫غ م كه‬                             ‫ه‬       ‫ت‬      ‫ض‬
‫األر َ فرأي ُ مشارق َا ومغاربها ، وإن أمتي سيبل ُ ُل ُ َا ما ُوي لي منها " كيـف‬
                  ‫ك‬                               ‫ر‬          ‫غن‬
‫ال .. وهو القائل " ليبل ّ َ هذا األم ُ ما بلغ الليل والنهار، وال يتر ُ اهلل بيت مـدر وال‬
           ‫ن‬                ‫ا‬          ‫ُل‬                ‫ن‬
‫وبر إال أدخله اهلل هذا الدي َ بعز عزيز أو بذ ِّ ذليل ، عزً يعز اهلل به دي َ اإلسـالم ،‬
                                                                                                 ‫ً يِ ُ‬
                                                                                      ‫وذال ُذل به الكفر "‬
‫ِ‬               ‫ِّ ال تت ُّ ولنْ تكو َ إال بالعض‬
‫ِّ على هـذا الـدين‬        ‫ن‬          ‫ِم‬            ‫عة ل‬             ‫ة‬          ‫ِز‬
                                              ‫إن ع َّ هذه األم ِ ، ورِفْ َ َ أه ِ الحق‬
  ‫و تهن و‬                 ‫ا‬      ‫ف‬
‫بالنواج ِ عقيد ً وشريع ً ، صدق ً وعد ً ثبات ً في الموق ِ وصدق ً مع اهلل " َال َ ِ ُوا َال‬
                                            ‫ال ا‬         ‫ا‬       ‫ة‬       ‫ة‬      ‫ذ‬
  ‫ت ِ ق م غ رك ُم يك ن‬                          ‫ت زن وأ م أل ل ن ك ت م من ن و تت َل‬
‫َحْ َ ُوا ََنت ُ ا َعَْوْ َ إن ُن ُم ُّؤْ ِ ِي َ " " َإن َ َوَّوْا يَسْ َبْدلْ َوْ ًا َيْ َ ُمْ ث َّ ال َ ُوُوا‬
                                                                                                      ‫أ ث لك ْ‬
                                                                                                    ‫َمْ َاَ ُم "‬
  ‫وك ن ح ً عل ن‬
          ‫ق‬                     ‫ا ي لف‬
‫إن َر ُّ َ النص ِ القاد ِ الذي وع َ اهلل عبا َه وعدً ال ُخِْ ُه في قوله " َ َا َ َ ّا ََيْ َـا‬
                                                ‫د‬          ‫د‬         ‫م‬       ‫ر‬      ‫ت َقب‬
‫ِ‬     ‫فع و‬                                  ‫ع ل‬                      ‫ن ر م من ن‬
‫َصْ ُ الْـ ُؤْ ِ ِي َ " من أجلى ينابي ِ األم ِ وأقواها لدى المسلم ، حيث تد َ ُه نح َ العمل‬
‫الص لح ِ‬     ‫م ك وعمل‬          ‫وعد الله الذ ن من‬                        ‫ر‬         ‫ن‬
‫لدي ِه المنصو ِ ومبدئه الظافر " َ َ َ َّ ُ َّ ِي َ آ َ ُـوا ِـن ُمْ َ َ ُِـوا َّـاِ َات‬
  ‫تض‬       ‫ل ت ل َنه ف أل ض كم ت لف الذ ن م ق له وليم ِ َن له د نهم الذ‬
                                   ‫ك‬
‫َيَسْ َخِْفَّ ُمْ ِي ا َرْ ِ َ َا اسْ َخَْ َ َّ ِي َ ِن َبِْ ِمْ ََ ُ َ ّن َّ َ ُمْ ِي َ ُ ُ َّ ِي ارْ َ َـى‬
‫ي رك ن ب ش ا وم كفر ب د َل َ‬                    ‫له وليب َِنه ِ ب د خ فه أ ا ي بد نن‬   ‫م‬       ‫د‬
‫َ ُمْ ََ ُ َ ّلَّ ُم ّنْ َعْ ِ َوْ ِ ِمْ َمْن ً َعْ ُ ُو َ ِي ال ُشْ ِ ُو َ ِي َيْئ ً َ َن َ َ َ َعْـ َ ذِـك‬
‫َ‬        ‫ر‬      ‫ة لتش َد‬      ‫ت‬                                 ‫فأ لئك هم ف سق ن‬
‫َُوَْ ِ َ ُ ُ الْ َا ِ ُو َ " ولقد أعلنها ‪ ‬بعد هجرته في وق ِ الشد ِ َّت َّ أنظا ُ المؤمنين‬
                     ‫ِ‬         ‫ُ رض‬                             ‫ل‬
‫إلى المستقب ِ المحتوم ؛ مهما كان الواقع يف ِ ُ على الناس أقسـى الظنـون ، فعـن‬
          ‫ر‬                                                ‫ب‬         ‫ء‬
‫البرا ِ ابن عاز ٍ رضي اهلل عنه أنه قال " أمرنا رسـول اهلل ‪ ‬بحفـ ِ الخنـدق ،‬
                    ‫و‬                    ‫ق‬          ‫ن‬        ‫ة‬
‫وعرض لنا صخر ٌ في مكا ٍ من الخند ِ ال تأخذ فيها المعا ِل ، فشكونا إلى رسـول‬
     ‫م‬              ‫ة ذ م و‬                     ‫ط‬              ‫ل‬
‫اهلل ‪ ، ‬فجاء رسو ُ اهلل ‪ ‬ثم هب َ إلى الصخر ِ فأخ َ ال ِعْـ َل فقـال : بسـ ِ اهلل‬
               ‫ح‬        ‫أ ت‬           ‫هلل‬                ‫ة ف سر ثلث‬         ‫فضرب‬
‫َ َ َ َ ضرب ً َكَ َ َ ُُ َ الحجر ، وقال : ا ُ أكبر ! ُعطي ُ مفـاتي َ الشـام ، واهلل‬
                                                ‫أل صر قص ره ح ر‬
‫إني ُبْ ِ ُ ُ ُو َ َا ال ُمْ َ من مكاني هذا ، ثم قال : بسـم اهلل ، وضـرب أخـرى‬
                          ‫ح‬                                      ‫ث لث‬    ‫ك‬
‫ف ُسرت ُُ ُ الحجر فقال : اهلل أكبر ! أعطيت مفاتي َ فـارس واهلل ! إنـي ألبصـر‬
                                              ‫ض‬         ‫رق ر‬         ‫ن‬
‫المدائ َ وأبص ُ َصْ َها األبي َ من مكاني هذا ، ثم قال : بسم اهلل ، وضرب أخـرى‬



                                                     ‫371‬
‫َ‬     ‫ر‬                                                                  ‫ة‬
‫فقلع بقي َ الحجر ، فقال : اهلل أكبر ! أعطيت مفاتيح اليمن ، واهلل ! إني ألبص ُ أبواب‬
                                                                                           ‫َ‬
                                                                            ‫صنعاء من مكاني هذا "‬
                                                                               ‫أيها األخوة الكرام ..‬
‫ِ‬      ‫ن‬        ‫ي َش‬               ‫ع‬      ‫د‬                        ‫ء‬       ‫ة‬
‫إن حتمي َ البال ِ الذي كتبه اهلل على عبا ِه منب ٌ لألمل ، فال ُدْه ُ المـؤم ُ بنـزول‬
                                             ‫َ‬      ‫ي ب ُ َ جُ‬            ‫ُ‬
                                           ‫البالء ، وال ينهار وال ُحْ َط حين يوا ِه الكروب .‬
     ‫ا ح ت‬                ‫ا‬      ‫د‬
‫إن تقري َ حتمي ِ البال ِ يجع ُ المؤم َ م َر ِّب ً للشدائ ِ مستعدً لها ومـدرك ً ل ِكم ِهـا ،‬
                                          ‫ن ت َق ا‬           ‫ل‬     ‫ء‬       ‫ة‬      ‫ر‬
 ‫َنة وَـم ي تك‬                ‫أ س ت أ خل‬                            ‫ر‬            ‫ا ن َدر‬
‫ومدرك ً أ ّ مق ِّ َها هو القاد ُ على دفعها " َمْ حَ ِبْ ُمْ َن تَدْ ُُوا الْـج َّ َ َل َّا َـأْ ِ ُم‬
‫م َل الذ ن خل م ق لك َّس هم ب س ء و َّر ء وز زل َت يق ل الرس ل َالذ َ‬
‫َّث ُ َّ ِي َ ََوْا ِن َبِْ ُم م َّتْ ُ ُ الْ َأْ َا ُ َالض َّا ُ َ ُلْ ُِوا حَّى َ ُو َ َّ ُو ُ و َّ ِين‬
     ‫ن‬       ‫ة‬                    ‫َن معه مت ن ر الله أ إن ن ر الله قر ب‬
‫آم ُوا َ َ ُ َ َى َصْ ُ َّ ِ َال َّ َصْ َ َّ ِ َ ِي ٌ " ولذلك كان الصحاب ُ رضـوا ُ اهلل‬
     ‫ق‬       ‫ف‬        ‫ل‬
‫عليهم ُدركو َ هذا األم َ إدراك ً جيدً ، فهم يبادرو َ في تحلي ِ الموقـ ِ وِفْـ َ هـذا‬
                                ‫ن‬              ‫ا ا‬          ‫ر‬          ‫ن‬     ‫ي‬
‫م من ن أل ز ب ق ل هذ م وعدن الله و س له و د َ‬                               ‫ر وَـم ر‬
‫االعتبا ِ " َل َّا َأَى الْـ ُؤْ ِ ُو َ ا َحْ َا َ َاُوا َ َا َا َ َ َ َا َّ ُ َرَ ُوُ ُ َصَـ َق‬
                                 ‫َ‬               ‫الل ُ و س ل ُ و ز ده َّ م ً و ل ً‬
                   ‫َّه َرَ ُوُه َمَا َا َ ُمْ إال إي َانا َتَسِْيما " ورحم اهلل ابن القيم يوم قال‬
                                      ‫ُ‬                     ‫ٌ م تحن‬           ‫ُ‬
                               ‫والحق منصور و ُمْ َ َ ٌ فال *** تعجب فهذي سنة الرحمن‬
                                                                            ‫--------------‬
                                                                                             ‫وأخيرا ..‬
‫ي لَ‬                 ‫ة‬                ‫ة‬          ‫ي ب‬             ‫ن‬         ‫فإن ل‬
‫َّ حا َ المسلمي َ في العالم ُوج ُ االستفاد َ من معاني الهجر ِ النبوية ، فلن َصْـُح‬
‫ِ‬           ‫ح‬       ‫ف‬
‫حا ُ المسلمي َ في هذا العص ِ إال باألمو ِ التي ََ َ بها السل ُ الصال ُ من اإليمـان‬
                               ‫صلح‬       ‫ر‬            ‫ر‬             ‫ن‬         ‫ل‬
     ‫ر‬            ‫ل‬                ‫ق‬       ‫م‬       ‫ص خلق‬            ‫د‬         ‫ق‬
‫الح ِ والتوحي ِ الخال ِ وال ُُ ِ الكري ِ والصد ِ مع اهلل والتوك ِ عليه والصب ِ علـى‬
               ‫ة‬
‫‪ ‬في السن ِ المطهرة ، ولئن‬              ‫ي‬
                                        ‫المكار ِ وإحسا ِ العباد ِ على وصْ ِ ما جا َ به النب ُ‬
                                                  ‫ء‬       ‫ف‬         ‫ة‬        ‫ن‬       ‫ه‬
‫ٍ‬       ‫ة‬                        ‫ة‬       ‫ن‬        ‫ل‬              ‫ة‬       ‫ب‬
‫فاتنا ثوا ُ الهجر ِ إلى اهلل ورسوِه في زم ِ النبو ِ ، فقد شرع اهلل لنا هجر ً من نـوع‬
‫ُ‬                  ‫ة‬           ‫ة‬           ‫ة‬            ‫م‬       ‫ب‬
‫آخر ، فيها الثوا ُ العظي ُ إنها الهجر ُ من المعصي ِ إلى الطاع ِ ، فاهجر أخي الكريم‬
‫َ‬       ‫ج ر‬       ‫ِ‬             ‫ْ‬     ‫ط‬        ‫جِ‬                        ‫ة‬
‫المعصي َ وهاجرْ إلى الطاعة ، اه ُر التفري َ وهاجر إلى االستقامة ، اه ُـ ِ التمـرد‬
‫ج ِّ‬            ‫ل‬       ‫ل‬
‫واآلثا َ وهاجر إلى االنقيا ِ واالستسال ِ ، اه ُ ِ الكس َ واألم َ الباط َ وهاجر إلى ال ِد‬
                                ‫ل‬      ‫جر‬       ‫م‬           ‫د‬                   ‫م‬
‫ْ‬             ‫ن‬                      ‫ن‬       ‫جر‬                ‫ي‬      ‫د‬
‫واالجتها ِ فيما ُرضي موالك ، اه ُ ِ الركو َ إلى الدنيا واالطمئنا َ إليهـا وهـاجر‬


                                                  ‫471‬
       ‫م‬                                     ‫ة‬        ‫ة‬       ‫ر‬
‫بقلبك إلى اهلل والدا ِ اآلخر ِ والرغب ِ في ما عند اهلل ، قال نبيك ‪ " ‬المسل ُ من سلم‬
                                    ‫هجر‬       ‫ج‬                      ‫ن‬
‫المسلمو َ من لسانه ويده والمها ِر من َ َ َ ما حرم اهلل " وفي صحيح مسلم " عبادة‬
                                    ‫ي‬
‫في الهرج [ أي في وقت الفتنة ] كهجرة إل ّ " ( إن الذين آمنـوا والـذين هـاجروا‬
                   ‫وجاهدوا في سبيل اهلل أولئك يرجون رحمة اهلل واهلل غفور رحيم )‬
‫اللهم أعز اإلسالم والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداء الدين ، واجعل‬
                                                             ‫ا‬       ‫ا‬
‫هذا البلد آمن ً مطمئن ً وسائر بالد المسلمين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصـلح أئمتنـا‬
‫ووالة أمورنا ، اللهم أحسن عاقبتنا في األمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعـذاب‬
‫اآلخرة ، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ، ونعوذ بك من سخط والنار ، اللهم إنا نسألك‬
                                         ‫ا ا‬           ‫ا ا‬          ‫ا‬    ‫ا‬
‫عيش ً رغدً ، وولدً بارً ، ورزق ً دارً ، اللهم اهـدنا ألحسـن األخـالق واألعمـال‬
‫واألقوال ال يهدي ألحسنها إال أنت ، واصرف عنا سيئها ال يصرف عنـا سـيئها إال‬
                                      ‫ن ُل‬
‫أنت ، اللهم إنا نسألك عيش السعداء ، و ُز َ الشهداء ، ومرافقة األنبيـاء ، والنصـر‬
‫على األعداء ، والفوز في القضاء يا سميع الدعاء ، اللهم طهر مجتمعات المسـلمين‬
‫من كل فاحشة ورذيلة ، ومن كل عادة خبيثة دخيلة ، يا أرحم الراحمين ، اللهم اهـد‬
                                     ‫ال‬    ‫ا‬
‫شباب المسلمين ، ورد ضالهم إليك ردً جمي ً ، اللهم جنبهم قرناء السوء والفسـاد ،‬
‫اللهم أقر عيون اآلباء واألمهات بصالح أبنائهم وبناتهم يارب العالمين ، اللهم اغفـر‬
‫للمسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، األحياء منهم واألموات ، اللهم فـرج‬
‫هم المهمومين من المسلمين ، ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المـدينين ،‬
‫واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، اللهم يا حي يا قيوم ، يا ذا الجالل واإلكرام ، يا‬
                                 ‫ا‬        ‫ا‬    ‫ا‬
‫ذا الطول واإلنعام ، نسألك نصرً وعزً وتمكين ً لإلسالم والمسلمين ، اللهـم انصـر‬
‫إخواننا المجاهدين في سبيلك ، الذين يقاتلون أعداءك إلعالء كلمتك اللهم انصرهم في‬
‫فلسطين والشيشان ، وفي كشمير وأفغانستان وفي العراق ، وفي كـل مكـان يـارب‬
‫العالمين ، اللهم أقر عيون المسلمين بعودة أراضيهم ومقدساتهم إلى حوزتهم ، اللهـم‬
‫فك أسر المأسورين من المسلمين في كل مكان ، فقد القوا أشد العذاب والعنـاء ، وال‬
‫ناصر لهم إال أنت في زمن قل فيه الناصر والظهير ، اللهم ثبت حجتهم ، وأخـرجهم‬


                                        ‫571‬
‫من سجونهم سالمين غانمين ، واجعلهم مجاهدين في سبيلك فاتحين يا أرحم الراحمين‬
‫، اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين ، اللهم عليك باليهود والنصارى المعتدين ، اللهـم‬
‫اشدد عليهم وطأتك ، وارفع عنهم يدك وعافيتك ، وسلط بعضهم على بعض ، اللهـم‬
‫أهلكهم بالقحط والسنين ، اللهم أغرقهم بالفيضانات المغرقة ، واألعاصير المهلكـة ،‬
‫اللهم دمر مقدراتهم ، واهلك حرثهم ونسلهم ، واجعلهم غنيمة للمسلمين يا قـوي يـا‬
‫عزيز اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك ، وأيده بتأييدك ، واجعل عمله في رضاك ، اللهم‬
‫هيئ له البطانة الصالحة ، اللهم وفقه للعمل بكتابك ، واتباع سنة نبيـك ‪ ، ‬اللهـم‬
                                    ‫ر‬
‫اربطه بالعلماء العاملين ، واجعلهم له خي َ دليل ومعين ، إنك على كل شيء قـدير ،‬
‫ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي اآلخرة حسنة ، وقنا عـذاب النـار سـبحانك اللهـم‬
                                  ‫وبحمدك أشهد أال إله إال أنت نستغفر ونتوب إليك‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫671‬
                                   ‫القرار للقيادة‬

‫القرار : هو الموجه للجماعة ، واآلمر الناهي فيها ، وبموجبه : تتحـدد السياسـات ،‬
‫وتوضع البرامج ، وتنفذ الخطط ، وتتحقق الغايات ، وتتقدم الدول ، ويرتفع شـأنها ،‬
‫خاصة : إذا انبثق عن دراسة وتشاور ، وتولد عن خبرة ودراية ، وصدر عن حكمة‬
                                                                             ‫وتعقل .‬
  ‫وبدونه : تتشعب األهواء ، وتتفرق السبل ، وتتخبط السياسات ، وتتعطل المصالح .‬
                                                                       ‫ولذلك . . ! !‬
                                                                      ‫البد منه أوال .‬
                                                       ‫والبد من طاعته وتنفيذه ثانيا .‬
                                                    ‫والقيادة هي صاحبة القرار . . ! !‬
               ‫ألنها : صاحبة الرؤية الشاملة ، واإلحاطة الواسعة ، والنظرة الثاقبة .‬
‫وعلى جنود الصف االقتناع بما تراه القيادة ، والتسليم بما تقدره ، والتنفيذ الفوري لما‬
           ‫تأمر به ، ما دام قرارها قد سلم من أمر بمعصية ، أو نهي عن معروف .‬
‫في الروض األنف : " وبعد بيعة العقبة الثانية . . قـال رسـول اهلل ‪ ‬لألنصـار :‬
‫ارفضوا إلى رحالكم ، فقال له العباس بن عبادة بن نضله : واهلل الذي بعثك بـالحق ،‬
‫إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقال رسول اهلل ‪ : ‬لم نـؤمر بـذلك ،‬
‫ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعنا إلى مضاجعنا ، فنمنا عليها حتى أصبحنا " "96 "‬
                           ‫وكان هذا أمرا واضحا لدى الصحابة في البدء والمنتهى .‬
‫في البداية . . يقول له : " إن شئت لنميلن " أي أنت يا رسول اهلل ‪ ‬صاحب القرار‬
                                                                            ‫المطاع .‬
‫وفي النهاية . . يقول : " فرجعنا إلى مضاجعنا " دون مناقشة للقرار ، أو تباطئ فـي‬
                                                                               ‫تنفيذه‬




                                        ‫771‬
‫وهذا واحد من أسباب ووسائل نجاح القيادة : وهو علم الجنود التـام الـواعي بحـق‬
‫القيادة في اتخاذ القرار ، ومسارعة الجنود في تنفيذ هذا القرار ، دون اعتراض عليه‬
                                             ‫، أو تشكيك فيه ، أو تأخر في تنفيذه .‬
‫وهذه الطاعة : واحدة من الفروض الشرعية ، التي أمر بها اإلسالم ، وكفلها للقيادة ،‬
                                      ‫وحث عليها الجنود ، وأثابهم إذا التزموا بها .‬
        ‫( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اهلل وأطيعوا الرسول وأولي األمر منكم ) " 19 "‬
‫وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول اهلل ‪ ‬قال : " من أطاعني : فقـد‬
‫أطاع اهلل ، ومن عصاني : فقد عصى اهلل ، ومن أطاع أميري : فقد أطاعني ، ومـن‬
                                             ‫عصى أميري : فقد عصاني " " 09 "‬
‫وأخرجا _ أيضا _ عن عبد اهلل بن عمر ، عن النبي ‪ ‬قال : " السمع والطاعة على‬
‫المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية : فال سمع وال‬
                                                                   ‫طاعة " " 89 "‬
‫وأخرجا _ كذلك _ عن عبد اهلل بن عباس أن رسول اهلل ‪ ‬قال : " مـن كـره مـن‬
‫أميره شيئا فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيمـوت : إال مـات ميتـة‬
                                                                  ‫جاهلية " " 29 "‬
‫وكان ذلك كله : ألن القرار بيد القيادة ، ولو لم يكن األمر كذلك لعمـت الفوضـى ،‬
                                                             ‫وضاعت المسئولية .‬
‫وبسبب غياب هذا المفهوم أحيانا ، أو غياب العلم بمنزلته في الدين : يدب الغبش في‬
                        ‫النفوس ، ويخيم التخبط على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .‬
‫وبسبب منازعة األمر أهله أحيانا ، أو التطلع إلى مواقع الصدارة ، وأماكن القيـادة :‬
           ‫يدب الحقد في النفوس ، ويخيم الفساد على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .‬
‫وإذا حدث هذا أو ذاك : تشتتت الفهوم ، وتبعثرت القـوى ، وضـعفت الجماعـة ،‬
‫وتمزقت الصفوف ، وتعددت الجماعات ، وكثرت االتهامات ، وقلـت اإلنجـازات ،‬
                                                                   ‫وابتعد النصر .‬


                                      ‫871‬
‫وبذلك: ندرك السر فيما ورد عن النبي ‪ ‬من أنه قال :" إذا بويع لخليفتين : فـاقتلوا‬
                                                               ‫اآلخر منهما "69‬
‫وفيما ورد عنه أيضا " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعـه مـا‬
                   ‫استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه : فاضربوا رقبة اآلخر " " 89 "‬
                                              ‫وما ذلك كله . . إال للحرص على :‬
                                                                  ‫وحدة القيادة .‬
                                                                ‫ووحدة القرار .‬
                                                                ‫ووحدة الصف .‬
                                                                 ‫ووحدة األمة .‬
 ‫وما من تمزق تعاني منه اآلن : إال بسبب من غياب هذا المفهوم ، أو عدم تسليم به .‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                     ‫971‬
                  ‫القيم والتحوالت االجتماعية في القرآن الكريم‬

                                                           ‫* الشيخ زكريا داوود‬
‫يمثل القرآن الكريم منبع الحكم والقيم والمعارف وهو الذي أسس حضارة وحدد لهـا‬
‫مصدر المعرفة لما كان وما سوف يكون وما هو مؤمل أن يكـون، فـالقرآن كـنص‬
‫موحى للرسول (ص)، كان المحرك لمسيرة المجتمع اإلسالمي فـي إبعـاده القيميـة‬
‫والثقافية والسياسية واالجتماعية، فقد كانت معرفة النص وتفسيره تنتج وعيا للجماعة‬
‫وللفرد؛ للجماعة لتتحرك نحو تفعيل قيم الشـهود، وللفـرد ألداء دوره فـي تحقيـق‬
                                                                     ‫المسؤولية.‬
‫ان كل قيم التغيير والتجديد في تاريخنا كانت تتخذ من القران منطلقا، وقد تكون بعض‬
‫دعوات التجديد الفكري واالجتماعي أصابت بعض الهدف أو أخطأته، لكـن الرغبـة‬
‫كانت قوية في جعل القرآن وعيا متجددا مع الزمن من خالل استحضار بصائره ومـا‬
                                                                     ‫يهدي إليه.‬
‫ونحن هنا نسعى كي نتوصل لوعي قرآني للتحوالت االجتماعية كما يرسمها القـرآن،‬
‫ومن مناهج قراءة القضايا على ضوء القرآن هوما يطلق عليه المنهج الموضوعي في‬
‫قراءة النص القرآني منهجا توظيفيا أي انه يقرأ النص من خالل الضرورة الواقعيـة‬
‫عبر استخدام أدوات المنهج اللغوي والتاريخي والفقهي والعقلي، فهو منهج يوظف كل‬
       ‫األدوات المعرفية من أجل الحصول على نتيجة اقرب ألهداف النص ولمبتغاه.‬
‫التحول في القران الكريم ليس ظاهرة استثنائية، بل هو قانون ثابت يجري فـي كـل‬
‫زمن ومكان، فالكون يجري وفق قانون التغير والتحول، فليس ثمة غير اهلل في الحياة‬
‫من ال يحكمه هذا القانون (كل شيء هالك إال وجهه)، والتحول كمفهوم هو سنة عامة‬
‫تجري في خلق اهلل، والقرآن عندما يتحدث عن التحول يلفت األنظار والعقـول إلـى‬
‫كونه دليال على القدرة والعظمة اإللهية، الن التحول دليل على تكاملية نظام الخـالق‬
                                                            ‫وعلى حكمة الخالق.‬


                                     ‫081‬
‫أول ير ال ذ َ‬
‫يقول تعالى وهو يصف التحول الذي يحدث في السماوات واألرض: {َ ََمْ َ َ َّـ ِين‬
    ‫ك َر َن السم و ت و أ ض ك نت ر ق ففت ن هم وجع ن من م ُل َ ء َي َ‬
‫َف ُوا أ َّ َّ َا َا ِ َالْ َرْ َ َا َ َا َتْ ًا َ َ َقْ َا ُ َا َ َ َلْ َا ِ َ الْ َاء ك َّ شيْ ٍ ح ٍّ أَفلَـا‬
                                                                                             ‫ي من ن‬
                                                                        ‫ُؤْ ِ ُو َ} (12) سورة األنبياء.‬
‫وكذا عندما يتحدث عن التحول الذي يقع على اإلنسان، فإن هذا التحـول ال يتوقـف‬
‫حتى يصل اإلنسان الى نهاية العمر، وفي سورة الحج يتحدث ربنا عن التحوالت التي‬
‫يمر بها اإلنسان منذ البدء والى المنتهى، ويعتبر التحول هنـا دلـيال علـى القـدرة‬
 ‫ي َيه الن س إ ك ت ف ر ب من ب ث ف ِن َل ن ك‬
‫والعظمة والبعث فيقول تعالى: { َا أُّ َا َّا ُ ِن ُن ُمْ ِي َيْ ٍ ِّ َ الْ َعْ ِ َإَّا خَقْ َا ُم‬
‫م تر ب ُم م ن ة ُم م عل ة ُم م م ة م َل ة وغ ر م َل ة لن َين لك ون ُّ‬
‫ِّن ُ َا ٍ ث َّ ِن ُّطْفَ ٍ ث َّ ِنْ ََقَ ٍ ث َّ ِن ُّضْغَ ٍ ُّخَّقَ ٍ َ َيْ ِ ُخَّقَ ٍ ِّ ُبِّ َ َ ُمْ َ ُقِـر‬
  ‫ف أ ح م م ش إل أ َ ٍ م َم ث َّ ن رجك ْ ط ث َّ لت لغ ُـدك ْ وم ك م‬
‫ِي الْ َرْ َا ِ َا نَ َاء َِى َجل ُّس ًّى ُم ُخْ ِ ُ ُم ِفْلًا ُم ِ َبُْ ُوا أَش َّ ُم َ ِـن ُم َّـن‬
‫يت َف وم ك م ي َد إل أ َل عمر لك ل ي لم م ب د ع م ش ئ وتر أ ض ه مد ً‬
‫ُ َو َّى َ ِن ُم َّن ُر ُّ َِى َرْذ ِ الْ ُ ُ ِ ِ َيَْا َعَْ َ ِن َعْ ِ ِلْ ٍ َيْ ًا َ َ َى الْ َرْ َ َا ِ َة‬
                    ‫َز ْ ورب ْ وأ ب ْ م ك ِّ ز ٍ به ج‬            ‫م‬          ‫فإ أ ز ن عل‬
   ‫َ ِذَا َن َلْ َا ََيْهَا الْ َاء اهْت َّت َ َ َت ََن َتَت ِن ُل َوْج َ ِي ٍ} (8) سورة الحـج.‬
‫وفي آيات عديدة يلفت اهلل اإلنسان إلى سنة التحول والتغير، وأنها جاريـة فـي كـل‬
‫الخلق دون استثناء، وقد يستطيع اإلنسان أن يرى التغير الحادث فـي الطبيعـة فـي‬
‫بعض جوانبها، وقد ال يراه في كثير من الجوانب، لكن عدم الرؤية ليس دليال علـى‬
                                                                                                       ‫العدم.‬
‫وعندما يتحدث عن مسيرة اإلنسان وحركته في الحياة فان قانون التغير والتبدل يتحكم‬
‫في هذه المسيرة بدرجة يستحيل االنفكاك عنها، فتارة يتحدث عن المفهوم العام للتحول‬
           ‫أول ير ك ف ي دئ الله خ ق ُم يع ده ِن ذلك عل الله س ر‬
‫فيقول: {َ ََمْ َ َوْا َيْ َ ُبْ ِ ُ َّ ُ الْ َلْ َ ث َّ ُ ِي ُ ُ إ َّ َِ َ ََى َّ ِ يَ ِي ٌ} (70) سورة‬
                                   ‫ن‬
‫العنكبوت ، وعندما يتحدث عن تفصيل لس ّة التحـول فـي المجتمعـات يقـول: (ان‬
                                                          ‫س‬
‫يمسسكم قرح فقد م ّ القوم قرح مثله وتلك األيام نـداولها بـين النـاس)، وعنـدما‬
‫يتعرض المفسرون لهذه اآلية كصاحب تفسير األمثل يقول: "يشير اهلل سـبحانه إلـى‬
‫واحدة من السنن اإللهية وهي انه قد تحدث في حياة البشر حوادث حلوة أو مرة لكنها‬
‫غير باقية وال ثابتة مطلقا، فاالنتصـارات والهـزائم والغالبيـة والمغلوبيـة والقـوة‬
‫والضعف كل ذلك يتغير ويتحول وكل ذلك يزول ويتبدل فال ثبـات وال دوام لشـيء‬


                                                     ‫181‬
‫منها، ولكي تصبح هذه السنة والقانون واضحا في عقلية المؤمنين والناس عامة يأمرنا‬
‫َ ْ‬
‫اهلل سبحانه وتعالى بدراسة حياة األمم والتمعن في الحوادث الماضية، فيقول: {قَدْ خلَت‬
             ‫م ق لك سنن س ر ف أل ض ف ظر ك ف ك َ ع قبة م َذب ن‬
‫ِن َبِْ ُمْ ُ َ ٌ فَ ِي ُواْ ِي ا َرْ ِ َانْ ُ ُواْ َيْ َ َان َا ِ َ ُ الْ ُك َّ ِي َ } (920) سورة‬
‫آل عمران " ومما يلفت النظر هنا هو التعبير القرآني يفعل األمـر سـيرا والسـير‬
‫كمفهوم واقعي يدل بحد ذاته على تحول، فالسير هو تحول من مرحلة إلى أخرى، وقد‬
‫ورد األمر بالسير في القرآن الكريم 9 مرات، كل ذلك لمعرفة سنة التغير والتحـول‬
                      ‫في الحياة، وحتى يأخذ اإلنسان العبرة ويبني حياته وفقا لهذه السنة.‬
‫ومن خالل اآليات التي تحدثت عن التحول كسنة من السنن اإللهية، يمكننا أن نخلص‬
‫إلى تعريف وتوضيح لهذا المفهوم وهو: كل تبدل يحدث في األبنية االجتماعيـة فـي‬
‫الوظائف والقيم واألدوار والمواقع االجتماعية في فترة محددة من الـزمن إذا قـيس‬
‫التبدل بما قبله، وقد يكون التحول عاما يشمل كل الشرائح والوظائف والقـيم واألدوار‬
‫والمواقع، وقد يكون تحوال محدودا بقسم منها، ويمكن أن يكون التحول ايجابيـا وقـد‬
                                                                                    ‫يكون سلبيا.‬
‫إن الحياة تسير في كل جوانبها وفق قوانين تنظم حركة وصيرورة األشياء، والتبـدل‬
‫رغم كونه سنة عامة إال انه يحدث عبر ذات القانون العام، ويختلـف التحـول فـي‬
‫الطبيعة المادية عنه في المجتمعات اإلنسانية، ففي الطبيعة قد تفقد بعض العناصر التي‬
‫ال تنفك عنها التحوالت في المجتمعات البشرية، ويمكننا من خالل اآليات القرآنيـة أن‬
                                   ‫نحدد الصفات التي تحدد التحوالت االجتماعية بما يلي:‬
                               ‫الصفة األولى: عمومية التحول‬
‫يتسم التحول االجتماعي بصفة العمومية، فال يمكن توصيف تحول بكونـه اجتمـاعي‬
‫لكونه يطال بعض أفراد المجتمع، فالتحول هو ظاهرة عامة تطال أفرادا كثيرين، مما‬
‫يؤدي بالتالي الى تغيرات في السلوكيات وفي القيم وفي المواقع، فالسنن االجتماعيـة‬
‫تجري على الجميع من دون استثناء، فـاالبتالء والمحـن والتمحـيص واالسـتدراج‬
‫واإلمالء واالستبدال والعذاب وبعثة الرسل وبسط الرزق والتقدير والخصب والجـدب‬


                                              ‫281‬
‫والتأييد والخذالن والنعمة والحرمان، وغيرها من السنن اإللهية عندما تتحقق شـروط‬
‫حدوثها في المجمع فهي تطال الجميع، فاالبتالء والفتنة سنة عامة جارية فـي جميـع‬
                                                                          ‫الخلق دون تحيز أو استثناء.‬
                   ‫الصفة الثانية: استمرار السنة في الزمان وعدم توقفها‬
‫سنن اهلل في خلقه ليست ظاهرة عابرة، بل قانون ثابت ودائم، وهذه الديمومـة تؤهـل‬
‫اإلنسان وتحثه على التكيف مع حركة التحوالت االجتماعية، فبدون الثبات والسـنن ال‬
‫يمكن لإلنسان أن يستوعب ويعي التحول، وعندها ال يكون قادرا على تطوير سـلوكه‬
‫ومجمل حياته، الن التقدم والتطور ناتج عن وعي السنن وتوظيفها ايجابيا في تصحيح‬
‫الحياة االجتماعية، والقران المجيد ال يؤكد ثبات هذه السنن وديمومتها فحسب، ولكنـه‬
‫يحولها في الوقت نفسه إلى دافع حركي داينامثلي يفرض علـى الجماعـة المدركـة‬
‫الملتزمة أن تتجاوز مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية السابقة إلـى الـدمار‬
‫ُنة الله ف الذ ن خل م ق ُ‬
‫(0)، واآليات التالية تلقي الضوء على هذه الصفة، {س َّ َ َّ ِ ِي َّ ِي َ ََوْا ِن َبْـل‬
‫فَ ْ يظ ر َ‬                                          ‫ول تجد ُن ِ الل ِ ت د ل‬
‫ََن َ ِ َ لِس َّة َّه َبْ ِيًا} (84) سورة األحزاب ، واآليات األخرى { َهل َن ُـ ُون‬
              ‫ِل ُنت َول ن فل تجد ُنت الله ت د ل ول تجد ُنت الله ت و ل‬
‫إَّا س َّ َ الْأ َِّي َ ََن َ ِ َ لِس َّ ِ َّ ِ َبْ ِيًا ََن َ ِ َ لِس َّ ِ َّ ِ َحْ ِيًا } (26) سـورة‬
                                                                                                       ‫فاطر.‬
‫ويفسر المرجع المدرسي ـ دام ظله ـ هذه اآلية بقوله: "سنة اهلل لن تتغير حتى يـوم‬
‫القيامة، فهذه من الحتميات اإللهية، والتحويل هو تحويل الشيء إلى غيره، وسـنة اهلل‬
‫المتمثلة بنصر الرسل، سنة أبدية محتومة، كما أن الظروف الطبيعيـة تحتمهـا، الن‬
‫الكفر يسير ضد التيار العام للطبيعة، بينما تنتصر رساالت اهلل، ألنها تتحرك باتجـاه‬
                                        ‫التيار الطبيعي للحياة، كما أنها تتوافق مع الفطرة" (8).‬
‫وأما الروايات التي تحدثت عن جريان السنن في هذه األمة كما جـرت فـي األمـم‬
  ‫َ‬                           ‫ع أب هر رة َن س ل الله‬
‫السابقة فهي عديدة، َنْ َ ِى ُ َيْ َ َ أ َّ رَ ُو َ َّ ِ -صلى اهلل عليه وسـلم- قَـال «‬
‫لتتب ُن سنن م ق لك الش ر ِالش ر َالذر ع ِالذر ع و ب ع ب ب ع َت ل َن أح ه ْ‬
‫َ َ َّ ِع َّ َ َ َ َنْ َبَْ ُمْ ِّبْ َ ب ِّبْ ِ و ِّ َا َ ب ِّ َا ِ َالْ َا َ ِالْ َا ِ حَّى َوْ أ َّ َ َـدَ ُم‬



                                                     ‫381‬
‫د َل ج ر َب دخ تم ه ق ل ي س ل الله أمن يه د َالنص ر ل م ً‬
‫َخ َ ُحْ َ ض ٍّ لَ َ َلْ ُ ُو ُ ». َاُوا َا رَ ُو َ َّ ِ َ ِ َ الْ َ ُو ِ و َّ َا َى قَا َ « َنْ إِذا‬
                                                                            ‫» رواه أحمد بسند صحيح‬
           ‫لك‬       ‫لت ك ُن سنن م ك ن‬                  ‫وعن ن َب س ل ل س ل الله‬
‫َ َ ِ ابْ ِ ع َّا ٍ قَا َ : قَا َ رَ ُو ُ َّ ِ - ‪َ َ " : ‬رْ َب َّ ُ َ َ َنْ َا َ قَـبَْ ُمْ شِـبْرًا‬
 ‫ِ ر وذر ع بذر ع وب ع بب ع َت ل َن أحده د َل ج ر َب دخ ت و َت‬
‫بِشبْ ٍ َ ِ َا ًا ِ ِ َا ٍ َ َا ًا ِ َا ٍ ، حَّى َوْ أ َّ َ َ َ ُمْ َخ َ ُحْ َ ض ٍّ لَ َ َلْ ُمْ ، َحَّى‬
                                ‫ْ أ َّ أحده ْ ج م َ ُم ُ لفع ت ْ رو ُ َز ُ ورج ل ُ ثق ٌ‬
                              ‫لَو َن َ َ َ ُم َا َع أ َّه َ َ َلْ ُم " . َ َاه الْب َّار ، َ ِ َاُه ِ َات .‬
 ‫ل لي ق َن عر‬                                 ‫ع أب أم مة ب هِى ع س ل الله‬
‫و َنْ َ ِى ُ َا َ َ الْ َا ِل ِّ َنْ رَ ُو ِ َّ ِ -صلى اهلل عليه وسلم- قَا َ « َ ُنْ َض َّ ُ َى‬
‫الم ع وة ع وة ف ُلم تقض ع وة َبث الن س ِالت تل ه وَول ُن ن ا ح ُ‬
‫اإلِسْ َ ِ ُرْ َ ً ُرْ َ ً َكَّ َا انْ َ َ َتْ ُرْ َ ٌ تَش َّ َ َّا ُ ب َّ ِى َِي َا َأ َُّه َّ َقْض ً الْ ُكْم‬
                                                                        ‫و خره َّ الصال ُ‬
                                            ‫َآ ِ ُ ُن َّ َة » أخرجه أحمد بسند صحيح (2).‬
                     ‫الصفة الثالثة: إنسانية سنن التحول والتبدل والتغير‬
                                                   ‫ر‬
‫التحول والتغير سنة مط ّدة في الحياة وال تنفك الموجودات بأنواعهـا مـن صـفات‬
‫التحول، لكن األمر الفارق بين التحول االجتماعي وما يحدث في الطبيعـة، إن األول‬
‫يحدث فيه التحول بصورة إرادية وواعية، أما التحول في الطبيعة والجمـادات فانـه‬
‫يحدث بشكل قسري وجبري، وهنا يحقق اإلنسان سبقا على ما ال يعقل، وهنا يتحقـق‬
‫التمايز بينه وبين غيره، ويمثل التحول نحو األفضل واألحسن قانونا أساسيا من قوانين‬
‫الكون وغريزة ثابتة في فطرة اإلنسان، فاإلنسان بفطرته ال يرغب أن يتساوى يوماه،‬
                                  ‫بل انه في حالة بحث دائم عن التكامل والتقدم نحو األفضل.‬
‫وهذا اإلحساس عند اإلنسان هو من العوامل األساسية التي تحـرك عجلـة التـاريخ‬
‫وتشجع نحو التغيير االجتماعي، فالتغيير في المجتمع هو فعل اإلنسـان مـن خـالل‬
‫إ َّ له َ ي َي ُ بق ٍ َت ي َير ْ ب َ فسه ْ‬
‫تحقيق إرادته، كما في قوله تعالى: { ِن الّ َ ال ُغِّر مَا ِ َوْم حَّى ُغِّ ُوا مَا ِأنْ ُ ِ ِم‬
                  ‫وإذ أر د له بق م س ء ال م َد ه وم له م د نه م و ل‬
‫َِ َا َ َا َ الّ ُ ِ َوْ ٍ ُو ًا فَ َ َر َّ لَ ُ َ َا َ ُم ِّن ُو ِ ِ ِن َا ٍ} (00) سورة الرعـد‬
 ‫وت َ ق ر‬                           ‫ق‬        ‫وَل ِ تق م عل الطر ِ ل ق ن ه م‬
‫و { َأَّو اسْ َ َا ُوا ََى َّ ِيقَة َأَسْ َيْ َا ُم َّاء غَدَ ًا} (40) سورة الجن { َ ِلْك الْ ُـ َى‬
                                     ‫ل ن ه َم ظلم وجع ن لم لكه م عد‬
‫أَهَْكْ َا ُمْ ل َّا ََ ُوا َ َ َلْ َا ِ َهِْ ِ ِم َّوْ ِ ًا} (78) سورة الكهف ، فهذه السنن التـي‬
‫ذكرتها النصوص القرآنية واضحة أنها تتحقق بفعل إرادة اإلنسان وليست سننا قسرية‬
‫جبرية كاإلحراق بالنسبة للنار، فهنا مواقف ايجابية لإلنسان تمثل حريتـه واختيـاره‬


                                                     ‫481‬
‫وتصميمه وهذه المواقف تستتبع ضمن عالقات السنن التاريخيـة جزاءاتهـا المنابـة‬
                                                                          ‫وتستتبع معلوماتها المناسبة (6).‬
‫وتنعكس النزعة اإلنسانية للتحول االجتماعي في إشكال وصور يتمظهر بها، ويمكن‬
                                                             ‫أن نوجز تلك الصور واألشكال في التالي:‬
                                                                         ‫1ـ التحول في القيم االجتماعية:‬
‫تلك القيم التي تؤثر بطريقة مباشرة فـي مضـمون األدوار االجتماعيـة والتفاعـل‬
                                                   ‫االجتماعي، حيث ان لكل مجتمع نمطان من القيم:‬
                                             ‫األول: األهداف العليا: وهي قيم إنسانية ثابتة ومطلقة.‬
‫الثاني: تتصل بظروف هذا المجتمع والمتغيرات التي تطرأ عليه، وهما مما يشـكالن‬
                                                                                             ‫روح المجتمع (8).‬
                                                            ‫8ـ التحول في محتوى النظام االجتماعي:‬
‫النظم واألبنية التي يقوم عليها النظام االجتماعي قد تكون عرضة للتغير، وذلك ألنهـا‬
‫باألساس صناعة اإلنسان، كأن يتحول المجتمع من الديكتاتوريـة إلـى الديمقراطيـة‬
‫والشورى، ومن الملكية العامة الى المؤسسات والشركات الخاصـة، وبـالطبع مثـل‬
‫التغير في النظام الذي يحكم جماعة ما يؤدي إلى تغير في المراكز المواقع للعديد من‬
‫األفراد، ويمكن توصيف هذا التحول بكونه تقدم او تطـور فـي بنـى هـذا النظـام‬
‫االجتماعي، كما حدث في مجتمع المدينة المنورة في بداية الهجرة النبوية، ففي سورة‬
‫المنافقون يتحدث ربنا عن رؤية المنافقين للتحول االجتماعي ويرد زعمهـم أنهـم ال‬
‫يزال بإمكانهم ممارسة أدوارهم ونفوذهم في هذا المجتمع الذي تحولت النظم واألبنيـة‬
‫مد ِ‬           ‫يق ل ن لئ رج ن إل‬
‫فيه نحو تحقيق سيادة قيم أخرى هي قيم اإلسالم: { َ ُوُو َ َ ِن َّ َعْ َـا َِـى الْ َ ِينَـة‬
 ‫لي ر َن أ َز م ه َل وِله ِزة ول س له ول م من ن ول ِن من فق ن ل ي َم ن‬
‫َ ُخْ ِج َّ الْ َع ُّ ِنْ َا الْأَذ َّ َلَّ ِ الْع َّ ُ َِرَ ُوِ ِ َِلْ ُؤْ ِ ِي َ ََك َّ الْ ُ َا ِ ِي َ َا َعْل ُـو َ}‬
                                                                                          ‫(9) سورة المنافقون.‬
                                                                    ‫3ـ التحول في مواقع أفراد المجتمع‬



                                                         ‫581‬
‫وقد يحدث التحول في مراكز األشخاص في المجتمع بصورة طبيعية ويجري ضـمن‬
‫سنة التغير الجبرية، فال يملك اإلنسان اإلرادة في التغيير وال يمكنه الوقوف في وجـه‬
‫هذا التحول، كان يكون تغير المواقع في المجتمع بفعل الوفاة والمـوت، فهـي سـنة‬
‫طبيعية وال يملك اإلنسان حرية االختيار حيالها، (فإذا جاء اجلهم ال يستأخرون ساعة‬
‫وال يستقدمون)، وقد يحدث التحول في المراكـز االجتماعيـة واألدوار نتيجـة إرادة‬
‫اإلنسان وفعله، وأبرز أمثلته هو ما تحدثه المجتمعات الديمقراطية التي يسودها نظـام‬
‫التمثيل االنتخابي، فيذهب رئيس ويأتي آخر، وتتسلسل عملية التغيير والتحـول فـي‬
‫المواقع من القمة للقاعدة، وكما يحدث في المجتمعات التي تنتصر فيها رسالة السـماء‬
                 ‫كما الحظنا ذلك في مجتمع المدينة المنورة في بداية الهجرة النبوية.‬
‫وعلى ذلك فان التحول ـ كما ذكرنا ـ تارة يأخذ شكل التطور والتقـدم، أي التبـدل‬
‫لألفضل واألحسن، وتارة أخرى يأخذ شكال تراجعيا أي نحو األسوأ، ويمكـن تسـمية‬
‫التحول نحو األفضل انه تقدم وتطور وتكامل، كان يتحول المجتمع مـن نظـم وقـيم‬
‫االستبداد إلى مناخات الحرية والديمقراطية وممارسة حق التعبير من خـالل تعـديل‬
‫النظم والقيم والقوانين، والعكس كذلك فالتحول نحو الديكتاتورية واالستبداد هو تحـول‬
‫نحو األسوأ، ويمكننا تسمية هذا بالتخلف وهو يستبطن الوقوف أو السير خالف السنة،‬
‫الن سنن اهلل الجارية في المجتمع تحثه على التطوير والتكامل ألنها الفطرة التي جبل‬
‫عليها اإلنسان، فاهلل يريد الكمال ويدعونا إليه، واإلسالم الدين الكامل، (اليوم أكملـت‬
                                                    ‫ي‬
‫لكم دينكم)، يطلب منا الرق ّ لمستواه في تفكيرنا وسلوكنا، حتى يمكننا أن نحقق معنى‬
‫تكامليته في حياتنا، الن تكامل الدين في القيم والنظم واألحكام يشكل حافز قويا نحـو‬
‫تحقيق هذه التكاملية في حياتنا كبشر، فبقدر ما نحقق من تلك القيم في ذواتنـا نصـل‬
‫للكمال، وبالعكس؛ بقدر ما نخالف تلك القيم والنظم واألحكام نكرس التخلـف ونسـير‬
‫خالف السنة، ولذلك يكرس المنهج القرآني قيمة التطلع نحو الكمال في نفس اإلنسـان‬
                                                 ‫ويتدرج معه في ثالث مراحل هي:‬
                          ‫األولى: استثارة فطرته التي انطوت على التسامي والتطلع.‬


                                       ‫681‬
                                              ‫الثانية: فك األغالل التي تمنعه من تحقيق تطلعاته.‬
                         ‫الثالثة: تذكيره وتعليمه بقائمة التطلعات السامية التي يمكنه بلوغها.‬
‫إن فطرة التسامي مغروزة في ضمير البشر وداعية له أبدا إلى العروج إلى األعلى،‬
‫وإنما تدس هذه الفطرة في ركام الوساوس واألوهام واألفكار الشيطانية، فال تعد ترفعه‬
‫نحو األسمى، أو يضل صاحبها السبيل فيرى في الحرص على الدنيا والبغـي علـى‬
                                                                                 ‫الناس تساميا وعروجا.‬
                                                   ‫وهنا نتساءل ما هي قيم التحول نحو األفضل؟؟‬
‫يبدأ منطلق التحول نحو النهضة من خالل منظومة القيم باعتبارها تتضـمن معـايير‬
‫الحكم على األشياء والحوادث والسلوكيات والغايات، وفي القرآن الكـريم يمكننـا أن‬
‫نلمح هذا التوجه بوضوح في العديد من آياته وباألخص اآليات التـي تحـدثت عـن‬
‫السنن، كما في سورة الفتح التي تحدثت عن قيمة طاعـة المجتمـع للرسـول (ص)،‬
‫وكيف أن تحقيق هذه القيمة أدى لحصول وضع أفضل من السابق وهو النصر والفتح‬
‫والتحول نحو تنشيط حاكمية المسلمين على غيرهم، وبالعكس حـدث للفئـات التـي‬
                                                                         ‫ل‬
‫تخّفت والذين سماهم القرآن (المخلفين)، والقرآن عندما يتحدث عن هذه الفئة يـربط‬
‫في النهاية الفعل بالجزاء، فإذا كان التسليم والطاعة هلل والرسول ( ‪ ،) ‬هي صـفتهم‬
‫فإن النتيجة تكون األجر الحسن، أي تطور وتكامل على ارض الواقـع وبـين فئـات‬
‫ب ْس د ٍ‬        ‫ق ل م َلف ن من أ ر ب ست ع ن إل ق م أ ل‬
‫المجتمع اإلسالمي، { ُل ِّلْ ُخَّ ِي َ ِ َ الْ َعْ َا ِ َ ُدْ َوْ َ َِى َوْ ٍ ُوِْـي َـأ ٍ شَـ ِيد‬
‫تق تل نه أ ي لم ن فإ تط ع ي تكم الله أ ر سن وإ تت َل كم ت َل ت م ق ُ‬
‫ُ َا ُِو َ ُمْ َوْ ُسِْ ُو َ َ ِن ُ ِي ُوا ُؤْ ِ ُ ُ َّ ُ َجْ ًا حَ َ ًا َِن َ َوَّوْا َ َا َوَّيْ ُم ِّن َبْـل‬
                                                                                 ‫ي َذ ك ْ عذ أل م‬
                                                              ‫ُع ِّبْ ُم َ َابًا َِي ًا} (40) سورة الفتح.‬
                                        ‫ــــــــــــ‬




                                                     ‫781‬
                       ‫المعجزات الحسية في الهجرة النبوية‬

‫إن اهلل أعمى أبصار المشركين الواقفين حول بيت النبي ـ ‪ ‬ـ ليلة الهجرة حتـى‬
                                        ‫سج‬                    ‫م‬
‫خرج من بينهم سال ًا، وإن العنكبوت نَ َ َتْ على الغار فلم يستطيعوا رؤيته؟ فهل هذا‬
                                                                           ‫صحيح؟‬
                        ‫بسم اهلل، والحمد هلل، والصالة والسالم على رسول اهلل، وبعد:‬
‫فإن مسألة المعجزات الحسية في السنة النبوية قد انقسم الناس حولها فريقان، فريـق‬
‫ينكرها جملة وتفصيال حتى لو كانت ثابتة بالسنة الصحيحة أو المتواترة، وفريق يثبتها‬
‫جمله وتفصيال حتى لو كانت موضوعة مكذوبة، وعلى المسلم أن يقف عند مـا ورد‬
                     ‫في السنة الصحيحة الثابتة فيؤمن به، وما عدا ذلك ال يلتفت إليه‬
‫يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في موضوع المعجزات الحسية عامـة‬
‫ومعجزات الهجرة خاصة: الناس في هذه القضية - قضية المعجزات المحمدية المادية‬
                                                                 ‫- أصناف ثالثة:.‬
             ‫ي‬
‫فالصنف األول: يبالغ في اإلثبات، وسنده في ذلك ما حوته الكتب، أ ًـا كانـت هـذه‬
‫الكتب: سواء كانت للمتقدمين أو المتأخرين، وسواء كانت تعني بتمحيص الروايات أم‬
‫ال تعني، وسواء وافق ذلك األصول أم خالفها، وسواء قبله المحققون من العلمـاء أم‬
                                                                          ‫رفضوه.‬
‫المهم أن يروي ذلك في كتاب وإن لم يعرف صاحبه، أو يذكر في قصيدة من قصـائد‬
                                  ‫ي‬
‫المدائح النبوية، أو في قصة " مولد " التي ُتلى بعضها في شهر ربيع األول من كـل‬
                                                                 ‫عام، أو نحو ذلك.‬
                    ‫ث‬
‫وهذه عقلية عامية ال تستحق أن تناقش، فالكتب فيهـا الغـ ّ والسـمين، والمقبـول‬
                                          ‫والمردود، والصحيح والمختلق الموضوع.‬
‫وقد ابتليت ثقافتنا الدينية بهؤالء المؤلفين الذين يتتبعون " الغرائب " ويحشـون " بهـا‬
                        ‫بطون الكتب، وإن خالفت صحيح المنقول، وصريح المعقول.‬


                                       ‫881‬
‫وبعض المؤلفين، ال يعني بصحة ما يروي من هذه األمور، على أساس أنها ال يترتب‬
‫عليها حكم شرعي، من تحليل أو تحريم أو غير ذلك . ولهذا إذا رووا فـي الحـالل‬
‫والحرام تشددوا في األسانيد، ونقدوا الرواة، ومحصوا المرويات . فأما إذا رووا فـي‬
       ‫الفضائل والترغيب والترهيب . ومثلها المعجزات ونحوها، تساهلوا وتسامحوا.‬
‫ومؤلفون آخرون، كانوا يذكرون الروايات بأسانيدها، فالن عن فالن عـن فـالن -‬
‫ولكنهم ال يذكرون قيمة هذه األسانيد: أهي صحيحة أم غير صـحيحة ؟ ومـا قيمـة‬
‫رواتها: أهم ثقات مقبولون أم ضعاف مجروحون، أم كذابون مـردودون ؟ معتمـدين‬
            ‫على أنهم إذا ذكروا السند فقد أبرأوا أنفسهم من التبعة، وخلوا من العهدة.‬
                                                  ‫ي‬       ‫ح‬
‫غير أن هذا كان صال ًا وكاف ًا بالنسبة للعلماء في العصور األولى، أما في العصـور‬
                 ‫ئ‬
‫المتأخرة - وفي عصرنا خاصة - فلم يعد يعني ذكر السند شي ًا . وأصـبح النـاس‬
                             ‫يعتمدون على النقل من الكتب، دون أي نظر إلى السند.‬
‫وهذا هو موقف جمهرة الكتاب والمؤلفين في عصرنا، حـين ينقلـون مـن تـاريخ‬
‫الطبري، أو طبقات ابن سعد أو غيرها.يبالغ في النفي واإلنكار للمعجـزات واآليـات‬
‫الحسية الكونية ، وعمدته في ذلك: أن معجزة محمد - ‪ - ‬هي القرآن الكريم وهـو‬
        ‫الذي وقع به التحدي: أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله.‬
                      ‫ق‬
‫ولما طلب المشركون من الرسول بعض اآليات الكونية تصدي ًا له، نزلت آيات القرآن‬
‫تحمل الرفض القاطع إلجابة طلباتهم . كما في قوله تعالى: (وقالوا: لن نؤمن لك حتى‬
                                                    ‫ع‬
‫تفجر لنا من األرض ينبو ًا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر األنهار خاللها‬
          ‫ال‬                           ‫ف‬                                     ‫ر‬
‫تفجي ًا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كس ًا وتأتي باهلل والمالئكة قبي ً . أو يكون‬
  ‫ب‬
‫لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينـا كتا ًـا‬
                             ‫ال‬     ‫ر‬
‫نقرؤه، قل: سبحان ربي، هل كنت إال بش ًا رسو ً ؟). (سورة اإلسراء: 17 - 27).‬
‫وفي موضع آخر، ذكر المانع من إرسال اآليات الكونية التي يقترحونها فقال: (ومـا‬
‫منعنا أن نرسل باآليات إال أن كذب بها األولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلمـوا‬
                                                 ‫ف‬
                          ‫بها، وما نرسل باآليات إال تخوي ًا). (سورة اإلسراء: 78).‬


                                       ‫981‬
‫وفي سورة أخرى، رد على طلب اآليات بأن القرآن وحده كاف كل الكفاية ليكون آية‬
‫لمحمد - ‪ - ‬قال تعالى: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ؟ إن فـي‬
                          ‫ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون). (سورة العنكبوت: 08).‬
‫وقد اقتضت الحكمة اإللهية أن تكون معجزة محمد - ‪ - ‬معجزة عقليـة أدبيـة، ال‬
‫حسية مادية، وذلك لتكون أليق بالبشرية بعد أن تجاوزت مراحل طفولتهـا، ولتكـون‬
‫أليق بطبيعة الرسالة الخاتمة الخالدة . فالمعجزات الحسية تنتهي بمجرد وقوعها . أما‬
                                                                        ‫العقلية فتبقى.‬
‫وقد أيد ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن النبي - ‪ - ‬قال: " ما من األنبياء من‬
  ‫ي‬
‫نبي إال وقد أعطى من اآليات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وح ًـا‬
                                                                       ‫ي‬
                           ‫أوحاه اهلل إل ّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ".‬
                          ‫ويبدو لي أن مما دفع هذا الصنف إلى هذا الموقف أمرين:.‬
                                                                          ‫ال‬
‫أو ً: افتتان الناس في عصرنا بالعلوم الكونية، القائمة على ثبات األسـباب، ولـزوم‬
‫تأثيرها في مسبباتها، حتى ظن بعض الناس أنه لزوم عقلي ال يتخلف في حال، فالنار‬
‫البد أن تحرق، والسكين البد أن تقطع، والجماد ال يمكـن أن ينقلـب إلـى حيـوان،‬
                                        ‫والميت ال يمكن أن يرجع إلى الحياة ... إلخ.‬
‫الثاني: غلو الصنف األول في إثبات الخوارق، بالحق والباطل، إلى حد يكـاد يلغـي‬
                       ‫ر‬
‫قانون األسباب والسنن، التي أقام اهلل عليها هذا العالم . وكثي ًا ما يقاوم الغلـو بغلـو‬
                                                                                 ‫مثله.‬
‫وهنا يظهر الرأي الوسط بين المبالغين في اإلثبات، والمغالين فـي اإلنكـار . وهـو‬
                                     ‫الرأي الذي أرجحه وأتبناه.وخالصة هذا الرأي:.‬
‫0- أن القرآن الكريم هو اآلية الكبرى، والمعجزة األولى، لرسـولنا محمـد - ‪- ‬‬
                                                         ‫د‬
‫وهو الذي تح ّى به العرب خاصة، والخلق عامة . وبه تميزت نبـوة محمـد علـى‬
‫غيرها من النبوات السابقة، فالدليل على صدق نبوته هو نفس موضوع رسالته ؛ وهو‬



                                        ‫091‬
‫كتابه المعجز بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظي والمعنوي، وبإتيانه بالغيب: ماضـيه‬
                                                               ‫وحاضره ومستقبله.‬
‫8-أن اهلل تعالى أكرم خاتم رسله بآيات كونية جمة، وخوارق حسية عديدة، ولكن لـم‬
‫يقصد بها التحدي، أعني إقامة الحجة بها على صدق نبوته ورسـالته . بـل كانـت‬
                                ‫د‬                                           ‫م‬
‫تكري ًا من اهلل له ، أو رحمة منه تعالى به، وتأيي ًا له، وعناية به وبمن آمن معه فـي‬
‫الشدائد ؛ فلم تحدث هذه الخوارق استجابة لطلب الكافرين، بل رحمة وكرامة مـن اهلل‬
‫لرسوله والمؤمنين ، وذلك مثل " اإلسراء " الذي ثبت بصريح القرآن، والمعراج الذي‬
         ‫ت‬
‫أشار إليه القرآن، وجاءت به األحاديث الصحيحة، ونزول المالئكة تثبي ًـا ونصـرة‬
‫للذين آمنوا في غزوة بدر، وإنزال األمطار إلسقائهم فيها وتطهيرهم، وتثبيت أقدامهم،‬
‫على حين لم يصب المشركين من ذلك شيء وهم بالقرب منهم . وحماية اهلل لرسـوله‬
‫وصاحبه في الغار يوم الهجرة، رغم وصول المشركين إليه، حتى لو نظـر أحـدهم‬
                   ‫تحت قدميه لرآهما ، وغير ذلك مما هو ثابت بنص القرآن الكريم.‬
‫ومثل ذلك إشباع العدد الكثير من الطعام القليل في غزوة األحزاب، وفي غزوة تبوك.‬
‫2- إننا ال نثبت من هذا النوع من الخوارق إال ما نطق به القرآن، أو جاءت به السنة‬
  ‫الصحيحة الثابتة . وما عدا ذلك مما انتفخت به بطون الكتب، فال نقبله، وال نعبأ به.‬
                                                             ‫فمن الصحيح الثابت:.‬
‫( أ ) ما رواه جماعة من الصحابة من حنين الجذع الذي كان يخطب عليـه - ‪- ‬‬
‫أول األمر، فلما صنع له المنبر، وقام عليه للخطبة، سمع للجذع صوت كحنين الناقـة‬
                            ‫إلى ولدها . فأتاه النبي - ‪ - ‬فوضع يده عليه فسكت.‬
‫قال العالمة تاج الدين السبكي: حنين الجذع متواتر، ألنـه ورد عـن جماعـة مـن‬
‫الصحابة، إلى نحو العشرين، من طرق صحيحة كثيرة تفيد القطع بوقوعه . وكـذلك‬
                                         ‫قال القاضي عياض في الشفاء: إنه متواتر.‬




                                       ‫191‬
‫( ب ) ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد عن جماعـة‬
‫من الصحابة، من إفاضة الماء بغير الطرق المعتادة، وذلك في غزواته وأسفاره - ‪‬‬
                                    ‫- مثل غزوة الحديبية، وغزوة تبوك وغيرهما.‬
‫روى الشيخان عن أنس: أن النبي - ‪ - ‬وأصحابه كانوا بالزوراء فدعا بقدح فيـه‬
‫ماء، فوضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، وأطراف أصـابعه، فتوضـأ‬
                                                                ‫ع‬
                                                              ‫أصحابه به جمي ًا.‬
‫وروى البخاري عن البراء بن عازب أنهم كانوا مع النبي - ‪ - ‬يوم الحديبية أربع‬
‫عشرة مائة (أي 1160)، وأنهم نزحوا بئر الحديبية فلم يتركوا فيها قطرة، فبلغ ذلـك‬
‫النبي صلى اهلل عليه وسالم فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ،‬
‫ثم تمضمض ودعا، ثم صبه فيها . قال: فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا (سـقتنا‬
                                                   ‫وروتنا) ماشيتنا نحن وركابنا.‬
     ‫واألحاديث في إجراء الماء له - ‪ - ‬كثيرة مستفيضة، ومروية بأصح الطرق.‬
‫(جـ) ما حفلت به كتب السنة من استجابة اهلل تعالى لدعاء النبي - ‪ - ‬في مواضع‬
‫يصعب حصرها، مثل دعائه بإنزال المطر . ودعائه يوم بدر بالنصر، ودعائه البـن‬
‫عباس بالفقه في الدين، ودعائه ألنس بكثرة الولد، وطول العمر، ودعائه على بعـض‬
                                                                ‫من آذاه .. إلخ.‬
‫( د ) ما صح من األنباء بمغيبات وقت كما أخبر بها - ‪ ،- ‬بعضها فـي حياتـه،‬
‫وبعضها بعد وفاته، مثل فتح بالد اليمن وبصرى وفارس، وقوله لعمار: " تقتلك الفئة‬
‫الباغية " وقوله عن الحسن: إن ابني هذا سيد، وسيصلح اهلل به بين فئتين من المسلمين‬
                                 ‫... إلخ . ومثل إخباره بفتح القسطنطينية وغيرها.‬
‫ونكتفي هنا بما اشتهر من أن النبي - ‪ - ‬حين اختفى في الغار عند الهجـرة مـن‬
‫المدينة، جاءت حمامتان فباضتا على فم الغار كما أن شجرة نبتت ونمت فغطت مدخل‬
                  ‫الغار . فهذا ما لم يجئ به حديث صحيح، وال حسن، وال ضعيف.‬



                                     ‫291‬
‫أما نسج العنكبوت على الغار فقد جاءت به رواية حسنها بعض العلمـاء، وضـعفها‬
                                                                        ‫آخرون .‬
‫وظاهر القرآن يدل على أن اهلل تعالى أيد رسوله يوم الهجرة بجنود غير مرئية كمـا‬
‫قال تعالى: (فأنزل اهلل سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) والعنكبوت والحمام جنـود‬
‫مرئية وال شك والنصر بجنود غير مشاهدة وال محسة أدل على القهر اإللهي والعجز‬
‫البشري . وإنما اشتهرت هذه الخوارق بين جمهور المسلمين بسبب المدائح النبويـة،‬
                     ‫للمتأخرين وبخاصة مثل " البردة " للبوصيري التي يقول فيها:.‬
         ‫ظنوا الحمام، وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم.‬
         ‫من الدروع وعن عال من األطم.‬        ‫وقاية اهلل أغنت عن مضاعفة‬
        ‫فهذا هو موقفنا من الخوارق والمعجزات النبوية المنسوبة إلى النبي - ‪.- ‬‬
                                                                        ‫واهلل أعلم‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫391‬
                                ‫النزول بقباء‬

‫قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبـد‬
‫الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول اهلل ‪‬‬
‫قالوا : لما سمعنا بمخرج رسول اهلل ‪ ‬من مكة ، وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا‬
‫الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول اهلل ‪ ‬فواهلل ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على‬
                               ‫الظالل فإذا لم نجد ظال دخلنا، وذلك في أيام حارة.‬
‫حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول اهلل ‪ ‬جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبـق‬
‫ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول اهلل ‪ ‬حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل مـن‬
‫اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول اهلل - ‪ - ‬علينـا، فصـرخ‬
‫بأعلى صوته يا بني قيبلة هذا جدكم قد جاء. قال فخرجنا إلى رسول اهلل ‪ ‬وهو فـي‬
‫ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضي اهلل عنه في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول اهلل‬
‫- ‪ - ‬قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول‬
                               ‫اهلل ‪ ‬فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك.‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                    ‫491‬
                      ‫الهجرة رحلة اليقين وركوب األسباب‬

                                                         ‫عبد الخالق برزيزوي ...‬
‫دروس وعبر ودالالت كثيرة يقف عندها القارئ في سيرة رسول اهلل صلى اهلل عليـه‬
         ‫وسلم، التي تروي أحداث الهجرات التي أذن بها اهلل للرسول ‪ ‬ولصحابته.‬
‫أقف على بعض المشاهد التي تعكس صورة جلية ليقين رسول اهلل ‪ ‬وصحابته فـي‬
‫اهلل ، يقين رافق الرعيل األول من المسلمين منذ الهجرة األولى إلى الحبشة ، وسـيج‬
                                                  ‫هجرة رسول اهلل ‪ ‬إلى المدينة.‬
‫قال ابن إسحاق : فلما رأى رسول اهلل ‪ ‬ما يصيب أصحابه من البالء ، وما هو فيه‬
‫من عافية بمكانه من اهلل ومن عمه أبي طالب، وأنه ال يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من‬
‫البالء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا ال يظلم عنده أحد ، وهي‬
                          ‫أرض صدق ، حتى يجعل اهلل لكم فرجا مما أنتم فيه" (0)‬
‫فلما اشتد ظلم قريش واضطهادهم على المسلمين بمكة ، أمر رسول اهلل ‪ ‬المسلمين‬
‫بأن يهاجروا إلى الحبشة، وهي بالد بعيدة ودونها مسافة طويلـة ، ومشـقة وعبـور‬
                                                 ‫صحراء وركوب بحر ومجازفة..‬
    ‫م‬
‫كيف إذن أمن المسلمون بأن الخير قد يكتب لهم في تلـك الرحلـة ؟ وفـي ال ُقـام‬
‫والمكوث بين قوم ليسوا قومهم ، وفي جوار ملك ال يدين بدينهم ، دين اإلسالم الـذي‬
‫جاء به محمد ‪ ، ‬وقد اضطهدهم قومهم وبنو جلدتهم وأنزلوا بهـم أشـد أصـناف‬
                        ‫التعذيب والتنكيل واألذية المادية الجسمية والمعنوية النفسية؟‬
‫كيف يطمئنون على أرواحهم وأبنائهم إذا تركوا ديارهم ومتاعهم وأموالهم وخرجـوا‬
‫إلى ما يمكن اعتباره مجهوال وعدما؟ كان اليقين والثقة والتسليم ألمر اهلل ورسوله هو‬
‫عدتهم وعتادهم ، كان الصحابة رضوان اهلل عليهم يعلمون أن محمدا ‪ ‬ال ينطق عن‬
‫الهوى ، وأن ما أمرهم به وحي وإذن من اهلل تعالى ، إذ قال لهم : " إن بها ملكـا ال‬




                                      ‫591‬
‫يظلم عنده أحد " كانت هذه الكلمات كافية لتبعث في قلوبهم األمن واالطمئنان واليقـين‬
                                            ‫بأن اهلل مانعهم وبأن أمره بالغ ال محالة.‬
              ‫لم يترددوا رضوان اهلل عليهم ، ولم يلتفتوا ، بل سمعوا وأطاعوا ولبوا!‬
‫هذا مبدأ التصديق وعربون اليقين في موعود اهلل ورسوله بأن ينصر دعوتـه ، فهـل‬
‫اطمأن الصحابة المهاجرون إلى ذلك ثم تجاهلوا كل األسباب والسنن التي جعلهـا اهلل‬
                    ‫تكليفا شرعيا وجب على المسلمين األخذ بها والعمل بمقتضياتها؟‬
‫كال ! فقد اتخذ الصحابة كل أسباب الحيطة والحذر وخرجوا مستخفين متسـللين فـي‬
‫هجرتهم ، بل حتى لما جاء عمرو بن العاص يكلم النجاشي في أمر المسلمين ويغري‬
‫بهم عنده ويسأله أن يسلمه إياهم ليرجع بهم إلى قـومهم " فهـم أدرى بهـم " بـادر‬
‫المسلمون إلى إعمال الجهد ومدافعة الباطل بالحجة ، وانتصب جعفر بن عبد المطلب‬
‫عم الرسول ‪ ، ‬وبسط للملك النجاشي أمر اإلسالم ، هذا الدين الجديد وتال عليه من‬
‫القرآن كتاب اهلل ، وحاج عمرو بن العاص ولم يأل جهدا في موافقة ما أخبـرهم بـه‬
                                       ‫الرسول ‪ ‬بأن النجاشي ال يظلم عنده أحد!‬
‫فيقينه وتصديقه رضي اهلل عنه ، دفعاه إلى اإلصرار على توضيح ما أشـكل علـى‬
‫الملك النجاشي وعلى بيان حقيقة ما يدعو إليه اإلسالم وبطالن دعاوى عمـرو بـن‬
                                                                     ‫العاص وقومه.‬
‫الصورة الثانية أستقيها من هجرة الرسول ‪ ‬إلى الطائف حيث كان يخرج إلى القبائل‬
        ‫ليعرض عليها نفسه ويبلغهم دعوة اإلسالم ويطلب منهم نصره وإيواء دعوته.‬
‫هنا كذلك نلتقي مع درس آخر في يقين رسول اهلل ‪ ‬في ربه ، ذلك اليقين الذي نفـذ‬
‫إلى قلبه عليه الصالة والسالم وقذف فيه االطمئنان والتفاؤل وحسن الظـن فـي اهلل‬
                                                                            ‫تعالى .‬
‫قال ابن إسحاق : " ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اهلل ‪ ‬ما لم تكن تنال‬
‫منه في حياة عمه أبي طالب ، فخرج رسول اهلل ‪ ‬إلى الطائف ، يلتمس النصرة من‬
                                                          ‫ثقيف ، والمنعة بهم." (8)‬


                                      ‫691‬
‫عرض نفسه عليه الصالة والسالم على أشراف ثقيف فكان ردهم منكرا مـن القـول‬
‫والفعل ، حيث تركوه وأغروا به سفهائهم يرمونه بالحجارة وبأسوأ الكالم ، وهو عليه‬
       ‫الصالة والسالم ال يبالي وال يهتم " إن لم يكن بك علي غضب فال أبالي " (2)‬
           ‫فقد تيقن بأن اهلل كفاه أذاهم وبأنه تعالى سيظهر دينه ولو كره المشركون..‬
‫أما الصورة الثالثة واألخيرة في رحلة هذه الهجرات، فألتقطها من هجرة الرسول ‪‬‬
                                 ‫من مكة إلى المدينة رفقة أبي بكر رضي اهلل عنه.‬
‫قال ابن إسحاق :" وكان أبو بكر رضي اهلل عنه رجال ذا مال ، فكان حـين اسـتأذن‬
‫رسول اهلل ‪ ‬في الهجرة ، فقال له رسول اهلل ‪ : ‬ال تعجل لعل اهلل يجد لك صاحبا‬
‫، قد طمع أن يكون رسول اهلل ‪ ، ‬إنما يعني نفسه، حين قال ذلك ، فابتاع راحلتين ،‬
                                     ‫فاحتبسهما في داره ، يعلفهما إعدادا لذلك."(6)‬
‫وحينما أذن اهلل للرسول ‪ ‬بالهجرة " ..ورغم يقينه الكامل – عليه الصالة والسالم -‬
‫بأن اهلل معه يرعاه ويسدد خطاه ، لم يتعجل الحركة ، ولم يرتجل الخطوات كان عليه‬
‫أن يخطط للهجرة ، مستخدما كل ما وهب من إمكانات الفكر والبصيرة واإلرادة.ألنه‬
‫بهذا وحده يستحق نصر اهلل ووعده...وإال فألي شيء منحنـا اهلل بصـائر وعقـوال‬
                                     ‫وحرية وقدرة على التحرك والتخطيط ؟ " (8)‬
‫فراح أبو بكر في يقينه وتصديقه المعهودين يعد العدة لتلك الرحلة ، ويرتب المراحـل‬
‫ويوزع األدوار على أبنائه وبناته ، ويجهز أسباب وشروط الهجرة من عناصر بشرية‬
                                            ‫ومن رواحل وأموال تعينهم في خروجهم.‬
‫يقين وإعداد لألسباب ، لم يمنعه رضي اهلل عنه تصديقه وثقته في أمر استبقاء رسول‬
‫اهلل ‪ ‬له ، وتأخير هجرته حتى يجد اهلل له صاحبا ، لم يمنعه ذلك من اتخاذ األسباب‬
‫وركوب سنن اهلل في التهييء والتخطيط لذلك الحدث الذي سيقلب ميزان القوة لصالح‬
                                      ‫الفئة المؤمنة ويغير مجرى التاريخ البشري .‬
‫راحلتان ودليل مشرك وبعض الزاد أتت به أسماء بنت أبي بكر ، هذا كل ما أعده أبو‬
‫بكر وأله لهذه الرحلة الطويلة في الزمان والمكان ، رحلة سيكتب لها النجاح والظفـر‬


                                      ‫791‬
‫وستكون بداية عهد ومرحلة جديدة بكل المقاييس ، أرض ووطـن جديـدان ، بنيـة‬
‫وتركيبة اجتماعية تحكمها قوانين ومواثيق وأعراف جديدة ، سياسة وحكم جعل لهمـا‬
                                                       ‫اهلل شرعة ومنهاجا جديدين.‬
‫" ومعا استكمال الخطة ووضعا األسباب ، وتركا – من ثـم – مصـيرهما ومصـير‬
‫الدعوة هلل ، صانع المصائر ومقدر األقدار... التسلل من شباك خلفي على غفلة مـن‬
‫قريش..التوجه جنوبا على طريق اليمن واللجوء إلى إحدى مغارات جبل ثور هنـاك‬
‫التوقف عن السير ثالثة أيام ريثما تخف محاوالت القرشيين المستميتة في البحث عن‬
                                                                 ‫الرسول ‪)4( " ‬‬
‫ومن غار ثور رأى أبو بكر بأم عينيه نعـال المشـركين المطـاردين عنـد أسـفل‬
‫الغار. فارتعد فرقا على رسول اهلل عليه الصالة والسالم وعلى مصير الدعوة ن فهمس‬
                           ‫لرسول اهلل ‪ ‬قائال : " لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا "‬
‫ويجيء رد الرسول ‪ ‬كله يقين واطمئنان : " يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اهلل ثالثهمـا‬
‫؟" ثم يأتي كالم اهلل تعالى يؤكد حمايته لنبيه وصاحبه ": " إال تنصروه فقد نصـره اهلل‬
‫إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ال تحـزن إن اهلل‬
‫معنا فأنزل اهلل سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفـروا السـفلى‬
                                        ‫وكلمة اهلل هي العليا واهلل عزيز حكيم " (9)‬
‫ومن دروس اليقين أيضا ، ما فعله أبو بكر الصديق رضي اهلل عنـه حينمـا خـرج‬
‫مهاجرا مع رسول اهلل ‪ ، ‬فقد " ...احتمل ماله كله ، ومعه خمسـة آالف درهـم أو‬
                                                                  ‫ستة آالف " (9)‬
‫فلما دخل أبو قحافة والد أبي بكر رضي اهلل عنه على أحفاده بعد خروج أبـيهم مـع‬
‫رسول اهلل ‪ ‬قال : " ..واهلل إني ألراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قالت – أسماء بنت‬
‫أبي بكر – قلت كال يا أبت ( و كان قد ذهب بصره ) إنه قد ترك لنا خيرا كثيـرا .‬
‫قالت : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع مالـه فيهـا‬
‫...ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده ، فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال ،‬


                                       ‫891‬
‫قالت : فوضع يده عليه ، فقال : ال بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا‬
        ‫بالغ لكم . وال واهلل ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك" ( 7)‬
‫ثقة ويقين كاملين في أن اهلل ال يضيع أجر من أحسن عمال وبأنه تعالى يرزق عبـاده‬
‫المتقين من حيث ال يحتسبون، أخذ رضي اهلل عنه المال كله لينفقه في سبيل اهلل وترك‬
                                                                         ‫اهلل لعياله.‬
                                            ‫جث‬
‫وهذا سراقة بن مالك بن ُع ُم لما خرج في طلب رسول اهلل ‪ ‬وقـد عمـت عينـه‬
‫ومألتها المائة ناقة هبة من يرده عليه الصالة والسالم إلى قومه، فلما رأى تعثر فرسه‬
‫مرة تلو األخرى ، والرسول عليه الصالة والسالم ماض في طريقه مهاجرا في سبيل‬
‫اهلل ، موقنا بأن العاقبة للمتقين ، ال يلتفت ، وأبو بكر رغم ذلك ، وأخذا باألسـباب،ال‬
‫ينفك يأتيه مرة عن اليمين ومرة عن شماله الكريمة ومرة أمامه وأخرى وراءه يحميه‬
‫بنفسه وجسده خوفا عليه من طالبيه ، أيقن سراقة بأنه لن يدرك الرسـول صـلى اهلل‬
‫عليه ولن يصله بأذى ، فتولى عنه بعد أن أخذ منه عليه الصالة والسالم عهدا ، ولـم‬
                   ‫يخبر قريشا بشيء من أمره ( 10) سيرة ابن هشام ج 8 ص176‬
‫مازال واقعنا في مجمله بين طرفي نقيض. فمن جهة نجد من يـؤمن بأنـه سـيكون‬
‫لإلسالم وللمسلمين شأن كبير لكنه قاعد ينتظر أن يفعل به وله دون أن يحدث نفسـه‬
‫بفعل أو بذل أو جهد من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل والنهوض بهذه األمة نحـو‬
‫استقبال موعود اهلل ورسوله في التمكين واالستخالف في األرض ، هذا يميت علبنـا‬
‫ديننا ويعطل سنة اهلل في الكون وفي األنفس ، إذ البد من اقتران تدبير العباد بـإرادة‬
                                                                 ‫وتدبير رب العباد.‬
‫ومن جهة أخرى هناك من يعيش واقعا ميؤوسا قانطا ال يرى من أمر اإلسالم وأهلـه‬
‫إال السواد يغشيه ليل حالك ال يكاد يتبين منه خيط بياض وال ومضة نور ..أقعدته هو‬
‫اآلخر غلبة االستكبار العالمي وصولته وما يظهره من قوة وعنف وبـأس ، مقابـل‬
                     ‫تراجع وانبطاح أنظمتنا العربية واإلسالمية أمامه واقتفائها سننه.‬



                                       ‫991‬
‫إن التاريخ يعيد نفسه ، فأسباب النصر والتمكين وشروطه ومقتضـياته ال تتغيـر وال‬
                                   ‫تتبدل ، فتلك سنة اهلل ، ولن تجد لسنة اهلل تبديال .‬
‫المتغير هو الزمان واألحوال والظروف والوسائل وتقدير األولويات وترتيبها .فلنأخـذ‬
‫بالثوابت كاملة غير منقوصة وال مجزأة، فالثقة في اهلل واليقين فيه تعـالى واالعتمـاد‬
‫عليه واستمطار النصر والمدد منه سبحانه، ال يمكن أن نأخذ منه ونترك ، بل البد من‬
                                                            ‫إتمام كل ذلك وإجماله .‬
‫ثم نتدرج في إتيان األسباب ونقدم ونؤخر في ترتيب األولويـات حسـب الظـروف‬
     ‫والمتاح ، ونعد من الجهد والطاقة واإلمكانيات ما يبلغه الوسع وبعد ذلك ال نالم.‬
‫هكذا ينبغي أن نتعلم اليقين وهكذا أيضا ينبغي أن نتعلم اإلتيان باألسباب واألخذ بهـا‬
‫في كل أمر الدعوة، وقبل ذلك و أثناءه وبعده ال نبـرح نسـأل اهلل التأييـد والعـون‬
                                                                            ‫والمعية.‬
‫لن يبرح المسلمون مقعدهم من الذل والهوان والتأخر ما تجاهلوا ضرورة الجمع بـين‬
‫اليقين والثقة الكاملة في موعود اهلل ورسوله في ظهور اإلسالم على الدين كله وفـي‬
‫سيادة أمته على األمم كلها ، وبين النزول إلى األرض ومعالجة الواقـع والتخطـيط‬
‫والتدبير بما يقتضيه ذلك الظهور وتلك السيادة من أسباب وضرورات ميدانية حسـية‬
                                                                              ‫رقمية.‬
‫فعلى هذا فليشتغل كل أهل الدعوة استجابة وتلبية لنداء اهلل وأمره لعباده بـأن ينفـروا‬
‫ويسارعوا في الخيرات طلبا لرضاه وحسن العاقبة وإعدادا للدولة التـي جعلهـا اهلل‬
                                                                ‫حصنا حاميا للدعوة.‬
                                                                ‫------------‬
                                                                          ‫الهوامش :‬
‫(0) أبو محمد عبد الملك بن هشام ، السيرة النبوية البـن هشـام ، الطبعـة الثانيـة‬
                                    ‫،المكتبة العلمية بيروت ، ج 0 ص 082-882‬
                                                          ‫(8) نفسه ج8 ص706 .‬


                                       ‫002‬
                                                            ‫(2) نفسه ص 186‬
                                                            ‫(6) نفسه ص 696‬
‫(8) خليل ، عماد الدين، دراسة في السيرة ، الطبعة السابعة 8970 ، دار النفـائس،‬
                                                                     ‫ص 820‬
                                                            ‫(4) نفسه ص 420‬
                                                    ‫(9) نفسه ص 920 –9201‬
                                    ‫(9) السيرة النبوية البن هشام، ج 8 ص996‬
                                                        ‫(7) نفسه ج 8 ص 996‬
                                                      ‫( 10) نفسه ج 8 ص176‬
                                       ‫الهجرة مشروع لبناء حضارة إيمانية جديدة‬
                                              ‫العدد: 8 (أكتوبر - ديسمبر) 4118‬
                                           ‫.أ.د عبد الحليم عويس / تاريخ وحضارة‬
‫عندما هاجر الرسول صلى اهلل عله وسلم من مكة لم يهجر قلبه تراب مكة وال الكعبة‬
‫الرابضة في قلب مكة، ولقد أعلن صلى اهلل عله وسلم ذلك بعبارة صـحيحة عنـدما‬
                 ‫ي‬                             ‫ال‬
‫التفت إلى مكة وهو يودعها قائ ً: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلـ ّ! ولـوال أن قـومي‬
                                 ‫أخرجوني منك ما سكنت غيرك." (رواه الترمذي)‬
                ‫ا‬
‫وعندما هاجر الرسول صلى اهلل عله وسلم من مكة لم يهجر قريش ً وال بنـي هاشـم،‬
‫فلقد كان يحب الجميع ويتمنى لهم الهداية والخير، كما أنه -وهو الوفي- لم ينس لبني‬
                             ‫د‬                                    ‫م‬
‫هاشم - ُسلمهم وكافرهم- مواقفهم معه عندما قا َتهم عصبية الرحم فحموه مـن كـل‬
‫القبائل، ودخلوا معه شعب أبي طالب يقاسون معه ومع المسلمين الجوع والفاقـة، وال‬
                                                                            ‫ين‬
                    ‫َمّون عليه بذلك، مع أنهم على غير دينه، لكنه الوالء لألرحام.‬
                       ‫هاجر عليه السالم ولكنه لم يهجر‬
‫ّ‬
‫فالرسول المهاجر صلى اهلل عله وسلم لم يهجر كل ذلك بل حمله معه في قلبه، يحـن‬
    ‫ى‬
‫إلى ذلك اليوم الذي يعود فيه إلى مراتع الصبا، وإلى الرحم الذي وقف معه حت ّ قال‬


                                     ‫102‬
     ‫ا‬
‫قائلهم وسيدهم أبو طالب: "اذهب يا ابن أخي! فقل ما شئت فواهلل لن أسلمك أبدً"، مع‬
                                                            ‫أنه لم يكن على دينه.‬
                       ‫ا‬
‫وإنما كانت هجرة الرسول صلى اهلل عله وسلم من مكة هجرً للوثنية المسيطرة التـي‬
‫ال يريد أصحابها أن يتعاملوا بمنطق الدين أو منطق العقل أو منطق األخـالق. فهـذه‬
                     ‫وثنية يجب أن تهجر وأن يهاجر من مناطق نفوذها وإشعاعاتها.‬
‫وإنما هاجر الرسول، وهجر -إلى جانب الوثنية المسيطرة- تلك العصبية المسـتعلية‬
‫التي تعرف منطق القوة، وال تعرف منطق الحق، وليس في وعيها وال في قاموسـها‬
‫أن تهادن اإليمان، وأن تترك مساحة للتفاهم والحوار، وبالتالي تصبح الحياة معهـا -‬
                                  ‫ال‬      ‫ً‬
                                 ‫بعقيدة إيمانية بعيدة عن إشعاعاتها- أمرا مستحي ً.‬
‫إننا نريد أن يفهم مضمون الهجرة اإلسالمية كما ينبغي أن يفهم، وأن تكـون هجـرة‬
                                   ‫ب‬
‫الرسول هي المرجعية لهذا الفهم. فقد ُعث محمد صـلى اهلل علـه وسـلم "رحمـة‬
‫للعالمين"، فكيف تكون إذن رحمته بالقوم الذين انتسب إليهم، أو بالقوم الـذين عـاش‬
                                ‫ب‬
‫معهم، أو باألرض الطاهرة التي نشأ فيها، وترّى في بطاحها وتنسم عبيرها، وشـاهد‬
                           ‫جموع الزاحفين إلى أرضها الطاهرة من كل فج عميق؟!‬
‫إن رحمته -بالضرورة هنا- ال بد أن تكون أكبر من أي رحمة أخرى... ولهذا نـراه‬
                                            ‫ا‬
‫صلى اهلل عله وسلم يرفض دائم ً أن يدعو على أهل مكة، وحتى وهو في هذه اللحظة‬
‫البالغة الصعوبة، عندما وقع في حفرة حفروها له في موقعة أحد، وتناوشته سـهامهم‬
‫من كل مكان، وسالت دماؤه الطاهرة على جبل أحد الذي كان يتبادل الرسول صـلى‬
‫اهلل عله وسلم الحب معه، ألن بعض قطرات دمائه الزكية قد اختلطت بتـراب أحـد‬
‫الطاهر، فأصبحا حبيبين... حتى في هذه اللحظة البالغة الصعوبة لم يسـتطع لسـانه‬
                                                          ‫ي‬
‫الزكي، وال قلبه التق ّ أن يدعو عليهم، وال أن يشكوهم إلى اهلل، وإنما كان يردد على‬
                                                          ‫ا‬
‫مسمع من الناس جميع ً: "اللهم اهد قومي فإنهم ال يعلمون"(متفق عليه). وعندما كـان‬
              ‫وح ش‬
‫يرى تمادي قريش في الحرب كان يتأسف عليهم ويقول: "يا َي َ قري ٍ لقـد أكلَـتهم‬
                                                        ‫خل‬                ‫ب‬
   ‫الحر ُ، ماذا عليهم لو َّوا بيني وبين سائر الناس" (رواه اإلمام أحمد في مسنده).‬


                                      ‫202‬
  ‫َ ج‬
‫وكم راودته الجبال الشم -بأمر من اهلل- أن تطبق عليهم فكان يرفض ويقول: "أرْ ُـو‬
                                ‫ي‬         ‫هلل‬    ‫م ي‬        ‫هلل م أ‬     ‫أ ي‬
‫َن ُخرج ا ُ ِن َصالبهم َن َعبد ا َ وحده ال ُشرك به شيئا"(متفق عليه). وعنـدما‬
             ‫نا‬                   ‫ن‬             ‫ر‬
‫جاءته فرصة السالم معهم أص ّ عليها، مع تعّتهم في الشروط تع ّت ً أغضب أصحابه،‬
‫لكنه كان يريد لهم الحياة، وأال تستمر الحرب في أكلهـم، وأال يبقـوا -وهـم قومـه‬
‫وشركاؤه في الوطن- مستمرين في تأليب القبائل عليه لدرجة أنهم أصـبحوا العقبـة‬
‫الكأداء في طريق اإلسالم؛ مما يفرض عليه بأمر اهلل الجهاد إلزالة هذه العقبة، ونجح‬
              ‫ا‬            ‫با‬
‫الرسول في إزالة عقبتهم بقبول شروطهم المجحفة، ح ّ ً لهم، وحفاظ ً علـى بقـائهم،‬
                                                                             ‫ا‬
                                                ‫وأيض ً إلفساح الطريق أمام دين اهلل.‬
‫أما حين دخل مكة صلى اهلل عله وسلم فاتحا فقد حافظ بكـل قـوة علـى كـرامتهم‬
‫ودمائهم، ولم يقبل مجرد كلمة خرجت من فم سعد بن عبادة رضي اهلل عنـه -أحـد‬
‫الصحابة والقادة األجالء- وذلك عندما قال: "اليوم يوم الملحمة" فنزع الرايـة منـه،‬
            ‫ا‬           ‫ّ‬
       ‫وأعطاها البنه قيس وقال "ال، بل اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز اهلل قريش ً"(0).‬
                                         ‫ا‬
‫وعندما استسلمت مكة كلها تمام ً، وقف أهل مكة ينتظرون حكمه فيهم مستحضـرين‬
‫تاريخهم الظالم معه، لكنهم سرعان ما تذكروا أنه الرؤوف الرحيم الطاهر البريء من‬
‫رغبات االنتقام أو المعاملة بالمثل. فلما سألهم: "ماتظنون أني فاعل بكم"، قـالوا: "أخ‬
                      ‫ال ال ت ر ب َل كم‬
‫كريم وابن أخ كريم"، فرد عليهم قائ ً: ? َ َثْ ِي َ عَيْ ُ ُ? (يوسف: 87)، وهي كلمة‬
       ‫ا‬
‫نبي اهلل يوسف عليه السالم التي قالها إلخوته، ومنها ندرك أنه اعتبرهم جميع ً إخوته،‬
‫كأنهم إخوة يوسف عليه السالم، ثم أعلن العفو العام بتلك الجملة الخالدة: "اذهبوا فأنتم‬
    ‫الطلقاء لوجه اهلل تعالى"(8). فكأنه أنقذهم من الموت الزؤام عليه الصالة والسالم.‬
                          ‫دعوة لمهاجري العصر الحاضر‬
‫ونقول للمهاجرين من أبناء عصرنا لظروف مختلفة إلى أي بلد من بلدان العالم: هـذه‬
‫هي هجرة رسول اهلل صلى اهلل عله وسلم بين أيديكم، وهي كتاب مفتـوح، فـأمعنوا‬
‫القراءة فيه لتدركوا منه أن هجرتكم من بالدكم -ألي سبب من األسـباب- ال تعنـي‬
‫القطيعة مع أرض الوطن، وال مع األهل والعشيرة، وال مع المسلمين في أي مكـان،‬


                                       ‫302‬
‫مهما تكن الخالفات الظرفية الطارئه معهم؛ بل يجب أن تبقى الصلة قائمة بينكم وبين‬
‫األهل والقوم، تمدونهم بأسباب الحفاظ على الدين من مواقعكم، لكي يثبتـوا ويمتـدوا‬
‫بإشعاعات اإليمان إلى أكبر مدى ممكن، السيما ووسائل التواصـل اآلن فـي أقـوى‬
‫مستوى عرفته البشرية، وبالتالي تكونون قد وصلتم الرحم، وجمعـتم بـين الثالثيـة‬
‫المتكاملة التي تمثل بأركانها الثالثة وحدة ال تنفصم، وإال فقدت األمة "مكانة الخيرية"‬
‫ك ت خ ر ُمة أ رج ِلن س مر ن ب م ر ِ‬
‫التي رفعها اهلل إليها عندما قال: ? ُنْ ُمْ َيْ َ أ َّ ٍ ُخْ ِ َتْ ل َّا ِ تَـأْ ُ ُو َ ِـالْ َعْ ُوف‬
                                              ‫وت ه ن عن م كر وت من ن ب هلل‬
‫َ َنْ َوْ َ َ ِ الْ ُنْ َ ِ َ ُؤْ ِ ُو َ ِا ِ? (آل عمران:100) إنها ثالثية اإليمـان والهجـرة‬
                                                                                          ‫والجهاد.‬
‫أجل! في عصرنا هذا يجب أن يعود معنى الهجرة إلى منبعه النبوي، فليست الهجـرة‬
                                                                  ‫ا‬
‫هجرً للوطن، وقطيعة تاريخية أو معرفية معه، بل هي هجرة موصـولة بالماضـي،‬
                                     ‫ا‬
‫تعمل على تعميق اإليمان فيه، وتبني قالع ً لإليمان في المهجر الجديد، وتصـل بـين‬
                                                  ‫ً‬
                           ‫الماضي والحاضر والمستقبل انطالقا من درس الهجرة النبوية.‬
                            ‫التواصل مع ماضي المهاجر مطلوب‬
          ‫و‬
‫إن الحرية التي تريد أن تتمتع بها في مهجرك، والثروة التي تريد أن تك ّنها، وحتـى‬
                                                      ‫ل‬
‫الدعوة التي تريد أن تبّغها -إن كنت ممن اصطفاهم اهلل للدعوة والبالغ-... كل هذه‬
‫تدفعك إلى التواصل مع الماضي من جانب؛ وتدفعك إلى بناء حدائق لإليمـان يفـوح‬
                                ‫عطرها في وضعك الجديد، وبلدك الجديد، من جانب آخر.‬
                                        ‫و‬    ‫ا‬
‫ليكن معنى الهجرة واضح ً في َعيك، فهي ليست هجرة مـن أرض وال أهـل إلـى‬
                              ‫ي‬
‫أرض وأهل آخرين، بل هي هجرة من قيم ض ّقة ضاغطة تكبـل حركـة اإليمـان،‬
‫وتفتعل الصدام المستمر، وترفض الحوار بين األفكار والعقائد، إلى قيم أخرى تسـمح‬
‫ألشجار اإليمان أن تنمو، وتسمح بالتفاعل والتحاور، ومواجهة الرأي بالرأي، والحجة‬
‫بالحجة، وتكون مؤهلة ألن تسمح ألهل اإليمان والحق أن يعيشوا كما يريـدون، وأن‬
‫يبنوا قالع اإليمان في النفوس عن طريق الدعوة إلى اهلل بالحكمة والموعظة الحسنة،‬
                                                                      ‫والجدال بالتي هي أحسن.‬


                                               ‫402‬
‫إن الهجرة النبوية اإلسالمية هجرة يقصد بها كسر القيود التي تفرض على اإليمـان،‬
                ‫ا‬
‫وفتح نوافذ أخرى في أرض جديدة. وليست الهجرة اإلسالمية أبدً من تلك الهجـرات‬
                                                               ‫ا‬
‫التي تعني زحف ً على البالد على حساب أهلها، أو لتحقيق الثروة ثم الخروج بهـا، أو‬
‫لالعتماد عليها لقهر أصحاب البالد األصـليين، وجعلهـم مجـرد منفـذين وأدوات‬
                                                             ‫ِ‬       ‫ِ‬
                                            ‫لمشروعات وطموحات المهاجرين إليهم.‬
                                           ‫ي‬
‫فالهجرة اإلسالمية اليوم -إلى أ ّ بلد في العالم- يجب أن تكون هجرة تسـعى إلـى‬
                    ‫ن‬
‫التواصل والتعارف والتحاور والحب؛ بحيث يشعر كل الناس أ ّ األفراد المسلمين أو‬
                         ‫ً‬
‫المجموعات اإلسالمية التي تعيش بينهم إنما تمثل روحـا جديـدة، تبنـي وال تهـدم،‬
‫وتزرع الخير، و تقاوم الشر، وال تعرف التفرقة في ذلك بين المسلم وغيـر المسـلم،‬
                                              ‫والوطني، والوافد، واألبيض واألسود.‬
‫وكل ذلك لن يتحقق إال إذا رأى الناس في المسلم المهاجر إليهم -من خـالل أقوالـه‬
                                                     ‫ي‬
‫وأفعاله، وإسهاماته الخدم ّة، وآفاقه المعرفية، وعبوديته هلل- شخصية متميـزة جـادة‬
‫تفعل ما تقول، وتعيش معهم حياتهم اليومية، وآمالهم، وآالمهم، يفـيض منـه الخيـر‬
                                                      ‫ا‬       ‫ا‬
‫والنور، تلقائي ً وعفوي ً، كأنه بعض ذاته، وكأنه مرآة قيمه، وصـدى أخالقـه، وأثـر‬
                                                                ‫منهجه في الحياة.‬
‫وهنا يتساءل الناس من غير المسلمين: من أين لهذا المهاجر كل هذا الخير والنـور؟‬
‫من أين له هذه اإلنسانية المتدفقة؟ ومن أين له هذه الرحمة التي تعـم اإلنسـان كـل‬
                            ‫ا‬                ‫ا‬
‫إنسان، بل والحيوان والنبات أيض ً... فسيصلون حتم ً إلى اإلجابة الصحيحة، وهي أن‬
‫هذا اإلنسان يرتشف من نبع األنبياء، ويستمد وعيه الحضاري ومشـروعه اإلنسـاني‬
                                                                  ‫ي‬
‫الرحيم من نب ّه وإمامه، وإمام المسلمين األعظم، بل وإمام اإلنسانية محمد صـلى اهلل‬
                                                                      ‫عله وسلم.‬
                                      ‫ب‬         ‫ا‬
‫فقد كانت هجرته المباركه روح ً جديدة، عّر عنها أحد الصحابه الكرام (أنس بن مالك‬
‫رضي اهلل عنه) في قولته المعروفة التي ذكر فيها أنه عندما دخل الرسول صـلى اهلل‬
‫عله وسلم المدينة بعد نجاح هجرته: "أضاء منها كل شيء، وعندما مـات صـلى اهلل‬


                                      ‫502‬
‫عله وسلم أظلم فيها كل شيء". وهذا على العكس من مكة التي تسلل منها المسـلمون‬
‫هاربين بدينهم، فأظلم فيها كل شيء، ولم يبق فيها إال الطغيان، والنزوع إلى الحرب.‬
                                                                    ‫ت‬
‫فلما ف َحها الرسول صلى اهلل عله وسلم انبعث فيها النور، وأضاءت الكعبـة، وجـاء‬
                           ‫الحق وزهق الباطل، وأصبحت مكة قلعة اإلسالم األولى.‬
           ‫ي‬
‫إن هذا المعنى للهجرة يجب أن يبقى فوق كل العصور؛ ألنه اتصل بنب ّ الرحمة فـي‬
                          ‫ً‬
‫كل العصور وكل األمكنة، وأصبح -بالتالي- صالحا لكل زمان ومكان، صالحية كل‬
                                                             ‫حقائق اإلسالم الثابتة.‬
                                           ‫ف‬        ‫ة‬     ‫ال‬
‫ولئن كنا نؤمن بأنه " َ هجر َ بعد ال َتح"(متفق عليه) كما قال الرسول صلى اهلل علـه‬
‫وسلم، فإننا يجب أن نؤمن في الوقت نفسه ببقية الحديث، وهو قول الرسول: "ولكـن‬
‫ب ً‬
‫جهاد ونية"، وهذا يعني أن الهجرة بعد مرحلة الهجـرة األولـى قـد أخـذت ُعـدا‬
                                                      ‫ب‬        ‫ا‬     ‫ا‬
‫اصطالحي ً جديدً. ففي الُعد األول كانت الهجرة مرتبطة بمكان هو المدينـة، ولكنهـا‬
‫بعد ذلك أصبحت مطلقة من المكان، فهي إلى أي مكان شـريطة أن يكـون "الجهـاد‬
‫والنية" هما الهدفين المغروسين في النفس. فهما -أي الجهاد والنية- قد انفصال عـن‬
‫قيد وحدة المهجر (المدينة) الذي كان في صدر الدعوة، وأصبحا صالحين فـي كـل‬
‫العالم يمشيان مع رجال الدعوة والبالغ، ويضمنان سالمة األعمال وارتفاعهـا علـى‬
                                            ‫المنافع االقتصادية أو الظروف السياسية.‬
                            ‫الهجرة والتكافل اإليماني‬
                                                                  ‫ق‬
‫وعندما يست ّر هذا المعنى في النفس نستطيع أن نطمئن إلى أن أبطال الدعوة والـبالغ‬
 ‫ع‬            ‫ا‬     ‫ا‬                                   ‫ل‬
‫سينشئون في كل مكان يحّون فيه حديقة جديدة لإليمان، وتاريخ ً جديدً يبـدأ كأشـ ّة‬
  ‫الشمس في الصباح، ثم ينساب عبر كل زمان منطلقا إلى مساحة جديدة في األرض.‬
‫وعلى المسلمين إذن -عندما يكونون في أرض المهجر- أن يسارعوا إلـى االلتحـام‬
       ‫و‬
‫ببعضهم، وتكوين مجتمع إيماني يقوم على "المؤاخاة" التي ترتفع فوق األخ ّة، وهـي‬
                                                     ‫و‬
‫مستوى خاص فوق أخ ّة اإليمان التي هي مستوى عام، وأن يتكـافلوا مـع بعضـهم‬



                                      ‫602‬
              ‫وتع ون َل ب ِ َالت و‬
                        ‫ر‬                                      ‫ا‬        ‫ا‬        ‫ا‬      ‫ال‬
‫تكاف ً مادي ً ومعنوي ً، تحقيق ً لقوله تعالى ? َ َ َا َ ُوا عَى الْ ِ ّ و َّقْـ َى?(المائـدة:8)‬
                                     ‫ً وتو ص ب حق وتو ص ِالص ر‬
                                                          ‫ّ‬
                          ‫وقوله أيضا ? َ َ َا َوْا ِالْ َ ِ َ َ َا َوْا ب َّبْ ِ?(العصر:2).‬
‫والتكافل "المادي" يعني التعاون على ضمان الحد األدنى المطلـوب للحيـاة لكـل أخ‬
                                ‫ء‬        ‫ا‬          ‫ا‬         ‫ا‬         ‫ا‬
‫مسلم، طعام ً أو شراب ً أو عالج ً أو تعليم ً أو كسا ً. والتكافل "المعنوي" هو التعـاون‬
‫على ضمان التزام "األخوة" في اإلسالم بأداء "الفرائض" والبعد عن "المآثم"، وتفعيـل‬
‫وظيفة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطـار البيئـة التـي يعيشـون فيهـا‬
                       ‫ا‬                ‫ا‬
‫وباألساليب المناسبة لها. وعليهم أيض ً أن يبنوا "مسـجدً" يضـم الرجـال والنسـاء‬
                                ‫ذ‬        ‫ا‬
‫واألطفال، مهما يكن مستواه متواضع ً. فقد ح ّرنا الرسول من وجود عدد -مهما يكن‬
                                                                         ‫ال‬
‫قلي ً- من المسلمين ال تقام الجماعة فيهم، كما أن "المسجد" سيكون محـور لقـاءاتهم‬
‫وتعارفهم وتكافلهم المادي والمعنوي. ومن المسجد ينطلقون إلى صور مـن التكامـل‬
           ‫ا‬                              ‫ا‬          ‫ا‬      ‫ا‬
‫فيما بينهم تأخذ طابع ً علمي ً ومؤسساتي ً يجعل لهم قيمة وتأثيرا وإشعاع ً في مهجـرهم‬
                                                                                      ‫الجديد.‬
‫لقد أخبرنا الرسول صلى اهلل عله وسلم أن مما فضل به على بقية األنبياء أن األرض‬
                                                          ‫ا‬
‫جعلت له مسجدً. وقد حقق المسلمون السابقون العظماء "مسجدية األرض" فـي كـل‬
            ‫األرض التي هاجروا إليها، فهل يمكننا أن نستأنف المسيرة ونحذوا حذوهم.‬
             ‫ر‬       ‫د‬             ‫ب‬
‫فلعل األرض تتخلص من الغيوم السوداء المتل ّدة وتعود مسج ًا طهـو ًا. ولعـل اهلل‬
‫ً‬      ‫ا‬                  ‫ا‬     ‫ا‬
‫يجري على أيدينا وأيدي المستخلفين من بعدنا نهرً جديدً لإليمان، وتاريخـ ً جديـدا‬
‫تتعانق فيه راية الوحي مع العلم، والحق مع القوة، ويسود العدل الشـامل والرحمـة‬
                                ‫المحمدية العالمية كل الكون... وما ذلك على اهلل بعزيز!‬
                                                           ‫____________________‬
                                                   ‫(0) االستيعاب البن عبد البر، 8/978.‬
                                                       ‫(8) سنن البيهقي الكبرى، 7/900.‬
                                          ‫* أستاذ التاريخ والحضارة اإلسالمية - مصر.‬
                                  ‫ــــــــــــ‬


                                             ‫702‬
                           ‫الهجرة .. عبرة وعبور..!‬

                                                          ‫عبد الخالق برزيزوي ...‬
‫التقويم الهجري يؤرخ لحدث عظيم في تاريخ اإلسالم ، حدث كـان بمثابـة انقـالب‬
                                            ‫وانعطاف سيطبع تاريخ البشرية جمعاء.‬
‫أراد اهلل سبحانه وتعالى أن ينقل المؤمنين من ضيق العيش إلى سعته ، ومـن ظلـم‬
‫وجور القريب إلى بر وإحسان النصير ، نقلة من أجواء الحصار إلى محضن اإليواء‬
‫والجوار.. هجرة من دار أبت أن تحتضن دعوة التوحيد إلى حين ، نحو بلـدة حنـت‬
                 ‫إليها، فحل بها األنس وأشرقت أرضها نورا وفاحت أجواؤها طيبا..‬
‫هاجر الرسول ‪ ‬من مكة أحب أرض اهلل إلى قلبه ، هاجر ملبيا أمـر ربـه نحـو‬
‫المدينة ، نحو قدر اهلل وال خيرة له عليه الصالة والسالم ، فقد اختـار اهلل ، فصـار‬
                                  ‫اختيار اهلل أحب إليه عليه السالم من كل ما سواه.‬
                                                                  ‫" سلنا غيرها ..!"‬
‫جاء نفر من مشيخة قريش يطلبون أبو طالب ليسألوه أن يمنع بن أخيه من سب آلهتهم‬
‫وتسفيه أحالمهم على أن يتركوه ويدعوه وإلهه، فكان رد النبي ‪ ‬أن قال لعمـه : "‬
‫أي عم ، أوال أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها : قال : وإلى ما تـدعوهم ؟ قـال :‬
‫أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم . قال: فقال أبو‬
‫جهل من بين القوم : ما هي وأبيك ؟ لنعطينكها وعشرا أمثالها. قال : تقول : ال إلـه‬
                                  ‫إال اهلل .قال : فنفروا وقالوا : سلنا غيرها ." (0).‬
‫هذا من قومه..قريب من عشيرته ، يعلم فضله عليه الصالة والسالم وصدقه ، لكنـه‬
‫أبى واستكبر وتمنع ، بل إن قريشا كلها لم تنكر صدق الرسول عليه الصالة والسـالم‬
‫، لكن كبار القوم ما كانوا ليقبلوا دينا يسوي بينهم وبين الفقير الوضيع ، مـا كـانوا‬
‫ليعتنقوا عقيدة من شرائعها عتق رقاب العبيد لتخضع لرب العباد ، ما كانوا ليومنـوا‬
‫بدين يجعل الفضل والقرب في أتقى الناس وليس في أغنـاهم أو أحسـنهم مظهـرا‬

                                      ‫802‬
‫وأكرمهم نسبا.. منعهم كبرهم وكبرياءهم أن يلتفتوا وينتبهوا إلى ما وراء ذلك اإليمان‬
                         ‫وتلك التلبية لدعوة التوحيد ، تولوا فخسروا الدنيا واآلخرة ..‬
‫القريب يتجهمك ويحاصرك ويظلمك وهو يدرك صدقك ويعلم سريرتك وأنـك تريـد‬
                     ‫يض يضي‬              ‫يب‬               ‫يتم‬          ‫ي‬
                 ‫الخير ، رغم ذلك َمْتنع و َ َ َنع و يأبى أن َت ِع .. ف َ ِيع و ُ َ ِع ..‬
‫هذا كان مع من بعثه اهلل رحمة للعالمين فما بالنا نحن..؟ ما بالنا نضجر ونغضب إذا‬
‫نهرنا أحد أو تجهم ؟ ما بالنا نضيق ونصخب إذا حاصرنا أحد أو ظلم ؟ ال نرضـى‬
‫بالظلم وال نقبل الحصار وال نعطي الدنية من أنفسنا.. بدعوى الصبر والرضى بقـدر‬
‫اهلل ، بل نرفض وندافع ونحاول رفع الظلم لكن برفق وبدون تعصـب أو تطـرف ،‬
       ‫نهرب من قدر الظلم والحصار واالستبداد طلبا لقدر العدل والشورى واإلحسان‬
            ‫ن‬
‫قد ال نقول كل الحق اليوم رفقا بالناس وتدرجا بهم .. لكن ال نقول وال ُسهم وال نبرر‬
                                                                          ‫الباطل أبدا..‬
                                                             ‫بعيد .. " .. وإنها لحق! "‬
                              ‫بح‬           ‫ص صع‬
‫وهذا رجل من بني عامر بن َعْ َ َة يقال له َ ِيرة بن فِراس ، كان رسول اهلل ‪‬‬
‫قد جلس إلى قومه يدعوهم إلى اهلل ويعرض عليهم نفسه ،يقول : " واهلل لو أني أخذت‬
‫هذا الفتى من قريش ألكلت به العرب. ثم قال له : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك‬
                 ‫، ثم أظهرك اهلل على من خالفك أيكون لنا األمر من بعدك ..؟ ( 8)‬
‫فبماذا سيملك هذا الرجل من غير قريش رقاب العرب ؟ وما هو هذا األمر الذي يسأل‬
                                               ‫الرسول الكريم أن يكون في قومه بعده؟‬
                       ‫ما وعده الرسول ‪ ‬بشيء من أمر الدنيا.. إنما هي الجنة ..!‬
‫عاد النبي ‪ ‬راجعا من الطائف إلى مكة ودخل في جوار المطعم بن عدي وهو مـن‬
‫المشركين ، ثم واصل دعوته سرا وعالنية ، وكان يعرض نفسه علـى النـاس فـي‬
                                 ‫كد‬
‫المواسم ، فكان ممن أتاهم من القبائل ، قبيلة ِنْ َة وبطن بني عبد اهلل من قبيلة كلـب‬
                                                ‫ص صع‬
‫وبني حنيفة وبني عامر بن َعْ َ َة ، فما أجابه إلى ما يدعوهم إليه أحد إال ما كـان‬
‫من أمر شيخ بني عامر بن صعصعة ، وكان ال يخرج إلى المواسم لعجزه وكبر سنه‬


                                         ‫902‬
‫، فقد أخبره قومه عن أحداث وأخبار الموسم الذي كانوا فيه وعن ما كان مـن خبـر‬
‫محمد بن عبد اهلل ، ‪ ، ‬ونبوته فقال لهم وهو يتحسر.. : " ... والذي نفس فالن بيده‬
                                                                          ‫تقول‬
                  ‫ما َ َ ََهَا إسماعيلي قط ! وإنها لحق ، فأين كان رأيكم عنه ! "( 2)‬
‫رجال من غير قومه أدركوا أهمية وفضل ما يدعو إليه عليه الصالة والسالم ، فـي‬
‫الدنيا " ..أيكون لنا األمر بعدك .." وفي اآلخرة ".. وإنها لحق .." علموا أن ما يدعو‬
‫إليه سيكون لهم فيه النصيب األوفر والفضل األكبر، فما أرادوا أن يسبقهم إليه أحد ..‬
                                     ‫حرص على االستئثار بالخير ، ونعم الحرص !‬
                                  ‫عبرة وعبور .‬
        ‫ال هجرة بعد اليوم ، لكن نية وجهاد ، ال هجرة بعد اليوم لكن عبرة وعبور..!‬
‫عبرة نستلهمها من ذلك الحدث الذي غير مجرى حياة البشرية ، فنقلها من ظالم وظلم‬
‫الناس للناس إلى نور وعدل إله الناس ، ما كان للبشرية أن تهنأ لوال اإلسـالم . مـا‬
‫كان لها أن تسعد لوال رحمة ورفق وتؤدة اإلسالم . اإلسالم علم العالم كيـف يكـون‬
‫الجوار وكيف يحسن المرء إلى زوجه وكيف يسالم ويقاتل وكيف يصـل ويقطـع و‬
‫كيف يعطي ويمنع .. اإلسالم ربى الناس على الخير ونمى فيهم إلـى جانـب حـب‬
                                        ‫اآلخرة حب الحياة وعمارة األرض بالخير..‬
‫وهي هجرة وصل و عبور من ذلك العهد إلى عهدنا وما أدراك ما عهـدنا ! عهـدنا‬
‫يشهد إعادة فتل ما انتقض من عرى اإلسالم لتهيئة أجواء استقبال أمر اهلل..عهدنا هو‬
‫نهاية استبداد كل ظالم ونهاية انكماش قوة اإلسالم..عهدنا هو زمان العـزة والنصـر‬
   ‫والمنعة والظفر..عهدنا نور على نور.. عهدنا يقظة وهمة وقيام من كبوة وعودة..‬
‫قدر اهلل بين أيدينا يدعو وينادينا ويصدع بالخير فينا ، يعلن ويبطن و يجهـر ويسـر‬
‫بالليل و النهار و يأخذ بحجزنا ويدفعنا في صفه مع ركبه .. واهلل إنه لحق يأتيه التأييد‬
           ‫أن ب‬
‫من الغيب والشهادة ، واهلل انه لصدق برهانه ما يراه الناس وتراه .. َ ُسْ َق إليه وقـد‬
‫نشأ بيننا ، أيحتضنه وينصره غيرنا ونحن أولى به وأجدر ؟ ال واهلل لسـنا فيـه مـن‬
                                                     ‫الزاهدين ولسنا عنه راغبون ..‬


                                       ‫012‬
‫كان اهلل عز وجل يهيئ األسباب ويذلل الصعاب ، ولما أراد إظهـار دينـه ، خـرج‬
‫الرسول ‪ ‬في أحد المواسم وبينما كان يعرض نفسه على قبائل العـرب لقـي عنـد‬
‫العقبة رهطا من الخزرج وعرض عليهم اإلسالم وتال عليهم القرآن: " فقال بعضـهم‬
                      ‫بق‬                       ‫ت عد‬
‫لبعض : تعلمن واهلل إنه النبي الذي ُو ِ ُكم به يهود ، فال يَسْ ِ ُنكم إليه " (6) ، فكانت‬
‫هذه هي أولى الوفود التي آمنت بالدعوة اإلسالمية من خارج مكة فتمت بـذلك بيعـة‬
‫العقبة األولى . ثم تالها لقاءان آخران ، لقاء العقبة الثانية وقد حضر فيه إثنا عشـر‬
                                ‫رجال من األنصار وبايعوا رسول اهلل ‪ ‬بيعة النساء.‬
‫وبعد ذلك ، وقد فشا اإلسالم في يثرب ، خرج مسلمو األنصار إلى الموسم وتواعدوا‬
‫مع الرسول ‪ ، ‬على لقاء آخر ، فكانت بيعة الحرب التي حضرها سـبعون رجـال‬
‫وامرأتان ، وقد بايعوا على أن يمنعوا الرسول ‪ ‬مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم .‬
                                    ‫شهادة وداللة.‬
‫كتب اهلل على نفسه ليغلبن هو ورسله ، وهو سبحانه يعلم حيـث يجعـل رسـاالته ،‬
                                                              ‫ويجعل لكل أجل كتاب .‬
‫دعوة العدل واإلحسان بيننا ، والرجل الذي جاء بها بين ظهرانينا ، يسير علـى أثـر‬
‫الرسول الكريم ‪ ، ‬ال نزكي على اهلل أحدا ، إنما أقول ما شهد له به علماء األمة في‬
‫المشرق والمغرب ، بل ما شهد له به غير المسلمين ، أعرف خير الرجل ألنه كـان‬
‫وال يزال دليلي إلى الخير ، أعرف فضله ألن ديني ينهاني أن أنسى فضل من أحسن‬
                                                                                ‫إلي ..‬
‫األستاذ عبد السالم ياسين مرشد جماعة العدل واإلحسان ما زال بيننا ، وقد كان بيتـه‬
‫في يوم من األيام مفتوحا للجميع ، فجاء قدر الحصار ومنع عنه الزوار لفترة .. ثـم‬
                     ‫رفع عنه بعض ذلك الحصار لكن ال يعلم أحد ماذا تخبئه األقدار؟‬
       ‫ح‬
‫من بلغه خبره يغبطنا نحن المغاربة ، يقول لنا " إن عندكم رجال مباركا قد ِيـز لـه‬
                                         ‫الفضل فتشبثوا به واتبعوا دعوته وانصروه.."‬



                                         ‫112‬
‫من علم فضله من علماء المسلمين يرجو ويتمنى على اهلل أن يكتب له فرصة زيارته‬
                                                                    ‫والجلوس إليه ..‬
                                    ‫من أدرك ما يدعو إليه يود لو أنه بينهم ومعهم ..‬
‫الناس يطلبون الرجل من خارج بلدنا ، واهلل إنهم يتشوفون ويرجون رؤيته ومشـافهته‬
‫، ليس تبركا وال تقديسا وال تقربا مبتدعا وال تدليسا ، إنما ليقينهم بأن ما يـدعو إليـه‬
‫الرجل هو الحق وهو أحق أن يتبع ، فالعبرة العبرة ، فال يسبقننا إليه أحد ، ال نمـانع‬
‫األقدار وال نصانع ، بل نوافق ونسابق ، ونرجو اهلل أن يبارك ويجعل ما نريد في ما‬
                                                    ‫يريد ..والحمد هلل الحميد المجيد.‬
            ‫0- الطبري ، تاريخ األمم والملوك، بيروت9970 ، مجلد 0 ، ص668‬
                                                     ‫8 - نفسه ، مجلد 0، ص968‬
                                                   ‫2 - نفسه ، مجلد 0 ، ص 488‬
                                                 ‫6 - نفسه ، مجلد 0 ، ص 988 ،‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫212‬
                           ‫الهجرة ... فاتحة عهد جديد‬

    ‫ة ث م‬
‫كانت هجرة رسول اهلل سيدنا محمد بن عبد اهلل ‪ ‬من مكة إلى المدين ِ حد ًا ها ًا من‬
                                                                     ‫ث‬
‫األحدا ِ الحاسمة في تاريخ الدعوة اإلسالمية، فبها انتهى عهد وابتدأ عهد، وصـارت‬
              ‫طيبة مهاجر النبي ومثواه األخير حيث دفن جسده الشريف في أرضها.‬
‫لقد حفلت كتب السيرة بتدوين حوادث الهجرة المباركة، وتبارت أقالم الكاتبين في ذكر‬
         ‫د‬      ‫خ‬                 ‫ك‬                              ‫ة‬
‫المعاني البالغ ِ والعبر التي انطوت عليها رحلة َتبت للخالئق تاري ًا مجي ًا وعصـرًا‬
                      ‫ال‬
               ‫زاهرًا جديدًا، فكانت نهضة عظيمة لم تعرف لها البشرية مثا ً سبقها.‬
                                              ‫ص‬
‫لقد ناصب رجال القبائل، خصو ًا قريش في مكة، نبي اهلل العداء، واجتمعـوا علـى‬
                                                                       ‫ئ‬
‫إيذا ِه وتعذيب أصحابه والوقوف بوجه دعوته ليفتنوا الذين آمنوا عن دينهم، فأشـار‬
                             ‫ة‬                      ‫ه‬
‫الرسول ‪ ‬على أصحاب ِ أن يهاجروا إلى الحبش ِ فهاجر عشرة رجال وأربع نسـوة،‬
                                ‫ال‬
‫ثم زاد عددهم حتى بلغ ثالثة وثمانين رج ً وسبع عشرة امـرأة سـوى الصـبيان،‬
            ‫هاجروا مخافة الفتنة وفرارًا إلى اهلل بدينهم فكانت أول هجرة في اإلسالم.‬
                                                ‫ة‬
‫وقد أحسن النجاشي ملك الحبش ِ استقبالهم وأكرمهم، فاطمأنوا فـي جـواره وأمنـوا.‬
‫وحاولت قريش التقرب إلى النجاشي بالهدايا النفيسة الستردادهم واإليقاع بينهم وبـين‬
               ‫ق‬
‫النجاشي، ولكن النجاشي سمع منهم آيات بينات من القر آن في ح ّ نبي اهلل عيسـى‬
                                                     ‫د‬
‫عليه السالم وأمه الص ّيقة مريم فصدق بدعوتهم وزاد من إكرامهم وحمايتهم وبـاءت‬
                                                   ‫قريش بالخيبة والخسران المبين.‬
                                        ‫ب‬
‫لقد كان أذى المشركين للمسلمين عجي ًا، ولكن صبرهم على األذى كان أعجب، فثبتهم‬
‫اهلل، فازداد عددهم وقويت شوكتهم، حتى خشي المشركون بأسـهم، فـأجمعوا علـى‬
                                                     ‫ل‬
‫مقاطعة بني هاشم حتى يسّموا إليهم الرسول ليقتلوه، ولكن أهل بيته نصروه برغم ما‬
                                                      ‫وجدوه من الشدائد واألهوال.‬
‫ثم فقد النبي الكريم نصيرين بوفاة عمه أبي طالب ثم زوجته خديجـة، فـانطلق إلـى‬
                                               ‫ن‬
‫الطائف ولكنه لم يجد من أهلها أذ ًا صاغية وآذوه بأقوالهم وأفعالهم فعاد إلـى مكـة.‬


                                       ‫312‬
‫وكان يقصد في نشر الدعوة الموسم حيث تأتي القبائل إلى مكة، فوجدت دعوته صدى‬
                    ‫ن‬                                                 ‫ب‬
‫طي ًا بين أهل يثرب األوس والخزرج الذين عرفوا وصفه بأ ّه نبي آخر الزمان مـن‬
                         ‫اليهود، فآمن منهم ستة كانوا سبب انتشار الدعوة بعد ذلك.‬
                             ‫ح‬
‫لقد وجدوا في دعوة التوحيد وتعاليم النبي ما يو ّد كلمـتهم ويجمـع شـتات شـملهم‬
‫ويقضي على ما بينهم من تنازع وبغضاء، ووجدوا في شخصية الرسول ‪ ‬ضـالتهم‬
‫المنشودة فاجتمعوا تحت لوائه. لقد دعاهم إلى التوحيد الخالص ونهاهم عـن عبـادة‬
                                                                  ‫ل‬
‫األوثان، وعّمهم اإليمان برسل اهلل وكتبـه المنزلـة ومالئكتـه المقـربين وبالبعـث‬
‫والجزاء، كما دعاهم إلى مكارم األخالق وترك الخبائث من األعمال والسـيئات مـن‬
‫العادات وهذا مصداق لقوله جل وعال في سورة الجمعة :{هو الذي بعث في األميـين‬
                                             ‫ك‬                           ‫ال‬
‫رسو ً منهم يتلو عليهم آياته ويز ّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا مـن قبـل‬
                                                               ‫لفي ضالل مبين}.‬
‫وهكذا انتشر اإلسالم بالمدينة، ثم لما سمعت قريش بإسالم األنصـار ومبـايعتهم لـه‬
         ‫ر‬
‫صلى اهلل عليه وسلم، جزعوا وفزعوا أشد الفزع ووجدوا في ذلـك خطـ ًا علـيهم،‬
‫فيزول سلطانهم وتذهب ريحهم وتتعرض تجارتهم إلى الشام غادية ورائحة لخسـران‬
                               ‫ي‬
‫عظيم، فمكروا مكرهم وتآمروا على قتل النب ّ وسمعوا رأي زعيمهم عمرو بن هشام‬
‫الذي سماه الرسول فيما بعد بأبي جهل، فقد أشار عليهم بأن يجتمع عدد مـن شـبان‬
            ‫ي‬                         ‫م‬      ‫ف‬
‫قبائل العرب يحمل كل واحد منهم سي ًا صار ًا ثم يعمد هؤالء إلى النب ّ فيضربوه بها‬
‫ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فال يقدر بنو عبد مناف على قتـال قبائـل‬
   ‫العرب جميعهم ثم يعطونهم الدية بعد ذلك، وقد اجتمع كفار قريش على هذا الرأي.‬
                            ‫وعد‬
‫ثم إن اهلل تبارك وتعالى أوحى للنبي ‪ ‬بتآمرهم و َ َ َه بالعصمة والنجاة منهم، وأذن‬
                                  ‫هلل‬               ‫د‬           ‫ة‬
‫اهلل له بالهجر ِ فأخبر الص ّيق أبا بكر رضي ا ُ عنه بعزمه على الرحيل وقال: يا أبا‬
                                                            ‫ذن‬
‫بكر إن اهلل قد أ ِ َ لي في الخروج والهجرة فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اهلل. قال‬
       ‫رسول اهلل: الصحبة. فهيأ سيدنا أبو بكر راحلتين لهذا السفر المبارك الميمون.‬



                                      ‫412‬
                                                  ‫علي‬
‫ثم إن النبي أمر سيدنا ًّا كرم اهلل وجهه بالمبيت في مضـجعه وأن يلـبس بردتـه‬
                                              ‫وطمأنه أنه لن يصيبه مكروه بإذن اهلل.‬
                          ‫ال‬                             ‫ة‬
‫وخرج عليه الصال ُ والسالم مع أبي بكر الصديق لي ً ومكثا في غار ثور قرب مكة،‬
           ‫ي‬                                         ‫ن‬
‫ولكن المشركين بثوا العيو َ واألرصاد ووعدوا بالجوائز لمن يظفر بالنب ّ ويأتي بـه،‬
  ‫ي‬            ‫علي‬
‫وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ذهبوا إلى مضجعه فأبصروا سيدنا ًّا فبهتوا وخ ّـب‬
                                                                             ‫هلل‬
                                                        ‫ا ُ سعيهم وأعمى أبصارهم.‬
               ‫ء‬         ‫د‬        ‫ّ‬        ‫ي ي‬
               ‫نام في بردة النب ّ عل ّ * كي يضل األرصا ُ والرقبا ُ‬
         ‫ء‬
         ‫* والمنايا مشلولة عميا ُ‬         ‫ومشى المصطفى يخوض المنايا‬
     ‫ف‬
‫وهكذا ظفر الغار بشرف ضيافة النزيلين الكريمين ثالثة أيام، وكان عامر بن ُهيـرة‬
‫مولى سيدنا أبي بكر يمر عليهم باألغنام فيحتلبان. وكان عبد اهلل بن أبي بكر يوافيهما‬
            ‫بما يجد من األخبار، حتى سكن من ورائهما الطلب، وغفل عنهما الناس.‬
‫وفي اليوم الرابع وافاهما عبد اهلل بن األريقط براحلتين فخرجا إلـى المدينـة. وفـي‬
‫الطريق أدركهما سراقة، وظن أن الفرصة سانحة لربح الجائزة، ولكن فرسه عثر بـه‬
                                                        ‫ض‬
‫وساخت في األر ِ قوائمه، وأحدق به إعصار، عندها استغاث سراقة ووعد أن يكتم‬
                                                      ‫أمرهما، ووفى سراقة بما وعد.‬
‫ولما وصل النبي ‪ ‬وصاحبه رضي اهلل عنه إلى المدينة كان النصر والتأييـد مـن‬
‫األنصار، و آخى الرسول بينهم وبين المهاجرين فكانت نقطة تحول مهمة كسبت منها‬
                   ‫ر‬                  ‫ر‬                  ‫ع‬
                 ‫الدعوة اإلسالمية قوة واندفا ًا، وذيوعًا وانتشا ًا، وأعوانًا وأنصا ًا.‬
                                                                     ‫ع‬
‫وشا َ في نفوس المؤمنين سرور اللقاء فاإلسالم يـدعوهم إلـى العـدل واإلحسـان،‬
                          ‫ر‬
‫وينهاهم عن البغي والعدوان، ويؤلف بين قلوب كانت ف ّقتها الجاهلية، ويجمع كلمات‬
                                                  ‫ي‬
‫مزقتها العصبية. وأمرهم نبّهم بإفشاء السالم وهو عنوان المودة والرحمة، وأمـرهم‬
‫بإطعام الطعام وهو ءاية التعاون والتراحم، وبصالة الليل والناس نيام وهـي صـالة‬
                                                                    ‫األوابين المتبتلين.‬



                                        ‫512‬
                               ‫ال‬               ‫ر‬         ‫جن‬
‫لم تكن هجرته ‪ُ ‬ب ًا أو فرا ًا بل كانت انتقا ً من دار صعب فيها نشر الدعوة إلى‬
‫دار وضع فيها أساس الدولة اإلسالمية العظيمة، فتألفـت قلـوب األوس والخـزرج‬
                          ‫ن‬
‫وتآخى المهاجرون مع األنصار فصارت الهجرة فرقا ًا بين الحـق والباطـل وكثـر‬
                                          ‫المؤمنون بعد قلة واجتمعوا بعد شتات.‬
‫إن علينا أن نعتبر بمعاني الهجرة ونأخذ منها الدروس والعظات؛ ففي الهجرة مفارقـة‬
‫للوطن واألهل والديار واألموال، وفي هذا ثبات المؤمن على عقيدة الحـق، وصـبر‬
            ‫ن‬
‫وعزم وتضحية جعل اهلل فيها الثواب الجزيل، والرسول ‪ ‬يقـول :"إّمـا األعمـال‬
‫بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى اهلل ورسوله فهجرته إلى اهلل‬
 ‫ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                    ‫612‬
    ‫الهجرة أظهرت ما فى المجتمع العربي من القيم اإلنسانية واألخالق النبيلة‬

           ‫عند الهجرة ضرب الرسول ‪ ‬ألمته المثل فى دقة التخطيط وقمة التوكل‬
‫كشفت أحداث الهجرة النبوية عن قيم فاضلة وأخالق كريمة ومواقف إنسانية رائعـة‬
‫كان بعضها موجودا فى البيئة العربية قبل اإلسالم مثل الشجاعة والشهادة والتضـحية‬
‫والنجدة ونصرة الضعيف وإغاثة الملهوف واحترام المرأة وصون كرامتهـا وعفتهـا‬
‫وكذلك خلق اإليثار والكرم والسخاء ،وغير ذلك من القـيم األصـيلة التـي عرفهـا‬
‫المجتمع العربى قبل اإلسالم وجاء اإلسالم فأبقى عليها وقواها وأضاف إليها .. كـل‬
‫هذا يؤكد أن المجتمع العربي الذى أنبت صاحب الرسالة الخاتمة سيدنا محمد ‪ ، ‬لم‬
‫يكن مجتمعا شريرا أو همجيا أو خاليا من القيم النبيلة واألخالق الفاضلة كما تحـاول‬
‫بعض أبواق الدعاية الحاقدة على اإلسالم وأهله أن تصوره . وقد أبـرزت أحـداث‬
‫الهجرة المباركة .. بعض جوانب هذه القيم النبيلة واألخـالق الحميـدة والسـلوكيات‬
‫اإلنسانية الرقيقة التي أفرزها المجتمع العربي وجاء اإلسـالم فرسـخها وسـما بهـا‬
‫وأضاف إليها ليبنى مجتمعا إنسانيا متماسكا ومتعاونا وقويا لم يشهد التاريخ له مثـيال‬
‫على مر العصور واألزمان وهنا نلقى الضوء على بعض جوانـب هـذه الصـورة‬
‫المشرقة من القيم النبيلة واألخالق الرفيعة التي برزت خالل حـادث الهجـرة التـي‬
                                                         ‫نحتفل بها فى هذه األيام .‬
‫د .رأفت عثمان :األخالق العربية األصيلة تجلت فى كثيـر مـن مواقـف الهجـرة‬
                                ‫والرسول ضرب المثل فى الرحمة والعفو والتسامح‬
‫يقول الدكتور محمد رأفت عثمان العميد األسبق لكلية الشريعة وعضو مجمع البحوث‬
‫اإلسالمية :كلما تأمل الباحثون وعلماء الشريعة فى حادثة الهجرة وهى الحادثة التـى‬
‫غيرت أمورا غاية فى األهمية ليس أقلها أنها طبعت الدعوة اإلسالمية بالعلنية والجهر‬
‫بها ..بل إننا يمكن أن نرى فيها قبل أن تبدأ وقبل أن يغادر رسول اهلل ‪ ‬بيتـه فـى‬
‫مكة المكرمة إلى المدينة المشرفة أمورا تلفت النظر إلى وجود قيم خلقية طبـع بهـا‬


                                      ‫712‬
‫المجتمع العربى سواء أكان فى الجاهلية أو بعد دخوله فى اإلسالم فليست كل الجاهلية‬
‫السابقة لإلسالم شرا محضا وإنما كان فى العرب أيضا بعض النواحى الخلقية التـى‬
‫معهودة ومتعارفا الفترة لم يفقدوها فى جاهليتهم ولهذا أبقى االسالم على بعض هـذه‬
‫القيم الخلقية التى كانت عليها كاألمانة والمحافظة على حرمة البيوت والشجاعة وهنـا‬
‫يجدر بنا أيضا أن نذكر أن حادث الهجرة العظيم هذا قد قامت العقيدة فيـه بتحريـك‬
                                    ‫طاقات هائلة ال حدود لها داخل اإلنسان المسلم .‬
                                   ‫شجاعة على‬
‫فصبى لم يبلغ مبلغ الرجال تبلغ به الشجاعة التى تربى عليها فى مجتمعـه العربـى‬
‫وحركتها عقيدته أن يعرض نفسه للهالك والقتل على يد أناس غالظ األكباد وذلك فى‬
‫سبيل ما اعتقده للعبادة وهو الموقف الذى وقفه على بن أبى طالب رضـى اهلل عنـه‬
‫عندما قبل أن يبيت فى فراش الرسول ‪ ‬موهما أعداءه أنه اليزال فى فراشه ومـا‬
‫حدث من قبل على كرم اهلل وجهه أمر يجب أن نعمل على تنميتـه فـى مجتمعاتنـا‬
‫اإلسالمية اليوم حيث يجب أن نغرس اإليمان بالهدف الـذى يجـب أن نحققـه فـى‬
‫مجتمعنا فلقد آمن على رضي اهلل عنه بهدفه وأقدم على التضحية بحياته فـى سـبيل‬
‫تحقيق هذا الهدف ..والبد أن تؤمن الجماعات واألفراد فى كافة الدول اإلسالمية بأنها‬
‫البد أن تعيش حياة التفوق العلمي فى كافة مجاالته حتى تتمكن من أن يكون لها وجود‬
‫بين األقوياء وإال أ كلت كما تأكل الذئاب الخراف وقد بدأ هذا األكل فعال وأصبح أمرا‬
‫ال جدال فيه فالسبيل الوحيد هو غرس اإليمان فى نفوس الجميع بأنه البد من تحقيـق‬
‫القوة فى كافة نواحيها المختلفة العلمية والثقافية والسياسية والعسكرية أما أن نتحـدث‬
‫كل عام عن الهجرة بالكالم المحفوظ ثم ال تثير فى المسلمين الهمم فى تغيير األحوال‬
               ‫التى نعانى منها اآلن فى كافة ديارنا اإلسالمية فهذا كالم ال داعى له .‬
‫كما أن الهجرة عادة التكون منطلقا للمهاجرين من أية بقعة فى العالم إلى أن يتطوروا‬
‫من مكانة الضعف إلى القوة ثم يعودون إلى المنطقة التى هاجروا منها وهم أشد قـوة‬
‫.وإنما الهجرات التى تحدث عادة من بعض مناطق العالم يستقر القـائمون بهـا فـى‬


                                       ‫812‬
‫أماكنهم الجديدة وال تربطهم بمواطنهم األصلية بعد ذلك اإل روابط ضعيفة ،لكن هـذه‬
‫الهجرة العظيمة فى التاريخ االنسانى نجدها على العكس مما هو متعـود فـى حيـاة‬
‫البشرية ،فالذى حدث أن المسلمين بعد أن هاجروا إلى المدينة رجعوا وهم أكثر قـوة‬
‫وأشد بأسا منتصرين على من كانوا يعتدون عليهم .ونجد قائد الهجرة ‪ ، ‬العظيم فى‬
‫بشريته ال تحركه النزعات االنتقامية عندما يعود من هجرتـه منتصـرا علـى مـن‬
‫أخرجوه من بلده ويأتى الحوار الذى يعد المثل األعلى بين قائد منتصر وأعداء سبقت‬
‫تعدياتهم عليه وعلى من معه ، حيث يقول القائد ‪، ‬ما تظنـون أنـى فاعـل بكـم‬
‫؟فيردون : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فيقول ‪ ‬بشخصية القائد الـرحيم الـذى ال‬
              ‫تحكمه نزعات االنتقام والتشفى من أعدائه :اذهبوا فأنتم الطلقاء ..،تلك‬
‫هى أخالقيات اإلسالم وقيمه التى يجب على كل مسلم أن يحرص على التأكيد عليهـا‬
                          ‫من خالل كل قول وسلوك وتصرف يقوم به بين الناس .‬
                     ‫اإلسالم دين المحبة واألخوة اإلنسانية‬
‫يقول الدكتور جالل البشار وكيل كلية الدعوة جامعة األزهر : إن من أبرز األخـالق‬
‫التي تجلت فى هجرة المصطفى ‪ ‬خلق اإليثار وتعنى تقـديم الغيـر علـى الـنفس‬
‫وتفضيله فى األمور المحببة . وكذلك تعنى تقديم النفس بتحمـل األمـور الشـاقة أو‬
                    ‫المخيفة لتحسس ما يتوقع منه األذى حرصا على سالمة الغير .‬
‫وقد هذا الخلق الكريم فى عدة مواقف أثناء رحلة الهجرة من مكة إلى المدينـة مثـل‬
‫إسراع الصديق أبى بكر بدخول غار ثور قبل الرسول ‪ ‬للتأكد من خلو الغار مـن‬
‫كل أذى ومقدما نفسه للتعرض لألذى إيثارا لسالمة النبى ‪ ‬على سالمته رضـي اهلل‬
‫عنه حيث كان يمشى تارة أمامه وتارة خلفه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله ليحميه‬
‫من كل شر .كما خلق اإليثار لدى أسماء بنت أبى بكر عندما آثرت نجـاح الهجـرة‬
‫وسالمة الركب الكريم للرسول ‪ ‬على سالمتها الشخصـية فتحملـت أذى قـريش‬
‫وتحرشهم بها وتهديدهم لها ولم تبح لهم بأى خبر تعرفه عن مكان الرسول وصـاحبه‬
‫.وكذلك لم يتردد على بن أبى طالب كرم اهلل وجهه فى النوم فـى فـراش النبـى ‪‬‬


                                     ‫912‬
‫ليوهم المشركين المتربصين بباب داره أنه مازال نائما فى فراشه .وقـد كـان مـن‬
‫المحتمل أن يتهور أحد المشركين ليرمى النائم بسهم وهو فى فراشـه . إال أن عليـا‬
            ‫رضى اهلل عنه لم يحرص على حياته وإنما حرص على حياة النبى ‪. ‬‬
‫كما ضرب األنصار المثل األعلى فى إيثار المسلم ألخيـه المسـلم .عنـدما آثـروا‬
‫المهاجرين على أنفسهم فذكرهم اهلل تعالى فى قوله ،والذين تبوأوا الدار واإليمان مـن‬
‫قبلهم يحبون من هاجر إليهم وال يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على‬
‫أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .،فما أحوجنـا‬
‫فى هذه األيام لهذا الخلق الكريم حيث تتحكم فى سـلوك النـاس وعالقـاتهم األثـرة‬
‫واألنانية وحب الذات فلو ساد هذا الخلق لترابطت المجتمعـات وتوطـدت العالقـات‬
‫وانقطعت النزاعات وشاع الحب والوئام كل المجتمعات البشرية ولبرز للعالم كلـه أن‬
                        ‫اإلسالم هو دين الحب والسالم واإلنسانية فى أجل صورها .‬
              ‫عداء المشركين لم يمنع الرسول ‪ ‬من ود أماناتهم‬
‫يؤكد الدكتور أحمد زلط وكيل كلية التربية بجامعة قناة السويس :أن األمانة كانت من‬
‫أهم سلوكيات رسولنا الكريم ‪ ‬فلقد عرف بالصادق األمين ..والحقيقـة أن الصـدق‬
‫واألمانة صفتان أصيلتان فى السلوك العربى وذلك أمر يجب إبرازه للعالم كله خاصة‬
‫للعالم الغربى الذى يزعم أن المسلمين العرب ال يعرفون إال السرقة والنهب والغـش‬
‫وحب االستيالء على أموال الغير والنصب واالحتيال وكلها طرق وأساليب تدل علـى‬
‫عدم األمانة وعلى الكذب وهم يصورون ذلك من خـالل حمـالت الغـزو الفكـرى‬
                                                            ‫المنظمة والمستمرة .‬
‫ويجب على المسلمين إدراك خطورة التأثر بتلك الحمالت ،ولألسف الشديد قد أصـبح‬
‫لدينا نسبة تقتدى بتلك الحمالت والنسبة ال تمثل حتى اآلن فى المجتمع العربى المسلم‬
‫ككل ..واألمانة صفة يحث عليها اإلسالم ،ورسول اهلل ‪ ‬عندما أمر بـالهجرة كـان‬
‫محمال بأمانات كثيرة فلم يكن بمكة المكرمة أحد عنده شئ يخاف عليه إال وضعه عند‬
‫رسول اهلل ‪ ‬لصدقه وأمانته ورغم شدة عداء المشركين له واجبارهم له ولمن معـه‬


                                      ‫022‬
‫على الهجرة وترك ديارهم إال أن الرسول ‪ ‬ترك عليا كرم اهلل وجهه فى مكة ليقوم‬
‫برد الودائع إلى أصحابها ..فاألمانة صفة أساسية من صفات العرب وقد جاء اإلسالم‬
‫وحث عليها فالمولى عز وجل يقول فى كتابه الحكـيم :،إن اهلل يـأمركم أن تـؤدوا‬
‫األمانات إلى أهلها ،كما يقول سبحانه :،فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الـذى أؤتمـن‬
‫أمانته .،. كما يقول رسول اهلل ‪، : ‬آية المنافق ثالث :إذا حدث كـذب وإذا وعـد‬
‫أخلف وإذا أؤتمن خان .،ويضيف د .أحمد زلط واألمانة فى ضوء ذلك تـؤدى إلـى‬
‫استقامة الطبع وإلى التنمية المستدامة وكلما اتسعت دائرة النهـب والغـش والسـرقة‬
‫ضاقت القدرة على اكتساب السلوك القويم ومن ثم ال تتحقق التنمية التى نسـعى إلـى‬
‫تحقيقها فى مجتمعنا فاألمانة قيمة أصيلة فى المجتمع العربي اإلسالمي ومن ال يعمـل‬
‫بها آثما يضر بنفسه وبمن حوله . وعلى كل مسلم أن يتمسك بمبادئ دينه وأخالقيات‬
                           ‫مجتمعه العربي وأن يعطى الصورة الصحيحة لإلسالم .‬
‫أما اإلنسان الذى ال يلتزم الصدق واألمانة فى مجتمعنا يرجع ذلك إلى عيب فيه ال فى‬
                                              ‫تعاليم الدين أو سلوكيات المجتمع .‬
  ‫أسماء ضربت المثل فى الشجاعة والتضحية وأبو جهل يخجل من نفسه بعد أن‬
                              ‫لطمها على وجهها‬
‫تقول دكتورة آمال يس أستاذ الفقه بكلية الدراسات اإلسالمية جامعة األزهـر : كـان‬
‫للمرأة المسلمة دور بارز فى هجرة الرسول ‪ ‬التى تعتبر من أعظم أحداث التـاريخ‬
‫.حيث كانت أسماء بنت أبى بكر بطلة من أبطالها أدت دورها الذى كلفت به بكل دقة‬
‫وحذر . فضربت المثل األعلى للمرأة المسلمة المؤمنة بربها القوية الشجاعة المجاهدة‬
‫.وهو ليس بالشئ الغريب فهى بنت عبداهلل بن أبى قحافة الملقب (بأبي بكر الصـديق)‬
‫وأختها عائشة (زوج النبى ‪) ‬وزوجها الزبير بن العوام (مـن العشـرة المبشـرين‬
                                                                      ‫بالجنة ).‬




                                     ‫122‬
‫فعندما أذن اهلل تعالى لرسوله الكريم بالهجرة بصحبة أبى بكر ،وعلمت أسـماء بنبـأ‬
‫السفر أسرعت بتجهيز ما يحتاجه المسافران من لوازم الرحلة .وعندما دخل الرسول‬
 ‫‪ ‬بيت أبى بكر فى الثلث األخير من الليل يوم الهجرة كانت قد أعدت لهما كل شئ .‬
‫ولما انتهى الرسول ‪ ‬وصاحبه إلى غار ثور كانت تأتيهما بالطعـام والشـراب إذا‬
‫أمست طوال ثالثة أيام هى الفترة التى قضاها الرسول الكريم وصاحبه بالغار .وفـى‬
‫يوم السفر جهزت للركب سفرته ،فلما إرتحال وذهبت لتعلق السفرة (الطعام والشراب‬
‫).وجدت نفسها وقد نسيت أن تجعل لها رباطا .فحلت نطاقها (حزامها)وشـقته اثنـين‬
‫جزءا علقت به السفرة .واآلخر انطلقت به ،فرآها الرسول ‪ ‬وهى تفعل ذلك فقـال‬
‫لها .،أبدلك اهلل بنطاقك هذا نطاقين فى الجنة ؟ كما أنها رضي اهلل عنها شجاعة قويـة‬
‫وحسن تصرف عندما جاءها عمرو بن هشام الملقب، بأبي جهل ،ومع نفر من قريش‬
‫وسألها عن أبيها وعن رسول اهلل ‪ ‬وألح فى السؤال إال أنه لم يصل معها إلى جواب‬
‫شاف. فلم يملك نفسه من الغيظ فلطمها على وجهها لطمة قوية شقت أذنها وأسـقطت‬
‫قرطها .فقامت وقد تلطخ وجهها بالدماء وهى ثابتة ال تتزحزح رغم ما تعانيه من شدة‬
‫األلم وثبتت على حفظ السر الذى إئتمنها عليه الرسول الكريم .أما أبـو جهـل فقـد‬
‫انسحب فى خزي وعار بعد أن طلب من شهدوا هذا الموقف كتمانه وعدم إخبار أحد‬
‫به إال أن هذا الخبر انتشر والمه أهل مكة على تصرفه المشين .وعابوا عليه مخالفـة‬
‫األخالق والشهامة العربية الرافضة للتعدى على النساء ، واعتبروا هـذا التصـرف‬
‫إهانة لقريش كلها . وقت طويل على هجرة الرسول ‪ ‬وأبيها حتى لحقت بهما أسماء‬
‫لتجاهد ثانية لبناء الدولة اإلسالمية بدور جديد لها كزوجة وأم حيث ربت أبناءها على‬
‫الشجاعة واإلقدام والتضحية من أجل نصرة دين اهلل فكانت حياتهـا بكـل جوانبهـا‬
‫نموذجا يحتذي به لكل امرأة مسلمة فى الشجاعة والصبر والفداء وحسن تربية األبناء‬
                                                                               ‫.‬
‫إيمان الرسول بأهمية الكفاءة وعدم التعصب اتخذ دليال غير مسلم يقوده فى طريق‬
                                    ‫الهجرة‬


                                      ‫222‬
‫يقول د .عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ اإلسالم جامعـة األزهـر: فـى اسـتقرائنا‬
‫لصفحات التاريخ القديم نجد أن البيئة العربية قبل اإلسالم تميزت بعدم التعصب الدينى‬
‫بدليل أن مكة المكرمة رغم أنها مركز البيت الحرام إال أنها كانت مركـزا للتسـامح‬
‫الدينى فجمعت بين الحنفاء وعباد األصنام واألوثان وعبده الشمس والنجوم والالدينيين‬
‫وكان مبدأهم أعبد ما شئت طالما ال تؤذى أحدا وال تقترب من مكانة قريش ومركزها‬
‫لذلك نجد الرسول ‪ ‬لم يستنكف عن االستعانة بغير المسلم ليكون دليله فى الهجـرة‬
‫وذلك لعدة أسباب منها أن عبداهلل بن أريقط الليثى كان من أعظم الخبرات فـى ذلـك‬
‫الوقت كدليل وهاد ماهر فى دروب الصحراء والطرق الوعرة فى جميع أنحاء شـبه‬
‫الجزيرة العربية . ورغم أن عبداهلل بن أريقط كان ال يزال على ديـن قومـه إال أن‬
‫الرسول ‪ ‬كان يدرك أن من الصفات العربية األصيلة الوفاء بالوعد وعـدم خيانـة‬
‫العهد .وأيقن أن عبداهلل بن أريقط لن يخونه أو يشى به . وهذا الخلق الحميـد أقـره‬
‫اإلسالم ودعا إليه فى أكثر من موضع فى القرآن الكريم والسنة النبويـة الشـريفة .‬
‫كذلك أراد الرسول ‪ ‬من االستعانة بدليل غير مسلم فى أهم حدث فى تاريخ الدولـة‬
‫اإلسالمية أن يضع لنا تشريعا لنا كمسلمين فى القرن الخامس عشـر الهجـرى بـأال‬
‫نستنكف من االستعانة بأى شخص أيا كانت ديانته طالما كان فى االستعانة به إنجـاح‬
‫الدعوة اإلسالمية وتحقيق الهدف المرجو من االستعانة به . يقولت عالى، ال ينهـاكم‬
‫اهلل عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم .،من دياركم أن تبروهم وتقسـطوا‬
‫إليهم ويرى د .عبد المقصود ضرورة تغيير مفهومنا الخاطىء حول غيـر المسـلمين‬
‫.فال نستخدم كلمة كافر التي ارتبطت فى العقلية الباطنية لـبعض المسـلمين بالعـدو‬
‫المبين الذى ال تجب مهادنته أو معاملته ..وكذلك ال نستنكف مـن االسـتعانة بغيـر‬
‫المسلمين إذا كان من أصحاب الخبرات المتقدمة فى العلم فهذا ما يقره اإلسالم ومـا‬
                         ‫يدعونا إليه ..فماذا يقول الذين يتهمون اإلسالم بالتعصب ؟.‬
                             ‫ــــــــــــ‬



                                      ‫322‬
                ‫الهجرة الكبرى بين األخذ باألسباب والتأييد اإللهي‬

  ‫ع‬
‫في هجرة النبي صلى اهلل عليه وسلم، وهجرة أصحابه الكرام من مكة إلى المدينة ِبر‬
‫ناطقة تستفيد منها األمة عبر الدهور، إذا أرادت أن تكون وثيقة الصلة بعناصر القـوة‬
            ‫التي تستعيد بها ما كان لها من سؤدد وعزة وكرامة بين الشعوب واألمم•‬
‫فالتحول العظيم الذي حدث لإلسالم بعد الهجرة سبقته جهود وتضحيات وإجراءات قام‬
‫بها النبي، صلى اهلل عليه وسلم، ولم يحدث طفرة ألمة عاجزة عن القيام بدورها تحت‬
‫مظلة السماء، فاهلل ال يحقق للعجزة أو المتواكلين والكسالى أي نجـاح، وال يمـد يـد‬
‫العون للنائمين، ولكن البد من الفعل المخلص المدروس، ثم األخذ باألسباب المعقولـة‬
‫الموصلة لألهداف المرسومة، التي اقترن بها العمل الواعي البصير، المدروس، ثـم‬
‫األخذ باألسباب المعقولة الموصلة لألهداف المرسومة، التي اقترن بها العمل الـواعي‬
           ‫يغي‬                                                   ‫ال‬
‫البصير، عم ً بقوله تعالى في اآلية 00 من سورة الرعد: (إن اهلل ال ِّر مـا بقـوم‬
                                                                         ‫ي‬
‫حتى يغّروا ما بأنفسهم)، لقد بدأ النبي، صلى اهلل عليه وسلم، باألخذ باألسباب التـي‬
              ‫ً‬      ‫ا ً‬                                 ‫ومر‬                 ‫كل‬
‫َّف اهلل بها البشر، َّن أصحابه األولين عليها تمرين ً قوليا مقرونا بالعمل، وظلـت‬
                      ‫ا‬                       ‫ا‬              ‫ا‬
‫الدعوة تتعثر حين ً، وتنشط أحيان ً على مدى ثالثة عشر عام ً كاملـة، حتـى أذن اهلل‬
‫ً‬
‫لفجر الدعوة باالنبالج••• نصروا اهلل على أنفسهم، وعلى أعدائه فنصرهم اهلل نصـرا‬
                                                                       ‫ا‬
‫عزيزي ً: (إن تنصروا اهلل ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد:9، ومن سنن الحكيم أنه يبلو‬
‫المؤمنين بأعدائهم ليمحصهم وإال فهو قادر على نصرة الحق الذي أنزله بال أنصـار،‬
‫وال قتال، ولكن في هذا تثبيط همم المؤمنين وركونهم إلى االسترخاء والتواكل، وفـي‬
‫ذلك يقول عز وجل في اآلية 6 من سورة محمد: (ولو يشاء اهلل النتصر منهم ولكـن‬
                                                             ‫ليبلو بعضكم ببعض)•‬
                                                      ‫ا‬
‫وألن النصر لو جاء عفوً ما شعر المؤمنون بحالوته، ولما أجهدوا أنفسهم في الحفاظ‬
                                 ‫ا‬
            ‫عليه، ولهان عليهم ضياعه، ألنهم لم يدفعوا فيه ثمن ً، ولم يالقوا فيه شدة•‬




                                       ‫422‬
                          ‫َّ‬
‫بدأت الدعوة ـ وبدأ معها التمحيص والتدريب ـ تبث في القلـوب اإليمـان، وفـي‬
                                                  ‫العزائم الصدق، وفي اإلرادة القوة•‬
‫(وتلك األيام نداولها بين الناس وليعلم اهلل الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء واهلل ال يحب‬
                                                           ‫الظالمين• وليمح‬
    ‫ِّص اهلل الذين آمنوا ويمحق الكافرين) آل عمران: 160 ـ 060•‬
                           ‫األخذ باألسباب عند الصحابة‬
‫قلنا: إن األخذ باألسباب، هو طريق الحصول على ما عند اهلل، وهذا هو الـذي بـدأ‬
‫النبي، صلى اهلل عليه وسلم، تدريب أصحابه األولين عليه، فأمرهم بالصـبر الجميـل‬
‫على ما ألحقه بهم المشركون من أذى، فكان الصبر هو أول درس تعلموه منه عليـه‬
                                                    ‫ً‬
                                 ‫الصالة والسالم، وطبقوه عمليا في مواجهة أعدائهم•‬
‫ولما اشتد عليهم األذى، وخشوا الفتنة في دينهم أرشدهم القائد الملهم إلى الهجرة إلـى‬
‫الحبشة، في عمليات أشبه ما تكون باللجوء السياسي المعروف في هذه األيـام، فقـال‬
                             ‫ا ي‬
‫لهم: >لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملك ً ال ُظلم عنده أحد••• حتى يجعل اهلل‬
                                                                     ‫ً‬
                 ‫لكم فرجا مما أنتم فيه< فخرج من أصحابه من خشي الفتنة في دينه•‬
           ‫خف‬
‫فعملوا بتوجيهه، وتحملوا وعثاء السفر بال زاد يحملونه معهم إال ما َّ، وكان منهم‬
‫من خرج بأهله، ومنهم من خرج بمفرده، ولما لمست قريش أن الدعوة آخذة في القوة‬
‫واالنتشار قامت بمقاطعة بني هاشم وبني عبـدالمطلب وأحكمـت الحصـار علـى‬
 ‫فسخ‬
‫المؤمنين، وبعد ثالث سنوات من الحصار، جاء الفرج من اهلل ناصر المؤمنين، َّر‬
‫جماعة من شباب قريش أجمعوا أمرهم على نقض الصحيفة، ثم خرج، صلى اهلل عليه‬
‫وسلم، يعرض نفسه على القبائل لنشر دعوة اهلل، فكانت رحلة الطائف، وعانى منها ما‬
‫عانى، ثم كانت بواكير النصر اإللهي المؤزر بعد اليأس من أعـوان األرض، رحلـة‬
                    ‫ا‬     ‫ا‬
‫اإلسراء والمعراج، وبعدها أخذ مسار الدعوة ينتهج نهج ً جديدً، إذ لم يعد للنبـي ‪‬‬
‫أمل يرجوه من أهل مكة والقرى المتاخمة، فعرض نفسه، صلى اهلل عليه وسلم، على‬
‫القبائل الوافدة من خارج مكة، التي لم يتلوث فكرها بفكر قريش القادمين إلى مكة في‬
‫مواسم الحج، وكان من ثمرة هذا التخطيط النبوي الجديد عرض نفسه، صلى اهلل عليه‬


                                        ‫522‬
                      ‫ا‬
‫وسلم، على قبيلتي األوس والخزرج، فكان لقاؤه بهم سرً على مشارف مكـة ال فـي‬
‫المسجد الحرام وال في مكة، إخفاء لألمر عن قريش ألنها لو علمت لوضعت العراقيل‬
      ‫ا‬                                    ‫ي‬
‫أمامه، فكان لقاؤه بهم في مكان ُقال له العقبة، وكانوا اثني عشر شخصـ ً، عـرض‬
‫عليهم ،صلى اهلل عليه وسلم، اإلسالم، فأسلموا وحسن إسالمهم، وبعـث معهـم أول‬
                                              ‫سفير في اإلسالم >مصعب بن عمير<•‬
                     ‫ولم يتفرقا إال على نية اللقاء في العام المقبل، وفي المكان نفسه•‬
       ‫ا‬                           ‫ا‬
‫لكن هذا اللقاء >العقبة الثانية< كان أرسخ قدم ً، وأعمق معنى، وأكثر التحام ً، وأوسع‬
‫مدى، وأعظم منجزات من لقاء >العقبة األول<، فمن حيث العدد بلغ المسلمون الجدد‬
                 ‫ا‬                          ‫ال‬
‫القادمون إلى الحج ثالثة وسبعين رج ً وامرأتين، كلهم جاؤوا شوق ً للقاء النبي، صلى‬
                             ‫اهلل عليه وسلم، وألداء الحج بروح جديدة ورؤية جديدة•‬
                            ‫عمه‬      ‫دم‬              ‫سر‬
‫والتقى بهم الرسول في ِّية تامة، وقَ ِ َ معه ُّ ُ العباس ليطمئن على شـأن ابـن‬
‫أخيه، ويسمع ويرى بنفسه ما يدور في هذا اللقاء، وإن لم يكن قد أسلم بعـد، ولكنـه‬
‫خرج بدافع العصبية والقرابة، وكان مصعب بن عمير قد حضر إلى مكة مـع وفـد‬
                                             ‫األوس والخزرج ليتابع مجريات األمور•‬
‫قبل وفد األوس والخزرج اإلسالم وهم حضور مع صاحب الرسالة، بعدما مالوا إليـه‬
                               ‫قبل مجيئهم على الداعية اإلسالمي مصعب بن عمير•‬
‫سمع الوفد لرسول اهلل، صلى اهلل عليه وسلم، وسمع رسول اهلل لهم، واشترط لنفسه إن‬
‫هو قدم عليهم في المدينة ما شاء من شروط، واشترطوا هم ألنفسهم ما اشترطوا مـن‬
‫شروط، وألقيت الكلمات، وتبودل الرأي، حتى العباس عم النبي ‪ ‬شارك في وقـائع‬
‫اللقاء، وبعد أن التقت الرغبات تم االتفاق على نقل مركز الدعوة من مكة المكرمة إلى‬
‫المدينة، على أن تتم هجرة أصحاب رسول اهلل ‪ ‬إلى المدينة قبـل مقـدم صـاحب‬
                                                 ‫الرسالة، صلوات اهلل وسالمه عليه•‬
                                ‫أول تنظيم إسالمي‬



                                       ‫622‬
‫وفي هذا اللقاء التاريخي الخالد، تم أول تنظيم سياسي اجتماعي بين األنصار >األوس‬
‫والخزرج<، فقد قال لهم صاحب الرسالة، صلى اهلل عليه وسلم، بعـد الفـراغ مـن‬
              ‫ا‬                    ‫إلي‬
‫االتفاقات التي أسفر عنها اللقاء: >أخرجوا َّ منكم اثني عشر نقيب ً ليكونـوا علـى‬
                 ‫ال‬                        ‫قد‬
‫قومهم بما فيهم<، وسرعان ما َّموا له أسماء اثني عشر رج ً، مـنهم تسـعة مـن‬
‫الخزرج وثالثة من األوس، وكان هذا التقديم بمثابة الترشيح لشغل هـذه المناصـب،‬
     ‫فقاموا ليبايعوه ويشدوا على يده الشريفة، ثم تفرقوا ولم يشعر بهم أحد من قريش•‬
                ‫وكان هذا التنظيم النبوي نواة للدولة التي أنشئت بعد الهجرة بالمدينة•‬
                             ‫اإلذن ألصحابه بالهجرة‬
‫وبعد انقضاء الموسم، أذن رسول اهلل، صلى اهلل عليه وسلم، ألصحابه بالهجرة إلـى‬
‫المدينة، على الوجه الذي يرونه، فأخذوا يتسللون من مكة، حاملين معهم ما خف مـن‬
‫أمتعتهم، تاركين منازلهم ومتعلقاتهم وراءهم، ألن ما هاجروا إليه أغلى وأعـز مـن‬
‫األموال والممتلكات، فقد أرخصها حب اهلل ورسوله، وهنا لفتة البد من القيام بها، ذلك‬
‫أن البقاء في مكة كان فـي مخـاطرات كثيـرة، مـن التعـرض ألذى المشـركين‬
                                                                    ‫واضطهاداتهم•‬
‫ولكن الرسول القائد ‪ ‬آثر أن يسافر أصحابه قبله ليبقى هو آخر المهاجرين، دون أن‬
‫يخشى ماذا يحدث له من خصوم الدعوة، وهذا على خالف عادة الزعماء والرؤسـاء،‬
‫الذين يحيطون أنفسهم بهالة من األمن التقاء الشرور، ألنهم طـالب دنيـا ونعيمهـا‬
‫الزائل، أما محمد، صلى اهلل عليه وسلم، فما أهون الدنيا عليه، وما أعظم ما عند اهلل،‬
                                                             ‫ير‬
‫لذلك لم َ ُعه أن يهاجر قبله كل ذي قدرة، وأن يبقى هو وحده يصول ويجـول فـي‬
                          ‫د‬
                 ‫طرقات مكة أمام أبي لهب عدوه اللدود، وأمام أبي جهل ع ّوه األلد•‬
                               ‫ليلة الهجرة النبوية‬
                                  ‫ا‬                ‫ا‬
‫كان رسول اهلل ‪ ‬معروف ً عند الناس جميع ً بالصادق األمين، حتى قبـل أن يكـون‬
                             ‫ي‬                                      ‫ال‬
‫رسو ً، لذلك اتخذه أهل مكة موضع ثقة، فأخذوا ُودعون عنده ما يخافون عليه مـن‬
‫أموال ومعادن ثمينة كالذهب والفضة، فلما أذن اهلل بالهجرة استدعى ابن عمه علي بن‬


                                       ‫722‬
‫أبي طالب لينام على فراشه الشريف، ووضع بين يديه ما عنده من ودائع أهـل مكـة‬
‫ليردها ألصحابها، ألن الوديعة أمانة، واألمانة أمر اهلل بتأديتها لمالكيها، وكـان مـن‬
‫الممكن أن يحمل هذه األمانات ليوزعها على المهـاجرين الـذين تركـوا ممتلكـاتهم‬
‫وسبقوه إلى المدينة، ولكن رسول اهلل، صلى اهلل عليه وسلم، لم ير هـذا الـرأي، ألن‬
               ‫الذين استودعوه أمانتهم ال ذنب لهم فيما حدث من عتاة مكة وظالميها•‬
                               ‫ال‬
                               ‫خروجه من مكة لي ً‬
‫وبعد أن هاجر من هاجر من أصحابه، ولم يبق منهم بمكة أحد إال غير القادرين، أمره‬
‫اهلل بأن يهاجر هو ويلحق بأصحابه في عاصمة اإلسالم الجديدة، وصحب معه صاحبه‬
                                                   ‫ال‬
‫أبابكر، وخرجا من مكة لي ً بعد أن ركن الناس إلى الراحة في بيوتهم، ونزال بغـار‬
‫ثور قرب مكة حتى تهدأ قريش من سعيها لإلمساك به، ومكثا بالغار ثالثة أيـام فـي‬
                                                       ‫ت‬
‫تمويه محكم حتى ال ُهدى قريش إلى مكانهما، هذا السبب أخذا به وطبقـاه، وكانـت‬
‫عناية أكبر من األخذ باألسباب، فقد أعمى أبصار قريش عن مقره مع سعيها الـدائب‬
                                                                   ‫في البحث عنه•‬
                         ‫وتكب‬
‫وبعد أن هدأت، انطلق هو وأبوبكر إلى المدينة، َّدا مشقة السـفر فـي صـحراء‬
                                     ‫ا‬
‫موحشة حتى وصال إلى المدينة، فعسكر قريب ً منها، وبنى مسجد قباء، ثم دخل المدينة‬
                         ‫التي استقبلته بكل من فيها من رجال ونساء وشباب وكهول•‬
                        ‫المؤاخاة بين المهاجرين واألنصار‬
‫وجد الرسول، صلى اهلل عليه وسلم، فور قدومه إلى المدينة مشكلة عويصـة تنتظـر‬
‫الحل منه، وهي وجود المهاجرين فيها بال نشاط وال عمل، وسرعان ما قضى علـى‬
‫هذه المشكلة بالمؤاخاة بين المهاجرين واألنصار، ومشاركة كل أخ ألخيه فيما يملـك،‬
‫وظل كل أخوين يتوارثان، حتى استقر أمر المهاجرين فنزل قوله تعالى في اآلية 89‬
‫من سورة األنفال: (وأولو األرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اهلل) فألغى التوارث‬
                                                                            ‫بينهم•‬



                                       ‫822‬
‫وهذه الحلول كانت عبقرية من الرسول صلى اهلل عليه وسلم، وحسن تدبيره لألمـور،‬
                                                             ‫مهما كانت معضلة•‬
                             ‫وضع صحيفة الوفاق‬
‫ثم وضع رسول اهلل، صلى اهلل عليه وسلم، فور استقراره في المدينة صحيفة الوفـاق‬
                                                             ‫وف‬
               ‫الجامعة، التي َّق بين فيها أوضاع جميع الطوائف في المدينة، وهم:‬
                                                         ‫ـ األنصار أهل المدينة•‬
                                        ‫ـ المهاجرون الوافدون إليها من خارجها•‬
                          ‫ـ اليهود الذين كان لهم وجود في المدينة منذ زمن متقدم•‬
     ‫ا‬      ‫ا‬                                        ‫ُظ‬                  ‫مه‬
‫وقد َّدت الصحيفة التي ن ِّمت فيها العالقات بين الطوائف الثالث سلم ً وحرب ً، إلى‬
‫قيام دولة على بصيرة من أمرها، حتى اليهود سماهم النبي، صلى اهلل عليه وسلم، أمة‬
‫مع المؤمنين، وسمح لهم بمزاولة شعائرهم الدينية مع البقاء علـى عقيـدتهم دون أن‬
                                                                 ‫يضاموا بسببها•‬
‫وبذلك آتت الهجرة ثمارها، والذي نستخلصه مما سبق ونضعه بين يدي األمـة فـي‬
‫حاضرها ومستقبلها، ونرجو أن تسمعه بآذان صاغية وفهم واع، وقلوب صافية هو ما‬
                                                                           ‫يلي:‬
                                                                   ‫ال‬
‫أو ً: إن األخذ باألسباب الصحيحة المتاحة شرط أساس في الحصول على المطلـوب‬
                ‫مع مواصلة العمل الجاد المحكم وقوة العزم وإخالص النية وصدقها•‬
                                                                       ‫ا‬
‫ثاني ً: ترك التواكل واالعتماد على القدر بأنه المتصرف في تحقيق ما هو كـائن مـع‬
‫إلغاء الجهود المقدور عليها الستكشاف ما هو مقدر وطرح مقولة: >المكتـوب علـى‬
                                               ‫ُول‬
     ‫الجبين تراه العيون<، ألن هذا ي ِّد الكسل والخمول عند الفرد والجماعة واألمة•‬
                                                                      ‫ا‬
‫ثالث ً: وضع الخطط المدروسة، ثم تعديلها إذا أثبت التطبيق قصورها أو عجزهـا دون‬
                                  ‫الوصول إلى الغايات المرادة منها وطرح اليأس•‬
                                                                   ‫ا‬
‫رابع ً: بذل أقصى ما تقدر عليه األمة مهما كانت الصعاب، كما قال عز وجـل فـي‬
                     ‫األية 41 من سورة األنفال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)•‬


                                     ‫922‬
                                                                             ‫ا‬
                          ‫خامس ً: إيثار ما عند اهلل تعالى على مغريات الحياة الدنيا•‬
                                                                        ‫ا‬
                                        ‫سادس ً: وحدة الصف واالعتصام بحبل اهلل•‬
                                                                    ‫ا‬
‫سابع ً: أن تنصر األمة اهلل ولو على نفسها، فإن نصـر اهلل مقصـور علـى الـذين‬
                                                                        ‫ينصرونه•‬
‫كل هذه المبادئ كانت وراء نصر اهلل لرسوله والذين آمنوا معه، فلتلتزم األمـة بهـا،‬
 ‫فإن آخرها لن يصلح إال بما صلح به أولها، واهلل مع الذين اتقوا والذين هم محسنون•‬
                      ‫بقلم الكاتب: د•عبدالعظيم المطعني ـ أستاذ في جامعة األزهر‬
                            ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫032‬
                                ‫الهجرة المباركة دروس وعبر‬

                                               ‫ا‬
‫إن الهجرة المباركة كانت درس ً في الصبر والتوكل على اهلل تعالى ولم تكـن طلبـا‬
                                               ‫ا‬                  ‫ا‬
‫للراحة والهرب ً من العدو والتهرب ً من الدعوة وأعبائها بل كانت بأمر من اهلل تعـالى‬
‫في وقت أشد ماتكون البشرية في ذلك الزمن إلى الهدي المحمدي فلقد أرسل اهلل خير‬
              ‫خلقه محمد ‪ ‬إلى البشرية وهي أحوج ما تكون إلى رسالته، وأشد‬
‫َّ ما تكون ضرورة‬
‫إلى دينه، بعد أن صار الكثير من الناس في ظلمات الشرك والجهل والكفر، فأرسـل‬
‫ُ َيه الن س إن س ل الل ِ‬                             ‫ا‬                  ‫ا‬
‫اهلل عبده محمدً ‪ ‬إلى الناس جميع ً، قال اهلل تعالى: قلْ ياأُّ َا َّا ُ ِّى رَ ُو ُ َّـه‬
‫ِال هو ي ْى ويم ت ف من ِالل ِ‬                  ‫إل ك جم ع الذ ه م ك السم ت و ض‬
‫َِيْ ُمْ َ ِي ًا َّ ِى لَ ُ ُلْ ُ َّ َاوا ِ َاألرْ ِ ال اله إ َّ ُ َ ُح ِ َ ُ ِي ُ َأ ِ ُواْ ب َّـه‬
               ‫و س ل ِ الن ِى ّ ّ الذ ي م ُ ِالل ِ وكلم ت ِ َاتبع ُ ل َلك ْ ت د َ‬
‫َرَ ُوِه َّب ّ األمي َّ ِى ُؤْ ِن ب َّه َ َِ َا ِه و َّ ِ ُوه َعَّ ُم َهْتَ ُون [األعراف:980].‬
‫فوجدهم يعبدون آلهة شتى، منهم من يعبد األشجار، ومنهم من يعبد األحجار والشمس‬
‫والقمر والمالئكةوالجن، ويلجؤون إليهم في كشف الشدائد والكربات، ويرغبون إلـيهم‬
‫في جلب النفع والخيرات، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ووجـد الرسـول ‪ ‬بعـض‬
‫الناس يتحاكمون إلى الكهان والسحرة والعرافين، ويغشون الفـواحش والمحرمـات،‬
‫ويسيئون الجوار، ويقطعون األرحام، ويكسبون األموال ال يبالون بالحالل و بالحرام،‬
‫الربا والبيع عندهم سواء، والغصب والميراث قرناء، فجـاء رسـول اهلل ‪ ‬بـدعوة‬
                                 ‫ا‬
‫الناس إلى شهادة أن ال إله إال اهلل، وأن محمدً رسول اهلل، بكـل مـا تضـمنته هـذه‬
            ‫ن‬
‫الشهادة من معنى، بإفراد اهلل وحده بالعبادة وعدم اإلشراك باهلل شىء وبي َ لهم أن اهلل‬
‫المعبود بحق اليوصف بصفات البشر فهو الخالق وما سواه مخلوق وهو الموصـوف‬
‫بالصفات التى تليق به فهو األول قبل كل شىء واهلل الموجود قبل الكـل بـال مكـان‬
    ‫ُ تع ل َ ْل‬
‫والزمان والجهة واليحتاج إلى شىء بل الكل محتاج إليه قال تعالى: قلْ َ َاَوْاْ أت ُ مَا‬
                                             ‫َرم َبك عل ك َال ت رك به ش ا‬
‫ح َّ َ رُّ ُمْ ََيْ ُمْ أ َّ ُشْ ِ ُواْ ِ ِ َيْئ ً [األنعام:080]، وإفراد الرسول ‪ ‬باالتباع، قال‬
                               ‫وم ت ك ُ الرس ل فخذ ُ و نه ك ْ ع ه ف ته ْ‬
                    ‫تعالى: َ َا ءا َا ُم َّ ُو ُ َ ُ ُوه َمَا َ َا ُم َنْ ُ َان َ ُوا [الحشر:9].‬




                                               ‫132‬
‫جاء نبي الرحمة ‪ ‬يدعو الناس إلى العفاف والطهر والخلق الكريم واإلستقامة وصلة‬
‫األرحام وحسن الجوار والكف عن المظالم والمحارم، ويدعوهم إلـى التحـاكم إلـى‬
‫الكتاب العزيز، ال إلى الكهان وأمر الجاهلية، وكسب المال من وجوه الحالل، وإنفاقه‬
‫في الطرق المشروعة والمباحة، وجعل الناس كلهم أمام شريعة اهلل سواء، يتفاضـلون‬
‫ُ ِنم َرم رّي ف ِش م ظهر م ه وم ب ن و إل َ‬
‫بالتقوى، قال اهلل تعالى: قلْ إَّ َا ح َّ َ َب َ الْ َواح َ َا َ َ َ ِنْ َا َ َا َطَـ َ َا ِثْـم‬
‫و ب ْى بغ ر حق وأ ت رك ِالله م ل ين ّ به س ط ا وأ تق ل عل الله م َ‬
‫َالْ َغ َ ِ َيْ ِ الْ َ ّ ََن ُشْ ِ ُواْ ب َّ ِ َا َمْ ُ َزلْ ِ ِ ُلْ َان ً ََن َ ُوُواْ ََى َّ ِ َا ال‬
 ‫ِن الله ي مر ب ع ْل و س ن وإ ت ذ ق ب‬                                                    ‫ت لم ن‬
‫َعَْ ُو َ [األعراف:22]، وقال تعالى: إ َّ َّ َ َأْ ُ ُ ِالْ َد ِ َاإلْحْ َا ِ َِي َآء ِى الْ ُرْ َى‬
                               ‫وي ه ع ِ ف ش و م ك ِ و ب يعظك ْ ل َلك ْ َكر َ‬
                  ‫َ َنْ َى َن الْ َحْ َاء َالْ ُنْ َر َالْ َغْى َ ِ ُ ُم َعَّ ُم تَذ َّ ُون .[النحل:17].‬
‫دعا رسول اهلل ‪ ‬الناس إلى هذا المعنى العظيم، وقام بهذا الواجب الكبير، دعا إلـى‬
          ‫ة‬
‫دين قويم يرقى به اإلنسان إلى أعلى المنازل، ويسعد به في اآلخرة سعاد ً أبدية فـي‬
‫النعيم المقيم، فاستجاب له القلة المؤمنة المستضعفة في مكة، فأذاقهم المشركون أنواع‬
 ‫ي‬
‫العذاب، كالحرق بالناروإنزال أشد ألوان العذاب، واشتد الكرب فـي مكـة، وضـّق‬
‫الخناق على المسلمين المستضعفين، وائتمر المشركون بمكة أن يقتلوا رسول اهلل ‪، ‬‬
‫ورصده المشركون عند بابه ليضربوه ضربة رجل واحد، فخرج عليه الصالة والسالم‬
                                       ‫،وذر‬
‫عليهم وهو يتلو صدر سورة " يس" َّ على رؤوسهم التراب، وأخذ اهلل بأبصـارهم‬
‫عنه فلم يروه، وأخذهم النعاس ولجأ هو وصاحبه أبو بكر الصديق في غار ثور ثالثة‬
‫أيام حتى هدأ الطلب، وفتشت قريش في كل وجه، وتتبعوا األثر حتـى وقفـوا علـى‬
‫الغار، فقال أبو بكر: يا رسول اهلل لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميـه ألبصـرنا،‬
‫فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اهلل ثالثهما؟!" أي ان اهلل تعالى مطلع علينا التخفـى‬
         ‫ا‬                                            ‫يم‬
‫عليه خافية ثم َّما نحو المدينة، فكانـت هجـرة المصـطفى ‪ ‬نصـرً لإلسـالم‬
‫والمسلمين، حيث أبطل اهلل مكر المشركين وكيدهم في تقديرهم القضاء على اإلسـالم‬
                              ‫بمكة، وظنهم القدرة على قتل رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم.‬
  ‫ِال ت صر ه ف نصره الله إ أ رجه الذ ن كفر ث ِي ن ن إ هم‬
‫قال اهلل تعالى: إ َّ َن ُ ُو ُ َقَدْ َ َ َ ُ َّ ُ ِذْ َخْ َ َ ُ َّ ِي َ َ َ ُواْ َان َ اثْ َيْ ِ ِذْ ُ َـا‬
‫ف غ ر إ يق ل لص حبه ال ت ز ِن الله معن فأ َل الله سك ن ه عل ه وَيده بجن ٍ‬
‫ِى الْ َا ِ ِذْ َ ُو ُ ِ َا ِ ِ ِ َ َحْ َنْ إ َّ َّ َ َ َ َا َ َنز َ َّ ُ َ ِي َتَ ُ ََيْ ِ َأ َّ َ ُ ِ ُُـود‬


                                                    ‫232‬
‫ل تر ه وج َل كلمة الذ ن كفر الس ل وكلمة الله ِى ع ي َالل ه عز ز ح م‬
‫َّمْ َ َوْ َا َ َع َ َِ َ َ َّ ِي َ َ َ ُواْ ُّفَْى َ َِ َ ُ َّ ِ ه َ الْ ُلْ َا و َّـ ُ َ ِيـ ٌ َكِـي ٌ‬
                                                                                        ‫[التوبة:16].‬
‫إن حادثة هجرة المصطفى ‪ ‬تمد المسلمين بالعبر والعظات والدروس والتوجيهـات،‬
‫وقد شاء اهلل تعالى أن تكون بأسباب مألوفة للبشر، يتزود فيها للسفر، ويركب الناقـة،‬
‫ويستأجر الدليل، ولو شاء اهلل لحمله على البراق، ولكن لتقتـدي بـه أمتـه بالصـبر‬
‫والتحمل لمشقاة الدنيا والعمل الدؤب لألخرة التى هي العقبى، فينصر المسـلم دينـه‬
‫باألمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن حال المسـلمين‬
                                                                   ‫ي‬
‫في العالم حر َ باالستفادة من معاني الهجرة النبوية المباركة، بفهم أمر الدين والفصل‬
‫بين الدين الحق وأهله وبين المتاجرين المتطرفين المنفرين عن الدين بأساليب وفتاوى‬
‫ليس لها في الدين من أصل بل تخالف الدين، في ذكرى الهجرة المباركـة علينـا أن‬
‫نعلم أن الدين اإلسالمي دين علم وعمل وثقافة ومعرفة ودعوةللحق مؤيدة بـالبراهين‬
‫العقلية والنقلية المنورة للقلوب فلن يصلح حال المسلمين في هذا العصر إال بـاألمور‬
‫التي صلح بها السلف الصالح من العلم والمعرفة الصحيحة لدين اهلل والتحـذير مـن‬
‫المضللين أصحاب الفتاوى السيئة التى جلبت الويالت للمسلمين، وبـالخلق الكـريم،‬
‫والصدق مع اهلل، والتوكل عليه، والصبر على المكاره، وإحسان العبادة، على وفق ما‬
‫جاء به النبي ‪ ‬في السنة المطهرة، قال صلى اهلل عليه وسلم: "اتق اهلل حيثما كنـت،‬
‫وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" نسأل اهلل تعالى أن تكون هـذه‬
                       ‫السنة الهجرية بركة وخيرأ يعم البالد والعباد وكل عام وأنتم بخير.‬
                                     ‫ــــــــــــ‬




                                                 ‫332‬
                                             ‫الهجرة المباركة‬

 ‫و‬                ‫م‬       ‫د‬              ‫ر‬      ‫ا و‬                   ‫ة‬        ‫َّ‬
‫إن في حيا ِ رسول اهلل أحداث ً ح ّلت مج َى التاريخ وأح َثت أعظ َ نقلة وأعقبت أق َى‬
‫ٍّ‬            ‫ا‬      ‫ا‬        ‫ا علي‬        ‫ر‬                             ‫تبو‬
‫اآلثار، َّأت منها الهجرة النبوية المبا َكَة مكان ً ًّا ومقام ً كريم ً، حيث كانت بحق‬
‫ً‬    ‫ة ص‬             ‫د‬
‫فتح ً مبين ً ونصرً عزيزً و ِفعة وتمكين ً وظهورً له َا الـ ّين، وهزيمـ ً و َـغارا‬
                            ‫ا ذ‬         ‫ا‬           ‫ا ر‬       ‫ا‬     ‫ا ا‬
                                                                                                   ‫للكافرين.‬
                              ‫ث‬           ‫ب‬         ‫م د‬                 ‫ئ‬
‫وفي وقا ِع هذه الهجرة ِن ال ّروس والع َر وفي أحدا ِها من الفوائد والمعـاني مـا ال‬
‫َّ‬                   ‫ة‬        ‫أن‬                ‫ع‬                     ‫ح‬
‫يكاد ي ِيط به الحصر وال يستو ِبه البيان، فنها َّ العقيد َ أغلـى مـن األرض، وأن‬
         ‫م‬         ‫وأن‬            ‫ن‬             ‫وأن‬                ‫د‬
‫التوحي َ أسمى من الديار، َّ اإليمان أثم ُ من األوطان، َّ اإلسـال َ خيـر مـن‬
‫ِّ‬                         ‫و‬      ‫ل‬        ‫ض‬        ‫ذ‬         ‫ط‬
‫القناطير المقن َرة من ال ّهب والف ّة والخي ِ المس ّمة واألنعام والحرث ومـن كـل‬
                    ‫ي‬          ‫ج‬         ‫ن ين‬              ‫ل‬                   ‫ع‬
‫متا ِ الحياة الدنيا، يتجّى هذا المع َى بّ ًا في خرو ِ هذا النب ّ الكـريم صـلوات اهلل‬
 ‫ر‬          ‫ح‬              ‫ر‬                     ‫د‬      ‫ب‬
‫وسالمه عليه مع صاح ِه الص ّيق رضي اهلل عنه مهاج َيْن من هذا ال ِمى المبـا َك‬
                       ‫ث‬         ‫ع‬      ‫و‬          ‫ض ي‬           ‫م م‬
‫والحر ِ اآل ِن واألر ِ الطّبة التي ص ّر واق َها الحدي ُ الذي أخرجَـه أحمـد فـي‬
    ‫ي‬                                                     ‫ي‬          ‫د‬
‫مسن ِه والترمذ ّ وابن ماجه في سننهما بإسناد صحيح عن عبد اهلل بـن عـد ّ بـن‬
  ‫إن‬                   ‫ح ور‬            ‫ف‬               ‫ت‬           ‫ز ي ن‬
‫حمراء ال ّهر ّ أ ّه قال: رأي ُ رسول اهلل واق ًا على ال َزْ َ َة[0]قـال: ((واهلل، َّـك‬
                   ‫ُ ِ‬     ‫أن أ‬                            ‫لخي ُ أرض اهلل وأحب‬
         ‫ُّ أرضِ اهلل إلى اهلل، ولوال ِّي ُخرجت منك ما خرجت))‬        ‫ِ‬   ‫ر‬
                    ‫الص‬          ‫د‬                  ‫ن ي‬
‫وفي الهجرة كمَال اليقي ِ بمع ّة اهلل تعالى لعبا ِه المؤمنين َّـادقين، ذلـك اليقـين‬
  ‫ر‬          ‫ل ذ‬          ‫جلي‬    ‫ن‬                ‫ص‬      ‫زع‬                 ‫الر‬
‫َّاسخ الذي ال تزع ِ ُه عوا ِف الباطل، يستبي ُ ذلك ًّا في حا ِ ه َين المهاج َين‬
      ‫ن‬     ‫ب ر ذ‬                           ‫ر‬       ‫د‬       ‫ظ خ‬             ‫م‬
‫الكري َين حين ع ُم ال َطب وأح َق الخط ُ ببلوغ المشركين با َ الغا ِ ال ِي كا َا فيه،‬
‫ِ‬              ‫أن د‬                                                     ‫ن‬
‫وحي َ قال أبو بكر رضي اهلل عنه: واهلل يا رسول اهلل، لو َّ أح َهم نظر إلى موضع‬
‫م ظن َ‬     ‫ب ي ب ب‬               ‫ِ‬                                                ‫م‬
‫قد َيه لرآنا، فقال رسول اهلل قولتَه التي أخذَت بمجامع القلو ِ. (( َا أ َا َكر، َا ُّـك‬
‫ل إ َّ ت ص ر ُ‬                          ‫ق‬             ‫َل‬            ‫ن هلل ث‬
‫باث َين ا ُ ثال ُهما)) ، وأنز َ سبحانه مصدا َ ذلك في كتابه، أنزل قوَه : ِال َن ُـ ُوه‬
‫ف نصره الل ه إ أ رجه الذ ن كفر ث ِي ن ن إ هم ف غ ر إ يق ل لص حبه َ‬
‫َقَدْ َ َ َ ُ َّ ُ ِذْ َخْ َ َ ُ َّ ِي َ َ َ ُواْ َان َ اثْ َيْ ِ ِذْ ُ َا ِى الْ َا ِ ِذْ َ ُو ُ ِ َا ِ ِ ِ ال‬




                                                     ‫432‬
‫ت ز ِن الله معن فأ َل الله سك ن ه عل ِ وَيد ُ بجن ٍ ل ْ تر وج َ َ كل ة ال ذ َ‬
‫َحْ َنْ إ َّ َّ َ َ َ َا َ َنز َ َّ ُ َ ِي َتَ ُ ََيْه َأ َّ َه ِ ُُود َّم َ َوْهَا َ َعل َِمَـ َ َّـ ِين‬
                                      ‫كفر الس ل وكلم ُ الله ِ َ ع َالل ُ عز ٌ حك ٌ‬
                         ‫َ َ ُواْ ُّفَْى َ َِ َة َّ ِ هى الْ ُلْيَا و َّه َ ِيز َ ِيم [التوبة:16].‬
              ‫ت‬          ‫ت‬                 ‫ص‬      ‫ية‬         ‫ة ن‬             ‫وأي ية‬
‫ُّ مع ّ ٍ هذه المعي َ؟ إّها المع ّ َ الخا ّة التي تكـون بال ّأييـد وال ّوفيـق والحِفـظ‬
     ‫والمعون ِ والّصر إّما جعلها اهلل تعالى ألوليا ِه المّقين المح ِنين الذين بذلوا حـق‬
‫َّ اهلل‬                 ‫س‬         ‫ت‬     ‫ئ‬                           ‫ن‬    ‫ة ن‬
 ‫عم‬            ‫ر‬              ‫ثم‬
‫عليهم في تو ِيده وإفرا ِه بالعباد ِ وتر ِ اإلشرا ِ به، َّ بامتثال أوام ِه واالنتهاء َّا‬
                                     ‫ك‬        ‫ك‬     ‫ة‬          ‫د‬          ‫ح‬
‫نهاهم عنه.والمعية تاءتى بمعنى العلم كقوله تعالى(( وهو معكم أينما كنتم)) أي عـالم‬
‫بكم حيث كتتم اهلل تعالى ال يخفى عليه شيء عالم باألماكن كلها وهو موجود بال مكان‬
‫, حتى إذا سكن الطلب عنهما قليال خرجا من الغار بعد ثالث ليال متجهين إلى المدينة‬
‫على طريق الساحل فلحقهما سراقة بن مالك المدلجي على فرس له فالتفت أبو بكـر‬
‫فقال: يا رسول اهلل هذا الطلب قد لحقنا فقال النبي : ((ال تحزن إن اهلل معنـا)) فـدنا‬
‫سراقة منهما حتى إذا سمع قراءة رسول اهلل غاصت يدا فرسه في األرض حتى مس‬
‫بطنها األرض وكانت أرضا صلبة فنزل سراقة وزجرها فنهضت فلما أخرجت يديها‬
‫صار ألثرهما عثان ساطع في السماء مثل الدخان قال سراقة: فوقع فـي نفسـي أن‬
‫سيظهر أمر رسول اهلل فناديتهم باألمان فوقف رسول اهلل ومن معه فركبـت فرسـي‬
‫حتى جئتهم وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع وقال للنبي :‬
‫إنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك. فقال: ((ال حاجـة لـي فـي‬
‫ذلك)) وقال: ((أخف عنا)). فرجع سراقة وجعل ال يلقى أحـدا مـن الطلـب إال رده‬
‫وقال: كفيتم هذه الجهة فسبحان اهلل رجل ينطلق على فرسه طالبـا للنبـي وصـاحبه‬
‫ليظفر بهما فيفخر بتسليمهما إلى أعدائهما من الكفار فلم ينقلب حتى عاد ناصرا معينا‬
‫مدافعا يعرض عليهما الزاد والمتاع وما يريدان من إبله وغنمه ويرد عن جهتهما كل‬
‫من أقبل نحوها وهكذا كل من كان اهلل معه فلن يضره أحد وتكون العاقبة له. ويعـود‬
‫سراقة ويكمل الرسول مسيرته إلى طيبة ويصل هناك ليسـتقبله المسـلمون بحفـاوة‬
‫وترحيب وفرح وحب، وليؤسس ‪ ‬دولة اإلسالم ويعز اهلل دينه ويعلي كلمته ولو كره‬
                                                                    ‫الكافرون ولو كره المشركون.‬


                                                  ‫532‬
‫ِ‬         ‫ث‬          ‫م‬           ‫ث‬               ‫ر ي‬                  ‫ة‬           ‫َّ‬
‫إن هذه الهجر ِ المباركة وعب ِها ه َ جديرة بأن تبع َ فينا اليو َ ما قد بع َته بـاألمس‬
‫ِن الل َ‬      ‫ل الت‬
‫ِّ وعوام ِ َّمكين. إ َّ َّه‬
                         ‫ِن رو ِ َّة، وما َّأته من أسبا ِ ِّفعة وبواع ِ السمو‬
                               ‫ث‬          ‫ب الر‬           ‫هي‬       ‫ح العز‬   ‫م‬
                                                  ‫م َ الذ َ اتق ْ َّالذ ن ه م سن ن‬
                                                  ‫َع َّ ِين َّ َوا و َّ ِي َ ُم ُّحْ ِ ُو َ‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫632‬
                        ‫الهجرة النبوية وقفات وتأمالت :‬

‫في بداية العام الهجري الجديد يحسن بنا أن نقف وقفات سريعة مع سيرة النبي صلى‬
‫اهلل عليه وسلم، تلك السيرة العطرة التي ال يمل اإلنسان من قراءتها واالطالع عليها ،‬
                                                 ‫ال‬
‫ولعل من المناسب الوقوف قلي ً مع هجرة النبي ‪ ‬إلى المدينة المنورة، لعلنا نأخـذ‬
‫بعض العبر والدروس من هذه الهجرة المباركة التي ال يعي كثير من الناس ما فيهـا‬
                                                                ‫من عبر وعظات.‬
‫إن الهجرة النبوية في حد ذاتها بغض النظر عن أحداثها تستحق الوقفة المتأنية، فهـي‬
                    ‫ا‬
‫ليست نزهة برية وال و سياحة للتفرج واالطالع، وليست سفرً لتحصيل متـع الـدنيا‬
‫وملذاتها، وإنما هي انتقال من أجل الحفاظ على العقيدة وتضـحية بـالنفس والمـال‬
            ‫واألهل والولد من أجل العقيدة، فهي تبدأ من أجل العقيدة وغايتها العقيدة.‬
‫الهجرة النبوية ليست أحداثا تروى، بل هي منهج متكامل لمن أحسن االسـتفادة منهـا‬
‫وأخذ العبر والعظات على أحسن وجه وأجمله، فهي منهج النبي صلى اهلل عليه وسلم،‬
                ‫ا‬
‫وهو مؤيد فيه من قبل المولى جل وعال، وهي ليست حدثا عادي ً، بـل أمـر جليـل‬
‫يستحق االهتمام، وال نستطيع هنا الوقوف على كل ما في الهجرة النبوية مـن عبـر‬
           ‫وعظات، وإنما نقف عند البعض ونترك البعض اآلخر ليستخرجه القارئ.‬
                                                     ‫دعوة مستمرة وصبر عظيم :‬
‫النبي ‪ ‬كما نعلم ظل في مكة ثالث عشرة سنة يدعو إلى اهلل جل وعال ليـل نهـار‬
‫متعرضا في ذلك إلى األذى الشديد واالضطهاد المستمر من كفار قـريش الـذين ال‬
‫يريدون للخير أن ينتشر، ولكنه لم ييئس مع كل هذا العنت وقلة من آمن معه خـالل‬
‫هذه المدة، وحاول أن يتجه إلى بيئة أخرى لعله يستطيع من خاللها نشر دين ا هلل جل‬
‫وعال، فاتجه إلى الطائف، ولكنه فوجئ بالسفهاء يردونه ردا منكرا، ولم يكتفوا بذلك،‬
‫بل رجموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه، ويأتيه جبريل عليه السالم ليقول له إن‬
‫معه ملك الجبال، وإن اهلل أمره أن يمتثل ألمره، فإذا أراد أن يطبق علـيهم الجبلـين‬


                                      ‫732‬
‫ليهلكهم فعل. فقال عليه الصالة والسالم ال بل أرفق بهم لعله اهلل يخرج من أصـالبهم‬
‫من يعبده" أو نحو ذلك. وهذه هي الوقفة األولى وهي: ماذا قدمنا نحن من أجل هـذا‬
‫الدين، وكم تحملنا من األذى في سبيل نشره بين الناس، وهل صبرنا كما صبر عليـه‬
‫الصالة والسالم، أم أننا استسلمنا من أول األمر، وبمجرد أن نواجه أذى أو معارضة‬
   ‫قمنا بالتوقف عن الدعوة إليه سبحانه، فهل هذه هي القدوة بالنبي المصطفى األمين!‬
                            ‫الشباب وتحمل المسؤولية:‬
‫لما أذن اهلل للنبي ‪ ‬بالهجرة أمر عليا رضي اهلل عنه أن ينام فـي فراشـه ليـوهم‬
‫المشركين بأنه هو، وامتثل علي أمر رسول اهلل ‪ ‬فنام في الفـراش حتـى أصـبح،‬
‫وواجه على صغر سنه كفار قريش بأسلحتهم وعتوهم وجبـروتهم، واسـتطاع الـرد‬
‫عليهم حين سألوه دون خوف أو وجل. والسؤال اآلن: كم ربينا من أبنائنا وشباب هذه‬
‫األمة على هذه التضحية الجسيمة، بل على مجرد تحمل المسؤولية! كم مـن الشـباب‬
‫اآلن يستطيع أن يسير في خضم هذه الحياة معتمدا على ربه واثقا في نفسه، أم ال بـد‬
‫من االتكالية تارة على األهل وتارة على اآلخرين، حتى أصبح ما كان يفعله الصبيان‬
                                ‫في القديم ال يستطيع كثير من الشباب أن يفعله اآلن.‬
‫التوكل على اهلل من أعظم أسباب النصر، في غار ثور تظهر قـوة اإليمـان بجـالء‬
‫والثقة في اهلل بكل معانيها، وذلك عندما يقول أبو بكر للنبي ‪ ‬لو نظر أحـدهم إلـى‬
‫موضع قدميه لرآنا، فيقول له عليه الصالة والسالم يا أبا بكر: ما ظنـك بـاثنين اهلل‬
‫ثالثهما، وعندما يلحق بهما سراقة بن مالك وأبو بكر يكثر االلتفات بينما عليه الصالة‬
‫والسالم ال يلتفت، ثم يدعو عليه فتسيخ قوائم فرسه في األرض، إنه التفويض الكامـل‬
‫وتسليم األمر هلل رب العالمين ، هذا مع عدم إهمال األسباب فيما يستطيعه اإلنسـان،‬
‫فالنبي ‪ ‬خطط فأحسن التخطيط، وبذل جهده في إخفاء نفسه ومن معه عـن كفـار‬
‫قريش ومطارداتهم، وأعد العدة لهذا السفر الطويل، من راجلة وزاد، ثم ترك بعد ذلك‬
‫أمره إلى اهلل وأوكل نفسه إليه، ولذا كان النصر من اهلل حليفه، وهذا يذكرنا بقيمة قوله‬



                                       ‫832‬
‫صلى اهلل عليه وسلم: "لو أنكم تتوكلون على اهلل حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير‬
                                                      ‫تغدو خماصا وتروح بطانا"‬
                           ‫المسجد والدور الحقيقي :‬
‫ويواصل النبي ‪ ‬سيره حتى يصل إلى المدينة، فيبدأ ببناء المسجد وعمارته لعلمه أن‬
‫المسجد لم يوجد في اإلسالم ألداء الصالة فقط، وإنما هو مدرسة المجتمع الحقيقة وهو‬
‫نقطة االنطالق لتبليغ دين اهلل، وهو مركز الدولة اإلسالمية السائرة علـى نهـج اهلل،‬
‫فأين أغنياء المسلمين عن هذه الحقيقة، وأين العلماء والمسؤولون عن هذا األمر المهم‬
‫في حياة المجتمعات، لماذا أصبحت المساجد مهملة، وإذا اعتنـي بهـا فمـن أجـل‬
                            ‫الصلوات فقط، وال دور لها بعد ذلك في حياة المسلمين.‬
‫تلك وقفات سريعة ينبغي التريث عندها والنظر فيها بعين البصيرة ، ومحاولة تطبيقها‬
                 ‫على واقعنا لنحاول إصالح ما يمكن إصالحه من حالنا وحال أمتنا.‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫932‬
               ‫الهجرة النبوية .. دروس وعبر.. ومعجزات حسية‬

                                                        ‫بغداد ـ طالب حنويت :‬
‫لم تكن الهجرة النبوية في الحس االسالمي مجرد نجاة من عدو، او هروب من محنة،‬
‫لقد كانت الهجرة فاتحة تاريخ جديد وكانت بالنسبة للمسـلمين فـي االرض، ابتـداء‬
‫وجودهم وتاريخهم فصار التاريخ الهجري، المبتدأ في هجرة الرسول صلى اهلل عليـه‬
             ‫واله وسلم هو سمة هذه االمة على مدار القرون وبه ومن خالله تعرف.‬
‫وكانت الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة اعظم حدث حول مجرى التاريخ،‬
‫وغير مسير الحياة ومناهجها التي كانت تحياها، وتعيش محكومة بها في صور قوانين‬
‫ونظم واعراف وعادات واخالق وسلوك لالفراد والجماعات وعقائد وتعبدات وعلـم،‬
                          ‫ومعرفة، وجهالة وسفه ، وضالل وهدى ، وعدل وظلم .‬
‫وفي هجرة النبي صلى اهلل عليه واله وسلم وقعت معجزات حسـية ، وهـي دالئـل‬
‫ملموسة على حفظ اهلل ورعايته لرسوله ومن ذلك نسيج العنكبوت علـى فـم الغـار،‬
‫ومنها ما جرى لرسول اهلل مع ام معبد وما جرى له مع سراقة ووعده اياه بان يلـبس‬
‫سواري كسرى، فعلى الدعاة ان ال يتنصلوا من هذه الخوارق، بل يذكروها ما دامـت‬
‫ثابتة بالسنة النبوية، على ان ينبهوا الناس على ان هذه الخوارق هي من جملة دالئـل‬
                                        ‫نبوته ورسالته صلى اهلل عليه واله وسلم .‬
‫وما اروع ان تقف لحظات تنظر في دروس الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة‬
‫الى المدينة المنورة وننظر بعمق في فصول الهجرة ودروسها، ونتعلم منهـا جوانـب‬
‫مضيئة من حياة رسول اهلل والذي لم يخرج من مكة مهاجرا الى المدينة اال بعـد ان‬
‫اذن له اهلل عز وجل بذلك، وبعد ان صبر وتحمل واحتسب وعانى ماعاناه من الباليـا‬
‫والرزايا واالذى من اهله وذويه، ثم ممن حوله من الذين كرهوا ان تظهر كلمـة اهلل‬
 ‫عز وجل وان تكون كلمته سبحانه وتعالى هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.‬




                                     ‫042‬
‫ومن ينظر في قضية الهجرة النبوية الشريفة يالحظ ان الرسول ‪ ‬كان متعلقا بمكـة‬
‫المكرمة .هذه المدينة الطيبة الطاهرة، وقد احبها وولد فيها، وعاش ونشـأ وترعـرع‬
‫فيها ونزل عليه الوحي من اهلل في غار حراء بهذه المدينة ، والتي قال فيها رسول اهلل‬
‫وهو يخرج منها مهاجرا قولته المشهورة” اللهم اخرجتني من احب البقاع الي فأسكني‬
‫في احب البقاع اليك “.وال شك ان الحبيب صلى اهلل عليه واله وسلم قـد اكرمـه اهلل‬
‫بالهجرة من حرم الى حرم وكال المدينتين ذات فضل وبركة وهما احب المدن الى اهلل‬
‫تعالى، ثم الى رسوله، ففي االولى كانت نشأته ، والثانية كانت اليها الهجـرة وفيهـا‬
‫مضجعه االخير. وقد اختار اهلل االولى مكانا لبيته والثانية لمسجد رسـوله فحـددهما‬
‫وعينهما وامر الناس بالحج الى االولى وبالهجرة الى الثانية فكانت في حياته صلى اهلل‬
‫عليه واله وسلم قبل الفتح واجبة وصارت بعده مندوبة ، دعا لالولى ابـراهيم عليـه‬
‫السالم، وللثانية اكرم ولده صلى اهلل عليه واله وسلم وجعل القلوب تهوي اليهما .ومكة‬
‫المكرمة والمدينة المنورة مدينتان ضوعف اجر الصالة فيهما، وشد الرحيل اليهمـا،‬
‫وفي ماء االولى وتراب الثانية وتمرها الشفاء وبعض اجزائها مـن الجنـة، ويـئس‬
‫الشيطان ان يعبد فيهما ، وجعل رزقهما من ثمرات االرض، وحرم دخـول الكفـار‬
‫اليهما، ومنع الدجال منهما، وجعلهما اهلل تعالى حرما آمنا، فحرم الصيد وتنفيره فيهما‬
‫وحرم قطع الشجر والكأل والتقاط لقطتهما وحمل السالح للقتال وسفك الدماء فيهما، ال‬
                           ‫يختلى خاللهما ، وال ينفر صيدهما ، وال تلتقط لقطتهما .‬
‫للملحد فيهما اشد العقوبة ولمن اذى اهلهما النكال، وهما اخر البالد حرم علـى غيـر‬
                                            ‫المسلمين غزوهما ومنعهما من الجبابرة .‬
‫ومن القضايا المهمة التي البد ان نتدبرها في قضية الهجرة ان الرجال الذين هاجروا‬
‫معه والنساء الذين تبعوهم على الرغم من انهم كانوا قلة وضعفاء اال انهم كانوا اقوياء‬
‫بايمانهم وصبرهم واحتسابهم . وقد اعانهم اهلل واكرمهم وكرمهم ورفع شأنهم .ومـع‬
‫قدوم العام الهجري الجديد يعيش العالم االسالمي في مناخ روحي متميز مع الـذكرى‬
‫التي تمثلها الهجرة النبوية الشريفة وما تضمنته من دروس وعبر متجددة تمثل امـال‬


                                      ‫142‬
‫في الخروج من هذا الواقع االليم الى اوضاع اخرى افضل تمتد اثارها لتشـمل كـل‬
‫نواحي حياة المسلمين، وهذه المناسبة هي بمثابة موسم يتكرر كل عام وهي مناسـبة‬
‫للتأمل والتدبر والوقوف مع النفس حيث تمر على الخاطر هذه التأمالت فـي الـنفس‬
‫االنسانية، وهي في حالة الصحة النفسية او االضطراب النفسي.. فاالسالم دين حيـاة‬
‫يضمن التوازن بين الدنيا واالخرة ويهتم المنظـور االسـالمي بالجوانـب الروحيـة‬
‫والمادية في حياة االنسان . ويضمن تحقيق التوازن بينهما .وتركـز تعـاليم الـدين‬
‫االسالمي على التنشئة السوية لالنسان وغرس القيم واالخالق القويمـة التـي تحقـق‬
‫السلوك السوي واالتزان النفسي، فالمسلم يجب ان يؤمن باهلل وبالقدر خيـره وشـره‬
‫ويجب ان يعبد اهلل ويذكره في كل المواقف .ان رسول اهلل يعلمنا الدروس في هجرته‬
‫ولذلك فقد حرص عليه الصالة والسالم في الحديث الصحيح ان يؤكد علـى قضـية‬
‫هامة” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي “ النه القدرة والنه االسوة والن‬
‫هؤالء الرجال اخذوا عنه، وهذا رب العالمين يأمرنا بطاعته” من يطع الرسـول فقـد‬
‫اطاع اهلل “ ويقول عز وجل” اطيعوا اهلل واطيعوا الرسول “ ثم يجعله القدوة واالسوة”‬
‫لقد كان لكم في رسول اهلل اسوة حسنة لمن كان يرجـو اهلل واليـوم االخـر “.ومـن‬
‫الواجب هنا ان نحرص كل الحرص على ان نستفيد من هذه المناسبة ونعود الـى اهلل‬
‫ونتوب توبة نصوحة ، فهذا رسول اهلل في غمار المعارك يثوب الى اهلل ويسـتغفر اهلل‬
‫ويلجأ الى اهلل بالدعاء ويعلمنا ان نعود الى اهلل عز وجل وان العودة الى اهلل والتوكـل‬
‫عليه وااليمان الكامل والصادق بان االمور كلها بيد اهلل، وان نتعلم ونحن نتابع هـذه‬
‫الدروس واالحداث ان الحب لرسول اهلل يبدأ من االتباع وااللتزام بكل مـا جـاء بـه‬
‫الرسول وهذا التوجيه الرباني الواضح في ان حب اهلل عز وجل يبدأ ويتحقق باتبـاع‬
                            ‫الرسول الكريم والنبي العظيم صلى اهلل عليه واله وسلم .‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                       ‫242‬
                                 ‫الهجرة النبوية‬
                                                               ‫كتب فتح اهلل كولن‬
‫الهجرة رحلة لغاية مقدسة ولهدف جليل وكبير... ومثل هذه الهجرة ترمي إلى تحقيق‬
                                                            ‫بمد‬
‫مثل هذا الهدف ِّ وتقوية من العقيدة والعاطفة والفكر وتغذية وعون منه. وبمقـدار‬
‫درجة اإلخالص في هذه الهجرة وعمقها، تكون مساوية ومعادلة لسياحة اإلنسان فـي‬
                                                             ‫ر‬
                                                             ‫شِ‬
‫السماء. وقد ُ ّف فخر اإلنسانية بهاتين السـياحتين، السـماوية منهـا واألرضـية.‬
‫السياحة األولى كانت خاصة به وغير متاحة ألحد غيره. أما الثانيـة فهـي طريـق‬
‫واسعة باقية ومفتوحة للجميع حتى يوم القيامة في شروط خاصة ومعلومة... طريـق‬
‫واسعة ومضيئة مشى عليها مئات اآلالف من الناس قبل بعثة شـمس سـماء النبـوة‬
‫وقمرها. وال شك أن أكثر هذه الهجرات المباركة فضال، وأكثرها دويـا فـي سـمع‬
‫الزمن، هي الهجرة التي قام بها فخر اإلنسانية الصادق المصدوق صلى اهلل عليـه و‬
‫سلم مع أصحابه الصديقين. لقد تحمل الرسول الكريم كل صعاب الهجرة -التي جـاء‬
‫األمر بها من فوق سبع سماوات- من أجل العثور على معاونين مخلصين ألصـحابه‬
‫الكرام األوفياء، وعلى موطئ قدم أمين وراسخ ليؤسس هناك دولته، ويقيم الجسـور‬
‫للناس ليوصلهم إلى رحاب دين عالمي، له أبعاد عديدة ومتداخلة وعميقة، ويملك قابلية‬
                                                  ‫إنشاء تاريخ جديد ومدنية جديدة.‬
‫الخطة والمشروع واسع سعة السماء، والمسافة بين المبدأ والنتيجة والهـدف مسـافة‬
‫هائلة. ففي هذه الطريق الطويلة احتشدت الشياطين والعفاريت على طولها من أولهـا‬
‫آلخرها، وفارت في كل جانب منها مشاعر السوء والشر، وأوقدت في كـل منحنـى‬
‫منها نيران للفتن. أجل!.. فعلى الرغم من جميع هذه الظروف السلبية كان هناك منبع‬
‫قوة كانت كافية لملء القلوب باألمل واالنشراح واالطمئنان، ففي كل قلب، وعلى كل‬
‫لسان كانت هناك جملة واحدة تتكرر (حسبنا اهلل ونعم الوكيل). فكل منهم قـد توكـل‬
‫على اهلل واستند إليه وإلى توفيقه، وبدأ رحلته في هذا الدرب الطويل... بدأ رحلته في‬
              ‫هذا الدرب دون أن ينظر إلى ورائه، ودون أن يهمل من يمشي وراءه.‬


                                      ‫342‬
‫في تلك األيام كانت جميع الطرق تجرب مع كفار مكة وطغاتهـا، ويسـتعان بجميـع‬
‫الحلول الممكنة. ولكن رجال الدعوة هؤالء الناذرين أنفسهم لوظيفة الدعوة إلى اهلل لم‬
‫يجدوا أي تجاوب، ولم يكن هناك أي وجه للمقارنة بين ما صرف من عمل ومن جهد‬
‫وبين ما تم التوصل إليه من نتائج. وهذه الحقيقة هي التي دفعت بصـاحب الرسـالة‬
‫صلى اهلل عليه و سلم المرتبط بكل كيانه بالدعوة إلى اهلل، إلى البحث عن أناس وعـن‬
‫أقوام آخرين خارج مكة إليصال كلمة اهلل إليهم. وكانت رحلة الطائف أول تجربة في‬
‫هذا المجال. وعلى الرغم من آالم هذه الرحلة ومضايقاتها فقد رجع إلى مكة مهموما،‬
‫ولكن دون فقد آماله، ومع سلوة اهتداء شخص واحد. ثم أعقبتها بيعة العقبة السـرية‬
‫في جبل "منى" الشامخ، التي تم فيها البحث عن جيل النور، وعن الصدور المفتوحـة‬
‫للهداية. كان من الصعب حدس من سيكون أصحاب هذه القلوب المؤمنة، ولكن تبـين‬
‫فيما بعد أنهم ستة من المحظوظين من أهل "يثـرب". لقـد أصـبح هـؤالء السـتة‬
‫المحظوظون الوسيلة األولى وواسطتها في يد النبوة لتغيير وجهة اإلنسـانية وقـدرها‬
                                 ‫ل‬
‫السيء. وكل ما كان معروفا آنذاك حول المخّص األبدي لإلنسانية هـو مـا كـانوا‬
                                                                  ‫ً‬
                                                       ‫يسمعونه أحيانا من اليهود:‬
‫"إن اهلل سيبعث نبيا من بني إسرائيل هو خاتم األنبياء، وأن اليهود سـيجتمعون تحـت‬
‫رايته وسيسودون جميع األمم". صحيح أن هذه األمنية لم تنفعهم كثيرا، ولكنها كانـت‬
‫كافية إلشعال فتيل حب الحقيقة في صدور أهل يثرب وتوجيههم الوجهة الصـحيحة.‬
                        ‫ب‬
‫كانت هذه المعلومات البسيطة في ذلك الزمن بمثابة ل ّ حقيقـة كبيـرة وجوهرهـا.‬
‫وعندما آن األوان المناسب فاز أهل يثرب بلقب "األنصار"، هذا اللقب الجليـل الـذي‬
 ‫سيبقى إلى يوم القيامة مفخرة لهم، وتاجا على رؤوسهم، وفازوا بنعمة الدنيا واآلخرة.‬
‫أعقب هؤالء المحظوظين الستة فيما بعد عشرة آخرون. وبعد سنة واحدة آمن سبعون‬
‫منهم -بينهم عدد من النساء- وأقروا برسالته ثم دعوه إلى يثرب بعد اجتمـاعهم بـه‬
                                    ‫د‬
‫صلى اهلل عليه و سلم في مكان آمن. كانوا جا ّين في دعوته إلى مدينتهم، لقـد قبلـوا‬
‫كل ما جاء به، وعاهدوه على أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم ونساءهم وأوالدهـم.‬


                                      ‫442‬
                ‫م‬
‫لقد قبلوه وضموه إلى صدورهم، وعاهدوه أن يصونوه بأرواحهم و ُهجهم. ومقابل هذا‬
‫كان اهلل تعالى يعدهم بالجنة. تمت البيعة التي رضي عنها رسول اهلل صلى اهلل عليه و‬
      ‫سلم ورضي عنها األنصار، وفتحت "يثرب" أبوابها للمهاجرين على مصاريعها.‬
‫بدأت مكة تفرغ تدريجيا، فهناك كل يوم ثالثة أو أربعة من أهلها يتركها ويهاجر إلـى‬
‫"يثرب" إما خفية أو علنا. وبدأت عملية الهجرة وما حفتها من تضحيات، وما قام بـه‬
‫األنصار من إيثار، ترسم لوحات مضيئة. وتحولت ظاهرة الهجرة إلى شيء سـماوي‬
‫يشبه عملية المعراج، فكأنها سياحة المالئكة في عوالم خلف المكان والزمان. وكانـت‬
‫القافلة األخيرة لهذه الرحلة السماوية على األرض من نصيب صاحب القافلة األخيرة‬
      ‫د‬
‫في موكب النبوة. وعلى قاعدة "األجر على قدر المشقة" وكذلك على قاعدة "أش ّ الناس‬
                                                      ‫حف‬
‫بالء األنبياء..." فقد َ ّت أكثر أنواع المكاره واألخطار بهجرته صـلى اهلل عليـه و‬
‫سلم، ولكنه تجاوز جميع أودية الموت المرعبة، ووصل إلى البلدة المنـورة بفضـل‬
‫تفويض أمره إلى اهلل، وتوكله عليه، واستسالمه له. وصل إلى المدينة دون أن يصيبه‬
                                                     ‫س ة‬
‫مكروه من قبل ُراق َ، وما كان يعتمل في صدره من أفكار سوداء، وال أي خطر من‬
‫المخاطر التي كانت موجودة داخل وخارج غار ثور، وال مـن أذى قطـاع الطـرق‬
‫واللصوص الموجودين في الطريق. أصبح سراقة صديقا ومرشحا ألن يكون صحابيا،‬
                                                                  ‫بر ة‬
‫وتعرف ُ َيْد ُ مع أصدقائه باإلسالم. أما فخر الكائنات ووردة الجزيرة العربيـة فقـد‬
                               ‫يحو‬
‫كان يواصل طريقه إلى بلدته الجديدة وهو ِّل طريقه المحفـوف بالمخـاطر إلـى‬
                                                                 ‫بساتين وحدائق.‬
‫وبينما كان بعض أهل مكة ممن يقطر الدم من أفكارهم ومن مشـاعرهم يكـادون أن‬
‫يجنوا من الحقد والكره إلى درجة السعار، كان رسول اهلل صلى اهلل عليه و سلم يدخل‬
                                 ‫"يثرب" في ظل الفرح العامر ألهلها وهم ينشدون:‬
         ‫طلع البدر علينا من ثنية الوداع وجب الشكر علينا ما دعا هلل داع‬
‫وفي الموضع الذي توجد فيه القبة الخضراء حاليا أقام الرسول صلى اهلل عليه و سلم‬
‫مسكنه المبارك، كما بنى مسجده بجوار بيته، فكان بيته ومسجده المباركان متـداخالن‬


                                      ‫542‬
‫ويتنفسان الجو العطر المبارك نفسه. ثم بدأ ينفث فيما حواليه الحياة بالوحي وبالرسالة‬
                                                      ‫د‬
‫اإللهية وبإلهام روحه... فَ َيْنا نبع الحياة هذا، ومن بلغـه ونفثـه ونشـره بأرواحنـا‬
                                                                                             ‫وأنفسنا.‬
‫كان آدم عليه السالم قد بدأ رحلة هجرته الطويلة من الجنة إلى األرض، لكي يصـل‬
‫إلى األفق الواسع للحياة األخروية التي يشير إليها معنى وروح الهجرة. أما نوح عليه‬
‫السالم فقد تحمل أعباء السياحة في البحار إضافة إلى سياحته في البر. وتجول إبراهيم‬
‫عليه السالم في أقطار بابل والحجاز وأرض كنعان دون أن يفتر. وانتقل موسى عليه‬
‫السالم من بيت والدته إلى قصر فرعون، ثم من مصر إلى األيكة ذهابا وإيابا مـرات‬
‫عديدة. ومر السيد المسيح عليه السالم من جميع الجسور التي مـر عليهـا األنبيـاء‬
‫السابقون. أما حواريو عصر النبوة فقد نظموا كوادر اإلرشاد وقوافلهـا إلـى جميـع‬
                                                                                       ‫أرجاء العالم.‬
‫وإذا أتينا إلى حواريي عصرنا الحالي فقد انتشروا في الجهات األربع لألرض وهـم‬
‫و ْ‬
‫يستخدمون الوسائل العصرية ويبلغون فكرهم وهم يرددون اآليـة الكريمـة: ? َمَـن‬
   ‫يه ج ف سب ل هلل يج ف أل ض مر غم كث ر سعة وم ي ر م ب ته مه ج‬
‫ُ َا ِرْ ِي َ ِي ِ ا ِ َ ِدْ ِي ا َرْ ِ ُ َا َ ًا َ ِي ًا وَ َ َ ً َ َنْ َخْ ُجْ ِنْ َيْ ِ ِ ُ َا ِرًا‬
   ‫غف ر رح م‬            ‫وك ن‬         ‫ع أ ره عل‬             ‫إل هلل و س له ُم ي ر ه م ت ف‬
‫َِى ا ِ َرَ ُوِ ِ ث َّ ُدْ ِكْ ُ الْ َوْ ُ َقَدْ وَقَ َ َجْ ُ ُ ََى اهلل َ َا َ اهلل َ ُـو ًا َ ِي ًـا?‬
‫(النساء: 6). وبفضل هجرتهم هذه سيصل صوت القرآن إلى العديـد مـن النـاس،‬
‫وسينفتح أمام بعضهم سبل اإليمان، وأمام البعض اآلخر سبل تأسيس الصداقة والتفاهم‬
                                                                                            ‫والحوار.‬
‫أجل!.. سيقوم هؤالء الحواريون بنفث الصدى المنعكس من غار حراء على قلـوبهم‬
                                             ‫ل‬
‫على من حولهم في كل مكان يحّون فيه، ويرشدون القلوب المتخـدرة باليـأس إلـى‬
‫طرق تحريك هذه القلوب وإحيائها من جديد، وإيصال الهبات والـنعم اإللهيـة إلـى‬
‫الجميع عن طريق العقل والمنطق. ورفع الموانع والعوائق الموجـودة بـين القـرآن‬
‫والقلوب منهين بذلك فراقا دام عدة عصور، ومحققين بذلك اللقاء الكبير. وهـم علـى‬
‫وعي بأن نشاطهم هذا إنما هو سباق في مجال اإليمان والعشق والشوق، وأنهم بقيامهم‬


                                                 ‫642‬
‫بتعليم الصغار الذين استولى اليأس والخوف والضعف على قلوبهم ينقذونهم من الجـو‬
      ‫الضيق والخانق لهذه الحياة الفانية، ويدلونهم على طرق الوجود الحقيقي والحر،‬
                            ‫الهجرة النبوية إلى المدينة‬
                          ‫د‬
‫بينما ينظر البعض إلى الهجرة كذكريات عطرة تتج ّد كـل عـام ، يـرى الحكمـاء‬
                             ‫ًي‬
‫وأصحاب العقول الراجحة في هذا الحدث نصرا ُضاف إلى رصيد الجماعة المؤمنـة‬
      ‫ة‬                        ‫ر‬                                           ‫ا‬
‫، وهروب ً من حياة الظلم واالستعباد ، إلى الحياة الح ّة الكريمة ، وبداية مرحل ٍ جديدة‬
          ‫ا‬
‫من الصراع بين اإلسالم والكفر ، والحق والباطل ، حتى صـار تاريخـ ً للمسـلمين‬
                                                                               ‫ر‬
                                                               ‫يؤ ّخون به أحداثهم .‬
                                                             ‫م‬
‫وللوقوف على أه ّية الحدث ، واستشعار أبعاده ، يجدر بنا أن نعود إلى الوراء بضعة‬
                                              ‫ا‬                   ‫ا‬
‫عشر قرن ً من الزمان ، وتحديدً في العام الثالث عشر من البعثة ، حين نجحت جموع‬
                           ‫ل‬
‫المؤمنين في الخروج من مكة ، واستطاعت أن تتغّب على المصاعب والعقبات التي‬
                                                             ‫ش‬
‫زرعتها قري ٌ للحيلولة دون وصولهم إلى أرض يثرب ، ليجدوا إخوانهم األنصار قد‬
                                                        ‫ه‬
‫استقبلوهم ببشاشة وج ٍ ورحابة صدر ، وفتحوا لهم قلوبهم قبل بيوتهم ، مما كان لـه‬
                            ‫ر‬         ‫ك‬
‫أعظم األثر في نفوسهم ، ولم يبق في م ّة سوى نف ٍ قليل مـن المـؤمنين مـا بـين‬
                                                           ‫ٍ‬      ‫ٍ‬      ‫ٍ‬
                                                         ‫مستضعف ومفتون ومأسور .‬
                                                           ‫ش‬      ‫س‬
‫وهنا أح ّت قري ٌ بالمخاطر التي تنتظرهم ، وأدركت أنها لن تستطيع تدارك الموقف‬
                                    ‫ّ‬
  ‫وإعادة األمور إلى نصابها إال بالوقوف بأي وسيلة دون إتمام هجرة النبي - ‪.- ‬‬
                                                                   ‫ة‬
‫ونتيج ً لذلك ، كانت المؤامرات تدور في الخفاء للقضاء على النبي - ‪ ، - ‬ففـي‬
‫يوم الخميس من شهر صفر اجتمع المشركون في دار الندوة وتشاوروا في الطريقـة‬
 ‫ل‬                                ‫ة‬       ‫ل‬                             ‫م‬
‫ال ُثلى لتحقيق مقصودهم ، فمن قائ ٍ بضرور ِ قتله عليه الصالة والسالم والـتخّص‬
                                        ‫ث‬
‫منه ، وآخر بحبسه وإحكام وثاقه ، وثال ٍ بنفيه وطرده ، حتى اتفقت اآلراء على قتله‬
                                                        ‫تج‬
‫، ولكن بطريقة َعْ َز بنو هاشم معها عن أخذ الثأر ، وذلك بأن تختار قريش صـفوة‬
 ‫ر‬                     ‫ل‬
‫فتيانها من جميع القبائل فيقوموا على النبي - ‪ - ‬قومة رج ٍ واحد ويقتلوه ، ليتف ّق‬
‫دمه بين القبائل ، وفي هذه الحالة لن تستطيع بنو هاشم أن تقاتل سائر الناس ، ولـن‬


                                        ‫742‬
                                                      ‫ر‬
‫يبقى أمامها سوى خيا ٍ واحد هو قبول الدية ، وصدق اهلل عزوجل إذ يقـول : { وإذ‬
‫يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اهلل واهلل خيـر‬
                                                     ‫الماكرين } ( األنفال : 12 ) .‬
‫ولم تكن قريش لتعلم أن اهلل سبحانه وتعالى أذن لنبيه بالهجرة إلى المدينة ، فبينما هـم‬
                   ‫د‬                                             ‫ط‬
‫يبرمون خ ّتهم ويحيكون مؤامرتهم كان النبي - ‪ - ‬قد استع ّ للسفر ، وانطلق إلى‬
                            ‫فا‬
‫بيت أبي بكر رضي اهلل عنه في وقت الظهيرة متخ ّي ً على غير عادته ، ليخبره بأمر‬
                                                                         ‫الخروج .‬
                                            ‫ي‬
‫وخشي أبو بكر رضي اهلل عنه أن ُحرم شرف هذه الرحلة المباركة ، فاستأذن النبـي‬
  ‫ه‬                    ‫د‬
‫- ‪ - ‬في صحبته فأذن له ، فبكى رضي اهلل عنه من ش ّة الفرح، وكان قـد ج ّـز‬
                                                          ‫ا‬
‫راحلتين استعدادً للهجرة ، فلما أعلمه النبي - ‪- ‬بقرب الرحيل قـام مـن فـوره‬
                          ‫أ‬                   ‫ي‬              ‫ا‬      ‫ال‬
‫واستأجر رج ً مشرك ً من بني الديل ُقال له عبد اهلل بن ُريقط ، ودفع إليه الراحلتين‬
                      ‫ل‬              ‫ر‬
‫ليرعاهما ، واتفقا على اللقاء في غار ثو ٍ بعد ثالث ليا ٍ ، في حين قامـت عائشـة‬
‫وأختها أسماء رضي اهلل عنهما بتجهيز المتاع والمؤن ، ووضعا السفرة في وعـاء ،‬
                                       ‫س‬                              ‫ق‬
‫وش ّت أسماء نطاقها نصفين لتربط ال ُفرة بنصفه وقربة المـاء بالنصـف اآلخـر ،‬
                                                                             ‫م‬
                                                  ‫فس ّيت من يومها بذات النطاقين .‬
        ‫فا‬
‫وتسارعت األحداث ، وحانت اللحظة المرتقبة ، وانطلق النبي - ‪- ‬متخ ّي ً إلى بيت‬
         ‫ة‬      ‫ة‬                ‫ال‬
‫أبي بكر رضي اهلل عنه ، وكان الميعاد بينهما لي ً ، فخرجا من فتح ٍ خلفي ٍ في البيت‬
  ‫ل‬
‫، وفي الوقت ذاته أمر النبي - ‪ - ‬علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه بأن يتخّـف‬
‫عن السفر ليؤدي عنه ودائع الناس وأماناتهم ، وأن يلبس بردته ويبيت في فراشه تلك‬
                                                        ‫ٍ‬
                                                      ‫الليلة ؛ من أجل إيهام قريش .‬
‫ونجح النبي - ‪ - ‬وصاحبه في الفرار من بين أيديهم ، ولـم يكشـتفوا األمـر إال‬
                ‫س‬                      ‫ي‬
‫عندما أصبح الصباح وخرج عليهم عل ٌ رضي اهلل عنه وهو الب ٌ بردة النبـي - ‪‬‬
                                                                   ‫جن‬
‫-، ف ُ ّ جنونهم ، وأحاطوا به يسألونه عن النبي - ‪ - ‬وهو يتظاهر بالدهشة وعدم‬
                 ‫د‬                     ‫ة‬      ‫ش‬
‫معرفته بمكانه ، وانطلقت قري ٌ مسرع ً إلى بيت أبي بكر الص ّيق رضي اهلل عنه ،‬


                                       ‫842‬
                                                                      ‫ن‬
‫ألّهم يعلمون أنه صاحبه ورفيق دربه ، والبد أن يصلوا من خاللـه إلـى معلومـة‬
‫تقودهم إلى وجهته ، إال أنهم فوجئوا برحيله هو اآلخر ، فساءلوا أسماء عن والدها ،‬
                ‫ّ‬
     ‫فأبدت جهلها ، فغضب أبو جهل لعنه اهلل ولطمها لطمة أسقطت الحلي من أذنها .‬
          ‫ك‬
‫وبدأت محاوالت المطاردة للنبي - ‪ ،- ‬فقاموا بمراقبة جميع منافذ م ّـة مراقبـة‬
‫ّ‬             ‫يا‬        ‫يا‬
‫دقيقة ، وأعلنوا بين أفراد القبائل جائزة ثمينة لمن يأتي به ح ّ ً أو م ّت ً ، وأرسلوا كـل‬
                               ‫ً ل‬                               ‫ب‬
          ‫من له خبرة بتتّع اآلثار ، وانطلقت جموعهم شماال عّهم يقفوا له على أثر .‬
‫وخالف النبي - ‪ - ‬بذكائه وحنكته كل توقعاتهم ، فلم يتجه صوب المدينة مباشرة ،‬
                                  ‫اي‬     ‫ال‬
‫بل ذهب إلى جهة الجنوب حتى بلغ جب ً وعرً ُقال له " جبل ثور " ، يوجد في أعاله‬
                ‫غار يصعب الوصول إليه ، ويمكنهم المكوث فيه إلى أن يهدأ الطلب .‬
  ‫ا‬                                          ‫ر‬            ‫ا‬
‫وقادت الجهود قريش ً إلى غار ثو ٍ ، وصعدوا إلى باب الغار ، وبات الخطر وشيك ً ،‬
‫وبلغت أصواتهم سمع أبي بكر فقال رضي اهلل عنه : " يا رسول اهلل ، لو أن أحـدهم‬
        ‫ن‬
‫نظر إلى قدميه ألبصرنا " ، فأجابه الرسول - ‪ - ‬إجابة الواثق المطمئ ّ بموعـود‬
‫ً‬                   ‫ن‬                                   ‫ن‬
‫اهلل : ( يا أبا بكر ، ما ظ ّك باثنين اهلل ثالثهما ؟ ) ، وصدق ظ ّه بربه ، فـإن قريشـا‬
                      ‫ّ‬
       ‫استبعدت وجود النبي - ‪ - ‬في هذا المكان ، و انصرفت تجر أذيال الخيبة .‬
                                          ‫ل‬
‫وأقام النبي - ‪- ‬في الغار ثالث ليا ٍ ، وكان عبداهلل بن أبي بكر رضي اهلل عنهمـا‬
‫يأتي كل يوم ليبلغهما أخبار قريش ، و عامر بن فهيرة يأتي باألغنام ليشربا من لبنها‬
‫، ويخفي آثار عبداهلل بن أبي بكر ، حتى جاء عبداهلل بن أريقط في الموعد المنتظر ،‬
                                                                 ‫ومعه رواحل السفر .‬
            ‫ت ا‬                            ‫و‬
‫وفي ليلة اإلثنين من شهر ربيع األ ّل انطلق الركب إلى المدينة مّخذً طريق الساحل‬
                ‫ر‬
‫، وظلوا يسيرون طيلة يومهم ، و أبو بكر رضي اهلل عنه يمشي م ّة أمام النبي - ‪‬‬
                    ‫ا‬                 ‫ر‬                ‫ر‬            ‫ر‬
‫- ، وم ّة خلفه ، وم ّة عن يمينه ، وم ّة عن يساره ، خوف ً عليه من قريش ، حتـى‬
             ‫ل‬     ‫ل‬      ‫ة‬      ‫ة‬                                     ‫س‬
‫تو ّطت الشمس كبد السماء ، فنزلوا عند صخر ٍ عظيم ٍ واستظّوا بظّها ، وبسط أبو‬
                                       ‫و‬
‫بكر رضي اهلل عنه المكان للنبي - ‪ - ‬وس ّاه بيده لينام ، وبينما هم كذلك إذ أقبـل‬
                                                      ‫ا‬
‫غالم يسوق غنمه قاصدً تلك الصخرة ، فلما اقترب قال له أبوبكر رضي اهلل عنـه :‬


                                         ‫942‬
‫لمن أنت يا غالم ؟ ، فقال : لرجل من أهل مكة ، فقال له : أفي غنمك لبن ؟ ، فقـال‬
                    ‫: نعم ، فحلب للنبي - ‪- ‬في إناء ، فشرب منه حتى ارتوى .‬
‫وفي هذه األثناء استطاع أحد المشركين أن يلمح النبي - ‪ - ‬من بعيـد ، فـانطلق‬
               ‫ا‬                                                         ‫ا‬
‫مسرع ً إلى سراقة بن مالك وقال له : يا سراقة ، إني قد رأيت أناس ً بالساحل ، وإني‬
  ‫ن‬              ‫ي‬          ‫ن‬        ‫ه‬                           ‫ا‬       ‫ن‬
‫ألظّهم محمدً وأصحابه ، فعرف سراقة أنهم ُم ، ولك ّه أراد أن ُقنع الرجـل بأ ّـه‬
‫واهم حتى يفوز بالجائزة وحده ، ولبث سراقة في المجلس ساعة حتى ال يثير انتبـاه‬
                   ‫ا‬                                       ‫ل‬
‫من معه ، ثم تسّل من بينهم وأخذ فرسه ورمحه وانطلق مسرع ً ، فلمـا دنـا مـنهم‬
‫عثرت به فرسه حتى سقط ، فتشاءم من سقوطه ، وعاد مرة أخرى وامتطى فرسـه‬
                                                   ‫ة‬
‫وانطلق ، فسقط مرة ثاني ً وتعاظم شؤمه ، لكن رغبته في الفـوز بالجـائزة أنسـته‬
‫هواجسه ومخاوفه ، ولما اقترب من النبي - ‪ - ‬غاصت قدما فرسه فـي األرض‬
‫إلى الركبتين ، وتصاعد الدخان من بينهما ، فعلم أنهم محفوظون بحفظ اهلل ، فطلـب‬
‫منهم األمان وعاهدهم أن يخفي عنهم ، وكتب له النبي - ‪ - ‬كتاب أمـان ووعـده‬
                       ‫ا‬
‫بسواريْ كسرى ، وأوفى سراقة بوعده فكان ال يلقى أحدً يبحث عن النبي - ‪- ‬إال‬
                            ‫أمره بالرجوع ، وكتم خبرهم حتى وصلوا إلى المدينة .‬
‫وفي طريقهم إلى المدينة نزل الرسول - ‪- ‬وصاحبه بخيمة أم معبد ، فسـأالها إن‬
                                                ‫م‬
‫كان عندها شيء من طعا ٍ ونحوه ، فاعتذرت بعدم وجود شيء سوى شاة هزيلـة ال‬
                                                                           ‫ر‬
‫تد ّ اللبن ، فأخذ النبي - ‪- ‬الشاة فمسح ضرعها بيده ودعا اهلل أن يبارك فيها ، ثم‬
                 ‫ا‬
‫حلب في إناء ، وشرب منه الجميع ، وكانت هذه المعجزة سبب ً فـي إسـالمها هـي‬
                                                                       ‫وزوجها .‬
                           ‫ث‬
‫وانتهت هذه الرحلة بما فيها من مصاعب وأحدا ٍ ، ليصل النبي - ‪- ‬إلـى أرض‬
         ‫د‬
‫المدينة ، يستقبله فيها أصحابه الذين سبقوه بالهجرة ، وإخوانه الـذين أعـ ّوا العـدة‬
                                            ‫لضيافته في بلدهم ، وتلك وقفة أخرى .‬
                             ‫ــــــــــــ‬



                                      ‫052‬
                     ‫الهجرة النبوية االنتصار والسالم والحق‬

                                                              ‫بقلم: محمود عثمان‬
‫لقد كانت هجرة الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- من مكة إلى المدينـة ثـورة علـى‬
‫الضعف والكبت، وانتفاضة على تحكم الباطل، وتضحية براحة اإلنسان المستقر فـي‬
‫بلده بين أهله وعشيرته، إلى حيث يقيم في مكان غريب عنه، ال يعلم حقيقة مصـيره‬
                        ‫ل‬
‫فيه، والهجرة كانت تضحية بكل ما يملكه المسلم من ما ٍ، وما يتمتع بـه مـن جـاه‬
                    ‫م‬
‫وسلطة، كل ذلك في سبيل االنتصار على شهوات النفس األ ّارة بالسـوء، والجهـر‬
‫بالحق الذي عرفه وآمن به، وأحس بالسعادة الحقيقية لمعرفته فكانت الهجـرة حجـر‬
                                               ‫الزواية النتصار الدعوة اإلسالمية.‬
                           ‫ا‬
‫لقد أصبحت هجرة النبي -صلى اهلل عليه وسلم- نجم ً يتألق في سماء مجد االسـالم‬
‫والمسلمين، وستظل درة في جبين تاريخ اإلنسانية، لم تكن هجرة النبـي - ‪ ‬هجـرة‬
                                                            ‫وتنع‬
‫استقرار ُّم، بل كانت هجرة انطالق وتحرر من قيود العبوديـة لشـهوة الـنفس‬
‫والجهل والشرك، هجرة إخاء وإيثار، آخى فيها رسولنا الكريم محمد -صلى اهلل عليه‬
         ‫ال‬
‫وسلم- بين المهاجرين واألنصار، وقد تم ذلك بصورة لم يعرف التاريخ مثي ً لها، فقد‬
               ‫ا‬      ‫ال‬
‫تقاسم المهاجرون واألنصار كل شيء فيما بينهم، فكانوا مثا ً عظيم ً لإلخاء والسخاء‬
‫والكرم، وهذا األمر إنما يدل بشكل أو بآخر على مدى عظمة هذا الدين الحنيف الذي‬
                                              ‫أخرج الناس من الظلمات إلى النور.‬
            ‫ف‬
‫كانت هجرة النبي -صلى اهلل عليه وسلم-، هجرة إصالح وتحرير، و ّق فيهـا بـين‬
‫األوس والخزرج بعد أن كانت بينهم ثارات ودماء يستحيل تجاوزها. "واذكروا نعمـة‬
                ‫ا‬
‫اهلل عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانـ ً". ولكـن الرسـول‬
‫العظيم استطاع من خالل تعاليم هذا الدين أن يجعل األوس والخزرج أخوة في حـب‬
‫اهلل عز وجل، والننسى أن اهلل عز وجل يخاطب الرسول في قرآنه الكريم "وإنك لعلى‬
                                                                    ‫خلق عظيم".‬


                                      ‫152‬
‫ويجب أال تغيب عن بالنا هذه الهجرة بمعانيها العظيمة السامية وما فيهـا مـن عبـر‬
‫ومواقف، وعلينا أن نذكر كيف استطاع هذا النبي األمي عليه الصـالة والسـالم، أن‬
‫ينشئ من شتات القبائل الضاربة في الصحراء والمتناحرة فيما بينها، أمة متحدة تدعو‬
‫للحق والفضيلة... كل ذلك بأخالق عظيمة ونفسية رقيقة متواضعة متسامحة ويتجلـى‬
                             ‫ا‬
‫ذلك في قوله تعالى في آل عمران: "ولو كنت فظ ً غليظ القلب النفضوا مـن حولـك‬
                                       ‫فاعف عنهم واستغفر لهم وشاروهم في األمر".‬
‫وألن صحابة الرسول عليه الصالة والسالم، أدركوا المعاني السامية لهجرة الرسـول‬
                                     ‫ا‬
‫الكريم صلى اهلل عليه وسلم، فقد جعلوها تاريخ ً لألمة االسالمية ففي السنة الثالثة من‬
‫خالفة الفاروق عمر بن الخطاب -رضي اهلل عنه-، جمع صحابته من حولـه وقـال‬
‫لهم: "إن األموال قد كثرت وما قسمنا منها غير محدد بتاريخ ينضـبط بـه، فكيـف‬
                                ‫ر ي َك‬
‫التوصل إلى ما يضبط ذلك؟ لقد ُفع إل ّ ص ٌّ موعده شعبان فـال أدري أي شـعبان‬
                    ‫ً‬
        ‫هو؟ الذى مضى، أم الذي نحن فيه، أو اآلتي؟ ضعوا للناس شيئا يعرفون به".‬
‫فقام الصحابة بنقاشات فيما بينهم، فمنهم من قال: اكتبوا على تاريخ الـروم، وقائـل:‬
‫اكتبوا على تاريخ الفرس، فأبى عمر إال أن يجعل تاريخ االسالم، إشارة إلى حـادث‬
‫إسالمي كبير. فأشار بعضهم بأن يجعلوه مولد الرسول -صلى اهلل عليه وسلم- وأشار‬
‫بعضهم إلى وفاته، وأشار علي بن أبي طالب رضي اهلل عنه أن يكون موعد خـروج‬
                                              ‫ً‬
    ‫النبي -صلى اهلل عليه وسلم- مهاجرا من مكة إلى المدينة مبدأ للتاريخ اإلسالمي.‬
‫ومن هنا ندرك أهمية هذا الحدث العظيم في حياة المسلمين، فلتكن لنا هذه المناسـبة،‬
‫فرصة الستذكار عبر دروس هذا الهجرة العظيمة وأن يجعل منها مناسبة لتنوير العقل‬
‫بهدي النبوة العظيم من مكارم األخالق، وإلغاء االنانية، وتربية النفس على اإليثـار،‬
‫وتدارس تلك األخالق االنسانية التي تتجلى من حديث الرسول الكريم، يقول: "الخلـق‬
‫كلهم عيال اهلل، وأحب الخلق إلى اهلل أنفعهم لعياله" والحكمة النبوية القائلة "والراحمون‬
                   ‫يرحمهم الرحمن، ارحموا من في األرض يرحمكم من في السماء".‬



                                        ‫252‬
‫وال ننسى أن أول عمل قام به النبي -صلى اهلل عليه وسلم- في المدينـة هـو بنـاء‬
                                                                      ‫ا‬
‫المسجد إيذان ً بمولد الدولة الفتية الجديدة القائمة على شرع اهلل فكانت الهجرة هي مولد‬
   ‫اإلسالم الحقيقي، حيث العناصر المتوفرة إلنشاء الدولة من شعب وأرض ودستور.‬
‫أما الشعب فيتكون من المهاجرين واألنصار، واألرض هي المدينة المنورة، والدستور‬
‫هو القرآن الكريم الذي أصبح يمثل بشقيه المكي والمدني، موارد الشـرع والدسـتور‬
                                                                          ‫اإلسالمي.‬
‫هذه العناصر مجتمعة أكسبت هذه الدولة شرعية في الوجود وبالتالي البد من اعتراف‬
‫اآلخرين بها، وهذا ما فعله الرسول الكريم -صلى اهلل عليه وسـلم-، عنـدما بعـث‬
‫برسائله إلى القبائل في جزيرة العرب ورؤساء الدول والملوك والقياصرة يدعوهم يها‬
‫لإلسالم، وبتلك الرسائل يكون اإلسالم قد سبق الكثيرين ممن يعتبرون أنفسهم أصحاب‬
                                                        ‫الريادة في العالقات الدولية.‬
                                                                 ‫ال‬    ‫ال‬
‫فأه ً وسه ً بك يا عامنا الهجري الجديد، عدت إلينا كعادتك في كل سـنة، لتـذكرنا‬
‫بهجرة النبي الكريم وأصحابه المؤمنين، وما كان لها من ثمـرات يانعـة، وبركـات‬
                                         ‫عظيمة على العرب، وعلى البشرية جمعاء.‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫352‬
                     ‫الهجرة النبوية الشريفة.. الدروس والعبر‬

                                                     ‫الدكتور عبداهلل مبشر الطرازي‬
‫? يمر عام بعد عام بعدعام وتتجدد ذكرى الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمـة‬
‫إلى المدينة المنورة، ويتذكر المسلمون تـاريخ اآلبـاء واألجـداد بهـذه المناسـبة،‬
‫ويتدارسون سيرة الرسول ‪ ‬وسير الصحابة الكرام رضي اهلل عـنهم، ويتسـاءلون‬
‫ويتناقشون متى ولماذا وكيف كانت هجرته صلى اهلل عليه وسلم؟ وماهي نتائج تلـك‬
‫الهجرة المباركة؟ فيخرجون من دراستهم ومناقشتهم بدروس عظيمـة تفيـدهم فـي‬
                                                                     ‫مستقبل الحياة.‬
‫يقول اهلل تعالى: {إن الدين عند اهلل اإلسالم} فاإلسالم هو الدين الكامل الشـامل الـذي‬
‫جاء لهداية البشرية جمعاء، نحو حياة أساسها اإليمان باهلل تعـالى والعمـل بـأوامر‬
‫الشريعة، حياة كريمة هادئة متزنة، حياة يسودها العدل والرحمة والفضيلة، حياة يعمل‬
                                                        ‫الجميع فيها لخير اإلنسانية.‬
‫وقد بعث اهلل رسولنا محمد ‪ ‬في وقت كان العالم كله يعيش فـي ضـالل عقائـدي‬
‫وفساد أخالقي وظلم اجتماعي، وطغيان اإلنسان على اإلنسان، بحيـث كـان يعامـل‬
                                   ‫البعض اآلخر معاملة الحيوان في بعض األحيان.‬
‫وكانت شبه الجزيرة العربية أيضا تعيش في ظالم الجهل والضالل والفساد، وكانـت‬
‫القبائل العربية تحارب بعضها البعض بال رحمة، وتحيا حياة قاسية، ففي مثـل هـذا‬
‫الوقت بعث اهلل رسوله محمدا ‪ ‬لهداية الناس، يدعوهم إلى اإليمان باهلل خـالق كـل‬
         ‫شيء، وإلى الخير والفضيلة، والعلم النافع والعمل الصالح واألخالق الحميدة.‬
‫ولكن قومه من قريش وغيرهم لم يؤمنوا بما جاء به الرسول ‪ ‬من تعاليم حكيمة من‬
                   ‫عند اهلل تعالى لخيرهم، بل قاموا بإيذاء الرسول ‪ ‬بشتى الوسائل.‬
‫ولقد صبر الرسول ‪ ‬على أذى قريش له ثالثة عشر عاما، حتى يئس كبار قـريش‬
‫من القضاء على دعوته فقرروا قتله، ووضعوا لذلك خطة ماكرة، وهـي أن يأخـذوا‬


                                       ‫452‬
‫شابا من كل قبيلة، وأن يقتلوه بضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل كلها فال يقدر‬
‫بنو هاشم على حرب قريش فيرضون بالدية، وقد أقروا هذا الـرأي لطـاغيتهم أبـي‬
                                                     ‫جهل، واستعدوا لتنفيذ الخطة.‬
‫ولكن إرادة اهلل كانت فوق كل إرادة، فقد أخبر رسوله عن مكرهم بإنزال قولـه: {وإذ‬
‫يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اهلل واهلل خيـر‬
‫الماكرين} وبذلك أذن اهلل لرسوله بالهجرة من مكة إلى المدينة، ليعود منها إلى مكـة‬
                                     ‫فاتحا منتصرا يحمل لواء اإلسالم عاليا خفاقا.‬
‫وإذا نظرنا إلى هجرة الرسول صلى اهلل عليه وسلم، فنجد أنها قد توفرت لها أسـباب‬
‫النجاح، فمنها مبايعة األنصار وسرعة انتشار اإلسالم في المدينة، ومنها أن نصرة اهلل‬
‫كانت مع رسوله ‪ ‬في كل مايتعلق بالهجرة، وال سيما حمايته وحفظه من شر قريش‬
                                                          ‫في أثناء الهجرة وبعدها.‬
‫وهجرة الرسول ‪ ‬لم تكن هروبا من أذى قريش، وال خوفا من طغيان الطاغين، فقد‬
‫ثبت في التاريخ أنه ‪ ‬صبر على أنواع األذى، إمتثاال ألمر ربه سبحانه حيث قـال:‬
‫{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعـل فمـا بلغـت رسـالته واهلل‬
‫يعصمك من الناس} وكان في عصمة اهلل وحفظه ورعايته في كل مراحل الدعوة التي‬
                                                     ‫قام بها لنشر الدين اإلسالمي.‬
‫وقد أمضى الرسول ‪ ‬تلك السنوات بمكة صابرا ثابتا في سبيل نشر دعوتـه، كمـا‬
‫صبر أصحابه رضي اهلل عنهم على أنواع التعذيب التي قاسوها من المشركين، ولـم‬
                     ‫يكن لهم ذنب غير أنهم آمنوا باهلل وبرسوله وثبتوا على إيمانهم.‬
‫وكانت هجرته ‪ ‬حادثة عظيمة بمشيئة اهلل تعالى وتـدبيره وحكمتـه، كمـا كانـت‬
                                                      ‫ا‬
                             ‫انتصارا عظيما لإلسالم وسبب ً قويا النتشاره في العالم.‬
‫وقد قام الرسول صلى اهلل عليه وسلم، بعد هجرته بتأسيس الدولـة اإلسـالمية فـي‬
‫المدينة، ثم عاد إلى مكة المكرمة فاتحا منتصرا ليدعو الناس إلى اإلسالم في مشارق‬
‫األرض ومغاربها، بتأييد كامل من اهلل تعالى، ألن اإلسالم هو الـدين الشـامل علـى‬


                                      ‫552‬
‫جميع التشريعات اإللهية، فهو لذلك دين البشرية جمعاء، كما أن الرسول ‪ ‬هو خاتم‬
‫األنبياء والمرسلين، لقوله تعالى: {وما أرسلناك إال كافة للناس} يدعوهم إلى هذا الدين‬
       ‫الحنيف، وقد أرسله اللهرحمة للعالمين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.‬
                                                               ‫كلية اآلداب ـ جدة‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                       ‫652‬
                                     ‫ي‬
                       ‫الهجرة.. حدث غ ّر مجرى التاريخ‬

         ‫هجرة النبي إلى يثرب ضرورة فرضتها آليات الدعوة النطالقة الدين الجديد‬
‫مكث النبي ‪ ‬في مكة ثالثة عشر عامًا يـدعو النـاس إلـى اإلسـالم، ويبصـرهم‬
‫بشرائعه، ويرشدهم إلى أحكامه، دون أن يتطرق إليه ملل، أو يصيبه كلل أو ضـجر،‬
‫ال تصرفه عن دعوته الشواغل، وال يثنيه عن التبليغ وعد أو وعيد، وإنما هو مـاض‬
                     ‫ك‬
‫في طريقه، تحوطه عناية اهلل وتكلؤه رحمته، ال يجد وسيلة تم ّنه من تبليغ دعوته إال‬
‫اتبعها، وال طريقة تهيئ له النجاح إال أخذ بأسبابها، طرق كل باب، ووقف عند كـل‬
                  ‫جمع، وعرض دعوته على القبائل؛ لعل أحدًا يؤمن بها ويؤازرها.‬
‫ْ‬
‫وآمن بالدعوة الجديدة بعض أهل مكة، ممن سمتْ نفوسهم، وصفتْ أفئدتهم، ونضجت‬
‫عاطفتهم الدينية، فالتفوا حول نبيهم محمد صلى اهلل عليه وسلم، كما آمن عـدد مـن‬
                          ‫ال‬
‫الرقيق والموالي والمستضعفين في مكة، ولم تلق مكة با ً لهذا الدين الجديد في بادئ‬
                                                      ‫د‬      ‫د‬
‫األمر، وع ّت محم ًا ‪ ‬وصحبه مجموعة من الحنفاء الذين يظهرون ثم يختفون دون‬
                                       ‫أن يلتفت إليهم أحد.. لكن هيهات هيهات...‬
‫فلقد استشعرت مكة وأهلها الخطر، حين وجدوا أنفسهم أمام رجـل آخـر، ودعـوة‬
                                             ‫ي‬
‫مختلفة، وجماعة تتكون، وكتاب ُتلى، وأن الرسالة يتزايد أنصارها وإن كانت تشـق‬
‫طريقها ببطء بين دهاليز وجبال مكة وعقول أهلها وعصبيتهم التي جبلوا عليها، وليس‬
 ‫ف‬
‫هذا فحسب بل، هالهم األمر حين بدأ النبي ‪ ‬يهاجم الوثنية ويعيب األصنام، ويسـ ّه‬
‫عبادتها، وهنا رأت مكة أن مكانتها الدينية وزعامتها الروحية في خطر، فلجأت إلـى‬
‫مواجهة الدين الوليد، ومحاصرته بكافة الوسائل التي تضمن إجهاضه والقضاء عليه،‬
‫ولم تتحرج في استخدام التعذيب والقتل والسجن مع المؤمنين بمحمد ‪ ‬ودعوته، ولم‬
                           ‫يسلم النبي ‪ ‬نفسه من األذى، وتعرضت حياته للخطر.‬
                   ‫الهجرة إلى الحبشة.. والخروج من األزمة‬




                                     ‫752‬
‫حين اشتد العذاب بأصحاب النبي ‪ ‬وضاقت بهم السبل، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة‬
          ‫ج‬                                                ‫ك ي‬
‫"فإن بها مل ًا ال ُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل اهلل لكم فر ًا مما أنتم‬
‫فيه"، فخرج فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنـة، وفـرارًا إلـى اهلل‬
                                             ‫بدينهم، فكانت أول هجرة في اإلسالم.‬
‫وتفكير النبي ‪ ‬في الحبشة ينطوي على معرفة واسعة للنبي الكـريم بـأحوال شـبه‬
‫الجزيرة العربية، واتجاهاتها السياسية، فلم يكن هناك مكان أصلح للحماية واإليواء من‬
‫الحبشة، فالقبائل العربية تربطها بقريش عالقات وثيقة، وروابط متينـة تمنعهـا مـن‬
‫استقبال هؤالء المسلمين إذا ما فكروا في الهجرة إليها، وبالد الـيمن غيـر مسـتقرة‬
‫يتنازعها التنافس بين الفرس والروم، والصراع بين اليهودية والنصرانية، ولم تكن أي‬
                      ‫ب‬       ‫ن‬
‫مدينة من مدن الجزيرة العربية تصلح أن تكون مكا ًا مناس ًا إليوائهم، حتـى يثـرب‬
‫نفسها التي استقبلت النبي ‪ ‬بعد ذلك، وأقام بها دولته -لم تكن تصلح هي األخـرى‬
‫في هذا الوقت الستقبال المهـاجرين، حيـث كانـت تمزقهـا الخالفـات الداخليـة،‬
       ‫ال‬
      ‫والصراعات بين قبائلها. وكان جملة من هاجر إلى الحبشة ثالثة وثمانين رج ً.‬
                             ‫مقدمات الهجرة الكبرى‬
  ‫ن‬       ‫ح‬
‫وإذا كانت الحبشة التي يحكمها ملك عادل تصلح أن تكون مـأوى صـال ًا ومكا ًـا‬
                       ‫ال‬              ‫ز‬
‫للحماية، فإنها لم تكن تصلح أن تكون مرك ًا للدعوة، ومعق ً للدين، ولهذا لـم يفكـر‬
‫النبي ‪ ‬في الهجرة إليها، واستمر في عرض دعوته على القبائل العربية التي كانـت‬
‫تفد إلى مكة، أو بالذهاب إلى بعضها كما فعل مع قبيلة ثقيف في الطائف، ولـم تكـن‬
    ‫ف‬                                   ‫ب‬
‫قريش تتركه يدعو في هدوء، وإنما تتّعت خطوه، تحذر القبائل من دعوته وتن ّرهـا‬
                                                                            ‫منه.‬
‫غير أن سعي النبي الدؤوب، وحرصه على تبليغ دعوته كان ال بد أن يؤتي ثمـاره،‬
                                                                     ‫ت‬
‫فتفّحت لدعوته قلوب ستة رجال من الخزرج، فأسلموا، ووعدوه بالدعوة لإلسالم في‬
                                                     ‫قد‬
                       ‫يثرب، وبشروه بالفوز لو ُ ّر له أن تجتمع عليه قبائل يثرب.‬



                                      ‫852‬
          ‫ال‬
‫ولم يكد ينصرم عام حتى وافى النبي ‪ ‬في موسم الحج اثنا عشر رج ً: تسعة مـن‬
‫الخزرج وثالثة من األوس، وعقد معهم بيعة عرفت ببيعة العقبة األولـى، علـى "أال‬
                                                                     ‫ئ‬
                    ‫يشركوا باهلل شي ًا، وال يسرقوا، وال يزنوا، وال يقتلوا أوالدهم...".‬
    ‫ه‬       ‫م‬
‫وأرسل معهم حين عادوا إلى بالدهم مصعب بن عمير، وكان داعية عظي ًا، فقي ًا في‬
                                                   ‫ق‬      ‫م‬       ‫ق ن‬
‫الدين، لب ًا فط ًا، حلي ًا رفي ًا، ذا صبر وأناة، فنجح في مهمته أيمـا نجـاح، وانتشـر‬
‫اإلسالم في كل بيت هناك، وهيأ السبيل لتكون يثرب هي دار الهجرة، التـي ينطلـق‬
                                         ‫إليها المسلمون، ومعقل الدين ومركز الدولة.‬
                  ‫ال‬
‫وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثالثة وسبعون رج ً وامرأتان، التقـوا‬
                                                    ‫ر‬
‫بالنبي ‪ ‬في إحدى الليالي س ًا وبايعوه بيعة العقبة الثانية، التي تضـمنت التـزامهم‬
             ‫بحماية النبي ‪ ‬عندما يهاجر إليهم والدفاع عنه، والمحافظة على حياته.‬
‫ومن ثم حددت هذه البيعة الوضع القانوني للنبي ‪ ‬بين أهل يثرب، فاعتبرته واحـدًا‬
                     ‫ن‬
‫منهم، دمه كدمهم، وحكمه كحكمهم، وقضت بخروجه ضم ًا من عـداد أهـل مكـة،‬
‫وانتقال تبعيته إلى أهل يثرب، ولهذا أخفى المتبايعون أمر هذه البيعة عن قريش؛ ألن‬
‫الفترة بين إتمام هذه البيعة، ووصوله ‪ ‬ال يلتزم أهل يثرب خاللهـا بحمايـة النبـي‬
                                         ‫الكريم إذا وقع له مكروه أو أذى من قريش.‬
                                  ‫التجهيز للهجرة‬
                                                                   ‫م‬
‫وبعد أن ت ّت البيعة المباركة أمر النبي ‪ ‬أصحابه بالهجرة إلى المدينـة، فهـاجروا‬
                                                      ‫ف‬               ‫د‬
‫أفرا ًا وجماعات، يتخ ّى بها من يخشى على نفسه، ويعلنها من يجد في نفسه القـدرة‬
                                                                        ‫على التحدي.‬
‫ولم تقف قريش إزاء هذه الهجرة مكتوفة اليدين، فحاولت أن ترد من استطاعت رده،‬
‫لتفتنه في دينه أو تعذبه أو تنكل به، ولكن دون جدوى، فقد هاجر معظـم المسـلمين،‬
‫وبقى النبي ‪ ‬في مكة، ووقعت قريش في حيرة: هل يظل في مكة كمـا فعـل فـي‬
‫الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟ وفي هذا خطر شديد عليهم؛‬



                                        ‫952‬
‫ألنه يستطيع في يثرب أن ينظم جماعته، ويقيم دولته، فتتهدد مكانة قريش بين القبائل،‬
                                                   ‫وتضيع زعامتها، وتتأثر تجارتها.‬
‫حزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي ‪ ‬قبل أن تفلت الفرصة من بـين‬
‫أيديها، ويتحقق ما تخشاه، فأعدوا مؤامرتهم لهذا الغرض الدنيء، وأشـركوا جميـع‬
‫القبائل في قتله، باختيار شاب قوي من بين أبنائها، حتى يتفرق دمه في القبائـل، وال‬
‫يقوى بنو هاشم على محاربة أهل مكة، وقد سجل القرآن الكريم نبأ هـذه المـؤامرة‬
‫الخسيسة في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجـوك‬
                      ‫ويمكرون ويمكر اهلل واهلل خير الماكرين} «األنفال: اآلية 12».‬
                         ‫حادث الهجرة.. وأسباب النجاح‬
‫اتخذ النبي ‪ ‬كل األسباب التي تضمن نجاح هجرته إلى المدينة التي ترتـب عليهـا‬
‫قيام دولة اإلسالم، واتساع رقعتها، وسطوع حضارتها، ولعل أهم األسباب هو نجاحه‬
                     ‫م‬
‫الباهر في إعداد المكان الذي سينزل به هو وأصحابه، مستخد ًا كل الوسائل الممكنـة‬
‫من توثيق عرى العالقات مع أهل يثرب بعقد معاهدتين عظيمتين، وإرسـال داعيـة‬
      ‫عظيم الكفاءة، قوي اإليمان، شديد اإلخالص؛ لنشر الدين، وجذب األتباع هناك.‬
‫والسبب الثاني من أسباب النجاح هو اختيار الوقت المناسب للهجرة، فلم يعزم النبـي‬
‫‪ ‬على الهجرة إال بعد أن استوثق من رسوخ إيمان أهل يثرب، وتعهـدهم بحمايتـه‬
‫والدفاع عنه، وذلك في بيعة العقبة الثانية، ومن ثم لم تعد هناك حاجة لبقائه في مكـة‬
                                        ‫بعد أن وجد النصرة والمنعة عند أهل يثرب.‬
‫والسبب الثالث هو آليات الهجرة التي اتبعها النبي في خروجه من مكة إلى المدينـة،‬
                                                           ‫ل‬
‫في واحدة من أج ّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة واإليمـان قـوة‬
‫وروعة، وتفاصيل هذه الهجرة مذكورة في كتب السيرة، ولسنا في حاجة إلى سـردها‬
‫اآلن، ولكن يمكن القول بأنها كانت سرية إلى أقصى حد، ودقيقة إلى أبعد مدى، وضع‬
‫لها النبي ‪ ‬كل ما في وسع البشر وطاقتهم من وسائل تضمن لها النجـاح، وخطـط‬
       ‫تحقق لها التوفيق، فإذا لم يفلح ذلك كله، فستأتي عناية اهلل في اللحظة المناسبة.‬


                                       ‫062‬
                             ‫الرسول ‪ ‬في المدينة‬
‫وما أن وصل النبي المدينة في ضحى يوم اإلثنين، الموافـق (80 مـن ربيـع األول‬
‫للسنة األولى من الهجرة الموافق 68 سبتمبر 884م) حتى بدأ العمل الجاد، والسـعي‬
                ‫الدءوب، حتى أكمل رسالته على نحو ال مثيل له في تاريخ اإلنسانية.‬
‫ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي ‪ ‬مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانـت واحـات‬
 ‫ظ‬
‫متفرقة في سهل فسيح تسكنها قبائل األوس والخزرج والجماعـات اليهوديـة، فـن ّم‬
                                          ‫ب‬
‫العمران بالمدينة، وشق بها طرقا مع ّدة، وكان المسجد هو األساس في هذا التنظـيم،‬
                              ‫انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.‬
   ‫ت‬                    ‫ت‬
‫وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصالة، و ُبرم فيه كل األمور، وُعقد‬
‫به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسـجد اتخـذ النبـي‬
‫مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صالته مباشرة، وأصبح مـن‬
                                                                       ‫ت‬     ‫سن‬
                       ‫ال ُ ّة أن ُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الوالة ودواوين الحكم.‬
‫ثم أصلح النبي ما بين األوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم‬
‫واحد هو األنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المـؤمنين إخـوة،‬
‫وكانت المرة األولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى األخوة، دون قرابة أو صـلة‬
‫رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجـال مـن األنصـار، فيصـير‬
                  ‫الرجالن أخوين، بينهما من الروابط ما بين األخوين من قرابة الدم.‬
‫وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي ‪ ‬لتنظيم الحياة فـي‬
                   ‫يل‬
‫المدينة، وتحديد العالقات بينها وبين جيرانها، هذه الوثيقة لم ُمِْها النبـي ‪ ‬إمـالء،‬
‫وإنما كانت ثمرة مناقشات ومشاورات بينه وبين أصحابه من المهاجرين واألنصـار‬
‫وغيرهم، وكلما استقروا على مبدأ قام الرسول بإمالء نصه على علي بن أبي طالب،‬
       ‫ي‬
‫وشيئا فشيئا اكتملت الوثيقة، وأصبحت دستورا للجماعة الجديدة، وال يكاد ُعرف مـن‬
‫قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هـذه الدولـة اإلسـالمية‬
                   ‫الجديدة، فإنما تقام الدول أوال، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.‬


                                       ‫162‬
‫وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عـدد سـكان‬
‫المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مـرات، بعـد أن أقبـل‬
                    ‫س‬
‫الناس على سكناها؛ طلبا لألمن والعدل في ظل اإلسالم، والتما ًا لبركة مجاورة النبي‬
                   ‫‪ ‬واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى اهلل وإلى رسوله.‬
                  ‫بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة‬
‫كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها األحداث التي أحاطت بالنبي ‪ ‬في‬
           ‫ت ب‬                            ‫ت‬
‫مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر ُمارس فيها شعائر اإلسالم، و ُط ّـق أحكامـه،‬
‫وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صـالحة‬
‫لهذه الفترة من عمر الرسالة، ألن العداء قد بلغ بها كل مدى ضـد الـدين الجديـد،‬
‫وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتـى تـنجح‬
                                                                        ‫رسالتها.‬
‫ولم تكن الحبشة التي تنعم بالعدل واألمان تصلح لهذه الفترة؛ نظرا الخـتالف البيئـة‬
‫اللغوية والدينية هناك؛ األمر الذي جعل حركة اإلسالم هناك بطيئة، وبال فاعليـة، وال‬
‫تسمح هذه البيئة بالتطبيق؛ ومن ثم لم تكن هناك مدينة في شبه الجزيرة العربية تصلح‬
                                ‫أ‬
‫الستقبال الدين في الفترة الثانية إال يثرب التي ُطلق عليها مدينة الرسول صـلى اهلل‬
                                                                     ‫عليه وسلم.‬
                             ‫ــــــــــــ‬




                                      ‫262‬
                                     ‫ً‬
           ‫األمة اإلسالمية في حاجة دوما إلى التأمل في دروس الهجرة‬

                                                                    ‫إسالم أون الين‬
‫يبدأ العام الهجري الجديد، ويتجدد معه تذكر هجرة النبي صلى اهلل عليه وسلم، تلـك‬
‫الهجرة التي أنجبت دولة حضارية في زمن قياسي في تاريخ األمم، وسادت قـوانين‬
‫السماء الربانية أرجاء المعمورة، وأينع البناء الحضاري في كل روضة وربـوة مـن‬
                                                                   ‫فيحاء هذه الدنيا.‬
 ‫ال ل‬       ‫ر‬      ‫ال‬
‫ومع إشراقة كل عام جديد يقف المسلم بين يدي هذا الحدث، متأم ً معتب ًا محل ً، عّه‬
‫يرتقي بنفسه وبمن حوله إلى مستوى الحدث الضخم في تـاريخ البشـرية، يسـتمطر‬
                  ‫الرحمات لواقع مؤلم ونفس جموح، وتشتت في الجهود واإلمكانات.‬
‫وللهجرة معنيان: حسي ومعنوي، وفي معناها اللغوي هي االنتقال، وقد يكون االنتقال‬
                                           ‫ًّا بترك مكان آلخر، وقد يكون معنوي‬
             ‫ًّا باالنتقال من ثقافة إلى أخرى.‬                              ‫حسي‬
                           ‫والر ز ف ج‬
‫ومن معاني هذا األخير قول اهلل تعالى: { ُّجْ َ َاهْ ُرْ}) المدثر: 8)، وقولـه عـز‬
                                                   ‫ج ه ه ر جم ال‬
‫وجل: {واهْ ُرْ ُمْ َجْ ًا َ ِي ً} (المزمل: 10)؛ فهي مراجعة لكافة الموروثات الثقافية‬
‫والبنائية، واكتشاف الجوانب التي عدا عليها الخطأ أو الفساد فـي الفهـم والتطبيـق،‬
                                                              ‫مراجعة عملية فاعلة.‬
‫والهجرة إن هي إال رديف لمعنى التزكية، قال صلى اهلل عليه وسلم: "ال تنقطع الهجرة‬
‫حتى تنقطع التوبة، وال تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" «أبو داود بسـند‬
                                                                          ‫صحيح».‬
‫إن الحديث عن الهجرة يجب أال نقف فيه عند مظاهر هجرة النبي صـلى اهلل عليـه‬
‫وسلم، ونسرد التفاصيل التي وردت عنها، بل نحن مطالبون بـالغوص فـي عميـق‬
           ‫ض‬
‫جذرها، وتحليل نفسية الهجرة وفلسفتها؛ كي نعي وندرك منهـا بع ًـا مـن سـبل‬
                                                    ‫الخالص ألنفسنا وأمتنا الكريمة.‬




                                       ‫362‬
                     ‫م‬
‫إن التالزم بين معنيي الهجرة -الجسدي والنفسي- ال يزال قائ ًا ما دام المؤمنون لـم‬
‫يمسكوا بزمام األستاذية العالمية، وال يزالون حتى ذلك الوقت يحتاجون إلـى المعـين‬
                                  ‫د‬
‫المزدوج للهجرة النبوية العطرة، وال يتوقف أب ًا المعنى النفسي أو المعنـوي؛ ألنـه‬
                                               ‫بمثابة الزاد والتزكية لألنفس والمجتمعات.‬
‫فالهجرة النبوية نهر جاري العطاء في كل حين بإذن ربه، يغرف منه المؤمن رواء له‬
                             ‫حينًا بعد حين، يربط الحداثة بالواقع، ويتلقط منها ما يريد.‬
                                      ‫أهمية الهجرة‬
                          ‫و‬
‫تكمن أهمية الهجرة في: تخليص المؤمنين من حالة الع َز وقلة األمن، ومن ثم إطالق‬
‫م يه ج ف سب ل الل ِ‬                       ‫ع‬                 ‫ت‬
‫قدراتهم اإلنتاجية في حال َي السلم والحرب م ًا، قال تعالى: {و َن ُ َا ِرْ ِي َ ِي ِ َّه‬
                                            ‫يج ف أل ض مر غم كث ر سعة‬
‫َ ِدْ ِي ا َرْ ِ ُ َا َ ًا َ ِي ًا و َ َ ً} (النساء: 110)، والمراغم هو المنعة والقـوة،‬
                                                                  ‫غ‬
‫أو ما ير ِم به المؤمنون أعداءهم على مساومتهم ومنعهم من العدوان عليهم، والسعة‬
  ‫والذ ن ه جر ف الله م ب د م ظلم لن َو َنه ف‬
‫هي سعة العيش، وقال تعالى: { َّ ِي َ َا َ ُوا ِي َّ ِ ِن َعْ ِ َا ُِ ُوا َ ُب ِّئَّ ُمْ ِـي‬
                                     ‫س ً أل ر خر ِ أ ب ُ ل ْ ك ن ي لم ن‬                      ‫الد‬
                       ‫ُّنْيَا حَ َنَة و َجْ ُ اآل ِ َة َكْ َر َو َاُوا َعَْ ُو َ} (النحل: 06).‬
‫فالمهاجر في سبيل اهلل اليوم إنما يهاجر ليطلق لنفسه قدراتها، ويتحلل من كـل قيـد‬
‫يلزمه بالقعود، والمهاجر في سبيل اهلل اليوم مطالَب بأن يطلق لفكره وعقله وعلمه كل‬
                                                                     ‫اآلفاق الرحبة الواسعة.‬
‫واألمة تقف أمام أمر إطالق الطاقات هذا وتتمعن في نفسها، وما يكبلها مـن آسـار‬
‫األغالل الثقيلة التي جعلتها في آخر األمم، وتمعن األمة النظر في األمن والحريـات‬
‫التي هي أول مدارج الصعود نحو الهجرة؛ لتعي الهوة الكبيرة بينها وبـين الهجـرة‬
                                                                              ‫النبوية العطرة.‬
‫وكذا المسلم - بل الداعية - يجب ان يقف ليراجع فكره ونفسه، ويستخرج األغـالل‬
‫التي تحيط به وأن ينطلق االنطالقة المباركة وفق شرع ربنا الحكيم، وقدوته صـاحب‬
                                                              ‫الهجرة عليه الصالة والسالم.‬



                                            ‫462‬
‫إن األعداد الكبيرة من المسلمين التي تهاجر اليوم الهجرة العكسية إلى بالد الغرب، ثم‬
‫تظل تدور حول نفسها متأثرة بالمحيط الذي تعيش فيه، غاب عنهـا معنـى إطـالق‬
                                                       ‫ل‬
                               ‫الطاقات هذا، وفات عليها ُباب األمر في فقه الهجرة.‬
‫والهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمر، وعامل من عوامل قوة األمة الفكريـة‬
‫والمادية؛ كونها تتمحور حول المثل األعلى عليه الصالة والسالم، وال تـزال األمـة‬
‫بعافية ما دامت على صلة قوية بهذا المثل األعلى، سواء في إنضاج فكرها أو تقـدم‬
                                                              ‫تدب‬
‫مدنيتها، ومن َّر أحداث الهجرة ودقائقها أدرك أهمية حركة التجديد، وترك البيئـات‬
                                   ‫د‬
‫المغلقة إلى البيئات المفتوحة، سواء أكانت بل ًا أو مؤسسة، أو حتى نفس المؤمن ذاته؛‬
                                                   ‫م‬
‫إذ المثل األعلى يحث دائ ًا على أسمى الغايات، ويدفع إلنجاز أرقى الحضارات، ولن‬
                                                               ‫يتحقق ذلك إال بالتجد‬
          ‫ُّد المنفتح، المتعلق بالمثل األعلى عليه الصالة والسالم.‬
‫والهجرة مطلب قوي لتماسك الجبهة الداخلية في األمة؛ إذ هي المراجعة والمحاسـبة،‬
              ‫ه‬                      ‫ْ‬
‫سواء الذاتية أو الجماعية أو المؤسسية، إذ جوهر الهجرة يقوم على َجْر كـل مـا ال‬
‫يليق، وبهذه النظرة الواعية لمعنى الهجرة يكون النقد البنـاء، وتكـون المراجعـات‬
                                                               ‫للس‬
    ‫الربانية َّيْر، والتفرس في األخطاء، وهذا من أقوى عوامل النهوض الحضاري.‬
‫إن حالة األمة اليوم -وحال أفرادها في الغالب- لفي أشد الحاجة إلى إطالق الطاقات‬
‫الكبيرة التي تحوزها في أبنائها، وتوفير األمن واالستقرار لهم؛ فما سـعى النبـي ‪‬‬
‫للمدينة إال بعد سنوات من الكبت والتضييق؛ فكانت المدينة المنورة البيئة التي انطلـق‬
               ‫ن‬                          ‫ت‬
‫فيها البناء الحضاري، ونلمس اليوم إما كب ًا لمجتمعات كاملة، أو فقدا ًا للدور في كثرة‬
                                                                   ‫من أفراد األمة.‬
‫وحركة التجديد التي قال فيها النبي صلى اهلل عليه وسلم: "إن اهلل تعالى يبعـث لهـذه‬
‫األمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (أبو داود بسند صحيح) هذه الحركة‬
                                           ‫تحتاج إلى تجديد في األفراد والمؤسسات.‬
‫والنقد الداخلي والتوبة والمراجعة قوة تتماسك بها األمة، وتسترد بها عافيتها، ويتنفس‬
                                                 ‫بها كل فرد أنسام البناء الحضاري.‬


                                       ‫562‬
                                       ‫وما أصدق قول شاعر الدعوة وليد األعظمي حين قال:‬
                       ‫ر‬                 ‫ة‬
            ‫يا هجرة المصطفى والعين باكي ٌ والدمع يجري غزي ًا من مآقيها‬
                                        ‫ة‬        ‫ي‬
            ‫يا هجرة المصطفى هّجت ساكن ً من الجوارح كاد اليأس يطويها‬
      ‫منا حناجرنا بالحزن تأويها‬                                  ‫هيجت أشجاننا واهلل فانطلقت‬
‫إنها دموع الداعية تنهمر من مآقيه على واقع أمته، وتعطل منابع الخيرات فيها، لكـن‬
                                                           ‫م‬
‫األمل يتجدد دائ ًا بهجرة الحبيب محمد عليه الصالة والسالم مصـدر االقتـداء فـي‬
                                                                                          ‫المحن والمنح.‬
                         ‫ت و‬            ‫ي و‬
‫ومع إدراك فقه الهجرة وأبعادها ُط َى اليأس، و ُط َى معه مراحل في النفس وفـي‬
‫إ ت صر ه ف نصره له إ أ رجه ال ذ َ‬
‫اآلفاق الدعوية، وما ثمة مكان للحزن: {ِال َن ُ ُو ُ َقَدْ َ َ َ ُ الّ ُ ِذْ َخْ َ َ ُ َّـ ِين‬
‫ك َر ث ِي ن ن إ هم ف غ ر إ يق ل لص حبه ت ز ِن له معن فأ َل ل ُ‬
‫َف ُوا َان َ اثْ َيْ ِ ِذْ ُ َا ِي الْ َا ِ ِذْ َ ُو ُ ِ َا ِ ِ ِ ال َحْ َنْ إ َّ الّ َ َ َ َا َ َنز َ الّـه‬
‫سك ن ه عل ه وَيده بجن د ل تر ه وج َل كلمة الذ ن كفر الس ل وكلمة ل ه ه َ‬
‫َ ِي َتَ ُ ََيْ ِ َأ َّ َ ُ ِ ُُو ٍ َّمْ َ َوْ َا َ َع َ َِ َ َ َّ ِي َ َ َ ُواْ ُّفَْى َ َِ َ ُ الّـ ِ ِـي‬
                                                                          ‫ع و ل ُ عز ٌ حك م‬
                                                            ‫الْ ُلْيَا َالّه َ ِيز َ ِي ٌ} (التوبة 16).‬
                                       ‫ــــــــــــ‬




                                                   ‫662‬
                    ‫من دروس الهجرة‬
                                               ‫شعر صبري أحمد الصبري‬
 ‫في هجرة المختار نور ساري دوما إلى الوجدان باستبشار‬
   ‫فالظلم مهما قد تمادى ينتهي بالظالمين لخيبة وخسار‬
  ‫سيعود جهرا للعال بفخار‬       ‫والحق مهما قد توارى فترة‬
    ‫باآلمنين سينتهي لبوار‬     ‫والبغي مهما أطبقت أظفاره‬
   ‫ينساب فيهم بالهدى السيار‬        ‫والعدل يأتي لألنام بقسطه‬
 ‫كانت بمكة قبل هجرة أحمد أشياء عجت باعتداء ضاري‬
  ‫قلبت موازين الحياة وعطلت بعض األمور مظالم الكفار‬
‫عدوان بغي سافر األطوار‬          ‫ب ِل‬
                              ‫شنوا على صحب الرسول ِغِّهم‬
‫لبلوغ قصد سيئ األغوار‬         ‫جعلوا من القوم الضعاف وسيلة‬
     ‫لكن دعوة أحمد ظلت كما شاء اإلله بقوة الجبار‬
   ‫تمضي بنور اهلل جل جالله بين القلوب بقدرة القهار‬
    ‫شوق للقيا سيد األبرار‬      ‫بلغت بفضل اهلل آفاقا لها‬
   ‫تاقت لطه باشتياق حار‬        ‫فربوع طيبة كلها في لهفة‬
   ‫بلقاء حق صادق األنصار‬           ‫حتى تحقق للمدينة حلمها‬
   ‫وبصحبه في طيبة األطهار‬           ‫أهال وسهال بالنبي وآله‬
‫قامت بصدق دولة األنوا ر‬        ‫أرسى الحبيب بطيبة أسسا بها‬
‫للناس جمعا من سنا استقرار‬          ‫حق وعدل واستقامة كم لها‬
  ‫نطقت لنا بالعلم باستمرار‬     ‫في هجرة المحمود طه أحمد‬
‫تحكي دروسا من جواهر عقدها للناس تجني من بديع ثمار‬
  ‫ترنو لها بمحاسن استبصار‬          ‫ولكي تظل قلوبنا وعيوننا‬
‫طه الرسول المجتبى المختار!!‬         ‫صلى اإلله على ا لنبي وآله‬
                  ‫ــــــــــــ‬


                             ‫762‬
                       ‫الهجرة النبوية المباركة مواقف وعبر‬

‫الحمد هلل رب العالمين الموجود أزال وأبدا بال مكان والصالة والسـالم علـى سـيد‬
‫المرسلين محمد وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسـلين وعلـى ءالـه وصـحبه‬
‫الطيبين الطاهرين ، أما بعد، يقول اهلل تعالى في محكم كتابه: {إال تنصروه فقد نصره‬
‫ّ‬
‫اهلل إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ال تحـزن إن‬
                                                      ‫اهلل معنا}. سورة التوبة/16 .‬
                                                                     ‫إخوة اإليمان ،‬
                                                                 ‫ي‬
‫دعا النب ّ محمد ‪ ‬إلى العدل واإلحسان ومكارم األخالق ونهى عن المنكر والبغي .‬
    ‫ال‬             ‫ق‬                                               ‫ر‬
‫فهو الذي ع ّفه قومه قبل نزول الوحي بلقب األمين فلم يكن سار ًا ولم يكن رذي ً ولم‬
                                                                        ‫ل‬
‫يكن متعّق القلب بالنساء، وكان يدور في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقول: "أيها‬
                                                   ‫ت‬
‫الناس قولوا ال إله إال اهلل ُفلحوا" . وكان يتبعه رجل من المشـركين ويقـول: "أيهـا‬
                                                                      ‫د‬
                                                                ‫الناس ال تص ّقوه" .‬
‫صبر ‪ ‬على إيذاء المشركين ، وتعجب المشركون لهذا الصبر فقالوا ألبي طالب: "يا‬
          ‫ر‬                       ‫ه‬
‫أبا طالب ماذا يريد ابن أخيك؟ إن كان يريد جا ًا أعطيناه فلن نمضي أمـ ًا إال بعـد‬
                                                    ‫ال‬
‫مشورته، وإن كان يريد ما ً جمعنا له المال حتى يصير أغنانا، وإن كان يريد الملـك‬
         ‫م‬                     ‫م‬                       ‫ي‬                        ‫و‬
‫ت ّجناه علينا" . ولكن النب ّ الذي يوحى إليه أجاب ع ّه بقوله: "واهلل يا ع ّ لو وضعوا‬
   ‫الشمس بيميني والقمر بشمالي ما تركت هذا األمر حتى يظهره اهلل أو أهلك دونه" .‬
          ‫ال د‬            ‫ل‬
                          ‫ِ‬
‫فأجمع المشركون على قتل رسول اهلل ‪ ‬وجمعوا من ك ّ قبيلة رج ً جل ًا ليضـربوه‬
                                                     ‫ر‬
‫ضربة رجل واحد حتى يتف ّق دمه بين القبائل، فأتى جبريل عليه السالم وأخبره بكيد‬
‫المشركين وأمره بأن ال يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه. فـدعا رسـول اهلل ‪‬‬
       ‫ج بب‬                                                          ‫ي‬
‫عل ّ بن أبي طالب رضي اهلل عنه وأمره أن يبيت على فراشه ويتسـ ّى ِ ُـرد لـه‬
       ‫ر‬                                              ‫م‬
‫أخضر ففعل ، ث ّ خرج ‪ ‬وهم على بابه ومعه حفنة تـراب فجعـل يـذ ّها علـى‬



                                       ‫862‬
‫رؤوسهم وهو يقرأ: { يس . والقرءان الحكيم }. إلى قوله تعالى : { وجعلنا من بـين‬
                                                       ‫د‬              ‫د‬
                     ‫أيديهم س ّا ومن خلفهم س ّا فأغشيناهم فهم ال يبصرون} .(يس) .‬
                                   ‫د‬
                                   ‫ِ‬                                     ‫م‬
‫ث ّ رسول اهلل ‪ ‬يختار حبيبه أبا بكر الص ّيق رضي اهلل عنه يرافقه فـي الهجـرة،‬
             ‫د‬                   ‫د‬
‫ويدخالن إلى الغار وفي الغار ثقوب فجعل الص ّيق رضي اهلل عنه يس ّ الثقوب بثوبه‬
                              ‫م‬          ‫ر‬                       ‫د‬
‫وبقي ثقب فس ّه برجله ليحمي حبيبه وق ّة عينه مح ّدا، فلدعته األفعـى برجلـه فمـا‬
                      ‫ن‬                      ‫د ل‬                        ‫ر‬
‫ح ّكها وما أزاحها، فمن ش ّة أَمه بكى رضي اهلل عنه ف َزلت دمعته وأيقظت رسـول‬
                                                          ‫ل‬              ‫ل‬
     ‫اهلل صّى اهلل عليه وسّم، فقام ‪ ‬ومسح له بريقه الطاهر فشفي بإذن اهلل تعالى .‬
‫وحمى اهلل تعالى حبيبه بخيط العنكبوت، حمى اهلل تعالى حبيبه بأضعف البيوت وأوهن‬
 ‫البيوت بيت العنكبوت، فأرسل اهلل حمامة باضت على فم الغار ونسج العنكبوت خيطه‬
                         ‫ق‬       ‫ب‬            ‫و‬
‫والمؤمنون في المدينة المن ّرة ينتظرون حّا وشـو ًا، ينتظـرون وصـول الحبيـب‬
              ‫المصطفى ‪ ، ‬وذات يوم والناس في انتظار بلهف وشوق وقد انتصف‬
                                                         ‫د ر‬
‫النهار واشت ّ الح ّ ورجعوا جماعة بعد جماعة وإذ برجل ينادي بأعلى صوته: ها قـد‬
                                        ‫ر‬
‫جاء من تنتظرون يا أهل المدينة، فتك ّ الجموع عائدة السـتقبال الحبيـب المحبـوب‬
                                                                            ‫ّ‬
               ‫والحب يسبقها ولسان حالها يقول: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" .‬
         ‫ٍ‬
         ‫ق‬            ‫ال‬          ‫ن‬         ‫ب‬                         ‫ي‬
‫الهجرة النبو ّة أيها اإلخوة لم تكن هرو ًا وال جب ًا وال تخاذ ً عن إحقاق ح ّ أو إبطال‬
                                                ‫باطل ، ولكن هجرة بأمر اهلل تعالى .‬
                              ‫ــــــــــــ‬




                                        ‫962‬
                              ‫إخوة اإليمان واإلسالم‬

                                           ‫ن‬
‫إن دار الفتوى في أستراليا تذكركم بأ ّ اهلل تعالى وعد المؤمنين بالنصر المبين وجعل‬
                     ‫ن‬                                   ‫د ج‬
‫لهم من الش ّة فر ًا ومن العسر يسرا ومن الضيق سعة، وأ ّ الدروس المستفادة مـن‬
               ‫ف‬
‫الهجرة كثيرة ومن جملتها ضرورة الصبر على الشدائد والباليا وكا ّة أنـواع الظلـم‬
               ‫ِ‬
               ‫ق‬
‫واالستبداد، والصمود في وجه الباطل، والوقوف إلى جانب الح ّ في شجاعة وحـزم‬
  ‫م‬          ‫ر‬                                                      ‫ن‬
‫وعزم، وأ ّ بهجتنا بهذه الذكرى العظيمة في الظروف الحالية التي تم ّ بهـا األ ّـة‬
‫تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل نشر دين اهلل، تبعثنا على مضاعفة الجهـد فـي‬
                                ‫ل‬                 ‫م‬
                     ‫سبيل إعالء كلمة ال إله إال اهلل مح ّد رسول اهلل بالتعّم والتعليم.‬
                                 ‫ب‬                                          ‫م‬
‫الله ّ أعد علينا هذه الذكرى باألمن واألمان يا ر ّ العالمين . وتقبل اهلل من حجاجنـا‬
                                                        ‫الكرام . وكل عام وأنتم بخير‬
                             ‫ــــــــــــ‬
                                         ‫.‬




                                       ‫072‬
                           ‫الهجرة النبوية المباركة - مواقف وعبر‬

‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ باهلل من شرور أنفسـنا ومـن‬
                                              ‫ل‬
‫سيئات أعمالنا، من يهد اهلل فال مض ّ له ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أنْ ال إله إال‬
            ‫ي‬    ‫أن‬            ‫ند‬      ‫ضد‬
‫اهلل وحده ال شريك له وال مثيل له، وال ِ ّ وال ِ ّ له، وأشـهد َّ سـ ّدنا وحبيبنـا‬
 ‫د‬              ‫ل‬           ‫ي‬                  ‫مد‬             ‫ر‬
‫وعظيمنا وقائدنا وق ّة أعيننا مح ّ ًا عبده ورسوله وصف ّه وحبيبه، بّغ الرسـالة وأ ّى‬
                              ‫نبي‬            ‫ن‬              ‫م‬
‫األمانة ونصح األ ّة فجزاه اهلل عّا خير ما جزى ًّا من أنبيائه. الصـالة والسـالم‬
                    ‫م‬                                                   ‫ِ‬
                                                                        ‫ي‬
‫عليك س ّدي يا علم الهدى يا أبا الزهراء يا أبا القاسم يا مح ّد ضاقت حيلتنـا وأنـت‬
                                                                      ‫وسيلتنا أدركنا يا رسول اهلل .‬
                         ‫ِ‬
                         ‫ي‬
‫أما بعد عباد اهلل، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل العل ّ العظيم ، والسير على خطـى‬
‫نص ره ل ه إ ْ‬           ‫ِال ت صر ه ف‬
‫رسوله الكريم، يقول اهلل تعالى في محكم كتابه: ?إ َّ َن ُ ُو ُ َقَـدْ َ َـ َ ُ الّـ ُ ِذ‬
‫أ رجه الذ ن كفر ث ِي ن ن إ هم ف غ ر إ يق ل لص حبه ال ت ز ِن ل َ‬
‫َخْ َ َ ُ َّ ِي َ َ َ ُواْ َان َ اثْ َيْ ِ ِذْ ُ َا ِي الْ َا ِ ِذْ َ ُو ُ ِ َا ِ ِ ِ َ َحْـ َنْ إ َّ الّـه‬
                                              ‫م َن فأ َ َ له سك ن ُ عل ِ وَيد ُ بجن ٍ ل ْ تر ه‬
                                             ‫َع َا َ َنزل الّ ُ َ ِي َتَه ََيْه َأ َّ َه ِ ُُود َّم َ َوْ َا‬
              ‫وج َ َ كلم َ الذ َ كفر ْ الس ل وكلم ُ له ِ َ ع و ل ُ عز ٌ حك م‬
 ‫َ َعل َِ َة َّ ِين َ َ ُوا ُّفَْى َ َِ َة الّ ِ هي الْ ُلْيَا َالّه َ ِيز َ ِي ٌ? التوبة/16 .‬
                                     ‫ي‬
‫إخوة اإليمان يا أحباب الحبيب، دعا النب ّ ‪ ‬إلى العدل واإلحسان ومكارم األخـالق‬
    ‫م‬                                ‫و‬
‫ونهى عن المنكر والبغي. فهو أفضل األ ّلين واآلخرين على اإلطالق، هو مح ّـد ‪‬‬
        ‫ال‬             ‫ق‬                                               ‫ر‬
‫الذي ع ّفه قومه قبل نزول الوحي بلقب األمين فلم يكن سار ًا ولم يكن رذي ً ولم يكن‬
                                                                          ‫ل‬
‫متعّق القلب بالنساء، وكان يدور في المواسم التي يجتمع فيها الناس ويقـول: "أيهـا‬
                                                     ‫ت‬
‫الناس قولوا ال إله إال اهلل ُفلحوا". وكان يتبعه رجل من المشركين ويقول: "أيها الناس‬
                                                                                                 ‫د‬
                                                                                            ‫ال تص ّقوه".‬
                          ‫ل‬
‫صبر ‪ ‬على إيذاء المشركين. أليس حينما كان يصّي عند الكعبة رمى على ظهـره‬
‫عقبة بن أبي معيط سلى جزور؟ وذلك المشرك أبو جهل أراد أن يخنقه بثوبه فمنعـه‬
                  ‫ي‬        ‫ك‬                       ‫ال‬
‫أبو بكر وقال: "أتقتلون رج ً يقول ربي اهلل؟". أليس ُسرت رباعّته من أسنانه؟ أليس‬
                       ‫ي‬
‫ضرب بالحجارة عليه الصالة والسالم؟ ولكن هذا النبي المؤ ّد بنصر اهلل المبين ثبـت‬


                                                   ‫172‬
         ‫ج‬                   ‫د‬                        ‫ل‬
‫كما أمره اهلل، فما من نبي يتخّى عن الدعوة إلى اهلل لش ّة إيذاء، الكفار تع ّبوا لهـذا‬
  ‫ه‬
‫الصبر فقالوا ألبي طالب: "يا أبا طالب ماذا يريد إبن أخيك؟ إن كـان يريـد جا ًـا‬
                     ‫ال‬                                 ‫ر‬
‫أعطيناه فلن نمضي أم ًا إال بعد مشورته، وإن كان يريد ما ً جمعنا له المـال حتـى‬
                                                           ‫و‬
                                               ‫يصير أغنانا، وإن كان يريد الملك ت ّجناه علينا".‬
                       ‫ّ‬                    ‫م‬                       ‫ي‬
‫ولكن النب ّ الذي يوحى إليه أجاب ع ّه بقوله: "واهلل يا عم لو وضعوا الشمس بيمينـي‬
                        ‫والقمر بشمالي ما تركت هذا األمر حتى يظهره اهلل أو أهلك دونه".‬
          ‫ال د‬            ‫ِ‬
                          ‫ل‬
‫فأجمع المشركون على قتل رسول اهلل ‪ ‬وجمعوا من ك ّ قبيلة رج ً جل ًا ليضـربوه‬
                                                     ‫ر‬         ‫د‬     ‫ل‬
‫ضربة رج ٍ واح ٍ حتى يتف ّق دمه بين القبائل، فأتى جبريل عليه السالم وأخبره بكيد‬
‫المشركين وأمره بأن ال يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه. فـدعا رسـول اهلل ‪‬‬
       ‫ج بب‬                                                          ‫ي‬
‫عل ّ بن أبي طالب رضي اهلل عنه وأمره أن يبيت على فراشه ويتسـ ّى ِ ُـرد لـه‬
       ‫ر‬                                              ‫م‬
‫أخضر ففعل ، ث ّ خرج ‪ ‬وهم على بابه ومعه حفنة تـراب فجعـل يـذ ّها علـى‬
‫و ق ن حك م ِنك لمن م س ل ن ع ص ر ط م َق ٍ‬
‫رؤوسهم وهو يقرأ: ?يس َالْ ُرْآ ِ الْ َ ِي ِ إ َّ َ َ ِ َ الْ ُرْ َـِي َ َلَص ِـ َا ٍ ُّسْـت ِيم‬
  ‫ْ ُ عل‬      ‫ت ز ل عز ز الرح م لت ذر ق ا م أ ذر ب ؤه فه غ فل ن ل َـق‬
‫َن ِي َ الْ َ ِي ِ َّ ِي ِ ُِن ِ َ َوْم ً َّا ُن ِ َ آ َا ُ ُمْ َ ُمْ َا ُِو َ َقَدْ ح َّ الْقَـول ََـى‬
‫ن فه م مح َ‬                      ‫أ ثره فه ل ي من ن ِن جع ن ف أ ن قه أ َال ف ِي إ‬
‫َكْ َ ِ ِمْ َ ُمْ َا ُؤْ ِ ُو َ إَّا َ َلْ َا ِي َعْ َا ِ ِمْ َغْال ً َه َ ِلَصاألَذْقَـا ِ َ ُـم ُّقْ َ ُـون‬
                ‫وجع م ب ِ أ د ه سدً وم ْ خ فه سدا فأ ش ن ه فه َ ي صر ن‬
         ‫َ َ َلْنَا ِن َيْن َيْ ِي ِمْ َ ّا َ ِن َلْ ِ ِمْ َ ًّ َ َغْ َيْ َا ُمْ َ ُمْ ال ُبْ ِ ُو َ? (يس).‬
‫وحمى اهلل تعالى حبيبه بخيط العنكبوت، حمى اهلل تعالى حبيبه بأضعف البيوت وأوهن‬
‫البيوت بيت العنكبوت، فأرسل اهلل حمامة باضت على فم الغار ونسج العنكبوت خيطه‬
‫ير د ن أ ي فؤ ن ر له بأ و هه وي ب له ِال أ ي ِم ن ره و ْ‬
‫. قال تعالى: ? ُ ِي ُو َ َن ُطْ ِ ُواْ ُو َ الّ ِ ِ َفْ َا ِ ِمْ َ َأْ َى الّ ُ إ َّ َن ُت َّ ُو َ ُ َلَـو‬
                                                                                      ‫كر َ ك فر ن‬
                                                                         ‫َ ِه الْ َا ِ ُو َ? التوبة/82 .‬
                         ‫ق‬       ‫ب‬            ‫و‬
‫والمؤمنون في المدينة المن ّرة ينتظرون حّا وشـو ًا، ينتظـرون وصـول الحبيـب‬
                                                  ‫ل‬              ‫ل‬
‫المصطفى صّى اهلل عليه وسّم، فكانوا يتوافدون إلى مشارف المدينة من ناحية طريق‬
 ‫ل‬                 ‫ر‬         ‫ل‬                         ‫ل‬                ‫ك‬
‫م ّة وكان بعضهم يتسّق األشجار وينظر إلى بعد عّه يرى أث ًا لقدوم الحبيب صـّى‬
                                                                         ‫ل‬
                                 ‫اهلل عليه وسّم، وتمضي األيام والساعات ويعودون حزينين.‬



                                                    ‫272‬
        ‫د ر‬
‫وذات يوم والناس في انتظار بلهف وشوق وقد انتصف النهار واشت ّ الح ّ ورجعـوا‬
‫جماعة بعد جماعة وإذ برجل ينادي بأعلى صوته: ها قد جاء من تنتظرون يـا أهـل‬
                     ‫ّ‬                                          ‫ر‬
‫المدينة، فتك ّ الجموع عائدة الستقبال الحبيب المحبوب والحب يسبقها ولسـان حالهـا‬
                                                       ‫يقول: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع".‬
                                          ‫ّ‬                                         ‫ّ‬
                               ‫اللهم أعد علينا هذه الذكرى باألمن واألمان يا رب العالمين .‬
                                                                   ‫هذا وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم‬
                                                                                         ‫الخطبة الثانية:‬
‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ باهلل من شرور أنفسـنا ومـن‬
                                          ‫ل‬                                ‫ي‬
‫سّئات أعمالنا، من يهد اهلل فال مض ّ له ومن يضلل فال هادي له، والصالة والسـالم‬
                                                            ‫ِ‬
                                                            ‫ل‬                     ‫م‬
                                           ‫على مح ّد بن عبد اهلل وعلى ك ّ رسول أرسله اهلل.‬
                                        ‫ّ‬
                               ‫أما بعد عباد اهلل ، فأوصيكم ونفسي بتقوى اهلل العلي العظيم .‬
‫ً‬                       ‫ن‬                 ‫ب‬                         ‫ي‬
‫الهجرة النبو ّة أيها اإلخوة لم تكن هرو ًا من قتال وال جب ًا عن مواجهـة وال تخـاذال‬
                                                                          ‫ق‬
                                                                          ‫ّ‬
                                ‫عن إحقاق ح ٍ أو إبطال باطل، ولكن هجرة بأمر اهلل تعالى.‬
‫فأنبياء اهلل تعالى يستحيل عليهم الجبن، فاألنبياء هم أشجع خلق اهلل. وقـد أعطـى اهلل‬
                                                                  ‫د‬         ‫ً‬            ‫ي و‬
                                                               ‫نبّنا ق ّة أربعين رجال من األش ّاء.‬
     ‫ن‬        ‫ي‬
‫فالجبن والهرب هذا ال يليق بأنبياء اهلل تعالى . "فال يقال عن النب ّ هرب أل ّ هـرب‬
                  ‫ف‬                          ‫ر‬                   ‫م‬
‫يشعر بالجبن، أ ّا إذا قيل هاجر فرا ًا من الكفار أي من أذى الك ّار فال يشعر بالجبن‬
                               ‫بل ذلك جائز ما فيه نقص ". (الشرح القويم صحيفة 062 ).‬
‫َ إ َّ‬    ‫م‬       ‫يه‬
‫واعَموا َّ ا َ أم َ ُمْ بأمْ ٍ عظي ٍ أم َ ُمْ بالصال ِ والسال ِ على نب ِ ِ الكري ِ فقـال:?ِن‬
                             ‫م‬        ‫ة‬          ‫م رك‬         ‫ر‬        ‫ل أن هلل رك‬
‫ل ا له َّ‬            ‫َل عل ه َلم‬            ‫الله ومل ئك ه ي َل ن عل الن ِ ِ ي َيه الذ ن من‬
                                                                    ‫ي‬
‫َّ َ َ ََا ِ َتَ ُ ُصُّو َ ََى َّب ّ َا أُّ َا َّ ِي َ آ َ ُوا صُّوا ََيْ ِ وَسِّ ُوا تَسِْيم ً? الّ ُـم‬
      ‫م‬          ‫يد‬        ‫ل يد محمد م ل ت‬                   ‫يد محمد‬          ‫َِ‬
                                                                              ‫ل‬
‫ص ّ على س ّ ِنا َّ ٍ وعلى ءا ِ س ّ ِنا َّ ٍ ك َا صّي َ على س ّ َنا إبراهي َ وعلـى‬
     ‫ل يد محمد م ر ت‬                      ‫يد محمد‬            ‫م ر‬              ‫ل يد‬
‫ءا ِ س ّ ِنا إبراهي َ وبا ِكْ على س ّ ِنا َّ ٍ وعلى ءا ِ س ّ ِنا َّ ٍ ك َا با َكْ َ علـى‬
  ‫ي َيه‬                         ‫د‬     ‫د‬     ‫م نك‬             ‫ل يد‬            ‫م‬          ‫يد‬
‫س ّ ِنا إبراهي َ وعلى ءا ِ س ّ ِنا إبراهي َ إ ّ َ حمي ٌ مجي ٌ، يقول اهلل تعالى: ? َـا أُّ َـا‬
  ‫الن س اتق َبك ِن ز ز ة س عة َ ء عظ م ي م تر نه َل ُل م ض عة َم‬
‫َّا ُ َّ ُوا رَّ ُمْ إ َّ َلْ َلَ َ ال َّا َ ِ شيْ ٌ َ ِي ٌ َوْ َ َ َوْ َ َا تَذْه ُ ك ُّ ُرْ ِـ َ ٍ ع َّـا‬


                                                   ‫372‬
‫أ ضع وتضع ُل ذ ت ح ْل ح له وتر الن س سك ر وم ه س ك ر وَ َّ‬
‫َرْ َ َتْ َ َ َ ُ ك ُّ َا ِ َم ٍ َمَْ َا َ َ َى َّا َ ُ َا َى َ َا ُم بِ ُـ َا َى َلكِـن‬
  ‫ف‬         ‫ب‬         ‫ر ل ُم‬           ‫ء‬                 ‫ل ُم إن ع ك‬             ‫عذ ب الله د د‬
‫َ َا َ َّ ِ شَ ِي ٌ?، الّه َّ َّا د َوْنا َ فاستجبْ لنا دعا َنا فاغف ِ الّه َّ لنا ذنو َنا وإسرا َنا‬
             ‫ت رب ت‬                ‫ء ه‬           ‫ت‬          ‫ن‬           ‫ر ل ُم ف‬
‫في أم ِنا الّه َّ اغ ِرْ للمؤمني َ والمؤمنا ِ األحيا ِ من ُمْ واألموا ِ َّنا ءا ِنا في الـدنيا‬
    ‫لن‬      ‫ه ةم ن ر‬                   ‫ب ر ل ُم‬               ‫ة ق‬       ‫خرة‬           ‫سة‬
‫ح َن ً وفي اآل ِ َ ِ حسن ً و ِنا عذا َ النا ِ الّه َّ اجعلْنا ُدا ً ُهتدي َ غي َ ضـاّي َ وال‬
‫َ‬     ‫ُ ِلي َ الّه َّ استرْ َورا ِنا وءا ِنْ روعا ِنا واك ِنا َا أ َّنا وَ ِنا ش َّ ما نتخوف‬
‫َّ ُ. عباد‬     ‫ف م َهم ق َر‬                    ‫ت‬        ‫م‬       ‫ع ت‬          ‫مض ن ل ُم‬
‫ِ‬    ‫و م‬           ‫هلل ِن له ي مر ب ع ْل و إل س ن وإ ت ذ ق ب وي ه عن ف‬
‫ا ِ ?إ َّ الّ َ َأْ ُ ُ ِالْ َد ِ َا ِحْ َا ِ َِي َاء ِي الْ ُرْ َى َ َنْ َى َ ِ الْ َحْشَـاء َالْ ُنكَـر‬
‫كْ‬        ‫م‬        ‫هلل‬    ‫ك‬        ‫ظك لعلك َك‬              ‫و ب ْي يعظك ل َلك َكر ن‬
‫َالْ َغ ِ َ ِ ُ ُمْ َعَّ ُمْ تَذ َّ ُو َ?، يع ُ ُمْ َّ ُمْ تذ َّرون. اذ ُروا ا َ العظـي َ يـذكرْ ُم‬
‫وق ِ‬       ‫رج‬       ‫رك‬        ‫ك م‬           ‫ف ك ت ه‬                           ‫ك ه زك‬
‫واش ُرو ُ ي ِدْ ُمْ، واستغفروه يغ ِرْ ل ُمْ واّقو ُ يجعلْ ل ُمْ ِنْ أمـ ِ ُمْ مخ َ ًـا، َأَ ِـم‬
                                                                                                ‫ة‬
                                                                                               ‫الصال َ.‬
                                      ‫ــــــــــــ‬




                                                  ‫472‬
                       ‫الهجرة النبوية المباركة – حوادث وعبر – 2‬

‫إن الحمد هلل نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونعوذ باهلل من شرور أنفسنا وسـيئات‬
                                                    ‫ل‬
‫أعمالنا، من يهد اهلل فال مض ّ له ومن يضلل فال هادي له، وأشهد أنْ ال إلـه إال اهلل‬
         ‫ر‬                               ‫أن ي‬
‫وحده ال شريك له وال مثيل له، وأشهد َّ س ّدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وق ّة أعيننـا‬
 ‫ر‬                                      ‫ل‬           ‫ي‬                  ‫مد‬
‫مح ّ ًا عبده ورسوله وصف ّه وحبيبه، صّى اهلل عليه صالة يقضي بها حاجاتنا ويف ّج‬
                                                          ‫ّ‬
                           ‫بها كرباتنا ويكفينا بها شر أعدائنا، ‪ ‬وعلى كل رسول أرسله.‬
                           ‫ِ‬
                           ‫ي‬
‫أما بعد عباد اهلل فإني أوصيكم ونفسي بتقوى اهلل العل ّ العظيم ، القائـل فـي محكـم‬
       ‫هد‬            ‫ِن لن صر رسلن َالذ ن من ف حي ِ الد وي َ يق ُ‬
‫كتابه: ?إَّا َ َن ُ ُ ُ َُ َا و َّ ِي َ آ َ ُوا ِي الْ َ َاة ُّنْيَا َ َوْم َ ُـوم الْأَشْـ َا ُ? سـورة‬
                                                                                          ‫غافر/08.‬
             ‫د ج‬                                                           ‫ن‬
‫إ ّ اهلل تعالى وعد المؤمنين بالنصر المبين وجعل لهم من الش ّة فر ًا ومـن العسـر‬
                                                ‫ن‬                    ‫ر‬
‫يس ًا ومن الضيق سعة، وإ ّ الدروس المستفادة من الهجـرة كثيـرة ومـن جملتهـا‬
                                        ‫ف‬
‫ضرورة الصبر على الشدائد والباليا وكا ّة أنواع الظلم واالستبداد، والصمود في وجه‬
                   ‫ن‬                        ‫ِ‬
                                            ‫ق‬
‫الباطل، والوقوف إلى جانب الح ّ في شجاعة وحزم وعزم، وإ ّ بهجتنا بهذه الذكرى‬
‫العظيمة تبعثنا على مضاعفة الجهد في سبيل نشر دين اهلل، تبعثنا على مضاعفة الجهد‬
                                 ‫ل‬                 ‫م‬
                      ‫في سبيل إعالء كلمة ال إله إال اهلل مح ّد رسول اهلل بالتعّم والتعليم.‬
                    ‫ص‬           ‫ِ‬
                                ‫ق‬
‫ولقد كان لهجرة الفاروق الذي فرق بين الح ّ والباطل ق ّة شأنها شأن كل قصصـه‬
                                                  ‫ب‬      ‫ل‬
‫وأخباره العظيمة التي تد ّ على حّه لدين اهلل واستبساله في سبيل اهلل، ذلك أنه عنـدما‬
      ‫ر‬                                                       ‫ي‬
‫جاء دور س ّدنا عمر بن الخطاب قبل هجرة الرسول بسبعة أيام، خرج مهاج ًا وخرج‬
‫معه أربعون من المستضعفين جمعهم عمر رضي اهلل عنه في وضح النهار وامتشـق‬
‫سيفه وجاء (دار الندوة) وهو مكان تجتمع فيه قريش عـادة، فقـال الفـاروق عمـر‬
‫لصناديد قريش بصوت جهير: "يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصـل رأسـه أو‬
                                                 ‫ت‬              ‫م‬         ‫م‬
‫تثكله أ ّه أو تتر ّل امرأته أو ييّم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني‬




                                                 ‫572‬
                                                    ‫ر‬
‫مهاجر إلى يثرب". فما تج ّأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة ألنهم يعلمون أنه‬
                                                                      ‫و‬
                                                  ‫ذو بأس وق ّة وأنه إذا قال فعل .‬
                                            ‫مم‬        ‫ن‬
‫ومن بركات الهجرة أ ّ امرأة ِ ّن سبقت رسول اهلل ‪ ‬بالهجرة مات ولدها معها في‬
                ‫م‬                       ‫ل‬
‫الطريق إلى المدينة، أصابه مرض فمات فتمّكها الجزع فقالت: "الله ّ إنك تعلم أني ما‬
 ‫ر‬                     ‫م‬         ‫ي‬             ‫ب‬
‫هاجرت إال ابتغاء مرضاتك ومح ّة فيك وفي نب ّك فال تش ّت بي األعـداء"، فتحـ ّك‬
          ‫ِ‬
          ‫ل‬
‫ولدها من تحت الكفن، قام ولدها في الحال أحياه اهلل تعالى، واهلل على ك ّ شىء قدير.‬
                                                                         ‫م‬
                                                         ‫قالت أ ّه: "طعم وطعمنا".‬
                                                         ‫ي‬
                                    ‫وبقي حيا إلى خالفة س ّدنا عمر رضي اهلل عنه.‬
                                    ‫و‬
‫هاجر رسول اهلل ‪ ‬إلى المدينة المن ّرة في شهر صفر وليس في األول مـن شـهر‬
                                                                       ‫ر‬
‫مح ّم كما هو شائع واستقبله المؤمنون بالفرح واستبشر الناس بقدوم رسـول اهلل ‪‬‬
                                           ‫و‬                           ‫م‬
‫وس ّى الرسول يثرب المدينة المن ّرة، وآخى بين أهلها بين المهـاجرين واألنصـار‬
                       ‫ر‬
‫وبنى مسجده، وصار المسلمون على قلب رجل واحد ال يف ّق بينهم طمع الـدنيا وال‬
  ‫ض‬          ‫د‬
‫يباعد بينهم حسد وال ضغينة، مثلهم كمثل البنيان المرصوص يشـ ّ بعضـه بع ًـا‬
                                                             ‫د‬
‫ومثلهم في توا ّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر‬
                                                             ‫م‬
                                                           ‫الجسد بالسهر والح ّى.‬
 ‫ي‬                                      ‫و‬                                ‫و‬
‫وأ ّل بيت نزل فيه ‪ ‬في المدينة المن ّرة بيت خالد بن زيد أبي أيـوب األنصـار ّ،‬
                                                        ‫مم‬
‫وخا لد بن زيد كان ِ ّن حفظ هذه األبيات التي قالها أسعد الحميري الذي كان يحكـم‬
                                    ‫ف‬                  ‫ي‬
‫بالد اليمن قبل بعثة النب ّ ‪ ‬بستمائة عام، ص ّت له الجياد من اليمن إلى بالد الشـام‬
                                         ‫م‬                ‫و‬               ‫ر‬
‫فم ّ بالمدينة المن ّرة التي كانت تس ّى يثرب ليكسر أهلها، فاجتمع بـه حبـران مـن‬
‫األحبار المسلمين الذين كانا على دين موسى عليه السالم وقرءا في التوراة أنهـا أي‬
     ‫ي‬                                                        ‫و‬
‫المدينة المن ّرة هي مهاجر نبي ءاخر الزمان أحمد ، فأنشـد أسـعد الحميـر ّ تبـع‬
                                                                         ‫األوسط:‬
             ‫م‬
             ‫شهدت على أحمد أنه ***** رسول من اهلل باري النس ّ‬
            ‫م‬                                           ‫ّ‬
            ‫ولو مد عمري إلى عمره ***** لكنت وزيرًا له وابن ع ّ‬


                                      ‫672‬
          ‫م‬                ‫ر‬
          ‫وجاهدت بالسيف أعداءه ***** وف ّجت عن صدره كل غ ّ‬
‫ّ‬
‫قبل ستمائة عام من بعثة رسول اهلل ‪ ‬قال هذه األبيات أسعد الحميري في مدح النبي‬
                                                    ‫ف‬
                                           ‫‪ ‬وتوارثها أهل المدينة خل ًا عن سلف.‬
                                 ‫ّ‬                                         ‫ّ‬
                      ‫اللهم أعد علينا هذه الذكرى باألمن واألمان يا رب العالمين .‬
                                                 ‫هذا وأستغفر اهلل العظيم لي ولكم‬
                           ‫ــــــــــــ‬




                                     ‫772‬
                                ‫الهجرة النبوية المباركة‬

‫إن الحمد هلل نحمده ونستغفره ونستهديه ونسترشده ونشكره ونعوذ باهلل مـن شـرور‬
‫ْ‬
‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد اهلل فال مضل له ومن يضلل فال هادي له وأشهد أن‬
       ‫أن‬
‫ال إله إال اهلل وحده ال شريك له وال مثيل له وال ضد وال ند لـه وأشـهد َّ سـيدنا‬
                                       ‫د‬
‫وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محم ًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه من بعثه اهلل‬
                                                       ‫ر‬       ‫ي‬
‫رحمة للعالمين هاد ًا ومبش ًا ونذيرا بلغ الرسالة وأدى األمانة ونصح األمة فجزاه اهلل‬
                                                           ‫ي‬
‫عنا خير ما جزى نب ًا من أنبيائه، الصالة والسالم عليك سيدي يا علم الهدى الصـالة‬
‫والسالم عليك سيدي يا رسول اهلل سيدي يا حبيب اهلل ضاقت حيلتنا وأنـت وسـيلتنا‬
                     ‫أدركنا يا محمد أدركنا يا أبا القاسم يا رسول اهلل أدركنا بإذن اهلل .‬
‫أما بعد فيا عباد اهلل أوصي نفسي وإياكم بتقوى اهلل العلي العظيم واستفتح بالذي هـو‬
‫َ‬      ‫إ ص ُ ْ رُ ُ إ ْ أ ج ُ‬
‫خير، يقول اهلل تعالى في كتابه العظيم : ?ِال تن ُروه فقد نص َه اهلل ِذ َخر َه الـذين‬
‫َ ُ‬            ‫ز ْ إ َّ َ ع‬         ‫بِ‬      ‫ُ‬    ‫غ ر إْ‬         ‫ي ن إ هم‬                ‫كف‬
‫َ َروا ثان َ اثني ِ ِذْ ُ َا في ال َا ِ ِذ يقول لصاح ِه ال تح َن ِن اهلل م َنـا فـأنزل اهلل‬
‫َ‬   ‫ة هلل‬          ‫د تر ه ج َل ة ن ف الس‬                             ‫ه ه وأيده‬
‫سكينتَ ُ علي ِ َّ َ ُ بجنو ٍ لمْ َ َوْ َا و َع َ كلم َ الذي َ ك َروا ُّفلى وكلمـ َ ا ِ هـي‬
                                                                 ‫ٌ م‬        ‫ُ‬         ‫ع‬
                                                 ‫ال ُليَا واهلل عزيز حكي ٌ? سورة التوبة/16‬
‫ً‬                       ‫ن‬                 ‫ب‬
‫الهجرة النبوية أيها اإلخوة لم تكن هرو ًا من قتال وال جب ًا عن مواجهـة وال تخـاذال‬
‫عن إحقاق حق أو إبطال باطل ولكن هجرة بأمر اهلل تعالى أعد فيهـا النبـي القائـد‬
             ‫ح‬
‫صلوات ربي وسالمه عليها العدة وهيأ الجند وعاد بهم إلى مكة فات ًا، أوذي رسـول‬
‫اهلل ‪ ‬وأوذي أصحابه الكرام في مكة وصبر ءال ياسر في سبيل اهلل، ورسـول اهلل‬
                                         ‫ئ‬
‫هاجر بالدعوة إلى اهلل فلم يكن يخفي شي ًا منها بل كان يدور في المواسم التي يجتمـع‬
‫فيها الناس ويقول لهم:" أيها الناس قولوا ال إله إال اهلل تفلحوا " وصبر ‪ ‬على إيـذاء‬
               ‫ب‬
‫المشركين من أهل مكة، وانصب العذاب على المستضعفين ص ًا جلد وضرب وحبس‬
‫وتحريق وقتل، ولكن أدركهم المدد الرباني والتثبيت اإللهي فكأنهم صخرة ال تخـدش‬




                                           ‫8