Docstoc

العسكرية العربية الإسلامية

Document Sample
العسكرية العربية الإسلامية Powered By Docstoc
					‫العسكرية العربية اإلسالمية‬




          ‫تأليف‬




  ‫المرحوم اللواء الركن‬
   ‫محمود شيت خطاب‬
                                         ‫مقدمة‬


                                                                           ‫الشمول:‬
‫تشتمل العسكرية العربية اإلسالمية على ستة أقسام: القسم األول هي العقيدة اإلسالمية،‬
‫والقسم الثاين هي املعارك العربية اإلسالمية، والقسم الثالث هم القادة العسكريون العرب‬
  ‫واملسلمون، والقسم الرابع هو التراث العسكري العريب اإلسالمي، والقسم اخلامس هي‬
         ‫األسلحة العربية اإلسالمية القدمية، والقسم السادس هي اللغة العسكرية العربية‬
                                                                        ‫واإلسالمية.‬
                                                 ‫[1] العقيدة العسكرية اإلسالمية:‬
   ‫القسم األول من العسكرية العربية اإلسالمية، هي العقيدة العسكرية اإلسالمية، وهي‬
                                   ‫والسن‬
   ‫العقيدة اليت وردت تفاصيلها يف القرآن الكرمي َّة النبوية والفقه اإلسالمي، مبادئ‬
    ‫طبقها املسلمون األولون على عهد الرسول القائد عليه الصالة والسالم، وبعد التحاقه‬
‫بالرفيق األعلى، فأحرزوا بتطبيقها االنتصارات املتوالية على أعدائهم يف داخل شبه اجلزيرة‬
   ‫العربية من العرب واملشركني ويهود، ويف خارج شبه اجلزيرة العربية من الفرس والروم‬
             ‫وغريمها من األمم األخرى، حىت امتدت فتوح املسلمني من احمليط إىل احمليط.‬
      ‫فلما ختلى املسلمون عن تطبيق هذه العقيدة العسكرية اإلسالمية، ختلى عنهم النصر.‬
                                                              ‫[2] املعارك العربية اإلسالمية:‬
    ‫والقسم الثاين من العسكرية اإلسالمية، هي املعارك العربية اإلسالمية، وتشمل غزوات‬
                                  ‫الرد‬
      ‫النيب صلى اهلل عليه وسلم وسراياه، ومعارك حروب ِّة، ومعارك الفتح اإلسالمي‬
  ‫العظيم، ومعارك استعادة الفتح بالنسبة للبالد املفتوحة واليت انتقضت، واملعارك الدفاعية‬
                                  ‫اليت َّت الغزاة عن بالد املسلمني، ومعارك االندحار.‬‫صد‬
‫وهذه املعارك مدونة يف املصادر التارخيية العربية اإلسالمية املعتمدة، القدمية منها واحلديثة.‬
   ‫واملعارك العربية اإلسالمية وخاصة غزوات النيب صلى اهلل عليه وسلم وسراياه، ومعارك‬
‫حروب َّة، ومعارك الفتح اإلسالمي، ومعارك استعادة الفتح، عبارة عن التطبيق العملي‬  ‫الرد‬
                                                           ‫أ‬
‫للعقيدة العسكرية اإلسالمية، ُخرجت من نطاق املبادئ النظرية إىل نطاق التطبيق العملي،‬
                                            ‫فأثبتت أهنا عقيدة منشئة بناءة تقود إىل النصر.‬
                                               ‫[3] القادة العسكريون العرب واملسلمون:‬
  ‫والقسم الثالث من العسكرية اإلسالمية، هم القادة العسكريون العرب واملسلمون، وهم‬
                                                  ‫ل‬
  ‫قادة النيب صلى اهلل عليه وسلم الذين توّوا قيادة سراياه أو قيادة بعض تشكيالته التعبوية‬
                                                            ‫الرد‬
     ‫يف غزواته، وقادة حروب َّة، وقادة الفتح اإلسالمي العظيم، وقادة املعارك الدفاعية‬
                                                    ‫الذين صدوا الغزاة عن بالد املسلمني.‬
                      ‫الرد‬
       ‫وهؤالء القادة، وخاصة النيب صلى اهلل عليه وسلم، وقادة حروب َّة، وقادة الفتح‬
       ‫اإلسالمي، وقادة استعادة الفتح، هم احلماة القادرون الذين طبقوا العقيدة العسكرية‬
‫اإلسالمية يف املعارك اليت خاضوها تطبيقاً عملياً على األرض ويف ميادين القتال، فأثبتوا أن‬
                            ‫هذه العقيدة مطاوعة للتطبيق العلمي، وقادرة على إحراز النصر.‬
       ‫ومصادر هؤالء القادة املعتمدة، هي مصادر التاريخ العريب اإلسالمي خاصة ومصادر‬
                                                                                ‫احملد‬
                 ‫طبقات ِّثني وكتب الرجال املختلفة وغريها من املصادر املعتمدة عامة.‬
                                                 ‫[4] ُّراث العسكري العريب اإلسالمي:‬   ‫الت‬
    ‫والقسم الرابع من العسكرية اإلسالمية، هو التراث العسكري العريب اإلسالمي العريق.‬
                                                                ‫موز‬
 ‫وهذا التراث األصيل، َّع يف املكتبات العامة واخلاصة، واملتاحف ودور اآلثار يف مجيع‬
                                                                       ‫أرجاء العامل تقريباً.‬
                         ‫ُق‬
     ‫وهذا التراث، ينتظر التحقيق والنشر وإخراجه للناس، أسوة مبا ح ِّق ونشر من التراث‬
 ‫العريب اإلسالمي يف جماالت اآلداب والعلوم والفنون، ألنه ليس أقل أمهية من التراث الذي‬
                                                                     ‫جرى حتقيقه ونشره.‬



                                                  ‫[5] األسلحة العربية اإلسالمية القدمية:‬
      ‫والقسم اخلامس من العسكرية اإلسالمية، هي األسلحة العربية اإلسالمية القدمية اليت‬
    ‫استعملها اجملاهدون يف غزوات النيب صلى اهلل عليه وسلم وسراياه، ويف معارك حروب‬
‫َّة، ويف معارك الفتح اإلسالمي العظيم، ويف معارك استعادة الفتح، ويف املعارك الدفاعية‬     ‫الرد‬
      ‫الس‬
  ‫عن البالد اإلسالمية، فكانت من أسباب انتصار املسلمني على أعدائهم، ولو أن ِّالح‬
                              ‫يتصر‬
                      ‫عامة ليس مهماً كأمهية اليد اليت تستعمله واإلنسان الذي َّف به.‬
                         ‫والد‬                       ‫الس‬
        ‫وهذه األسلحة أنواع كثرية، منها: َّيف، والرمح، والسهم، ِّرع، واملنجنيق،‬
                                                                              ‫والد والعر‬
                                                                  ‫َّبابة، َّادة ... إخل.‬
                                           ‫لكل‬
  ‫ولكل سالح من هذه األسلحة عدة أنواع، ِّ نوع منها اسم خاص، وقد اهتم العرب‬
                                                ‫مدو‬
  ‫واملسلمون بأمسائها اهتماماً بالغاً، وهي َّنة بالتفصيل يف كتب اللغة، كاملخصص البن‬
‫سيده، واملعجمات العربية القدمية، كـ ((لسان العرب )) البن منظور، والفريوز آبادي يف‬
                                                               ‫معجمه ((القاموس احمليط )).‬
  ‫وقد أصبح أسلوب استخدام قسم من هذه األسلحة غري معروف يف الوقت احلاضر، ويف‬
               ‫معز‬
  ‫التراث العسكري العريب اإلسالمي شرح ألساليب استخدامها وأنواعها َّرة باألشكال‬
                                                                    ‫واملخططات اإليضاحية.‬
‫ومن املفيد معرفة هذه األسلحة وأساليب استعماهلا، ملعرفة سبب من أسباب انتصار العرب‬
                                   ‫واملسلمني، ولتوضيح املعارك القتالية اليت استعملت فيها.‬
                                                                ‫[6] اللغة العسكرية العربية:‬
     ‫والقسم السادس من العسكرية اإلسالمية، هي اللغة العسكرية العربية يف البالد العربية‬
                                            ‫واللغات اإلسالمية األخرى يف البالد اإلسالمية.‬
‫وكانت اللغة العسكرية سليمة يف البالد العربية حىت سقوط بغداد يف أيدي التتار سنة ست‬
   ‫ومخسني وستمائة اهلجرية (1521م )، فاهنارت الدولة العباسية، وتغلبت لغات العنصر‬
                                                         ‫فطع‬
            ‫غري العريب على البالد العربية، َّموا اللغة العربية العسكرية باللغات األجنبية:‬
                                                      ‫الفارسية والتركية على الغالب األعم.‬



       ‫وكان من نتائج احلكم العثماين للبالد العربية، أن اللغة التركية أصبحت لغة التعليم،‬
       ‫فسادت املصطلحات العسكرية التركية على املصطلحات العسكرية العربية، وأصبح‬
                                                                  ‫ق‬
      ‫العسكريون العرب يتل ّوْن تدريبهم العسكري وتعليمهم باللغة التركية، ويتعلمون يف‬
                                      ‫املدارس العسكرية التركية، ويعملون يف اجليش التركي.‬
                            ‫ت‬
       ‫ويف أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين امليالديني، ابُليت البالد العربية‬
   ‫باالستعمار الفرنسي واإليطايل والربيطاين، فبدأ مد املصطلحات العسكرية الغربية يطغى‬
                                ‫مطع‬
‫على العسكريني العرب، وأصبحت اللغة العسكرية العربية َّمة باملصطلحات العسكرية‬
                               ‫ت‬    ‫ل‬
   ‫التركية، وباملصطلحات العسكرية الفرنسية يف سورية وُبنان وُونس واجلزائر واملغرب،‬
           ‫وباملصطلحات العسكرية الربيطانية يف العراق ومصر والسودان واألردن وفلسطني‬
          ‫وإمارات اخلليج العريب واليمن اجلنويب، وباملصطلحات العسكرية اإليطالية يف ليبيا.‬
           ‫وجرت حماوالت تطهري املصطلحات العسكرية العربية من املصطلحات العسكرية‬
 ‫األجنبية، كما جرت حماوالت توحيد املصطلحات العسكرية العربية، وأخرياً تكللت تلك‬
   ‫احملاوالت بالتوفيق بصدور املعجمات العسكرية األربعة يف سنة ثالث وتسعني وثالمثائة‬
‫وألف للهجرة (3971م )، فال عذر للدولة العربية اليت ال تلتزم هبذه املعجمات العسكرية‬
                                                                       ‫إال‬
‫ِّدة األربعة َّ إذا فضلت املصطلحات العسكرية الدخيلة على املصطلحات العسكرية‬          ‫املوح‬
    ‫األصيلة، وفضلت لغة املستعمر على لغة القرآن الكرمي، وفضلت التفرقة على التوحيد.‬
                                              ‫املوح‬
    ‫وبالرغم من صدور املعجمات العسكرية َّدة األربعة منذ بضع سنني خلت، إالَّ أن‬
   ‫قسماً من الدول العربية مل يلتزم هبا حىت اليوم، مع أن جلنة توحيد املصطلحات للجيوش‬
                                                     ‫ح‬
 ‫العربية اليت أعدت هذه املعجمات املو ّدة، كانت مؤلفة من ضابط من كل جيش عريب،‬
  ‫وعضو من جممع اللغة العربية بالقاهرة وضابط من القيادة العربية املوحدة، عملت مبوافقة‬
                                          ‫الدول العربية كافة يف كنف جامعة الدول العربية.‬



           ‫أصر‬            ‫املوح‬                                                  ‫ُمل‬
‫وهنا أ ِّح بالدول العربية اليت مل تلتزم باملعجمات العسكرية ِّدة، وغداً ِّح بأمسائها‬
                                                                            ‫ً‬
     ‫علناً، تاركا حساهبا يف جفاء لغة القرآن الكرمي على شعوهبا والتاريخ الذي ال يرحم.‬
         ‫وما يقال عن اللغة العسكرية العربية، يقال يف سائر لغات املسلمني، فينبغي تطهري‬
  ‫املصطلحات العسكرية العربية اإلسالمية من املصطلحات العسكرية الدخيلة، ألهنا مظهر‬
     ‫من بقايا االستعمار، تؤثر يف املعنويات فتنهار، وتزعزع الثقة بكفاية اللغة العربية دون‬
                                                                                          ‫مسو‬
                                                                                       ‫ِّغ.‬
‫وقد طهرت معظم الدول العربية مصطلحاهتا العسكرية من املصطلحات العسكرية األجنبية‬
                                                                                 ‫ح‬
                                                 ‫الدخيلة وو ّدهتا، وهذا يبشر باخلري العظيم‬
                                                                                    ‫ص‬
                                                                                 ‫[9] املف ّل:‬
                    ‫للقر‬
      ‫تلك هي حملات موجزة توضح ما نعنيه بالعسكرية العربية اإلسالمية َّاء والدارسني،‬
                                                     ‫كل‬           ‫ص ي‬             ‫ت‬
                                              ‫ولكنها ال ُغين عن مف ّل ُغين عن ِّ قول.‬
      ‫ما هي العقيدة العسكرية اإلسالمية، وكيف ينبغي أن نعيد كتابتها، وما هي مصادرها‬
                                                                                      ‫املعتمدة؟‬
                             ‫أ‬
  ‫كيف وضعت مبادئ العقيدة اإلسالمية موضع التنفيذ، وكيف ُخرجت من ميدان الفكر‬
                                                                         ‫الت‬
   ‫النظري إىل ميدان َّطبيق العملي، وما نتائج تطبيقها على الفتوح، وما أثرها وتأثريها يف‬
                                                                             ‫العرب واملسلمني؟‬
   ‫وكيف نعيد كتابة املعارك العربية اإلسالمية، وما هي مصادرها املعتمدة، وما هو منهاج‬
  ‫إعادة تدوينها، وما جدوى إعادة كتابتها وتدوينها حلاضر العرب واملسلمني ومستقبلهم؟‬
                                   ‫حق‬
    ‫ومنْ هم القادة العسكريون العرب واملسلمون، وماذا َّقوا للعرب واملسلمني، وكيف‬              ‫َ‬
     ‫ِّن تأرخيهم ألول مرة يف التاريخ، وما جدوى تدوين تارخيهم بالنسبة حلاضر العرب‬            ‫ندو‬
                                                                                   ‫واملسلمني؟‬
    ‫وهل اهتم العرب واملسلمون بقادهتم قدمياً اهتمامهم بالعلماء واألدباء والفنانني، وكيف‬
                                              ‫نستطيع تصحيح اخلطأ القدمي باإلنتاج اجلديد؟‬
‫وما هو التراث العريب اإلسالمي، وما مبلغ أمهيته فكراً وجمداً وأصالة، وكيف جيري حتقيقه‬
                                                                      ‫ونشره وإخراجه للناس؟‬
   ‫وما أمهية حتقيق التراث العريب اإلسالمي ونشره وإخراجه للناس بالنسبة للحضارة العربية‬
                                                   ‫واإلسالمية خاصة واحلضارة العاملية عامة؟‬
       ‫وما فائدة وصف األسلحة العربية اإلسالمية القدمية وبيان استعماهلا يف القتال، وإحياء‬
                                             ‫مصطلحاهتا العسكرية العربية اإلسالمية القدمية؟‬
          ‫وما أمهية توضيح األسلحة العربية اإلسالمية القدمية باألشكال واملخططات بالنسبة‬
                              ‫للدارسني وللتدريسيني يف دراسة التاريخ العريب اإلسالمي؟‬
‫وما فائدة تطهري اللغة العسكرية العربية من املصطلحات األجنبية الدخيلة، واعتماد العربية‬
                                            ‫الفصحى يف املصطلحات العسكرية العربية؟‬
 ‫وما هي املصادر املعتمدة ملعني املصطلحات العسكرية العربية الفصحى، وهل يكفي هذا‬
         ‫الرصيد اللغوي يف تغطية املصطلحات العسكرية األجنبية كافة؟ ذلك ما تقرؤه يف‬
                                                                ‫ً‬
                                                     ‫الدراسات القادمة وشيكا بإذن اهلل.‬



                                                                               ‫الفصل األول‬
                                              ‫إعادة كتابة المعارك العسكرية العربية اإلسالمية‬

                                                                 ‫[1] تطوير المعارك:‬
      ‫المعارك العسكرية اإلسالمية، قسم من أقسام العسكرية اإلسالمية ال تقل أهمية عن أقسامها‬
‫األخرى، فهي التطبيق العملي للعقيدة العسكرية اإلسالمية على األرض وفي ميادين القتال، وهي‬
                                                                            ‫ا‬
 ‫التي أثبتت عمليً بأن العقيدة العسكرية اإلسالمية مبادئ قابلة للتطبيق العملي بنجاح وقادرة على‬
                                                                              ‫إحراز النصر.‬
    ‫والمعارك العسكرية العربية اإلسالمية، بدأت في السنة الثانية من هجرة النبي صلى اهلل عليه‬
     ‫وسلم من مكة إلى المدينة المنورة، فقاد الرسول القائد عليه الصالة والسالم ثماني وعشرين‬
                                                        ‫سري‬        ‫ا‬
‫غزوة، وبعث سبعً وأربعين َّة، وكان من جملة ثمرات الغزوات والسرايا توحيد شبه الجزيرة‬
                                                                  ‫العربية تحت لواء اإلسالم.‬
                                                                 ‫والفرق بين الغزوة والسري‬
 ‫َّة، أن الغزوة يقودها النبي صلى اهلل عليه وسلم، والسرية يقودها أحد‬
                                                                                      ‫قادته.‬




             ‫ِد‬
‫وبعد التحاق النيب صلى اهلل عليه وسلم بالرفيق األعلى، بدأت حروب الر َّة، وهي معارك‬
     ‫بني املسلمني من جهة وبني املرتدين عن اإلسالم من جهة أخرى، وجرت يف أوائل‬
                                                                ‫الصد‬
  ‫خالفة أيب بكر ِّيق رضي اهلل عنه، واستمرت حنو سنة كاملة، أحرز فيها املسلمون‬
                                                                         ‫املؤز‬
                                                          ‫النصر َّر على املرتدين.‬
      ‫وبدأت معارك الفتح اإلسالمي بعد عودة الوحدة إىل شبه اجلزيرة العربية حتت لواء‬
                                                      ‫الرد‬
    ‫اإلسالم بانتصار املسلمني يف حروب َّة سنة إحدى عشرة اهلجرية على عهد أيب بكر‬
                                                            ‫د‬
‫الصديق رضي اهلل عنه، وتصاعد م ّ الفتح اإلسالمي على عهد عمر ابن اخلطاب رضي اهلل‬
           ‫عنه، وأوائل عهد عثمان بن عفان رضي اهلل عنه، حىت أصبح الفتح طوفاناً عارماً.‬
  ‫ولكن مد الفتح أصيب بنكسة من جراء اختالف املسلمني، فأصيب هذا الفتح باجلزر، مث‬
       ‫استأنف مسريته املظفرة بعد إعادة الوحدة ثانية إىل املسلمني، فاستعادت معارك الفتح‬
 ‫َّها العارم، كما استعاد املسلمون فتح البالد اليت سبق فتحها وانتقضت، فكانت املعارك‬        ‫مد‬
              ‫كافة بني الفتح واستعادة الفتح، حىت توقف الفتح سنة مائة اهلجرية (119م ).‬
‫ومن سنة مائة اهلجرية بدأت معارك الدفاع عن البالد اإلسالمية، وندرت الفتوح واستعادة‬
  ‫الفتوح، لتفرق كلمة العرب واملسلمني وتشتت صفوفهم، فتوزعت الدولة الواحدة دوالً،‬
                                                                                     ‫كل‬
                                                      ‫على ِّ دولة منها قائد أو ملك أو أمري.‬
 ‫وكانت املعارك الدفاعية ناجحة يف الغالب حىت جاء التتار جبحافلهم، فاستولوا على بغداد‬
      ‫يف ص َر سنة ست ومخسني وستمائة اهلجرية (1521م )، ودخلوها دخول الضواري‬             ‫َف‬
  ‫املفترسة، وقتلوا مئات األلوف من أهلها، وهنبوا خزائنها وذخائرها، وحرقوا كتبها وألقوا‬
     ‫بقسم منها يف هنر دجلة حىت اسود ماء النهر من مداد تلك الكتب النفيسة، وقضوا على‬
      ‫اخلالفة العباسية، وعلى معامل احلضارة اإلسالمية، مث قتلوا اخلليفة املستعصم باهلل وأفراد‬
                                                   ‫أسرته وأكابر دولته إداريني وقادة وجنوداً.‬



 ‫وما كان هذا االنهيار الشنيع ليصيب الدولة اإلسالمية، لو بقيت دولة واحدة، بقيادة واحدة، بحماية‬
                                                                              ‫جيش واحد . . .‬
                                             ‫ال‬
                        ‫لقد أصيبت بهذا األنهيار الفضيح، ألنها كانت دو ً كثيرة ال دولة واحدة.‬

                                                       ‫[2] بصيص النور في الظالم:‬
       ‫وبعد غزو التتار لبالد المسلمين، أصبحت المعارك الدفاعية الناجحة للمسلمين هزائم شنيعة‬
‫تعاقبت على المسلمين، فانهار المسلمون قوة عالمية لها وزن واعتبار، وبقي اإلسالم قوة حضارية‬
                                                                                       ‫عالمية.‬
             ‫َّ‬
  ‫وانهزم المسلمون عسكرياً أمام التتار، ولكن اإلسالم انتصر على التتار، فلم يلبثوا إال قليالً على‬
                                                                  ‫شركهم حتى اعتنقوا اإلسالم.‬
       ‫ولكن المعارك الدفاعية اإلسالمية التي بدأت سنة مئة هجرية، لم تخل من معارك هجومية‬
                                             ‫قل‬             ‫ف‬
    ‫منتصرة، فقد فتح أسد بن ال ُرات جزيرة صِ ِّية سنة ثالث عشرة ومائتين الهجرية (121م )،‬
   ‫واستعاد صالح الدين األيوبي فتح القدس من الصليبيين سنة ثالث وثمانين وخمسمائة الهجرية‬
     ‫(9111م )، كما استطاع السلطان قطز في معركة (عين جالوت ) االنتصار على التتار على‬
‫أرض فلسطين سنة ثمان وخمسين وستمائة الهجرية (1621م )، أي بعد انتصارهم على العباسيين‬
                                         ‫ا‬
          ‫في بغداد بسنتين فقط، فكانت هذه المعارك بصيصً من النور في وسط الظالم الدامس.‬
                                                           ‫ق ط ِي‬
      ‫وفتح محمد الفاتح ال ُسْطَنْ ِين َّة سنة سبع وخمسين وثمانمائة الهجرية (3541م)، فكانت هذه‬
                                                                   ‫ا‬     ‫ً‬
             ‫المعركة بصيصا رابعً من النور وسط الظالم، بعد تلك المعارك الثالث المنتصرة.‬
          ‫وبلغ انهيار المسلمين أقصى مداه، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‬
                 ‫ج‬
   ‫الميالديين، إذ غزاهم االستعمار في عقر دارهم، وسيطر على بالدهم، ولم ين ُ بلد إسالمي من‬
                                                                               ‫إال‬
                                               ‫االستعمار َّ شبه الجزيرة العربية وأفغانستان.‬




   ‫ويف سنة مثان وستني وثالمثائة وألف اهلجرية (1471م )، اقتطع العدو الصهيوين قسماً‬
  ‫من فلسطني، وخلق له كياناً يف ذلك اجلزء من البالد العربية مبعاونة االستعمار، ويف سنة‬
      ‫سبع ومثانني وثالمثائة وألف اهلجرية (9671م )، استطاع ذلك العدو السيطرة على‬
   ‫فلسطني كافة وأجزاء من سورية واألردن ومصر، وهذا هو قمة ما وصل إليه املسلمون‬
                                                                          ‫من ذلٍ وهوان.‬
‫وإعادة كتابة املعارك العربية اإلسالمية من جديد، بأيدٍ أمينة قادرة، يف غاية األمهية بالنسبة‬
‫ملعارك الفتح واستعادة الفتح، ألهنا املفاخر األوىل واألخرية للعرب واملسلمني، وألهنا أثبتت‬
‫عملياً بأن هذه األمة قادرة على الفتوح وعلى استعادة الفتوح بالنصر على األمم األخرى،‬
                                    ‫أعد‬
 ‫وأن مكاهنا ليس الذل واهلوان، بل اجملد والعز إن ِّت قواهتا باإلميان والسالح واالحتاد.‬
    ‫ولكن أمهية إعادة كتابة املعارك العربية اإلسالمية ال تقتصر على معارك الفتح ومعارك‬
     ‫استعادة الفتح باعتبارها صفحات مضيئة يف تاريخ العرب واملسلمني اجمليد، بل تشمل‬
      ‫املعارك الدفاعية الناجحة واملعارك الدفاعية اخلاسرة، لكي نعرف عرباً ومسلمني ملاذا‬
    ‫انتصرنا، وملاذا اندحرنا، وكيف ميكن أن ننتصر؟ وكيف ميكن أن نتحاشى االندحار؟‬
 ‫إن الدروس املستنبطة من املعارك كافة، والعِبَر اليت نتعلمها من دراسة تلك املعارك كافة،‬
                                    ‫هبا أعظم الفائدة حلاضر العرب واملسلمني ومستقبلهم.‬
‫وهذه هي فائدة التاريخ لكل أمة من األمم، ألن املاضي هو دعامة احلاضر وأمل املستقبل،‬
     ‫فال ينبغي إمهاله أو إلغاؤه، كما ال ينبغي استنساخه بدون إبراز دروسِه املفيدة وعِبَره‬
    ‫النافعة، فاألمة اليت ال تاريخ هلا كالشجرة اليت ال جذور هلا، متوت غداً إن مل تكن قد‬
                                               ‫ماتت اليوم أو باألمس القريب أو البعيد.‬



                                                                         ‫[3] المصادر :‬
     ‫معارك الفتح ... ومعارك استعادة الفتح، والمعارك الدفاعية، متيسرة في المصادر التاريخية‬
                                                                  ‫العربية اإلسالمية المعتمدة.‬
                                          ‫أل‬
      ‫وهذه المصادر موثوق بها، ألن المؤرخين الذين َّفوها ثقات من طراز فريد، فقد كانوا في‬
‫ال‬                                                   ‫ن‬             ‫أكثرهم ِّرين ومحد‬
‫ِّثين وفقهاء و ُحاة وأدباء ومؤرخين، إضافة إلى علوم أخرى، كالطبري مث ً‬      ‫مفس‬
                                                                       ‫الر‬
                                            ‫صاحب: تاريخ ُّسل والملوك، وإمام المؤرخين.‬
            ‫ا‬
  ‫لقد كان اإلمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (422هـ ـ 113هـ ) مفسرً، وهو صاحب‬
  ‫ا‬       ‫ا‬                                           ‫ا‬          ‫التفسير المشهور، ومحد‬
 ‫ِّثاً، وفقيهً، وهو صاحب كتاب: ((اختالف الفقهاء ))، ونحويً، ومؤرخً،‬
                                                                             ‫ا‬
                                  ‫وكان مشهورً بالورع والتقوى، معروفاً باالستقامة والصدق.‬
   ‫وقد ذكره اإلمام النووي في كتابه: ( تهذيب األسماء واللغات )، فقال: ((هو في طبقة الترمذي‬
                                               ‫ُ‬           ‫ي‬
   ‫والنسائي، وكان أحد األئمة، ُحكم بقوله ويرْجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من‬
  ‫العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب اهلل، عارفاً بالقراءات، بصيرً‬
  ‫ا‬
                                                 ‫ا‬                      ‫ً‬
‫بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالمً بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها،‬
 ‫عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في األحكام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب‬
       ‫ر‬                                          ‫يصن‬
  ‫التاريخ المشهور، وكتاب في التفسير لم ِّف أحد مثلَه، وكتاب ((تهذيب اآلثار))، لم أ َ سواه‬
            ‫ح‬
  ‫في معناه لكنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وتفرد بمسائل ُفظت عنه ))‬
                                                                                        ‫(1).‬
‫وذكره اإلمام الذهبي في كتابه: (ميزان االعتدال في نقد الرجال )، فقال: ((اإلمام أبو جعفر محمد‬
  ‫بن جرير الطبري، صاحب التصانيف الباهرة، ثقة، صادق، من كبار أئمة اإلسالم المعتمدين ))‬
                                                                                        ‫(2).‬
     ‫وقال ابن خلكان في كتابه: (وفيات األعيان ) عن المؤرخ ابن األثير: ((وكان إماماً في حفظ‬
                 ‫ا‬
    ‫الحديث ومعرفته وما يتعلق به، وحافظاً للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبيرً بأنساب العرب‬
                                            ‫ا‬                 ‫صن‬
     ‫وأيامهم ووقائعهم وأخبارهم، َّف في التاريخ كتابً كبيراً سماه (الكامل)، ابتدأ فيه من أول‬
         ‫الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة الهجرية، وهو من خيار التواريخ )) (3).‬




   ‫تلك هي بعض مزايا الطربي وابن األثري، وأمثاهلما من املؤرخني املعتمدين حيرصون على‬
 ‫تدوين احلقائق التارخيية كما حدثت بصدق وأمانة، ألهنم خيافون اهلل فال يفترون الكذب،‬
                                                                  ‫يلو‬
‫وألهنم علماء حبق ال ِّثون علمهم بالكذب واالفتراء، وألهنم قادرون على تدوين التاريخ‬
      ‫بأمانة وصدق وعلم، ولو أهنم ال يقدرون على التدوين كما ينبغي، النصرفوا عنه إىل‬
      ‫علومهم األخرى اليت حياولون ما استطاعوا أن ينتفع هبا الناس، واضعني نصب أعينهم‬
          ‫إال‬
       ‫حديث رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله (4) َّ من‬
                                                            ‫ي‬
‫ثالث: صدقة جارية، أو علم ُنَْتفَعُ به، أو ولد صاحل يدعو له ))(5)، فكانوا يعتربون العلم‬
                            ‫خيط‬
    ‫عبادة من أجل العبادات، ويرجون ثواب اهلل يف كل كلمة ُّوهنا باعتبار العلم يتجدد‬
                                        ‫ال‬
     ‫ثوابه ما أقبل عليه الناس وانتفعوا به، وال ثواب إ ِّ على علم موثوق به ال غش فيه وال‬
                                         ‫تدليس، وال ثواب على علم ملفق ال ينفع الناس.‬
   ‫لذلك كان املؤرخون املسلمون القدامى، كالطربي وابن األثري وأضراهبما من املؤرخني،‬
                                                                ‫ي‬
  ‫حياسبون أنفسهم قبل أن ُحاسبوا، ونياهتم أن يتعبدوا مبا يكتبون، وإمنا األعمال بالنيات.‬
       ‫وال يدعي أحد الكمال للمؤرخني املسلمني املعتمدين، فالكمال هلل وحده، والكتاب‬
    ‫العزيز هو الكتاب الوحيد الذي ال يأتيه الباطل من بني يديه وال من خلفه، أما ما خيطه‬
  ‫البشر فال خيلو من الوهم واخلطأ والنسيان، وكتب املؤرخني املسلمني املعتمدين ال ختلو‬
                                      ‫من اخلطأ، ولكن نسبة خطئهم إىل صواهبم ضئيل.‬
      ‫وقد كانت الرقابة النقدية على خمتلف رواة األخبار صارمة جداً يف العصور الغابرة،‬
                                              ‫ُسج‬
  ‫والرواة الذين ينحرفون عن الصدق ي َّل عليهم احنرافهم بال رمحة وال هوادة، فيقول‬
   ‫كذ‬
 ‫عنهم النقاد بصراحة وصدق وأمانة: ((ال يوثق هبم ))، أو يقولون عن املفتري: (( َّاب‬
 ‫))، أو يعربون عن أقواهلم بأهنا غري موثوق هبا بقوهلم: ((حاطب ليل ))، أو : ((ال يؤخذ‬
                                                                          ‫بأقواهلم )).‬
 ‫وحتى في تعبير أصحاب الرجال والمؤرخين، يقولون عن الموثوق به: ((روى فالن، وقال فالن‬
         ‫)) ويقولون عن غير الموثوق به: ((زعم فالن ))، أو يقولون عنه: ((ال يؤخذ بقوله )).‬
 ‫والمصادر التاريخية العربية اإلسالمية المعتمدة إلعادة كتابة معارك الفتح ومعارك استعادة الفتح‬
 ‫والمعارك الدفاعية، هي: تاريخ الطبري، وتاريخ ابن األثير، وتاريخ فتوح البلدان للبالذري، وما‬
   ‫أكثر المصادر األخرى، ولكن المصادر الثالثة التي ذكرتها تعتبر من أوثق المصادر التاريخية‬
‫القديمة المعتمدة، وقد تكفي للنهوض بمهمة إعادة كتابة المعارك العربية اإلسالمية الخاصة بالفتوح‬
                                                                            ‫واستعادة الفتوح.‬
 ‫أما المعارك الدفاعية الحديثة التي خاضها العرب والمسلمون، فمصادرها العربية واألجنبية كثيرة‬
                                                                                  ‫ا‬
     ‫جدً، ولكن معظمها ال يخلو من تحيز وانحياز: العرب يتحيزون ألمتهم، واألجانب ينحازون‬
                                          ‫ألقوامهم، وقد ضاعت الحقائق بين التحيز واالنحياز.‬
                                            ‫مث‬
‫والمؤرخون المحدثون في الغالب غير ملتزمين بال ُ ُل العليا التي كان يلتزم بها المؤرخون القدامى‬
    ‫المعتمدون، فتقتضي دراسة المصادر والمراجع المحدثة جذراً شديداً، للعثور على الحقائق بين‬
     ‫ل‬
     ‫ركام اإلفراط والتفريط، فقد مضى الوقت الذي كان المؤرخون يعتبرون العلم عبادة من أج ّ‬
         ‫العبادات، وجاء الزمن الذي أصبح فيه أكثرهم يعتبرون العلم تجارة من أربح التجارات.‬
  ‫ولكن ال يخلو أي وقت من الثقات، وعلى هؤالء مسؤولية إعادة كتابة معارك العرب والمسلمين‬
                                                                                    ‫الحديثة.‬

                                                               ‫[4] األسلوب والمنهاج:‬
  ‫كتب المؤرخون القدامى المعارك العربية اإلسالمية بأسلوب يضم جميع المعلومات المفصلة عن‬
       ‫تلك المعارك، ولكن الحوادث غير منسقة تارة وغير مترابطة تارة أخرى، وفيها شيء من‬
                                  ‫الغموض الذي يصعب فهمه على كثير من القراء والدارسين.‬
               ‫كما أن المصطلحات القديمة ال يعرفها غير المختصين ويجهلها غيرهم من الناس.‬




   ‫واألسلوب المطلوب إعادة كتابة المعارك بموجبه، هو تقسيم كل معركة إلى: الموقف العام قبل‬
        ‫المعركة، والقوات المشاركة في المعركة للجانبين، وقادة الطرفين، وسير القتال، وخسائر‬
                                  ‫الطرفين، ونتائج المعركة، والدروس المستنبطة من المعركة.‬
                            ‫عد‬                ‫ومن المناسب جداً أن تكون المعركة موض‬
‫َّحة على خريطة أو َّة خرائط، تعين الدارس والقارئ‬
                                                             ‫ا ال‬
                                                            ‫على تفهم سير القتال تفهمً كام ً.‬
‫وهذا هو األسلوب أو المنهاج الحديث إلعادة كتابة تاريخ المعارك، والمؤرخون القدامى لم يكونوا‬
      ‫على علم به، وطريقتهم في عرض المعارك هي حشد المعلومات عنها بحسب توقيت وقوع‬
     ‫ا‬
     ‫الحوادث تارة، وبعدم االلتزام بالتوقيت تارة أخرى، ويتم حشد المعلومات عن المعركة حشدً‬
                                                                ‫كيفما اتفق في بعض األحيان.‬
                ‫والمهم في إعادة كتابة تاريخ المعارك هو االحتفاظ بالمعلومات الواردة عنها في‬
‫المصادر التاريخية اإلسالمية المعتمدة، وعدم تشويشها أو بترها أو إقحام معلومات جديدة عليها لم‬
                                                                   ‫تقع أبداً بحجة أو بأخرى.‬
 ‫إن األمانة المطلقة في النقل مطلوبة للغاية، ومعيد كتابتها مسؤول (فقط ) عن تصنيف المعلومات‬
        ‫الواردة عنها وتبويبها، واستنتاج الدروس المستنبطة منها التي تفيد العرب والمسلمين في‬
                                       ‫حاضرهم ومستقبلهم، وتوضيحها بالخرائط والمخط‬
   ‫َّطات إن أمكن، على أن تستوفى المعلومات‬
                                         ‫الواردة عنها بكل دقة وأمانة بدون زيادة وال نقصان.‬

                                                     ‫[5] قوات الجانبين وخسائرهم:‬
‫سقط قسم من المؤرخين العرب المسلمين المحدثين، وبينهم أسماء المعة جداً وصلت إلى القمة في‬
  ‫الشهرة، في وهدة التشكيك بتعداد قوات الجانبين التي اشتبكت في المعارك عامة وبتعداد الجانب‬
                                                            ‫إال‬
     ‫العربي اإلسالمي خاصة، َّ إذا حظي التعداد العربي اإلسالمي بتزكية مصدر من المصادر‬
                                                  ‫ً‬
          ‫األجنبية مهما يكن ذلك المصدر األجنبي تافها ال قيمة له من الناحية العلمية وال وزن!!‬




            ‫الش‬
 ‫وهذا التشكيك يتم تسويغه باسم البحث العلمي، وغالباً ما يزرع الباحث َّك دون أن‬
    ‫يبدي رأيه يف تعداد قوات اجلانبني، بل يترك األمر مبهماً بعد أن يسدل عليه ستاراً من‬
                                                                     ‫الدخان الكثيف.‬
                                  ‫ُشك‬
  ‫ومن الغريب جداً، أن يعزو املؤرخ العريب املسلم امل َّك أمر التشكيك إىل نفسه، كأنه‬
 ‫استنتجه ببحثه العلمي اخلاص به الذي مل يسبقه إليه آخر، والواقع أنه نقله نقالً حرفياً من‬
   ‫أحد املصادر األجنبية بأمانة، دون أن يشري بأمانة أيضاً إىل املصدر الذي نقل حرفياً منه‬
                                            ‫التشكيك، كما تقتضي األمانة العلمية يف النقل.‬
               ‫مؤل‬
    ‫وتعود إىل املصدر األجنيب املنقول منه ذلك التشكيك، فيذهلك حقاً أن ِّفه األجنيب‬
                        ‫ُنص‬
  ‫عدو للعرب واملسلمني، كاره لتارخيهم العريق، ألنه يهودي أو م ِّر أو جاسوس، أكل‬
                                       ‫َ ي‬
       ‫قلبه احلقد على الفتوح العربية اإلسالمية، وهو معْنِ ّ هبدم الفتوح والتهوين من شأهنا‬
                         ‫ُم‬
  ‫وقيمتها، ليصل إىل هدفه احليوي، وهو التهوين من قدرة العرب أ َّة ومن أثر اإلسالم يف‬
                                                                               ‫العرب ديناً.‬
    ‫وما يقال عن التشكيك يف تعداد قوات اجلانبني، يقال عن التشكيك يف تعداد خسائر‬
                                                                    ‫اجلانبني باألرواح.‬
                                       ‫وتتلخص حجج األجنيب يف تشكيكه يف تساؤله:‬
      ‫كيف ميكن حصر عَدَد قوات اجلانبني، وكيف ميكن إحصاؤها يف الظروف احلربية‬
                                             ‫ب‬                        ‫ر‬
                    ‫الصعبة، وحص ُ القوات وإحصاؤها صع ٌ يف الظروف االعتيادية؟!‬
                       ‫َر َر‬
‫وكيف ميكن إحصاء اخلسائر باألرواح يف احلرب، وهي ك ُّ وف ُّ . . ال تستقر على قرار،‬
                                                  ‫وال تعطي الوقت الكايف لإلحصاء؟!‬
  ‫وهدف األجنيب احلاقد مفهوم، أما هدف املؤرخ العريب املسلم الذي يستسلم للتشكيك‬
     ‫املريب فغري مفهوم، إالَّ أن يكون الناقل جاهالً، يستورد تاريخ العرب واملسلمني من‬
                                               ‫املصادر األجنبية دون فهم وال متحيص.‬
                            ‫فلو‬
 ‫أو يكون الناقل ملوث العقل مبا قرأه يف املصادر األجنبية، َّث بالعدوى عقول تالميذه‬
                                        ‫وطالَّبه يف املؤسسات التعليمية وقرائه وسامعيه.‬



                                                  ‫أد‬
       ‫وال ينبغي السكوت عن اجلهل الذي َّى إىل تلوث عقول فلذات أكبادنا التالميذ‬
                                                      ‫والس‬       ‫الد‬
                               ‫والطالب، وإخواننا َّارسني َّامعني العرب املسلمني.‬
      ‫إن القوات العربية اإلسالمية اليت كانت تشهد احلروب، يسودها النظام الدقيق، منذ‬
       ‫مغادرة املقاتل بيته حىت يشتبك يف القتال، مث يعود إىل بيته ساملاً إذا وضعت احلرب‬
                                                            ‫أوزارها، أو يسقط شهيداً.‬
       ‫فهو ال خيرج وحده من بيته إىل ميدان القتال على انفراد، بل مع مجاعة من إخوانه‬
                              ‫اجملاهدين، وغالباً ما يكونون من عشريته أو قبيلته أو قومه.‬
              ‫حل‬
‫وللسيطرة على املقاتلني الذين غادروا ديارهم، وللتعاون الوثيق بينهم يف ِّهم وترحاهلم،‬
   ‫وقبل القتال ويف أثنائه وبعده، يكون على كل عشرة مقاتلني عريف، وعلى كل عشرة‬
                            ‫عرفاء نقيب من عشرية املقاتلني أو من قبيلتهم أو من قومهم.‬
                              ‫قد‬
   ‫وميضي بناء القوات العربية اإلسالمية اهلرمي يف تصاعده ُ ُماً، فيكون على كل عشرة‬
‫نقباء أمري، هو أمري األلف (كردوس )(6)، وعلى كل عشرة أمراء أمري اجليش، وهو أمري‬
      ‫عشرة آالف فصاعداً، وهو قائد اجليش الذي يتوىل قيادة جيش املسلمني يف قطر من‬
  ‫األقطار إقليم من األقاليم اإلسالمية، ويكون عادة وايل القطر أو اإلقليم الذي يطلق عليه‬
                                                                   ‫عادة لقب: األمري.‬



   ‫وكل جزء من أجزاء اجليش، اعتباراً من العريف الذي يقود عشرة رجال، يتألف جنود‬
    ‫ينتسبون إىل عشرية واحدة أو قبيلة واحدة كعشرية بين سعد من قبيلة بين متيم (مثالً )،‬
    ‫ُد‬
   ‫وقائدهم من رتبة عريف إىل أمري األلف يكون من العشرية نفسها أو القبيلة نفسها، ق ِّم‬
   ‫على رجاله لتقواه واستقامته وشجاعته وإقدامه وكفايته وإخالصه، فإذا كان من رؤساء‬
                             ‫ُض‬
‫العشائر أو رؤساء القبائل من يتسم بتلك السمات القيادية، ف ِّل على غريه يف قيادة قبلته،‬
                                             ‫فيفض‬
  ‫أما إذا مل يتسم بالسمات القيادية املطلوبة، َّل عليه غريه من أفراد عشريته أو قبيلته،‬
                                     ‫فتقد‬
‫وكثرياً ما تربز السمات القيادية للرجال يف القتال، ِّمهم أعماهلم وتلفت إليهم األنظار،‬
                                                  ‫والقتال أهم حمكٍ لسمات الرجال القيادية.‬
    ‫والقادة مبختلف رتبهم ومناصبهم ـ عدا أمري اجليش ـ يعيشون يف أيام السالم يف بلد‬
       ‫واحد مع رجاهلم، فقد قسم املسلمون البالد إىل أجناد يف القواعد اإلسالمية الرئيسة،‬
        ‫وكان جند كل قاعدة ينقسم باعتبار العشائر والقبائل، فكانت القبائل (مثال ً) مخسة‬
       ‫أقسام تسمى: األمخاس، يقيم يف كل مخس منها قبيلة من القبائل العربية وهم: األزْد،‬
     ‫وتَميم، وبَكْر وعبد القيس، وأهل العالية، وهم أهل املدينة املقيمون، وكانوا من قريش‬
                                          ‫كل ُ‬                                        ‫ن‬
    ‫وكِنَاَة واألزْد َبجِيْله وخَثْعم وقيس عَيْالن ِّها ومزَيْنة، وكان على كل مخس أمري من‬
                                                                          ‫أمراء تلك القبائل.‬
      ‫أما يف أيام احلرب، فتبدأ مسرية القادة مع رجاهلم ابتداء من رحلتهم إىل ميدان القتال،‬
         ‫فيكون اتصال القادة برجاهلم يف مرحلة مسري االقتراب من القاعدة إىل اهلدف، ويف‬
       ‫املعسكرات يف مراحل التنقل، ويف املعسكرات املتقدمة قبل نشوب القتال ويف القتال،‬
                                                        ‫وبعده، ويف مسرية العودة إىل الوطن.‬
      ‫وال ميكن أن يكون االتصال املباشر وثيقاً مبثل هذه الدرجة بني القائد ورجاله يف أيام‬
 ‫َّالم واحلرب معاً، حىت يف اجليوش احلديثة لكل األمم بدون استثناء، وعلى هذا يكون‬       ‫الس‬
                                                     ‫التعارف بينهم وثيقاً إىل أبعد احلدود.‬
        ‫كما كان جيري إحصاء اجلند وتسجيلهم باألمساء يف ديوان اجلند الذي يطلق عليه:‬
    ‫(الديوان ) ومبوجب هذا الديوان يتقاضى اجلند أعطياهتم ما داموا على قيد احلياة، فإذا‬
‫قتلوا رِّن قيدهم يف الديوان، وهذا الديوان إحصاء دقيق للجند وهم أحياء، وإحصاء دقيق‬  ‫ُق‬
            ‫هلم إذا قتلوا، وطاملا مسعنا القائد يقول: ((بلغ ديواين مائة ألف )) (9) وهكذا.‬
‫وقبل املعركة يستعرض القائد اجلند، فيسأل عن رجلٍ رجلً، من هو؟ وما هي قبيلته، وعن‬
                                                                   ‫ر‬
  ‫حاله وسالحه، فإذا م َّ اجلندي بالقائد العام حبضور قائده املرؤوس رمى بسهم يف مكان‬
                                                                 ‫معني مث مضى إىل سبيله.‬
     ‫فإذا نشب القتال مث انتهت املعركة استعرض القائد العام اجلنود من جديد، فيأخذ كل‬
                                                       ‫ا‬
 ‫جندي بعد استعراضه سهماً واحدً، وبعد انتهاء العرض يبقى عدد من األسهم يف مكاهنا‬
            ‫املعني مل يأخذها أحد، وهي بعدد القتلى الذين سقطوا يف املعركة من الشهداء.‬
    ‫وهذا االستعراض إحصاء بالغ الدقة لتعداد اجلنود قبل املعركة، وتعدادهم بعد املعركة،‬
 ‫وتعداد خسائرهم من جراء القتال، هذا باإلضافة إىل تعدادهم بالديوان، ومعرفة كل قائد‬
    ‫ـ وخاصة العرفاء ـ تعداد جنوده الذين شهدوا املعركة وعدد خسائره من اجلنود يف‬
      ‫القتال، وأخرياً فإن العريف مسؤول عن ترقني أمساء الشهداء من الديون بعد املعركة،‬
                                              ‫لتتوقف أعطياهتم وتنقل إىل أهليهم األحياء.‬
‫فإذا مل تكن كل هذه اإلجراءات الدقيقة كفيلة مبعرفة تعداد الذين شهدوا املعركة، وتعداد‬
                            ‫اخلسائر بدقة متناهية، فال نعرف كيف يتم اإلحصاء الدقيق !!‬
‫وما يقال عن تعداد املقاتلني العرب واملسلمني، يقال عن تعدد املقاتلني من الروم والفرس.‬



 ‫وما يقال عن تعداد خسائر العرب والمسلمين في كل معركة من المعارك، يقال عن تعداد خسائر‬
                                                                       ‫ا‬
                                                                      ‫الروم والفرس أيضً.‬
    ‫ولكن دقة تعداد العرب والمسلمين أكثر دقة من تعداد الفرس والروم، نظراً لعالقة القربى بين‬
                                                 ‫القادة وجنودهم واتصالهم المباشر بكل شيء.‬
     ‫ومما تقدم، نستطيع أن نتبين بوضوح وجالء، أن التشكيك في تعداد المقاتلين وخسائرهم من‬
                                      ‫الجانبين، ال يدل إال على الحقد األسود أو الجهل المطبق.‬
   ‫وإذا كنا ال نطمع في الحد من حقد األجنبي اليهودي، أو المنصر الصليبي، أو الجاسوس على‬
                                            ‫العرب والمسلمين، فال أقل من أن نعيد المغر‬
      ‫َّر بهم من العرب والمسلمين إلى طريق الحق‬
                                                                                   ‫والصواب.‬

                                                 ‫[6] المحافظة على حقائق التاريخ:‬
   ‫أعاد قسم من اإلخوة العسكريين كتابه بعض معارك الفتح اإلسالمي خاصة، كمعركة القادسية‬
                                             ‫أ‬
  ‫ومعركة اليرموك، ومعركة نهاوند التي ُطلق عليها بحق: معركة فتح الفتوح، ومعركة حصن‬
                                                                            ‫فحم‬
 ‫بابليون، َّلوا تلك المعارك ما ال تطيق وما ال ينبغي أن تتحمل، إذ جعلوا منها معارك حديثة‬
   ‫من آخر طراز وما هي كذلك، وال يمكن أن تكون كذلك، وشتان بين معركة جرت قبل أربعة‬
                                                                            ‫ا‬
                                         ‫عشر قرنً، وبين معركة جرت قبل سنوات معدودات.‬
‫وقد تتشابه المعركة القديمة والمعركة الحديثة في تطبيق قسم من مبادئ الحرب المعروفة والثابتة‬
      ‫التي ال تتغير، أما في أساليب القتال، فالتشابه بينهما غير وارد، الختالف األساليب القتالية‬
‫باختالف األسلحة المستخدمة في القتال وتطورها وتعداد المقاتلين وتنظيمهم وتسليحهم وتجهيزهم‬
                                                                   ‫وباختالف عقائدهم القتالية.‬
                        ‫واألساليب القتالية تتغير عبر القرون، أما مبادئ الحرب فثابتة ال تتغير.‬
               ‫قي‬
 ‫والدروس المستنبطة من معارك الفتوح اإلسالمية بالنسبة لمبادئ الحرب الثابتة ِّمة جداً ومفيدة‬
‫للغاية، وباإلمكان أن نقنع بهذه الفائدة الكبيرة دون أن نجعل من المعارك بعد إعادة كتابة تاريخها‬
                   ‫أن تحافظ على اسمها التاريخي فقط وال تحتفظ بمضمونها التاريخي األصيل.‬




       ‫وإذا مل يستطع الذين يعيدون كتابة معارك الفتوح وغريها من املعارك، أن حيتفظوا‬
     ‫باحلقائق التارخيية، وحيافظوا على أصالتها، فما أعادوا كتابة تاريخ تلك املعارك، بل‬
        ‫ي‬
  ‫مسخوا تارخيه مسخاً وشوهوها تشويهاً، واألفضل هلم وللمسلمني وللتاريخ أن ُرحيوا‬
                                                                               ‫ويسترحيوا.‬
‫ومن الصعب جداً أن نقارن بني معركة إسالمية جرت قبل أربعة عشر قرناً، وبني معركة‬
 ‫حديثة جرت يف احلرب العاملية الثانية (1531هـ ـ 5631هـ ) أي (7371م ـ‬
                     ‫ج‬
‫5471م)، من ناحية التفاصيل واألساليب القتالية املتغرية أبداً، وز ّ هذه املقارنة مبناسبة‬
                                         ‫مسو‬
           ‫وبدون مناسبة يف مثل هذا املوقف خطأ ال ِّغ له يف أي حال من األحوال.‬
                             ‫ا‬
     ‫والذي يقعون يف مثل هذا اخلطأ، حيسبون أهنم حيسنون صُنْعً، حبجة أهنم يثبتون سبق‬
  ‫املسلمني يف هذا امليدان، وما أحسنوا بل أساؤوا إساءة بالغة، ألهنم جعلوا من العسكرية‬
    ‫اإلسالمية ذنباً للعسكرية األجنبية، وهي ليست ذنباً بل رأساً، وقد يقتبس احلديث من‬
                                             ‫القدمي، والعكس ليس صحيحاً بل مستحيالً.‬
       ‫كما أن العسكرية اإلسالمية رائدة ألهنا استطاعت فتح بالد شاسعة تضم يف الوقت‬
        ‫احلاضر سبعاً ومثانني مملكة ومجهورية وإمارة ومشيخة ومستعمرة يف آسيا وأوروبا‬
   ‫وإفريقية، ولو مل تكن عسكرية رائدة ملا استطاعت مبثل هذه السرعة املذهلة حتقيق كل‬
                                          ‫هذه االنتصارات السريعة احلامسة الباهرة الباقية.‬
       ‫ولست أجهل أن حسن النية وإسباغ املفاخر على املعارك اإلسالمية حباً يف العرب‬
                                      ‫واملسلمني من أسباب الوقوع يف هذا اخلطأ الشنيع.‬
‫ولكنين أخشى أن تكون من أسبابه ابتالء عقول قسم من الذين أعادوا كتابة تاريخ الفتوح‬
 ‫اإلسالمية من عسكريني ومدنيني عرباً ومسلمني باالستعمار الفكري البغيض، وانْبهارهم‬
       ‫اخلطر بالعسكرية األجنبية، واعتمادهم يف إعادة كتابة تاريخ املعارك اإلسالمية على‬
                                                                   ‫املصادر األجنبية وحدها.‬
‫إن املطلوب من الذين يعيدون كتابة تاريخ املعارك اإلسالمية، احملافظة على حقائق التاريخ‬
                                        ‫وأصالة املعارك، بأسلوب حديث ومنهج واضح.‬
                 ‫واملطلوب منهم أن يبقوها عربية إسالمية، وال ميسخوها أعجمية أجنبية!!‬
                                                                                      ‫***‬



                                                                                 ‫الفصل الثاني‬
                                                                    ‫العقيدة العسكرية اإلسالمية‬

                                           ‫[1] غياب العقيدة العسكرية اإلسالمية :‬
‫إن العقيدة العسكرية اإلسالمية، غائبة غياباً تاماً عن القوات المسلحة العربية واإلسالمية في جميع‬
                                         ‫ال‬
     ‫أرجاء البالد العربية والدول اإلسالمية، مجهولة جه ً كامالً في المدارس والمعاهد والكليات‬
 ‫العسكرية العربية واإلسالمية، وفي سائر المؤسسات التعليمية العسكرية والمدنية أيضاً في الوطن‬
      ‫العربي ودار اإلسالم، ال يعرفها العسكريون العرب المسلمون، وال يقدرون قيمتها العظيمة‬
‫ومكانتها الرفيعة بين العقائد العسكرية الشرقية والغربية المعروفة، وال يعملون بها ألنهم يجهلونها‬
                                  ‫و‬
                          ‫ويجهلون أثرها وتأثيرها في العرب والمسلمين، والمرء عد ّ ما جهل.‬
  ‫وقد يعرفها قسم من الفقهاء العرب والمسلمين، يتحدثون عنها في مجاالتهم التدريسية، كفرع من‬
                      ‫ت‬
                  ‫فروع الفقه فحسب، فهي مبادئ في كتب الفقه للعلم ال للعمل، مجمدة ال ُطبق.‬
                                             ‫ا‬
 ‫أما القوات المسلحة العربية واإلسالمية ضباطً ومراتب وجنوداً، فتطبق في الوقت الحاضر ثالثة‬
  ‫يطب‬
 ‫أقسام، أو ثالثة أنواع من العقائد العسكرية األجنبية، كل قسم من الدول العربية واإلسالمية ِّق‬
                                                                                          ‫ا‬
                                                      ‫نوعً من أنواع العقائد العسكرية األجنبية.‬
 ‫القسم األول من الدول العربية اإلسالمية، يطبق العقيدة العسكرية الغربية، وهذه العقيدة تقسم إلى‬
        ‫ثالثة أنواع: العقيدة العسكرية األمريكية، والعقيدة العسكرية البريطانية، والعقيد العسكرية‬
                                                                                      ‫الفرنسية.‬
   ‫الس‬
‫أما العقيدة العسكرية األمريكية، فتسود في القوات المسلحة العربية اإلسالمية التي تستورد ِّالح‬
    ‫من الواليات المتحدة األمريكية، وتوفد طالبها العسكريين وضباطها إلى المؤسسات العسكرية‬
                                                                                    ‫األمريكية.‬




‫أما العقيدة العسكرية الربيطانية، فتسود يف القوات املسلحة العربية واإلسالمية اليت تستورد‬
     ‫ِّالح من بريطانيا، وتوفد الطالب العسكريني للدراسة يف مؤسساهتا العسكرية، أو‬    ‫الس‬
    ‫كانت مستعمرة لربيطانيا وجرى تدريب قواهتا املسلحة على أيدي اخلرباء العسكريني‬
                                                                           ‫الربيطانيني.‬
‫أما العقيدة العسكرية الفرنسية، فتسود يف القوات املسلحة اليت تستورد السالح من فرنسا،‬
       ‫أو جرى تدريب جيشها على أيدي الفرنسيني يوم كانت بالدهم مستعمر لفرنسا.‬
  ‫والقسم الثاين من قوات العرب املسلمني املسلحة، يطبق العقيدة العسكرية الشرقية، وهي‬
    ‫القوات اليت كسرت احتكار السالح، واستوردت أسلحتها من الدول الشرقية بعد أن‬
       ‫كانت تستورده من الدول الغربية وأوفدت التالميذ والطالب إىل املدارس واملعاهد‬
              ‫والكليات العسكرية الشرقية، واستقدمت اخلرباء الشرقيني لتدريب جيشها.‬
                                 ‫يطب‬
 ‫والقسم الثالث من قوات العرب املسلمني املسلحة، ِّق العقيدة الغرابية، كما اصطلحت‬
 ‫على تسميتها نسبة للغراب الذي أراد تقليد العصفور يف مشيته، فأخفق يف حماولته، ولكنه‬
 ‫نسي مشيته األصلية، فال أصبح كالعصفور يف مشيته، وال بقي غراباً كأمثاله من الغربان.‬



      ‫بد‬
    ‫هذه القوات العربية اإلسالمية، كانت تطبق العقيدة الغربية، ثم طبقت العقيدة الشرقية، ثم َّلت‬
                                              ‫وتبد‬
       ‫رأيها فعادت أدراجها إلى العقيدة الغربية، َّلت عقيدتها في مدة زمنية قصيرة غير كافية‬
 ‫الستيعاب أية عقيدة من العقيدتين كما ينبغي، وأصبح لديها ضباط وضباط صف تخرج قسم منهم‬
     ‫في العقيدة الغربية، وتخرج قسم منهم في العقيدة الشرقية، فأصبح كل قسم من هذين القسمين‬
                                                                                      ‫يدر‬
     ‫ِّب رجال على العقيدة التي تعلمها، فلم تبق تلك القوات المسلحة على إحدى العقيدتين، بل‬
                                                         ‫ا‬
 ‫امتزجت العقيدتان امتزاجاً متناقضً، فأصبح التدريب والتعليم العسكريان في تلك القوات المسلحة‬
           ‫ا‬       ‫ا‬
    ‫في تلك القوات المسلحة على إحدى العقيدتين، بل امتزجت العقيدتان امتزاجً متناقضً، فأصبح‬
‫التدريب والتعليم العسكريان في تلك القوات المسلحة العربية اإلسالمية أقرب إلى الفوضى منه إلى‬
                                                                                        ‫النظام.‬
     ‫ً‬                                               ‫ا‬
 ‫إن العقيدة العسكرية الغربية تسود قسمً من القوات العربية اإلسالمية المسلحة، وتسود قسما آخر‬
  ‫منها العقيدة العسكرية الشرقية، وتسود القسم الثالث واألخير منها العقيدة العسكرية الغرابية، أما‬
   ‫ال‬
  ‫العقيدة العسكرية العربية اإلسالمية، فغائبة عن القوات العسكرية العربية اإلسالمية غياباً كام ً،‬
  ‫ومن النادر جداً أن يعرف عسكري عربي مسلم، أن هناك عقيدة عسكرية عربية إسالمية سادت‬
                                                                                    ‫ا‬
                                         ‫ردحً من الزمن، وقادت العرب والمسلمين إلى النصر.‬

                                                ‫[2] لماذا العقيدة العسكرية اإلسالمية‬
 ‫لكي نعلم لماذا العقيدة العسكرية اإلسالمية وحدها تناسب العرب والمسلمين وتقودهم إلى النصر،‬
     ‫وال تناسبهم العقيدتان العسكريتان الغربية أو الشرقية، وتقودهم إلى االندحار، البد من مقارنة‬
                                              ‫العقائد الثالث، ليكون الجواب على هدى وبصيرة.‬
     ‫والمقارنة تقتصر على (المبادئ ) التي تميز تلك العقائد وتتسم بها، أما (األساليب ) فقد تكون‬
 ‫متشابهة أو متقارنة بين العقائد العسكرية الثالث، وأهمية األساليب بالنسبة ألهمية المبادئ ال قيمة‬
                                                                                           ‫لها.‬




  ‫والعقيدة العسكرية الغربية تنقسم إىل ثالثة أنواع: العقيدة العسكرية األمريكية، والعقيدة‬
‫العسكرية الربيطانية، والعقيدة العسكرية الفرنسية، وهي ختتلف باألساليب ولكنها تتفق يف‬
        ‫املبادئ ، وكانت العقيدة العسكرية الغربية قبل احلرب العاملية الثانية تنقسم إىل مخسة‬
   ‫أنواع، يضاف إىل العقائد الغربية الثالث، العقيدتان: األملانية واإليطالية، فجمدت هاتان‬
                                          ‫العقيدتان بعد هزمية أملانيا وإيطاليا يف تلك احلرب.‬
‫والعقيدة الغربية ترتكز على املبدأ القائل: ((مزيد من النريان وقليل من املقاتلني ))، أي: أن‬
    ‫اهلدف الذي يعترض العمليات احلربية يف القتال، ميكن السيطرة عليه بدكه دكاً بالنريان‬
‫األرضية واجلوية الكثيفة مبختلف األسلحة املتيسرة، مهما بلغت كثافة النريان كمية وكيفية‬
 ‫ونفقات، وحينذاك يستويل على ذلك اهلدف بعد إمخاده بالنريان وإسكاته عدد حمدود من‬
                            ‫احملاربني، لغرض التقليل من اخلسائر يف األرواح جهد اإلمكان.‬
 ‫وعلى هذا املبدأ: ((مزيد من النريان، وقليل من املقاتلني ))، جيري تدريب وتسليح وجتهيز‬
                     ‫وتنظيم وقيادة القوات املسلحة اليت تعتمد العقيدة الغربية يف العسكرية.‬
    ‫ومل يأت هذا املبدأ السائد يف العقائد العسكرية الغربية من فراغ، ومل يفرض نفسه عبثاً،‬
                               ‫وال ُعمل به من غري جدوى بل فرضه فرضاً عامالن حيويان:‬    ‫ي‬
  ‫األول: هو أن الدول الغربية دول صناعية تنتج السالح يف مصانعها اخلاصة هبا، وبإمكاهنا‬
                                      ‫د‬
         ‫إنتاج السالح الذي تريده، بالكمية اليت تريدها، وتزوي ُ جيوشها بالسالح التقليدي‬
         ‫والسالح املتطور ليس مشكلة بالنسبة لتلك الدول الغربية الصناعية، وهذا هو العامل‬
                                                                                  ‫الصناعي.‬



                                  ‫ت‬
 ‫أما العامل الثاين: فهو عامل سياسي، فالدميقراطية اليت ُتيح احلرية الكاملة لكل فرد، جتعل‬
  ‫حلياة ذلك الفرد قيمة عظيمة ال ميكن التساهل بأي شكل من األشكال يف إهدارها دون‬
                          ‫مسو‬
   ‫ِّغاً يرتفع عالياً يف التنديد بكل تبديد يف األرواح دون ِّغ وبغري حق أيضاً، فال‬  ‫مسو‬
                             ‫جمال للمغامرة باألرواح، وهناك كل اجملال للمغامرة بالنريان.‬
 ‫والقائد املنتصر يف معركة من املعارك، ال حياسب يف الغرب على إسرافه يف النريان، ولكن‬
   ‫حياسب على إسرافه يف األرواح، وال تعترب املعركة ناجحة إذا كانت اخلسائر باألرواح‬
                                                          ‫فوق املعدل وأكثر من املعقول.‬
                         ‫د‬
   ‫أما العقيدة العسكرية الشرقية، فترتكز على املبدأ القائل: ((مزي ٌ من املقاتلني وقليل من‬
          ‫النريان))، أي: أن املبدأ الشرقي يناقض املبدأ الغريب من الناحية العسكرية على خط‬
    ‫مستقيم، فاهلدف الذي يعترض العمليات احلربية يف القتال ميكن السيطرة عليه مبوجات‬
                                 ‫َ‬                ‫َ‬
     ‫متعاقبة من احملاربني، يتعاقب تقدمها: قَدمَة قتالية بعد قَدمَة قتالية، حىت تستطيع إحدى‬
  ‫القدمات القتالية النجاح يف السيطرة على اهلدف املطلوب، ويكون تقدم القدمات املقاتلة‬
   ‫حنو هدفها مسنداً بالنريان املتيسرة من األرض أو من اجلو أو منهما معاً، وال حيول نقص‬
‫النريان كمية ونوعاً دون إقدام املقاتلني على النهوض بواجبهم يف احتالل هدفهم يف الوقت‬
                                                                                 ‫املناسب.‬
‫ومبوجب هذا املبدأ ((مزيد من املقاتلني وقليل من النريان ))، جيري تدريب وتسليح وجتهيز‬
                   ‫وتنظيم وقيادة القوات املسلحة اليت تعتمد العقيدة الشرقية يف العسكرية.‬
                                                         ‫وفرض هذا املبدأ عامالن رئيسان:‬
     ‫األول: ضخامة نفوس الدول الشرقي عامة واالحتاد السوفيييت خاصة، وتسخري احلشود‬
                          ‫ملصلحة الدولة حبيث تذوب مصلحة الفرد يف مصلحة اجلماعة.‬
     ‫والثاين: هو عدم تكامل اإلنتاج الصناعي لألسلحة يف الدول الشرقية كما هو احلال يف‬
  ‫تكاملها يف الدول الغربية، فالبد من االقتصاد فيه واستعماله دون إسراف، كما جيري يف‬
                                                                ‫العقيدة العسكرية الغربية.‬



 ‫وليس معىن ذلك عدم تكثيف النريان يف العقيدة الشرقية، بل معناه أن معدل كمية النريان‬
                                             ‫يف العقيدة الشرقية أقل منها يف العقيدة الغربية.‬
     ‫أن العقيدة العسكرية الغربية عبارة عن إفراط يف النريان، وتفريط يف املقاتلني، والعقيد‬
                         ‫العسكرية الشرقية عبارة عن إفراط يف املقاتلني، وتفريط يف النريان.‬
  ‫أما العقيدة العسكرية اإلسالمية، فال إفراط فيها وال تفريط، بل هي وسط يف كل شيء،‬
                                                  ‫ُم‬
     ‫وصدق اهلل العظيم: (وكذلك جعلناكم أ َّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون‬
                                                   ‫الرسولُ عليكم شهيداً ) (البقرة:341).‬
   ‫ال إفراط يف العقيدة العسكرية اإلسالمية بالنريان، ألن الدول العربية واإلسالمية تستورد‬
  ‫معظم أسلحتها وال تصنعها، فال ميكن أن نفرط يف استخدامها كالدول الصناعية الغربية‬
                                            ‫اليت تنتج أسلحتها وتصنعها يف بالدها حملياً.‬
‫وال إفراط يف هذه العقيدة باملقاتلني، ألن الروح البشرية قدسية خاصة يف اإلسالم، ينبغي‬
‫احلرص على سالمتها وأمنها، والقائد املسلم الذي يفرط يف تقدمي اخلسائر باألرواح عبثاً‬
       ‫ليس قائداً وال مسلماً، وقد كان القادة املسلمون حيرصون أشد احلرص على أرواح‬
                     ‫اجملاهدين، وغالباً ما كانوا يستأثرون باخلطر ويؤثرون رجاهلم باألمن.‬
       ‫والدول اإلسالمية يف جمموعها ليست كثيفة السكان إال يف باكستان وبنجالديش،‬
    ‫وبالرغم من كثافة سكان هذين القطرين اإلسالميني، فاحلرص على أرواح املقاتلني يف‬
                                                         ‫احلرب من أول واجبات القادة.‬
      ‫وما يقال عن اإلفراط يف النريان واملقاتلني، يقال يف التفريط هبما، فال يناسب الدول‬
                  ‫اإلسالمية غري العقيدة الوسط، ال شرقية وال غربية، بل وسطاً بني ذلك.‬



 ‫ومن مناقشة العقائد العسكرية الثالثة، يتبين لنا، بأن العقيدة العسكرية اإلسالمية هي أفضل من‬
    ‫العقيدتين الشرقية والغربية، وهي التي تناسب العرب والمسلمين، تنفيذاً لتعاليم اإلسالم، ألن‬
 ‫ا‬
 ‫العقيدة العسكرية اإلسالمية جزء ال يتجزأ من العقيدة اإلسالمية، وألنها تناسب المسلمين نفوسً‬
        ‫ا‬
       ‫وقدرات صناعية، وألنها العقيدة التي جربناها فانتصرنا، وجربنا غيرها فلم ننتصر أبدً.‬

                                          ‫[3] سمات العقيدة العسكرية اإلسالمية:‬
    ‫انتصرنا بالعقيدة اإلسالمية، ألن لها سمات معينة ال مثيل لها في العقائد العسكرية األخرى.‬
    ‫إن اإلسالم بتعاليمه السمحة الرضية جعل بحوافزه المادية والمعنوية المسلم الحق، مطيعاً ال‬
              ‫ً‬             ‫م ً‬                                                ‫ً‬
   ‫يعصي، صابرا ال يتخاذل، شجاعاً ال يجبن، مقداماً ال يتردد، ُقبال ال يفر، ثابتا ال يتزعزع،‬
          ‫ا‬                                 ‫ا‬         ‫ع‬      ‫ا‬               ‫ً‬
    ‫مجاهدا ال يتخلف، مؤمنً بمثل ُليا، مضحيً من أجلها بالمال والروح، يخوض حربً عادلة‬
        ‫ع‬
‫إلحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولتكون كلمة اهلل هي العليا، مدافعاً عن األرض وال ِرض وحرية‬
                                   ‫وانتشار الدعوة وصيانتها، وعن المسلمين في دار اإلسالم.‬
‫هذا المؤمن الحق، ال يخاف الموت وال يخشى الفقر، وال يهاب قوة األرض، يسالم وال يستسلم،‬
      ‫وال تضعف عزيمته األراجيف واإلشاعات، وال يستكين لالستعمار الفكري، ويقاوم الغزو‬
                                                 ‫ا‬
                          ‫الحضاري الذي يناقض دينه، وال يقنط أبدً وال ييأس من رحمة اهلل.‬
               ‫لعدو ع‬
‫وهذا المؤمن الحق، يقظ أشد اليقظة، حذر أعظم ما يكون الحذر، يتأهب ِّه وي ُد العدة للقائه،‬
                     ‫وال يستهين به، في السلم والحرب، ويجاهد بأمواله وروحه في سبيل اهلل.‬
 ‫وكل هذه التوجيهات العسكرية مستمدة من القرآن الكريم، الذي حوت آياته المحكمة على ترسيخ‬
          ‫العقيدة العسكرية اإلسالمية في عقل المسلمين وقلوبهم بكل ما فيها من أسس وتفاصيل.‬




‫وهذه العقيدة العسكرية اإلسالمية، تفسر سر الفتوح اإلسالمية العظيمة اليت امتدت خالل‬
‫تسع ومثانني سنة (من سنة إحدى عشرة اهلجرية إىل سنة مائة اهلجرية ) من الصني شرقاً،‬
                                        ‫إىل فرنسا غرباً، ومن سيبرييا مشاالً، إىل احمليط جنوباً.‬
                                     ‫إال‬          ‫ترب‬
 ‫ذلك ألن شعار املسلمني كان: (قل هل َّصون بنا َّ إحدى احلسنيني ) (التوبة:25):‬
                                                                             ‫النصر أو الشهادة.‬
‫وألن املسلمني كانوا حيرصون على املوت حرص غريهم على احلياة: (الذين قال هلم الناس‬
                               ‫ب‬
  ‫إن الناس قد مجعوا لكم فاخشوهم فزادهم إمياناً وقالوا حسُنا اهلل ونعم الوكيل، فانقلبوا‬
                                                         ‫سوء‬
      ‫بنعمةٍ من اهلل وفضل مل ميسسهم ُُ واتبعوا رضوان اهلل واهلل ذو فضلٍ عظيم ٍ) (آل‬
                                                                       ‫عمران:391 ـ491).‬
     ‫وأشهد أنين مل أقرأ، حىت يف كتب التعبية وسَوْق اجليش الفنية الصادرة حديثاً، أوضح‬
  ‫تعبرياً، وأدق تعريفاً، وأكثر مشوالً، وأوجز عبارة، مما جاء يف القرآن الكرمي يف هذه اآلية‬
        ‫الكرمية أسلوباً فذاً ملصاولة احلرب النفسية املعادية، وتعريفاً إلرادة القتال يف العقيدة‬
                                                                           ‫العسكرية اإلسالمية.‬
 ‫بل ال يقتصر معناها على ذلك فحسب، بل يشمل تعريف: املعنويات العالية اليت جيب أن‬
                                                      ‫يتحلى هبا اجلندي املسلم أيضاً.‬
  ‫تلك هي عظمة القرآن الكرمي حىت يف اجملاالت العسكرية، ولكن يا ليت قومي يعلمون.‬
    ‫ونعود لنتساءل: أهذه العقيدة العسكرية اإلسالمية أفضل وأقوم وأم ن وأجدى ... أم‬
                              ‫العقيدتان العسكريتان املستوردتان: الشرقية والغربية؟!!‬



                                                                ‫[4] المصادر المعتمدة :‬
‫أول المصادر للعقيدة العسكرية اإلسالمية وأهمها هو القرآن الكريم، وقد اعتمدته وحده في إبراز‬
‫سمات هذه العقيدة في الذي أوردته من سمات، ويمكن إجراء دراسة مستفيضة في: الجهاد بالمال،‬
   ‫الجهاد بالنفس، عقاب المتخلف، الطاعة، الصبر، الشجاعة، الشهادة، والشهيد، الثبات، الحرب‬
    ‫العادلة، العهود والمواثيق، األسرى، الغنائم والفيء والجزية، مصاولة الحرب النفسية، الحذر‬
                              ‫واليقظة، اإلعداد الحربي، وغيرها من الدراسات الحيوية المهمة.‬
    ‫والمصدر الثاني: كتب الحديث، وأهمها الصحاح الستة: البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي،‬
                                                                        ‫النسائي، وابن ماجه.‬
                      ‫وفي مصادر الحديث ذخيرة ال تقدر بثمن في العقيدة العسكرية اإلسالمية.‬
     ‫والمصدر الثالث: كتب الفقه اإلسالمي، وعلى رأسها كتب المذاهب األربعة: أحمد بن حنبل،‬
    ‫ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي، فقد شرح الفقهاء عليهم رحمة اهلل العقيدة العسكرية اإلسالمية‬
                                                                                        ‫ا‬
                                                                   ‫شرحً وافياً ال مزيد عليه.‬
 ‫ولعل من المفيد أن ألفت أنظار الباحثين إلى كتاب: ((السير الكبير )) لمحمد بن الحسن الشيباني‬
  ‫تلميذ اإلمام أبي حنيفة رضي اهلل عنهما، وشرحه لمحمد بن أحمد السرخسي الذي حققه الدكتور‬
       ‫صالح الدين المنجد، فهو مصدر عظيم الفائدة جليل القدر في العقيدة العسكرية اإلسالمية.‬
       ‫المصدر الرابع: المصادر التاريخية المعتمدة وكتب المغازي، وعلى رأسها السيرة النبوية‬
  ‫المطهرة، وأهم المصادر التاريخية المعتمدة: تاريخ الرسل والملوك ألبي جعفر محمد بن جرير‬
                             ‫الطبري، والكامل في التاريخ لعز الدين ابن األثير وغيرهما كثير.‬
  ‫وفي هذه المصادر تفاصيل المعارك التي خاضها المسلمون في الفتح واستعادة الفتح، والمعارك‬
   ‫الدفاعية، وغزوات النبي صلى اهلل عليه وسلم وسراياه، وهي التطبيق العملي للعقيدة العسكرية‬
                          ‫ا‬
                         ‫اإلسالمية، وفيها لمحات من سير القادة الذين طبقوا تلك العقيدة عمليً.‬




      ‫وهناك املصادر اجلغرافية القدمية املعتمدة، وهي تعني على تفهم أماكن املواقع احلربية‬
 ‫وتصفها وصفاً يقرهبا إىل القراء جهد املستطاع، وعلى رأس تلك املصادر: معجم البلدان‬
                                                                        ‫لياقوت احلموي.‬
  ‫والذي نتوخاه من دراسة املصادر املعتمدة كافة ، هو كتابة العقيدة العسكرية اإلسالمية‬
   ‫بأسلوب سهل مبسط بعيد عن التعقيد، مع إدخال املصطلحات العسكرية احلديثة، بعد‬
       ‫تثبيت املصطلحات الفقهية القدمية، ألهنا من تراث العرب واملسلمني الذين ينبغي أن‬
                        ‫َ‬
 ‫حيافظوا عليه ويعتزوا به، وكمثال على ذلك، فإذا اجلهاد يكون (فرْضَ عَيْن ) وهو النفري‬
                                                                      ‫ِ‬
    ‫العام، أو (فرض كفَاية )، وهو النفري اخلاص، مبوجب املصطلحات العسكرية احلديثة،‬
         ‫وذكر هذه املصطلحات يقرهبا إىل أفهام العسكريني خاصة والقراء عامة، مع إبقاء‬
                                                   ‫املصطلحات الفقهية القدمية يف امل ن.‬
      ‫واهلدف احليوي من إعادة كتابة: العقيدة العسكرية اإلسالمية، هو إعادة تدريسها يف‬
    ‫املدارس واملعاهد والكليات العسكرية اإلسالمية، فقد طال ختلي العرب واملسلمني عن‬
  ‫عقيدهتم العسكرية اإلسالمية املستمدة من دينهم احلنيف وقد آن هلم أن يعودوا إليها من‬
                                                                                 ‫جديد.‬
       ‫إن العرب واملسلمني يريدون أن يستعيدوا األرض املقدسة يف فلسطني، ويريدون أن‬
 ‫يستعيدوا القدس واملسجد األقصى، ويريدون أن يدافعوا عن حقوق املسلمني املغتصبة يف‬
                                                                  ‫كثري من أرجاء العامل.‬
   ‫ولن يستطيعوا استعادة األرض املقدسة واحلقوق املغتصبة ويدافعوا عن العقيدة واألرض‬
                                                         ‫والعِرض إال باجلهاد اإلسالمي.‬
‫وهذا اجلهاد غري وارد يف العقيدتني العسكريتني الشرقية والغربية، بل تقف هاتان العقيدتان‬
                                               ‫املستوردتان منه موقف الرفض، والعداء!‬
   ‫والعقيدة العسكرية اإلسالمية، هي العقيدة الوحيدة اليت تأمر باجلهاد، وتنهى عن تركه،‬
                                       ‫وتعلم أسسه ومبادئه، وخترج اجملاهدين الصادقني.‬
                        ‫ال‬
‫والعود األمحد إىل هذه العقيدة، هو طريق النصر والعزة واجملد وإ ّ فكيف ننتصر بدوهنا!!!‬

                                                                                       ‫***‬



                                                                               ‫الفصل الثالث‬
                                                         ‫القادة العسكريون العرب والمسلمون‬
                                                                             ‫وكتابة تاريخهم‬

                                                                     ‫[1] طبقات القادة:‬
    ‫(أ) الطبقة األولى من قادة العرب والمسلمين، هم قادة النبي صلى اهلل عليه وسلم، الذين قادوا‬
                                               ‫سراياه، أو قادوا تشكيالته التعبوية في غزواته.‬
     ‫وقادة سراياه، هم الذين قادوا إحدى سراياه، لتحقيق واجب معين في وقت معين، وكان تعداد‬
                                                                                 ‫ا‬
                                                                   ‫سراياه سبعً وأربعين سريه.‬
  ‫والتشكيالت التعبوية في غزواته، هي المقدمات والمؤخرات والمجنبات التي كان يتخذها لحماية‬
        ‫جيشه في مرحلة مسير االقتراب، وقادة المفارز االستطالعية، وقادة أصحابه كالمهاجرين‬
    ‫واألنصار والقبائل، وقادة أرتاله المكلفة بواجب خاص، كاألرتال التي دخلت مكة المكرمة في‬
                                                                                   ‫غزوة الفتح.‬
  ‫وقادة النبي صلى اهلل عليه وسلم من الصحابة الكرام خريجو مدرسته القيادية، وكلهم من العرب‬
                                                                                     ‫المسلمين.‬
      ‫(ب) والطبقة الثانية: من قادة العرب والمسلمين، هم قادة الفتح اإلسالمي، وقادة إعادة الفتح‬
           ‫اإلسالمي بالنسبة للبالد التي سبق فتحها ثم انتقضت، فأعاد المسلمون فتحها من جديد.‬
‫وقد بدأ الفتح اإلسالمي سنة إحدى عشرة الهجرية (231م )، وانتهى سنة مائة الهجرية (119م )،‬
  ‫وكان مد الفتح اإلسالمي عالياً على عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي اهلل عنهما،‬
 ‫وحتى سنة إحدى وثالثين الهجرية (156م ) من عهد عثمان بن عفان رضي اهلل عنه، ثم أصبح‬
‫الفتح اإلسالمي فتحاً جديداً واستعادةً للفتح من سنة إحدى وثالثين الهجرية إلى سنة مائة الهجرية،‬
                                                  ‫وذلك بعد عودة الوحدة إلى صفوف المسلمين.‬
 ‫وأكثر قادة الفتح من الصحابة، وأقلهم من التابعين، وجميعهم من العرب المسلمين عدا طارق بن‬
                                              ‫زياد فاتح األندلس الذي كان من البربر المسلمين.‬
  ‫ويمكن إضافة أسد بن الفرات فاتح صقلية، ومحمد الفاتح فاتح القسطنطينية إلى طبقة قادة الفتح،‬
                               ‫كما يمكن إضافة صالح الدين األيوبي إلى طبقة قادة إعادة الفتح.‬




‫(ج) الطبقة الثالثة من قادة العرب والمسلمين، هم قادة الدفاع عن البالد اإلسالمية الذين استطاعوا‬
  ‫صد العدوان الخارجي، واستطاعوا القضاء على الفتن الداخلية، وهم القادة الذين جاؤوا بعد سنة‬
‫مائة الهجرية وانتهوا بسقوط بغداد عاصمة العباسيين على أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة‬
                                                                           ‫الهجرية (1521م ).‬
   ‫وقد استطاع السلطان قطز سنة ثمان وستمائة الهجرية (1621م ) صد التتار في معركة (عين‬
     ‫ا‬
    ‫جالوت ) على أرض فلسطين وانتصر عليهم، فهو من قادة الدفاع عن البالد اإلسالمية أيضً.‬
‫(د) والتوقيت الذي ذكرته بالنسبة لقادة الفتح اإلسالمي وقادة استعادة الفتح اإلسالمي، وقادة الدفاع‬
‫عن البالد اإلسالمية، توقيت يصدق على األغلبية العظمى من القادة في تصنيفهم إلى طبقات، أما‬
‫القلة القليلة من القادة الفاتحين أو مستعيدي الفتح أو المدافعين، فيمكن إضافة كل قائد إلى طبقة مع‬
                    ‫اإلشارة إلى تاريخ فتحه أو استعادته الفتح أو انتصاره في المعارك الدفاعية.‬
   ‫لقد فتح قسم من القادة أجزاء من أوروبا في أيام الدولة العثمانية، فهم بدون شك من قادة الفتح.‬
‫واستطاع قسم من القادة استعادة بالد إسالمية احتلها أعداء المسلمين في عهد الدولة العباسية، وفي‬
                                 ‫الحروب الصليبية خاصة، فهم بال مراء من قادة استعادة الفتح.‬
‫واستطاع قسم من القادة الدفاع بنجاح عن بالد المسلمين في عهد العباسيين وملوك الطوائف، وفي‬
                ‫أيام الحروب الصليبية الخاصة، فهم بال ريب من قادة الدفاع عن بالد المسلمين.‬
    ‫ولكن أعداد أولئك القادة المنتصرين قليلة، بالمقارنة بأعدادهم الضخمة التي وردت في توقيت‬
 ‫تصنيف طبقاتهم، فال ينبغي إغفال كتابة تاريخهم تقديراً لجهادهم وجهودهم، وهم يستحقون أعظم‬
                                                                       ‫التقدير وأصدق الوفاء.‬

                                                                           ‫[2] المصادر:‬
     ‫في المصادر التاريخية المعتمدة، معلومات غزيرة عن المعارك المختلفة خاضها قادة العرب‬
              ‫والمسلمين، تغطي الناحية العملية من حياة القادة تغطية كاملة أو قريبة من الكمال.‬




  ‫ولكن كتابة سِيَر القادة العرب واملسلمني، تشمل سِيَرهم قادةً وسريهم بشراً، وال ينبغي‬
     ‫االقتصار على سريهم قادة، وإبراز مساهتم العسكرية، والسكوت عن أية مسة ألي قائد‬
              ‫إنساناً، فذلك وحده يكمل الصورة لتاريخ القادة العسكرية وغري العسكرية.‬
  ‫وقد كان عمل القادة يف الغالب، ال يقتصر على العمليات العسكرية، بل يشمل القضايا‬
 ‫اإلدارية، ألهنم كانوا والة ميارسون اإلدارة، وقادة ميارسون القيادة، وتارخيهم اإلداري ال‬
        ‫يقل أمهية عن تارخيهم العسكري، وتارخيهم الرمسي قادة وإداريني جزء من تارخيهم‬
 ‫الكامل، فينبغي تدارس تارخيهم بشراً يأكلون الطعام وميشون يف األسواق، ويعملون عمل‬
‫سائر البشر، زواجاً وإجناباً، وهلم مساهتم البشرية مزايا ومآخذ، ليكون تارخيهم كامالً جهد‬
      ‫اإلمكان، حبيث يستطيع الذي يدرس تارخيهم أن يتصور أي نوع من البشر كانوا يف‬
                                                        ‫تصو أي‬
                                ‫حياهتم باإلضافة إىل ُّرِهم ِّ نوع من القادة والوالة.‬
                        ‫ت ُّ‬
‫واملصادر غري التارخيية اليت تفيد يف كتابة تاريخ القادة تكاد ال ُعد وال حتصى، ولكن ليس‬
         ‫من السهل كتابة تارخيهم ألنه ال تتيسر دراسات خاصة مستقلة لكل قائد، بعكس‬
      ‫املفسرين واحملدثني واملؤرخني والفقهاء واألدباء والشعراء والنحاة واللغويني والصوفية‬
  ‫واألطباء والفالسفة وأصحاب امللل والنحل وخمتلف العلماء العرب واملسلمني يف خمتلف‬
                          ‫العلوم، فلكل واحد من هؤالء األعالم دراسة خاصة مستقلة.‬
‫أما القادة العرب واملسلمون، فينبغي للذين حيبون أن يكتبوا تارخيهم، أن جيمعوا شتات ما‬
 ‫جاء عن كل واحد منهم من خمتلف املصادر التارخيية واألدبية والعلمية، ومصادر التفسري‬
‫واحلديث واألنساب والفروسية واملعجمات وغريها، ليبنوا سريهتم من جديد ألول مرة يف‬
                   ‫التاريخ لَبِنَةً لبنة جبهد جهيد ودأب متواصل وعمل شاق وصرب مجيل.‬



                    ‫وكل مصدر من املصادر يذكر القادة بالنسبة الختصاص ذلك املصدر:‬
‫مصادر التاريخ تذكر معاركهم وأعماهلم اإلدارية والة وقادة، وكتب احلديث تذكر عدد‬
     ‫األحاديث اليت روها وأمساء الرواة الذين أخذوا عنهم وأمساء الرواة الذين أخذوا منهم‬
‫ومبلغ الثقة هبم، وكتب األدب تروي حملهم األدبية وأقوهلم السائرة، وخطبهم وأحاديثهم‬
   ‫البليغة وشعرهم ونثرهم، وما قيل فيهم من الشعر يف املدح أو اهلجاء، وكتب األنساب‬
   ‫تتحدث عن أنساهبم وعن أعقاهبم وذريتهم وأزواجهم، وكتب الفروسية تروي نتفاً من‬
                                                                                 ‫فروسيتهم.‬
    ‫وال أعرف مصدراً عربياً إسالمياً معتمداً ميكن االستغناء عن دراسته، الستكمال كتابه‬
    ‫تاريخ القادة، فالبد أن يكون املؤلف خبرياً بالكتب واملكتبات، مغرماً بالقراءة والتتبع،‬
                                        ‫يلتقط كل كلمة أو مجلة تفيده يف دراسته وتأرخيه.‬
  ‫ولكي يبين قصة حياة قائد من القادة، عليه أن يدرس عشرات املصادر املعتمدة بل مئات‬
  ‫املصادر، حىت يستطيع إبراز سريته قائداً وإنساناً، وكل جهد ووقت ومال ينفق من أجل‬
‫حتقيق هذا اهلدف احليوي يهون، واملهم أن نبدأ الطريق الطويل الشاق، وكل بداية يف كل‬
    ‫مسرية طويلة شاقة، تبدأ باخلطوة األوىل، مث تتعاقب اخلطوات خطوة بعد أخرى، حىت‬
                                     ‫يصل إىل املثابة املرجوة باملثابرة واإلصرار واالستمرار.‬
 ‫إن قراءة مصدر واحد عن قائد من القادة ال يكفي أبداً، فيجب قراءة املصادر كافة مهما‬
  ‫يبلغ تعدادها، ألن إخراج سرية قائد واحد بشكل متكامل أو قريب من الكمال، أجدى‬
                                                                      ‫ي‬
                          ‫وأبقى من إخراج سَِر عدة قادة بشكل ناقص أو مشوه أو مبتور.‬
                                                                      ‫[3] إنصاف القادة:‬
‫لم تجحد أمة من األمم قادتها العسكريين، كما جحدت األمة العربية واإلسالمية قادتها العسكريين،‬
                                                   ‫ا‬
 ‫فقد القى القادة العرب والمسلمون عقوقً وجحوداً من أمتهم بشكل منقطع النظير بين سائر األمم‬
                                                                                      ‫األخرى.‬
     ‫وقد عكف المؤلفون القدامى من العرب والمسلمين، على تأليف كتب الطبقات من كل صنف‬
    ‫ونوع، إال القادة العسكريين، فلم يكن لهم نصيب أي نصيب في كتب الطبقات على الرغم من‬
                                              ‫كثرتها وتعدد أصنافها وأنواعها بما ال مزيد عليه.‬
  ‫فهناك كتب طبقات المحدثين، وكتب طبقات المفسرين، وكتب طبقات الفقهاء في شتى المذاهب‬
    ‫اإلسالمية، وكتب طبقات األدباء، وكتب طبقات الشعراء، وكتب طبقات النحاة، وكتب طبقات‬
                                    ‫الصوفية، وكتب طبقات األطباء، وحتى كتب طبقات المغن‬
              ‫ِّين ... وغيرهم كثير . .‬
  ‫أما كتب طبقات القادة العسكريين، فال ذكر لهم في كتب الطبقات!!! وربما يزعم من يزعم، أن‬
          ‫ذكر القادة العسكريين العرب المسلمين قد ورد في المصادر التاريخية وطبقات المحد‬
‫ِّثين وغيرها‬
    ‫من المصادر األخرى ولكن ما ورد عنهم في تلك المصادر نزر قليل من جهة، وموزع على‬
‫عشرات المصادر من جهة أخرى، وكل مصدر يذكرهم بالنسبة الختصاص ذلك المصدر فحسب.‬
     ‫وال أعتقد أن كتب مصادر الطبقات التي دونت تاريخ الرجال العرب المسلمين األعالم، من‬
 ‫مختلف الصنوف واألنواع في مختلف العلوم واآلداب والفنون، أكثر أهمية من القادة العسكريين‬
    ‫عامة، وقادة الفتح اإلسالمي وقادة استعادة الفتح اإلسالمي خاصة، ألنهم فتحوا البالد وحملوا‬
 ‫اإلسالم إليها بالفتح، ولم يحملوهم على اإلسالم بذلك الفتح، وألنهم نشروا اللغة العربية في البالد‬
     ‫المفتوحة، فلم يمض زمن قصير إال ونبغ من سكان البالد المفتوحة علماء أعالم في العربية‬
                          ‫يتعلمون بها ويعلمون، ويكتبون بها ويؤلفون، ويخطبون بها ويتكلمون.‬
                    ‫أ‬
 ‫وهذه األعمال الباهرة التي قدمها القادة العرب المسلمون لعقيدتهم ولغتهم وُمتهم، ينبغي أن تذكر‬
 ‫لهم بكثير من العرفان، وتسجل في سيرة كل واحد منهم بالفخر واالعتزاز، في صفحات مشرقة‬
                                                            ‫بالنور من صفحات الرجال األفذاذ.‬




   ‫أليس من الغريب حقاً واملخجل أيضاً، أن ختلو كتب الطبقات العربية اإلسالمية القدمية‬
‫على كثرهتا وتنوعها حبيث تضيق عن احلصر وتصعب يف التصنيف، من كتاب واحد عن:‬
                                                  ‫قادة الفتح اإلسالمي !!!‬
      ‫وجاء االستعمار القدمي يف أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين امليالديني،‬
   ‫فوجد اجلو مناسباً لطمس أمساء القادة العرب واملسلمني من مناهج التدريس يف املعاهد‬
    ‫واجلامعات، وإبراز القادة األجانب يف تلك املناهج، فتخرج التالميذ والطالب يف تلك‬
     ‫املؤسسات التعليمية وهم جيل االستعمار القدمي، جيهلون حىت جمرد أمساء قادهتم الذين‬
                                        ‫ة‬            ‫ً‬
 ‫فتحوا بالدهم ومحلوا إليها اإلسالم دينا والعربية لغ ً، ألهنم شغلوا عن قادهتم الغر امليامني‬
         ‫بقادة االستعمار القدمي، فأصبحوا يعرفون عن نابليون بونابارت (مثالً ) كل شيء‬
                                                   ‫وجيهلون عن خالد بن الوليد كل شيء!!‬
‫ومل تقتصر اجلهود االستعمارية على طمس أمساء القادة العرب املسلمني وسري حياهتم على‬
  ‫املؤسسات التعليمية املدنية، بل مشلت املؤسسات العسكرية العربية واإلسالمية أيضاً، بل‬
 ‫كانت اجلهود االستعمارية يف املؤسسات التعليمية العسكرية أدهى وأمر وأشهد إمعاناً يف‬
   ‫التخريب مما كانت عليه يف املؤسسات التعليمية املدنية، فقد كان يدرس يف املؤسسات‬
       ‫التعليمية العسكرية العربية اإلسالمية يف مادة: (تاريخ احلرب )، سِيَر قادة االستعمار‬
   ‫األجنيب الذين قادوا احلمالت العسكرية الكتساح البالد العربية واإلسالمية واستعبادها‬
                                               ‫ُدر‬
         ‫وإذالهلا واالستحواذ على خرياهتا، فكان ي َّس يف الكلية العسكرية العراقية امللكية‬
‫للطالب الذين يصبحون ضباطاً بعد خترجهم يف تلك الكليات، معارك استعمار العراق يف‬
 ‫احلملة الربيطانية أثناء احلرب العاملية األوىل بأسلوب يبهر الطالب العسكريني مبزايا القادة‬
                              ‫الربيطانيني األجانب وبعقيدهتم العسكرية األجنبية يف القتال!!‬



    ‫واملعنويات العالية، هي اليت تقود العسكري إىل النصر، وال نصر مع املعنويات املنهارة،‬
‫والضابط العريب املسلم يتخرج يف كليته العسكرية حمطم املعنويات مشلول اإلرادة، مبهوراً‬
       ‫بالعقيدة العسكرية اليت حتتل بالده وبالعسكريني الذين اغتصبوها، يؤمن بأن األجنيب‬
       ‫متفوق عليه عسكرياً وفكراً وعقيدة فال جمال للحاق به أو منافسته، وليس له إالَّ أن‬
             ‫يستخذي للمستعمر ويستجدي رمحته وعطفه ويستسلم له، وهنا بيت القصيد.‬
         ‫ومضى االستعمار القدمي إىل غري رجعة، فاستقلت الدول العربية اإلسالمية خبروج‬
    ‫االستعمار القدمي ورحيله عنها، ولكنها بقيت تعاين عقابيل االستعمار الفكري الذي ال‬
‫يزال معَشْعشاً فيها، وابتليت باالستعمار احلديث بعد أن ختلصت من االستعمار القدمي، إذ‬ ‫ُ‬
‫خرج القدمي من األبواب ودخل احلديث من النوافذ، وبقي جيل االستعمار القدمي مسيطراً‬
           ‫على التعليم واملؤسسات التعليمية، ينفث مسوم ما لقنه املستعمر يف عقول التالميذ‬
                                                                                ‫والطالب.‬
                                                             ‫أوج‬
 ‫أليس من املذهل حقاً أن ِّه هذا السؤال إىل معاريف من املثقفني، ومنهم أساتذة للتاريخ‬
    ‫يف اجلامعة: ما اسم القائد الذي فتح املدينة اليت نعيش فيها؟ فلم أمسع جواباً!! أو مسعت‬
                                                                 ‫جواباً بعيداً عن الصواب!‬
     ‫ذلك هو مبلغ ما وصل إليه العرب واملسلمون من عقوق شنيع قادهتم، وهذا هو الواقع‬
                                                                                     ‫املرير.‬
                                                        ‫[4] كتابة سِيَر القادة العسكريني:‬
      ‫(أ) ومن الطبيعي أن يبادر القادرون على كتابة سِيَر القادة العسكريني إىل العمل اجلاد‬
  ‫إلخراج سريهم يف كتب للناس، لعل كل عريب مسلم يعرف القائد الذي فتح بلده، وهذا‬
‫أضعف اإلميان، ولعل سريهم الباهرة تطهر عقول الذين بُهروا بالقادة األجانب وقلوهبم من‬
         ‫أدراهنا اليت علقت هبا بتأثري املناهج الدراسية للمستعمر احلاقد، ولعل شباب العرب‬
‫واملسلمني يقتدون بسريهم الغنية بالرجولة والشجاعة واإلقدام والتضحية والفداء، ويقتفون‬
                     ‫آثارهم الفذة ليصلوا إىل النتائج نفسها اليت حققها أولئك القادة العظام.‬



    ‫ولعل العرب واملسلمني أيضاً، يوقنون أن قادهتم أعظم من القادة األجانب وأكثر كفاية‬
                 ‫إال‬
    ‫واقتداراً، وأن ما غرسه املستعمر يف نفوسهم من تفوق األجنيب ما هو َّ حديث خرافة‬
 ‫بعيد عن الواقع واحلق، وأن العرب واملسلمني أمة ال تقل شأناً عن سائر األمم، وبإمكاهنا‬
                                            ‫أن تأخذ مكانتها املرموقة بني األمم األخرى.‬
                       ‫ت‬
‫وأخرياً، لعل املدارس واملعاهد والكليات املدنية والعسكرية، تُثِْب ُ يف مناهجها دراسة سِيَر‬
‫قادة العرب واملسلمني، ومتحو من مناهجها سري القادة األجانب، وبذلك يستبدلون الذي‬
    ‫هو خري بالذي هو أدىن، فيتخرج التالميذ والطالب العرب واملسلمون يف تلك املدارس‬
  ‫واملعاهد واجلامعات املدنية والعسكرية، وعقوهلم وقلوهبم معاً طاهرة من مسوم االستعمار‬
                                                                          ‫الفكري البغيض.‬
          ‫وأحب أن أضع زبدة جتاريب يف كتابة سري قادة الفتح اإلسالمي وقادة استعادة الفتح‬
                          ‫اإلسالمي بني أيدي الذين حيبون أن يشاركوا يف العمل هبذا امليدان.‬
       ‫إن اإلفاضة يف قراءة أكرب عدد من املصادر لكتابة سرية قائد من القادة ضروري جداً،‬
     ‫فذلك وحده خيرج سريته قريبة من الكمال، أما االكتفاء بقراءة عدد حمدود من املصادر‬
               ‫اقتصاداً بالوقت أو توفرياً للجهد، فيؤدي إىل إخراج سريته بعيدة عن النضوج.‬
   ‫ودراسة القادة ال ينبغي أن تقتصر على املشاهري منهم دون املغمورين، بل جيب أن تشمل‬
‫على املشهورين واملغمورين أيضاً، وقد اكتشفت أن قسماً من القادة املغمورين فتحوا بالداً‬
   ‫أوسع من العراق ومصر مساحة وأكثر منهما سكاناً، ولكنهم بقوا مغمورين يف صفحات‬
                    ‫املصادر املعتمدة، وكأهنم مل يفتحوا بلداً، ومل جياهدوا يف اهلل حق جهاده!‬
     ‫إن بعث القادة املغمورين أهم بكثري من كتابة سِيَر القادة املشهورين، ولكن الكتابة عن‬
   ‫املغمورين أصعب بكثري من الكتابة عن املشهورين، ألن املغمورين اكتشاف، واملشهورين‬
  ‫اقتباس، فال ينبغي اختيار الطريق املمهدة وجتنب الطريق الصعبة، فهي الطريق الوحيدة اليت‬
                                                                 ‫تؤدي إىل اكتشاف جديد.‬



     ‫وللقادة العرب واملسلمني مساهتم ومزاياهم اليت تناسب عصرهم وعقيدهتم وتقاليدهم،‬
  ‫فيجب اإلبقاء على تلك السمات واملزايا كما هي، وكما كانت على أصحاهبا، دون أن‬
     ‫نبقي أمساءهم كما هي، ومنسخ سريهتم بإضافة مسات ومزايا جديدة إليهم، مل يكونوا‬
        ‫يعرفوهنا ومل يسمعوا هبا، وال كانوا حيلمون هبا، ولو عادوا إىل احلياة المشأزوا منها‬
                                                                              ‫ورفضوها.‬
   ‫لقد عاشوا قبل أربعة عشر قرناً، والقادة األجانب الذين عاشوا يف القرن احلايل اقتبسوا‬
   ‫منهم ـ إذا فعلوا ذلك حقاً ـ أما إذا مل يفعلوا فال ينبغي أن ندعي لقادتنا ما ليس هلم‬
   ‫حبق، إذ ال يزيد يف قدرهتم وقيمتهم هذا االدعاء، وإسباغ مسات ومزايا القادة األجانب‬
        ‫عليهم خطأ فاحش، وهو إن دل على شيء فإمنا يدل على إعجابنا الشديد إىل حد‬
    ‫االنبهار بالقادة األجانب كأثر من آثار االستعمار الفكري املستحوذ على عقول الذين‬
   ‫يقعون يف مثل هذا اخلطأ الشنيع، كما أن قادتنا أعظم قدراً ومنزلة من القادة األجانب‬
                                 ‫شب‬
 ‫ألهنم أكثر فتحاً وأرسخ عقيدة وأعظم شجاعة، فإذا َّهناهم بالقادة األجانب كما فعل‬
                                                             ‫قل‬
 ‫قسم من املؤلفني، فقد َّلنا من أقدارهم ومنزلتهم وأسأنا إليهم من حيث أردنا اإلحسان‬
    ‫.. وهذا ما ال يقبله العقل وال يرتضيه املنطق، وال يقره الوجدان، ويأباه القادة العرب‬
                                                                             ‫املسلمون.‬
 ‫(ب) ونعود إىل أسلوب كتابة سِيَر القادة العرب املسلمني: هل -نقلد األسلوب األجنيب‬
     ‫يف اإلطناب اململ، كالذي اختذه طالب الدراسات العليا يف إعداد رسائلهم، أم نقلد‬
‫أسلوب (املتون ) يف اإلجياز املخل، كالذي اختذه كتاب (املتون ) اليت حتتاج إىل (الشروح‬
                                  ‫) على (املتون )، مث تكون (التعليقات ) على الشروح؟‬



         ‫لقد قلد قسم من الذين حاولوا الكتابة عن قائد أو أكثر من قائد من قادة العرب‬
                                       ‫ً‬
         ‫واملسلمني األسلوب األجنيب، فأخرجوا للناس كتابا ضخماً عن قائد واحد، ميكن‬
   ‫اختصاره يف صفحات معدودات دون مغادرة شاردة أو واردة من املعلومات الواردة يف‬
     ‫الكتاب إال أحصتها، وما بقي من سائر صفحات الكتاب حشو ولغو وتكرار مبتذل.‬
 ‫وباإلمكان أن أضرب مثالً على ذلك، فقد ورد يف أحد املصادر العربية القدمية، أن خالد‬
  ‫بن الوليد رضي اهلل عنه هو الذي فتح مصر، ومؤلف هذا املصدر أورد هذا اخلرب مسنداً‬
     ‫إىل رواته الذين ال يعتمد على روايتهم وال يؤخذ هبا، ألهنم ضعفاء ال ثقة مبا يقولون.‬
    ‫ومؤلف هذا املصدر املذكور، أورد هذا اخلرب هبذا الشكل من اإلسناد الضعيف، ليقول‬
  ‫بصورة غري مباشرة: إن اخلرب عن خالد ال نصيب له من الصحة، ولكنه ذكره يف مصنفه‬
     ‫ليدل على اخلرب املكذوب، ألنه أورد أن فاتح مصر هو عمرو بن العاص بإسناد متني،‬
                                   ‫وهذا هو منتهى الدقة يف األمانة العلمية لتدوين األخبار.‬
     ‫ولكن املؤلف احلديث، ناقش بإطناب: هل فتح خالد مصر أم مل يفتحها؟ واستغرقت‬
        ‫مسو‬                      ‫فضي‬
‫مناقشتة أكثر من عشر صفحات من القطع املتوسط، َّع وقته الثمني دون ِّغ، ألنه‬
                                                     ‫اعتمد األسلوب األجنيب يف التدوين.‬
                                                               ‫املؤل‬
        ‫وأخشى أن يكون ذلك ِّف يعترب أمهية الكتاب تقدر بوزنه ال مبا فيه من فائدة،‬
                                                 ‫فضاعف وزن كتابة باللغو من القول.‬
‫واألسلوب الذي أراه مناسباً يف كتابة سِيَر القادة العرب املسلمني، ليس األسلوب األجنيب‬
    ‫الذي يعتمد اإلطناب، وال أسلوب تدوين (املتون ) الذي يعتمد اإلجياز، بل األسلوب‬
                         ‫ت‬
    ‫الوسط الذي يكتفي بنقل احلقائق من مصادرها املعتمدة اليت ُعني على استنتاج مسات‬
‫القائد ومزاياه إنساناً وقائداً، واستنتاج ما يفيد العرب واملسلمني يف حاضرهم ومستقبلهم.‬



                                                                 ‫ُدون‬
‫وهذا األسلوب الوسط ي َّ ُ بكلمات عربية أصلية، بعيدة عن الكلمات األجنبية الدخيلة،‬
  ‫فالعربية الفصحى لغة القرآن الكرمي ليست عاجزة عن التعبري الرائع البليغ املعرب املفهوم يف‬
  ‫خمتلف جماالت العلوم واآلداب والفنون، بعد أن استطاعت التعبري الواضح الوايف البليغ يف‬
   ‫كتاب اهلل، ومحلت قروناً طويلة يف تعبريها الفصيح شىت أنواع املعارف اإلسالمية بكفاية‬
                                                                                      ‫واقتدار.‬
   ‫ويبدو يل أن قسماً من الكتاب العرب املسلمني مغرمون غراماً شديداً بترصيع ما يكتبون‬
       ‫بالكلمات األجنبية الدخيلة، وهؤالء بدون شك يعانون من أدران االستعمار الفكري‬
‫البغيض إذا كانوا يتقنون العربية الفصحى، أما إذا كانوا ال يتقنوهنا، فلماذا حيملون أنفسهم‬
                                     ‫وْ‬
                               ‫ما ال تطيق بالكتابة والتأليف، واهلل ال يكلف نفساً إال ُسعَهَا.‬
                                                       ‫املوح‬
‫وقد صدرت املعجمات العسكرية ِّدة وأصبحت متيسرة يف املكتبات العامة واخلاصة،‬
                    ‫وهي تغطي املصطلحات العسكرية األجنبية مبصطلحات عسكرية عربية.‬
   ‫كما صدرت جمموعات املصطلحات األدبية والعلمية والفنية األجنبية اليت وضعت اجملامع‬
                                              ‫اللغوية والعلمية ما يقابلها من مصطلحات عربية.‬
       ‫فبماذا ِّل إصرار قسم من الكتاب العرب على استعمال املصطلحات األجنبية، بعد‬     ‫نعل‬
                                                         ‫صدور املصطلحات العربية األصلية!!‬
                                                     ‫أيستبدلون الذي هو أدىن بالذي هو خري!‬
       ‫(ج) وترد يف املعارك اليت خاضها القادة العرب املسلمون أمساء مواقع وأماكن ومدن‬
                                              ‫وجبال ووديان وأهنار وحبريات وحبار وصحارى.‬
 ‫والبلدانيون العرب واملسلمون القدامى مل يقصروا أبداً يف شرح تلك املواقع شرحاً مفصالً‬
                                                            ‫تارة وخمتصراً تارة أخرى.‬
   ‫ومن املفيد أن نشرح تلك املواقع الواردة يف معارك القادة مبا يكفي لتوضيحها للقراء‬
             ‫والدارسني، وبياهنا على اخلرائط القدمية، إن وجدت، واحلديثة مفيد أيضاً.‬
                                            ‫ي‬
  ‫أن العرب واملسلمني، يتمنون على اهلل أن ُكتب تاريخ قادهتم بشكل يدعو إىل الفخر‬
   ‫واالعتزاز، ولن يكون ذلك بتغريبهم أو تشريقهم، فما كانوا يتقبلون هذا التشريق أو‬
                             ‫التغريب، ويرفضون إال أن يبقوا كما كانوا عرباً مسلمني.‬
  ‫وعلى الذين يريدون كتابة تارخيهم أن يضعوا هذا اهلدف احليوي نصب أعينهم، وليس‬
                                                                  ‫حتقيقه عليهم بعزيز.‬
                                                                                 ‫***‬



                                                                             ‫الفصل الرابع‬
                                           ‫تحقيق التراث العسكري العربي اإلسالمي ونشره‬

                                                        ‫[1] أهمية التحقيق والنشر:‬
                                                              ‫ور‬
‫التراث لغة: هو ما ُ ِث، وقد ورث العرب والمسلمون عن أجدادهم من جملة ما ورثوا، مؤلفات‬
                                                                                   ‫قي‬
   ‫ِّمة في شتى مجاالت العلوم واآلداب والفنون، فاستطاع الناشرون إخراج كثير من المؤلفات‬
                                                    ‫الن‬
                ‫العلمية واألدبية والفنية القيمة إلى َّاس محققة تارة وبدون تحقيق تارة أخرى.‬
   ‫وفي الوقت الذي حظي كثير من التراث العربي اإلسالمي األصيل بالتحقيق والنشر، فإن حظ‬
                                      ‫ا‬
 ‫تحقيق التراث العسكري العربي اإلسالمي بقي عاثرً، فلم يحقق حتى اليوم غير عدد محدود من‬
                                                 ‫التراث العسكري العربي اإلسالمي العريق.‬
  ‫وإعادة كتابة المعارك العربية اإلسالمية بشكل واضح وأسلوب حديث، بحاجة ماسة إلى تحقيق‬
   ‫التراث العربي اإلسالمي ونشره، ألنه يعين على تفهم سير القتال في المعركة وطريقة توزيع‬
 ‫قوات الجانبين في تشكيالته تعبوية، وطريقة عمل كل تشكيل قتالي في المعركة، كما يعين على‬
    ‫شرح األسلحة التي استخدمها الجانبان في المعركة، ومزايا تلك األسلحة، وأسلوب عملها في‬
                                                                                    ‫القتال.‬
    ‫ولعل تحقيق التراث العسكري العربي اإلسالمي، يكمل إعادة كتابة التاريخ العسكري العريق‬
                            ‫اإلسالمي وإعادة كتابة العسكرية اإلسالمية بأسلوب واضح جديد.‬
   ‫ولقد انتصر المسلمون األولون بعقيدتهم الراسخة، ولكن معلوماتهم العسكرية النظرية والعملية‬
                                                                 ‫ا‬
                                               ‫كانت على درجة رفيعة جدً من التقدم والرقي.‬
                 ‫دو‬
      ‫ولم تكن المعلومات مدونة في الكتب أيام الفتوح واستعادة الفتوح، ولكنها ِّنت في العصر‬
                                                                                   ‫العباسي.‬




‫أما السلف الصالح من الفاتحين، فقد كانوا قبل عصر التدوين، يتلقون المعلومات العسكرية العملية‬
‫والنظرية خلفاً عن سلف، ويمارسون تلك المعلومات العسكرية عملياً في ميدان القتال، والممارسة‬
                                                          ‫العملية خير مدرسة كما هو معلوم.‬
   ‫وبعد تدوين العلوم العسكرية في العصر العباسي وفي العصور التي جاءت من بعده، أصبحت‬
                   ‫ال‬
       ‫للعرب مؤلفات عسكرية مدونة، فورثها أبناؤهم تراثاً عسكرياً إسالمياً أصي ً من المؤلفات‬
              ‫العسكرية التي ال تقل أهمية عن كتب التراث األخرى في العلوم واآلداب والفنون.‬
      ‫والتراث العسكري العربي اإلسالمي جزء من الحضارة العربية اإلسالمية، وهذه جزء من‬
                                                                          ‫الحضارة العالمية.‬
     ‫وتحقيق التراث العسكري العربي اإلسالمي ونشره، خدمة كبيرة للحضارة العربية اإلسالمية‬
                                                                    ‫ا‬
                                                                   ‫وللحضارة العالمية أيضً.‬
                   ‫فال ينبغي إهمال هذا التراث، إذ ال يزال ينتظر من يحققه وينشره بين الناس.‬

                                                      ‫[2] غزارة التراث العسكري:‬
‫إن التراث العسكري العربي اإلسالمي، يعمر مكتبات أوروبا ومتاحفها، ويتيسر في مكتبات العالم‬
    ‫كافة ومتاحفها، وتزخر به مكتبات المخطوطات العربية في شتى أصقاع العالم، ويحوي معهد‬
               ‫المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية على جزء مهم من هذا التراث العريق.‬
        ‫وحسبنا أن نتصفح كتاب: (فهرست ابن النديم ) الذي عدد فيه مؤلفه: ((الكتب المؤلفة في‬
‫الفروسية وحمل السالح وآالت الحرب والتدبير والعمل بذلك لجميع األمم ))، لنتلمس بوضوح أي‬
                                  ‫تراث عسكري أصيل كان العرب والمسلمين منذ عدة قرون.‬
 ‫ومن مقارنة ما جاء في: ((فهرست ابن النديم )) عن الكتب التي اطلع عليها في عصره وسجلها‬
      ‫في كتابه، بالمؤلفات العربية اإلسالمية المعروفة في الوقت الحاضر، يتبين لنا أن كثيراً من‬
                                            ‫ا‬
                                           ‫التراث العسكري العربي اإلسالمي ال يزال مفقودً.‬
     ‫ولكن ما وصل إلينا من املخطوطات العربية، يدل على أن العرب املسلمني بلغوا شأواً‬
    ‫بعيداً يف العلوم والفنون العسكرية، وأهنم مل يقتصروا على علوم الدين والفلسفة والعلوم‬
         ‫العقلية والنقلية والتاريخ واألدب، بل كان هلم يف العلوم العسكرية باع طويل وقدم‬
                                                                               ‫راسخة.‬
                                                                 ‫وهذا التراث قسمان:‬
                                                                      ‫أل‬
                                                   ‫القسم األول: َّفه العرب واملسلمون.‬
   ‫والقسم الثاين: نقلوه عن األمم األخرى، كالفرس والروم واهلنود، حسب أسبقية ذكرها‬
                                                                        ‫يف كمية النقل.‬
 ‫والتراث العسكري العريب اإلسالمي بالنسبة لكتبه عدة أنواع: كتب للتدريب على الرمي،‬
     ‫وكتب للتدريب على الفروسية، وكتب يف صفات األسلحة والتدريب عليها وأساليب‬
                ‫ي‬
  ‫استعماهلا، وكتب يف األسلحة اهلجومية ككتاب الدبابات واملنجنيقات واحلَِل واملكايد ،‬
        ‫وكتب للتدريب التعبوي، ككتاب أدب احلروب، وفتح احلصون واملدائن، وتربيص‬
      ‫الكمني، وتوجيه اجلواسيس والطالئع والسرايا، ووضع املساحل، وكتب عسكرية عامة‬
         ‫تشمل التدريب على األسلحة، وعلى القضايا التعبوية، ككتاب ((احليل )) للهرمثي‬
                                   ‫ُق ن‬                              ‫أل‬
  ‫الشعراين الذي َّفه للمأمون اخلليفة العباسي وح ِّق وُشر جزء منه (ابن الندمي: 413 ـ‬
                                                                              ‫513 ).‬
                               ‫الد‬
‫وهناك تراث عسكري عريب إسالمي يف البيطرة، وعالج َّواب وصفات اخليل واختيارها‬
              ‫أل‬
    ‫(ابن الندمي: 513 )، وقد كان للخيل أثر عظيم يف احلروب القدمية، لذلك َّف العرب‬
           ‫املسلمون كثرياً من الكتب يف اخليل وعالجها وصفاهتا ومزاياها والتدريب عليها‬
  ‫وتدريبها، ككتاب: ((فضل اخليل )) الذي صنعه الشيخ عبد املؤمن الدمياطي املتوىف سنة‬
     ‫(519هـ )، وكتاب: ((رشحات املداد فيما يتعلق بالصافنات اجلياد )) للشيخ حممد‬
    ‫البخشي احلليب املتوىف سنة(1171هـ ) (طبعا يف املطبعة العلمية حبلب ـ 7431هـ‬
                                                                                     ‫).‬
   ‫تلك لمحات عن كتب التراث العسكري العربي اإلسالمي، تدل على أنها تغطي أنواع التدريب‬
 ‫والتعليم في القوات المسلحة، وال تغفل أنواع األسلحة وآليتها وأسلوب استعمالها، وأنواع الدواب‬
                ‫وعلى رأسها الخيل ومداواة الدواب وإدارتها وتدريبها والتدريب على الفروسية.‬
                        ‫وهذه ثروة ضخمة من الثقافة العسكرية ال ينبغي التفريط بها وإهمالها.‬

                                                             ‫(1)‬   ‫[3] جمع النصوص:‬
‫إن أعلى النصوص قيمة وأكثرها أهمية، هي المخطوطات التي وصلت إلينا حاملة عنوان الكتاب‬
                                          ‫دو‬
‫واسم مؤلفه، وجميع مادة الكتاب على آخر صورة َّنها المؤلف بنفسه، أو يكون قد أشار بكتابتها‬
                  ‫أو أمالها أو أجازها، ويكون في النسخة ما يفيد اطالعه عليها أو إقراره لها.‬
                                                        ‫وأمثال هذه النسخ تسمى: نسخة األم.‬
                     ‫وتلي نسخة األم النسخة المأخوذة منها، ثم فرعها، ثم فرع فرعها، وهكذا.‬
 ‫وقد يخلو قسم من المخطوطات من بعض هذه الحدود، فيكون ذلك مدعاة للتحقيق وموجباً للبحث‬
                                                      ‫األمين، حتى يؤدى النص تأدية مقاربة.‬
       ‫ع‬
     ‫وهذا الضرب من المخطوطات يعد أصوالً ثانوية إن وجد معها األصل األول، وأما إذا ُدم‬
       ‫ا‬
      ‫األصل األول، فإن أوثق هذه المخطوطات يرتقي إلى مرتبة، ثم يليه ما هو أقل منه وثوقً.‬
             ‫ال‬
   ‫والنسخ المطبوعة التي فقدت أصولها أو تعذر الوصول إليها يمكن اعتبارها أصو ً ثانوية في‬
     ‫التحقيق إذا كان ناشرها يوثق به ويطمئن إليه، أما الطبعات التجارية فهي نسخ مهدرة، ومن‬
                                                            ‫ي‬
                                      ‫اإلخالل بأمانة العلم واألداء أن ُعتمد عليها في التحقيق.‬
 ‫وأما المصورات من النسخ، فهي بمنزلة أصلها ما كانت الصورة واضحة تامة تؤدي أصلها كل‬
               ‫ا‬
              ‫األداء، فمصورة النسخة األولى هي نسخة أولى، ومصورة النسخة الثانوية أيضً.‬
                           ‫ا‬
    ‫وهنا تعرض مشكلة المسودات والمبيضات، وهو اصطالح قديم جدً ويراد بالمسودة: النسخة‬
  ‫ا‬
  ‫األولى قبل أن يهذبها ويخرجها سوية، وأما المبيضة: فهي التي سويت وارتضاها المؤلف كتابً‬
                                                                               ‫يخرج للناس.‬




 ‫ومسودة المؤلف إن ورد نص تاريخي على أنه لم يخرج غيرها، كانت هي األصل، وأن لم يرد‬
  ‫نص كانت مرتبة النصوص األولى، ما لم تعارضها المبيضة، فإنها تكون في مرتبة النصوص‬
      ‫ا‬      ‫ال‬
      ‫األولى، ألن مبيضة المؤلف هي األصل األول، وإذا وجدت معها مسودة كانت أص ً ثانويً‬
                                                                    ‫لتصحيح القراءة فحسب.‬
    ‫على أن وجود نسخة للمؤلف ال يدلنا داللة قاطعة على أن هذه النسخة هي النسخة عينها التي‬
                                                               ‫ا‬
   ‫اعتمدها المؤلف، ألن قسمً من المؤلفين يؤلف كتابه أكثر من مرة، لهذا فإن نسخة المؤلف قد‬
                                           ‫تتكرر، وال يمكن القطع بها ما لم ينص هو عليها.‬
   ‫وضح مما سبق أن منازل النسخ هي: نسخة المؤلف، ثم النسخة المنقولة منها، ثم فرعها وفرع‬
                                                                             ‫فرعها، وهكذا.‬
           ‫ا‬
‫ومن البديهي أنه ال يمكن بوجه قاطع أن نعثر على جميع المخطوطات التي تخص كتابً واحداً إال‬
  ‫على وجهٍ تقريبي، فهما يجهد المحقق نفسه للحصول على أكبر مجموعة من المخطوطات، فإنه‬
                                            ‫ً‬
     ‫سيجد وراءه معقباً يستطيع أن يظهر نسخا أخرى من المخطوطات، وحسب المحقق أن يبذل‬
  ‫قصارى جهده في العثور على أكبر عدد من المخطوطات لكتابه الذي يزمع تحقيقه، والكمال هلل‬
                                                                                    ‫وحده.‬

                                                                     ‫(7)‬   ‫[4] التحقيق :‬
                                                      ‫ل‬        ‫حق‬
    ‫أصل التحقيق من قولهم: َّقَ الرج ُ القولَ: صدقه أو قال: هو الحق. والجاحظ يسمي العالم‬
‫المحقق: محقاً، قال: ((إنه لم يخل زمن من األزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إال وفيه علماء‬
   ‫ا‬
  ‫محقون قرأوا كتب من تقدمهم ودارسوا أهلها ))، واإلحقاق: اإلثبات، يقال: أحققت األثر إحقاقً،‬
                                                                     ‫إذا أحكمته وصححته.‬
    ‫والتحقيق يشمل: تحقيق عنوان الكتاب، وتحقيق اسم المؤلف، وتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه،‬
‫وتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وتحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر اإلمكان مقارباً لنص مؤلفه.‬




‫وحتقيق عنوان الكتاب ليس هيناً، ألن بعض املخطوطات يكون خالياً من العنوان، إما لفقد‬
       ‫الورقة األوىل منها، أو انطماس العنوان، أو إلثبات عنوان جلي واضح، ولكنه خيالف‬
 ‫الواقع إما بداعٍ من دواعي التزييف، أو جلهل قارئ ما وقعت إليه نسخة جمردة من عنواهنا‬
                                                               ‫فأثبت ما خاله عنواهنا.‬
  ‫واحملقق حباجة إىل الرجوع إىل كتب املؤلفات، كابن الندمي، أو كتب التراجم، أو يتاح له‬
            ‫ف‬
  ‫الظفر بطائفة من نصوص الكتاب مضمنة يف كتاب آخر ، أو أن يكون له إلْ ٌ خاص أو‬
  ‫خربة خاصة بأسلوب مؤلف من املؤلفني وأمساء ما ألف من الكتب، فتضع تلك اخلربة يف‬
                                     ‫يده اخليط األول للوصول إىل حقيقة عنوان الكتاب.‬
  ‫وحتقيق اسم املؤلف، البد أن يكون مصحوباً باحلذر، فليس يكفي أن جند عنوان الكتاب‬
      ‫واسم مؤلفه يف ظاهر النسخة واسم مؤلفه يف ظاهر النسخة لنحكم بأن املخطوطة من‬
‫مؤلفات صاحب اإلِسم املثبت، بل البد من إجراء حتقيق علمي يطمئن معه الباحث إىل أن‬
                                                 ‫الكتاب نفسه صادق النسبة إىل مؤلفه.‬
                     ‫الت‬
‫وأحياناً تفقد النسخة النص على اسم املؤلف، فمن العنوان ميكن َّهدي إىل ذلك اإلِسم ،‬
                   ‫أ‬
     ‫مبراجعة فهارس املكتبات،، أو كتب املؤلفات، أو كتب التراجم اليت ُخرجت إخراجاً‬
 ‫حديثاً وُهرست فيها الكتب، كمعجم األدباء لياقوت، أو غري ذلك من الوسائل العلمية.‬‫ف‬
‫واحملقق إذا عثر على طائفة معقولة من الكتاب منسوبة إىل مؤلف معني يف نقل من النقول،‬
                                     ‫كان ذلك مما يؤيد ما يرجحه أو يقطع به يف ذلك.‬
    ‫وقد يعتري التحريف والتصحيف أمساء املؤلفني املثبتة يف الكتب، فالنصري قد يصحف‬
                                ‫ي‬
‫بالبصري، واحلسن باحلسني، وهذا حيتاج إىل حتقيق ال ُكتفى فيه مبرجع واحد، فقد يكون‬
         ‫د‬
    ‫ذلك املرجع فيها عني ذلك التصحيف أو تصحيف آخر أقسى منه، فليس هناك ب ٌ من‬
                                                     ‫االطمئنان بالبحث العلمي الواسع.‬
  ‫وما قيل يف تزييف العناوين، يقال أيضاً يف تزييف أمساء املؤلفني، لذلك مل يكن بد من أن‬
                                                           ‫يتنبه احملقق هلذا األمر الدقيق.‬



        ‫وليس باألمر اهلني أن نؤمن بصحة نسبة أي كتاب كان إىل مؤلفه، وال سيما الكتب‬
                                                ‫ت‬
               ‫اخلاملة اليت ليست هلا شهرة، فيجب أن ُعرض هذه النسبة على فهارس املكتبات‬
           ‫واملؤلفات وكتب التراجم، لنستمد منها اليقني بأن هذا الكتاب صحيح االنتساب.‬
    ‫على أن معرفة منزلة املؤلف العلمية، مما يسعف يف التحقيق بنسبة الكتاب، ولكن بعض‬
      ‫املؤلفني تتفاوت منزلتهم العلمية اختالفاً ظاهرًا بتفاوت أعمارهم، وباختالف ضروب‬
‫التأليف اليت يعاجلوهنا، فنجد املؤلف الواحد يكتب يف صدر شبابه كتاباً ضعيفاً، فإذا علت‬
 ‫به السن وجدت بوناً شاسعاً بني يوميه، وهو كذلك يكتب يف فنٍ من الفنون قوياً مُْتقِناً،‬
                          ‫ي‬
      ‫على حني يكتب يف غريه وهو من الضعف على حال، فال يصح أن ُجعل هذا القياس‬
                                                 ‫حامساً باطراده يف تصحيح نسبة الكتاب.‬
             ‫وتعد االعتبارات التارخيية من أقوى املقاييس يف تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها،‬
         ‫فالكتاب الذي حتشد فيه أخبار تارخيية تالية لعصر مؤلفه الذي نسب إليه، جدير بأن‬
                                                        ‫ُسقط من حساب ذلك املؤلف.‬        ‫ي‬
                   ‫مؤل‬                                     ‫ي‬
‫أما حتقيق م ن الكتاب، فمعناه أن ُؤدى الكتاب أداءً صادقاً كما وضعه ِّفه كماً وكيفاً‬
     ‫بقدر اإلمكان، وليس معىن حتقيق الكتاب أن نتلمس لألسلوب النازل أسلوباً هو أعلى‬
  ‫منه، أو ُحل كلمة صحيحة حمل أخرى صحيحة بدعوى أن أوالمها أوىل مبكاهنا أو أمجل‬       ‫ن‬
           ‫أو أوفق، أو ينسب صاحب الكتاب نصاً من النصوص إىل قائل وهو خمطئ يف هذه‬
      ‫النسبة، فيبدل احملقق ذلك اخلطأ وحيل حمله الصواب، أو أن خيطئ يف عبارة خطأً حنوياً‬
                          ‫م فيبس‬
     ‫دقيقاً فيصحح خطأه يف ذلك، أو أن يوجز عبارته إجيازاً ُخالً ِّط احملقق عبارته مبا‬
                                                                             ‫يدفع اإلخالل.‬
  ‫ليس حتقيق امل ن حتسيناً أو تصحيحاً، وإمنا هو أمانة األداء اليت تقتضيها أمانة التاريخ، فإن‬
        ‫م ن الكتاب حكم على املؤلف، وحكم على عصره وبيئته، وهي اعتبارات تارخيية هلا‬
  ‫حرمتها، كما أن ذلك الضرب من التصرف عدوان على حق املؤلف الذي له وحده حق‬
                                                                            ‫التبديل والتغيري.‬



                                  ‫وقد يقال: كيف نترك ذلك اخلطأ يشيع، وكيف نعاجله؟‬
                                            ‫نب‬
 ‫إن احملقق إن فطن إىل شيء من ذلك اخلطأ، َّه عليه يف احلاشية أو يف آخر الكتاب، وبني‬
                           ‫وجه الصواب فيه، وبذلك حيقق األمانة، ويؤدي واجب العلم.‬
‫وجيب أن يستشعر احملقق احلذر الكامل يف حتقيق اآليات القرآنية، وإال يركن إىل أمانة غريه‬
                                                                ‫يف ذلك مهما بلغ قدره.‬
‫وإبقاء النص القرآين احملرف كما هو يف الصلب، فيه مزلة لألقدام، فإن خطر القرآن الكرمي‬
 ‫جيل عن أن جنامل فيه خمطئاً، أو حنفظ فيه حق مؤلف مل يلتزم الدقة فيما جيب عليه فيه أن‬
                                                                        ‫يلزم غاية احلذر.‬
  ‫واختبار النصوص القرآنية ال يكفي فيها أن نرجع إىل املصحف املتداول، بل البد فيه من‬
 ‫الرجوع إىل كتب القراءات السبع، مث العشر، مث األربع عشرة، مث كتب القراءات الشاذة،‬
                                                   ‫ت‬
   ‫ويف كتب التفسري يلجأ إىل تلك اليت ُعىن عناية خاصة بالقراءات، كتفسري القرطيب وأيب‬
                                                                                  ‫حيان.‬
         ‫وأما نصوص احلديث، فيجب أن ختترب بعرضها على مراجع احلديث، لقراءة نصها‬
                                                              ‫وخترجيها إن أمكن التخريج.‬
  ‫وهذا أيضاً هو واجب احملقق إزاء كل نص من النصوص املضمنة، من األمثال واألشعار‬
       ‫وحنوها، فيجب أن يتجه إىل مراجعها، ليستعني هبا يف قراءة النص وخترجيه إن أمكن‬
                                                                               ‫التخريج.‬
     ‫وهذا الضروب الثالثة من النصوص، هي أخطر ما جيب فيه الدقة واحلرص والتريث،‬
‫وليس معىن ذلك أن نستهني بغريها، ولكن معناه أن نبذل هلا من اليقظة، ونستشعر هلا من‬
                                                         ‫احلرص، ما يعادل خطرها البالغ.‬
      ‫إن التحقيق أمر جليل، وإنه حيتاج من اجلهد والعناية إىل أكثر مما حيتاج إليه التأليف،‬
‫وحتقيق النصوص حمتاج إىل مصابرة وإىل يقظة علمية، وإىل سخاء يف اجلهد الذي ال يضن‬
                                       ‫على الكلمة الواحدة بيوم واحد، أو أيام معدودات.‬



                                                        ‫(11)‬   ‫[5] اإلضافات الجديدة:‬
      ‫يجري تقديم النص، التعريف بالمؤلف، وبيان عصره، وما يتصل بذلك من تاريخ، وقد كان‬
                                                                      ‫ي‬
  ‫الناشرون القدماء ُعْنَوْنَ بهذا بعض العناية، وربما اقتصر جهدهم على نقل نص من كتاب معين‬
                                                       ‫ا‬
   ‫يتضمن التعريف بالمؤلف، وكثيرً ما وضعوا ذلك التعريف في صفحة العنوان أو في الخاتمة.‬
 ‫كما يقتضي كذلك عرض دراسة خاصة بالكتاب وموضوعه، وعالقته بغيره من الكتب التي تمت‬
                                                                    ‫إليه بسبب من األسباب.‬
     ‫كما ينبغي تقديم دراسة فاحصة لمخطوطات الكتاب، مقرونة بالتحقيق العلمي الذي يؤدي إلى‬
   ‫صحة نسبة الكتاب واالطمئنان إلى متنه، وجدير بالمحقق أن يشرك القارئ معه، بأن يصف له‬
                                                                           ‫عو‬        ‫الن‬
  ‫ُّسخ التي َّل عليها وصفاً دقيقاً يتناول خطها وورقها وحجمها ومدادها وتاريخها وما تحمله‬
                                               ‫ي‬
‫من إجازات وتمليكات، ويتناول كذلك كل ما ُلْقي الضوء على قيمتها التاريخية، وهو إن قرن ذلك‬
                                    ‫بتقديم بعض نماذج مصورة لها، كان ذلك أجدر به وأولى.‬
                                                                ‫ا‬
   ‫وإعداد الكتاب للطبع مهم جدً، إذ أن لهذا اإلعداد أثره البالغ في ضبط العمل وإتقانه، فاألصل‬
                                                   ‫ا‬      ‫ا‬
    ‫المعد للنشر يجب أن يكون دقيقً مراجعً تمام المراجعة، مراعى في كتابته الوضوح والتنسيق‬
   ‫الكامل، ويكون ذلك بكتابة النسخة بعد التحقيق والمراجعة بالخط الواضح الذي ال لبس فيه وال‬
                  ‫إيهام، وأن يكون مستوفياً لعالقات الترقيم، وأن يكون منظم الفقار والحواشي.‬
  ‫وينبغي معالجة تجارب الطبع، وهو فن يحتاج إلى مزاولة طويلة متنبهة إلى مزالت التصحيح،‬
      ‫واألفضل أن يتولى المحقق معالجة تجارب الطبع بنفسه، ويستحسن أن يستعان في معالجة‬
        ‫ا‬
   ‫التجربة األخيرة بعين أخرى غير عين المحقق، ألن القارئ الغريب قد يكون أيقظ نظرً وأدق‬
                                                                                ‫ا‬
                                                                               ‫انتباهً.‬




    ‫وصنع الفهارس احلديثة له املقام األول بني اإلضافات اجلديدة، إذ بدوهنا تكون دراسة‬
      ‫الكتب، وال سيما القدمية منها عسرية كل العسر، فالفهارس تفتش ما يف باطنها من‬
                                                               ‫َّهد‬
‫خفيات يصعب الت ِّي إليها، كما أهنا معيار توزن هبا صحة نصوصها، مبقابلة ما فيها من‬
                                         ‫نظائر قد تكشف عن خطأ احملقق أو سهوه.‬
   ‫وقد أصبح احلديث املعقد يف حاجة ملحة إىل اختزال الوقت، وإنفاق كل دقيق منه يف‬
                                                                        ‫األمر النافع.‬
‫وللفهارس سابقة قدمية عند العرب يف كتب الرجال والتراجم والبلدان، ومعجمات اللغة،‬
  ‫وقد اقتبس العرب من الغرب فهارس األعالم والقبائل والبلدان والشعر واأليام واألمثال‬
                                             ‫والكتب وأضافوا فيها ضروباً أخرى كثرية.‬
   ‫ولكل كتاب منهج خاص يف فهرسته دون التقيد بالطرق العامة للفهارس، وهي الطرق‬
       ‫التقليدية القدمية، واليت كانت حديثة باألمس، إذ أن الفهارس ما وضعت إال لتمكني‬
                                             ‫القارئ من أن ينتفع بالكتاب غاية االنتفاع.‬
      ‫وترتيب الفهرس مع غريه من الفهارس أمر هام، فإن املنهج املنطقي يقتضي تقدمي أهم‬
   ‫ُد‬
  ‫الفهارس وأشدها مساساً مبوضوع الكتاب، فإن كان الكتاب كتاب تراجم وتارخيا ق ِّم‬
                      ‫ُد‬                           ‫ُد‬
  ‫فيه فهرس األعالم، أو كتاب أمثال ق ِّم فهرس األمثال، أو قبائل ق ِّم فهرس القبائل ...‬
                                               ‫مرت‬
                      ‫وهكذا. مث تساق بعده سائر الفهارس َّبة حسب ترتيبها املألوف.‬
 ‫ومهما أجهد احملقق نفسه وفكره يف إخراج الكتاب، فالبد أن تفوته بعض التحقيقات أو‬
                                                   ‫ل‬
   ‫التوضيحات، أو يزل فكره أو قلمه زّة تقتضي املعاجلة. ويف باب: االستدراك والتذييل‬
‫الذي يلحق غالباً بنهاية الكتاب، جمال واسع لتدارك ما فات حمقق الكتاب أو شارحه، أو‬
                                                                                 ‫مازل‬
                                                               ‫ِّ فيه فكره أو قلمه.‬
                                   ‫[6] في خصوصية تحقيق التراث العسكري:‬
  ‫ال يختلف تحقيق التراث العسكري العربي اإلسالمي عن تحقيق سائر التراث العربي اإلسالمي‬
‫في المبادئ األساسية، ولكنه يختلف عنها في التفاصيل العامة التي فرضتها على التراث العسكري‬
    ‫طبيعته العسكرية في المصطلحات العسكرية، والمصطلحات الفقهية، والمصطلحات التعبوية،‬
    ‫ومصطلحات األسلحة المختلفة بما فيها األسلحة غير المعروفة أو غير الشائعة في هذه األيام.‬
             ‫ا ا‬
       ‫والمصطلحات العسكرية العربية في التراث العسكري، البد من شرحها شرحً وافيً، مثل:‬
       ‫التعرف، النقيب ... في أسماء الرتب، مع مالحظة أن معاني هذه المصطلحات في تطوير‬
     ‫مستمر، ويمكن اإلطالع على الرتب العسكرية وتطوريها في ((صبح األعشى )) للقلقشندي.‬
‫وكذلك في أسماء الوحدات العسكرية القديمة مثل: حضيرة، فصيلة، سرية، كتيبة، جيش، كردوس‬
                    ‫ا‬
     ‫... إلخ، فينبغي شرح هذه المصطلحات الخاصة بالوحدات العسكرية أيضً، ومعجمات اللغة‬
                                                                  ‫العربية تيسر هذا الشرح.‬
                                         ‫الس‬
  ‫وكذلك في المصطلحات التعبوية: القديمة، المؤخرة، َّاقة، الجريدة، الميمنة، الميسرة، الكمين،‬
      ‫تيس‬
 ‫الربيئة ... إلخ. فينبغي شرح هذه المصطلحات الخاصة بالقضايا التعبوية، وكتب اللغة ِّر هذا‬
                                            ‫الشرح، وعلى رأسها ((المخصص )) البن سيده.‬
  ‫وكذلك في مصطلحات أسماء األسلحة المختلفة، كالمنجنيق، والعرادة، والجوشن ... إلخ فينبغي‬
  ‫شرحها وبيان طريقة استعمالها، وتعزيز الشرح بالمخططات التوضيحية، وفي ((المخصص ))‬
       ‫ا‬
      ‫البن سيده ما يفيد في الشرح، وفي المعجمات العربية وكتب األدب ما يعين المحقق كثيرً.‬
            ‫ف ضع‬
    ‫وكذلك المصطلحات الفقهية، وخاصة في التراث الخاص بالجهاد، مثل: َر ُ َين، وفرض‬
                                                                             ‫كفاية ... إلخ.‬




‫وشروح الكتب الفقهية تفيد كثرياً يف شرح هذه املصطلحات، ولكن من الضروري إثبات‬
                 ‫والد‬
           ‫ما يقابلها يف املصطلحات العسكرية احلديثة لتوضيح معانيها للقراء َّارسني.‬
   ‫وينبغي وضع املصطلحات العسكرية احلديثة إىل جانب املصطلحات العسكرية القدمية،‬
     ‫زيادة يف الشرح، لكي يتفهم العسكري احلديث خاصة معاين املصطلحات العسكرية‬
  ‫القدمية، ويتفهمها القراء والدارسون من غري العسكريني عامة، وتكون هذه الشروح يف‬
                                                                 ‫اهلامش ال يف امل ن.‬
                                                           ‫املوح‬
       ‫واملعجم العسكري ِّد بأجزائه األربعة: عريب ـ إنكليزي، وانكليزي ـ عريب،‬
                                              ‫يقد‬
‫وفرنسي ـ عريب، وعريب ـ فرنسي. ِّم للمحقق املصطلحات العسكرية احلديثة، وهي‬
  ‫املصطلحات اليت اعتمدهتا جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية يف جامعة‬
‫الدول العربية املؤلفة من ممثل واحد لكل جيش عريب، وممثل جملمع اللغة العربية يف القاهرة،‬
     ‫وممثل للقيادة العربية املوحدة، وهي املصطلحات اليت أقرهتا جلنة من أعضاء جممع اللغة‬
   ‫العربية، فال عذر ملن ينحرف عنها أو حييد عن استعماهلا من اجليوش العربية من احملققني‬
                                                      ‫العسكريني وغري العسكريني أيضاً.‬
  ‫ومن الضروري تنظيم فهرس باملصطلحات العسكرية القدمية وما يقابلها يف املصطلحات‬
            ‫احملق‬
‫العسكرية احلديثة، ويلحق هذا الفهرس بالفهارس األخرى يف آخر الكتاب َّق، على أن‬
‫ُقدم هذا الفهرس على الفهارس األخرى يف أسبقية ترتيب الفهارس، ألمهيته بالنسبة لذلك‬     ‫ي‬
                                                                              ‫الكتاب.‬
‫تلك هي أهم ما يقتضي للمحقق االنتباه إليه يف حتقيق التراث العسكري العريب اإلسالمي.‬



                                                      ‫[9] التراث العسكري المغبون:‬
                                                       ‫ا‬
 ‫حقق كثير من العلماء األعالم كثيرً من التراث العربي اإلسالمي وأخرجوه للناس، فأسدوا للفكر‬
                 ‫ا‬           ‫ا‬    ‫ا‬                           ‫ا‬     ‫ا‬
                ‫العربي اإلسالمي أوالً خيرً كثيرً، وأسدوا للفكر العالمي ثانيً خيرً كثيراً أيضً.‬
 ‫كما أنصف هؤالء للعلماء األعالم مؤلفي التراث العربي اإلسالمي الذي حققوه وأخرجوه للناس،‬
                                                                     ‫الذ‬
    ‫فعادت أسماؤهم إلى ِّكر ثانية تحيط بها هالة من النور والتقدير والعرفان، وعاد علمهم إلى‬
                                                                         ‫ي‬
   ‫الحياة من جديد ُنتفع به ويهدي للتي هي أقوم، وكان قبل تحقيقه مغموراً أو معروفاً في نطاق‬
                                ‫ضي‬                               ‫محدود، وكان مصن‬
     ‫ِّفوه مغمورين أو معروفين في مجال ِّق عند الخاصة من العلماء وفي‬
                                                                              ‫فهارس التراث.‬
  ‫وال يزال التراث العربي اإلسالمي بحاجة ماسة إلى كثير من المحققين وإلى كثير من التحقيق،‬
                 ‫ا‬
     ‫ألن نسبة ما حقق منه بالمقارنة بكميته المعروفة الموجودة ال يزال ضئيالً جدً، وما بقي من‬
             ‫التراث العربي اإلسالمي الذي ينتظر التحقيق أضعاف ما جرى تحقيقه حتى اليوم.‬
                                                  ‫ا‬
   ‫ومن المعروف أن التحقيق أصعب كثيرً من التأليف، وصدق الجاحظ في قوله: ((ولربما أراد‬
             ‫ُر‬                                           ‫ا‬
       ‫مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفً أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من ح ِّ اللفظ‬
  ‫وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكالم )).‬
   ‫وبدون شك، ان العرب مقصرون بالنسبة لتحقيق تراثهم العظيم عامة، ولكنهم مقصرون أعظم‬
                                       ‫ي‬
  ‫التقصير بالنسبة لتراثهم العسكري العربي، الذي لم ُحقق منه غير جزء يسير للغاية، وال يزال‬
                                            ‫ماس‬
                              ‫معظمه في رفوف المكتبات والمتاحف بحاجة َّة إلى التحقيق.‬
   ‫ال‬
  ‫وبين يدي الجزء اليسير المحقق من هذا التراث، وعدده ال يتجاوز عدد أصابع اليدين إال قلي ً،‬
‫ودراسته تظهر أهمية هذا التراث األصيل، وفائدة تحقيقه للحضارة اإلسالمية والعربية والعالمية،‬
                                                           ‫ال‬
                            ‫فينبغي اإلقبال على تحقيقه إقبا ً يرفع عنه ما القاه من غبن مرير.‬
       ‫وأرى أن الجهات العسكرية المسؤولة في الدول العربية قادرة على إخراج التراث العربي‬
  ‫اإلسالمي إلى النور بالتحقيق والنشر بالتعاون مع العلماء األعالم في األقطار العربية من جهة،‬
                                   ‫وبالتعاون مع الضباط المثقفين في جيوشها من جهة أخرى.‬




       ‫ففي معهد املخطوطات التابع جلامعة الدول العربية عدد غري يسري من املخطوطات‬
  ‫العسكرية العربية اإلسالمية، تستطيع اجلهات العسكرية العربية أخذ صورها وحفظ تلك‬
           ‫أ‬
        ‫الصور يف مكتبة اجليش العامة، واختيار العلماء األعالم لتحقيق جزء منها، فإذا ُجنز‬
    ‫التحقيق تكفلت تلك اجلهات بطبع التحقيق ونشره وإخراجه كامالً للناس بشكل يسر‬
                                                                       ‫القراء والدارسني.‬
                                                       ‫حيق‬
         ‫أما اجلزء الباقي منه، فيمكن أن ِّقه طالب كليات األركان والقيادة، كجزء من‬
   ‫س‬
 ‫دراستهم العلمية العسكرية، باعتبارها رسائل الطالب اليت تقدم إىل الكليات يف هناية ِين‬
‫الدراسة، فينال الطالب عليها التقدير العلمي املتميز ما أحسنوا والتقدير العلمي غري املتميز‬
   ‫ج‬
‫ما قصروا، وحينذاك حتال املخطوطات اليت مل تستوف حقها من التحقيق إىل طالب ُدد‬
 ‫آخرين، مث يتم حتقيقها بشكل يرضي العلم والعلماء، وحينذاك تنشر املخطوطات لتكون‬
                                                   ‫جاهزة للدراسة من القراء والدارسني.‬
‫كما تستطيع اجلهات العسكرية العربية تكليف الضباط املتقاعدين املعروفني بالثقافة والعلم‬
    ‫والقدرة على التحقيق، لينهضوا بواجب حتقيق جزء من املخطوطات العسكرية العربية‬
             ‫اإلسالمية، ولن يتأخر عن هذا الواجب العلمي النافع أحد من هؤالء الضباط.‬
‫املهم أن تتحرك اجلهات العسكرية العربية املسؤولة، لتؤدي خدمة للتراث العريب اإلسالمي‬
                                                        ‫تشر‬
      ‫العريق، فإن هذه اخلدمة ِّف تلك اجلهات، وتسد ثغرة واسعة يف املكتبة العربية‬
    ‫اإلسالمية ال ينبغي أن تبقى، وترفع التقصري عن حتقيق التراث العريب اإلسالمي العريق‬
 ‫الذي تقع مسؤوليته على العسكريني أوالً، وتزيل الغنب الفاحش الذي تعانيه املخطوطات‬
                                               ‫العربية اإلسالمية الذي جيب أو يزول.‬
  ‫املهم أن تتحرك اجلهات العريب اإلسالمية واجلهات العسكرية اإلسالمية األخرى، ففي‬
  ‫احلركة بركة، والسكون عالمة من عالمات املوت، وقد طال السكون يف زمان ختطى‬
                                                  ‫السكون إىل احلركة فمىت نتحرك؟!‬



       ‫إن اجلهات العربية اإلسالمية، ال تستطيع النجاح يف حتقيق التراث العريب اإلسالمي‬
‫فحسب، بل تستطيع أن تتفوق يف هذا النجاح على سائر اجلهات غري العسكرية األخرى،‬
   ‫وقد أصبح لدى أكثر الدول العربية واإلسالمية كليات لألركان والقيادة، وأصبح لدى‬
    ‫قسم منها جامعات للدراسات العسكرية العليا، وبإمكان الضباط الطالب يف الكليات‬
    ‫واجلامعات العسكرية أن ينهضوا مبهمة حتقيق التراث العريب اإلسالمي بكفاية واقتدار،‬
                                                         ‫كما فعلوا يف دراساهتم السابقة.‬
  ‫فالبد أن يكون هلؤالء الطالب من الضباط دور فاعل مرموق يف التحقيق والنشر، أسوة‬
       ‫بغريهم من الطالب الضباط يف الدول األجنبية، وأسوة بغريهم من طالب الكليات‬
          ‫واجلامعات العربية واإلسالمية يف الوطن العريب والدول اإلسالمي بدون استثناء.‬
‫ولعل اجلهات العسكرية العربية اإلسالمية تضع هذا االقتراح موضع التنفيذ، فتفيد الطالب‬
 ‫الضباط، وتفيد الكليات واجلامعات العسكرية، وتفيد احلضارة العربية واإلسالمية، وتفيد‬
   ‫احلضارة العاملية، وترفع احليف عن تراث العرب واملسلمني العسكري، وتنصف مؤلفي‬
                                                                 ‫ت‬
     ‫ذلك التراث العظيم، وُبْقي ذكرها عالياً يف اآلفاق، فما يرفع ذكر تلك اجلهات كما‬
   ‫يرفعها العلم والعلماء، دون أن ختسر شيئاً لقاء هذه الفوائد احليوية الكثرية، ويوم تزول‬
    ‫األعراض املادية الفانية، يبقى ذكر العلماء، ويبقى العلم الذي ينفع الناس، ويبقى ذكر‬
                                         ‫الذين أحيوا هذا العلم ونشروه حياً من التراث.‬
                                                                                    ‫***‬
                                                                              ‫الفصل الخامس‬
                                           ‫اللغة العسكرية العربية واللغات العسكرية اإلسالمية‬

                                                                 ‫[1] العربية الفصحى:‬
     ‫كانت العربية الفصحى، نقية من شوائب األلفاظ الدخيلة حتى اختلط العرب بالعجم في الفتح،‬
‫فسكن قسم من العرب البالد المفتوحة، وسكن قسم من غير العرب البالد العربية، فشحنت العربية‬
             ‫ا‬
            ‫الفصحى باأللفاظ الدخيلة وشاع اللحن بين العرب، ولم يكن قبل هذا االختالط شائعً.‬
 ‫ولكن اللغة العربية الفصحى كانت سائدة على اللغات األخرى ألسباب كثيرة، أهمها: أن الفصحى‬
    ‫لغة القرآن الكريم ، فهي لغة اإلسالم، إضافة إلى أنها لغة العرب، وكما أن القرآن الكريم هو‬
                                                             ‫ا‬
     ‫كتاب اإلسالم األول، فهو أيضً كتاب العربية األول، كما أن العربية الفصحى لغة الفاتحين،‬
‫والمغلوب يقلد الغالب في كل شيء حتى في لغته، لكسب عطفه والتقرب منه والتعاون معه، ثم إن‬
‫العربية الفصحى لغة حية اشتقاقية غنية بالمفردات، تستعين بها اللغات األخرى في تغطية حاجتها‬
                                                         ‫من مفردات العلوم واآلداب والفنون.‬
                                                      ‫ٍ‬
   ‫وظلت سيادة العربية الفصحى في مد عارم حتى سنة اثنتين وثالثين ومائة الهجرية (749م )،‬
   ‫حيث مضى عهد الدولة األموية وبدأ عهد الدولة العباسية، فأخذت المفردات الدخيلة تتكاثر في‬
             ‫د‬                ‫َ‬                                  ‫د‬
      ‫العربية الفصحى، وتوالى الع ّ التنازلي في المد العارم باتجاه الجزْر، فانتهى الم ّ سنة ست‬
 ‫وخمسين وستمائة الهجرية (1521م ) بانهيار الدولة العباسية وسقوط بغداد في أيدي التتار، وبدأ‬
   ‫الجزر بتغلب العنصر غير العربي على البالد العربية، فطعموا اللغة العسكرية العربية باللغات‬
                           ‫األجنبية: الفارسية والتركية وغيرهما من اللغات األعجمية األخرى.‬




  ‫وإذا كانت الفصحى ظلت سيدة يف اجملاالت العلمية واألدبية والفنية، ألهنا أصبحت لغة‬
‫احلضارة ولغة الدين معاً، حىت بعد سقوط بغداد يف أيدي التتار، ال تستطيع لغة من اللغات‬
‫األخرى منافستها يف سيادهتا املطلقة يف تلك اجملاالت، إال أن اللغة العسكرية العربية تأثرت‬
 ‫كثرياً باللغات األجنبية، فأصبحت املصطلحات العسكرية األجنبية تتغلغل يف املصطلحات‬
        ‫العسكرية العربية بالتدريج، كما يتضح ذلك جلياً يف املصادر العربية املعتمدة كـ‬
    ‫((النجوم الزاهرة، وهناية األرب، وصبح األعشى )) حيث نقرأ كثرياً من املصطلحات‬
   ‫العسكرية األجنبية تغزو املصطلحات العسكرية العربية وتستويل على مكاهنا ومكانتها،‬
     ‫ألهنا لغة احلكام اجلدد من غري العرب الذين كانوا من العسكريني غالباً، استولوا على‬
‫احلكم بالقوة العسكرية ال بالفكر احلضاري، فكان البد هلم أن يفرضوا لغتهم األجنبية يف‬
                                                    ‫مصطلحاهتا على اللغة العربية الفصحى.‬
  ‫ويف القرن العاشر اهلجري (السادس عشر امليالدي )، أصبحت الدولة العثمانية مسيطرة‬
                     ‫على البالد العربية، وأصبحت البالد العربية جزءاً من الدولة العثمانية.‬
  ‫ويف سنة ثالث وعشرين وتسعمائة اهلجرية (9151م )، استوىل العثمانيون على مصر،‬
    ‫فرأى السلطان العثماين سليم الفاتح أن يستويل على اخلالفة اإلسالمية، فأصبح خليفة‬
                  ‫املسلمني بعد خلع حممد املتوكل على اهلل آخر اخللفاء العباسيني يف مصر.‬
        ‫وكان من نتائج احلكم العثماين للبالد العربية، أن اللغة التركية أصبحت لغة التعليم‬
      ‫الرمسي، فسادت املصطلحات العسكرية التركية على املصطلحات العسكرية العربية،‬
‫وأصبح العسكريون العرب يتلقون تدريبهم العسكري باللغة التركية، ويتعلمون يف املدارس‬
                                             ‫العسكرية التركية، ويعملون يف اجليش التركي.‬



   ‫وحني توىل اخلديوي حممد علي مصر سنة عشرين ومائتني وألف اهلجرية (5111م )،‬
    ‫بذل جهده ليبين اجليش املصري على أسس عصرية، فأسس مدرسة إعدادية عسكرية،‬
     ‫وأنشأ مدرسة للطب خترج األطباء العسكريني إحدى وأربعني ومائتني وألف اهلجرية‬
     ‫(5211م )، وأوفد البعثات العسكرية إىل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وبذلك استطاع‬
     ‫تطوير اجليش املصري من الناحيتني التدريبية والتنظيمية، ولكنه مل يستطع تطويره من‬
        ‫الناحية اللغوية، إذ كانت اللغة التركية هي لغة التدريب والتعليم يف مدارس اجليش‬
                                                                 ‫وقطاعاته العسكرية.‬
‫ويف سنة ست وأربعني ومائتني وألف اهلجرية (1311م )، احتل الفرنسيون اجلزائر، كما‬
 ‫احتلوا ُونس سنة تسع وتسعني ومائتني وألف اهلجرية (1111م )، واملغرب سنة إحدى‬  ‫ت‬
    ‫وثالثني وثالمثائة وألف اهلجرية (2171م )، واحتل اإلنكليز مصر سنة ثالمثائة وألف‬
  ‫اهلجرية (2111م )، واحتل اإليطاليون ليبيا سنة تسع وعشرين وثالمثائة وألف اهلجرية‬
‫(1171م )، فاضمحلت اجليوش العربية احمللية، وبقي يف مصر جيش صوري، ويف املغرب‬
                            ‫جيش رمزي، للمراسيم واالحتفاالت وللحراسات الداخلية.‬
         ‫هذا االستعمار األجنيب، أشاع املصطلحات العسكرية الفرنسية يف اجلزائر وتونس‬
 ‫واملغرب، وأشاع املصطلحات العسكرية اإليطالية يف ليبيا، وأشاع املصطلحات العسكرية‬
                                                                  ‫اإلنكليزية يف مصر.‬
‫ولكن عمق جذور املصطلحات العسكرية التركية يف البالد العربية كافة، جعلها تثبت أمام‬
           ‫الغزو الفكري اجلديد وتبقى سائدة على املصطلحات العسكرية العربية القدمية،‬
  ‫واملصطلحات العسكرية األجنبية اجلديدة، ألن الدولة العثمانية كانت مسيطرة على تلك‬
                        ‫البالد سيطرة زمنية وسيطرة دينية منذ أكثر من أربعة قرون خلت.‬



   ‫وبعد الحرب العالمية األولى، أصبحت أكثر الدول العربية خاضعة لالستعمار الغربي، فبدأ مد‬
‫المصطلحات العسكرية الغربية يطغى على العسكريين في هذه األقطار، وأصبحت اللغة العسكرية‬
   ‫العربية مطعمة بالمصطلحات العسكرية التركية وبالمصطلحات العسكرية الفرنسية في الجزائر‬
   ‫وتونس والمغرب وسورية ولبنان، وبالمصطلحات العسكرية التركية وبالمصطلحات العسكرية‬
      ‫البريطانية في مصر والعراق والسودان واألردن وفلسطين وإمارات الخليج العربي واليمن‬
         ‫الجنوبي، وبالمصطلحات العسكرية التركية وبالمصطلحات العسكرية اإليطالية في ليبيا.‬
‫وهكذا تلوثت المصطلحات العربية بالمصطلحات العسكرية األجنبية بتأثير الدول غير العربية التي‬
    ‫غزت البالد العربية في القرون القريبة والبعيدة، ولم تبق اللغة العسكرية العربية نقية ال يكدر‬
    ‫صفوها ألفاظ دخيلة، بل اختلطت األلفاظ العسكرية العربية األصيلة باأللفاظ األجنبية الدخيلة،‬
                                               ‫فوجب التخلص من الدخيل واالحتفاظ باألصيل.‬

                                      ‫[2] تناقض المصطلحات العسكرية العربية:‬
   ‫أصبح للدول العربية كافة جيوش عربية وقوات مسلحة، بعد أن كان لمصر والمغرب وحدهما‬
                                ‫جيش خاص بكل دولة منهما دون سائر الدول العربية األخرى.‬
     ‫وبدأ قسم من الدول العربية يترجم المصطلحات العسكرية األجنبية إلى مصطلحات عسكرية‬
    ‫عربية قبل أن يرحل االستعمار عن بالدها وتنال استقاللها، وبقي قسم آخر من الدول العربية‬
 ‫ينتظر رحيل االستعمار ليضع مصطلحات العسكرية العربية، وبصورة عامة تصاعدت محاوالت‬
‫العودة إلى العربية الفصحى في القوات المسلحة العربية بعد رحيل االستعمار عنها ـ عدا سورية‬
 ‫والعراق ـ فقد كان نشاطهما قبل رحيل االستعمار عنهما في تطهير المصطلحات العسكرية من‬
 ‫الكلمات األجنبية الدخيلة وإقرار المصطلحات العسكرية العربية، أما بقية الدول العربية األخرى،‬
          ‫فقد ظهر نشاطها اللغوي الخاص بالمصطلحات العسكرية بعد رحيل االستعمار ال قبله.‬
‫إن بقاء طائفة من املصطلحات العسكرية التركية أو اإلنكليزية أو الفرنسية أو اإليطالية أو‬
      ‫األمريكية، أثر من آثار االستعمار الفكري البغيض، ألن القوات املسلحة اليت ال تزال‬
  ‫تستعمل تلك املصطلحات األجنبية يف قواهتا املسلحة العربية، تتذكر دائماً استعمار تلك‬
  ‫الدول لبالدها، وال تنسى أهنا كانت خاضعة للدول األجنبية يف يوم من األيام، كما أهنا‬
   ‫باستعماهلا تلك املصطلحات العسكرية األجنبية تقر بتفوق جيوش الدول األجنبية عليها‬
    ‫حىت يف لغاهتا، وكل ذلك يؤثر أسوأ األثر يف معنويات اجليوش العربية، وال نصر جليش‬
                                           ‫مزعزع املعنويات وال يتحلى باملعنويات العالية.‬
            ‫ولكن وضع املصطلحات العسكرية العربية مبحاوالت كل جيش عريب أن يضع‬
 ‫املصطلحات العسكرية العربية اخلاصة به، دون أن ينسق مصطلحاته مبصطلحات اجليوش‬
       ‫العربية الشقيقة، أدى إىل ظهور مشكلة لغوية حقيقية، هي أن اللغة العربية الفصحى‬
    ‫الواحدة، أصبحت متناقضة بالنسبة للمصطلحات العسكرية العربية، وأصبح كل جيش‬
‫عريب لدولة عربية ال يستطيع التفاهم مع جيش عريب شقيق لدولة عربية أخرى، أو يصعب‬
         ‫عليها التفاهم على أقل تقدير، ألن لغته العسكرية ختتلف اختالفاً كبرياً عن اللغات‬
                                                       ‫العسكرية للجيوش العربية األخرى.‬
     ‫وأذكر أن وفداً عسكرياً من إحدى دول املشرق العريب قدم العراق سنة أربع وسبعني‬
       ‫وثالمثائة وألف اهلجرية (4571م ) يف زيارة رمسية ملقرات ومؤسسات وتشكيالت‬
  ‫عسكرية للجيش العراقي، وكان يف منهاج ذلك الوفد العسكري الشقيق زيارة وحدات‬
   ‫عسكرية يف مدينة (املوصل )، وكنت حينذاك آمراً إلحدى الوحدات العسكرية هناك،‬
     ‫فلم أستطع ومل يستطع قادة الوحدات األخرى التفاهم مع ذلك الوفد إال بلغة أجنبية.‬
 ‫وقد زرت وحدات وتشكيالت ومقرات ومؤسسات عسكرية يف قسم من الدول العربية‬
               ‫الشقيقة، فلم أستطع فهم معاين كثري من مصطلحاهتا العسكرية إال بصعوبة.‬
   ‫ولكي ندرك مدى التناقض الكبري بني ألفاظ املصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية،‬
  ‫أضرب مثالً باملصطلحات العسكرية لسالح صغري من األسلحة اخلفيفة هو: (الغدارة )،‬
 ‫كما نطلق عليه يف العراق و (الرشاش الصغري )، كما يطلقون عليه يف مصر، لكي نقارن‬
 ‫بني قسم من أمساء أجزائها يف اجليش العراقي بأمساء تلك األجزاء بأعياهنا يف جيش مصر،‬
   ‫ويف الستينات من القرن العشرين امليالدي، لتصوير فكرة واضحة عن البون الشاسع يف‬
 ‫املصطلحات العسكرية بني اجليشني العربيني الشقيقني، مع أن هذه املصطلحات يف هذين‬
‫اجليشني هي أقل اختالفاً عند مقارنتها باملصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية األخرى:‬
    ‫هذا التناقض يف ألفاظ املصطلحات العسكرية، يشمل أنواع األسلحة اخلفيفة األخرى،‬
   ‫وأنواع املدافع، ويشمل مصطلحات الرمي اخلاصة باألسلحة اخلفيفة واملتوسطة والثقيلة‬
      ‫وأنواع ذخريهتا، كما يشمل مصطلحات صنوف اجليش: كاملشاة واخليالة والدروع‬
 ‫واملدفعية واهلندسة واإلشارة والقوة اجلوية والقوية النهرية والقوة البحرية، ويشمل كذلك‬
      ‫مصطلحات اخلدمات اإلدارية كاملرية والتموين والعينة والنقلية اآللية ونقلية الدواب،‬
           ‫واهلندسة اآللية الكهربائية، ويشمل أيضاً أجزاء السيارات واملدرعات والدبابات‬
     ‫والطائرات والسفن والبواخر والبوارج وحامالت الطائرات وأدواهتا االحتياطية، كما‬
 ‫يشمل أمساء الرتب واملناصب والوحدات والتشكيالت واملقرات العسكرية، ومصطلحات‬
                                                      ‫والس‬
 ‫التدريب والتعبية (‪َّ ، Tactlcs‬وْق‪ ،) Styategy‬وواجبات األركان وصفحات‬
                                                                                  ‫القتال.‬
         ‫وكل هذه املصطلحات تتناقض أشد التناقض يف اجليوش العربية الشقيقة .. (11)‬



                         ‫[3] محاوالت توحيد المصطلحات العسكرية العربية:‬
                                                    ‫ا‬
    ‫(أ) قطعت الجيوش العربية شوطاً بعيدً نحو ترجمة المصطلحات العسكرية األجنبية إلى اللغة‬
    ‫العربية الفصحى أو اللغة غير الفصحى أحياناً، فبذل كل جيش عربي جهوداً مشكورة لترجمة‬
‫مصطلحاته العسكرية داخل نطاق جيشه، معتمداً على مصطلحات قسم من الجيوش العربية وعلى‬
                                                        ‫معلومات رجاله اللغوية والعسكرية.‬
    ‫لقد كانت المصطلحات العسكرية مختلفة أشد االختالف في نطاق كل جيش عربي، وكان هذا‬
  ‫االختالف أمراً طبيعياً، ألن الجيوش العربية الحديثة ولد أكثرها بعد نيل استقاللها، فكانت النواة‬
                   ‫ا‬                 ‫ُر‬
      ‫األولى لكل جيش عربي حديث عبارة عن ضباط ومراتب د ِّبوا تدريباً أجنبيً بلغة أجنبية:‬
                  ‫تركية، أو انكليزية، أو فرنسية، أو إسبانية، أو إيطالية، أو أمريكية أو روسية.‬
  ‫ولعل أهم ثمرة من ثمرات ترجمة المصطلحات العسكرية األجنبية داخل جيش عربي في نطاق‬
                            ‫قطري، هو تأليف عدة معجمات عسكرية عربية، أهمها خمسة هي:‬
                                                ‫المعجم العسكري العراقي (إنكليزي ـ عربي ).‬
                       ‫والمعجم العسكري السوري (فرنسي ـ عربي ) و (إنكليزي ـ عربي ).‬
                                                ‫والمعجم العسكري اللبناني (فرنسي ـ عربي ).‬
                       ‫والقاموس العسكري المصري (إنكليزي ـ ألماني ـ فرنسي ـ عربي ).‬
                                       ‫والمعجم العسكري الفني المصري (إنكليزي ـ عربي ).‬
          ‫وهناك معجمات عسكرية عربية مخطوطة، لم تر النور حتى اليوم، فال مجال لذكرها.‬
  ‫والمعجم العسكري العراقي (إنكليزي ـ عربي )، يؤخذ عليه أن مصطلحاته العسكرية قديمة قد‬
         ‫تصلح لجيش في األربعينيات من هذا القرن، ولكنه ال يصلح لجيش حديث متطور. ألن‬
                                   ‫الذ‬
           ‫المصطلحات العسكرية الحديثة تنقصه، مثل مصطلحات: َّرة واألجهزة األلكترونية،‬
                               ‫ومصطلحات الحرب الكيماوية، ومصطلحات الحرب الجرثومية.‬
‫أما المعجم العسكري السوري، فهو لسورية ومصر في األصل، وسنتكلم عنه بعد قليل في الحديث‬
                                                                       ‫عن المعجمات الموحدة.‬




 ‫أما املعجم العسكري اللبناين (فرنسي ـ عريب )، فيؤخذ عليه اقتصاره على املصطلحات‬
 ‫العسكرية البحتة، وعدم مشوله مصطلحات العلوم اليت هلا عالقة باملصطلحات العسكرية.‬
     ‫كما يؤخذ عليه، أن مصطلحاته قدمية ال تشمل املصطلحات الفنية العسكرية احلديثة‬
                      ‫كمصطلحات األسلحة النووية والتعابري العسكرية العلمية احلديثة.‬
    ‫مث يؤخذ عليه أيضاً، أن لغته مدنية عليها طابع اللغة األدبية اليت هتتم بالكلمات الغربية‬
     ‫احلوشية، على حني أن اللغة العسكرية لغة علمية، حترص على الوضوح والبساطة يف‬
                                                                                   ‫التعبري.‬
   ‫ويف النهاية يؤخذ على هذا املعجم العسكري اللبناين، أنه يضم ألفاظاً عامية مثل: أنبار،‬
                                          ‫وألفاظاً أخرى منحوتة مثل: اجملوقل، للنقل جواً.‬
       ‫أما القاموس العسكري املصري، فمما يؤخذ عليه أنه مرتب حسب احلروف األجبدية‬
  ‫اإلنكليزية، لذلك فمن الصعوبة أن يستفيد من املترجم الفرنسية إىل العربية أو من األملانية‬
                                                                                    ‫إىل العربية.‬
     ‫ومما يؤخذ على هذا املعجم خلوه من املصطلحات العسكرية احلديثة، كما يؤخذ عليه‬
                                                    ‫مسو‬
                                                 ‫وجود كثري من الكلمات التركية دون ِّغ.‬
‫ومما يؤخذ عليه جلوء واضعيه إىل التعريب لضرورة ولغري ضرورة، وكثرة األخطاء اإلمالئية‬
                                                                                  ‫واللغوية فيه.‬
   ‫أما املعجم العسكري الفين املصري، فمما يؤخذ عليه إغارقه يف الكلمات الغربية الصعبة‬
 ‫اليت ال يستسيغها العسكريون بسهولة ويسر، مما يدل على سيطرة املدنيني على العسكريني‬
                                                                              ‫يف إعداد املعجم.‬
                                               ‫كما يؤخذ عليه إغراقه يف التعريب دون مسوغ.‬
‫(ب) ولْعل أهم حماوالت توحيد املصطلحات العسكرية يف نطاق جيشني عربيني فحسب،‬
                   ‫ال‬
          ‫مها: حماولة توحيد املصطلحات العسكرية اجليشني السوري واملصري أو ً، وحماولة‬
             ‫توحيدها بني اجليشني املصري والعراقي ثانياً وقد ذكرت هاتني احملاولتني مبوجب‬
                                ‫تسلسلهما الزمين، إذ جرت احملاولة األوىل قبل احملاولة الثانية.‬



     ‫فقد أعدت املعجم العسكري السوري (انكليزي ـ عريب ) و(فرنسي ـ عريب ) جلنة‬
‫خمتلطة من سورية ومصر إلعداد معجم عسكري جليش اجلمهورية العربية املتحدة، فبدأت‬
   ‫عملها سنة تسع وسبعني وثالمثائة وألف اهلجرية(7571م )، وصدر املعجم بعد احلركة‬
‫االنفصالية بني سورية ومصر، مما أدى إىل عدم التزام اجليش املصري هبذا املعجم، والتزم به‬
                                                   ‫اجليش السوري وحده، وهلذا أطلق عليه:‬
                                                                  ‫املعجم العسكري السوري:‬
     ‫ومما يؤخذ على هذا املعجم، أنه يضم طائفة من الكلمات العامية، مثل: كميون، وهي‬
                                                  ‫كلمة فرنسية أطلقت على سيارة الشحن.‬
 ‫كما أن من مصطلحاته ما ال يعرب عن املعىن املقصود يف األصل األجنيب تعبرياً دقيقاً، فمثالً‬
 ‫مصطلحاً (‪ ، ) Military Report‬ترجم يف املعجم العسكري السوري بـ: (نشرة‬
‫حربية )، يف حني أن معناه: (تقرير عسكري )، والفرق كبري بني (النشرة )، وبني (التقرير‬
                                                                  ‫) من الناحية العسكرية.‬
‫كما يؤخذ عليه كثرة املترادفات للكلمة الواحدة اليت جيب أن يكون هلا معىن واحد، فكان‬
       ‫الواجب يقضي بوضع مصطلح عسكري عريب واحد، للمصطلح األجنيب العسكري‬
                               ‫الواحد، يفي باملقصود متاماً، حيول دون االرتباك وااللتباس.‬
          ‫ومما يؤخذ عليه كذلك، ميله إىل الكلمات احلوشية اجلاسية يف بعض املصطلحات‬
  ‫العسكرية، وكان من األفضل استعمال الكلمات البسيطة السهلة اخلالية من التعقيد، ألن‬
                                                               ‫اللغة العسكرية لغة علمية.‬
‫أما املعجم العسكري العراقي املوحد، فقد أعدته جلنتان عسكريتان: جلنة عسكرية عراقية،‬
 ‫وجلنة عسكرية مصرية، تنقلتا بني القاهرة وبغداد خالل سنة مخس ومثانني وثالمثائة وألف‬
       ‫اهلجرية (5671م )، وصدر هذا املعجم بعد طبعه يف مطابع اجليش العراقي يف تلك‬
                                                                                   ‫السنة.‬



 ‫والذي يؤخذ على هذا املعجم، أن إعداده اقتصر على الضباط فقط، وكان من الضروري‬
‫أن يشارك يف إعداده أعضاء اجملامع اللغوية والعلمية، إلمكان تفادي األخطاء اللغوية أوالً،‬
    ‫وإلعطاء املعجم قوة لغوية جتعل له قيمة ال غبار عليها يف البالد العربية كافة من الناحية‬
                                                                                   ‫اللغوية.‬
‫كما يؤخذ عليه أيضاً، أن القيادة العربية املوحدة مل تشارك يف إعداده، وكانت يومئذ على‬
   ‫قيد احلياة، فكان من الواجب أن يكون بني أعضاء جلنيت إعداده عضو من القيادة العربية‬
    ‫املوحدة، حىت يأخذ هذا املعجم معىن الشمول، وتعترف به الدول العربية كافة، وتعمل‬
                                                                  ‫على تطبيقه يف جيوشها.‬
          ‫يبو‬
‫ويؤخذ على تنظيم املعجم العسكري العراقي املوحد كذلك، أنه كان جيب أن َّب على‬
         ‫حسب ترتيب حروف اهلجاء االنكليزية أسوة باملعجمات العسكرية األخرى وغري‬
       ‫العسكرية أيضاً، مث تنظم مفردات املصطلحات العسكرية يف هناية املعجم على حسب‬
  ‫أسلحة اجليش وأقسامه اإلدارية. وهذا األسلوب جيعل أمر استخراج املصطلح العسكري‬
            ‫مسو‬
     ‫املطلوب سهالً هيناً سريعاً وحيول دون تكرار املصطلحات العسكرية دون ِّغ هلذا‬
                                                                                ‫التكرار.‬
        ‫على أنه يؤخذ عليه باإلضافة إىل ذلك، أن الذين نظموه كتبوا عناوين املصطلحات‬
   ‫اإلنكليزية باللغة اإلنكليزية فوق عناوين املصطلحات العربية مباشرة، وليس من املناسب‬
    ‫أن يعلو التعبري األجنيب على التعبري العريب يف معجم صدر يف بلد عريب يرمي إىل توحيد‬
                                               ‫املصطلحات العسكرية يف البالد العربية.‬
                             ‫وأخرياً يؤخذ عليه خلوه من املصطلحات العسكرية احلديثة.‬
  ‫وقد كان باإلمكان تاليف هذه املآخذ كلها على املعجم العسكري املوحد، لتشمل فائدته‬
                    ‫موح‬             ‫موح‬
                ‫املرجوة جيوش العرب كلها، فيكون حبق معجماً ِّداً ال معجماً َّداً.‬
          ‫وللتاريخ نذكر أن مصر مل تلتزم هبذا املعجم على الرغم من مشاركتها يف إعداده!‬
     ‫وعلى كل حال، فهذا املعجم خطوة موفقة إىل حدٍ ما على طريق توحيد املصطلحات‬
                                                                      ‫العسكرية العربية.‬



         ‫ومن حماوالت توحيد املصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية: نشرة املصطلحات‬
    ‫العسكرية املوحدة اليت أصدرهتا القيادة العربية املوحدة سنة مخس ومثانني وثالمثائة وألف‬
      ‫اهلجرية (5671م )، واليت حتتوي على (512 ) مصطلحاً عسكرياً يف أربع وعشرين‬
  ‫صفحة من القطع الكبري، مكتوبة باآللة الناسخة، وقد وزعت على جيوش الدول العربية.‬
  ‫ولكن مصطلحات هذه النشرة، ختتلف عن مصطلحات املعجم العسكري العراقي املوحد‬
   ‫الذي أعدته جلنتان عسكريتان: جلنة من مصر، وجلنة من العراق، مما يدل على أن القيادة‬
                                     ‫العربية املوحدة مل تكن على علمٍ بإعداد هذا املعجم.‬
            ‫وقد أعدت هذه النشرة جلنة من ضباط القيادة العربية املوحدة، وهي تشمل على‬
‫املصطلحات العسكرية الرئيسة اليت يكثر التخاطب هبا يف اجليوش العربية، خاصة يف إصدار‬
                                                                        ‫األوامر العسكرية.‬
         ‫موح‬             ‫موح‬           ‫املوح‬
     ‫وقد كان من املمكن أن تصدر القيادة العربية َّدة معجماً ِّداً ال نشرة َّدة،‬
 ‫ولكن ظروفها وقلة الضباط القادرين على إصدار هذا املعجم بني منتسبيها وضيق الوقت‬
                                      ‫املوح‬
                                    ‫حال بينها وبني إصدارها املعجم العسكري َّد.‬
  ‫ومما يؤخذ على هذه النشرة، اقتصارها على عدد حمدود من املصطلحات العسكرية، ال‬
                                                       ‫تكاد تغين وال تسمن من جوع.‬
   ‫كما يؤخذ عليها أن إعدادها اقتصر على عدد قليل من ضباط القيادة العربية املوحدة،‬
                                 ‫وعدم االستعانة بأعضاء جممع اللغة العربية يف إعدادها.‬
 ‫كذلك يؤخذ عليها، أن مصطلحاهتا ال تتفق مع املصطلحات العسكرية الشائعة يف أكثر‬
                             ‫اجليوش العربية، مما أدى إىل عدم استعماهلا يف تلك اجليوش.‬



                                              ‫[4] إخفاق المحاوالت والمعجمات:‬
‫(أ) بذلت جهود كثيرة لتوحيد المصطلحات العسكرية للجيوش العربية، ولكن تلك المحاوالت باءت‬
                                                                    ‫كلها باإلخفاق الذريع.‬
‫فقد عقدت اجتماعات عديدة بين لجان عسكرية من الجيشين الشقيقين المصري والعراقي في أكثر‬
‫من محاولة لتوحيد المصطلحات العسكرية في الجيشين الشقيقين، وكان آخر اجتماع لممثلي هذين‬
    ‫الجيشين سنة خمس وثمانين وثالثمائة وألف الهجرية (5671م )، أثمر عن المعجم العسكري‬
                               ‫الموحد، ولكن جيوش الدول العربية وجيش مصر لم تلتزم به.‬
     ‫وعقدت اجتماعات بين لجان عسكرية في جيشي اإلقليمين السوري والمصري من سنة تسع‬
    ‫وسبعين وثالثمائة وألف الهجرية (7571م ) إلى سنة إحدى وثمانين وثالثمائة وألف الهجرية‬
 ‫(1671م ) إبان الوحدة بين مصر وسورية، فكان من ثمراتها صدور المعجم العسكري السوري،‬
                              ‫ا‬
                             ‫ولكن جيوش الدول العربية ومنه جيش مصر لم تلتزم بها أيضً.‬
    ‫وحاولت اللجنة العسكرية الدائمة في جامعة الدول العربية سنة ثالث وسبعين وثالثمائة وألف‬
                                      ‫الهجرية (3571م ) توحيدها، ولكنها عجزت عن ذلك.‬
  ‫وحاولت تلك اللجنة العسكرية الدائمة بطلب من أمين جامعة الدول العربية أكثر من مرة توحيد‬
      ‫المصطلحات العسكرية للجيوش العربية وإصدار معجم عسكري موحد، ولكنها لم تنجح في‬
                                                                              ‫محاوالتها.‬
                                                           ‫وحاولت القيادة العربية الموح‬
 ‫َّدة توحيد الحد األدنى من المصطلحات العسكرية للجيوش العربية،‬
     ‫فأصدر نشرتها سنة خمس وثمانين وثالثمائة وألف الهجرية (5671م )، ولكن جيوش الدول‬
                                               ‫توح‬
‫العربية لم تلتزم حتى بهذه النشرة التي ِّد الحد األدنى من المصطلحات العسكرية لهذه الجيوش‬
                                                                                   ‫العربية!‬
  ‫وهكذا أخفقت كل تلك المحاوالت التي بذلت لتوحيد المصطلحات العسكرية العربية، والتي بدأت‬
                                                                          ‫ن‬
  ‫من سنة ثما ٍ وستين وثالثمائة وألف الهجرية (1471م ) في ظل جامعة الدول العربية، وانتهت‬
      ‫في سنة خمس وثمانين وثالثمائة وألف الهجرية (5671م ) في ظل القيادة العربية الموحدة.‬




‫(ب) كما أخفقت معظم املعجمات العسكرية العربية اليت أصدرهتا اجليوش العربية يف أداء‬
 ‫رسالتها بإقرار املصطلحات العسكرية العربية اليت ال تشوهبا شائبة العجمة داخل جيوشها‬
                                    ‫وتوحيد املصطلحات العسكرية يف جيوش الوطن العريب.‬
‫وان تعدد املعجمات العسكرية وحماولة كل جيش عريب ال ميلك معجماً عسكرياً أن يكون‬
    ‫له معجم عسكري خاص به، عامالً من عوامل تناقض املصطلحات يف اجليوش العربية.‬
 ‫فقد كان املفروض أن يقتبس واضعو املعجمات العسكرية اجلديدة املصطلحات العسكرية‬
                                             ‫ل‬
      ‫العربية القدمية اليت أقرهتا اجليوش العربية من قب ُ، ما كان عربية سليمة ال غبار عليها،‬
    ‫ولكن هؤالء يف أغلب األحيان وقفوا موقف الناقد لتلك املصطلحات العسكرية القدمية‬
  ‫باحلق أو بالباطل، واجتهدوا أن يضعوا بأنفسهم مصطلحات عسكرية جديدة، حىت ولو‬
        ‫كانت املصطلحات العسكرية القدمية باعتراف هؤالء اجملتهدين اجلدد، متينة يف بناها‬
                                                                         ‫رصينة يف معناها.‬
                         ‫وأسباب إخفاق املعجمات العسكرية العربية يف إداء رسالتها كثرية.‬
         ‫من هذه األسباب: اقتصار وضع املصطلحات العسكرية العربية على العسكريني من‬
      ‫الضباط وحدهم يف قسم من اجليوش العربية، مما أدى إىل أن تكون تلك املصطلحات‬
                                                ‫العسكرية العربية ضعيفة من الناحية اللغوية.‬
‫ومنها: تأليف جلان يف قسم من اجليوش العربية يغلب عليها طابع علماء اللغة، مما أدى إىل‬
         ‫أن تكون املصطلحات ضعيفة من الناحية العسكرية، فيها كثري من املفردات األدبية‬
              ‫واأللفاظ العربية الصعبة اليت عفى عليها الدهر وأصبحت قليلة االستعمال.‬
    ‫مث أيضاً من هذه األسباب: اقتصار اللجان على ممثلي جيشني عربيني، مما أدى إىل عدم‬
              ‫التزام الدول العربية األخرى اليت مل تشارك يف إعداد املعجم العسكري به.‬
 ‫ويضاف إليها: إغفال متثيل القيادة العربية املوحدة يف جلان توحيد املصطلحات العسكرية‬
    ‫بني جيشني عربيني، مما أدى إىل إعطاء تلك املصطلحات العسكرية العربية صفة حملية‬
                                          ‫ضيقة وحرماهنا من الصفة العربية الشاملة.‬



  ‫ثم كذلك: إغفال إشراف جامعة الدول العربية على لجان توحيد المصطلحات العسكرية العربية،‬
                                  ‫ا‬
                                 ‫مما أدى إلى حرمانها من الصفة العربية الشاملة عليها أيضً.‬
                                                                             ‫ا‬
  ‫ومنها أيضً: إغفال تمثيل المجامع اللغوية في لجان توحيد المصطلحات العسكرية العربية، مما‬
‫حرمها من القوة اللغوية التي يمكن أن تضيفها المجامع اللغوية على المعجمات العسكرية العربية.‬
   ‫ا‬                              ‫م َب و َب‬
   ‫كما أن ترك وضع المصطلحات العربية لكل َنْ ه َّ َد َّ، يزيد المصطلحات العربية تناقضً‬
                                                                                 ‫ا‬
                                                                                ‫واختالفً.‬
                        ‫لذلك كان البد من اتخاذ تدابير جديدة أخرى، تضع األمور في نصابها.‬

                                     ‫[5] توحيد المصطلحات العسكرية العربية:‬
                                                                     ‫(أ) خالصة الدروس:‬
       ‫كانت الدروس المكتسبة من أسباب إخفاق محاوالت توحيد المصطلحات العسكرية العربية‬
 ‫للجيوش العربية كافة، وإخفاق المعجمات العسكرية المطبوعة في تطهير المصطلحات العسكرية‬
‫العربية من المصطلحات العسكرية األجنبية الدخيلة، وفي أن تخرج من نطاقها القطري إلى نطاق‬
                                                          ‫ا‬
 ‫الوطن العربي، تخالج كثيرً من عقول الضباط خاصة، وغير الضباط عامة من المعنيين بتطهير‬
       ‫المصطلحات العسكرية العربية من المصطلحات العسكرية الدخيلة، وبتوحيد المصطلحات‬
                              ‫موح‬
‫العسكرية للجيوش العربية، وبإصدار معجمات عسكرية ِّدة تجمع مصطلحات الجيوش العربية‬
                                                                     ‫كافة على كلمة سواء.‬
‫وفي مؤتمر مجمع اللغة العربية المصري والمجمع العلمي العراقي الذي عقد في بغداد سنة خمس‬
  ‫وثمانين وثالثمائة وألف الهجرية (من 12 تشرين األول ((نوفمبر)) 1671م إلى 13 من الشهر‬
                                                                          ‫أ‬
           ‫المذكور )، ُلقي بحث عنوانه: (أهمية توحيد المصطلحات العسكرية العربية ) (21).‬
  ‫وكان من جملة مقررات هذا المؤتمر: ((تشكيل لجنة من المختصين تحت إشراف جامعة الدول‬
                                                           ‫العربية والقيادة العربية الموح‬
‫َّدة، لتوحيد المصطلحات العسكرية، على أنه يعاونها بعض اللغويين‬
                                                                                      ‫)).‬
  ‫وبعد عودة أعضاء جممع اللغة العربية الذين شهدوا مؤمتر بغداد إىل القاهرة، كتب األمني‬
                    ‫يبل‬
‫العام جملمع اللغة العربية رسالة إىل األمني العام جلامعة الدول العريب، ِّغه فيها بقرار مؤمتر‬
  ‫جممع اللغة العربية املصري واجملمع العلمي العراقي اخلاص بتوحيد املصطلحات العسكرية‬
                                ‫للجيوش العربية (برقم 16 واملؤرخ يف 11/1/6671م ).‬
  ‫وبعد خمابرات واتصاالت عديدة بني جامعة الدول العربية والدول العربية ووزارة الدفاع‬
   ‫املصرية، انتهت سنة سبع ومثانني وثالمثائة وألف اهلجرية (42 كانون الثاين9671م )،‬
       ‫باعتذار وزارة الدفاع املصرية عن املوافقة على توحيد املصطلحات العسكرية العربية‬
      ‫للجيوش العربية يف الوقت الراهن لعدم مالءمة الظروف (كذا )، فتقرر إرجاء توحيد‬
                                                     ‫املصطلحات العسكرية إىل إشعار آخر!‬
  ‫ويف أوائل سنة مثان ومثانني وثالمثائة اهلجرية (بداية سنة 1671م )، زرت جامعة الدول‬
            ‫ذ‬
 ‫العربية يف القاهرة، واطلعت على سري معاملة توحيد املصطلحات العسكرية، ف ُهلت ألنه‬
                                                                                  ‫ر‬
                                             ‫املعاملة ُكنت على الرف إىل موعد غري معلوم.‬
              ‫حي‬
    ‫وجرت حماوالت جديدة إلخراج فكرة توحيد املصطلحات العسكرية إىل ِّز التنفيذ،‬
                                                              ‫ر‬
    ‫فنجحت تلك احملاوالت، وتق َّر أن جتتمع جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش‬
‫العربية يف جامعة الدول العربية يف آخر النصف األول من سنة مثان ومثانني وثالمثائة وألف‬
                                                   ‫اهلجرية (13 آذار ((مايو)) 1671م ).‬
                                  ‫(ب) جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية:‬
      ‫وباالستفادة من الدروس املكتسبة من إخفاق التوحيد واملعجمات العسكرية العربية،‬
‫وباملذاكرة مع السيد األمني العام جلامعة الدول العربية، واألمني العام جملمع اللغة العربية يف‬
                                                        ‫املوح‬
       ‫القاهرة، والقائد للقيادة العربية َّدة، ورئيس هيئة أركان حرب اجليش املصري،‬
        ‫اقترحنا على األمني العام للجامعة العربية تأليف جلنة توحيد املصطلحات العسكرية‬
                                                        ‫للجيوش العربية من ممثلني لكل من:‬
                                           ‫- عضو واحد من جممع اللغة العربية يف القاهرة.‬
                              ‫- ضابط من كل جيش عريب من دول جامعة الدول العربية.‬
                                                       ‫- ضابط من القيادة العربية املوحدة.‬
‫وقدم ممثل جممع اللغة العربية املصري يف اللجنة تقريراً إىل السيد األمني العام جلامعة الدول‬
                          ‫العربية، شرح فيه الطريقة املثلى لتشكيل اللجنة وأسلوب عملها.‬
      ‫ووافق السيد األمني العام جلامعة الدول العربية على ما جاء يف تقرير ممثل جممع اللغة‬
‫العربية املصري، حول تشكيل جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية، وحتدد‬
                                       ‫يوم اجتماع اللجنة يف رحاب جامعة الدول العربية.‬
 ‫ودروس املاضي يف إخفاق توحيد املصطلحات العسكرية العربية، هي اليت أوحت بشكل‬
                         ‫جلنة توحيد املصطلحات العسكرية هبذا األسلوب وهذه الطريقة.‬
     ‫واجب ممثل جممع اللغة العربية املصري، وهو عضو من أعضاء اجملمع، يف هذه اللجنة:‬
       ‫إقرار املصطلحات العسكرية العربية القدمية ما دامت ملتزمة بالعربية الفصحى، ونبذ‬
      ‫املصطلحات العسكرية العربية القدمية ما دامت غري ملتزمة بالعربية الفصحى، ووضع‬
‫املصطلحات العسكرية العربية اجلديدة بلغة عربية سليمة، ومحل اللجنة على اإللتزام باللغة‬
                                                           ‫العربية الفصحى التزاما صارما.‬
        ‫وواجب ممثلي اجليوش العربية من الضباط يف اللجنة: عرض املصطلحات العسكرية‬
 ‫املستعملة يف جيوشهم، إلقرار املصطلح العريب الفصيح ونبذ املصطلح األجنيب الدخيل أو‬
‫العريب غري الفصيح ، واملصادقة على قرار اللجنة يف توحيد املصطلحات العسكرية العربية،‬
    ‫وجعل هذا القرار نابعا من موافقة ممثلي اجليوش العربية كافة ال من موافقة ممثلي جيش‬
          ‫عريب واحد أو جيشني عربيني شقيقني ، حىت تلتزم اجليوش العربية كلها باملعجم‬
                                 ‫العسكري املوحد الذي أقر مصطلحاته ممثلوها يف اللجنة .‬
 ‫وواجب ممثل القيادة العربية املوحدة: إضفاء الصفة العسكرية العربية الشاملة على املعجم‬
                                                  ‫العسكري املوحد من الناحية العسكرية .‬



 ‫وعقدت اللجنة اجتماعاهتا يف كنف جامعة الدول العربية بالقاهرة وبرعايتها وإشرافها ،‬
         ‫لكي يكون للمعجم العسكري املوحد صفة عربية شاملة من الناحة السياسية .‬
  ‫وهكذا حاولت هذه اللجنة يف تشكيلها ويف عملها ، أن خترج مهمة توحيد املصطلحات‬
     ‫العسكرية العربية من النطاق القطري الضيق إىل النطاق العريب الشامل ، وأن جتعل هلذا‬
‫التوحيد قوة لغوية وقوة عسكرية وقوة سياسية ، حتمل اجليوش العربية والدول العربية على‬
                                                      ‫اإللتزام به يف مصطلحاهتا العسكرية .‬
  ‫وقد شهد كل ممثلي اجليوش العربية اجتماعات اللجنة، عدا ممثل اجليش التونسي الشقيق.‬
                                               ‫(ج) املبادئ اليت التزمت هبا اللجنة يف عملها:‬
          ‫التزمت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية مببادئ واضحة املعامل ،‬
‫وضعتها نصب أعني أعضائها ، وحاولت جهد اإلمكان أال حتيد عنها قيد أمنلة . وقد كان‬
     ‫حرصها الشديد على اإللتزام هبذه املبادئ أن يعصف هبا وهي يف بداية الطريق بعد أيام‬
                                                             ‫معدودات من عقد اجتماعاهتا.‬
      ‫من هذه املبادئ: االلتزام باللغة العربية الفصحى، ونبذ املصطلحات العسكرية األجنبية‬
    ‫الدخيلة، كاملصطلحات التركية والفرنسية والربيطانية، وكاملصطلحات املوضوعة باللغة‬
                                                                           ‫العامية الدارجة.‬
    ‫ومنها: اختيار األلفاظ العربية السهلة البسيطة، ألن اللغة العسكرية لغة علمية، والتخلي‬
         ‫عن األلفاظ احلوشية اجلاسية اليت قد تصلح للتعابري األدبية، ولكنها ال تصلح للتعابري‬
                                                                                 ‫العسكرية.‬
        ‫ومنها أيضاً: االقتصار على (الترمجة إىل العربية، واالبتعاد عن (التعريب) إال لضرورة‬
                                                                                 ‫قصوى ).‬
‫مث منها كذلك: اقتباس األلفاظ احلضارية اليت وضعتها اجملامع العربية، واألخذ هبا وإقرارها.‬
            ‫وأخرياً: تفضيل املصطلح العسكري الشائع يف أكثر اجليوش العربية على املصطلح‬
                                         ‫العسكري الشائع يف عدد قليل من اجليوش العربية.‬



‫تلك هي جممل املبادئ اليت التزمت هبا جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية،‬
   ‫واليت كادت أن تعصف باللجنة يف أيامها األوىل، ألن ممثل كل جيش عريب كان حيرص‬
     ‫على إقرار املصطلحات العسكرية الشائعة يف جيشه، دون االلتفات إىل قوهتا اللغوية أو‬
             ‫مطابقتها ملعىن ما يقابلها من مصطلحات عسكرية يف اجليوش األجنبية احلديثة.‬
   ‫ولكن صوت لغة القرآن الكرمي أسكت كل صوت، وكلمة احلق أزهقت كلمة الباطل،‬
       ‫وتغلب العلم على اجلهل، وآثر أعضاء اللجنة املصلحة العربية على املصلحة القطرية.‬
                                              ‫م ا‬
    ‫وسار عمل اللجنة يف بداية أمره بطيئاً ُتلكئً، مث انطلق لتحقيق أهدافه سريعاً واثقاً على‬
                               ‫هدى اللغة العربية الفصحى وبصرية العلم العسكري األصيل.‬
                                                                  ‫(د) أسلوب عمل اللجنة:‬
        ‫وحني اجتمعت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية العربية يف رحاب جامعة الدول‬
  ‫العربية، وضعت أمامها املعجمات العسكرية العربية املطبوعة واملخطوطة، فقد استصحب‬
        ‫كل ضابط من أعضاء هذه اللجنة معه املصطلحات العسكرية العربية املعمول هبا يف‬
                                                                                     ‫جيشه.‬
                                                                ‫وكان أمام اللجنة مسلكان:‬
 ‫األول: توحيد املصطلحات العسكرية املتيسرة على حسب ترتيبها األجبدي، وهذا املسلك‬
          ‫يؤدي إىل اصطدام أعضاء اللجنة ببعضهم بني مدة وأخرى عند إقرار املصطلحات‬
     ‫العسكرية العربية احليوية الشائعة يف جيوشها منذ القدمي، إذ يصعب على تلك اجليوش‬
    ‫التخلي عنها بسهولة حىت ولو كانت ال متت إىل العربية الفصحى بصلة قريبة أو بعيدة!‬
‫والثاين: توحيد املصطلحات العسكرية العربية احليوية الشائعة يف اجليوش العربية أوالً، وهي‬
  ‫اليت يربز فيها التناقض يف املعىن واملبىن، ولكل جيش عريب مصطلحاته اخلاصة به ليس من‬
                                                                        ‫السهل عليه تبديلها.‬
 ‫وهذا املسلك يؤدي إىل اصطدام أعضاء اللجنة ببعضهم يف األيام األوىل من عملهم، ورمبا‬
                  ‫يؤدي هذا االصطدام إىل إخفاق اللجنة يف النهوض مبهمتها الصعبة الشاقة.‬



‫وقد آثر اللجنة أن تبدأ بتوحيد املصطلحات العسكرية الشائعة املتناقضة يف اجليوش العربية،‬
                           ‫تضي‬
             ‫حىت إذا أخفقت يف توحيدها، أعلنت إخفاقها دون أن ِّع الوقت سدى.‬
             ‫توح‬
    ‫ويف خالل الشهرين األولني من مدة عمل اللجنة، مل تستطع اللجنة أن ِّد أكثر من‬
                ‫مخسمائة مصطلح عسكري عريب، بعد جهد جهيد ومشقة بغري حدود.‬
‫وكمثال على ذلك، فإن كلمة (‪ ) Tactics‬اإلنكليزية، كان املصطلح املقابل هلا يف قسم‬
‫من اجليوش العربية هو كلمة: (تكتيك )، وكان املصطلح العريب املقابل هلا يف القسم اآلخر‬
                                                  ‫من اجليوش العربية هو كلمة: (َتعْبِئَة ).‬
 ‫وما يقال عن هذه الكلمة يقال عن كلمة: (‪ ) strategy‬اإلنكليزية، فقد كان قسم من‬
    ‫اجليوش العربية يستعمل كلمة: (استراتيجية )، وكان قسم من اجليوش العربية يستعمل‬
                                                                                ‫الس‬
                                                                          ‫كلمة: ( َّوْق ).‬
  ‫وقد أمضت اللجنة أسبوعاً كامالً يف جدال عنيف حول هاتني الكلمتني الشائعتني، حىت‬
                                             ‫استقر الرأي على استعمال املعنيني العربيني:‬
                                            ‫(تعبئة ) و (سَوْق ) هلاتني الكلمتني املعربتني.‬
     ‫ويف خالل الشهرين األولني من مدة عمل اللجنة، أكملت اللجنة توحيد املصطلحات‬
 ‫العربية املتناقضة من جهة واحليوية الشائعة من جهة أخرى، وهي مصطلحات: اإليعازات‬
                                                                  ‫س‬
 ‫العسكرية، والتعبوية، وال ّوْقية، والتدريب، وأمساء األسلحة والذخرية، والرتب واملناصب‬
       ‫العسكرية، وأمساء الوحدات والتشكيالت واملؤسسات واملقرات واملدارس واملعاهد‬
                                                                       ‫والكليات العسكرية.‬
 ‫وملا مت للجنة توحيد تلك املصطلحات املتناقضة الشائعة اليت كان يصعب تبديلها ويصعب‬
  ‫إقرارها أيضاً، أصبح جناح اللجنة يف عملها مضموناً، وأصبح إكمال واجبها يف التوحيد‬
       ‫قضية وقت ليس إال، ألن املصطلحات املتبقية ليست حيوية وال شائعة وال متناقضة‬
                    ‫بالدرجة اليت كانت عليها املصطلحات العسكرية اليت جرى توحيدها.‬



      ‫ولكن برزت مشكلة جديدة مل تكن يف حسبان اللجنة، هي أن املعجمات العسكرية‬
    ‫العربية املطبوعة واملخطوطة تفتقر إىل املصطلحات العسكرية احلديثة، مثل مصطلحات‬
          ‫احلرب النووية، ومصطلحات احلرب الكيماوية، ومصطلحات احلرب اجلرثومية،‬
               ‫ومصطلحات األجهزة األلكترونية، ومصطلحات األسلحة احلديثة املتطورة.‬
  ‫إن العلوم اليت هلا صلة مباشرة باملصطلحات العسكرية كثرية، وقد استوعب املعجم الفين‬
   ‫املصري مصطلحات حنو ستني علماً، ومع ذلك قصر عن استيعاب املصطلحات العلمية‬
                                                                             ‫احلديثة كلها.‬
   ‫وقررت اللجنة أن يكون عملها متكامالً، وذلك بنقل املصطلحات احلديثة إىل العربية،‬
 ‫لكي ال تبقى املصطلحات العسكرية اليت تضمها املعجمات العسكرية العربية بدائية، قد‬
       ‫تصلح حلرب مثل احلرب العاملية األوىل، ولكنها ال تصلح حلرب حديثة ضد العدو‬
                                      ‫الصهيوين الذي بلغ يف العلوم التطبيقية شأواً بعيداً.‬
                                     ‫املوح‬
‫واللجنة يوم بدأت يف إعداد املعجم العسكري ِّد، ظنت أن املدى إلجنازه لن يطول،‬
 ‫وأنه سيتم خالل شهر أو بعض شهر، ولكن قرارها اخلاص بنقل املصطلحات العسكرية‬
  ‫احلديثة، جعل مدة اإلعداد تطول إىل مخس سنوات كاملة، كانت اللجنة خالهلا جتتمع‬
    ‫يومياً بدون راحة، حىت يف أيام األعياد الرمسية، حرصت أن تعمل فيها كسائر األيام،‬
                                                     ‫وشعارها: االحتفال باألعياد بالعمل.‬
‫فإذا انقضى يوم من أيام العمل الذي يبدأ يف الساعة التاسعة صباحاً وينتهي بانتهاء العمل‬
‫املخصص يف ذلك اليوم، يف عمل دائب منظم، محل كل عضو من أعضاء اللجنة معه إىل‬
                                          ‫ي‬
              ‫مستقره عمالً إضافياً يؤديه يف أوقات راحته، وُطالب به صباح اليوم التايل:‬
                                 ‫وأخرياً تكلل جمهود اللجنة بالنجاح واحلمد هلل، فأجنزت:‬
                                                                    ‫املوح‬
                                            ‫املعجم العسكري ِّد (انكليزي - عريب ).‬
                                                                    ‫املوح‬
                                            ‫املعجم العسكري ِّد (عريب - إنكليزي ).‬
                                                                    ‫املوح‬
                                             ‫املعجم العسكري ِّد (فرنسي - عريب ).‬
                                                                    ‫املوح‬
                                             ‫املعجم العسكري ِّد (عريب - فرنسي ).‬



                                             ‫املوح‬
 ‫يكفي أن أذكر أن املعجم العسكري ِّد (إنكليزي - عريب ) وحده، يضم بني دفتيه‬
                                                      ‫مثانني ألف مصطلح عسكري.‬
                                                ‫املوح‬
                               ‫(هـ) مراجعة املعجم العسكري ِّد وطبعه وتوزيعه:‬
                                              ‫املوح‬
    ‫آمنت جلنة إعداد املعجم العسكري ِّد، أن هذا املعجم لن يتكامل إال مبراجعته يف‬
‫جممع اللغة العربية بالقاهرة، لكي يتدارك اجملمع ما فيه من هفوات لغوية، ولكي تكون له‬
     ‫قيمة لغوية حتول دون تنصل أي جيش عريب من االلتزام به بعد صدوره حبجة هفواته‬
                                                                              ‫اللغوية.‬
                                      ‫املوح‬
   ‫لذلك بادرت اللجنة بعرض املعجم العسكري ِّد على جممع اللغة العربية ملراجعته‬
‫وإقراره، فوافق اجملمع مشكوراً على مراجعته، وأوكل أمر مراجعته إىل جلنة جممعية مؤلفة‬
                                                         ‫من ثالثة أعضاء من أعضائه.‬
                    ‫وعكفت اللجنة اجملمعية على مراجعته، فأكملت مهمتها على ما يرام.‬
                                                           ‫ح‬
       ‫إن املعجم العسكري املو ِّد حيوي عنصرين: العنصر العلمي العسكري الفين أوالً،‬
                                                               ‫والعنصر اللغوي ثانياً.‬
     ‫ومن الطبيعي أن تكون جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية مسؤولة‬
   ‫مسؤولية كاملة عن هذين العنصرين، ولكن اللجنة اجملمعية، تشاطر جلنة إعداد املعجم‬
                               ‫املسؤولية يف العنصر اللغوي من املعجم إىل درجة حمدودة.‬
‫ومحلت اللجنة املعجم إىل املطبعة، فجرى بعد أجزائه بالتدريج، وصدر إىل الناس، وتولت‬
  ‫جامعة الدول العربية توزيعه على اجليوش العربية والدول العربية، وعلى املكتبات العامة‬
                                     ‫واخلاصة مبوجب طلبات اجليوش والدول واملكتبات.‬
                           ‫ً‬                                      ‫ي‬
‫وكان مثن النسخة ُساوي مثن تكليفه، فهو ليس مشروعاً جتاريا يقصد منه الربح، بل هو‬
                                            ‫مشروع بعيد عن كل مادة وكل شيء مادي.‬



         ‫ورمبا يتبادر إىل األذهان أن اهليئة اإلدارية اليت ساعدت جلنة إعداد املعجم يف طبع‬
  ‫املس ّدات وتصحيحها، وتنظيم املفردات تنظيماً معجمياً، وتصحيح مالزم الطبع مرات .‬   ‫و‬
                                                    ‫كت‬
‫. . البد أن تكون هيئة كبرية، تظم َّاب اآللة الطابعة، واملصححني، واملنظمني، واخلرباء‬
 ‫والواقع أن هذه اهليئة كانت تضم شخصني فقط، أحدمها يعمل على اآللة الطابعة، والثاين‬
       ‫يعمل يف تنظيم املفردات تنظيماً معجمياً! أما بقية أعمال إعداد املعجم، فقد هنض هبا‬
 ‫أعضاء جلنة توحيد املصطلحات العسكرية العربية الذين كانوا حىت ممثل جممع اللغة العربية‬
         ‫يف القاهرة من الضباط، الذين يفتقرون التجربة الكافية للنهوض مبثل هذه األعمال،‬
     ‫ولكنهم تسلحوا بالعزم واإلخالص، فتغلبوا على الصعاب بسهولة ويسر وصرب وعناء.‬
                                                         ‫املوح‬
                                          ‫[6] أمهية املعجم العسكري ِّد وااللتزام به:‬
   ‫(أ) قرأت ترمجة ملذكرات أحد قادة احلرب العاملية الثانية األجانب، نقلها إىل العربية يف‬
  ‫اخلمسينيات أستاذ جامعي: يتقن باللغة األجنبية اليت ترجم عنها، ويتقن اللغة العربية اليت‬
    ‫ترجم إليها، ولكنه ال يتقن املصطلحات العسكرية العربية، فجاءت ترمجته تافهة هزيلة‬
      ‫متهافتة، قبلت معاين تلك املذكرات رأساً على عقب ومسخت املعلومات العسكرية‬
                                                                      ‫الواردة فيها مسخاً.‬
     ‫مثالً ترمجة كلمة: (‪ ) Section‬اإلنكليزية إىل كلمة: (فرقة ) العربية، ومالك الفرقة‬
                                 ‫مخسة عشر ألف مقاتل بني ضابط وضابط صف وجندي.‬
                                            ‫َ‬
‫والترمجة السليمة هلذه الكلمة اإلنكليزية هي (حضِيْرة )، ومالك احلضرية بني مثانية مقاتلني‬
                                           ‫وعشرة مقاتلني من ضباط الصف واجلنود فقط.‬
      ‫وشتان بني مخسة عشر ألف مقاتل فيهم عدد ضخم من الضباط، وبني مثانية مقاتلني‬
                                                     ‫وعشرة مقاتلني ليس بينهم أي ضابط.‬



 ‫ولست بصدد نقد هذا األستاذ اجلامعي، ولكن بصدد تربئة ساحته من التقصري، ألن هذا‬
                  ‫ح‬
     ‫األستاذ ترجم األسلوب العسكري مبصطلحات مدنية من عنده، ألنه ُرم من معجم‬
  ‫عسكري عريب يستعني به يف ترمجته، بسبب ما حتاط به املعجمات العسكرية العربية من‬
                                                      ‫مسو‬
                                                  ‫سرية ال أعرف هلا سبباً وال ِّغاً.‬
     ‫إن مفردات املصطلحات العسكرية العربية الواردة يف هذه املعجمات، هي من صميم‬
     ‫العربية، وهي موجودة يف معجماتت اللغة، فلماذا تكون تلك املفردات يف املعجمات‬
                                      ‫العسكرية سراً وال تكون سراً يف معجمات اللغة؟؟‬
      ‫وكمثال على ذلك، فإن كلمة: (مِدْفع ) ليست سراً ولكن عدد (املدافع ) وأنواعها‬
 ‫ومواضعها وأساليب استخدامها ومستودعاهتا هي السر الذي ينبغي أن يبقى طي الكتمان‬
                                                                             ‫الشديد.‬
   ‫وحني أرادت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية االستعانة باملعجمات‬
‫العسكرية األجنبية: اإلنكليزية واألمريكية والكندية والفرنسية والروسية واملعجم العسكري‬
  ‫حللف األطلسي، استطاعت أن تشتري هذه املعجمات من املكتبات العامة، واستوردت‬
‫املعجمات العسكرية غري املتيسرة يف املكتبات العامة بالقاهرة من اخلارج، وهذه املعجمات‬
‫العسكرية األجنبية بدون استثناء متيسرة يف املكتبات العامة، ويستطيع اقتناءها العسكريون‬
                                               ‫واملدنيون مىت أرادوا من تلك املكتبات.‬
  ‫لقد كانت املعجمات العسكرية العربية سرية ال تباع يف املكتبات، ويقتنيها العسكريون‬
                                           ‫املوح‬
 ‫وحدهم، فلما صدر املعجم العسكري ِّد كسر هذه السرية اليت ال معىن هلا، وأصبح‬
                               ‫متيسراً يف املكتبات العامة، مشاعاً للمدنيني وللعسكريني.‬



 ‫وقد كان املدنيون الذين يترمجون الكتب العسكرية التارخيية أو اجلغرافية، أو اخلاصة بعلم‬
         ‫النفس العسكري، أو كتب الثقافة العسكرية العامة مثل مذكرات قادة احلرب، أو‬
  ‫يترمجون املقاالت العسكرية من الصحف واجملالت األجنبية، أو الذين يترمجون التعليقات‬
                                         ‫س‬
 ‫العسكرية اليت تذاع من اإلذاعات اخلارجية، بأم ِّ احلاجة إىل املعجمات العسكرية، وقد‬
                                      ‫ع‬                  ‫املوح‬
     ‫تيسر هلم املعجم العسكري ِّد بعد صدوره، فال ُذر ملن ال يقتنيه وال يلتزم به يف‬
                                                                                     ‫ترمجته.‬
    ‫وما يقال عن املترمجني املدنيني، يقال عن املذيعني يف اإلذاعة املسموعة واإلذاعة املرئية،‬
    ‫ويطو‬                                       ‫املوح يطه‬
‫فإن التزامهم باملعجم العسكري ِّد ِّر لغتهم من األلفاظ األجنبية الدخيلة َّعها‬
‫لأللفاظ العربية الفصحى األصلية، كما يعمل عمالً مؤثراً يف إشاعة املصطلحات العسكرية‬
                                                                                       ‫املوح‬
                                                                                    ‫ِّدة.‬
                                   ‫املوح‬                          ‫و‬
   ‫وكل مثقف عريب مدع ٌ لاللتزام باملعجم العسكري ِّد، ليتكلم العرب لغة عسكرية‬
                                                   ‫واحدة، ال لغات عسكرية متناقضة شىت.‬
                                                       ‫املوح‬
‫(ب) وأمهية املعجم العسكري ِّد ال تقتصر على املثقفني العرب بل تتعداها إىل الكتب‬
                                                                   ‫العسكرية العربية الفنية.‬
 ‫إن الكتاب العسكري العرب املطبوع يف قطر عريب من األقطار العربية، يستعمل يف جيش‬
 ‫ذلك القطر وحده، وال يستعمل يف اجليوش العربية األخرى، ألن تلك اجليوش ال تستطيع‬
                            ‫فهمه نظراً الختالف املصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية.‬
                                    ‫ختر‬
   ‫والكليات واملعاهد واملدارس العسكرية يف قطر عريب ِّج ضباطاً وضباط صفٍ، لذلك‬
      ‫القطر العريب وحده، ألن سياق التدريب واملصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية‬
  ‫املتناقضة، فالعسكري الذي يتخرج يف كلية عسكرية يف قطر عريب ما، مث يعود إىل قطره‬
               ‫عليه أن يعيد تدريبه مبىن ومعىن، كالذي يتخرج يف كلية عسكرية أجنبية.‬
  ‫والقائد العسكري الذي يصدر أوامر عسكرية يف امليدان، يصعب على العسكريني الذين‬
                ‫ينتسبون إىل غري قطره فهم أوامره، ويصعب عليهم تنفيذها نتيجة لذلك.‬



                    ‫املوح‬
        ‫إن توحيد املصطلحات العسكرية وااللتزام بتطبيق املعجم العسكري ِّد، عامالن‬
                   ‫رئيسيان لوضع التعاون العسكري العريب يف السلم واحلرب موضع التنفيذ.‬
 ‫وإذا كان التعاون العسكري العريب ضروري قبل وجود كيان العدو الصهيوين، فإنه أصبح‬
                                           ‫بعد وجوده قضية حياة أو موت بالنسبة للعرب.‬
                                             ‫توح‬
 ‫ولن يتم التعاون العسكري العريب، إال إذا َّدت املصطلحات العسكرية العربية بااللتزام‬
                                                            ‫املوح‬
                                                        ‫املطلق باملعجم العسكري ِّد.‬
 ‫ُ ْ ِي‬
‫وهذا االلتزام باملعجم العسكري املوحد، يقضي قضاءً مربماً على الكتب العسكرية القطرَّة‬
           ‫وجيعلها كتباً عسكرية عربية، تشيع االنسجام الفكري بني العسكريني يف القضايا‬
     ‫العسكرية الفنية، وتشيع االنسجام الفكري بني األمة العربية يف قضايا الثقافة العسكرية‬
                                                                                  ‫العامة.‬
          ‫وهذا االلتزام، جيعل الكليات واملعاهد واملدارس العسكرية القطرية كليات ومعاهد‬
        ‫ومدارس عسكرية عربية، يغترف منها العسكريون العرب التدريب العسكري الفين،‬
                                                      ‫املوح‬
                                                   ‫وينهلون منها الثقافة العسكرية ِّدة.‬
         ‫وهذا االلتزام، جيعل األوامر اليت يصدرها قائد عسكري من قادة العرب العسكريني‬
                                              ‫مفهومة من العسكريني العرب يف كل مكان.‬
        ‫إن توحيد اجليوش العربية هو احلجر األساس لبناء الوحدة العربية الشاملة، فال وحدة‬
                  ‫للعرب بدون قوة ضاربة، وال قوة ضاربة إذا بقيت اجليوش العربية متفرقة.‬
    ‫واألساس لتوحيد اجليوش العربية هو توحيد مصطلحاهتا العسكرية لكي يشيع االنسجام‬
    ‫بني منتسبيها أوالً، ولكي تستطيع التفاهم فيما بينها ثانياً، وال ميكن توحيد املصطلحات‬
                                   ‫املوح‬
       ‫العسكرية العربية، إذا مل نلتزم باملعجم العسكري ِّد، وخلفناه وراءنا ظهرياً !!‬
 ‫لقد فعلت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية كل ما بوسعها أن تفعل يف‬
                           ‫إعداد املعجم العسكري املوحد وطبعه ونشره وإخراجه للناس.‬



      ‫وبقي على العرب أن يفعلوا كل ما بوسعهم أن يفعلوه يف االلتزام باملعجم العسكري‬
‫ِّد، من أجل حاضرهم ومستقبلهم، ومن أجل احلفاظ على سالمة لغة القرآن الكرمي.‬             ‫املوح‬
                                      ‫فإن مل يفعلوا اليوم، فسيفعلون غداً، وكل آت قريب.‬
                                           ‫املوح‬
                                        ‫[9] درجة التزام العرب باملعجم العسكري ِّد:‬
          ‫(أ) إن العريب األصيل واملسلم احلق، بعد أن تتبع ما بذلته جلنة توحيد املصطلحات‬
   ‫العسكرية للجيوش العربية من جهود مكثفة مضنية طويلة خملصة، يف حتقيق احللم البعيد‬
                                         ‫املوح‬
       ‫الذي أصبح حقيقة بإخراج املعجم العسكري ِّد، الذي حقق أملني طاملا راودوا‬
    ‫املخلصني من العرب املسلمني: توحيد املصطلحات العسكرية يف اجليوش العربية أوالً،‬
‫وتطهريها من املصطلحات األجنبية والدخيلة ثانياً، فحقق هذا املعجم هذين األملني للعرب‬
                             ‫املخلصني حقاً، وكان حتقيقها أقرب إىل اخليال منه إىل الواقع.‬
  ‫هذا العريب األصيل وليس من قوارير، واملسلم احلق، وليس من اجلغرافيني، وبعد أن تتبع‬
                                                     ‫ً‬
  ‫فوائد االلتزام هبذا املعجم التزاماً صارما حلاضر العرب ومستقبلهم من الناحيتني السياسية‬
        ‫والعسكرية، ولتوحيد اجليوش العربية وإشاعة االنسجام الفكري يف صفوفها بتوحيد‬
 ‫تدريبها وتعليمها ومؤسساهتا العسكرية العلمية وما تصدره من كتب ودراسات عسكرة‬
                           ‫تدريبية وتعليمية وفنية وتعبوية وسَوْقية وثقافية، البد أن يتساءل:‬
                                             ‫املوح‬
                 ‫ما درجة التزام العرب باملعجم العسكري ِّد خلدمة مصاحلهم املصريية؟‬



  ‫وسأجيب على هذا التساؤل، بصفيت رئيس جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش‬
   ‫العربية، وممثل جممع اللغة العربية املصري يف اللجنة، وممثل عدة دول عربية اعتذرت عن‬
      ‫إيفاد ممثليها يف اللجنة، ألهنا ال متلك من يقوم هبذه املهمة كما ينبغي يف اللجنة من‬
     ‫ضباطها، فجعلتين وكيالً مفوضاً عنها يف املرحلة األوىل من إعداد املعجم، وممثل مجيع‬
    ‫الدول العربية عدا مصر والعراق وسورية ولبنان يف املرحلة الثانية من إعداد املعجم: إن‬
 ‫االلتزام باملعجم من الدول العربية كان متفاوتاً بني اإلفراط والتفريط، كما هو شأن هذه‬
                                                                     ‫الدول بكل أمورها.‬
  ‫فقد التزام به قسم من الدول العربية التزاماً كامالً، فطبقته يف جيوشها وطبقته يف أجهزة‬
                                             ‫إعالمها، وعممت على مؤسساهتا التدريسية.‬
       ‫وقد أغفل قسم من الدول العربية االلتزام به، كأنه مل يصدر ومل تسمع بصدوره وال‬
                                                                ‫وصلت نسخة منه إليها.‬
                                                     ‫أ‬
‫وللتاريخ أذكر، أن نسخاً من املعجم ُهديت إىل ملوك ورؤساء الدول العربية وإىل وزراء‬
                               ‫ُل‬
  ‫الدفاع ورؤساء أركان اجليوش ومؤسساهتا العسكرية، وسِّمت بعض النسخ املهداة يداً‬
                     ‫ُل‬
 ‫بيد يف أحد مؤمترات القمة اليت عقدت يف جامعة الدول العربية، وسٍّم بعضها بيد سفراء‬
‫الدول العربية املعتمدين يف القاهرة، وتسلمت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش‬
                         ‫املوح‬
  ‫العربية رسائل من السادة املهداة إليهم املعجمات العسكرية ِّدة، فال عذر ملن يدعي‬
                             ‫أنه ال علم له بصدور املعجم أو مل يتسلم نسخة أو أكثر منه.‬
    ‫وكنت أرصد الدول اليت أخذت باملعجم والدول اليت أغفلته، فسافرت شرقاً وغرباً يف‬
                                                 ‫وكل‬
   ‫زيارة الدول اليت مل تأخذ به وأغفلته، َّمت قمة املسؤولني فيها، فوعدوا خرياً، مث مل‬
                                                                         ‫يربوا بوعدهم!!‬
‫وكنت أسأل عن سبب إغفال املعجم من املسؤولني العسكريني يف أعلى املستويات، فقيل‬
             ‫تعو‬
    ‫يل: إن اجليش اعتاد املصطلحات العسكرية القدمية، وللمرء من دنياه ما قد َّدا، ومن‬
                                  ‫الصعب عليه أن يستبدل الذي هو خري بالذي هو أدىن!‬



   ‫وأنظر يف مصطلحاهتم العسكرية اليت يعتزون هبا وال يصربون على فراقها، فال أرى إال‬
  ‫مصطلحات أجنبية دخيلة جليش استعماري كان حيتل بالدهم وميتص دماءهم ويستهني‬
                                                        ‫أول ما يستهني جبيشهم!‬
 ‫وقد اختذت جلنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية كل االحتياطات املمكنة‬
‫مما ذكرته سابقاً ومما مل أذكره، ومما خيطر على البال ومما ال خيطر، لكي تقطع الطريق على‬
                       ‫املوح‬
  ‫الدول العربية اليت تضمر التنصل من االلتزام باملعجم العسكري ِّد، فذهبت ما اختذته‬
                                                               ‫من احتياطات أدراج الرياح.‬
   ‫وال أقنط من رمحة اهلل، فاألمل أن تلتزم به سائر الدول العربية اليت مل تلتزم به حىت اليوم.‬
 ‫وما دام املعجم العسكري قد أصبح واقعاً ال مراء فيه، فإن االلتزام به حتمي اليوم أو غداً،‬
      ‫فال أظن عربياً كائناً من كان نيةً واجتاهاً، يفضل لغة املستعمر على لغة القرآن الكرمي.‬
‫(ب) ولعل ظروف جامعة الدول العربية الراهنة، ساعدت يف ختلف قسم من الدول العربية‬
                                                        ‫املوح‬
‫عن االلتزام باملعجم العسكري ِّد، فهذه اجلامعة هي املسؤولة عن نشره وتوزيعه، وقد‬
 ‫هاجرت من مقرها الدائم يف القاهرة إىل مقرها املؤقت يف تونس، فتركت نسخ املعجم يف‬
                                                  ‫ر‬
 ‫مستودعات كتبها بالقاهرة، كما بقيت ُقوق املعجم يف مطبعة دار املعارف بالقاهرة، فال‬
     ‫تستطيع اجلامعة يف هذه الظروف توزيع املعجم وال إعادة نشره إال إذا حتركت وبذلت‬
                                                                             ‫قليالً من اجلهد.‬
  ‫إن اجلامعة تستطيع أن تعيد نشره مبطابع االستنساخ، مث تقوم بتوزيعه على الدول العربية،‬
                               ‫حي‬                          ‫ي‬
 ‫إال أن هذه العملية حتتاج إىل من ُشرف على إخراجها إىل ِّز التطبيق العملي، وبإمكاهنا‬
   ‫االستعانة باللجنة اليت أعدت املعجم أو بقسم من أعضائها، ليؤدوا واجبهم يف تنفيذ هذه‬
                                                                                    ‫العملية.‬



    ‫ولتذكر جامعة الدول العربية أن توحيد املصطلحات العسكرية العربية وإخراج املعجم‬
                                                                    ‫املوح‬
       ‫العسكري ِّد، هو أول وأبرز عمل علمي أجنزته اجلامعة يف تارخيها، وهو إجناز‬
         ‫وحدوي ال غبار عليه تفخر به اجلامعة وتعتد به، وهو يستحق منها بعض العناء.‬
‫وتوحيد املصطلحات العسكرية العربية، كان أول عمل وحدوي علمي جنحت اجلامعة يف‬
‫إخراجه إىل حيز التنفيذ، ومل تنجح يف مشروع وحدوي وال علمي قبله، وال أظنها تنجح‬
 ‫بعده، فقد حاولت منذ أكثر من عشر سنوات توحيد املصطلحات اإلدارية العربية، وهي‬
                                                            ‫د‬
  ‫أقل من ألف مصطلح ع ّاً، فما جنحت يف حتقيق هذا التوحيد حىت اليوم، ولو توىل أمره‬
                    ‫أحد أعضاء جلنة توحيد املصطلحات العسكرية ألجنزه من زمن بعيد.‬
      ‫فال بد للجامعة من إعادة طبع املعجم ونشره، فهو إجناز عظيم له ما بعده بإذن اهلل.‬
‫وهبذه املناسبة، فقد نشر املعجم قبل عشر سنوات تقريباً، فاستجدت كثري من املصطلحات‬
      ‫العسكرية، ألن األسلحة واملعدات واألجهزة يف تطور سريع، فعلى اجلامعة أن تعيد‬
  ‫تشكيل جلنة توحيد املصطلحات العسكرية من جديد، إلصدار ملحق للمعجم يضم ما‬
                                                    ‫استجد من مصطلحات عسكرية حديثة.‬
                                                ‫وعك‬
  ‫وأخشى أن أكون قد أزعجت اجلامعة َّرت عليها صفو راحتها، وهي تغط يف نوم‬
                                                                                   ‫عميق.‬
‫(ج) بقي علي أن أمر بسرعة باملصطلحات العسكرية للدول اإلسالمية األخرى، فظروف‬
                   ‫مصطلحاهتا العسكرية تشابه متاماً ظروف املصطلحات العسكرية العربية.‬
 ‫وقد زرت إحدى الدول اإلسالمية زيارة رمسية سنة أربع ومثانني وثالمثائة وألف اهلجرية‬
   ‫(4671م )، وشهدت تدريب جيشها، ومسعت حماضرة عسكرية فيها، فكانت مجيع‬
  ‫املصطلحات العسكرية السائدة يف جيش تلك الدول اإلسالمية مصطلحات أجنبية بلغة‬
                                                ‫املستعمر الذي رحل سياسياً واستقر فكرياً.‬
     ‫ولذلك اجليش لغة إسالمية عريقة جداً، فما ينبغي أن تسود اللغة األجنبية على اللغة‬
                                                                                 ‫األصلية.‬
‫وكما أحرص على اللغة العربية الفصحى، أحرص على لغة الدول اإلسالمية، وقد حدثت‬
 ‫أحد كبار علمائها الذي صادفته يف موسم من مواسم احلج، عن املصطلحات العسكرية‬
            ‫ال َّائدة يف جيش بالده، فوعد أن يثري هذه املشكلة ويعمل على وضع حدٍ هلا.‬   ‫س‬
                                     ‫وال أزل أنتظر أن يرب بوعده، وقد طال االنتظار كثرياً.‬
                                                                        ‫يطه‬
       ‫واهلل أسأل أن ِّر اللغة العسكرية يف البالد العربية من احمليط إىل اخلليج، واللغات‬
 ‫العسكرية اإلسالمية من احمليط إىل احمليط، من املصطلحات العسكرية األجنبية والدخيلة،‬
                                                                           ‫إنه مسيع جميب.‬
                                                                                     ‫***‬
                                                                              ‫الفصل السادس‬
                                                            ‫األسلحة العربية اإلسالمية القديمة‬

                                                                            ‫[1] األهمية:‬
      ‫استعمل العرب المسلمون األسلحة العربية اإلسالمية في غزوات النبي صلى اهلل عليه وسلم‬
                                                        ‫ِد‬
   ‫وسراياه، وفي معارك حروب الر َّة، وفي معارك الفتح اإلسالمي العظيم، وفي معارك استعادة‬
  ‫الفتح، وفي المعارك الدفاعية عن البالد اإلسالمية، وفي معركة (عين جالوت ) بقيادة قطز على‬
                                     ‫التتار، وفي معارك صالح الدين األيوبي على الصليبيين.‬
      ‫وكان من نتائج غزوات النبي صلى اهلل عليه وسلم وسراياه، التي استمرت سبع سنوات فقط‬
    ‫(الرسول القائد 324 ) توحيد شبه الجزيرة العربية تحت لواء اإلسالم، ألول مرة في التاريخ،‬
                                                          ‫يوح‬       ‫ا‬
                                       ‫ولربما آلخر مرة أيضً، إذ لم ِّدها غيره حتى اليوم.‬
                                                       ‫الرد‬
   ‫وكان من نتائج معارك حروب َّة التي استمرت سنة أو بعض السنة: إعادة الوحدة إلى شبه‬
 ‫الجزيرة العربية تحت لواء اإلسالم، وإعادة الوحدة إلى صفوف المجاهدين التي لو ال إعادتها لما‬
                          ‫الد‬                                 ‫ا‬
    ‫كان الفتح اإلسالمي ممكنً، ولظل العرب في ديارهم يتخذون خطة ِّفاع، والمدافع ال ينتصر‬
                                                                                         ‫ا‬
                                                                                        ‫أبدً.‬
      ‫ا‬
 ‫وكان من نتائج معارك الفتح: فتح بالد شاسعة تمتد من الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غربً، ومن‬
                                                      ‫ا‬
  ‫سيبيريا شماالً إلى المحيط جنوبً، وإحراز انتصارات حاسمة على أعظم إمبراطوريتين: الفرس‬
                                                         ‫والروم، وغيرهما من األمم العريقة.‬




 ‫وكان من نتائج معارك استعادة الفتح: إعادة فتح البالد التي انتقضت إلى حظيرة الدولة اإلسالمية‬
                                                                     ‫من جديد بعد انتقاضها.‬
‫وكان من نتائج المعارك الدفاعية عن البالد اإلسالمية: بسط الحماية القادرة على تلك البالد، وصد‬
                                                           ‫غارات المعتدين والطامعين عنها.‬
                                              ‫ر‬
    ‫وكان من نتائج معركة (عين جالوت ): كس ُ شوكة تعرض التتار الكبير ألول مرة على بالد‬
              ‫المسلمين، وصدهم عن تنفيذ خطتهم المتعرضة للسيطرة على سائر بالد المسلمين.‬
‫وكان من نتائج جهاد صالح الدين األيوبي: تحرير كثير من البالد العربية من سيطرة الصليبيين،‬
    ‫وكان على رأس البالد المحررة مدينة القدس، والمسجد األقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين‬
                                                                                  ‫الطاهرين.‬
                     ‫ا‬
‫وكان استعمال العرب المسلمين لألسلحة العربية اإلسالمية القديمة، سببً من أسباب انتصارهم في‬
 ‫تلك المعارك على أعدائهم، فمن المفيد معرفة هذه األسلحة وأساليب استعمالها، لمعرفة سبب من‬
 ‫أسباب انتصار المسلمين في مسيرتهم الطويلة المظفرة، ولتفصيل المعارك القتالية التي استعملت‬
   ‫فيها هذه األسلحة من أجل تقريبها إلى األفهام، وهذا التفصيل مفيد للغاية في إعادة كتابة تاريخ‬
                                       ‫ل‬
                           ‫المعارك العربية اإلسالمية من جديد بأسلوب واضح خا ٍ من التعقيد.‬

                                                                             ‫[2] المنهاج:‬
                                   ‫ما‬
‫واألسلحة العربية اإلسالمية كثيرة العدد، وازداد عددها ك ًّ ونوعاً بالتدريج، ولم تبق على ما هي‬
     ‫عليه من أيام غزوات النبي صلى اهلل عليه وسلم وسراياه إلى المعارك الدفاعية، بل تطورت‬
                                                                                ‫ا‬
                                                                       ‫وتكاثرت يومً بعد يوم.‬
     ‫لقد كان العرب المسلمون يتحلون بمزية (المرونة ) في القضايا العسكرية عامة: في التسليح‬
                                                  ‫والقضايا التعبوية والتنظيمية وأساليب القتال.‬




     ‫وكمثال على ذلك، فإن خالد بن الوليد رضي اهلل عنه اقتبس أسلوب الكراديس، قبل‬
                                    ‫الر‬
 ‫معركة الريموك، نتيجة الستطالعه الشخصي لقوات ُّوم قبل أن ينشب القتال، وخرج‬
                                         ‫ك‬                  ‫ل‬                ‫ُعب‬
 ‫يف تعبية مل ت ِّها العرب من قب ُ يف ستة وثالثني ُردوساً إىل األربعني (الطربي 3/673‬
  ‫)، وباشر القتال هبذا األسلوب القتايل، فأحرز النصر على الروم يف تلك املعركة احلامسة.‬
 ‫ر ر‬
‫وما كان خالد لينتصر على الروم، لو مجد على أسلوب العرب القتايل القدمي: الك ّ والف ّ،‬
                                                   ‫الر‬
    ‫وأسلوب الصفوف، ولكنه اقتبس من ُّوم ما وجده صاحلاً جليش املسلمني يف القتال،‬
                                                                                       ‫وطب‬
                                ‫َّقه فوراً، ومل يبق جامداً على األساليب القتالية القدمية.‬
 ‫كذلك كان العرب املسلمون يقتبسون صنوف األسلحة من أعدائهم، كما كان أعدائهم‬
        ‫يقتبسون منهم صنوف األسلحة ـ نتيجة للمعارك اليت خيوضوهنا ـ فكانت هجرة‬
                ‫األسلحة من جانب إىل جانب من مجلة الدروس املستفادة من تلك املعارك.‬



         ‫ُر‬
‫لقد كانت أسلحة املسلمني عند ظهور اإلسالم يف غاية البساطة: رماحهم من م َّان (شجر‬
  ‫تتخذ من فروعه رماح فيها صالبة ولدونة )، وأسنتهم من قرون البقر، يركبون اخليل يف‬
 ‫احلرب أعراء، فإن كان الفرس ذا سرجٍ فسرجه رِحاله (سرج من جلدٍ بال خشب )، من‬
        ‫والر‬
  ‫َأدَم (اجللد غري املدبوغ، ويطلق على املدبوغ أيضا ً)، ومل يكن ذا ركاب، ِّكاب من‬
             ‫الصم‬
   ‫أجود آالت الطَّاعن برحمه، والضارب بسيفه، وكان فارسهم يطعن بالقناة َّاء، بينما‬
                                                                       ‫ً‬
 ‫اجلوفاء أخف محال وأشد طعنةً، وكانوا يفخرون بطول القناة، وال يعرفون الطعن باملطارد‬
    ‫(مجع مطرد، وهو الرمح القصري )، وإمنا القنا الطوال للرجالة والقصار للفرسان، وكانوا‬
    ‫العر‬                                             ‫الر‬
‫يف ابتداء الفتح اإلسالمي ال يعرفون ُّتيلة (آلة تقذف احلصيات على العدو )، وال َّادة‬
 ‫(آلة تشبه املنجنيق )، وال اجملانيق، وال الدبابات، واخلنادق وال احلَسَك (خناجر تصنع من‬
         ‫احلديد الصلب، هلا شعب تغرز أنصبتها يف األرض حول املعسكر، أو حول املوضع‬
                                                                   ‫دب‬
  ‫الدفاعي، حىت إذا َّ العدو إىل املعسكر أو املوضع، أنشبت يف أرجل اخليل أو الرجالة،‬
  ‫فتمنعهم من الدنو )، وال يعرفون األقْبِيَة (مجع قباء: ضرب من الثياب، أخذهتا العرب من‬
      ‫الفرس )، وال السراويالت، وال تعليق السيوف، والطبول وال البنود (مجع بند، والبند:‬
                         ‫َط‬
  ‫العلم الكبري )، وال التجافيف (مجع التجفاف، بكسر التاء، آلة ُيغ َّى هبا الفارس والفرس‬
 ‫يف احلرب للوقاية )، وال اجلواشن (اجلواشن: صدور الدروع، وقد تطلق على الدرع كله‬
                                       ‫)، وال الرمي باملنجنيقات وال الزرق بالنفط والنريان.‬



 ‫تلك بعض مطاعن الشعوبية على العرب بشأن آالت الحرب، كما نقلها الجاحظ في كتابه: (البيان‬
            ‫ا‬
‫والتبيين: 3/31 -61 )، ورد عليها (3/91-42 )، وال أرى في هذا المطاعن شيئً يستحق الرد،‬
‫فهي مفاخر ال مطاعن، كفى العرب فخراً أنهم تغلبوا على أعدائهم بهذه األسلحة البسيطة البدائية،‬
 ‫بينما كانت أسلحة أعدائهم أفضل من أسلحتهم، فاألهم من السالح اليد التي تستخدمه، وقد انتصر‬
       ‫العرب المسلمون بهذه األسلحة البدائية بفضل األيدي المتوضئة التي استخدمتها في القتال.‬
‫ومن المعروف في تاريخ السالح في العالم، أن السالح ينتقل من أمة إلى أخرى بعد انكشاف أمره‬
                                ‫ا‬
   ‫وفضح أسراره، وبمجرد استعماله في المعركة ال يبقى سرً من األسرار العسكرية، بل يصبح‬
                                                                 ‫ا‬
                                                                ‫معروفاً للصديق والعدو معً.‬
    ‫والمنهاج الذي أعتمده في هذه الدراسة يهدف إلى التركيز على أهمية دراسة األسلحة العربية‬
    ‫القديمة، للداللة على الطريق فحسب، تاركاً للباحثين سلوكه، ألن الدخول في تفصيالت سالح‬
                                        ‫ال‬    ‫ا‬     ‫ال‬
                                       ‫واحد كالسيف مثالً، يستغرق كتاباً مستق ً ووقتً طوي ً.‬
‫ولكن البد من التطرق إلى أنواع األسلحة، وخاصة المهمة منها، مع شيء من الوصف لها، لنعين‬
                                                                ‫الدارس على سلوك الطريق.‬

                                                          ‫[3] التدريب على السالح:‬
  ‫ا ا‬         ‫ا‬
  ‫ال قيمة ألي سالح من األسلحة إال باستعماله، والتدريب على استعمال السالح تدريبً راقيً دائبً‬
   ‫هو الذي يؤدي إلى استعماله بكفاية، والمقاتل المدرب على استعمال سالحه هو وحده يستطيع‬
           ‫استعماله بنجاح، أما المقاتل غير المدرب فال يستفيد من سالحه كما ينبغي، والمدر‬
   ‫َّب يستطيع‬
                                                                   ‫التغلب على غير المدر‬
                                                     ‫َّب بسهولة ويسر.‬
    ‫ومن الضروري أن يثق المقاتل بسالحه، والثقة تتم بالتدريب على استعمال السالح، فإذا كان‬
   ‫ي‬
‫المقاتل ال يثق بسالحه لضعف تدريبه أو لضعف السالح، فإن مصير هذا المقاتل مصير ال ُحسد‬
                                                                                      ‫عليه.‬




     ‫وقد كان العرب قبل اإلسالم يتدربون على استعمال السالح، ولكن مل يكن تدريبهم‬
                 ‫إلزامياً، فكان منهم من يتدرب ومنهم من ال يتدرب حبسب رغبته وهواه.‬
  ‫فلما جاء اإلسالم أمر بالتدريب وحث عليه، ألن اجلهاد فرض على كل مسلم قادر على‬
    ‫محل السالح، فاملسلمون كلهم جند يف جيش املسلمني، جياهدون يف سبيل اهلل لتكون‬
                                                                         ‫كلمته هي العليا.‬
  ‫وقد وردت أحاديث كثرية يف احلث على الرمي، والرمي كما هو معروف، هو االختبار‬
                                     ‫هد‬
      ‫العلمي للتدريب على السالح، فإذا كان الرامي ( َّافا ً) كان ذلك دليل على تدريبه‬
                                                      ‫س‬
‫املتقن الراقي، وإذا كان الرامي (وَ َطا ً) كان تدريبه وسطاً أيضاً، أما إذا كان (ضعيفا ً)،‬
                                                                   ‫فهو ضعيف يف تدريبه.‬
    ‫فقد مر الرسول صلى اهلل عليه وسلم على نَفر من (أَسْلَم ) - إحدى القبائل العربية -‬
                                                                             ‫س‬       ‫ض‬
     ‫يَنَْت ِلون بال ّوق، فقال: (ارموا بين إمساعيل، فإن أباكم كان رامياً. ارموا وأنا مع بين‬
  ‫فالن ))، فأمسك أحد الفريقني بأيديهم، فقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: (ما لكم‬
‫ال ترمون؟))، فقالوا: ((كيف نرمي، وأنت معهم؟ )) فقال: ((ارموا وأنا معكم كلكم ))‬
                                                                  ‫(رواه أمحد والبخاري).‬
 ‫وعن عقْبَة بن عامر رضي اهلل عنه قال: مسعت النيب صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((وأعدوا‬ ‫ُ‬
   ‫هلم ما استطعتم من قوةٍ، أال إن القوة الرمي أال إن القوة الرمي، أال إن القوة الرمي ))،‬
                                                                             ‫(رواه أمحد).‬
                                                          ‫َ‬
   ‫وقال عليه الصالة والسالم: ((منْ عَلِمَ الرمي، مث تركه، فليس منا )) (رواه أمحد)، وقد‬
   ‫شوهد كثري من األئمة وكبار العلماء ميارسون الرمي بعد أن بلغوا الشيخوخة املتقدمة،‬
                                   ‫س‬
  ‫ومنهم: اإلمام أمحد بن حنبل رضي اهلل عنه، فإذا ُئلوا عن سبب هذه املمارسة أو حملوا‬
     ‫استغراب الناس مما يفعلون، أجابوا املتسائلني واملتغربني هبذا احلديث النبوي الشريف.‬
  ‫ومعىن هذا احلديث أن املسلم جيب أن ميضي يف تدريبه على السالح من املهد إىل اللحد‬
                               ‫دون توقف بسبب العمر أو العمل أو غريمها من أسباب.‬



              ‫َ‬                   ‫بالس‬       ‫ي‬
     ‫وعن النيب صلى اهلل عليه وسلم أنه قال: ((إن اهلل ُدْخِل َّهم الواحد ثالثة َنفرٍ اجلنة:‬
                                               ‫ُجه‬
      ‫صانعه الذي حيتسب يف صَْنعَته اخلري، والذي ي ِّز به يف سبيل اهلل، والذي يرمي به يف‬
                                        ‫ري‬
        ‫سبل اهلل ))، وقال: (( ارموا واركبوا، وأن ترموا خ ٌ لكم من أن تركبوا ))، وقال:‬
                ‫س‬                          ‫َ‬
‫((كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل، إال ثالثاً: رمْيَه عن قَوْسه، وتأديبه فر َه، ومالعبته‬
                       ‫أهله )) (رواه اخلمسة: أمحد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه).‬
      ‫وعن علي بن أيب طالب رضي اهلل عنه قال: كانت بيد رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم‬
           ‫قَوْس عربية، فرأى رجالً بيده قوس فارسية، فقال: (( ما هذه؟ أَْلقِها، وعليك هبذه‬
     ‫ِّن لكم يف البالد )) (رواه‬             ‫الد‬                                   ‫ر‬
                                 ‫وأشباهها، و ِماح القَنَا، فإهنما يؤيد اهلل هبما يف ِّين، ويومك‬
                                                                                     ‫ابن ماجه).‬
                       ‫َ‬
   ‫وعن عمرو بن عنَبسَة، قال: مسعت النيب صلى اهلل عليه وسلم يقول: ((منْ رمى بسهمٍ يف‬
                                                                 ‫ْل ُ َر‬
     ‫سبيل اهلل، فهو له عَد ٌ مح َّر ـ مثل عتق رقبة حررها - ))، (رواه اخلمسة، وصححه‬
                                                                                      ‫الترمذي).‬
              ‫وباإلمكان اختاذ أهداف التصويب عليها يف التدريب على الرمي من األحجار أو‬
                ‫م‬
‫األخشاب وسائر املواد اليت ال روح فيها، فقد لعن النيب صلى اهلل عليه وسلم َن اختذ شيئاً‬
  ‫فيه الروح غرضاً، وقال عليه الصالة والسالم: ((ال تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً - هدفاً‬
      ‫يرمي بالسهام - ))، ((رواه مسلم وأمحد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه)).‬
  ‫ودخل أنس بن مالك رضي اهلل عنه دار احلكم بن أيوب، فإذا قوم نصبوا دَجاجة يرموهنا،‬
                                             ‫ت‬
    ‫فقال: ((هنى رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم، أن ُصْبَر البهائم )) (رواه البخاري ومسلم‬
                                                                                        ‫وأمحد).‬
     ‫وكان الذي جييد الرماية يف عهد الرسول القائد عليه أفضل الصالة والسالم يشار إليه‬
                                                      ‫بالبنان، ويرفع ذكره بني الناس.‬



                                                                               ‫َ‬
‫فسعْد بن أيب وقاص رضي اهلل عنه كان يرمي بني يدي النيب صلى اهلل عليه وسلم يف غزوة‬
                                                                              ‫أح‬
 ‫(ُ ُد )، وكان أرمى الناس، فكان جيمع له الرسول صلى اهلل عليه وسلم أبويه ويقوله له:‬
                                              ‫((ارم فداك أيب وأمي )) (البخاري ومسلم).‬
         ‫قال سعد: ((مجع يل النيب صلى اهلل عليه وسلم أبويه يوم أُحُد )) (فتح الباري شرح‬
                                                                        ‫البخاري: 9/66).‬
                                              ‫ح‬               ‫أح‬
  ‫وان من مهرة الرماة يوم (ُ ُد ) سَهْل بن ُنَيْف رضي اهلل عنه الذي بايع النيب صلى اهلل‬
                                             ‫بالن‬
      ‫عليه وسلم على املوت، وجعل ينضح عنه َّبل حىت كشف الناس فكان عليه الصالة‬
                                                            ‫َبل‬
     ‫والسالم يقول ألصحابه: ((نُِّوا سَهْال ً)) (أسد الغابة: 1/563)، أي: اعطوه نبلكم.‬
                                                             ‫أح‬
‫وكان رماة املسلمني يوم (ُ ُد) مخسني، ويومها رمى النيب صلى اهلل عليه وسلم عن قوسه‬
  ‫(الكَُوم) حىت صار شظايا، فرمى باحلجر، (ابن سعد: 2/72)، وكسر أبو طلحة يومئذٍ‬          ‫ت‬
                                     ‫قوسني أو ثالثة (البخاري شرح القسطالين: 5/57).‬
      ‫هؤالء اهلدافون ذكرهم النيب صلى اهلل عليه وسلم وذكرهم أصحابه، وال يزال ذكرهم‬
               ‫د‬
 ‫يضيء صفحات التاريخ وكتب الرجال بالتقدير والثناء، ألن أحدهم كان ه ّافاً ماهراً يف‬
                                                                                     ‫الرمي.‬
          ‫وال أعرف عقيدة عسكرية غري العقيدة العسكرية اإلسالمية، أمرت بالتدريب على‬
                           ‫وكر‬
        ‫السالح، وهنت عن التخلف عنه، وشجعت املتفوقني فيه، َّمتهم يف حياهتم وبعد‬
       ‫موهتم، مما أدى إىل تفوق املسلمني يف التدريب على استخدام أسلحتهم، ومهارهتم يف‬
                                                                ‫استعماهلا يف ميادين القتال.‬
        ‫ومن الواضح أن حرص املسلمني على التدريب، وتفوقهم فيه، كان سبباً من أسباب‬
                                                      ‫انتصارهم يف املعارك اليت خاضوها.‬
                                                         ‫[4] األسلحة الفردية القديمة:‬
                                                                              ‫والس‬
                                                                           ‫(أ) القوس َّهم:‬
                                                                               ‫أوالً - القوس:‬
              ‫ر‬            ‫ي‬                  ‫ي‬
  ‫القوس في األصل، عود من شجر جبلي صلب، ُحنى طرفاه بقوة، و ُشد فيهما وت ٌ من الجلد أو‬
                           ‫العصب الذي يكون في عنق البعير، وهو يشبه إلى ح ٍ ما قوس المنج‬
         ‫ِّدين في هذه األيام.‬           ‫د‬
                                                                    ‫الذ‬
‫وكان العرب يسمونها ِّراع، ألنها في طولها، ولذا كانوا يتخذون منها وحدة للقياس، فيقيسون بها‬
‫المذروع، ومن ذلك قوله تعالى: (فكان قاب قوسين أو أدنى )، (النجم:7)، أي قدر قوسين عربيين‬
                                                                              ‫أو قدر ذراعين.‬
    ‫وعلى الرامي إذا أراد الرمي، أن يمسك وسط القوس باليسرى، ثم يثبت السهم في وسط الوتر‬
                                                                  ‫ا‬
‫باليمنى، ثم يجذب إليه مساويً مرفقه األيمن بكتفه، مسدداً بنظره إلى الهدف، فإذا بلغ الوتر نهايته‬
                       ‫تركه من أصابعه، فاندفع إلى وضعه األول، دافعاً أمامه السهم إلى هدفه.‬
              ‫وللقوس أجزاء، تجد أسماءها في الشكل المرفق (الشكل رقم 1) و(الشكل رقم 2).‬
                                                                                ‫شكل رقم (1)‬
                                                                                   ‫ا الس‬
                                                                                ‫ثانيً - َّهم:‬
                    ‫ك‬
‫القوس للرامي كالبندقية، واألسهم كطلقاتها، والبد للرامي من أن يحتفظ في ِنانته بعدد من األسهم‬
                                                                                   ‫عند القتال.‬
                                                                             ‫والس‬
 ‫َّهم والنبل والنشاب ... أسماء لشيء واحد، وهو عود رفيع من شجر صلب في طول الذراع‬
                                        ‫ف‬                                          ‫ا‬
  ‫تقريبً، يأخذه الرامي فينحته ويسويه، ثم يفرض فيه ِراضاً دائرية، ليركب فيها الريش، ويشهده‬
                ‫د‬        ‫ال‬
 ‫عليها بالجلد المتين أو يلصقه بالغراء ويربطه ثم يركب في قمته نص ً من حدي ٍ مدبب، له سنتان‬
                                ‫في عكس اتجاهه، يجعالنه صعب اإلخراج إذا نشب في الجسم.‬
    ‫وأجود الخشب للقوس والسهم ما اجتمع في الصالبة والخفة ورقة البشرة وصفاء األديم، وكان‬
                                                     ‫متنف‬   ‫و‬
  ‫طويل العرق غير رخ ٍ وال ِّش، وأجود الخشب بالمشرق عود الشوحط وباألندلس الصنوبر‬
                                                                              ‫األحمر الخفيف.‬
                                                ‫ومجمل أجزاء السهم تجدها في (الشكل رقم3).‬
                                                  ‫ب‬           ‫ي‬
‫واألصل في السهام أن ُرمى بها عن ُعد، سواء أكن ذلك في ميدان مكشوف أم من وراء األسوار‬
                                                           ‫َت فت‬
                               ‫والحصون، وهو سالح ق َّال َّاك، وخاصة إذا سقي نصله السم.‬
  ‫في بعض األحيان، كانت السهام تستعمل كأداة للتخاطب، يكتب عليها راميها ما يشاء، ثم يرميها‬
                                                                      ‫لمن يشاء، حفظاً للسرية‬
                                                                                ‫شكل رقم (2)‬
                                                                                 ‫الر‬
                                                                              ‫(ب) ُّمح:‬
      ‫كان العريب يتخذ رحمه من فروع أشجار صلبة، أشهرها النبع والشوحط، وأحياناً كان‬
                                            ‫ع‬               ‫اجملو‬
‫يأخذه من القصب اهلندي َّف بعد تسوية ُقده بالسكني، وتركيب نصل من حديد يف‬
                                                                                    ‫رأسه.‬
                                        ‫وجممل أمساء أجزاء الرمح جتدها يف (الشكل رقم4).‬
    ‫والرمح سالح عريق يف القدم، شاع استعماله عند الشعوب القدمية، وكان أكثر شيوعاً‬
                                             ‫عند األمم اليت ترتاد الصحراء، ومنهم العرب.‬
         ‫وكان للرماح أطوال خمتلفة، تتراوح بني األربع أذرع واخلمسة والعشرة وما فوقها،‬
  ‫الرماح الطوال خاصة بالفرسان حيث تساعدهم اخليل على محلها، أما النيازك أو املطارد‬
                                 ‫وهي الرماح القصرية فقد يستعملها الراجل والفارس أيضاً.‬
   ‫ويف اللغة العربية الفصحى أن احلربة والنيزك واملزراق واملطرد والعَنَزة، كلها أمساء لشيء‬
           ‫واحد، وهي القصار من الرماح اليت مل تبلغ أربعة أذرع، وهي أشبه شيء بالعصا.‬
                                                        ‫ويفض‬
      ‫وكان العرب يعنون بالرمح، ِّلون القناة الصماء على اجلوفاء لصالبتها وغنائها يف‬
                             ‫املعارك، فيوالون دهنها بالزيت لتحافظ على مرونتها ولدونتها.‬
 ‫وطريقة محل الرمح، كانت يف الغالب: االعتقال، وهو خاص بالفرسان، وهو جعل الرمح‬
  ‫بني الركاب َّاق (هناية األرب:6/112)، حبيث يكون النصل ألعلى والزج ألسفل،‬‫والس‬
                       ‫س‬
  ‫على أنه كان لقسم من القبائل العربية طرائق خاصة يف محله، فبنوا ُلَيْم كانوا إذا ركبوا‬
       ‫يضعون رماحهم بني آذان خيلهم، واألوس واخلزرج كانوا حيملوهنا عليها مستعرضة،‬
                                                                          ‫شكل رقم (3)‬
                   ‫أما قريش فكانوا حيملون رماحهم على عواتقهم (ابن هشام: 3/252).‬
         ‫وكان املسلمون يقضون وقتاً طويالً يف التدريب على استخدام الرماح: إما مبطاردة‬
   ‫الوحوش وطعنها هبا، وإما بإعداد حَلْقة من احلديد تسمى: (الوترة) يتمرنون على الطعن‬
                                                           ‫داخلها، حىت حذقوا الطعن هبا.‬
                                                                          ‫(ج) السيف :‬
  ‫السيف أشرف األسلحة عند العرب وأكثرها غناء في القتال، يحافظ العربي على سيفه وال يكاد‬
                      ‫يفارقه، وقد امتألت بتمجيده أشعارهم، وجاوزت أسماؤه المائة في لغتهم.‬
    ‫وهو آخر األسلحة استعماالً في المعركة بعد القوس والرمح، وذلك أن القتال يكون أول أمره‬
                                                              ‫ا‬             ‫ب‬       ‫بالس‬
  ‫َّهام عن ُعْد، ثم تطاعنً بالرماح عند المبارزة واقتراب الصفوف، ثم تصافحاً بالسيوف عند‬
                                                ‫ا‬                       ‫ا‬
     ‫االختالط، ثم تضاربً باألسلحة البيضاء، وخلسً بالخناجر عند االلتحام واالختالط ... (نهاية‬
            ‫األرب: 6/132) فهو الذي يحدد مصير المعركة، وعلى حسن بالئه تتوقف نهايتها.‬
 ‫ويكفي لبيان فضل السيف قول النبي صلى اهلل عليه وسلم: ((الجنة تحت ظالل السيوف )) (رواه‬
                                            ‫الحاكم، شرح الجامع الصغير للمناوي: 1/742).‬
                                             ‫ومجمل أجزاء السيف تجدها في (الشكل رقم 5).‬
                                           ‫صن‬
                        ‫وسيوف العرب أنواع كثيرة تختلف باختالف َّاعها وأماكن صنعها..‬
    ‫أشهرها: السيف اليماني نسبة إلى اليمن، والهندي أو الهندواني أو المهند، وهو المصنوع في‬
                      ‫الهند، وهو يلي اليماني بالجودة، والمشرفي المنسوب إلى مشارف الشام،‬
                                                                              ‫شكل رقم (4)‬
                          ‫ب‬                   ‫ب‬
              ‫والقَلَعي نسبة إلى القلعة حصن بالبادية، وال ُصْروِي المنسوب إلى ُصْرى بالشام.‬
                      ‫تقل‬
       ‫وطريقة حمل السيف، تكون بتعليقه في األكتاف والعواتق، ولذا يقال: َّد سيفه، أي جعله‬
                                       ‫ً‬
                       ‫كالقالدة، وذلك بحمله على الكتف األيمن وتركه متدليا في جنبه األيسر.‬
‫أما إذا كان الفارس يحمل سيفين، فإنه يتقلد بأحدهما ويجعل اآلخر في وسطه، وقد علق كل واحد‬
                                                                  ‫ً‬
                                                 ‫منهما في حمالته محفوظا في قرابه الجلدي.‬

                                                                           ‫(د) الخنجر:‬
     ‫وهو معروف، يحمله المحارب في منطقته، أو تحت ثيابه، فإذا اختلط بآخر طعنه به خلسة.‬
       ‫وقد كان قسم من نساء المسلمين يحملن الخناجر في الغزوات المختلفة تحت ثيابهن للدفاع‬
                                                                                 ‫الشخصي.‬
                                                                                ‫ب‬
                                                                             ‫(هـ) الد ّوس:‬
                                                             ‫ْر‬
‫وبعضهم يسميها: المِط َقة، وهي عصا قصيرة من الحديد، لها رأس حديد مربع أو مستدير، وهي‬
     ‫في العادة للفرسان يحملونها في سروجهم ويقاتلون بها عند االقتراب. انظر (الشكل رقم6).‬
                                                                 ‫(و) الفأس أو البلطة:‬
                          ‫وهو سالح له نصل من الحديد، مركب في قائم من الخشب، كالبلطة،‬
                                                                               ‫شكل رقم (5)‬
                                                                            ‫شكل رقم (9-6)‬
                        ‫ا‬                                  ‫ا‬
       ‫العادية، بحيث يكون النصل مدببً من ناحية، ومن الناحية األخرى رقيقً مشحوذاً كالسكين.‬
                                                           ‫ولالطالع عليهما انظر (الشكل9).‬

                                                      ‫[5] األسلحة الجماعية القديمة:‬
                                                                          ‫َر‬
                                                                      ‫(أ) المنجنيق والع َّادة:‬
                          ‫ت‬
      ‫هذا السالح شديد النكاية باألعداء، بعيد األثر في قتالهم، فبحجارته ُهدم الحصون واألبراج،‬
                                                                               ‫ت‬
                          ‫وبقنابله ُحرق الدور والمعسكرات، وهو يشبه سالح المدفعية الحديثة.‬
                                                                                  ‫َر‬
                                   ‫والع َّادة آلة من آالت الحرب القديمة، وهي منجنيق صغير.‬
‫وقد كان اإلنسان أول مرة يحارب بالحجر يرميه بيده، ثم اتخذ المقالع بعد ذلك لتكون رميته بعيدة‬
 ‫ال‬
 ‫قوية، ثم فكر في طريقة لرمي حجارة أكبر ولهدف أبعد، فهداه تفكيره إلى المنجنيق، واتخذه أو ً‬
                                                                      ‫الش‬
   ‫على هيئة ( َّادوف ) الذي يسقي به قسم من الفالحين زرعهم، وهو عبارة عن رافعة، محول‬
  ‫االرتكاز فيها في الوسط، والقوة في ناحية والمقاومة في أخرى، على أن يكون ثقل الحجارة هو‬
                                  ‫كف‬
                               ‫المحرك له، بحيث إذا هوى الثقل ارتفع الشيء المرمى في َّته.‬
‫وقد جعل في أول أمره على شكل قاعدة من الخشب السميك، مربعة أو مستطيلة يرتفع في وسطها‬
               ‫الش‬                                            ‫ُرك‬
‫عمود خشبي قوي، ثم ي َّب في أعاله ذراع المنجنيق قابالً للحركة كذراع َّادوف، بحيث يكون‬
                                                                         ‫ً‬
  ‫ربعه تقريبا لألسفل، يتدلى منه صندوق خشبي، مملوء بالرصاص والحجارة والحديد أو نحوها،‬
   ‫ويختلف حجمه باختالف المنجنيق، وتكون ثالثة أرباع الذراع لألعلى، تتدلى من نهايتها شبكة‬
                   ‫ي‬
‫مصنوعة من حبال قوية، يوضع فيها الحجر المراد قذفه، وعند القذف به ُجذب أعلى الذراع إلى‬
  ‫األرض بقوة الرجال، فيرتفع الثقل المقابل من الحجارة والرصاص والحديد الذي بالصندوق، ثم‬
‫تترك الذراع فجأة فيهوي الثقل، ويرتفع أعلى الذراع بالشبكة قاذفاً ما فيها من الحجارة إلى الهدف‬
                                                               ‫المعين (انظر الشكل رقم 1 ).‬




                                     ‫ي‬
       ‫ومبرور الزمن، مشل التحسني هذا السالح، فصار ُصنع من القاعدة املتقدمة نفسها،‬
 ‫وفوقها قاعدة أخرى على شكل مربع ناقص ضلع من أسفل، مث تركب ذراع املنجنيق يف‬
                                                                     ‫الس‬
       ‫وسط َّطح العلوي هلذه القاعدة، حبيث تكون قابلة للحركة، وحبيث يكون ثقل‬
                                                         ‫الس‬
      ‫الرصاص يف الناحية القصرية ُّفلى، مث يسحب الذراع كما سبق ذكره وتترك فجأة‬
   ‫فيهوي الثقل بشدة، وتصدم الذراع بالعارضة السفلى يف املربع، فتقذف الشبكة ما فيها‬
                                                                   ‫ذ‬
                          ‫بشدة، الصطدام ال ِّراع باحلائط اخلشيب (انظر الشكل رقم7 ).‬
                          ‫ع‬                              ‫الس‬
  ‫وبعد أن شاع استعمال هذا ِّالح، حلقه كثري من التطوير، ف ُرف منه نوع قوي يعمل‬
   ‫بقوة األوتار، وهو عبارة عن قاعدة مصنوعة من كتل خشبية ضخمة، جتر بقوة الرجال‬
   ‫على ال ّ ّافات أو العجالت الصغرية، وقد ارتفعت القاعدة من ناحية على شكل جدار‬ ‫زح‬
              ‫م‬                                                              ‫ُب‬
  ‫خشيب، وثِّت الذراع يف أسفل القاعدة القابلة للحركة، وخلفها وَتَر قوي ُستعرَض مينع‬
                                                 ‫مثبت‬
      ‫سحبها للخلف، بينما ربطت حببال َّة إىل مؤخرة القاعدة جتذهبا إىل اخللف، وعند‬
                                          ‫الذ‬                                ‫ف‬
                                     ‫الرمي يل ّ الرجال العمود اخلشيب املربوط به ِّراع،‬
                                                                     ‫شكل رقم (1-7)‬
                                                                           ‫الذ‬
‫فتجذب ِّراع إىل اخللف، فيمتد الوتر الذي خلفها إىل هنايته، مث يوضع اجلسم املراد رميه‬
                                                                             ‫كف الذ‬
     ‫يف َّة ِّراع، مث تفك احلبال اخللفية مرة واحدة، فيجذهبا الوتر بقوة عند انكماشه،‬
  ‫فتصدم الذراع باحلائط اخلشيب املثبت أمامها بقوة، فترمي رميتها كأبعد وأقوى ما يكون‬
                                                        ‫الرمي. (انظر الشكل رقم 11).‬
  ‫ومل يستجد العرب يف اجلاهلية املنجنيق، وأول من استعمله الرسول صلى اهلل عليه وصلى‬
                                 ‫اهلل وسلم يف حصار مدينة الطائف (ابن األثري:2/662).‬
                                                                                ‫الدب‬
                                                                          ‫(ب) َّابة:‬
    ‫الدبابة آلة تتخذ للحرب وهدم احلصون (الوسيط:1/162)، ومسيت بذلك ألهنا تدب‬
     ‫حىت تصل إىل احلصون، مث يعمل الرجال الذين بداخلها يف ثقب أسوارها باآلالت اليت‬
                                                                                     ‫حتفر.‬
                                                ‫ش‬
    ‫َّْي ُ هي الدبابة تتخد من خشبٍ يغ ّى باجللد، حيتمي هبا الرجال ويتقدمون هبا إىل‬‫والض ر‬
                                        ‫احلصون لدق جدراهنا ونقبها (الوسيط:1/335).‬



‫وكانت الدبابة أول األمر عبارة عن هودج مصنوع من كتل خشبية صلبة، على هيئة برج‬
  ‫مربع، له سقف من ذلك اخلشب وال أرض له، وبني كتل الربج مسافات قليلة يستطيع‬
                                                       ‫ُب‬
  ‫الرجال العمل من خالهلا، وقد ثِّت هذا اهلودج على قاعدة خشبية، هلا عجالت أربع أو‬
                                                          ‫َج‬
        ‫أكثر، أو بكرات صغرية كالع َل، متخذين منها درعاً يقيهم سهام األعداء من فوق‬
                                   ‫بالس‬
‫األسوار، أو دفعوها وهم بداخلها، فإذا ألصقوها ُّور عملوا من داخلها مبساعدة آالت‬
      ‫احلفر احلديدية، على نقض حجارة السور، من املوضع الذي أوهنته حجارة املنجنيق،‬
                                                              ‫عل‬
 ‫وكلما نقضوا منه قدراً َّقوه بدعائم خشبية، حىت ال ينهار السور عليهم. فإذا فرغوا من‬
                                        ‫عمل فجوة متسعة فيه، دهنوا األخشاب بالنفط ،‬
                                                                       ‫شكل رقم (11)‬
        ‫مث أشعلوا فيها النار، وانسحبوا إىل الدبابة، فإذا احترقت األخشاب اهنار السور مرة‬
                        ‫واحدة، تاركاً ثغرة صاحلة لالقتحام منها. (انظر الشكل رقم11).‬
‫واستعمل النيب صلى اهلل عليه وسلم الدبابة يف غزوة حصار الطائف (الطربي: 3/41)، مث‬
‫أدخل املسلمون عليها كثرياً من التحسينات، حىت صارت ضخمة كثرية العجل، فجعلوها‬
    ‫برجاً مرتفعاً بارتفاع السور، وبداخلها سالمل مستعرضة تنتهي إىل شرفات فيها، تقابل‬
   ‫شرفات احلصن، فيصعد الرجال يف أعالها، ويستعلون على السور وينتقلون من شرفاهتا‬
                                                      ‫إليه، مث يطردون منه رماة األعداء.‬
‫ومبرور الزمن زاد املسلمون من حجم الدبابة، فصاروا يصنعوهنا كبرية حبيث جتر على ست‬
  ‫عجالت أو مثاين عجالت، وتتسع الواحدة لعشرة رجال أو أكثر، يعملون هبا على نقب‬
                                                 ‫ُّور، فهي سالح يتعاون مع املنجنيق.‬‫الس‬



                                                               ‫سل‬      ‫ك‬
                                                     ‫(ج) رأس ال ّبْش و ُّم احلصار:‬
    ‫ُحمل رأس الكبش داخل برج خشيب، أو داخل دبابة، وهي عبارة عن كتلة خشبية‬          ‫ي‬
                        ‫ُك‬
   ‫ضخمة مستديرة، يبلغ طوهلا حوايل عشرة أمتار أو أكثر، قد ر ِّب يف هنايتها مما يلي‬
 ‫العدو، رأس من احلديد أو الفوالذ، تشبه رأس الكبش متاماً بقروهنا وجبهتها، كما يركب‬
     ‫السنان احلديدي على الرمح اخلشيب، وتتدىل هذه الكتلة من سطح الربج أو الدبابة،‬
  ‫حممولة بسالسل أو حبال قوية تربطها من موضعني، فإذا أراد اجلُند هدم سور أو باب‬
    ‫َّبوا الربج منه، مث وقفوا داخله على العوارض اخلشبية، مث يأخذون يف أرجحة رأس‬  ‫قر‬
           ‫الكبش للخلف واألمام، وهو معلق بالسالسل، ويصدمون به السور عدة مرات،‬
                                                                       ‫شكل رقم (11)‬
                     ‫حىت تنهار حجارته، فيعملون على نقبه وهدمه. (انظر الشكل 21).‬
                                               ‫ي‬
      ‫ويف كثري من احلاالت، كان رأس الكبش ُحمل داخل الدبابة الكبرية ذات الربج، يف‬
                                         ‫اجلزء السفلي منها، الستخدامه عند احلاجة إليه.‬
                                                                                  ‫س‬
     ‫أما ال ُلَّم، فهو من آالت احلصار أيضاً، وهو يساعد احملاصِر على اعتالء األسوار وفتح‬
                                                                         ‫مغالني احلصون.‬
‫ومبرور الزمن صارت السالمل تصنع من األخشاب واحلديد، مرتفعة بارتفاع السور تقريباً،‬
                           ‫يصعد فيها الرجال بعد أن يسندوها إىل السور من مكان أمني.‬
  ‫واهتم املسلمون بالسالمل ألمهيتها يف اعتالء األسوار واقتحام احلصون، فطوروها وأدخلوا‬
      ‫التحسينات عليها، فصار السلم بعد ذلك يصنع على قاعدة خشبية كبرية تساعد على‬
                                                        ‫سل‬          ‫ي‬
 ‫إثباته. وأحياناً كان ُقام عليها َُّمان يلتقيان يف النهاية العلوية، ليدْعم كل منهما اآلخر،‬
   ‫وجعلوا هلذه القاعدة بكرات من خشب أو عجالت ثابتة، ليسهل هبا نقله من مكان إىل‬
       ‫آخر، مث أكثروا من أعداد السلَّم يف اجليوش، وصار من أهم آالت احلصار كاملنجنيق‬
                                                                        ‫والدبابة وغريمها.‬



                                                                   ‫[6] أسلحة النصر:‬
                                 ‫لم يبق لألسلحة العربية اإلسالمية القديمة من أثر في الحروب‬
     ‫الحاضرة، فقد تخطاها الزمن إلى أسلحة تضاعف الخسائر وتطيل أمد الحرب وتلق الويالت‬
                                                                        ‫بالغالب والمغلوب.‬
   ‫ولكن هذه األسلحة القديمة تبقى بالنسبة للعرب والمسلمين أسلحة النصر التي تذكرهم بماضيهم‬
                                                                                   ‫المجيد.‬
 ‫وال تزال قسم من األمم الحديثة، تحتفظ في متاحف السالح، بكامل أسلحتها القديمة على اختالف‬
     ‫أنواعها، تذكرها بتاريخها الحربي، وقد أحسنت قسم من الدول العربية صنعاً بإنشاء متاحف‬
                  ‫ألسلحتها القديمة، فأصبحت تلك المتاحف مصدراً للدارسين وعبرة للمعتبرين.‬
                                   ‫إن معرفة الماضي هي وحدها ِّع لنا تصور المستقبل وتوج‬
‫ِّه جهودنا إلى الغاية الجديرة بتراثنا‬                      ‫تطو‬
‫العظيم، فالماضي والحاضر والمستقبل وحدة ال سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي وسيلتنا‬
                                                           ‫لتشخيص الحاضر ولمعرفة المستقبل.‬
  ‫ا‬            ‫ا‬
 ‫والسالح العربي اإلسالمي جزء ال يتجزأ من العسكرية اإلسالمية عقيدة وتاريخً، ولغة وسالحً،‬
    ‫وهذه العسكرية هي (روح ) انتصاراتنا وفخر تاريخنا، فالبد من دراسة تلك األسلحة ومعرفة‬
                           ‫أنواعها وأساليب استخدامها وتأثيرها المباشر في الحرب، فذلك يوض‬
          ‫ِّح المعارك العربية‬
                                                                 ‫واإلسالمية ويقربها إلى األفهام.‬
  ‫وقد دأب المؤرخون القدامى المعتمدون على السكوت عن وصف خواص األسلحة وكيفية عملها‬
                              ‫ال‬
‫في المعركة، وخاصة األسلحة الجماعية كالمنجنيق والدبابة مث ً، وسكوتهم قد يكون سببه معرفتهم‬
   ‫الكاملة لخواصها وتشغيلها ألنها كانت معروفة يومئذٍ . . أما اليوم فقد اختلف األمر، فأصبح ما‬
                                                                        ‫ً‬
    ‫كان معروفا قبل قرون غير معروف اليوم، فالبد من السعي الحثيث لتعريف خواص األسلحة‬
         ‫وآليتها، بدراسة كتب األسلحة القديمة ونشرها، وبدراسة األسلحة المتيسرة في المعارض‬
   ‫والمتاحف العربية واألجنبية، فنضيف دراسة عسكرية لألسلحة العربية اإلسالمية القديمة تفيدنا‬
                                                                                        ‫ً‬
                    ‫كثيرا في دراساتنا التاريخية وفي إعادة المعارك العسكرية العربية اإلسالمية.‬




                                                                                      ‫الخاتمة:‬
                                    ‫القادرون على إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية‬
                                                                               ‫[1] األهداف:‬
       ‫كان عبد العزيز فهمي (باشا ) يؤمن: ((أن تحسين الكتابة العربية ال يتأتى مطلقاً إال بتغيير‬
 ‫الحروف التي تكتب بها واتخاذ الحروف الالتينية، وبذلك نتمكن من الكتابة ومن النطق صحيحين‬
                                                 ‫ا‬           ‫))، وكان يتحدث بهذا الرأي ويبش‬
 ‫ِّر به، وأخيرً تقدم بهذا الرأي إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة‬
     ‫سنة اثنتين وستين وثالثمائة وألف الهجرية (3471م ) (مجلة مجمع فؤاد األول للغة العربية،‬
‫691571/11 ) ونشره في رسالته: (رسالة في اقتراح الحروف الالتينية لكتابة العربية )، فاستنكر‬
         ‫الرأي العام العربي واإلسالمي هذا الرأي واستهجنه، فمات في مهده غير مأسوف عليه.‬
    ‫وكان ممن استنكر هذا الرأي الشيخ عبدالعزيز البشري (المتوفى سنة 3471م، وقد كان يعمل‬
 ‫مراقباً إدارياً لمجمع اللغة العربية بالقاهرة )، المعروفة بنوادره وفكاهته، فقال لعبد العزيز فهمي:‬
                              ‫فرد‬
                        ‫((ماذا: تريد بإدخال الحروف الالتينية في الكتابة العربية ! ))، َّ عليه:‬
                       ‫ت َم‬                     ‫تَ‬               ‫ا‬               ‫أعم‬
     ‫(( أريد أن ِّمها، فأجابه فورً: )) ((تريد أن ُبرْنِطها واهلل ال أن ُع ِّمها! ))، فذهب جواب‬
             ‫م‬                                           ‫ال‬
 ‫البشري عليه رحمة اهلل مث ً، وأضحك الذين سمعوه في حينه، وال يزال يضحك َنْ يسمعه حتى‬
                                                                                       ‫اليوم.‬
               ‫ً‬                                ‫أعم‬
    ‫وبالطبع أراد عبد العزيز فهمي: ((أريد أن ِّمها ))، أي أن أجعلها أكثر انتشارا في العالم،‬
‫فتظاهر الشيخ البشري بأنه فهم من هذا التعبير، أنه يريد أن ترتدي العمامة، فرد عليه إنك تريدها‬
                                                         ‫أن ترتدي (البرنيطة ) ال (العمامة ).‬
                                  ‫ا‬
  ‫وقد أوردت هذه الحادثة في هذا المجال، ألنني أتذكرها كثيرً، حين أقرأ ما يكتبه قسم من الذين‬
                   ‫ا‬            ‫ا‬
        ‫يعيدون كتابة العسكرية اإلسالمية: عقيدة وتاريخاً، وقادة وتراثً، ولغة وسالحً، فأجد أنهم‬
                       ‫ملو‬
   ‫يمسخون هذه العسكرية مسخاً، إما لجهلهم المطبق، وإما ألن أفكارهم َّثة باالستعمار الفكري‬
 ‫البغيض، أو ألنهم جهالء وملوثون أيضاً . ظلمات بعضها فوق بعض، أو ألنهم يكرهون العرب‬
                                      ‫والمسلمين ويعادون كل ما يتصل بهم من قريب أو بعيد.‬




      ‫ولست أشك يف حسن نية بعض الذين يعيدون كتابة العسكرية اإلسالمية من العرب‬
‫واملسلمني، وأغلبهم يقصدون خدمة هذه العسكرية خدمة صادقة أو يريدون إبراز مزاياها‬
       ‫وعبقريتها، فيجعلون منها عسكرية غربية أو شرقية، وبذلك (يربنطوهنا ) ، وهي يف‬
                 ‫ي‬
    ‫حقيقتها ال شرقية وال غربية، بل هي عربية إسالمية، فما نريد من الذين ُعيدون كتابة‬
   ‫العسكرية اإلسالمية إال أن حيافظوا على أصالتها عربية إسالمية، وأال ميسخها شرقية أو‬
     ‫غربية، ألن ذلك يناقض الواقع، وخيالف التاريخ، وجيعلها ذنباً للعسكرية األجنبية، وال‬
                                                     ‫يبقيها رأساً عالياً من الرؤوس العالية.‬
    ‫والعقيدة العسكرية اإلسالمية، جزء ال يتجزأ من العقيدة اإلسالمية اليت نزل هبا الكتاب‬
        ‫العزيز، وجاءت هبا السنة النبوية املطهرة، فال ينبغي التالعب مببادئها لتوافق العقائد‬
‫العسكرية األجنبية لسبب أو آلخر، فذلك حتريف ال يقره الواقع وال يرتضيه العقل السليم،‬
                                                          ‫وخيالف نصوص الكتاب والسنة.‬
      ‫أما اجلزء الذي مل يرد فيه نص يف الكتاب والسنة، أو ورد يف نص اختلف الفقهاء يف‬
 ‫تفسريه، فالبد من العودة إىل أقوال الفقهاء اجملتهدين يف الدين من األئمة، وموازنة آرائهم‬
                                                     ‫واألخذ باألصلح لألمة زماناً ومكاناً.‬
    ‫واملعارك العسكرية اإلسالمية، هي التطبيق العلمي للعقيدة العسكرية اإلسالمية، فينبغي‬
                                                         ‫نبد حنو‬
    ‫عند إعادة كتابتها أال ِّل أو ِّر شيئاً من حقائقها التارخيية، بل نكتفي بنقل الوقائع‬
 ‫كما حدثت فعالً بأسلوب عصري حديث، الستخالص الدروس والعرب اليت تفيد العرب‬
                                                          ‫يف حاضرهم ومستقبلهم.‬
                                                                        ‫حنر‬
     ‫أما أن ِّفها لنجعل منها معارك تشابه املعارك احلديثة، فليس مقبوالً بأي عذر من‬
                                                 ‫األعذار، وألي سبب من األسباب.‬



        ‫أد‬
      ‫وكتابة قصة حياة قادة العرب واملسلمني، ينبغي أن يطابق واقعهم احلقيقي رجاالً ُّوا‬
     ‫دورهم القيادي يف زماهنم، ال أن حناول إبقاء أمسائهم وحتوير سرية حياهتم، حىت نقارن‬
    ‫بينهم وبني قادة األجانب ونفخر هبذه املقارنة، فذلك هدم لقادة العرب واملسلمني، ألنه‬
                                              ‫تشويه للحقائق وتزوير للتاريخ وتزييف للواقع.‬
                                          ‫ي حم‬
‫ودراسة التراث العريب اإلسالمي، ينبغي أن ُنشر َّققاً كما هو ال كما نشتهي أن يكون،‬
                                                                            ‫ُت‬
  ‫فاحلق أحق أن يَّبع، واحلقيقة أوىل بالتحقيق، وإال فما نشرنا تراثاً أصيالً، بل زورنا تراثاً‬
                                                                                  ‫غري أصيل.‬
                                            ‫ً‬
    ‫ووصف األسلحة العربية اإلسالمية وصفاً حقيقيا واقعياً، وإبراز أثرها العملي يف القتال،‬
        ‫أهم وأجدى من اختراع أوصاف هلا غريبة عنها وعن الذين استخدموها يف احلرب،‬
                                                                 ‫وانتصروا على أعدائهم هبا.‬
        ‫أما اللغة العسكرية العربية، واللغات العسكرية اإلسالمية، فينبغي تطهري مفردات من‬
                                               ‫ت‬
      ‫األلفاظ واملصطلحات األجنبية الدخيلة، وأال ُستعمل املصطلحات العسكرية األجنبية‬
      ‫مبناسبة وبغري مناسبة حبجة أهنا شائعة أو مشهورة، ألن لغة القرآن الكرمي ال تعجز عن‬
 ‫استيعاب املصطلحات العسكرية احلديثة، ولغة الكتاب العزيز أحق باحلرص على سالمتها‬
                                                   ‫واالعتزاز هبا من اللغات األجنبية األخرى.‬



     ‫ذلك ما كنت أبغي من إثارة موضوع إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية، وهدفي من إثارته ما‬
    ‫وجدته من انحراف واضح في كتابة قسم من أقسام هذه العسكرية، وأملي الوطيد بإيقاف هذا‬
                                        ‫ً ي‬        ‫ا‬                   ‫ح‬
      ‫االنحراف عند ِّده قبل أن يصبح تيارً جارفا ال ُبقي وال يذر، وحرصي على إعادة كتابة‬
 ‫العسكرية اإلسالمية بأقسامها كافة بأيدٍ أمينة ال غبار عليها، والعمل بها في المؤسسات العسكرية‬
             ‫ا‬     ‫ا‬
      ‫التدريبية والتعليمية، وااللتزام بها في القوات المسلحة العربية اإلسالمية نصً وروحً، لتقود‬
                     ‫م‬
 ‫العرب والمسلمين إلى النصر بإذن اهلل، هو من أهم أهدافي الحيوية التي آ ُل أن يوفقني اهلل على‬
 ‫تحقيقها بمعاونة العرب والمسلمين، والتي عشت من أجل تحقيقها كل حياتي العسكرية والعلمية.‬

                                                                  ‫[2] التيارات المريبة:‬
      ‫(أ) البد لنا من معرفة أبرز التيارات المريبة التي تبذل قصارى جهدها فيهدم الفكر العربي‬
     ‫اإلسالمي، لكي نستطيع أن نتبين القادرين حقاً على إعادة كتابة الحضارة العربية اإلسالمية،‬
                                                                    ‫ومنها العسكرية اإلسالمية.‬
      ‫والهدف الرئيس لهذه التيارات الفكرية المريبة: تلويث الفكر العربي اإلسالمي، وانتزاع ثقة‬
 ‫العرب والمسلمين بحضارتهم العريقة وماضي أمتهم العربية اإلسالمية المجيد، لتنهار معنوياتهم‬
                                     ‫ً‬
                            ‫فال يستطيعون الحرب والقتال، ويستسلمون استسالماً كامال لألعداء.‬
  ‫(ب) فمن هذه التيارات، التيار االستعماري الصهيوني الماسوني، الذي يقلب الحقائق رأساً على‬
                                                                       ‫ً‬
‫عقب، أو يعللها تعليال منحرفاً يصور فيه أمجاد العرب والمسلمين، وكأنها أشياء تافهة ال قيمة لها‬
                                                                   ‫وال تستحق الذكر أو الفخر.‬
                                  ‫والذي يتصيد (المثالب ) ويضخمها، ويبرز معالمها ويعم‬
‫ِّق آثارها، ويغض الطرف عن (المزايا )‬
                                                                                 ‫ا‬
                                                             ‫أو يهون عمدً من قيمتها الحقيقية.‬




              ‫جل‬                     ‫داب‬                ‫ُ ِي‬
 ‫وُطلِق على هؤالء لقب: (اجلعَلُّون )، نسبة إىل َّة األرض اليت تسمى: (ا ُعَل )، وهي‬  ‫أ‬
        ‫دابة ال تستريح إال يف املواضع الندية القذرة ذات الرائحة الكريهة، فإذا وضعت يف‬
                          ‫األماكن اجلافة النظيفة ذات الرائحة الطيبة الذكية، ماتت فوراً.‬
     ‫ويتألف هؤالء من املستشرقني املغرضني احلاقدين على العرب واملسلمني، وطالهبم من‬
     ‫املستغربني الذين حذوا حذوَ املستشرقني املغرضني احلاقدين، وتلوثت عقوهلم مبا كتبه‬
                                                   ‫واد‬
                        ‫أساتذهتم فنقلوها إىل العربية نقالً َّعوه ألنفسهم كذباً وزوراً.‬
          ‫(ج) ومن هذه التيارات، التيار الصلييب، الذي حياول أن يغزو كل مفاخر العرب‬
‫واملسلمني يف الفتوح واحلضارة والعلوم والفلسفة والفنون إىل النصارى، فالنصارى عاونوا‬
 ‫يف الفتح اإلسالمي العظيم، وهم الذين نقلوا العلوم والفنون والفلسفة من اللغات األجنبية‬
                                             ‫إىل العربية وحدهم دون سواهم من الناس.‬
  ‫وال ينكر التاريخ العريب اإلسالمي عليهم حقَّهم وال حق غريهم، ولكن إبراز ذلك احلق‬
                         ‫وجعله كل شيء، ينكره كل مؤرخ منصف، ويستنكره أيضاً.‬
     ‫وُطلق على هؤالء لقب: (الصليبيون ) نسبة إىل احلروب الصليبية اليت كانت خلدمة‬    ‫أ‬
                                              ‫االستعمار ال خلدمة املسيح عليه السالم.‬
      ‫(د) ومن هذه التيارات، التيار الشيوعي، من أصحاب الوالء املزدوج: الوالء األول‬
 ‫لألجنيب، والوالء الثاين لوطنهم األصلي، فإذا تناقض الوالءان كانت األسبقية يف التفضيل‬
                                                                      ‫للوالء األجنيب.‬



‫وهؤالء جيعلون من كل مفخرة عربية إسالمية (إجنازاً )، اشتراكياً، فالفتح اإلسالمي (مثال‬
  ‫ً) كان ألسباب اقتصادية، وكل شخصية إسالمية حتدب على الفقراء شخصية اشتراكية،‬
     ‫دون أن يفقهوا أن هذا احلدب قد جعله اهلل (حقا ) للفقراء على األغنياء، فقال تعاىل:‬
                                                             ‫ق م‬
‫(والذين يف أمواهلم ح ٌ معلو ٌ للسائل واحملروم ) (املعارج:42)، وقال تعاىل: (ويف أمواهلم‬
  ‫ح ٌ للسائل واحملروم ) (الذاريات:71)، وهذا ما ال حيلمون به وال يطمعون أن حتظى به‬  ‫ق‬
 ‫شعوهبم املغلوبة على أمرها، فالنيب صلى اهلل عليه وسلم يف زعم هؤالء املنحرفني (يساو ّ‬
 ‫ي‬
   ‫)، وأبو بكر الصديق رضي اهلل عنه (وسط )، وعمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه (يساري‬
‫)، وعثمان بن عفان رضي اهلل عنه (مييين )، وعلى بن أيب طالب (يساري )، إىل غري ذلك‬
          ‫من املهازل اليت يرفضها العقل، ويدحضها املنطق، ويكذهبا التاريخ، ويأباها الدين‬
                                                                              ‫احلنيف!!‬
                                                         ‫َص ِي‬
   ‫وُطلق على هؤالء لقب: (الق َّابُّون ) نسبة إىل القصاب الذي ذبح الرجال وسحلهم،‬      ‫أ‬
                                                               ‫ورو‬
            ‫َّب البيوت وهنبها، َّع اآلمنني وانتهك احلرمات، باسم احلرية والتقدمية‬  ‫وخر‬
                                                ‫ملث‬
      ‫واالشتراكية، وهو ال يفقه من كل هذه ا ُُل شيئاً (جرى ذلك يف مدينة املوصل سنة‬
                                                                           ‫7571م ).‬
  ‫(هـ) ومن هذه التيارات التيار اجلاهلي، الذي حياول أن يعزو كل أثر لإلسالم وتعاليمه‬
       ‫ورجاله للعرب، والغرض من هذا االجتاه هو متجيد أثر اإلسالم يف الفتح واحلضارة،‬
                                               ‫فظاهره حب للعرب، وباطنه كره لإلسالم.‬
  ‫وال شك يف أن األمة العربية أمة جميدة، وال يكره العربَ مسلم حق سواء أكان عربياً أو‬
                       ‫غري عريب، وألنين عريب فال أكره أن أمسع على قومي أطيب الثناء.‬
                                             ‫ولكن الواقع شيء، واالختالق شيء آخر.‬
                           ‫أ‬           ‫كر‬
    ‫ولست أعرف ديناً مساوياً، وال عقيدة أرضية، َّمت العرب ُمة وأفراداً، كما كرمها‬
                                                                             ‫اإلسالم.‬
  ‫يكفي أن يكون النيب صلى اهلل عليه وسلم عربياً ويكفي أن يكون القرآن عربياً، ويكفي‬
                                ‫أن يكون اخللفاء الراشدون واألمويون والعباسيون عرباً.‬



                            ‫ويكفي أن يكون كل قادة الفتح وجنوده (تقريباً ) من العرب.‬
   ‫وقد وردت إحدى وأربعون آية كرمية يف سور خمتلفة من سُور القرآن الكرمي عن العرب‬
                                   ‫بالذات. (تفصيل آيات القرآن الكرمي:665 - 195 ).‬
 ‫وقال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: ((ال يكره العرب إال منافق )) (رواه اإلمام أمحد)،‬
 ‫ذل‬                   ‫الس‬
 ‫كما جاء يف فضل العرب كثري من األحاديث النبوية ترويها كتب ُّنة، منها: (( إذا َّ‬
                                               ‫ح‬
      ‫العرب ذل اإلسالم )) (71)، ومنها: (( ُب العرب إميان وبغضهم نفاق )) (12)،‬
          ‫ومنها: ((أحبوا العرب لثالث: ألين عريب، والقرآن عريب، وكالم أهل اجلنة عريب‬
                                 ‫َ‬      ‫ح أحب‬                   ‫َ‬
        ‫))(12)، ومنها: ((أالَ منْ أحب العرب فب ُيب َّهم، ومنَ أبغض العرب فببغضي‬
                                                             ‫أبغضهم )) (رواه الطرباين).‬
‫وقال اإلمام ابن تيمية: ((إن العرب أفضل من جنس العجم ))، وقال: ((األحاديث الواردة‬
                            ‫يف فضل قريش كثرية، وهي تدل على فضل العرب )) (22).‬
   ‫ومل يقبل النيب صلى اهلل عليه وسلم اجلزية من عرب اجلزيرة العربية، وهذا خالف احلكم‬
                                                 ‫على غريهم (اخلراج أليب يوسف:19 ).‬
                   ‫ل‬
 ‫وقد ضاعف عمر بن اخلطاب رضي اهلل عنه الصدقة على نصارى بين َتغِْب وأسقط عنهم‬
                                                            ‫اجلزية(32)، تكرمياً للعرب.‬
         ‫وحىت الفقهاء أعطوا للعرب مكانتهم اليت يستحقوهنا شرعاً، ففي بيان ما تعترب فيه‬
   ‫الكفاءة، يف قضايا الزواج، ذكروا أشياء منها: النسب، فقالوا: ((والعرب بعضهم أكفاء‬
   ‫لبعض: رجل برجل، واملوايل أكفاء بعضهم لبعض: رجل برجل، ألن التفاخر والتعيري‬
         ‫يقعان باألنساب )) وال تكون املوايل أكفاء للعرب، لفضل العرب على العجم .‬
 ‫وقال السرخسي: العرب بعضهم أكفاء لبعض، فإن فضيلة العرب بكون رسول اهلل صلى‬
‫اهلل عليه وسلم منهم، ونزول القرآن بلغتهم، قال رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم: (( حب‬
  ‫العرب من اإلميان )، وقال لسلمان الفارسي: (( ال تبغضين! قال: وكيف أبغضك وقد‬
                     ‫هداين اهلل بك؟! قال تبغض العرب فتبغضين )) (املبسوط: 4495).‬



‫ولو أردنا أن نستقصي كل ما جاء يف فضل العرب من األقوال أئمة املسلمني، جلئنا بأقوال‬
                                                                                    ‫َد‬
                         ‫ال ُتع ُّ وال حتصى . (انظر خامتة كتابنا: قادة فتح الشام ومصر ).‬
      ‫وال أظن أن هناك عربياً واحداً، مسلماً كان أو نصرانياً، خملصاً (حقاً ) لقومه العرب،‬
 ‫يرفض اإلسالم ويتنكر ألثره العظيم يف العرب، إال إذا كان جاهالً كل اجلهل، أو صليبياً‬
         ‫أو صهيونياً يكره اإلسالم وحياربه، أو عميالً لالستعمار والصهيونية وأعداء العرب‬
                                                                         ‫مغر‬
                                                       ‫واملسلمني، أو َّراً به كل التغرير.‬
      ‫وُطلق على هؤالء لقب: (اجلاهليون )، نسبة إىل اجلاهلية يف عصبيتها القبلية وشركها‬    ‫أ‬
     ‫وختبطها وكرهها لإلسالم، وهذا هو معىن اجلاهلية: جهالة وضاللة، واحلالة اليت تكون‬
                                                  ‫عليها األمة قبل أن جييئها اهلدى والنبوة.‬
‫ِّر أمر‬‫(و) ومن هذه التيارات، التيار الشعويب، وهو املفضل أمر العجم على العرب، واملصغ‬
   ‫العرب، واحملاول احلط منهم (م ن اللغة: 3/123 )، وهو مفرد الشعوبية، وكانت نزعة‬
                             ‫يف العصر العباسي تنكرت للعرب أي تنكر وعادهتم أي عداء.‬
     ‫وهؤالء يقللون من شأن العرب، ويغمطون حقوقهم، وحيطون من أقدارهم، وينكرون‬
                        ‫والد‬
               ‫عليهم كل فضل، ويتنكرون هلم بالتظاهر باإلخالص لإلسالم ِّفاع عنه.‬
‫وال ميكن أن حيب املرء اإلسالم وخيلص له ويتمسك به بتعاليمه ويلتزم به، مث يكره العرب‬
     ‫الذين هم مادة اإلسالم، فيتنكر هلم وينكر فضلهم، ويقلل من شأهنم ويغمط حقهم يف‬
                                                            ‫أجماد املسلمني حضارة وفتحاً.‬
         ‫إن العرب جسد، روحه اإلسالم، واجلسد بدون روح فناء، واجلسد بالروح بقاء.‬
                                                      ‫الش‬                     ‫أ‬
 ‫وُطلِق على هؤالء لقب: ( ُّعوبيون )، وال يكره العرب إال منافق، كما قال عليه أفضل‬
                                                                 ‫الصالة والسالم.‬



                                                   ‫جعِي‬
  ‫(ز) إن كل عربي ومسلم، ال يأتمن ال ُ َلِّين والصليبيين والقصابين والجاهليين والشعوبيين على‬
                     ‫ا‬            ‫ا‬             ‫ا‬
    ‫إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية عقيدة وتاريخً، وقادة وتراثً، ولغة وسالحً، فهؤالء الحاقدون‬
‫والمبغضون والمنحرفون والمرتدون والمنافقون يمسخون العسكرية اإلسالمية ويشوهون معالمها،‬
    ‫ويزيفون أحداثها، ويدسون فيها ويفترون عليها ويشكون بها باسم البحث العلمي والموضوعية‬
                                 ‫والنقد وشعارات زائفة أخرى، وكل هذه الشعارات منهم براء.‬
 ‫إن كل عربي مسلم، ال يأتمن على إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية غير العربي األصيل والمسلم‬
 ‫الحق، فهؤالء وحدهم يعيدون كتابتها بأسلوب العصر، وينقونها من الشوائب التي علقت بها عبر‬
                                                                                    ‫القرون.‬
                                                               ‫ي‬
                                                 ‫ولكن هذا القول وحده، ال ُغني عن كل قول.‬

                                                                 ‫[3] العلماء القادرون:‬
       ‫(أ) إن القادرين على إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية كثيرون من علماء العرب والمسلمين‬
                                                                        ‫وقليلون من الضباط.‬
‫وهذا العصر أصبح عصر ذوي االختصاص بالدرجة األولى، والضباط وحدهم هم القادرون بحق‬
‫على النهوض بهذه المهمة الصعبة الشاقة ذات المجاالت المتشعبة الواسعة، التي تحتاج إلى الصبر‬
   ‫الجميل والدأب المتواصل، والسهر المستمر، والحرص الشديد، واالختصاص والتفرغ الكامل.‬
     ‫ومن المهم جداً، أن يعاون الضباط علماء من ذوي االختصاص، كل حسب اختصاصه، ألن‬
  ‫الضباط يستطيعون تفهم العسكرية اإلسالمية بأقسامها بشكل أفضل من غيرهم، لعالقة العسكرية‬
 ‫اإلسالمية بعملهم المباشر ضباطاً في الجيش، ولكن ليس كل ضابط قادراً على النهوض بمثل هذا‬
                                                                     ‫الواجب الحيوي العظيم.‬




              ‫ا‬
 ‫إن الضابط الذي يستطيع أن ينتج يف جمال العسكرية اإلسالمية إنتاجاً سويً، البد من أن‬
                                                      ‫جمر‬
   ‫يكون عاملاً يف فنه العسكري، ِّباً جتارب طويلة ومثمرة يف العمليات القتالية واألمور‬
                                                  ‫ا‬
   ‫اإلدارية، متقناً للغة العربية إتقاناً جيدً، نظيفاً يف عقله ال يعاين داء االستعمار الفكري،‬
 ‫ليس مبهوراً بالعقائد العسكرية األجنبية، سليماً يف عقيدته اإلسالمية، يعرف قيمة املعارك‬
   ‫اإلسالمية وأقدار والقادة املسلمني، خبريً باملصادر العربية اإلسالمية املعتمدة وباملصادر‬
                                              ‫أجل‬
   ‫األجنبية املوثوق هبا، يعترب العلم عبادة من ِّ العبادات ال جتارة من أربح التجارات،‬
‫ويرى يف جهده مهما يكن شاقاً وطويالً جهاداً خالصاً لوجه اهلل، مستعداً للتضحية جبهده‬
   ‫وماله من أجل إخراج إنتاجه العريب اإلسالمي إىل حيز التنفيذ، دون أن ينتظر من أحد‬
           ‫متجد‬                         ‫ي‬
‫جزاء وال شكوراً، وحسبه أجر اهلل يف إخراج علماً ُنتفع به، ويبقى أجره ِّداً ما بقي‬
                                                                             ‫املنتفعون به.‬
                                         ‫ب‬
    ‫والضابط من هذا الطراز نادر جداً، ألن املستعمر رَّى الضباط على حب لغة األجنيب‬
 ‫وتعلمها، وكره العربية الفصحى وجهلها، ودراسة القادة األجانب وإغفال القادة العرب‬
     ‫واملسلمني، واالنبهار بالعقيدة العسكرية األجنبية واالحتقار للعقيدة العسكرية العربية‬
   ‫اإلسالمية، والتفرغ للكأس والطاس والسهر يف احلفالت الترفيهية والنوادي الرخيصة.‬
    ‫فإذا استطاع نفر قليل جداً من الضباط - برمحة اهلل - أن يتملصوا من تربية املستعمر‬
            ‫ومناهجه التخريبية، فالفضل هلل وحده، ولوال رمحة اهلل ملا اهتدوا وما استقاموا.‬
     ‫وعلى هؤالء النفر القليل من الضباط، يقع واجب قيادة عملية إعادة كتابة العسكرية‬
                                                                    ‫اإلسالمية من جديد.‬
        ‫(ب) ولكن العلماء املدنيني من ذوي االختصاص، هلم دور مرموق يف إعادة كتابة‬
                                                ‫العسكرية اإلسالمية بأسلوب عصري مفيد.‬



                                                                ‫واحملد‬
 ‫فالعلماء املفسرون ِّثون والفقهاء، هلم أمهية خاصة يف إعادة كتابة العقيدة العسكرية‬
      ‫اإلسالمية، خاصة وأن أهم مصادر هذه العقيدة هي القرآن الكرمي، وكتب احلديث‬
                                                                          ‫وكتب الفقه.‬
   ‫واملؤرخون الثقات، هلم أمهية كبرية يف إعادة كتبة املعارك العربية اإلسالمية خاصة وأن‬
              ‫أهم مصادر هذه املعارك هي: املصادر التارخيية العربية اإلسالمية املعتمدة.‬
  ‫واجلغرافيون الثقات، هلم دور يف إعادة كتابة املعارك العربية اإلسالمية، خاصة وأن أهم‬
        ‫مصادر مواقع هذه املعارك هي املصادر: اجلغرافية القدمية، كما أن رسم اخلرائط‬
                                             ‫َّطات ضروري لتوضيح هذه املعارك.‬     ‫واملخط‬
   ‫واملؤرخون واجلغرافيون الثقات، هلم أمهية قصوى يف كتابة سِيَر قادة العرب واملسلمني،‬
      ‫جلمع املعلومات اخلاصة هبؤالء القادة من مظاهنا يف املصادر املختلفة، ورسم اخلرائط‬
                                                  ‫واملخططات التوضيحية ملعارك القادة.‬
‫وحتقيق التراث العريب اإلسالمي حباجة إىل علماء اللغة بالدرجة األوىل، فهم القادرون على‬
                                                              ‫حتقيق هذا التراث ونشره.‬
       ‫واملؤرخون واللغويون واملهندسون هلم أمهية خاصة يف حتقيق أنواع األسلحة العربية‬
   ‫اإلسالمية وأسلوب عملها واستخدامها، املؤرخون لتحقيق املعارك اليت استعملت فيها،‬
  ‫واللغويون لتحقيق أمسائها وأقسامها يف اللغة، واملهندسون لرسم أشكاهلا وتفصيل عملها‬
                                                                                 ‫وآليتها.‬
‫واللغويون هلم دور عظيم يف تطهري اللغة العسكرية يف األلفاظ الدخيلة ووضع املصطلحات‬
                                                                      ‫العسكرية احلديثة.‬
 ‫(ج) ولكن أي صنف من العلماء ينبغي أن يكون هؤالء املرشحون للعمل يف إعادة كتابة‬
                                                                   ‫العسكرية اإلسالمية؟‬
‫البد أن يكون العامل متيناً يف علمه، حىت ميكن أن يفيد فائدة كاملة ورصينة، وال فائدة من‬
  ‫عامل غري متمكن من علمه، ألنه يضر أكثر مما يفيد، واحنرافه عن الواقع تكون له عواقب‬
                                                                ‫وخيمة إىل أبعد احلدود.‬
 ‫وأن يكون خملصاً بعمله، غايته النجاح يف عمله، فإذا انتفع بعمله مادياً فذلك خري، ال أن‬
                                         ‫تكون غايته االنتفاع مادياً أوالً وقبل كل شيء.‬



  ‫وهبذه املناسبة، أجد قسماً من الدول العربية الغنية تغدق األموال الطائلة على العلماء، أو‬
                                         ‫ي‬
                              ‫على املشتغلني بالعلم بتعبري أدق، ألن العامل حقاً ال ُغرى باملال.‬
    ‫وأشهد أن إغداق األموال الطائلة على املشتغلني بالعلم أو جتار العلم، أفسد العلم، ألن‬
‫جتار العلم انتهزوها فرصة لإلثراء السريع، فأخذوا يكتبون أي شيء وحياضرون بأي كالم،‬
     ‫ليقبضوا األموال بسرعة، ألن الكتابة األصلية تستغرق وقتاً طويالً يف البحث والتنقيب‬
    ‫واإلعداد، لذلك يكتبون أي كالم ليتقاضوا األجر املادي، وهذه الكتابة املتهافتة اهلزيلة‬
         ‫تنجز بسرعة، ويتقاضى عليها األجر نفسه الذي يتقاضاه على البحث األصيل، بينما‬
    ‫يستغرق إعداد البحث األصيل أضعاف ما يستغرقه البحث اهلزيل من وقت، وهلذا يُؤْثِر‬
              ‫البحث اهلزيل على البحث األصيل حباً باملال، مما أدى إىل ضعف مستوى الكلمة‬
                               ‫املكتوبة، فأصبحنا نشم رائحة املال منها وال نشم رائحة العلم.‬
                                    ‫وما يقال عن الكلمة املكتوبة، يقال عن الكلمة املسموعة.‬
           ‫أما إذا جرى انتداب جتار العلم للنهوض بواجب علمي معني، فإهنم يستغرقون وقتاً‬
                        ‫ُب‬
       ‫إلجنازه، هو أضعاف الوقت املناسب إلجنازه، فهم يعملون من احلبة قَّة لكي يقتنصوا‬
  ‫أضخم مبلغ ممكن من املال، ومن املشكوك جداً أن ينجز هؤالء عمالً علمياً كما ينبغي،‬
                                         ‫ألهنم جتار وليسوا علماء حىت ولو كانوا علماء حقاً.‬
     ‫وجتار العلم يكتبون ويقولون ما (حيب ُّ) أن يسمع دافع األموال هلم سواء أكان الدافع‬
                                                 ‫حكومة أو شعبياً، وهذا ليس علماً بل نفاقاً.‬
 ‫أما العامل املخلص يف عمله، فيكتب ويقول ما (جيب ) أن يسمع دافع األموال، ألن كلمة‬
‫العلم فوق كل كلمة، ونعم األمراء على أبواب العلماء، وبئس العلماء على أبواب األمراء.‬
               ‫إن أدعياء العلم، وجتار العلم، وعلماء السلطان، ال مكان هلم يف كتابة العسكرية‬
                       ‫اإلسالمية، ألهنم يضرون وال ينفعون، ويعمرون جيوهبم خبراب قلوهبم.‬



  ‫وأخيراً، أن يكون العالم محافظاً على كرامة العلماء، فكل منْ َ ّ ود ّ يستطيع أن يكون رئيسً‬
  ‫ا‬                    ‫َ هب ب‬
  ‫أو مسؤوالً أو يتولى سلطة كبيرة، ولكن ليس كل من هب ودب يستطيع أن يكون عالماً، ويمكن‬
         ‫ا‬
        ‫أن تولي (المراسيم ) أي شخص أي منصب، ولكنها ال يمكن أن تجعل من الجاهل عالمً.‬
 ‫وما أروع قولة هارون الرشيد: ((تكبر علينا علم مالك، فاستفدنا منه )) وما تكبر علم مالك على‬
                                                       ‫الفقراء، ولكنه لم يستخذ لذوي السلطان.‬
                                                                       ‫ً‬
  ‫إن العالم الذي يفيد حقا في كتابة العسكرية اإلسالمية، هو العالم المتين في علمه، العامل بعلمه،‬
               ‫أجل‬
 ‫المخلص بعمله، المحافظ على كرامة العلماء، المؤمن بأن العلم (عبادة ) من ِّ العبادات وليس‬
                                                                 ‫(تجارة ) من أربح التجارات.‬
  ‫وهؤالء العلماء األعالم، إذا تعاونوا مع الضباط الذين ذكرنا مزاياهم، فإن إعادة كتابة العسكرية‬
                                                                    ‫حي‬
‫اإلسالمية ستولد َ َّة، تفيد حاضر العرب ومستقبلهم، وسيكون لها أثر وتأثير عظيمان في العقول‬
                                               ‫والنفوس معاً، وستؤتي ثمراتها مرتين بإذن اهلل.‬
   ‫أما إذا تعاون تجار العلم مع الضباط الملوثين عقلياً فإن إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية ستولد‬
                                                          ‫ا‬            ‫ا‬                ‫مي‬
‫ِّتة، ال تفيد صديقً وال تضر عدوً، تفوح منها رائحة الدرهم والدينار أكثر مما تفوح منها رائحة‬
     ‫العلم، ويكون مولدها من مصلحة أعداء العرب والمسلمين ال من مصلحة العرب والمسلمين.‬

                                                                ‫[4] المنهاج واألسلوب:‬
                                                           ‫ا‬
    ‫(أ) ال أثق بتشكيل اللجان كثيرً، وخاصة في القضايا العلمية، فقد كان نصيب اللجان اإلخفاق‬
                                                                               ‫ا‬
                                                                              ‫الكامل إال نادرً.‬
               ‫لهذا أرى أن يقوم بإعادة كتابة العسكرية اإلسالمية ضابط واحد فقط، يعاونه في:‬
                                                                  ‫مفس‬
                                                ‫كتابة العقيدة اإلسالمية ِّر واحد وفقيه واحد.‬
                              ‫وكتابة المعارك العربية اإلسالمية، مؤرخ واحد، وجغرافي واحد.‬
                             ‫ا‬
                            ‫وكتابة قادة العرب والمسلمين، مؤرخ واحد، وجغرافي واحد أيضً.‬
                 ‫وكتابة األسلحة العربية اإلسالمية، مؤرخ واحد، ولغوي واحد، ومهندس واحد.‬




   ‫وكتابة اللغة العسكرية العربية، لغوي واحد، وعامل واحد باللغة اإلنكليزية، وعامل واحد‬
                                                                        ‫باللغة الفرنسية.‬
   ‫ويكون مع كل قسم من هذه األقسام اخلمسة إداريان: األول كاتب على اآللة الطابعة،‬
                                                                            ‫منس‬
                                           ‫والثاين ِّق للكلمات واملفردات والتصحيح.‬
‫أما حتقيق التراث العسكري اإلسالمي العريب فيوزع التراث على اللغويني املختصني إلجراء‬
  ‫التحقيق يف دورهم، وتوقيت االنتهاء من التحقق، مث يبعثون التراث الذي حققوه إىل مقر‬
               ‫هيئة إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية، ملراجعة التحقيقات وإخراجها للناس.‬
   ‫إن ضخامة عدد العاملني يف هذا احلقل ال فائدة فيه، وقد يؤدي إىل عرقلة إجناز املشروع‬
                                                    ‫أكثر مما يؤدي إىل اإلسراع بإجنازه.‬
    ‫وما يقال عن العاملني، يقال عن اإلداريني أيضاً، واملهم هو تقسيم الواجبات بوضوح،‬
                                                          ‫ومطالبة كل فرد بأداء واجبه.‬
      ‫أما أن حنشر اإلداريني حشراً، فهو يؤدي إىل ضياع املسؤولية، وبالتايل إىل اإلخفاق.‬
‫لقد كتبت قادة الفتح وحدي، ال يعاونين أحد، أعمل كل شيء بنفسي، فأخرجت سلسلة‬
 ‫قادة الفتح اإلسالمي األربع: قادة فتح العراق واجلزيرة، وقادة فتح بالد فارس، وقادة فتح‬
                                 ‫بالد الشام ومصر، وقادة فتح املغرب العريب، وهي مطبوعة.‬
      ‫وأجنزت حىت اليوم: قادة فتح السند وأفغانستان، وقادة فتح ما وراء النهر، وقادة فتح‬
    ‫أرمينية، وقادة فتح بالد الروم، وهي خمطوطة تنتظر أن أدفع هبا إىل املطبعة قريباً إن شاء‬
                                                                                        ‫اهلل.‬
‫كما كنت رئيساً للجنة توحيد املصطلحات العسكرية للجيوش العربية اليت أخرجت للناس‬
                                                                       ‫موح‬
                                                      ‫أربعة معجمات ِّدة سبق ذكرها.‬
      ‫والقادة واللغة أصعب كثرياً من أقسام العسكرية اإلسالمية األخرى، وجتربيت هي اليت‬
               ‫أنارت يل الطريق يف اقتراح منهاج العمل إلجناز ما تبقى من هذه العسكرية.‬
  ‫ومن املهم إعداد املصادر التارخيية واجلغرافية والفقهية واللغوية، اليت تعني العاملني يف هذا‬
                   ‫اجملال للنهوض مبهمتهم على أحسن وجه وبأحسن طريقة وأسرع وقت.‬



                      ‫وسنتان على األكثر كافيتان إلجناز ما تبقى من العسكرية اإلسالمية.‬
      ‫(ب) أما أسلوب إعادة كتابة العسكرية اإلسالمية، فقد ذكرت شطراً منه فيما سبق،‬
     ‫وأسلوب إعادة كتابة العقيدة العسكرية اإلسالمية، واملعارك العربية اإلسالمية معروف‬
     ‫جداً، واملهم فيه أن يكون عربياً إسالمياً ال مستورداً من الشرق أو الغرب الذي يعتمد‬
 ‫أسلوب اإلطناب اململ، وال أسلوب املتون الذي يعتمد اإلجياز املخل، بل األسلوب الوايف‬
  ‫بالغرض . . البعيد عن اإلطناب واإلجياز، الذي حيافظ على احلقائق وال حيمل القضايا ما‬
     ‫ال تطيق، والذي ميكن استنباط الدروس والعرب منه بسهولة ووضوح، بدون استعمال‬
                             ‫األلفاظ األجنبية الدخيلة، واالكتفاء باأللفاظ العربية األصيلة.‬
   ‫وقد حاولت أن أقرأ كل ما صدر من دراسات عسكرية حديثة يف شىت أقسام العسكرية‬
 ‫اإلسالمية اليت صنعها مؤلفون عرب ومسلمون، وسأعرض ما ملسته يف تلك الدراسات يف‬
                                                                                  ‫احنراف.‬
‫فقد ذكر أحد املؤلفني احملدثني، يف دراسة خاصة باحلرب والسالم يف اإلسالم: أن لكل نيب‬
                   ‫ي‬
      ‫معجزة، فمعجزة موسى العصا، ومعجز عيسى شفاء املرضى الذين ال ُرجى شفاؤهم‬
                                              ‫بإذن اهلل، ومعجزة حممد (هكذا ) احلرب!‬
‫وقد وقع هذا املؤلف فريسة سهلة بيد املؤلفني األجانب من أعداء العرب واملسلمني، فنقل‬
                                                        ‫مزاعمهم نقالً ونسبها إىل نفسه.‬
   ‫والغريب العجيب أن أحد املؤلفني األجانب نقل هذا الكالم عن املؤلف العريب املسلم،‬
                                                   ‫وبىن عليه أباطيل مذهلة يف السراب!!‬
    ‫ولو مل يكتب املؤلف العريب املسلم ما كتب، ألسدى أعظم خدمة بسكوته للعسكرية‬
                                                  ‫اإلسالمية، ولكن سبق السيف العذل.‬
      ‫أما يف جمال إعادة كتابة املعارك العربية اإلسالمية، فقد أكثر الذين أعادوا كتابتها يف‬
                  ‫حتميلها ما ال حتتمل، فاحتفظوا بأمساء املعارك، ومسخوا فحواها مسخاً.‬



     ‫وإذا مل يستطع الذين يعيدون كتابة معارك الفتوح مثالً أن حيتفظوا باحلقائق وحيافظوا‬
                ‫ي‬
‫عليها، فاألفضل هلم وللعرب واملسلمني وللتاريخ وللعسكرية اإلسالمية أن ُبقوا كل شيء‬
                                                                           ‫على ما هو عليه.‬
     ‫إن من الصعب جداً أن نقارن بني معركة إسالمية جرت قبل أربعة عشر قرناً، مبعركة‬
 ‫حديثة جرت يف احلرب العاملية الثانية، من ناحية التفاصيل واألساليب القتالية، ألهنا خمتلفة‬
                                                                   ‫ا‬
  ‫يف املعركتني اختالفاً بعيدً، الختالف أنواع األسلحة ووسائط النقل واملواصالت وتعداد‬
‫املقاتلني، وزج هذه املقارنة هبذه الطريقة الناشزة، مبناسبة أو بدون مناسبة، خطأ فاحش ال‬
 ‫ِّغ له، وقع فيه كثري من الذين حاولوا إعادة كتابة املعارك العربية اإلسالمية، فأساؤوا‬   ‫مسو‬
  ‫وهم حيسبون أهنم أحسنوا صنعاً، ألهنم جعلوا من املعارك العربية اإلسالمية ذنباً للمعارك‬
                                                         ‫ا‬
     ‫األجنبية، وهي ليست ذنباً بل رأسً، ألهنا أقدم توقيتاً من املعارك األجنبية، وقد يقتبس‬
                                  ‫احلديث من القدمي، والعكس ليس صحيحاً بل مستحيالً.‬
         ‫ولكن ميكن مقارنة مبادئ احلرب يف املعركتني القدمية واحلديثة، ألن املبادئ ثابتة،‬
                                                                         ‫واألساليب متغرية.‬
 ‫وما يقال عن املعارك العربية اإلسالمية، يقال عن القادة العرب واملسلمني، فلهؤالء القادة‬
‫مساهتم ومزاياهم اليت تناسب عصرهم وعقيدهتم وسلوكهم وتقاليدهم، فينبغي اإلبقاء على‬
                                                                         ‫والس‬
     ‫تلك املزايا ِّمات كما كانت عليه دون أن نبقي أمساءهم كما هي ومنسخ سريهتم‬
‫بإضافة مزايا ومسات جديدة إليهم مل يكونوا يعرفوهنا ومل يسمعوا هبا، ولو عادوا إىل احلياة‬
                                                                              ‫ملا تقبلوها.‬
 ‫لقد عاشوا قبل أربعة عشرا قرناً، والقادة األجانب الذين عاشوا يف القرن احلايل، خيتلفون‬
   ‫عنهم يف كل شيء تقريباً، فإذا شبهنا قادة العرب واملسلمني بالقادة األجانب كما يفعل‬
       ‫قسم من املؤلفني احملدثني من العرب واملسلمني، فقد قللنا من أقدار قادتنا ومنزلتهم،‬
                                                ‫وأسأنا إليهم من حيث أردنا اإلحسان . .‬



                                           ‫ُقر‬
             ‫وهذا ما ال يقبله العقل وال يرتضيه املنطق وال ي ُّه الوجدان ويأباه القادة العرب‬
                                                                                ‫واملسلمون.‬
     ‫(ج) ذلك غيض من فيض، تتسم به الدراسات العسكرية اإلسالمية، أكفي بذكر أمثلة‬
                                          ‫منها وأترك الباقي للدارس العريب املسلم احلصيف.‬
      ‫وال أريد أن أشق على القارئ يف سرد تفاصيل تلك االحنرافات واألخطاء، وحسيب ما‬
                                        ‫ذكرته منها دليالً على أهنا ليست باملستوى املؤمل .‬
          ‫وسبب هذه االحنرافات واألخطاء اليت وقع فيها املؤلفون األجانب، هو التنفيس عن‬
 ‫حقدهم الدفني على العرب واملسلمني، بتزوير التاريخ وتشويهه، واهتام احلضارة اإلسالمية‬
                                                                       ‫بتهم هي منها براء.‬
           ‫وانتقل الزور والتشويه والدس واالفتراء إىل العقول العربية باألستاذ الذي خترج يف‬
                                                     ‫أل‬
‫اجلامعات األجنبية، وبالكتاب الذي َّفه املؤلفون األجانب، وبترمجة الكتب األجنبية املريبة‬
       ‫ونقلها إىل العربية دون متحيص، وبتدريس تلك الكتب يف املؤسسات التعليمية العربية‬
   ‫واإلسالمية، حىت استشرى التزوير والدس وشاع، فأصبح بالنسبة للجهلة هو احلق الذي‬
    ‫ال مراء فيه، وبالنسبة للملوثة عقوهلم هبذا الكذب الصارخ هو العلم الذي ال علم غريه.‬
   ‫وبالتدريج نقلت هذه االفتراءات يف الكتب املؤلفة حديثاً، عن حسن نية أو سوء نية، ال‬
                         ‫ملو‬
          ‫فرق بينهما، ألن النتيجة واحدة، وهي أهنا تثبت أن عقل املؤلف َّث باالستعمار‬
   ‫الفكري البغيض، وأنه مطية لألجنيب احلاقد شاء أم أىب، وانه جاهل مبصادر املعتمدة اليت‬
                            ‫ينبغي أن يعتمدها يف تأليفه وال يعتمد املصادر األجنبية املريبة.‬



  ‫وقد حدثتك عن املؤلف العريب املسلم الذي نقل فرية: ((أن معجزة حممد هي احلرب ))‬
 ‫من املصادر األجنبية املعروفة باحنيازها للصهيونية والصليبية واملاسونية وحتيزها على العرب‬
  ‫واملسلمني، فالتقط هذه الفرية مؤلف أجنيب ونقلها فوراً عن املؤلف العريب املسلم، ليدعي‬
   ‫أن هذه ليست فرية بل حقيقة ثابتة يتداوهلا املسلمون فيها بينهم ويعترفون هبا، ويقرون‬
          ‫حبقيقتها ... وهو يعلم حق العلم أهنا فرية مكشوفة، زورها األجانب احلاقدون،‬
     ‫واستوردها العرب واملسلمون اجلهلة، كما أنه يعلم حق العلم أن العريب احلق واملسلم‬
                                                                           ‫ب‬
‫الصحيح بعيد ُعد السماء عن ألرض عن مثل هذه االفتراءات اليت مل يسجلها مصدر عريب‬
                     ‫إسالمي، وال رواها أو عرفها وال مسلم منذ جاء اإلسالم حىت اليوم.‬
                                                                         ‫أذك‬
   ‫ومن أجل أن ِّر العرب واملسلمني بأمهية العسكرية العربية اإلسالمية وضرورة إعادة‬
                                                        ‫كتابتها بأيدٍ أمينة قادرة، من جديد.‬
                  ‫ومن أجل أن أضع الطريقة املثلى إلعادة كتابتها أمام العرب واملسلمني.‬
  ‫ومن أجل أن أستثري مهم علماء العرب واملسلمني، ليعيدوا كتابتها ملصلحة حاضر العرب‬
                                              ‫واملسلمني يف كل مكان لالجتاه حنو غد أفضل.‬
   ‫ومن أجل حتقيق كل هذه األهداف احليوية الرئيسة، عكفت على تدوين هذه الدراسة،‬
                    ‫ُو‬
     ‫داعياً اهلل أن تكون خالصة لوجهه الكرمي، وأن حيقق األهداف اليت د ِّنت من أجلها،‬
                                                               ‫وحسبنا اهلل ونعم الوكيل ..‬
               ‫وصلى اهلل على سيدنا وموالنا حممد وعلى آله وأصحابه الطيبني الطاهرين.‬
 ‫ورضي اهلل عن قادة الفتح وجنوده، وقادة الفكر وجنوده، وعن اجملاهدين الصادقني، وعن‬
                                         ‫مث ع‬
                        ‫مجيع الذين خدموا اإلسالم شريعة وعقيدة و ُُالً ُليا ولغة وتراثاً.‬
                                                                                       ‫***‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Stats:
views:32
posted:3/23/2012
language:Arabic
pages:103
Description: عبارة عن العديد من الملفات والقصص وعروض البور بوينت وملفات البي دي اف pdf من قصص ودروس وعبر مؤثرة ورائعة