Docstoc

تأملات في مذكرات محمد أحمد الرشيد

Document Sample
تأملات في مذكرات محمد أحمد الرشيد Powered By Docstoc
					                      ‫تأمالت في مذكرات محمد أحمد الرشيد (مسيرتي مع الحياة )‬
                      ‫الوزير العصامي الذي عمل فراشا ً وطباخا ً ومأذون أنكحة !!‬




‫قليلون هم أصحاب المناصب الكبيرة الذين يتركون أثراً في قلوب الناس وحياتهم بعد تركها. فالمناصب ابتالء‬
                                                ‫ً‬
 ‫وامتحان بكل ما فيها من مغريات أكثر منها تكريما ً ووجاهة.. وما أكثر الذين ارتفعت بهم المناصب فأنستهم‬
 ‫أنفسهم وكيف كانوا، فلما هبطت بهم دون تحقيق شيء يذكرون به، عاشوا بعدها في الناس نسيا ً منسيا. أما‬
                                                    ‫ُ‬
  ‫وتواضعا ً أثناء وجودهم في‬         ‫ً‬
                             ‫ألصحاب المعادن األصيلة فهي امتحان وابتالء تزداد فيه معادنهم أصالة وقيمةً‬
                                       ‫مناصبهم ومن بعد تركهم لها .‬

 ‫وليس صحيحا ً ما يقال إن الناس مع صاحب المنصب ما دام فيه، فإذا تركه تركوه؛ قد ينطبق هذا على فئة من‬
                                                                                      ‫ُ‬
‫محى أسماؤهم من ذاكرته مهما تراكم‬   ‫َ‬ ‫الناس لكن ضمير الشعوب ال ينسى المخلصين من أبنائه، وال يمكن أن تُ‬
  ‫عليها غبار السنين، وسيظل الناس يذكرون في مجالسهم المدير العام الفالني والوزير الفالني الذي يقضي‬
‫حوائجهم، وال يستكبر عليهم بما آتاه هللا من جاه أو سلطان بل كان ديدنه التواضع ومنهجه اإلخالص وطريقه‬
                ‫الوفاء، فيدعون له بطول العمر إن كان حيا ً ويترحمون عليه إن كان ميتا ً .‬

‫وأحسب وزير التربية والتعليم السابق معالي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد واحداً من هذا النوع من أصحاب‬
‫المناصب الذين ال تزيدهم علو المرتبة إال تواضعا ً للناس، ووالء للوطن وشعوراً عميقا ً وصادقا ً بالمسؤولية،‬
                                                ‫ً‬
 ‫يذكر بها، وفي مناهج التعليم‬    ‫ُ‬                    ‫ً‬
                                  ‫وقد ترك بعد خروجه من المنصب في قلوب الناس محبة، وفي وزارته آثاراً‬
                               ‫مجهوداً يدل على االجتهاد واإلخالص والكمال هلل .‬

  ‫أكتب هذا وأنا ال أعرف شخصيا ً معالي الوزير السابق، ولم أقابله في حياتي قط، وال تربطني به صلة، وال‬
                                                                              ‫ُ‬                ‫ُ‬
‫أرجو منه منفعة عاجلة أو آجلة. ولكني أكبرت الرجل بعد أن قرأت تجربة حياته في كتابه الذي صدر مؤخراً‬
‫بعنوان (مسيرتي مع الحياة)، وما أظنني كنت سأهتم بقراءة هذا الكتاب - لكثرة مشاغلي واهتماماتي - لو لم‬
                  ‫يرسله لي األستاذ خالد بن حمد المالك رئيس تحرير جريدة (الجزيرة .)‬

 ‫لقد تعودنا أن يكتب بعض أصحاب المناصب بعد خروجهم من مناصبهم ما يحاولون به استعادة شيء من‬
‫البريق الذي فقدوه، فيكيلون ألنفسهم المديح، وينسبون كل حسنات عهدهم ألنفسهم بعد تضخيمها ويتنصلون‬
                               ‫من كل عيب شاب مسيرة عملهم .‬

‫لكن كتاب محمد بن أحمد الرشيد الوزير الذي رفض حتى أن يضع لقب دكتور مع اسمه على غالف كتابه كان‬
   ‫عجبا ً بالنسبة لي بين كتب أصحاب المذكرات، إمعانا ً في التواضع أزال َ محمد بن أحمد الرشيد حتى اللقب‬
                    ‫العلمي الذي يبقى مع اإلنسان طوال عمره بعد زوال كل األلقاب .‬

‫وأعتقد أن محمد أحمد الرشيد يريد أن يوصل رسالة من غالف كتابه للمتمسكين بأيديهم وأسنانهم بهذا اللقب‬
‫وهي أن شخصية اإلنسان في عمله، والشهادة الحقيقية التي يحتاجها هي شهادة الناس بما قدم لخدمتهم من‬
 ‫أعمال، فالدكتوراه ال تضيف لإلنسان شيئاً، وإذا لم يقدم عمالً يقابلها أصبحت عبئا ً على المجتمع والوطن‬
                                            ‫الذي يعيش فيه .‬

‫يقع الكتاب فيما يقرب من 550 صفحة قصر فيه المؤلف الحديث عن مراحل حياته الوظيفية على الثلث األول‬
  ‫منه، وآثر بالثلثين اآلخرين تجربته في وزارة المعارف التي أطلق عليها فيما بعد وزارة التربية والتعليم،‬
            ‫وهي تجربة فيها من الثراء واألهمية ما تستحق المساحة التي أفردت لها في الكتاب .‬

‫وأهم ما لفت نظري في هذا الكتاب، واختالفه عن غيره من كتب السيرة الذاتية، أن المؤلف اشتق منهجه في‬
     ‫الكتابة من رسالته في الحياة، وقد اتضح لي من الصفحة األولى أن هدف المؤلف ليس الكتابة عن نفسه‬
     ‫لتضخيم ذاته، بقدر ما كان هدفه هو الكتابة عن نفسه وتجربته الذاتية بالقدر الذي يفيد أبناء هذا الجيل،‬
‫ويخدم رسالته التربوية التي حملها منذ باكر حياته إلى اليوم، ولم تنته بخروجه من المناصب الرسمية إيمانا ً‬
                                        ‫ِ‬
    ‫منه بأن المواطن الصالح يحمل مسؤوليته تجاه وطنه طوال عمره سواء من خالل منصب أو بدونه .‬

 ‫ومن خالل قراءتي التأملية في محتويات هذه المذكرات فإني سأتحدث عنها من خالل تقسيم مراحل حياة‬
‫كاتبها إلى ثالث مراحل، األولى من الطفولة إلى الحصول على الدكتوراه، والثانية من التخرج إلى التقلب في‬
                       ‫المناصب حتى تعيينه وزيراً والثالثة الوزارة وتجربتها .‬

                                          ‫المرحلة األولى تجارب‬

                                             ‫الطفولة والشباب‬

 ‫استمتعت متعة المستفيد من حديثه عن نشأته األولى في بلدة المجمعة، البساطة في أسلوب الحياة، ومنهج‬
  ‫والده في تربيته، والوصف التلقائي الشيق أليام جعلتني أشعر كأني أراها في شريط فيلم سينمائي يصور‬
                           ‫بصدق واقع الناس في بيوتهم في تلك الفترة :‬

                                        ‫ُ‬
  ‫(أستقبل مع والدي الزوار المعتادين، وبعد صالة العشاء يأوي كل ٌّ إلى فراشه، فإن كان الفصل شتاء ففي‬
  ‫الغرف، وإن كان صيفا ً نمنا على أسطحة المنازل. وليس ألحد من األوالد، سواء الذكور أم اإلناث، غرفة‬
                              ‫خاصة، بل إن الغرفة كانت تزدحم بالفرش .‬

 ‫كانت (كهرباؤنا) هي السرج، ووقودها الجازولين (المازوت)، ومطابخنا توقد من الحطب، وماؤنا نمتحه من‬
                                                                          ‫ُّ ُ ُ‬
‫اآلبار الجوفية بالدلو، ومعظمنا ينقله من البئر - التي عادة ما تكون قرب المسجد - بقدور من النحاس كبيرة،‬
      ‫نحملها فوق رؤوسنا، ونضع قماشا ً ملفوفا ً ليحمي الرؤوس من ضغط اإلناء الصلب( )ص18 .)‬

‫وقد كدح في حياته منذ صباه، وعوده أبوه على تحمل المسؤولية، إذ لم تخل ُ مرحلة من مراحل هذا الصبا من‬
                                                    ‫ُ‬
                                          ‫مهمة تسند إليه :‬

‫(أحد مهامي (في إجازة المدارس صيفا ً) - منذ أن كان عمري سبع سنوات - التوجه المبكر بعد أن أعود من‬
 ‫تسريح الغنم إلى البستان الذي اشترى والدي منه ثمرة النخل كي أقوم بجني ما يصل إلى ما يقارب خمسة‬
‫كيلوات في مِخرف مصنوع من الخوص، وما أجنيه: نصفه بلح ونصف رطب. فإذا كانت النخلة في متناول‬
‫يدي فإني أقوم بالمهمة، وإن كانت طويلة فإن الفالح هو الذي يصعد إلى أعالها، مستعمالً ما نسميه (الكر)‬
     ‫حتى يصل إلى العذوق ليلقط منها الرطب، وما هو في حكم الرطب من الثمر الناضج) (ص18 .)‬

‫ويتوقع محمد أحمد الرشيد بشوق - إذا صح التعبير - عند تلك المرحلة من مراحل شبابه األول، وهو يصف‬
 ‫حال الناس في بلدته (المجمعة) عند سقوط المطر، وتفاعلهم مع هذا الحدث بلغة المتحسر على تلك األيام‬
                                    ‫الخوالي التي ولت ولن تعود :‬

‫(ومما أتذكره في حقبة شبابي فرح الناس الشديد بالمطر، واستفسارهم عن أماكن سقوطه، وال أزال أذكر ذلك‬
‫الصوت الشجي الذي يبشر بالسيول: وذلك أنه كان يصعد إلى قلعة بنيت على جبل (منيخ) الذي يحد بلدتنا من‬
 ‫الغرب، مجموعة من الناس وينظرون إلى مجرى كل وادٍ؛ وخاصة الرئيسية منها فإذا رأوها كلها أو بعضا‬
   ‫منها قد جرى فيها السيل صاحوا بأعلى أصواتهم قائلين: يا هللا لك الحمد سال (كذا وكذا) ويذكرون اسم‬
‫الوادي أو األودية، وأفضل ما يفرح السكان حين تكون البشرى بسيل الوادي الرئيسي وهو وادي (المشقر .)‬

  ‫ال أدري ما سبب تعلقي بتلك األيام الخوالي: هل لبساطة طموح الفرد منا؟ أم ألن حياتنا المعاصرة - مع ما‬
‫فيها من تطور - أضعفت عند الناس العواطف وقوت األنانية؟ لقد كانت حقبة ممتعة ليتها تعود..!) (ص18 .)‬
                                                        ‫َّ‬

 ‫وقد الحظتُ أن المؤلف يتوقف عند الجوانب التربوية التي تحتاج إلى تأمل من أبناء هذا الجيل، فقد رأى أن‬
  ‫نظام التعليم آنذاك الذي يتفق مع طبيعة الحياة ويسرها كان تطبيقا ً مبكراً لليوم الدراسي الكامل الذي تتعثر‬
                                     ‫الجهات التربوية في تطبيقه اآلن .‬

 ‫كنا نبدأ نهارنا بصالة الفجر، نرجع من المسجد بعد الصالة إلى البيت ثم ننتظر حتى قبيل شروق الشمس‬
                                                             ‫َّ‬
 ‫فنأخذ أغنامنا لتسليمها إلى الراعي( الشاوي) ثم نأكل ما تيسر لنا من طعام اإلفطار، ونتوجه إلى المدرسة‬
‫ندرس إلى ما قبل الظهر، ويخرج كل منا فيؤدي صالة الظهر جماعة في المسجد القريب من منزله، ثم يمضي‬
 ‫إلى بيته للغداء، الذي يكون غالبا ً من التمر. والمحظوظ يشرب مع التمر اللبن، ثم نعود إلى المدرسة ندرس‬
‫حتى قرب العصر، كأننا نطبق اليوم الدراسي الكامل قبل أن يطبقه آخرون. كنا في كل هذا نسير على األقدام؛‬
            ‫فالبلدة صغيرة، يقطعها الماشي من أقصاها إلى أقصاها في عشر دقائق. (ص22 .)‬

             ‫َّ‬
  ‫ويتذكر محمد أحمد الرشيد مواقف بعينها مرت به في صباه يقدمها دروسا ً ألبناء هذا الجيل علهم ينتفعون‬
  ‫بها، وقد لفت نظري موقف رواه بطريقة مؤثرة جمع فيه بين األثر التربوي والروحي في أداء العبادات :‬
                                                                          ‫ٌ‬        ‫َ‬

  ‫(خرجنا لصالة االستسقاء مع بعض معلمينا متوجهين إلى مصلى العيد، وبعد الصالة وسماع الخطبة يقلب‬
 ‫الكبار (مشالحهم)، ونقلب نحن (غترنا).. كنا نحس بقلوبنا الصغيرة أن األمر جد، وندعو بإخالص، وما كان‬
‫هللا سبحانه يخيبنا، فسرعان ما كان يأتي المطر!! كانت صالة االستسقاء درسا ً تربويا ً دينيا ً روحياً، ال أنساه .‬

                    ‫ُ ِّ ُ‬
 ‫هذه صور قليلة من تلك الذكريات، لعلها توقظ في قلوب من عايشها بعض الحنين، وتعرف أبناءنا اليوم قدر‬
             ‫َ‬
                  ‫النعم التي يعيشون فيها، فيشكرونها: بالقلب، واللسان، والعمل) (ص02 .)‬

  ‫ثم يقدم لنا صورة مشرقة لعصاميته، وهي عصامية عرفها ذلك الجيل كله، جيل الشدائد والرجولة الحقة،‬
   ‫حيث لم يكن أبناء ذلك الجيل يحصلون على ما يريدون بالسهولة التي يحصل بها عليها أبناء هذا الجيل‬
     ‫الهالمي الذي أتلفته النعمة، ومثل هذه المذكرات تذكر أبناء هذا الجيل كيف كان آباؤهم األولون :‬

‫(لقد عشت حياة سعيدة مع أنني لم أمر بمرحلة الطفولة كما ينبغي بل نشأت رجالً من صغري ألني أول الذكور‬
   ‫لوالدي، وقد كان فوق الخمسين من العمر حين خرجت إلى الدنيا وعندما بدأت أشب كان والدي قد كبر في‬
  ‫السن فأراد أن يعودني على البيع والشراء، فكنت مسروراً إذ سمح لي بقضاء أول نهاري في المدرسة وبعد‬
 ‫العصر أتولى البيع، وكان يراقبني من خارج الدكان، وبالفعل كان أبي - رحمه هللا - يعتمد علي اعتماداً كامالً‬
                 ‫َّ‬
  ‫ولذلك فإني تحملت المسؤولية في مرحلة مبكرة، ولم أكن كباقي األطفال الذين تمتعوا بطفولتهم( )ص22 .)‬

 ‫وفي فصل يحمل عنوان (الدراسة الجامعية والعليا) يتحدث محمد أحمد الرشيد عن خطواته بعد تخرجه من‬
 ‫المعهد العلمي، وانتقاله من مجتمع القرية في المجمعة إلى مجتمع المدينة في الرياض، وانبهاره بالعاصمة‬
‫رغم تواضعها آنذاك قياسا ً بما هي عليه اليوم. ولم يتوقف طويالً عند السنوات األربع التي أمضاها بالجامعة‬
                           ‫ً‬      ‫ً‬
‫بقسم اللغة العربية. ثم تحدث عن انتقاله إلى مكة المكرمة التي أحدثت نقلة نوعية في حياته كما يقول، وذكر‬
‫باالسم أساتذته (ص122) وهم من األعالم فمنهم د. زكي مبارك والشيخ محمد متولي الشعراوي، ثم لم يلبث‬
 ‫أن يتحدث عن النقلة األكبر في حياته، وذلك بحصوله على قبول للدراسة بجامعة انديانا بالواليات المتحدة‬
                                    ‫األمريكية فكان من أوائل المبتعثين .‬

  ‫وفي فصل االبتعاث إلى أمريكا تحدث عن الصدمة الحضارية واألخالقية التي واجهته بعد وصوله أمريكا،‬
  ‫تحدث عنها بأمانة، وصدق، وروى وقائع تحت المجهر، تؤكد أنه ليس صحيحا ً أن كل ما لديهم حضاري،‬
                       ‫وليس كل ما لديهم يصلح لنا تأمل في انطباعه المقارن :‬

   ‫(تركت المملكة مع بداية قدوم التلفاز، ولم يكن موجوداً عند أغلب الناس، بينما كان التلفاز منتشراً في‬
 ‫أمريكا. تركت بلدي ولم يكن الهاتف موجوداً، وكان بعض القادرين ماليا ً يقتني الهاتف اليدوي، (أبو هندل)‬
  ‫بينما كانت الهواتف شائعة في أمريكا.. غادرت ولم أر وجه أنثى من غير محارمي وفوجئت هناك بالنساء‬
                                                    ‫َ‬
‫كاشفات في كل مكان. فوجئت بالمياه واألنهار والخضرة.. أي تحول هذا لشاب عاش معظم عمره في المجمعة‬
                     ‫الوادعة بقلب نجد ثم فجأة وجد نفسه في أمريكا في فورة الستينات؟‬

 ‫وصلت إلى نيويورك، المدينة الكبيرة الصاخبة حيث مقر الملحق الثقافي السعودي، وتوجهت مع آخرين من‬
‫رفاق الرحلة للفندق، وللمرة األولى في حياتنا رأينا باب الفندق الدوار. وأتذكر أنني وزمالئي ازدحمنا كلنا فيه‬
 ‫فأ ُغلق الباب علينا !فوجئت بتصميم الغرف، وباألَسِ رة التي لم أنم قط في بالدي على مثلها، وكراسي دورات‬
                                          ‫ْ‬          ‫َّ ِ‬
 ‫المياه.. نيويورك مدينة مكتظة بالناس وبالسيارات والعمارات الهالة التي لم نر مثلها في مكة و الرياض أو‬
                            ‫َ‬
                                 ‫في أي مكان آخر في بالدنا) (ص22 .)‬

   ‫وكان من جوانب الصدمة األخالقية التي فوجئ بها في السلوك أثناء وجوده في السكن الجامعي قوله :‬
   ‫(كان من المزعج لنا نحن المسلمين، أن كل طابق يحوي ما ال يقل عن عشرين غرفة، والحمامات فيها‬
 ‫مشتركة ومفتوحة، وإذا أردت أن تستحم فسترى منظراً مشيناً، (الشباب كما ولدتهم أمهاتهم)!! فكنت أنتظر‬
                  ‫إلى أن يمضي هزيع من الليل حتى ينام الجميع كي أستحم) (ص02 .)‬

‫ويتوقف عند نقطة مهمة أتمنى أن يستوعبها ويعمل بها كل طالب مبتعث، وهي أن الفائدة الحقيقية من التعليم‬
 ‫ال تقتصر على ما يتلقاه الطالب على مقاعد الدرس في أمريكا أو غيرها بل هي أبعد من ذلك وأهم، إذ يقول :‬

‫(كانت سنون حافلة بالتجارب، ولو سئلت ما الذي استفدت من التعلم في الواليات المتحدة لقلت 50% تقريبا ً‬
                                                                   ‫ُ‬
  ‫من الصف الدراسي، و50% تقريبا ً من النشاط خارج الصف، وهذه همسة صادقة لكل من أُتيح له أو ستتاح‬
      ‫ُ‬
     ‫له فرصة للتعلم في الخارج أن يستثمر ذلك.. أردت أن أتعرف على المجتمع األمريكي، والنظام السياسي‬
  ‫واالجتماعي، وتجاوزت تخصصي في قضايا التعليم والتربية واإلدارة، وأخذت مقررات لم تكن مطلوبة مني،‬
    ‫إذ كان المقرر علي 50 ساعة دراسية فأخذت 158 ساعات، أي 12 ساعة خارج نطاق التخصص، وهذا‬
                                                                                   ‫َّ‬
     ‫ساعدني على استيعاب اللغة أكثر. وأنا أنصح كل إنسان أن يتعرف - بقدر اإلمكان - على المجتمع الذي‬
    ‫يدرس فيه، ومن هنا ما زلت أؤمن أن النشاط خارج الصف ال يقل أهمية عن النشاط داخل الصف في كافة‬
                                     ‫مراحل التعليم) (ص22 - 22 .)‬

 ‫ثم نكتشف أن كدحه وعصاميته لم يتوقفان بعد خروجه من المجمعة وحصوله على مصروفات االبتعاث من‬
‫الدولة، فقد كان ما يتلقاه الطالب آنذاك قليالً قياسا ً إلى احتياجاته، فلم يتردد محمد أحمد الرشيد في البوح بأنه‬
   ‫اضطر في أمريكا أثناء دراسته أن يعمل فراشا ً وأن يكدح هناك الستكمال احتياجاته المادية بعد زواجه :‬

 ‫(في أغسطس8691 م تزوجت، وكانت زوجتي من بيت كريم ثري وأسرة كبيرة معروفة، ومع هذا فقد سكنت‬
    ‫معي في غرفة واحدة، فيها أريكة نرفعها لتتحول إلى سرير.. وأتذكر أنه قبل قدوم مولودنا األول (أحمد) لم‬
‫)‬‫يكن هناك مخصصات للزوجات، فقررت أن أعمل في وقت فراغي كي أفي بمتطلبات أسرتي.. وعملت (فراشا ً‬
‫في الجامعة.. معي سطل أنظف به المكاتب، لمدة أربعة أشهر، أربع ساعات في اليوم لكسب مزيد من الدخل..‬
‫ولعل في هذا درسا ً ألبناء هذا الجيل كي ال يتأففوا من العمل اليدوي والجد، والكدح، وال غضاضة في أي عمل‬
      ‫شريف، ولنا جميعا ً أعظم أسوة وقدوة في أنبياء هللا عليهم الصالة والسالم، فما من نبي إال رعى الغنم‬
                          ‫وبعضهم كان نجاراً وبعضهم كان خياطا ً). (ص 02 - 02 .)‬

 ‫ثم يصرح بمهن أخرى اشتغل بها أثناء غربته للدراسة في أمريكا، وفي ذلك درس وعبرة ألبناء اليوم حتى‬
‫يرون كيف كابد وزيرهم وكدح واحتمل وآمن بأن العمل شرف مهما كان نوعه، وفي ذلك يقول: (ومن فوائد‬
  ‫الغربة أيضا ً - باإلضافة إلى أنني اشتغلت فيها طباخاً، وجامع تبرعات - أنني عملت مرات عديدة (مأذون‬
 ‫أنكحة) فقد كان يأتي إلي بعض المسلمين الجدد من األمريكان الذين يريدون أن يجرى لهم زواج إسالمي،‬
                        ‫ُ‬                                                  ‫َّ‬
 ‫فأعقد للشاب على الشابة في حفل مختصر، وذلك قبل أن يذهبا إلكمال إجراء الزواج المدني المعتاد). (ص‬
                                               ‫42 .)‬

 ‫حصل محمد أحمد الرشيد على الماجستير من جامعة انديانا (بامتياز في إدارة األفراد في مؤسسات التعليم‬
‫العالي) ونصحه أستاذه المشرف بأن يستكمل الدكتوراه في جامعة أخرى تعميقا ً للفائدة من منهل آخر، ويبدو‬
 ‫أن هذا هو ديدن األساتذة األمريكان المخلصين فقد نصحني أستاذي المشرف النصيحة نفسها بعد حصولي‬
 ‫على الماجستير من جامعة أوريجون، ألحصل على الدكتوراه من جامعة اللينوي، وهكذا وجه محمد أحمد‬
    ‫الرشيد وجهه شطر جامعة أوكالهوما ليحصل على الدكتوراه، وهنا نجده يسدي نصيحة بلغة التربوي‬
                                      ‫المخلص للطالب المبتعثين :‬

‫(حينما يتاح ألحد منا فرصة للدراسة خارج بالده، فعليه أن يغتنمها.. ألنها فرصة ثمينة يجب االستفادة منها‬
               ‫ُ ِّ‬
 ‫بأقصى اإلمكان، ولكن بعض المبتعثين منا - مع األسف - يذهب ويعود ولم يتعرف إال على كليته التي درس‬
 ‫فيها ومكتبة الجامعة. والحقيقة أني - وهلل الحمد - لم أوقف تجربتي عند هذا الحد.. وأنا أدعو إلى االنفتاح‬
           ‫وإقامة العالقات مع اآلخرين فهي نافعة وخادمة للقضايا العامة وعلينا أال نستهين بها .‬

 ‫لقد أُتيح لي أن أستثمر كل اإلجازات الجامعية خالل وجودي في أمريكا في الترحال داخل الواليات المتحدة‬
‫األمريكية، فلم تبقَ مدينة رئيسية إال زرتها وتعرفت على معالمها، ولم يبقَ متنزه طبيعي إال أقمت مخيما ً فيه،‬
‫والحق أن المناظر الخالبة والطبيعية الجذابة متوفرة في تلك القارة بشكل يكاد يكون ال مثيل له). (ص 12 .)‬

‫في سنة 2128هـ الموافق 2418م عاد محمد أحمد الرشيد إلى الوطن بعد حصوله على الدكتوراه للتدريس‬
‫بكلية التربية جامعة الرياض، ليسجل مشاعره بعد وصوله بقوله: (وحينما عدت وجدت أن كل شيء تبدل في‬
                                                                       ‫ُ‬
 ‫بالدي وفي كل أوجه الحياة، آخذ التوسع في البنيان مثالً: تركت الرياض وأنا أستطيع أن أقطعها مشيا ً على‬
‫األقدام في ساعات قالئل وجئتها وقد كبرت وتوسعت حتى أصبحت مراتعنا وأماكن مخيماتنا البرية جزءاً من‬
  ‫المدينة.. طفرة في أسعار األراضي، انتشار الفلل والعمارات في كل مكان، تطور في الفكر السياسي وفي‬
   ‫المفاهيم العامة.. وأظن أن القفزات التي تحققت في كل مناحي الحياة كبيرة إذا ما قِيست بالزمن الذي‬
                                    ‫استغرقها ذلك التبدل). (ص .)05‬

                                   ‫المرحلة الثانية التقلب في المناصب‬

‫لم تمر علي مذكرات وزير تقلب في مسؤوليات ومناصب عدة قبل أن يصبح وزيراً مثل مذكرات د. محمد أحمد‬
                                                                                            ‫َّ‬
 ‫الرشيد، ورغم أني استمتعت وأفدت كثيراً من مذكرات د. غازي القصيبي في كتابه الرائع (حياة في اإلدارة)‬
‫إال أنه لم يمر بما مر به الرشيد فقد كان تأهيله للوزارة سريعاً، وإن كان في رأيي أن تجاربه األضخم تبدأ بعد‬
              ‫توليه المناصب الكبيرة لتعددها في حياته، وهو ما يحتاج أن يعده في كتاب جديد .‬

 ‫وما أفاد محمد أحمد الرشيد في رأيي بعد تعيينه وزيراً للتربية والتعليم أنه نشأ وترعرع في أحضان البيئة‬
 ‫التربوية التعليمية فكل المسؤوليات التي حملها بعد تخرجه من أمريكا إلى تعيينه وزيراً كانت تصب في هذا‬
  ‫االختصاص، فإلى جانب خبرته في التدريس اكتسب خبرات في اإلدارة التربوية وفي التخطيط والتطوير،‬
   ‫ودخل في عدة لجان ورأس لجانا ً أخرى، وسافر كثيراً في وفود تربوية، وترحل في الداخل والخارج .‬

‫وقد انتقيتُ عدة تجارب عملية في التنظيم واإلدارة والتخطيط تعامل معها محمد أحمد الرشيد بعد عودته من‬
‫البعثة وحصوله على الدكتوراه، وستجد فيها الداللة والبذور التي نشأت منها تجربته الثرية، وهي كما يلي :‬

  ‫( -1لقد وكل إلي في السنة األولى من عملي - بصفتي عضو هيئة تدريس في الجامعة - اإلشراف على‬
                                                                                  ‫َّ‬     ‫ُ‬
   ‫البرامج التدريبية لمن هم على رأس العمل من المعلمين في التعليم العام وممن في حكمهم من مديري‬
‫المدارس على اختالف مراحلها، والمشرفين التربويين وكانت خبرة ثرية، عايشت فيها المعلمين والمديرين،‬
    ‫وسافرت معهم في زيارات ميدانية، وهذه التجربة جعلت الكثيرين ممن هم أكبر مني عمراً يدعونني‬
‫بأستاذهم!! وكان شغفي بمعرفة نتائج تلك البرامج التدريبية كبيراً، وكنت أرغب في الوقوف على مدى تأثر‬
   ‫المتدرب بما تدرب عليه، وهذا يقتضي رصداً دقيقا ً للممارسة قبل التدريب، ثم المالحظة للممارسة بعد‬
                                        ‫التدريب). (ص 20 .)‬

‫( -2لقد كان لي شرف تنظيم أول مؤتمر عقدته الجامعة في رحابها، فقد كان موضوع رسالتي للحصول على‬
   ‫درجة دكتوراه الفلسفة في التخصص هو - أهداف مؤسسات التعليم العالي -، وقد استفتيت كل الطالب‬
‫السعوديين الدارسين في جامعة الواليات المتحدة األمريكية آنذاك، حيث أقمت في مدينة نيويورك عدة أسابيع‬
     ‫متعاونا ً مع الملحق الثقافي السعودي المسؤول عن المبتعثين وأخذت منه عناوين كل طالب المملكة‬
 ‫الموجودين في أمريكا حينها ولم يكن عددهم حينها كثيراً كما هو اآلن، ووجدت التفاوت الكبير في إدراكهم‬
‫لرسالة الجامعة، ومن هنا فقد حرصت على تنظيم مؤتمر تشارك فيه كل مؤسسات التعليم المدني والعسكري‬
 ‫وقيادات األجهزة الحكومية والقطاع األهلي نحدد فيه معا ً (رسالة التعليم العالي). وهو كل تعليم يلي التعليم‬
                                       ‫الثانوي مباشرة). (ص 20 .)‬

‫-3شرفتني إدارة الجامعة بأن أكون منسقا ً ومقرراً لدراسة تتم ألول مرة سميناها - الدراسة الذاتية- هدفها‬
‫تقويم مسيرة الجامعة، وعن طريقها تتبين لنا نقاط الجودة فنعززها ونقاط الضعف فنعالجها. وتمت الدراسة‬
 ‫بأن طلبنا من كل قسم علمي، ومن كل عمادة أن تكتب وصفا ً دقيقا ً لواقعها مع تفاصيل عن برامجها، وعن‬
‫العاملين ومؤهالتهم، وإنتاجهم العلمي وعن المختبرات والمعامل والفصول الدراسية، والطالب وأعدادهم في‬
                                   ‫كل مرحلة، والمكتبة وغير ذلك .‬

 ‫( -4وحين أسندت إلي وكالة كلية التربية ثم عمادتها حرصت أن أقف على حال كليات التربية وكليات إعداد‬
                                                                              ‫َّ‬
 ‫المعلمين في جميع الوطن العربي حتى نستفيد من تجارب اآلخرين، وتم - وهلل الحمد - ما أردت واجتمع في‬
             ‫رحاب جامعة الملك سعود عمداء كليات التربية وإعداد المعلمين من الدول العربية .‬

 ‫-5أكسبني عملي في جامعة الرياض خبرة عظيمة مكنتني من التعلم وتوسيع المدارك، فلقد كنت في لجنة‬
 ‫تحديد االحتياجات األكاديمية للجامعة التي بنى عليها المستشارون المعماريون مخططات الجامعة الرئيسية‬
          ‫ً‬       ‫ً‬
 ‫ومخططات البناء لمقرها الحالي الذي اعتبره الكثيرون عند انتهاء بنائه وتجهيزاته تحفة معمارية. واقتضى‬
        ‫هذا أن نزور العديد من الجامعات في الدول المتقدمة لنختار أفضل المواصفات (ص 10 .)‬

 ‫-6لقد حظيت بأن أكون مستشاراً عند وزير التعليم العالي ضمن فريق كان يقوم بدراسة الكثير من األمور،‬
 ‫كما سعدت بأن أكون عضواً في أول لجنة لمعادلة الشهادات الجامعية تابعة لوزارة التعليم العالي، ومن خالل‬
‫العمل في هذه اللجنة تمكنا جميعا ً من الوقوف على األنظمة التعليمية في العديد من دول العالم، وكانت األعمال‬
 ‫توزع على األعضاء بحيث يقوم كل اثنين منا بدراسة أنظمة منطقة من مناطق العالم ويقدمان عنها تقريراً،‬
                   ‫ُ ِّ‬                                                                                         ‫ُ‬
                                                                ‫ً‬
    ‫وهذا قد جعلني أزور زيارات رسمية بلدانا ً عديدة وأدرس نظامها التعليمي العام والعالي ومن تلك الدول:‬
    ‫تيحت لي أحمد هللا‬
         ‫ُ‬              ‫أستراليا، ونيوزالندا، وأمريكا، وأندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وتايلند، كانت فرصا ً أ ُ‬
                                                  ‫عليها). (ص 50 .)‬

‫ثم عين محمد أحمد الرشيد مديراً عاما ً لمكتب التربية العربي لدول الخليج فأحدث ذلك اتساعا ً أكبر في تجربته‬
   ‫حيث عاصر تجربة إنشاء جامعة الخليج العربي ثم انتخب لعضوية مجلس إدارة المعهد الدولي للتخطيط‬
   ‫التربوي بفرنسا ثم عضواً في هيئة مستشاري الموسوعة العالمية وعضواً بلجنة الخطة الشاملة للثقافة‬
                          ‫العربية، ثم يقف بنا عند هذه التجربة األرحب واألوسع :‬

     ‫(قضيت تسع سنوات مديراً عاما ً لمكتب التربية العربي لدول الخليج، وانتهى الزمن المحدد لي في عام‬
   ‫1118م، فعدت إلى جامعة الملك سعود أستاذاً فيها. وجاءني عرض أن أقضي 28 شهراً أستاذاً زائراً في‬
                                                                          ‫ُ َ‬
 ‫جامعة كاليفورنيا في منحة تسمى (فولبرايت لألساتذة الجامعيين المتميزين) ألن شروط هذه المنحة انطبقت‬
  ‫علي، وكان راتبي ومخصصاتي المالية بما فيها تذاكر السفر من المنحة، وكنت - بفضل هللا - أول سعودي‬   ‫َّ‬
 ‫يحصل على هذه المنحة، فقضيت 28 شهراً (من يونيو 1118م إلى سبتمبر 1118م) في جامعة كاليفورنيا‬
     ‫(سانتا باربرا)، كانت من أمتع أيام حياتي وتعلمت أشياء كثيرة، ومرت علي كثير من التجارب أبرزها‬
                              ‫َّ‬
   ‫اشتراكي مع فريق علمي يزور الجامعات يقوم بالتقويم الجامعي (االعتماد األكاديمي)، إذ أصبحت عالقتي‬
   ‫برئيسة الجامعة آنذاك قوية فاقترحت علي أن أكون مرشح جامعة كاليفورنيا للعمل مع ذلك الفريق، وقمنا‬
                                                               ‫َّ‬
  ‫بزيارة الجامعات في واليتين أمريكيتين لتقويم الجامعات واعتمادها أكاديميا ً وكانت تجربة عظيمة ال أظنها‬
   ‫أُتيحت لغيري من السعوديين قبل ذلك، وشاركت في مؤتمرات عديدة في تلك المدة، في مجاالت تخصصي‬
                                           ‫وغيرها) (ص 51 .)‬

‫ويختم محمد أحمد الرشيد هذه السلسلة الثرية من التجارب بعضوية مجلس الشورى. ولقد تمنيت أن يتوقف‬
‫عند هذه التجربة ويخوض فيها بأمثلة وتفاصيل مفيدة كالتي قدمها عن تجاربه التعليمية والتربوية، ولكنه‬
 ‫لألسف اكتفى بكالم عام عن المبادئ، وعموميات أشبه بخطبة أو مقال. ولعل له في ذلك عذراً، وربما ألن‬
  ‫مجلس الشورى كان بعيداً عن اهتماماته التخصصية في شؤون التعليم والتربية. ولهذا كان حديثه عن‬
                                                            ‫ً‬    ‫ً‬    ‫ً‬
‫عضويته لمجلس الشورى نغمة منفردة خارجة عن اللحن الذي يعزف عليه الكتاب منذ بدايته، نغمة بنشاز‬
                                       ‫أسلوبا ً وعرضا ً وفكراً .‬

‫والدليل على ذلك أنه يعود لطريقته في سرد الذكريات والتجارب عندما يتحدث بعد ذلك مباشرة عن عضويته‬
                ‫للمجلس التنفيذي لليونسكو، وكانت تجربة ثرية ورائدة وممتعة .‬

                                       ‫المرحلة الثانية وزيراً للمعارف :‬

    ‫تحتل تجربة محمد أحمد الرشيد وزيراً للمعارف ثلثي الكتاب رغم قلة عدد سنواتها قياسا ً بمراحل حياته‬
‫السابقة، ولكن ألهمية هذه التجربة بالنسبة لهذا الجيل، ولمن جاء من بعد أطال وأسهب وقدم كل ما يعتقد أنه‬
                    ‫مفيد للقارئ؛ وهي تجربة ثرية تستحق أن يقف عندها ويطيل الوقوف .‬

‫عين المؤلف وزيراً للمعارف في تشكيل سنة 0828هـ، وقبل إصدار قرار التعيين بأيام تصله رسالة في غاية‬
                                                                                              ‫ُ‬
    ‫األهمية، تنضح بالحكمة، وتنبض بالصدق واإلخالص والمحبة من الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن‬
  ‫التويجري، ولو يجد كل مسؤول كبير أو وزير إنسانا ً مخلصا ً مثل التويجري يسدي له النصح بمثل هذه‬
‫الرسالة لنجت البالد والعباد من أخطاء كثيرة تقع ربما بدون قصد من أصحابها. وأجد أنه لزاما ً علي أن أضع‬
         ‫َّ‬
‫بين يدي القارئ جزءاً كبيراً من هذه الرسالة حتى ولو كان في ذلك إطالة لما فيها من عظيم الفائدة، إذ يقول‬
                                               ‫له فيها :‬

 ‫باألمس كنت تتحرك في حدود ضيقة ال تملك غير األماني واألحالم التي تشغل بالك تجاه خدمة بلدك، واليوم‬
 ‫خرجت من هذه الحدود الضيقة إلى سعة المسؤولية التي من خاللها ستجابه فئات كثيرة من أرباب الثقافات‬
‫والمعرفة وتجابه أيضا ً مسؤوليتك، لم تعد ذلك اإلنسان الذي ال تالحقه العيون وترصد تحركاته في مسؤوليته‬
                                    ‫أو في الشارع العام مع الناس .‬

    ‫لذلك أحدد في هذه الرسالة مالمح لبعض المالحظات آمل أن أكون بها قد أعطيتك شيئا ً من خبرتي :‬

‫-1ادخلْ عملك متواضعاً، أَحكِم تصرفاتك داخل الوزارة بانضباط ال يطغى عليه انفعال يكون له ردود فعل في‬
                                                                        ‫ْ‬
 ‫نفس زميل لك في الوزارة، اشعر مسؤوليك أنه ال تمايز بينك وبينهم، وأن وجودك معهم غايته ووسيلته‬
                                                                   ‫ْ‬
                                ‫الخدمة العامة وتنشيط هذه األهداف .‬

‫-2ال تسرع وال تتعجلْ في التنقالت وفي تغيير المناهج إال بعد تبصر ودراسة وتحديد مواطن الضعف فيها، ثم‬
                                                                                           ‫ْ‬
 ‫بعد ذلك احملْ أفكارك إلى الجهات العليا بواسطة سمو األمير سلطان أو مَنْ ترى وخذ الرأي واألمر بما تراه‬
                                            ‫الجهات العليا .‬

      ‫-3حاولْ أن يكون وقتك محدداً فيه حركتك، ال تتوسع في عالقاتك أكثر مما يفيد هذه العالقات .‬
                                              ‫ْ‬

                                                               ‫ْ‬                            ‫ْ‬
  ‫-4الحظ أن كل كلمة محسوبة عليك، تحفظ كثيراً وإذا فعلت شيئا ً جيداً ال تقل فعلت وغيرت وسويت، أنكِر‬
           ‫ّ‬     ‫ّ‬
                                   ‫ذاتك تسلم من مضاعفة الحساد .‬

         ‫-5أنت إلى حد اآلن مجهول الهوية عند كثير من الناس سواء في الداخل أو في الخارج .‬

   ‫-6أنت اآلن تضع خطواتك على أول الطريق وهو طريق شاق، نجاحك في قدرتك على وضع خطاك مع‬
                        ‫المسؤولية بقدر من االتزان والوقار والتواضع .‬

   ‫أرجو أن تقطع طريقك الطويل بجهدك وبصيرتك وأن ال يلحق بك في هذا الطريق سبب من األسباب فيقول لك‬
    ‫قف، ال أقول لك هذا من خيالي بل من تجربتي الخاصة فمن يوم وضعت قدمي على طريق مسؤولية صغيرة‬
       ‫في المجمعة واآلخرون يضعون العثرات من أمامي وخلفي وعن يميني وعن يساري وكلما شعرت بذلك‬
‫ازدادات صالبتي واشتد عودي وحسبت لكل خطوة حسابها خوفا ً من السقوط وأنا في أول الطريق فأموت موتا ً‬
      ‫أبديا ً وإن كنت أقطع سكك بلدي ليل نهار وبعد أن انتقلت إلى الحرس الوطني هل انتهى كل شيء، أبداً .‬

 ‫الطبيعة البشرية واحدة سواء كانت في القرية مع عمل صغير أو في المدينة مع عمل كبير. تضاعف الحسد‬
‫علي والكيد والدس واالفتراء والظلم إلى حد أنَّ أقرب الناس إلي صار يتابع التقارير ضدي، قصة طويلة ولكن‬
                                       ‫َّ‬        ‫َ‬                                              ‫َّ‬
                                 ‫(ومافي الدنيا أشجع من بريء .)‬

‫لي في الخدمة اآلن يا محمد ثالثة وستون عاماً، ليتني استرحت يوما ً واحداً من الحسد!! وقبلي قال أبو الطيب‬
                                             ‫المتنبي لسيده :‬

                                     ‫أزل حسد الحساد عني بكبتهم‬
                                                  ‫ّ‬

                                     ‫فأنت الذي صيرتهم لي حسداً‬
                                        ‫ُ ّ‬       ‫ّ‬

 ‫عملك الجديد سيصير لك حسداً، أقللْ من الكالم، كن محافظا ً تسمع وال تحكي .هذه الرسالة ال تعني أنك قليل‬
                                                                                      ‫ّ‬
                     ‫الخبرة إن شاء هللا، الخوف عليك هنا قد يكون عاطفيا ً ربما يفيدك .‬
  ‫-7أملي أن تدخل مع نفسك وسلوكك في كل شيء من العالقات إلى شربة الماء وما ترى أنه غير مناسب‬
                                    ‫لوضعك ابتره ولو أوجعك .‬

                     ‫هذه اإلشارة أرجو أن تقف عندها وقفة تأمل). (ص 128-528 .)‬

  ‫واتخذ وزير المعارف هذه الرسالة نبراسا ً أضاء له الكثير من معالم الطريق، وكان دائما ً يتذكر في مواقف‬
‫الخيارات الصعبة قول التويجري الحكيم (ما في الدنيا أشجع من بريء) وبقناعة أن (المعلم )وإعداده اإلعداد‬
 ‫الالئق هو أساس العملية التعليمية والتربوية، بدأ محمد أحمد الرشيد مهامه في وزارة المعارف وعبر عن‬
                                              ‫ذلك بقوله :‬

 ‫(اقتناعي الذي ال يتزعزع بأن التربية الجيدة هي العامل الرئيس المحقق للتنمية. وأن التربية الجيدة تعتمد‬
‫على المعلم المربي الجيد، وبالتالي فإن التركيز على المعلم: انتقاء وإعداداً وتدريبا ً ينبغي أن يكون الهم األول‬
                                            ‫ً‬
  ‫لوزارة المعارف، وأن العوامل األخرى - مع أهميتها - ال تصل إلى أهمية المعلم، ألنه مهما كانت البيئة‬
‫المدرسية - من مبنى وتجهيزات - جيدة، ومهما كانت المناهج متطورة فإذا لم يكن هناك معلم قادر على (قدح‬
    ‫ُ‬
 ‫شرارة الشوق في نفس المتعلم ألن يتعلم) فال جدوى منها جميعا ً. وحددتُ الشعار الذي شاع فيما بعد، وكتب‬
                    ‫بخط عريض على الجدران ولوحات اإلعالنات في معظم المدارس :‬

                                     ‫وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة‬

 ‫وجوهر كل تربية عظيمة معلمون ومربون عظماء، منتجون، مخلصون، صادقون، عاملون).(ص 828 .)‬

 ‫وبناء على ذلك وضع وزير المعارف في أول اجتماع له مع مديري التعليم بمختلف مناطق المملكة الثوابت‬
                                                                                         ‫ً‬
                                             ‫التالية :‬

 ‫-1إننا نحن العاملين في ميدان التربية والتعليم أصحاب رسالة ال سبيل للقيام بمهمتنا إال حين نعمل جميعا ً‬
‫بروح الفريق، لذا فإنه ال يصدر قرار إستراتيجي إال بعد أن تتم دراسته وتنقيحه من قبل القياديين، وأعني بهم‬
       ‫في المقام األول: الزمالء التربويين في الميدان، فهم على اتصال مباشر مع المعلمين والمتعلمين .‬

  ‫-2ليس باإلمكان تحقيق طموحاتنا في التطوير إال بسالمة صدورنا، ووضوحنا وحسن ظن كل واحد منا‬
                   ‫باآلخر مع تكامل جهودنا والتنسيق فيما بين قطاعات الوزارة .‬

  ‫-3إن دور الجهاز المركزي (الوزارة) يقتصر على التخطيط المبني على ما يرد من الميدان من مقترحات‬
 ‫تطويرية، والتنفيذ متروك إلدارات التعليم المنتشرة في المملكة، بما في ذلك توزيع الميزانية السنوية حسب‬
                                          ‫حجم كل إدارة .‬

‫-4ال تغيير في المراكز الوظيفية والجميع مدعوون لالستمرار في عملهم، والحكم على أي شخص يكون بناء‬
‫ً‬
                                ‫على معايير وضوابط محددة .‬

    ‫-5يعقد صباح كل يوم أربعاء اجتماع يضم - بجانب الوكالء والوكالء المساعدين - المديرين العامين‬
   ‫ورؤساء األقسام والغرض منه تبادل المعلومات عن كل ما يجري في كل إدارة وقطاع وما سيكون عليه‬
‫األسبوع المقبل، بحيث يكون الجميع على علم بما يجري في الوزارة ويكون التكامل قائما ً في مشاريع الوزارة‬
            ‫ويدعى لالجتماع مديرا تعليم: أحدهما مدير تعليم منطقة واآلخر مدير تعليم محافظة .‬

      ‫-6يتولى فريق عمل دراسة كل مشروع أو برنامج ويعرضه على المجتمعين لتطويره وتنقيحه .‬

  ‫-7يوضع جدول زمني بموجبه يتم توزيع مناطق التعليم ومحافظاته على كبار مسؤولي الجهاز المركزي‬
                     ‫لزيارتها ومتابعة تذليل كل العقبات التي قد تواجه كل إدارة .‬

‫-8تكوين فرق عمل يزور كل منها عدداً مختاراً من الدول الخارجية للوقوف على تجاربها واالستفادة منها .‬
  ‫-9ترتيب لقاء سنوي لمديري التعليم مع القيادة (الملك، ولي العهد، النائب الثاني، وزير الداخلية) لتلقي‬
                                 ‫توجيهاتهم وإطالعهم على واقع التعليم .‬

‫- 01عقد مؤتمر سنوي لمدة ثالثة أيام، يكون العمل فيه على نمطين، نمط فكري، ونمط إجرائي، ويكون فيه‬
    ‫ضيف كبير يتحدث في جانب فكري تحدده لجنة اإلعداد، إلى جانب أوراق عمل أخرى من المشاركين .‬

                         ‫ثم أضاف معالي الوزير على تلك الثوابت المفاهيم التالية :‬

      ‫-1إننا في الوزارة مؤتمنون على أغلى ما تملكه األمة، فلذات أكبادنا، رجال المستقبل بإذن هللا .‬

   ‫-2المعلم صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب وظيفة بالنظر إلى عظم الدور التربوي الذي يقوم به في‬
                                            ‫المجتمع .‬

 ‫-3إن أول ما يجب أن نعلِّمه للطالب والطالبات هو: كيف يتعلمون وكيف يستثمرون في التعليم ويستمرون‬
                                                                          ‫ُ‬
  ‫فيه إلى آخر أيام العمر وكيف يفكرون وكيف يستنتجون ورددنا المثل الذي يقول: (ال تعطني سمكة وإنما‬
                                      ‫علمني كيف أصطادها .)‬

‫-4إن من صميم مسؤولية المدرسة اكتشاف المواهب وتوجيهها وترسيخ حب المهنة، والعمل بإتقان، وحب‬
                                        ‫العمل اليدوي .‬

       ‫-5التعليم بالقدوة، ومقياس نجاح المعلم هو ما يبدو من أثر لما يعلمه لتالميذه وليس حفظهم .‬

‫-6إذا كانت اإلدارة سلطة، أعطاها المرؤوسون أطراف ألسنتهم، أما إذا كانت روحا ً وقلبا ً واحتراما ً وتشاوراً،‬
                            ‫أعطاها المرؤوسون ذوب أنفسهم وبدا هذا كله في إنجازهم .‬

                  ‫-7أثمن النصائح وأحكمها ال يستفيد منها المرء وال يفيد ما لم يطبقها .‬

                                       ‫-8إذا كنت ترجو كبار األمور‬

                                            ‫فأعدد لها همة أكبرا‬

‫وعلق على أصداء ذلك والتجاوب مع هذه المبادئ بقوله: (أدركت أن الجميع استجاب لفكرة أن التربية عماد‬
‫الغد، وأن تحسين األداء الزم، وأن التعاون مهم للجميع وأنه ال بد لنا من اإلسهام في الحركة الطموحة بنشاط‬
                                    ‫ورضا وسعادة) (ص 228 .)‬

‫وبعد استعراض اإلنجازات واألنظمة والتغييرات التي أحدثها في وزارة المعارف في عهده في مدى يزيد على‬
   ‫552 صفحة أجد أن الخالصة التي تتمثل فيها تجربة هذا الوزير المتمرس تتمثل في قناعته الثابتة بأن‬
‫اإلنسان هو أساس التطوير وهو هدفه، وكل ما عدا ذلك يظل عامالً من عوامل هذا الهدف الكبير، وهذا ينطبق‬
‫على التعليم، وقد أوجزه بقوله: (وإليماني العميق بأن التعليم مهمة اجتماعية قبل كل شيء ال يقتصر اإلنجاز‬
   ‫فيها على أداء المدرسة، وإنما يتأثر باالقتناعات والممارسات األسرية واالجتماعية، وباألنظمة اإلدارية‬
‫والمالية.. وغيرها، فقد تأملت إبان تسلمي مهام الوزارة في أسلوب يمكن أن يقود إلى رسم خارطة العمل في‬
‫وزارة كانت أبداً مطالبة بالكثير وكانت دوما ً محط األنظار، تبعا ً ألهميتها في إعداد اإلنسان في بالدنا، وفي كل‬
  ‫بالد الدنيا، اإلنسان الذي هو أوالً وأخيراً العنصر األساسي في مدخالت ومخرجات جميع برامجها، وهو -‬
‫أيضا ً - الهدف النهائي لكل تلك الجهود، ووجدت تبعا ً لذلك أن إشراك اإلنسان في تقويم برامج وخطط الوزارة‬
    ‫واالستنارة برأيه في تحديد أهمية وأوليات تلك الخطط والبرامج أمر بالغ األهمية، وتقتضيه الضرورة‬
  ‫للوصول إلى خطة عمل تمثل الرأي العام، المتخصص وغير المتخصص، فالتعليم كما أشرت هم للجميع).‬
            ‫ٌّ‬
                                               ‫(ص 128 .)‬

  ‫ولو ال أني أخشى اإلطالة على القارئ لمضيت في استعراض تجربة المؤلف في وزارة المعارف فصالً فصالً،‬
‫فهي تجربة ثرية ومثمرة أحاطتها خبرة صاحبها وعلمه ودينه ووعيه وإخالصه لوطنه وحبه لمواطنيه بسور‬
‫ٍ‬
‫متين من الصدق والواقعية مما يجعل العقل يتمثلها بسهولة والقلب يرتاح لها بأمانة، واألجيال القادمة تنهل‬
                                                                                                ‫ٍ‬
                                  ‫منها فتضيف إلى رصيدها الشيء الكثير‬
                                          ‫.د. محمد أبو بكر حميد‬

                                         ‫من جريدة الجزيرة‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:10
posted:3/10/2012
language:Arabic
pages:10