????? ????? ??????? ?????

Document Sample
????? ????? ??????? ????? Powered By Docstoc
					                                         ‫قصة الحضارة‬
                                          ‫ول ديورانت‬



                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مقدمة‬



                                                                                                   ‫الكتاب الثاني‬




                                                                                                          ‫فرنسا‬




                                                                                                 ‫1723- 1723‬




                                                                                                  ‫الفصل السابع‬




                                                                                                 ‫الشعب والدولة‬


                                       ‫ا‬
‫كان عدد سكان فرنسا التي عاد إليها فولتير 2723، نحو تسعة عشر مليونً من األنفس، مقسمة إلى ثالث طبقات:‬
 ‫رجال الدين والنبالء، ثم الطبقة الثالثة التي تضم بقية الشعب. وإذا أردنا أن نفهم الثورة الفرنسية فال بد لنا من أن‬
                                                                             ‫ندرس كل طبقة منها دراسة دقيقة.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17933‬
                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> النبالء‬



                                                                                                     ‫ء‬
                                                                                                     ‫3- النبال ُ‬


   ‫ا‬
  ‫أطلق السادة اإلقطاعيون اإلقليميون الذين استمدوا ألقابهم من األرض التي امتلكوها (وهي ربع أرض فرنسا تقريب ً)‬
   ‫على أنفسهم اسم "نبالء السيف". وكانت مهمتهم الرئيسية أن ينظموا ويتولوا قيادة الدفاع عن سيادتهم وعن إقليمهم‬
 ‫وعن وطنهم وعن ملكيهم. وفي النصف األول من القرن الثامن عشر ترأس هؤالء النبالء نحو ثمانين ألف أسرة ضم‬
     ‫نحو أربعمائة ألف من األنفس(3). وكانوا شيعاً أو طبقات متحاسدة، أعالها طبقة ذرية الملك الذي يتربع في دست‬
        ‫الحكم وأوالد أخوته وأخواته. ويلي هؤالء في منزلة أدنى، طبقة أشراف فرنسا: وتضم األمراء من أبناء الملوك‬
                                         ‫ا‬                                 ‫ا‬
  ‫السابقين، ثم سبعة أساقفة وخمسين دوقً. ويأتي بعد ذلك األدواق األقل شأنً، ثم الحاصلون على لقب مركيز، ثم لقب‬
        ‫كونت، ثم لقب فيكونت، ولقب بارون وشيفالييه (نبيل من الدرجة الدنيا). وكانت ثمة امتيازات رسمية تميز هذه‬
   ‫السلسلة من المراتب بعضها عن بعض. ومن هنا كان نزاع حاد فاجع حول حق السير تحت المظلة في مواكب عيد‬
                                                                         ‫القربان أو حق الجلوس في حضرة الملك.‬
       ‫ومن بين نبالء السيف هؤالء، تعقبت أقلية منهم أصول ألقابها وممتلكاتها عبر عدة أجيال، واختصت نفسها باسم‬
                                                                                   ‫"النبالء ذوي المحتد الكريم"،‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 97933‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> النبالء‬


     ‫ونظروا فيها بعين االزدراء إلى النبالء الذين حصلوا على لقب النبالة عن طريق أسالف حديثي العهد، أو حصلوا‬
 ‫عليه هم أنفسهم في عهد لويس الثالث أو لويس الرابع عشر. كما أن بعض هذه األلقاب كانت تمنح لقاء خدمات للدولة‬
     ‫في الحرب أو في اإلدارة أو في التمويل، كما أن بعضها كان يبيعه الملك المعظم المعوز الراحل، مقابل ستة آالف‬
‫جنيه، وبهذه الطريقة، كما قال فولتير، "حصل عدد كبير من المواطنين-رجال المصارف والجراحون والتجار والكتبة‬
      ‫وخدم األمراء-على براءة النبالة(7)" وثمة مناصب حكومية معينة، مثل منصب المستشار أو كبير القضاة، كانت‬
                                                                           ‫ا‬
 ‫تضفي على شاغليها لقب النبالة تلقائيً. وفي عهد لويس الخامس عشر كان في مقدور أي رجل عادي أن يحصل على‬
                                                                                ‫ا‬
    ‫النبالة بشراء حق تعيينه وزيرً مقابل مائة وعشرين ألف جنيه. وفي عهد لويس السادس عشر ربما كان هناك نحو‬
      ‫تسعمائة وزير وهمي أو صوري من هذا الطراز. كما أنه كان في اإلمكان شراء اللقب بشراء ضيعة أحد النبالء.‬
             ‫ويحتمل أنه في 9123، كان نحو 97%، من مجموع النبالء ينحدرون في األصل من الطبقة الوسطى(1).‬
     ‫ووصلت غالبية هؤالء إلى درجة كبيرة من األهمية ورفعة الشأن عن طريق دراسة القانون، ومن ثم حصلوا على‬
   ‫مناصب القضاء واإلدارة. ومن بينهم كان أعضاء البرلمانات الثالثة عشر التي كانت بمثابة دور قضاء في كبريات‬
       ‫المدن في فرنسا، ولما كان يجوز للقاضي أو الحاكم ترك منصبه البنه، فقد تشكلت أرستقراطية وراثية-هم نبالء‬
  ‫الرداء (الروب). وكان الرداء بالنسبة لرجل القضاء، كما هو بالنسبة لرجل الدين، يمثل نصف السلطة أو السيادة.‬
     ‫وكان أعضاء البرلمانات وهم يرفلون في أرديتهم القرمزية، وعباءاتهم الثقيلة واألكوام ذات األهداب والشعور‬
‫المستعارة المضمخة والقبعات ذات الريش، يجيئون في مرتبة أدنى من األساقفة ونبالء األرض. ولكن حيث أن بعض‬
    ‫الحكام والقضاة أصبحوا، عن طريق الرسوم القانونية التي كانوا يتقاضونها، أكثر ثراء من معظم مالك األرض‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 11933‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> النبالء‬


      ‫ذوي الحسب والنسب، فقد تحطمت الحواجز بين نبالء السالح ونبالء الرداء وما وافى عام 9123 حتى كان ثمة‬
                        ‫ا‬                                                                     ‫ا‬
‫اندماج كامل تقريبً بين الطبقتين. وبلغت الطبقة التي تكونت عندئذ من وفرة العدد والقوة مبلغً لم يستطع الملك معه أن‬
       ‫يقف في وجهها أو يقاومها، وزعماء الثورة وحدهم هم الذين استطاعوا أن يقضوا على هذه االمتيازات الباهظة‬
                                                                                                       ‫التكاليف.‬
                                                                                              ‫ا‬
    ‫وانتاب الفقر كثيرً من النبالء القدامى بسبب اإلهمال في إدارة ممتلكاتهم أو تغيبهم عنها، أو بسبب أتباعهم أساليب‬
         ‫متخلفة في زراعتها، أو إنهاك التربة، أو خفض قيمة العملة التي كانوا يتقاضون بها إيجار األرض أو الرسوم‬
           ‫ا ا‬
    ‫اإلقطاعية. ولما كان المفروض أال يشتغل النبالء بالتجارة أو الصناعة، فإن نمو هذه وتلك خلق اقتصادً قائمً على‬
                                                      ‫ا‬                     ‫ً‬
    ‫المال، قد يمتلك المرء في ظله أرضا شاسعة ولكنه يظل فقيرً. وكان هناك في بعض أقاليم فرنسا مئات من النبالء‬
         ‫ا‬
  ‫يعانون من الفقر مثلما يعاني الفالحون(4). ولكن أقلية كبيرة من النبالء تمتعت بثروات ضخمة وبذروا تبذيرً. فكان‬
    ‫الدخل السنوي لمركيز دي فييت 173 ألف جنيه، ولدوق دي شفريز 114 ألف جنيه، ولدوق دي بويون 117 ألف‬
      ‫جنيه. وأعفى معظم النبالء من الضرائب المباشرة، إال في حالة الطوارئ، حتى تصبح الحياة لديهم أكثر احتما ً‬
      ‫ال‬
‫ويسرً. وخشي الملوك أن يفرضوا عليهم الضريبة حتى ال يطالبوا بدعوة مجلس الطبقات، فقد تفرض الطبقات الثالث‬     ‫ا‬
                                                               ‫ا‬
     ‫في مثل هذا االجتماع بعض الرقابة على الملك ثمنً للموافقة على االعتمادات أو اإلعانات. قال توكفيل "كان عدم‬
‫المساواة في الضرائب يعمل على التفرقة بين الطبقات في كل عام حيث أعفى األغنياء وأثقل كاهل الفقراء(7)". وفي‬
                       ‫عام 9423 فرضت على النبالء ضريبة دخل قدرها 7% ولكنهم كانوا يفاخرون بالتهرب منها.‬
                           ‫ا‬
       ‫وقبل القرن السابع عشر كان نبالء األرض يقومون بمهام االقتصاد واإلدارة والحرب، وأيً كانت طريقة إحراز‬
     ‫الممتلكات، فإن هؤالء السادة نظموا تقسيم األرض وفالحتها، إما عن طريق الرقيق أو عن طريق عقود اإليجار،‬
                                                        ‫وسهروا على القانون، وقاموا بإجراءات المحاكمة وأصدروا‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 31933‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> النبالء‬
 ‫األحكام، ونفذوا العقوبات، وتعهدوا المدارس والمستشفيات المحلية، ووزعوا الصدقات. وفي مئات من مناطق السيادة‬
         ‫والنفوذ مارس السيد اإلقطاعي هذه الوظائف والمهام، بالقدر الذي سمحت به األنانية الطبيعية في اإلنسان. وقد‬
                          ‫اعترف الفالحون بانتفاعهم منه، ومن ثم فإنهم أطاعوه واحترموه وفي بعض األحيان أحبوه.‬
 ‫وأدى عامالن أساسيان إلى تبديل هذه العالقة اإلقطاعية: تعيين الحكام أو المحافظين على عهد الكاردينال ريشيليو وما‬
         ‫بعده، وتحويل لويس الرابع عشر لكبار السادة اإلقطاعيين إلى رجال حاشية. وكان هؤالء المحافظون موظفين‬
      ‫بيروقراطيين من الطبقة الوسطى، يبعث بهم الملك ليحكموا األقسام االثنين والثالثين التي انقسمت إليها فرنسا من‬
                                   ‫ا‬                                                 ‫ة‬
   ‫الناحية اإلدارية. وكانوا عاد ً ذوي كفاية ومقدرة ونيات حسنة، ولو لم يكونوا جميعً من أمثال ترجو. وقاموا بتحسين‬
    ‫األحوال الصحية واإلضاءة وتزيين المدن، وأعادوا تنظيم الشئون المالية، وبنوا السدود والخزانات على األنهار من‬
‫اجل الري، أو أقاموا الحواجز اتقاء لخطر الفيضانات، وزودوا فرنسا في هذا القرن بشبكة هائلة من الطرق لم يكن لها‬
  ‫مثيل في سائر أنحاء العالم. وشرعوا في أن يغرسوا على جوانبها األشجار التي تظللها اليوم وتزينها(1). وسرعان ما‬
        ‫زحزح تفوقهم في الدأب على العمل والمقدرة والكفاية السادة اإلقطاعيين المحليين عن حكم األقاليم، ورغبة في‬
        ‫التعجيل بهذه الزحزحة التي تركز الحكم في أيدي هؤالء المحافظين، وعمد لويس الرابع عشر إلى دعوة السادة‬
     ‫اإلقطاعيين لالنتظام في بالطه الملكي. وهناك عينهم في وظائف بسيطة ذات ألقاب رفيعة وأوشحة مخدرة. وفقدوا‬
         ‫االتصال بالشئون المحلية على حين ظلوا يحصلون من مزارعهم على الموارد الالزمة لإلنفاق على قصورهم‬
    ‫وبطانتهم في باريس أو فرساي. وتشبثوا بحقوقهم اإلقطاعية بعد أن تخلوا عن واجباتهم اإلقطاعية. إن ضياع المهام‬
           ‫اإلدارية التي كانوا يقومون بها في مجال االقتصاد والحكومة جعلهم عرضة لالتهام بأنهم كانوا طفيليات غير‬
                                                                                       ‫ضرورية عالة على فرنسا.‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 71933‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬



                                                                                                   ‫7- رجال الدين‬


‫كانت الكنيسة الكاثوليكية قوة أساسية ذات وجود بارز في كل ركن في الحكومة. وقدر رجال الدين الكاثوليك في فرنسا‬
                                                ‫ا‬                        ‫ا‬                           ‫ا‬
        ‫بنحو 117 ألفً في 2113(2)، و174 ألفً في 7323(1). و493 ألفً في 7123(9). وهذه األرقام كلها من قبيل‬
 ‫التخمين، ولكن قد نفترض انخفاض هذا العدد بنسبة 11% في القرن الثامن عشر، على الرغم من تزايد عدد السكان،‬
  ‫وحسب الكروا أن فرنسا كان فيها عام 1123، 13 رئيس أساقفة، 913 أساقفة، و14 ألف قسيس، و17 ألف مساعد‬
     ‫قسيس، و27 ألف كاهن، و17 ألف كاتب (من رجال الدين)، ومائة ألف راهب وراهبة وعضو أخوية دينية(13)،‬
                                                                          ‫ا‬                     ‫ا‬
    ‫ومن بين 142 ديرً كان هناك 771 ديرً يتولى شئونها مساعدو رؤساء أديار، لمصلحة رؤساء أديار متغيبين عنها‬
                                           ‫ا‬
                 ‫وكانوا يتمتعون باللقب وبنصف أو ثلثي دخل الدير، دون أن يكون مطلوبً منهم أن يحيوا حياة كنسية.‬
                                                  ‫ا‬
   ‫وكان رجال الدين األعلى مرتبة يشكلون من الوجهة العملية فرعً من النبالء، وكان الملك يعين كل األساقفة، عادة،‬
     ‫بناء على ترشيح السادة اإلقطاعيين المحليين، على شرط موافقة البابا. ورغبة من األسرات ذوات األلقاب في عدم‬
  ‫تفتيت ممتلكاتهم بالتوريث، كفلت لصغار أبنائها المناصب األسقفية ومناصب رؤساء األديار، حتى أنه في 9123 لم‬
                                                                                ‫ا‬
   ‫يكن من بين المائة والثالثين أسقف ً في فرنسا إال واحداً فقط من األفراد العاديين غير ذوي األلقاب(33). وأدخل أبناء‬
   ‫األسرات العريقة هؤالء معهم إلى الكنيسة عاداتهم الني درجوا عليها في التمتع بترف الدنيا وزخرفها. ومن ذلك أن‬
                                                    ‫ا‬
     ‫األمير الكاردينال إدوارد دي روهان كان في القداس يرتدي ثوبً كهنوتياً له حواش من المخرمات المعقودة، قدرت‬
     ‫قيمته بمائة ألف جنيه، وكانت أدوات مطبخه من الفضة الخالصة(73). وفسر رئيس األساقفة ديللون دي ناربون‬
                                               ‫للويس السادس عشر، السبب في أنه أي رئيس األساقفة، استمر‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11933‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


‫في ممارسة الصيد بعد أن حرمه على رجال الدين في أسقفيته، بقوله "موالي إن رذائل رجالي من عند أنفسهم، ولكني‬
   ‫ورثت رذائلي أنا عن أسالفي(13) لقد انقضى العصر الزاهر لرجال الكنيسة-من أمثال بوسويه وفينلون وبوردللو-‬
 ‫وأفسح المرح األبيقوري الصاخب في عهد الوصاية المجال أمام رجال مثل ديبو أوتنسان للترقي في مناصب الكنيسة‬
‫على الرغم من انغماسهم في ملذات الصيد بنوعيه، اقتناص الحيوان واصطياد النساء. وقضى كثير من األساقفة معظم‬
    ‫حياتهم في فرساي أو باريس، مشاركين البالط الملكي بهجته ومسراته ومباذله، فاحتفظوا بقدم في اآلخرة وقدم في‬
                                                                            ‫الدنيا، ولم ينسوا نصيبهم من متاعها.‬
              ‫وكان لألساقفة ورؤساء األديار حقوق السادة اإلقطاعيين وواجباتهم، حتى إلى حد تقديم ثور لخدمة أبقار‬
                                                     ‫ا‬
   ‫فالحيهم(43). وكانت ممتلكاتهم الشاسعة، التي كانت تضم أحيانً مدن بأسرها، تدار كما تدار الممتلكات اإلقطاعية.‬
                                                    ‫ا‬
      ‫وكان جزء كبير من مدينة فرن ومعظم األرض المحيطة بها ملكً لألديار(73)، وفي بعض الكوميونات (وحدات‬
 ‫التقسيم اإلداري)، عين األسقف كل القضاة والموظفين، وهكذا عين رئيس أساقفة كمبري الذي كان السيد األعلى على‬
                                                                                            ‫ا‬
  ‫منطقة تضم 72 ألفً من السكان كل رجال اإلدارة في كاتوكمبرسيس، ونصفهم في كمبراي(13). وعمر نظام الرقيق‬
                          ‫ا‬
‫ألطول فترة في ضياع األديار(23) وكان للكهنة في سان كلود في جبال جورا اثنا عشر ألفً من الرقيق، وقاوموا بشدة‬
 ‫االنتقاص من الخدمات اإلقطاعية(13). وارتبطت حصانات الكنيسة وامتيازاتها بالنظام االجتماعي القائم، كما جعلت‬
                                            ‫لهيئة الكنيسة أقوى تأثير محافظ على القديم يناهض أي تغيير في فرنسا.‬
    ‫وجمعت الكنيسة سنوياً، مع شيء من االعتدال ومراعاة الظروف، العشور من نتاج كل مالك أرض وماشية، ولكن‬
                      ‫ا‬     ‫ا‬                     ‫ا‬                                                  ‫ا‬
   ‫هذا نادرً ما كان العشر في الواقع، بل كان في الكثير الغالب جزءً من اثني عشر، وأحيانً جزءً من عشرين(93).‬
  ‫وبهذه العشور، باإلضافة إلى الهبات والوصية والتوريث، وبدخل العقارات الثابتة، احتفظت الكنيسة بكهنة أبرشياتها‬
                                                                                                ‫فقراء معوزين‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 41933‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


 ‫على حين عاش األساقفة مترفين منعمين. وأغاثت الكنيسة المحتاجين المعدمين وعلمت الصغار ولقنتهم مبادئها. وفي‬
  ‫المقام التالي بعد الملك وجيشه، كانت الكنيسة أقوى وأغنى سلطة في فرنسا. وكانت تمتلك، طبقاً لمختلف التقديرات،‬
    ‫ما بين 1% و17% من األرض(17)، وثلث الثروة(37). وكان دخل أسقف سنس السنوي 12 ألف جنيه، وأسقف‬
                                       ‫ا‬                                                           ‫ا‬
                       ‫بوفيه 19 ألفً، ورئيس أساقفة روان 113 ألف، ورئيس أساقفة ناريون 193 ألفً، ورئيس أساقفة‬
 ‫باريس 117 ألف، أما رئيس أساقفة ستراسبورج فقد أربى دخله السنوي على المليون من الجنيهات(77). وكان رأس‬
                                                                ‫ا‬
‫مال كنيسة بريمونتريه بالقرب من الؤون 74 مليونً من الجنيهات. أما االخوة الدومنيكان البالغ عددهم 117 في تولوز‬
   ‫فقد بلغت مقتنياتهم من األمالك الفرنسية والمزارع في المستعمرات ومن الرقيق األسود ما قدرت قيمته بعدة ماليين‬
                                               ‫ا‬
       ‫من الجنيهات أما رهبان سانت مور فقد بلغت قيمة ممتلكاتهم 47 ملونً من الجنيهات تدر ثمانية ماليين في العام.‬
   ‫ولم تدفع الكنيسة أية ضرائب عن شيء من ممتلكاتها أو دخلها، ولكن كبار رجال الدين كانوا يقررون بصفة دورية‬
                             ‫ا‬
   ‫في المجامع الوطنية إعانة اختيارية للدولة. وفي 1223 بلغت هذه اإلعانة ستة عشر مليونً من الجنيهات لمدة خمس‬
 ‫سنوات. وقد اعتبرها فولتير نسبة عادلة من دخل الكنيسة(17). وفي 9423 اقترح ماشول دي ارنوفيل المراقب العام‬
   ‫المالي أن يستبدل بهذه المنحة االختيارية ضريبة مباشرة سنوية قدرها 7% من مجموع الدخل تفرض على الكنيسة‬
   ‫وعلى عامة الناس وخشي رجال الدين أن تكون هذه خطوة أولى نحو سلب أموال الكنيسة بغية إنقاذ الدولة، فقاوموا‬
   ‫الفكرة في "غضب شديد وإصرار(47)". كذلك اقترح ماشول تحريم التوريث بالوصية للكنيسة دون موافقة الدولة،‬
 ‫وإلغاء المؤسسات الدينية التي قامت منذ 1113 دون ترخيص من الملك، ومطالبة شاغلي الرتب الكنسية ذوات الدخل‬
    ‫بتقديم تقرير عن مواردهم إلى الحكومة. وأبت جمعية انعقدت من رجال الدين االمتثال لهذه القرارات، وقالوا: "لن‬
                                                                                                   ‫ا‬
   ‫نوافق إطالقً على أن يصبح ما كان حتى اآلن ثمرة حبنا وإجاللنا ضريبة على طاعتنا"، وأمر لويس الخامس عشر‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 71933‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


 ‫بفض االجتماع، كما أصدر المجلس الملكي أوامره إلى المحافظين بجمع ضريبة أولية مقدارها سبعة ماليين ونصف‬
                                                                                    ‫مليون جنيه على أمالك الكنيسة.‬
                                                                   ‫ا‬
‫وحاول فولتير تشجيع ماشول والملك فأصدر كتيبً عنوانه "صوت الحكمة وصوت الشعب" حرض فيه الحكومة على‬
  ‫أن تفرض سيطرتها على الكنيسة، وأن تحول دون أن تكون الكنيسة دولة داخل الدولة، وأن تعهد إلى فالسفة فرنسا‬
                        ‫ً‬
‫بالدفاع عن الملك والوزارة ضد كل قوى الخرافة(77). ولكن لويس الخامس عشر لم ير سببا يدعوه إلى االعتقاد بأن‬
 ‫الفالسفة في مقدورها أن تكسب الجولة في الحرب مع الكنيسة. وأدرك أن نصف سيادته وسلطانه يتركز على مسحة‬
 ‫الزيت المقدس وتتويجه بأيدي رجال الكنيسة، ليصبح بعد ذلك-في نظر الجماهير التي ليس في مقدورها أن تدنوا منه‬
    ‫إلى حد تستطيع معه إحصاء عدد محظياته-نائب اهلل الذي يتحدث بمقتضى التفويض اإللهي. أن اإلرهاب الروحي‬
              ‫الذي يبثه رجال الدين في النفوس وتعززه قوى التقاليد والعادات واالحتفاالت الدينية والمالبس الكهنوتية‬
      ‫والهيبة، نقول إن هذا اإلرهاب قام مقام ألف من القوانين ومائة ألف من رجال الشرطة في المحافظة على النظام‬
       ‫االجتماعي، واإلبقاء على طاعة الجماهير وامتثالها للحكومة والملك. وهل في مقدور أية حكومة، دون دعم من‬
         ‫الرجاء والخوف الخارقين للطبيعة، أن تسيطر على ما فطر عليه الناس من نزعة التمرد على القانون أو عدم‬
      ‫الخضوع له؟ وعقد الملك عزمه على االستسالم لألساقفة، ونقل ماشول إلى منصب آخر، وصادر كتاب فولتير،‬
                                                                                     ‫ال‬
                                                    ‫ووافق على منحة اختيارية بد ً من الضريبة على أمالك الكنيسة.‬
                                                                                  ‫ا‬
     ‫إن قوة الكنيسة كانت تعتمد أساسً على نجاح كاهن األبرشية، وإذا كان الناس يخشون رجال الدين الذين يضعون‬
            ‫ا‬                                                                  ‫ال‬
    ‫التيجان على رؤوسهم (األساقفة مث ً)، فانهم أحبوا الراعي المحلي الذي شاركهم فقرهم وعوزهم، وأحيانً كدحهم‬
        ‫وكدهم في فلح األرض. انهم تذمروا من جمع العشور، ولكنهم كانوا على يقين من أن رؤساء الراعي هم الذين‬
                                                                                              ‫أرغموه على جمعها،‬
                                                                                            ‫صفحة رقم : 11933‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


    ‫وأن ثلثي هذه العشور ذهب إلى األسقف أو إلى أحد ذوي المناصب الكنسية الغائبين عنها، على أن كنيسة األبرشية.‬
         ‫ضناها ما كانت تعاني من خلل وحاجة إلى ترميم، مما تئن منه التقوى نفسها. إن هذه الكنيسة الحبيبة كانت دار‬
          ‫بلديتهم، يعقدون فيها اجتماعاتهم القروية تحت رئاسة الكاهن. وفي سجل األبرشية، وهو شاهد بقائهم صابرين‬
  ‫متجلدين عبر األجيال، كانت تدون مواليدهم وزيجاتهم ووفياتهم. وكان صوت أجراس هذه الكنيسة أنبل موسيقى ترن‬
 ‫في آذانهم، واالحتفاالت هي المسرحية التي تشد انتباههم وتبعث فيهم النشاط، وقصص القديسين ذخائر األدب عندهم،‬
     ‫كانت أعياد تقويم الكنيسة هي العطالت المحببة إلى نفوسهم. ولم ينظر الناس إلى عظات راعي األبرشية ونصائحه‬
     ‫وتحذيراته أو إلى تعليمه وتربيته ألبنائهم، على أنها تلقين مبادئ أسطورية لتدعيم لسلطان الكنيسة، بل نظروا إليها‬
      ‫على أنها عون ال غنى عنه للنظام األبوي واالنضباط الخلقي، وعلى أنه إيحاء بنظام إلهي يتجلى فيه معنى الخلود‬
  ‫الذي خفف من أسلوب حياتهم الممل الجاف في هذه الدنيا. فكانت العقيدة ثمينة أثيرة لديهم إلى حد االستثارة إلى الفتك‬
                                                      ‫ا‬
  ‫بمن يحاول انتزاعها منهم. ورحب الوالدان الفالحان بالدين جزءً من الواجبات اليومية في البيت، ونقال إلى أوالدهما‬
  ‫األساطير الدينية، وواظب الجميع على صلوات المساء والوالدان على رأسهم. وكان راعي األبرشية يحب الناس كما‬
                                                                                       ‫أحبوه، فانضم إليهم في الثورة.‬
        ‫وتناقص عدد الرهبان والراهبات وأخوة الطوائف الدينية، ولكن نمت فيهم روح الفضيلة(17) كما نمت ثروتهم.‬
  ‫ونادرً ما كانوا اآلن يتسولون أو يعيشون على الصدقات ألنهم وجدوا من الحكمة ومن الخير لهم أن ينتزعوا الوصية‬    ‫ا‬
                                                                              ‫ً ال‬
‫بالتوريث من الذين يدنو أجلهم ثمنا بد ً من أن يستجدوا بعض البنسات من القرية، وفاضت بعض ثرواتهم على أعمال‬
                ‫ا‬
     ‫البر واإلحسان، فأنفق كثير من األديار على المستشفيات والمالجئ، ووزعت الطعام على الفقراء يومي ً(27). وفي‬
 ‫9123 ألحت جماعات كثيرة على حكومة الثورة أال تقضي على األديار المحلية ألنها كانت المنظمات البارة المحسنة‬
                                                                                                          ‫الوحيدة في‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 21933‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


      ‫نطاق أراضيها. (17) وأدت أديار الراهبات مهام كثيرة تؤدي اآلن بطرق أخرى، فكانت توفر مأوى لألرامل،‬
   ‫وللنساء الالئى افترقن عن أزواجهن، وللسيدات المراهقات مثل مدام دي ديفان التي رغبت في أن تنأى بنفسها عن‬
                                                      ‫ً‬
 ‫صخب الدنيا. ولم تنكر الديار متاع الحياة الدنيا وزينتها إنكارا تاماً، فقد استخدمها األثرياء مأوى لما زاد عن الحد من‬
                                                    ‫ا‬
   ‫بناتهم، وإال فإن زواجهن إذا لم يلجأن إلى األديار يتطلب مهورً تنقص من ميراث األبناء، ولم يكن هؤالء العذارى‬
     ‫المنبوذات مياالت دائماً إلى التقشف. وكان لألم أوريني (رئيسة دير للراهبات) عربة تجرها أربعة جياد، فكانت‬
                                                                                 ‫ا‬
   ‫تستقبل في جناحها الفاخر أفرادً من الجنسين. وكانت الراهبات في ألكس يرتدين التنورات ذوات األطواق الموسعة‬
          ‫واألردية الحريرية المبطنة بالفرو، وكن في أديار أخرى يتناولن العشاء ويرقصن مع ضباط من المعسكرات‬
                              ‫ا‬                                      ‫ا‬
   ‫المجاورة(97) وواضح أن هذه كانت ضروبً من التسلية البريئة غير اآلثمة، فإن كثيرً من األقاصيص التي رويت‬
      ‫عن الفساد الخلقي في األديار في القرن الثامن عشر كانت مبالغات شنيعة مثيرة استخدمت في حرب الدعاية بين‬
                         ‫المذاهب المتنابذة، وكانت الحاالت التي لزم فيها البنات الدير على غير إرادتهن نادرة(11).‬
  ‫وكان اليسوعيون قد ضعف سلطانهم ومكانتهم. إنهم ظلوا حتى 7923 يسيطرون على التعليم، وكانوا يزودون الملك‬
  ‫والملكة بكهنة اعتراف ذوي تأثير قوي، ولكنهم عانوا من فصاحة بسكال، ومن تشكك أوصياء العرش غير األتقياء،‬
        ‫وكانوا يخسرون معركتهم الطويلة المريرة مع الجانسنيين فإن هؤالء الكاثوليك المتعصبين لعقيدتهم عمروا بعد‬
    ‫االضطهادات الملكية والمراسيم البابوية، وكان عددهم كبير في مجال األعمال والمهن واالشتغال بالقانون، وكانوا‬
   ‫يقتربون من الهيمنة على برلمان باريس وغيره من البرلمانات. وبعد موت زعيمهم الالهوتي المتقشف فرانسوا دي‬
    ‫باريس (2723) حج الجانسنيون المتحمسون المغشي عليهم إلى جدته في مقبرة سان ميدارد، وهناك جلدوا أنفسهم‬
                                                                         ‫بالسياط، حتى أصاب بعضهم نوبات من‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11933‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


‫التشنج، ومن سموا "بالمتشنجين" وتوجعوا وبكوا وابتهلوا إلى اهلل أن يمن عليهم بالشفاء، وأدعى كثير منهم أنهم برئوا‬
      ‫بمعجزة. وبعد ثالثة أعوام من هذه األحداث أغلقت السلطات هذه المقابر، وكما قال فولتير: حرم على اهلل بأمر من‬
   ‫الملك أن يأتي بمعجزات هناك، وانقطعت التشنجات، ولكن الباريسيين السريعي التأثر مالوا إلى تصديق المعجزات،‬
              ‫ا‬             ‫ا‬   ‫ً‬
    ‫وفي 1123 ذكر أحد الصحفيين في مبالغة ظاهرة أن مدينة باريس الطيبة جانسنية قلبا وقالبً(31). وتحديً للمرسوم‬
 ‫الملكي الصادر في 1723 رفض صغار رجال الدين االمتثال لألمر البابوي الصادر في 1323 الذي استنكر فيه البابا‬
‫إنوسنت الثالث عشر مائة مسألة ومسألة زعموا أن الجانسنيين أثاروها. وقضى رئيس أساقفة باريس بأن السر المقدس‬
          ‫األخير ال يجوز أن يقدم ألي فرد لم يكن قد أعترف لقسيس كان قد ارتضى األمر البابوي. وأسهم هذا النزاع في‬
                                                             ‫إضعاف مركز الكنيسة المنقسمة أمام هجمات الفالسفة.‬
       ‫وكان الهيجونوت وغيرهم من البروتستانت الفرنسيين ال يزالون يعتبرون خارجين عن القانون، ولكن مجموعات‬
                                                                                    ‫ا‬
 ‫صغيرة منهم كانت تجتمع سرً. واعتبر القانون أن زوجة البروتستانتي عاهرة وأن أبناءها غير شرعيين، ليس لهم أن‬
‫يرثوا أية أمالك. وفي عهد لويس الخامس عشر شنت عدة حمالت لالضطهاد والتعذيب. وفي 2323 قبض على أربعة‬
                                                                                                  ‫ا‬
  ‫وسبعين فرنسيً يقيمون الشعائر البروتستانتية، وأرسلوا للتجديف في القواديس أو المراكب الشراعية وزج بزوجاتهم‬
       ‫في السجن، وقضى مرسوم صدر في 4723 بعقوبة اإلعدام على الوعاظ البروتستانت، وبمصادرة أمالك كل من‬
   ‫يشهد اجتماعات البروتستانت، مع إرسال الرجال للتجديف في السفن الشراعية. وحلق شعور النساء واعتقالهن مدى‬
‫الحياة(71) وفي عهد الكاردينال فليري حدث شيء من التراخي في تنفيذ هذا المرسوم. ولكن بعث من جديد بعد موته،‬
        ‫ا‬
        ‫بناء على طلب األساقفة الكاثوليك في جنوب فرنسا(11). وفي 9423 أمر برلمان بوردو بالتفريق بين 14 زوجً‬
                                                                              ‫وزوجة وفق الطقوس البروتستانتية.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 91933‬
                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


   ‫وكان من الجائز انتزاع األطفال الذين يشتبه في أن آباءهم من البروتستانت؛ لتربيتهم وتنشئتهم في بيوت كاثوليكية.‬
  ‫وإنا نسمع عن رجل ثري من الهيجونوت أنفق 117 ألف جنيه رشوة للموظفين الرسميين حتى يسمحوا له باالحتفاظ‬
         ‫بأبنائه. (41)وفيما بين عامي 4423 و1723 سجن نحو 111 بروتستانتي، وحكم على 111 آخرين بعقوبات‬
            ‫ا‬
 ‫مختلفة(71). وفي 7723 شنق في مونبلييه الواعظ البروتستانتي بينز-البالغ من العمر ستة وعشرين عامً. وفي نفس‬
 ‫العام، أمر لويس الخامس عشر، تحت تأثير مدام دي بمبادور، بوضع حد لهذه االضطهادات. (11)وبعد ذلك استطاع‬
                                                                                    ‫ا‬
         ‫البروتستانت في باريس أو قريبً منها، أن يتفادوا العقوبات، على شرط حضور الصلوات الكاثوليكية مرة في‬
                                                                                                        ‫العام(21).‬
‫وعلى الرغم من تعصب زعماء الكنيسة وانشغالهم بأمور الدنيا ورغبتهم في السلطة والنفوذ، فقد كان بين رجال الدين‬
 ‫الفرنسيين مئات ممن امتازوا بالعلم الغزير والحياة التقية النقية. وباإلضافة إلى أولئك األساقفة الذين بددوا في باريس‬
‫العشور التي جمعوها من الفالحين، كان هناك أساقفة آخرون إتسموا بالطهر والتقي قدر ما سمحت به المهام اإلدارية.‬
                                      ‫ال ا ال‬
       ‫فكان الكاردينال لويس أنطوان دي نواي رئيس أساقفة باريس رج ً ذكيً نبي ً. وكان الناس يحبون جان بابتست‬
   ‫ماسيون أسقف كلبر مونت على الرغم من عظاته الزاخرة بألوان العلم والمعرفة، والتي كان فولتير يحب أن يستمع‬
      ‫إليها وقت تناول الطعام، لجمال أسلوبها على األقل. أما جبرائيل دي كايلوس أسقف أوكسير فقد وهب كل ثروته‬
  ‫للفقراء، وباع طبقه الفضي ليطعم الجياع؛ ثم اعتذر لمن التمسوا بعد ذلك بقوله "يا أبنائي، لم يبق لدي شيء أعطيكم‬
    ‫إياه"(11). ولم يبرح األسقف فونسوا دي بلزونس مكانه وسط الطاعون الرهيب الذي اجتاح مرسيليا 1723، حين‬
        ‫هلك ثلث سكان المدينة، وفر منها معظم األطباء ورجال الحكم والقضاء. وفي هذا كتب ليمونتي: "انظروا إلى‬
       ‫ً ا‬
    ‫بلزونس: وأنه أنفق كل ما يملك. لقد هلك كل الذين كانوا في خدمته بسبب العدوى، فسار على قدميه فقيرا بائسً في‬
                                                                                                 ‫الصباح إلى مواطن‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 12933‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> رجال الدين‬


  ‫التعاسة والشقاء؛ كما كان يرى مساء وسط األماكن التي اكتظ بها ولوثها أولئك الذين يعانون سكرات الموت، ليطفئ‬
‫ظمأهم، ويواسيهم وكأنه صديق لهم... وفي ساحة الموت هذه يأخذ بيد األنفس التي ال معين لها. إن مثل هذا المثل الذي‬
                                                    ‫ً‬
 ‫ضربه هذا األسقف الذي يبدو أنه محصن ضد أي أذى كان كفيال بأن يدفع..... كهنة األبرشيات والقساوسة والطوائف‬
      ‫الدينية إلى محاكاته في شجاعته وبسالته، فال يتخلى أحد عن موقعه، وال يبالي أحد بما يلقى من عناء وتعب ولو‬
                ‫ا‬                                            ‫ا‬
     ‫ضحى بحياته. وهكذا أودى الوباء بستة وعشرين راهبً، وبثمانية عشر من بين ستة وعشرين يسوعيً. واستدعى‬
                             ‫الكيوشيون أخوتهم من األقاليم األخرى، فسارع هؤالء إلى االستشهاد في خفة المسيحيين‬
     ‫األولين وابتهاجهم بمثل هذا العمل. وقضى الطاعون على ثالثة وأربعين من بين خمسة وخمسين منهم. أما سلوك‬
                            ‫الرهبان األوراتوريين (طائفة كاثوليكية) فكان أروع من هذا. فقد بذلوا غاية جهدهم(91).‬
   ‫ولنذكر، ونحن نسجل الصراع المرير بين الدين والفلسفة، ونشارك الفالسفة مقتهم للرقابة الخانقة والخرافة الشائنة،‬
    ‫أنه كان هناك بين رجال الكنيسة على اختالف مراتبهم الورع والتقي كما كان هناك الغنى والثراء، بقدر سواء. كما‬
    ‫كان هناك اإلخالص مع الفقر بين كهنة القرى، أما الناس فقد تغلغل فيهم حب راسخ يتعذر المساس به أو النيل منه،‬
                                                                                      ‫ا‬
‫لعقيدة هيأت للزهو الهوى شيئً من االنضباط المنقذ من الضالل، كما هيأت لأليام العصيبة الشاقة رؤيا وجد الناس فيها‬
                                                                                                            ‫ا‬
                                                                                         ‫شيئً من السلوى والعزاء.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 32933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬



                                                                                                ‫1- الطبقة الثالثة‬




                                                                                                    ‫أ - الفالحون‬


     ‫تساءل "االقتصاد السياسي" الذي وصمه كارليل بأنه "العلم الكئيب" هل الفقراء فقراء، ألنهم جهلة، أم أنهم جهلة‬
  ‫ألنهم فقراء. ويمكن أن نجيب على هذا السؤال، بالموازنة بين االستقالل البهيج الذي يفاخر به الفالح الفرنسي اليوم،‬
                                                                    ‫وحالته في النصف األول من القرن الثامن عشر.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 72933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


   ‫وفي 1723 كانت حال الفالح آخذة في التحسن بالمقارنة بالمستوى المنحط الذي هبطت به إليه حروب لويس الرابع‬
 ‫عشر وابتزازاته. فإنه خضع للرسوم اإلقطاعية ولعشور الكنيسة، إلى جانب إنه امتلك نسبة متزايدة من أرض فرنسا،‬
     ‫كانت تتراوح بين 17% في نورماندي وبريتاني و17% في لنجدوك وليموزين(14). ولكن متوسط حصة هؤالء‬
                                                                                    ‫ال‬
 ‫المالك الصغار كان ضئي ً-من ثالثة إلى خمسة أفدنة-إلى حد اضطروا معه إلى االشتغال بأجر في المزارع األخرى‬
                                                                    ‫ا‬
          ‫ليعولوا أسراتهم. فإن معظم األرض كانت ملكً للنبالء أو رجال الدين أو الملك، وكانوا يفلحها مستأجرون أو‬
  ‫مزارعون نظير جزء من المحصول، أو عمال مياومة تحت إشراف قهرمان أو وكيل مسئول. وكان المالك يتقاضى‬
                                                                                            ‫ً‬
  ‫من المستأجر ماال وغلة وخدمات أما المزارعون فكانوا يعطون المالك نصف المحصول في مقابل األرض واآلالت‬
                                                                                            ‫الزارعة والبذور.‬
‫وعلى الرغم من تزايد ملكية الفالح ظلت هناك بقايا إقطاعية كثيرة، فإن أقلية ضئيلة من المالك قد ال يتجاوز 7% هي‬
  ‫التي وضعت يدها على أراض معفاة من الرسوم اإلقطاعية. وكل الفالحين باستثناء مالكي هذه األرض المعفاة، كان‬
                                                                                                      ‫ا‬
    ‫مطلوبً منهم أن يعملوا للسيد اإلقطاعي المحلي لعدة أيام في السنة تكفي لحرث أرضه وبذرها، وحصاد محصولها‬
                                                                            ‫ا‬
     ‫وتخزينه. وكانوا يدفعون له رسومً مقابل صيد السمك في البحيرات أو الجداول المائية ومقابل رعي ماشياتهم في‬
    ‫ا‬
‫الحقول، مما يقع في زمام أرضه. (في فرائش كومتيه، وأوفرن، وبريتاني، حتى قيام الثورة كانوا يدفعون له مبلغً من‬
                                                                 ‫ا‬
      ‫المال مقابل األذن لهم بالزواج(34). وكان لزامً عليهم أن يستخدموا طاحونته ومخبزه ومعصرة النبيذ أو الزيت‬
                 ‫ال‬                    ‫ا‬                            ‫ال‬
 ‫التابعة له، وليس غيرها. وأن يدفعوا له ما ً في كل مرة يستخدمون فيها شيئً من هذه. كما نفذوه ما ً عن كل مستوقد‬
       ‫أقاموه وكل بئر حفروه وكل جسر عبروه في نطاق أرضه (إن أمثال هذه الضرائب موجود بيننا اآلن في أشكال‬
                         ‫متغيرة، وتدفع للدولة). وكانت القوانين تحرم على السيد ورفاقه اإلضرار بمزروعات الفالح‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 12933‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                                      ‫ا‬
 ‫أو حيواناته عند الصيد، ولكن هذه القوانين أغفلت إغفاالً شديدً، وكان محظور على الفالح أن يطلق النار على حمائم‬
 ‫السيد، وهي تأكل محصوله(74) وبناء على تقدير يتسم بالتحفظ بلغت الرسوم اإلقطاعية جملتها نحو 43% من إنتاج‬
                                                          ‫الفالح أو دخله، وهناك تقديرات ترفع من هذه النسبة(14).‬
      ‫وفي بعض األماكن بقي الرق بمعناه الحقيقي، وقدر مؤرخ اقتصادي مشهور أن عدد الرقيق في فرنسا في القرن‬
      ‫الثامن عشر لم يجاوز المليون(44)، ونقص عددهم، ولكن في 9123 كان ال يزال في فرنسا نحو 111 ألف من‬
      ‫األرقاء(74) ومثل هؤالء الفالحين كانوا مرابطين باألرض ولم يكونوا يستطيعون قانوناً أن يهجروا أرضهم أو‬
       ‫يبيعوها أو ينقلوها أو يغيروا محال إقامتهم دون موافقة سيدهم. فإذا ماتوا دون أبناء كانوا يعيشون معهم، وعلى‬
                                            ‫استعداد للنهوض بشئون المزرعة، آلت المزرعة بكل معداتها إلى السيد.‬
                             ‫ا‬           ‫ال‬
‫وكان على الفالح، بعد دفع الرسوم اإلقطاعية وعشور الكنيسة، أن يجد ما ً أو يبيع شيئً من نتاجه أو ممتلكاته ليواجه‬
    ‫الضرائب التي تفرضها عليه الدولة. ودفع الفالح وحده ضريبة األراضي، وباإلضافة إلى ذلك دفع ضريبة الملح،‬
 ‫و7% من الدخل ضريبة الرأس عن كل فرد في البيت. وبهذا كان يدفع في الجملة ثلث دخل للمالك والكنيسة والدولة.‬
     ‫(14)وكان من سلطة جباة الضرائب أن يدخلوا أو يقتحموا كوخه، ليفتشوا عن المدخرات المخبأة، ويستولوا على‬
                                       ‫ا‬
    ‫األثاث تسديداً لمبلغ الضريبة المفروضة على األسرة. وكما كان الفالح ملزمً بالعمل ودفع الرسوم لسيده، فإنه بعد‬
                                                  ‫ا‬                                            ‫ً‬
      ‫1123 كان ملزما بأن يعمل للدولة بدون أجر من 73 إلى 73 يومً في السنة، في إقامة الجسور وبناء الطرق أو‬
                                                 ‫إصالحها (أعمال السخرة). وكان يعاقب بالسجن إذا قاوم أو توانى.‬
          ‫ومذ تصاعدت الضرائب بازدياد الدخل والتحسينات، فإنه لم يكن ثمة ما يحفز الفالحين على االبتكار والعمل‬
                                                                               ‫والمغامرة. وظلت أساليب الزراعة‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 42933‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


    ‫بدائية في فرنسا، إذا قورنت باألساليب في إنجلترا المعاصرة. وكانت فرنسا تتبع نظام إراحة األرض الذي يقضي‬
‫بترك كل قطعة دون زراعة سنة في كل ثالث سنين، على حين أدخلت إنجلترا نظام الدورة الزراعية. وكانت الزراعة‬
                                                                                        ‫ا‬
  ‫المكثفة غير معروفة تقريبً، والمحاريث الحديدية نادرة الوجود. وكانت الحيوانات قليلة العدد في المزرعة، كما كان‬
                                                                                                     ‫ال‬
                    ‫السماد قلي ً. وكان متوسط األرض المملوكة ضئيالً إلى حد ال يسمح باستخدام اآلالت بشكل مجز.‬
    ‫وروع السائحون اإلنجليز في ذلك العصر لفقر الفالح الفرنسي. ففي 1323 كتبت السيدة ماري مونتاجو: "في كل‬
                          ‫ا‬                           ‫ا‬
 ‫محطة كنا نقف فيها لتبديل خيول البريد كان أهل البلدة جميعً يخرجون إلينا يسألوننا إحسانً، في وجوه أضناها البؤس‬
   ‫والجوع ومالبس رثة ممزقة، وما كانوا بعد ذلك في حاجة إلى دليل أبلغ من ذلك إلقناعنا بتعاسة أحوالهم(24). ولم‬
                                                                     ‫ا‬
    ‫يرسم المراقبون الفرنسيون صورة أكثر إشراقً من هذه إال في وقت متأخر من هذا القرن. وقال سان سيمون: "في‬
         ‫7713 كان الناس في نورماندي يعيشون على حشائش الحقول. إن أول ملك في أوربا عظيم لمجرد كونه ملك‬
   ‫الشحاذين. وتحويله مملكته إلى مستشفى فسيح األرجاء يقيم فيه أناس يعانون سكرات الموت، انتزع منهم كل شيء‬
                                                                                               ‫ا‬
 ‫دون أن يبدوا شيئً من التذمر(14)". وفي 1423 حسب المركيز رينيه لويس دي أرجنسون، أن عدد الفرنسيين الذين‬
‫ماتوا بسبب الفقر والعوز في العامين األخيرين أكبر من عدد من قتلوا في حروب لويس الرابع عشر كلها(94)". وقال‬
   ‫بسنارد: "كانت مالبس الفقراء من الفالحين-وكانوا كلهم تقريباً فقراء-تدعو إلى اإلشفاق والرثاء، حيث لم يكن لدى‬
                                                                       ‫ا‬
‫الفرد منهم إال ثوب واحد للصيف والشتاء معً.... أما الحذاء الوحيد (المرقع الواهي المثبت بالمسامير) الذي اقتناه عند‬
  ‫زواجه، فكان لزاماً أن يستخدمه بقية أيام حياته، أو على األقل طيلة بقاء الحذاء(17)". وقدر فولتير أن مليوني فالح‬
                                                                                     ‫ال‬
                       ‫فرنسي كانوا يستخدمون نعا ً خشبية في الشتاء، وكانوا يسيرون حفاة األقدام في الصيف، ألن‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 72933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                                  ‫ا‬
‫الضرائب الباهظة المفروضة على الجلود جعلت األحذية ضربً من الترف(37) أما مسكن الفالح يبنى من الطين مع‬
 ‫سقف من القش، وكان عادة يتكون من غرفة واحدة، منخفضة ال سقف لها في بعض األجزاء في شمال فرنسا، على‬
   ‫أن األكواخ كانت تبنى أقوى حتى تحتمل البرد والرياح في الشتاء". وكان طعام الفالح يتألف من الحساء والبيض‬
                        ‫ا‬    ‫ً‬
‫ومنتجات األلبان وخبز الشعير أو الشوفان. أما اللحم وخبز القمح فكان أكلهما إسرافا طاوئً(17). ففي فرنسا، كما هو‬
                           ‫الحال في أي مكان آخر، كان أولئك الذين يطعمون األمة ال يملكون من الغذاء إال أقله.‬
 ‫ووجد الفالح بعض العزاء والسلوى من هذه الحياة الشاقة في الخمر والدين. وكانت الحانات كثيرة وصنع الجعة في‬
                                               ‫ا‬                                                 ‫ا‬
 ‫الدار مشجعً. وكانت األخالق خشنة جافة، طابعها الوحشية. وكثيرً ما تفجرت أعمال العنف بين األفراد واألسرات‬
    ‫والقرى . ولكن سادت األسرة عاطفة حب قوية، ولو أنها صامتة، وكان األبناء كثيرين، ولكن اختطفت يد المنون‬
‫معظمهم قبل أن يبلغوا رشدهم. وكاد أال يكون هناك زيادة في سكان فرنسا فيما بين عامي 7323 و1423. فقد أحدثت‬
                                            ‫الحرب والمرض والقحط أثرها بانتظام وفق ما جاء في نظرية مالتس.‬
                                                                            ‫ب - البروليتاريا (العمال الكادحون)‬


    ‫وكان خ دم المنازل أدنى مكانة من الفالحين في السلم االجتماعي، وكانوا فقراء إلى حد لم يهيئ إال لقليل منهم أن‬
                                                         ‫ال‬
‫يتزوجوا. وكانت طبقة البروليتاريا في المدن أعلى قلي ً من الفالحين، وكانت تشكل الحرفيين في الحوانيت والمصانع‬
         ‫ا‬        ‫ا‬
 ‫وحمالي البضائع ومتعهدي الخدمات وعمال البناء أو الترميم. وكان معظم الصناعة ال يزال منزليً أو محليً يقوم في‬
  ‫أكواخ ريفية أو في الدور في المدن الصغيرة. وكان التجار يقدمون المواد الخام، ويجمعون اإلنتاج، ويستولون على‬
                                                                                               ‫ا‬
      ‫كل الربح تقريبً. وكانت الصناعة في المدن إلى حد كبير في الطور النقابي (نظام نقابات العمال وطوائفهم في‬
                         ‫العصور الوسطى)، فكان هناك المعلمون والغلمان الذين يتدربون، وعمال المياومة المهرة،‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 12933‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                                                                             ‫ً ا‬
  ‫يعملون جميعا وفقً للقواعد القديمة التي حددت النقابة والحكومة بمقتضاها ساعات العمل وشروطه، وطرز اإلنتاج‬
     ‫ونوعيته وسعره والمنطقة المحدودة المسموح فيها بالبيع. إن هذه التنظيمات والقواعد جعلت من التحسينات أمرً‬
     ‫ا‬
‫عسيراً، واستبعدت حافز المنافسة الخارجية، وأسهمت مع رسوم التجارة الداخلية في تعويق التنمية الصناعية. وكانت‬
‫النقابات قد أصبحت أرستقراطية عمالية، وارتفعت الرسوم على القبول في سلك المعلمين الصناعيين إلى ألفي جنيه،‬
                  ‫ا‬            ‫ً‬
     ‫واتجهت هذه المهنة إلى أن تكون وراثية. (17)وكان العمل في الحوانيت يبدأ مبكرا وينتهي متأخرً. وكان عامل‬
  ‫ا‬                               ‫ا‬                            ‫ً‬
  ‫المياومة حول فرساي يبدأ عمله في الرابعة صباحا وينتهي منه في الثامنة مساءً. (47)ولكن العمل كان أقل إجهادً‬
                                              ‫منه في المصانع اليوم، كما أن أعياد الكنيسة هيأت أيام عطلة كثيرة.‬
                                                    ‫ا‬
 ‫وكانت الصناعة في معظمها "صغيرة" تستخدم ثالثاً أو أربعً من "األيدي العاملة" من خارج األسرة. بل أن المدابغ‬
    ‫ومصانع الزجاج والمصابغ كانت مؤسسات صغيرة. وكان عدد العمال في بوردو ال يتجاوز أربعة أمثال أصحاب‬
 ‫العمل. واحتفظت الحكومة على أية حال ببعض مصانع كبيرة-مصانع الصابون، ومصانع نسيج الجوبالن (المزدان‬
    ‫بالرسوم) ومصانع الخزف الصيني في سيفر. وأخذت عملية التعدين في التوسع بعد أن حل الفحم محل الخشب في‬
 ‫الوقود. وثارت االحتجاجات على دخان الفحم الذي يلوث الهواء، ولكن الصناعة آنذاك، كما هو الحال اليوم، مضت‬
‫تشق طريقها، وتعرضت صحة الناس في باريس، وفي لندن على حد سواء، للخطر نتيجة لتنفس هذا الهواء الملوث.‬
      ‫ا‬       ‫ا‬
  ‫وكانت هناك مصانع للصلب في دوفيني، ومصانع للورق في أنجوموا. وتوسعت مصانع النسيج توسعً ملحوظً في‬
    ‫الشمال، فاستخدم فان روبيه 1173 عامل في مصنع واحد في آبفيل واستخدم فان دركروسن ثالثة آالف رجل في‬
 ‫ليل(77). وشجع ازدياد العمال هذا على تقسيم العمل والتخصص فيه، وحفز على اختراع اآلالت للعمليات المكررة‬
                                                                      ‫على نسق واحد (الروتينية) وتضمنت دائرة‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 22933‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                                               ‫ً‬       ‫ً‬
       ‫معارف ديدرو (3723 وما بعدها) أوصافا ورسوما مدهشة آلالت متنوعة معقدة أدخلت بالفعل في الصناعة في‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫فرنسا، يندر أن تكون قد نالت استحساناً أو ترحيبً من البروليتاريا. وحين أقيم نول جاكار (لحياكة األقمشة المصورة)‬
                 ‫في ليون، عمد عمال نسيج الحرير إلى تهشيمه، خشية أن يلقى بهم في عرض الطريق بال عمل(17).‬
      ‫ورغبة في تشجيع الصناعات الجديدة فإن حكومة فرنسا-كما فعلت حكومة إنجلترا في عصر اليزابث-منحت عدة‬
     ‫احتكارات، مثال ذلك أنها منحت أسرة فإن روبية احتكار إنتاج األقمشة الهولندية الرفيعة، كما ساعدت مشروعات‬
                     ‫ا‬       ‫ا‬     ‫ا‬
  ‫أخرى بمعونات وقروض دون فوائد. وفرضت الحكومة على كل الصناعة تنظيمً صارمً موروثً عن كولبير. وأثار‬
                                                                                  ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫هذا األسلوب اعتراضً متزايدً من جانب أصحاب المصانع والتجار الذين دفعوا بأن االقتصاد ينمو ويزدهر إذا تحرر‬
     ‫من تدخل الحكومة، وترديداً لهذا المطلب، قال فنسنت دي جورناي (حوالي 7723) عبارته التاريخية اتركه وحده‬
   ‫"اتركه يعمل" التي عبرت في الجيل التالي، على لسان فرانسوا كني وترجو، عن المذهب الفيزيوقراطي الذي نادى‬
                                                                                         ‫بحرية العمل والتجارة.‬
                                                                                         ‫ا‬
   ‫واستاء الحرفيون أيضً من هذه القواعد والتعليمات التي وقفت حجر عثرة في سبيل تنظيمهم من اجل ظروف عمل‬
‫وأجور أفضل. ولكن أهم ما هاج حفيظتهم هو أن عمال الريف والمصانع كانوا ينتزعون السوق من أيدي النقابات. فما‬
      ‫وافى عام 1723 حتى كان أصحاب المصانع قد هبطوا بالحرفيين في المدن الكبرى-حتى بالمعلمين النقابيين-إلى‬
    ‫مستوى اإلجراء الذين يعتمدون في عملهم على المقاولين أو الملتزمين. (27)وفي نطاق النقابات أجرى المعلمون-‬
            ‫ا‬
  ‫تخفيضاً في أجور عمال المياومة الذين عمدوا إلى اإلضراب على نحو دوري. وكان الفقر في القرى شديدً مثلما هو‬
                                                                                                ‫ا‬
‫في المدن تقريبً. ووصل نقص المحاصيل بالطبقة الكادحة، البروليتاريا، في المدن إلى حد المجاعة والشغب كل بضع‬
                                                                   ‫سنين، كما حدت في تولوز 2423، وفي باريس‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 12933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


   ‫3723، وفي تولوز 7723(17) وكان القسيس الملحد جان مزلييه قد اقترح بالفعل، حوالي 9423 استبدال شيوعية‬
                                                                            ‫قائمة على الحرية بالنظام القائم(97).‬
       ‫وفي أواسط القرن كانت باريس وروان وليل وليون وبوردو ومرسيليا تعج بالبروليتاريا. وتفوقت ليون بوصفها‬
  ‫مركزاً صناعياً لبعض الوقت على باريس. وقد وصفها الشاعر اإلنجليزي توماس جراي في 9123 بأنها "ثانية مدن‬
  ‫المملكة من حيث االتساع والمكانة. وشوارعها بالغة الضيق والقذارة، ودورها بالغة االرتفاع واالتساع (تتكون الدار‬
‫من خمسة طوابق في كل طابق 77 غرفة)، مكتظة بالسكان". (11)وكانت باريس خلية هائجة، يقطنها 111 ألف منهم‬
    ‫113 ألف خادم، و17 ألف متسول، وفيها األكواخ الكئيبة والقصور الفخمة، واألزقة والحارات المظلمة والشوارع‬
           ‫القذرة وراء المتنزهات األنيقة، وفيها الفن إلى جانب اإلمالق والفقر المدقع. وسارت فيها المركبات الكبيرة‬
  ‫والمركبات العامة ذات الجواد الواحد والمحفات يصطدم بعضها ببعض مع تبادل السباب والشتائم، واختناق شديد في‬
    ‫حركة المرور. وكانت بعض الشوارع قد صفت منذ 1913 وعام 7423 رصف تريساكيه الطرق بأحجار ملساء،‬
‫ولكن معظم الشوارع كانت قذرة تماماً، مملوءة بالحصى الكبير الذي يصلح إلقامة المتاريس في أثناء الثورات. وبدأت‬
                       ‫ا‬
      ‫مصابيح الشوارع تحل محل الفوانيس في 7423 ولكنها لم تكن تضاء إال إذا لم يكن القمر بدرً. وظهرت الفتات‬
 ‫أسماء الشوارع في 1723. ولكن لم توضع للبيوت أرقام قبل الثورة. وكان لألغنياء وحدهم صنابير ماء في بيوتهم،‬
                        ‫ا‬
     ‫أما سائر الناس فكان يزودهم بالماء عشرون ألف سقاء يحمل الواحد منهم دلوين بهما أحيانً سبع مجموعات من‬
   ‫درجات السلم. أما المراحيض في المنازل والحمامات المزودة بالماء الجاري الساخن والبارد، فكانت امتياز لكبار‬
       ‫األثرياء. وظلت آالف الحوانيت، المشهورة بشعاراتها الرائعة المثيرة، على حالتها من الفوضى في الموازين‬
 ‫والمقاييس المتضاربة والمشتبه فيها، إلى أن وضعت الثورة النظام المتري (العشري). وكان هناك أصحاب حوانيت‬
                                                                        ‫أمناء في "متاجر الثقة"، ولكن الغالبية‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 92933‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


‫اشتهرت بالتطفيف في المقاييس والتالعب في األسعار ورداءة أنواع السلع. (31)وكان بعض الحوانيت ينتحل عظمة‬
        ‫ا‬
 ‫زائفة خداعة ألن أصحابها كانوا يستقلون العربات. وكان الفقراء من الناس يعتمدون في شراء حاجياتهم أساسً على‬
          ‫الباعة المتجولين الذين حملوا بضاعتهم جاهدين في دالء أو سالل على ظهورهم، والذين أسهموا في موسيقى‬
  ‫الشوارع بصيحاتهم ونداءاتهم التقليدية غير المفهومة التي يدعون بها الناس إلى الشراء، من "البطاطس المطبوخة"‬
     ‫إلى الموت للفئران "فقد نازعت الفئران الناس على تيسيرات السكنى في المدينة، وزاحم الرجال النساء واألطفال‬
 ‫الفئران في مسابقة الحصول على الطعام. قال رجل فارسي كان في زيارة مونتسكيو": "البيوت مرتفعة إلى حد يظن‬
‫معه أنه ال يقطنها إال منجمون. ولك أن تتخيل مدينة بنيت في الهواء، فيها أقيمت ستة أو سبعة منازل الواحد منها فوق‬
          ‫ا‬                ‫ا‬     ‫ا‬                              ‫ا‬
‫اآلخر وهي مزدحمة بالسكان، حتى إذا نزلوا جميعً إلى الشارع، رأيت هناك حشدً رائعً. لقد بقيت هنا شهرً، لم يقع‬
   ‫نظري فيه على شخص واحد يسير بخطى وئيدة. وليس في العالم كله مثل الرجل الفرنسي وهو يجتاز الطريق، إنه‬
    ‫يعدو أو يطير(71). أضف إلى ذلك المتسولين والمتشردين والنشالين والمغنين في الشوارع والنافخين في األرغن‬
           ‫ا‬
‫والدجالين بائعي األدوية المزيفة. وجملة القول أنهم شعب تشيع فيه مائة من أخطار البشر، ال يوثق به إطالقً، متلهف‬
    ‫على الكسب، مسرف في الدنس والتجديف بكل معنى الكلمة. ولكنه إذا أوتي اليسير من الطعام أو النبيذ فهو ألطف‬
                                                                     ‫ا‬
                                                                    ‫شعوب العالم وأكرمها وأكثرها مرحاً وابتهاجً.‬


                                                                                               ‫جـ - البرجوازية‬


     ‫وفيما بين الطبقتين الدنيا والعليا قامت الطبقة الوسطى، تضمر لها أوالهما البغض والكراهية، وتزدريها الثانية،‬
  ‫وكانت تضم األطباء واألساتذة ورجال اإلدارة وأصحاب المصانع والتجار ورجال المال، وهي طبقة شقت طريقها‬
                                                      ‫إلى الثروة والنفوذ والسلطة في حذق ومهارة وصبر وجلد.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11933‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                               ‫ا ا‬
          ‫وقام أرباب المصانع بمغامرات اقتصادية وتطلبوا من أجلها عائدً وفاقً. وشكوا من انهم يتعرضون لمائة من‬
        ‫المضايقات التي تسببها لهم تعليمات الحكومة ورقابة النقابات على السوق والعمال المهرة، واغتاظ التجار الذين‬
   ‫يوزعون المنتجات من فرض ألف من المكوس والرسوم التي تعوق حركة البضائع، ذلك أنه عند كل نهر أو قناة أو‬
                                ‫ا‬
        ‫مفترق طرق كان هناك وكيل عن النبيل أو رجل الكنيسة مالك األرض، ليتقاضى رسمً على الترخيص بمرور‬
    ‫البضائع. وأوضح السيد المالك أن هذه المكوس غنما هي تعويض معقول له عما ينفق في صيانة الطرق والجسور‬
                           ‫ً‬
         ‫والمعابر وإصالحها لتبقى صالحة لالستعمال. وألغى مرسوم ملكي صادر في عام 4723 ألفا ومائتين من هذه‬
                                                               ‫ا‬
             ‫المكوس، ولكن بقيت بعد ذلك منها مئات لعبت دورً في كسب البورجوازية إلى جانب الثورة وتأييدها لها.‬
 ‫أما التجارة الفرنسية التي كانت معوقة في الداخل فقد انتشرت واتسعت فيما وراء البحار. وسيطرت مرسيليا، وكانت‬
       ‫ميناء حرة، على تجارة أوربا مع تركيا والشرق. ومدت شركة الهند التي أعيد تأسيسها 1423، أسواقها ونفوذها‬
       ‫السياسي في البحر الكاريبي ووادي الميسيسيبي وأجزاء من الهند. ورفعت بوردو، وهي، المنفذ السياسي لتجارة‬
                             ‫ا‬                                        ‫ا‬
   ‫األطلنطي، تجارتها البحرية من أربعين ملونً من الجنيهات في عام 4723 إلى 177 مليونً في 1423. وأبحر أكثر‬
                                                                                            ‫ا‬
   ‫من 111 سفينة سنويً من بوردو ونانت إلى أميركا، يحمل معظمها العبيد ليعملوا في مزارع قصب السكر في جزر‬
‫األنتيل ولويزيانا(11). وفاقت نسبة المبيعات من السكر المنتج من أمريكا الفرنسية مثيلتها من السكر اإلنجليزي المنتج‬
     ‫في جمايكا وباربادوس في األسواق األوربية،(41)وربما كان هذا من أسباب حرب السنين السبع، وارتفعت جملة‬
                                                                           ‫ا‬
‫تجارة فرنسا الخارجية من 737 مليونً من الجنيهات في 7323 إلى 111 مليون في 1723.(71)وقدر فولتير أن عدد‬
                        ‫السفن التجارية التي استخدمتها فرنسا زاد من 111 سفينة في 7323 إلى 111 في 1123.(11)‬
                                                  ‫وكانت األرباح المتزايدة من التجارة البحرية الدافع األساسي لغزو‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 31933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


  ‫المستعمرات. وكانت حماسة التجار والمبشرين الفرنسيين قد كسبت لفرنسا معظم كندا وحوضي الميسيسيبي وبعض‬
  ‫الجزر في البحر الكاريبي. وتحدت إنجلترا هذه الممتلكات الفرنسية على اعتبار أنها تضيق الخناق على مستعمراتها‬
    ‫في أمريكا وتعرضها للخطر. والحرب هي التي يمكن أن تحسم هذه القضية، ودب الخالف بين إنجلترا وفرنسا في‬
‫الهند بسبب منافسة مماثلة. وكان الفرنسيون في 1113 قد وطدوا مركزهم على الساحل الشرقي جنوبي مدراس، وفي‬
      ‫1113 حصلوا من إمبراطور المغول على حق السيطرة الكاملة على شاندرناجور شمالي كلكتا. وفي ظل القيادة‬
   ‫النشيطة اليقظة لجوزيف دوبليكس، استولى هذان الثغران على كثير من التجارة والثروة إلى حد أحست معه شركة‬
 ‫الهند الشرقية اإلنجليزية، التي كانت قد أقامت لها مراكز في مدراس (9113) وبمباي (1113) وكلكتا (1113)-أنها‬
                             ‫مضطرة إلى خوض الحرب مع الفرنسيين من أجل مملكة المغول التي تتمزق أوصالها.‬
 ‫ولما رأت إنجلترا وفرنسا أنهما على طرفي نقيض في حرب الوراثة النمساوية (4423) فان ماهي دي البور دونيه-‬
                                                                               ‫ا‬    ‫ً‬
      ‫الذي كان قد ضرب رقما قياسيً في اإلقدام والمغامرة في إدارة جزر موريشيوس وبوربون الفرنسية في المحيط‬
‫الهندي-عرض على حكومة فرساي خطة "للقضاء على التجارة وعلى المستعمرات اإلنجليزية في الهند".(21)وهاجم‬
       ‫مدراس بأسطول فرنسي، بموافقة دوبليكس الحسود، وسرعان ما أرغم المدينة على االستسالم (1423) وتحت‬
 ‫مسئوليته الخاصة وقع مع السلطات اإلنجليزية اتفاقية تقضي بإعادة مدراس إليهم لقاء تعويض قدره 174 ألف جنيه.‬
        ‫ورفض دوبليه التصديق على االتفاقية، ولكن البوردونيه أصر في عناد، وأبحر على سفينة هولندية إلى أوربا:‬
 ‫وأسرته سفينة إنجليزية، وأطلق سراحه تحت وعد شرف، ودخل باريس فزج به في الباستيل بتهمة التمرد والخيانة،‬
 ‫وطلب المحاكمة، وبعد عامين قضاهما في السجن حوكم وقضى له بالبراءة (3723) وتوفي 1723. وفي تلك األثناء‬
                                                             ‫حاصر أسطول إنجليزي قوى بوندشيري (أغسطس‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬


                                                                          ‫ا‬   ‫ا‬
  ‫1423) فدافع عنها دوبليكس دفاعً مجيدً حتى رفع الحصار عنها (أكتوبر). وبعد ذلك بسبعة أيام وصلت األنباء إلى‬
         ‫الهند بأن معاهدة إكس الشابل أعادت مدراس إلى إنجلترا. ذلك أن الحكومة الفرنسية أدركت أنه مقضي عليها‬
    ‫بالهزيمة في الهند بسبب ضعف قواتها البحرية، فرفضت أن تدعم مشروعات دوبليكس في الغزو والفتح، وأرسلت‬
        ‫إليه قوات واعتمادات هزيلة، وأخيراً استدعته إلى فرنسا (4723). وامتد به األجل حتى رأى اإلنجليز يوقعون‬
                                                 ‫بالفرنسيين هزيمة منكرة في الطور الهندي من حرب السنين السبع.‬
  ‫وكان "رجال المال" في قمة الطبقة الثالثة وكانوا من مقرضي النقود على نطاق ضيق، من الطراز العتيق المحافظ،‬
    ‫أو من أصحاب المصارف بكل معنى الكلمة، الذين يتعاملون في الودائع والقروض واالستثمارات، أو من "ملتزمي‬
       ‫الضرائب" الذين يعملون للدولة باعتبارهم "وكالء الدخل". وكانت القيود التي فرضتها الكنيسة الكاثوليكية على‬
                                          ‫ا‬
  ‫تقاضي فوائد األموال قد ضعف أثرها أو أصبحت غير ذات موضوع تقريبً، في تلك األيام. ورأى جون لو أن نصف‬
 ‫فرنسا متلهف على االتجار في األسهم والسندات، وافتتحت باريس سوق األوراق المالية (البورصة) فيها سنة 4723.‬
    ‫وكان بعض (رجال المال) أغنى من معظم النبالء. فكان باريس مونتمارتل يمتلك مائة مليون جنيه، ولينورمان دي‬
                                                               ‫ا‬                          ‫ا‬
‫تورنهيم عشرين مليونً، وصمويل برنارد 11 مليونً(11). وزوج برنارد بناته من أزواج أرستقراطيين حيث دفع لكل‬
                                                            ‫ا‬    ‫ا‬
‫منهن مهرً قدره 111 ألف جنيه(91). وكان سيدً مهذبً محباً لوطنه. وفي 7323 حدد بنفسه الضرائب المستحقة على‬‫ا‬
                            ‫ا‬
   ‫ممتلكاته بمبلغ تسعة ماليين من الجنيهات، ومن ثم كشف ثروة كان يمكن أن يخفيها جزئي ً(12). وعندما قضى نحبه‬
     ‫(9123)، أماط فحص حساباته اللثام عن المدى الواسع لصدقاته الخفية(32). أما االخوة األربعة الذين حملوا لقب‬
                                ‫ا‬
‫"باريس" فقد طوروا مؤسستهم المصرفية إلى سلطة سياسية. وتعلم منهم فولتير كثيرً من براعته المالية، فأذهل أوربا‬
                                                                        ‫ا‬               ‫ا‬         ‫ً‬
                                                                       ‫لكونه فيلسوفا و "مليونيرً" في الوقت معً.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11933‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الطبقة الثالثة‬
‫وكان "الملتزمون العامون" أبغض رجال المال في فرنسا في القرن الثامن عشر. وكان النظام "الملتزم العام" قد أدخل‬
                                                                 ‫ا‬
  ‫في 2913 لجمع الضرائب غير المباشرة-أساسً الضرائب على اإلعانات والتسجيالت والطلبات والملح والتبغ-ولكي‬
                                                         ‫ً‬
 ‫تنفق الحكومة هذه اإليرادات قبل جمعها ألزمت بها شخصا يدفع لها المبلغ المتعاقد عليه، مقابل حق جبايتها على مدى‬
                  ‫ا‬
    ‫ست سنوات. وانعكس ازدياد الضرائب والثروة والتضخم في ارتفاع ثمن هذا العقد الرابح: 11 مليونً 1723، 79‬
                                         ‫ً‬              ‫ا‬                            ‫ا‬
   ‫مليونً 4423، 773 مليونً 4223. ولم تقع أية حكومة يومً في حيرة جريا وراء الطرق التي تنفق بها أموال شعبها‬‫ا‬
                ‫ا‬                          ‫ا ا‬
  ‫وفوضت للمتعاقد مهمة جمع الضرائب بالتعاقد إلى أربعين "ملتزمً عامً" أو أكثر، دفع كل منهم كلونً من الجنيهات‬
                                                                                                 ‫ا‬
  ‫أو أكثر ضمانً مقدماً، ولعق أصابعه كلما مرت بها اإليرادات، وهكذا، فيما بين عامي 1723-1123 جاوزت أرباح‬
                                                                          ‫ا‬
     ‫الملتزمين العامين األربعين 173 مليونً من الجنيهات(12). وابتاع كثير من أمثال هؤالء الجباة الضياع واأللقاب‬
    ‫وشادوا القصور الفخمة وعاشوا حياة غاية في البذخ والترف، مما أثار حنق األرستقراطية ورجال الكنيسة. وجمع‬
 ‫بعضهم روائع الفن وأحاطوا أنفسهم بالفنانين والشعراء والخليالت، وفتحوا أبواب بيوتهم مأوى أو منتدى للصفوة من‬
                                                               ‫ا‬
    ‫أهل الفكر وكان "ألطف الفالسفة، هلفشيوس، واحدً من أكرم "الملتزمين العاميين". وقضى روسو فترة طويلة في‬
   ‫ضيافة مدام دي ابيناي زوجة أحد الملتزمين. واستمتع رامو وفانلو بكرم الضيافة لدى االسكندر دي البوبلنيير الذي‬
    ‫اشتهر من بين رجال المال بأنه يمثل ميسيناس (رجل الدولة الروماني من رعاة الدب صديق هوراس وفرجيل في‬
 ‫القرن األول ق.م) وثار كبار أفراد البورجوازية المتلهفون على االعتراف بمكانتهم االجتماعية، ألنفسهم من استهجان‬
‫الكنيسة واحتقار النبالء لهم، بمناصرة الفالسفة ضد الكنيسة، ثم ضد النبالء فيما بعد، وربما كان رجال المال هم الذين‬
                                                                                           ‫أمدوا الثورة بالمال.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 41933‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬



                                                                                                     ‫4- الحكومة‬


   ‫كانت الطبقة الوسطى آنذاك أكثر فعالية وقوة في الدولة، ألنها شغلت كل المناصب، فيما عدا مناصب الوزارة التي‬
   ‫كانت تتطلب عبير شجرة األسرة أو عراقة الحسب والنسب، وكان أفرادها يشكلون البيروقراطية وصقلت مواهبهم‬
    ‫باالنتقاء الطبيعي في ميدان االقتصاد، وأثبتوا أنهم أمهر وأقدر من النبالء سليلي األسرات الواهنين الخاملين الذين‬
           ‫ليس لهم ما يحفزهم على الجد والعمل. وفي الحق أن نبالء الرداء في البرلمانات والحكام كانوا ينتسبون إلى‬
‫البرجوازية من حيث األصل والخلق. وتولت الطبقة الوسطى شئون الكوميونات واألربعين مقاطعة، وإدارات الحرب‬
     ‫والتموين والمواصالت والمناجم والطرق والشوارع والجسور واألنهار والقنوات والثغور. وكان قواد الجيش من‬
  ‫النبالء، ولكنهم قاموا بحمالت خططها لهم في باريس رجال من الطبقة الوسطى، بارعون في تخطيط الحرب(12).‬
                      ‫إن نمط البرجوازية الفرنسية في القرن التاسع عشر كان قد سبق تشكيله في القرن الثامن عشر.‬
    ‫وكان المعترف به بصفة عامة أن اإلدارة في فرنسا كانت أحسن إدارة في أوربا، ولكن كانت تشوبها عيوب قاتلة:‬
               ‫ا‬
‫كانت مركزية متغلغلة، مفصلة إلى حد إنها عوقت االبتكار والمبادرة والحيوية المحلية، وضيعت كثيرً من الوقت في‬
                     ‫ً‬
‫نقل األوامر والتقارير. وبالمقارنة بإنجلترا كانت فرنسا استبدادية مطلقة خانقة. فلم يكن مسموحا باالجتماعات العامة،‬
‫ولم يؤخذ باالقتراع الشعبي إال في المسائل المحلية التافهة، ولم يقف أي برلمان في وجه الملك. وحسن لويس الخامس‬
     ‫عشر الحكومة بإهمالها، ولكنه فوض إلى وزرائه سلطات ملكية مثل إصدار أوامر القبض أو الرسائل المختومة،‬
                              ‫ا‬                                                                           ‫ا‬
     ‫وغالبً ما أسيء استخدام هذه السلطة. حقاً إن مثل هذه "الرسائل السرية"، أفلحت أحيانً في تسيير شئون الحكومة‬
  ‫بسرعة عن طريق تجنب التفاصيل الفنية في اإلجراءات اإلدارية "الروتين الحكومي". وبإحدى هذه الرسائل أسس‬
 ‫لويس الرابع عشر "الكوميدي فرانسيز" في عام 1113. وأنقذت بعض الرسائل سمعة إحدى األسرات، بالزج بوغد‬
                                                                                      ‫لئيم في السجن دون‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 71933‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


   ‫بطاء ودون محاكمة علنية ربما كانت تكشف عن كوارث خاصة. كما أن بعض هذه الرسائل؛ كما حدث عند انتقال‬
    ‫فولتير وسجنه للمرة الثانية، حال بين أحد الحمقى الذين يمكن الصفح عنهم، وبين إتمام حماقته. وفي حاالت كثيرة‬
‫صدرت الرسائل بناء على طلب والد يائس (مثل ميرابو األكبر) من تقويم اعوجاج ابن جامح. وفي مثل هذه الحاالت‬
    ‫كان السجن خفيفاً قصير األمد. ولكن كانت هناك حاالت كثيرة من القسوة الصارخة، ومن أمثلتها احتجاز الشاعر‬
 ‫ديفورج لمدة ست سنوات (1723-1723) في حجرة من الحديد ألنه استنكر تصرف الحكومة في نفي شارل إدوارد‬
     ‫ستيوارت حفيد جيمس الثاني من فرنسا (وكانوا يسمونه المطالب الصغير بالعرش).(42) وإذا كان لنا أن نصدق‬
‫رواية الكاتب األلماني ولهلم جريم، وهو دقيق بصفة عامة، فإن الحكومة قدرت أعظم التقدير انتصارات موريس دي‬
                                              ‫ا‬
       ‫ساكس في المعارك إلى حد أنها أرسلت إلى الشاعر شارل فافار أمرً سرياً ليضم زوجته إلى قائمة خليالت دي‬
‫ساكس.(72) إن أية إساءة إلى أحد النبالء من رجل عادي، أو أي نقد شديد يوجه إلى الحكومة، كان من شأنه أن يؤدي‬
                                                                   ‫ا‬
     ‫إلى صدور رسالة سرية مختومة تتضمن أمرً بالقبض والزج في السجن دون محاكمة أو قضية مبينة. ومثل هذه‬
                                                                          ‫ا‬
                                  ‫األوامر التعسفية أثارت استياء متزايدً على مر السنين في هذا القرن الثامن عشر.‬
 ‫وعوق القانون الفرنسي مع تقدم اإلدارة الفرنسية، وكان يختلف من مقاطعة إلى مقاطعة مما أعاد إلى األذهان انفراد‬
   ‫المقاطعات بعضها عن بعض باستقاللها الذاتي، في سالف األيام. وكان في مختلف أقاليم فرنسا. 171 هيئة قانونية‬
‫متباينة. وكان كولبير قد قام بمحاولة غير موفقة في تنظيم القانون الفرنسي وتحديده في "قانون العقوبات" الذي صدر‬
‫في 1213 ولكن قانونه خلط بشكل مضطرب بين تشريع العصور الوسطى والحديثة، والتشريع األلماني والروماني،‬
                                                ‫ا‬
  ‫والتشريع الكنسي والمدني. وكان الملك يسن القوانين الجديدة وفقً لمتطلبات الساعة، وعادة بناء على إلحاح وزرائه‬
   ‫مع التسرع في التحقق من انسياقها مع القوانين القائمة. وكان من العسير على المواطن أن يتبين أي القوانين ساري‬
                                                                          ‫المفعول في محل إقامته أو في قضيته.‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 11933‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬
   ‫وتولت "الشرطة الراكبة" تنفيذ قانون العقوبات في األقاليم، أما في المدن الكبيرة فكان يتواله "شرطة البلدية"، التي‬
    ‫نظمها ودربها أحسن تدريب وتنظيم في باريس، مارك رينيه دي فواييه دي آرجنسون، الذي لم ينجب أبناء المعين‬
‫فحسب، بل أنه كذلك بوصفه قائد الشرطة من 9213 إلى 1323، اكتسب لقب "اللعين"، ألنه كان يبدو وكأنه شيطان،‬
 ‫وأنه كان على أية حال مصدر رعب وفزع لمجرمي باريس، ألنه كان يعرف أوكارهم وأساليبهم، ومع ذلك كان (كما‬
                                                        ‫ا‬
                                           ‫يؤكد لنا سان سيمون) "يتسم بالروح اإلنسانية"(12)-عطوفً على البؤساء.‬
     ‫وكان الشخص المقبوض عليه يسجن قبل المحاكمة، ويعامل معاملة ال تكاد تختلف عن معاملته وهو مذنب محكوم‬
                   ‫ا‬                                               ‫ا‬
  ‫عليه بالعقوبة. وقد يقضي-مثل جين كاالس-شهورً في السالسل واألغالل والتعذيب العقلي، معرضً للمرض في كل‬
    ‫يوم بين األقذار. وإذا حاول الهرب تصادر ممتلكاته، وإذا اتهم بجريمة كبرى ال يسمح له باالتصال بمحام. ولم يكن‬
   ‫هناك حق التحقيق في قانونية أمر االعتقال (هابياس كوربس)، أو حق المحاكمة عن طريق المحلفين. وكان الشهود‬
    ‫يسألون سراً، كل على حدة. وإذا أعتقد القاضي بأن المتهم مذنب، ولكن ليس هناك أدلة كافية إلدانته، كان له سلطة‬
                                                                                           ‫ا‬
  ‫تعذيبه لينتزع منه اعترافً. وقل حدوث مثل هذا التعذيب القضائي وخفت حدته على عهد لويس الخامس عشر، ولكنه‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                          ‫ظل جزءً من اإلجراءات القانونية في فرنسا حتى 1123.‬
‫وتراوحت العقوبات من الغرامات إلى تمزيق الوصال. وكانت المشهرة مفضلة في عقاب عدم األمانة في العمل. وكان‬
     ‫اللصوص وصغار المجرمين يجلدون بالسياط، وهم يجرون مربوطين في ذيل عربة في الشوارع. وكان يمكن أن‬
                                                ‫ا‬
  ‫يكون اإلعدام عقوبة الخدم إذا اقترفوا السرقة، ولكن مخدوميهم نادرً ما تمسكوا بتنفيذ هذا القانون. وفي 1423 أبطل‬
  ‫بصفة رسمية الحكم بالتجديف في السفن الشراعية الكبيرة. وكان اإلعدام هو العقوبة القانونية لمجموعة كبيرة متباينة‬
                                                                ‫من الجرائم منها السحر والشعوذة والتجديف على اهلل‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 21933‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


   ‫وسفاح ذوي القربى واللواط والعالقة الجنسية بين إنسان وحيوان. ولم يعودوا يلجئون إلى قطع العنق أو شد المجرم‬
  ‫إلى الخازوق إلحراقه. ولكن كان يمكن أن يزيدوا من روعة تنفيذ الحكم "بسحب المحكوم عليه وتمزيق أوصاله إلى‬
‫أربعة أجزاء" أو تحطيم أطرافه بقضيب حديدي وهو مربوط إلى "دوالب" التعذيب. وروي "أن الناس، وبخاصة في‬
                                                                                             ‫ا‬
                                       ‫باريس، كانوا دائمً يتطلعون في ابتهاج وسرور إلى تنفيذ حكم اإلعدام(22)".‬
                                                                      ‫ا‬              ‫ا‬
 ‫وكان النظام القضائي معقدً مثل القانون تقريبً. وكان في الريف آالف المحاكم اإلقطاعية التي تطبق القانون المحلي،‬
       ‫ويرأسها قضاة يعينهم السادة المالك، وكان يمكن لهذه المحاكم أن تنظر في القضايا الصغيرة فقط، وليس لها أن‬
‫تفرض من العقوبات إال الغرامة البسيطة، وكانت أحكامها عرضة لالستئناف، ولكن الفالح وجد أن من العسير عليه،‬
   ‫ومما يكلفه نفقة باهظة أن يكسب قضية ضد السيد المالك. وعالوة على محاكم السادة المالك هذه كانت هناك محاكم‬
‫محلية، وكان في كثير من المدن محاكم خاصة بالكوميونات وفوق كل هذه المحاكم الدنيا كانت هناك المحاكم اإلقليمية‬
   ‫التي تطبق القانون الملكي، وللملك أن يعين محاكم خاصة ألغراض خاصة. وكانت الكنيسة تحاكم رجالها بمقتضى‬
  ‫قانونها الكنسي الخاص بها في محاكم كنسية. وكان المحامون يحتشدون في مختلف المحاكم وفيما حولها، مستفيدين‬
      ‫من ولع الفرنسيين بالتقاضي. وكان في المدن الكبرى الثالث عشرة برلمانات تتألف من قضاة يعملون على هيئة‬
                        ‫ا‬
 ‫محاكم عليا لهذه المدن وما حولها، وعلى األساس كان برلمان باريس يخدم ثلث فرنسا تقريبً. وطالب كل برلمان بأن‬
      ‫أي مرسوم ملكي أو حكومي ال يصبح قانوناً إال إذا عرض على البرلمان ووافق عليه وسجله. ولم يسلم المجلس‬
   ‫الملكي للدولة بهذا الطلب قط، ولكنه في الغالب سمح للبرلمان بحق االعتراض. ودارت أشد حقب التاريخ الفرنسي‬
                                         ‫كآبة حول هذه المطالب المتعارضة والمتنازع عليها بين الملك والبرلمانات.‬
                                        ‫ا‬
     ‫وبين برلمان باريس والملك قام الوزراء والبالط. وشكل كل الوزراء معً "مجلس الدولة" وكان البالط يتألف من‬
                                                                                 ‫الوزراء عالوة على النبالء‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11933‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


    ‫أو رجال الدين أو أعيان العامة الذين كانوا قد قدموا إلى الملك، باإلضافة إلى معاوني رجال البالط وخدمهم. وكانت‬
   ‫هناك مراسم صارمة (بروتوكول) تحدد وضع كل رجل في البالط ومسوغاته وأسبقيته وامتيازاته وواجباته، كما انه‬
      ‫كانت هناك قواعد تشريفات معقدة مدروسة مفصلة تيسر االحتكاك بين عدة مئات من األفراد المزهوين الذين تمأل‬
  ‫الغيرة والحقد قلوبهم، كما تثقل كواهلهم. كما أن المراسم والتشريفات الباذخة المسرفة لطفت من رتابة نظام الحاشية.‬
         ‫وهيأت جو الغموض الذي ال غنى عنه للحكومة الملكية. وكانت ضروب التسلية األثيرة لدى أفراد الحاشية هي‬
       ‫االنهماك في القيل والقال والكل، والميسر والصيد والقنص والزنى. وقال سفير نابلي "إن تسعة أعشار الناس في‬
                                                                                            ‫ا‬
‫فرنسا يموتون جوعً، والعشر يموت من عسر الهضم(12) وكانت مبالغ الخسارة والمكسب على موائد القمار جسيمة.‬
                                         ‫ا‬       ‫ا‬
    ‫ولكي يسدد رجال الحاشية ديونهم كانوا يبيعون نفوذهم لمن يدفع مبلغً محترمً ألحد أفراد الحاشية، وكان لكل زوج‬
                                                                    ‫ا‬
    ‫في البالط، تقريباً، عشيقة، ولكل زوجة تقريبً عشيق. ولم ينكر أحد على الملك خليالته، وكل ما شكا منه النبالء أن‬
 ‫الملك صحب معه إلى فراشه مدام دي بمبادور وهي سيدة من عامة الشعب على حين انهم ربما أحسوا أنه قد يشرفهم‬
                                                                                ‫أن يفترع جاللته بناتهم البكارى.‬
                                                 ‫ا‬
        ‫وعلى الرغم من أن لويس الخامس عشر كان قد بلغ سن الرشد رسميً في 1723، فإنه كان آنذاك في سن الثالثة‬
  ‫عشرة، وعهد باإلدارة إلى لويس هنري، الدوق دي بوربون. وكان التفكير قد اتجه لشغل هذا المنصب إلى كونت دي‬
        ‫تولوز، وهو أحد أبناء لويس الرابع عشر الذين أضيفت عليهم صفة الشرعية، ولكنه استبعد "ألنه لفرط أمانته ال‬
                                               ‫ً‬                                          ‫ا‬
  ‫يصلح أن يكون وزيرً(92)" وكان السيد الدوق دي تولوز "نفسه رجال طيب الشعور، بذل كل ما في وسعه للتخفيف‬
      ‫من فقر الشعب، وفكر في تحقيق هذا الغرض عن طريق وضع نظام يحدد األسعار واألجور بصفة رسمية، ولكن‬
‫قانون العرض والطلب جيب آماله. وتجاسر على فرض ضريبة دخل قدرها 7% على كل الطبقات فاحتج رجال الدين‬
                                                                                      ‫وتآمروا على سقوطه(11)‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 91933‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


  ‫وأباح لعشيقته المركيزة دي بري من النفوذ والسلطان أكثر مما ينبغي، وكانت ذكية، ولكن ذكاءها كان دون جمالها،‬
 ‫فاحتالت على زواج لويس الخامس عشر من ماري لزكزنسكا، أمالً في أن تستبقي الملكة الشابة تحت تأثيرها. ومهما‬
     ‫يكن م ن أمر فإن ماري سرعان ما فقدت نفوذها وعطفت مدام دي براي على فولتير، وأقصت رجال الدين ودفعت‬
   ‫الدوق إلى مهاجمة األسقف الذي يتولى تعليم الملك، والذي كان قد أوصى الملك باختيار الدوق ليكون وزيره األول.‬
                                           ‫ولكن الملك كان يعجب بمعلمه ويثق فيه أكثر من أي رجل آخر في الدولة.‬
                                            ‫ا‬                        ‫ا‬
   ‫وكان أندريه هركيل دي فليري قد عين أسقفً في فريجيس 1913 ثم مؤدبً للملك 7323. وسرعان ما أصبح ذا تأثير‬
 ‫ا‬                                        ‫ال‬               ‫ا‬
‫شديد على عقل الصبي. وكان األسقف فارع الطول وسيمً مرناً لبقاً، كسو ً بعض الشيء ال يتعجل الحظ والثراء أبدً،‬
                              ‫ا‬
     ‫ولو أنه وصل إلى ما يصبوا إليه. واعتقد ميشيليه وسانت بيف أن فليري، باعتباره معلمً، كان قد أضعف شخصية‬
     ‫الملك الصغير بإطالق العنان لرغباته وشهواته في ابتهاج خال من الهموم والتفكير، ورباه على مساندة اليسوعيين‬
       ‫والعطف عليهم(31). ولكن فولتير، الذي لم يكن صديقً لرجال الدين، أعجب بفليري، وقدره أعظم تقدير، معلمً‬
       ‫ا‬                                                     ‫ا‬
 ‫ووزيراً، على حد سواء وأخذ فليري على عاتقه أن يشكل ذهن تلميذه ويدربه على العمل والتكتم واالستقامة واألمانة،‬
   ‫وعلى أن يصون نفسه وسط تعجل الحاشية وهياجها وصخبها، طيلة الفترة التي لم يبلغ فيها الملك سن الرشد، والتي‬
‫نعم فيها بحسن تأثير الوصي وتقدير الشعب. ولم يمن فليري قط بقيمة خدماته، ولم يشكك قط من اآلخرين، ولم يغمس‬
    ‫يده في مكائد الحاشية ودسائسهم قط. وحاول سراً أن يتعرف على شئون المملكة في الداخل ومصالحها في الخارج.‬
     ‫وصفوة القول إن سلوكه الواعي الحذر ومزاجه اللطيف جعال كل فرنسا تود أن تراه على رأس اإلدارة فيها(71).‬
   ‫ولما علم فليري بأن تأثيره المستمر في تقرير السياسة استفز الدوق دي بوربون ليوصي بطرده من البالط، ولم يبذل‬
                                                                                   ‫أي محاولة لالحتفاظ بمركزه‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 19933‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


  ‫بل انسحب في هدوء إلى دير السلبيشيانر في ‪ ،Issy‬إحدى ضواحي باريس (13 ديسمبر 7723). وأمر الملك الدوق‬
        ‫أن يطلب إلى فليري أن يعود، وعاد بالفعل، وفي 33 يونية، استجابة لما وضح من رغبة الحاشية ورجال الدين‬
   ‫والجمهور،(11)أمر لويس الخامس عشر، بشكل مفاجئ، بوربون "أن يأوي إلى شانتيللي ويبقى هناك لحين صدور‬
        ‫أوامر أخرى". وأبعدت مدام دي بري إلى قصرها في نورماندي، حيث توالها الضجر والسأم إلى أبعد الحدود،‬
                                                                           ‫فتناولت السم وفارقت الحياة (2723).‬
   ‫وظل فليري يخطو إلى األمام بفضل تراجعه، ولم يحظ بأي منصب رسمي، بل إنه على العكس، حث الملك على ان‬
    ‫يعلن أنه سيتولى الحكم بنفسه منذ اآلن. ولكن لويس آثر الصيد أو لعب القمار، وأصبح فليري الوزير األول في كل‬
‫الشئون إال اللقب (33 يونية 1723). وكان آنذاك في الثالثة والسبعين من العمر، وكم من نفس طموحة تطلعت إلى أن‬
                                                                 ‫ا‬
                                                                ‫يعاجله الموت، ولكنه حكم فرنسا سبعة عشر عامً.‬
  ‫ولم ينس فليري أنه قسيس، فألغى ضريبة ال7% فيما يتعلق برجال الكنيسة، فكان جوابهم على هذا أنهم قدموا للدولة‬
                              ‫ال‬
  ‫منحة اختيارية قدرها خمسة ماليين جنيه، وطلب فليري أن يساندوه في تنصيبه كاردينا ً، وكان في حاجة إلى اللقب‬
     ‫ليكون له حق الصدارة واألسبقية على األدواق في مجلس الدولة، فكان له ما أراد (7 نوفمبر)، ولم يحاول منذ تلك‬
                                                            ‫اللحظة أن يخفي الحقيقة، تلك هي أنه كان يحكم فرنسا.‬
                            ‫ا‬                                     ‫ً‬
  ‫ولشد ما كانت دهشة الحاشية حين رأوه متواضعا وهو في أوج السلطة مثلما كان متواضعً وهو يمهد لها. وعاش في‬
                                                                                   ‫ا‬
‫بساطة تكاد تتسم بالتقتير، قانعً بالحقيقة الواقعة دون امتيازات السلطة ومقتضياتها. وكتب فولتير "إن ارتفاع مكانته لم‬
      ‫يغير من عاداته وسلوكه، ودهش الجميع ليجدوا في شخص رئيس وزارة، أعظم رجال الحاشية جاذبية وفي نفس‬
                                 ‫ا‬                                                   ‫ا‬
          ‫الوقت أعظمهم نزاهة وتجردً"(41) وقال هنري مارتن "كان أول وزير عاش بعيدً عن الترف والبذخ ومات‬
                                                                                          ‫ا‬                  ‫ا‬
                                                                            ‫فقيرً".(71) وكان أمينً غاية األمانة،‬
                                                                                      ‫صفحة رقم : 39933‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


                                            ‫ا‬
‫ولم يسئ استغالل منصب قط.(11) وكان إلى أبعد الحدود أكثر تسامحً ممن يحيطون به"(21) وعامل فولتير معاملة‬
                  ‫ودية لطيفة وتغاضى عن ممارسة الطقوس البروتستانتية سراً، ولكنه لم يتسامح قط مع الجانسنيين.‬
‫ولم يعكف، بطريقته المتروية المتأنية، على تقرير السياسة فحسب، بل على إدارة الحكومة كذلك. وأختار معاونيه بعد‬
        ‫حكم فاصل مدقق، وساسهم في حزم وكياسة. وفي عهده تابع هنري فرانسوا دي أجوسو مهمته الطويلة المدى‬
     ‫(1723-3723) في إصالح القوانين وتنسيقها، وأعاد فيلبيرت أورى النظام واالستقرار إلى مالية الدولة. وتجنب‬
  ‫فليري الحرب حتى أكره عليها بسبب األطماع األسرية في األسرة الحاكمة، ومن ثم هيأ لفرنسا فترات سالم وهدوء‬
  ‫طويلة، سمحت لها باستعادة االنتعاش االقتصادي. وبدا أن نجاحه برر مقدماً الحجج التي رددها الفيزيوقراطيين "أن‬
                                                                      ‫ا‬    ‫ا‬                 ‫ا‬    ‫ا‬
   ‫نحكم حكمً يسيرً معناه أن نحكم حكمً مطلق ً" (حرية التجارة والصناعة وعدم تدخل الحكومة فيهما). ووعد بوقف‬
 ‫التضخم، وأوفى بوعده. واتسعت التجارة الداخلية والخارجية، وزاد الدخل. وحيث أنفق اإليرادات في قصد أكيد بعيد‬
‫عن التبذير، وحد من نفقات مهرجانات الحاشية الملكية، فإنه استطاع أن يلغي ضريبة ال7% على الدخل بالنسبة لكل‬
      ‫الطبقات، وأن يخفف ضريبة األمالك التي أبهظت كاهل الفالحين. وأعاد إلى المدن الكبيرة والصغيرة الحق في‬
    ‫انتخاب موظفيها الرسميين. وإقتداء بالمثل الذي ضربه فليري في االستقامة تحسنت أخالق رجال البالط على كره‬
                                                                                                       ‫منهم.‬
  ‫وفي مقابل هذه المفاخر والمزايا تطل بعض المآخذ الجسيمة برؤوسها. إنه أرخص للملتزمين العامين في االستمرار‬
                                                        ‫ا‬
  ‫في جمع الضرائب دون تدخل من جانب الوزارة. وتعزيزً من للمشروع الضخم الذي وضعه المحافظون، أقر نظام‬
 ‫السخرة الذي فرض على الفالحين والعمل دون مقابل اللهم إال الطعام. وأسس مدارس عسكرية ألبناء األرستقراطية،‬
               ‫ولكنه قبض يده بشكل مخل غير حكيم بإهماله إصالح البحرية والتوسع فيها، وسرعان ما باتت تجارة‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 79933‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


  ‫فرنسا ومستعمراتها تحت رحمة األساطيل اإلنجليزية. إنه وثق ثقة عمياء في قدرته على المحافظة على السالم بينه‬
                                                                                               ‫وبين إنجلترا.‬
   ‫وطيلة حكم روبرت وولبول في إنجلترا نجحت سياسة السالم التي انتهجها الكاردينال.فإن الرجلين، ولو أنهما كانا‬
 ‫على طرفي نقيض في الخلق والطباع، اتفقا على أن السالم أمر مرغوب فيه. على أنه في 1123، حضه مستشاروه‬
‫في الشئون الخارجية على القيام بمحاولة فاترة الجالس ستانسالس لزكزنسكي، وهو حمو الملك، على عرش بولندة،‬
  ‫ولكن ستانسالس اقترح إصالح دستور بولندة وتشكيل حكومة قوية، وآثرت كل من روسيا والنمسا أن تكون بولندة‬
   ‫عاجزة مهيضة الجناح، فرفضتا هذا االقتراح. وفي حرب الوراثة البولندية (1123-1123) طردتا لزكزنسكي من‬
‫وارسو ثم من دانزج. ولما كان فليري يعارض أي صراع خطير، فإنه نصح ستالنسالس بأن يلجأ إلى نانسي ولونفيل‬
‫حامالً لقب "ملك اللورين". ولم تقع الكارثة، فإن لزكزنسكي والدول اتفقوا على أنه عند وفاته تعود إلى فرنسا اللورين‬
                                                          ‫التي كانت فرنسية إلى أبعد حد، وهذا ما حدث في 1123.‬
      ‫وجاهد فليري الذي كان في الثامنة والثمانين قدر طاقته المتضائلة، أن ينأى بفرنسا عن حرب الوراثة النمساوية‬
    ‫(1423)، ولكن امرأة فرضت سلطانها عليه. ذلك أن فليسيتيه دي نسل مركيزة فنتيميل، التي كانت آنذاك تشارك‬
‫الملك فراشه أصغت في بهجة وفرح إلى شارل أوجست فوكيه، كونت دي بل أيل، حفيد المختلس البارع نيقوال فوكيه‬
                                                                      ‫ا‬
‫الذي كان لويس الرابع عشر قد أحسن صنعً بعزله. إن بل أيل هذا أبلغ المركيزة أن فليري رجل هرم أحمق، وأنه في‬
 ‫مهاجمة فردريك الثاني ملك بروسيا للملكة الشابة ماريا تريزا ملكة النمسا، فرصة ذهبية لتمزيق إمبراطوريتها، وأن‬
      ‫فرنسا ينبغي أن تنضم إلى فردريك، وتقتسم الغنائم. وصبت العشيقة الفاتنة هذه الكلمات في آذان الملك الولهان.‬
                                  ‫ا‬     ‫ً‬
             ‫وأقنعته بأن ينتزع زمام األمور من بين يدي الكاردينال اللتين ترتعدان خوفا وجبنً، ويستعيد مجد فرنسا.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 19933‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> الحكومة‬


    ‫وناشد فليري بأن الشرف والمصلحة تحوالن دون المضي في مشروع بل آيل. فإن إنجلترا لن تسمح بتدمير النمسا‬
                     ‫ا‬
‫لتصبح فرنسا عظيمة إلى حد ينذر بالخطر. وأن على فرنسا أن تدخل في حرب مع إنجلترا أيضً، وأن فرنسا في خير‬
      ‫حال في السلم! وفي 2 يونية 3423 أعلن لويس الحرب على النمسا. وفي 77 نوفمبر استولى بل آيل على براج،‬
                                                                                     ‫ا‬
                                                        ‫واتفقت معه كل فرنسا تقريبً على أن فليري عجوز أحمق.‬
                                                 ‫ا‬
   ‫وبعد عام في الحرب تخلى فردريك المراوغ عن فرنسا وعقد سرً هدنة مع النمسا، وإذ تحررت الجيوش النمساوية‬
 ‫على هذا النحو، تقدمت إلى بوهيميا، وشرعت في تطويق براج. ولم تكن إال مسألة وقت، ليضطر إلى التسليم بل آيل‬
‫وجيش ه المؤلف من عشرين ألف رجل، أقضى مضاجعهم وأزعجهم األهالي الذين أضمروا لهم العداء. وفي 33 يونية‬
                           ‫ا‬                 ‫ال‬
  ‫7423 أرسل فليري إلى القائد النمساوي كونت فون كونجزج نداء مذ ً يناشده فيه شروطً معتدلة للحامية الفرنسية،‬
        ‫وقال فيه "يعلم كثير من الناس كم كنت أرض القرارات التي اتخذناها، وإني أرغمت بطريقة ما على الموافقة‬
 ‫عليهما"(11) فأرسل كونجزج الخطاب إلى ماريا تريزا التي نشرته على العالم. وأرسل جيش فرنسي إلنقاذ بل آيل،‬
    ‫ولكنه لم يصل إليه قط. وفي ديسمبر ترك بل آيل وراءه ستة آالف من المرضى والجرحى، وغادر بقواته األصلية‬
     ‫براج إلى الحدود عند إيجو، ولكن عملية الفرار هذه حدثت في قلب الشتاء عبر مائة ميل جبال ومستنقعات مغطاة‬
 ‫بالجليد أو الثلوج، ولم تنقطع غارات العدو عليهم طيلة انسحابهم، وهلك من األربعة عشر ألف رجل الذين بدءوا هذه‬
                                                                                          ‫ا‬
 ‫المسيرة اثني عشر ألفً في الطريق، وامتدحت فرنسا هذا اإلنقاذ الرائع باالرتداد المذهل. وتخلى فليري عن الوزارة،‬
                                ‫وآوى إلى الدير في أسى حيث فارق الحياة (97 يناير 1423) وهو في سن التسعين.‬
                                                           ‫وأعلن الملك أنه سيتولى رياسة الوزارة بنفسه منذ اآلن.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 49933‬
                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬



                                                                                         ‫7- لويس الخامس عشر‬


                                                                   ‫ً‬
 ‫عجبً: ماذا يكون شعور اإلنسان عندما يكون ملكا وهو في سن الخامسة؟ أن الصبي الذي قدر له أن يحكم فرنسا تسعة‬  ‫ا‬
                      ‫ا ال‬
 ‫وخمسين عاماً، كان ال يكاد يسترعي االنتباه أو المالحظة في طفولته المبكرة، كان ضعيفً هزي ً، يتوقعون أن يعاجله‬
‫الموت بين آونة وأخرى. وفجأة في 7323 توفي والداه دوق ودوقة برجندي بالجدري، وأصبح الصبي وريث العرش،‬
                                                                                ‫وبعد ثالث سنوات كان هو الملك.‬
‫واتخذت كل االحتياطات لجعله غير صالح للحكم. وقلقت مربيته مدام دي فنتادور أشد القلق على صحته، وعملت على‬
   ‫وقايته من قسوة الجو، وغرس فيه كاهن اعتراف يسوعي احتراماً رهيبً للكنيسة. وكان فليري، معلمه ومؤدبه، كيسً‬
   ‫ا‬                                        ‫ا‬
                                       ‫ال ا‬
  ‫متسامحاً، ويبدو أنه فكر في أنه من الخير لفرنسا أن يكون مليكها كسو ً بليدً. أما معلمه الخاص ماريشال دي فيلروا‬
                                                                                                    ‫ا‬
     ‫فقد دبر سمً عكسياً، حيث قاده إلى نافذة في قصر التويلري ليرى الجماهير التي احتشدت لتصفق وتهلل وتهتف له،‬
   ‫وهو يقول "أنظر يا موالي، هذا الجمع وهؤالء الناس كلهم لك تابعون لك. أنت مليكهم وسيدهم.(91)واقترنت القدرة‬
                                                                     ‫على كل شيء بالعجز وعدم األهلية ألي شيء.‬
      ‫ا‬      ‫ا‬      ‫ا‬               ‫ا‬    ‫ا‬              ‫ا‬
     ‫لقد افسد لويس هالة القداسة التي أضفوها عليه، وكان أنانيً في سلطته بليدً عنيدً، ومن ثم نشأ شاب ً ضجرً صموتً،‬
                          ‫ا‬
      ‫مع التجاوز عن تجنبه مراقبة حراسه وفيما بعد تجنبه مراسم حاشيته وخنوعها ليجد متنفسً في الحفر على الخشب‬
                          ‫ا‬
  ‫وشغل اإلبرة وحلب البقر واللعب مع الكالب.(19)إن عناصر القسوة التي تكمن فينا جميعً تمكنت عنده من أن تظهر‬
        ‫إلى السطح من خالل جبنه. ويروى أنه كان في صباه يجد لذة في صيد الحيوانات بل قتلها.(39)وفي سني نضجه‬
 ‫هذب من هذه القسوة إلى مجرد الصيد، وربما برزت في سوء معاملته، وسرعة نبذه للبنات الالئى شاركنه فراشه بعد‬
                                                              ‫تدريبهن على ذلك في "متنزه الظباء" على أن معاملته‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 79933‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


                       ‫ألصدقائه تميزت بقدر من الحساسية المقرونة بالحذر والخجل ومراعاة شعورهم وحقوقهم.‬
  ‫وكان له ذهن سليم، كان من الممكن أن يتفوق لو أن األخالق ساندته ودعمته. وأدهش الجميع بقوة ذاكرته وسرعة‬
  ‫بديهيته. وكان بطبيعته يؤثر األلعاب على الدرس. ولكنه استوعب بعض التعليم الصحيح في الالتينية والرياضيات‬
  ‫والتاريخ وعلم النبات والفنون العسكرية. وشب فارع الطول نحيل القوام، ولكن عريض المنكبين، مع بشرة جميلة‬
‫وشعر ذهبي متجعد. وقال عنه ماريشال دي ريشيليو أنه "أكثر الصبية وسامة ومالحة في مملكته"(79)يحتفظ متحف‬
‫فرساي بصورة رسمها له فانلر، وهو في الثالثة عشرة بالسيف والدرع، مما يكاد يتالءم مع الوجه الصبياني. وقارنه‬
  ‫رينيه لوس دي آرجنسون بإله الحب عند اليونان "ايروس" (كيوبيد عند الرومان). ووقعت النساء في غرامه ألول‬
    ‫ا‬        ‫ا‬
‫نظرة. وحين مرض في 7723 صلت كل فرنسا من أجله، وعندما أبل من مرضه بكت كل فرنسا فرحً وابتهاجً. إن‬
                                                                                          ‫ا‬
   ‫هذا الشعب الذي كثيرً ما عانى وقاسى من ملوكه طرب وابتهج لما رواده من أمل في أن الشاب سرعان ما يتزوج‬
                                                                                                   ‫ا‬
                                                             ‫وينجب ابنً يحفظ العرش في األسرة الكريمة العريقة.‬
‫والحق إنه كان قد خطب (3723) وهو في سن الحادية عشرة، ماريا آنا فكتوريا، وعمرها عامان، ابنة فيليب الخامس‬
   ‫ملك أسبانيا. وكانت قد انتقلت إلى باريس، وكانت اآلن تنتظر أن تبلغ سن الزواج. ولكن مدام دي بري رأت أنها قد‬
    ‫تستطيع االحتفاظ بنفوذها المتزايد بفسخ هذا القران المرتقب، وتزويج لويس من ماري لزكزنسكي ابنة ملك بولندة‬
 ‫المخلوع. وشرعت في تنفيذ خطتها، وأعيدت األميرة إلى أسبانيا (7723) وتلك إهانة لم يغتفرها البالط األسباني قط.‬
‫وكان ستانسالس في مأواه في ويزمبرج في األلزاس حين تلقى طلب ملك فرنسا يد أبنته، فدخل إلى الحجرة الني كانت‬
                                                                       ‫ا‬
  ‫أبنته وأمها تعمالن فيها وقال "فلنسجد شكرً هلل". فتعجبت ماري فرحة مبتهجة وقالت "أبي العزيز، هل دعيت ثانية‬
                                                                                                        ‫الرتقاء‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 19933‬




                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


 ‫عرش بولندة؟ "فأجاب ستانسالس" بل إن اهلل من علينا بنعمة مذهلة أكثر. لقد أصبحت ملكة فرنسا"(19)إن ماري لم‬
                         ‫ا‬
   ‫تكن تحلم قط بارتقاء أعظم عرش في أوربا. وكانت قد رأت صور لويس الخامس عشر، شابً يكلله المجد والرفعة،‬
       ‫وسيماً قوياً، إلى أبعد حد. وأرسلت إليها الخزانة الفرنسية األردية والثياب والمالبس الداخلية واألحذية والقفازات‬
      ‫والمجوهرات، ووعدتها بمائتين وخمسين ألف جنيه لدى وصولها إلى فرساي، وبراتب سنوي قدره عشرون ألف‬
                                                                                                       ‫ً‬
     ‫كراون ذهبا مدى الحياة. وتلقت ماري هذا كله في ذهول وهي ال تكاد تصدق، واتجهت إلى اهلل بالشكر على حظها‬
      ‫السعيد. وفي 73 أغسطس 7723 عقد قرانها على الملك بتوكيل في ستراسبورج، وسارت فرحة إلى باريس عبر‬
   ‫طرق تجتاحها العواطف لعدة أيام قاسية. وزفت إلى الملك في فونتنبلو في 7 سبتمبر. وكان هو في الخامسة عشرة،‬
                                            ‫وكانت هي في الثالثة والعشرين من العمر، ولم تكن جميلة، بل طيبة فقط.‬
                                                                                    ‫ا‬
        ‫أما لويس الذي قد أبدى بعد ولعً بالنساء، فإنه أفاق عندما مس عروسه المتواضعة، وعانقها في حرارة أدهشت‬
      ‫ا‬
‫حاشيته، وكانت حياتهما لبعض الوقت مثاالً للحب والسعادة، وحظيت باحترام الناس ووالئهم، ولكنها لم تكن يومً ذات‬
‫شعبية أو محبوبة. وكانت لطيفة ودودة رقيقة حساسة، ال تعوذها الدعابة المرحة، ومع ذلك افتقدت فرساي فيها الذهن‬
       ‫المتوقد والحديث المرح المفعم بالحيوية، مما أصبح لزاماً أن تتحلى به سيدات البالط. وصعقت ماري ألخالقيات‬
                                                  ‫ال‬
    ‫األرستقراطية الفرنسية، ولكن نقدها لها لم يجاوز أنها ضربت مث ً للزوجة األمينة المخلصة الحريصة على إسعاد‬
   ‫ا‬                                                     ‫ً‬
   ‫زوجها وعلى إنجاب وريث له. وعلى مدى اثني عشر عاما وضعت عشرة أطفال، وفي سنوات أخرى عانت كثيرً‬
‫من اإلجهاض. وكان إشباع شهوة الملك معضلة واجهت الملكة. أنها توسلت إليه أن يتعفف ويستعصم، على األقل أيام‬
     ‫االحتفال بأعياد كبار القديسين، وأصيبت في غمرة جهودها وواجباتها "بناسور" خبيث، والتمست "الحرارة" التي‬
                                                                                                ‫تضطرم بين جنبي‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 29933‬
                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


‫الملك منافذ أخرى. وكان عرفانها بحسن صنيع مدام دي بري والدوق دي بوربون محنة ابتليت بها وأصغت في صبر‬
     ‫ناقد حين هاجم الدوق بوربون فليري في حضرة الملك. وعندما تولى زمام السلطة أرسل بناتها إلى دير ناء بحجة‬
    ‫االقتصاد في النفقات. ورجح نفوذه المتزايد من كفة أعدائها. ولما زاد فتور الملك نحوها آوت إلى حلقة محدودة من‬
   ‫أصدقائها، ولعبت الورق ونسجت البسط، وحاولت الرسم، ووجدت بعض السلوى والعزاء في التقوى وأعمال البر.‬
                                              ‫"وعاشت حياة الدير والرهبنة وسط انفعاالت الحاشية وعبثها"(49).‬
‫وكان ينبغي للملك أن يلهو ويتسلى، ولكن مدام دي بري كانت قد اختارت له زوجة غير مسلية. على أنه لم يتخذ خليلة‬
                                                            ‫ا‬
 ‫إال بعد سبعة أعوام من زواجه، وعند ذاك اتخذ أربعً على التعاقب، مع قدر محدود من اإلخالص، ألنهن كن أخوات.‬
                            ‫ا‬                                          ‫ا‬
  ‫ولم يكن رائعات الجمال، ولكن كن جميعً نشيطات مسليات مفعمات بالحيوية، وكن جميعً ما عدا واحدة ذوات خبرة‬
     ‫بأساليب الغنج والدالل والعبث. وواضح أنه كان للويزا دي نسل كونتيسة دي مللي الشرف في أن تكون سباقة إلى‬
‫إغراء الملك وإغوائه (7123). إنها، مثل لويزا دي آلفالبير، أخلصت في حبها لعشيقها الملكي، ولم تكن تسعى للثراء‬
  ‫أو السلطة، وكل ما سعت إليه هو أن تسعده. فلما زاحمتها أختها فليسيتيه، وكانت لتوها قد غادرت الدير، على مخدع‬
      ‫الملك، فإن لويزا شاركتها في لويس (9123) في قران رباعي مهرطق-ألنه ظل يتردد على الملكة. وأزعج هذا‬
                           ‫ا‬
    ‫التعقيد ضمير الملك، وتجنب تناول القربان المقدس، لفترة من الوقت، بعد أن سمع قصصً رهيبة مفزعة عن أناس‬
 ‫كانوا قد تناولوا القربان في فم آثم خاطئ.(79)إن هذه المرأة المغوية الخطرة (السيرانه: عند اإلغريق كائن أسطوري‬
‫له رأس امرأة وجسم طائر، كانت تسحر المالحين بغنائها فتوردهم موارد الهالك)-كما تروي إحدى أخواتها "كان لها‬
             ‫شكل الغرناد (سمك بحري) وعنق الغرنوق (طائر ذو عنق طويل) ورائحة القرد"(19). ومع ذلك احتالت‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 19933‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


                                               ‫ا‬                                                ‫ا‬
‫التحمل. وحفاظً على ماء الوجه وآداب المجتمع أوجد لها لويس زوجً، وعينها مركيزة فنتميل. وفي 1423 آوت مدام‬
 ‫دي ميللي إلى أحد األديار، ولكنها غادرت بعد عام واحد لترعى منافستها المنتصرة التي كانت تعاني سكرات الموت‬
‫أثناء الوالدة (3423). وبكى الملك وبكت مدام دي ميللي معه. ووجد بعض العزاء بين ذراعيها، وعادت عشيقة له من‬
                                                                                                        ‫جديد.‬
  ‫وثمة أخت ثالثة، أدليد نسل، البدينة الدميمة، وكانت بارعة ذكية، عملت على تسلية الملك بحركاتها الجسدية وسرعة‬
    ‫بديهتها وأجوبتها السريعة. واستمتع الملك بها، ووجد لها زوجاً، وظل على عالقة بها. أما األخت الرابعة، مدام دي‬
                                   ‫ا‬
     ‫فالفاكور، فإنها صدت الملك وصادقت الملكة. ولكن األخت الخامسة، أقدرهن جميعً، هي ماري آن دمي نسل دي‬
     ‫التورنل، أقنعت مدام دي ميللي بأن تقدمها للملك. ولم تغز ماري قلب الملك فحسب، بل أنها أصرت كذلك على أن‬
      ‫تكون المحظية الوحيدة، وأقصيت ميللي فقيرة معدمة، وهوت بين عشية وضحاها من أبهة الملكية إلى كآبة الدير.‬
‫وهكذا أزاحت كل من األخوات من بنات نسل أختاً لها. وبعد ذلك بقليل كانت ماري تشق طريقها لتصل إلى مقعدها في‬
                                         ‫ال‬                                ‫ا‬
        ‫كنيسة نوتردام، فكان في هذا إزعاجً لجماعة من المصلين، وتذمر أحدهم قائ ً: "كل هذه الضجة من اجل بغي‬
                                                                ‫ا‬
  ‫فاجرة" فقالت هي: "سيدي، مادمت عرفتني جيدً فأرجو أن تمن علي بالصالة هلل من اجلي.(29)" وال بد من أن اهلل‬
                                                                            ‫سبحانه وجد من اليسير أن يغفر لها.‬
    ‫وكانت السيدة نسل الجديدة أجمل األخوات. إن الصورة التي رسمها لها ناثييه-وجه وسيم، صدر بارز منتفخ، قوام‬
‫رشيق، في ثوب من حرير مهفهف متموج يكشف عن قدمين صغيرتين رقيقتين-لتفسر شدة اندفاع الملك نحوها وميله‬
                                                                     ‫ا‬
   ‫إليها. وإلى هذا كله كانت تجمع ذكاء متقدً قدر بريق عينيها. وعلى النقيض من دي ميللي كانت ماري تتلهف على‬
                                           ‫الثروة والسلطان. وقدرت أن نفقاتها تستحق أن يكون لها دوقية شاتورو‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 99933‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


               ‫التي تدر 71 ألف فرنك في العام، فحصلت عليها وعلى لقب دوقة (1423). ودخلت التاريخ لمدة عام.‬
   ‫وتحيز لها وساندها حزب قوي في البالط، كان يأمل في استخدام نفوذها في كسب الملك إلى جانب سياسة عسكرية‬
    ‫فعالة، تعود فيها سلطة الحكومة من البيروقراطية البرجوازية إلى النبالة العسكرية (نبالء السيف) وكان لويس في‬
                                                                                        ‫ا‬
      ‫بعض األحيان، شعورً منه بالواجب، ينهمك في العمل مع وزرائه، ولكنه على األغلب كان يفوض إليهم سلطاته‬
                                                           ‫ا‬                                 ‫ا‬
‫وواجباته. ونادرً ما اجتمع بهم، أو عارضهم، وأحيانً وقع مراسيم اقترحها أو عرضها عليه أعوان متنافسون. وهرب‬
                          ‫ا‬
 ‫من قواعد التشريفات في البالط إلى كالبه وجياده وإلى الصيد والقنص. فإذا لم يخرج يومً للصيد قال رجال الحاشية‬
                                                                                       ‫ا‬
     ‫"أن الملك ال يفعل شيئً اليوم". وعلى الرغم من انه لم تعوزه الشجاعة، فإنه لم يكن يميل إلى الحرب، وكان يؤثر‬
                                                                                          ‫الفراش على الخندق.‬
 ‫وفي المخدع وفي حجرة الجلوس حرضت الدولة الشهوانية اللعوب-مستعيدة ذكرى أجنيس سوريل-الملك على القيام‬
        ‫بدور فعال في الحرب ضد إنجلترا والنمسا. وصورت له لويس الرابع عشر يقود جيشه إلى المجد والعظمة في‬
‫مونزونامور، وتساءلت: لماذا ال يتألق لويس الخامس عشر الوسيم الشجاع في درعه وسيفه وعلى رأس جيشه، مثلما‬
     ‫كان يفعل جده العظيم. ونجحت الخطة، وماتت الدوقة منتصرة. وأفاق الملك الكسول لحظة من سباته. وربما كان‬
                ‫ا‬
‫نتيجة الستحثاثها وتحريضها، إنه عندما حانت منية فليري المسالم، أعلن لويس أنه سيحكم ويملك معً. وفي 17 أبريل‬
    ‫4423 استأنفت فرنسا الحرب الفعلية ضد النمسا، وفي 77 مايو تجدد التحالف مع فردريك ملك بروسيا الذي بعث‬
‫بشكره وامتنانه إلى مدام شاتوره. وتقدم لويس إلى الجبهة في أبهته الملكية وتبعه بعد يوم واحد خليالته وسائر سيدات‬
    ‫البالط، تحيط بهن كل كظاهر البذخ والترف المألوفة، وكسبت القوات الفرنسية الرئيسية التي يقودها الملك، ولكن‬
                                                                                               ‫يخطط عملياتها‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 11173‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬
‫أدريان موريس دي نواي وموريس دي ساكس، انتصارات يسيرة في كورتراي ومنان وأبيرس وفورنيس. وبدا وكان‬
                                                                 ‫لويس الرابع عشر والقرن العظيم ولدا من جديد.‬
 ‫ووسط المهرجانات واإلبتهاجات ترامت األنباء بأن قوة فرنسية تخلي عن مساندتها إلى حد كاف حلفاءها البافاريون،‬
     ‫كانت قد هيأت الفرصة لجيش نمساوي مجري أن يحتل أجزاء من األلزاس واللورين، مما اضطر معه ستانسالس‬
‫الذي لم يفارقه سوء الطالع، إلى الهرب من لونفيل. وترك لويس فالندرز وأسرع إلى متز أمالً في استثارة همم الجيش‬
   ‫المنهزم بوجوده. ولكنه، هناك، نتيجة المشاغل المتنوعة وسوء الهضم وحرارة أواسط الصيف، انتابه مرض شديد،‬
                                                                                          ‫ا‬
 ‫وازدادت الحالة سوءً بسرعة إلى حد أنه في 33 أغسطس ظن أن في خطر من أن يهلك، وكانت خليلته قد لحقت به،‬
     ‫وهي اآلن تسهر على العناية به ورفض أسقف سواسون أن يناوله األسرار المقدمة األخيرة إال إذا طردت الدوقة.‬
                                                                ‫ال ا‬
      ‫واستسلم لويس، وأقصاها إلى نحو 173 مي ً بعيدً عن الحاشية (43 أغسطس 4423) وشيعها األهالي بصيحات‬
                                                                        ‫االحتقار واالستنكار وهي تغادر المدينة.‬
  ‫وفي الوقت نفسه كانت ماري لزكزنسكي قد عجلت بالسفر عبر فرنسا لتكون إلى جانب زوجها وهو طريح الفراش.‬
                                        ‫ال‬
 ‫وعلى الطريق التقى ركبها بعربة شاتور وبطانتها. وعانق الملك الملكة قائ ً "لقد سببت لك ما ال تستحقين من الحزن‬
  ‫واألسى، وأرجو أن تغتفري لي هذا كله". فكان جوابه "أال تعرف أنك لست في حاجة أبداً إلى الصفح من جانبي. إن‬
  ‫الخطأ في حق اهلل وحده". وعندما بدأ الملك يسترد صحته كتبت الملكة إلى مدام دي موريا بأنها "أسعد مخلوقة على‬
   ‫وجه األرض". واغتبطت فرنسا كلها أيما اغتباط بشفاء الملك وندمه على ما فات، وعانق المواطنون بعضهم بعضً‬
   ‫ا‬
‫في الشوارع، وعانق بعضهم جواد الرسول الذي حمل هذه األنباء السارة. وأطلق بعضهم على الملك "لويس المحبوب‬
                                                ‫ال‬                                                        ‫ا‬
             ‫جدً" ورددت األمة هذه العبارة. وعندما سمع بها لويس تعجب قائ ً "ماذا فعلت ألجعلهم يحبونني إلى هذا‬
                                                                          ‫الحد؟"(19)إنه كان رمز الوالد لشعبه.‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 31173‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


  ‫وأنقذ فردريك األلزاس بغزو بوهيميا، فإن الجيش النمساوي المجري ترك األلزاس إلنقاذ براج. وأنضم لويس، وهو‬
   ‫ال يزال ضعيفاً إلى جيشه المتقدم نحو ألمانيا، ورآه يستولي على فريبورج-أم بريسجو. وفي نوفمبر عاد الملك إلى‬
   ‫فرساي، وأعاد مدام دي شاتورو إلى سابق حظوتها ومكانتها، ونفي أسقف سواسون. ولكن في 1 ديسمبر، وبعد أن‬
                              ‫ا‬
     ‫عانت من الحمى والهذيان لعد أيام، قضت الخليلة نحبها. ودفنت في ظالم الليل، تفاديً المتهان الجمهور لرفاتها.‬
           ‫ا‬     ‫ا‬
          ‫واستاء الملك من رجال الدين فامتنع عن تناول األسرار المقدسة في عيد الميالد، وظل يترقب غرامً جديدً.‬

                                                               ‫ا‬
   ‫ونسيت األمة لبعض الوقت خطايا "المحبوب جدً" وسط انتصارات جيشه، وكان قائد ألماني بروتستانتي هو بطل‬
  ‫فرنسا. ذلك أن موريس دي ساكس كان ابن أوغسطس القوي ناخب مكسونيا وملك بولندة. وكانت أمه هي الكونتيس‬
  ‫ماريا أورورا فون كونجز مارك التي اشتهرت بين محظيات الملك بالجمال والذكاء إلى حد أطلق معه فولتير عليها‬
     ‫"أنها أشهر امرأة على مدى قرنين من الزمان"(99). وفي سن الثانية عشرة تزوج موريس من جرهانا فكتوريا،‬
 ‫كونتيس فون لوين، وكانت سيئة الخلق مثل أبيه. وبدد ثروتها واستنكر دعارتها وفجورها وطلقها (3723). وبعد أن‬
        ‫أظهر شجاعته في حمالت كثيرة قصد باريس لدراسة الرياضيات. وفي 1723 حصل على منصب في الجيش‬
‫الفرنسي. وبعد أن نجا من كل محاوالت زوجته لقتله بالسم، عثر على خليلة مخلصة في شخص أدريين لكوفرير التي‬
‫برزت مكانتها في الكوميدي فرانسيز آنذاك (3723). وفي 7723 غادر فرنسا ليؤسس له مملكة في كورلند (جزء من‬
                  ‫ا‬
        ‫لتفيا الحالية). أما الممثلة العظيمة، فإنها على الرغم من حزنها الشديد على فقد حبيبها، منحته، عونً على تنفيذ‬
‫مشروعه، كل ما لديها من فضة وحلي ومصوغات، قيمتها أربعون ألف جنيه. وبهذا المبلغ، باإلضافة إلى سبعة آالف‬
     ‫طالير (عملة فضية ألمانية قديمة) من والدته، قصد إلى كورلند، وانتخب لعرش الدوقية (1723). ولكن كاترين‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71173‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


    ‫األولى قيصرة روسيا وأياه ساندا مجلس الديت البولندي في مناهضة ارتقائه العرش، وطردت القوات البولندية من‬
    ‫كورلند، الجندي الذي لم يكن ليقهر لوال هذه المقاومة، ولما عاد إلى باريس (1723) وجد أن الممثلة الكبيرة كانت‬
        ‫تنتظره مخلصة له، ولكنه كان قد ورث عن أبيه خلقه وتقلبه، ورضى بها صاحبة الحظوة األولى بين عشيقاته.‬
            ‫ومع هذا االنحالل الخلقي الجدير باالزدراء وتقلبه بين أحضان النساء الواحدة بعد األخرى دون أن يبادلهن‬
          ‫ً‬               ‫ا‬                                   ‫ا‬
     ‫إخالصهن، أصبح موريس في ميدان القتال عبقريً ال يجارى في استراتيجية الحرب، جريئً في تفكيره، يقظا ألي‬
     ‫خطر يتهدده، وأية فرصة تسنح له. وقال عنه فردريك األكبر منافسه الوحيد في ذاك العصر إنه "قادر على تلقين‬
                                                     ‫ا‬
  ‫الدروس ألي قائد في أوربا"(113)وفي ربيع 7423 عين قائدً عاماً للجيش الفرنسي، وصدرت إليه األوامر بالتقدم‬
   ‫نحو الجبهة. وكان على شفا الموت آنذاك في باريس، حيث أنهكه إفراطه في الشراب وآالم داء االستسقاء المبرحة،‬
   ‫وسأله فولتير كيف يذهب إلى ميدان القتال في مثل هذه الحالة، فأجابه موريس "ليس المهم أن أعيش ولكن المهم أن‬
     ‫ا‬
 ‫أبدأ"(313). وفي 33 مايو التحم بجيشه البالغ 77 ألف رجل مع قوات اإلنجليز والهولنديين البالغ عددهم 14 ألفً من‬
‫الرجال األشداء، في فونتنوي. وكان لويس والدوفين يتابعان سير المعركة الشهيرة على ربوة قريبة، أما موريس الذي‬
‫أقعده االستسقاء عن ركوب الخيل، فكان يديرها وهو على كرسي من األغصان المجدولة. ويروي لنا فولتير، فيما كان‬
                                      ‫ا‬
 ‫يمكن أن يتطور إلى أسطورة وطنية،(713)أنه عندما أصبح مشاة العداء وجهً لوجه على مرمى البنادق، صاح لورد‬
     ‫تشارلز هاي قائد الحرس اإلنجليزي "أيها الفرنسيون أطلقوا النار" فأجابه كونت دي أنتروخ عن الفرنسيين "أيها‬
                                                   ‫ا‬
    ‫الرجال، نحن لن نبدأ بإطالق النار، فهل تبدءون أنتم"(113)وأيً كان األمر كياسة أو خدعة حربية، فإن الثمن كان‬
                     ‫ا‬          ‫ً‬
  ‫غالياً، حيث قتل بالطلقات األولى تسعة ضباط و414 من المشاة، وجرح 71 ضابطا و114 جنديً.(413)واضطرب‬
  ‫المشاة الفرنسيون وتفرقوا وولوا األدبار. وأرسل موريس إلى الملك يعرض عليه االنسحاب، فأبى لويس، حتى حين‬
                                                                                                         ‫وصل‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


 ‫إلى مكانه الجنود العائدون، وربما أخجلهم تصميمه. فما كان من موريس إال أن امتطى صهوة جواد، وأصدر أوامره‬
   ‫إلى قوته من جديد وأعاد تنظيمها، وأطلق القوات الملكية الخاصة على العدو. وقد رأى الفرنسيون مليكهم في خطر‬
‫األسر أو الهالك، وحيث شجعهم وجود ماريشال دي ساكس المتهور تحيط به طلقات النار من كل مكان في أية لحظة،‬
                ‫ا‬
  ‫فإنهم جددوا القتال، وأبدى النبالء والعامة بطولة عظيمة مشربة بروح االنتقام في ساحة المجد. وأخيرً هزم اإلنجليز‬
 ‫واختلت صفوفهم، وأرسل موريس إلى الملك يبشره بالفوز في هذا االلتحام المرير. وفقد اإلنجليز والهولنديون 1172‬
                                                               ‫ً‬
‫رجل، والفرنسيون 1172. وحنى لويس رأسه خجال حين حياه الجنود الباقون على قيد الحياة. والتفت إلى الدوفين ولي‬
                                            ‫ً‬                                                        ‫ال‬
     ‫العهد قائ ً "انظر يا بني كم يكلف النصر، احرص على أن تكون ضنينا بدماء رعاياك"(713). وبينما عاد الملك‬
    ‫ومرافقوه إلى فرساي، تقدم موريس لالستيالء على غنت وبروجز وأودينارد وأوستند وبروكسل. ودانت الفالندرز‬
                                                                                           ‫كلها فترة من الزمن.‬
                                                               ‫ا‬      ‫ا‬
‫وضيع فردريك نتائج فونتنوي بتوقيعه صلحً منفردً مع النمسا (ديسمبر 7423) وتركت فرنسا تقاتل وحدها على ست‬
  ‫جبهات من الفالندرز إلى إيطاليا. وبمقتضى معاهدة إكس الشبال (1423) تخلت عن الفالندرز، وكان عليها أن تقنع‬
       ‫بالحصول على دوقيات بارما وبياشنزا وجوستلال لصهر لويس الجديد (زوج ابنته) األمير دون فيليب األسباني.‬
                                        ‫ً‬       ‫ا‬      ‫ا‬     ‫ا‬
‫وعاش موريس أوف سكوسونيا حتى عام 1723، غنيً معززً مكرمً، ومثقال باألمراض. وكان يجد فسحة من الوقت،‬
 ‫بين الغواني، ليدون بعض نظرات فلسفية حالمة: "ماذا نرى اليوم في األمم! نفر من الناس يعيشون في فراغ وسرور‬
   ‫وجدة على حساب الجماهير التي ال تعيش إال على توفير ملذات جديدة دوماً لهذه القلة من الناس. إن هذه المجموعة‬
                                                                  ‫ا‬
                                                          ‫من الظالمين والمظلومين تشكل ما نسميه مجتمع ً"(113).‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 41173‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


      ‫وتجاسر رجل آخر من القلة المرموقة المنعمة على أن يحلم بنظام أرحم وأكرم. ذلك أن ريننيه لويس دي فواييه،‬
   ‫مركيز أرجنسون الذي تولى منصب وزير الخارجية لمدة ثالث سنوات (4423-2423)، كتب في 9123 "تأمالت‬
‫في حكومة فرنسا"، ولم يجرؤ على نشره إال في 7123. وجاء فيه أن هؤالء الذين يفلحون األرض هم أعظم قطاع من‬
     ‫السكان قيمة، وينبغي أن يتحرروا من كل الرسوم وااللتزامات اإلقطاعية، والحق أنه يجدر بالحكومة، أن تقرض‬
 ‫صغار الفالحين أمواالً لتساعدهم على اإلنفاق على زراعاتهم(213). والتجارة حيوية الزدهار األمة ويجب تحريرها‬
  ‫من المكوس والرسوم الداخلية، بل من رسوم التصدير واالستيراد كلما أمكن ذلك. والنبالء هم أقل العناصر قيمة في‬
    ‫الدولة، أثبتوا عجزهم في اإلدارة، وهم عالة على المجتمع". وإذا قال أحد بأن هذه المبادئ تتفق مع الديموقراطية،‬
                                                              ‫ا‬
       ‫وتميل إلى القضاء على طبقة النبالء فلن يكون مخطئ ً". وإنه ليجدر بالتشريع أن يهدف إلى أكبر قدر ممكن من‬
  ‫المساواة. وينبغي أن يحكم الكوميونات موظفون ينتخبون محلياً، على ان تبقى السلطة المطلقة الرئيسية في يد الملك،‬
  ‫ألن الملكية المطلقة وحدها هي القادرة على حماية الناس من ظلم (113). واستبق دي آرجنسون الفالسفة في التطلع‬
    ‫إلى اإلصالح على يد ملك مستنير، وقص على النبالء ما لم يعترفوا به إال في 4 أغسطس 9123 حين تنازلوا عن‬
                                  ‫امتيازاتهم اإلقطاعية، ومن ثم كان مرحلة في طريق فرنسا إلى روسو وإلى الثورة.‬
           ‫وفي 2423 استسلم لويس لتحريض نواي ومورياس وبمبادور وعزل دي آرجنسون. وفقد المركيز ثقته في‬
    ‫الملوك.وفي 1723 تنبأ بما حدث في عام 9123: "إن المساوئ والشرور الناجمة عن الحكومة الملكية االستبدادية‬
   ‫لتقنع كل فرنسا وكل أوربا بأنها أسوأ الحكومات.... وإن هذه الفكرة لتبرز وتنتشر وتزداد قوة، وقد تؤدي إلى ثورة‬
                                      ‫وطنية... وكل شيء يمهد الطريق إلى حرب أهلية.. وأذهان الناس مهيأة للتمرد‬
                                                                                           ‫صفحة رقم : 71173‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> لويس الخامس عشر‬


                                      ‫ا‬
                               ‫والعصيان، ويبدو أن كل شيء يتجه إلى ثورة كبرى في الدين والحكومة مع ً(913)".‬
                                                           ‫أو كما قالت خليلة الملك الجديدة "من بعدي الطوفان".‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 11173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬



                                                                                              ‫1- مدام دي بمبادور‬


   ‫هي من أشهر النساء في التاريخ، وأوتيت من الرشاقة والجمال ما أعمى أبصار معظم الرجال عن آثامها وخطاياها،‬
 ‫ومع ذلك وهبت من قوة الذهن ما مكنها لمدة عقد زاهر من السنين، من أن تحكم فرنسا وتحمي فولتير وتنقذ موسوعة‬
‫ديدرو، مما أدى بالفالسفة إلى القول بأنها تنتسب إليهم. ومن العسير أن ننظر إليها في الصورة التي رسمها لها بوشيه‬
‫دون أن نفقد نزاهة المؤرخ في االفتتان باإلنسان. فهل كانت دي بمبادور إحدى روائع الطبيعة، أو إحدى روائع بوشيه‬
                                                                                                         ‫فحسب؟‬
         ‫وكانت قد بلغت الثامنة والثالثين حين رسمها، وكانت صحتها الهزيلة تتدهور، ولم يحط من قدرها بالحسية أو‬
                                                                ‫ال‬
  ‫الشهوانية السطحية في صوره العارية المشرقة. وبد ً من ذلك أبرز تقاطيع وجهها الرائعة، ورشاقة قوامها، والذوق‬
                                      ‫ا‬
‫في مالبسها. والرقة الناعمة في يديها، "وتسريحة" شعرها الخفيف األسمر عاليً فوق الجبين. وربما زاد من قيمة هذه‬
     ‫المفاتن بخياله ومهارته، ولكنه مع ذلك لم ينقل ضحكتها المرحة المستهترة، وال ريحها الوديعة، بل لم ينقل ذكاءها‬
                              ‫ا‬
                             ‫الحاد الماكر وال قوة شخصيتها الهادئة، وال صالبة إرادتها التي ال تلين وال ترحم أحيانً.‬
                                                                                     ‫ا‬
      ‫وكانت جميلة منذ والدتها تقريبً. ولكنها لم تحسن اختيار والديها، فكان عليها أن تناضل طوال حياتها ضد ازدراء‬
  ‫ا‬                                           ‫ا ال‬
  ‫األرستقراطية للطبقة الوسطى التي نبتت فيها. وكان والدها سمانً (بقا ً)، وهو فرانسوا بواسون الذي لم يستطع يومً‬
     ‫أن يتخلى من اسمه (بواسون بالفرنسية معناها سمك). واتهم باالختالس فحكم عليه باإلعدام شنقاً، ولكنه هرب إلى‬
                                                 ‫همبرج، وتحايل للحصول على العفو عن جريمته، وعاد إلى باريس‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 21173‬
                               ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


    ‫(3423). أما والدتها فكانت ابنة "متعهد لتموين العجزة". وشغلت باالرتماء في أحضان الرجال، بينما كان زوجها‬
 ‫يستدر العطف في همبرج. واستمتعت بعالقة غرامية طويلة بملتزم ثري، هو شارل فرانسوا لينورمانت دي تورنهيم،‬
                                   ‫الذي تولى اإلنفاق على تعليم البنت الجميلة التي وضعتها مدام بواسون في 3723.‬
      ‫وأتيح لهذه االبنة، جين أنطوانيت بواسون. أحسن ما يمكن أن يتاح من المعلمين، جليوت، الجهير العظيم، للغناء،‬
    ‫وكربيون األب لفن اإللقاء، حتى باتت في الوقت المناسب تنافس نجوم المسرح في الغناء والرقص والتمثيل. وكان‬
  ‫صوتها في حد ذاته إغواء".(133)وتعلمت الرسم والحفر، وعزفت على البيان القيثاري إلى حد تحمست له مدام دي‬
        ‫ميللي في استحسان عزفها. ولما كانت جين في التاسعة من عمرها تنبأت لها سيدة عجوز (كافأتها فيما بعد على‬
                                                                                    ‫ا‬
‫نبوءتها) بأنها ستصبح يومً ما "عشيقة الملك"(333)ولما بلغت الخامسة عشرة دعا جمالها وأعمالها البارعة أمها إلى‬
‫القول بأنها "طبق شهي للملك"، ولو أنه من المؤسف أنها لن تكون ملكة.(733)ولكن "الطعام الشهي الملكي" كانت قد‬
                                                                                              ‫ا‬
                                                                                             ‫بدأت تسعل دمً.‬
        ‫وفي سن العشرين أغراها مسيو دي تورنيهم بأن تتزوج ابن أخيه شارل غليوم لينورمانت دي اتوال، ابن أمين‬
                                     ‫ا‬
   ‫صندوق دار سك النقود. وهام الزوج يحب زوجته، وقدمها إلى المنتديات مفاخرً مزهو بها. والتفت في منتدى مدام‬
‫دي تنسان بمونتسكيو وفونتنيل وديكلو وماريفو، وأضافت فن الحديث إلى مفاتنها األخرى. وسرعان ما استضافت هي‬
‫نفسها، مع فونتنيل، مونتسكيو وفولتير في بيتها. وكانت سعيدة. وأنجبت طفلين وأقسمت "أنه لن يحملها أحد في العالم،‬
                               ‫إال الملك، على أن تخون زوجها أو تكون غير مخلصة له"(133)أية بصيرة نافذة هذه!‬
     ‫وفكرت الوالدة في أن هذا االستثناء من المستطاع تدبيره. ورأت أنه يمكن أن تقصد جين مستقلة مركبة فاخرة إلى‬
                                                                   ‫ً‬
                     ‫غابات سينار حيث يذهب لويس للصيد. وكثيرا ما رأى الملك وجهها الذي ال يمكن نسيانه. وقدمت‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                               ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


   ‫الرشاوي إلى غلمان الملك ليطروا جمالها لديه. وفي 17 فبراير 7423 شهدت حفلة رقص تنكرية أقيمت في أوتيل‬
     ‫دي فيل بمناسبة زواج الدوفين، وتحدثت إلى الملك، وطلب منها أن تخلع القناع لحظة، ففعلت، ثم انصرفت وهي‬
   ‫ترقص، وفي إبريل رآها في مسرحية هزلية تمثلها إيطالية في فرساي. وبعد ذلك بعدة أيام أرسل إليها دعوة لتناول‬
   ‫العشاء. ونصحتها أمها "بأن تسلي الملك وتدخل السرور على قلبه" وفعلت جين، واستسلمت للملك. وعرض عليها‬
 ‫جناحً في فرساي فقبلت. وحث مسيو تورنهيم الزوج على أن يأخذ المسألة بروح فلسفية: "ال تعرض نفسك للسخرية‬     ‫ا‬
          ‫ا ا‬
  ‫باالسترسال في الغضب مثل أي برجوازي، أو بخلق مشكلة(433)وعين الملك مسيو دي أتوال ملتزمً عامً، وكيف‬
‫الرجل نفسه ليكون جامع ضرائب، وابتهجت األم بارتفاع مكانة ابنتها، وقضت تحبها. وفي سبتمبر حصلت جين على‬
 ‫ثروة عريضة، وأصبحت المركيزة دي بمبادور، وقدمت بهذه الصفة إلى الحاشية وإلى الملكة التي هدأت من روعها‬
                                                     ‫ا‬
 ‫والطفتها في ارتباك طفيف. إن الملكة غفرت لها باعتبارها شرً ال بد منه، ودعتها للعشاء. أما الدوفين فإنه، على أية‬
‫حال، أطلق عليها "مدام هور" (السيدة البغي) واستاءت الحاشية القتحام سيدة برجوازية مخدع الملك واستيالئها على‬
‫أمواله، وما فاتها أن يالحظوا انزالقها من حين إلى حين إلى التفوه بألفاظ الطبقة الوسطى أو انتهاج أساليبهم. وتمتعت‬
 ‫باريس بالمقطوعات الساخرة والهجاء الالذع "لخادمة الملك الشابة". وعانت في صمت وجلد بغض الناس لها، حتى‬
                                                             ‫باتت قادرة على تثبيت انتصارها وفرض سلطانها.‬
     ‫وإذا رأت لويس وقد بلغ به السأم والضجر ذروته، وهو الذي يملك كل شيء، ولكن كل شيء كان قد فقد عنده كل‬
  ‫نكهته وطالوته، فإنه تفننت وأظهرت عبقريتها في تسليته والترفيه عنه. فألهته بحلبات الرقص والمسرحيات الهزلية‬
 ‫والحفالت الموسيقية وروايات األوبرا، وحفالت العشاء والنزهات والصيد والقنص، وفيما بين هذا وذاك أدخلت على‬
                              ‫قلبه البهجة والسرور بمرحها وحيويتها وحديثها البارع وذكائها. وأقامت في فرساي‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 91173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


     ‫"مسرح البيت الصغير"، وأقنعت الحاشية بالقيام بأدوار على المسرح، كما كان الحال في أيام لويس الرابع عشر،‬
      ‫ومثلت هي نفسها في مسرحيات موليير الهزلية، وقامت بدورها على خير وجه، إلى حد أن الملك قال عنها "أشد‬
        ‫النساء فتنة في فرنسا"(733). وتنافس النبالء على تمثيل األدوار وقام الدوفين الصارم نفسه بدور أمام "السيدة‬
                                                                                    ‫ا‬
  ‫البغي". وتفضل بأن يكون دمثً معها في دنيا النفاق. وأصابت الملك بعض نوبات دينية، فهدأت من روعه بالموسيقى‬
‫الدينية التي عزفتها بشكل يأسر لبه، حتى نسي خوفه من الجحيم. وأصبح يعتمد عليها كل االعتماد لولعه بالحياة وتعلقه‬
                                ‫ا‬
  ‫بها، فأكل معها، ولعب ورقص وقاد عربته واصطاد معها، وقضى معها كل ليلة تقريبً. وما هي إال بضع سنين حتى‬
                                                                                  ‫خارت قواها وتدهورت صحتها.‬
                  ‫ا ال‬
      ‫وشكا البالط من أن مدام دي بمبادور صرفت الملك عن مهامه بوصفه حاكماً، وأنها كانت عبئً ثقي ً على خزانة‬
‫الدولة، فقد ازدانت بأغلى الثياب والجواهر، وتألقت غرفة مالبسها بآنية الزينة المصنوعة من البلور والفضة والذهب.‬
      ‫وازدانت حجرتها باألثاث المطلي باللك أو الخشب األطلساني أو المطعم بالصدف والعاج والمعادن، وأروع آنية‬
     ‫الخزف المصنوعة في درسدن وسيفر والصين واليابان، وكانت تضاء بثريات فخمة من الفضة والزجاج، تنعكس‬
     ‫أنوارها على مرايا ضخمة على الجدران، أما سقوفها فكانت مغطاة بالصور التي بوشية وفانلو إللهات الحب التي‬
      ‫تبهج الحواس وتثيرها. ولما أحست بأنها سجينة وسط هذا الترف والبذخ، سحبت مبالغ من المال من الملك أو من‬
                                                                                    ‫ً‬
 ‫الخزانة لتشيد أو تؤثث قصورا وبررت تجهيزاتها المسرفة وحدائقها الشاسعة بأنها الزمة الستضافة صاحب الجاللة.‬
  ‫وكان لها الضيعة والقصر في كريسي في دري، وشادت قصر "المنظر الجميل" الفخم على ضفاف السين بين سيفر‬
                                                                              ‫ا‬
           ‫ومودون. وأقامت صوامع أو أديارً صغيرة في غابات فرساي وفونتنبلو وكومبيين واتخذت من "أوتيل دي‬
                                                                                             ‫ً‬
 ‫بونتشارتران مقرا إلقامتها في باريس، ثم انتقلت إلى قصر كونت دي افري في شارع فوبورج سانت أونوريه، ويبدو‬
                                                                                                     ‫أن السيدة‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 13173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬
                                        ‫ا‬                        ‫ا‬
    ‫الفاتنة أنفقت ما يبلغ في جملته 117.271.11 جنيه ً(133)، كان جزء منه فنً بقي في حوزة فرنسا. وبلغت نفقاتها‬
                                                                                     ‫ا‬
                       ‫الخاصة 11 ألف جنيه سنويً(233). واتهمتها فرنسا بأنها كانت تكلفها أكثر مما تكلفها الحرب.‬
 ‫وجمعت دي بمبادور من السلطة والنفوذ قدر ما جمعت من الثروة وأصبحت المجرى الرئيسي الذي يفيض بالتعيينات‬
    ‫والرواتب وأوامر العفو وغيرها من النعم والعطايا من الملك.. وحصلت لذوي قرباها على المنح والهبات واأللقاب‬
    ‫ا‬
    ‫والوظائف ذات العمل اليسير والدخل الكبير. ولم تهيئ البنتها الصغيرة ألكسنرين التي كانت تسميها "فانفان" شيئً‬
     ‫يذكر، ولكنها كانت تحلم بتزويجها ألحد أبناء لويس الخامس عشر من مدام دي فنتميل، ولكن فانفان ماتت في سن‬
       ‫التاسعة، وحطمت قلب أمها. أما أخوها آبل-الوسيم الدمث-فإنه بنفسه كسب عطف الملك الذي كان يدعوه "باألخ‬
                 ‫ا ا‬                                                                           ‫ا‬
   ‫الصغير"، وكثيرً ما كان يدعوه على العشاء. ونصبته بمبادور مركيز دي ماريني وعينته مديرً عامً للمباني، فقام‬
                                                   ‫ا‬
     ‫بوظيفته في جد وكفاية، إلى حد رضي معه وسر به الجميع تقريبً. وعرضت بمبادور عليه أن ترقي به إلى مرتبة‬
                                                                                                 ‫الدوق فرفض.‬
      ‫وانتشر أثرها على الفن الفرنسي بل األوربي، ويرجع هذا إلى حد ما إلى الملك، ولكن أكبر الفضل فيه يرجع إلى‬
       ‫ا‬
   ‫شخصها هي. وأخفقت محاوالتها في أن تكون هي بنفسها فنانة، ولكنها أحبت الفن من كل قلبها، وما لمست شيئً إال‬
‫وصار جمي ً. وازدهرت الفنون الصغيرة بشكل يبهر األلباب بفضل تشجيعها. وأقنعت لويس الخامس عشر بأن فرنسا‬‫ال‬
             ‫ا‬                                                                ‫ال‬
   ‫تستطيع صنع الخزف الالزم لها، بد ً من استيراده من الصين ودرسدن، مما يكلفها 117 ألف جنيه سنويً. وثابرت‬
     ‫على ذلك حتى تعهدت الحكومة بتمويل مصانع الخزف في سيفر، واكتسب األثاث وأدوات األكل وساعات الحائط‬
   ‫والمراوح والمركبات وأواني الزهر والزجاجات والصناديق والنقوش على األحجار الكريمة والمرايا، واكتسب كل‬
                                 ‫أولئك فتنة دقيقة سريعة الزوال حتى يتفق مع ذوقها الرفيع الذي يتطلب مهارة فائقة،‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 33173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


 ‫وأصبحت "ملكة الروكوكو"(133). (فن الزخرفة المعقدة). وكان قدر كبير من إسرافها في النفقة يرجع إلى الرعاية‬
 ‫التي أسبغتها على الرسامين والمثالين والنقاشين على الخشب والمعادن ونجاري األثاث الفاخر والمعماريين. وأغدقت‬
  ‫على بوشية وأودري والتور ومائة غيرهم من الفنانين. وأوحت إلى فانلو وشاردان أن يصورا مشاهد الحياة العامة،‬
‫فأنهت بذلك التكرار المبتذل لموضوعات من تاريخ العصور القديمة والوسطى وأساطيرها، واحتملت في تسامح باسم‬
   ‫تذمر التور ووقاحته، حين كان يرسم لها صورة. وأطلق اسمها على المراوح وتسريحات الشعر والثياب واألطباق‬
‫واألرائك والكراسي واألشرطة، وعلى "وردة بمبادور" المصنوعة من الخزف المفضل لديها، وفي هذه الحقبة، ال في‬
                                ‫عهد لويس الرابع عشر، على األرجح، بلغ تأثير فرنسا على المدينة األوربية ذروته.‬
     ‫وربما كانت بمبادور أكثر نساء زمانها ثقافة. وكان لها مكتبة تضم 1171 مجلد منها 112 في التاريخ، و731 في‬
 ‫الفلسفة، ومجلدات كثيرة في الفن، وبعض مجلدات في السياسة أو القانون، إلى جانب عدة قصص في الحب. وواضح‬
    ‫أنها إلى جانب تسلية الملك ومكافحة أعدائها والمساعدة على حكم فرنسا، كانت تجد فسحة من الوقت لقراءة الكتب‬
  ‫القيمة، ألنها هي نفسها كتبت لغة فرنسية رائعة، في رسائل زاخرة بالمادة ساحرة البيان. وكم توسلت إلى حبيبها أن‬
    ‫يباري جده في رعايته لألدب، ولكن ورعه وبخله قعدا به عن ذلك. وعندما حاولت أن تخجله وتحرجه بقولها: بأن‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫فردريك األكبر أجرى على دالمبرت راتبً قدره ألف ومائتا جنيه، أجاب بقوله "هنا أفذاذ أكثر مما في بروسيا. وقد‬
 ‫أكون مضطراً إلى إقامة مأدبة عشاء كبيرة ألجمعهم كلهم". وبدأ يعدهم على أصابعه "موبرتيوس، فونتنيل، الموت،‬
   ‫فولتير، فريرون، بيرون، ديتوش، مونتسكيو، كاردينال دي بوليناك". وأضاف من كانوا حوله، "دالمبرت، كليرو،‬
                                                            ‫ال‬
 ‫كريبيون االبن، بريفوسث".. وعندئذ تنهد الملك قائ ً "حسناء معنى هذا أن كل هؤالء كان يمكن أن يتناولوا الغداء أو‬
                                                                         ‫ا‬
                                                               ‫العشاء معي طوال خمسة وعشرين عامً(933)".‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 73173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


  ‫وعلى ذلك احتلت بمبادور مكان الملك في رعاية األدب. فأتت بفولتير إلى البالط، وأغدقت عليه، وحاولت أن تحميه‬
   ‫من سوء تصرفاته، وساعدت منتسكيو، ومارمونتل، وديكلوس، وبيفون وروسو، ويسرت انضمام فولتير وديكلوس‬
       ‫ا‬                      ‫ا‬
    ‫إلى األكاديمية الفرنسية. ولما سمعت بما يعاني كريبيون األب من الفقر أجرت عليه راتبً، وخصصت له جناحً في‬
   ‫اللوفر، وعاونت على إحياء مسرحيته "كاتيلينا"، وأصدرت تعليماتها إلى إدارة المطبعة الملكية بإصدار طبعة أنيقة‬
          ‫من روايات الكاتب العجوز. واختارت فرانسوا كيزني طبيباً خاصاً لها وهو من أنصار المذهب الفزيوقراطي‬
                                                                                           ‫ا‬
  ‫وخصصت له جناحً تحت جناحها مباشرة في فرساي، وكانت تستقبل هناك ديدرو ودالمبرت وديكلوس وهلفيشيوس‬
 ‫وترجو، وغيرهم، مما كان يمكن أن تكون أفكارهم مصدر إزعاج الملك، ويروي مارمونتل: "ولما لم تكن تستطيع أن‬
 ‫تدعو هذه المجموعة من الفالسفة إلى "صالونها" فإنها كانت تنزل لهم لتجتمع بهم على المائدة وتتجاذب معهم أطراف‬
                                                                                              ‫الحديث(173)".‬
 ‫وكان طبيعياً أن ينظر رجال الدين وجماعة األتقياء في الحاشية وعلى رأسهم الدوفين، بعين الرعب والفزع إلى تدليل‬
     ‫هؤالء الكفار. وفوق ذلك، كان معروفاً أن بمبادور كانت تؤيد فكرة فرض الضرائب على أمالك الكنيسة، بل حتى‬
‫تجريدها من الصفة الدينية أو انتزاعها من يد الكنيسة، إذا كان هذا هو المهرب الوحيد من إفالس الدولة(373). وأشار‬
‫اليسوعيون على كاهن اعتراف الملك أن يمتنع عن مناولته األسرار ما دام يحتفظ بعالقته بهذه العشيقة الخطرة(773).‬
  ‫ودافع أبناء الملك عن رجال الدين، واستخدمت ابنته الكبرى هنريت التي يؤثرها بحبه، نفوذها في التفريق بينه وبين‬
                  ‫ا‬
        ‫بمبادور. وكان عيد الفصح كم كل عام مثار أزمة بين العاشقين. ففي 3723 أظهر لويس تلهفاً شديدً على تناول‬
    ‫القربان المقدس. وفي محاولة منها لتهدئته واسترضاء كاهن االعتراف، األب بيروسو، واظبت على إقامة الشعائر‬
                                                                                  ‫ً‬
         ‫الدينية وحضور القداس يوميا والصلوات بشكل يلفت األنظار، كما أكدت للكاهن أن عالقتها اآلن بالملك عالقة‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 13173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


                     ‫ا‬     ‫ا‬                                                                 ‫ا‬
 ‫أفالطونية بريئة تمامً. ولما لم يقتنع الكاهن بهذا، فإنه طلب إليها، أن تغادر البالط، شرطً مسبقً للسماح للملك بتناول‬
                                              ‫ا‬
 ‫األسرار المقدسة. ومات بيروسو، ولكن خلفه ديمارتس وكان متشددً مثله. وثبتت بمبادور في مكانها، ولكنها داومت‬
  ‫على ورعها الظاهري. ولم تغتفر قط لليسوعيين أنهم لم يأخذوا "تحولها" مأخذ الجد، وربما كان الستيائها منهم دور‬
                                                                           ‫صغير في طردهم من فرنسا في 7123.‬
             ‫وربما كان قولها الحق في أنه لم يعد لها اتصال جنسي بالملك لويس. وقد أكد دارجنسون أحد أعدائها هذه‬
 ‫الحقيقة(173). وكانت بالفعل قد أفضت إلى بعض خلصائها بأنها تجد مشقة متزايدة في االستجابة للنيران المتقدة بين‬
  ‫جنبيه(473)، واعترفت بأن عدم تحمسها لمضاجعته ذات مرة أوهن ما اشتد من قوته، وأصابه عجز جنسي وتملكه‬
    ‫الغضب(773). وتناولت "عقاقير الحب"(173)دون نتيجة تذكر، اللهم إال اإلضرار بصحتها. وأدرك أعداؤها في‬
      ‫البالط هذا الوضع فجددوا مؤامرتهم القتالعها من مركزها. وفي 1723 دبر دارجنسون خطة تنفذ بها مدام دي‬
     ‫شوازيل رومانت إلى أحضان الملك، ولكنها طالبت بثمن باهظ ظن أنه ال يتكافأ مع تضحيتها وسرعان ما تمكنت‬
                 ‫بمبادور من طردها. وهنا آن األوان أن تأوي المحظية األولى المنهوكة إلى "متنزه الظباء" البغيض.‬
  ‫وفي "متنزه الظباء" في طرف ناء من فرساي جهز مسكن إلقامة شابة أو شابتين مع خدمهما ومرافقيهما حتى يحين‬
                                       ‫ا‬
‫الوقت ليستقبلهما لويس في جناحه الخاص، أو يقصد إليهما في مسكنهما متنكرً في زي كونت بولندي عادة. وتناثرت‬
       ‫الشائعات بأن هؤالء البنات كن كثيرات، وأضافت األساطير أن سن بعضهن لم تزد على تسع سنوات أو عشر.‬
    ‫والظاهر أنه لم يكن يوجد منهن في وقت واحد أكثر من اثنتين(273)، وكان يؤتى بمجموعات منهن على التعاقب،‬
                                         ‫ا‬
‫ليتدربن على أن يقدمن للملك "حق السيادة" فإذا حملت إحداهن أعطيت مبلغً من المال يتراوح بين عشرة آالف ومائة‬
                                            ‫ألف جنيه، يساعدها على العثور على زوج لها في األقاليم، وكان األطفال‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 43173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


                                                                     ‫ً‬
      ‫الذين يولدون عن هذا الطريق يمنحون راتبا سنوياً قدره أحد عشر ألف جنيه. وعلمت مدام دي بمبادور بأمر هذا‬
  ‫"الحريم" الذي ال يصدق، فلزمت الصمت. ورغبة منها في أال تحتل مكانها عشيقة من النبيالت ستعمل من غير شك‬
     ‫على إبعادها عن البالط، بل ربما عن باريس، آثرت أن تترك للشابات الوضيعات أن يشبعن أذواق الملك الفاسدة،‬
   ‫وانهارت حالتها المعنوية إلى الحضيض وقالت لمدام دي هوست "كل ما أضن به هو قلبه، وكل هؤالء الفتيات غير‬
                                                                                ‫المتعلمات لن يسلبنني إياه(173)".‬
                                               ‫ا‬                                      ‫ً‬
       ‫ولم تنزعج الحاشية انزعاجا ملموساً لهذه الترتيبات الجديدة ألن كثيرً من رجالها احتفظوا هم أنفسهم بأكواخ في‬
‫"منتدى الظباء" هذا لخليالتهم(973). ولكن أعداء بمبادور افترضوا أن سلطانهم قد آذن بزوال. ولكن خاب فألهم، فإن‬
‫ا‬
‫الملك ظل صديقها المخلص لفترة طويلة بعد أن انقطعت عن أن تكون "خليلته". وكان في 7723 قد خلع عليها رسميً‬
        ‫لقب دوقة. وفي 1723، وعلى الرغم من احتجاجات الملكة منحها المنصب الرفيع "مديرة قصر الملكة" (كبير‬
   ‫وصيفات الملكة). فالزمت الملكة، وحضرت معها العشاء ورافقتها إلى القداس. ولما كانت وظيفتها الجديدة تقتضي‬
            ‫ا‬
‫اإلقامة في البالط فإن اليسوعيين تنازلوا عن طلبهم إبعادها وألغي "الحرم من الكنيسة" الذي ظل مفروضً عليها لفترة‬
     ‫طويلة"، وأجيز لها تناول األسرار المقدسة. أما بنات الملك الالتي ناصبها العداء منذ زمن طويل فكن يقصدن إلى‬
                                                                                          ‫زيارتها في "شوازي".‬
  ‫وقضى لويس معها مدة ساعات في كل يوم تقريباً، حيث ظل يجد لذة في طالوة حديثها ورقتها الفاتنة التي ال تنضب‬
                                                                                    ‫ا‬
‫معينها. واستمر يحترم، وغالبً ما يتبع، مشورتها في التعيينات، وفي المسائل الداخلية، بل حتى في السياسة الخارجية.‬
                                  ‫ا‬
      ‫وأصدرت األوامر إلى الوزراء، واستقبلت السفراء واختارت القواد، وتحدثت أحيانً باسم الملك وباسمها، وكأنها‬
   ‫تشترك في الحكم، فكانت تقول "نحن" سننظر (في األمر). وكان طالب الوظائف يزحمون حجرة انتظارها، فكانت‬
          ‫تحسن استقبالهم وتالطفهم. وسلم أعداؤها بسعة إطالعها المدهشة في الشئون السياسية، ولباقتها في األحاديث‬
                                                                                                    ‫الدبلوماسية،‬
                                                                                        ‫صفحة رقم : 73173‬




                                ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> الشعب والدولة -> مدام دي بمبادور‬


                                                                                            ‫ا‬
         ‫ونظراتها التي كثيرً ما كانت ثاقبة(113). وكانت قد أشارت منذ زمن بعيد إلى أن عجز قواد فرنسا هو أساس‬
  ‫اضمحاللها العسكري. وفي 1723، اقترحت على لويس أن ينشئ مدرسة حربية يتلقى فيها الفنون والعلوم العسكرية‬
‫أبناء الموظفين والضباط الذين قتلوا أو استنزفت قواهم في خدمة الدولة. ووافق الملك ولكنه أبطأ في توفير االعتمادات‬
     ‫الالزمة للمشروع. فنقلت بمبادور إلى هذا المشروع دخلها الخاص لمدة عام، ووفرت له أمواالً إضافية عن طريق‬
                      ‫"يانصيب"، وضريبة على لعب الورق، وأخيراً فتحت المدرسة 1723 ملحقة "بقصر االنفاليد".‬
      ‫واآلن نصح هذا الوزير الساحر بال وزارة بمراجعة جريئة لسياسة فرنسا الخارجية وإعادة تقييمها. وربما جاءت‬
    ‫المبادرة بهذا "النقض المشئوم لألحالف" من كونت فون كونتز سفير النمسا في باريس. وقد عززها التنازل الكاره‬
     ‫من جانب اإلمبراطورة التقية ماريا تريزا التي خاطبت بمبادور "بصديقتي العزيزة"، و "ابنة عمي"، كما عززها‬
 ‫فردريك األكبر بإشارته المهنية إلى المركيزة دي بمبادور "بحكم المرأة" في البالط الفرنسي. وكانت مدام دي شاتور‬
  ‫ودارجنسون قد وجها السياسة الخارجية نحو الصداقة مع بروسيا، وأوضح كونتز وبمبادور أن بروسيا الحديثة-التي‬
 ‫قويت باالنتصار في حرب الوراثة النمساوية، والتي لديها جيش قوامه ألف جندي أحسن تدريبهم تحت إمرة قائد قدير‬
                                     ‫ا‬      ‫ا‬
‫طموح ال يبالي بأية مبادئ خلقية، وملك غدر بفرنسا مرتين بتوقيعه صلحً منفردً-إن بروسيا هذه ال بد أنها سرعان ما‬
                                                                                                    ‫ا‬
    ‫تشكل خطرً أشد من خطر النمسا التي كانت قد فقدت آنذاك سيليزيا، ولم تعد تتوقع أي عون أو تأييد من أسبانيا في‬
   ‫ظل حكم آل بوريون، وقد انقضى تطويق النمسا لفرنسا. وقويت هذه الحجة حين عقدت بروسيا في 13 يناير 4723‬
                                                                                                         ‫ً‬
‫تحالفا مع إنجلترا-عدوة فرنسا التقليدية ورد مجلس الدولة الفرنسي على هذا بإبرام تحالف مع النمسا (أول مايو). وهنا‬
                                                          ‫ا‬
    ‫نجد أن المركيزة دي بمبادور التي عادت اآلن تبصق دمً، وكانت في الخامسة والثالثين، ولم يبق لها من العمر إال‬
                                        ‫ثمان سنوات، نجد أنها قد لعبت دورها في التمهيد إلشعال حرب السنين السبع.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 13173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> التعليم‬



                                                                                                 ‫الفصل الثامن‬
                                                                                                  ‫األخالق والعادات‬




                                                                                                          ‫3- التعليم‬


 ‫كان بين الصراعات الكثيرة األساسية التي شهدتها فرنسا في القرن الثامن عشر، محاولة الكنيسة االحتفاظ بسيطرتها‬
      ‫على التعليم، إلى جانب محاولة الفالسفة وغيرهم إنهاء هذه السيطرة والقضاء عليها. وبلغ الصراع ذروته بطرد‬
 ‫اليسوعيين من فرنسا في 7123، وتأميم المدارس الفرنسية، وغلبة التعليم العلماني في الثورة الفرنسية. وكان خالف‬
                                                           ‫قد بدأ يبرز في النصف األول من القرن الثامن عشر فقط.‬
   ‫ولم تكن الغالبية العظمى من الفالحين تعرف القراءة. وفي كثير من المجتمعات الريفية، كانت الهيئات البلدية، حتى‬
   ‫إلى عام 9123، "ال تكاد تعرف الكتابة"(3). وكان في معظم األبرشيات على أية حال "مدرسة صغيرة" يقوم فيها‬
   ‫الكاهن بنفسه، أو من يعينه هو، بتعليم القراءة والكتابة والدين المسيحي على صورة سؤال وجواب، لألوالد الذكور‬
    ‫أساساً، في مقابل رسم زهيد يدفعه اآلباء عن كل تلميذ(7)، أما األوالد الذين يعجز آباؤهم عن الدفع فكانوا يتعلمون‬
                                                   ‫ا‬       ‫ا‬
         ‫بالمجان إذا طلبوا ذلك. وكان اللحاق بهذه المدرسة مطلوبً قانونً بمقتضى مراسيم 4913 و4723، ولكن هذه‬
‫المراسيم لم تنفذ(1)، وامتنع كثير من اآلباء الفالحين عن إرسال أبنائهم إلى المدرسة، لحاجتهم إليهم في المزرعة من‬
      ‫ناحية، ومن ناحية أخرى ألنهم رأوا أن التعليم أمر مزعج ال ضرورة له لمن قدر عليهم أن يشتغلوا في األرض.‬
  ‫ا‬
  ‫فالتعليم لم يكن يكفل أي ارتفاع في المركز االجتماعي ألن الحواجز الطبقية كانت عقبة ال يمكن التغلب عليها تقريبً‬
             ‫ا‬                                      ‫ا‬
‫في النصف األول من القرن. وفي القرى والمدن الصغيرة نادرً ما كان الذين تعلموا القراءة يقرئون شيئً غير ما تعلق‬
   ‫بعملهم اليومي. وكان كل إنسان يعرف قواعد الدين، وفي المدن الكبيرة وحدها كان هناك شيء من المعرفة باألدب‬
                                                                                               ‫والعلوم والتاريخ.‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 23173‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> التعليم‬


      ‫ا‬
‫وفي الطبقات المتوسطة والعليا كان معظم التعليم على أيدي المربيات والمؤدبين، أو المعلمين الخاصين، وأخيرً على‬
        ‫أيدي معلمي الرقص، وهؤالء األخيرين كان مفروضاً فيهم أن يعلموا الجنسين كليهما الفنون الشاقة، وهي فنون‬
                         ‫ا‬
      ‫الجلوس والوقوف والمشي والحديث واإليماء، في كياسة ورقة. وتلقت بعض الفتيات دروسً خاصة في الالتينية،‬
    ‫وفوق هذا كله تقريباً، تعلم الفقراء الغناء والعزف على البيان القيثاري. وقام التعليم العالي للبنات في األديار، حيث‬
    ‫ارتقين في الدين والتطريز والموسيقى والرقص وقواعد السلوك القويم الذي يجدر بالشابة أو الزوجة أن تتحلى به.‬
‫وكان كل التعليم الثانوي للذكور تقريباً في يد اليسوعيين، ولو أن الرهبان األوراتوريين والبندكتيين أسهموا فيه. وكان‬
  ‫المتشككون من أمثال فولتير وهلفيشيوس من بين الخريجين العديدين المرموقين في كلية اليسوعيين "لويس األكبر"‬
‫حيث كان األب شارل بوريه يقوم بتدريس "البالغة" (أي اللغة واألدب وعلم الكالم) وترك في تالميذه ذكريات طيبة.‬
 ‫وما كاد المنهج في المدارس اليسوعية ليتغير طوال قرنين من الزمان. وعلى الرغم من تركيز هذا المنهج على الدين‬
         ‫واألخالق، فإن مادته كانت كالسيكية إلى حد بعيد، فكان التالميذ يدرسون مؤلفات روما القديمة في نصوصها‬
   ‫األصلية، فأكب التالميذ الصغار على دراسة الفكر الوثني لمدة خمس أو ست سنوات، فال عجب أن ساورتهم بعض‬
                                          ‫ا‬
 ‫الريبة في عقيدتهم المسيحية. وأكثر من هذا فإن اليسوعيين "لم يدخروا وسعً في تنمية ذكاء تالميذهم وغيرتهم"(4).‬
‫فكانوا يشجعون على المناقشة والتحدث عالنية وعلى تمثيل الروايات، وكانوا يتعلمون قواعد لترتيب أفكارهم والتعبير‬
                  ‫ً‬
     ‫عنها، ومن ثم كان جزء من وضوح األدب الفرنسي وصفاته من غرس المدارس اليسوعية، وأخيرا تلقى الطالب‬
   ‫مناهج قاسية في المنطق والميتافيزيقا وعلم األخالق عن أرسطو من ناحية وفالسفة العصور الوسطى السكوالسيين‬
 ‫(المدرسيين) من ناحية أخرى. وهنا مرة أخرى، نجد أن النتائج كانت تقليدية، إال أن عادة التفكير واالستنتاج والتعليل‬
                                                                     ‫بقيت-وأصبحت بالفعل-عالمة مميزة لهذا العصر‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 13173‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> التعليم‬


                                                        ‫ا‬
‫"عصر العقل" بوجه خاص. وكان الجلد بالسياط أيضاً جزءً من المنهج، حتى لطالب الفلسفة، ودون تميز في المرتبة‬
 ‫أو المكانة االجتماعية، فقد جلد من أصبح فيما بعد مركيز دارجنسون ودوق بوفلرز، أمام أقرانهما في الفصل، ألنهما‬
                                                                          ‫قذفا أساتذتهما األجالء بحبات البازالء(7).‬
   ‫وعلت الشكوى بالفعل من أن المنهج لم يول عناية تذكر بما وصلت إليه المعرفة من تقدم وازدهار، وأن التعليم كان‬
    ‫نظرياً إلى حد كبير، وال يعد للحياة العملية، وإن اإللحاح الشديد على التعليم الديني قد أفسد األذهان أو أغلقها. وفي‬
                                                                                      ‫ا‬
         ‫"رسالة عن التعليم" كانت يومً مشهورة (1723-1723) دافع شارل روالن رئيس جامعة باريس عن المنهج‬
      ‫الكالسيكي (القديم التقليدي) وعن التركيز على الدين. وكان من رأيه أن الهدف األسمى من التعليم هو خلق أناس‬
                                                                           ‫ا‬
       ‫أفضل. وأفاضل المعلمين "ال يعنون كثيرً بالعلوم، حيث ال تساعد هذه العلوم على التمسك بأهداب الفضيلة. ولم‬
                                                                                                 ‫ا‬
‫يكونوا يأبهون كثيرً بالتزود بألوان المعرفة، إذا لم تقترن باالستقامة وحسن الخلق. وكانوا يؤثرون الرجل األمين على‬
   ‫الرجل العالم الواسع اإلطالع(1). وقال روالن إنه من الصعب أن نشكل الخلق القويم دون تأسيسه على عقيد دينية.‬
‫ومن ثم "ينبغي أن يكون الهدف من جدودنا، والغرض من تعليمنا هو الدين"(2)وسرعان ما يثير الفالسفة الجدل حول‬
  ‫هذا الموضوع، ويستمر الجدل حول ضرورة الدين لألخالق طوال القرن الثامن عشر، والقرن الذي يليه. وهو جدل‬
                                                                                                   ‫حي في أيامنا هذه.‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 93173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬



                                                                                                        ‫7- األخالق‬
  ‫ويبدو أن حجة روالن كانت تؤيدها الفروق الطبقية في المبادئ األخالقية. وإن الفالحين الذين تمسكوا بدينهم عاشوا‬
                                                          ‫ا‬                                  ‫ا‬
‫حياة أخالقية نسبيً، وربما كان هذا، على أية حال راجعً إلى حقيقة أن األسرة كانت وحدة اإلنتاج الزراعي، وأن األب‬
     ‫كان أيضً المستخدم أي صاحب العمل، وكان نظام األسرة يرتكز في جذوره على نظام اقتصادي يفرضه تعاقب‬ ‫ا‬
                                  ‫الفصول ومتطلبات األرض. واستمسكت الطبقات الوسطى بقدر كبير من العقيدة‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬


                                                                            ‫ا‬
         ‫الدينية، مما عزز سلطة األبوين أساسً للنظام االجتماعي. أما مفهوم األمة باعتبارها رابطة من األسرات عبر‬
   ‫األجيال، فقد هيأ ألخالقيات الطبقة الوسطى قوة التماسك والتقاليد. وكانت الزوجة البرجوازية نموذجاً للجد والتقوى‬
          ‫واألمومة. وكانت تتحمل آالم الوضع في صبر وجلد، وسرعان ما كانت تعود إلى عملها. وكانت قانعة ببيتها‬
                                                                                   ‫ال‬
 ‫وعالقاتها مع جيرانها، وقلي ً ما انزلقت إلى زخرف الدنيا الخداع التي يسخر الناس فيها من اإلخالص على أنه شيء‬
      ‫ا ال‬                                                                                      ‫ا‬
      ‫عتيق بال. ونادرً ما نسمع عن حوادث الزنى عند زوجات الطبقة الوسطى. وضرب كل من األب واألم معً مث ً‬
             ‫ا‬                                                                                             ‫ا‬
    ‫رائعً في العادات القويمة والتمسك بالدين والحب المتبادل. وتلك هي الحياة التي خلد شاردان ذكرها معتزً بها، في‬
                                                                                           ‫لوحته مثل "البركة".‬
 ‫ومارست كل الطبقات أعمال البر واإلحسان وكرم الضيافة. وكانت الكنيسة تجمع الصدقات وتوزعها. ودعا الفالسفة‬
       ‫المعادون للدين إلى عمل الخير، وبنوا دعوتهم على أن هذا الحب لإلنسانية ال حب هلل، ومن ثم كانت "اإلنسانية"‬
                                                                                 ‫ا‬
     ‫الحديثة نتاجاً للدين والفلسفة معً. وأمدت األديار الجياع بالطعام، وعنيت الراهبات بالمرضى، وقامت المستشفيات‬
      ‫ومالجئ الفقراء واأليتام والعجزة على الموال التي تدفعها الدولة للكنيسة والنقابات. وكان بعض األساقفة مبذرين‬
                                                                              ‫ا‬
‫منصرفين إلى متاع الدنيا. ولكن نفرً آخر منهم-مثل أساقفة أوكسير وميربوا وبولون ومرسيليا-وهبوا ثرواتهم وحياتهم‬
     ‫ألعمال البر واإلحسان. ولم يكن موظفو الدولة مجرد طالبي مناصب أو نفعيين طفيليين، فإن موظفي بلدية باريس‬
   ‫كانوا يوزعون الطعام وحطب الوقود والنقود على الفقراء" وفي ريمس خصص أحد أعضاء البلدية 117 ألف جنيه‬
   ‫للصدقات. وكان بالملك لويس الخامس عشر نزعات إلى الشفقة والعطف والحنان المشوب بالجبن. وعندما خصص‬
                                                                       ‫ال‬
 ‫مبلغ 111 ألف جنيه لأللعاب النارية احتفا ً بمولود دوق برجندي الجديد (3723)، ألغى الملك العرض وأمر بتوزيع‬
      ‫المبلغ مهوراً لستمائة من أفقر بنات باريس، وحذت مدن أخرى حذوه. وعاشت الملكة عيشة مقتصدة غير مسرفة‬
                                                                                                   ‫وأنفقت معظم‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 37173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬
  ‫دخلها في األعمال الخيرية. وكذلك أنفق دوق أورليان ابن الوصي المشاغب الخليع ثروته في أعمال البر واإلحسان.‬
  ‫ويبدو الجانب غير المشرق في هذا الموضوع في الفساد واإلهمال اللذين شوها إدارة المؤسسات الخيرية. فهناك عدة‬
          ‫أمثلة لمديري مستشفيات استولوا ألنفسهم على األموال التي كانت تصلهم من اجل العناية بالمرضى والفقراء.‬
    ‫وعكست األخالقيات االجتماعية طبيعة اإلنسان-أناني وكريم، وحشي ولطيف، يخلط بين قواعد اللياقة وسفك الدماء‬
       ‫في المعركة. ولعب رجال الطبقات العليا والدنيا ونساؤها الميسر في تهور بالغ، دون إحساس بالمسئولية وبددوا‬
         ‫ثروات أسراتهم، وكان الغش في اللعب سائداً إلى حد كبير(1). وفي فرنسا، كما كان الحال في إنجلترا، أفادت‬
  ‫الحكومة من حب الناس للمقامرة بإنشاء "يانصيب" وطني. أما أسوأ مظاهر الحياة الفرنسية وأكثرها مجافاة لألخالق‬
       ‫فهو أرستقراطية الحاشية البالغ الخالي من الرحمة، تلك األرستقراطية التي كانت تعيش على الدخول التي كانت‬
‫تبتزها من الفالحين الفقراء. فإن مالءات سرير الدوقة دي الفري كانت مشغولة بالمخرمات الغالية الثمن، وتكلفت 14‬
     ‫ألف كراون، وكانت آللئ ومجوهرات مدام اجمونت تساوي 114 ألف كراون(9)، وكانت الخيانة والخداع أمرين‬
    ‫عاديين مألوفين من أعمال الموظفين، واستمر بيع الوظائف والمناصب، وكان مشتروها يستغلونها في اإلثراء غير‬
  ‫المشروع تعويضاً لهم عما دفعوا فيها ولم يكن قدر كبير مما يجبى من الضرائب يصل إلى خزانة الدولة. وفي غمرة‬
 ‫هذا الفساد نمت روح الوطنية، ولم يكف الرجل الفرنسي عن حب فرنسا، ولك يطق الرجل الباريسي أن يعيش طوي ً‬
 ‫ال‬
                                                                             ‫ا‬
   ‫بعيدً عن باريس. وامتاز كل فرنسي تقريبً بالبسالة. وفي حصار ماهون، ورغبة من المارشال دي ريشيليو في منع‬        ‫ا‬
                                                                  ‫ا‬
   ‫جنوده من تعاطي المسكرات، أصدر هذا القائد قرارً يقول فيه "أن أي فرد منكم يوجد ثمالً في المستقبل لن يكون له‬
                                                                ‫ا‬
       ‫شرف االشتراك في الهجوم" فتوقف شرب الخمر تقريب ً(13)، واستمرت المبارزة على الرغم من كثرة قرارات‬
           ‫تحريمها. وقال لورد تشسترفيلد "إن المرء ليلحقه الخزي والعار إذا لم يثر لإلهانة، وإنه ليلقى حتفه إذا استاء‬
                                                                                                          ‫لها(33)".‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 77173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬


                                                                                ‫ا‬
       ‫وكان عقاب اللواط اإلعدام حرقً. ولكن هذا القانون كان ينفذ في الفقراء وحدهم، كما حدث مع أحد رعاة البغال‬
    ‫4723. وفي 7723 ألقي القبض على الراهب ديفونتين، الذي كان قد اشتغل بالتدريس في إحدى الكليات اليسوعية‬
             ‫ا‬
         ‫لمدة خمسة عشر عاماً، واتهم بمثل هذه الفعلة، فأهاب بفولتير لمساعدته، فنهض من فراش مرضه قاصدً إلى‬
                            ‫ا‬
  ‫فونتبنلو، واستحث فليري ومدام دي بري الستصدار عفو عنه(73)، وطيلة العشرين عامً الالحقة كان ديفونتين من‬
                                                            ‫ا‬
‫ألد أعداء فولتير. وكان بعض خدم الملك منحرفين جنسيً. ويبدو أن أحدهم، وهو تريمو ويل، اتخذ من الملك ذي الستة‬
                                                                                     ‫عشر ربيعاً غالماً له(13).‬
  ‫وانتشر البغاء بين الفقراء واألغنياء. وفي المدن الصغيرة كان أصحاب األعمال ينقدون مستخدماتهم اإلناث مبالغ ال‬
                  ‫ال‬
‫تفي بنفقاتهن الضرورية، وأجازوا لهن أن يكملن أجورهن اليومية باالستجداء وممارسة الدعارة لي ً(43). وقدر كاتب‬
                                        ‫ا‬                             ‫ا‬
 ‫معاصر عدد البغايا في باريس بأربعين ألفً. وهناك تقدير آخر بأنهن ستون ألفً(73)وكان الرأي العام-فيما عدا الطبقة‬
                                                 ‫ا‬                                     ‫ً‬      ‫ا‬
‫الوسطى متسامحً مترفقا بأمثال هؤالء النسوة، حيث أدرك أن كثيرً من النبالء ورجال الدين ووجوه المجتمع ساعدوا‬
    ‫على خلق هذا الطلب الذي أدى إلى هذا العرض، وتذرع الرأي العام بشيء من اللياقة، فأدان الفقيرات الالتي يبعن‬
 ‫أعراضهن أقل مما أدان الذين يشترون المتعة، أي أن مسئولية هؤالء عن هذا العمل الشائن أكبر. وكانت نظرة رجال‬
       ‫الشرطة إلى هذا األمر تختلف عن ذلك اللهم إال إذا قدمت شكوى خاصة أو عامة ضد هؤالء "البنات" وهنا يتم‬
   ‫االعتقال بالجملة، تبرئة لساحة الحكومة، وعندئذ يساق النساء للمثول أمام أحد القضاة، وقد يحكم القاضي بإيداعهن‬
         ‫السجن أو المستشفى، حيث تحلق رءوسهن بالموس ويعاقبن ويوضعن تحت المراقبة ثم يطلق سراحهن، وتنمو‬
    ‫شعورهن من جديد. وإذا خلقن متاعب جمة ألحد ذوي النفوذ والسلطان أو أسأن إليه، فيمكن إرسالهن إلى لويزيانا.‬
                                                     ‫وعرضت محظيات الحاشية أو المومسات الالتي يتردد عليهن‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 17173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬


    ‫األغنياء، مركباتهن وحليهن ومجوهراتهن في طريق "كور-ال-رين" في باريس، أو في متنزه "لونجشامب"(13).‬
‫وإذا حصلن على عضوية الكوميدي فرانسيز أو األوبرا، حتى لتمثيل األدوار القصيرة، اكتسبن الحصانة ضد االعتقال‬
      ‫بتهمة بيع مفاتنهن أو أعراضهن. وارتفع بعضهن ليكن نماذج للفنانين (لرسم الصور العارية)، أو يتخذهن النبالء‬
                                                           ‫ا‬
      ‫ورجال المال أخداناً لهم خاصة. واقتنص بعضهن أزواجً، وحصلن على ألقاب وثروات، وأصبحت واحدة منهن‬
                                                                                            ‫بارونة سانت شاموند.‬
      ‫وكانت الزيجات القائمة على الحب، دون موافقة األبوين، تزداد في عددها وفي اإلنتاج األدبي. وكان من الممكن‬
 ‫االعتراف بشرعيتها إذا عقدت أمام كاتب العدل أو الموثق. ولكن في معظم األحوال، حتى بين الفالحين ظل اآلباء هم‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫الذين يرتبون أمر الزواج باعتباره اتحادً بين الممتلكات واألسرات، ال مجرد اتحاد األفراد. فاألسرة، ال الفرد، هي‬
    ‫وحدة المجتمع، ومن ثم كانوا يرون أن بقاء األسرة وممتلكاتها أهم من الملذات العابرة أو العواطف السريعة الوهن‬
                                    ‫عند الشباب المتهور. وفوق هذا قال فالح البنته "الحظ أقل عمى من الحب(23)".‬
‫وكانت السن القانونية للزواج هي الرابعة عشرة للذكور والثالثة عشر لإلناث. ولكن كان يمكن قانوناً أن تتم الخطبة في‬
    ‫سن السابعة، وهي التي حددها فالسفة العصور الوسطى مبدأ "سن العقل" وكانت الشهوة الجامحة عند الشبان تدفع‬
               ‫ا‬     ‫ا‬       ‫ا‬
    ‫بهم إلى مطاردة اآلنسات مطاردة عنيفة، إلى حد أن اآلباء زوجن بناتهن حالما كان ممكنً ميسورً تفاديً إلنفضاض‬
     ‫البكارة قبل األوان، وهكذا كانت المركيزة دي سوفبيف أرملة في الثالثة عشرة من عمرها. ولزمت بنات الطبقتين‬
  ‫الوسطى والعليا الدير حتى يتم اختيار األزواج لهن، وعندئذ يعجل بهن من حياة الدير إلى حياة الزوجية، وكان لزامً‬
  ‫ا‬
                 ‫ا‬
    ‫تشديد الحراسة عليهن في الطريق. وبهذا النظام القاسي المنافي لألخالق السيئ، كان كل النساء تقريبً عذارى عند‬
                                                                                                        ‫الزواج.‬
                                                     ‫ا‬
                                                  ‫وإذ احتقرت األرستقراطية الفرنسية التجارة والصناعة، ونادرً ما‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 47173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬
‫غطت الدخول اإلقطاعية نفقات اإلقامة في البالط وما تقتضيه من مظاهر، فإنها وطنت النفس على تزويج أبنائها للذين‬
  ‫توافرت لهم األرض ولم يتوافر لديهم المال، من بنات الطبقة البرجوازية العليا الالتي ال يملكون أرضاً، ولكن يملكن‬
‫كا ً. ولما اعترض ابن دوقة شولن على زواجه من ابنة التاجر بونييه ذات الصداق الكبير، أوضحت له أمه "أن زواج‬     ‫ال‬
   ‫المنفعة ممن هي دونك مرتبة، هو مجرد حصولي على الروث لتسميد األرض"(13). وفي مثل هذه الزيجات عادة،‬
  ‫كان الزوج النبيل أو ذو اللقب، وهو يستغل أموال زوجته، يذكرها من حين آلخر بأصلها الوضيع، وسرعان ما يتخذ‬
                                                 ‫ا‬
  ‫خليلة، وفي هذا خير شاهد على احتقاره لزوجته. ولم يغب هذا أيضً عن ذاكرة الطبقة الوسطى حين ساعدت الثورة.‬
         ‫ا‬     ‫ال‬            ‫ً‬       ‫ا‬
     ‫ولم يوصم الزنى بأية وصمة عار اجتماعي، في البيئة األرستقراطية، بل كان أمرً مقبوال باعتباره بدي ً سارً عن‬
       ‫الطالق الذي حرمته الديانة الوطنية. وقد يتخذ الزوج الذي يخدم في الجيش أو في األقاليم له خليلة، دون أن يبدي‬
    ‫ا‬                                                                                           ‫ال‬   ‫ا‬
 ‫لزوجته سببً مقبو ً للشكوى. وقد يفترقان الواحد منهما عن اآلخر، بالخدمة في الحاشية أو في الضيعة، وهنا أيضً قد‬
                     ‫ا‬
    ‫يتخذ خليلة ومذ كان عقد الزواج يتم دون الزعم بأن العاطفة يمكن أن تتجاوز عن الثراء فإن كثيرً من الزوجين من‬
   ‫النبالء عاشا فترة طويلة من حياتهما منفصلين، وأباح كل منهما لخآخر زالته، شريطة أن تكون هذه الزالت مستورة‬
        ‫بلباقة، كما تكون في حالة المرأة مقصورة على رجل واحد في نفس الوقت وأجرى مونتسكيو على لسان سائحه‬
     ‫ا‬
     ‫الفارسي قوله: "إن الرجل الذي يريد أن يستحوذ على زوجته له هو وحده يعتبر معكراً لصفو السعادة العامة، غبيً‬
                               ‫ا‬
 ‫يريد أن يستأثر باالستمتاع بضوء الشمس، ويحجبها عن سائر الناس(93)". وسئل يومً دوق دي لوزون الذي لم يكن‬
    ‫رأى زوجته طيلة عشر سنين، ماذا يقول لو أن زوجته أرسلت إليه تنبئه بأنها حامل، فأجاب، مثل أي سيد ماجد في‬
        ‫القرن الثامن عشر: "أكتب إليها ألقول إني مبتهج فرح ألن اهلل بارك زواجنا، اعتن بصحتك، سأحضر ألقدم لك‬
                                                            ‫ال‬      ‫ً‬
                                                           ‫إحتراماتي هذا المساء(17)" فالغيرة كانت أمرا مرذو ً.‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 77173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬


 ‫وكان بطل الزنى وفتى العصر ونموذج األناقة في ذاك الزمان هو لويس فرانسوا أرمان دي فينيرو دي بلسيس، دوق‬
       ‫ريشيليو حفيد أخي الكاردينال الصارم المتقشف. وقد انزلقت إلى مخدعه عدة سيدات نبيالت من ذوات األلقاب،‬
 ‫الواحدة تلو األخرى، تجرهن إليه مكانته وثروته وشهرته. ولمما وبخ ابنه وهو في العاشرة من عمره على بطء تقدمه‬
          ‫في دراسته الالتينية، أجاب في سرعة مفحمة: "أن أبي ال يعرف الالتينية، ولكنه مع ذلك يحظى بأجمل نساء‬
‫فرنسا(37)". وهذا لم يمنع اختياره لألكاديمية الفرنسية قبل فولتير، صديقه ودائنه، بثالث وعشرين سنة، وكان فولتير‬
     ‫يكبره بعامين. ومهما يكن من أمر فإن الرأي العام استهجن سلوك هذا الدوق ألنه كان يجلب إلى الملك النساء لهذا‬
   ‫الغرض الدنيء. ومنعته جيوفران من التردد على ندوتها ألنه يجمع بين عديد من أمهات الكبائر(77)". وعمر حتى‬
                                                           ‫بلغ الثامنة بعد التسعين، ومات قبل قيام الثورة بعام واحد.‬
        ‫وإذا كانت العالقة بين الزوجين على هذا النحو، فإننا نستطيع أن نتصور مصير أبنائهما. وكان النبالء يعتبرون‬
 ‫صراحة أن أبنائهم عوائق في طريقهم، ويدفعون بهم عند والدتهم إلى المرضعات، ويتولى تنشئتهم مربيات ومعلمون‬
  ‫خاصون، حيث يرون والديهم بين الحين والحين. وروى تاليران أنه لم ينم قط تحت السقف الذي نام تحته أبوه وأمه.‬
                 ‫ا ا‬
  ‫وكان من رأي األبوين أنه من الحكمة أن يباعدوا بينهم وبين أبنائهم، فكانت العالقة الحميمة أمرً شاذً، وكانت األلفة‬
       ‫أمراً غير معروف. فخاطب االبن أباه بقوله "سيدي" وقبلت البنت يد أمها. وإذ كبر األبناء أرسلوا إلى الجيش أو‬
                            ‫الكنيسة أو الدير. وكانت كل الممتلكات تؤول إلى االبن األكبر، كما كان الحال في إنجلترا.‬
                                                                                    ‫ا‬
 ‫واستمر أسلوب الحياة هذا سائدً في نبالء الحاشية، حتى ارتقاء لويس السادس عشر عرش فرنسا في 4223. وكشف‬
                       ‫ا‬
‫هذا األسلوب، من جهة أخرى، عن فقدان األيمان بالدين عند الطبقات العليا. وتخلى الناس تمامً عن مفهوم الزواج في‬
                                                                     ‫المسيحية، مثله في ذلك مثل مفهوم الفروسية في‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 17173‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> األخالق‬


                                    ‫ا‬                   ‫ا‬
   ‫العصور الوسطى. وأصبح الجري وراء اللذة والمتعة "وثنيً" بشكل أشد سفورً منه في أي وقت منذ عصر روما‬
‫اإلمبراطورية المضمحلة. ونشرت كتب كثيرة في "األخالقيات في فرنسا في القرن الثامن عشر"، ولكن كانت هناك‬
                     ‫ً‬       ‫ا‬
    ‫أيضً كتب كثيرة تعالج البذاءة والفحش بطريقة مدروسة متعمدة، وكانت أوسع انتشارً ورواجا ولو كانت سرية.‬        ‫ا‬
      ‫وكتب فردريك األكبر يقول :إن الفرنسيين وال سيما سكان باريس، أصبحوا اآلن مترفين منغمسين في الملذات،‬
               ‫ا‬
  ‫أوهنتهم المتعة والدعة"(17)وحوالي 9423 رأى مركيز دارجنسون في انحطاط الوعي الخلقي نذيرً آخر بكارثة‬
                                       ‫ا‬
    ‫وطنية: "القلب قوة نسلب أنفسنا إياها كل يوم ألننا ال نروضه وال ندربه أبدً. على حين أننا نشحذ الذهن ونصقله‬
 ‫باستمرار، فنصبح عقالنيين-ال عاطفيين-أكثر فأكثر... وإني ألتنبأ بأن هذه المملكة ال بد هالكة، نتيجة إلخماد القوى‬
      ‫ا‬
 ‫التي تنبع من القلب، إننا ال نكسب أصدقاء، ولم نعد نحب عشيقاتنا، فكيف نحب بالدنا؟... إن الناس يفقدون يومً بعد‬
     ‫يوم تلك الخلة الحميدة التي نسميها رقة الشعور. ويختفي الحب والحاجة إلى الحب... وحسابات المصلحة تشغلنا‬
                                                                                                  ‫ا‬
  ‫وتستنزفنا دائمً. وكل شيء سبيل إلى الدسيسة والمكيدة... وتنطفئ جذوة النار الداخلية (العواطف) ألننا ال نغذيها،‬
                                                                            ‫ومن ثم يزحف الشلل إلى القلب(47)".‬
 ‫وهذا هو صوت بسكال يردد مذهب طائفة بورت رويال (مذهب الجانسنيين) وصوت روسو، قبل ظهور جان جاك‬
  ‫بجيل واحد، أو صوت األرواح المرهفة الحس في أي عصر من عصور القلق الفكري والتحرير، ولسوف يطرق‬
                                                                                                    ‫أسماعنا ثانية.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 27173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬



                                                                                                       ‫1- العادات‬


 ‫لم ير التاريخ قط أخالقيات طائشة مثل هذه، مزخرفة مموهة بتهذيب ورقة في السلوك وأناقة في الملبس والحديث،‬
           ‫وتنوع في المتع والملذات، وفتنة في النساء، وكياسة متأنقة في المراسالت، وإشراق في الفكر والذكاء.‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 17173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬


      ‫"ولم يوجد قط في فرنسا من قبل، أو في أوربا المعاصرة... بل وال في العالم منذ وجد العالم، مجتمع مهذب ذكي‬
‫مبهج، مثل المجتمع الفرنسي في القرن الثامن عشر"(77) قال هيوم في 3423 إن الفرنسيين "أتقنوا بدرجة كبيرة ذلك‬
    ‫الفن، وهو انفع الفنون وأليقها أال وهو فن الحياة، فن المجتمع، فن الحديث"(17). ولم تستخدم كلمة "مدنية" إال في‬
        ‫ا‬
    ‫أخريات هذه الحقبة، فلم تظهر في قاموس جونسون 7723، وال في "المعجم الكبير" الذي صدر في 11 مجلدً في‬
                                                                                             ‫باريس في 1123.‬
 ‫وأحس الفرنسيون بالمدنية بوجه خاص في مالبسهم، ونافس الرجال النساء منافسة كبيرة في العناية بالثياب. واقتضى‬
‫الزي العصري السائد أن يلبس أفراد الطبقة العليا قبعات كبرى ذوات ثالث زوايا، مزدانة بالريش واألشرطة الذهبية،‬
  ‫ولما كانت هذه القبعات تفسد ترتيب شعورهم المستعارة، فإنهم وضعوا القبعات عادة تحت أذرعتهم. وكانت الشعور‬
                   ‫ا‬
          ‫المستعارة آنذاك أصغر مما كانت عليه أيام الملك العظيم (لويس الرابع عشر)، وكانت أكثر شيوعً حتى بين‬
  ‫الحرفيين. وكان في باريس ألف ومائتا حانوت للشعور المستعارة، يعمل فيها ستة آالف عامل. وكان الشعر الطبيعي‬
                                                           ‫ال‬
   ‫والمستعار يدهن بالمساحيق. وكان شعر الذكور طوي ً عادة، ويلم بشريط أو في كيس وراء الرقبة. وكانوا يرتدون‬
‫سترة طويلة زاهية اللون-من المخمل عادة-فوق البذلة الداخلة التي تكشف عن صدرة مفتوحة عند الحلق، وعن قميص‬
      ‫حريري رقيق، ورباط عنق عريض، وأكمام تنتهي إلى "كشكشات" مزخرفة عند المعصم. وكانت "بنطلونات"‬
 ‫الركوب القصيرة ملونة، والجوارب من الحرير األبيض. وكانت األحذية تشد بمشابك من فضة. ولبس أفراد الحاشية‬
 ‫أحذية ذات كعوب حمراء، عالمة مميزة لهم، واستخدم بعضهم عظام فك الحوت ليحتفظوا بأذيال ستراتهم ممتدة على‬
                                  ‫ا‬
   ‫نحو صحيح. وتزين بعضهم بالماس في عري ستراتهم. وكان الجميع يحملون سيوفً. وحمل بعضهم العصى. وكان‬
                                                                                           ‫ا‬
          ‫حمل السيف محرمً على الخدم وغلمان الحرفيين والموسيقيين(27). وكانت مالبس أفراد الطبقة البرجوازية‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 97173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬


‫بسيطة: سترة و "بنطلون" قصير من قماش عادي قاتم، وجوارب صوفية سوداء أو رمادية، وأحذية ذات نعال سميكة‬
 ‫وكعوب وطيئة. وارتدى الحرفيون وخدم المنازل األردية التي كان األغنياء ينبذونها. وتذمر ميرابو األكبر من انه ال‬
                                                                               ‫يستطيع التمييز بين الحداد واللورد!‬
  ‫وظلت السيدات تتمتعن بحرية أرجلهن داخل الرحاب الفسيح لتنوراتهن ذات األطواق الموسعة. وشجب رجال الدين‬
‫النساء الالئي ارتدين مثل هذه التنورات "بأنهن إناث قردة أو أعوان الشيطان" ولكن النساء أحببنها ألنها تضفي عليهن‬
 ‫جال ً حتى ولو كن حبالى. وتروي مدام دي كريكي "أنها لم تستطع أن تهمس أذن مدام دي اجمونت ألن التنورة ذات‬       ‫ال‬
     ‫األطواق الموسعة حالت دون اقتراب الواحدة منهما من األخرى"(17)أما حذاء السيدة ميالدي "ذو الكعب العالي‬
     ‫المصنوع من جلد ملون والمرصع بتطريزات من الذهب والفضة-فقد أضفى على قدميها فتنة تسلب األلباب إذا لم‬
   ‫يراهما أحد. وارتقى صانع حذائها إلى مصاف البرجوازية العليا بسبب إبداعه في فنه، وكم من قصة حب كتبت عن‬
‫قدم جميلة، وهي عادة حذاء جميل وكان مثيراً إلى مثل هذا الحد تقريباً، ذلك "الخف" المزين برسوم األزهار، الذي ال‬
     ‫نعل له، والذي كانت تلبسه ميالدي في البيت. وكانت مقيدة أيضاً األهداب والحواشي والمراوح والمالبس التحتية‬
        ‫المزخرفة التي كانت تجذب عين الرجل الزائغة أو تخفي جسم المرأة الحائرة في كل ناحية. وكان مشد الخصر‬
    ‫والردفين (الكورسيه) المصنوع من عظام فك الحوت يساعد على تشكيل هذا الجسم في القوام األنيق الذي يقتضيه‬
    ‫العصر ويالئم المكانة االجتماعية. وبرز جزء معقول من الصدر ليشهد باالمتالء المناسب المريح. وكان الحالقون‬
    ‫وضيعين بسطاء. ولم تظهر تسريحة الشعر العالية إال في 1123. وعالجت مستحضرات التجميل والتطرية لليدين‬
                                                                ‫ال‬
     ‫والذراعين والوجه والشعر. وتخلف الرجال قلي ً عن النساء في استخدام العطور. وكان وجه السيدة ينقش ويطلى‬
        ‫بالمساحيق، وتوضع عليه بطريقة بارعة لصوق تجميلية أو شامات من الحرير األسود مقطعة على شكل قلوب‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬


‫أو قطرات من الدموع أو أقمار أو نيازك أو نجوم، ويمكن أن يكون للسيدة العظيمة سبع أو ثمان من هذه اللصوق على‬
 ‫جبهتها، وصدغيها وقرب عينيها وعلى جوانب الفم. وكانت تحمل صندوقاً للصوق فيه شامات إضافية تعوض بها ما‬
 ‫قد يتساقط منها. وكانت المائدة في حجرة مالبس السيدة الغنية تتألق باألدوات والمواد الالزمة لها-صناديق من الذهب‬
       ‫والفضة أو الحجر الالزوردي، مخصصة لحفظ أدوات الزينة. وتألألت الجواهر الثمينة على الذراعين والرقبة‬
     ‫واألذنين والشعر. وكان يسمح للرجال ذوي الحظوة بالدخول إلى حجرة مالبس السيدة ميالدي ليجاذبوها أطراف‬
              ‫ا‬
   ‫الحديث، بنما كانت وصيفاتها تقمن بإعدادها لبرنامج اليوم. وكان الرجال في الطبقة األرستقراطية عبيدً للنساء كما‬
    ‫استعبدوا للزي السائد للنساء، أما الزي فيحدده مصممو مالبس النساء. وبعد 4123 أعرضت فرنسا عن محاوالت‬
‫تحديد الزي او المالبس، عن طريق قوانين ضبط اإلنفاق. واتبعت أوربا الغربية بصفة عامة أزياء فرنسا، ولكن كانت‬
    ‫هناك أيضً موجة معاكسة فإن زواج لويس الخامس عشر من ماري لزكزنسكا أتى بطرز بولندية وأدخلت الحرب‬    ‫ا‬
         ‫ضد النمسا والمجر أزياء مجرية، وعمل زواج الدوفين من األميرة اإلسبانية ماريا تريزا رافاييال على انتشار‬
                                                                                   ‫"الطرحة" في فرنسا من جديد.‬
            ‫ا‬      ‫ا‬              ‫ا‬      ‫ا ا‬
      ‫ولم تكن وجبات الطعام منمقة مزخرفة مثل الثياب، ولكنها تطلبت علمً دقيقً متنوعً، كما تطلبت فن ً رقيقً. وكان‬
      ‫المطبخ بالفعل النموذج الذي يحتذى في العالم المسيحي ومكمن الخطر فيه. وفي 9423 حذر فولتير قومه من أن‬
                  ‫ً ا‬
    ‫وجبات الطعام الثقيلة التي يتناولونها "قد تصيب آخر األمر أذهانهم بالتبلد"(97). وضرب مثال طيبً للغذاء البسيط‬
‫وسالمة العقل والفطنة. وكلما ارتقت الطبقة، ازداد ما تتناول من طعام. وعلى هذا كانت وجبة العشاء على مائدة لويس‬
‫الخامس عشر تتكون من حساء، وشواء من لحم تتكون من حساء، وشاء من لحم البقر، وطبق من لحم العجل، وبعض‬
     ‫الدجاج، والحجل والحمام، ثم الفاكهة الطازجة والفاكهة المحفوظة(11)ويقول فولتير "كان نفر قليل من الفالحين‬
                                                            ‫يذوقون طعم اللحم ألكثر من مرة واحدة في الشهر"(31).‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 31173‬
                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬


                                                                                        ‫ا‬
          ‫وكانت الخضراوات ضربً من الترف في المدينة حيث كان يصعب االحتفاظ بها طازجة. وانتشر أكل السمك‬
                                                ‫ا‬
  ‫"األنقليس". وكان بعض السادة الكبار ينفقون 117 ألف جنيه سنويً على المطبخ، وأنفق أحدهم 72 ألف جنيه على‬
‫مأدبة عشاء أعدها للملك والحاشية. وكان رئيس الخدم في البيوتات الكبيرة شخصية مهيبة تثير اإلعجاب، يلبس ثيابً‬
‫ا‬
‫فاخرة ثمينة، ويحمل سيفاً، ويتألق في إصبعه خاتم من الناس. وكانت النساء الطباخات موضع ازدراء واحتقار، وكم‬
‫طمع الطباخون وجهدوا في ابتداع أطباق جديدة ليخلدوا أسماء سادتهم، فأكلت فرنسا طبق شرائح لحم العجل المنظر‬
                   ‫ا‬
   ‫الجميل (بل في)-قصر مدام دي بمبادور المفضل لديها-"ودجاج فيلروا" وصلصة الميونيز، تخليدً لذكرى انتصار‬
    ‫ريشيليو في "ماهون"(71). وكانوا يتناولون األكلة الرئيسية في الساعة الثالثة أو الرابعة بعد الظهر، والعشاء في‬
                                                                                           ‫ال‬
                                                                                          ‫التاسعة أو العاشرة لي ً.‬
        ‫ا‬                                                                   ‫ا‬
‫وكانت القهوة آنذاك تنافس النبيذ شرابً.وال بد أن ميشيليه (المؤرخ الفرنسي 1923-4213) أحب القهوة كثيرً، حيث‬
‫رأى أن تزايد تدفق البن من شبه الجزيرة العربية والهند وجزيرة البوريون والبحر الكاريبي أسهم في انتعاش الروح‬
  ‫الذي ميز عصر االستنارة(11). وكانت كل صيدلية تبيع البن حبوباً أو القهوة المعدة للشراب على المنضدة الطويلة‬
    ‫بداخلها. وفي 7323 كان في باريس 111 مقهى، وفي 1723 زادت إلى 111، كما وجد منها عدد مناسب في كل‬
                      ‫ا‬      ‫ا‬                          ‫ا‬
    ‫مدينة في األقاليم وفي مقهى "بروكوب" وكان يسمى أيضً "كاف الكهف ألنه كان دائمً مظلم ً" كان ديدرو ينشر‬
   ‫أفكاره، كما كان فولتير يقصد إليه متنكراً ليسمع التعليقات على أحدث رواياته. وكان مثل هذا المقهى منتدى العامة‬
     ‫حيث يلعبون الشطرنج أو "الضامة" أو "الدومينو"، وفوق هذا وذاك يتجاذبون أطراف الحديث ألن الناس ازداد‬
                                                              ‫شعورهم بالوحدة والوحشة بازدياد السكان في المدن.‬

‫وكانت األندية عبارة عن مقاه خاصة، عضويتها مقيدة، وتغلب عليها رعاية مصالح من نوع محدد. وحوالي 3723‬
                                                                          ‫أسس الراهب آالري نادي‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 71173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> العادات‬


  ‫"دي ال نترسول" (عبارة عن طابق مسروق بين الطابق األرضي والطابق الذي فوقه، في دار الراهب، حيث كان‬
    ‫يجتمع نحو عشرين من رجال السياسة والقضاء والحكم واألدب ليتدارسوا شئون الساعة، دينية أو سياسية وكان‬
 ‫بولنجبروك هو الذي جاء بهذا االسم فأدخل لفظة ‪ CLUB‬إلى اللغة الفرنسية، وهناك شرح الراهب دي سانت بيير‬
  ‫برامجه لإلصالح االجتماعي والسالم الدائم، مما أزعج الكاردينال فليري فأمر بفض النادي في 3123. وبعد ذلك‬
   ‫بثالث سنوات أسس أيضاً أنصار جيمس الثاني الالجئون من إنجلترا في باريس أول دار فرنسية للبنائين األحرار‬
                                   ‫ا‬                               ‫ا‬
  ‫(الماسونيين)، كانت ملجأ للربوبيين، ووكرً للدسائس السياسية، وأصبحت منفذً للنفوذ اإلنجليزي ومهدت الطريق‬
                                                                                                ‫للفالسفة.‬
    ‫إن الرجال والنساء، وقد أصابهم الضجر والسأم من الكدح والنصب في أعمالهم اليومية كانوا يقصدون زرافات‬
      ‫ووحداناً إلى المتنزهات وقاعات الرقص والمسارح وفرق الموسيقى واألوبرا، وأولع األثرياء بالصيد والقنص‬
    ‫والبرجوازيون بالنزهات الخلوية. وكانت غابة بولونيا والشانزلزيه وحدائق التويرلري وحدائق لكسمبرج وحديقة‬
                         ‫ا‬
      ‫النباتات أو حديقة الملك، كما كانوا يسمونها آنذاك-أماكن مفضلة للتنزه في المركبات أو مشيً على األقدام، ولقاء‬
   ‫العشاق وعروض عيد الفصح. أما إذا لزم الناس بيوتهم فإنهم كانوا يتسلون باأللعاب المنزلية والرقص والموسيقى‬
                               ‫ا‬     ‫ً ا‬
    ‫والتمثيليات الخاصة. وكان كل إنسان يرقص. وكان "البالية" قد أصبح فنا ملكيً معقدً. ظفر الملك فيه بنصيب من‬
‫حين إلى حين. وكان راقص الباليه مثل كامارحو أو الجوسان معبود الجماهير في المدينة ومشتهى أصحاب الماليين.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 11173‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬



                                                                                                   ‫4- الموسيقى‬


   ‫كانت الموسيقى في فرنسا قد انحطت منذ تفوق للي على موليير في تسلية الملك األعظم فلم يكن هنا في فرنسا هذا‬
  ‫الجنون أو الولع الشديد بالموسيقى الذي أدى بإيطاليا إلى نسيان إذاللها أو خضوعها السياسي، وال التفاني الشديد في‬
                                                ‫أساليب التلحين، الذي أوجد القداسات الضخمة واأللحان الموسيقية‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 41173‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬


                                          ‫المطولة المبنية على رواية اإلنجيل آلالم المسيح في ألمانيا على عهد باخ.‬
 ‫وكانت الموسيقى الفرنسية في عصر انتقال من الشكل التقليدي إلى زخرفة الباروك، إلى رقة الروكوكو، ومن الطباق‬
  ‫المعقد ذي األلفاظ المشوهة للحن، إلى ألحان سلسة متدفقة وأفكار رئيسية رقيقة تتالءم مع الطبيعة الفرنسية. واستمر‬
‫مؤلفو الموسيقى يخرجون أغاني الغزل أو الهجاء أو أغاني حزينة تتحدى الفتيات، وتتحدى الملوك، وتستنكر العزوبة‬
    ‫والتواني. وامتدت رعاية الموسيقى من الملوك الذين يتطلبون العظمة والجالل إلى رجال المال الذين يدافعون عن‬
‫حظوظهم مع الفرق الموسيقية والمسرحيات والشعر مما يستأثر به القلة من ذوي الجاه والنفوذ. وأخرجت أوبرا روسو‬
   ‫"الموزيات األنيقات" (إلهات تسع تحمين الشعر والغناء في األساطير اليونانية) ‪ Les Muses Galantes‬في بيت‬
        ‫الملتزم العام بوبلنيير. وكان لبعض األغنياء فرق موسيقية خاصة بهم. وكانت العروض أو الحفالت المفتوحة‬
 ‫للجمهور مقابل رسم دخول، تقدمها بانتظام في باريس "فرق الموسيقى الروحية" التي أنشئت 7723 وتبعتها في ذلك‬
    ‫سائر المدن. وقدمت األوبرا في باليه رويال" في وقت متأخر بعد الظهر عادة، حتى إذا انتهت في الثامنة والنصف‬
  ‫ا‬
  ‫مساء، قصد المتفرجون للتنزه في حدائق التويلري، وأطربهم المغنون والعازفون في الهواء الطلق. وكان هذا واحدً‬
                                                                        ‫من المظاهر الفاتنة في الحياة في باريس.‬
  ‫وإنا لندرك من مطالعة كتاب ديدرو "ابن أخي رامو" كم من الملحنين والموسيقيين البارعين أقبل الناس عليهم إقبا ً‬
  ‫ال‬
     ‫شديداً في هاتيك األيام، على حين جر عليهم النسيان اليوم ذيوله. وثمة ملحن فرنسي واحد من تلك الحقبة خلف لنا‬
                                                                                                        ‫ال‬
     ‫أعما ً ال تزال تتشبث بالحياة. إن جين فيليب رامو أولع أيما ولع بالموسيقى. وكان أبوه عازف األرغن في كنيسة‬
        ‫سانت اتيين في ديجون. ويؤكد لنا كتاب السير المتحمسون أن جين استطاع في سن السابعة أن يقرأ أية موسيقى‬
       ‫توضع أمامه بمجرد زقزق نظره عليها. وفي الكلية استغرق كل جهده في الموسيقى إلى حد أن اآلباء اليسوعيين‬
                                                                                             ‫فصلوه، وبعد ذلك‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬


                                    ‫ا‬
    ‫كاد جين ال يفتح كتاباً إال في الموسيقى أو عن الموسيقى. وسرعان ما أصبح بارعً في العزف على األرغن والبيان‬
    ‫القيثاري والكمان مما لم يكن بعده زيادة لمستزيد في ديجون. ولما وقع الشاب في شراك الغرام، ورأى الوالد أن في‬
                                          ‫هذا مضيعة لمواهبه أرسله إلى إيطاليا ليدرس أسرار األلحان فيها (3123).‬
                                                                             ‫ا‬
    ‫ولما عاد جان إلى فرنسا، عمل عازفً على األرغن في كليرمونت فراند وخلف أباه في ديجون (9123-4323)، ثم‬
                                                                                ‫ا‬
       ‫رجع أدراجه إلى كليرمونت عازفً على األرغن، في الكاتدرائية (1323)، ثم استقر به المقام في باريس 3723.‬
       ‫وهناك في 7723 وهو في التاسعة والثالثين كتب مؤلفه الرائع عن النظرية الموسيقية في فرنسا في القرن الثامن‬
                       ‫ا‬
 ‫عشر "رسالة عن علم اإليقاع موجزاً في أسسه الطبيعة".وحاول رامو أن يبرهن أنه يوجد دائمً في التأليف الموسيقي‬
 ‫السليم، سواء كان موزعاً أو غير موزع-"قاعدة أساسية" يمكن أن تستمد منها كل األنغام التي فوقها، وأن كل النغمات‬
         ‫المتآلفة يمكن أن تستخرج من سلسلة إيقاعات النغمات الجزئية، وأن كل هذه األنغام يمكن أن تقلب دون أن تفقد‬
                                                  ‫ً‬
   ‫هويتها. إن رامو كتب بأسلوب ال يفهمه إال أكثر الموسيقيين تبحرا ومعرفة بالموسيقى، ولكن أفكاره سرت دالمبرت‬
        ‫الرياضي، الذي شرحها بشكل أوفى 7723 وإنك لتجد أن قوانين الترابط الوتري التي صاغها رامو، مقبولة في‬
                                                                                         ‫ا‬     ‫ا‬
                                                                  ‫عصرنا هذا أساسً نظريً للتأليف الموسيقي(41).‬
 ‫وشن النقاد هجومهم على رامو، فرد عليهم هو بتآليف وتفاسير، حتى حظي بالتقدير واإلجالل بما أخضع له الموسيقى‬
‫من قوانين، كما فعل نيوتن بالنسبة للنجوم(71). وفي 1723-وهو في سن الثالثة واألربعين تزوج من ماري ماجنو، إذ‬
   ‫ذاك في الثامنة عشرة. وفي 2723 وضع موسيقى مسرحية فولتير الغنائية "سمسون" ولكنهم حظروا إخراجها على‬
              ‫ا‬
‫أساس أن قصص الكتاب القدس ال يجوز تحويلها إلى أوبرا. وكان على رامو أن يكسب قوته بالعمل عازفً لألرغن في‬
                           ‫كنيسة "سانت كروادي ال بروتنيري. وبلغ الخمسين من العمر قبل أن يغزو مسرح األوبرا.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬
                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬


    ‫وفي 1123 قدم له الراهب بللجرين أوبرا "هبوليريت وأريسيمي" المبنية على رواية راسين "فدر" ولكن الراهب‬
                                                            ‫ا‬
  ‫حصل من رامو على صك بمبلغ خمسمائة جنيه ضمانً في حالة سقوط األوبرا. ولما مثلت على سبيل التجربة ابتهج‬
 ‫الراهب بموسيقاها أيما ابتهاج، إلى حد أنه مزق الصك في نهاية الفصل األول. ولما مثلت أمام الجمهور في أكاديمية‬
       ‫الموسيقى أدهشت المتفرجين بخروجها الجريء عن األنماط التي كانت قد أصبحت تقاليد مقدسة منذ عهد للي.‬
    ‫واعترض النقاد على ما أتى به رامو من إيقاعات جديدة غريبة، وتغييرات مبتدعة في طبقة الصوت وتعقيدات في‬
‫التوزيع الموسيقي بل أن الفرقة الموسيقية نفسها كرهت الموسيقى. وفكر رامو لبعض الوقت في التخلي عن محاوالته‬
 ‫في مجال األوبرا ولكن محاوالته الثانية ( ‪ )3217Les Indes Galantes‬حظيت بإعجاب المتفرجين بتدفق ألحانها‬
           ‫المنسقة، أما أوبرا ‪ 3212Castor Et Polluy‬فكانت من أروع االنتصارات في تاريخ األوبرا الفرنسية.‬
  ‫وأفسده النجاح، وتفاخر بأنه في مقدوره أن يحول أي نص إلى أوبرا جيدة وأن ينقل صحيفة أي جريدة إلى موسيقى.‬
                       ‫ا‬
 ‫وأنتج(11)سلسلة طويلة من األوبرات غير الهامة. ولما ضاق مديرو أكاديمية الموسيقى ذرعً به انصرف إلى تأليف‬
‫قطع للبيان القيثاري والكمان والفلوت. وأخذ لويس الخامس عشر-أو باألحرى مدام بمبادور-بيده، باستخدامه في كتابة‬
 ‫موسيقى رواية فولتير "أميرة نافار"، التي لقيت في فرساي نجاحاً أعاد له مكانته (7423) ونال رضا األكاديمية من‬
                 ‫ا‬                                                                           ‫ا‬
       ‫جديد، وكتب مزيدً من روايات األوبرا. ومذ ألفت باريس أسلوبه فإنها نسيت للي، ونادت برامو ملكً على دنيا‬
                                                                                           ‫الموسيقى بال منازع.‬
                                                                        ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫وفي 7723 وجد نفسه يواجه تحديً جديدً. ذلك أن بعض الفنانين العازفين والملحنين كانوا قد قدموا من إيطاليا. ومن‬
      ‫ثم بدأت حرب صاخبة بين الموسيقى الفرنسية والموسيقى اإليطالية التي بلغت ذروتها في السبعينات بالموسيقار‬
                                                    ‫بتشيني ينافس جلك ‪ .Gluck‬وفي دار األوبرا في باريس قدمت‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 21173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬


                                       ‫ا‬      ‫ال‬
    ‫فرقة إيطالية مع أوبرا برجوليزي "‪ "La Serva Randona‬فاص ً موسيقيً وهي من روائع األوبرا الهزلية ورد‬
‫أنصار الموسيقى الفرنسية على ذلك بالنشرات ويقطع رامو. وانقسمت الحاشية إلى معسكرين وناصرت مدام بمبادور‬
  ‫الموسيقى الفرنسية على حين دافعت الملكة عن الموسيقى اإليطالية، وهاجم جريم األوبرا الفرنسية بأسرها (7723)‬
     ‫وأعلن روسو أن الموسيقى الفرنسية بغيضة ال تطاق. والعبارة األخيرة في مؤلفه "رسالة في الموسيقى الفرنسية"‬
    ‫(1723) تدل أبلغ داللة على خلله العاطفي قال: "وفي اعتقادي أني قد أوضحت أن الموسيقى الفرنسية مجردة من‬
    ‫الوزن والتناغم معاً، ألن اللغة ال توفرها لها هذا أو ذاك. والغناء الفرنسي مجرد نباح وشكوى متصلتين وال تطيقه‬
 ‫األذن غير المتحيزة، وأن إيقاعها غير مستساغ وأنها ال تعبر عن شيء وال تشعر إال بما تلقت عن معلمها، وأن النغم‬
‫الفرنسي ليس نغماً، وأن المقاطع الصوتية الفرنسية ليست مقاطع صوتية. ومن ثم انتهيت إلى أن الفرنسيين ليس لديهم‬
                          ‫ال‬
                 ‫موسيقى، ولن يكون لهم شيء منها قدر لهم أن يكون لديهم شيء من الموسيقى فستكون وبا ً عليهم".‬
                       ‫ال‬
         ‫وانتقم أنصار الموسيقى الفرنسية بخمس وعشرين نشرة أصدروها ضد روسو، وأحرقوا تمثا ً على باب دار‬
                                                       ‫ا‬
 ‫األوبرا(21)واستخدم رامو، على كره منه، عنصراً رئيسيً في حرب المهرجين، فلما هدأت المعركة وأعلن انتصاره‬
   ‫فيها اعترف هو نفسه بأن الموسيقى الفرنسية ال تزال في حاجة إلى أن تتعلم الشيء الكثير عن الموسيقى اإليطالية،‬
         ‫وقا ل إنه لو لم تكن سنه قد كبرت إلى هذا الحد، لعاد إلى إيطاليا ليدرس طرق برجوليزي وغيره من األساتذة‬
                                                                                                    ‫اإليطاليين.‬
  ‫وكان رامو آنذاك في قمة شعبيته، ولكن كان له أعداء كثيرون قدامى وجدد. وأضاف إليهم بنشرة أصدرها يعرض‬
 ‫فيها أخطاءه التي وردت في المقاالت التي ظهرت عن الموسيقى في دائرة المعارف. فما كان من روسو، وهو كاتب‬
 ‫معظم هذه المقاالت إال أن انقلب عليه وازداد مقتاً له. أما ديدرو أبو دائرة المعارف فإنه كان السباب للملحن العجوز‬
                                                                                                  ‫في لباقة تبعث‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الموسيقى‬


                                                        ‫ال‬
  ‫على االحترام في "ابن أخي رامو" التي لم ينشرها تفض ً منه وكرماً، قال: إنه الموسيقار الشهير الذي خلصنا من‬
           ‫ا‬     ‫ً‬     ‫ا‬
‫موسيقى للي المتعددة األصوات التي ترنمنا بها ألكثر من قرن من الزمان، والذي كتب كالمً كثيرا خياليً غير مفهوم‬
             ‫ا‬
‫وحقائق غامضة عن نظرية الموسيقى-وهي كتابات لم يفهمها هو، وال أحد غيره قط. إنه أخرج لنا عددً من األوبرات‬
                                                                          ‫ا‬          ‫ا‬
  ‫التي يجد فيها المرء أنغامً متآلفة وشيئً من الغناء، واألفكار غير المترابطة والثرثرة في سرعة وجلبة، والحركات‬
                       ‫السريعة ومواكب النصر والحراب والمثل العليا وألحان الرقص... مما سيبقى إلى األبد(11).‬
   ‫وحين ظهر رامو في إحدى المقصورات 1123-وهو في سن السابعة والسبعين لمناسبة إعادة أوبرا "داردانوس"‬
               ‫ا‬                                                   ‫ا‬       ‫ا‬
  ‫وهي من إخراجه، لقي احتفاء وترحيبً حماسيً كاد يفوق ما قوبل به فولتير بعد ذلك بثمانية عشر عامً. ومنح الملك‬
 ‫براءة النبالة. وأعفته هو وأسرته ديجون الفخورة بابنها من الضرائب البلدية مدى الحياة. وانتابته وهو في قمة مجده‬
 ‫حمى التيفوييد، وذبل بسرعة وقضى نحبه في 73 ديسمبر 4123 وشيعته باريس باحتفال مهيب حيث ووري التراب‬
                                       ‫في كنيسة سانت أوستاش. وأقامت مدن كثيرة في فرنسا الصلوات تكريماً له.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 91173‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬



                                                                                                 ‫7- الصالونات‬


‫كانت باريس العاصمة الثقافية للعالم، أكثر منها فرنسا. قال ديكلوس "إن هؤالء الذين يعيشون على مسافة مائة فرسخ‬
‫من العاصمة إنما يبعدون عنها بمائة عام من حيث أساليب السلوك والتفكير(91)وربما لم توجد عبر التاريخ قط مدينة‬
‫تعج بحياة متنوعة األلوان. فالمجتمع المهذب المصقول وفنون األدب الرفيع ائتلفا في رباط وثيق مذهل. وكان الخوف‬
       ‫ال‬
    ‫من الجحيم قد زال عن الباريسيين المتعلمين وتركهم في حالة المرح واالبتهاج لم يسبق لها مثيل، ال يلقون با ً في‬
   ‫وثوقهم الجديد بأنه ليس هناك عمالق رهيب قدير في السموات، يسترق السمع إلى خطاياهم ويحصيها عليهم. ومن‬
                                  ‫تحرير الذهن على هذا النحو لم تنجم بعد آثار كئيبة من عالم مجرد من القداسة‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 14173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


        ‫ا‬                             ‫ا‬
     ‫والهدف الخلقي، عالم برتجف في زمهرير التفاهة والحقارة، وكان الحديث شائقً تتخلله الدعابة والمرح. وغالبً ما‬
 ‫انتقل إلى هزل ظاهري، وهنا كان التفكير ينحصر في ظواهر األمور خشية عدم العثور على شيء في أعماقها. وكان‬
                                        ‫ا‬
 ‫القيل والقال والفضائح تنتشر بسرعة من ناد إلى ناد ومن بيت إلى بيت، وكثيرً ما تطرق الحديث إلى آفاق خطيرة في‬
                                                    ‫ا‬
                                                   ‫السياسة والدين والفلسفة، مما قد يتيسر الخوض فيه اليوم إال نادرً.‬
  ‫وكان المجتمع متألقاً، ألن السيدات كن مبعث الحياة فيه، وكن المعبودات التي قدسها هذا المجتمع، وهن الالئي تولين‬
    ‫توجيهه، وبطريقة ما وبرغم العرف والعوائق أتيح لبعضهن قدر من التعليم يكفي لتبادل الحديث في فطنة وذكاء مع‬
       ‫أئمة الفكر الذين أحببن أن يستضيفوهم. ونافسن الرجال في االستماع إلى محاضرات رجال العلم(14). إذ عاش‬
                                                                                                       ‫ال‬
 ‫الرجال قلي ً في المعسكرات وطالت إقامتهم في العاصمة وفي الحاشية فقد تزايد إحساسهم بالمفاتن غير الملموسة في‬
   ‫النساء-رشاقة الحركة، عذوبة الصوت حيوية الروح ومرحها، بريق العينين، رهافة الذوق، الجزع المشوب بالحنان‬
‫والحب، النفس المشربة بالرحمة والشفقة. إن تلك الصفات جعلت المرأة محبوبة في كل مدينة ولكنا ربما ال نجد في أية‬
                ‫ا‬
 ‫ثقافة أخرى أن الطبيعة والتعليم والمالبس والحلي وأدوات التجميل والزينة قد جعلت من المرأة مخلوقً يسحر األلباب‬
       ‫بقدر مل كانت عليه في فرنسا القرن الثامن عشر. وكل هذا المفاتن والمغريات ال تستطيع على أية حال أن تفسر‬
    ‫سلطان المرأة وقوتها. إن الذكاء في معالجة الرجال وسياستهم أمر ضروري. وبارى ذكاء النساء عقل الرجال وفي‬
    ‫بعض األحيان تفوق عليه. وعرف النساء الرجال أفضل مما عرف الرجال النساء. والرجال يندفعون في تهور بالغ‬
     ‫إلى أفكار لتنضج حتى تفهم، على حين إن التراجع المحتشم المطلوب حتى من السيدة المتفتحة، هيأ لهل فسحة من‬
                                                              ‫الوقت للمالحظة والتجريب وتخطيط حملتها أو هجومها.‬
                                                                               ‫ً‬
      ‫وكلما ازدادت حساسية الرجل اتساعا وعمقاً، نما تأثير المرأة ونفوذها. وفتشت البسالة في ميدان الحب عن جزاء‬
                                                                                  ‫وفاق لها في الصالون وفي مخدع‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 34173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


                                      ‫ا‬                 ‫ا‬
‫المرأة وفي الحاشية على حد سواء. وكم اهتز الشعراء طربً حين وجدوا آذانً صاغية من الجنس الرقيق. وكم رفع من‬
       ‫ا‬
       ‫شأن الفالسفة تفضل السيدات ذوات التهذيب الرفيع والمكانة العالية باالستماع إليهم، بل إن أغزر العلماء علمً‬
                                              ‫ا‬                                               ‫ً‬
      ‫وأوسعهم إطالعا وجدوا في الصدور الناعمة وفي حفيف الرقص مثارً للفكر والعقل. وهكذا مارست المرأة قبل‬
 ‫"تحريرها" سيادة طبعت العصر بطابعها المتميز. وتذكرت مدام فيجي لبرون فيما بعد "كانت المرأة تحكم آنذاك، ثم‬
‫ثلت الثورة عرشها"(34). إن النساء لم يعلمن الرجال آداب السلوك والعادات فحسب، بل إنهن كذلك رفعن أو خفضن‬
     ‫ال‬
 ‫من درجاتهم في الحياة السياسية، بل حتى في الحياة العلمية. من ذلك أن مدام دي تنسان هيأت اختيار ماريفو بد ً من‬
‫فولتير، لعضوية مجمع الخالدين "األكاديمي فرانسيز) في 7423. وكان شعار "فتش عن المرأة" وسيلة النجاح، فإنك‬
                      ‫إذا عثرت على المرأة التي يحبها الرجل، كشفت عن المنفذ الذي تصل منه إلى الرجل الذي تريد.‬
                                   ‫ا‬        ‫ً‬
    ‫كانت كلودين الكسندرين دي تنسان-بعد بمبادور-هي السيدة األكثر إمتاعا وتشويقً بين النساء الالتي سيطرن على‬
 ‫فرنسا في النصف األول من القرن الثامن عشر. وقد عرفنا كيف هربت من أحد األديار، وأنجبت دالمبرت، واتخذت‬
         ‫لها مسكناً في باريس في شارع سانت أونوريه حيث استقبلت مجموعة متعاقبة من العشاق، بينهم بولنجبروك،‬
                                                ‫ا‬
          ‫ريشيليو، فونتنيل (صموت ولكنه نشيط قوي في سن السبعين) وعددً من الرهبان ومدير الشرطة في باريس.‬
     ‫وأضافت الشائعات أخاها بيير إلى قائمة المترددين عليها، ولكن ربما أحبته لمجرد أنها أخت حنون مصممة على‬
               ‫ا‬                                                                              ‫ال‬
       ‫تنصيبه كاردينا ً، إن لم يكن رئيساً للوزراء. وعن طريقه وعن طريق غيره دبرت أن تكون ركناً قويً في حياة‬
                                                                                                       ‫فرنسا.‬
                                                                                          ‫ال‬
 ‫إنها جمعت المال أو ً:. واستثمرته على طريقة دكتور لو، ولكنها باعت األسهم في الوقت المناسب. وقبلت الحراسة‬
                                ‫ً‬
                          ‫على ثروة شارل جوزيف دي ال فرزني، ثم أبت إعادتها إليه، فانتحر في دارها، تاركا وصية‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 74173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


        ‫يتهمها فيها بالسرقة (1723)، وأرسلت إلى الباستيل ولكن أصدقائها دبروا أمر اإلفراج عنها، واحتفظت بمعظم‬
                                                       ‫الثروة. وتحدت ثرثرة المدينة والحاشية، وخرجت منها سالمة.‬
                                            ‫ً‬
   ‫وحوالي 1723 أفاضت مدام دي تنسان إلى مخدعها صالوناً اتخذته سلما ترقى به إلى السلطة والقوة، واستقبلت فيه‬
                                                             ‫ا‬
     ‫مساء يوم الثالثاء من كل أسبوع، على مائدة العشاء عددً من الرجال البارزين، أطلقت عليهم "معرض الوحوش"‬
 ‫منهم مونتنيل، مونتسكيو، ماريفو، بريفوست، هلفشيوس، استروك، مارمونتل، هينولت، ديكلوس، مابلي، كوندرسيه،‬
                                                                                                          ‫ا‬
 ‫وأحيانً تشسترفيلد. وكانت المجموعة كلها من الرجال عادة ألن تنسان لم تكن تطيق على مائدتها أية منافسات. ولكنها‬
‫أطلقت "لوحوشها" العنان، ولم تغضب قط لرافضهم السافر للمسيحية. وتساوي كل الناس من كل الطبقات هناك، فكان‬
       ‫ً‬
 ‫الكونت النبيل في مستوى الرجل من العامة، وقد تروى التقاليد فيما بعد أنه هنا كانت تجري أكثر المناقشات تألقا ودقة‬
                                                                ‫طوال هذا القرن، قرن الحديث الذي ال حدود له(74).‬
 ‫وعن طريق ضيوفها وعشاقها وكهنة اعترافها استخدمت نفوذها لتحقيق أهدافها بطريقة سرية فيما بين فرنسا وروما.‬
     ‫ولم يكن أخوها طموحاً، بل كان يتوق إلى الباسطة في الحياة والهدوء في األقاليم، ولكنها وسعت حتى عين رئيس‬
                                                                                 ‫ا‬     ‫ً‬
‫أساقفة ثم كارديناالً، وأخيرا وزيرً في مجلس الدولة. وعاونت على أن تجعل من مدام شاتورو خليلة للملك، واستحثتها‬
        ‫ا‬
  ‫على حث الملك ليقود جيشه في الحرب. إنها رأت في بالدة لويس وتكاسله مصدراً لالضمحالل السياسي ونذيرً بهذا‬
    ‫االضمحالل. وربما كانت على صواب فيما فكرت فيه من أنها لو تولت رياسة الوزارة للقيت الحكومة نجاحاً أكبر،‬
                                                                                                 ‫ً‬
                     ‫وأظهرت نشاطا وحيوية أكثر. وناقش رواد صالونها في جرأة انحالل الملك واحتمال قيام الثورة.‬
‫وفي شيخوختها نسيت خطاياها، وانضمت إلى اليسوعيين وشنت الحمالت على الجانسينين، وتبادلت رسائل المودة مع‬
                                                                                     ‫البابا بندكت الرابع عشر الذي‬
                                                                                        ‫صفحة رقم : 14173‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


                                                                                      ‫ا‬
    ‫أرسل إليها صورته اعترافً منه بخدمتها للكنيسة. إن رقة الفؤاد التي ازدانت بها أخطاؤها، وجدت لها منافذ كثيرة.‬
   ‫ولما قابل الجمهور في بداية األمر كتاب مونتسكيو "روح القانون" (1423) بعدم االكتراث اشترت تنسان كل نسخ‬
                                                                             ‫ا‬
‫الطبعة األولى تقريباً، ووزعتها مجانً على أصدقائها الكثيرين. وتولت رعاية مارمونتل الشاب وأسدت إليه النصح أن‬
  ‫يعقد فوق كل شيء، أواصر الصداقة مع النساء، ال الرجال، وسيلة لالرتقاء والصعود في هذا العالم(14). وأصبحت‬
 ‫هي نفسها، في سني شيخوختها وضعفها األخيرة، كاتبة ومؤلفة، وسترت الطيش والحماقة بإغفال ذكر اسمها على ما‬
        ‫ألفت. وقارن أصدقاؤها النقاد قصتها بقصة مدام دي الفاييت (برنسيس دي كليف ‪.)Prnicesse De Cleves‬‬
    ‫وفارقت مدام تنسان الحياة في 9423 وهي في الثامنة والستين. وعندئذ تساءل فونتينل العجوز "أين أتناول العشاء‬
                                           ‫ا‬
 ‫مساء يوم الثالثاء اآلن؟" ولكنه أجاب لنفسه في ابتهاج على الفور "حسن ً"، عند مدام جيوفرين(44). وربما التقينا به‬
                                                                                                          ‫هناك.‬
                    ‫ا‬
    ‫كان صالون مدام دي دفاند قديماً قدم صالون تنسان، كما عمر مثل ما عمر صالون جيوفرين تقريبً. إن ماري دي‬
‫فيشي شامروند باتت يتيمة وهي في سن السابعة فوضعت في دير اشتهر بالتعليم، فبدأت تدرس وتتأمل في سن مبكرة‬
   ‫األوان، وكانت تلقي أسئلة تتسم بالتشكك إلى حد مزعج، وإذ وقعت الراهبة في حيرة من أمر الصبية وأسئلتها فإنها‬
                        ‫ا‬
          ‫أحالتها إلى الواعظ المتفقه ماسيون، الذي عجز عن تفسير المسائل الغامضة، فتخلى عنها يأسً من إنقاذها من‬
  ‫الضالل. وفي سن الحادية والعشرين أصبحت مركيزة دي ديفان بزواج تم عن تراض بين الطرفين، ولكنها سرعان‬
     ‫ما تبينت أن زوجها شخص مبتذل ممل إلى حد ال يحتمل، فافترقا بعد اتفاق وفر لها ثروة ال بأس بها. وفي باريس‬
    ‫وفرساي انصرفت إلى لعب الميسر في اندفاع شديد "لم أفكر في شيء إال القمار" ولكن بعد ثالثة أشهر منيت فيها‬
                                          ‫بخسائر فادحة، "توالني جزع شديد، وحزنت على ما أنا فيه، ونأيت بنفسي‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 44173‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


   ‫عن هذه الحماقة". وقضيت فترة قصيرة خليلة للوصي(74). ثم تنحت عنه إلى عدوته الدوقة دي مين. وفي مسكو‬
                             ‫ً‬
                 ‫التقت بشارل هنولت رئيس مجلس التحقيق العسكري، الذي أصبح عشيقاً لها، ثم صديقا مدى الحياة.‬
   ‫وبعد أن أقامت لبعض الوقت مع أخيها انتقلت إلى نفس الدار في شارع دي بون، التي قضى فيها فولتير نحبه. وإذ‬
                      ‫ا‬
 ‫اشتهرت بجمالها وعينيها البراقتين وذكائها الحاد، فإنها جذبت إلى مائدتها (حوالي 9123) نفرً من مشاهير الرجال‬
                                        ‫ا‬                                         ‫ً‬
   ‫الذين جاءوا ليؤلفوا صالونا يذيع صيته كما ذاع صيت صالون تنسان تقريبً: هنولت، مونتسكيو، فولتير، مدام دي‬
‫شانيليه، ديدرو، دالمبرث، مارمونتل، مدام دي ستال دي لونيه...... وفي 2423، وقد بلغت آنذاك الخمسين، وخفضت‬
‫من غلوائها بعض الشيء، استأجرت شقة جميلة في دير سان جوزيف في شارع سان دومنيك. وكان من عادة األديار‬
‫تأجير غرف للعرائس واألرامل والنساء الالئي افترقن عن أزواجهن، وكانت هذه المساكن عادة في أبنية خارج المبنى‬
‫األساسي الخاص بالراهبات. ولكن في حالة هذه المتشككة الثرية، كان المسكن داخل جدران الدير، والحق إنه المسكن‬
‫الذي كان قد آوى تحت سقفه مؤسسة هذا الدير اآلثمة، مدام دي مونتسبان. وتبع صالون المركيزة شخصها إلى مقرها‬
                                ‫ا‬
  ‫الجديد. ولكن ربما أزعجت البيئة المحيطة به الفالسفة، فلم يعد ديدرو يحضر ونادرً ما كان يجيء مارمونتل، وكان‬
   ‫جريم يتردد بين الحين والحين، وسرعان ما أنقطع دالمبرث. ومعظم المجموعة الجديدة في سان جوزيف كانوا من‬
 ‫ساللة األرستقراطية القديمة: مارشال لكسمبورج ومارشال ميربوا وعقيلتاهما، دوقا ودوقتا دي بوفلوز ودي شوازيل‬
     ‫ودوقات اجوبون وجرامونت وفليروا وصديق مدام دي ديفاند من أيام طفولتها ولمدى الحياة، وهو بونت دي فيل.‬
    ‫وكانوا يلتقون في السادسة، ويتناولون العشاء في التاسعة ثم يلعبون الورق والميسر؛ ويتناولون بالتحليل والتفصيل‬
                        ‫ا‬
          ‫األحداث الجارية في عالم السياسة واألدب والفن، ثم يفترقون. في نحو الساعة الثامنة صباحً. وكان األجانب‬
                                                        ‫البارزون، والوافدون على باريس يحتالون للحصول على‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 74173‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


   ‫دعوة إلى "مأوى النبالء" هذا. وروى لورد باث في 3723 "إني ألذكر أمسية دار الحديث فيها عن تاريخ إنجلترا،‬
                                       ‫ا‬
             ‫وكم دهشت وارتبكت حين وجدت أن هؤالء القوم عرفوا من تاريخ بالدنا خيرً مما عرفنا نحن عنه!(14).‬
 ‫وتفردت دي ديفاند بأصفى ذهن وأسوأ خلق بين صاحبات الصالونات فكانت مغرورة متغطرسة عيابة شكاكة، أنانية‬
    ‫أكثر مما يليق بالمرء أن يكون. ولما عالج كتاب هلفشيوس "الروح" ما ذهب إليه الروشفوكول من أن كل الدوافع‬
    ‫اإلنسانية أنانية، علقت هي بقولها في ازدراء "إنه إنما كشف عن سر كل إنسان"(24)وكانت تجيد الهجاء المشوب‬
      ‫بالحقد والضغينة كما فعلت في وصفها مدام دي شاتيليه. ولم تر في الحياة الفرنسية إال الجوانب التافهة الضعيفة.‬
        ‫وذهبت إلى ان الفقراء اشتركوا، بقدر ما سمحت به ظروفهم في رذائل األغنياء ومساوئهم. ولم تضف شيئاً إلى‬
  ‫التطلعات المثالية للفالسفة سوى ما جاءت به العقيدة العتيقة من أساطير مغرية مريحة للنفس. وتجنيب االستنتاجات‬
‫وآثرت العادات القويمة. واحتقرت ديدرو ونعته بأنه جلف ساذج. وأحبت دالمبرث ثم عادت فكرهته. وأعجبت بفولتير‬
    ‫ألنه سيئ السلوك حاد الذهن. والتقت به في 3723 وعندما هرب من باريس، ثم شرعت في 1123 تبادله الرسائل‬
                                     ‫ً‬
    ‫التي تعد من الروائع في األدب الفرنسي ولم تقل رسائلها عن رسائله. رقة وعمقا وصفاء وروعة ولكنها لم تبلغ ما‬
                                                       ‫بلغه في رسائله من لطف وسهولة وبعد عن التكلف والكياسة.‬
  ‫وفي سن الخامسة والخمسين بدأت تفقد بصرها، واستشارت كل متخصص في طب العيون، ثم بجأت إلى كل دجال‬
                                                   ‫ا‬
    ‫ومشعوذ. وبعد ثالث سنوات من الكفاح والعناء ذهب بصرها تمامً (4723)، ويومذاك أنذرت أصدقاءها بأنهم إذا‬
    ‫استمروا في شهود أمسياتها فإنه يجدر بهم أن يحتملوا السيدة العجوز الضريرة. وعلى الرغم من هذا قصدوا إليها.‬
                                                          ‫ا‬
 ‫وأكد لها فولتير من جنيف أن ذكاءها وفطنتها باتا أكثر تألقً مما كانت حتى وهي بصيرة، وشجعاها على المضي في‬
                                                                        ‫الحياة لمجرد أن تثير غضب من يدفعون لها‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 14173‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> األخالق والتعليم -> الصالونات‬


           ‫رواتبها السنوية. ووجدت في جولي دي لسبيناس شابة لطيفة نشيطة فاتنة تعاونها على أن تستقبل وتستضيف‬
       ‫األصدقاء. وكانت هي آنذاك تتصدر المائدة وكأنها هومر األعمى يتصدر مائدة مستديرة وحوله الحكماء وشعراء‬
                             ‫ا‬
‫المالحم البطولية، وكانت تتنقل هنا وهناك وقورة شامخة متحدية لمدة ستة وعشرين عامً آخر. وإنا لنأمل أن نلتقي بها‬
                                                                                                       ‫ا‬
                                                                                            ‫هي أيضً مرة أخرى.‬
                                                                                          ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫ولقد كان عصرً مشرقً زاهياً، ألن النساء تألقن فيه، وجمعن فيه بين الذكاء والجمال، مما لم يسبق له مثيل. وبفضلهن‬
      ‫ألهب الكتاب الفرنسيون الفكر بالعاطفة، وزينوا الفلسفة بالظرف وخفة الروح. وكيف كان يتسنى لفولتير أن يكون‬
   ‫ا‬
   ‫فولتير بغير وجودهن؟ حتى ديدرو الفظ الغامض اعترف بقوله "إن النساء عودتنا أن نناقش أشد الموضوعات جفافً‬
                                                          ‫ال‬      ‫ا‬
   ‫وتعقيداً، بشكل ساحر واضح، إننا نحدثهم حديثً متواص ً، ونريد منهن اإلصغاء إلينا، ونخشى أن يتوالهن التعب أو‬
‫الضجر. ومن ثم كنا نستخدم طريقة معينة في إيضاح آرائنا لهن في يسر وسهولة. وكانت هذه الطريقة تنتقل من مجرد‬
                                            ‫ا‬
  ‫الكالم إلى أسلوب"(14)وبفضل النساء أصبح النثر الفرنسي أكثر إشراقً ووضاءة من الشعر واكتسب اللغة الفرنسية‬
                                                                                                     ‫ا‬    ‫ا‬
       ‫سحرً رقيقً، ورشاقة في العبارة ولباقة في الحديث مما جعلها بهيجة ذات مكانة رفيعة. وبفضل النساء انتقل الفن‬
     ‫الفرنسي من طراز الباروك الغريب الشاذ إلى الشكل المهذب المصقول والذوق الرفيع، مما ازدانت به كل مظاهر‬
                                                                                                ‫الحياة في فرنسا.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 24173‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬



                                                                                                   ‫الفصل التاسع‬




                                                                                                   ‫عبادة الجمال‬




                                                                                           ‫3- انتصار الروكوكو‬


‫في هذا العصر، فيما بين الوصايا وحرب السنين السبع-عصر طراز لويس الخامس عشر-كانت النساء تتحدى اآللهة:‬
   ‫أي الفريقين أحق بالعبادة، وكان السعي وراء الجمال ينافس االنصراف إلى التبتل والورع، واالندفاع إلى الحرب.‬
 ‫وفي الفن والموسيقى، كما في العلوم والفلسفة، تراجع كل ما هو فوق الطبيعة أمام كل ما هو طبيعي. إن هيمنة المرأة‬
                                                                          ‫ا‬
‫على ملك حساس شهواني، هيأت اعتبارً جديداً أو مكانة جديدة للرهافة ورقة الوجدان. كما أن االتجاه إلى مذهب اللذة‬
 ‫والمتعة في الحياة الذي كان قد بدأ على عهد فيليب دي أورليان، بلغ ذروته في أيام بمبادور. وأصبح الجمال أكثر من‬
                                                                 ‫ا‬                          ‫ا‬
 ‫أي وقت مضى، أمرً ذا "قيم ملموسة" فكان شيئً يسر المرء أن يلمسه بيده أو تقع عليه عيناه، ابتداء من خزف سيفر‬
 ‫إلى لوحات بوشيه العارية. وتخلى المهيب الفخم عن مكانه للبهيج السار والجليل الوقور للرشيق الرقيق، وكبر الحجم‬
      ‫لفتنة الرشاقة، وكان الروكوكو فن أقلية أبيقورية غنية متلهفة على االستمتاع بكل لذة قبل انقضاء دنياها السريعة‬
        ‫ا‬
      ‫الزوال، وفي غمرة طوفان من التغيير تتعجل حدوثه. وفي هذا الطراز الدنيوي الصريح طفرت الخطوط فرحً،‬
     ‫ورقت األلوان، وخلت األزهار من األشواك، وتجنبت الموضوعات الفاجعة لتؤكد اإلمكانات الباسمة المشرقة في‬
  ‫الحياة، وكان الروكوكو آخر مرحلة في الباروك من تمرد الخيال على الحقيقة والواقع، ومن ثورة الحرية واالنطالق‬
 ‫ال‬
‫على النظام والقواعد. ومع ذلك لم تكن حرية مخلة، بل ظل إنتاجها يحتفظ بالمنطق والتركيب، ويعطي المغزى شك ً.‬
   ‫ولكنها كرهت الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة، ونفرت من التماثيل، وآلمها أن تترك أية قطعة أثاث دون نقوش.‬
                                                                                                         ‫وعلى‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 14173‬




                                 ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬


                                                                  ‫ا‬
‫الرغم من أناقة الروكوكو الجذابة، فإنه أنتج آالفً من األشياء التي ال يفوقها شيء في رشاقتها وزخرفتها. ولمدة نصف‬
                                          ‫قرن من الزمان جعل الروكوكو من الفنون الصغيرة أسمى فن في فرنسا.‬
                                                      ‫ال‬
   ‫وعلى قدر علمنا لم يوجد قط مثل هذا النشاط من قبل، وقلي ً ما كان مثل هذا التفوق واالمتياز، في مجاالت األعمال‬
     ‫ا‬       ‫ً‬                                                    ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫الجمالية، تلك المجاالت التي كانت يومً أقل شأنً. وفي تلك الحقبة صار الفنان والحرفي مرة أخرى شخصا واحدً كما‬
‫كان الحال في أوربا في العصور الوسطى، وكان هؤالء القادرون على تجميل الجوانب الخصوصية في الحياة موضع‬
                                                        ‫تكريم مع الرسامين والمثالين والمعماريين في هذا العصر.‬
         ‫ا‬
‫ولم يبلغ األثاث قط من قبل هذه الدرجة من الروعة واإلتقان. ولم يعد أثاث طراز "لويس الخامس عشر ضخمً مثل ما‬
   ‫كان في عهد الملك العظيم، وقد كان تصميمه مقصوداً للراحة، وال للعظمة والوقار، وكان أكثر مالءمة لجسم المرأة‬
                                                          ‫ال‬
      ‫ومالبسها، منه للجالل والتباهي، واتخذت األرائك أشكا ً شتى، لتتناسب مع األوضاع الجسمية واألمزجة. وكتب‬
      ‫فولتير "إن السلوك االجتماعي أيسر اليوم منه في الماضي، ويمكن أن ترى السيدات يقرأن على األرائك أو أسرة‬
     ‫النهار (سرير ضيق يحول في النهار إلى أريكة) دون أن يسببن أي إزعاج أو مضايقة ألصدقائهن ومعارفهن(3).‬
               ‫ا ال‬
   ‫وكان السرير يتوج بظلة رقيقة جميلة وتزين ألواحه بالصور والرسوم أو تنجد، وتنفش قوائمه نقش ً جمي ً. وطورت‬
  ‫أنماط جديدة من األثاث لتواجه حاجات جيل آثر فينوس على مارس (آثر آلهة الجمال على إله الحرب) وأخذ الكرسي‬
‫المنجد ذو الذراعين والوسادة الوثيرة (البرجير) واألريكة المكسوة بنسيج مزدان بالصور والرسوم، والكرسي الطويل‬
       ‫(شيزلنج) ومائدة الكتابة والقراءة (ما يوضع عليه الكتاب عند القراءة) ومنضدة الحوض في حجرة النوم والمائدة‬
      ‫المثبتة إلى الحائط تحت مرآة (الكونسول)، ومسند القدمين، والخزنة العالية ذات األدراج، وصان السفرة-كل هذه‬
                                         ‫األشياء أخذت آنذاك أشكالها، وفي الغالب أسماءها التي احتفظت في الواقع‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 94173‬
                                 ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬


  ‫بها إلى يومنا هذا. وأسرفوا في النقش وغيره من ألوان الزخرفة والتزيين إلى حد أثار رد فعل في النصف الثاني من‬
‫القرن، وتطعيم خشب األثاث با لصدف أو المعادن الذي أدخله أندريه شارل بولليه في عهد لويس الرابع عشر، وأهمله‬
   ‫أبناؤه من بعده، حيث كانوا نجاري األثاث لدى لويس الخامس عشر وغطت تشكيلة كبيرة من التطعيم سطح الخشب‬
  ‫الملون أو المكسو بقشرة رقيقة أو المدهون بورنيش الك "ووضع فولتير" أشغال الك "في فرنسا القرن الثامن عشر،‬
 ‫في مرتبة سواء مع ما كان يرد منها من الصين أو اليابان. أما الحرفيون من أمثال كرسنت، أو بورد اوبن، كافييري،‬
  ‫وميسونيه فقد بلغوا من التفوق والتبريز في تصميم األثاث وزخرفته درجة حدت بنجاري األثاث األجانب إلى القدوم‬
   ‫إلى فرنسا لدراسة أساليبهم، ثم نشروا الطراز الفرنسية من لندن إلى بطرسبرج. وجمع جوست أوريل ميسونييه بين‬
             ‫عشرة فنون أو تزيد، فبنى البيوت، وزخرف أجزاءها الداخلية، وصنع األثاث على أحدث طراز، وصنع‬
‫"الشمعدانات" واآلنية الفضية للمائدة وصمم علب السعوط وأغطية الساعات، ونظم المشاهد الفاخرة، وألف عدة كتب‬
                                               ‫دون فيها مهاراته وفنونه. وكاد أن يكون الرجل العالمي في زمانه.‬
‫وقد حلت األلفة والعالقات الحميمة في الحياة على عهد لويس الخامس عشر محل التمسك بالرسميات الذي ساد القرن‬
                             ‫ا‬
  ‫السابع عشر، فإن الزخرفة الداخلية انتقلت من الفخامة واألبهة إلى الرقة. وفي هذا أيضً بلغ العصر الذروة، فاألثاث‬
 ‫والبسط والسجاد والتنجيد والقطع الفنية، وساعات الحائط والمرايا، واإلطارات واألنسجة المزدانة بالصور والرسوم‬
     ‫والستائر واللوحات والسقوف والشمعدانات، حتى خزائن الكتب-صنعت كلها في تناسق في األلوان والطراز يسر‬
    ‫الناظرين. وقد يساورنا الظن بأن الكتب كانت تشترى للون جلدتها والمادة المصنوعة منها قدر ما تشترى من أجل‬
                                                                  ‫ا‬
‫محتوياتها، ولكنا يمكن أن ندرك هذه اللذة أيضً. وإنا لننظر بعين الحسد إلى المكتبات الشخصية الخاصة المرصوصة‬
                                                                                  ‫وراء الزجاج في خزائن جميلة‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17173‬




                                 ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬


  ‫مرتكزة على الحائط: وكانت حجرات الطعام نادرة في فرنسا قبل 1723، أما موائد الطعام فكانت تصنع بحيث يمكن‬
                       ‫ا‬
‫بسهولة تمديدها لمضاعفة عدد الجالسين إليها وإزالتها، ألن ضيوف العشاء قد يبلغون عدد كبيرً ال يمكن التنبؤ به. ولم‬
  ‫تعد المدافئ من ذاك الطراز الضخم الذي كان قد انحدر من العصور الوسطى إلى لويس الرابع عشر، ولكنها ازدانت‬
  ‫بزخرفة مترفة، وفي بعض األحيان (وهذا مثال نادر للذوق السقيم في هذه الحقبة) كانت تماثيل للمرآة تستخدم بمثابة‬
                                                               ‫ا‬
    ‫أعمدة تحمل رفوف المدفأة, وكانت كل التدفئة تقريبً عن طريق مدافئ مفتوحة تسترها حواجز مزخرفة، ولكنا كنا‬
                                                         ‫ً‬     ‫ا‬
  ‫نجد هنا وهناك في فرنسا، كما كان في ألمانيا، موقدً مكسوا بالخزف المزخرف. وكانت اإلضاءة بالشموع التي تثبت‬
   ‫بمائة طريقة مختلفة، تبلغ أقصى روعتها في الشمعدان الضخم المتألق، المصنوع من البلور أو الزجاج أو البرونز.‬
                ‫وإنا لنعجب من كثرة القراءة على ضوء الشموع، ولكن ربما قللت المشاق من إنتاج الهراء واستهالكه.‬
      ‫ومع تقدم القرن، حلت اللوحات الحائطية الزاهية األلوان والمزخرفة زخرفة رقيقة محل النسيج المزدان بالصور‬
                               ‫ا‬
    ‫والرسوم، وفي هذه الفترة كانت قمة ازدهار فن هذا النسيج. وفي كل أنواع النسيج تقريب ً-من الدمقسي والمطرزات‬
‫والمقصبات إلى البسط والسجاجيد والستائر الممتازة تحدت فرنسا في تلك األيام أفخر منسوجات الشرق. وتخصصت‬
‫أميان في المخمل المنقوش واشتهرت ليون وتور ونيم بالحرير المزركش. وفي ليون ابتدع جان بيلمنت وجان بابتست‬
     ‫هويه وغيرهما سجاجيد تعلق على الجدران ممهورة ومخيطة بموضوعات ومناظر صينية أو تركية أسرت لب‬
 ‫بمبادور. وكان هذا النسيج يصنع في مصانع المؤممة في باريس وبوفيه، وفي الحوانيت الخاصة في أوبيسون وليل.‬
 ‫وكانت هذه المنسوجات إذ ذاك قد فقدت وظيفتها في االنتفاع بها للحماية من الرطوبة والتيارات الهوائية، وأصبحت‬
                                                                                         ‫ً‬
   ‫للتزين فقط وغالبا ما صغر حجمها لتلتئم مع النزعة إلى تصغير الحجرات. وسار النساجون في مصانع الجوبالن‬
                                                                            ‫وبوفيه وفق التصميمات والرسوم‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 37173‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬


      ‫التي وضعها، واأللوان التي تصح باستخدامها أئمة الرسم في ذاك العصر، وكانت جميلة بصفة خاصة تلك القطع‬
     ‫الخمس عشرة التي نسجتها مصانع جوبالن (2323) وفق الرسوم التي أعدها شارل أنطوان كوبيل لتصوير قصة‬
                                                    ‫ا‬
 ‫"دون كيشوت". أما نساجو بوفيه فإنهم، كما سنرى أنتجوا قطعً رائعة من النسيج، صمم رسومها الفنان بوشيه. وفي‬
     ‫7323 أعيد تنظيم مصانع "سافونيري" وكانت في األصل لصنع الصابون-وأطلق عليها المصنع الملكي لصناعة‬
      ‫السجاد على طراز فارس والشرق األدنى وسرعان ما أنتج سجاجيد ضخمة امتازت برسوم دقيقة وألوان متنوعة‬
       ‫ووبر ناعم مخملي، وهذه أجمل سجاجيد ذات وبر في فرنسا القرن الثامن عشر. وكانت مصانع النسيج المزدان‬
   ‫ا‬
   ‫بالصور والرسوم هي التي تقوم بالتنجيد الذي يتطلب المثابرة وبذل أقصى الجهد لكراسي األثرياء، وال بد أن كثيرً‬
             ‫من األصابع المتواضعة الذليلة قد تعبت وتصلبت لتوفر لهؤالء األثرياء مقاعد وثيرة تقيهم عناء الجلوس.‬
   ‫وأقبل الخزافون الفرنسيون على عصر من المغامرة. وهيأت لهم حروب لويس الرابع عشر الفرصة. ذلك أن الملك‬
‫العجوز صهر ما لديه من فضة لتمويل جيوشه وأحل الخزف مكان الفضة، وأمر رعاياه بأن يحذو حذوه. وسرعان ما‬
   ‫لبت مصانع الخزف في روان وليل وسكو وستراسبورج وموستير سانت ماري ومرسيليا هذا المطلب الجديد. وبعد‬
‫موت لويس الرابع عشر شجع الميل إلى األطباق وغيرها من األشياء المصنوعة من الخزف-شجع الخزافين إلى إنتاج‬
  ‫أجمل ما عرف منها في تاريخ أوربا. ورسم مشاهير الفنانين من أمثال بوشيه وفلكونيه وباجو المناظر على الخزف‬
                                                                                         ‫ال‬
                                                                              ‫الفرنسي وابتدعوا أشكا ً كثيرة منه.‬
      ‫وفي نفس الوقت كانت فرنسا تتجه إلى إنتاج الخزف الصيني. وكانت أنواع متعددة من العجينة الملساء تصنع في‬
               ‫ا‬
       ‫أوربا منذ مدة طويلة ترجع إلى 7173 في فلورنسه و1213 في روان، وكانت كلها على أية حال تقليدً للنماذج‬
                                                           ‫الصينية. ولم تكن مصنوعة من العجينة الصلبة المأخوذة‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 77173‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬
        ‫من مادة الكاوين أي الصلصال الصيني، أو حجر الطفل الصيني الذي يذاب في درجة حرارة عالية في الشرق‬
       ‫األقصى. وإنما كانت من صلصال أقل صالبة يسخن في درجة حرارة منخفضة ثم يغطى "بالغربتة" وهي مادة‬
 ‫متكلسة أو شبه منصهرة ومصقولة. وحتى هذا الخزف الصيني المصنوع من العجينة الطرية-وبخاصة في شانتبللي،‬
                                                           ‫ال‬
‫وفنسن ومنسي-فيلروا (بالقرب من باريس) كان جمي ً جداً، واستمر استيراد الخزف المصنوع من الصلصال الصلب‬
   ‫ا‬
‫من الصين أو در سدن. وفي 1423 انتزعت مدام دي بمبادور مائة ألف جنيه من لويس الخامس عشر، و177 ألفً من‬
 ‫مصادر خاصة للتوسع في إنتاج الخزف من العجينة الطرية في فنسن. وفي 1723 نقلت عمال فنسن المائة إلى مبنى‬
  ‫أوسع وأوفى بالغرض في سيفر (بين باريس وفرساي) وهناك في 9123 بدأت فرنسا إنتاج الخزف الصيني الحقيقي‬
                                                                                     ‫من الصلصال الصلب.‬
                  ‫ال‬      ‫ا‬    ‫ا‬        ‫ا‬
      ‫وأفاد صائغو الذهب والفضة من أن ملك فرنسا استخدم من منتجاتهم رصيدً احتياطيً قوميً، محو ً السبائك إلى‬
   ‫أشكال مسرفة في الجمال، ولكن يمكن في الحال صهرها إذا دعت الضرورة. وفي عهد لويس الخامس عشر ازداد‬
   ‫طلب الطبقات المتوسطة على المشغوالت الفضية بوصفها أدوات نافعة أو وسائل للزينة. وتكاد كل أنماط السكاكين‬
 ‫التي نستخدمها اليوم تكون قد اتخذت شكلها الراهن في فرنسا القرن الثامن عشر: شوكات المحار، مالعق المثلجات،‬
  ‫مالعق السكر، أطقم الصيد، طقم الرحالت، سكاكين وشوكات األكل، أضف إلى ذلك مملحة المائدة، وفناجين الشاي‬
 ‫واألباريق واألواني وأدوات التجميل والشمعدانات، وكلها مزدانة بنقوش بديعة أو مصنوعة ف أشكال جميلة.. "وكان‬
     ‫أحسنها في هذا المجال طراز لويس الخامس عشر من بين كل الطرز الفرنسية(7)وصنع صائغوا الذهب والفضة‬
                                                                                          ‫ا‬
‫صناديق أو علبً صغيرة حملها الرجال والنساء على السواء، لحفظ السعوط أو األقراص أو المساحيق أو الحلوى، كما‬
         ‫صنعوا مائة صنف من األواني واألوعية والصناديق لمنضدة الزينة وحجرة النوم والمالبس، وكان في حوزة‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 17173‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> انتصار الركوكو‬


 ‫األمير دي كونتي مجموعة من ثمانمائة صندوق من مختلف األشكال، من المعادن النفيسة، وكلها رائعة متقنة الصنع.‬
   ‫واستخدمت مواد أخرى كثيرة لمثل هذه األغراض: العقيق، عرق اللؤلؤ، الالزورد.... وكان قطع الجواهر وتركيبها‬
                                       ‫االمتياز الذي تفرد به 171 من مهرة الحرفيين الذين ضمتهم نقابة الصائغين.‬
‫وحملت أشغال المعادن سمعة العصر في رقة القوالب واألشكال والصقل واإلتقان. واتخذت مناصب أو مساند الحطب‬
‫المشتعل أشكاالً خرافية من التصميمات أو الرسوم المعقدة من الحيوانات الخيالية عادة. واستخدم البرونز الذهبي اللون‬
‫لصنع أو زخرفة هذه المناصب والمشاعل والشمعدانات ذوات الشعب أو تحليتها بالزخارف، أو لتركيب ساعة الحائط‬
    ‫أو البارومتر أو حجر الشب أو الخزف الصيني. فبلغ البرونز الحديث ذروه استخدامه في القرن الثامن عشر، فكان‬
      ‫من الممكن أن تكون ساعات الحائط في أشكال ضخمة غريبة وساعات الجيب أو اليد صلبة جميلة-من البرونز أو‬
          ‫ا‬
   ‫المينا أو الفضة أو الذهب، ومزدانة بنقوش غاية في الجمال واإلتقان. وكانت المشاعل في بعض األحيان تحفً رائعة‬
         ‫في فن النحت، مثل تلك التي أبدعها فالكونيه لقصر فرساي. وكانت المنمنمات والرسوم الفاخرة من روائع هذا‬
    ‫العصر. وأنتجت أسرة واحدة هي أسرة رومتيير، خمسة أشكال من الرصائع (الميداليات) المحفورة على مدى قرن‬
   ‫من الزمان، تميزت كلها بدقة الصنع إلى أن األكاديمية الملكية للفنون الجميلة رحبت بانضمامها إليها، في عداد كبار‬
                  ‫ا‬
  ‫الرسامين والمثاليين. إن القرن الثامن عشر عرض في األشياء الصغيرة في الحياة أعظم ثروته خلوً من الهموم، كما‬
                     ‫ا‬                                                               ‫ا‬
‫عرض أكثر فنونه دقة وإتقانً. وقال تلليران "إن أولئك الذين لم يعيشوا قبل 9123 لن يدركوا أبدً إلى أي حد يمكن أن‬
                                ‫الحياة حلوة"(1)، إذا تسنى للمرء أن يختار الطبقة التي ينتمي إليها ويتفادى المقصلة.‬
                                                                                       ‫صفحة رقم : 47173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> فن العمارة‬



                                                                                               ‫7- فن العمارة‬


                                                                            ‫ا‬
    ‫وتجاهل فن العمارة الروكوكو تقريبً. وتتغير الطرز ببطء في البناء أكثر منها في الزخرفة ألن مقتضيات الرسوخ‬
      ‫والثبات أقل مرونة من تقلبات الذوق. وكانت األكاديمية الملكية لفن العمارة التي نظمها كولبير في 3113 يتولى‬
     ‫توجيهها اآلن ورثة تقاليد لويس الرابع عشر. وواصل روبرت دي كوت عمل جول هردوين مانسار الذي كان قد‬
        ‫أكمل قصر فرساي. وكان جرمين بوفران تلميذاً لمانسار، وكان جاك جول جبراييل وابنه جاك آنج خلفين غير‬
‫مباشرين لمناسار، ومن ثم حصر تيار هذه التقاليد مجراه في قوة وصالبة، واحتفظ هؤالء الرجال بطراز الباروك، بل‬
‫بالطراز نصف الكالسيكي، بالمظاهر الخارجية التي سادت في القرن العظيم، مثل األعمدة وتيجانها والعتبات، ولكنهم‬
                                                                ‫سمحوا بمسحة من الروكوكو فيما شادو من مبان.‬
  ‫وخفف ضعف اإليمان من حدة التحمس لبناء كنائس جديدة، ولكن جددت على أية حال واجهتا كنيستين قديمتين. ذلك‬
 ‫أنه في 1123 أقام روبرت دي كوت لكنيسة سانت روش أعمدة وقوصرة (مثلث أعلى الواجهة) كالسيكية. وفيما بين‬
      ‫1423-7423 زود جان نيقوال سرفاندوني كنيسة سانت سولبيس برواق ضخم ذي طابقين في مدخلها، قائم على‬
     ‫أعمدة دورية وأيويية من طراز بلالديو الروماني الكئيب، ولكن العمارة المدنية هي التي عبرت عن روح العصر‬
      ‫وتحولت فيما بعد عدة قصور بنيت في تلك الفترة إلى وزارات وطنية أو دور للسفارات األجنبية. من ذلك قصر‬
                                                                ‫ا‬
‫ماتنيون 3723 الذي أصبح سفارة النمسا، ثم دارً لرئيس الوزراء، وقصر البوربون (7723-1723) الذي أدمج جزء‬
                                  ‫ا‬
              ‫منه في مجلس النواب، وقصر سوبيز (الذي عدل بناؤه 7423) والذي أصبح دارً للمحفوظات الوطنية.‬
                                               ‫وفي عهد المركيز دي ماريني، مدير المباني، ازدهرت أحوال عدد‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 77173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> فن العمارة‬


    ‫كبير من المهندسين المعماريين والمثالين والرسامين ومهندسي الزخرفة، ووجد مساكن وأعماالً لهم ورأى أنهم‬
                                                                                       ‫ا‬    ‫ا‬
 ‫يؤجرون أجرً حسنً. وكان المهندس المعماري األثير لديه هو جاك آنج جيراييل الذي ارتضى التقليد الكالسيكي عن‬
   ‫طيب خاطر. وبعد صلح اكس الشابل (1423) انهمك إدم بوشاردون في إقامة تمثال فارس للملك لويس الخامس‬
        ‫عشر، وعهد إلى جبريل بتصميم المكان الذي يحيط بالتمثال. فوضع حول مساحة مكشوفة بين حدائق التويلري‬
  ‫والشانزليزليه، دائرة من "الدرابزينات" والحدائق الغائرة، وشاد في الطرف الشمالي قصر كحريون الحالي ووزارة‬
 ‫البحرية الحالية، وكالهما على طراز كالسيكي بحت، وعمد إلى تزيين الميدان بإقامة أربعة تماثيل أسطورية سرعان‬
      ‫ما أطلق عليها الباريسيون أسماء خليالت الملك-ميللي فنتيميل، شاتورو، بمبادور. وأطلق على الميدان اسم لويس‬
 ‫الخامس عشر، ونسميه اليوم ميدان الكونكورد. وقد يسرنا أن نعلم أنه كان هناك ازدحام في حركة المرور منذ مائتي‬
 ‫عام. وجيمس انجل جبرائيل هذا هو نفسه الذي شاد في 7723 المدرسة الحربية المتناسقة األجزاء إلى حد بالغ والتي‬
                                                        ‫تضاهي رشاقة أعمدتها مثيلتها في أية ساحة رومانية قديمة.‬
    ‫ولم تكن باريس هي وحدها التي جددت مبانيها وغيرت وجهها في هذا العصر ففي شاتنيللي عهد دوق بوربون إلى‬
                                                 ‫ً‬
‫جان أوبيرت بإقامة أسطبالت لجياده وكالبه، بلغت من الفخامة حدا يدعو إلى المقابلة بينها وبين أكواخ الفالحين. وفي‬
‫اللورين جعل ستانسالس لزكزنسكي من نانسي واحدة من أجمل مدن فرنسا، وهناك أكمل بوفران بناء الكاتدرائية التي‬
   ‫كان قد بدأها أستاذه جول هاردوين "انسار" وفيما بين عامي 1723-2723 أقام أمانويل هيري دي كورني "المدينة‬
  ‫الجديدة" في نانسي: دار البلدية من طراز الروكوكو، وميدان ستانسالس الذي يؤدي عبر حديقة عامة وقوس النصر‬
     ‫إلى ميدان دي الكاريير ودار الحكومة، وأحاط جان المور ميدان ستانسالس بحواجز من قضبان حديدية متصالبة‬
                            ‫(3723-7723) هي أجمل ما صنع من نوعها في الفن الحديث. وأقامت ليون آنذاك ميدان‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 17173‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> فن العمارة‬


                    ‫ا‬
         ‫كويس األكبر وافتتحت كل من نانت وروان وريمس وبوردو ميدان الملك. وشادت تولوز مبنى فخمً للبرلمان،‬
  ‫وأقامت روان نافورات جميلة وزينت الجسور الفخمة مدينة سنس. وعمت المتنزهات الواسعة نانت وبلوا ومونبلييه.‬
  ‫وفيما بين عامي 1123-1123 حول جان جاك جبراييل بوردو إلى مدينة حديثة ذات ميادين شاسعة وشوارع واسعة‬
‫ومتنزهات طلقة الهواء وواجهة جميلة تطل على المياه، وشيدت فيها المباني العامة على طراز عصر النهضة الرائع.‬
                                                                                                           ‫ا‬
         ‫وأخيرً تخطت العمارة الفرنسية الحدود، فعهد إلى رجال العمارة الفرنسيين بإقامة المباني في سويسرا وألمانيا‬
‫والدنمرك وروسيا وإيطاليا وإسبانيا. وفي أواسط القرن وحين ضعفت قوة فرنسا العسكرية ومكانتها السياسية نجد أنها‬
                                                                 ‫بلغت ذروة النفوذ والتأثير في مجال العادات والفن.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 27173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> النحت‬
                                                                                                      ‫1- النحت‬


                                   ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫خاض النحت في تلك الحقبة معركة مريرة في محاولة لالعتراف به فناً هامً كبيرً. وكانت مهمته قد اقتصرت لعهد‬
‫طويل على أن تكون زخرفية أو تزيينية. وفي عهد لويس الرابع عشر أقيمت التماثيل لتضفي زينة وبهاء على القصور‬
  ‫الفخمة والحدائق الشاسعة. أما اآلن فقد قل االهتمام بالنحت ألن الولع بالبناء قد استنفد أغراضه كما استنزف فرنسا،‬
                                            ‫ا‬                                  ‫ا‬
 ‫وقبع األغنياء في مبان أصغر حجمً، ولم تجد التماثيل الضخمة لها مكانً في قاعات االستقبال أو النوم. وشكا المثالون‬
    ‫من ان األكاديمية الملكية للرسم والنحت منحت معظم جوائزها للرسامين. واقترح بيجال أن يكون هناك مثال ملكي‬
‫على غرار الرسام أو المصور الملكي، وأيد بشخصه حملة طائفة سان ميشيل لكسر التقليد الذي جرى عليه العمل وهو‬
        ‫تكريم الرسامين وحدهم بمثل هذه المهمة. وانصرف المثالون على كره منهم إلى زخرفة البيوت بقطع صغيرة‬
  ‫وبالزهريات والنقوش البارزة، وسعوا إلى منافسة رسامي األشخاص بأن يشكلوا الجسم الفاني في صورة خداعة من‬
                      ‫البرونز أو الحجر الذي ال يبلى، ما داموا يتقاضون األجر. ولما تهيأ لبعض هؤالء المثالين مزيد‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 17173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> النحت‬


    ‫من الفرص للعمل اختاروا طراز الروكوكو الرشيق الطبيعي اللعوب المرح على حين ظلوا يحبذون وقار الخطوط‬
                                                                                                     ‫الكالسيكية.‬
   ‫وكما هو الحال مع الرسامين والحرفيين مال فن النحت إلى أن ينموا في أسرات بعينها. وساعد نيقوال كوستو أستاذه‬
              ‫ا‬
    ‫أنطوان كويسيفوكس في تزيين القصور الملكية في مارلي وفرساي، وصمم الشخصيات العظيمة، رامزً إلى أنهار‬
        ‫فرنسا، وهي اآلن في البلدية دار البلدية في ليون. وال يزال تمثاله "النزول من الصليب" في كنيسة نوتردام دي‬
                                                        ‫ا‬   ‫ال‬               ‫ا‬
  ‫باريس، و "الراعي الصياد" واحدً من اثنا عشر تمثا ً رائعً تغالب الزمن والجو في حدائق التويللري. ونحت غليوم‬
                                                                        ‫ال‬
      ‫كوستو األول األخ األصغر لنقوال، تمثا ً من المرمر لماري لزكز نسكا، مثل تمثال جونو(4) (زوجة جوبيتر في‬
                       ‫ا‬
   ‫األساطير الرومانية) كما نحت تمثال "جياد مارلي" القوية (1423-7423) لذلك القصر أساسً، ولكنها اآلن متمردة‬
  ‫على اللجام في المدخلين الغربي والشرقي لقصر الكونكورد. أما ابنه غليوم كوستو الثاني، فقد حفر للدوفين مقبرة في‬
                                                                                                ‫كاتدرائية سنس.‬
     ‫وأنجبت مدينة نانسي أسرة أخرى من الفنانين فورث جاكوب سجسبرت آدم أبناءه الثالثة النحت والعمارة، وقضى‬
     ‫لمبرت سجسبرت آدم عشر سنوات في الدرس والتحصيل في روما، عاد بعدها إلى باريس، حيث تعاون مع أخيه‬
        ‫األصغر نقوال سباستيان في إقامة نافورة "نبتيون وامفتريت" (إله وإلهة البحر) ف يحدائق فرساي ثم قصد إلى‬
‫بوتسدام حيث حفر لفردريك األكبر-هدية من لويس الخامس عشر-مجموعتين من الرخام-صيد الحيوان وصيد السمك-‬
       ‫لقصر سان سوسي. ثم رجع نقوال سباستيان إلى نانسي وشاد مقبرة كثرين أو بالنسكا في كنيسة نوتردام دي بون‬
                           ‫سيكور، وثمة أخ ثالث، وهو فرانسوا بلتازار جسبار، أسهم في تزيين عاصمة ستانسالس.‬
 ‫وهناك أسرة ثالثة من النحاتين بدأت بالمثال فيلبوكافييري الذي غادر إليطاليا في 1113 ليعمل مع ابنه فرانسوا شارل‬
                                                                                   ‫في خدمة لويس الرابع عشر.‬
                                                                                           ‫صفحة رقم : 97173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> النحت‬


                                             ‫ا‬
    ‫وثمة ابن آخر هو جاك كافييري الذي بلغ بعبقرية األسرة إلى الذروة متفوقً على كل معاصريه في أشغال البرونز.‬
‫وتنافست القصور الملكية كلها تقريباً في اإلفادة من فنه في زمانه. وفي قصر فرساي اشترك مع ابنه فيليب في المدفأة‬
 ‫في جناح الدوفين وفي صنع قاعدة برونزية من طراز الروكوكو لساعة الملك الفلكية المشهورة اآلن. وتعد التركيبات‬
                                         ‫والسنادات البرونزية التي صنعها لألثاث أثمن وأغلى قيمة من األثاث نفسه(7).‬
       ‫وارتضى آدم بوشاردون-الذي أسماه فولتير "فيداس" فرنسا(1) (نحات أغريقي في القرن الخامس ق.م)-ارتضى‬
                                                                                                              ‫ا‬
      ‫تمامً كل القواعد الكالسيكية التي نادى بها راعيه كونت دي كايلوس. وجد لعدة سنين مناناً لتمثال بيجال خيل لهذا‬
 ‫األخير أنه غلب على أمره. وأورد ديدرو ذكر بوشاردون في قوله "لم أدخل قط إلى مرسم (ستوديو) إال خرجت منه‬
       ‫بشعور من القنوط سيطر علي لعدة أسابيع"(2)ورأى ديدرو أن تمثال "الحب-كيوبيد"(1)الذي صنعه بوشاردون‬
   ‫مكتوب له الخلود، ولكنه ال يكاد يتلظى بنار الحب، وخير منه النافورة التي أقامها المثال نفسه في شارع جرينل في‬
   ‫باريس، وهي تحفة رائعة في جاللها الكالسيكي وعظمتها وفي 9423 عهدت إليه المدينة بصنع تمثال فارس للملك‬
         ‫ا‬
‫لويس الخامس عشر، وأكب على العمل فيه لمدة تسع سنين، وصبه في 1723، ولكن لم يمهله القدر ليراه قائمً وطلب‬
     ‫إلى السلطات البلدية، وهو على فراش الموت 7123، أن تكل إلى بيجال إكمال المشروع، وهكذا اختتمت المنافسة‬
     ‫التي طال أمدها بين هذين المثالين، فيما ينبئ عن اإلعجاب والثقة بينهما، ونصب التمثال في ميدان لويس الخامس‬
                                                 ‫ا‬      ‫ا‬
                                                ‫عشر، ثم جاءت الثورة الفرنسية فحطمته 7923 باعتباره رمزً بغيضً.‬
       ‫ونبذ جان بابتست ليمويين كل القيود والقواعد الكالسيكية، ألنها تحكم على النحت بالفناء. لماذا ال يعبر الرخام أو‬
  ‫البرونز-مثل صور األلوان المائية أو الزيتية عن الحركة والوجدان والضحك والفرح أو الحزن-مما تجرأت التماثيل‬
                                                               ‫الهللينية على أن تعبر عنه؟ وبهذه الروح صمم ليمويين‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 11173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> النحت‬


‫مقبرتي كاردينال فليري والرسام بيير مينارد لكنيسة سان روش، وكذلك في تمثال مونتسكيو الذي نحته لمدينة بوردو،‬
                                                    ‫ا‬             ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫أبرز المثال المؤلف "روح للقوانين" ساخرً مكتئبً شكاكاً، وسطً بين سناتور روماني وفيلسوف إقليمي يسخر من‬
      ‫أساليب الباريسين في حياتهم. وأصبحت تلك البسمة العابرة هي العالمة المميزة للعديد من التماثيل النصفية التي‬
‫صنعها ليمويين بأمر من الملك لكثير من رجال فرنسا البارزين. وانتصر هذا األسلوب التعبيري الممتع على كالسيكية‬
              ‫بوشاردون، وانتقل إلى بيجال وباجو وهودون وفالكونيه في عصر من اعظم عصور النحت في فرنسا.‬
                                                                                            ‫صفحة رقم : 31173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬



                                                                                                         ‫4- الرسم‬


  ‫كان الرسامون هم أصحاب اليد الطولى بين الفنانين آنذاك. وعكست سيطرة بوشيه مرة أخرى نفوذ النساء وتأثيرهن‬
                                                ‫ا‬
 ‫على الفنون، وأحست مركيزة بمبادور أن الرسامين قد أضاعوا كثيرً من الوقت مع أبطال الرومان وقديسي المسيحية‬
        ‫وآلهة اإلغريق، وقد آن األوان لينظروا إلى فتنة األحياء من النساء في أبهى حللهن وتورد خدودهن، ويبرزوا‬
       ‫بالخطوط واأللوان رشاقة العصر التي لم يسبق لها مثيل في تقاطيع الوجوه، وفي الثياب وفي العادات وفي كل‬
                                                                 ‫ا‬
 ‫الكماليات في حياة األقلية الثرية. وكانت المرأة يومً خطيئة، وهي تعلن أنها ال تزال خطيئة، لكن ال شيء إال أن تكون‬
       ‫أكثر إغراء وفتنة. إنها ثأرت لنفسها من تلك القرون المرعبة التي أذلتها فيها الكنيسة ودمغتها بأنها أس البالء،‬
‫ومصدر اللعنة. وسمح لها بدخول جنة ال يغشأها إال الخصيان بفضل عذرية أم اإلله فقط. وليس ثمة شيء ينم في جرأة‬
                                ‫أكبر على اضمحالل الديانة في فرنسا من زحزحة السيدة العذراء عن الفن الفرنسي.‬
      ‫وحل الملك واألرستقراطية ورجال المال محل الكنيسة في رعاية الفن. وفي باريس أصبحت أكاديمية سان لوك‬
                                                                                                    ‫ً‬
  ‫للرسامين منافسا ومستحثاً لألكاديمية الملكية للفنون الجميلة المحافظة المتمسكة بالقديم. وفي األقاليم نشأت أكاديميات‬
                                                    ‫إضافية في ليون ونانسي ومتز ومرسيليا وتولوز وبور وكلبرمنت‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 71173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


                                                                              ‫ال‬
 ‫فراند وبو وديجون وريمس. وفض ً عن جائزة روما السنوية وضعت اثنتا عشرة مسابقة وجائزة، بعثت في دنيا الفن‬
                                                                                      ‫ا‬
    ‫حركة دائبة واهتياجاً شديدً، وفي بعض األحيان كان الملك أو غيره من رعاة الفن، يواسون من لم يفوزوا في هذه‬
               ‫المسابقات بشراء بعض لوحاتهم أو منحهم بعض المال الذي يكفل لهم اإلقامة لبعض الوقت في إيطاليا.‬
   ‫وعرض الرسامون لوحاتهم في الشوارع، وفي بعض األعياد الدينية كانوا يثبتونها في الستائر التي تتدلى من نوافذ‬
   ‫األتقياء في الطرق التي يمر بها الموكب الديني. ورغبة في تعويق ما بدا للفنانين المعترف بهم أنه نهج غير مالئم،‬
     ‫استأنفت األكاديمية الملكية للفنون الجميلة في 2123 وبعد انقطاع ثالث وثالثين سنة، إقامة المعرض العام للرسم‬
 ‫والنحت المعاصرين في "القاعة المربعة" في متحف اللوفر. وهذا المعرض السنوي أو الذي كان يقام كل عامين بعد‬
                                                                ‫ا‬
       ‫3723 أصبح في أواخر أغسطس وطوال سبتمبر حدثً مثيراً في الحياة الفنية واالجتماعية في باريس، وفي دنيا‬
  ‫األدب، وجعل الصراع بين المحافظين في األكاديمية والمتمردين داخلها أو خارجها، من الفن معركة تنافس معارك‬
      ‫الحديث عن الجنس بل معارك الحرب الحقيقية في أحاديث الناس في العاصمة. واحتقر أنصار الخطوط البسيطة‬
 ‫المحتشمة غير المبالغ في زخرفتها، والتهذيب الذي يعاون على اإلصالح-كما كانوا هم أنفسهم موضع احتقار-أنصار‬
                                           ‫ا‬      ‫ً‬
     ‫اللون والتجريب واالبتكار والحرية. وأصبح النقد الفني عمال ناجحً. وكانت "تأمالت في فن الرسم" للكونت دي‬
    ‫كابوس تقرأ في إسهاب على المأل في األكاديمية. وروى جريم أنباء المعارض لقراء رسائله. وتخلى ديدرون عن‬
                                                                          ‫ا‬
‫هجومه على المسيحية ليصبح واحدً من أشد الفنيين معارضة في ذاك العصر. وأثار الحفارون على الخشب والمعادن‬
  ‫مثل جاك لي بلون ولورنت كارز الهياج بنشر نسخ مطبوعة من األعمال المشهورة وتزيين الكتب بالصور، وإنتاج‬
                               ‫روائع من عملهم هم أنفسهم. وكان لي بلون أول من بدأ الحفر باأللوان في 1723.‬
                                              ‫ولم يكسب الفنانون قط من قبل، اللهم إال في مجال الفنون الدينية،‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


 ‫مثل هذا الجمهور المتحمس، أو مثل هذه الرعاية على نطاق واسع. ويأت الرسام اآلن يوجه نشاطه إلى العالم بأسره.‬


                                                                                         ‫أ - في حجرة االنتظار‬


  ‫ارتفع عدد كبير من الرسامين إلى قمة المجد في تلك الحقبة، حتى أنه ليشق علينا هنا مجرد ذكرهم، ولسوف نعرض‬
                               ‫في تفصيل أكثر لبوشيه وشاردان والتور، ولكن هناك من قد يزعجهم إغفالنا ذكرهم.‬
  ‫فهناك الرسام المبرز جان فرنسوا دي تروي، ولكنه كانت تعوزه الحيوية، وكان رسمياً إلى درجة ال يصلح معها أن‬
                                                                                                 ‫ا‬
‫يكون عظيمً. وأحبه الجميع، ووافق إلى حد مبير على أن يستخدم مالمح وجهه وكأنها مالمح وجه السيد المسيح "آالم‬
                     ‫ا‬
  ‫المسيح في البستان(9)" ووجد في إغراء السيدات لذة أكثر منها في رسمهن، وترك وراءه كثيرً من القلوب الكسيرة‬
    ‫المحطمة واألعمال المشوهة، وزخرف فرنسوا ليمويين (ويجب أال تخلط بينه وبين المثال جان بابتست) عقد قاعة‬
                                                               ‫ا‬      ‫ال‬
  ‫هركيول في قصر فرساي بنحو 743 شك ً ضخمً، ونقل إلى تلميذه بوشيه فن إحالل اللون الوردي الذي تؤثره مدام‬
    ‫دي بمبادور محل اللون األسمر المائل للحمرة في لوحات رامبرانت واستبق شارل أنطوان كوبيل، وهو ابن وحفيد‬
                                    ‫ا‬
   ‫لرسامين، شاردان في رسم مشاهد الحياة اليومية وأحداثها، وقد التقينا به رسامً للوصي، وفي 2423 أصبح الرسام‬
                                                                               ‫األول للملك لويس الخامس عشر.‬
  ‫وقد سر فردريك األكبر باقتناء لوحته "سيدة أمام المرآة" لقصر سان سوسي، وال يزال اللوفر يعرض لوحته "الحب‬
 ‫واألميرة فاتنة الجمال التي أحبها كيوبيد" من نسيج الجوبالن المنقوش، وهي تركيب نفيس من طبيعة بشرية وقماش.‬
      ‫وحظي جان مارك ناتيير بشعبية ورواج في رسم األشخاص ألنه عرف، عن طريق الوضعة (كيف يكون وضع‬
‫المرء أمام الرسام) واللون وحركة الضوء، كيف يخلص الجالسين أمامه من العيوب أو التشويهات التي أصابتهن بفعل‬
                                                             ‫الوراثة أو أحداث الحياة، حتى أن كل السيدات الالتي‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 41173‬
                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


                     ‫ا‬
       ‫رسمهن، فيما عدا واحدة، سررن حين وجدن أنفسهن في لوحاته، فاتنات مغريات كما اعتقدن دائمً في أنفسهن.‬
‫ولوحته "مدام دي بمبادور" معلقة في فرساي، بشعرها الجميل الملون بلون خفيف، وعينيها الوديعتين اللتين ال تكادان‬
        ‫تكشفان عن لهفتها على السلطان والسيطرة وتنافس الملوك والملكات على الظفر بالفنان ناتيير. فقد رسم ماري‬
 ‫لزكزنسكا سيدة برجوازية تشرع في القيام بنزعة في الريف(13)وأنصف كل اإلنصاف جمال أدليد(33) ابنة الملكة.‬
‫وعندما زار بطرس األكبر باريس رسم ناتيير لوحتين له ولزوجته القيصرة، ودعاه بطرس لالنتقال إلى روسيا فأبى،‬
                                                       ‫ا‬
 ‫فما كان من القيصر إال أن حمل اللوحتين دون أن ينقده أجرً. وأحضر جاك أندريه أفيد المولود في الفالندروز بعض‬
              ‫لوحات فلمنكية واقعية تصور الناس كما هم، وال بد أن ميرابو األكبر جزع عندما رأى نفسه كما رآه أفيد‬
                                                   ‫فصوره(73). ولكنها على أية حال من أعظم لوحات هذا القرن.‬

    ‫وعلى كل هؤالء السادة الجالسين في حجرة االنتظار-حتى على بوشيه وشاردان-نجد جريم وديدرو يؤثران كارل‬
        ‫فانلو، وهو سليل أسرة كبيرة من الرسامين تحمل اسم فانلو، نعرف منهم تسعة بأسمائهم. ولد في نيس 7123.‬
                              ‫ا‬
‫واصطحبه معه رفيقه الرسام جان بابتست إلى روما حيث درس باألزميل والفرشاة معً. وفي باريس فاز بجائزة روما‬
                                                                       ‫ا‬     ‫ال‬
 ‫4723، ثم قضى في إيطاليا فص ً دراسيً آخر، عاد بعده إلى فرنسا وأراضي األكاديمية وأغضب بوشيه، بأتباعه كل‬
                   ‫ا‬
    ‫القواعد األكاديمية. وحيث أنه أفزع كل جهده وقضى كل وقته في االشتغال بفنه، ولم يدخر منه شيئً ليتعلم القراءة‬
    ‫والكتابة والعادات القويمة والحديث المهذب، فإن مدام بمبادور نفرت منه ف شيء من االشمئزاز(13)بأنه "وحش‬
   ‫مزعج" ومع ذلك عهدت إليه برسم (مناقشة إسبانية). ولفترة وجيزة ارتضى مزاج العصر، ورسم سيدات متشحات‬
              ‫ا‬
     ‫بأردية ملتصقة بأجسامهن، ولكنه سرعان ما ركن إلى الرزانة والهدوء في حياة أسرية نموذجية، فخورً بزوجته‬
                                                                                     ‫ً‬
                      ‫البارعة المصقولة ولوعا بابنته كارولين. وفي 1723 اشترك مع بوشيه في زخرفة قاعة المجلس‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


    ‫الرائعة في قصر فونتنبلو، وبلغ درجة كبيرة من الشهرة إلى حد أنه عندما اتخذ مقعده في الكوميدي فرانسيز، بعد‬
‫مرض عضال كاد يودي بحياته، نهض الحاضرون وحيوه وصفقوا له مظهرين بهذه العالقة الوثيقة بين الفن واألدب‬
                                                                           ‫في هذا العصر الذي تميز بثقافة عالية.‬
‫وسجل جان بابتست أودري رحالت الصيد الملكية في أعمال النقش والرسم على القماش. واختارته الملكة معلماً لها.‬
     ‫وكانت تتوالها الدهشة والعجب حين تراقبه وهو يعمل. وزودت بعض قطعه المنقوشة نساجي القماش بتوجيهات‬
                                             ‫ا‬
   ‫ونماذج ممتازة يهتدون بها في عملهم، وسرعان ما عين أودري مديرً للمصنع الملكي في يوفيه، فلم يجد هناك إال‬
‫الفوضى والتدهور، فأعاد تنظيم العمل في حزم وشدة، وأثار همم العمال بحماسته؛ وصمم لهم سلسلة من قطع النسيج‬
                        ‫ً‬                                                               ‫ا‬
‫المزدان بالرسوم، موضحً بصور الحيوانات المبهجة قصص الفونتين الخرافية. وهناك أيضا وضع الرسم التمهيدي‬
 ‫للمجموعة األخاذة من النساء والوحوش المعلقة في اللوفر، في "ديانا دي بورتيير". وتملكت النساجين في الجوبالن‬
       ‫الغيرة من النجاح الذي أصابه مصنع بوفيه، فاقنعوا الملك بنقل أودري إلى المصنع القديم، وهناك أفنى نفسه في‬
  ‫صراع مرير لحمل النساجين على قبول األلوان التي وضعها. وفي الوقت نفسه أسهم في كل من بوفيه وباريس في‬
‫ا‬                                 ‫ا‬
‫تدريب المواهب والقدرات المتشعبة لدى أكثر فناني منتصف القرن في فرنسا امتيازً وتألقاً، وأكثر من نال منهم تعنيفً‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                                                                        ‫قاسيً.‬


                                                                                                         ‫ب - بوشيه‬




                                                                                                    ‫1123 - 1223‬


‫استمع إلى ديدرو وهو يتأمل في لوحات بوشيه العارية: أية ألوان، وأية تشكيلة، وأية وفرة في المواد والفكار! إن هذا‬
‫الرجل توفر لديه كل شيء إال يصدق. إن انحطاط الذوق واللون، وأسلوب التركيب، والشخصية والتعبير، كل هذا تبع‬
‫خطوة بخطوة انحالل الخلق.... وماذا عسى هذا الرجل أن يرسم إال ما تصوره في خياله؟ وماذا يمكن أن يتخيل رجل‬
                                                                ‫يقضي حياته برفقة نساء المدينة؟..... إن هذا الرجل‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11173‬




                                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


 ‫ال يمس بفرشاته إال ليبرز األرداف والصدور. إنه ال يدرك ما هو الجمال.... فإن الكياسة واألمانة والبراءة والبساطة‬
      ‫أصبحت كلها غريبة عليه. إنه لم ير الطبيعة لحظة واحدة قط، وعلى األقل الطبيعة التي تدخل البهجة على نفسي،‬
    ‫وعلى نفسك، مثل طفل كريم المولد، أو امرأة ذات وجدان حي. إنه مجرد من الذوق.... والواقع إنه في تلك اللحظة‬
                                                                  ‫بعينها، عين الرسام األول للملك (7123)(43)".‬
    ‫ويحتمل أال يكون بوشيه قد اطلع على هذا النقد قط ألنه كان موجهاً إلى قراء جريم األجانب. فلنلق نحن نظرة على‬
                                                                    ‫الفنان دون نية مبيتة للحقد عليه أو اإلساءة إليه.‬
                               ‫ال‬                                                            ‫ا‬        ‫ا‬
 ‫كان بوشيه ابنً صميمً من أبناء باريس. وكان أبوه يشتغل بوضع التصاميم، يملك مح ً بالقرب من اللوفر، ولقن ابنه‬
                                                           ‫ً‬
    ‫فرنسوا مبادئ الرسم والنحت، وإذ أظهر الفتى استعدادا وموهبة فقد تتلمذ على النقاش لورنت كارز ثم على الرسام‬
  ‫فرنسوا اليمويين. وحيث اشتغل برسم المشاهد لألوبرا، فإنه اجتمع هناك بنفر من الممثالت وبنات الفرقة الموسيقية.‬
‫وانغمس في مباذل عهد الوصاية، بقدر ما أتاحت له إمكاناته(73)ويروي لنا إنه وقع مرة في حب رومانتيكي مع بائعة‬
                   ‫ا‬                  ‫ا‬
       ‫فاكهة جميلة اسمها روزيت، وبدا له أنه قد تجسدت فيها البساطة والطهارة معً، فاتخذ منها نموذجً للوحة لمريم‬
    ‫العذراء، أفرغ فيها كل ما تبقى له من تقوى طفولته وصباه. ولكنه، وهو لم يكمل بعد هذه اللوحة انزلق إلى اتصال‬
‫جنسي غير شرعي، وحين حاول أن يكملها أفلت من الوحي واإللهام، كما أفلتت من روزيت. ولم يسترجع قط لحظات‬
                                                                                    ‫هذا الخيال الرقيق اللطيف(13).‬
                                    ‫ا‬
     ‫وتطورت مهارته ونمت بسرعة تحت إرشاد ليمونيين. وفي هذا المرسم تعلم شيئً من نزعة كوريجيو إلى األشكال‬
‫النسوية ذات التقاطيع الكالسيكية والرقة الناعمة. وفي قصر لكسمبرج درس اللوحات الزيتية المتألقة على القماش التي‬
     ‫كان روينز قد حول فيها الحياة لماري مديتشي إلى ملحمة من اللون "وعظمة الشباب". وفي 1723، وهو في سن‬
                                                                                         ‫العشرين فاز بجائزة رومه‬
                                                                                            ‫صفحة رقم : 21173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


     ‫التي أهلته لإلقامة الكاملة في باريس لمدة ثالث سنوات، مع راتب قدره 111 جنيه، ثم أربع سنوات في روما. وإنا‬
 ‫لنحصل على صورة حياة الطالب في عهد الوصاية إذا علمنا أن رفاق الفائز بهذه الجائزة حملوه على األكتاف وطافوا‬
                                                                                             ‫به حول ميدان اللوفر.‬
       ‫وفي 2723 رافق كارل فانلو إلى إيطاليا. ويقول مدير األكاديمية الملكية الفرنسية في روما وجد "للشاب الصغير‬
                                                                                    ‫ا‬      ‫ا‬
      ‫المدعو بوشيه.... جحرً صغيرً في غرفة، وأسكنه فيه، وأخشى أال يزيد حقيقة عن جحر، ولكنه على األقل سيقيم‬
                                                                                 ‫ا‬
‫تحت سقف(23). ولكن لم يكن لزامً على الشاب المتواضع، كما وصفه المدير، دوماً أن ينام في هذا الجحر، ألنه وجد‬
                                     ‫ً‬
   ‫كثيرً من المضاجع ترحب به في روما. وإنه لمن عالءم تغير الذوق إنه لم يبد ولعا بأعمال رافاييل أو ميكل أنجيلو،‬‫ا‬
                                                 ‫ولكنه عقد أواصر الصداقة مع تيبولو (رسام فينيسي 1913-1223).‬
                     ‫ا‬
  ‫ولما عاد إلى باريس (3123) استمر يوقد الشمعة من طرفيها (يمسك بالعصا من وسطها)، ونادرً ما كان يقنع بشيء‬
 ‫إال المعرفة المباشرة بنماذجه، ومع ذلك وجد فسحة من الوقت ليرسم بعض لوحات رائعة مثل "اغتصاب يوروبا" في‬
   ‫األساطير اليونانية (أميرة فينيقية أحبها زيوس واختطفها) وهي من بين عروضه التي ال تحصى لشكل المرأة. وخيل‬
      ‫إليه في 1123 أنه وقع على فينوس نفسها في نموذجه جين بوزو، وعلى الرغم من انه أحس "بأن الزواج ال يلتئم‬
                                                      ‫ال‬
 ‫معه"(13)فإنه اتخذ منها زوجة، ولم يرع عهد الزوجية إال قلي ً. وكالت له هي بنفس الكيل. ومن المحتمل أنها جلست‬
‫أمامه ليرسم لوحة "رينوو آرميد(93)" التي كسبت له العضوية الكاملة في أكاديمية الفنون الجميلة (4123). وحينذاك‬
      ‫عهد إليه لويس الخامس عشر برسم مناظر سارة في حجرة نوم الملكة التي كانت ال تزال تتمتع بحبه، وعند إعادة‬
            ‫افتتاح المعرض 2123 اتسعت شهرة الفنان وكثر رعاة فنه. ولم يذق بعد ذلك طعم الفاقة، ولم يعد له منافس.‬
                                                 ‫وتخصص بوشيه في رسم "العاريات" وحتى زواجه لم يكن قد تريث‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


                                                                                                       ‫ً‬
 ‫طويالً إال نادرا مع امرأة واحدة ليكشف شيئاً أكثر من بشرتها. ولكنه كان قد وجد أن ذلك المظهر الخارجي ممتع بال‬
      ‫حدود، وبدا أنه عقد العزم على رسمه من كل األركان والزوايا، وفي كل األشكال واألوضاع، من الشعر األشقر‬
                             ‫ا‬      ‫ً‬
                            ‫الحريري الناعم إلى األقدام العارية التي لم تنتعل قط. وكان بوشيه هو الروكوكو قلبا وقالبً.‬
     ‫ا‬
     ‫ولكنه كان أكثر من ذلك. وعلى الرغم من ان النقاد المتأخرين عابوا عمله من الناحية الفنية، فإنه كان بالفعل فنانً‬
     ‫حاذقً في التأليف واللون والخط، على أنه ف بعض األحيان تعجل في العمل، ولم يعط الفن حقه رغبة في سرعة‬         ‫ا‬
                                                       ‫ا‬
‫الحصول على األجر، وهلل كثير من المعاصرين إعجابً بروح التأثيرية الثورية في لوحاته وخصوبة خياله والرشاقة‬
              ‫البسيطة في خطوطه. وقال ديدرو الذي ناصبه العداء، "لم يعرف أحد قدر ما عرف بوشيه، فن الضوء‬
 ‫والظل(17)وكاد أي فرع من الرسم والتصوير أال يروغ من مهارته. إن هؤالء الذين ال يعرفون منا إال بعض لوحاته‬
    ‫الزيتية وقطعه المصورة على القماش ليدهشون إذ يعلمون أن "شعبية بوشيه ترجع إلى رسوماته قدر ما ترجع إلى‬
‫لوحاته الزيتية(37). وكانت رسوماته مادة ثمينة طيلة حياته، وتنافس في الحصول عليها مشاهير جامعي الرسومات.‬
       ‫وكانت تشتري لتستخدم مساند أو حوامل، وتعلق في حجرات النوم والجلوس على الجدران، وكانت من عجائب‬
   ‫االقتصاد-نقرة في الخد تعبر عنها نقطة أو بقعة صغيرة وبسمة يطبعها خط، وكل بريق وحفيف التنورات الحريرية‬
 ‫ينبثق في إعجاز من قطعة من الطباشير. ومن المحقق أنه ليس من أجل الثروة وحدها، ولكن بفضل العبقرية والخيال‬
           ‫ا‬               ‫ا‬
   ‫المتفجرين فيه، يضيئان عينيه ويقودان يديه، أكب بوشيه على العمل عشر ساعات يوميً في مرسمه، تاركً بصماته‬
                                                                          ‫ال‬       ‫ا‬
 ‫على كل شيء يلمسه تقريبً. وفض ً عن ألف لوحة، رسم بوشيه المراوح وبيض النعام والخرف والرصائع والستائر‬
   ‫واألثاث والمركبات ومناظر المسرح وجدران وسقوف المسارح. وقصدت كل باريس النشيطة لترى الزخرفة التي‬
                                                                            ‫أعدها خلفية (لباليه نوفير" األعياد‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 91173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


       ‫الصينية" 4723. ولم يكن به ميل شديد إلى المناظر الطبيعية، ألنه كان سفير أفروديت إلهة الحب والجمال إلى‬
       ‫اللوفر، ومع ذلك احتفظ بشخصياته البشرية في الغابات والحقول، بجوار المياه الفوارة واألطالل الظليلة وتحت‬
    ‫السحب البيضاء في السماء الزرقاء، وشمس دافئة تغري بحرارة الدم وتطريها. وربما ظن المرء أن مشاهد الحياة‬
      ‫اليومية ال تالئمه، ومع ذلك رسم لوحة "منظر أسرة" وأبرز-وكأنما أراد أن يحرر نفسه من عبودية الجمال-فناء‬
  ‫المزرعة وحظيرة الماشية وبرج الحمام، وعربية اليد، واألنقاض في الفناء الخلفي، والحمير ترزح تحت أحمال من‬
                                                                      ‫ال‬
              ‫األوعية واآلنية التي تحدث قعقعة. واستكما ً لذخيرته أصبح أعظم مصمم لرسوم النسيج في هذا القرن.‬
‫وفي 1123 دعاه أودري إلى مدينة بوفيه ليضع تصميمات للنساجين هناك حيث بدأ بأربعة عشر رسماً لمناظر قروية‬
                                                                         ‫ا‬
   ‫إيطالية(77). وقد القت هذه الرسوم نجاحً كبيراً إلى حد أنها نسجت اثنتا عشرة مرة على األقل قبل وفاته. ثم انتقل‬
   ‫إلى موضوع أكثر نموذجية "قصة األميرة الفاتنة"-خمس استار تعلق على الجدران، شكلتها مدام بوشيه، وهي من‬
   ‫التحف الرائعة في فن القرن الثامن عشر. وتوج أعماله بست قطع من النسيج المزدان بالرسوم والنقش أطلق عليها‬
         ‫"الحياة الريفية الكريمة"(17) إحداهما وهي "صائد الطير" تمثل حبيبين فاتنين من أروع ما أخرج من حرير‬
                       ‫ً‬
    ‫والصوف. وشكا النقاد من أنه بسبب أودري وبوشيه أصبح النسيج المزدان بالنقوش أقرب شبها باللوجات الزيتية،‬
  ‫وأنه فقد خصائصه المميزة. ولم يأبه لويس الخامس عشر بهذا كثيراً، ألنه عندما توفي أودري (7723) رقى بوشيه‬
                                                                                    ‫إلى رئيس مصانع الجوبالن.‬
    ‫وفي الوقت نفسه حظي الفنان المنتصر الظافر برعاية بمبادور المتقدة حماسة وغيرة. فزخرف لها قصر "المنظر‬
  ‫الجميل" وصمم أثاثه. وللمسرح الذي سعت به إلى الترفيه والتسرية عن الملك رسم المناظر وابتكر المالبس ورسم‬
‫لها عدة لوحات آية في الجمال األخاذ والرقة يحار الناظرون إليها في الحكم عليها. وإن االتهام بأن بوشيه لم يصل قط‬
                                                                                          ‫إلى ما وراء الجسد قد‬
                                                                                            ‫صفحة رقم : 12173‬




                                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


                                                                   ‫ا‬
‫سقط اآلن وأخرس، فإنه لم يهيئ لنا إن نرى كثيرً من مفاتن جسد العشيقة قدر ما هيأ لنا أن نلمس مناقب الذكاء والرقة‬
      ‫التي حببتها إلى الملك، واالهتمام بالثقافة الذي جعل منها معبودة الفالسفة، والذوق الفني النسوي الرفيع في الثياب‬
  ‫الذي أضفى في كل يوم فتنة جديدة على مفاتن الجسد العانية. ويفضل هذه اللوحات ولوحة. الرحلة-التور "استطاعت‬
     ‫بمبادور تذكير الملك في هدوء بالجمال الذي ولى والفتنة األرق التي بقيت. وربما استخدمت بمبادور كذلك لوحات‬
 ‫ا‬
 ‫بوشيه الحسية الشهوانية في إرضاء رغبة الملك الجنسية القوية. وال عجب إذن في أنها جعلت من بوشيه صديقاً أثيرً‬
                                                                 ‫ا‬
          ‫لديها، ووفرت له جناحاً في اللوفر، وتلقت عنه درسً في النقش، وبحثت معه مشروعاته في زخرفة قصورها،‬
   ‫واالرتقاء بالفنون. ورسم لها (1723) لوحتين من أعظم لوحاته الشروق والغروب"(47)وفي كلتا اللوحتين، بطبيعة‬
                                                             ‫ا‬
                                                            ‫الحال، كانت األشكال البشرية تفوق الشمس بهاء وبريقً.‬
       ‫وعمر بوشيه بعد بمبادور، وبعد الحرب الفاجعة مع إنجلترا وفردريك األكبر، وظلت أحواله في ازدهار إلى سن‬
    ‫السابعة والستين حيث وافته المنية. وتكاثر عليه التكليف بعمل اللوحات، وأصبح ثرياً، ولكن لم تقل حماسته وغيرته‬
                                      ‫ا‬    ‫ا‬       ‫ا‬
 ‫في العمل عن ذي قبل، وطهر ثروته بالبذل والسخاء. وكان عربيدً محسنً خيرً، ال يكل وال يمل من الفسق والدعارة‬
‫ولكنه دائماً أبدا مرح ودود، "لطيف كريم غير متحيز، ينأى بنفسه عن األحقاد الدنيئة..... به مناعة ضد التلهف الحقير‬
 ‫على كسب المال"(77)وكان متعجالً في عمله إلى حد لم يبلغ معه قمة االمتياز. وأطلق لخياله عنان الحرية إلى درجة‬
      ‫لم يلمس معها جوانب الحقيقة والواقع. وأبلغ رينولدز أنه ليس في حاجة إلى نماذج، وأنه يؤثر الرسم من الذاكرة،‬
                                  ‫ال‬
       ‫ولكن ذاكرته جاءت بأشكال مثالية. ولما لم يصوب له الواقع ذاكرته، فإنه بات مهم ً في رسمه مبالغاً في ألوانه.‬
              ‫واتهمه جريم وديدرو وآخرون بأنه أخطأ فحسب الظرف واللطف جماالً، وأنه هبط بجالل الفن إلى مجرد‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 32173‬




                                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


  ‫زخرفة سطحية ذات مظهر خداع، وبأنه افسد أخالق العصر بإعالء قيمة مفاتن الجسد. وعاب عليه ديدرو واستنكر‬
      ‫ابتسامته المتكلفة وتصنعه... وشامات الجمال، واللون األحمر على الخدود... ونساءه العابثات، ورجاله الفاسقين‬
  ‫الشهوانيين وأوالد باخوس وسلينوس غير الشرعيين (إلها الخمر والعربدة في األساطير اليونانية)(17)ومات بوشيه‬
                                                                                    ‫ا‬
‫وهو يعمل في مرسمه تاركً على الحامل لوحة لم يكملها "تزين فينوس" وكأنما يتحدى بها ديدرو. وعندما سمع ديدرو‬
                                                       ‫ا‬
                ‫بموت الفنان أحس بالندم وقال "لقد أسأت إلى بوشيه كثيرً بكالمي عنه، وإني ألكف اآلن عن الحديث‬
                                                                             ‫عنه.(27)ولنكتف نحن بهذا القدر.‬


                                                                                                      ‫جـ - شاردان‬
                                                                                                   ‫9913 - 9223‬


        ‫ً‬
 ‫كم اختلف عالم بوشيه عن دنيا شاردان-أي تباين بينهما في مفاهيم الجمال وفي الخلق والذكاء! كانت هنا تقريبا حرب‬
   ‫طبقية، ثورة الطبقة المتوسطة ضد األبيقورية المسرفة المبذرة عند رجال المال واألرستقراطية والحاشية. ولد جان‬
                                                               ‫ا‬
     ‫مابتست سيمفون شاردان برجوازياً، وظل برجوازيً قانعاً، وصور الحياة البرجوازية في إخالص بالغ. وكان أبوه‬
                                                                   ‫ا‬
    ‫معلم نجارة ذا مكانة عالية في نقابته، يمتلك دارً في شارع السين على الضفة اليسرى من النهر، ولما كان يظن أن‬
 ‫أبنه جان سيخلفه في مهنته، فإنه لم يعن بتعليمه في المدرسة قدر عنايته بتدريبه على األعمال اليدوية. وأسف شاردان‬
          ‫على ما فاته من تعليم وعلى ضآلة ما حصل منه، ولكن هذا منعه من ارتياد مجاالت الفن القديمة، فولى وجهه‬
‫وفرشاته شطر األشياء التي حوله في المصنع والبيت. وسرعان ما أحب الرسم وتلهف على التصوير، وسمح له والده‬
                                                           ‫ا‬
                                         ‫بااللتحاق بمرسم بيير جاك كيز، ثم بتسجيل اسمه رسامً في البالط الملكي.‬
                                                                                          ‫ا‬
‫ولم يكن الشاب سعيدً هناك، فإن النماذج التقليدية التي طلب إليه أن ينسخ عنها بدت بعيدة بشكل مخيف عن الحياة التي‬
   ‫عرفها وألفها. وعندما طلب إليه جراح صديق لوالده أن يعد له الفتة تعلن عن مهنة الحالق الجراح، وتبرز أدواتها،‬
                                                                      ‫فإن جان-وربما تذكر عند ذاك شعار الرسام‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 72173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


       ‫اتو لجرسانت-رسم الفتة ضخمة تمثل رجالً جرح في مبارزة، يقوم على العناية به جراح ومساعده، ومن حسن‬
       ‫ا‬                                                               ‫ا‬       ‫ً‬
  ‫التدبير أضاف إلى هذا سقاء وشرطيا وبعضً من حرس الليل، ومركبة، وامرأة تحدق النظر من نافذتها، وحشدً من‬
 ‫المتفرجين يحملقون من فوق الرؤوس-كل أولئك في منظر رائع عن الصخب واإليماءات واإلثارة. وغضب الجراح‬
‫ورأى أن يلقي بالالفتة عرض الحائط، ولمنها جذبت انتباه المارة ونالت استحسانهم إلى حد كبير إلى درجة أن الجراح‬
                                                                          ‫ا‬
    ‫استبقاها على بابه، ولم نسمع بعد ذلك شيئً عن شاردان، حتى كان عام 1723، حين حظيت بإطراء خاص، لوحته‬
  ‫"السمكة" ولوحته "الخوان" (البوفيه)-طبق فضي فيه فاكهة-في معرض في الهواء الطلق في ميدان الدوفين. ودعاه‬
               ‫ال‬
    ‫بعض أعضاء األكاديمية ليطلب االنضمام إلى عضويتها. ودبر أن يعرض بعض من لوحاته هناك غف ً من اسمه،‬
      ‫فأعلن من رأوها أنها تحف رائعة، ونسبوها إلى فلمنج، ثم اعترف شاردان بأنه صاحبها، فاستنكروا هذه الخدعة،‬
                                                               ‫ولكنه على أية حال فاز بعضوية األكاديمية (1723).‬
    ‫وفي 3123 خطب مرجريت سنكتار التي وعده أبواها بصداق كبير، ولكن في فترة الخطوبة مني الوالدان بخسائر‬
  ‫جسيمة وفارقا الحياة، تاركين مرجريت ال تملك شروى نقير، وتزوجها شاردان على الرغم من ذلك، وهيأ لهما أبوه‬
                                                             ‫ا‬
     ‫مسكنً في الطابق الثالث من منزل كان قد اشتراه حديثً على ناصية شارع دي فور وشارع البرنسيس. وهناك أقام‬      ‫ا‬
                                                                                      ‫ا‬
     ‫الفنان مرسمه الذي كان أيضً مطبخه، فقد اختار اآلن بصفة نهائية أن يرسم الحياة الهادئة ومشاهد الحياة اليومية.‬
   ‫وأصبحت الخضر والفاكهة والسمك والخبز واللحم كل األشياء التي تبعثرت في أنحاء الغرفة، نماذج لفرشاته تارة،‬
                                                                                 ‫وصنوف قائمة طعامه تارة أخرى.‬
‫وافتتن شاردان باألشكال واأللوان المتغيرة في األشياء العادية، ورأى فيها خصائص في لبيئة والتركيب والضوء قلما‬
                            ‫ا‬           ‫ً‬
                  ‫تلحظها العين الغافلة. فإن جانبي التفاحة أو خديها كانا بالنسبة له يحمالن طابعا رومانتيكيً مثل تورد‬
                                                                                             ‫صفحة رقم : 12173‬




                                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


‫وجنتي العذراء، وبريق السكين فوق مفرش المائدة األخضر تحداه أن يمسك به في حركته السريعة، ويحاول تثبيته في‬
‫فنه. وأبرز هذه األشياء الصغيرة البسيطة في أمانة وتبصر، وبراعة فنية في اللون والمناسيب والضوء والظل، مما لم‬
 ‫يتيسر إال لقلة من الفنانين أن يبلغوه. وإننا لننظر إلى هذه األشياء الطبيعية الميتة، ونحس بأنها حية وإننا لم نرها رؤية‬
     ‫صادقة قط من قبل، وإننا لم نتحقق قط من تعقيد أشكالها وتفردها، ومن الفروق الدقيقة بين ظالل ألوانها، ولم يجد‬
  ‫الشعر فقط في إناء من األزهار أو عنقود من العنب، بل في مرجل قديم محطم، وفي جوزة، وفي قشرة برتقالة، وفي‬
                                                                     ‫ا‬
      ‫فتات كسرة من الخبز. ففي هذه كلها شعر دائمً كما كان الفلمنكيون والهولنديون قد عرفوا من قبل، ولكن من في‬
                                                                                  ‫ً‬
‫فرنسا بوشيه وبمبادور خامره يوما شعور بوجود هذا الشعر. وكان جمال هذه األشياء بطبيعة الحال في عين الرائي أو‬
   ‫المشاهد أو باألحرى في نفسه. إن شعور شاردان القوي وبصيرته النافذة-وفقره-كل أولئك هو الذي جعل من مخزن‬
                                                     ‫حفظ األطعمة قصيدة غنائية، ومن قائمة الطعام ملحمة شعرية.‬
       ‫وكل إنسان يعرف هذه القصة-أو األسطورة؟-كيف انساق شاردان إلى رسم األشكال البشرية. إنه سمع ذات يوم‬
                                                                                 ‫ا‬
 ‫صديقه أفيد يرفض 114 جنيه أجرً لرسم لوحة ألحد األشخاص، فعجب شاردان أشد العجب، وهو معتاد على الجور‬
           ‫الضئيلة، لهذا الرفض. فما كان جواب أفيد إال أن قال "هل تظن أن رسم إنسان سهل مثل رسم مرق التوابل‬
      ‫ا‬
     ‫(الصلصة).(17). وكانت سخرية الذعة، ولكن مفيدة. إن شاردان كان قد ضيق مجال موضوعاته تضييقاً شديدً،‬
           ‫وسرعان ما كان يمكنه أن يشبع رغبات زبائنه وعمالئه في األطباق وألوان الطعام، وعقد العزم على رسم‬
   ‫األشخاص، وكشف في نفسه عن عبقرية في رسم األشخاص في رقة وتعاطف، وكان هو الذي هيأ لهذه العبقرية أن‬
  ‫تخمد. وقبل التحدي من فوره. ورسم لوحة لصديقة أفيد نفسه، "المتفاخر"(97). وأتبعها بلوحة أحسن منها "دار لعب‬
                                                                                            ‫ا‬
                                                                       ‫الورق". ولكن هنا أيضً كان التفوق واالمتياز‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 42173‬




                                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


‫في المالبس ال في الوجوه. وفي لوحة "الطفل والخذووف (النحلة)" خطا شاردان خطوته الثانية: اليدان بشعتان بعض‬
                                       ‫ا‬
     ‫الشيء، ولكن الوجه ينبئ عن عقل سليم. ووجد هذا االعتناق الرقيق منفذً في رسمه للبنات، كما هو الحال في‬
  ‫التحفتين الرائعتين اللتين تضمهما مجموعة روتشيلد: "بنت تلعب تنس الريشة"، وأخرى "تتسلى بتناول غذائها".‬
‫إن شاردان لم ير في النساء األغراء الباسم الذي أثار بوشيه، بل رأى فضائل وخصائص الزوجية واألمومة التي هي‬
       ‫عماد الدولة، وهي التي تقودها إلى طريق الخالص. ومع شاردان دخلت سيدات الطبقة المتوسطة مجال الفن‬
    ‫الفرنسي، وحصلت على حقها فيه. إن هذا الفنان عرفها وأحبها في كل ما تقوم به من خدمات جليلة آسرة: إحضار‬
    ‫الطعام من السوق، سحب الماء، تقشير السلجم، لف الصوف، العناية بالمريض، تحذير التلميذ من إهمال واجبه أو‬
    ‫التهرب منه، أو كما أبرز شاردان في أشهر لوحاته "الخير والبركة"(11) اإلمساك عن الطعام حتى تكف صغرى‬
     ‫ا‬
 ‫البنات، ويداها الصغيرتان مضمومتان، عن الصراخ والبكاء ويشيع في وجهها ابتسام الرضا، ورأى المرأة دائمً في‬
   ‫ا‬
‫مالبس البيت، غير متبرجة، في حركة دائبة، تخدم زوجها وأوالدها من الفجر وصالة الصباح إلى أن يأووا جميعً في‬
                ‫ال‬
‫أمان إلى فراشهم ويتدثروا. وإننا لنرى من خالل لوحات شاردان باريس وهي أكثر حكمة وأكبر عق ً من الحاشية، ال‬
                 ‫ً‬                       ‫ا‬       ‫ا‬
  ‫تزال متعلقة باألخالقيات القديمة والعقيدة الدينية التي وفرت لها عونً روحيً. وهذا هو أعظم فن نفعا وصحة في كل‬
                                                                                                        ‫تاريخ الفن.‬
                                                    ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫إن هذه الصور التي يهلل لها العالم اآلن لم تلق إال رواجً محدودً جداً آنذاك، ولم تأت للفنان إال بفرنكات معدودة تقيم‬
                          ‫ا‬
   ‫أوده في بساطة قانعة. ولم يساوم مع عمالءه، وباع اللوحات بأي ثمن عرضوه عليه تقريبً, ولما كان يعمل في بطء‬
‫وكد وجد، فإنه أنهك نفسه في فقر نسبي، على حين أن بوشيه استنفد جهده في يسر ورخاء. ولما توفيت زوجته األولى‬
                                     ‫بعد أربعة أعوام فقط من الزواج، آل مسكنه إلى حالة شديدة من الفوضى وسوء‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 72173‬




                                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


    ‫النظام. وكأنه مسكن طالب، ألح عليه أصدقائه أن يتزوج ثانية، ولو ليحظى بيد امرأة رشيقة وسيدة تعيد النظام إلى‬
        ‫بيته. وتردد تسع سنين ثم تزوج األرملة مرجريت بوجيه. وهو في بساطة زواج مصلحة. وجاءت له مرجريت‬
                                                                                      ‫ا‬
‫بصداق متوسط، يشمل بيتً تملكه (13 شارع البرنسيس)، فانتقل إليه. حيث وضعت خاتمة لفقره وعوزه، وكانت سيدة‬
                                                     ‫ا‬     ‫ا‬
                                                    ‫فاضلة وزوجة شديدة التدقيق. وتعلم هو أن يحبها شاكرً ممتنً.‬
                                              ‫ا‬
   ‫وزيادة في معونته من الناحية المالية خصص له الملك (7723) راتبً قدره 117 جنيه، وعينته األكاديمية (4723)‬
  ‫أمينً للصندوق فيها، وسرعان ما عهدت إليه بترتيب اللوحات المقدمة إليها في قاعات العرض فيها، ولكنه لم يصلح‬  ‫ا‬
  ‫لهذه المهمة مطلقاً، ولكن زوجته ساعدته فيها. وفي 1723 أقنع صديق نقاش-هو شارل نيقوال كوشان الثاني-ماريني‬
                                ‫ا‬
   ‫بأن يخصص لشاردان غرفة مريحة في اللوفر. وهذا هو كوشان نفسه الذي كان تواقً إلى إبعاد شاردان عن تكرار‬
   ‫صور المطبخ، فحصل له على تكليف برسم ثالث لوحات، لتوضع (فوق الباب) لقصر ماريني. فأخرج شاردان في‬
 ‫جد واجتهاد (7123) "خصائص الفن" وخصائص الموسيقى(71) ثم حصل على تكليف آخر برسم لوحتين شبيهتين‬
    ‫لقصر مدام دي بمبادور "المنظر الجميل". ولسوء الحظ لم يدفع المبلغ الموعود للوحات الخمس حتى عام 3223.‬
     ‫وفي نفس الوقت كان الفنان تتقدم سنه ويفقد مهارته. ففي 2123 نرى ديدرو الذي كان قد رحب بعمله وأثنى عليه‬
  ‫بوصفه "روح الطبيعة والحقيقة" يقول في أسى وأسف "إن شاردان رسام ممتاز لمشاهد الحياة اليومية، ولكنه يذوي‬
   ‫ويذبل(11)". وكانت لوحات التور المرسومة "بالبستل" تأخذ بمجامع األلباب في باريس. وفي غمرة المنافسة أخذ‬
    ‫شاردان نفسه الطباشير والورق وأدهش التور حين أبدع لوحتين بالبستل لشخصه. وهما من أعظم اإلنتاج وروعة‬
                                                                                                         ‫ا‬
                  ‫واتقانً وكماالً في اللوفر. إحداهما تمثله في قلنسوة قديمة ضيقة مزدوجة العقد على رأسه، والعوينات‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 12173‬
                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


  ‫ا‬
  ‫(النظارة) في أعلى أنفه، ورباط عنق مربوط بإحكام حول عنقه. وأبرزت األخرى نفس الزي ونفس الوجه مملوءً‬
                                          ‫ا‬
     ‫بالدهشة والشخصية، باإلضافة إلى قناع يظلل عينيه اللتين يشكو فيهما ألمً. وأشهر من هاتين، لوحة البستل التي‬
    ‫أبدعها لزوجته الثانية، وهي آنذاك في الثامنة والستين: وجه كريم جميل، أخرجه بمهارة متسمة بالحب. وتلك هي‬
                                                       ‫اللوحة التي يقع عليها اختيارنا لتكون تحفة شاردان ورائعته.‬
                      ‫ً ا‬
     ‫وكانت خاتمة مظفرة لحياة فذة شريفة كريمة. ولسنا في حاجة إلى تصوير شاردان رجال بريئً من زالت البشر،‬
                                                                                        ‫ا‬
    ‫فالحق أنه هو نفسه أيضً، وقد وخزته أشواك الحياة وأساءت إليه األحقاد، كان في مقدوره أن يقاوم باالنفجار في‬
                                            ‫ا‬
      ‫الغضب وفي قارص الكالم، ولكنه لما فارق الحياة في 9223، فإن أحدً في دنيا الفن الباريسي الحاسدة الحاقدة‬
 ‫المفترية، لم يجد كلمة سوء عدائية يقولها فيه. بل إن نظام الحكم المنهار نفسه بدا أنه تحقق من ان شاردان قد كشف‬
‫بأسلوب فني لم يبزه فيه أحد في زمانه، عن فرنسا، التي هي فرنسا الحقيقية التي ال تزال سليمة بارئة من السقام، تلك‬
 ‫الدنيا المستترة، دنيا الكد الخالص والوالء لألسرة، مما يمكن أن يبقى ويعمر-ويساعد فرنسا على البقاء-بعد قرن من‬
                                          ‫الفوضى والثورة. وكما قال ديدرو "كان شاردان أعظم ساحر لدينا"(11).‬


                                                                                                      ‫د - التور‬




                                                                                                ‫4123 - 1123‬


 ‫إن نزعات الذوق المتقلبة ال تقدم اليوم إكليل الغار في فن الرسم الفرنسي في القرن الثامن عشر، إلى بوشيه أو إلى‬
                                                            ‫شاردان، بل تقدمه إلى موريس كانتان دي التور.‬
                                                                           ‫ً‬
   ‫وهو أكثر الشخصيات الثالث إمتاعا وتشويقاً، ألنه مزج رذائله وفضائله باستهتار شيطاني، وساق العالم المرتعد‬
   ‫بأسره إلى زاوية، وطلب كما فعل ديوجنيس، إلى ملك أن يبتعد عن طريقه. وكان نزاعاً إلى جمع المال في جشع‬
                                         ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬    ‫ا‬         ‫ً‬    ‫ا‬                ‫ً ا‬
‫شديد، مغرورا وقحً متغطرساً، عدوً لدودا وصديقً متقلبً عميقً مزهوً مثل رجل عجوز يخفى سني عمره أو يفاخر‬
                                                                                               ‫ا‬
                                                                                               ‫بها، وكان أمينً‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 22173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬
                                                         ‫ا‬     ‫ً‬                    ‫ا‬    ‫ا‬        ‫ال‬
‫صريحاً، بخي ً، ومحسنً مسرفً وساذجاً أنيساً، وطنيا ملتهبً حماسة وغيرة، يحتقر األلقاب، ومن ثم رفض لقب النبالة‬
        ‫الذي عرضه عليه الملك. ولكن هذا كله ال يتصل بالموضوع، فإنه كان أعظم رسام في عصره، وأعظم مصور‬
                                                                                         ‫بالبستل في تاريخ فرنسا.‬
                                                                                  ‫ا‬
  ‫وجلس لويس الخامس عشر يومً إلى التور ليرسمه، فاستاء الملك وجرحت كبرياؤه لكثرة ما ردد الفنان من عبارات‬
        ‫المديح والثناء على الجانب، وقال له "ظننت أنك فرنسي". فأجاب التور "ال يا موالي، أنا من سانت كانتان في‬
                                                           ‫ا‬
‫بيكاردي(41)" (مقاطعة في شمال فرنسا كانت يوماً جزءً من الفالندرز). انه ولد هناك ألب موسيقار موسر، أراد له‬
‫أن يكون مهندساً، ولكن الوالد آثر أن يكون رساماً، فأنبه الوالد على ذلك، وهرب موريس وهو في الخامسة عشرة إلى‬
‫باريس ثم ريمس ثم كمبراي، يرسم اللوحات هنا وهناك، وفي كمبراي دعاه أحد الدبلوماسيين اإلنجليز إلى لندن ضيفً‬
‫ا‬
                                            ‫ا‬      ‫ا‬     ‫ً‬           ‫ال‬
     ‫عليه فيها. وذهب إليها موريس، وهنا جمع ما ً وقضى وقتا سعيدً مستمعً بالحياة، وعاد إلى باريس وتظاهر بأنه‬
‫رسام إنجليزي. وكانت روزاليا كارييرا في باريس في عام 3723 وكان وجهاء القوم، ابتداء من الموصى إلى أحداث‬
      ‫محدثي الثراء، يفتشون عن لوحاتها المرسومة بالبستل. ووجد التور أن مثل هذه الرسوم باألقالم الملونة تلتئم مع‬
    ‫مزاجه القلق، أكثر من الزيت الذي يحتاج إلى جهد وجلد. وقضى عدة سنين يحاول ويجرب ويخطئ، حتى تعلم أن‬
                                                                                      ‫ال‬
   ‫يحقق وينجز بالطباشير ظال ً ودقة في اللون والتعبير مما لم يتسن ألحد من رسامي األشخاص في زمانه أن يباريه‬
                                                                                                           ‫فيها.‬
‫وعندما عرض بعض لوحاته في معرض 2123 بدأ رسامو الزيت يوجسون خفية من منافسة أقالم البستل لهم. وكانت‬
        ‫لوحته الثالث المرسومة بالبستل حديث معرض 1423. وكانت لوحته رئيس مدينة ريو في رداء الحاكم األسود‬
 ‫وعباءته الحمراء "هي التي فازت بالجائزة في معرض 3423. أما لوحته التي رسمها للسفير التركي فقد تكاثر عليها‬
                                                                                            ‫الجمهور المعجب في‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 12173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


 ‫7423. وسرعان ما طالبت دنيا األناقة التي تهفو دوماً إلى كل ما هو مستحدث، بالتحول إلى طباشير، وأصبح صدام‬
                                                                                     ‫ا‬      ‫ً‬
        ‫التور مع الملك حدثا تاريخيً. ذلك أن الفنان بدأ باالعتراض على الحجرة إلى اختيرت ليجلس الملك فيها أمامه‬
                                                             ‫ال‬
 ‫ليرسمه، ألن الضوء كان ينفذ إليها من كل جانب، قائ ً "ماذا تتوقع من أن أفعل في هذه المشكلة؟" فأجاب الملك "لقد‬
                                                                           ‫ا‬
 ‫اخترت هذه الحجرة المنعزلة خصيصً، حتى ال يعكر صفواناً أحد". فرد عليه التور بقوله "لم أكن يا سيدي أعلم أنك‬
                     ‫ا‬     ‫ال‬
‫لست سيدً في دارك". وفي مناسبة أخرى عبر الفنان عن أسفه ألن فرنسا ال تملك أسطو ً ضخمً، فاعترض الملك في‬  ‫ا‬
   ‫خبث "فما بال فرنيه الذي صور مناظر البحر يعج بالسفن(71)" ولما علم التور أن الدوفين أبلغ أنباء مضللة كاذبة‬
  ‫عن مسألة معينة، ابتدره في رفق "وهكذا ترى كيف أنه من السهل على أناس أمثالكم أن يقعوا في حبائل المخادعين‬
                                                                                               ‫المختالين"(11).‬
 ‫وعلى الرغم من صراحته الالذعة المزعجة، منحته األكاديمية عضويتها الكاملة 1423-التي هي بمثابة شهادة امتياز‬
                   ‫ا‬
‫وتفوق. ولكن في 9423، نتيجة سعي حثيث من الرسامين بالزيت، قررت األكاديمية أال تقبل مزيدً من رسوم البستل.‬
   ‫وفي 1723 شكا أحد مصوري اللوحات الزيتية "من أن دي التور ارتقى برسم البستل إلى درجة قد تثير النفور من‬
                                               ‫اللوحات الزيتية" ورد التور كيد الشاكي في نحره بالحوافز والروائع.‬
‫وكان له منافس في البستل، وهو جان بابتست برونو الذي كان يؤثره ليمونيين وأودري وغيرهما من األكاديميين على‬
                                                         ‫ا‬
‫دي التور، فطلب هذا إلى برونو أن يرسمه (التور شخصيً) فقبل برونو وأخرج له تحفة رائعة، وأجزل العطاء له دي‬
‫التور األجر، ولكنه رسم بعد ذلك نفسه في لوحة من أعظم اللوحات الذاتية المعروفة روعة وإبرازاً للشخصية والذات‬
      ‫ودبر مع شاردان أن تعرض اللوحتان كلتاهما جنباً إلى جنب في معرض 3723. وأجمع كل الذين شاهدوهما أن‬
   ‫اللوحة الذاتية تفضل لوحة برونو, وال تزال اللوحة الذاتية التي رسمها التور لنفسه تبتسم ابتسامة النصر في متحف‬
                                                                                                       ‫اللوفر.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 92173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


 ‫ا‬
‫وهناك أيضاً اللوحة التي تحدى بها بوشيه وهي لوحة البستل الوحيدة التي عرضها 7723. وأفلتت الفرصة منه تقريبً.‬
       ‫فحين وجهت إليه الدعوة ليرسم أشهر سيدة في المملكة أجاب "أرجو أن تتفضلوا بإبالغ مدام دي بمبادور أنني ال‬
        ‫أخرج ألرسم". وكانت تلك طريقته في جلب الحظ والمال، مثل إيقاع الفريسة في الشرك، بالتراجع، وتوسل إليه‬
                                                                                    ‫ا‬
 ‫أصدقاؤه أن يقبل، فأرسل كتابً ينبئ بأنه سيحضر، ولكن شريطة أال يقطع عليه أحد سير العمل. ولما وصل نزع وقاء‬
      ‫حذائه، وخلع الحذاء، ونزع شعره المستعار عن رأسه ورقبته (ياقته) وغطى رأسه بقلنسوة حريرية، ثم بدأ يرسم.‬
                            ‫ا‬                                       ‫ال‬
   ‫وفجأة فتح الباب ودخل الملك. فاحتج التور قائ ً: لقد وعدتني يا سيدي أن يظل الباب مغلقً "فضحك الملك ورجاه أن‬
  ‫يستأنف عمله، ولكنه رفض" يستحيل علي أن أطيع جاللكم. سأعود عندما تكون السيدة وحدها... ال أحب أن يقاطعني‬
 ‫أحد. فانسحب الملك، وأكمل الفنان الجلسة، ومن أشهر صورتين لمدام دي بمبادور، نجد أن اللوحة التي رسمها التور‬
    ‫ا‬                                                                  ‫ا‬
    ‫أعمق من تلك التي أنتجها بوشيه، وأقل إشراقً في اللون، واتقاناً في اللمسات الخيرة والتفاصيل، ولكنها أكثر نضجً‬
 ‫من حيث التعبير وإبراز الشخصية. وال ريب أن التور رسم المركيزة، بإيحاء منها، باعتبارها راعية للفن والموسيقى‬
     ‫واألدب والفلسفة، وعلى أريكة قريبة منها قيثارة، وفي يدها بعض صفحات موسيقية، وعلى المنضدة كرة أرضية،‬
 ‫وحقيبة أوراق من نفش يديها، وقصة فولتير "هنرياد" وكتاب مونتسكيو "روح القوانين" والمجلد الرابع من موسوعة‬
                                                                                                          ‫ديدرو.‬
                                                        ‫ا‬            ‫ا‬
    ‫وعندما فرغ التور من اللوحة طلب عليها أجرً قدره 14 ألفً من الجنيهات. وعلى الرغم من تبذيرها وإسرافها فإنها‬
                                     ‫ا‬
    ‫رأت أن المبلغ المطلوب مبالغ فيه بعض الشيء، وأرسلت إليه 47 ألف جنيه ذهبً. وفكر التور في رد المبلغ. فسأله‬
          ‫ا‬
 ‫شاردان إذا كان يعرف ثمن اللوحات الموجودة في نوتردام، بما فيها روائع برون ولي سير، فأجاب التور سليً، وقدر‬
                                             ‫شاردان جملة تكاليفها بمبلغ 73 ألف جنيه. وأعاد التور النظر في تقديره‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 11173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


                                                                        ‫ا‬
     ‫وقبل المبلغ الذي أرسلته بمبادور (47 ألفً). أليه، بصفة عامة كان يطالب بالجر تبعاً لثروة الجالسين أمامه، فإذا‬
 ‫اعترضوا ردهم خائبين، وربما كان هناك بعض استثناءات لفولتير وروسو ودالمبرت، حيث أعجب بالفالسفة من كل‬
                                                                   ‫قلبه، وأقر صراحة بتجرده من اإليمان الديني.‬
‫وربما كانت أجوره المرتفعة سبباً في اشتداد الطلب عليه من جميع األنحاء. وعن طريقه عرفنا الشخصيات القيادية في‬
   ‫عصره، وأصبح قمة ف الرسم بالبستل، فأبدع لوحات جميلة رائعة للملكة ولولي العهد الصغير، والدوفين المتظاهر‬
     ‫ا ال‬
     ‫بالرزانة واالحتشام(11)، والكامارجو راقصة الباليه األولى، وحاول أن يرسم لروسو لوحة يبدو فيها لطيفً عاق ً‬
              ‫حكيمً(91)، وفي أحد أعماله البالغة الروعة رسم موريس دي ساكس القائد الوسيم المنتصر على الجيوش‬‫ا‬
    ‫والسيدات(14)، وأبرز في لوحة رسمها لصديقه الرسام جان رستوت شعلة النشاط ونضارة الحياة في عينيه(34).‬
 ‫ولبس الخز والمخرمات والشعر المستعار استعداداً لصورة ذاتية معلقة اآلن في أميان. وعلى الرغم من عادته الخشنة‬
               ‫ونزواته غير المشروعة، وحاالته النفسية المتقلبة التي ال ضابط لها، فقد كان موضع الترحيب في قصور‬
    ‫األرستقراطية، في ندوة مسيو دي البوبلنيير في باسي، وفي صالون مدام جيوفرين. وكان يرتبط بأواصر الصداقة‬
    ‫بمشاهير كتاب عصره، بل حتى الرسامين والمثالين الذين نظروا إلى نجاحه بعيون حاسدة-فانلو، شاردان، جريز،‬
             ‫ا‬                                                           ‫ً‬
            ‫بيجال، باجو. ومنحه الملك معاشاً إضافيا ومسكناً في اللوفر. وال بد أن الرجل كان، فوق كل شيء، محبوبً.‬
                                                                       ‫ا‬
‫ولم يتزوج التور قط. ولكنه لم يتنقل كثيرً بين أحضان السيدات كما فعل بوشيه وكان له عشيقة، هي اآلنسة فل ‪Mlle‬‬
     ‫‪ Fel‬التي ساعد غناؤها على نجاح أوبرا روسو "عراف القرية". وتضايق منها جريم ألنها لم تبادله الحب، ولكنها‬
    ‫أقبلت على التور من كل قلبها. وذكر هو لها بالعرفان والشكر كل ما وفرت له من أسباب الراحة والتسلية حتى إنه‬
                                     ‫ظل يشرب نخبها وهو في الثمانين من عمره. وكان إخالصها له شيء من العزاء‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 31173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> عبادة الجمال -> الرسم‬


   ‫والسلوى حين تقدمت به السن فتصلبت أصابعه وغشى بصره. ودفع ثمن الرخاء والرغد الذي نعم به وهو في ذروة‬
    ‫مجده، بما لقي من إذالل طال أمده في سني شيخوخته واضمحالل صحته, إنه عمر بعد أن تالشت عبقريته، وسمع‬
                                                                      ‫النقاد يتحدثون عنها، وكأنما أدركها الفناء.‬
                  ‫ا‬
    ‫وعندما قارب الثمانين ترك مسكنه في اللوفر، ليعيش في الهواء الطلق في أوتي ‪ .Auteuil‬وأخيرً عاد إلى مسقط‬
    ‫رأسه. واستقبلت سانت كانتان ابنها السخي المبذر بطلقات المدافع ودق النواقيس والهتافات الشعبية. وعمر في هذه‬
     ‫البلدة الهادئة أربع سنوات أخرى وذبل عقله النشيط إلى مس خفيف غير مؤذ من الجنون، فأصبح يتمتم بشيء من‬
 ‫ا‬
‫فلسفة وحدة الوجود (اهلل والطبيعة شيء واحد، والكون المادي اإلنسان مظاهر للذات اإللهية)، ويعبد اهلل والشمس معً،‬
                                                                                            ‫ال‬
        ‫ويحلم بالثورة مؤم ً في قيامها. وفارق الحياة قبل قيامها بعام واحد. وقبل أيدي خدمه وهو في النزاع األخير.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 71173‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> صناعة الكالم‬
                                                                                                    ‫ع‬
                                                                                                ‫الفصل ال َاشِر‬




                                                                                                   ‫نشاط الذهن‬




                                                                                             ‫3- صناعة الكالم‬


‫اآلن أصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية لكل متعلم ومثقف في أوربا، وواسطة االتصال والتفاهم المعترف بها في‬
‫الدبلوماسية والعالمية، وكان فردريك األكبر يستخدمها بانتظام، اللهم إال في التحدث إلى قواته. وألف جيبون أول كتاب‬
 ‫له باللغة الفرنسية، واتجه تفكيره لبعض الوقت إلى أن يكتب بها مؤلفه المعروف "اضمحالل اإلمبراطورية الرومانية‬
   ‫وسقوطها". وفي 4123 أعلنت األكاديمية األلمانية عن مسابقة ذات جائزة لمن يكتب أحسن موضوع يوضح أسباب‬
    ‫التفوق والتبريز، ونشرت مطبوعاتها بالفرنسية. وكانت األسباب الرئيسية لهذا التفوق هو المنزلة السياسية السامية‬
‫لفرنسا في عهد لويس الرابع عشر ونشر القوات الفرنسية للغتهم في األراضي الوطيئة وألمانيا والنمسا وأسبانيا، وعلو‬
          ‫مكانة األدب الفرنسي في القارة، بشكل ال نزاع فيه (وقد يكون إلنجلترا تحفظات على هذا)، وشعبية المجتمع‬
   ‫الباريسي بوصفه مدرسة للدراسات الثقافية والنشاط االجتماعي، تنهل منها النخبة الممتازة في أوربا، ثم الرغبة في‬
  ‫إحالل لغة أحدث وأكثر مرونة محل اللغة الالتينية في عالقات األمم بعضها ببعض، وقيام األكاديمية الفرنسية بتنقية‬
‫اللغة وتقسيمها عن طريق قاموسها، ولم تصل قط لغة وطنية أخرى ما بلغته الفرنسية من دقة وتنوع، ومن قوة وسحر‬
‫في العبارة، ورشاقة ووضوح في األسلوب. وكان ثمة بعض الخسارة في هذا االنتصار: ذلك أن النثر الفرنسي ضحى‬
‫بالصراحة البريئة عند مونتاني والحيوية الدافقة القاسية الصادرة عن القلب عند رابليه. وأصاب الشعر الفرنسي الوهن‬
                                                                    ‫والضعف في سجن القواعد التي وضعها بوالو،‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11173‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> صناعة الكالم‬


‫وانزلفت األكاديمية نفسها-حتى أيقضها ديكلوس بعد انتخابه 1423-إلى شكليات غامضة وضآلة مبعثها الجبن والحذر.‬
       ‫وكانت حرية الفكر والكالم النسبية في عهد الوصاية الخطير قد شجعت على مضاعفة عدد المؤلفين والناشرين‬
‫والمكتبات. واندس من يطبعون وينشرون ويبيعون الكتب في كل مكان، حتى على الرغم من أنه يتقدم القرن، أصبحت‬
 ‫هذه التجارة خاسرة، وكان في باريس وحدها منهم كلهم تقريباً فقراء معدمون. وانتشرت المكتبات في كثير من المدن،‬
   ‫وكان في بعضها حجرات للمطالعة مفتوحة للجماهير، نظير رسم دخول ضئيل (14 سو) وقل أن كان التأليف مهنة‬
    ‫كافية لكسب القوت، ولذلك كانت تكمل عادة بعمل آخر، فكان كريبيون األكبر كاتباً لدى موثق عقود، وكان روسو‬
    ‫ينسخ الموسيقى. واستطاع نفر قليل من مشاهير الكتاب أن يبيعوا إنتاجهم لقاء ثمن عال. ولما أعسر موريفو بسبب‬
     ‫انهيار نظام لو، استطاع أن يصلح ماليته ويسترد ثروته برواياته ومسرحيته "ماريان"، وقبض روسو، وهو عادة‬
‫فقير، خمسة آالف جنيه عن كتابه "اميل". وكان حق الطبع القانوني الوحيد هو الترخيص الملكي بالنشر وكان في هذا‬
 ‫حماية للمؤلف من السطو على كتابه في فرنسا، ولكن ليس من السطو وطبعه خارجها، وكان هذا الترخيص يمنح لمن‬
‫يكفل المراقبون الرسميون خلو كتابه مما يسئ إلى الكنيسة أو الدولة. وكان يمكن لألفكار الجديدة أن تتخطى هذه العقبة‬
‫بإخفاء مادة الكتاب أو الهرطقة في أسلوب مقنع. فإذا لم تنجح هذه الخدعة، فقد يعمد المؤلفين إلى إرسال المخطوط إلى‬
              ‫ا‬
   ‫أمستردام أو جنيف، أو أية مدينة أجنبية أخرى، ليطبع هناك بالفرنسية ويوزع في الخارج، ويتداول سرً في فرنسا.‬
         ‫وأدى اتساع الطبقة الوسطى وانتشار التعليم وتجمع المفكرين في باريس إلى خلق جمهور متلهف على الكتب،‬
       ‫ونهضت مجموعة كبيرة من المؤلفين لتلبية هذا المطلب وإشباع هذه الرغبة. وأثار ضعف الدولة في عهد لويس‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 41173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> صناعة الكالم‬


         ‫الخامس عشر وانهيار اإليمان الديني، المناقشات الشفوية والخطية في المسائل السياسية والفلسفية. وإذ كرهت‬
   ‫األرستقراطية تلك الملكية التي حدث من سلطتها، كما كرهت الكنيسة التي كانت تساند الملكية، فإنها استمعت بآذان‬
        ‫صاغية ذات مصلحة إلى نقد الحكومة والعقيدة كلتيهما، وانضمت الطبقة المتوسطة العليا إلى األرستقراطية في‬
                                                                                            ‫ال‬
                                     ‫إصغائها لهذا النقد، أم ً في تغيير يحقق لها المساواة االجتماعية مع طبقة النبالء.‬
 ‫وفي هذا الجو الجديد حقق المؤلفون والكتاب مكانة قلما تيسرت لهم قبل القرن الثامن عشر أو بعده. وقوبلوا بالترحيب‬
‫في الصالونات حيث تحدثوا وأيدوا آراءهم بكل ما أوتوا من فصاحة وبيان. واستقبلوا في قصور ذوي األلقاب ما داموا‬
        ‫لم يجرحوا كبرياءهم أو يسيئوا إليهم. وكان أصحاب المال يستضيفونهم ويكرمون وفادتهم، وفي بعض األحيان‬
     ‫يسكنونهم في قصورهم، مثل ما فعل بوبيلنيير، وأصبحوا برغم فقرهم قوة في الدولة. قال ديكلوس في 3723 "إن‬
     ‫إمبراطورية رجال الفكر، من بين كل اإلمبراطوريات، أوسعها امتداداً، دون أن تكون مرئية. إن أصحاب السلطة‬
                                         ‫ال‬      ‫ال‬
       ‫يأمرون، ولكن رجال الفكر يحكمون. وعلى المدى البعيد... إن عاج ً أو آج ً، سيتغلب الرأي العام أي شكل من‬
     ‫أشكال االستبداد والحكم المطلق أو يغلبه"(3) (وفي 3723 لم يكن قد تم التوصل بعد إلى األسلوب الذي يتحقق به‬
                                                                                   ‫ا‬      ‫ال‬
                                                     ‫تشكيل الرأي العام تشكي ً محكم ً بالمال أو عن طريق الحكومة).‬
 ‫وإذا رحب جمهور متزايد بالكتاب الفرنسيين، وحفزهم مئات المتنافسين اليقظين، وحررهم ضعف العقيدة، واستحثهم‬
     ‫زهو الطباعة وخيالؤهم، فإنهم دفعوا إلى المطبعة بسيل من الرسائل والنشرات واألبحاث والنقد الالذع والمقاالت‬
      ‫والمذكرات، و التاريخ والقصص والمسرحيات والقصائد واألبحاث الدينية والفلسفية، والكتابات اإلباحية الداعرة‬
             ‫واألدب المكشوف، مما حطم كل أغالل الرقابة وقيودها، واكتسح كل مقاومة، وغير عقل فرنسا وعقيدتها‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 71173‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> صناعة الكالم‬
‫وحكومتها بل إلى حد ما عقل العالم وعقيدته وحكوماته. ولم يحدث قط أن وجد في األدب من قبل مثل هذا الذكاء الحاد‬
   ‫أو المزاج الرقيق أو هذا التهريج الماجن أو هذا السخف المهلك، وتصدعت كل القواعد التقليدية في الكنيسة والدولة‬
                    ‫تحت ضغط الهجمات التي شنتها تلك األقالم الحادة، المسمومة أحياناً، المغمورة أو المجهولة عادة.‬
                                                                     ‫ا‬      ‫ا‬
     ‫إن الرسائل الخاصة نفسها أصبحت قناعً شائعً. فما من سيدة أو رجل إال نقح رسائله وأعاد كتابتها وصقلها وتأنق‬
       ‫فيها أمالً في أن يطالعها أكثر من شخص الذي أرسلت إليه فتتألق أمام العيون وتكون متعة لقارئيها، كذلك نجحوا‬
                                                               ‫ا‬
  ‫أحياناً في أن تكون رسائلهم "كتابات ممتازة" أي قطعً من األدب. وبسبب حبهم للحديث والمناقشة فإنهم تحدثوا على‬
                                 ‫ا‬
 ‫الورق إلى األصدقاء أو األعداء الغائبين عنهم، بشكل طبيعي وكأنما يخاطبونهم وجهً لوجه، وبكل الحماسة والحيوية‬
  ‫اللتين تدور بهما أحاديثهم حول المائدة في الصالونات. ولم تكن تلك الرسائل تتضمن مجرد توافه األخبار الشخصية،‬
                           ‫ا‬                                                        ‫ا‬
        ‫بل كانت في معظم األحوال نقاش ً في السياسة واألدب والفن، وكانت في بعض األحيان نثرً-لغة المجتمع-يزخر‬
                                                                                                 ‫ا‬
  ‫بالسجع الذي كثيرً ما يأتي عفو في الفرنسية، مع أكبر األمل في إطراء القارئ لها، وهكذا كان فولتير يدخل السرور‬
            ‫على قلوب أصدقائه بسلسلة القصائد التي يبعث بها إليهم، مما كانت تفيض به قريحتهم الوقادة وفنه الرشيق.‬
     ‫وآذن عصر الخطابة بزوال، ألن فرنسا القرن الثامن عشر خشيت أن يتوالها السأم والضجر حتى لو استمعت إلى‬
        ‫بوسويه آخر (أسقف وخطيب واعظ في القرن السابع عشر). ولكن الخطابة ستعود مع قيام الثورة. وكانت كتابة‬
‫"المذكرات" ال تزال سائدة، ألنها باعتبارها رسائل إلى األعقاب واألجيال القادمة. احتفظت بشيء من سحر المكاتبات‬
    ‫وفتنتها. وفي نهاية الحقبة، وفي 7723 وصلت إلى المطبعة مذكرات البارونة مدام دي ستال لوني قد فارقت الحياة‬
‫1723، وقد أعادت هذه المذكرات إلى األذهان ذكريات عهد الوصاية وأمسيات دي سكو. وهنا كما يقول جريم، كانت‬
                                                           ‫سيدة نافست فولتير نفسه بامتيازها وبراعتها في النثر(7).‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬



                                                                                                      ‫7- المسرح‬


        ‫تفوقت المسارح على الصالونات من حيث المكانة التي احتلتها في باريس، وما حظيت به من حب وإقبال بين‬
                                            ‫ا‬
   ‫الباريسيين. ويقول فولتير لمارمونتيل: "إن المسرح أعظم مهنة سحرً وفتنة، ففيه يكسب المرء بين عشية وضحاها‬
                                                                                                        ‫ً‬
     ‫جاها وماالً، وإن رواية واحدة تأتي لصاحبها بالثروة والشهرة"(1). وكانت هناك في األقاليم مسارح ال بأس بها،‬
‫وكان ثمة تمثيل مسرحي خاص في بيوت األغنياء، بعض المسرحيات أمام الملك والحاشية في فرساي. ولكن التحمس‬
  ‫للروايات في باريس بلغ حد الجنون والحمى والجدل والشجار أو االبتهاج والسرور. واحتفظت "الكوميدي فرنسيز"‬
      ‫في "المسرح الفرنسي" بأعلى الدرجات في الموضوع واألداء، ولكن الجماهير الغفيرة كانت تقصد إلى "مسرح‬
                                                                        ‫اإليطاليين" ومسرح "األوبراكوميك".‬
     ‫وتألفت كل هذه المسارح، ودار األوبرا في "الباليه رويال" من قطاعات فسيحة بها عدة صفوف من المقصورات‬
                                      ‫ً‬
      ‫والمقاعد للقلة التي يفوح منها شذا العطر، أما جمهور المشاهدين األقل تبرجا وثراء فكانوا يقفون تحت الشرفات‬
 ‫الداخلية، (على األرض) التي نسميها خطأ. "األوركسترا" ولم توضع فيها مقاعد حتى جاءت الثورة. وكان نحو 173‬
‫من المتحمسين المتأنقين الذين يدفعون أجراً أكبر، ويجلسون على خشبة المسرح، يحيطون بالممثلين من ثالثة جوانب.‬
‫وقد استنكر فولتير هذه العادة، ألن هذا كان يعوق الممثلين ويفسد المنظر. "لما كانت معظم رواياتنا ال تعدو أن تكون‬
                                     ‫ا‬     ‫ً‬
‫حوارً طويالً، فإن التمثيل المسرحي ال يكون له وجود، أو إذ وجد بدا سخيفً(4)وتساءل كيف يتسنى لممثل مسرحي‬  ‫ا‬
  ‫أن يمثل على مثل هذا المسرح مشهد بروتس ثم أنطوني وهما يخطبان في أهل روما بعد قتل قيصر؟ وكيف يمكن‬
  ‫"للروح" المسكين في هملت أن يسترق النظر من خالل هذه الهياكل العظيمة المتمتعة بامتياز الجلوس على خشبة‬
    ‫المسرح؟ إنه ليكاد يكون من المتعذر تمثيل أي من روايات شكسبير في مثل هذه الظروف(7)وكان العتراضات‬
‫فولتير القوية، التي أيده فيها ديدرو وغيره، أثرها فما وافى عام 9723 حتى كانت خشبة المسرح في فرنسا قد أخليت‬
                                                                                               ‫من المتفرجين.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 21173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


                                                                                               ‫ا‬
     ‫ولقي فولتير نجاحً أقل في حمالته لتحسين الوضع الديني للممثلين. وكانت مكانتهم االجتماعية قد تحسنت، فكانوا‬
   ‫يترددون على دور األرستقراطية، وفي كثير من الحيان كانوا يمثلون بناء على طلب الملك. ولكن الكنيسة استمرت‬
         ‫في اتهامها للمسرح بأنه مدرسة للفساد والفضائح والعمال المخزية، وذهبت إلى أن كل الممثلين بطبيعة الحال‬
   ‫محرومون من الكنيسة، وحرمت دفنهم في األرض المخصصة للمؤمنين-وهي تشمل كل المقابر في باريس وأشار‬
                                                                                          ‫فولتير إلى هذا التناقض:‬
                                                                                       ‫ا‬
     ‫إن الممثلين يتقاضون أجورً من الملك، في الوقت الذي تحرمهم فيه الكنيسة. ويصدر إليهم أمر الملك بالتمثيل كل‬
                                                                  ‫ا‬
       ‫مساء، بينما تحظر عليهم الديانة أن يمثلوا إطالقً، وإذا امتنعوا عن التمثيل زج بهم في السجن (كما حدث عندما‬
‫أضرب ممثلو جاللته عن العمل) فإذا مثلوا ألقي بهم (عند موتهم) في البالوعات. إننا نبتهج ونسر بهم، ونعترض على‬
                                           ‫دفنهم معنا، ونرحب بهم على موائدنا بينما نغلق أبواب مقابرنا دونهم(1).‬
‫وكانت أدريين ليكوفرير أعظم الممثالت الفرنسيات في زمانها مثالً واضحاً لهذه المتناقضات في حياتها ومماتها. إنها‬
 ‫ا‬
 ‫ولدت في 7913 قرب ريمس وجاءت إلى باريس في العاشرة من عمرها، وأقامت قرب "المسرح الفرنسي" وكثيرً‬
‫ما شقت طريقها إليه، ثم قلدت في البيت الممثالت الالتي أعجبت بهن وهي واقفة على أرض المسرح تحت الشرفات.‬
       ‫وفي سن الرابعة عشرة نظمت فرقة من الهواة قاموا بالتمثيل على مسارح خاصة. وأعطاها الممثل "لي جراند"‬
                                                                                                          ‫ا‬
      ‫دروسً، وهيأ لها مكاناً في فرقة تمثل في ستراسبورج. وقامت بالتمثيل في األقاليم لعدة سنوات، كما فعل موليير،‬
 ‫وانتقلت من دور إلى دور، ومن قصة غرام إلى أخرى دون ريب. وهفت نفسها إلى الحب، فلم تصادف إال الداعرين‬
                                                                    ‫ال‬
                                     ‫الفجرة، وتركها اثنان منهما على التعاقب حام ً، ورفضا الزواج منها. وفي سن‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬
                                                                                         ‫ا‬
     ‫الثامنة عشرة وضعت بنتً. وفي الرابعة والعشرين وضعت بنتاً أخرى. وفي 7323 عادت إلى باريس، والتقى بها‬
    ‫هناك فولتير الشاب، وكان لها لبعض الوقت أكثر من صديق(2). وفي 2323 أصبحت السيدة األولى في "المسرح‬
                                                               ‫الفرنسي" الذي كان مأواها ومبعث إلهامها في شبابها.‬
   ‫ولم تكن مثل معظم الممثالت الشهيرات بارعة الجمال، بل كانت بدينة، وكانت قسمات وجهها غير متناسقة، ولكنها‬
   ‫تميزت برقة تفوق الوصف في جلستها ووقفتها وحركتها وعاداتها، وموسيقى مغرية في صوتها، وبريق من الشرر‬
       ‫واالحساس في عينيها السمراوين، وتعبير متحرك كريم في وجهها. وكان كل تصرف منها يعبر عن شخصيتها.‬
                                                 ‫ا‬      ‫ا‬
          ‫ورفضت أن تتبع األسلوب الخطابي الذي كان قد أصبح تقليدً سائدً في التمثيل في فرنسا في المسرح الطويل‬
  ‫المستطيل الشكل في المسارح القديمة. وعقدت العزم على أن تمثل دورها وتنطلق بعباراتها على خشبة المسرح كما‬
   ‫تتحدث في الحياة الواقعية، اللهم إال في إخراج الحروف من مخارجها واإلبانة في اللفظ، ورفع درجة الصوت، مما‬
  ‫هو لنقل كلماتها إلى أبعد مكان يوجد فيه الجمهور. إنها في فترة عملها القصيرة حققت ثورة أو انقالباً في فن التمثيل‬
                                                                                       ‫ا‬
‫المسرحي. وتحقق هذا أيضً في عمق شعورها، وقدرتها على نقل انفعاالت الحب أو رقته، وكل العطف أو الرعب في‬
                             ‫أي مشهد مأساوي. وتفوقت في الفن الشاق، فن اإلصغاء المعبر اليقظ حين يتكلم اآلخرون.‬
    ‫وامتدحها الشيب، أما الشبان فقد وقعوا في غرامها. وهام بحبها الشاب شارل أوجسطين دي قريول كونت أرجنتال‬
                                                                          ‫ا‬       ‫ال‬              ‫ا‬
    ‫الذي كان مقدرً أن يصبح "ممو ً ومدعمً بنقوده" لفولتير ووكيالً له، وجزعت والدة شارل لهذا خشية أن يعرض‬
    ‫على أدريين الزواج فتقبل، فأقسمت األم أن تبعث بولدها إلى المستعمرات، وعندما سمعت الممثلة بهذا أرسلت إلى‬
         ‫مدام دي قريول (77 مارس 3723) وتؤكد لها أنها لن تشجع الشاب على االتصال بها أو تبادل الرسائل معها:‬
                 ‫"سأكتب إليه بأي شيء يرضيك. ولن أراه بعد اآلن إذا كنت ترغبين في ذلك. ولكن ال تهدديه بإرساله‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 91173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


 ‫إلى أقصى األرض. وسيعمل كل ما يبعث في قلبك الرضا واالرتياح، ويضفي عليك الشهرة والمجد، وما عليك إال أن‬
                                                           ‫توجهي مواهبه وقدراته وتنمي فضائله لتؤتى ثمارها(1).‬
     ‫وكانت آدريين على حق، فإن دارجنتال فاز بعضوية برلمان باريس، وفي سن الخامسة والثمانين، حين كان يقلب‬
                            ‫ا‬
                    ‫النظر في األوراق التي تركتها والدته، عثر على هذه الرسالة التي لم يكن يعرف عنها شيئً من قبل.‬
     ‫واستمتعت آدريين بدورها بنشوة الحب كما عانت من الهجران والصدود. وكان األمير الشاب موريس السكسوني‬
      ‫كثيرً ما يتردد على المسرح الذي تعمل فيه، ولم يكن بعد قد انفتحت أوداجه زهوا بانتصاراته، ولكنه كان وسيمً‬
      ‫ا‬                              ‫ً‬                                                                     ‫ا‬
                                                                                                   ‫ا‬     ‫ً‬
‫عاطفيا خياليً حتى أنه عندما أقسم على اإلخالص والوالء لها مدى حياته ظنته فارس أحالمها الذي طال انتظارها له،‬
        ‫وإذا وصل األمر بالرجال إلى وعد باإلخالص مدى الحياة، فإنهم يحيون ويموتون عدة مرات مثل القطط (بسبع‬
                                                                                      ‫ا‬
   ‫أرواح). ورضيت به عشيقً (3723)، وعاشا لفترة من الزمن يرشقان كؤوس المحبة واإلخالص إلى حد أن باريس‬
 ‫ا‬
‫قارنتهما بقمريات الفونتين الحبيبات. ولكن الجندي الشاب الذي أصبح لتوه "قائد معسكر" راوده الحلم بأن يكون ملكً،‬
   ‫وقد رأيناه يسارع إلى كورلند (جزء من تلقيا الحالية) طمعاً في الحصول على التاج فيها، وكان نصف األموال التي‬
                                                                                 ‫حملها معه من مدخرات آدريين.‬
    ‫فتسلت عن فراقه بتأسيس "صالون" في بيتها. ولم يكن غير ذي عائد فكري لها إنها كانت قد تعلمت رشاقة راسين‬
                                                   ‫ا‬
 ‫وأفكار موليير، حتى أصبحت من خيرة سيدات فرنسا ثقافة وعلمً، ولم يكن أصدقاؤها من المعجبين العابرين، ولكنهم‬
   ‫رجال ونساء أحبوا عقلها. فقصد فونتيل وفولتير ودارجنتال والكونت دي كايلوس بانتظام إلى دارها لتناول العشاء،‬
              ‫ووجد بعض السيدات األنيقات من ذوات األلقاب واألحساب متعة في االنضمام إلى هذه الجماعة المتألقة.‬
                                           ‫وفي 1723 عاد الجندي الذي لم يواته الحظ ولم يتحقق أمله إلى باريس.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 19173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


          ‫وكان البعاد قد خفف من لوعة حبه. وتبين أن آدريين كانت تكبره آنذاك بأربعة أعوام حيث كانت في السادسة‬
  ‫والثالثين وعرض كثير من السيدات الثريات أن يشاركنه مضجعه، وكان الدم الملكي يجري في عروق إحداهن مثله‬
                                                                                                         ‫ا‬
        ‫تقريبً، وهي لويز دي لورين دوقة بويون حفيدة بطل بولندة النبيل جان سوبيسكي، وكانت تختال في جرأة أمام‬
   ‫موريس في مقصورتها في المسرح الفرنسي، إلى حد أن آدريين ولت وجهها شطر هذه المقصورة، حين كانت تلقي‬
    ‫في شيء من التوكيد بعض أبيات غاضبة من رواية راسين "‪" "Phedre‬لست واحدة من هؤالء السيدات الوقحات‬
                                                                                ‫ال‬
  ‫الالئي تعلمن، وهن يلقين ظال ً من الجريمة على مظهر الوئام الهادئ الوادع، إن يكن صفيقات إلى حد ال يستشعرن‬
                                                                            ‫معه الخجل من سوء تصرفهن"(9).‬
   ‫وفي يولية 9723 أبلغ سيمون بوريه، القسيس رسام المنمنمات اآلنسة ليكفرير أن رسولين مقنعين من إحدى سيدات‬
  ‫البالط عرضا عليه أن يعطي الممثلة بعض أقراص السم لقاء 1111 جنيه إذا قام بالمهمة. فأخطرت آدريين الشرطة‬
                                                             ‫ا ا‬
‫بذلك. فقبضوا على القسيس وأجروا معه تحقيقً دقيقً. ولكنه صمم على أقواله. وكتبت آدريين إلى مدير الشرطة رسالة‬
       ‫ا‬                             ‫ي‬
       ‫رائعة تطلب منه إطالق سراح القسيس: "إني تحدثت إليه، وجعلته يتحدث إل ّ كثيراً لوقت طويل، وأجاب دائمً‬
                                ‫ا‬              ‫ا‬
‫إجابات محكمة ذكية، ليس ألني أرغب في أن يكون ما قال صحيحً. فإن لدي مزيدً من األسباب التي تحملني على أن‬
                              ‫ا‬                                                           ‫ال‬
‫أتمنى أن يكون مخبو ً. آه: أليس إلى اهلل وحده أتوسل ان يغفر له؟ ولكن إذا كان بريئً فأرجو أن نفكر يا سيدي إلى أي‬
‫حد يجدر بي أن أهتم بمصيره. ال تلق باالً إلى مهنتي أو مولدي وأصلي، ولكن حاول متفضالً أن تستشف حقيقة نفسي‬
           ‫التي بين جنبي، وكم هي صادقة مخلصة، وقد كشفت لك عن سريرتها. بجالء ووضوح في كتابي هذا(13).‬
            ‫ا‬
       ‫وأصر الدوق دي بويون على أية حال، على احتجاز القسيس، ثم أفرج عنه بعد بضعة شهور، وظل مصرً على‬
                                                           ‫أقواله. ولسنا ندري حتى يومنا هذا مبلغ صدق روايته.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 39173‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


                                    ‫ا‬
     ‫وفي فبراير 1123 بدأت اآلنسة ليكوفريير تعاني من إسهال يزداد سوء يومً بعد يوم. وظلت تمثل أدوارها على‬
   ‫المسرح، ولكن في أوائل مارس حملوها من المسرح مغمى عليها. وفي 73 مارس مثلت، وهي تلتقط آخر أنفاسها‬
             ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫"جوكاست" في رواية فولتير "أوديت" وفي يوم 23 مارس لزمت الفراش، وصارت تنزف نزيفً مميتً من أمعائها،‬
     ‫ولم يعد الماريشال يزورها، ولكن فولتير ودارجنتال فقط هما اللذان سهرا على العناية بها في هذه الخاتمة الفاجعة‬
                                                          ‫المذلة، وفاضت روحها في 17 مارس بين ذراعي فولتير.‬
 ‫وحيث كانت آدريين قد رفضت الشعائر األخيرة للكنيسة(33). فإن القانون الكنسي حرم دفنها في األرض المخصصة‬
                  ‫ا‬
     ‫للمؤمنين، واستأجر أحد األصدقاء اثنين من حملة المشاعل ليحمال جثمانها في عربة أجرة لدفنه سرً على ضفاف‬
   ‫السين، فيما أصبح فيما بعد شارع بورجون. (في نفس العام 1123 دفنت الممثلة اإلنجليزية آن أولدفيلد باحتفال عام‬
  ‫في كنيسة وستمنستر.) وفي 1123 نظم فولتير قصيدة (موت اآلنسة ليكوفرير يستنكر فيها المعاملة المهينة في دفنها‬
‫بهذه الطريقة: "تأثرت كل القلوب، مثل قلبي، باألسى والفجيعة. وإني ألسمع كل الفنون الذاهلة تولول من حولي، وهي‬
      ‫تذرف الدمع. أن ملبومين (ربة المأساة) قضت نحبها، ماذا عساكم تقولون أيها األعقاب رجال الغد إذا علمتم بهذا‬
  ‫األذى األليم المدمر الذي ألحقه أناس قساة بال قلوب بهذه البائسة التي تخلى عنها أصدقاؤها؟ لقد حرموا من الدفن من‬
                                                                      ‫ا‬
    ‫إذا كانت في اليونان القديمة ألقاموا لها مذبحً في الهيكل. لقد رأيتم يقدسونها ويزدحمون حولها. إنها ال تكاد تموت‬
    ‫متى تصبح محرمة، لقد سحرت ألباب العالم، ثم ها أنتم تعاقبونها، كال، لن تكون هذه الضفاف بعد اآلن دنسة، إنها‬
          ‫تضم رفاتك، وستكون هذه المقبرة الحزينة معبداً جديدا لنا، نمجده في ترانيمنا، وتضفي عليه ظاللك قدسية".‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 79173‬




                                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


      ‫وكان أعظم كاتب مسرحي في ذاك العصر، بطبيعة الحال، فولتير. وكان له منافسون كثيرون، من بينهم بروسبو‬
  ‫جولتون دي كربيون، وهو معمر عجوز كان ينبغي له أن يفارق الحياة منذ أمد طويل. وكان كربيون قد أنتج فيما بين‬
 ‫عامي 7123 و3323 روايات ناجحة ثم اقتنع بالفشل المحتوم لروايته "اجزرسيس" 4323، وهنا كانت نهايته، وكان‬
     ‫قد انقطع عن التأليف، وبات يعاني الفقر، ويجد بعض السلوى في مسكن على السطح مع مجموعة لطيفة من عشر‬
                                                                                            ‫ً‬
 ‫كالب وخمسة عشر قطا وبعض الغرابيب السود. وفي 7423 أنقذته مدام دي بمبادور بمعاش ووظيفة عاطلة (يقبض‬
                                                                                                 ‫ال‬
       ‫راتبً وال يؤدي عم ً)، واتخذت التدابير الطبع مجموعة أعماله في مطبعة الحكومة. وقصد إلى فرساي ليقدم لها‬  ‫ا‬
  ‫الشكر. ولما كانت هي مريضة، فقد استقبلته وهي مالزمة الفراش، فلما انحنى ليقبل يدها دخل لويس الخامس عشر،‬
                                                 ‫ا‬
        ‫فصاح ابن السبعين "موالتي، لقد وقعت الكارثة، إن الملك فاجأنا معً"(73). وسر الملك بومضة الذكاء وسرعة‬
      ‫البديهة وانضم إلى بمبادور في حثه على إكمال روايته "كاتيلين وكان قد أهملها وشهدتها مدام بمبادور والحاشية،‬
                                                       ‫ا‬
‫ونال العرض األول االستحسان (1423). واهتز كربيون طربً من جديد لما أصاب من شهرة ومال. وفي 7423 وهو‬
                                                    ‫ا‬
                                         ‫في الثمانين أخرج آخر رواياته. وعمر بعد ذلك ثمان سنين، سعيدً بحيواناته.‬
                                         ‫ا‬                                                      ‫ا‬
       ‫ولم يطب فولتير نفسً بظهور منافس له من بين القبور، ولكن كان عليه أيضً أن يواجه في الملهاة منافسه ماريفو‬
                                    ‫ء‬
 ‫المتعدد الجوانب الشديد االنفعال إن بيير كارل دي شمبلين دي ماريفو أصبح هجا ً حين رأى بمحض الصدفة، حبيبته‬
                                                                                  ‫ا‬           ‫ا‬
‫ذات السبعة عشر ربيعً تطبق عمليً مفاتنها المغرية أمام المرآة. ودق قلبه مؤقتاً فقط، ألن والده كان المدير الثري لدار‬
     ‫سك النقود في ريوم، وكم من شابه أو غادة تاقت نفسها لتكون زوجة بيير. وتزوج من أجل الحب، وأدهش باريس‬
         ‫حين عاش حياة جنسية طابعها الرصانة واالعتدال. وانضم إلى صالون مدام دي تنسان، وربما تعلم فيه الدعابة‬
                      ‫المرحة، والعبارة الرشيقة اإلحساس الرقيق، وانتقل كل أولئك إلى رواياته، وتميزت به مسرحياته.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 19173‬
                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> المسرح‬


 ‫وأول نجاح أصابه ماريفو هو رواية "آرليكان يصقله الحب" التي عرضت لمدة أثنتا عشرة ليلة متوالية على "مسرح‬
      ‫اإليطاليين" 1723. وبقدر ما كان يحصل عليه من أجور، فقد معظم أمواله عند انهيار بنك لو. ويروي إنه استرد‬
  ‫ثروته بقلمه(13)، حيث كتب سلسلة من رواياته الملهاة (الكوميديا) أمتعت باريس بمرحها اللطيف وحبكتها البارعة،‬
      ‫ا‬       ‫ا‬
     ‫وأشهرها "لعبة الحب والحظ". وقد هاجمت اعتزام زوجين (أربعة أشخاص، رجالن وامرأتان) اعتزامً متزامنً،‬
    ‫ولكن غير متفق عليه، أن يختبرا إخالص الخطيب الذي لم تقع عليه العين بعد، عن طريق تبادل الزي والشكل بين‬
   ‫سيد وخادم وسيدة وخادمة، في سلسلة من المصادفات السخيفة المضحكة، مثل منديل ديزدمونة (في رواية عطيل).‬
    ‫وسر نساء باريس أكثر مما سر رجالها بالمآزق التي يتورط فيها الحب في هذه الرواية وبما فيها من عاطفة رقيقة.‬
                                                                                                   ‫ا‬
     ‫وهنا أيضً كما هو الحال في قصر فرساي، وفي الصالونات، وعند واتو وبوشيه، تحكمت المرأة، وكان لها القول‬
‫الفصل، وحل تحليل المشاعر محل مشاكل السياسة وبطوالت الحرب، وتخلت الملهاة الرجولية عند مولبير عن مكانها‬
         ‫أمام الملهاة األنثوية التي سيطرت على المسرح الفرنسي (معترضة الطريق) إلى أيام سكرايب وديماس االبن‬
                                                                                                     ‫وساردو.‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 49173‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬



                                                                                          ‫1- القصة الفرنسية‬


                                         ‫ا‬    ‫ال‬
    ‫إن ماريفو هذا هو نفسه الذي أضفى على القصة في فرنسا شك ً جديدً. وفي 3123 أصدر الجزء األول من "حياة‬
               ‫ا‬                                                         ‫ا‬   ‫ال‬
   ‫ماريان". وتقبلها القراء قبو ً حسنً. واستمر يقدم أجزاء أخرى عام 3423، حتى بلغت أحد عشر جزءً، ولم يكملها‬
  ‫(ولو أنه عمر حتى عام 1123)، ألن هدفه لم يكن أن يقص حكاية بقدر ما كان أن يحلل شخصية، وبالذات شخصية‬
      ‫المرأة، وبصفة خاصة في الحب. ولم يكن ثمة شيء رائع أخاذ أكثر من المشهد االفتتاحي، عصابة من اللصوص‬
  ‫تسطو على مركبة للبريد والمسافرين، وتقتل كل من فيها، باستثناء ماريان التي عاشت لتقص القصة في شيخوختها.‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 79173‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


 ‫وتحتفظ البطلة والمفروض أنها مؤلفة القصة، بعدم ذكر اسمها، وهذا عمل كيدي، إلى النهاية. وتحمل المخطوطة إلى‬
                                                      ‫ا‬
                ‫صديق لها مع تحذيره "ال تنس أنك وعدتني أال تبوح باسمي أبدً" أنا أود أال يعرفني أحد إال أنت"(43).‬
    ‫ولما كان أبوها من بين الضحايا، فقد تولى تربيتها رجل برجوازي محسن كريم، حتى أصبحت بائعة في محل لبيع‬
       ‫مالبس النساء. وازدادت فتنة وجماالً إلى حد أثار مسيو دي كليمال. وصار يقدم لها هدايا صغيرة ثم هدايا ثمينة،‬
 ‫وأخيرا طلب يدها جزاء ما قدم. ولكنها رفضته، وأعادت إليه هداياه بعد ترددات يصفها ماريفو في ذكاء لطيف. وكان‬  ‫ً‬
 ‫جديرً بنا أن نقول إنها في نفس الوقت كانت قد التقت بابن أخي كليمال، وهو مسيو دي فالفيل، الذي كان أقل من عمه‬  ‫ا‬
                                                                                              ‫ا‬
   ‫ماال وأصغر منه سنً. ومهما يكن من أمر فإن فالفيل يترك ماريان معلقة، لما يقرب من ألف صفحة، وينصرف إلى‬         ‫ً‬
                                                                               ‫سيدة أخرى. وهنا ختام قصة ماريفو.‬
           ‫تلك هي القصة النفيسة في فرنسا القرن الثامن عشر، التي لم تنافسها إال قصة "اتصاالت خطيرة" التي كتبها‬
   ‫كودرلوس دي الكلوس (7123). إنها أعادت إلى األذهان قصة مدام دي القاييت "األميرة دي كليف (1213)، ولو‬
     ‫إنها تكاد ال تعادلها في رقة الشعور وجمال األسلوب، ولكن بزتها في تحليل الدافع والعاطفة، وهنا نجد امرأة، مثل‬
 ‫باميال عند ريتشاردسن، تحتفظ بشرفها ألهميته في سوق الزواج، إنها تدرك أنه ليس لدى المرأة إال قيمة هزلية فانية،‬
                           ‫ا‬                                                                         ‫ا‬
‫لتقدمها تأييدً ألحادية الزواج للرجل الذي يتجه إلى تعدد الزوجات. وتلك صورة أكثر تهذيبً من الصورة التي أخرجها‬
‫ريتشاردسن، الذي بدأ قصة باميال بعد تسع سنين من ماريان وربما تأثر بها. وفي مقابل ذلك نجد أن قصة ريتشاردسن‬
                                                            ‫"كالريسا (2423)" ساعدت روسو في "هلواز الجديدة".‬
      ‫وعكس ماريفو خلق الطبقة المتوسطة القوي الحذر، على حين أولع كربيون االبن بفسق األرستقراطية وفجورها‬
                                                                                           ‫الطائش. وكانوا يطلقون‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 19173‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


     ‫عليه "كربيون المرح" تمييزاً له عن أبيه "كربيون المكتئب" (الذي قال عن ابنه إنه أسوأ إنتاجه الكبير). نشأ كلود‬
  ‫بروسبر جولبوت دي كربيون في باريس في عصر الوصاية الذي رجحت أخالقه التعليم الجزويتي الذي تلقاه كلود،‬
        ‫ولعدة سنين شارك أباه سكنه فوق السطح وغربانه وكالبه وقططه. وفي 4123 وهو في سن السابعة والعشرين‬
  ‫اشتهرت قصته "المنزلق على السطح". ومن الجائز أن يكون هذا لقب كل أبطاله وعنوان كل كتبه، ألن الحب فيها-‬
      ‫ا‬     ‫ً‬
  ‫كما قال شامفورت-هو مجرد "مالمسة سطحين"(73). ووقعت أحداث القصة في اليابان، ولكنها كانت نقدا الذعً أو‬
                                                                                                    ‫ا‬
‫هجاءً صريحً للكنيسة والدولة في فرنسا، وللدوقة دي مين الصغيرة (الفتاة الجميلة)، إلى حد أن الكاردينال فليري أبعد‬
                                                               ‫الكاتب-كلود كربيون-عن باريس لمدة خمس سنوات.‬
        ‫ولما عاد المؤلف أصدر في 1423 أسوأ رواياته سمعة "األريكة"، وقد أبعد من أجلها ولكن لمدة أقصر. ووقعت‬
                ‫ا‬
   ‫األحداث في "أجرا" ولكن األخالقيات كانت باريسية. إن السلطان تواله الضجر والسأم، ويريد قصصً يسري عنه.‬
  ‫ويتفضل رجل الحاشية الشاب أمانزي، فيرى كيف أنه تجسد فيما مضى من الزمان على هيئة أريكة، ويعود بذاكرته‬
 ‫إلى بعض الخطايا التي ابتلى بها زنيرك األريكة. وتعاقبت أحداث الزنى في تفصيل متزايد. ووجد كربيون متعة بالغة‬
  ‫في قصته (‪ )Almohid and Mochles‬وهما بعد أن أطنيا في التفاخر بعفتهما وطهارتهما، يعترفان بأن أفكارهما‬
    ‫غير عفيفة مثل سلوك سائر البشر، ويخلصان إلى أنه ال يمكن أن يكون في الفعل إثم أكبر منه في التفكير، ومن ثم‬
 ‫ا‬      ‫ال‬
 ‫فانهما يوائمان بين الفعل والقول. وتلك، على أية حال، استثنائية. فان نساء كربيون يتطلبون عادة جزاء (عم ً) ماليً‬
                                                                              ‫ا‬
‫عن أقوالهن، ومن ثم أحصت "أمين ً" بعناية ما حصلت عليه من مال، ولم تستجب لرغبة حبيبتها إال بعد أن تأكدت كل‬
                                                                     ‫التأكد إنه لم يخطئ في العملية الحسابية.(33)‬
                                                 ‫ولقي الكاتب ما كان مقدراً له من نجاح. ووجد قراء في عدة لغات‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 29173‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


  ‫أسرفت كلها في تصرفات شاذة. واعترف لورنس ستيرن بأنه تأثر بقصص كربيون. وفضلها هوراس وولبول على‬
        ‫ا‬
‫قصص فليدنج. وكان مفهوم الرجل الفاضل العفيف توماس جراي عن الجنة والنعيم "أن يقرأ إلى األبد قصصً جديدة‬
‫من تأليف ماتريفو وكربيون"(23). وجاءت من إنجلترا على عجل السيدة هنريتا ستافورد، وأصبحت خليلة كربيون،‬
                                                             ‫ا‬
 ‫وأم ولده، ثم زوجته ويروون أنه جعل من نفسه زوجً مثالياً لها(13). وفي 7723 انضم إلى الكسيس بيرون زشارل‬
‫كوللي في تأسيس "الكاف-الكهف، وهو ناد للموهوبين المرحين الذين اشتهروا بالبعد في الوقار والمزاح. وفي 9723‬
                                                                                    ‫ً ا‬
  ‫عين "بدليل الخلف" رقيبا ملكيً على األدب. ولما توفي والده في 7123، بعد أن أبطأ به الموت إلى حد مثير، ورث‬
                                                                                 ‫ابنه معاشه. "واألمور بخواتيمها".‬
   ‫وفقدت كتب كربيون شعبيتها قبل وفاته بزمن طويل. ولكن في الوقت نفسه كان أحد رجال الدين العلماء المثقفين قد‬
      ‫كتب قصة ال تزال حية مؤثرة إلى يومنا هذا. وكانت حياة أنطوان فرنسوا بريفوست دي أجزيل، المعروف باسم‬
   ‫الراهب بريفوست، متعددة األلوان مرهقة مثل سير الحياة التي أبدعها قلمه. إنه ولد في أرتوا في 2913، وتعلم في‬
                                                                        ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫مدارس اليسوعيين، ثم أصبح راهبً مبتدئً في طائفة اليسوعيين (1323)، وتركهم ليلتحق بالجيش، وارتقى إلى رتبة‬
                ‫ا‬                   ‫ا‬      ‫ا‬
   ‫ضابط، ووقع في شراك الحب، وخاب فيه أمله وتحطم قلبه، وأصبح راهبً بندكتيً (9323)، ثم قسيسً 1723، وقد‬
                        ‫بعث على الدهشة والعجب أن نقول إنه منذ ذلك الوقت اعتمد في حياته كل االعتماد على قلمه.‬
      ‫وكان بريفوست، حتى قبل أن يهجر حياة الدير، قد كتب قصة رومانسية "مذكرات ومغامرات رجل ذي حيثية"،‬
‫نشرت األجزاء األربعة األولى منها 1723 في باريس، وبعد عام قضاه في إنجلترا قصد إلى هولندة، وفي 1123 بدأ‬
  ‫ينشر قصة ثانية "الفيلسوف اإلنجليزي، أو تاريخ مستر كليفلند، االبن الطبيعي لكروامول "وهي من أوائل القصص‬
                                                                                                       ‫التاريخية،‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 19173‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬
          ‫وكتبها في ثمانية مجلدات في السنوات التسع التالية. وفي 3123 نشر المجلدات الخامس والسادس والسابع من‬
     ‫"المذكرات" سالفة الذكر ونشر المجلد السابع على حدة في باريس 3123 تحت اسم "مغامرات الفارس دي جرييه‬
  ‫ا‬        ‫ا‬
 ‫ودي مانون ليسكو" (تأليف مسيود). وحظرت الحكومة الفرنسية تداوله، ومن ثم أقبل عليه الناس إقباالً شديدً متزايدً.‬
                                                                              ‫ا‬     ‫ا‬
                               ‫ويقال "إنه في باريس لقي رواج ً كبيرً، وتهافت الناس عليه كما يندفعون إلى النار"(93)‬
                        ‫ا‬
          ‫وقصة مأنون موضوعة في قالب قبيح غير مصقول من التظاهر واإلدعاء، فثمة اثنتا عشرة بغيً في مركبة في‬
‫طريقهن إلى ميناء الهافر لترحيلهن إلى أمريكا. والمركيز-الرجل ذو الحيثية المجهول، والمفروض أنه يدون المجلدات‬
          ‫السبع من المذكرات، يأسر قلبه جمال إحدى الفتيات التي وصف وجهها فيما بعد "بأنه يمكن أن يعيد العالم إلى‬
‫الوثنية"(17). ويرى كذلك فارس دي جرييه البائس الوحيد الذوق يحدق النظر باكياً في خليلته السابقة، مانون، ويستبد‬
                   ‫ا‬
 ‫به الحزن واألسى ألنه مفلس وال يستطيع أن يتبعها إلى منفاها، وتتحرك مشاعر المركيز ويتأثر تأثرً مزدوجاً فيعطي‬
        ‫دي جرييه أربعة جنيهات ذهباً؛ مكنت الفارس من مصاحبة مانون إلى لويزيلنا. ويراه المركيز في كاليه بعد ذلك‬
                                    ‫بعامين، ويأخذه إلى داره. أما بقية المجلد الصغير فهي رواية دي جرييه لقصة حبه.‬
                                                                                                 ‫ا‬       ‫ا‬
         ‫وكان شابً نموذجيً كريم المحتد، مبرزاً في كل شيء في الكلية في اميان، وكان في عزم أبويه أن يلحقاه بطائفة‬
       ‫الفرسان في مالطة. وفي غمرة آمالهم العريضة "جعالني أضع الصليب"(37). ولكن مانون مرت أمامي ودخلت‬
  ‫حياتي، وتغير كل شيء. وكانت آنذاك في الخامسة عشرة وهو في السابعة عشرة، "ولم تكن قد تنبهت بعد إلى الفرق‬
 ‫بين الجنسين". وعجل وهو هذا التطور المكبوت على الفرار. وتبلغه مانون أنها أرسلت إلى اميان ضد رغبتها لتندمج‬
      ‫ا‬
      ‫في سلك الراهبات، فيعرض عليها أن يخلصها من هذا، ويهربان إلى باريس، وبدا أن إعجابهما المتبادل كان عقدً‬
                                                   ‫ال‬                                                  ‫ا ا‬
                                                   ‫وميثاقً كافيً"، وتحللنا من مراسم الكنيسة، ووجدنا أننا أصبحنا رج ً‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 99173‬




                                      ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


   ‫وزوجة، دون أن نفكر في هذا أو نتنبه له، ويكشف أخوه أمره ويقبض عليه ويعيده إلى والده الذي يخبره بأن مانون‬
    ‫أصبحت بالفعل خليلة للسيد "ب" أحد رجال المصارف. ويرى دي جرييه أن يذهب ليقتل السيد "ب" فيحبس الوالد‬
‫ابنه، ويأتي أحد األصدقاء تيبرج، ويؤكد الزعم بأن مانون خليلة السيد "ب" ويحث دي جورييه على االنتظام في سلك‬
                    ‫ا‬                         ‫ا‬
   ‫الكهنوت، ويلتحق الشاب بمعهد سان سلبيس الالهوتي، ويصبح راهبً. "وظننت أني تطهرت تمامً من دنس الحب،‬
   ‫ويذهب بعد عامين لحضور امتحان عام ومناظرة في السوربون، فيفاجأ بمانون بين الحاضرين، وتشق عي طريقها‬
   ‫إليه، وتعترف بخيانتها، ولكنها تقسم إنها لم تقترف الخطيئة مع السيد "ب" إال لتوفر المال لدي جرييه. ويهربان من‬
                                                                                                        ‫جديد.‬
                                                                                          ‫ا‬
‫ويتخذ الحبيبان مسكنً في ضاحية شبو، ويعيشان حياة باذخة على مبلغ الستين ألف فرنك الذي حصلت عليه مانون من‬
      ‫السيد "ب". ويأمل دي جرييه بعد فصله من سلك الرهبنة وعودته إلى الفروسية، أن يحصل من أبيه على الصفح‬
   ‫والمال أو أن يرث مال أبيه بعد موته. ويسطو عليهما أحد اللصوص فيسلبهما مالهما. ويجدان أنهما أصبحا معدمين‬
                                   ‫ال‬
‫بين عشية وضحاها. وأدركت آنذاك أن اإلنسان قد يحب المال دون أن يكون بخي ً.. لقد عرفت مانون.... ومهما كانت‬
                  ‫ا‬
  ‫مخلصة وفية مغرمة بي في وقت الرخاء، فال يمكن االعتماد عليها في وقت الشدة. إنها اهتمت كثيرً بالمتعة والثروة‬
     ‫لتضحي بهما من أجلي"(77). وهو يحبها أكثر من حبه للشرف. ويسمح الخوتها أن يعلموه الغش في لعب الورق‬
       ‫فيكسب بعض المال، ولكنه يتعرض للسرقة مرة أخرى. وتهجره مانون إلى رجل فاجر عجوز ثري، وتركت له‬
                                                              ‫ا‬    ‫ً‬
          ‫رسالة تقول فيها "إني أعمل ألجعل فارس غنيا سعيدً". وينضم إليها في مؤامرة البتزاز المال من هذا الرجل‬
                             ‫ا‬
‫العجوز، وينجحان ويختفيان ثم يقبض عليها، وتوضع هي في الملجأ العام باعتبارها بغيً، ويرسل هو إلى الدير. ولكنه‬
                                                      ‫ً‬
    ‫يهرب منه بإطالق النار على حارس البوابة: ويقترض نقودا ويرشو القائمين على األمر في الملجأ ليسهلوا لمانون‬
                                                                            ‫ا‬
                                                            ‫سبيل الهرب، وتقطع على نفسها عهدً بحبه إلى األبد.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


  ‫ولما نفد رصيدهما من المال، أجازت لوريث غني أن يتخذها خليلة، ويقبض عليها ثانية، ويقنع والد جرييه السلطات‬
   ‫الرسمية بترحيلهما ويحاول دي جرييه إنقاذهما في الطريق، فلما عجز عن ذلك أبحر معها إلى نيو أورليانز، وهناك‬
    ‫تعلمت أن تحتمل مرارة الفقر، وأن تكون مخلصة كل اإلخالص لدي جرييه، ويعودان إلى ممارسة الشعائر الدينية،‬
                      ‫ً‬       ‫ا‬
‫ولكن ابن حاكم المستعمرة يهيم بحبها. ولما كان مانون ودي جرييه قد أهمال أن يعقدا عقدً شرعيا بالزواج، فإن الحاكم‬
   ‫مارس حقه في أن يزوجها من أي فرد في المستعمرة، ومن ثم أمرها أن تقبل ابنه زوجاً لها. وأردى دي جرييه البن‬
  ‫قتي ً في مبارزة، ويهرب الحبيبان إلى الفيافي والقفار سيرً على األقدام. وبعد مسيرة عدة أميال مرهقة، تسقط مغشيً‬
  ‫ا‬                                                        ‫ا‬                                                  ‫ال‬
     ‫عليها وتفارق الحياة، "وقضيت يومين وليلتين ال تفارق شفتاي وجه عزيزتي مانون ويديها". وحفر بيديه جدثاً لها‬
 ‫ويواريها التراب، ويرقد على القبر ليقضي نحبه هو اآلخر. ولكن صديقه الطيب تيبرج، الذي قدم في نفس الوقت من‬
                                              ‫فرنسا، يعثر عليه، ويصحبه ثانية إلى كاليه، إلى المركيز ليروي حكايته.‬
                                                                                    ‫ا‬
     ‫وأصبحت "مانون ليسكو" معينً ال ينضب لقصص حب مبللة بالدموع. فإن أية امرأة، ولو لم تكن "محطمة القلب"‬
 ‫تذرف الدمع على موت مانون وحزن دي جرييه، مغتفرة لها حيلها المالية، وله جرائمه الخسيسة. وضرب بريفوست‬
                                                                 ‫ء‬
  ‫على نغمة جديدة حين نسب إلى بطله وبطلته أخطا ً كثيرة إلى هذا الحد، وجعلها أخطاء حقيقية، حين كشف عن حب‬
‫مانون الطاغي للذة والمتعة، وقدرة حبيبها على التطفل والغش والسرقة والقتل. وهي طراز عتيق للبطلة، وهو بالتأكيد‬
                  ‫مثال جديد للبطل. وربما بلغ الكتاب قدراً أكبر من القوة لو أن دي جرييه ترك ليموت على قبر مانون.‬
     ‫وربما روى بريفوست القصة بمثل هذا اإلحساس والعاطفة ألنه هو نفسه كان لديه الحماسة والغيرة اللتان تجلتا في‬
                                                                                            ‫دي جرييه. ومن ثم كانت‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 31373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> القصة الفرنسية‬


                                                            ‫ا‬              ‫ا‬
         ‫القصة سيرة حياته قبل أن تكون حادثً. ولم يكن تافهً متطفالً، ترجم إلى الفرنسية روايات ريتشاردسن الثالث‬
   ‫الضخمة، وزادت تلك الترجمات من تهافت فرنسا على ريتشاردسن، وهو تهافت كان له مظهر مختلف عند روسو‬
          ‫ا‬
   ‫وديدرو. وترجم كتاب مدلتون "حياة شيشرون"، وكتاب هيوم "تاريخ إنجلترا"، وكتب عدة قصص أقل شأنً، وعدة‬
  ‫مجلدات عن "التاريخ العام للرحالت". وفي أمستردام في 1123، وقع في غرام عشيقة رجل آخر. ولما نمى إليه أن‬
                                                                                       ‫ا‬
‫البندكتيين استصدروا أمرً بسجنه، هرب إلى إنجلترا مصطحباً هذه السيدة معه. وفي لندن كسب عيشه بإعطاء دروس‬
     ‫ا‬
‫خاصة. وفي 73 ديسمبر قبض عليه بتهمة قدمها ضده أحد تالميذه بأنه زيف ورق نقدية من ذات الخمسين جنيه ً-وهي‬
   ‫جريمة عقوبتها القانونية اإلعدام. وسرعان ما أطلق سراحه ألسباب مجهولة. وعاد إلى فرنسا (4123) وانضم من‬
                                          ‫جديد إلى طائفة البندكت. وفي 1723 عين في دير سان جورج-دي جين.‬
  ‫وأدى موته بعد عشر سنين من ذلك إلى أسطورة ترويها حفيدته بيف لسانت بيف وكأنهما حقيقة، تلك هي أنه أصيب‬
                                                                ‫ً‬
  ‫بالسكتة أثناء سيره في غابات شانتيللي، وأن طبيبا ظن أنه مات فقام بتشريحه ليقف على سبب الوفاة، وأن بريفوست‬
       ‫كان ال يزال حياً، ولكن فحص الجثة هو الذي أودى بحياته(17). هذه القصة مرفوضة اليوم بصفة عامة(47).‬
                                                                                     ‫ا‬
    ‫وكان تأثير بريفوست كبيرً. إنه أسهم في تشكيل رواية روسو "هلواز الجديدة"، وحرك ديدرو الحاد الذهن الرقيق‬
                                                   ‫ا‬
     ‫القلب ليكتب مسرحيات باكية عاطفية. كما اتخذ هذا التأثير مثاليً في قصة "بول وفرجيني" للكاتب برناردين دي‬
‫سانت بيير. وبرز التأثير من جديد في "غادة الكاميليا" لديماس االبن. ولعبت دوراً في الحركة الرومانسية، إلى أن قدم‬
                                       ‫فلوبرت "مدام بوفاري" (2713). وال تزال مانون تحيا وتموت في األوبرا.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 71373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬
                                    ‫ا‬



                                                                                              ‫ا‬
                                                                                              ‫4- حكماء أقل شأنً‬


  ‫ونعود إلى الكالم عن راهب آخر، وينبغي علينا في هذه المرة أن نوفيه حقه. فقد رأينا كيف أن شارل ايريني كاستل‬
  ‫راهب سان بيير، روع الدبلوماسيين في أوترخت بكتابه "مذكرة في حفظ السالم على الدوام". (7323). وهي التي‬
                                     ‫ا‬
 ‫أسرت لب روسو وكان كالهما كما رأينا، بعرض على نادي "أنترسول" خليطً من أفكار وإصالحات تقدمية إلى حد‬
                                                    ‫ا‬
            ‫أن الكاردينال فليري أحس بأنه مضطر إلى إغالق النادي إنقاذً للدولة (3123). فماذا كانت هذه األفكار؟‬
  ‫إن شارل هذا، على غرار كثير من الثائرين المتمردين، قد اكتسب ذهنه حدة ومضاء بفضل التعليم اليسوعي. إنه لم‬
  ‫يطل به الوقت ليطرح العقيدة السائدة جانبً، وعلى الرغم من إنه ظل يعلن اعتناقه الكثلكة، فإنه ألحق بها أذى ماكرً‬
  ‫ا‬                                                                     ‫ا‬
    ‫في "مقالة ضد اإلسالم"، حيث أن ما أورد فيها من حجج-مثل فولتير في كتابه "محمد"-يمكن تطبيقه بسهولة على‬
          ‫المسيحية التقليدية. وواضح أن "تفسيره المادي" للمعجزات المزعومة التي قال بها البروتستانت والمنشقون‬
                                                      ‫والمسلمون" قصد به المثل التشكك في المعجزات الكاثوليكية.‬
   ‫وفي 2323 ثم في 9723 أعاد نشر "مشروع السالم الدائم" بعد التوسع فيه. وناشد ملوك أوربا، ومن بينهم سلطان‬
                                                                                    ‫ا‬      ‫ا‬
      ‫تركيا، أن يعقدوا ميثاقً مقدسً يمكن أن يكفل بالتبادل ممتلكاتهم الحالية، وأن تنبذ الحرب وسيلة لتسوية الخالفات‬
   ‫ا‬
   ‫الدولية، وأن يخضع هذه الخالفات التحاد أوربي تكون له قوة فرض قبول القرارات التي يصدرها. وصاغ نموذجً‬
  ‫لدستور لهذا االتحاد، مع القواعد التي يمكن اتباعها في إجراءات اجتماعات هذا االتحاد. وحدد األنصبة المالية التي‬
      ‫تخصصها كل من الدول األعضاء لالتحاد، ولم يكن أحد ليتوقع تنبؤه بأن مؤتمر فيينا 7323، سيشكل، على هذه‬
                                                                                ‫ا‬             ‫ا‬     ‫ا‬
                         ‫األسس "حلفً مقدسً" لإلبقاء دومً على النظم الملكية واإلقطاعية، وإخماد الحركات الثورية.‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 11373‬




                                    ‫ا‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬


 ‫ولم يكن ثمة صعوبات يمكن أن تزعزع ثقة الراهب المرن السريع التكيف، فأقر، في عبرة دينية اإليمان بالتقدم، وفي‬
   ‫كتابه "مالحظات على التقدم المستمر في العقل العالمي" (2123) أعلن، قبل كوندورسيه بزمن طويل، إمكان بلوغ‬
  ‫الجنس البشري مرتبة الكمال غير المحدود بفضل قوة العقل في رجال العلم والحكومات. إنه فوق كل شيء قال وهو‬
 ‫مستغرق في التفكير والتأمل، بأن الجنس البشري وفقاً لمراجع موثوقة، ال يزيد عمره على سبعة أو ثمانية آالف سنة،‬
‫ومن ثم فإنه ال يعدوا أن يكون في مرحلة "طفولة العقل"، فما الذي ال نتوقعه منه في شبابه النشيط بعد ستة آالف سنة،‬
                              ‫وفي االزدهار الرائع في مرحلة نضج الجنس البشري بعد مائة ألف عام من اآلن؟(77).‬
‫إن سان بيير بمشكلتنا الحديثة: تلك هي أنه بينما خطت العلوم والمعرفة خطوات واسعة في طريق التقدم، لم يحدث في‬
 ‫مجال األخالق أو السياسة تقدم متكافئ مع تلك الخطوات، إن المعرفة تزود الرذيلة بالوسائل واألدوات بقدر ما تهذب‬
      ‫األخالق وتعمل على تنويرها. وكيف ننحو بنمو المعرفة نحو تقويم أخالق األفراد واألمم؟ وفي رسالته "مشروع‬
  ‫لتحسين أوضاع حكومات الدول والبلوغ بها إلى درجة الكمال" (2123) اقترح سان بيير تأسيس "أكاديمية سياسية"‬
                                                                                      ‫ً‬
     ‫تتألف من اعظم الرجال عقال وحكمة في البالد، وتكون بمثابة هيئة استشارية للوزراء في الدولة في كل ما يتعلق‬
     ‫باإلصالح االجتماعي والخلقي. وقدم عدة اقتراحات محددة: تعليم عام تحت إشراف الحكومة (ال الكنيسة)، تسامح‬
      ‫ً‬
‫ديني، زواج رجال الدين، توحيد القوانين الفرنسية، قيام الدولة برعاية الصالح العام والنظام االجتماعي، وأخيرا زيادة‬
     ‫اإليرادات القومية عن طريق الضرائب التصاعدية على الدخول والتركات(17). وفي 7723 أضاف الراهب إلى‬
     ‫اللغة الفرنسية لفظة "اإلحسان أو عمل الخير" ليميز الروح اإلنسانية التي آثرها على الصدقات التي تقترن بفكرة‬
     ‫التنازل والتلطف في النظام القديم. ووضع قبل هلفشيوس وبنتام بزمن طويل مبدأ المنفعة: ذلك "أن قيمة أي كتاب‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 41373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬
                                    ‫ا‬


  ‫أو قاعدة أو نظام أو عمل تقاس بعدد وعظمة الملذات والمتع الفعلية التي تحققها، وما ينتظر أن تحققها في المستقبل،‬
                                        ‫ال‬
‫ألكبر عدد من الناس(27). وبدا معظم األفكار األساسية عند الفالسفة استهال ً أو مقدمة لسان بيير، بل لألمل في ملك‬
  ‫مستنير، كعامل من عوامل اإلصالح. وكان سان بيير بكل بساطته وسذاجته وأطنابه، أحد األذهان التي حملت بذور‬
                                                                                                  ‫عصر االستنارة.‬
 ‫وال بد أن شارل بينو ديكلوس قد ازدرى الراهب سالف الذكر ألنه خيالي واهم ال يتفق مع ذهن واقعي. ولد في دينان‬
             ‫ا‬
       ‫بمقاطعة بريتاني، واحتفظ حتى النهاية بالشخصية الجادة الحذرة العنيدة التي تميز بها البريتون. وكان ابنً لوالد‬
 ‫برجوازي ميسور ماتت في السنة األولى بعد المائة، فاستطاع أن يقضي شبابه الطائش في باريس في عهد الوصاية.‬
‫وتلقى تعليمه العالي عند اليسوعيين وبنات الهوى، وانغمس في حماقات الشباب أيما انغماس. وزاد من حدة ذكائه في‬
‫المقاهي، ومكنت له شهرته بسرعة البديهية من ارتياد المجتمع والصالونات، وزاد من شهرته بقصة "تاريخ البارونة‬
                                                                        ‫ا‬
   ‫دي لوز" (3423) التي كادت أن تكون اتهامً هلل. إن البارونة تصد كل هجوم على أمانتها الزوجية، ولكنها تستسلم‬
   ‫لحاكم فاسق فاسد، لتنقذ حياة زوجها المتورط في مؤامرة ضد الملك. وتغتصب البارونة مرتين. وفي سورة غضب‬
                 ‫جنوني تصرخ "أيها الرب القاسي، كيف استحق كراهيتك لي هل ألن الفضيلة كريهة لديك؟(17)".‬
 ‫وعلى الرغم من مغزى هذا الكتاب وما تضمنه من إثارة جنسية انتخب ديكلوس لألكاديمية (1423) بفضل نفوذ مدام‬
       ‫ا‬
  ‫دي بمبادور. واشترك بحيوية ونشاط في أعمالها، وأعاد تنظيمها، وربط بينها وبين أدب العصر وفلسفته ربطً بعث‬
 ‫فيها الحياة. وفي 3723 خلف فولتير في وظيفة مؤرخ لملك وفي 4723 سعى النتخاب دالمبرت لعضوية األكاديمية،‬
                                                                                  ‫ا‬
 ‫وفي 7723 انتخب سكرتيرً دائماً لها، وظل الروح المسيطرة عليها حتى وفاته. وكسب األكاديمية إلى جانب األفكار‬
                                                              ‫المتحررة. ولكنه رثى وأسف لتهور دي هولباخ‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 71373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬
                                    ‫ا‬


               ‫وهلفشيوس وديدرو "إن هذه العصبة من الملحدين الصغار سوف تنتهي باقتيادي إلى كرسي االعتراف".‬
  ‫ا‬      ‫ال‬
  ‫وإنا لنذكره بصفة خاصة من اجل كتابه "نظرات في الخير والشر في هذا القرن" (1723) وهو يتضمن تحلي ً هادئً‬
     ‫خر‬                                                                                              ‫ال‬
 ‫دقيقً مفص ً عن األخالقيات والشخصية الفرنسية. وكتبه قبل أن يبلغ الخامسة واألربعين، واستهله بوقار حكيم َ ِفْ‬ ‫ا‬
    ‫"لقد عشت، وأود أن أعيش ألكون ذا نفع لمن سيعيشون". ويأسف "ألن أعظم الشعوب حضارة ومدنية ليست كذلك‬
                                                                                                   ‫ا‬
‫أكثرها تمسكً بالفضيلة": إن أسعد الفترات هي تلك التي ال تعتبر فيها الفضيلة حسنة أو ميزة، وإذا بدأ اعتبارها كذلك،‬
                              ‫فإن العادات بالفعل تتغير. وإذا أصبحت هدفاً للسخرية فتلك هي آخر مراحل الفساد(97).‬
‫وفي رأيه أن "أكبر نقيصة في الرجل الفرنسي أن له على الدوام شخصية شبابية، ومن ثم فهو في الغالب أنيس لطيف،‬
                                                                                               ‫ا‬
    ‫وقلما يكون راسخً متزناً، ويكاد ال يمر بسن النضج، بل ينتقل من الشباب إلى عجز الشيخوخة..... فالرجل الفرنسي‬
    ‫هو طفل أوربا(11)-مثلما أن باريس هي ملعبها. وال يتعاطف ديكلوس كل التعاطف مع عصر العقل الذي يحس أنه‬
                ‫ا‬    ‫ا‬                                  ‫ا‬                       ‫ا‬
     ‫دوامة تعصف حوله" "لست متأكدً من إني أحسن الظن كثيرً بهذا القرن، ولكن يبدو لي أن تخمرً معينً في العقل‬
                                           ‫ا‬
       ‫يتجه نحو التطور والنمو في كل مكان(31)". إننا في هذه األيام ننتقد كثيرً في عنف بالغ التحيز والتحامل وربما‬
      ‫قضينا عليهما إلى حد كبير. إن التحيز ضرب من القانون العام السائد بين البشر... وفيما يتعلق بهذا الموضوع. ال‬
   ‫أملك إال أن أنحى بالالئحة على الكتاب الذين يريدون مهاجمة الخرافة (وقد يكون من البواعث النافعة الجديرة بالثناء‬
                                                                                     ‫إذا تمت المناقشة على أساس‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 11373‬




                                    ‫ا‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬
     ‫فلسفي). فيقرضون أسس األخالق ويضعفون روابط المجتمع... والنتيجة المؤسفة لهذا على قرائهم، هي أن يصبح‬
                             ‫الشباب مواطنين سيئين ومجرمين مخزين، وأن ينتاب الشقاء الذين يتقدم بهم العمر(71).‬
                                                          ‫ا‬
   ‫وكان جريم المراسل الباريسي للشخصيات األجنبية وواحدً من كثير ممن استاءوا من هذا التشهير الرقيق بالفلسفة،‬
                                                        ‫ا‬
        ‫الصادر من رجل نهل من منابع كثيرة "إذا كان المرء مجردً من الشعور فاسد الذوق ، فليس له أن يتحدث عن‬
  ‫األخالق وال عن الفنون(11). ولكن جريم كان يزاحم ديكلوس في الظفر بالحظوة لدى مدام دي ابيناي، وإن مذكرات‬
                                                                            ‫ا‬
   ‫هذه السيدة الرقيقة لنصور ديكلوس فظً مستبداً إذا تمكن، شديد التهور إذا غلب على أمره. ولكن جريم هو الذي أعد‬
‫هذه المذكرات للنشر. وإذا كان لنا أن نصدق هذه الصفحات العتيقة الباكية فإن مدام ابيناي طردت من بيتها هذا العربيد‬
                          ‫ا‬                                    ‫ا‬
 ‫الخائن. وهام رجل األكاديمية العالمة على وجهه بحثً عن مضاجع وأراض أخرى، وأخيرً رحل عن هذا العالم وهو‬
                                                                                            ‫في السابعة والستين.‬
                  ‫ال‬
   ‫وكان لوك دي كالبيير مركيز دي فوفينارج أجدر بالحب. وفي سن الثامنة عشرة التحق بالجيش ثم ً يحب بلوتارك‬
      ‫وبالطموح إلى ارتقاء مدارج المجد في خدمة الملك. واشترك في مغامرة الماريشال دي بل أيل المنكوبة في حملة‬
       ‫بوهيما 3423-1423. وفي االنسحاب المهلك من براغ تجمدت رجاله، وحارب في دتنجن 1423. ولكن اعتلت‬
       ‫صحته إلى حد إنه ترك الجيش بعدها. وسعى إلى الحصول على منصب دبلوماسي، وكاد أن يظفر ببغيته بفضل‬
 ‫مساعدة فولتير لوال أن مرض الجدري شوه وجهه. وبدأ بعده يضعف، وانتابه سعال مزمن قتال أقعده عن ممارسة أي‬
                                                                                                          ‫عمل.‬
            ‫ا‬
      ‫وأصبحت الكتب عزاءه، وشغله الشاغل. وكان يقول "فوق كل شيء، إن أحسن األشياء هي أكثرها شيوعً، فإنك‬
   ‫تستطيع أن تشتري ذهن فولتير مقابل كراون واحد"(41)وحذر من الحكم على الكتب بثقل وزنها، فإن خير المؤلفين‬
                                                                  ‫قد يتحدثون أكثر مما ينبغي وكثير منهم غامضون‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 21373‬




                                     ‫ا‬
                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬


‫إلى حد يبعث السأم والضجر. والوضوح يزين التفكير العميق"(71). وكان مؤلفه الذي دفع به إلى المطبعة 1423 يقع‬
   ‫في خمس وسبعين صفحة مقدمة في التعرف على الروح اإلنسانية"، وأعقبه "211 من التأمالت والحكم" في 733‬
   ‫صفحة. وبعد ذلك بعام واحد، وفي فندق حقير في باريس، قضى نحبه، وهو في الثانية والثالثين، وهو يمثل موزار‬
                                                                                    ‫وكيتس في الفلسفة الفرنسية.‬
    ‫وقال فوفينارج "إن للفلسفة أنماطها وأشكالها، مثل المالبس والموسيقى والعمارة(11)" وقبل بضع سنين قليلة من‬
         ‫إضفاء روسو المثالية على الطبيعة والمساواة، صور فوفينارج "الطبيعة بأنها صراع وحشي من أجل الغلبة‬
  ‫والسيطرة"، و "المساواة" على أنها وهم وخداع: السائد بين الملوك، وبين الشعوب، وبين األفراد، أن األقوى يرتب‬
                                                                                                     ‫ا‬
     ‫لنفسه حقوقً على األضعف، ونفس القاعدة متبعة بين الحيوانات والكائنات غير الحية، وهكذا يجري كل شيء في‬
           ‫الكون بالعنف. وهذا النظام الذي نعيبه بشيء من شبهة العدل، هو أعم وأثبت وأهم قانون في الطبيعة(21).‬
                                                                       ‫إن كل الناس غير أحرار وغير متساوين:‬
       ‫ليس حقاً أن المساواة قانون من قوانين الطبيعة. إن الطبيعة لم تجعل األشياء متساوية. وإن قانونها األساسي هو‬
                            ‫اإلخضاع والتبعية.... ومن ولد ليطيع، فسوف يطيع حتى وهو متربع على العرش(11).‬
   ‫أما بالنسبة لإلرادة الحرة، فهي أيضاً أسطورة أو خرافة "فليست اإلرادة هي العلة األولى ألي تصرف أو عمل، بل‬
     ‫إنها المنبع األخير". وإذا أوردنا المثل التقليدي على اإلرادة الحرة، وهو أنك تستطيع أن تختار هذا أو ذلك أ أو ب‬
  ‫"بمحض إرادتك" فإن فوفينارج يرد "إني إذا اخترت ب فإن هذا بسبب أن الحاجة إلى االختيار تقفز إلى تفكيري في‬
‫اللحظة التي تجول ب بخاطري فيها(91). واإليمان باهلل أمر ال مفر منه وال غنى عنه، على أية حال. وأحس فوفينارج‬
 ‫بأنه عن طريق هذا اإليمان وحده يمكن أن يكون للحياة وللتاريخ معنى غير الصراع الدائم والهزيمة في النهاية(14).‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11373‬




                                     ‫ا‬
                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬


  ‫وأبرز معالم فلسفة فوفينارج دفاعه عن العواطف، وال ينبغي القضاء عليها ألنها أصل الشخصية والعبقرية وكل قوة‬
 ‫التفكير ونشاطه. "الذهن عين النفس المبصرة، ولكن ليس قوتها، ألن قوتها تكمن في القلب أي في العواطف. إن أكثر‬
       ‫العقول استنارة ال يمدنا بالقوة على العمل واإلرادة(34).... واألفكار العظيمة تنبع من القلب... وربما كنا مدينين‬
       ‫للعواطف بأعظم منجزات العقل(74).. إن العقل والوجدان يستشير كل منهما األخر ويكمله بالتناوب، وهذا الذي‬
             ‫يستشير أحدهما ويغفل اآلخر، إنما يحرم نفسه في حمق وغباء من بعض الموارد التي منحنا إياها من أجل‬
                                                                                                       ‫سلوكنا(14).‬
   ‫وأقر فوفينارج أن حب الذات عام بين الناس، ولكنه رفض اعتباره رذيلة، حيث أنه الضرورة األولة من ضرورات‬
  ‫قانون الطبيعة األول: حفظ الذات. كما أن الطموح ليس رذيلة، بل أنه حافز "إن حب المجد والعظمة هو الذي يصنع‬
  ‫ما تحرزه األمم من تقدم ونجاح(44). ويضيف أن المرء غير أهل للمجد والعظمة إذا لم يع قيمة الوقت(74). ومهما‬
     ‫يكن من أمر فإن هناك رذائل يجب أن تكبح جماحها القوانين والمبادئ األخالقية وإن فن الحكومة ليكمن في توجيه‬
  ‫الرذائل إلى الخير العام(14). وهناك أيضاً فضائل حقيقية "إن أولى أيام الربيع أقل روعة وفتنة من نمو الفضيلة في‬
                                                                                                      ‫الشباب(24).‬
   ‫وعلى الرغم من تسليم فوفينارج بآراء هوبز والروشفوكو، ومن تجربته للشر في حياته، فإنه احتفظ بإيمانه بالجنس‬
                                  ‫ا‬
‫البشري. قال صديقه مارمونتل: "إنه عرف الحياة ولم يحتقرها. إنه، وقد كان صديقً للناس، اعتبر الرذيلة محنة وسوء‬
    ‫ا‬               ‫ا‬
 ‫حظ، يبتلي الناس بهما ال جريمة. وحلت الشفقة في قلبه محل االحتقار والبغض... إنه لم يذل إنسانً قط... إن هدوءً لم‬
   ‫يتبدل أخفى آالمه عن أعين أصدقائه. وما كنا في حاجة الحتمال المحنة، إال أن تكون لنا فيه أسوة حسنة، فإنا ونحن‬
                                                                ‫ً‬
                                             ‫نرى رباطة جأشه، ما كنا لنجرؤ على إظهاره حزننا وشقائنا أمامه(14).‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 91373‬




                                     ‫ا‬
                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> حكماء أقل شأنً‬


                                                          ‫ا‬
                                                     ‫ووصفه فولتير بأنه "أتعس الناس حظاً وأكثرهم هدوءً(94).‬
  ‫إن من أكرم مظاهر األدب الفرنسي في القرن الثامن عشر. ذلك العطف السابغ والعون الودي اللذين حبا بهما فولتير‬
 ‫"نبي العقل" فوفينارج نصير بسكال و "القلب". إن الفيلسوف الشاب أعلن عن إعجابه "برجل يشرف قرننا، رجل ال‬
‫يقل عظمة وشهرة عن أسالفه"(17). وكتب إليه الرجل العجوز األكبر منه سناً في لحظة من لحظات التواضع: "لو‬
‫أنك كنت قد رأيت التور قبل مولدك ببضع سنين، فلربما اكتسبت كتاباتي قيمة أكبر(37)إن أفصح قطعة في مجلدات‬
                                         ‫فولتير المائة هي ما قال في تأبين فوفينارج عند تشييع جنازته(77).‬




                                                                                     ‫صفحة رقم : 13373‬




                                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬



                                                                                               ‫7- مونتسكيو‬




                                                                                            ‫9113 - 7723‬




                                                                                        ‫أ - الرسائل الفارسية‬


    ‫وجد فولتير أنه من العسير عليه أن يحب مونتسكيو ألن مؤلفه "روح القوانين" (1423) اعتبر بصفة عامة أعظم‬
              ‫ا‬
  ‫إنتاج عقلي في هذا العصر. وظهر كتاب حين بلغ صاحبه التاسعة والخمسين، وكان ثمرة خمسين عامً من التجربة‬
                                                                                      ‫ا‬
                                       ‫والخبرة، وأربعين عامً من الدرس والبحث وعشرين عاماً قضاها في تأليفه.‬
‫ولد شارل لويس دي سيكوندا بارون دي البريد ودي مونتسكيو، في البريد بالقرب من بوردو وفي مقاطعة مونتاني،‬
                                                                       ‫ً‬
        ‫في 13 يناير 9113. وكان يفاخر مبتهجا بأنه من ساللة هؤالء القوط، وهم الذين بعد أن غزوا اإلمبراطورية‬
‫الرومانية، "أسسوا الملكيات وأقاموا صرح الحرية هنا وهناك في كل مكان"(17)إنه انتسب على أية حال إلى "نبالء‬
   ‫السالح ونبالء الرداء" كان أبوه كبير القضاة في جوين، وكان الصداق التي قدمته أمه قصر البريد وأرضها. وفي‬
                               ‫ا‬
    ‫ساعة مولده تقدم إلى بوابة القصر سائل مسكين، فأدخلوه وأطعموه وجعلوا منه عرابً للطفل (أي أباه في العماد)،‬
                                                                     ‫ا‬                                 ‫ا‬
 ‫زعمً منهم بأن شارل لن ينسى الفقراء أبدً(47). وتربى طوال السنوات الثالث األولى من عمره بين فالحي القرية،‬
                                                                               ‫وأرسل في سن الحادية عشرة‬




                                                                                     ‫صفحة رقم : 33373‬
                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                                                    ‫ً‬
     ‫إلى مدرسة طائفة األورتوريين في جويللي على بعد عشرين ميال من باريس.. ثم عاد إلى بوردو في سن السادسة‬
                               ‫عشرة ليدرس القانون. وفي سن التاسعة عشرة حصل على درجته العلمية في القانون.‬
 ‫وفي 1323 مات أبوه، وكان شارل آنذاك في الرابعة والعشرين من عمره، تاركاً له ممتلكات واسعة وثروة متوسطة.‬
‫وكان يتحدث بصراحة عما "يملك من أرض وعن اتباعه" وسوف تراه تمسك بشدة بالنظام اإلقطاعي. وبعد ذلك بسنة‬
                                                                              ‫ا‬       ‫ا‬
          ‫دخل برلمان بوردو عضوً وقاضيً. وفي 1323 أوصى له عمه-الذي كان قد اشترى رياسة البرلمان-بثروته‬
                                          ‫ال‬
     ‫ومنصبه، وقد دافع مونتسكيو فيما بعد عن "بيع المناصب" باعتباره "عم ً حسناً في الدول الملكية، ألنه يجعل من‬
 ‫واجب أبناء األسرات العريقة أن ينهضوا بالمهام التي قد ال يحصلون عليها عن طريق الدوافع النزيهة غير المغرضة‬
      ‫ا‬
  ‫وحدها(17). وبينما كان يتولى رياسة البرلمان قضى معظم وقته في الدرس والبحث، فأجرى تجارب وقدم أبحاثً في‬
                                                          ‫ا‬
‫الفيزياء والفسيولوجيا إلى أكاديمية بوردو، وخطط "تاريخً جيولوجياً لألرض" لم يكتبه قط ولكن المادة التي جمعها له‬
                                                                         ‫شقت طريقها إلى كتابه "روح القوانين".‬
     ‫وكان في الثانية والثالثين حين مأل أبصار وأسماع باريس في عهد الوصاية بأروع كتبه. إنه أغفل ذكر اسمه على‬
                                                        ‫ا‬
  ‫كتابه "الرسائل الفارسية" (3723) ألنه ضم بين دفتيه قطعً ال يليق صدورها عن قاض. وربما أخذ فكرته عن كتاب‬
 ‫جيوفاني مارانا "جاسوس السيد الكبير" (4113) الذي نقل فيه جاسوس تركي وهمي للسلطان، في بذاءة تلفت النظر،‬
 ‫عقائد المسيحيين الفاسدة وسلوكهم في أوربا، والمفارقات المضحكة أو القاتلة بين ما يعلنون وما يفعلون، وثمة أسلوب‬
        ‫شبيه في تصوير الحضارة الغربية كما يراها الشرقيون، استخدمه أديسون في سبكتاتور"، وكان شارل دفرسني‬
    ‫"تسليات جادة وهازلة" قد تصور تعليقات أحد أبناء سيام في باريس، كما أن نيقوال جيوددقيل كان قد أبرز العادات‬
                         ‫الفرنسية كما يراها أحد هنود أمريكا، وكانت ترجمة جاالند لكتاب "ألف ليلة وليلة" (4123-‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 73373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


   ‫2323) قد زادت من شغف الفرنسيين بالحياة اإلسالمية، كذلك فعلت المحاضرات المصورة عن رحالت سير جون‬
      ‫شاردان وجان تافرنيه. كما أنه من مارس إلى يوليه 3723 لفت السفير التركي أنظار باريس بفتنة زيه وأساليبه‬
 ‫الغريبة. من أجل ذلك كله كانت فرنسا مستعدة لتلقى "الرسائل الفارسية". وبيع من هذا الكتاب ثمان طبعات على مدى‬
                                                                                                    ‫عام واحد.‬
    ‫وقدم مونتسيكيو "الرسائل" على أنها مكتوبة بقلم ريكا وأوزبك، وهما سائحان فارسيان في فرنسا. ومراسليهما في‬
        ‫ا‬
    ‫أصفهان. إن هذه الرسائل لن تعرض فقط نقاط الضعف واألهواء والتحيز عند الفرنسيين، ولكنها كشفت أيضً عن‬
                                                      ‫حماقات السلوك والمعتقدات الشرقية من خالل الكتاب أنفسهم.‬
‫وحين يسخر القارئ من هذه العيوب واألخطاء، فليس أمامه إال أن يتقبل عن طيب خاطر السخرية من عيوبه وأخطائه‬
                                                                    ‫ا‬    ‫ا‬
       ‫هو. وقد مست هذه العيوب واألخطاء مسً رقيقً. ومن ذا الذي يغضب لهذه األفكار الساخرة غير المقصودة، أو‬
  ‫الطعنات بسيف مغلف بطريقة مهذبة؟ وفوق ذلك تضمنت بعض الرسائل أسراراً أو رسائل شخصية سارة من حريم‬
    ‫أوزبك في أصفهان. من ذلك أن زاكي أي محظيته تكتب لتبلغه بما تعاني من آالم مبرحة لغيابه عنها. كما أن ريكا‬
  ‫تصف مفهوم سيدة مسلمة عن الجنة بأنها مكان يكون فيه لكل سيدة فاضلة مجموعة من الرجال الوسيمين المكتملي‬
     ‫ا لرجولة، وهنا يطلق مونتسكيو لقلمه العنان في سرد التفاصيل في أسلوب الطيش الذي اشتهر به عهد الوصاية.‬
  ‫وكان من غير المستطاع، اللهم في فترة خلو العرش هذه، أن تتفادى الهرطقات السياسية والدينية في الرسائل عين‬
                              ‫ا‬
  ‫الرقيب والمؤاخذة الرسمية. لقد قضى الملك القديم نحبه، والملك الجديد ما زال صبيً، والوصي رجل متسامح مرح‬
 ‫مبتهج. وعند ذاك استطاع مونتسكيو أن يجعل الفارسيين الذين أوردهم في رسائله يسخرون من حاكم "ساحر" جعل‬
                          ‫الناس يعتقدون أن الورق نقود (كان نظام لو قد انهار.(27)) كما استطاع أن يفضح فساد‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 13373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


            ‫الحاشية، وخمول النبالء المبذرين وسوء إدارة أموال الدولة، وأن يمتدح جمهوريات اليونان وروما القديمة،‬
 ‫والجمهوريات الحديثة في هولندا وسويسرا. يقول أوزبك "إن الملكية نظام شاذ غير سوي، ينزلق إلى حكم استبدادي‬
                                                                           ‫ا‬      ‫ً‬
                                                                         ‫مطلق"(17) (انظر فيما بعد رأيا مخالفً).‬
  ‫وفي الرسائل من 33-43 يوضح أوزبك طبيعة اإلنسان ومشكلة الحكم بالتحدث عن سكان الكهوف (التروجلوديون)‬
 ‫الذين يتخيلهم عرباً انحدروا من التروجلودييين الذين وصفهم هيرودوت(97)وأرسطو(11)بأنهم قبائل همجية عاشت‬
‫في أفريقية (قبل التاريخ). وكان تروجلوديو أوزبك يكرهون كل تدخل حكومي. ومن ثم قتلوا كل حاكم مفكر، وعاشوا‬
    ‫في جنة من الحرية التامة "اتركه ليعمل" واستغل كل بائع حاجة المستهلك ورفع سعر منتجاته. وإذا اغتصب رجل‬
  ‫قوي زوجة رجل ضعيف، فليس ثمة قانون أو حاكم يلجأ إليه. وأفلت القتل واالغتصاب والسلب والنهب دون عقاب،‬
     ‫اللهم إال االقتصاص الخاص بالعنف، وإذا عانى سكان النجاد من الجفاف تركهم سكان الوهاد يموتون جوعاً، وإذا‬
        ‫عانى هؤالء من الفيضان تركهم سكان النجاد يهلكون. ومن ثم فنيت القبيلة، وبقى على قيد الحياة أسرتان بفضل‬
          ‫الهجرة، وتبادلتا العون، ونشأتا أطفالهما على التمسك بالدين والفضيلة واعتبرتا أنهما أسرة واحدة، واختلطت‬
                        ‫ا‬                                                                     ‫ا‬     ‫ا‬
   ‫قطعانهما دائمً تقريبً.(31)ولما زاد عددهم وجدوا أن أعرافهم غير كافية-لحكمهم فاختاروا ملكً وخضعوا للقوانين.‬
      ‫وانتهى أوزبك إلى أن الحكومة ضرورية ولكنها تعجز عن تأدية مهمتها إذا لم تكن قائمة على الفضيلة في الحاكم‬
                                                                                                     ‫والمحكومين..‬
                                                           ‫ا‬     ‫ً‬
            ‫وكانت الهرطقات الدينية في الرسائل أكثر ترويعا وتنفيرً من الهرطقات السياسية. ويرى أوزبك أن الزنوج‬
              ‫يتصورون أن اإلله أسود وأن الشيطان أبيض. ويوحي (مثل زينوفون) بأنه إذا كانت المثلثات تتحدث عن‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 43373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬
     ‫الالهوت، فال بد أن لإلله ثالث أضالع وثالث نقاط حادة. ويعجب أوزبك من ساحر آخر يسمى البابا، يحث الناس‬
  ‫على االعتقاد بأن الخبز ليس خبزاً وأن الخمر ليس خمراً، وألف شيء من هذا الطراز.(71)ويسخر من الصراع بين‬
   ‫اليسوعيين والجانسينيين. وأفزعته محاكم التفتيش في أسبانيا والبرتغال، حيث "يتسبب الدومنيكان في إحراق الناس‬
    ‫كما يحرق القش".(11)ويسخر من المسابح وثياب الرهبان الفضفاضة. وهو يتساءل كم تعمر البالد الكاثوليكية في‬
       ‫منافسة مع الشعوب البروتستانتية، ألنه يرى أن تحريم الطالق وعزوبة الراهبات والرهبان سوف يعوقان ازدياد‬
  ‫السكان في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا (قارن إيرلندة في القرن العشرين) ويقدر أوزبك، على هذا المعدل، أن الكاثوليكية‬
    ‫في أوربا لن تعمر أكثر من 117 سنة أخرى(41) . أضف إلى هذا أن هؤالء الرهبان الخاملين الذين يزعمون انهم‬
     ‫ا‬                ‫ً‬                                     ‫ا‬
    ‫مستعصمون زاهدون يستولون على كل ثروة الدولة تقريبً. إنهم عصبة من البخالء يأخذون دائما وال يعطون أبدً.‬
   ‫إنهم باستمرار يكنزون دخولهم لتكون مصدر قوة. وتصاب هذه الثروة بالشلل، فال تتداول وال تستغل في التجارة أو‬
                   ‫ال‬
     ‫الصناعة أو المصانع"(11)ويقلق أوزبك التفكير في أن كفار أوربا الجهلة الذين يعبدون المسيح بد ً من عبادة اهلل‬
              ‫ي‬
‫واإليمان بحمده سيكون مصيرهم النار، ولكن يراوده بعض األمل في أنهم في النهاية سيعتنقون اإلسالم و ُنقذون(21).‬
      ‫وفي تخيل رمزي جليل يتأمل أوزبك في اإللغاء (7113) مرسوم هنري الرابع للتسامح المعروف بمرسوم نانت.‬
      ‫أنت تعلم ياميرزا كيف أن بعض وزراء الشاه سليمان (لويس الرابع عشر) دبروا خطة إلرغام األرمن في فارس‬
                                          ‫ا‬
                    ‫(الهيجونوت) على مغادرة المملكة أو الدخول في اإلسالم (الكثلكة)، اعتقادً منهم بأن إمبراطوريتنا‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 73373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


  ‫ستظل ملوثة ما دامت تحتضن هؤالء الكفار... إن اضطهاد مسلمينا الغيورين لهؤالء الكفار عبدة النار اضطرهم إلى‬
‫الفرار زرافات إلى الهند الشرقية، وبذلك حرم فارس من هذا الشعب الجاد النشيط. ولم يبق أمام هذا التعصب األعمى‬
 ‫إال شيء واحد هو تدمير الصناعة، حتى تنهار اإلمبراطورية (فرنسا 1323)، حاملة معها تلك الديانة التي أرادوا لها‬
                                                                                                ‫النهوض والتقدم.‬
                                                 ‫ا‬                       ‫ً‬
   ‫وإذا كان الحوار النزيه غير المتحيز ممكنا يا ميرزا، فلست متأكدً من أنه من الخير للدولة أن تكون بها عدة ديانات‬
‫مختلفة... والتاريخ زاخر بالحروب الدينية، ولكن... ليس تعدد الديانات هو الذي أدى إلى الحروب، بل روح التعصب‬
                                                                 ‫الذي يشجع الديانة التي تعتقد أنها في صعود(11).‬
     ‫إن األفكار التي تضمنتها الرسائل الفارسية تبدو لنا اآلن مبتذلة عتيقة. ولكنها كانت للمؤلف حين عبر عنها، مسألة‬
   ‫حياة أو موت، وعلى األقل مسألة سجن أو نفي. إنها اآلن عتيقة ألننا كسبنا معركة الحرية في التعبير عن اآلراء. إن‬
     ‫الرسائل الفارسية فتحت الطريق، لهذا استطاع فولتير بعد ذلك بثالث عشرة سنة أن يصدر "رسائل عن اإلنجليز"‬
                                                                                            ‫ا‬
     ‫ويلقي ضوءاً إنجليزيً على حطام فرنسا. وأعلن هذان الكتابان عن عصر االستنارة. وعمر مونتسكيو وحريته بعد‬
                                           ‫ا‬
      ‫كتابه، ألنه كان من طبقة النبالء، وألن الوصي على العرش كان متسامحً، كما ارتفعت بعض أصوات االستنكار‬
   ‫وسط التهليل واإلعجاب، ومع ذلك لم يجرؤ على اإلفصاح عن اسمه وهو المؤلف. وذهب دارجنسون الذي انتقد هو‬
      ‫نفسه الحكومة فيما بعد إلى أن "هذه التأمالت وأفكار ال يستطيع أن يأتي بها رجل ذكي بسهولة، ولكن ينبغي على‬
  ‫الرجل الحصيف الحذر أال يسمح بطبعها". وأضاف ماريفو الحريص "يجدر أن يضن اإلنسان بمجهوده في مثل هذه‬
‫ا‬
‫الموضوعات" وقال مونتسكيو "عندما حظيت إلى حد ما بتقدير الجمهور فقدت تقدير الطبقات الرسمية، وواجهت ألفً‬
                                                                           ‫من ألوان االستخفاف واالستهزاء"(91).‬
                                              ‫وعلى الرغم من كل شيء قصد مونتسكيو إلى باريس ليرشف كؤوس‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 13373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


  ‫الشهرة في المجتمع وفي الصالونات. وفتحت له األبواب مدام دي تنسان ومركيزة لمبرت ومركيزة ديناند. ولما كان‬
     ‫قد ترك زوجته وراءه في البريد فلم يكن من العسير أن يقع في شراك الغرام مع سيدات باريس. وتطلع إلى آفاق‬
                            ‫ا‬
 ‫بعيدة، فتاقت نفسه إلى ماري آن دي يوربون أخت الدوق دي بوربون الذي أصبح رئيسً للوزارة في 1723. ويروي‬
                                                  ‫ا‬                            ‫ا‬       ‫ا‬
  ‫من أنه ألف من أجلها شعرً منثورً "معبد الحب" (7723) عامرً بنشوة الوجد والهيام، وخفف من وطأة خالعة هذا‬
‫الشعر بادعائه أن القصيدة مترجمة عن اليونانية، ومن ثم حصل على ترخيص ملكي بطبعها. وبذل المساعي وبخاصة‬
 ‫عن طريق مدام دي ري، لينضم إلى األكاديمية، فاعترض الملك بأنه غير مقيم في باريس. فأسرع إلى بوردو وتخلى‬
                                                ‫عن رياسته لبرلمانه، وانضم إلى مجمع األربعين الخالدين (1723).‬
 ‫وفي أبريل قام برحلة استغرقت ثالثة أعوام زار فيها بعض أجزاء إيطاليا والنمسا والمجر وسويسرا وأراضي الراين‬
                                                              ‫ا‬
 ‫وهولندة، وإنجلترا. التي قضى فيها ثمانية عشر شهرً (نوفمبر 9723-أغسطس 3123) وهناك عقد أواصر الصداقة‬
                                                            ‫ا‬
     ‫مع تشسترفيلد وغيرهم من وجوه القوم، واختير عضوً في الجمعية الملكية في لندن، وانضم إلى البنائين األحرار‬
       ‫(الماسونية)، واستقبله الملك جورج الثاني والملكة كارولين، وحضر جلسات البرلمان، وأولع بما ظنه الدستور‬
  ‫البريطاني. وعاد أدراجه إلى فرنسا شديد اإلعجاب-مثل فولتير-بالحرية، ولكن ما لمسه من مشاكل الحكومة زاد من‬
 ‫رصانته واتزانه. وآوى إلى البريد، وحول متنزهه إلى حديقة إنجليزية، وتفرغ-فيما عدا زيارات طارئة إلى باريس-‬
                                                                      ‫ألبحاثه وكتاباته التي شغلت بقية أيام حياته.‬


                                                                                           ‫ب- لماذا سقطت روما‬


       ‫في 4123 أصدر مونتسكيو، دون توقيع، ولكن معترف به عند الجمهور، "نظرات في أسباب عظمة الرومان‬
     ‫وسقوطهم". وكان قد دفع بالمخطوطة إلى عالم يسوعي، ووافق على حذف ما يمكن أن يثير ريب الكنيسة. ولكن‬
                                                      ‫الكتاب لم يجد، وما كان له أن يجد النجاح الذي صادفته‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 23373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


     ‫ا‬     ‫ا ا‬
     ‫"الرسائل الفارسية" ألنه لم يتضمن أية بذاءات أو أية أشياء تجافي االحتشام، بل كان يعالج موضوعً قديمً معقدً‬
                                                                                            ‫ا‬    ‫ا‬
       ‫وكان محافظً نسبي ً في سياسته والهوته. ولم يستسغ المتطرفون (الراديكاليون) التوكيد على أن يكون االنحطاط‬
    ‫الخلقي سبباً لالضمحالل القومي، ولم يكونوا مستعدين ليقدروا عمق التقدير والحكمة الرائعة في عبارات مثل "أن‬
 ‫الذين لم يعودوا يرهبون القوة في مقدورهم أن يظلوا على احترامهم للسلطة".(12)وتعتبر هذه الرسالة الصغيرة اآلن‬
     ‫محاولة رائدة في فلسفة التاريخ، ورائعة من روائع النثر الفرنسي تعيد إلى األذهان ذكرى بوسويه ولكنها تضيف‬
                                                                                            ‫الروعة إلى الوقار.‬
‫إن الموضوع جذب نظر المؤرخ الفيلسوف ألنه انتظم السلسلة الكاملة لحضارة عظيمة من الميالد إلى الفناء، وعرض‬
      ‫في نظرة شاملة وتفصيل رائع إحدى عمليات التاريخ األساسية-وهي عملية الفناء أو االنحالل الذي يبدو أنه قدر‬
 ‫محتوم أن يعقب كمال التطور في األفراد والديانات والدول. وكان ثمة اشتباه في أن فرنسا بعد انقضاء القرن العظيم،‬
     ‫قد دخلت في فترة طويلة من االضمحالل في اإلمبراطورية واألخالق واألدب والفن. إن الثالوث المدنس: فولتير‬
  ‫وديدرو وروسو-لم يكن قد بدأ بعد إنهم يتحدون التفوق الفكري والعقلي في القرن السابع عشر. ولكن جراءة العصر‬
         ‫الجديد المتزايدة برزت في حقيقة أن مونتسكيو، وفي إيضاحه وشرحه لمجرى التاريخ لم يدرس إال األسباب‬
                                                                                        ‫ا‬
 ‫األرضية، وطرح جانبً في هدوء اللهم إال لمحات من اإلجالل الطارئ، العناية اإللهية التي نجدها في كتاب بوسيويه‬
    ‫"بحث في تاريخ العالم" قد اتجهت بكل األحداث إلى نتائج محتومة بقضاء هذه العناية اإللهية. ورأى مونتسكيو أن‬
   ‫يفتش عن قوانين التاريخ، مثلما كان نيوتن يبحث عنها في الفضاء: "ليس الحظ هو الذي يحكم العالم، كما نرى من‬
‫تاريخ الرومان... فثمة أسباب عامة معنوية أو مادية، تعمل عملها في كل مملكة، ترفعها أو تحافظ عليها أو تطيح بها،‬
 ‫وكل ما يحدث خاضع لهذه األسباب. وإذا كان ثمة سبب خاص يعينه، مثل النتيجة الطارئة لمعركة ما هو الذي قضى‬
                                                                                           ‫على دولة ما، فهناك‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 13373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


     ‫سبب هام جعل سقوط هذه الدولة ينتج عن معركة واحدة. وصفوه القول إن الحركة العامة نجر معها كل األحداث‬
                                                                                       ‫الخاصة غير المتوقعة(32).‬
    ‫وبناء على هذا اختزل مونتسكيو وهبط بدور الفرد في التاريخ. فالفرد مهما عظمت عبقريته ال يعدو أن يكون أداة‬
    ‫"الحركة العامة". وال ترجع أهميته إلى قدرته الفائقة بقدر ما ترجع إلى التقائه مصادفة مع ما أسماه هيجل "روح‬
  ‫العصر" فلو أن قيصر وبومبي فكرا مثل ما فكر كاتو (سعياً في اإلبقاء على سلطة السناتور الروماني) فربما انتهى‬
                                     ‫ا‬
  ‫آخرون غيرهما إلى نفس أفكارهما. وعند ذاك كانت الجمهورية التي كان مقدرً عليها الفناء ألسباب داخلية، تنساق‬
                                                                                ‫إلى االنهيار على أيد أخرى"(72).‬
                                                                            ‫ا‬              ‫ً‬
         ‫ولكن القدر ليس توجيها روحياً أو باطنيً، وليس قوة ميتافيزقية. انه مجموعة معقدة من عوامل تنتج "الحركة‬
   ‫الرئيسية". والمهمة األساسية للمؤرخين الفلسفيين، في رأي مونتسكيو، هي الكشف عن كل عامل من هذه العوامل‬
  ‫وتحليله وتبيان فعاليته وعالقته. ومن ثم كان سقوط روما (في نظره) يرجع أوالً إلى التحول من جمهورية توفر لها‬
    ‫توزيع السلطات وتوازنها، إلى إمبراطورية تصلح أكثر ما تصلح لحكم بالد تابعة لها، ولكنها تركز كل الحكم في‬
 ‫مدينة واحدة في يد رجل واحد، مما يدمر حرية ونشاط المواطنين واألقاليم. ويمرر الزمن انضمت أسباب أخرى إلى‬
     ‫هذا السبب الرئيسي: انتشار الخنوع والخمول بين الجماهير، رغبة الفقراء في أن تعولهم الدولة، ضعف األخالق‬
      ‫بسبب الثروة والترف والفسق والفجور، تدفق الغرباء الذين تشكلهم التقاليد الرومانية والذين كانوا مستعدين لبيع‬
  ‫أصواتهم لمن يدفع أكبر ثمن، فساد رجال اإلدارة المركزيين والمحليين، خفض قيمة العملة، فداحة الضرائب، هجر‬
      ‫المزارع، استنزاف الحيوية العسكرية بسبب الديانات الجديدة وطول أمد السلم، وفشل النظام العسكري وسيطرة‬
 ‫الجيش على الحكومة المدنية، إيثار الجيش تنصيب األباطرة أو خلعهم عن حماية الحدود من هجمات المتبربرين....‬
                                                                 ‫ومن الجائز أن مونتسكيو-على عكس توكيد بوسويه‬
                                                                                        ‫صفحة رقم : 93373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                        ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫على العوامل الخارقة للطبيعة-لم يقم وزن كبير لتغيير الديانات، الذي أكده جيبون سببً أساسيً النهيار اإلمبراطورية.‬
                                                                                        ‫ا‬
   ‫ولكن مونتسكيو كان دومً يعود إلى ما أعتبره العامل الرئيسي في اضمحالل روما-وهو التحول من الجمهورية إلى‬
                                                  ‫ا‬
‫الملكية, ذلك أن الرومان غزوا بفضل مبادئهم الجمهورية، كثيرً من الشعوب، ولكن في الوقت الذي حققوا فيه هذا، لم‬
     ‫تقو الجمهورية على الصمود، وتسببت في االضمحالل مبادئ الحكم الجديد وهي مخالفة لمبادئ الجمهورية(12).‬
 ‫ومهما يكن من شيء فأننا عدنا إلى الفصل السادس لنتفحص المبادئ األساسية أو الوسائل التي قهرت بها الجمهورية‬
  ‫الرومانية "كل الشعوب" نجد مجموعة منوعة غريبة: الخداع، نقض المعاهدات، العنف والقوة، العقوبات الصارمة،‬
       ‫بذر بذور الشقاق بين العدو ليسهل قهره تدريجياً، (فرق تسد)، نقل السكان من مكان إلى مكان بالقوة، تعكير جو‬
   ‫الحكومات المناهضة ومحاولة القضاء عليها بتقديم المساعدات للثورات الداخلية ورشوة القائمين بها. وغير ذلك من‬
     ‫اإلجراءات المألوفة لدى رجال الدولة. واستخدم الرومان حلفاءهم في القضاء على أعدائهم، وسرعان ما استداروا‬
                                                           ‫ا‬
      ‫ليدمروا هؤالء الحلفاء(42)وواضح-أن مونتسكيو-ناسبً هذا الوصف للمبادئ الجمهورية أو مزدردا ميكافيللي في‬
        ‫جرعة واحدة-اعتبر في الفصل الثامن عشر، الجمهورية مثالً أعلى للعظمة، ورثى اإلمبراطورية منزلقً بهيجً‬
        ‫ا‬      ‫ا‬
   ‫لالنحالل. ومع ذلك اعترف بفساد السياسة في الجمهورية وبالعظمة السياسية لإلمبراطورية في ظل "حكمة نرفاء،‬
                          ‫ال‬
   ‫ومجد تراجان، وبسالة هادريان وفضائل االثنين االنطونينيين"(72)وهنا وجه مونتسكيو ك ً من جيبون ورينان إلى‬
          ‫ا‬
  ‫تسمية هذه الحقبة "أكرم وأسعد حقبة في تاريخ الحكومة". ولدى هؤالء الملوك الفالسفة وجد مونتسكيو أيضً أخالق‬
          ‫الرواقين التي فضلها بصراحة ووضوح على األخالق المسيحية، وانتقل إعجاب مونتسكيو بالرومان في عهد‬
       ‫الجمهورية إلى الفرنسيين المتحمسين للثورة، وأسهم في تغيير الحكومة الفرنسية، والنظم العسكرية والفنون في‬
                                                                                                         ‫فرنسا.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


        ‫ووقع في الكتاب بعض أخطاء في عمل علمي عجل به ضغط الوقت والرغبة في إنجاز مهمة أضخم. فلم يكن‬
   ‫مونتسكيو في بعض األحيان مدققاً في استخدام النصوص القديمة. من ذلك، على سبيل المثال أنه أخذ الفصول التي‬
   ‫كتبها ليفي عن "نشأة روما" على أنها تاريخ، على حين أن فالال وجالرونوس وفيكو رفضوا هذه الرواية على أنها‬
      ‫أسطورة. ويبخس مونتسكيو من قيمة العوامل االقتصادية وراء سياسة جراتشي وقيصر، ولكن في نقابل مواطن‬
‫الضعف هذه، فأن نظرة أوسع ال بد أن تحيط ببالغة الكتاب وقوته وتركيز أسلوبه، ويعمق التفكير وأصالته، ومحاولة‬
      ‫المؤلف الجريئة في أن يرسم في صورة واحدة ارتفاع وسقوط حضارة كاملة، ويرتفع بالتاريخ من مجرد سجل‬
       ‫للتفاصيل إلى تحليل النظم ومنطق األحداث. وهنا كان ثمة تحد للمؤرخين، كان على فولتير وجيبون أن يسعيا‬
  ‫لمواجهته، كما كان هنا تلهف على فلسفة للتاريخ قد يحاول مونتسكيو نفسه، بعد جيل من الكد والجد أن يتبعه بكتاب‬
                                                                                            ‫"روح القوانين".‬


                                                                                               ‫جـ- روح القوانين‬


                                                                                          ‫ا‬
  ‫مضت أربعة عشر عامً بين ظهور كتاب "النظرات" وكتاب "روح القوانين" بدأ مونتسكيو أروع أعماله هذا حوالي‬
‫9723، وهو في سن األربعين. وكان موضوع روما حصيلة جانبية أو ثانوية إعتراضية.وفي 2423 حين بلغ السادسة‬
     ‫ا‬              ‫ا‬                                  ‫ا‬               ‫ال‬            ‫ً‬
    ‫والخمسين لقي من العمل نصبا وكأن به مي ً إلى تركه، "كثيرً ما شرعت في هذا الكتاب، وكثيرً ما طرحته جانبً.‬
       ‫وقذغت باألوراق التي كتبتها ألف مرة."(12)وأهاب بالموزيات ربات الفنون والعلوم أن يرعينه ويساعدنه: "إن‬
          ‫الدرب طويل، ولقد أضناني األسى واإلرهاق، أدخلن على قلبي البهجة والفتنة اللتين تدفعان بي إلى السير في‬
                                        ‫ا‬
 ‫الطريق، لقد عرفتهما يوماً، ولكنهما اآلن تخلتا عني أنتن لستن مقدسات مطلقً، إال حين تتولين قيادنا، عن طريق اللذة‬
   ‫والسرور، إلى الحكمة والحق"(22). وال بد أن هؤالء الربات استجبن لندائه، ألنه واصل العمل. ولما انتهت المهمة‬
                                                                   ‫في خاتمة المطاف اعترف بتردده واعتداده بنفسه‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 37373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


     ‫وزهوه: لقد سلكت طريقي نحو الهدف دون إعداد خطة. ولم أعرف أية قاعدة وال شواذ وما عثرت على الحقيقة إال‬
         ‫الفتقادها ثانية. ولكن عندما وقعت على األصول والمبادئ ذات مرة وأتاني كل ما كنت أفتش عنه، وفي غضون‬
   ‫عشرين عامً، وجدت أن العمل قد بدأ وخطا خطوات ثم أشرف على االكتمال، حتى أنجز... وإذا صادف هذا العمل‬‫ا‬
                                                                                        ‫ا‬
 ‫نجاحاً، فأني سأكون مدينً به لعظمة الموضوع وجالله. ومهما يكن من أمر، فلست أظن أني كنت مفتقراً إلى العبقرية‬
  ‫كل االفتقار, ولما رأيت كم من عظماء الرجال في فرنسا وألمانيا طرقوا هذا الموضوع قبلي، تملكتني الحيرة إعجابً‬
  ‫ا‬
                                      ‫ا‬
                          ‫بهم، ولكن لم أفقد شجاعتي ولم يزايلني اإلقدام، وقلت مع كوريجيو "وأنا أيضً رسام"(12).‬
         ‫وعرض المخطوطة على هلفشيوس وهبنولت وفونتبيل، ورأى هذا األخير أن البحث يفتقر إلى طالوة األسلوب‬
                                ‫ا‬
‫الفرنسي.(92)وتوسل هلفشيوس إلى المؤلف أال يسيء سمعته الطيبة بوصفه متحررً بنشر كتاب يتساهل إلى هذا الحد‬
‫مع كثير من المعتقدات المحافظة المتمسكة بالقديم(11). وقرر مونتسكيو أن هذه التحذيرات غير ذات موضوع، وتقدم‬
  ‫للطبع. ولما كان يخشى الرقابة الفرنسية فانه أرسل المخطوطة إلى جنيف، وهناك صدر الكتاب 1423 في مجلدين،‬
‫دون ذكر اسمه. وحين كشف رجال الدين الفرنسيون عن هرطقاته شجبوه وصدر أمر الحكومة بمنع تداوله في فرنسا.‬
      ‫وفي 1723 تولى مالشرب-منقذ دائرة المعارف فيما بعد-شئون الرقابة، رفع الحظر عن الكتاب، وسرعان ما شق‬
                       ‫طريقه وصدرت منه وعشرون طبعة في عامين، وسرعان ما ترجم إلى لغات أوربا المسيحية.‬
                                                     ‫ا‬
 ‫وكانت العنونات على أيام مونتسكيو توضيحية حقاً، دقيقة غالبً. ولذا سمى كتابه "في روح القانون" أو "في العالقات‬
    ‫ا‬
    ‫التي يجب أن تقوم بين القوانين وبين دستور كل حكومة، والعادات والمناخ والديانة والتجارة، وغيرها". وكان بحثً‬
                                                          ‫في العالقات بين القوى المادية واألنماط االجتماعية، وفي‬
                                                                                         ‫صفحة رقم : 77373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


 ‫العالقات المتبادلة بين مكونات الحضارة. وحاول أن يضع األساس لما يمكن أن نسميه اآلن علم االجتماع العلمي":‬
      ‫أي-على غرار البحث في العلوم الطبيعية-التمكن من الوصول إلى نتائج محققة يمكن إثباتها، تلقى الضوء على‬
                                                   ‫ا‬
  ‫المجتمع الحاضر، إلى تنبؤات مشروطة للمستقبل، وكان عسيرً بطبيعة الحال، على رجل واحد أن يتمه مع قصر‬
                                  ‫العمر، واألوضاع الحالية لألثنولوجيا (علم األعراق البشرية) والتشريع والتأريخ.‬
               ‫ال‬
   ‫وبمعنى أدق، كانت فكرة مونتسكيو أن روح القوانين "-أي أصلها وطبيعته ونزعتها-إنما يحددها أو ً مناخ البالد‬
  ‫وتربته، ثم فسيولوجية الشعب واقتصاده وحكومته ودينه وخلقه وعاداته. وبدأ بتعريف عريض: إن القوانين بأوسع‬
  ‫معانيها وأكثرها تعميماً هي العالقات الضرورية التي تنشأ عن طبيعة األشياء وواضح أنه أراد أن يأتي "بالقوانين‬
      ‫الطبيعية" في العالم المادي، واالطرادات القياسية في التاريخ، تحت مفهوم عام واحد. وعلى غرار جروشيوس‬
 ‫وبوفندروف وغيرهما ممن سبقوه، ميز مونتسكيو بين عدة أنواع من القوانين: 3-القانون الطبيعي، الذي عرفه بأنه‬
‫"عقل إنساني، بقدر ما يحكم شعوب األرض بأسرها"(31)أي "الحقوق الطبيعية" لكل الناس بوصفهم كائنات وهبت‬
                                                                                                          ‫ال‬
     ‫عق ً. 7-قانون األمم في عالقاتها بعضها ببعض. 1-قوانين سياسية تحكم العالقات بين الفرد والدولة. 4-القانون‬
                                                                         ‫المدني عالقات األفراد بعضهم ببعض.‬
        ‫وذهب مونتسكيو إلى أنه في األطوار األولى للمجتمع البشري كان العامل الحاسم في القوانين هو التضاريس‬
‫األرضية: أهي غابة أم صحراء أم أرض منزرعة؟ أهي أرض داخلية أم ساحلية؟ أهي جبال أم سهول؟ وما هو نوع‬
   ‫التربة وطبيعة الغذاء الذي تنتجه؟ وصفوة القول أن المناخ أول العوامل وبالدرجة األولى أقوى العوامل في تحديد‬
   ‫اقتصاد الشعب وقوانينه (وشخصيته القومية). (إن بودين في القرن السادس عشر سبق مونتسكيو إلى هذا التوكيد‬
      ‫األولى كما تبعه فيه بكل في القرن التاسع عشر). تأمل على سبيل المثال الفوارق المناخية، ونتيجة لها الفوارق‬
                                                                                 ‫البشرية، بين الشمال والجنوب:‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 17373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                         ‫ا‬                                                                   ‫ً‬
     ‫إن الناس أكثر نشاطا وحيوية في األجواء الباردة... وهذا التفوق في القوة ال بد أن ينتج آثارً مختلفة: وعلى سبيل‬
                                                                                       ‫ا‬
 ‫المثال جرأة أكبر، أي مزيدً من الشجاعة، وشعوراً أكبر بالتفوق، أي رغبة أقل في االنتقام، وشعوراً أكبر باألمن أي‬
                                                                                         ‫ا‬
‫مزيدً من الصراحة وقدرً أقل من االرتياب ومن الدهاء السياسي والمكر. لقد شهدت األوبرا في إلنجلترا وفي إيطاليا‬‫ا‬
                                 ‫ا‬
      ‫حيث رأيت نفس الروايات ونفس الممثلين، ومع ذلك فإن نفس الموسيقى حدثت آثارً متباينة في كل من األمتين،‬
        ‫فإحداهما فاترة رابطة الجأش، والثانية نشيطة منتعشة مبتهجة... وإذا نحن سافرنا إلى الشمال اللتقينا بأناس قلت‬
 ‫رذائلهم وكثرت فضائلهم... وإذا نحن اقتربنا من الجنوب لتخيلنا أننا نبتعد كل االبتعاد عن حدود األخالق، حيث تؤدي‬
   ‫أقوى االنفعاالت واألهواء إلى شتى أنواع الجرائم، حيث يبذل كل إنسان أقصى الجهد، إذا واتته الظروف، أن يحقق‬
                                                                                              ‫رغباته الجامحة...".‬
  ‫وفي البالد الحارة نجد الماء الموجود في الدم يضيع إلى حد كبير بسبب العرق، ومن ثم يجب تعويضه بسائل مماثل،‬
‫وللماء هناك فوائد جمة، وقد تعمل المشروبات القوية على تخثير كريات الدم الذي يتبقى بعد تبخر الرطوبة المائية. أما‬
                                                                         ‫ال‬
     ‫في البالد الباردة فالماء المختلط بالدم قلي ً ما يفقد بالعرق، ومن ثم يجدر أن يستفيدوا من المشروبات الروحية التي‬
    ‫بدونها قد يتخثر الدم... ومن ثم نجد أن تحريم الشريعة اإلسالمية للخمر يالئم بالد العرب. والقانون الذي حرم على‬
    ‫القرطاجيين شرب الخمر قانون مناخي. ومثل هذا القانون ال يصلح للبالد الباردة حيث يبدو أن المناخ يفرض عليهم‬
‫لونً من اإلدمان على المسكرات بشكل عام... وينتشر شرب الخمر على قدر البرودة والرطوبة في الجو(71). أو تأمل‬         ‫ا‬
 ‫العالقة بين المناخ والزواج: إن اإلناث في البالد الحارة يكن صالحات للزواج في سن الثامنة أو التاسعة أو العاشرة...‬
 ‫ويهرمن في سن العشرين، ومن ثم فإن عقلهن ال يقترن بجمالهن. وإذا تطلب الجمال السيطرة والتسلط أفسد العقل هذا‬
                                              ‫المطلب. وإذا تحلين بالعقل تجردن من الجمال.. ومن ثم ينبغي أن تكون‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 47373‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


  ‫هؤالء السيدات في حالة من التبعية، ألن العقل في الشيخوخة ال يمكن أن يوفر السيطرة التي لم يستطع حتى الشباب‬
                                                                            ‫ا‬
    ‫والجمال أن يحققاها. ولهذا كان طبيعيً إلى أبعد الحدود في هذه البالد، إذا لم يكن ثمة قانون يمنع، أن يترك الرجل‬
                                                                   ‫زوجة ليتزوج بأخرى وأن يباح تعدد الزوجات.‬
     ‫وفي المناخ المعتدل. حيث تحتفظ النساء بمفاتنهن على أكمل وجه، وحيث يتأخر بلوغهن سن النضج، وينجبن في‬
 ‫مرحلة متقدمة من الحياة، نجد أن الشيخوخة أزواجهن تتبع شيخوختهن إلى حد ما، وحيث أنهن كن يتمتعن بقدر أكبر‬
      ‫من العقل والمعرفة عند الزواج (أكبر من مثيالتهن في األقاليم شبه المدارية)، فإن هذا يستوجب وجود نوع من‬
 ‫المساواة بين الجنسين، وقانون االقتصار على زوجة واحدة تبعاً لذلك. وهذا هو السبب في أن اإلسالم (مع نظام تعدد‬
 ‫الزوجات) دخل بسهولة واستقر في آسيا بقدر ما امتد بصعوبة إلى أوربا، وأن المسيحية استقرت في أوربا وتحطمت‬
‫في آسيا. وقصارى القول، هذا هو السبب في أن اإلسالم أحرز مثل هذا التقدم في الصين، على حين لم تتقدم المسيحية‬
                                                                                                         ‫ال‬
                                                                                                    ‫إال قلي ً(11).‬
           ‫ا‬
    ‫وعند هذه النقطة يتبين مونتسكيو أنه أحل المناخ محل العناية اإللهية عند بوسويه، ويسارع فيضيف إكرامً للرب،‬
                                                                                                    ‫ا ا‬
      ‫احتراسً منقذً: إن عقول البشر على أية حال خاضعة للعلة األسمى، اهلل، الذي يفعل ما يشاء، ويخضع كل شيء‬
                                                      ‫إلرادته. وظن بعض اليسوعيين أن مونتسكيو قد عراه الخجل.‬
 ‫وسرعان ما تابع تعميماته الطائشة. ففي "الشرق"، (تركيا وإيران والهند والصين واليابان) يرغم المناخ على حجاب‬
‫النساء وعزلتهن ألن (الهواء الحار يثير الشهوات) وقد يعرض تعدد الزوجات وأحاد به الزواج على حد سواء للخطر‬
  ‫إذا أطلق اختالط الجنسين كما هو الحال في (بالدنا في الشمال حيث عادات النساء فاضلة بطبيعتها وحيث العواطف‬
                                                                ‫ً‬
       ‫هادئة، وحيث يتسلط الحب على القلب تسلطاً وديعا سوياً إلى حد أن أقل قدر من الحزم والحكمة يكفي لتوجيهه‬
                                                          ‫وقيادته)(41). إنها لمتعة أية متعة أن تعيش في مثل هذه‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 77373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


  ‫األجواء التي تبيح الحديث وحيث الجنس اللطيف البالغ للفتنة يبدو أنه يزين المجتمع، وحيث الزوجات الالتي تقتصر‬
                  ‫الواحدة منهن نفسها على إسعاد رجل واحد، ويسهمن في إدخال السرور والبهجة على الجميع(71)).‬
   ‫والعادات واألعراف نتائج مباشرة للمناخ أكثر من القوانين، ألن القوانين ينبغي أن تحاول في بعض األحيان مقاومة‬
          ‫آثار المناخ. وذلك أنه بتقدم الحضارة تتحكم الضوابط األخالقية أو القانونية-وينبغي لها أن تتحكم-في العوامل‬
        ‫المناخية، مثال ذلك عزل المرأة وحجابها في الشرق. ويهدف أحكم المشرعين إلى موازنة (األسباب الطبيعية).‬
    ‫والعادات واألعراف وظيفة الزمان والمكان، وليس ثمة عادة أو عرف خطأ أو صواب أو أنه األفضل في حد ذاته.‬
 ‫والعرف، في الجملة خير قانون، ألنه تكيف طبيعي بين الشخصية والموقف، ويجدر بنا أن نتأنى ونسير بخطى وئيدة‬
                                                 ‫في تغيير العادة والعرف. وتأبى العادة أن تتبدل بالقانون عادة(11).‬
 ‫وحيث أن المواطن يحدد العادة التي تحدد بدورها الخلق القومي فإن شكل الحكومة ال بد أن يختلف من كان إلى مكان‬
     ‫تبعاً لهذا المركب الثالثي. وهي تتوقف بصفة عامة على مدى سعة الرقعة الحكومية: فالجمهورية تنسجم مع رقعة‬
       ‫صغيرة من األرض، يستطيع زعماء المواطنين فيها أن يجتمعوا للتشاور وللتداول أو العمل، فإذا اتسعت الرقعة‬
                                                                                                     ‫ا‬
  ‫تطلبت مزيدً من الحروب، وخضعت للحكم الملكي. وتتحول الملكية إلى استبدادية إذا حكمت رقعة شاسعة أكثر مما‬
‫ينبغي ألن السلطة االستبدادية وحدها هي التي تستطيع المحافظة على خضوع حكام المقاطعات لسلطانها(21). ويجدر‬
  ‫أن تركز الملكية على (الشرف)، أعني أنه يجب تصنيف سكانها في مراتب، كما يجب أن يكون مواطنوها متحمسين‬
        ‫غاية التحمس أللقاب الشرف واألوسمة وتفضيلهم أو إيثارهم بالحظوة. أما الجمهورية فيجدر أن تقوم على نشر‬
     ‫(الفضيلة) على أوسع نطاق، ويعرف مونتسكيو الفضيلة على طريقته الخاصة بأنها (حب اإلنسان لبلده-أعني حب‬
                                                                                                   ‫المساواة(11).‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 17373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


‫وقد تكون الجمهورية أرستقراطية أو ديموقراطية تبعاً لطريقة حكمها: هل يتواله قسم من المواطنين أو كلهم. ويعجب‬
      ‫مونتسكيو بفنيسيا (البندقية) كجمهورية أرستقراطية. وبمدن الدول القديمة على أنها ديموقراطية وهو يعلم ولكن‬
‫يتجاهل أن المواطنين المحررين ليسوا إال أقلية. ويمتدح الحكم الذي أقامه وليم بن في أمريكا. ويمتدح في حماسة أكبر‬
           ‫إنشاء المناطق الشيوعية الدينية التي أسسها اليسوعيون في باراجواي(91). والحق يقال على أية حال إن‬
 ‫الديموقراطية األمينة الحقة ال بد أن تحقق المساواة االقتصادية والسياسية معاً، وأن تنظم المواريث والمهور، وتعمل‬
    ‫على فرض الضريبة التصاعدية على الثروات(19). أن خير تلك الديموقراطيات هي التي يعترف فيها مواطنوها‬
‫بعجزهم عن تحديد السياسة التي تنتهجها بلدهم، ومن ثم يقرون السياسة التي يحددها ممثلوهم الذين انتخبوهم. وينبغي‬
      ‫على الدولة الديموقراطية أن تهدف إلى المساواة ولكن يمكن أن تدمرها روح المساواة المتطرفة، حين يسعد كل‬
   ‫مواطن أن يكون في مستوى أولئك الذين اختارهم ليأتمر بأمرهم... وإذا كان هذا هو الوضع فلن تقوم للفضيلة قائمة‬
 ‫في الجمهورية. فهنا يكون المواطنون راغبين كل الرغبة في ممارسة مهام الحكام الذين ال يعود أي توفير أو احترام.‬
 ‫وهنا يكون االستخفاف بمداوالت السناتو، ومن ثم ال يكون هناك احترام ألعضائه، وال احترام لكبر السن، وإذا انعدم‬
                                                                               ‫ا‬
                         ‫التقدير واالحترام لكبر السن انعدم تبعً لذلك اإلذعان للوالدين أو األزواج واالمتثال للرؤساء.‬
‫وسرعان ما تتفشى هذه الظاهرة. إن الناس إذ يصابون بهذا البالء محاولين التستر على فسادهم، يسعون إلى إفساد من‬
   ‫وضعوا ثقتهم فيهم... وعندئذ يقتسمون األموال العامة فيما بينهم، فإذا استثاروا بإدارة األمور باإلضافة إلى تكاسلهم‬
                                                   ‫وتراخيهم، انصرفوا إلى مزج فقرهم بشيء من لهو الترف(39).‬
                                                                                        ‫ا‬
  ‫وهكذا يقول البارون، مرددً قول أفالطون عبر ألفين من السنين: تنقلب الديموقراطية إلى فوضى. ثم إلى دكتاتورية،‬
                                                                                                           ‫ثم تنهار.‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 27373‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


‫وهناك في مونتسكيو أجزاء كثيرة تحبذ الجمهورية األرستقراطية، ولكنه خشي االستبدادية التي ذهب إلى إمكان قيامها‬
      ‫في الديموقراطية إلى حد أنه كان يريد الصبر عليها أو تحملها إذا كانت هذه الجمهورية تحكم وفقاً لقوانين راسخة.‬
         ‫ويعالج أقصر فصول كتابه الحكم المطلق االستبدادي وهو يتألف من ثالث مقاالت قصيرة: "إذا أراد متوحشوا‬
                                                                                                    ‫ا‬
‫لويزيانا ثمارً قطعوا الشجرة من جذورها ليجمعوا الثمار، وهذا رمز للحكومة االستبدادية(79)" أي أن الحاكم المستبد‬
      ‫يستأصل أعظم األسرات كفاية ومقدرة ليحمي قوته وسلطانه. وكانت األمثلة التي أوردها لهذا شرقية بشكل يطمئن‬
       ‫إليه، ولكن كان من الواضح أنه يخشى نزوع ملكية البوربون إلى االستبداد، حيث كان الكاردينال ريشيليو ولويس‬
 ‫الرابع عشر قد دمرا قوة األرستقراطية السياسية. وتحدث عن ريشيليو وكأنه "مأخوذ بحب السلطة المطلقة(19)". أنه‬
                                                                        ‫ا‬     ‫ال‬
 ‫كره أشد الكراهية بوصف كونه نبي ً فرنسيً، أن يهبطوا بمكانة طبقته إلى مجرد أفراد في الحاشية الملكية، واعتقد أن‬
       ‫بعض القوى المتوسطة الخاضعة التابعة، ضرورة لحكومة صحيحة وكان يعني بهذه القوى النبالء مالكي األرض‬
    ‫ا‬
    ‫والحكام الوراثيين، وكان ينتسب إلى كليهما. ومن ثم دافع النظام اإلقطاعي بتفصيل شديد (1723 صفحة)، مضحيً‬
  ‫بوحدة كتابه وتناسقه. إن مونتسكيو هو الوحيد من بين فالسفة فرنسا في القرن الثامن عشر الذي امتدح نظام العصور‬
                                                                          ‫ا‬
 ‫الوسطى، واتخذ من لفظة "قوطي"، تعبيرً عن الثناء واإلطراء. وفي الصراع الذي استمر طوال حكم لويس الخامس‬
         ‫عشر بين الملكية والبرلمانات اتخذ الحكام الذين يعدون للمعركة مصنعاً للحجج واألسانيد في "روح القوانين".‬
            ‫إن نفور مونتسكيو من الحكومة المطلقة مطية للحكم المطلق أدى به إلى تحبيذه حكومة مختلطة: فيها ملكية‬
                                                                                   ‫ا‬
     ‫وأرستقراطية وديموقراطية مع ً-ملك ونبالء وجمعية عامة. ومن هنا كان أشهر آرائه، نظرية الفصل بين السلطات‬
                                           ‫التشريعية والتنفيذية والقضائية في الحكومة(49). فالسلطة التشريعية تسن‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 17373‬
                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


    ‫القوانين لكن ال تتولى تنفيذها، وتتولى السلطة التنفيذية القيام على تنفيذها ولكن ال تسنها. وتقتصر السلطة القضائية‬
        ‫على تفسيرها. "وتضم السلطة التشريعية مجلسين، مجلس يمثل الطبقات العليا، وآخر بمثل العامة. وهنا يتحدث‬
                                                                                                     ‫البارون ثانية.‬
 ‫في مثل هذه الدولة يوجد دائماً أناس يتميزون بحكم مولدهم وثرواتهم وألقابهم، فإذا تساووا وخلطوا بعامة الشعب، فال‬
 ‫يكون لهم إال صوت واحد مثل الباقين، فإن الحرية العامة تكون بمثابة استرقاق لهم، ومن ثم يفقدون اهتمامهم بمساندة‬
 ‫الحكم، وتكون معظم القرارات الشعبية في غير مصلحتهم. ويجدر أن يتناسب نصيبهم مع سائر امتيازاتهم في الدولة،‬
‫وهذا يحدث فقط حين يشكلون هيئة في الدولة يكون لها الحق في مقاومة إساءة استعمال الشعب للسلطة في الدولة، كما‬
 ‫يكون للشعب الحق في مقاومة أي اعتداء على حرية الشعب. ومن هنا تكون السلطة التشريعية في أيدي النبالء وأيدي‬
           ‫الذين ينتخبهم الشعب، على أن يكون لكل هيئة اجتماعية ومداوالتها منفصلة عن األخرى، ولكل صالحياتها‬
                                                                                                   ‫وآراؤها(79)".‬
                                                            ‫ا‬
       ‫وتكون كل من الهيئات الثالث وكل من المجلسين رقيبً بعضهم على بعض، وبهذه الطريقة المعقدة تلتئم حريات‬
                                                                     ‫المواطن مع حكمة الحكومة وعدالتها ونشاطها.‬
 ‫وكانت هذه األفكار عن الحكومة المختلطة قد انحدرت إلى مونتسكيو من دراسته لهارنجتون وألجرنو وسيدني ولوك،‬
                     ‫ا‬
     ‫ومن الخبرة التي اكتسبها في إلنجلترا. إنه ذهب إلى أنه وجد هناك مثله األعلى مهما كان منقوصً، في ملكية تكبح‬
   ‫جماحها ديموقراطية في مجلس العموم، كما يكبح جماح مجلس العموم األرستقراطية في مجلس اللوردات. وظن أن‬
           ‫المحاكم في إنجلترا هي بمثابة كابح مستقل لجماح البرلمان والملك وامتدح ما كان قد رأى في إنجلترا رقابة‬
                                     ‫ا‬
 ‫نشتسترفيلد وغيره من النبالء ولكنه مثل فولتير استخدم هذا الشكل المثالي حافزً لفرنسا. وال بد أنه عرف أن المحاكم‬
                        ‫اإلنجليزية ليست مستقلة تمام االستقالل عن البرلمان، ولكنه ذهب إلى أنه من الخير لفرنسا أن‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 97373‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


        ‫تفكر في األخذ بحق المتهمين في إنجلترا تحقيق عاجل، أو إطالق سراحهم بكفالة، ومحاكمتهم أمام محلفين من‬
  ‫طبقتهم، مع تحدي االتهام، وإعفائهم من التعذيب، ولكنه رأى كذلك "أال يدعى النبالء للمثول أمام المحاكم العادية بل‬
                       ‫أمام قضاة من نفس طبقتهم في هيئتهم. "إنهم كذلك لهم الحق في محاكمتهم أمام نظرائهم(19)".‬
            ‫إن مونتسكيو أصبح محافظاً أكثر فأكثر مع تقدمه في السن. إن روح المحافظة على القديم رسالة والتزم في‬
 ‫الشيخوخة، كما أن الراديكالية، (التطرف) رسالة نافعة في الشباب، واالعتدال هبة وخدمة في أواسط العمر، ومن ثم‬
 ‫كان لنا دستور في ذهن أمة، بما فيه من سلطات ذات وقيود وضوابط متبادلة وعرف مونتسكيو الحرية مع كل تمجيد‬
          ‫ً‬
  ‫لها بوصفها الهدف الصحيح للحكومة، بأنها" حق كل إنسان في عمل ما تجيزه القوانين فإذا أتى مواطن شيئا تحرمه‬
‫القوانين، فإنه ال يعود يتمتع بالحرية. ألن سائر المواطنين يمكن أن يكون لهم نفس الصالحية(29)". واتفق مع زميليه‬
     ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫جاسكون ومنتاني، على استنكار الثورات. "إذا ثبت شكل الحكومة واستقر منذ أمد بعيد، وبلغت األمور حدً معينً من‬
                           ‫ا‬
  ‫الثبات واالستقرار، فإنه من الحكمة تقريباً أن تترك األمور كما هي، ألن األسباب-هي غالبً معقدو أو غير معروفة-‬
                         ‫التي هيأت لها الصمود والثبات، سوف تستمر في اإلبقاء عليها (أي على هذه الحكومة(19)).‬
   ‫ورفض فكرة المساواة في الملكية أو السلطة ولكنه فكر، مثل جراتسي في تركيز ملكية األرض: "من األرض التي‬
       ‫تكفي لتغذية أمة... ال تكاد تحصل عامة الشعب على ما يقوت أسره... فإن رجال الدين واألمير والمدن وعظماء‬
 ‫الرجال وبعض البارزين من المواطنين يصبحون دون أن يحسوا مالكاً لكل األرض التي تبقى غير منزرعة. وتهجر‬
 ‫األسرات التي دمرت مزارعها، والرجل الكادح معدم فقير. وفي هذا الوضع يجدر بالهيئة الحاكمة أن توزع األرض‬
  ‫بين األسرات المحتاجة وتوفر لها المواد واألدوات الالزمة إلصالحها وزراعتها، وينبغي أن يستمر التوزيع ما دام‬
                                                                                     ‫هناك من يتسلمها(99).‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11373‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


  ‫واستنكر زراعة األرض من أجل جباة الضرائب لحساب رجال المال الخصوصيين، واستنكر الرق بشدة في حماسة‬
       ‫أخالقية وتهكم الذع(113). واعترف بالضرورة الطارئة للحرب، وامتد بمفهوم الدفاع إلى إجازة-المسارعة إلى‬
                                                    ‫ا‬
   ‫االستيالء على األراضي: إن حق الدفاع الطبيعي قد ينطوي أحيانً بالنسبة لدولة ما على ضرورة الهجوم، كما يرى‬
     ‫بعضهم على سبيل المثال أن حفظ السالم قد يمكن دولة أخرى من تدمير هذا السالم، وعندئذ يكون غزو هذه األمة‬
                                                   ‫األخيرة هو السبيل الوحيد للحيلولة بينها وبين تدمير السالم(313).‬
   ‫ولكنه استنكر سباق التسلح: ولقد ساد االضطراب من جديد كل أوربا، فأصاب أمراءها وأغراهم بحشد قوات هائلة،‬
       ‫ولهذا مضاعفاته، ويصبح بالضرورة معدياً، فإنه إذا شرع ملك في زيادة قواته، فإن الباقين بطبيعة الحال يحذون‬
                                                           ‫حذوه. ومن ثم ال نجني من هذا أال الدمار الشامل(713).‬
        ‫وعلى الرغم من أنه قدر الروح الوطنية أكبر تقدير إلى حد أنه سوى بنها وبين الفضيلة، إال أنه راوده في بعض‬
                                                      ‫ا‬                       ‫ا‬
   ‫األحيان حلم مبادئ أخالقية أرحب أفقً: "إذا علمت أن ثمة شيئً نافعاً لشخصي ولكنه يضر بأسرتي، فينبغي علي أال‬
                                                                                 ‫ً‬
‫أقدم عليه، وإذا علمت أن ثمة شيئا نافعاً لشخصي، ولكنه يضر بأسرتي، وليس لوطني، فيجدر بي أن أحاول أن أنساه،‬
                                                                                                 ‫ا‬
              ‫وإذا رأيت أن شيئً ذا فائدة لوطني، ولكنه يضر بمصلحة أوربا والجنس البشري فال بد أن أعتبره جريمة‬
                                                                                                   ‫رسمية(113)".‬
      ‫إن غاية ما يصبو إليه من مبادئ أخالقية وديانة خفية هو مذهب الرواقيين القدامى: "لم توجد قط مبادئ أكثر منها‬
                                                                                                              ‫ا‬
         ‫التئامً مع الطبيعة البشرية وال أقوم منها لبناء المواطن الصالح... وإذا استطعت أن أتخلى عن المسيحية لحظة‬
‫لوصفت القضاء على مذهب زينون مؤسس مذهب الرواقيين محنة من بين المحن التي ابتلى بها الجنس البشري... إن‬
   ‫هذا المذهب وحده هو الذي صنع المواطنين، وهو وحده الذي صنع عظماء الرجال وهو وحده الذي صنع األباطرة.‬
                                                                                                    ‫ا‬
                                                                                       ‫وإذا نحينا جانبً الحقائق التي‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 31373‬




                                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬
      ‫كشف عنها لحظة، وفتشنا في الطبيعة كلها فإننا لن نجد شيئاً أسمى من االنطوانيين، حتى وال جوليان نفسه (وهو‬
                                                         ‫إطراء انتزع مني أرجو أال يجعلني شريكاً في جريمة الردة).‬
‫كال، لم يوجد قط منذ عهده أمير أجدر بحكم الجنس البشري(413). وواضح أن مونتسكيو حرص في "روح القوانين"‬
‫على مسالمة المسيحية. إنه اعتراف بوجود اهلل-فأي حمق أفظع من قضاء وقدر أعمى خلق كائنات ذكية(713). ولكنه‬
                                    ‫ا‬
        ‫تصور هذا العقل األسمى كما عبرت عنه قوانين الطبيعة، وهو ال يتدخل فيها مطلقً. قال فاجيه "إن اهلل بالنسبة‬
    ‫لمونتسكيو هو روح القوانين(113)"، وقبل المعتقدات الخارقة للطبيعة دعامة ضرورية لقانون أخالقي ال يلتئم مع‬
        ‫طبيعة اإلنسان. "ومن الخير أن يكون هناك بعض كتب مقدسة لتكون شريعة مثل القرآن عند المسلمين، وكتب‬
   ‫زرادشت عند الفرس، والفيدا عند الهنود، والكتب القديمة عند الصينيين. وإن الشرائع الدينية تكمل القوانين المدنية،‬
 ‫وتحدد مدى السيطرة االستبدادية(213)". وينبغي أن تكون الدولة والكنيسة رقيبة كل منهما على األخرى، كما ينبغي‬
  ‫أن تظل كل منهما منفصلة عن األخرى. وهذا التفريق الكبير بينهما هو أساس هدوء األمم(113)". ودافع مونتسكيو‬
    ‫عن الدين ضد بيل(913). ولكنه أخضعه، مثل أي شيء آخر لتأثير المناخ والخلق القومي: "إن حكومة معتدلة هي‬
      ‫أصلح ما يكون للعالم المسيحي، والحكومة المستبدة أصلح للعالم اإلسالمي. وإذا اختيرت ديانة تالئم مناخ بلد ما،‬
‫تتعارض مع مناخ بلد آخر فإن هذه الديانة لن تقوم في هذا البلد الثاني، وإذا أدخلت كان مآلها النبذ والرفض(133)....‬
                                                                             ‫ا‬
  ‫والمذهب الكاثوليكي أكثر ما يكون توافقً مع الملكية، والبروتستانتية مع الجمهورية.... وإذا انقسمت المسيحية لسوء‬
          ‫الحظ إلى كثلكة وبروتستانتية، فإن أهل الشمال يعتنقون البروتستانتية، على حين يظل أهل الجنوب متمسكين‬
     ‫بالكاثوليكية. والسبب واضح. فإن أهل الشمال يتمسكون، وسيظلون يتمسكون إلى األبد بروح الحرية واالستقالل،‬
                ‫وهذا ما ال يتمتع به أهل الجنوب. فإن الديانة التي ال يكون لها رئيس بارز هي أكثر مالءمة لهم(333).‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 71373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                                                                    ‫ال‬
 ‫وعلى حين سلم مونتسكيو بمزايا الدين إجما ً فإننا نراه يسهب في نقده، واستنكر شراء رجال الدين في فرنسا(733).‬
‫ودون "أفظع احتجاج على محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، لوقف إحراق المهرطقين، وحذرهم من أنه "إذا تجرأ‬
     ‫أحد في األجيال القادمة أن يثبت أن الناس في أوربا في عصرنا كانوا متحضرين، فإنه ال بد أن يمثل أمام القضاء‬
                                                         ‫ا‬
   ‫ليثبت أنهم كانوا متبربرين(133)" وسخر بوصفه قوطيً محباً لوطنه، من عصمة البابا من الخطأ وألح في أن تكون‬
                                         ‫ا‬    ‫ا‬
  ‫الكنيسة خاضعة للسلطة المدنية، واتخذ بالنسبة للتسامح الديني موقفً وسطً: "إذا كان للدولة مطلق الحرية في اعتناق‬
‫أو نبذ أي دين جديد، فينبغي أن ترفضه، فإذا اعتنقته وجب عليها أن تتسامح معه(433). ومع كل احترامه للرقيب ظل‬
                                                                                               ‫ا‬
     ‫مونتسكيو عقالنيً "فالعقل هو أكمل وأكرم وأجمل ملكتنا(733)". وماذا يقدم عصر العقل شعاراً أفضل من هذا؟.‬


                                                                                                     ‫د - النتيجة‬


                                                              ‫ا‬
     ‫ما أسرع ما اعترف الناس "بروح القوانين" حدثً ضخماً في األدب الفرنسي، ولكن النقاد تلقفوه عن اليمين وعن‬
   ‫الشمال. فالجانسنيون واليسوعيون، وهم على طرفي نقيض عادة، اتفقوا على مهاجمته على أنه رفض ماكر خبيث‬
   ‫للمسيحية. وقالت جريدة "أخبار الكنيسة" وهي لسان حال أتباع جانسن: "إن الجمل المعترضة التي يضعها المؤلف‬
 ‫ليقول لنا أنه مسيحي تؤكد لنا توكيداً هزيالً أنه كاثوليكي، وإن المؤلف ليسخر من سذاجتنا إذا حسبناه على غير ما هو‬
     ‫عليه". وختم المحرر حديثه بنداء وجهه إلى السلطات المدنية باتخاذ إجراء ضد الكتاب(133). واتهم اليسوعيون‬
 ‫مونتسكيو باتباعه فلسفة سبينوزا وهوبز، بافتراضه وجود قوانين في التاريخ مثلما هي في العلوم الطبيعية، ولم يترك‬
                                                                                                       ‫ال‬
  ‫مجا ً لحرية اإلرادة. ودافع األب برتييه في صحيفة "تريفو" اليسوعية عن أن الحق والعدل مطلقان، وليسا نسبيين‬
                                                                                                          ‫ا‬
 ‫تبعً للمكان والزمان، وإن القوانين يجب أن ترتكز على مبادئ عامة من اهلل، ال على تنوعات المناخ والتربة والعرف‬
                                                                                        ‫والخلق القومي(233)‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                                                          ‫ا‬
          ‫ورأى منتسكيو أنه من الحكمة أن يصدر في 1723 "دفاعً عن روح القوانين"، تتصل فيه من الحاد والمادية‬
                                            ‫والجبرية، وأكد من جديد مسيحيته. ولكن رجال الدين ظلوا غير مقتنعين.‬
                                   ‫ا‬
‫وكان الفالسفة الناشئون في ذات الوقت مستائين، حيث اعتبروا روح القوانين كتيبً في المحافظة على القديم، واستاءوا‬
          ‫من روعه العارض واعتدال إصالحاته المقترحة، ومفهومه الهزيل الفاتر على التسامح الديني(133). وكتب‬
  ‫هلفشيوس إلى مونتسكيو يعنفه على تركيزه السديد على أخطار التغيير االجتماعي والمصاعب التي تعترضه(933).‬
                     ‫ا‬
    ‫أما فولتير الذي كان يعد كتابه عن الفلسفة التاريخ في البحث "في األعراف"، فإنه لم يكن متحمسً لعمل مونتسكيو.‬
  ‫ولم يكن قد نسي معارضة السيد الرئيس النضمامه إلى األكاديمية بقوله: عار على األكاديمية أن يكون فولتير عضوً‬
  ‫ا‬
                                                                                    ‫ا‬
                                                     ‫فيها، وسيكون العار عليه يومً ما أال يكون عضواً فيها(173)".‬
        ‫ا‬
     ‫وتوقف نقد فولتير تحت ضغط الظروف، وتحول إلى إطراء غير متحمس واعتراض بأن مونتسكيو كان مبالغً في‬
  ‫تأثير المناخ. والحظ أن المسيحية نشأت في أرض اليهود الحارة، وأنها ال تزال مزدهرة في النرويج القارصة البرد،‬
        ‫ورأى أنه من األرجح أن إنجلترا تحولت إلى البروتستانتية ألن آن بولين كانت جميلة، ال ألن هنري الثامن كان‬
 ‫فاترً(373). وإذا كانت روح الحرية نشأت-كما ذهب إليه مونتسيكو، في األقاليم الجبلية، فكيف تفسر قيام الجمهورية‬ ‫ا‬
 ‫الهولندية القوية، أو "حق اعتراض"، اللوردات البولنديين (وفي القاموس الفلسفي) دون صفحات كثيرة تتضمن أمثلة‬
                     ‫ا‬                                          ‫ا‬
  ‫تدل على أن للمناخ بعض األثر، ولكن للحكومة أثرً كبر منه مائة مرة ولكن للديانة والحكومة معً، أثراً أكبر من هذا‬
     ‫بكثير(773)). إننا لنسأل الذين يؤمنون بأن المناخ يفعل كل شيء (لم يزعم مونتسكيو هذا) لماذا يقول اإلمبراطور‬
    ‫جوليان في رسائله إن الذي سره في الباريسيين هو خلقهم الوقور وعاداتهم الصارمة، ولماذا نرى الباريسيين اآلن،‬
                            ‫دون أدنى تغيير في المناخ، أطفاالً لعوبين هازلين، وهو أمر تعاقبهم عليه الحكومة وتسخر‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 41373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬
             ‫منهم من أجله، وفي نفس الوقت، كما أنهم هم أنفسهم يسخرون، في لحظة تالية من سادتهم ويهجونهم هجاء‬
                                                                                                            ‫ا‬
                                                                                                     ‫الذعً(173).‬
                                                                                            ‫ووجد فولتير الجواب:‬
      ‫إنه االنقباض أو االكتتاب، وهو عكس ما يرددونه في كثير من اإلستشهادات والحكم والمثال، ولكنه دائماً الحقيقة‬
                                                                                                            ‫ا‬
‫تقريبً... "فالناس في المناطق الحارة جبناء مثل العجائز، أما في المناخ البارد فهم شجعان مثل الشبان". "إننا يجدر بنا‬
        ‫أن نكون على حذر من أن بعض القضايا العامة. تفلت منا، وما كان في مقدور أحد أن يجعل من سكان البلند أو‬
                                                       ‫ا‬
     ‫األسكيمو محاربين على حين أن العرب فتحوا في ثمانين عامً من األقاليم ما فاق فتوحات اإلمبراطورية الرومانية‬
                                                                                                   ‫بأسرها(473).‬
           ‫ثم يمتدح فولتير "روح القوانين" فيقول: "بعد أن أقنعنا أنفسنا على هذا النحو بأن األخطاء كثيرة في ، "روح‬
‫القوانين..." وأن هذا العمل ينقصه النهج، كما تعوزه خطة العمل والنظام، فقد يليق بنا أن نتساءل ما الذي أضاف عليه‬
 ‫هذه القيمة الكبيرة، وأدى إلى شهرته العظيمة. إنه في المقام األول مكتوب بذكاء عظيم، على حين أن من ألفوا في هذا‬
    ‫الموضوع كانت كتاباتهم مملة تبعث على السأم والضجر. وعلى هذا األساس رأت إحدى السيدات (مدام دي ديفان)‬
     ‫وهي تتمتع بذكاء مثل ذكاء مونتسكيو أن الكتاب هو "الذكاء في القوانين"، وهو أصح تعريف له. وثمة سبب أقوى‬
    ‫وهو أن الكتاب يعرض وجهات نظر أو آراء عظيمة ويهاجم الطغيان والخرافة والضرائب الفادحة... إن مونتسكيو‬
                                   ‫ا‬             ‫ا‬
       ‫كاد أن يكون على خالف مع العلماء ألنه ليس عالماً، ولكنه كان دائمً على حق تقريبً ضد المتعصبين ومتعهدي‬
                                                      ‫الرقيق. أن أوربا مدينة له بالشكر واالمتنان على الدوام(773).‬
                   ‫وأضاف في موضع آخر: "إن اإلنسانية كانت قد ضيعت أعمالها المجيدة (من أجل الحرية) واستردها‬
                                                                                                ‫مونتسكيو(173).‬
                                                   ‫واتفق النقد المتأخر مع فولتير إلى حد كبير على حين اعترض على‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 71373‬




                                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


         ‫مبالغاته(273). حقاً إن أسلوب الكتاب كان ضعيفاً، مع قليل من المنطق في ترتيب الكتاب وتسلسل موضوعاته‬
                            ‫ا‬
 ‫ونسيان للفكرة األساسية التي تحكم الربط بين أجزائه. وفي تحمس مونتسكيو ليكون عالمً، يجمع الحقائق ويفسرها، لم‬
                                                                            ‫ال‬                          ‫ا‬
 ‫يعد فنانً. أنه ضيع الكل في األجزاء، بد ً من تنسيق األجزاء في كل منسق. وكان قد قضى في جمع مادة الكتاب أكثر‬
                                                                      ‫ا‬
     ‫من نصف عمره، وكتبه في نحو عشرين عامً، وأساء التأليف المتقطع إلى وحدة الكتاب، وتسرع في الوصول إلى‬
 ‫أحكام عامة من أمثلة قليلة ولم يفتش عن أمثلة تنقضها-مثال ذلك أيرلندة الكاثوليكية في الشمال البارد ومن ثم يجب أن‬
      ‫تكون بروتستانتية وتخلى من منهجه حين قال: "لقد وضعت المبادئ األولى ووجدت أن الحاالت الخاصة ال بد أن‬
         ‫تكون صحيحة بالضرورة بشكل طبيعي، وأن تاريخ كل األمم ليس إال نتائج لهذه المبادئ "فهذا هو خطر تناول‬
‫التاريخ بفلسفة يثبتها عن طريق هذا التاريخ وعند جمع مادة الكتاب قبل مونتسكيو كل بيانات السائحين دون تحقيق وال‬
   ‫تدقيق، وفي بعض األحيان أخذ الخرافات واألساطير على إنها تاريخ، بل أن مالحظاته المباشرة كان يمكن أن تكون‬
                                                                                  ‫ال‬
        ‫خاطئة، ومن ذلك أنه رأى "فص ً بين السلطات" وفي حكومة إنجلترا على حين أنه كان من الواضح أن السلطة‬
                                                                 ‫التشريعية هناك كانت تغطي على السلطة التنفيذية.‬
    ‫وإلى جانب هذه األخطاء ال بد أنه كان للكتاب مزايا أدت إلى الترحيب به وتأثيره. إن فولتير حدد أسلوبه بحق، على‬
                                                                                               ‫ا‬
      ‫أن األسلوب أيضً عانى من شظايا المعلومات ال المعلومات الكاملة المستوفاة. وأولع مونتسكيو بالفصول القصيرة‬
   ‫وربما كان هذا وسيلة للتركيز، مثال ذلك الفصل الذي كتبه عن الحكم االستبدادي المطلق، مما أدى إلى التقطع وعدم‬
     ‫الترابط مما عوق تدفق الفكرة. وربما كان جزء من عدم استيفاء البحث راجعاً إلى تفاقم ضعف بصره مما اضطره‬
           ‫ا‬                                                                               ‫ال‬
‫إلى اإلمالء بد ً من الكتابة. وعندما كان يتمتع بكامل قوته وحيويته حقق في عبارات قوية واضحة بعضً من اإلشراق‬
 ‫والروعة في الرسائل الفارسية. ويروي فولتير أن في "روح القوانين من العبارات الساخرة أكثر مما يليق بكتاب في‬
                                                                                              ‫القانون. يقول‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


 ‫مونتسكيو " إن الناس فينيسيا مقترون غاية التقتير إلى حد أنه من أجل المومسات وحدهن يستطيع الرجال أن يغادروا‬
        ‫البيت ومعهم نقود(173)". وهذا، على الرغم من كل شيء، أسلوب وقدر معتدل هادئ وهو في بعض األحيان‬
                                                                           ‫غامض ولكنه يعوض عن حل األلغاز.‬
                                                     ‫ا‬                                 ‫ا‬
   ‫وكان مونتسكيو متواضعً كما كان مصيباً في أنه أرجع جزءً من قيمة الكتاب إلى موضوعه وهدفه. أنك لكي تعثر‬
                                                              ‫ا‬
 ‫على قوانين في القوانين، وعلى نظام في تنوعها تبعً للمكان والزمان، ولكي تعمل علة تنوير الحكام والمصلحين عن‬
  ‫طريق دراسة مصادر التشريع وحدوده بالنسبة لطبيعة ومكان الدول والناس-فهذا عمل جليل ضخم تقتضي ضخامته‬
            ‫ا‬
   ‫وجالله الصفح عن الزالت. وأخفق هربرت سبنسر في نفس هذا العمل بعد ذلك بمائة وثمانية وأربعين عامً، وعلى‬
  ‫الرغم من عدد كبير من المعاونين في البحث، وبسبب نفس الرغبة في استخالص أحكام عامة، ولكن كلنا المحاولين‬
    ‫كأننا زيادة في الحكمة. ولكن كتاب مونتسكيو كان. أفضل وهناك الناس سبقوه ولم يكن هو البادئ بالتأليف في هذا‬
‫الموضوع، ولكنه عجل بوضع المنهج التاريخي بقوة للدراسة المقارنة للنظم. ولقد سبق فولتير في وضع فلسفة للتاريخ‬
                                                                   ‫ا‬
         ‫مستقلة عن األسباب الخارقة للطبيعة وبلغ آفاقً واسعة ونزاهة في الرأي لم يبلغها فولتير. إن بيرك أطلق على‬
                 ‫ا‬
          ‫مونتسكيو "أعظم عبقرية نورت هذا العصر(113)واعتبره بين تين أعقل وأحكم وأكثر الرجال اتزانً في هذا‬
        ‫العصر(313)ورأى هوراس ورلبول أن روح القوانين أحسن كتاب ظهر على اإلطالق(713)وقد ال يكون هذا‬
                                                                  ‫صحيحاً ولكنه أحسن كتاب ظهر في هذا الجيل.‬
  ‫لقد أنهك هذا الكتاب مؤلفه. وكتب إلى أحد األصدقاء: أعترف لك أن هذا الكتاب قتلني. سأخلد إلى الراحة ولن أعمل‬
                                                                                                           ‫ا‬
                                                                                             ‫شيئً بعد اآلن(113)‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 21373‬




                                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


 ‫وعلى الرغم من ذلك استمر يدرس ويبحث. وكان يقول "الدراسة بالنسبة لي هي خير عالج لكل خيبة أمل في الحياة.‬
                                                ‫ولم أجد ضيقاً إال فرج من كرته ساعة قضيتها في القراءة(413).‬
  ‫وزار باريس من حين آلخر وسعد بشهرته هناك التي كانت تضارع شهرة فولتير آنذاك (1423). ويقول رينال لقد‬
      ‫جذب كتاب روح القوانين انتباه كل الشعب الفرنسي. إننا نجده في مكتبات علماءنا ودارسينا وعلى منضدة زينة‬
  ‫سيداتنا وعند كل شبابنا المتأنق(713)ورحبوا بالمؤلف من جديد في الصالونات واستقبلوه في البالط الملكي، ولكنه‬
                                                   ‫ا‬
‫قضى معظم الوقت في البيرد حيث قنع بأن يكون سيداً عظيمً. وسر اإلنجليز بالكتاب أيما سرور حتى أنهم طلبوا من‬
                                                                                                      ‫ا‬
 ‫أعدادً وفيرة. وفي سنيه األخيرة كاد أن يصاب بالعمى، وكان يقول "يبدو لي أن األثير الخفيف من البصر الذي بقي‬
    ‫لي ليس إال فجر اليوم الذي تغلق فيه عيناي إلى األبد(113)وفي 4723 قصد إلى باريس إلنهاء إيجار بيته هناك،‬
  ‫ولكنه أثناء تلك الزيارة أصيب بالتهاب رئوي وقضى نحبه في 13 فبراير 7723 وهو في السادسة والستين وتناول‬
                ‫األسرار المقدسة الكاثوليكية. وكان األديب الوحيد الذي شيع جنازته هو ديدرو وهو من أتباع مذهب‬
                    ‫ا‬
   ‫الالأدرية(213)وذاع صيته وامتد أثره على مر القرون. وكتب جيبون: "على مدى أربعين عامً منذ صدور روح‬
 ‫القوانين لم يقبل الناس على قراءة كتاب أو نقده أكثر منه. وليست روح البحث والتحقيق التي أثارها أقل مآثر الكاتب‬
   ‫علينا(113)" وكان جيبون وبالكستون وبيرك من بين من أفادوا من روح القوانين وعظمة الرومان واضمحاللهم‬
‫وعده فودريك األكبر أحسن كتاب بعد كتاب األمير، ورأت كثرين الكبرى أنه ينبغي أن يكون كتاب الصلوات اليومية‬
    ‫لدى الملوك(913)واقتبست فقرات منه للرجال الذين عينتهم لمراجعة القوانين الروسية. ولم ينقل واضعوا مسودة‬
    ‫الدستور األمريكي عن مونتسكيو نظرية فصل السلطات فحسب بل استبعاد أعضاء الوزارة من الكونجرس كذلك‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 11373‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> نشاط الذهن -> مونتسكيو‬


                                                                                   ‫ا‬
‫وتضمنت كتاباتهم كثيرً من االقتباسات من الكتاب. وأصبح روح القوانين الكتاب المقدس عند الزعماء المعتدلين في‬
                                                                                     ‫ً‬
‫الثورة الفرنسية تقريبا ونشأ عن كتاب عظمة الرومان واضمحاللهم بعض إعجابهم بالجمهورية عند الرومان. ويقول‬
‫فاجيه أن كل األفكار الحديثة العظيمة بدأت بمونتسكيو(343) وعلى مدى جيل من الزمان كان مونتسكيو، ال فولتير،‬
                                                                        ‫هو صوت العقل وبطله في فرنسا.‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 91373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬



                                                                                         ‫الفصل الحادي عشر‬
                                                                                              ‫فولتير في فرنسا‬




                                                                                                 ‫3- في باريس‬




                                                                                                ‫9723-4123‬


                                ‫ا‬
 ‫لدى عودة فولتير من إنجلترا في أواخر عام 1723 أو أوائل عام 9723 اتخذ مسكنً مغموراً في حي سان جرمان-ان‬
   ‫لي-على بعد 33 ميالً إلى الشمال الغربي من باريس، وحشد أصدقاءه لينشروا أنباء غير رسمية عن إلغاء قرار نفيه‬
‫من فرنسا ثم من العاصمة، ونجحوا في هذا، بل في استعادة معاشه الملكي كذلك. وما حل شهر أبريل حتى ظهر فجأة،‬
      ‫وأخذ يجول خالل العاصمة. وفي أحد االجتماعات سمع أن العالم الرياضي كوندوا مين حسب أن من يشتري كل‬
                         ‫ا‬
    ‫أوراق "اليانصيب" التي تصدرها باريس ال بد أن يحقق ثراء، فأسرع فولتير واقتراض نقودً من رجال المصارف‬
 ‫من أصدقائه. واشترى كل الوراق، فكان ما تنبأ به العالم الرياضي، ولكن المراقب العام للحسابات رفض الدفع، فرفع‬
  ‫فولتير دعوى أمام القضاة وكسب القضية وتسلم المبلغ(3) وفي أخريات عام 9723 قطع 173 ميالً في ليلتين ونهار‬
                                                                      ‫ا‬
‫واحد من باريس إلى نانسي ليشتري أسهمً في مشروع دوق اللورين، وعادت عليه هذه المغامرة بأرباح طائلة. وهكذا‬
                                                      ‫أعان فولتير مدبر األعمال المالية فولتير الشاعر الفيلسوف.‬
  ‫نراه في 1123 مرة أخرى في باريس مفتوناً إلى حد الجنون بالمغامرات والمشروعات، وكان لديه عادة عدة أعمال‬
                ‫ا‬
   ‫أدبية قيد اإلنجاز في وقت واحد، يتنقل من واحد إلى اآلخر، ولذة الهوى في التنقل، دون أن يضيع وقتً. وكان آنذاك‬
‫يكتب رسائل عن اإلنجليز وتاريخ شارل الثاني عشر "موت اآلنسة ليكوفرير"، والصفحات األولى في الغادة العذراء.‬
                                                       ‫وذات يوم 1123 اقترح عليه زوار الدوق دي ريشيليو وهم‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 14373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


                                                                      ‫ا‬
     ‫يتحدثون عن جان دارك أن يكتب لها تاريخً، ولم يكونوا بعد في فرنسا قد اعترفوا بها قديسة حامية لفرنسا. وبدا‬
    ‫للمفكر الحر فولتير أن العناصر الخارقة للطبيعة في أسطورة جان دارك تشد انتباهه إلى معالجة تاريخها معالجة‬
  ‫فكاهية. فتحداه ريشيليو أن يحاول ذلك، وكتب فولتير المقدمة في تلك الليلة، ولم تكن مرثيته في ليكوفرير قد نشرت‬
   ‫بعد، ولكن صديقه األخرق نيقوال ثيوريو كان قد قرأها على المأل على أوسع نطاق. وأستأنفت األصوات الالهوتية‬
                                                                        ‫البغيضة طنينها المزعج حول رأس فولتير.‬
    ‫وفي 33 ديسمبر وكأنما كان فولتير ظمآناً إلى كسب األعداء، أخرج قصته لوسيوس جينيوس بروتوس الذي أطاح‬
                                                                                                       ‫ا‬
     ‫طبقً لرواية ليفي بعرش الملك تاركينيوس وأسهم في إقامة الجمهورية الرومانية، وأنكرت المسرحية على الملوك‬
   ‫قدسيتهم وعدم جواز انتهاك حرماتهم، ونادت بحق الشعب في تغير حكامه. وشكا الممثلون من أن الرواية خالية من‬
‫فكرة الحب ووافقت باريس على أنها بدعة خرقاء سخيفة. وسميت المسرحية بعد عرضها 13 مرة. وبعد اثنتين وستين‬
                                                                                                       ‫ا‬
                   ‫عامً أعيد تمثيلها من جديد، ألن باريس كانت آنذاك تواقة إلى مشاهدة مقصلة لويس السادس عشر.‬
    ‫وفي نفس الوقت كان فولتير قد حصل على ترخيص ملكي بنشر "تاريخ شارل الثاني عشر ملك السويد". وهنا كان‬
        ‫الموضوع ال يكاد يسيء إلى لويس الخامس عشر أو الكنيسة، كما يسر الملكة، ألن الرواية تناولت موقف أبيها‬
  ‫ستانسالس بشكل الئق كريم. وظهرت طبعة من 1117 نسخة في الوقت الذي ألغى فيه الترخيص الملكي دون سابق‬
      ‫إنذار، وصودرت كل النسخ فيما عدا واحدة احتفظ بها فولتير. واحتج فولتير لدى حامل األختام فأبلغ أنه قد حدث‬
                                                                        ‫ا‬
  ‫تغيير في السياسة الخارجية مما كان لزامً معه إرضاء غريم شارل الثاني عشر وضحيته، وهو أوغسطس "القوي"‬
  ‫ا‬                                                                                            ‫ا‬
 ‫الذي ما زال ملكً على بولندة. وقرر فولتير أن يتجاهل أمر الحظر وانتقل متنكراً إلى روان وباشر طبع تاريخه سرً.‬
                                 ‫وفي أكتوبر 3123 تداوله الناس في حرية مطلقة وأقبلوا على قراءته وكأنه قصص.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 34373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


   ‫وذهب بعض النقاد إلى انه محشو بالخيال، واسماه بعض المؤرخين الواسعي االطالع رومانسية "في أسلوب مشرق‬
        ‫بارع في السرد القصصي، ولكنه غير دقيق في التفاصيل(7)ولكن فولتير كان قد أعد الكتاب على طريقة الباحث‬
       ‫المدقق إنه لم يطلع على وثائق الدولة فحسب بل إنه كذلك توقف ليستقي المعلومات من مصادرها األصلية: الملك‬
         ‫السابق ستانسالس، ماريشال دي ساكس دوقة مالبرو، بولنجيروك، آكسل سبار (الذي اشترك في معركة نارفا)‬
           ‫ا‬
 ‫فونسيكا (طبيب برتغالي كان يعمل في تركيا أثناء وجود شالر هناك) والبارون فابريس (سكرتير شارل سابقً). وأكثر‬
 ‫من هذا فإن فولتير كان قد أقام فترة مع البارون فون جورتز وزير شارل ذي الحظوة لديه. وربما حول إعدام البارون‬
  ‫9323 نظر فولتير إلى دراسة أسد الشمال "وفي 1423 أشار جوران برج الذي كان قسيس شارل إلى األخطاء التي‬
       ‫وقع فيها فولتير، وقام فولتير بتصويب هذه الخطاء في الطبعات الالحقة. وكانت هناك أخطاء أخرى وبخاصة في‬
    ‫الوصف التفصيلي للمعارك. وجادل النقاد المتأخرون(1)في أن فولتير بالغ في تقدير شارل على "إنه الرجل األكثر‬
                                                                                                 ‫ا‬
  ‫استثناء وخرقً للعادة الذي ظهر على األرض" وجمع في شخصيته بين أعظم مناقب أسالفه. وال عيب فيه وال ينغص‬
        ‫عليه حياته إال أنه جمع بين هذه المناقب في إفراط زائد(4)وربما تخفف الكلمة األخيرة من حدة النقد، فقد أوضح‬
                              ‫ً‬
        ‫فولتير أن شارل جاوز الحد وافرط في التحلي بهذه المناقب البطولية حتى أصبحت عيوبا وعددها، ومنها التبذير‬
‫والتهور والقسوة وعدم القدرة على المغفرة والصفح. كما أوضح كيف أن أخطاء الملك قد أضرت بالسويد. وانتهى إلى‬
‫أن شارل "كان رج ً شاذاً استثنائيً ال رجل عظيمً(7)"وعلى أية حال لم يكن الكتاب عم ً ثقافيً فحسب، بل عمالً فنيً‬
‫ا‬                       ‫ال ا‬                                     ‫ا‬              ‫ا‬          ‫ال‬
        ‫كذلك-من حيث التركيب والشكل والحيوية واألسلوب-وسرعان ما أقبل كل المتعلمين في أوربا على قراءة شارل‬
                                                    ‫الثاني ملك السويد وذاعت شهرة فولتير إلى حد لم يسبق له مثيل.‬
                                               ‫ا‬     ‫ا‬
                                               ‫وأصبح فولتير بعد عودته من روان (7 أغسطس 3123) ضيفً مقيمً‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 74373‬
                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


‫على الكونتيس دي فونتين مارتل في قصرها بالقرب من "الباليه رويال"، وقد وجدت في رفقته سعادة بالغة حتى ظلت‬
    ‫تؤويه وتطعمه حتى مايو 1123 وترأس في حيوية شديدة والئم العشاء األدبية التي كانت تقيمها، ومثل المسرحيات‬
    ‫وبخاصة مسرحياته هو على مسرحها الخاص. وفي أثناء إقامته هناك كتب نص "أوبرا شمشون" لرامو-وهو ملحن‬
   ‫فرنسي في القرن الثامن عشر (7123)-ومن المحتمل أنه شهد من مقصورة الكونتيس في "المسرح الفرنسي" سقوط‬
  ‫روايته "اريفيل" (7123) كما شهد النجاح الباهر الذي لقيته مأساة زائير (13 أغسطس 7123) فكتب إلى صديق له:‬
           ‫"ما مثلت رواية بمثل الروعة التي مثلت بها زائير في عرضها الرابع. وكم وددت لو أنك كنت معي لتشهد أن‬
 ‫الجمهور لم يسخط على صديقك، وظهرت في المقصورة، واتجهت كل األيدي بالتصفيق لي، فأستحيت وخبأت نفسي.‬
                                           ‫ا‬
                                      ‫ولكني أكون مرائياً إذا لم اعترف لك بأني قد اهتزت مشاعري وتأثرت كثيرً(1).‬
        ‫وظلت هذه المسرحية أحب مسرحياته إليه حتى النهاية. إنها كلها ليس لها وجود اآلن، قضى عليها تغير األذواق‬
         ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫واألمزجة واألسلوب، ولكنا بجدر بنا أن نبعث إحداها على األقل من قبرها، ألنها لعبت جميعً دورً مثيرً كبيرً في‬
       ‫حياته. وزائير طفلة مسيحية أسرها المسلمون في صباها في الحروب الصليبية، وأنشئوها على العقيدة اإلسالمية،‬
 ‫وهي ال تعرف إال القليل عن فرنسا اللهم إال أنها مسقط رأسها، وهي اآلن غادة فاتنة في حريم السلطان أوروزمان في‬
                                                                         ‫ا‬
      ‫بيت المقدس. وهام السلطان وهامت هي به حبً. وفي مستهل الرواية كانت على وشك أن تصبح زوجة له. وتؤنبها‬
     ‫أسيرة مسيحية أخرى اسمها فاتيما على نسيانها أنها كانت مسيحية. وفي رد زائير توضيح ألثر الجغرافيا في تحديد‬
   ‫العقيدة الدينية: " إن أفكارنا وعاداتنا وعقيدتنا الدينية إنما األعراف والتقاليد والنزعة القومية السائدة في أيامنا األولى.‬
‫فإذا رأت النور على ضفاف نهر الكنج لعبدت أوثان الهند، وإذا ولدت في باريس لكن مسيحية. وأنا اآلن مسلمة سعيدة.‬
                                                        ‫إننا ال نعرف إال ما تلقناه إن أبدى األبوين اللذين يتوليان تربيتنا‬




                                                                                                  ‫صفحة رقم : 14373‬




                                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


 ‫وتعليمنا هي التي تنقش على قلوبنا الغضة تلك األحرف التي ينقحها الزمن ويصقلها. وتعمل القدرة على تثبيتها عميقة‬
                                                                      ‫في عقولنا، وال يقدر على محوها إال اهلل(2).‬
                                                                                   ‫ال‬
   ‫ويصور فولتير أوروزمان رج ً يتحلى بكل الفضائل بشكل واضح إال الصبر. إن المسيحيين ليصعقون ويذهلون إذ‬
                                                                                         ‫ا‬    ‫ا‬      ‫ً‬
‫يرون مسلما وقورً مهذبً مثل المسيحيين. وتتولى السلطان الدهشة إذ يرى مسيحية فاضلة، ويرفض أن يحتفظ بحريم،‬
               ‫ا‬
    ‫ويعد باالقتصار على زوجة واحدة. ولكن فولتير كان منصفاً لشخصياته المسيحية كذلك، فهو ينظم أبياتً عامرة في‬
‫جمال الحياة المسيحية الحقة. وهناك أسير مسيحي آخر هو نير ستام، وقع في األسر في طفولته كذلك، ونشأ مع زائير،‬
    ‫وفك أساريره حين تعهد بالرجوع ليفتدي بالمال عشرة من األسرى، ويذهب ثم يعود ليدفع مبلغ الفدية المطلوب من‬
    ‫ماله الخاص. ويكافئه أوروزمان بإطالق سراح مائة ال عشرة فقط من المسيحيين. ولكن نير ستام بحزن ألن زائير‬
 ‫ولوسنيان لم يكونا من بين من أطلق سراحهم، ومكان هذا الملك بيت المقدس (1133-2133). وتناشد زائير السلطان‬
   ‫أوروزمان أن يطلق سراح لوسنيان، فيجيبها إلى طلبها. إن الملك العجوز يعتبر زائير في منزلة ابنته ونير ستام في‬
‫منزلة ابنه. إنها اآلن موزعة بين حبها للسلطان الكريم ووالئها ألبيها وأخيها وعقيدتهما المسيحية. ويهيب بها لوسنيان‬
 ‫ا‬                                                                           ‫ا‬
 ‫أن تتخلى عن السلطان واإلسالم معً: "أواه يا أبنتي، فكري في الدم الزكي الذي يجري في عروقك، دم عشرين ملكً‬
‫كلهم مسيحيون مثلي، دم األبطال، دم المدافعين عن العقيدة، دم الشهداء والقديسين. إنك ال تعرفين مصير أمك، إنك ال‬
 ‫تعرفين أنه في نفس اللحظة التي ولدت فيها ذبحها أولئك المتبربرون الذي تعتنقين دينهم البغيض على مرأى مني. إن‬
                                   ‫ا‬
‫أخوتك والشهداء األعزاء يمدون إليك أيديهم من السماء، يريدون أن يحتضنوا أختً لهم. آه يا ابنتي! تذكريهم! إن الرب‬
                                                ‫ا‬
        ‫الذي خنث عهده، لفظ النفس الخير من أجلنا ومن أجل البشر جميعً. انظري إلى الجبل المقدس الذي قتل عليه‬
                                                               ‫ا‬       ‫ا‬
             ‫مخلصنا، والمقبرة التي نهض منها ظافرً منتصرً. في كل طريق تمشين فيه سترين خطوات الرب، هل‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 44373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


  ‫تنكرين خالقك؟ زائير:... يا إلهي العظيم... تكلم يا أبتاه ماذا أفعل؟ لوسنيان:... أذهبي عني العار والحزن بكلمة منك،‬
                                                            ‫وقولي أني مسيحية. زائير: إذن يا إلهي، أنا مسيحية.....‬
                                                                  ‫لوسينان: أقسمي بأنك ستحفظين هذا السر الخطير.‬
                                                                                       ‫زائير: اقسم لك على ذلك(1).‬
     ‫ولما علم نير ستام بإصرارها على الزواج من أوروزمان، راوده التفكير في قتلها، ولكن رق قلبه، وألح في قبولها‬
  ‫التعميد فوافقت، وبعث إليها برسالة يحدد فيها مكان وزمان االحتفال بتعميدها، وحسب أوروزمان الذي لم يكن يدري‬
  ‫أن نير ستام أخوها، إنها رسالة حب وغرام، ويفاجئ زائير في الموعد المضروب، ويطعنها. ثم يكتشف أن العشيقين‬
                                                                             ‫المزعومين ليسا إال أخاً وأختاً، فينتحر.‬
      ‫إن حبكة الرواية موضوعة ببراعة، مبسوطة بطريقة مسرحية متماسكة وهي تمثل في شعر سلس موسيقي. وإننا‬
  ‫لندرك من خالل القطع العاطفية التي تبدو اآلن ثقيلة مبالغاً فيها، والسبب في أن باريس أغرمت بزائير وأوروزمان،‬
       ‫وفي أن الملكة الصالحة الحزينة ذرفت الدمع عند تمثيل المسرحية للحاشية في فونتنبلو. وترجمت المسرحية إلى‬
   ‫اإلنجليزية ومثلت بسرعة في إنجلترا وإيطاليا وألمانيا. ونودي آنذاك بفولتير أعظم شاعر على قيد الحياة في فرنسا،‬
  ‫وخلفً صالحاً لطورني وراسين. ولكن هذا لم يرق في عيني جان بابتست روسو، وهو شاعر فرنسي مقيم في المنفى‬           ‫ا‬
‫ا‬
‫في بروكسل، فحكم على زائير بأنها "مسرحية تافهة فاترة... مزيج كريه من التدين والفجور". فرد عليه فولتير شعرً‬
                                                                   ‫في معبد الذوق" يشهر فيه بروسو ويمجد موليير.‬
      ‫وبلغ فولتير ذروة المجد وعانق النجوم، ولكنه لم يكف عن العمل. ففي شتاء 7123-1123 درس الرياضيات كما‬
                                                                                   ‫ال‬
    ‫درس نيوتن، مع ضحيته مستقب ً موبرتوي ‪ ،Moupertuis‬وأعاد كتابة "ايريفيل ‪ "Eriphile‬ونقح زائير وشارل‬
                                                                   ‫الثاني عشر، وجمع مادة كتابه "قرن لويس الرابع‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 74373‬
                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


       ‫عشر" ووضع اللمسات األخيرة على كتابه "رسائل عن اإلنجليز" وأخرج مسرحية أخرى (أليد) كما كتب أشياء‬
  ‫صغيرة ال تحصى: رسائل، قصائد مدح، اقتراحات، بعض الحكم الساخرة، بعض أغاني الحب-وكلها تتسم بالظرف‬
‫في نظم رقيق مصقول. وعندما ماتت مضيفته السخية، مدام دي فونتين مارتل، انتقل إلى داره في شارع (لونج بزان)‬
    ‫واشتغل بتصدير القمح. ومذ جمع بين التجارة والقصص، فإنه التقى (7123) بالسيدة جبرييل اميلي لي تونلييه دي‬
                    ‫برتيل مركيزة دي شاتيليه، وارتبطت حياته بحياة السيدة الفذة المغامرة حتى وافاه األجل المحتوم.‬
 ‫وكانت آنذاك في السادسة والعشرين (وهو في الثامنة والثالثين)، وكانت حياته بالفعل حافلة متعددة الجوانب فهي ابنة‬
    ‫البارون دي برتييه، ولذلك تلقت تعليماً غير عادي. حتى أنها في سن الثانية عشر تعلمت الالتينية واإليطالية وغنت‬
                                                                                                     ‫ا‬
‫غناء رخيمً، وعزفت على البيان الصغير، وبدأت في سن الخامسة عشرة تترجم اإللياذة إلى الفرنسية شعراً، وأضافت‬
‫إلى هذا اللغة اإلنجليزية ودرست الرياضيات على يدي موبرتوي. وفي التاسعة عشرة تزوجت المركيز فلورنت كلود‬
     ‫ا‬
     ‫دي شاتيليه لومونت، وكان في الثالثين من العمر. وأنجبت له ثالثة أطفال. ولكن فيما بعد هذا لم يكن للواحد مبهمً‬
                                                                   ‫ال‬
  ‫يرى اآلخر إال لماماً، حيث كان هو عادة مشغو ً مع فرقته، أما هي فبقيت قريبة من الحاشية وقامرت بمبالغ طائلة،‬
    ‫وجربت الحب. فلما هجرها عشيقها األول تناولت سماً، وأنقذوها على كره منها بواسطة عقار مقيء، واحتملت في‬
‫رباطة جأش جربتها من قبل، هجران عشيق ثان هو الدوق دي ريشيليو، ألن كل فرنسا عرفت قصة تقلبه بين النساء.‬
  ‫والتقى فولتير بالمركيزة على مائدة العشاء فلم ينزعج، بل سرته قدرتها على التحدث في الرياضيات والفلك والشعر‬
  ‫الالتيني. ولم تكن مفاتنها طاغية ال سبيل إلى مقاومة إغرائها، ولكن سيدات أخريات أسرفن، في وصفها. استمع إلى‬
       ‫مدام دي فان وهي تقول: (امرأة ضخمة متحفظة ال أوراك لها، صدرها هزيل؛... ذات ذراعين ضخمين ورجلين‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 14373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> في باريس‬


                                                                   ‫ا‬
 ‫كبيرين، وقدمين ضخمتين، ورأس صغير جدً، وقسمات حادة، وأنف محدد وعينية صغيرتين خضراوين تميالن إلى‬
     ‫الزرقة. سمراء البشرة أسنانها رديئة(9)" واتفقت معها المركيزة دي كريكي فقالت "إنها عمالقة-ماردة، ذات قوة‬
                                                                                         ‫ال‬
‫جبارة، وكانت فض ً عن ذلك آية في القبح والبشاعة، وكان جلدها في لون مبشرة جوزة الطيب الداكنة، إنها تشبه في‬
                                                                                                 ‫ا‬
   ‫جملتها جنديً طويل القامة قبيح الصورة. ومع ذلك تحدث فولتير عن جمالها(13)". أن سانت المبرت الوسيم احبها‬
    ‫سراً عندما كانت في الثانية واألربعين. وليس لنا أن نثق في رأي السيدات بعضهن في البعض اآلخر. وقد تبين من‬
‫صورها الشخصية أن اميلي كانت طويلة القامة مسترجلة، ذات جبهة مديدة ونظرة متعجرفة، ولم تكن قسمات وجهها‬
                                       ‫ا‬       ‫ً‬
                      ‫غير جذابة، وقد نشعر بشيء من االطمئنان إذا علمنا أن (لها صدرا شهوانيً ولكنه راسخ(33)).‬
‫ويمكن أن تكون أميلي قد كان فيها ما يكفي من الرجل ليكمل المرأة في فولتير. ومهما يكن من أمر فإنها لجأت إلى كل‬
      ‫الحيل والوسائل األنثوية لتصلح ما أفسد الدهر من جمالها-مستحضرات التجميل والعطور والمجوهرات والحلي‬
  ‫والمخرمات. وسخر فولتير من ولعها بالتزين. ولكنه أعجب بتحمسها للعلوم والفلسفة. فهنا سيدة استطاعت حتى في‬
 ‫غمرة الصخب والضوضاء في باريس وفرساي أن تنسحب من مائدة القمار، لتدرس نيوتن ولوك، إنها لم تقرأ نيوتن‬
‫فحسب بل أنها استوعبته كذلك زهي التي ترجمت قوانين نيوتن إلى الفرنسية، ووجد فولتير أنه من الالئق أن يتخذ من‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫نفس المرأة رفيقة دراسة وعشيقة في وقت معً. وفي 4123 اعتبر بنفسه بالفعل الرجل الذي ترتضيه عشيقاً لها: (يا‬
                             ‫إلهي! أية لذة ومتعة أجدها بين ذراعيك كم أنا سعيد باإلعجاب بالمرأة التي أحبها(73)!‬
                                                                                       ‫صفحة رقم : 24373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬



                                                                                       ‫7- رسائل عن اإلنجليز‬


   ‫في عامي 1123 و4123 نشر فولتير بعد عناء شديد أول إسهامه في عصر االستنارة، وكان عبارة عن 47 رسالة‬
                                                                             ‫موجهة من إنجلترا إلى تييريو‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 14373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


‫وترجمت إلى اإلنجليزية وصدرت في لندن (1123) رسائل متعلقة باألمة اإلنجليزية. ولكن كان في طبع األصول في‬
‫فرنسا مغامرة بحرية المؤلف وصاحب المطبعة كليهما. وخفف فولتير من بعض األجزاء، وحاول أن يحصل على أذن‬
                                 ‫ا‬
 ‫من الحكومة بطبع البقية، فرفضوا منحه الترخيص، وهنا لجأ ثانية إلى نشرها سرً في روان. وحذر الناشر جور من‬
 ‫تسرب أية نسخة للتداول لبعض الوقت على األقل، ولكن في أوائل 4123، وصلت عدة نسخ إلى باريس تحت عنوان‬
 ‫"رسائل فلسفية". وحصل أحد القراصنة الناشرين على نسخة، وأصدر منها طبعة كبيرة العدد دون على فولتير. وفي‬
        ‫ال‬
    ‫نفس الوقت كان فولتير ومدام دي شاتيليه قد قصدا إلى قصر مونتحي بالقرب من أوتون على مسافة 193 مي ً من‬
                                                                           ‫باريس ليحضرا حفل زفاف ريشيليو.‬
 ‫وبدأ الكتاب بأربع رسائل عن جماعة الكويكرز اإلنجليزية، وأوضح فولتير أن هؤالء الكويكرز ليس لهم تنظيم كنسي‬
        ‫وال قساوسة وال أسرار وال قرابين مقدسة، مع ذلك مارسوا الشعائر المسيحية في إخالص وإيمان أكثر من أي‬
                                   ‫ا‬
  ‫مسيحيين عرفهم. ووصف أو تخيل زيارة قام بها لواحد منهم وقال: "سألت واحدً منهم: سيدي العزيز، هل عمدوك؟‬
                                                  ‫ا‬
   ‫فأجاب "ال لم أعمد ال أنا وال أخوتي". وصحت في وجهه: عجبً كيف يكون هذا إذن أنتم لستم مسيحيين! فأجاب في‬
 ‫صوت هادئ خفيض يا بني، ال تقسم، نحن مسيحيون" "ونحن نحاول أن نكون مسيحيين صالحين، ولكننا ال نرى أن‬
  ‫المسيحية مجرد ماء بارد مع قليل من الملح على الرأس وعارضته. (يا إلهي! ال تتحدث بهذا الضالل! هل نسيت أن‬
        ‫ا‬                                                                         ‫ال‬
     ‫يوحنا عمد المسيح؟) فرد قائ ً: يا صاحبي، ال تقسم بعد ذلك، إن يوحنا عمد المسيح ولكن المسيح لم يعمد أحدً...‬
 ‫ونحن أتباع المسيح ال أتباع يوحنا فقلت له: (وا حسرتاه أيها المسكين جزاؤك الحريق في بالد محاكم التفتيش وسألني‬
                                                                                  ‫(هل أجروا لك عملية ختان؟).‬
                                                                              ‫فأجبته (لم يكن لي شرف الختان).‬
                                                                                              ‫صفحة رقم : 94373‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


                                                                                                          ‫ا‬
                                                          ‫فقال: (حسنً، أنت مسيحي دون ختان، وأنا مسيحي دون تعميد)‬
    ‫وقال الكويكرز إن التعميد مثل الختان من العادات السابقة على المسيحية وقد أبطلها إنجيل السيد المسيح الجديد. ثم‬
    ‫ا‬           ‫ً‬
   ‫استطرد فولتير يتحدث عن الحرب )لن نذهب أبداً إلى الحرب، ال ألننا نخشى الموت، بل ألننا لسنا ذئابا وال نمورً،‬
                                                                                                             ‫ا‬
        ‫وال كالبً نحن رجال مسيحيون. أن إلهنا الذي أمرنا نحب أعداءنا يقينا ال يريد منا أن نعبر البحر لنقتل أخوة لنا،‬
   ‫لمجرد أن السفاحين الذين يرتدون ثياباً في لون الدم وقبعات عالية ترتفع إلى قدمين يجندون المواطنين بينما يحدثون‬
 ‫جلبة باثنتين من العصي ممدتين على جسم حمار. وبعد النصر تتألق لندن كلها في األضواء وتلتهب سماؤها باأللعاب‬
                  ‫النارية وطلقات المدافع، على حين نرثي في صمت للمذبحة التي أدت إلى مثل هذا االبتهاج العام(13).‬
‫لقد أوذيت فرنسا أيما إيذاء، وكادت أن تدمر نفسها لمحاولتها فرض عقيدة واحدة على جميع الفرنسيين. وأسهب فولتير‬
          ‫ا‬
  ‫في وصف التسامح بالنسبة للخالفات الدينية في إنجلترا. "هذه بلد الطوائف. والرجل اإلنجليزي، باعتباره حرً يسلك‬
         ‫إلى السماء الطريق الذي يختاره.(43)ووازن فولتير بين أخالق رجال الدين اإلنجليز وأقرانهم الفرنسيين. وهنأ‬
    ‫اإلنجليز بأنهم ليس لديهم رهبان. إن اإلنجليز ليحمدون اهلل ويشكرونه على أنهم بروتستانت حين يعلمون أن الشبان‬
       ‫الفرنسيين المعروفين بفسقهم وفجورهم يرقون إلى مناصب األساقفة والمطارنة بفعل الدسائس، ويؤلفون األغاني‬
        ‫الرقيقة ويقيمون والئم العشاء الباذخة كل يوم تقريباً، ويطلقون على أنفسهم أنهم خلفاء الرسل.(73)وفي الرسالة‬
      ‫الثامنة أدار فولتير الخنجر إلى صدر الحكومة في فرنسا: "إن األمة اإلنجليزية وحدها هي التي عرفت كيف تحدد‬
                                                                             ‫ا‬
 ‫سلطة الملوك بوقوفها في وجههم... وأخيرً أقامت هذه الحكومة الرشيدة، وفيها يتمتع الملك بكل القوة والسلطة في أن‬
     ‫يفعل الخير، على حين تغل يداه عن اإلتيان بأي شر أو سوء. (وهنا يردد فولتير عبارة مشهورة مأثورة عن رواية‬
                                                           ‫ا ا‬
                                                           ‫فنليون "تليماك". إن إقرار الحرية في إنجلترا تطلب ثمنً غاليً‬




                                                                                              ‫صفحة رقم : 17373‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


 ‫وال ريب، فقد أغرق صنم الحكم االستبدادي المطلق في بحر من الدماء، ولكن اإلنجليز ال يرون أنهم اشتروا القوانين‬
   ‫العادلة الصالحة بثمن باهظ، فهناك أمم أخرى مرت بمحن وأوقات عصيبة ال تقل عما عاناه اإلنجليز، ولكن الدماء‬
                                                                                                 ‫ا‬
                                                ‫التي أريقت دفاعً عن قضية الحرية لم تكن إال تثبيتاً لعبوديتها(37).‬
  ‫إن حق التحقيق في قانونية حبس التهم في إنجلترا يحرم السجن دون قضية محددة، ويتطلب محاكمة علنية، بواسطة‬
   ‫المحلفين، أما في فرنسا فهناك "األوامر السرية المختومة". وقبل مونتسكيو بأربعة عشر عاماً، رأى فولتير "فصل‬
    ‫السلطات في الحكومة اإلنجليزية وامتدحه وبالغ فيه، كما رأى تنسيق العمل بين الملك ومجلس اللوردات ومجلس‬
 ‫العموم. وأشار فولتير إلى أنه ال يمكن فرض ضرائب إال بموافقة البرلمان" "وأنه ال يعفي أحد من ضرائب معينة...‬
 ‫ألنه نبيل أو كاهن."(23)وفي إنجلترا يشتغل صغار أبناء النبالء بالتجارة وبمختلف المهن، أما في فرنسا فإن التاجر‬
                                                                                                        ‫ا‬
     ‫غالبً ما يسمعهم يتحدثون عن مهنته في ازدراء واحتقار، حتى يبلغ به الحمق إلى حد الشعور بالخزي والعار من‬
 ‫االشتغال بالتجارة. ولست أدري أيهما أنفع للدولة-نبيل نتأنق يعرف بالضبط متى يصحو الملك من نومه أو يأوى إلى‬
 ‫فراشه، ويستشعر العظمة حين يقوم بدور العبد الرقيق... أو رجل أعمال (مثل فوكنر مضيف فولتير في لندن، يثري‬
                  ‫ا‬
‫وطنه ويصدر األوامر من مكتبه إلى سورات والقاهرة، ويسهم في إسعاد العالم بأسره(13) وأخيرً في قطعة تضمنت‬
  ‫برنامجاً لفرنسا ذهب فولتير إلى: أن الدستور اإلنجليزي بلغ قمة التفوق وكان من نتيجة ذلك أن كل الناس استعادوا‬
                                         ‫ا‬
       ‫حقوقهم الطبيعية، على حين أنهم محرمون منها في سائر الملكيات تقريبً. وهذه الحقوق هي الحرية الكاملة في‬
      ‫أشخاصهم وفي ممتلكاتهم: حرية الصحافة حق المحاكمة بناء على نص صريح في القانون، وحق كل إنسان في‬
                                                                  ‫اعتناق العقيدة التي يرتضيها دون إزعاج.(93)‬
                                                                               ‫ا‬
‫وال بد أن فولتير عرف أن فريقً من الناس فقط هم الذين تمتعوا بهذه الحقوق الطبيعية "وأن الحرية الشخصية لم تتحر‬
                                                                                    ‫من خطر الرقابة الصحفية،‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 37373‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


  ‫وأنه كانت هناك حدود وقيود على حرية الكالم في الدين وفي السياسة، وأن المنشقين والكاثوليك كانوا مستبعدين من‬
   ‫ا‬      ‫ً‬
   ‫الوظائف العامة. وأنه كان من الميسورة في إنجلترا رشوة القضاة ليتجاهلوا القانون. إن فولتير لم يدون وصفا نزيهً‬
                                                                      ‫ا‬
  ‫لواقع إنجلترا, أنه كان يستخدم إنجلترا سوطً يحرك به الثورة في فرنسا ضد ظلم الدولة أو الكنيسة. أن كون كل هذه‬
                                                                         ‫ا‬
    ‫الحقوق تقريباً أصبحت اآلن قضية مسلمً بها في البلدان المتحضرة يضفي على ما أنجزه القرن الثامن عشر روعة‬
                                                                                                           ‫ال‬
                                                                                                          ‫وجال ً.‬
‫وال يقل عن هذا أهمية في أثره على الفكر الحديث امتداح فولتير لبيكون ولوك ونيوتن. إنه قال عن بيكون الذي اتهموه‬
                                           ‫ً‬
       ‫وجرحوه ما حكم به بولنجيزوك على مالبرو "إنه رجل بلغ من العظمة حدا ال أستطيع معه أن أتذكر هل كان له‬
 ‫أخطاء أم ال"(17)ثم أردف يقول" إن هذا الرجل العظيم بيكون هو أبو الفلسفة التجريبية ال من أجل التجارب التي قام‬
    ‫بها، بل بما وجه من نداءات قوية للنهوض بالبحث العلمي. وتلك هي الفكرة التي حدت بديدرو ودالمبرت إلى القول‬
                                                   ‫بأن بيكون هو أول من أوحى إليهم بدائر المعارف التي وضعوها.‬
                         ‫ال‬                               ‫ا‬
   ‫وخصص فولتير لجون لوك كل الفصل الثالث عشر تقريبً. إنه لم يجد فيه مجرد علم العقل بد ً من أسطورة النفس،‬
      ‫بل وجد فلسفة كامنة كاملة حتى أنه بإرجاعه كل المعرفة إلى الشعور، حول الفكر األوربي عن اإللهام اإللهي إلى‬
  ‫الخبرة اإلنسانية، باعتبارها المصدر الوحيد للحقيقة وأساسها. ورحب برأي لوك في أنه يمكن تصور إن المادة يمكن‬
                            ‫ا‬
      ‫تمكينها من التفكير وغصت بهذه العبارة بالذات حلوق رجال الرقابة الفرنسية، وكان لها أثرً كبير في الحكم على‬
     ‫الكتاب وإدانته. ويبدو أنهم تنبئوا فيها بمادية المتري وديدرو. ورفض فولتير أن يسلم نفسه إلى المادية، ولكنه عدل‬
                                ‫عبارة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود" إلى "أنا جسم وأنا أفكر وال شيء غير هذا".‬
                                             ‫وأشارت الرسالة الرابعة عشرة على الفرنسيين أن يتخلصوا من ديكارت‬
                                                                                        ‫صفحة رقم : 77373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


             ‫ً‬
     ‫وينصرفوا إلى دراسة نيوتن. إن حكم الرأي العام في إنجلترا على هذين المفكرين هو إن أولهما كان حالما والثاني‬
    ‫حكيمً. وقدر فولتير أعظم تقدير إضافات ديكارت إلى الهندسة، ولكنه لم يستسغ الدوامات الكونية عند ديكارت. إنه‬‫ا‬
                                                              ‫ا‬                             ‫ا‬     ‫ً‬
   ‫أقر بأن ثمة شيئا وهميً غامضاً، أو على األقل مخدرً في مقاالت نيوتن عن الكرونولوجيا القديمة (تقسيم الزمن إلى‬
‫فترات وتعيين تاريخ األحداث) وسفر الرؤيا، وأوحى فولتير بشكل لطيف بأن نيوتن كتب هذه المقاالت ليعزي البشرية‬
                                                      ‫ا‬
         ‫عن تفوقه البالغ عليها(37)إنه وجد أن نيوتن ما زال عويصً يصعب فهمه، ولكن اجتماع الرجال البارزين في‬
                                                      ‫ا‬
      ‫الحكومة وفي ميدان العلوم لتشييع جنازته ترك في نفسه أثرً عقد معه العزم على دراسة قوانين نيوتن، وعلى أن‬
                                                                         ‫ا‬
                         ‫يكون رسول نيوتن إلى فرنسا، وهنا أيضً غرس فولتير بذور دائرة المعارف وعصر التنوير.‬
                                                                                                          ‫ا‬
     ‫وأخيرً صدم فولتير الفكر الديني في فرنسا بنقد الذع وجهه إلى آراء بسكال. إنه لم يقصد تضمين هذا في رسائله،‬
   ‫فليس لهذا عالقة بإنجلترا، ولكنه كان قد أرسله من إنجلترا إلى تيير 1723، فألحقه الناشر اللص بالرسائل باسم رقم‬
      ‫77، وكانت النتيجة أن الجانسنيين-الذين قدسوا بسكال إلى حد العبادة، وسيطروا على برلمان باريس-، فاقوا اآلن‬
      ‫اليسوعيين (الذين لم يحبوا بسكال قط) في استنكار فولتير وشجبه وكان فولتير غير قابل أساساً لالتفاق مع بسكال‬
                             ‫ال‬                           ‫ا‬
  ‫حيث كان في هذه المرحلة (اللهم إال في رواياته) عقالنيً متشدداً لم يكن قد وجد بعد مجا ً للوجدان في فلسفته. وكان‬
                                                                                ‫ا‬              ‫ا‬     ‫ا‬
       ‫ال يزال شابً ممتلئً حيوية ونشاطً ينعم بالحياة وسط محنه البطولية، ومن ثم عارض التشاؤم الجزع الكئيب عند‬
     ‫بسكال "ولسوف أتجاسر فأقوم بدور الجنس البشري ضد هذا المبغض للشر المهيب"(77)ورفض "رهان" بسكال‬
                                      ‫ا‬       ‫ال‬
 ‫(أي أنه من األحكم أن نراهن على وجود اهلل ال العكس) باعتباره عم ً صبيانيً يجافي الحشمة والوقار... إن اهتمامي‬
                                                                                        ‫ا‬
  ‫باالعتقاد بشيء ليس برهانً على أن هذا الشيء موجود"(17)ولم يعرض بسكال الرهان (على أنه برهان) وسلم بأنه‬
                                                                    ‫ليس في مقدورنا أن نفسر الكون أو نعرف قدر‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


   ‫اإلنسان، ولكنه أرتاب في أننا نستطيع من هذا الجهل أن نستنتج صدق قانون اإليمان المسيحي الذي جاء به الرسل.‬
   ‫كما أنه لم يحس في هذا العصر المرح المفعم بالحيوية بأي تعاطف مع تطلع بسكال إلى الراحة والدعة، حيث نادى‬
                                  ‫بأن اإلنسان "خلق ليعمل... فعدم العمل وعدم الوجود سيان بالنسبة لإلنسان(47)".‬
‫وليست "مالحظات على أفكار بسكال" أفضل ما كان يمكن أن تجود به قريحة فولتير. أنه لم يكن قد أعدها للنشر، ولم‬
 ‫يكن لديه الفرصة لمراجعتها وتنقيحها. وقضت األحداث الالحقة-مثل زالزل لشبونة-على نضارة تفاؤله الفتي. وعلى‬
   ‫الرغم من هذا الملحق غير المدروس وغير الجدير باالعتبار، فإن "الرسائل الفلسفية" كانت أحد المعالم البارزة في‬
      ‫األدب الفرنسي والفكر الفرنسي. فهنا ألول مرة ظهرت الجمل الموجزة الدقيقة والوضوح المبين والذكاء المرح‬
                                                         ‫ا‬     ‫ا ا‬
 ‫والتهكم الالذع، وأصبح كل هذا منذ اآلن طابعً أدبيً مميزً يتجاوز ويتجاهل الحرص على إنكار اسم المؤلف. إن هذا‬
    ‫الكتاب، وكتاب الرسائل الفارسية حددا أسلوب النثر الفرنسي من عهد الوصاية إلى عصر الثورة. وفوق هذا فإنها‬
  ‫أحكمت حلقة من أقوى الحلقات في الربط بين المفكرين الفرنسيين واإلنجليز، وهي كما قدر بكل "أهم حقيقة إلى حد‬
       ‫بعيد في تاريخ القرن الثامن عشر"(77)إنها كانت بمثابة إعالن حرب ومخطط شن حملة. وقال روسو عن هذه‬
                                                      ‫ا‬
   ‫الرسائل إنها قامت بدور كبير في إيقاظ عقله. وال بد أن آالفً من شباب فرنسا دانوا لها بمثل هذا الفضل. وقال عنها‬
                            ‫ا‬                                                       ‫ً‬
    ‫الفاييت أنها صيرته جمهوريا وهو في التاسعة من عمره. ورأى هين "إنه لم يكن لزامً على رقيب المطبوعات أن‬
                                             ‫يصادر هذا الكتاب حيث كان ال بد من قراءته بغير هذا اإلجراء"(17).‬
                                           ‫ا‬
    ‫وأحست الكنيسة والدولة والملك والبرلمان أنهم لم يعودوا يطيقون صبرً على مثل هذه الجراح الكثيرة في صمت،‬
  ‫فأرسل صاحب المطبعة إلى سجن الباستيل، وصدر أمر سري مختوم بالقبض على فولتير أينما وجد. وفي 33 مايو‬
                                                                             ‫ا‬
                                                      ‫ظهر أحد رجال الشرطة يحمل أمرً بالقبض عليه. ولكن من‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 47373‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


‫المحتمل أن موبرتوي ودار جنتال كانا قد حذرا فولتير فغادر فرنسا قبل ذلك بخمس ة أيام. وبناء على أمر البرلمان في‬
           ‫ال ا‬
     ‫13 يونيه أحرق كل ما وجد من نسخ الكتاب بيد مأمور التنفيذ العام في فناء قصر العدل باعتباره عم ً شائنً ينافي‬
                                              ‫الدين والخالق القومية ويتعارض مع احترام الواجب للسلطات العامة.‬
         ‫ا‬                                                    ‫ا‬
   ‫وقبل معرفة المركيزة دي شاتيليه بوصول فولتير سالمً إلى اللورين كتبت إلى صديق لها: "أنا ال أطيق صبرً على‬
                    ‫ا‬
    ‫مجرد علمي بأنه في السجن وهو في مثل هذه الصحة والعافية وقوة الخيال. وأنا ال أحبذ ذلك مطلقً". وأجمعت هذه‬
      ‫السيدة والدوقة دي بشيليو وغيرهما من السيدات ذوات المكانة الرفيعة أمرهن على العمل معاً للحصول على عفو‬
‫عنه. ووافق حامل األختام على إلغاء أمر القبض إذا أنكر فولتير تأليفه للكتاب. لكن تلك كانت خدعة ألنه كان على علم‬
        ‫اليقين أن فولتير هو المؤلف. وكان حامل األختام هذا أحد موظفي الحكومة الذين لطفوا من حدة الرقابة من آخر‬
                                                              ‫ا‬
  ‫باألعضاء عما في الكتاب من مآخذ. ووافق فولتير فورً على إنكار أنه المؤلف. وهذه كذبة بيضاء من الممكن الصفح‬
                                                                                               ‫ال‬
     ‫عنها بسهولة. فض ً عن أن الكتاب الذي برئ من تأليفه وزع دون موافقته. وكتب فولتير إلى الدوقة دي ايجوبون:‬
                                        ‫ا‬
 ‫يقولون إنه يجب أن أتراجع... بكل سرور.. سأعلن أن بسكال على حق دائمً وأن القساوسة مهذبون وديعون منزهون‬
       ‫عن الغرض "وإن الرهبان ليسوا متغطرسين وال منصرفون إلى تدبير الدسائس، وال حقراء وأن محاكم التفتيش‬
                                                                       ‫المقدسة هي انتصار اإلنسانية والتسامح(27).‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫والغي أمر القبض على شرط أن يبقى فولتير بعيدً عن باريس. فتنقل من قصر إلى قصر قرب حدود المدينة ورحب‬
                                                   ‫ا‬                                 ‫ً‬
‫النبالء الذين لم يتمسكوا كثيرا بأهداف الدين، كما لم يميلوا مطلقً إلى الحكومة الملكية المركزية المستبدة وتلقى الدعوة‬
  ‫باإلقامة في بالط هولشتين مع معاش قدرة عشرة آالف فرنك سنوياً ولكنه رفض(17)وفي يوليه أوى إلى قصر مدام‬
                                                                                             ‫دي شاتيليه في سيري‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 77373‬
                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رسائل عن اإلنجليز‬


                           ‫في شمبانيا. وهناك وهو الضيف الذي يتحمل نفقات عشيقته وزوجها بدأ أسعد سني حياته.‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 17373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬



                                                                                       ‫1- أنشودة الحب في سيري‬




                                                                                                    ‫4123-4423‬


                                                                          ‫ا‬
   ‫سيري اآلن قرية عدد سكانها 177 شخصً في مقاطعة المارن األعلى في شمال شرقي فرنسا على بعد بضعة أميال‬
 ‫من اللورين، وصفتها مدام دنيس ابنة أخي فولتير 1123 بأنها منعزلة موحشة على بعد أربعة فراسخ من العمران في‬
                                                                                       ‫ا‬
  ‫منطقة ال يرى المرء فيها شيئً غير الجبال واألراضي غير المنزرعة(97)وربما أحبها فولتير ألنها بقعة هادئة حيث‬
   ‫يستطيع أن يتفرغ فيها لدراسة العلوم وكتابة التاريخ والفلسفة، وتنساه الحكومة الفرنسية, أما إذا الحقته فإنه يستطيع‬
                                                                                                 ‫ا‬
                                                            ‫االنطالق منها هربً إلى اللورين في ظرف ساعة واحدة.‬
                                                                                           ‫ا‬       ‫ال‬
‫وكان القصر طل ً متهدمً من مخلفات القرن الثالث عشر. قلما أقام فيه آل شاتيليه ولم يكن يصلح للسكنى منذ أمد بعيد،‬
‫ولم يهتم المركيز بإصالحه، أو لم يكن لديه المال لهذا الغرض، فأقرضه فولتير 14 ألف فرنك بفائدة قدرها 7% للقيام‬
 ‫باإلصالحات الالزمة ولم يطالب المركيز قط بسداد هذا القرض. وأعدت بعض غرف شغلها فولتير، وأمر ببناء جناح‬
      ‫جديد، وأشرف على ترميم بقية القصر. وفي نوفمبر وصلت المركيزة ومعها مائتا حقيبة من األمتعة، وعدلت من‬
 ‫إصالحات فولتير بما يتناسب مع ذوقها الخاص، وأقامت هناك-وهي التي كانت قضت معظم سني شبابها بين الحاشية‬
                                         ‫ا‬                                                            ‫ا‬
 ‫الملكية أو قريبً منها-منصرفة إلى الدراسة مع زوجها وعشيقها في وقف معً. وأقام المركيز اللطيف نعها ومع فولتير‬
    ‫بين الحين والحين حتى 1423، محتفظاً لنفسه في لباقة بشقة خاصة به وبمواعيد خاصة لتناول الطعام وحده. وبعد‬
            ‫ذلك قضى معظم وقته مع كتيبته. وكانت دهشة فرنسا وإعجابها بكياسة الزوج أقل منها بإخالص العشيقين.‬
        ‫وفي ديسمبر عادت مدام شاتليه إلى باريس وزارت الدوقة رويشيليو في معتقلها، وأقنعت الحكومة بإلغاء األمر‬
                    ‫بإقصاء فولتير عن العاصمة (7 مارس 7123) فقصد إلى باريس وأقام فيها عدة أسابيع مع خليلته،‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 27373‬
                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


      ‫ولكن ماضيه الحقه، فإن أجزاء من شعره الفاجر كان يتناقله الناس. ولم يتمالك هو نفسه قراءة بعض قطعه القوية‬
     ‫على أصدقائه. كما نشر أحد الناشرين اللصوص "رسالة إلى أورانيا"، وكان فولتير قد كتبها قبل ذلك بخمس عشر‬
‫سنة، وقد هاجم فيهس المسيحية، فأنكر أنه مؤلفها بطبيعة الحال ولكنها كانت تحمل بصمات أسلوبه وفكره. ولم يصدق‬
       ‫إنكاره أنه المؤلف، فهرب ثانية إلى اللورين، ومنها في حيطة وحذر إلى سيري. وتلقى من الحكومة تأكيدات عن‬
      ‫طريق غير مباشرة بأنه إذا ظل هناك دون أن يرتكب أية مخالفة أخرى فلن يعكر صفوه أحد. ولحقت به مدام دي‬
                                             ‫ا‬
                       ‫شاتيليه مع ابنتها وابنها ومعلمهما، وكان طفلها الثالث قد مات. وهنا أخيرً بدأ شهر عسل فلسفي.‬
    ‫وكان لكل من الفيلسوفين مجموعة غرف خاصة به على جانبي القصر. وكانت شقة فولتير تتكون من حجرة انتظار‬
 ‫ومكتب ومكتبة وحجرة نوم وكسيت وجدران بنسيج من المخمل األحمر المنقوش، وازدانت باللوحات التي اقتنى منها‬
 ‫فولتير مجموعة ثمينة منها لوحة من رسم تيشيان وعدة لوحات من رسم تنيير، كما كان هناك تماثيل فينوس وكيوبييد‬
     ‫وهركيوليز، ولوحة كبيرة لصديقها الجديد األمير فردريك ولي عهد بروسيا. وعلى حد تعبير مدام جرافيني، كانت‬
  ‫ا‬             ‫ا‬
‫النظافة التامة في هذه الحجرات إلى حد "يمكن معه تقبيل األرض"(11)أما جناح المركيزة فكان مختلفً عن هذا ذوقً:‬
‫اللون أصفر الفاتح واللون األزرق الباهت مع لوحات من رسم فيرونيز وواتو، وصورة السقف وأرضيته من الرخام،‬
         ‫ومائة من الصناديق والزجاجات الصغيرة والخواتم والمجوهرات وأدوات الزينة متناثرة هنا وهناك في حجرة‬
                                  ‫ال‬
         ‫مالبسها الصغيرة. وبين مجموعتي الغرف كانت هناك قاعة كبيرة أعدت لتكون معم ً للفيزياء والكيمياء، فيها‬
       ‫مضخات هواء ومقاييس حرارة وأفران وبوتقات ومنظار مقرب (تلسكوب) ومجهر (ميكروسكوب) ومنشورات‬
                                         ‫ا ا‬
‫وبوصالت وموازين. وكان هناك عدة غرف للزوار، لم تكن مؤثثة تأثيثً جيدً. وعلى الرغم من القماش المنقوش على‬
                                                                                    ‫الجدران كانت رياح الغابات‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 17373‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


  ‫تتسلل إلى القصر من خالل الشقوق والنوافذ واألبواب. وكان لزاماً لتدفئة هذا القصر إلى حد مقبول وجود 11 مدفأة‬
                                           ‫ا‬     ‫ا‬
      ‫تستهلك في اليوم الواحد ستة (كوردات) من الخشب (الكورد=17 قدمً مكعبً من الخشب). ويمكن أن نتخيل عدد‬
                                                                             ‫ا‬
     ‫الخدم الالزمين له، أضف إلى ذلك مسرحً ألن فولتير كان يحب أن يمثل وبخاصة في رواياته هو أنه ليؤكد لنا أن‬
    ‫ا‬
‫المركيزة كانت ممثلة بارعة، وكان الضيوف والمعلم والخدم يحيطون بشخصيات الرواية، ويغنوا باألوبرا، أحيانً ألن‬
                                                            ‫ا‬
      ‫المركيزة (كما يؤكد فولتير مرة أخرى) كان صوتها مالئكيً. كما كان هناك عروض لمسرح العرائس وعروض‬
                                             ‫بالفانوس السحري، قرنها فولتير بتعليقات أغرقت الحاضرين في الضحك.‬
                                                                    ‫ا‬      ‫ا‬
   ‫ولكن اللهو كان طارئاً أما العمل فكان نظامً يوميً. وكان العاشقان عادة، يعمالن منفصلين كل في نطاقه، ولو أنهما‬
                                                                                                         ‫ا‬
  ‫تعاونا أحيانً في العمل، وقلما كان الواحد منهما يرى اآلخر في أثناء النهار إال في وجبة الطعام الرئيسية عند الظهر‬
                                                         ‫ا‬                                                     ‫ا‬
           ‫تقريبً. وكان المركيز يترك المائدة قبل أن يبدأ الحديث. وغالبً ما أنسل فولتير أيضاً إلى مكتبه تاركاً اآلخرين‬
 ‫يتسامرون. وكان له هناك أدوات مائدته الخاصة به ألنه يتناول طعامه وحده أحيانً. وإنا لنرى قلبه بحق محدثً ممتعً‬
 ‫ا‬       ‫ا‬                            ‫ا‬
   ‫ممتلئً بالحيوية، ويمكن أن يكون محط األنظار ومبعث الحياة في أي اجتماع يشهده، ولكنه كان يكره الحديث التافه.‬   ‫ا‬
                                                   ‫ا‬
 ‫وكان يقول "هذا الوقت الذي نقضيه في الحديث يزعجني كثيرً ويجدر بنا أال نضيع دقيقة واحدة، إن أكثر ما نضيع‬
                                                              ‫ا‬               ‫ا‬
                                                ‫هو الوقت(31)وكان يخرج أحيان ً لصيد الغزال حبً في الرياضة.‬
 ‫وجدير بنا أن ال نصور الرفيقين الفيلسوفين على انهما مالكان، فيمكن أن تكون السيدة الجافة مستبدة بل قاسية بخيلة‬
     ‫بعض الشيء عنيفة مقترة مع خدمها وكانت تحتج إذا نقدهم فولتير أجراً أكبر، ولم يكن بها استحياء من شيء في‬
                                                                                     ‫ا‬
    ‫جسمها، فلم تكن تأبه كثيرً لخلع مالبسها جميعاً أمام سكرتيرهما لونجشامب، أو تكليفه بصب الماء الساخن عليها‬
                                                                                        ‫وهي في الحمام. وكانت‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 97373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


  ‫تطلع خفية على الرسائل التي يكتبها ضيوفها أو ترد إليهم، وليس لدينا دليل على هذا إال شهادة سيدة أخرى(11) أما‬
                                 ‫ً‬      ‫ً‬
     ‫فولتير فكان له مئات األخطاء التي ستكتشف في الوقت المناسب. كان شاعرا مزهوا وكان سريع الغضب والتجهم‬
                                                                                                 ‫ً‬
       ‫كأنه طفل، وكثيرا ما هاجم عشيقته وتشاجر معها، وما كان هذا الشجار على أية حال إال سحب صيف تؤكد سادة‬
     ‫أيامهما، وسرعان ما كان فولتير يعود إلى هدوئه وابتسامته وابتهاجه. وما كان يمل الحديث عن سعادته وعن حبه‬
     ‫لرفيقته بطريقته الهادئة. ونظم لها مائة قصيدة حب قصيرة كل منها تصوير بارع في فن محكم. وكانت إحدى هذه‬
‫الدرر األدبية مع خاتم من حجر كريم نقشت عليه صورته: "بنقش يبرز هذه القسمات ليقع عليها بصرك. أنظري إليها‬
                                      ‫ً‬                                                                ‫ا‬
                       ‫لتقري عينً بها. أما صورتك فهي منقوشة في أعماق قلبي بيد صناع أكثر حذقا وبراعة.(41)".‬
                                               ‫أما هي فقالت ال أطيق فراقه لمدة ساعتين دون أن يمزقني األلم(71).‬
                                             ‫ا‬
      ‫ومن بين العشيقين الفيلسوفين كانت هي أكثر انصرافاً إلى العلم وانكبابً عليه منه. ونفذت قانون سيادة المرأة غير‬
    ‫المسطور في إخفاء مخطوطة كتاب فولتير "قرن لويس الرابع عشر" الذي لم يكمل بعد، ووجهته بشدة إلى دراسة‬
                       ‫ا‬
     ‫العلوم بوصفها الدراسة الحقة لرجل العصر الحديث. ووصفتها مدام دي جرانيني، وكانت ضيفً عليها في 1123،‬
                         ‫ا‬   ‫ا‬
  ‫بأنها أكثر مثابرة على أبحاثها العلمية من فولتير، حيث كانت تقضي معظم النهار وجزءً كبيرً من الليل في مكتبها.‬
                                                           ‫ا‬
        ‫وفي بعض الحيان حتى الساعة الخامسة أو السابعة صباحً.(11)وكان موبرتوي يأتي من حين إلى سيري ليتابع‬
      ‫دروسه لها في الرياضيات والفيزياء. وربما كانت هذه الزيارات باإلضافة إلى إعجاب المركيزة السافر بسعة علم‬
     ‫موبرتوي، هي التي أثارت الغيرة في قلب فولتير الشديد الحساسية، فأدت إلى المالكمة والشجار بينهما في برلين.‬
                                                                              ‫ا‬
‫وهل كانت دي شاتيليه عالمة باحثة حقً، أم أنها اتخذت من العلم سبيالً لألناقة ومجاراة مقتضيات العصر. ورأت مدام‬
                  ‫دي ديفان وبعض سيدات أخريات أن دراستها وأبحاثها كانت مجرد مظهر كاذب، وزعمت المركيزة‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬
   ‫دي كريكي :أن الجبر والهندسة اقتربا بها من حافة الجنون، على حين أن تحذلقها وكلفها الشديد بموضوع دراستها‬
     ‫جعالها ال تحتمل. والواقع أن ذهنها تشوش بكل ما تعلمته أو عرفته(21)ولكن استمع إلى مدام دي جرافيني وهي‬
                                                                                       ‫تصف لنا جلسة في سيري.‬
   ‫"في هذا الصباح قرأت علينا ربة البيت عملية هندسية لمؤلف إنجليزي حالم... وكان الكتاب باللغة الالتينية؛ وقرأته‬
    ‫علينا بالفرنسية، وترددت لحظة عند كل عبارة، وكأني بها تتفهم العمليات الهندسية، ولكن ال، إنها ترجمت بسهولة‬
                        ‫ا‬
               ‫المصطلحات الهندسية واألرقام واأللفاظ الغريبة، ولم تتوقف في شيء. أال يثير هذا الدهشة حقً؟(11).‬
  ‫وأكد فولتير لتييريو أن مدام دي شاتيليه كانت تعرف اإلنجليزية جيداً، وأنها عرفت كل المؤلفات شيشرون الفلسفية،‬
                                                                                               ‫ا‬
  ‫وكانت مولعة جدً بالرياضيات والميتافيزيقا(91). وذات مرة بزت العالم الفيزيائي وعضو األكاديمية دي ميران في‬
     ‫مناقشة عن الطاقة الحركية(14)وقرأت شيشرون وفرجيل في األصل الالتيني وأريستو وتاسو باإليطالية، ونيوتن‬
                          ‫ا‬
   ‫باإلنجليزية، وعندما زار الجاروتي سيري تحدثت معه باإليطالية. وكتبت ولكن لم تنشر كتابً من ستة مجلدات عن‬
      ‫دراسة "سفر التكوين"، مبنية على أعمال الربوبيين اإلنجليز عرضت فيه للمتناقضات واألشياء البعيدة االحتمال‬
                ‫ال‬
      ‫واألعمال غير األخالقية واألفعال الظالمة في الكتاب المقدس. وكانت رسالتها عن السعادة بحثاً أصي ً عن أسس‬
‫السعادة، حيث رأت أن هذه األسس هي الصحة والحب والفضيلة واالنغماس الذاتي العقالني، ثم طلب العلم والمعرفة.‬
       ‫وترجمت قوانين نيوتن من الالتينية إلى الفرنسية، وأشرف على طبعها كليرو، ونشرت بعد وفاتها بست سنوات‬
                                                                                          ‫ا‬
     ‫(1723). وألقت عرضً موجزاً لنظام العالم نشر في 9723 وأعلن فولتير ربما من قبيل الشهامة والود، أنه يفوق‬
 ‫كتابه "مبادئ فلسفة نيوتن" (1123)(34)وعندما أعلنت أكاديمية العلوم (1123) عن جائزة ألحسن بحث عن طبيعة‬
                                                             ‫ا‬
    ‫النار وانتشارها، ودخل فولتير المسابقة كتبت هي سرً البحث وقدمته دون ذكر اسمها، وكتبته في الليل لتخفيه عن‬
                                                               ‫ا‬
                    ‫فولتير (حيث أتى في بحثي عارضت كل آرائه تقريبً(74)) ولم يفز أي منهما بالجائزة التي حصل‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 31373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


                           ‫أولر. ولكن األكاديمية طبعت مقاليهما، وامتدح كل منهما مقال اآلخر في نشوة الحب العقلي.‬
     ‫ومن أجل موضوعه هو، قام بعدة تجارب بعضها في معمله وبعضها في مسبك في شومون المجاورة(14)ودرس‬
      ‫فولتير التلكس وكان قاب قوسين أو أدنى من اكتشاف األوكسجين(44). ونراه في مايو 2123 يكتب إلى الراهب‬
                                      ‫ا‬
   ‫موسينو في باريس يطلب إليه كيميائياً للحضور إلى سيري لقاء مائة جنيه سنويً مع اإلقامة الكاملة. ولكن كان على‬
    ‫هذا الكيميائي أيضاً أن يتلو القداس في أيام اآلحاد والعطالت في كنيسة القصر(74). أته من جانبيه آمن اآلن بالعلم‬
  ‫وحده. وكتب في 3423 ينبغي أن نعتقد في صحة ما تكشف عنه لنا عيوننا وما تكشف عنه الرياضيات. أما فيما عدا‬
                         ‫هذا فيجدر أن نكتفي بالقول بأننا ال نعرف(14). فالفلسفة كانت تعني عنده آنذاك خالصة العلم:‬
 ‫وبهذا المعنى استخدم فولتير اإلصالح في مؤلفه "مبادئ فلسفة نيوتن أمال في الترخيص الملكي بنشره، ولكنه لم يجب‬
 ‫إلى طلبه، وظهرت منه طبعة في أمستردام (1123) دون موافقته. وصدرت طبعته هو هناك في عام 3423، وكانت‬
                                                                 ‫ا‬
         ‫عبارة عن مجلد ضخم يضم 144 صفحة، نموذجً رائعاً لما يسميه الفرنسيون "دون تعمد االنتقاض من قدره"‬
         ‫ً‬      ‫ا‬
  ‫تبسيطً، أي محاولة فهم العويص الصعب منه إلى أكبر حد ممكن. وأضاف المشرف على الطبع عنوانً فرعيا وضع‬       ‫ا‬
 ‫ليكون في متناول الجميع. وغير الراهب ديفتنون هذا العنوان الفرعي في نقد غير ودي إلى "عويص على كل الناس"‬
‫وعلى النقيض من ذلك امتدح الجميع الكتاب بل أن اليسوعيين تقبلوه بقبول حسن في صحيفة تريفو(24). وهنا طردت‬
‫الجاذبية الكونية التي كشفها نيوتن دوامات ديكارت من أذهان الفرنسيين. وشمل كتاب فولتير عرضاً لبصريات نيوتن،‬
             ‫ال‬
      ‫وتحقق من التجارب في معمله الخاص، وحاول إجراء تجارب أخرى من عندياته، وحاد عن طريقه قلي ً، ليؤكد‬
                                                                                          ‫اتساق فلسفة‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 71373‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


                                       ‫نيوتن مع اإليمان باهلل. وفي نفس الوقت أكد شمولية القانون في العالم المادي.‬
   ‫وعلى الرغم من كل هذه الجهود لم يكن فولتير روح رجل العلم وال تحديداته وقيل أنه أخفق في أن يكون رجل علم.‬
                                                                      ‫ا ا‬
      ‫وينبغي بنا أن نرجح القول بأنه كان شخصً ثريً متعدد الجوانب إلى حد ال يستطيع معه أن ينصرف إلى العلم كل‬
‫االنصراف بصفة نهائية. أنه استخدم العلم وسيلة لتحرير العقل، حتى إذا تم له ما أراد انصرف إلى الشعر والمسرحية‬
‫والفلسفة بأوسع معانيها، واإلنهماكات اإلنسانية في الشئون األساسية في عصره "يجب أن نهيئ الطريق في حياتنا لكل‬
‫أساليب المعرفة والوجدان ونفتح أمامها األبواب لتنفذ إلى نفوسنا، فإذا لم تتبدد هذه شذر مذر فإن هناك مكاناً فسحاً لكل‬
            ‫شيء(14)" وهكذا كتب في ذاك الوقت (4123) بحث في اإلنسان ردد فيه إلى حد كبير آراء بوب في نفس‬
    ‫الموضوع، حتى إلى درجة إجازة فكرة غير فولتيرية "كل شيء صواب(94)". ونظم في هذه السنوات معظم غادة‬
‫أورليان (جان دارك). وربما كان هذا انتجاعاً لبعض الراحة من عناء نيوتن. وشرح فلسفته في رسالة في الميتافيزيقا،‬
                                                                           ‫وقد رأى من الحكمة أن يحجم عن نشرها.‬
                                               ‫ا‬     ‫ً‬
  ‫وكانت رسالة فذة مثل سائر إنتاجه، وبدأها بأن تخيل نفسه زائرا وافدً من كوكب المشتري إلى كوكب المريخ، ومن‬
      ‫ثم رأى أنه ال يتوقع منه أن يوفق بين آرائه وبين ما جاء به الكتاب المقدس. وحط رجاله بين كفار جنوب أفريقية.‬
                         ‫ا‬
  ‫وينتهي إلى أن اإلنسان حيوان أسود الجلد شعره شبيه بالصوف، ثم ينتقل إلى الهند ليجد أناسً صفر اللون ذوي شعر‬
               ‫سبط غير مجعد، فيستنتج أن اإلنسان جنس يتألف من عدة أنواع متميزة ال تنحدر كلها من أصل أو سلف‬
‫ا ا‬
‫واحد(17)ويحكم من مظاهر النظام في العالم ومن التركيب الهادف ذي المعنى في أعضاء الحيوان بأن هناك ربً ذكيً‬
                                                                       ‫ال‬
                                     ‫يصمم أو يركب صور الجميع. وال يرى دلي ً على وجود نفس خالدة غير فانية‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 11373‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


  ‫في اإلنسان، ولكنه يشعر بأن إرادته حرة. وقبل هيوم وآدم سميث يزمن طويل نرى فولتير يستمد روح األخالق من‬
                                   ‫ً‬
  ‫التعاطف بين الناس بعضهم مع بعض، وقبل هلفشيوس وبنتام بزمن طويل أيضا نرى فولتير يحدد الفضيلة والرذيلة‬
                                         ‫بما هو مفيد وغير ضار بالمجتمع(37)وسنعود إلى هذه الرسالة فيما بعد.‬
      ‫وكم اختلفت هذه الرسالة عن الشعر المرح الذي نظمه فولتير في تاريخ جان دارك وأنا إذا فتحنا الملحمة الساخرة‬
‫اليوم فال بد لنا أن يقفز إلى ذاكرتنا أن الكالم الفرنسي واألدب الفرنسي كانا أكثر تحرراً آنذاك منهما في النصف األول‬
      ‫من القرن العشرين. ولقد رأينا نموذجاً في الرسائل الفارسية للحاكم مونتسكيو، بل أن ديدرو كان أكثر حرية ال في‬
       ‫الجواهر المنظومة فحسب، بل في جاك المؤمن بالقضاء والقدر كذلك. فإذا قورنت جان دارك بهذين الكتابين كما‬
            ‫ا‬
      ‫نشرها أخيراً فولتير 1723، لوجدناها معتدلة بشكل محمود. ومن المحتمل أن األصل الذي جرى تداوله سرً كان‬
      ‫أقرب إلى أسلوب رابليه، ودافع كوندرسيه الوقور الرزين عن القصيدة وروى أن مالشرب وهو أحد كبار موظفي‬
 ‫الحكومة الفرنسية حفظها عن ظهر قلب(77)، ووجد في القسم الحادي والعشرين من القصيدة بعد بحث مجهد، بعض‬
  ‫أبيات معتدلة في فسقها وشهوانيتها يمكن التجاوز عنها مثل الصور الشبيهة بها عند آريوستو، وقد عوض عنها بقطع‬
          ‫ا‬                                                                  ‫ا‬     ‫ا‬       ‫ً‬    ‫ا‬
   ‫كثيرة تقدم وصفً رائعا وسردً بارعً، وكان فولتير مثل كثير من الفرنسيين في زمانه يرى في جان دارك بنتً فالحة‬
   ‫بريئة ساذجة، وربما كانت ابنة غير شرعية استسلمت للخرافات واعتادت سماع (األصوات)، وارتاب في أن فرنسا‬
        ‫كان ال بد أن تنقذ من الغزو اإلنجليزي حتى ولو لم تولد هي قط. وفيما عدا هذا ومع التسامح في بعض األخطاء‬
   ‫ا‬
  ‫التاريخية، فإنه روى القصة بأمانة مع تمليحها ببعض الدعابة ومال الملك برأسه نحو جان الباسلة التي ال تهاب شيئً،‬
                           ‫ا‬
 ‫وقال في صوت مهيب يرهبه الجميع إال هي وحدها، أنصتي إلى ياجان، إذا كنت عذراء حقً فأقسمي اليمين، فأجابت:‬
                                                                                                  ‫موالي العظيم،‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 41373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


   ‫أصدر أوامرك اآلن إلى األطباء الحكماء الخبيرين بأسرار النساء ونظاراتهم على أنوفهم، ورجال الدين والصيادلة‬
 ‫وكبيرات الممرضات الخبيرات ليجتمعوا على الفور للفصل في األمر، فليدققوا النظر ويروا ومن هذا الجواب الحكيم‬
                   ‫ا‬
‫عرف شارل أنها ملهمة تلقت وحياً، وأنها تتمتع بنعمة العذرية المقدسة المباركة، ثم قال الملك حسنً يا ابنة السماء، ما‬
    ‫دامت تعرفين كل شيء فأخبريني ماذا حدث بيني وبين زوجتي في الفراش في الليلة الماضية؟ أتوسل إليك تحدثي‬
        ‫بصراحة، فقالت جان ال لم يحدث شيء، فدهش الملك وركع وصاح بصوت عال: أنها معجزة، ثم رسم عالمة‬
                                                                                     ‫ال‬     ‫ا‬
                                                                             ‫الصليب وانحنى احترامً وإجال ً(17).‬
      ‫وقرأ فولتير على ضيوفه مقطعاً أو مقطعين من جان دارك رغبة في تسليتهم، وليبعث الدفء في أمسيات الشتاء‬
      ‫الباردة. وكانت مدام دي شاتيليه تحتفظ بالمخطوطة الضخمة في حرز أمين، وسمح فولتير في استخفاف وإهمال‬
‫بتداول بعض األجزاء بين أصدقائه ونسخ بعضها وتناقلها المجتمع غير المهذب على نطاق أوسع مما كان من الحكمة‬
  ‫أن يكون. وكان الخوف من أن تقاضيه الحكومة الفرنسية-ال بسبب فحش القصيدة بل بسبب الهجاء الالذع في بعض‬
    ‫أجزائها للرهبان واليسوعيين واألساقفة والبابوات ومحاكم التفتيش-من بواعث القلق والهموم التي أقضت مضجعه‬
                                                                                          ‫وعكرت عليه صفة حياته.‬
                                                                                        ‫ا‬
      ‫وكان فولتير أكثر جدية ووقارً في الزير ‪" Alzler‬التي بدئ بعرضها بشكل يدعو إلى المساعدة واالبتهاج على‬
   ‫المسح الفرنسي في 27 يناير 1123. وحققت التاريخ المسرحي بارتداء الثياب التي كانت سائدة في الزمان والمكان‬
  ‫المحددين ألحداث الرواية-الغزو األسباني لدولة بيرو وسلبها ونهبها. ويتوسل الفاريت الحاكم األسباني للبلد المغلوب‬
‫على أمره إلى المنتصرين أن يضعوا حداً لقسوتهم فيقول "نحن سوط العذاب الذي نصب على هذه الدنيا الجديدة، نحن‬
               ‫عابثون جشعون ظالمون... نحن المتبربرون وحنا هنا أنا المتوحشون السذج البسطاء، ولو أنهم عنيفون‬
                                                                                           ‫صفحة رقم : 71373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


    ‫بطبيعتهم، فانهم شجعان بواسل مثلنا، ولكنهم يفوقوننا في الميل إلى الخير وطيبة النفس(47). وصفقت باريس لهذه‬
                                                           ‫ا‬
         ‫الرواية لمدة عشرين ليلة متوالية ودفعت 141.17 جنيهً، وتنازل فولتير عن نصيبه من دخل الرواية للممثلين.‬
 ‫وفي 1 أغسطس 1123 تلقى فولتير أول رسالة من فردريك ملك بروسيا، ومن هنا بدأت مراسالت مشهورة وصداقة‬
                                        ‫ا‬     ‫ا‬
     ‫فاجعة. وفي نفس العام نشر قصيدة "الرجل الدنيوي" وكأنما كانت ردً مسبقً على رسالة روسو "بحث في الفنون‬
                                                                           ‫ً‬
 ‫والعلوم" (3723) أن فولتير ضاق ذرعا بالحالمين الواهمين الذين يضفون المثالية على اإلنسان البدائي غير المتمدن‬
                                                            ‫ا‬
      ‫الودود الصاعد "أو يحبذون الرجوع إلى الطبيعة" هربً من االنفعال وتوتر األعصاب والنفاق والخداع في الحياة‬
                           ‫ا‬                                                     ‫ً‬
‫الحديثة. إنه هو نفسه كان مستريحا وسط ما يعاني من باليا ومحن، ورأى أنه كان عليه لزامً عليه أن يقول كلمة طيبة‬
‫في المدنية إنصافاً لها. إنه لم يجد أية فضيلة أو ميزة في الفقر، أو أي انسجام بين الجراثيم والحب وربما كان البدائيون‬
                                                                    ‫ا‬
    ‫شيوعيين، وهذا فقط ألنهم لم يكونوا يملكون شيئً. وإذا إتسموا باالعتدال والقصد والرزانة فما ذاك إال ألنهم لم يكن‬
  ‫لديهم خمور "وأنا من جانبي أحمد للطبيعة الحكيمة أنها من أجل سعادتي أنجبتني في هذا العصر الذي يحط من قدره‬
      ‫نقادنا الذين تعروهم الكآبة واالنقباض. إن هذا الزمن الدنس مالئم كل المالئمة لحياتي فأنا أحب الترف والبدخ بل‬
‫الحياة الناعمة وكل الملذات والفنون على اختالف أنواعها، والنظافة والذوق والزينة والزخرفة وبدا له كل هذا مفض ً‬
‫ال‬
 ‫لديه بشكل واضح على جنات عدن "أبي العزيز آدم، اعترف أنك ومدام حواء كانت لكما أظفار طويلة سوداء بما فيها‬
                                                      ‫ً‬
      ‫من أقذار، وان شعره كما كان أشعث أغبر إلى حد ما.... وعبثا حاول العلماء أن يعينوا مكان جنة عدن... إن جنة‬
                                                                              ‫األرض هي التي أعيش فيها أنا اآلن.‬
          ‫ولم ترق في أعين رجال الدين الصورة التي رسمها فولتير آلدم وحواء، وأصروا على أن سفر التكوين تاريخ‬
                                                                             ‫صحيح، ولم يقروا فولتير على ما جاء‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 11373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


  ‫به عن أظافر آدم وشعر حواء، وتعالت األصوات مطالبة بالقبض على شيطان سيري الكافر. وحذره األصدقاء مرة‬
                       ‫ا‬              ‫ا‬
 ‫ثانية، فاعتزم الرحيل. وفي 37 ديسمبر 1123 غادر سيري واميلي، قاصدً بروكسل متنكرً في زي التاجر ريفول.‬
                                                 ‫ا‬
‫وسخر المعجبون به هناك من تنكره ومثلوا مسرحية آلزير تكريمً له. وحذر جان بابتست أهل بروكسل من أن فولتير‬
   ‫جاء إليهم ليبشر باإللحاد، فانتقل إلى ليدن حيث احتشدت الجماهير لرؤيته، ثم إلى أمستردام حيث أشرف على طبع‬
   ‫كتابه عن نيوتن، وساور المركيزة آنذاك الخوف من أنه لن يعود إليها مطلقاً، فكتبت إلى دار جنتال: "منذ أسبوعين‬
   ‫فقط كنت أتعذب لعدم رؤيته لمدة ساعتين اثنتين، وكنت أكتب إليه من غرفتي إلى غرفته، ومضى اآلن أسبوعان ال‬
                                           ‫ا‬
‫أعرف أين هو وال أعرف ماذا يفعل... أنا في حالة يرثى لها(77)وأخيرً عاد (مارس 2123) وهو يقسم انه لوال حبه‬
                                                        ‫لها لما أقام في فرنسا التي تالحقه وتطارده على هذا النحو.‬
        ‫وفي مايو 9123 عاد العشيقان إلى بروكسل حيث استخدم فولتير كل مواهبه القانونية وغيرها في قضية تتعلق‬
   ‫بممتلكات المركيزة. ثم قصد هو وزوجها إلى باريس حيث قدم فولتير روايتي محمد وميروب إلى مسرح الكوميدي‬
 ‫فرانسيز، وحيث رأت السيد شاتيليه في المطبعة مجلداتها الثالثة عن "قوانين الفيزياء" وفي هذه الدروس "تهربت من‬
 ‫فولتير ونيوتن كليهما مؤثرة عناصر الوجود األولية في فلسفة ليبنتز. وفي سبتمبر عادوا إلى سيري، ثم قصدوا بعدها‬
     ‫إلى بروكسل إلقامة طويلة، ومنها في سبتمبر 1423 أسرع فولتير إلى كليف ‪ Cleves‬ألول لقاء له مع فردريك،‬
                  ‫ا‬           ‫ال‬                                                          ‫ا‬
‫وكان قد أصبح ملكً، ورفض أن يدعو أميلي معه. وفي نوفمبر قطع مسافة 173 مي ً مرهقة قاصدً برلين ليقوم بمهمة‬
     ‫دبلوماسية للكاردينال فليري، وسنعود إلى تفصيل هذه المهمة فيما بعد. وذهبت أميلي في نفس الوقت إلى فونتنبلو‬
                    ‫ا‬                                                                        ‫ا‬
  ‫حيث بذلت جهدً كبيراً في الحصول على إذن لفولتير باإلقامة في باريس، أن سيري أصبحت عبثً ال يطاق. وفي 17‬
                                                                                                      ‫نوفمبر‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 21373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


     ‫كتبت إلى دار جنتال: لقد لقيت جزاء سنمار على كل ما فعلت في فونتنبلو، لقد ذللت كل العقبات، وحصلت لفولتير‬
 ‫على حق العودة إلى بلده دون قيد أو شرط، ووفقت بينه وبين الوزارة، ومهدت الطريق لقبوله في األكاديمية، وصفوة‬
        ‫القول أني في ثالثة أسابيع أستطعت أن أعيد إليه كل ما فقده في ستة أعوام. فهل تعلم كيف كافاني على مثل هذا‬
 ‫ا‬
 ‫اإلخالص والغيرة؟ أنه أبلغني في رسالة جافة أنه قصد إلى برلين، وهو يعلم علم اليقين أنه يحطم قلبي ويعذبني عذابً‬
                                                      ‫ا‬
 ‫ال يوصف... لقد انتاباني الحمى... وآمل أن أفارق الحياة وشيكً... وهل تصدق أن الفكرة التي تستبد بعقلي حين أحس‬
  ‫بأن الحزن سيقتلني، هي فكرة األسى العميق الذي ينتاب فولتير لموتى؟... أني ال أطيق أن أفكر في أن ذكراي سوف‬
                                                                                                    ‫ا‬
                                            ‫تسبب له يومً الشقاء واأللم، ويجدر بكل اللذين أحبوه أن يكفوا عن لومه.‬
    ‫وانتزع فولتير نفسه من جو النفاق الملكي ليلحق بعشيقته، وفي طريق عودته بعث إلى فردريك برسالة يوضح فيها‬
                                                                                       ‫وجهة نظره في الموضوع:‬
                                                                                          ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫" إني أترك ملكً عظيمً يكرم ويشجع فناً أعجب به إلى حد التأليه، أللحق بسيدة ال تقرأ إال ميتافيزيقا وولف المسيحي‬
          ‫(شارح ليبنتز). أني أنتزع نفسي من أعظم حاشية إمتاعاً وإيناساً في أوربا من أجل قضية قانونية. أني لم أترك‬
   ‫حاشيتك الفاتنة الجديرة بالحب ألتنهد وأتأوه مثل أحمق معتوه بين يدي امرأة، ولكن هذه المرأة يا موالي هجرت من‬
         ‫ا‬
     ‫أجلي كل شيء، مما يتخلى سائر النساء عن أصدقائهن من أجله. أنني أسير فضلها في كل شيء أن الحب غالبً ما‬
                                                                                                      ‫ا‬
           ‫يكون سخيفً مضحكاً، ولكن الصداقة الخالصة والود الصافي لهما حقوق يرتبط المرء أكثر مما يرتبط بأوامر‬
                                                                                                       ‫الملك(17).‬
     ‫والتقى ثانية بأميلي في بروكسل التي أصبحت بلدهما الثاني بسبب طول اإلجراءات في قضيتها. وفي مايو 3423‬
                                                      ‫ا‬        ‫ا‬
    ‫شهدا العرض األول لرواية محمد في ليل، ولقيا ترحيبً حماسيً. وعادا إلى بروكسل مزهوين مبتهجين، ولكن عكر‬
                                                        ‫صفوهما شعور بأن جذوة الغرام قد بدأت تنطفئ. وكان حبها‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11373‬
                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


                                                                                                     ‫ا‬
    ‫ال يزال قويً. ولو أن جوهر هذا الحب كان الرغبة في السيطرة والتسلط. ولكن شعلة الحب عند فولتير بدأت تتحول‬
 ‫إلى قلمه. وفي يولية 3423 اعتذر لها عن غيرته التي أخذت تذوي وتذبل: "إذا وددت أن أستمر على الحب فعليك أن‬
     ‫تعيدي إلى مسافات من زمان الحبيبين، أعيدي إلى إذا كان في مقدورك، فجر الحياة، وهي في غسق المساء، نحن‬
                                                                               ‫ا‬
   ‫نموت مرتين، وأنا الحظ هذا جيدً. إنه موت ال يطاق أن نتوقف عن الحب ونحن جديران به، أما توقف الحياة نفسها‬
                                                                                       ‫فهو أمر تافه ال قيمة له".‬
   ‫وفي أغسطس 7423 قصدا إلى باريس ليشهدا العرض األول لرواية "محمد" في المسرح الفرنسي. وكان فولتير قد‬
         ‫سعى للحصول على إذن رسمي من الكاردينال فلبري بتمثيلها، فأجابه إلى طلبه. وكان هذا العرض األول (93‬
‫أغسطس) الحدث األدبي لذاك العام، وشهده كثير من الحكام ورجال الدين والشعراء باإلضافة إلى الجمهور الذي اكتظ‬
     ‫به المكان. وبدا أن الجميع راضون على المسرحية باستثناء نفر من رجال الدين الذين زعموا أن الرواية ليست إال‬
                                                                                                  ‫ا‬
   ‫"هجومً عنيفً على المسيحية" وانضم فريرون وديفونتين وغيرهم إلى هذه الشكوى. وعلى الرغم من أن الكاردينال‬  ‫ا‬
  ‫أحس بأن هؤالء النقاد يسيئون إلى قضيتهم، فإنه بعث إلى فولتير برسالة سرية ينصحه فيها بسحب الرواية، وتم هذا‬
  ‫بعد العرض الرابع من إقبال شديد على الرواية. وعاد فولتير وأميلي أدراجهما إلى بروكسل، وقد استبد بهما الغضب‬
                                                                                                    ‫لخيبة أملهما.‬
                                                                               ‫ا‬
‫وهل كانت رواية "محمد" هجومً على المسيحية؟ ليس األمر إلى هذا الحد. أنها كانت تهاجم التعصب العمى والتزمت‬
 ‫ولكنها صورت الرسول في صورة غير ودية ربما أثلجت صدور المسيحيين األبرياء من التاريخ ومن سوء النية فيه.‬
                                                                                     ‫ا‬
      ‫أنه صور الرسول مخادعً تعمد أن يدرس دينه الجديد إلى عقول قوم سذج ويستغل أيمانهم في استثارة هممهم في‬
    ‫القتال، ويغزو مكة، بإصدار أمره إلى نصيره المتعصب سعيد بقتل الشيخ زبير الذي يقاوم هذا الغزو وعندما يتردد‬
                                                                               ‫سعيد يؤنبه محمد في عبارات بدت‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 91373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


                                   ‫ا‬
  ‫لبعض المستمعين وكأنها تعريض برجال الدين المسيحيين، فهو يقول: "وأنت أيضً تتردد؟ أيها الشباب الجريء، إنه‬
‫لما يتنافى مع الدين أن تتردد. إن الذين يستخدمون عقولهم ال يميلون إلى اإليمان. بمحمد، إن عليك أن تمتثل. إن إرادة‬
       ‫اهلل تقضي بذلك. أال تعلمون أن إبراهيم الخليل ولد هنا وأن جثمانه الطاهر يرقد هنا، وهو الذي امتثل لصوت اهلل‬
         ‫وأخمد صيحات الطبيعة بين جنبيه، وتخلى عن ولده العزيز!! أن اهلل العلي القدير نفسه هو الذي يطلب إليكم أن‬
 ‫تضحوا، ويهيب بكم أن تنفروا إلى القتال، ومن ذا الذي يتجرأ فيتردد في تنفيذ أمر اهلل إذا دعاكم إلى القتال؟ فاضربوا‬
                                     ‫إذن فوق األعناق. أن دم الشيخ زبير يخولكم النعيم المقيم في الدار اآلخرة(17) .‬
      ‫ويقتل سعيد الشيخ العجوز الذي يتبين وهو يلفظ أنفاسه الخيرة أن القاتل ابنه. وهذا بطبيعة الحال هجوم من فولتير‬
‫على استخدام الدين ذريعة لسفك الدماء وإشعال نار الحرب. وهذا ما قصد إليه فولتير. وفي رسالة إلى فردريك ضرب‬
      ‫أمثلة لجرائم ارتكبت بإسم الدين، منها قتل وليم أورانج وهنري الثالث وهنري الرابع ملكي فرنسا. ولكنه أنكر أن‬
                           ‫المسرحية هجوم على الدين. بل أنها دعوة إلى استمساك المسيحيين بمبادئ المسيحية الحقة.‬
  ‫وفي سبتمبر 7423 واساه الكردينال فليري بإفاده إلى فردريك ليحاول توجيه سياسته إلى الصداقة مع فرنسا. وقصد‬
                                                                                                ‫ً‬
‫فولتير مزهوا بدبلوماسيته لزيارة الملك في آخن. وتبين الملك أهدافه ومراميه، فرد على حديثه السياسي شعراً، وأعاد‬
     ‫فولتير إلى باريس مع عشيقته أميلي والمسرحية. وفي 17 فبراير 1423 أخرجت على الكوميدي فرانسيز أعظم‬
                                                                            ‫ا‬
                                           ‫رواياته ميروب حيث القت نجاحً أخرس ألسنة أعدائه بعض الوقت.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 12373‬




                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


‫وكانت عدة مسرحيات قد كتبت بالفعل في نفس الموضوع، منها مسرحية يوريبيدس التي لم يبق منها إال شذرات قليلة‬
 ‫وفي خطاب تمهيدي أقر فولتير بالفضل والعرفان لمركيز فرانشسكو سبيون دي مافي (وهو من فيرونا) الذي كان قد‬
 ‫أخرج ميروب في 1323. وكانت هذه المسرحيات تتميز بتحول االهتمام فيها إلى حب الوالدين ال إلى الحب الجنسي‬
        ‫ويروون أن معظم الحاضرين سالت دموعهم في المشهد األخير. وألول مرة في تاريخ المسرح الفرنسي تعالت‬
   ‫األصوات تنادي بظهور المؤلف على خشبة المسرح، وقيل أنه وافق وبذلك أوجد سابقة أسف لها لسنج أشد األسف.‬
‫وطبقاً لبعض المصادر األخرى يقال أن فولتير رفض الظهور على المسرح على الرغم من حث الدوقتين اللتين جلس‬
                                                  ‫ا‬                  ‫ا‬
  ‫في مقصورتهما، وكل ما فعله أنه نهض واقفً في مكانه لحظة ردً على التحية(97)، وحكم فردريك بأن هذه المأساة‬
          ‫من احسن ما كتب من مسرحيات(11). وذهب جيبون إلى ان الفصل األخير يضارع أي فصل في مسرحيات‬
                                                                                                   ‫راسين(31).‬
                ‫ا‬
  ‫وقلل من قيمة نجاح "ميروب" إخفاق فولتير في الفوز بمقعد في األكاديمية الفرنسية. إنه سعى له سعيً متواصالً إلى‬
                                                                                  ‫ً ا‬
   ‫حد أنه أعلن نفسه كاثوليكيا حقً ومؤلف أبحاث أقرتها الكنيسة(71). وأيده لويس الخامس عشر في بداية المر ولكن‬
     ‫وقف في طريقه وزيره الجديد مورياس الذي احتج بأنه ال يليق أن تشغل نفس شريرة دنسة المقعد الذي خال بوفاة‬
‫الكاردينال فلبري. وشغل المقعد أسقف ميربوا. واستحث فردريك فولتير أن يترك البلد الذي ال يلقي فيه عباقرته سوى‬
         ‫هذا القدر الضئيل من التكريم، ويحضر ليقيم معه في بوتسدام. فاعترضت مدام شاتيليه وأشارت عليه الحكومة‬
     ‫الفرنسية بقبول الدعوى لبعض الوقت والقيام بعملية التجسس في برلين. وهفت نفسه إلى االشتغال بالسياسة، فقبل‬
      ‫الدعوى وقام ثانية بالرحلة المرهقة راكباً عبر فرنسا وبلجيكا وألمانيا، وقضى في هذه المغامرة ستة أسابيع (11‬
           ‫أغسطس-73 أكتوبر 1423) ومرة أخرى سخر فردريك من سياسته وأمتدح شعره، وعاد فولتير إلى أميلي‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 32373‬




                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


       ‫في بروكسل. وفي أبريل 4423 استأنفا مقامهما في سبري محاولين بعث غرامهما الميت إلى الحياة من جديد.‬
        ‫وفي "رسالة السعادة" كانت المركيزة ترى أن الرغبة في المعرفة هي إحدى الرغبات التي تسهم أكبر إسهام في‬
                                                                              ‫ا‬
 ‫سعادة اإلنسان ألنها تجعلنا أقل اعتمادً بعضنا على بعض ومع ذلك تقول عن الحب: "إنه أعظم األشياء الطبيعية التي‬
         ‫هي في متناول أيدينا، وهي الشيء الوحيد الذي نضحي من أجله بلذة الدرس والتحصيل. والمثل األعلى في هذا‬
      ‫المجال شخصان يفتتن الواحد منهما باآلخر إلى حد ال تفتر معه عواطفهما وال تصاب بالتخمة أبداً، ولكن ال يمكن‬
  ‫إلنسان أن يأمل في مثل هذا التآلف واالنسجام بين شخصين، ألن هذا الشيء يفوق حد الكمال. فالقلب األهل لمثل هذا‬
                         ‫الحب والنفس الوقية بالمحبة إلى هذا الحد يجوز أن تخلق مرة واحدة كل قرن من الزمان(11).‬
                                                                    ‫وفي رسالة مؤثرة لخصت تخيلها عن هذا األمل:‬
     ‫"قضيت عشرة أعوام سعدت فيها بحب الرجل الذي غزا قلبي. وقضيت هذه األعوام العشرة في ارتباط وثيق به...‬
 ‫وعندما انتقص امتداد العمر والمرض من تعلقه بي لم ألحظ هذا إال بعد مرور فترة طويلة. إني أحببته لسببين، قضيت‬
                                   ‫ا‬
‫حياتي كلها معه واستمتع قلبي الواثق بنشوة الحب، باإلضافة إلى توهمي أنني أيضً جديرة بالحب، وأفلت من يدي هذا‬
                                                                                              ‫الظرف السعيد(41).‬
                                     ‫ا‬
   ‫وماذا حول فولتير من الحب والهيام إلى هذا الوفاء المتقطع؟ ويبدو أنه كان صادقً في التذرع باعتالل صحته. ولكنا‬
                       ‫ا‬
 ‫سنجده في بحر عام واحد يتأوه ويتنهد كالمعتوه بين يدي امرأة" والحق أنه كان قد استنزف جانبً من حياته واهتمامه-‬
                              ‫ً ا‬
     ‫مدام دي شاتيليه والعلم. إن العزلة في سيري ربما أورثت السأم والملل بسرعة ذهنا يافعً. ولم تكن نعمة وبركة إال‬
           ‫عند مالحقة الشرطة له، وعندما كان يدعوه العلم إلى التفرغ له، ولكنه كلن آنذاك قد تذوق ثانية ملذات باريس‬
                                                                                 ‫ومباهجها، واستمتع بمشاهدة افتتاح‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 72373‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> أنشودة الحب في سيري‬


                                                                                   ‫ا‬
‫مسرحياته، بل كان يلعب دورً في السياسة القومية، وأحس بسحر الحاشية ولو من بعيد، وأصبح صديقه المركيز دار‬
‫جنسون الوزير األول، كما أصبح صديقه ومدينه الدوق دي ريشيليو األمين األول للملك. وكان لويس قد رق له وألن‬
     ‫جانبه. وفي 7423 كان الدوفين على وشك أن يتزوج من األميرة األسبانية ماريا تيريزا رافاييال، وال بد أن تقام‬
       ‫احتفاالت ضخمة لهذا الغرض، فكلف ريشيليو فولتير بكتابة مسرحية لهذه المناسبة. وكان على رامو أن يكتب‬
                                                                  ‫ا‬
  ‫الموسيقى، فيتعاون الملحن والشاعر في العمل معً، وكان لزاماً أن بحضر فولتير إلى باريس، وفي سبتمبر 4423‬
                                                                         ‫ودع العاشقان سيري وانتقال إلى العاصمة.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 12373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬
                                                                                               ‫4- رجل البالط‬




                                                                                                ‫7423-1723‬


   ‫بلغ فولتير آنذاك سن الخمسين. وكان لوقت غير قصير يحتضر في كل عام مرة. وكتب إلى تييريو في 7123 "من‬
‫المؤكد أنه ليس أمامي إال سنوات قليلة أعيشها(71). وكان قد بلغ آنذاك الحادية واألربعين، وكان أمامه ثالث وأربعين‬
    ‫سنة أخرى، فكيف تسنى له هذا؟ عندما انتابته علة خطيرة في شالون في أعالي المارن (1423)، ووصف له أحد‬
                                          ‫ا‬
  ‫األطباء بعض األدوية، قال فولتير، كما يروي سكرتيره، إنه لن يتبع شيئً من هذه التعليمات، ألنه يعرف كيف يعالج‬
                                  ‫ا‬
 ‫نفسه في أيام الصحة والمرض على حد سواء، وسيظل طبيب نفسه كما كان دائمً. وفي مثل هذه األوقات كان فولتير‬
                                                                             ‫ال‬
  ‫يصوم لبعض الوقت، ثم يأكل قلي ً من الحساء الرقيق والخبز المحمص والشاي الخفيف والشعير والماء. ويستطرد‬
‫سكرتيره لونجشامب فيقول: "تلك هي الطريقة التي عالج بها فولتير نفسه فبرئ من سقمه الذي ربما أدى به إلى نتائج‬
 ‫خطيرة لو أنه أسلم نفسه إلى أطباء شالون. كان مبدؤه أن صحتنا تتوقف علينا نحن، وركائزها الثالث هي القصد في‬
   ‫الطعام والشراب وضبط النفس واالعتدال في كل شيء، والتمرينات الرياضية البسيطة، ففي كل األمراض التي ال‬
           ‫تكون نتيجة ألحداث خطيرة أو تكون خلل أساسي في أعضاء الجسم الداخلية، يكفي أن تساعد الطبيعة التي‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 42373‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


       ‫تسعى جاهدة في شفائنا، وأن نلتزم في الغذاء بنظام دقيق لفترة طويلة إلى حد ما، فنتغذى على السوائل المناسبة‬
                                                                           ‫ً‬
                                 ‫واألغذية الخفيفة األخرى. ورأيته دائما يلتزم بهذه القاعدة طيلة وجودي معه(11).‬
      ‫ا‬        ‫ا‬     ‫ال‬     ‫ً‬        ‫ً‬                                                               ‫ا‬
      ‫وكان بارعً مثل رجال المصارف في إدارة أمواله واستثمارها. وكان مستوردا وشاعرا ومقاو ً وكاتبً مسرحيً‬
                                                      ‫ا‬                              ‫ا‬         ‫ً‬
 ‫ورأسماليً وفيلسوفا ومقرضً للنقود وصاحب معاش ووارثً. وساعده صديقه دار جنسون على جمع ثروة من تموين‬      ‫ا‬
                                                                               ‫ا‬
‫الجيش(21)، وكان قد ورث جزءً من ثروة أبيه وترك له موت أخيه أرمان (7423) دخل بقية أمالك أبيه. وأقرض‬
 ‫الدوق ريشيليو ودوق دي فلبار واألمير دي جيز وغيرهم مبالغ كبيرة، ووجد عناء كبيراً في استرداد الديون، ولكنه‬
   ‫ا‬
   ‫عوض عنها باألرباح(11). وفي 7123 كان ريشيليو مديناً له بمبلغ 234.14 من الجنيهات دفع عنه الدوق أرباحً‬
  ‫سنوية قدرها 1114(91)جنيه "وفي حالة مسيو دي بريزي غير الموثوق به كان فولتير يطلب فائدة قدرها 13%،‬
                       ‫ا‬                        ‫ا‬
‫واستثمر فولتير أكثر أمواله في سندات مدينة باريس التي تدر ربحً قدره 7% أو 1%، وكثيرً ما أعطى تعليماته إلى‬
     ‫وكيله لإللحاح على مدينيه بالسداد: "أنه من الضروري يا صديقي أن تطالب مرة ومرتين وتلح وتراقب وتلح في‬
   ‫الطلب-ولكن ال تعذب المدينين من أجل إيرادي السنوي ومتأخراتي(12) وفي 9293 قدر سكرتير فولتير أن دخله‬
          ‫ا‬        ‫ا‬     ‫ال‬                     ‫ا‬
 ‫السنوي بلغ 11 ألف جنيه(32). ولم يكن فولتير ينبش األرض بحثً عن المال، ولم يكن بخي ً مقترً، وكثيرً ما منح‬
                                          ‫ال‬
 ‫األموال وقدم سائر المساعدات لشباب الطلبة ومد يد المعونة قوالً أو فع ً إلى فوفينارج ومارمونتل وال هارب. وقد‬
 ‫رأيناه يتنازل عن العائدات رواياته للممثلين، وعند ما ضاع عليه أربعون ألف جنيه بسبب إفالس ملتزم عام كان قد‬
‫أقرضه المبلغ واجه األمر في هدوء، ولم يثر أو يغضب. وذكر العبارات التي تعلمها في صغره "أعطانا اهلل، وأخذ اهلل‬
                                                                                                ‫فليتقدس اسم اهلل".‬
                                                                                          ‫ال‬
      ‫ولو أن فولتير أوتي ما ً أقل ليستغله ويعنى به، وكان أكثر بدانة أو اكتنز لحماً أكثر فوق عظامه، فلربما كان أقل‬
                                                                                      ‫حساسية وعصبية وأقل نزقً‬
                                                                                      ‫ا‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 72373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


            ‫ً‬                 ‫ً‬     ‫ً‬                                           ‫ا‬             ‫ا‬
‫وانفعا ً. وكان كريمً حذراً حريصً على مشاعر الناس وحقوقهم. وكان عادة مرحا ودودا طلق المحيا مفعما بالحيوية‬  ‫ال‬
                                                                                                ‫ال‬
       ‫والنشاط، وكان أه ً للصداقة الحميمة الوثيقة. وما أسرع ما كان يغتفر أية إساءة ال تجرح كبرياءه، ولكنه لم يكن‬
          ‫يحتمل في صبر أي نقد أو عمل عدائي (وكان يقول أني أحسد الحيوانات على شيئين، جهلها مما قد ينتابها من‬
       ‫مصائب بما يقال عنها(72)) وأثار ذكاؤه الحاد حفيظة كثير من األعداء، فحمل عليه فريرون وبيرون وديفونتين‬
                         ‫ا‬    ‫ا‬
   ‫وهاجموا أراءه في عنف أشد من عنف رجال الدين في مهاجمته. ولسوف نسمع منهم شيئً فشيئً. ورد عليهم فولتير‬
        ‫الضربات بمثلها على الرغم من نصح مدام شاتيليه له بالتزام الصمت، ووجه إليهم أقذع السباب والشتائم، وجند‬
‫أصدقاءه لشن الحمالت عليهم. وكم وجدت المركيزة مشقة في منعه من الذهاب إلى باريس ليعنف ديفونتين أو يتحداه،‬
       ‫بل أنه فكر في مناشدة الرقابة أن يحظر نشر ما يكتبه ألد أعدائه. لقد كان في فولتير كل شوائب مناقبة ومزيد من‬
                                                                                                         ‫الشوائب.‬
    ‫ا‬     ‫ا‬                                                  ‫ا‬      ‫ا ً‬
    ‫ووجد فولتير في رامو (الموسيقار) شخصً نزقا مزهوً سريع الغضب مثله. وكان تعاونهما في العمل امتحانً قاسيً‬
       ‫لكل منهما. ولكن أخيراً اكتمل نص األوبرا والموسيقى وقام الممثلون والموسيقيين بعمل تجربة للرواية. وفي 17‬
‫فبراير 7123 ُرضت "أميرة نافار"-ولقيت ما كان مقدراً لها من نجاح. وبعد ذلك بشهر خصصت لفولتير حجرة في‬ ‫ع‬
      ‫فرساي تقارب ما وصفه في رسائله الخاصة بأنها "أقذر حجرة في فرساي" وتبوأت مركيزة شاتيليه من جديد في‬
        ‫الحاشية مكانها الذي كانت قد ضحت به من أجل فولتير. وحصلت آنذاك على االمتياز المذهل وهو الجلوس في‬
   ‫حضرة الملكة. وكان في صعود نجم مدام دي بمبادور تدعيم لمركز فولتير فقد تعرف عليها حين كانت مدام دتوال،‬
                                                                   ‫ً ا‬
 ‫وزارها في دارها، وكتب في مديحها شعرا تافهً، وبناء على إلحاح منها عينه الملك (أول أبريل) مؤرخ الملك براتب‬
                                                                                          ‫قدره ألفي جنيه في العام.‬
      ‫وسرعان ما اقتضت الظروف أن يثبت جدارته ووجوده، ذلك أنه في 33 مايو 7423 هزم الفرنسيون اإلنجليز في‬
                                                                                  ‫فونتنوي فطلب دار جنسون قصيدة‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 12373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬
                                                                  ‫ا‬
 ‫غنائية تخلد هذا االنتصار. ونظم فولتير 171 بيتً من الشعر في ثالثة أيام طبعت خمس طبعات على مدى أسبوعين.‬
    ‫وأحب الملك فولتير لفترة وجيزة، وأصبح فولتير شاعر حرب. وزيادة في تخليد ذكرى النصر كلف فولتير ورامو‬
              ‫ا‬
 ‫بإعداد أوبرا المهرجان. وأبرزت أوبرا "معبد المجد العظيم" أي تراجان-أي لويس الخامس عشر-عائدً من المعركة‬
                    ‫ً ا‬       ‫ً‬                                                                     ‫ا‬
 ‫ظافرً منتصرً، وخصص لفولتير في تلك األمسية مكان على مائدة الملك، وأكال معا طعاما شهيً، ولكن فولتير سأل‬      ‫ا‬
    ‫ريشيليو في لهفة: هل تراجان راض؟ ولكن الملك سمعه مصادفة ورأى أنه وقح جرئ بعض الشيء فلم ينبس إليه‬
                                                                                                        ‫ببنت شفه.‬
        ‫وثمل فولتير بمزيج من الشهرة واالنتساب إلى الحاشية الملكية، فبدأ حملة جديدة لالنضمام إلى مجمع الخالدين‬
‫(األكاديمية الفرنسية) ولم يأل أي مجهود في تحقيق مأربه. وفي 23 أغسطس 7423 أرسل نسخة من رواية "محمد"‬
‫إلى البابا بندكت الرابع عشر، يسأله أن يهديها إليه. وفي 93 سبتمبر رد البابا اللطيف: سعدت الليلة الماضية بروايتك‬
     ‫"محمد" التي قرأتها بشغف وسرور عظيم. وإني ألقدر مواهبك أكبر تقدير ، وهذا أمر يعترف به الجميع... وأني‬
                                      ‫ألكبر كل اإلكبار نبلك وإخالصك... وإني هنا أمنحك بركتي الرسولية(12)".‬
                                         ‫ا‬
   ‫واغتبط فولتير بهذا الوسام أيما اغتباط حتى أنه كتب إلى البابا تقديراً حارً ختمه بقوله: بكل إجالل وتقدير واحترام‬
   ‫أقبل قدميك المقدستين(42)وأعلن إلى باريس تمسكه بالمذهب الكاثوليكي وإعجابه باليسوعيين، وأطنب في مدائحه‬
                                    ‫ا‬
  ‫لمدام بمبادور والملك. وتوسلت بمبادور إلى الملك وقبل الملك رجاءها. وأخيرً في 9 مايو 1423 وافقت األكاديمية‬
‫على االنضمام أمير الشعراء في هذا العصر والكتاب المسرحيين فيه إليها. وزيادة في تكريمه وتدعيم مركزه عين في‬
                                                                   ‫ا‬
                                           ‫77 ديسمبر موظفاً في الحاشية الملكية مخصصً للقيام على شئون الملك.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 22373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


‫وربما تسنى له في أيام النجاح والعيش الرغيد هذه أن يكتب رواية "بابوك أو الدنيا كما هي" وبابوك رجل من سكيزيا‬
 ‫(إقليم قديم في جنوب شرقي أوربا وجنوب غربي آسيا) يجول ليرى الدنيا، وبخاصة كيف تسير المور في فارس (أي‬
      ‫فرنسا) وأصابه الذهول والفزع لما رأى من الحروب والفساد السياسي وشراء الوظائف وجباية الضرائب وثراء‬
   ‫رجال الدين. ولكن ترحب به سيدة (مدام دي بمبادور) استماله جمالها وثقافتها وكياستها إلى "المدينة" ويرى بابوك‬
      ‫هنا وهناك بعض مظاهر الكرم ونماذج لألمانة. ثم يزور رئيس الوزراء (تذكير بالكاردينال فليري) ويجده يعمل‬
                                ‫ا‬     ‫ا‬
‫جاهدً إلنقاذ فارس من الفوضى والهزائم، ويخلص إلى أن األمور تسير سيرً حسنً بقدر ما تسمح به الظروف الراهنة‬   ‫ا‬
‫للطبيعة البشرية للتعليم، وأن الدنيا بوضعها الحاضر ال تستحق التدمير بعد، وأن اإلصالح خير من الثورة، أما بالنسبة‬
 ‫لشخصه هو على أية حال فإنه سيقلد الحكماء الحقيقيين الذين سيعيشون بينهم وبين أنفسهم في عزلة وهدوء(72). فهل‬
                                                                          ‫ال‬
                                                                         ‫شعر بالوحشة والشوق إلى سيري فع ً؟‬
‫إنه على أية حال لم يكن الئقاً ليعمل في البالط. فإنه بطريقة تعوزها اللباقة إلى حد ال يصدق احتفل بانتصار الفرنسيين‬
                                          ‫ا‬
    ‫في برجن آوب زوم بقصيدة صور فيها الملك لويس الخامس عشر طائرً من ميدان المعركة إلى أحضان بمبادور،‬
                                                                                                 ‫ا‬
      ‫وعهد إليهما معً بمهمة االحتفاظ بالفتوحات واستبد الغضب بالملكة وبأبنائها، وأستنكر نصف أفراد البالط وقاحة‬
     ‫الشاعر، وفي الوقت عينه كانت دي شاتيليه قد انغمست في لعب الميسر، وفي ليلة واحدة خسرت 41 ألف فرنك،‬
 ‫وأنذرها فولتير باإلنجليزية وهو واقف إلى جوارها بأنها تغش في اللعب. وفهم بعض الالعبين ذلك واحتجوا وترامت‬
‫أنباء هذه الصراحة المخزية إلى أفراد الحاشية، فلم تترك للشاعر صديقاً في فرساي أو فونتنبلو، وهرب فولتير وأميلي‬
   ‫إلى سكو (2423) ليقيما لدى الدوقة دي مين التي ما زالت على قيد الحياة، وهناك بقي لمدة شهرين في جناح منفرد‬
                                                    ‫(منعزل) بعيد عن أنظار الناس، وهناك حاول أن ينسى ورطته‬
                                                                                       ‫صفحة رقم : 12373‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


     ‫ومحنته باالنصراف إلى كتابة بعض القصص الرومانسية المرحة التي ساعدت على ان تجعل منه أعظم المؤلفين‬
        ‫شعبية في األدب الفرنسي. وواضح أنه قرأها ذات يوم على الضيوف المقربين الذين تألفت منهم حاشية الدوقة‬
                                   ‫الخاصة. ومن هنا كان إيجاز هذه القصص وما فيها من هجاء مرح وسخرية لطيفة.‬
  ‫وأطول هذه القصص التي كتبت فيما بين عامي 1423، 1723 هي "زاديج أو سر القدر" وزاديج شاب بابلي لطيف‬
                                                    ‫ً‬
      ‫غني تلقى أحسن تعليم، عاقل قدر ما يمكن أن يكون اإلنسان عاقال واسع اإلطالع على علوم قدامى الكلديين، فهم‬
 ‫أصول ومبادئ الفلسفة الطبيعية، وعرف من الميتافيزيقا ما يمكن أن يعرف في أي عصر، أي القليل منها أو ال شيء‬
  ‫على اإلطالق(12). وكان على وشك أن يتزوج من سمينا الجميلة حين هاجمه بعض قطاع الطرق، وأصابوه بجرح‬
 ‫تحول إلى خراج في عينه اليسرى، واستدعى هرمز الطبيب المشهور من ممفيس وفحص الجرح، ثم أعلن أن زاديج‬
‫ال بد أن يفقد عينه، ولو أنه في العين اليمنى ألمكن عالجه بسهولة، ولكن الجروح في العين اليسرى غير قابلة للشفاء.‬
                                                                                    ‫ا‬
  ‫وأعلنت سمينا أنها تنفر نفورً ال سبيل إلى مقاومته من الرجال ذوي العين الواحدة، ومن ثم هجرت زاديج وتزوجت‬
             ‫ا‬                            ‫ا‬
‫من غريمه. وفي ظرف يومين التأم الجرح من تلقاء نفسه وشفيت العين تمامً، ويؤلف الطبيب هرمز كتابً يثبت فيه أن‬
    ‫هذا مستحيل، ويدخل زاديج السرور على قلب الملك موابدار بنصائحه الغالية، وعلى قلب الملكة آستارت بنظراته‬
                                ‫ال‬
 ‫الحانية فتقع في شراك غرامه، ويهرب زاديج إلى مدينة نائية. وفي الطريق يرى رج ً يضرب امرأة، ويستجيب في‬
                            ‫ال‬                                                            ‫ا‬
       ‫شجاعة لصرخاتها طلبً للمساعدة، فيتدخل بينهما ويهاجمه الرجل بعنف ولكنه يرد به قتي ً. وتسبه المرأة بألفاظ‬
 ‫جارحة ألنه قتل عشيقها. ويمضي زاديج في طريقه ويؤخذ ويباع بيع الرقيق. عندئذ تصور زاديج "الناس كما هم في‬
                                              ‫حقيقة أمرهم...... حشرات يفتك بعضها ببعض من أجل قطرة من طين".‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 92373‬




                                  ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


   ‫وقص "ممنون الفيلسوف" حكاية رجل اعتنق يومً الفكرة الجنونية بأنه متعقل كل التعقل ولكنه وجد نفسه قاصرً‬
   ‫ا‬                                                         ‫ا‬
                                                                                        ‫ا‬      ‫ً ا‬
‫قصورا بائسً عاجزً يواجه مئات الكوارث، فيقرر أن األرض مستشفى كبير لألمراض العقلية تقوم الكواكب األخرى‬
                                                                             ‫بترحيل المجانين فيها إليه(22).‬
  ‫أما رحالت سكارمنتادو فهي تطوف بشاب من كريت من بلد إلى بلد حيث يكتشف له في كل يوم مشاهد جديدة من‬
   ‫التعصب أو الخداع أو القسوة أو الجهل. ففي فرنسا تجتاح الحروب الدينية المقاطعات، وفي إنجلترا تحرق الملكة‬
 ‫ماري خمسمائة من البروتستانت، وفي أسبانيا ينشق الشعب في لذة رائحة المهرطقين الذين ألقي بهم في النار، وفي‬
 ‫تركيا ينجو سكارمتادو من الختان بأعجوبة، وفي فارس يتورط في الصراع بين طائفتي السنة والشيعة من المسلمين،‬
                                    ‫ا‬
‫وفي الصين يتهمه اليسوعيون بأنه شخصية بارزة من طائفة الدومنيكان، وأخيرً يعود إلى كريت "ومذ رأيت اآلن كل‬
                        ‫ا‬
     ‫ما هو نادر أو خير أو جميل على األرض، فقد وطدت العزم على أال أرى في المستقبل شيئً غير بلدي، وتزوجت‬
       ‫وسرعان ما أدخلني الشك في خيانة زوجتي، ولكني على الرغم من هذا الشك وجدت أن هذه هي ألسعد ظروف‬
                                                                                                  ‫الحياة(12).‬
  ‫وتوسع ميكروميجاس في أفكار النسبية التي استخدمها سويفت في رحالت جلليفر. والسيد ميكروميجاس رجل يصلح‬
         ‫ا‬                      ‫ا‬
 ‫لإلقامة في نجم الشعري اليمانية، وطوله 173 ألف قدم وعرض صدره خمسون ألفً، وطول أنفه 111.1 قدمً. عندما‬
                                                                                                ‫ا‬
                                                              ‫بلغ 121 عامً من العمر ذهب ليستزيد من التعليم.‬
‫وبينما هو يحوم في الفضاء هبط على كوكب الزحل فسخر من األقزام هناك، حيث بلغ طول الناس هناك ستة آالف قد‬
‫أم نحوها، وتعجب كيف يتسنى لسكان زحل المعدمين هؤالء الذين ليس لهم إال 72 حاسة فقط أن يعرفوا الحقيقة وسأل‬
                                  ‫ا‬
 ‫أحد السكان إلى أي حد من العمر تعيشون؟ فصاح ساكن زحل واحسرتاه! قليل جدً منا يعيشون ألكثر من 117 دورة‬
   ‫حول الشمس (وهي بحسابنا نحن تصل إلى نحو 73 ألف سنة) وهكذا ترى أننا بشكل ما نموت في اللحظة التي نولد‬
                                                                                     ‫فيها.... وما أقل ما نتعلمه‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


  ‫حين ينزل بنا الموت قبل أن نستفيد من خبرتنا(92). ويدعو ساكن الشعري اليمانية ساكن زحل إلى مصاحبته لزيارة‬
         ‫كواكب أخرى، فتتعثر أقدامهما على كوكب األرض، وتبتل قدما ساكن الشعري، ويكاد ساكن زحل يغرق وهما‬
                                                          ‫ا‬
    ‫يسيران فوق البحر المتوسط. فلما وصال إلى البر رأيا حشودً من األهالي صغار األجسام يتمركزون هنا وهناك في‬
      ‫اهتياج شديد، وعندما يتضح لساكن الشعري اليمانية أن مائة ألف من سكان األرض هؤالء يلبسون القبعات وعددً‬
      ‫ا‬
  ‫مساويً يضعون العمائم، يقتلون ويطيح بعضهم برؤوس بعض في صراع (الحروب الصليبية) حول ركام من التراب‬             ‫ا‬
‫ا‬                                                             ‫ء‬        ‫ا‬
‫(فلسطين) ال يكاد يعلو على عقبيه يصيح ساخطً. مستا ً: أيها الكفار األوغاد... قلبي يحدثني أن أتقدم خطوتين أو ثالثً‬
                                                               ‫ألسحق تحت قدمي وكر السفاحين الحمقى بأسره(11).‬
                                           ‫ا‬                                          ‫ا‬     ‫ا‬     ‫ا‬
       ‫وكل هذا كان عامً سارً بهيجً، وكان يمكن أن يمر دون أن يحرك أحد ساكنً. ولكن فولتير في 1423 عكر صفو‬
   ‫باريس بنشرة صغيرة "صوت الحكماء وصوت الشعب" هاجم فيها كنيسة فرنسا في نقطة حساسة، تلك هي "أمالك‬
                                                                     ‫ا‬
     ‫الكنيسة في فرنسا"، حيث ينمو العقل ويتطور يومً بعد يوم، فإن العقل يعلمنا أنه يجدر بالكنيسة أن تسهم في نفقات‬
    ‫األمة بنسبة مواردها، وأن الهيئة التي نصبت نفسها لتلقين مبادئ العدالة يجدر بها أن تبدأ بنفسها لتكون قدوة للعدالة‬
     ‫ونموذجاً لها ورغم أن األديار تضيع أقوات الشعب وموارد األرض في خمول عقيم، واتهم "الخرافة" بقتل الحكام‬
                                             ‫ا‬
 ‫وإراقة بحور من الدماء في االضطهادات والحروب، وذكر الملوك بأن أحدً من الفالسفة لن تمتد يده على مليكه، وإذا‬
                                     ‫ال‬
 ‫اتحد الملوك مع العقل وجردوا أنفسهم من الخرافة فكم يكون الناس أسعد وأهنأ با ً. وقل أن أثارت رسالة موجزة مثل‬
‫هذه العاصفة الهوجاء. ونشرت خمس عشرة رسالة مضادة للرد على رسالة "صوت الحكماء وصوت الشعب" التي لم‬
                                                                                                    ‫يذكر اسم مؤلفها.‬
                                                   ‫وأثناء إقامة فولتير في فصل الشتاء في سكو سددت مدام دي شاتيليه‬
                                                                                         ‫صفحة رقم : 31373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> رجل البالط‬


    ‫ديون القمار، وهدأت من روع الرابحين، وخففت من استيائهم لما نعتهم به فولتير، وأعادته إلى باريس حيث أشرف‬
     ‫ع لى نشر قصصه الصغيرة، ووجد من الحكمة على الرغم من المشقة والتعب أن يلبي دعوة ستانسالس لزكزنسكي‬
                                                                    ‫ال‬
     ‫لزيارة بالطه في لونفيل-على بعد نحو 13 مي ً من نانسي عاصمة اللورين. وبعد رحلة مرهقة وصل الحبيبان إلى‬
       ‫لونفيل (1423) ولكن بعد أسبوعين وصل كتاب من دارجنتال ينبئ به فولتير بأن ممثلي الكوميدي فرانسيز على‬
  ‫استعداد لتجربة روايته سمير اميس، وإنهم في حاجة إليه لمعاونتهم في تفسير أبياتها. وكانت هذه الرواية تعني الشيء‬
      ‫الكثير لديه، وكانت بمبادور من طيبة نفسها اآلثمة قد أعادت إلى المسرح كربيون (األب) الفقير المعدم وهيأت له‬
‫سبيل النجاح. وكان ماريفو قد نجا سر فاعتبر مسرحيات الشيخ الهرم أعلى مرتبة من مسرحيات فولتير. وكان الشاعر‬
       ‫النحيل الجسم قد اعتزم أن يثبت تفوقه بكتابة روايات في نفس الموضوعات التي كان كربيون قد طرقها. ومن ثم‬
‫أسرع فولتير إلى باريس تاركاً أميلي في حرية مهلكة في لونيفل. وفي 97 أغسطس 1423 عرضت سميراميس ألول‬
                                                                                                 ‫ا‬
    ‫مرة عرضا ناجحً. وبعد العرض الثاني أسرع متنكراً إلى مقهى بركوب واستمع إلى تعليقات من شهدوا المسرحية.‬‫ً‬
    ‫وكانت ثمة تعليقات امتدحت الرواية وأطرتها، تقبلها فولتير على أنها من حقه، وثمة آراء أخرى انتقصت من قدرها‬
   ‫وهاجمتها. وقد آلمته هذه أيما إيالم، حيث كان عليه أن يحتملها صامتاً، ولكنه استفاد مما وجه إلى المسرحية من نقد،‬
                                               ‫فنقحتها واستمر عرضها طويالً، وهي تعد اآلن من أحسن مسرحياته.‬
        ‫وأسرع ثانية في جو سبتمبر العاصف عبر فرنسا إلى لونفيل، وكاد يموت في الطريق عند شالون، ولما استحثه‬
‫فردريك األكبر على المضي إلى بوتسدام اعتذر بأن المرض أفقده نصف سمعه وعدة أسنان من أسنانه، إلى حد أنه لن‬
 ‫يكون إال مجرد هيكل في برلين. فأجاب "تعال بال أسنان وبال أذنين، إذا لم يكن بد من الحضور على هذه الصورة، ما‬
                 ‫دام أن هذا الشيء الذي بتعذر تعريفه، والذي يمكنك من التفكير، والذي يوحي بكل ما جميل، سيحضر‬
                                                                       ‫معك"(71)ولكن فولتير آثر المقام مع أميلي.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 71373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> موت حبيبة‬



                                                                                                ‫7- موت الحبيبة‬


  ‫أحب الملك الصالح ستانسالس األدب، وكان قد قرأ فولتير وأصابته عدوى عصر اإلستنارة، وفي 9423 كان الملك‬
  ‫بصدد نشر بيانه "الفيلسوف المسيحي" الذي كانت ابنته ملكة فرنسا قد قرأته في استياء حزين. وحذرته من أن آراءه‬
 ‫يشتم منها أنها نابعة من آراء فولتير إلى حد كبير. ولكن الشيخ الهرم استساغ آراء فولتير كما أعجب بذكائه. وكما أنه‬
                                                   ‫ا‬                                                 ‫ا‬
  ‫كان له أيضً محظية (هي المركيزة دي بوفلرز) فأنه لم يجد تناقضً في أن يتخذ من الشاعر محظياً له في بالطه. كما‬
                   ‫ا‬
                  ‫عين، فوق ذلك، زوج أميلي المتحرر الواسع األفق كبير مديري قصره براتب قدره ألفا كراون سنويً.‬
   ‫وكان ثمة موظف آخر في بالط ستانسالس، هو المركيز جان فرانسوا دي سانت المبرت، قائد الحرس. وكانت مدام‬
‫دي شاتيليه قد التقت به ألول مرة في 2423، وكان هو في الحادية والثالثين وهي "في الحادية واألربعين. وكانت تلك‬
   ‫سن خطيرة المرأة لم يعد عشيقها إال مجرد صديق حميم. وفي ربيع 1423 بدأت تكتب للضابط الوسيم رسائل غرام‬
     ‫تكاد تتسم بحماسة البنات الصغيرات وخالعتهن: "تعال إلي بمجرد أن ترتدي مالبسك" سأطير إليك بعد أن أتناول‬
                                                                    ‫ا‬     ‫ال‬
       ‫العشاء. "واستجاب سانت المبرت مغاز ً متوددً. وذات مرة في أكتوبر فاجأهما فولتير في خلوة مظلمة يتبادالن‬
  ‫أحاديث الحب والهيام. إن أعظم الفالسفة هو وحده الذي يتقبل هذه الفعلة النكراء، الخيانة، في هدوء وتسامح. ولم يثر‬
         ‫فولتير لهذا الوضع على الفور، وأنبهما في شيء من الهذر والمزاج، ولكنه أوى إلى غرفته حين عرض سانت‬
    ‫المبرت تسوية األمر معه-أي يقتله عند الفجر. وقصدت أميلي إلى فولتير في الثانية صباحاً، وأكدت له حبها الخالد،‬
        ‫ولكنها ذكرته في رفق "بأنك لزمن طويل شكوت... من قواك أن تنهار... فهل يسيء إليك أن يحل أحد أصدقائك‬
‫ا‬
‫محلك؟" وعانقته والطفته ودللته بأسماء الدالل التي كانت تناديه بها، فخفت سورة غضبه وقال "آه أنت على حق دائمً‬
                                                                                  ‫ا‬
                                                  ‫يا سيدتي. ولكن طالما كان لزامً أن تجري المور على هذا النحو فال‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 11373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> موت حبيبة‬


      ‫أقل من أال تجري تحت سمعي وبصري" وفي الليلة التالية قصد سانت المبرت إلى فولتير واعتذر له على تحديه.‬
   ‫وعانقه فولتير وقال له "أي بني، لقد نسيت كل شيء. إني أنا المخطئ، أنت في زهرة عمر الشباب والحب والمتعة،‬
    ‫فاستمتع بهذه اللحظات، فأنها قصيرة. إن هذا العاجز المريض مثلي ال يصلح لهذه الملذات" وفي الليلة التالية تناول‬
                                                                                                ‫ا‬
                                                                                         ‫ثالثتهم العشاء مع ً(11).‬
‫واستمر هذا الثالثي "حتى ديسمبر حين اعتزمت السيدة دي شاتيليه الذهاب إلى سيري لتدبير شؤونها المالية. وصحبها‬
 ‫فولتير، وجدد فردريك دعوته. وكان فولتير يميل اآلن إلى تلبيتها. ولكن المركيزة فور وصولها إلى سيري أسرت إليه‬
   ‫بأنها حامل، وأنها في مثل هذا السن وكانت آنذاك في الثالثة واألربعين، ال تتوقع أن تعيش بعد الوالدة. وكتب فولتير‬
   ‫إلى الملك فردريك أال ينتظر قدومه. كما طلب إلى سانت المبرت أن يحضر إلى سيري. وهناك اتفق العشاق الثالثة‬
     ‫على خطة لتأمين شرعية الطفل. واستحثت السيدة زوجها على القدوم إلى سيري للتعجيل بإنجاز بعض المهام. ولم‬
  ‫ينزعج الزوج لوجود عاشقين آخرين إلى جانب زوجته يكمالن شخصه، بل سعد كل السعادة حين استقبلوه بالترحيب‬
  ‫وأكرموا وفادته. وازدانت المركيزة بأبهى زينة وأزهى حلة، والطفته أعظم مالطفة، وشرب وثمل حتى كان ما كان‬
  ‫(مما لست أذكره) وبعد بضعة أسابيع أبلغته أنها قد ظهرت عليها أعراض الحمل. واحتضنها في زهو وفرح. وأعلن‬
‫عن الحادث السعيد المرتقب إلى كل الناس، وتقدم إليه الجميع بالتهنئة. ولكن فولتير وسانت المبرت اتفقا على "أن يعد‬
                  ‫الطفل من بين أعمال مدام شاتيليه المتنوعة"(41)وعاد المركيز (الزوج) وسانت المبرت إلى عملهما.‬
     ‫وفي فبراير 9423 عادت أميلي وفولتير إلى باريس وانصرفت هي إلى ترجمة قوانين نيوتن بمعاونة كليرو. وثمة‬
  ‫رسالتان إلى سانت المبرت (13، 17 مايو) تكشفان عن شخصيتها: "كال: إنه ليس في مقدوري أن أعبر عن تقديسي‬
                                                                 ‫وحبي لك حب عبادة. ال تلمني على نيوتن، ويكفيني‬
                                                                                         ‫صفحة رقم : 41373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> موت حبيبة‬


          ‫ً‬
      ‫عذابي بسببه. وما ضحيت قط بشيء قدر تضحيتي للعقل ببقائي هنا إلنجازه.. أنا أستيقظ في التاسعة، وأحيانا في‬
                                                                                                    ‫ا‬
 ‫الثامنة صباحً. وأتناول القهوة، واستأنف العمل في الرابعة، وأتوقف عنه في العاشرة... وأتجاذب أطراف الحديث مع‬
        ‫فولتير حتى منصف الليل وهو يتناول معي العشاء. وفي منتصف الليل أعود إلى العمل في نيوتن واستمر حتى‬
                                                                                                  ‫ا‬
                        ‫الخامسة صباحً. إني أنجز هذا الكتاب من اجل العقل والشرف ولكني أحبك أنت وحدك"(71).‬
                                      ‫ا‬
 ‫وفي 13 يونيه جدد فردريك بسرعة دعوة فولتير إلى الحضور إلى بوتسدام ظنً من الملك أن سانت المبرت قد أعفى‬
   ‫فولتير من أية مسئوليات أخرى يلتزم بها تجاه دي شاتيليه، فأجاب فولتير "حتى فردريك األكبر نفسه ال يستطيع أن‬
   ‫يحول بيني وبين القيام بالواجب ال يمكن أن يحلني منه أي شيء... لن أتخلى عن سيدة قد تعاجلها المنية في سبتمبر.‬
                                                                      ‫ا‬
  ‫واألرجح أن عملية الوضع ستكون خطيرة جدً عليها، ولكن إذا كتبت لها النجاة، فإني أعدك يا موالي أن أحضر في‬
                                                                               ‫أكتوبر وأقدم والئي لجاللتكم(11)".‬
‫وفي يوليه صحبها إلى لونفيل لتكون تحت رعاية طبية خاصة. إن خوف الموت أزعجها كل اإلزعاج-يختطفها الموت‬
‫في الوقت الذي وجدت فيه الحب من جديد، وفي الوقت الذي كانت فيه سني دراستها وبحثها على وشك أن تتوج بنشر‬
                   ‫ا‬
  ‫كتابها. وفي 13 سبتمبر أنجبت طفلة. وفي اليوم العاشر من سبتمبر فارقت الحياة بعد أن عانت كثيرً. واستبد الحزن‬
 ‫واألسى بفولتير فزلت قدمه وهو يغادر غرفتها وسقط على األرض، وظل فاقد الوعي فترة من الوقت. وساعده سانت‬
     ‫المبرت على األفاقة من غشيته. وقال فولتير عندئذ: "آه يا صديقي أنت الذي قتلتها... يا إلهي! ما الذي أغراك بأن‬
‫تصل بها إلى هذه الحالة؟!" وبعد ذلك بثالثة أيام طلب فولتير من لونجشامب الخاتم الذي خلعوه من يد السيدة المتوفاة.‬
                            ‫ال‬                                                   ‫ا‬
   ‫وكانت صورته منقوشة عليه يومً ما وجده السكرتير في يد المبرت، وتعجب فولتير قائ ً: "هكذا النساء. لقد خلعت‬
    ‫صورة ريشيليو من هذا الخاتم، ثم جاء سانت المبرت فطردني... هذا هو نظام الطبيعة.. شخص ينتزع مكان آخر.‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 71373‬




                                    ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> موت حبيبة‬


        ‫وهكذا تسير األمور في هذه الدنيا(21)". ووريت مدام دي شاتيليه التراب في لونفيل في أروع مظاهر المهابة‬
                                                            ‫والجالل في بالط ستانسالس، وسرعان ما تبعتها طفلتها.‬
  ‫وعاد المركيز وفولتير إلى سيري ومن هناك رد على بعض رسائل التعزية التي تلقاها من باريس: "أنتم عزائي، يا‬
 ‫مالئكة الرحمة أنتم تجعلونني أحب بقية أيامي التعسة. إنني أعترف لكم أن البيت الذي أظلها على الرغم مما يثير في‬
                                                                                       ‫ا‬
      ‫نفسي من أشجان، ليس كريهً عندي... أنا ال أهرب من أي شيء يحدثني عنها ويذكرني بها. إني أحب سيري...‬
                                ‫ا‬
 ‫واألماكن التي زانتها عزيزة على أنا لم أفقد سيدة ، بل فقدت نصف نفسي. فقدت نفسً خلقت لها نفسي، فقدت صديقة‬
                                                      ‫ا‬       ‫ً‬
   ‫عشرين عاماً، عرفتها في طفولتها. إن أكثر اآلباء عطفا وحنانً ال يحب ابنته الوحيدة إال كما أحببت أنا هذه السيدة.‬
                            ‫وبودي أن أجد في كل مكان ما يذكرني بها. وأحب أن أتحدث مع زوجها ومع ابنها(11).‬
                                                      ‫ال‬
   ‫ومع ذلك أدرك فولتير أنه سيذبل ويذوي إذا بقى مترم ً سيري الموحشة المنعزلة. وأرسل كتبه وأجهزته العلمية‬
‫ومجموعته الفنية إلى باريس، وسافر في أثرها في 77 سبتمبر 9423. وفي 73 أكتوبر استقر به المقام في العاصمة،‬
                                                             ‫في قصر واسع األرجاء في شارع ترافرسبير.‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 11373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> مدام دنيس‬



                                                                                               ‫1- مدام دنيس‬


        ‫كان من اليسير على فولتير أن يقنع ابنة أخته بالحضور لتكون ربة البيت حيث كانت لفترة من الوقت خليلته.‬
    ‫ولدت ماري لويز مجنو ( ‪ )3237Mignot‬وهي ابنة كاترين أخت فولتير. وعندما توفيت كاترين (1723) تكفل‬
           ‫ا‬      ‫ا‬
     ‫فولتير برعاية أوالدها. وفي 2123، عندما بلغت ماري السادسة والعشرين، دفع لها خالها صداقً محترمً حيث‬
                                                          ‫ا‬
                                       ‫تزوجت من الكابتن نقوال شارل دنيس، وكان موظفً صغيراً في الحكومة.‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 21373‬




                                   ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> مدام دنيس‬


‫وتوفي الزوج بعد ست سنوات من زواجه، وفي نفس الوقت الذي انتقل فيه فولتير والمركيزة دي شاتيليه إلى باريس.‬
‫والتمست األرملة بعض السلوى والعزاء بين ذراعي فولتير، ووجد هو بعض الحرارة والدفء بين ذراعيها. وواضح‬
‫أن حب الخال سرعان ما تحول إلى شيء غير مشروع. وفي رسالة مؤرخة في 17 مارس 7423 خاطب فولتير ابنة‬
     ‫أخته بقوله "محبوبتي، عزيزتي"(91) وقد تكون هذه العبارة حب برئ ولكن في ديسمبر، أي قبل عامين من لقاء‬
                            ‫ً‬
  ‫المركيزة بسانت المبرت كتب فولتير إلى األرملة الطروب رسالة يجدر اقتباسها حرفيا حتى يمكن تصديقها: "أقبلك‬
                                     ‫ألف قبلة. روحي تقبل روحك، إن قلبي مفتون بك. أقبل كل شيء فيك"(19).‬
                                                                     ‫ا‬
 ‫وحذفت مدام دنيس بعض األلفاظ تواضعً وخجالً، ولكن المفروض أنها أجابت برسالة غرامية، ألن فولتير كتب لها‬
   ‫من فرساي في 27 ديسمبر 7423: "عزيزتي، تقولين إن كتابي إليك بعث السرور والنشوة حتى في حواسك كلها.‬
                                                                                             ‫ا‬
      ‫وأنا مثلك تمامً. فلم أكد أقرأ العبارات الممتعة التي جاءت في كتابك حتى التهبت مشاعري من األعماق. وأوليت‬
‫كتابك كل اإلجالل الذي أحب أن أوليه لشخصك كله، سأحبك حتى الممات"(79). وفي ثالث رسائل بعث بها إليها في‬
‫1423 "إني أقبلك ألف قبلة"(19). بودي أن أعيش عند قدميك وأموت بين ذراعيك..(49)"متى يكون في مقدوري أن‬
                                                 ‫أعيش إلى جوارك وينساني العالم بأسره؟"(79) وفي 27‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> مدام دنيس‬


    ‫يوليه 1423 كتب يقول: "سأحضر إلى باريس من أجلك أنت إذا سمحت ظروفي سيئة. وسألقي بنفسي عند قدميك.‬
            ‫وأقبل كل مفاتنك. وفي نفس الوقت أطبع ألف قبلة على كل موضع في جسمك الذي غمرني بفيض من اللذة‬
                                                                                                     ‫والبهجة"(29).‬
      ‫في عمر الرجال، مثلما هو في عمر النساء، فترة خطيرة، وهي عندهم أطول، ويرتكبون فيها حماقات ال تصدق.‬
      ‫ا‬
   ‫وكان فولتير ألمع شخصية في القرن الذي عاش فيه، ولكن ال يجدر بنا أن نعده من بين الفضالء الحكماء، فكثيرً ما‬
      ‫اقترف هذه السخافات والعمال الطائشة وتردى في هذه التصرفات المتطرفة ونوبات الغضب الصبيانية، مما سر‬
   ‫أعداءه وأزعج أصدقاءه. إنه وضع نفسه تحت رحمة ابنة أخته التي كان واضحاً أنها مغرمة به، ولكنها أحبت نقوده‬
                                                                                                          ‫ا‬
       ‫حبً متزايدً. إننا نجدها تستغل سيطرتها عليه لتزيد من ثروتها، حتى يوم وفاته. إنها لم تكن امرأة رديئة بمقاييس‬‫ا‬
        ‫العصر. ولكنها ربما جاوزت حدود عمرها باتخاذها سلسلة من العشاق-باكوالر دارنو، مارمونتيل، مركيز دي‬
                                                      ‫ا‬
‫اكسيمين-لتستكمل رعاية خالها.(19)ووصفها مارمونتيل مادحً في 2423 "إن هذه السيدة مقبولة بكل ما فيها من قبح.‬
     ‫إن شخصيتها البسيطة غير المتكلفة تشربت مسحة من شخصية خالها. وكان فيها كثير من ذوقه ومن مرحه وأدبه‬
                                                     ‫الجم، ومن هنا كان السعي إلى االجتماع بها والتودد إليها"(99).‬
                                                                ‫وفي يوم وفاة مدام شاتيليه كتب فولتير إلى ابنة أخته:‬
                                                                    ‫ا‬
  ‫"ابنتي العزيزة، فقدت اليوم صديقة عشرين عامً. ولوقت غير قصير-كما تعرفين. لم أكن أنظر إلى مدام دي شاتيليه‬
‫على أنها امرأة (هكذا). أنا واثق أنك ستشاطرينني الحزن الشديد عليها. إنه من المؤسف حقاً أن أراها تفارق الحياة في‬
 ‫مثل هذه الظروف ولمثل هذا السبب، وأنا ال أتخلى عن المركيزة دي شاتيليه في هذه المحنة المتبادلة.... سأحضر من‬
                        ‫سيري إلى باريس ألحتضنك بين ذراعي، والتمس فيك عزائي وأملي الوحيد في الحياة(113).‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 91373‬




                                     ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> فرنسا -> فولتير في فرنسا -> مدام دنيس‬


    ‫وطوال الشهور الثمانية التي قضاها في العاصمة، تلقى فولتير من فردريك األكبر رسائل كثيرة يستحثه فيها على‬
 ‫الحضور، وكان هو يميل إلى قبول الدعوة. وعرض عليه فردريك أن يشغل وظيفة كبيرة في البالط، مع دار خاصة‬
               ‫ا‬
 ‫بالمجان براتب قدره 1117 تالر في العام.(313) ولكن فولتير الذي كان من رجال مثلما كان فيلسوفً، طلب إلى ملك‬
 ‫بروسيا أن يقرضه بعض المال لتسديد نفقات الرحلة. ووافق الملك في تانيب ماكر، حيث شبه الشاعر بهوراس الذي‬
‫رأى من الحكمة أن يمزج النافع بالمقبول(713). وطلب إلى فولتير األذن بالرحيل من ملك فرنسا، ووافق لويس على‬
  ‫الفور، قائالً لخلصائه المقربين: "هذا سيزيد من جنون رجل مجنون في بالط بروسيا وسيخفف من جنون رجل في‬
                                        ‫فرساي(113). وفي 13 يونية 1723 غادر فولتير باريس إلى برلين.‬




                                                                                 ‫صفحة رقم : 19373‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> المشهد األلماني‬



                                                                                          ‫الكتاب الثالث‬




                                                                                        ‫أوروبا الوسطى‬




                                                                                        ‫1323- 1723‬




                                                                                     ‫الفصل الثاني عشر‬




                                                                                            ‫ألمانية باخ‬




                                                                                        ‫7323 - 1723‬
                                                                                                ‫3- المشهد األلماني‬


                                                                                                      ‫ا‬
    ‫لم يكن منتظرً من فولتير وهو يخترق ألمانيا أن يستطيع ترويض ذهنه الباريسي الهوائي على تقدير ما لأللمان من‬
   ‫أجسام ومالمح وآداب وحديث، وعلى تذوق األدب والموسيقى والفنون القوطية. وأغلب الظن أنه لم يكن قد سمع قط‬
              ‫ا‬
‫بيوهان سبستيان باخ، الذي مات في 13 يوليو 1723، وبعد وصول فولتير إلى برلين بثمانية عشر يومً. ولعله لم يكن‬
 ‫قد رأى تلك العبارة التي وصف بها هيوم ألمانيا 1423، وهي أنها "بلد بديع، زاخر بقوم أمناء مجدين، ولو قيضت له‬
                                                                          ‫الوحدة لكان أعظم قوة... في األرض"(3).‬
‫وكان من حسن طالع فرنسا وإنجلترا أن هذا الشعب القوي النشيط، البالغ عدده آنذاك زهاء عشرين مليونا من األنفس،‬
  ‫كان ال يزال منقسماً إلى نيف وثالثمائة دويلة مستقلة من الناحية العملية، لكل منها أميرها المتمتع بالسيادة، وبالطها،‬
‫وسياستها، وجيشها، وعملتها، ومذهبها الديني، وزيها الخاص، وكلها في مختلف مراحل التطور االقتصادي والثقافي،‬
     ‫ال تجمعها غير رابطة اللغة، والموسيقى، والفن. وثالث وستون من إماراتها-بما فيها كولونيا، وهلدسهايم، ومينز،‬
  ‫وترير، وشييير، وفورتسبورج - يحكمها رؤساء أساقفة أو أساقفة، أو رؤساء ديورة. وكانت إحدى وخمسون مدينة -‬
                                                                                         ‫أهمها هامبورج، وبريمن،‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 39373‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> المشهد األلماني‬


                                       ‫ا‬
 ‫ومجدبورج، وأوجربورج، وفورمبورج، وأولم، وفرانكفورت-على المين-مدنً "حرة"، بمعنى أنها،كاألمراء، تخضع‬
                                                                 ‫ا‬
                                              ‫لرأس اإلمبراطورية الرومانية المقدسة خضوعاً طليقً من القيود الثقيلة.‬
 ‫وكان أكثر األراضي األلمانية، باستثناء سكسونيا وبافاريا، يزرعه األقنان أو رقيق األرض المرتبطون بها، ويخضع‬
    ‫لكل الفروض اإلقطاعية القديمة تقريبا. وكان هناك 117.4 قن من بين 111.1 فالح في أسقفية هلدسهايم حتى عام‬
      ‫1723(7) وكانت الفوارق الطبقية حادة، ولكن طول العهد بها ثبتها تثبيتا جعل طبقة العامة تتقبلها في غير تذمر‬
‫شديد، وقد خفف منها بقاء أطول واحترام أعظم اللتزامات السادة اإلقطاعيين بحماية الفالح في الكوارث، ورعايته في‬
                                         ‫المرض والشيخوخة، والعناية باألرامل واليتامى، وحفظ النظام والسالم(1)،‬
   ‫واشتهر اإلقطاعيون "اليونكو" في بروسيا بإدارتهم أمالكهم بكفاية، وبتطبيقهم السريع للطرائق الزراعية المحسنة.‬
  ‫وأخذت الصناعة والتجارة تنتعشان بعد أن أنفقت ألمانيا سبعة وستين عاما في األفاقة من حرب الثالثين سنة. وكانت‬
  ‫سوق ليبزج أحفل أسواق أوربا بروادها، ففاقت سوق فرانكفورت حتى بيع في الكتب. وبلغت فرانكفورت وهمبورج‬
                                                                            ‫ا‬
   ‫في هذا القرن في نشاطهما التجاري شأوً لم تبلغه سوى باريس، ومرسليا، ولندن، وجنوه، والبندقية، واآلستانة. ولم‬
  ‫يستعمل أمراء التجارة الهمبورجيون ثراءهم في الترف والمظاهر فحسب بل في الرعاية المتحمسة لألوبرا، والشعر‬
    ‫والدراما، ففي همبورج حقق هاندل انتصاراته األولى، ووجد كلوبستوك المأوى، وكتب لسنج مقاالته عن المسرح‬
                                     ‫الهمبورجي. وكانت المدن األلمانية كشأنها اليوم، خير المدن إدارة في أوربا(4).‬
‫وبينما أفلح الملك في فرنسا وإنجلترا في إخضاع النبالء للحكومة المركزي، نرى أن الناخبين أو األمراء، أو األدواق،‬
                                       ‫أو الكونتات، أو األساقفة، أو رؤساء الديورة والذين حكموا الدويالت األلمانية،‬
                                                                                         ‫صفحة رقم : 79373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> المشهد األلماني‬


          ‫سلبوا اإلمبراطور كل السلطان حقيقي على أمالكهم، وأتو بصغار النبالء أتباعا في بالط األمير. وكانت هذه‬
                                                                               ‫ال‬
       ‫البالطات(‪ ، )Residenzen‬فض ً عن المدن الحرة، مراكز للحياة الثقافية كما كانت مراكز للحياة السياسية في‬
   ‫ألمانيا. وانجذبت إليها ثروات مالك األراضي، وأنفقت على القصور الضخمة ومظاهر البذخ والثياب الفاخرة التي‬
        ‫كانت في كثير األحايين نصف الرجل ومعظم سلطانه. وهكذا نجد إيبرهارت لودفج، دوق فررتمبرج، يكل إلى‬
     ‫ي.ف.نتى ودوناتو فريتسوني أن يشيدا له (4123-11) في لودفجزبورج (قرب شتوتجارت) قصرا بديال بلغ في‬
                                ‫ا‬
‫فخامته تصميمه وزخرفته، وفي كثرة ما حوى من أثاث أنيق وتحف فنية بديعة، مبلغً ال بد قد كلف رعاياه الكثير من‬
   ‫المال والعرق. وفي 3723 ألحق بالقلعة الكبرى (‪ )Schloss‬في هيدلبرج، التي بدء بناؤها في القرن الثالث عشر،‬
 ‫راقود في كهف الخمور (وهو وعاء ضخم للتخمير) يتسع لتخمير 111,94 جالون من الجعة في المرة. وفي مانهايم‬
‫اتفق الدوق شارل تيودور خالل حكمه الطويل ناخباً للياالتين (1123-99)، 71 مليون فلورين على المؤسسات الفنية‬
  ‫والعلمية، والمتاحف، والمكتبات، وعلى إعانة المعماريين، والمثالين، والمصورين والممثلين والموسيقيين. ولم تكن‬
  ‫هانوفر بالبلد الفسيح وال الفخم، ولكن كان يحوي داراً لألوبرا اجتذبت إليها هاندل. وكانت ألمانيا مجنونة بالموسيقى‬
                                                                                        ‫جنون إيطاليا األم ذاتها.‬
      ‫وكانت كان لميونخ دار كبرى لألوبرا مولتها ضريبة فرضت على لعب الورق. غير أن بافاريا الناخبين أشهروا‬
                                                                                     ‫ً‬
 ‫عاصمتهم بشيء آخر أيضا هو العمارة. وكان مكسليان إيمانويل قد لجأ إلى باريس وفرساي حين اجتاح النمساويون‬
    ‫في حرب الوراثة اإلسبانية، فلما عاد إلى ميونخ (4323) جلب معه ولعا بالفن وطراز الركوك. وصحبه معماري‬
  ‫فرنسي شاب يدعى فرنسوا دكوفلييه، شيد للناخب التالي، شارل ألبرت في حديقة نمفنبورج، آية من آيات الروكوك‬
                                         ‫األلماني، هي قصر صغير يسمى امالينبورج (4123-91)، ظاهره بسيط،‬
                                                                                                      ‫وباطنه يعج‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 19373‬




                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> المشهد األلماني‬


       ‫بالزخرف: فيه قاعة مرايا (شبيجلزال)، مقببة تبهر األنظار، ذات زخارف من الجص بأشعار شعرية وعربية‬
   ‫الطراز، وحجرة صفراء (جلبس تسيمر) تحير زخارفها الجصية المذهبة العين التي تحاول تتبع تصميمها المعقد.‬
   ‫وبهذا الطراز الطاغي نفسه بدأ يوزف افنر، وأتم كوفلييه، الحجرات اإلمبراطورية في قصر الدوق بميونخ. وكان‬
   ‫كوفلييه قد غادر فرنسا في العشرين من عمره قبل أن يتعلم الخضوع الكامل للذوق الفرنسي. ومن عكف الفنانون‬
    ‫األلمان، دون أن يلقوا منه معارضة، على تطوير الزخارف الجصية بتحرر الهواة وحماستهم، فحققوا الكمال في‬
               ‫الجزيئات مع اإلسراف في الكليات. وقد تحطمت الحجرات اإلمبراطورية في الحرب العالمية الثانية.‬
          ‫ولم يكن فردريك أوغسطس األول "القوي"، ناخب سكسونيا (حكم 4913-1123) ليرضى بان يبزه أي دوق‬
                                                                  ‫ا‬
     ‫ميونخي. ومع أنه انتقل إلى وارسو (2913) ملكً على بولندة باسم أوغسطس الثاني، فقد وجد الوقت ليفرض على‬
       ‫السكسونيين من الضرائب ما يكفي لجعل درسدن "فلورنسة نهر األلب". فتقدمت بذلك جميع المدن األلمانية في‬
  ‫اإلنفاق على الفن، كتبت الليدي ماري مونتاجير في 1323 تقول: "إن المدينة أكثر ما رأيت من مدن في ألمانيا نظافة‬
                                        ‫وأناقة، وأكثر بيوتها حديثة البناء وقصر الناخب آية في الجمال"(1). وجمع‬
‫أوغسطس الصور في نهم كنهمه في جمع الخليالت، أما ابنه الماخب فردريك أوغسطس الثاني (حكم 1123- 11) فقد‬
        ‫أغدق المال على الخيل والصور، و "جلب فنون إلى ألمانيا"(2) كما قال ونكلمان. وفي 1423 أوفد أوغسطس‬
                                                                         ‫ال‬
      ‫األصغر هذا لجاروتي إلى إيطاليا حام ً الدوقاتيات لشراء الصور، ولم يلبث الناخب أن دفع 111و113 سيكوين‬
 ‫(111و17 دوالر؟) ثمناً لمجموعة الدوق فرانتشسكو الثالث أمير مودينا، وفي 4723 اشترى لوحة رفائيل "سستسني‬
                                       ‫مادونا" (عذراء كنيسة السستين) بعشرين ألف دوقاتية، وهو ثمن لم يسبق له‬
                                                                 ‫نظير. وهكذا تكونت قاعة صور درسدن العظمى.‬
                                                  ‫وقامت في درسدن دار جميلة لألوبرا في 1323، والبد أن فرقتها‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 49373‬



                           ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> المشهد األلماني‬


 ‫كانت متفوقة، ألن هاندل أغار عليها ليزود منها مشروعاته اإلنجليزية الجريئة في 9323، وكان أوركستراها بقيادة‬
   ‫يوهان هاستي من خيرة األوركسترات في أوربا(1). وفي درسدن ولد الخزف الميسيني- ولكن يجب أن تنفرد لهذا‬
 ‫قصة مستقلة. وأما في عمارة العاصمة السكسونية فإن ألمع األسماء كان متاوس دانيل بوبلمان، الذي شاد ألغسطس‬
   ‫القوى في 3323-77 قصر تسفنجر الشهير مركزاً لمهرجانات البالط. وهو مجمع باروكي رائع من أعمدة وعقود‬
                                                                                                    ‫ونوافذ‬
 ‫جميلة ذات عمد وشرفات وقبة تتوج هذا كله. وقد دمرت القنابل القصر في 7493، ولكن البوابة الفخمة أعيد بناؤها‬
 ‫وفق التصميم األصلي. ولهذا الناخب الذي ال يتعب وال يكل أقام المعماري الروماني جيتانو كيافيري بطراز الباروك‬
                                                                       ‫ا‬
    ‫كنيسة البالط (1123-37)، وهذه أيضً دمرت إلى حد كبير ثم رممت بنجاح. إن التاريخ سباق بين الفن والحرب،‬
             ‫ا‬           ‫ا‬
  ‫والفن يلعب في هذا السباق دور سسيفوس (ملك كورنثة الذي قضي عليه بان يدحرج حجرً ثقيال صاعدً الجبل، فال‬
                                                                          ‫يلبث الحجر أن يتدحرج إلى أسفل).‬




                                                                                       ‫صفحة رقم : 79373‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬
                                                                                                   ‫7- الحياة األلمانية‬


     ‫كانت ألمانيا اآلن تتصدر أوربا في ميدان التعليم األولى. ففي 2323 جعل فردريك وليم األول ملك بروسيا التعليم‬
                                                                                             ‫ا‬
‫االبتدائي إلزاميً في مملكته، وأسس في العشرين سنة التالية 1123 مدرسة لتعليم الصغار وتلقينهم ما يريد. وكان يقوم‬
 ‫بالتدريس عادة في هذه المدارس مدرسون علمانيون وأخذ دور الدين في التعليم يتضاءل. وتركز االهتمام على تعويد‬
                                                                    ‫ً‬
  ‫التالميذ الطاعة واالجتهاد، وكان الجلد عقابا ال غنى عنه. وقد حسب معلم أنه خالل إحدى وخمسين سنة مارس فيها‬
  ‫التعليم جلد تالميذه 111.473 جلدة بالسوط، وصفعهم بيده 732.113 صفعة، وضربهم بالعصا 277.339 ضربة،‬
‫ولكمهم على آذانهم 111.733.3 لكمة. وفي 2423 أسس يوليوس هيكر، القسيس البروتستنتي في برلين أول "مدرسة‬
                                      ‫واقعية ‪ ، Realschule‬وقد سميت كذلك ألنها أضافت الرياضيات والدراسات‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 19373‬




                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


            ‫الصناعية إلى الالتينية واأللمانية والفرنسية، وسرعان ما أنشأت معظم المدن األلمانية معاهد على غرارها.‬
   ‫أما في الجامعات فإن دراسة اليونانية ارتفعت إلى مكان مرموق جديد فأرسلت بذلك األسس لتفوق ألمانيا الالحق في‬
    ‫الدراسات اليونانية وقامت جامعات إضافية في جونتن (2123) وإرالنجن (2423). وإذا كان ناخب هانوفر (الذي‬
       ‫أصبح ملكا على إنجلترا) يمول جامعة جوتنجن، فإنها حذت حذو جامعة هاللي في إطالق يد األساتذة في التعليم،‬
   ‫والتوسع في تدريس العلوم الطبيعية والدراسات االجتماعية، والقانون. وخلع الطالب اآلن الرداء الجامعي، وارتداء‬
             ‫ال‬
    ‫العباءة، وتقلدوا السيف والمهماز، والتحموا في المبارزات، وتلقوا الدروس من سيدات المدينة األكثر تحل ً. وكانت‬
                                                                       ‫األلمانية لغة التعليم إال في الفلسفة والالهوت.‬
   ‫على أن األلمانية كانت قد انحدرت سمعتها اآلن، ألن الطبقة األرستقراطية أخذت تستعمل الفرنسية. كتب فولتير من‬
       ‫برلين (47 نوفمبر 1723) يقول "أنني أجد نفسي هنا في فرنسا، فما من إنسان يتكلم غير الفرنسية. أما األلمانية‬
       ‫فللجند والخيل، وال يحتاج إليها المرء إال على الطرق"(9). وقدم المسرح األلماني الهزليات باأللمانية، والمآسي‬
  ‫بالفرنسية - وكانت عادة تختار من ذخيرة المآسي الفرنسية. وكانت ألمانيا آنئذ أقل الدول األوربية نزعة قومية، ألنها‬
                                                                                                   ‫لم تكن بعد دولة.‬
          ‫وعانى األدب األماني من هذا االفتقار إلى الوعي القومي. وكان أكثر مؤلفي العصر األلمان أثرا، وهو يوهان‬
      ‫كرستوف جوتشيد، الذي جمع من حوله لفيفا من األدباء أحال ليبزج إلى "باريس صغرى"، يستعمل األلمانية في‬
      ‫كتاباته، ولكنه استورد مبادئه من بوالو، وندد بالفن الباروكي ألنه ضرب من الفوضى البراقة، ودعا إلى الرجوع‬
‫للقواعد الكالسيكية في الكتابة والفن كما مارسها الفرنسيون على عهد لويس الرابع عشر. وهاجم ناقدان سويسران-هما‬
                                                                                         ‫بودمير وبريتنجر-إعجاب‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 29373‬
                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


      ‫جوتشيد بالنظام والقواعد، وأحسا أن الشعر يستمد قوته من قوى الوجدان والعاطفة األعمق من العقل، وحتى في‬
          ‫راسين يتفجر عالم من االنفعال والعنف خالل الشكل الكالسيكي. وأكد بودمير أن "أفضل الكتابات ليس ثمرة‬
                                                                      ‫القواعد... فالقواعد تشتق من الكتابات"(13).‬
‫أما كرستيان جيلليرت، الذي فاق جميع الكتاب األلمان شعبية، فقد وافق بودمير، وبويتنجر، ويسكال، على أن الوجدان‬
       ‫هو لب الفكر وروح الشعر. وكان جديرا باسم المسيحي (كرستيان) إذ بلغ من احترام الناس له لنقاء حياته ورقة‬
   ‫سلوكه أن الملوك واألمراء كانوا يختلفون إلى محاضراته في الفلسفة واألخالق بجامعة ليبزج، وأن النساء كن يأتين‬
     ‫ليلثمن يديه. وكان رجال ذا عاطفة ال يخجل من الجهر بها، ناح على القتلى في معركة روسباخ بدال من أن يحتفل‬
  ‫بانتصار فردريك فيها، ومع ذلك فإن فردريك، أعظم رجل واقعي في ذلك العصر، وصفه بأنه "أكثر العلماء األلمان‬
‫معقولية"(33). على أن فردريك آثر عليه في أغلب الظن إيفالد مرسيان فون كاليست، الشاعر الشاب الفحل الذي بذل‬
 ‫حياته ألجله في معركة كونرسدورف (9723) وكان رأى الملك في األدب األلماني قاسيا ولكنه مشوب باألمل:"ليس‬
     ‫لدينا كتاب مجيدون على اإلطالق، ولعلهم يظهرون حين أكون سائرا في فراديس النعيم... ستسخر مني الهتمامي‬
      ‫بتوصيل بعض المفاهيم عن الذوق وبعض "الملح" الكالسيكي ألمة لم تعرف إلى آلن شيئا غير الطعام والشراب‬
  ‫والقتال(73) وكان كانت، وكلويشتوك، وفيالند، ولستج، وهردر، وشيلر، وجيته- كان هؤالء جميعا قد ولدوا في هذه‬
                                                                                                          ‫األثناء.‬
    ‫وثمة ألماني من أهل ذلك العهد كسب تعاطف فردريك الفعال وهو كرستيان فون فولف، وكان ابن دباغ ارتقى إلى‬
 ‫منصب األستاذية في جامعة هاللي. وقد اتخذ المعركة كلها موضوعا لتخصصه، فحاول أن يصنفها على أساس فلسفة‬
‫ليبنتس. ومع أن مدام دشاتليه وصفته بأنه "ثرثار كبير"، فإنه التزم بأن يسترشد بالعقل، وبطريقته المتعثرة بدأ التنوير‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 19373‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


‫األلماني(‪ )Aufklarung‬وحطم السوابق بتدريس العلوم والفلسفة باأللمانية. ومجرد إيراد قائمة بكتبه السبعة والستين‬
    ‫كفيل بأن يعطل مسيرنا. وقد بدأ برسالة من أربعة مجلدات عن "جميع العلوم الرياضية" (1323)، ثم ترجم هذه‬
 ‫المجلدات إلى الالتينية (1323) وأضاف إليها قاموسا رياضيا (1323) ييسر االنتقال إلى األلمانية. وواصل التأليف‬
‫بسبعة كتب(7323-77) في المنطق، والميتافزيقيا، واألخالق، والسياسة، والفيزياء، والغائية، واألحياء، وكل عنوان‬
‫منها تتصدره في جرأة هاتان الكلمتان "أفكار معقولة" وكأنه يرفع راية العقل فوق صارية. وإذ كان يهفو إلى جمهور‬
 ‫قراء أوربي، فإنه غطى هذه المنطقة كلها بثماني رسائل التينية، كان أكثرها تأثيرا "علم النفس التجريبي"(7123)،‬
 ‫و"علم النفس العقالني" (4123) و"الالهوت الطبيعي"(1123). وبعد أن خرج حيا من كل هذه المآزق ارتاد فلسفة‬
                                                 ‫القانون (1423-94)، ولكي يتوج هذا الصرح كتب ترجمة لحياته.‬
  ‫وسير أسلوبه المدرسي المنتظم يجعل من الصعب قراءته في عصرنا المحموم. ولكنه كان بين الحين والحين يلمس‬
     ‫ا‬
 ‫مناطق حية. من ذلك أنه رفض ما ذهب إليه لوك من اشتقاق المعرفة كلها من اإلحساس، وكانت نظرياته معبرً بين‬
 ‫ليبنتس وكانت ألنه أصر على الدور النشيط الذي يؤديه العقل في تكوين األفكار. فالجسم والعقل، والحركة والفكرة،‬
                                        ‫ا‬
‫عمليتان متوازيتان، ال تؤثر إحداهما في اآلخرة. والعالم الخارجي يعمل آليً، وهو يبدي دالئل كثيرة على الخطة ذات‬
  ‫القصد، ولكن ليس فيه معجزات وحتى عمليات العقل خاضعة لحتمية العلة والمعلول. أما األخالق فينبغي أن تلتمس‬
                                                                                                    ‫ا ا‬
  ‫ناموسً خلقيً مستقال عن العقيدة الدينية، وعليها أال تعتمد على اهلل لتخويف البشر حتى يلتزموا الفضيلة. وأما وظيفة‬
‫الدولة فليست السيطرة على الفرد بل توسيع الفرص لنموه(13). وهو يطري األخالق عند كونفوشيوس بوجه خاص،‬
 ‫ألنها لم تقم الفضيلة على الوحي فوق الطبيعي بل على العقل البشري(43). "إن قدامى أباطرة الصين وملوكها كانوا‬
                              ‫قوما ذوي ميل فلسفي وبفضل عنايتهم أصبح نظام حكومتهم خير النظم جميعا"(73).‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 99373‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


        ‫وذهب كثير من األمان إلى فلسفة فولف مهرطقة إلى حد خطر، رغم اعترافاته الجادة بالعقيدة المسيحية. وأنذر‬
        ‫أعضاء في هيئة التدريس فردريك وليام األول بأنه لو قبلت حتمية فولف فلن يكون في اإلمكان عقاب أي جندي‬
  ‫هارب، وسينهار صرح الدولة كله(13). فأمر الملك المرتاع الفيلسوف بأن يغادر بروسيا خالل ثمان وأربعين ساعة‬
              ‫ا‬
   ‫وإال "كان عقابه الموت الفوري" فهرب إلى مجدبورج وجامعتها، حيث رحب به الطالب رسوال وشهيدً للعقل. وقد‬
    ‫نشر أكثر من مائتي كتاب أو كتيب خالل ستة عشر عاما (3723-21) تهاجمه أو تدافع عنه. وكان من أول أعمال‬
   ‫فردريك األكبر الرسمية عقب اعتاله العرش (1423) إنه وجه دعوة حارة للفيلسوف المنفي يطلب إليه الرجوع إلى‬
‫بروسيا وهاللي. وجاء فولف وفي 1423 عين مديراً للجامعة. وازداد اتباعه لالبن التقليدي مع الزمن، ومات (4723)‬
                                                                                     ‫في كل ورع المسيحي السني.‬
                                                                                       ‫ا‬
 ‫ولقد كان تأثيره أعظم كثيرً مما قد نحكم به من شهرته الضعيفة في العصر الحاضر، وجعلته فرنسا عضو شرف في‬
                                             ‫ا‬
    ‫أكاديمية علومها، وعينته أكاديمية سانت بطرسبورج اإلمبراطورية أستاذً فخريا بها، وترجم اإلنجليز واإليطاليون‬
‫مؤلفاته في مثابرة، وفرض ملك نابلي النسق الفولفي في جامعاته. وأطلق عليه الجبل األصغر من األلمان لقب الحكيم،‬
   ‫وشعر بأنه علم ألمانيا أن تفكر. واضمحلت طرائق التعليم المدرسية القديمة، وزادت الحرية األكاديمية. ونقل مارتن‬
                                     ‫كنوتسن الفلسفة الفولفية إلى جامعة كونجزبرج، حيث كان يدرس إيمانويل كانت.‬
      ‫وضعف تأثير الدين في الحياة األلمانية بسبب تطور العلم والفلسفة، ونتائج البحث في الكتاب المقدس التي أزالت‬
‫األوهام، فضال عن قوى العلمنة الشديدة. وانتشرت بين الطبقات العليا األفكار الربوبية التي وصلت من إنجلترا بفضل‬
      ‫الترجمات واتصال إنجلترا بها نوفر، ولكن أثر هذه األفكار كان تافها إذا قيس بنتيجة إخضاع الكنيسة-الكاثوليكية‬
  ‫والبروتستنية على السواء-للدولة. لقد قوت حركة اإلصالح البروتستنتي العقيدة الدينية حينا، ثم جاءت حرب الثالثين‬
                                                                          ‫فأضرت بهذه العقيدة، واآلن كان خضوع‬




                                                                                         ‫صفحة رقم : 11773‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬
      ‫األكليروس لألمراء الحاكمين سبباً في زوال هالة التقى والورع التي خلعت القدسية من قبل سلطانهم. وأصبحت‬
        ‫التعيينات في الوظائف الكنسية يمليها األمير أو السيد اإلقطاعي المحلي. أما النبالء فتظاهروا بالدين، كما فعل‬
   ‫نطراؤهم في إنجلترا، باعتباره مسألة منفعة سياسية وعرف اجتماعي. وفقد األكليروس اللوثري والكلفني مقامهما،‬
         ‫واستردت الكاثوليكية سلطانهم في بطئ. في هذه الفترة انتقلت واليات سكسونيا، وفورتمبرج، وهسي، وكلها‬
                        ‫بروتستنتية، إلى حكام كاثوليك، واضطر فردريك الالأدري إلى استرضاء سيليزيا الكاثوليكية.‬
‫ولم تزك غير حركة دينية واحدة في المناطق البروتستنتية وهي حركة اإلخوان المتحدين، أو اإلخوان الموارفيين. ففي‬
        ‫عام 7723 هاجر نفر من أعضائها الذين اضطهدوا في مورافيا إلى سكسونيا، ووجد الملجأ في ضيعة الكونت‬
  ‫نيكالوس لودفج فون تستسندورف. وقد رأى هذا الكونت الشاب، الذي كان هو نفسه ابن العماد لفيليب ياكوب سبينر‬
 ‫في هؤالء الالجئين فرصة إلحياء روح المذهب التقوى. فبنى لهم على أرضه قرية هرنهوت (أي جبل الرب)، وأنفق‬
      ‫ثروته كلها تقريبا على طبع األسفار المقدسة وكتب تعليم العقيدة المسيحية، وكتب التراتيل وغيرها من المؤلفات‬
   ‫لينتفعوا بها. وقد أعانت رحالته في أمريكا(3423-74) وإنجلترا (1723) وغيرهما على إنشاء مستعمرات لهؤالء‬
              ‫اإلخوان في كل قارة، والواقع أن اإلخوان الموارفييين هم الذين بدءوا نشاط البعوث الحديث في الكنائس‬
   ‫البروتستنسية(23) فقد جلب بيتر بولر تأثيرا قويا لإلخوان في الحركة المثودية حين التقى بجون وسلي في 7123.‬
    ‫وفي أمريكا استقر بهم المقام قرب بيت لحم في بنسلفانيا، وفي سليم بكارولينا الشمالية. واحتفظوا يإيمانهم ونظامهم‬
                                              ‫ا‬
 ‫سليمين لم تكد تمسهما رياح العقيدة وأزياء اللباس، وربما كان الثمن شيئً من قسوة الروح في عالقاتهم العائلية، ولكن‬
                           ‫ال مناص للشاك من أن يحترم قوة إيمانهم وإخالصه، وانسجامه الغريب مع حباتهم الخلفية.‬
                                              ‫وكانت أخالق العصر بصفة عامة أسلم وأصح في ألمانيا منها في فرنسا،‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 31773‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


   ‫إال حيث سرت بدعة محاكاة فرنسا من اللغة إلى الفسق. في الطبقات الوسطى خضعت الحياة العائلية لضبط أشرف‬
                                                                                                  ‫ص‬
    ‫على التع ّب والغلو، فقد درج اآلباء على أن يسوطوا بناتهم، وزوجاتهم أحيانا(13)، وفرض فردريك وليم األول‬
     ‫على بالط برلين نظاما تسوده الرهبة، ولكن ابنته وصفت البالط السكسوني في درسدن بأنه بلغ في زناه بلغ بالط‬
    ‫لويس الخامس عشر. ويؤكد لنا مصدر غير ويق أنه كان ألوغسطس القوي 471 طفال"طبيعيا"(أي غير شرعي)‬
       ‫نسى بعضهم أبوتهم المشتركة في فراش سفاح المحارم. بل قيل إن أوغسطس نفسه اتخذ له خليلة من ابنته غير‬
   ‫الشرعية الكونتيسة أوركتسيلسكا(93)، التي علمت فردريك األكبر فيما بعد فنون الغرام. وقد أصدرت كلية الحقوق‬
                                                               ‫ا‬
                 ‫بجامعة هاللي في بواكير القرن الثامن عشر إعالنً دافعت فيه عن التسري بين الملوك واألمراء(17).‬
‫وكانت اآلداب السلوك صارمة، ولكنها لم تدع لنفسها ما تميت به اآلداب الفرنسية من رشاقة الحركة أو سحر الحديث.‬
        ‫وأدفأ النبالء أنفسهم بالحلل واأللقاب بعد أن انتزعت منهم السلطة السياسية. كتب اللورد تشسترفيلد في 1423‬
  ‫يقول :"أعلم أن الكثير من الخطابات رد دون أن يفتح ألنه أغفل كتابة لقب من بين عشرين في عنوانه"(37). وكان‬
   ‫حكم أولفر جولدسمث قسوة المتعصب لوطنه إذ قال: " فلنوف األلمان حقهم، إنهم وإن كانوا أغبياء فليس هناك أمة‬
‫حية تتكلف رزانة محمودة أكثر منهم، أو تفوقهم في فهم آداب الغباء"(77) وقد وافقه فردريك األكبر(17) وظل األكل‬
 ‫وسيلة محببة إلنفاق اليوم. واقتبس األثاث طرز النقش والتطعيم المزدهرة آنئذ في فرنسا، ولكن لم يكن في فرنسا وال‬
           ‫في إنجلترا شئ يداني في بهجته مواقد الطهو الملونة بألوان تشرح الصدر، والتي أثارت حسد الليدي ماري‬
  ‫مونتاجيو(47). وكانت الحدائق األلمانية مطلينة، ولكن البيوت األلمانية، بما حوت من واجهات نصفها من الخشب،‬
‫ونوافذ ذات أعمدة، وأفاريز واقية، خلعت على المدن األلمانية فتنة مشرقة تنم على حس جمالي مرهف وإن لم يكن قد‬
                                                                                                  ‫تشكل.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71773‬




                            ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الحياة األلمانية‬


  ‫والواقع أن الذي أرسى االستعمال الحديث لفظ ‪( Aesthetic‬جمالي) في كتابه بهذا العنوان (1723)، وأذاع نظرية‬
        ‫في الجمال والفن بوصفها قسما من أقسام الفلسفة مشكلة من مشاكلها، كان ألمانيا يدعى ألكسندر باومجارتن.‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11773‬




                              ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الفن األلماني‬



                                                                                               ‫1- الفن األلماني‬


                                                                                    ‫ا‬
         ‫كانت صناعة الخزف هنا فنً كبيراً، ألن األلمان علموا أوربا في هذه الفترة كيف تصنع الصيني، فلقد استأجر‬
   ‫أوغسطس القوي يوهان فرديدرش بوتجر لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، وأخفق بوتجر، ولكنه انشأ بمساعدة‬
                                                         ‫ا‬
 ‫صديق قديم لسبينوزا يدعى فلترفون تشير نهاوس مصنعً للقاشاني في درسدن، وأجرى تجارب وفقت آخر األمر في‬
‫إنتاج أول خزف صيني صلب العجينة. وفي 1323 نقل هذه الصناعة إلى مايسين، على أربعة عشر ميال من درسدن،‬
      ‫وهناك واصل تحسين طرائقه وصقل منتجاته حتى وفاته (9323). وكان خزف مايسين يرسم باألوان غنية على‬
‫أرضية بيضاء برسوم رقيقة للزهر والطير ومشاهد الحياة اليومية والمناظر الطبيعية ومناظر البحر واللقطات الغربية‬
 ‫من الثياب والحياة الشرقيتين. وزاد يوهان يواكيم كيندلر العملية تحسيناً، فأضيف النحت في الصيني إلى الرسم تحت‬
  ‫السطح المصقول؛ وخلدت التماثيل الصغيرة الغربية وأشخاص الفولكلور والكوميديا األلمانيين، ودلت روائع خصبة‬
        ‫الخيال مثل رائعة "خدمة البجع" لكيندلر واييرالين على أن في استطاعة الفن أن ينافس ما حوته خزائن النساء‬
       ‫المنوعة بهاء ونعومة. وسرعان ما راحت كل مجتمعات أوروبا األرستقراطية، حتى في فرنسا، تزين حجراتها‬
‫بتماثيل من صيني مايسين فيها تهكم مضحك. واحتفظت المدينة بتفوقها في الفن إلى سنة 1723، حين اجتاحها الجيش‬
                                                                             ‫البروسي في حرب السنوات السبع.‬
    ‫ا‬
    ‫ومن أوجزبورج، ونونمبرج، وبايرويت، وغيرها من المراكز، سكب الخزافون األلمان في البيوت األلمانية فيضً‬
                                                                                                        ‫ا‬
                                                                                            ‫باروكيً من المنتجات‬
                                                                                          ‫صفحة رقم : 41773‬




                               ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الفن األلماني‬


‫الحرارية، من أبدع القاشاني والصيني إلى األباريق البهيجة التي جعلت حتى فن شرب الجعة تجربة جمالية. وتزعمت‬
      ‫ألمانيا أوروبا طوال أكثر من القرن الثامن عشر في صناعة الزجاج ال الصيني فحسب(77). كذلك لم يبز صناع‬
‫األشغال الحديدية األلمان أحد في هذا العصر، ففي أوجزبورج وإيبزاخ، وغيرهما صنعوا بوابات من الحديد المشغول‬
       ‫تلك التي كان يقيمها جان المور في نانسي. أما الصاغة األلمان فلم يفقهم غير أبرع زمالءهم في باريس. وحفر‬
      ‫الحفارون األلمان (كنوبلزدورف، وجلومي، وروجنداس، وريدنجر، وجيورج كيليان، وجيورج شمت) أو نقشوا‬
                                                                                                   ‫ً‬
                                                                    ‫بالحرق سوما بديعة في األطباق النحاسية(17).‬
     ‫أما المصورون األلمان في هذه الفترة فلم يظفروا بالشهرة الدولية التي ما زال يجزى بها فاتوا، وبوشيه، والتور،‬
‫وشاردان. وإنه لمن ضيق أفقنا الفكري- ذلك الضيق الذي ال مهرب منه-جهل غير األلمان بصور مصورين ألمان مثل‬
    ‫كوزساس آرام، وبلتازار دينر، ويوهان فيدلر، ويوهان تيلي، ويوهان تسيزنيس، وجيورج دماريه، فحسبنا أن نتلو‬
  ‫أسماءهم على األقل ونحن اكثر إحاطة بمصور فرنسي استوطن ألمانيا يدعى أنطوان بين، وقد أصبح مصور البالط‬
   ‫لفردريك وليم األول ثم لفردريك األكبر. وتصور رائعته فردريك وهو بعد غالم برئ في الثالثة ومعه أخته فلهليني‬
                                ‫ذات الستة أعوام(27)، ولو أن هذه اللوحة رسمت في باريس لسمعت بها الدنيا كلها.‬
                                                                                       ‫ا‬    ‫ا‬
    ‫واكتسبت أسرة صيتً زائغً في ثالثة ميادين-التصوير والنحت والعمارة. فقد رسم كوزماس دميان آزام، في كنيسة‬
‫القديس إميرام بريجنزبورج، صعود القديس بندكت إلى الفردوس، وأعانه على ذلك بمنصة إطالق. واشترك كوزماس‬
     ‫ا‬
    ‫مع أخيه إيجد في رسم داخل كنيسة القديس نيبوموك بميونخ-عمارة يغشاها النحت بأكثر ضروب الباروك إسرافً.‬
 ‫وحفر إيجد بالجص"صعود مريم" لكنيسة دير في رور ببافاريا. وبدت اليد اإليطالية الرقيقة في نافورة نبتون الرائعة‬
                                                                                              ‫التي أقامها لورنتسو‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 71773‬




                               ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الفن األلماني‬


   ‫ماتيللي في درسدن، وكانت النافورة ن المعالم الشهيرة في بهاء العاصمة السكسونية. أما بلثازار برموزر فقد أفسد‬
     ‫تمثاله "تمجيد األمير أوجين(17)" بخليط مهوش من التماثيل الرمزية، وقد زين بمثل هذا اإلسراف جناح قصر‬
‫تسفنجر بدرسدن، ولكنه حقق درجة من الجالل والقوة تكاد تقربه من ميكل أنجيلو في تمثال "الرسل" المتجمعين حول‬
 ‫منبر كنيسة البالط بدرسدن، وتمثاله "القديس أمبروز" المصنوع من خشب الزيزفون في تلك الكنيسة يستشرف قمة‬
 ‫النحت األوربي في النصف األول من القرن الثامن عشر. وقد تصور جيورج ايبنيست الجمال األلماني الممشوق في‬
  ‫تمثاله البديع "باخوس واريادنى" الذي نحته لبستان سانسوني. وحفلت البساتين والحدائق األلمانية بالمنحوتات، وقدر‬
                ‫خبير في الباروك أن "في ألمانيا من تماثيل الحدائق الجيدة نسبة تفوق كل ما في سائر أوربا من تماثيل‬
                                                                                                   ‫مجتمعة(97)".‬
   ‫على أن المعمار هو الميدان الذي لفت فيه الفنانون األلمان أنظار الفنانين األوربيين في هذا العصر. فقد ترك يوهان‬
 ‫بلتازار نويمان بصمته على أكثر من عشرة مبان. وكانت رائعته قصر أمير فورتسبورج األسقف، وقد تعاون آخرون‬
     ‫معه في التصميم والتنفيذ(9323-44)، ولكن يده كانت اليد الهادية. وقد تحطمت في الحرب العالمية الثانية القاعة‬
   ‫الفينيتسية وقاعة المرايا، المتألقتان بزخارفها، ولكن بقيت أربع قاعات لتشهد بهاء الداخل، أما بيت السلم الفخم الذي‬
‫اشتهر في دنيا الفن كلها بصورة سقفه الجصية التي رسمها تيبولو؛ فكان واحد من عدة مبان شبيهة به أعانت على دفع‬
‫نويمان إلى مكان مرموق بين معماريي زمانه. وبيت السلم الذي بناه للقصر األسقفي في بروشزال يختلف عن هذا كل‬
‫االختالف، ولكنه يكاد يعدله روعة-وهو ضحية أخرى من ضحايا االنتحار القومي. وربما فاق كليهما جماال بيت السلم‬
  ‫المزدوج الذي بناه ألوجستوسبورج في برول بقرب كولونيا. وكان بناء بيوت السلم غرامة، فأغدق من فنه على بيت‬
                                               ‫آخر في دير بمدينة ايبراخ. وزين مصاعده بالباروك المزخرف كنيسة‬




                                                                                           ‫صفحة رقم : 11773‬




                               ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الفن األلماني‬


 ‫القديس بولس في تريير وكنيسة كرويتسبيرج قرب بون، وأضاف إلى كتدرائية فورتسبورج مصلى بلغ ظاهره أكمل‬
                                                                                ‫ما يمكن أن يبلغه طراز الباروك.‬
 ‫وتخصصت العمارة الكنسية اآلن في بناء الديورة الضخمة. فقام إنريكو تسوكاللي في 3123 بترميم "كلوستر أتال"،‬
    ‫وهو دير بندكتي بناه اإلمبراطور لويس البافاري عام 1113 في واد جميل على مقربة من أوبراميرجا وحدد بناؤه‬
       ‫إنريكوتسوكاللي، وتوجه بقبة رشيقة. وقد دمرت النار كنيسة الدير في 4423، فأعاد بناءها يوزف شموتسر في‬
  ‫7723، وقد حلى داخلها تحلية دقيقة بطراز الروكوك المذهب األبيض، بصور جصية بريشة يوهان تسايلر ومارتن‬
        ‫كنوللر، وأضيف مذابح جانبية فاخرة في 2723، وأرغن اشتهر بغطائه الجميل. وأروع هذه اآلثار التقوية هي‬
 ‫الكلوستركرشي، أو كنيسة الدير البندكتي، الغنية غنى ال يصدق، والواقعة في اوتوبورين جنوب شرقي ميمنجن. هنا‬
‫نظم يوهان ميكائيل فيشر المجموعة، وقام يوهان كريستيان بالنقوش المذهبة، وصنع مارتن هورمان مقاعد المرتلين-‬
     ‫وهي مفخرة الحفر األلماني في الخشب في القرن. وقد عكف فيشر على هذا العمل في فترات متقطعة من 2123،‬
                                                                                           ‫حتى وفاته في 1123.‬
     ‫وكرهت الطبقات الحاكمة - كما كره الرهبان- أن تنتظر جنة بعد القبر. فشيدت بعض القاعات الفخمة للمدن، مثل‬
    ‫قاعتي لونبورج وبامبرج ولكن أعظم جهود العمارة العلمانية خصص للقالع والقصور. فكان في كل كارلزروهي‬
     ‫قصر لحاكم بادن دورالخ، هو قلعة فريدة في بابها، بنيت على شكل مروحة-تتشعب أضالعها من حديقة لها شكل‬
  ‫مقبض متجهة إلى شوارع المدينة. وقد دمر هذا القصر كما دمر كثير مما احتوته المدينة في الحرب العالمية الثانية،‬
                                                                                         ‫ا‬
   ‫وحاقت هذه المأساة أيضً بقصر برلين العظيم الذي شيده أندرياز شلوتر وخلفاؤه(9913-1723)، ثم ضحية أخرى‬
      ‫هي قصر مونبيجو، القريب من بوابة شبانداو ببرلين، أما قلعة برول التي صممت لرئيس أساقفة كولونيا فقد دمر‬
                                                                                              ‫بعضها، وأما قلعة‬
                                                                                      ‫صفحة رقم : 21773‬




                             ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الفن األلماني‬


        ‫بروشزال فقد دمرت برمتها. وفي ميونخ بنى يوزف افنر قصر برييزنج وفي تريير بنى يوهان زايتس لرئيس‬
     ‫األساقفة الحاكم "قصر الناخب"- وهو نموذج للجمال الوديع. وأما األسقف ناخب مينز، فقد بنى له مكسمليان فون‬
   ‫فيلش ويوهان دينتسينهوفر بقرب بومر زفيلدن قلعة كبرى ثانية، تدعى قلعة فيسنشتين، أقام فيها يوهان لوكاس فون‬
              ‫ا‬                                                                       ‫ا‬
             ‫هيلدبرانت بيت سلم مزدوجً يستطيع كبار القوم أن يصعدوا ويهبطوا عليه دون أن يصدم بعضهم بعضً.‬
    ‫وتوج فردريك األكبر المعمار األلماني العلماني في القرن الثامن عشر بتكليفه جيورج فون كنوبلز دورف وآخرين‬
         ‫بأن يبنوا في بوستدام (خارج برلين بستة عشر ميال)، وفق تصميم صنعه الملك نفسه، ثالثة قصور كانت في‬
      ‫مجموعها ضريباً لفرساي: قصر الدولة "شتاتشلوس"، (7423-37)، والقصر الجديد "نويئس"(7723)، ومنتج‬
   ‫فردريك الصيفي، لذي سماه شلوس"قلعة سانسوسي". فكان طريق مشجر من درج هين، يبدأ من نهر هافل، يفضى‬
                                                                                  ‫ا‬
‫بعد خمس مراحل تخترق بستانً مدرجاً إلى هذه "القلعة الخلية البال" التي اتخذت نوافذها ذات األعمدة وقبتها الوسطى‬
 ‫بعض وحيها من قصر تسفنجر بدرسدن. واحتوى جناح من أجنحتها على قاعة للفنون، وتحت القبة دائرة من األعمدة‬
    ‫الكورنثية الجميلة، مكتبة زينت بزخارف ملولبة روكوكية، وتألقت بالكتب التي احتوتها خزانات زجاجية، وأتاحت‬
                                                                                                    ‫ا‬
  ‫للملك مالذً من السياسة والقواد الحربيين. وفي سانسوسي على األخص كان فولتير يلتقي بقرينه في الملك الفيلسوف‬
  ‫الذي استطاع أن يحكم دولة، ويتحدى الكنيسة، ويصمم بناء، ويرسم لوحة شخصية، وينظم شعرا ال بأس به، ويكتب‬
       ‫تاريخا ممتازا، وينتصر في حرب على نصف أوربا، ويلحن موسيقى، ويقود أوركسترا، ويعزف على الفلوت.‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 11773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬



                                                                                        ‫4- الموسيقى األلمانية‬


 ‫احتلت الموسيقى األلمانية مكان الصدارة من مولد هاندل وباخ في 7113 حتى موت برامز 2913. ففي أي وقت من‬
                                                                         ‫هذه السنين التي بلغت 737‬




                                                                                      ‫صفحة رقم : 91773‬
                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


        ‫كان أعظم الملحنين األحياء، باستثناء األوبرا(11). وقد بلغ شكالن موسيقيان، هما األوراتوريو والفوجه، غاية‬
         ‫تطورهما في إنتاج األلمان في النصف األول من القرن الثامن عشر، وقد يضيف البعض أن القداس الكاثوليكي‬
              ‫الروماني تلقى تعبيره النهائي على يد بروتستنتي ألماني. لقد انتهى عصر القصور، وبدأ عصر الموسيقى.‬
‫كانت الموسيقى جزءا من الدين، كما كان الدين جزءا كبيرا جدا من الموسيقى في كل بيت ألماني. فما من أسرة ، اللهم‬
  ‫إال في أفقر الطبقات إال استطاعت أن تترنم بالترانيم المشتركة، وما من فرد إال استطاع أن يعزف على آلة أو أكثر.‬
 ‫ورتلت مئات من جماعات الهواة المسماة ‪ Liebhaber‬الكنتاتات التي يعتبرها المرتلون المحترفون اليوم عسيرة إلى‬
‫حد مثبط(31). وظفرت كتيبات الموسيقى بشعبية الكتاب المقدس. ودرست الموسيقى مع القراءة والكتابة في المدارس‬
     ‫العامة. وكان النقد الموسيقي أرقى من نظيرة في أي بلد باستثناء إيطاليا، وكان أعظم نقاد الموسيقى في ذلك القرن‬
                                                                                                        ‫ألمانيا.‬
     ‫وأغلب الظن أن يوهان ماتيزون كان أشهر من أي موسيقى ألماني بين الموسيقيين األلمان وأقلهم ظفرا بحبهم. فقد‬
  ‫حجب غروره جالئل أعماله. عرف اللغات األدبية القديمة والحديثة، وألف في القانون والسياسة، وأجاد العزف على‬
   ‫األرغن والبيان القيثاري إجادة أتاحت له أن يرفض أكثر من عشر دعوات إلى شغل وظائف مرموقة، وكان راقصا‬
                                                              ‫ا‬     ‫ا‬
           ‫رشيقا، ورجل دينا عريض الثقافة، وكان مثاقفً خبيرً كاد يقتل هاندل في مبارزة معه. وغنى بنجاح في أوبرا‬
  ‫همبورج، وألف األوبرات، والكانتاتات، وتراتيل أسبوع اآلالم، والموشحات الدينية، والسوناتات والسويتات. وطور‬
 ‫شكل الكانتاتا قبل باخ. وظل تسع سنين قائد فرقة المرتلين للدوق هولستين، فلما أصيب بالصم قنع بأن يؤلف. وأصدر‬
      ‫ثمانية وثمانين كتابا، ثمانية منها في الموسيقى، وأضاف إليها رسالة عن التبغ. وأنشأ واشرف على صحيفة "النقد‬
                                                         ‫الموسيقي"(7723-77)، وهي أقدم ما عرفنا من نقاش نقدي‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 13773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


       ‫للمؤلفات الموسيقية القديمة والجديدة، وصنف قاموس تراجم للموسيقيين المعاصرين، ومات في الثالثة والثمانين‬
                                                                  ‫(4123)، بعد أن حفز عالم الموسيقى حفزا قويا.‬
     ‫أما اآلالت الموسيقية فكانت في تطور وتغير دائمين، ولكن األرغن ظل سيدها من غير مناع. وكان له عادة ثالث‬
  ‫لوحات مفاتيح أو أربع، مضافا إليها دواسة لجوابين ونصف، وضوابط مختلفة تستطيع محاكاة أي آلة أخرى تقريبا.‬
      ‫ولم تصنع إلى اآلن أي أرغن أبدع من تلك التي صنعها اندرياس زلبرمان االستراسبورجي، وحوتفريد زلبرمان‬
   ‫الفرايبرجي ولكن اآلالت الوترية كانت تزداد رواجا فاستعملت "موترة المفاتيح"‪( clarichord‬أي المفتاح والوتر)‬
  ‫لوحة مفاتيح لتشغيل روافع مزودة بمماسات صغيرة من النحاس لتضرب األوتار. وكان عمر هذه اآللة ثالثة قرون‬
               ‫وربما أكثر أما البيان القيثاري ‪( harpischord‬الذي سماه الفرنسيون ‪ clavecin‬وااليطاليون ‪ clavi‬أو‬
‫‪ )gravicembalo‬فكانت أوتاره ينقرها لسان من ريشة أو جلد ملصق بروافع تحركها (عادة) لوحة مفاتيح مزدوجة،‬
    ‫بمساعدة دواستين وثالثة ضوابط أو أربعة. وكان لفظ ‪ clavier‬يستعمل للداللة على أي آلة موسيقية لوحة مفاتيح-‬
             ‫ا‬
    ‫الموترة، أو اليان القيثاري، أو اليان- وعلى لوحات مفاتيح األرغن. وكان البيان القيثاري في أساسه قيثارً تنقر فيه‬
‫األصابع األوتار بواسطة مفاتيح، الريشة وروافع، وكانت تنبعث منه أصوات لها رقيق، ولكن لما كانت الريشة وريش‬
  ‫ترتد بمجرد ضربها الوتر، فإن هذه اآللة لم يتح لها أن تطيل نغمة أو تنوع حدتها. ولكي تعزف درجتين من درجات‬
   ‫الصوت كان ال بد لها من اللجوء إلى لوحة مفاتيح مزدوجة -العليا للـ "بيانو"(خافته) والسفلى للـ "فورتي" (عالية)‬
                                         ‫وقد انبعث "البيانو فورت" من الجهود التي بذلت للتغلب على هذه العيوب.‬
 ‫وفي عام 9123 أو قبله صنع بارتولوميو كريستوفوري في فلورنسة أربعة "بيانات قيثارية بالخافت والعالي". وفيها‬
             ‫حلت محل الريشة مطرقة جلدية صغيرة كان في اإلمكان إطالة اتصالها بالوتر بمواصلة خفض المفتاح،‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 33773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


 ‫في حين أمكن التحكم في علو النغمة بالقوة التي يضرب بها األصبع المفتاح. وفي عام 3323 وصف سكبيوتى دي ما‬
        ‫في اآللة الجديدة في مجلته "جورنالي ديي ليتراتي دياليا"، وفي عام 7723 ظهر هذا المقال بدرسدن في ترجمة‬
      ‫ألمانية، وفي 1723 صنع جوتفريد زلبرمان، بوحي من التجمة(71)، بيانين على هدى من مبادئ كريستوفوري.‬
    ‫وحوالي عرض نموذجا محسنا على يوهان سبستيان باخ، الذي صرح بأنه الضعف في القدرة الصوتية العليا، وأنه‬
    ‫يتطلب لمسا شديدا. وسلم زلبرمان بهذه العيوب واجتهد في تالفيها. وبلغ من توفيقه في هذا أن فردريك في 2423،‬
  ‫فأعجبه، ولكنه رأى أنه بلغ من الشيخوخة حدا ال يسمح اآللة الجديدة وظل في السنوات الثالث الباقية في عمره يؤثر‬
                                                                                     ‫األرغن والبيان القيثاري.‬
   ‫أما األوركسترا فكان يستخدم أساسا في خدمة األوبرا أو الكورس، وقل أن وضعت الموسيقى له وحده، أال أن تكون‬
                                                                    ‫ا‬
  ‫مقدمات. وكانت األوبرا والباصون أكثر عددً منها في أوركسترا هذه األيام، وطغت آالت النفخ على اآلالت الوترية.‬
    ‫أما الحفالت الموسيقية العامة فكانت إلى ذلك العهد نادرة في ألمانيا، وكادت الموسيقى تنحصر برمتها في الكنيسة،‬
 ‫واألوبرا، والبيت، والشوارع. وأحييت حفالت لموسيقى الحجرة في ليبزج من 1423 في بيوت أغنياء التجار، ثم قبل‬
    ‫بها جماعات أكبر فأكبر من المستمعين، وزيد العازفون إلى ستة عشر، وفي 1243 أعلن دليل صادر في ليبزج أنه‬
‫" في أيام الخميس تحيا حفلة موسيقية بأشراف شركة التجار التقية، وأشخاص آخرين ، من الساعة الخامسة إلى الثامنة‬
‫في نزل البجعات الثالث وأضاف اإلعالن أن هذه الحفالت يرتادها أفراد المجتمع العصري وتلقى اإلعجاب واالهتمام‬
     ‫الشديد(11). ومن هذه الجماعة الموسيقية ‪ Collegium Musieum‬تطور في 3123 الكونشرتو الكبير في قاعة‬
                                    ‫تجار األجواخ. ‪ Gewandhaus‬بلييزج-وهو أقدم سلسلة موجودة من الكونشرتو.‬
 ‫ولم تخص اآلالت وحدها إال بأقل القليل من المؤلفات الموسيقية، ولكن بعض هذه المؤلفات شارك بنصيب في تطوير‬
                                                                                  ‫السمفونية. وفي مانهايم قامت‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 73773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬
   ‫مدرسة من الملحنين والعازفين-كثير منهم من النمسا أو إيطاليا أو بوهيميا-بدور قيادي في هذا التطوير. فهناك جمع‬
          ‫شارل تيودور أمير باالتين الناخب (حكم 1123-99)، وراعى الفنون جميعا، أوكسترا اشتهر عموما بأنه خير‬
  ‫األوكسترات قاطبة في أوربا. وقد لحن يوهان شتاميتز، عازف الكمان الماهر، لهذا األوركسترا سيمفونيات بالمعنى‬
  ‫الصحيح، أي مؤلفات أوركسترالية مقسمة إلى ثالث حركات أو أكثر، كانت أوالها تنهج نهج السوناتا-أعنى عرض‬
      ‫مواضيع متقابلة، والتوسع فيها دون قيود، ثم تخليصها. وجريا على طريقة الملحنين النابوليين، اتخذ الشكل الجديد‬
        ‫عادة تعاقب هذه الحركات: السريع ، والبطئ، فالسريع (األلليجرو، واألندانتي، واأللليجرو). وأضاف أحيانا من‬
‫الرقص "منيوتا". وهكذا انتقل عصر الموسيقى البوليفونية (أي المتعددة األصوات)، المبينة على فكرة رئيسية واحدة،‬
                 ‫والبالغة قمتها في ي.س.باخ، إلى عصر الموسيقى السيمفونية - عصر هايدن، وموتسارت، وبيتهوفن.‬
                                                                 ‫ا‬
         ‫وظل الصوت البشري أعظم اآلالت الموسيقية سحرً. فلحن كارل فليب إيمانويل باخ، وكارل هاينريش جراون‬
       ‫وغيرهما قصائد الغرام المشبوب التي نظمها يوهان كرستيان جونثر، ووجد يوهان إرنست باخ الفيماري الوحي‬
     ‫للعديد من األغاني األلمانية (الليدر)، الجميلة في شعر كرستيان جلليرت. وازدهرت األوبرا في ألمانيا اآلن، ولكن‬
‫غلب عليها الطابع اإليطالي، إذا استوردت ألحانها ومغنيها من إيطاليا. وكان لكل بالط كبير قاعة أوبراه، التي ال تفتح‬
        ‫عادة إال للصفوة. أما همبورج التي هيمن عليها تجارها فكانت استثناء للقاعدة، فقدمت األوبرا األلمانية، وأباحت‬
    ‫حضور حفالتها للجمهور الذي يدفع، وجندت مغنياتها من السوق. وفي همبورج تربع راينهارت كازر على عرش‬
    ‫ا‬        ‫ً‬                                                       ‫ا‬
  ‫مسرح جينزيماركت (سوق األوز) أربعين عامً. وخالل حكمه هذا لحن 133 أوبرا، معظمها إيطالي نصا وأسلوبً،‬
       ‫ولكن بعضها ألماني. ذلك أن كتاب ماتيزون "الموسيقى الوصي"، المنشور في 1723 أشهر صيحة الحرب على‬
                                                                                                           ‫الغزاة‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 13773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


    ‫اإليطاليين: "أخرجوا أيها البرابرة ![‪ ] Fouri barbari‬ليمنع من االشتغال باألوبرا األجانب الذين يحاصروننا من‬
‫الشرق إلى الغرب!(41)، ولكن سحر األصوات واأللحان اإليطالية لم يكن سبيل إلى مقاومة. وحتى في همبورج خنق‬
   ‫الولع باألوبرات النابولية المؤلفات الوطنية. فاستسلم كايز وشد رحاله إلى كوبنهاجن، وأغلق مسرح همبورج أبوابه‬
   ‫في 9123 بعد حياة امتدت ستين عاما، ولما أعيد افتتاحه في 3423 خصص صراحة لألوبرا اإليطالية. وحين أعاد‬
                                                         ‫ً‬
 ‫فردريك األبوبرا إلى برلين (7423)، اختار ملحنين ألمانا ومغنين إيطاليين. وقال في دهشة "مغن ألماني! أني ألوثر‬
                                                                                   ‫أن أسمع حصاني يصهل(71).‬
        ‫ا‬                                                                     ‫ً‬
 ‫وأنجبت ألمانيا في هذا العصر مؤلفا واحداً لألوبرا من الطراز األول هو يوهان أدولف هاسي، ولكنه هو أيضً خطب‬
‫ود إيطاليا. فقد درس فيها عشر سنوات على أليساندرو سكارالتي ونيكولو بوربورا، وتزوج المغنية اإليطالية فاوستينا‬
     ‫بوردورني (1123)، ولحن الموسيقى لنصوص إيطالية وضعها أبوستولوزينو وميتاستاسيو، وغيرهما. واستقبلت‬
        ‫أوبراته األول في نابلي والبندقية استقباال بلغ من حماسته أن إيطاليا لقبته "‪ "il caro Sassone‬أي السكسوني‬
        ‫المحبوب. فلما عاد إلى ألمانيا دافع بغيرة عن األوبرا اإليطالية، ووافقه معظم األلمان، وكرموه أكثر من هاندل‬
                                                                                             ‫ا‬
           ‫الغائب، وأكثر كثيرً من باخ المجهول، وشبهه بيرني، هو وجلوك، برفائيل وميكل أنجيلو الموسيقى في بالد‬
    ‫األلمانية(11). ولم يبلغ أحد حتى اإليطاليون، ما بلغته أوبراته المائة من غنى في االبتكار اللحني أو الدرامي. وفي‬
     ‫3123 تلقى هو وزوجته، أعظم مغنيات األوبرا في ذلك العصر، دعوة إلى درسدن من أوغسطس القوي. وأسرت‬
‫فاوستينا العاصمة بصوتها وسحرها هاسي بألحانه. وفي 1123، فقد أكثر ممتلكاته، ومن بينها مخطوطاته المجموعة،‬
 ‫نتيجة قصف فردريك األكبر لدرسدن بالقنابل. وكلفت المدينة المدمرة عن عرض أوبراته، فرحل هاسي وزوجته إلى‬
                                ‫فيينا حيث راح وهو في الرابعة والسبعين ينافس جلوك. وفي 3223، في زواج‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 43773‬




                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


‫األرشيدوق فرديناند بميالن، تقاسم البرنامج الموسيقي مع الصبي موتسارت البالغ الرابعة عشر من عمره. ويروي أنه‬
  ‫قال "إن هذا الصبي سوف يحجبنا كلنا(21)!. وعقب ذلك ذهب هو وفارستينا لينفقا ما بقى لهما من عمر في البندقية.‬
   ‫وهناك مات كالهما عام 1123، هو في الرابعة والثمانين، وهي في التسعين. وقد فاق تآلف حياتهما اتساق أغانيهما.‬
    ‫وبينما كانت لموسيقى اإليطالية تنتصر في دور األوبرا األلمانية، ازدهرت الموسيقى الكنسية رغم سخرية فردريك‬
        ‫منها ألنها "عتيقة"، و"منحطة"(11) وسنرى الموسيقى الكاثوليكية تزكو في فيينا، وفي الشمال ألهمت الحماسة‬
                                                                              ‫ا‬
     ‫البروتستنتية الباقية على قيد الحياة فيضً من الكنتاتات، والكوراالت، وترانيم أسبوع اآلالم، وكأن مائة ملحن كانوا‬
‫يمهدون لباخ الطريق ويعدون له األشكال والصيغ الموسيقية. وغلبت موسيقى األرغن، ولكن الكثير من األوركسترات‬
         ‫كان يحوي الكمان والفيولنتشيللو. ولم يقتصر ظهور تأثير األوبرا على التوسع في األوركسترات وفرق الترتيل‬
                                                       ‫الكنسية، بل كذلك في لطابع الدرامي المتزايد لأللحان الكنسية.‬
  ‫أما أشهر مؤلفي الموسيقى الدينية في ألمانية باخ فكان جيورج فليب تيليمان الذي ولد قبل باخ بأربع سنوات (3113)‬
                                                                                        ‫ا‬
 ‫ومات بعده بسبعة عشر عامً (2123). وقد عده ماتيزون أعظم معاصريه األلمان قاطبة في التأليف الموسيقى، ولعل‬
          ‫ا‬      ‫ال‬
   ‫باخ كان يوافق على هذا الرأي باستثناء واحد ألنه نسخ كأنتاتات كاملة ألفها منافسه. وكان تيليمان طف ً عبقريً، تعلم‬
       ‫الالتينية واليونانية والكمان والفلوت في طفولته، وحين بلغ الحادية عشرة بدأ يلحن، وفي الثانية عشرة ألف أوبرا‬
‫مثلت على المسرح وقام هو بالغناء في أحد أدوارها. كذلك لحن كنتاتا وهو الثانية عشرة، وقادها وهو واقف فوق مقعد‬
                                                                                            ‫ليستطيع العازفون رؤيته.‬
                                                                            ‫ا‬      ‫ً‬      ‫ا‬      ‫ا‬
‫ثم شب تيوتونيا قويً بشوشً مرحا وألحانً. وفي 3123 بينما كان يمر بهاللي التقى بهاندل الذي كان في السادسة عشرة‬
                                        ‫من عمره فأحبه من أول نظرة. ومضى إلى ليبزج ليدرس القانون، ولكنه ارتد‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 73773‬




                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


‫إلى الموسيقى وأصبح عازف أرغن الكنسية الجديدة (4123). وبعد عام قبل وظيفة الكنسية في زوراو، ثم مضى إلى‬
                                                         ‫د‬
  ‫أيزيتاخ، حيث التقى بباخ، وفي 4323 قام بدور الع َاب لكارل فليب إيمانويل، ابن يوهان سبستيان. وفي 3323 قام‬
 ‫ماتت زوجته الشابة وأخذت معها قلبه كما قال، ولكنه تزوج ثانية بعد ثالث سنين. وفي 3723 مضى إلى همبورج،‬
                                                                                                 ‫ا‬
      ‫حيث كان عازفً في ست كنائس، وأشرف على تعليم الموسيقى في الجمنازيوم، وإضطلع بشئون أوبرا همبورج،‬
   ‫وحرر مجلة للموسيقى، ونظم سلسلة من الحفالت الموسيقية العامة استمرت إلى يومنا هذا. وقد حالف الحظ تيليمان‬
                                                        ‫في كل شئ، إال في إيثار زوجته للضباط السويديين بحبها.‬
‫وكانت قدراته على اإلنتاج تضارع أي رجل في ذلك عصر ، عصر عمالقة الموسيقى. فقد لحن لجميع اآلحاد واألعياد‬
                                                                                     ‫ا‬      ‫ا‬
           ‫في سعة وثالثين عامً ألوانً من الموسيقى الدينية- تراتيل ألسبوع اآلالم، وكنتاتات، واورتوريات، وأناشيد،‬
‫وموتيتات، وأضاف إلى ذلك كله األوبرات واألوبرات الفكاهية، والكونشرتات، والثالثيات، والسرينادات، وقال هاندل‬
                          ‫ا‬
‫إن في استطاعة تيليمان أن يلحن موتيتا ذا ثمانية أقسام بالسرعة التي يكتب بها المرء خطابً(91). وقد أخذ أسلوبه عن‬
       ‫فرنسا، كما أخذ هاسي أسلوبه عن إيطاليا، ولكنه أضاف إليه حيويته الخاصة. وفي 7123، حين كان في الرابعة‬
 ‫والثمانين، فألف كنتاتا تسمى "إينو" عدها رومان روالن معادلة لنظائرها من تأليف هاندل، وجلوك، وبيتهوفن. ولكن‬
    ‫تيليمان كان ضحية خصوبته. فقد لحن بأسرع مما يمكنه من اإلتقان، ولم يكن له صبر على تنقيح الثمرات الناقصة‬
            ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫لعبقريته أو شجاعة على تحطيمها. وقد اتهمه ناقد بـ"اإلسراف الذي ال يصدق(14) واليوم يكون نسيً منسيً ولكنه بين‬
                                                                                       ‫ا‬
    ‫الحين والحين يجيئنا روحً متحررة من الجسد في الهواء، فنجد كل ألحانه المنبعثة من مراقدها رائعة الجمال(34).‬
 ‫ولم ينفرد فردريك بتفضيله كارل هاينريش جراون على تيليمان وباخ. وقد ذاع صيت كارل أول ما ذاع بفضل صوته‬
                        ‫السوبرانو، فلما قصر هذا الصوت تحول صاحبه إلى التلحين، فألف في الخامسة عشرة كنتاتا‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 13773‬




                          ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> الموسيقى األلمانية‬


                        ‫ا‬
  ‫كبيرة ألسبوع اآلالم (1323)رتلت في كرويتسشولي بدرسدن. وبعد أن مضى فترة يعمل عازفً للكنيسة في برنزويك‬
   ‫استخدمه فردريك (7123) ليشرف على الموسيقى في راينزبرج. وظل يخدم البالط البروسي طوال األعوام األربعة‬
     ‫عشرة الباقية من عمره، ألن موسيقاه، حتى الدينية منها، كانت تبهج الملك الشاك. وظفر لحن اآلالم المسمى "موت‬
‫يسوع"، الذي رتل أوال في كتدرائية برلين سنة 7723، بشهرة في ألمانيا لم تضارعها غير شهرة "المسيا" في إنجلترا‬
      ‫وإيرلندة، وظل يعاد سنوياً في أسبوع اآلالم حتى يومنا هذا. وشاركت ألمانيا البروتستنتية كلها فردريك في الحزن‬
                                                                                        ‫على موت جراون قبل أوانه.‬
                                                                                      ‫ا‬
     ‫وخالل ذلك كان خمسون "باخ ً" قد ألقوا البذرة وأعدوا المسرح لظهور أشهر وريث لهم. وقد رسم يوهان سبستيان‬
      ‫باخ بنفسه شجرة أسرته في كتابه "أصل أسرة باخ الموسيقية" الذي وصل إلى المطبعة في 2393، وقد أفرد الناقد‬
   ‫الموسيقي المدقق "شبيتا"113 صفحة لرسم ذلك النهر األورفي. وانتشر في مدن ثوربنجيا أفراد من آل باخ يمكن رد‬
        ‫نسبهم إلى عام 9173. وكان أقدم موسيقي من األسرة بدأ به يوهان سبستيان قائمته هو جد جده المدعو فايت باخ‬
       ‫(توفي 9313). ومنه انحدرت أربع بطون من الباخيين الذين برز العديد منهم في الموسيقى، وقد بلغوا من الكثرة‬
                                                                                           ‫ا‬                   ‫ا‬
        ‫مبلغً جعلهم يؤلفون ضربً من النقابة المهنية التي الفت أن تجتمع دورياً لتبادل الرأي. وتلقى أحدهم، وهو يوهان‬
  ‫ا‬                                                              ‫ر‬
  ‫أمبروزيوس باخ عن أبيه فن عزف الكمان الذي و َثه ألبنائه. وفي 3213، قد تزوج اليزابيث خلف ابن عمه موسيقيً‬
 ‫للبالط في أيزيناخ. وكان في 1113، قد تزوج اليزابيث الميرهيرت، ابنة تاجر فراء أصبح عضوا في مجلس المدينة.‬
            ‫فأنجب مها بنتين وستة أبناء. وارتقى أكبر األبناء، وهو يوهان كريستوف باخ، إلى وظيفة عازف األرغن في‬
   ‫أوردورف. والتحق أبن آخر؛ هو يوهان باكوب باخ، بالجيش السويدي عازفاً لألوبرا. وكان أصغر األبناء هو يوهان‬
                                                                                                       ‫سبستيان باخ.‬
                                                                                        ‫صفحة رقم : 23773‬




                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬



                                                                                        ‫7- يوهان سبستيان باخ‬




                                                                                                ‫7113-1723‬




                                                                                              ‫أ - مراحل حياته‬


‫ولد في 37 مارس 7113 بأيزيناخ في دوقية ساكسيفايمار. وفي "الكوتهاوس" المشرف على ميدان لوثر كان المصلح‬
       ‫الديني العظيم قد عاش صباه، وعلى تل مشرف على المدينة فارتبورج، القلعة التي اختبأ فيها من شارل الخامس‬
                                      ‫ا‬
                                     ‫(3773 وترجم العهد الجديد، إن أعمال باخ أشبه باإلصالح البروتستنتي ملحنً.‬
‫واتت أمه وهو في التاسعة، ومات أبوه بعد ثمانية أشهر، وضم يوهان سبستيان وشقيقه يوهان باكوب إلى أسرة أخيهما‬
       ‫يوهان كريستوف. وفي "الجمنازيوم" بأريزيناخ تلقى سبستيان الكثير من تعاليم المسيحية وبعض الالتينية، وفي‬
                     ‫ا‬
   ‫"الليسية" بمدينة أوردروف القريبة درس الالتينية، واليونانية، والتاريخ، والموسيقى. وكان متقدمً في فرقته، فرقي‬
        ‫بسرعة وكان أبوه قد علمه الكمان، وعلمه أخوه كريستوفر البيان القيثاري. وعكف بشغف على هذه الدراسات‬
                                                   ‫ا‬     ‫ا‬
‫الموسيقية، وكأن الموسيقى تجرى في عروقه. ونسخ عددً كبيرً من المؤلفات الموسيقية التي لم تكن ميسرة له بانتظام‬
                                                                                                         ‫ا‬
                                                  ‫نسخً كامال، وهكذا بدأ األذى الذي لحق ببصره فيما يظن البعض.‬
                                                       ‫ا‬
 ‫فلما ناهز سبستيان الخامسة عشرة انطلق ليكسب قوته تخفيفً عن أسرة يوهان كريستوف المتزايدة. فوجد وظيفة مغن‬
         ‫سوبرانو في مدرسة ديرر القديس ميخائيل بلونيبرج، فلما تغير صوته احتفظت به المدرسة عازفاً للكمان في‬
       ‫األوركسترا. ومن لونيبرج زار همبورج، التي تبعد عنها ثمانية وعشرين ميال، ربما للذهاب إلى األوبرا، ولكن‬
   ‫بالتأكيد لالستماع إلى عزف يوهان ادم راينكن، عازف أرغن كنسية القديسة كاترين البالغ من العمر سبعة وسبعين‬
     ‫ا‬                                                                                                    ‫ا‬
     ‫عامً. ولم تجتذبه األوبرا، ولكن فن األرغن استهوى روحه القوية النشيطة، ففن تلك اآللة الشامخة استشعر تحديً‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 13773‬
                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                         ‫ا‬
   ‫لكل طاقته ومهارته. فما وافت سنة 1123 حتى كان قد بلغ من البراعة في العزف عليها مبلغً حمل الكنيسة الجديدة‬
   ‫بآرنشتات (القريبة من أرفورت) على استخدامه ليعزف ثالث مرات كل أسبوع على األرغن الكبير الذي ركب في‬
                                                                                                      ‫ا‬
     ‫الكنيسة مؤخرً، والذي ظل مستعمال حتى 1113. أما وقد أطلق يده في استعمال هذه اآللة لدراساته. فإنه بدأ اآلن‬
                                                                                           ‫تلحين أول أعماله الهامة.‬
              ‫وقد أبقاه الطموح دائم التحفيز للنهوض بفنه. ونمى إليه أن أشهر عازف على األرغن في ألمانيا، ديترش‬
     ‫بوكستيهودي، سيعزف في مدينة لوبيك على بعد خمسين ميال منه، سلسلة من األلحان فيما بين عيد القديس مارتن‬
‫وعيد الميالد في كنيسة مريم. فطلب إلى مجلس كنيسته إجازة شهر، فمنح اإلجازة، وأناب ابن عمه يوهان ارنست في‬
  ‫أداء عمله وصرف راتبه ثم انطلق راجال إلى لونيك (أكتوبر 7123). وقد رأينا هاندل وماتيزون يقومان بمثل رحلة‬
‫الحج هذه. ولم يغر باخ بزواج ابنه بوكستيهودي لقاء وراثة وظيفة، إنما كان يريد أن يدرس أسلوب األستاذ في العزف‬
                                                                                ‫ا‬
‫على األرغن. وال بد أن هذا أو شيئً غيره قد استهواه، ألنه لم يعد إلى أرنشتات حتى منتصف فبراير. وفي 37 فبراير‬
 ‫1123 وبخه مجلس الكنيسة على مده إجازته، وعلى إدخال "تنويعات غريبة" في إستهالالت ترانيمه الجماعية. وفي‬
                                         ‫ا‬              ‫ا ا‬
 ‫33 نوفمبر أنذر لتقصيره في تدريب فرقة الترتيل تدريبً كافيً، ولسماحه سرً "لعذراء غريبة بالتراتيل في الكنيسة"،‬
       ‫(ولم يكن يسمح للنساء بعد بالترتيل في الكنيسة). أما الفتاة الغريبة فكانت ماريا برباره باخ، ابنة عمه. وقدم من‬
 ‫االعتذارات ما استطاع تقديمه، ولكنه استقال في يونيو 2123، وقبل وظيفة عازف األرغن لكنيسة القديس بالزيوس‬
        ‫بمولهاوزن. وتقرر أن يكون راتبه السنوي خمسة وثمانين جولدينا، وثالثة عشر بوشال من القمح، وكردين من‬
                                   ‫ا ا‬
    ‫الخشب، وست حزم من الحطب، وثالثة أرطال من السمك-وهو راتب يعد حسنً جدً بالنسبة للزمان والمكان(74)‬
                                                                               ‫وفي 23 أكتوبر تزوج ماريا برباره.‬
                                                                ‫ا‬
                                                     ‫ولكن تين له أن مولها متعبة كأرنشتات. ذلك أن جزءً من المدينة‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 93773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


     ‫ا‬
 ‫كان قد احترق، ولم يكن أهلها المرهقون في حال يتقبلون معها هذه التنويعات الغريبة، وكان شعب الكنيسة ممزقً بين‬
     ‫اللوتريين السنيين المولعين بالترتيل، والتقويين الذين يعتقدون أن الموسيقى أقرب األشياء إلى الكفر. وكانت فرقة‬
 ‫المرتلين تشكو الفوضى، وباخ يستطيع إحالة الفوضى نظاماً في األنغام ال في الرجال. فلما تلقى دعوة ليصبح عازف‬
     ‫أرغن ومديراً لألوركسترا في بالط فلهلم إرنست دوق ساكسيفيمار، توسل إلى رؤساءه أن يخلو سبيله(14). وفي‬
                                                                          ‫يونيو 1123 انتقل إلى وظيفته الجديدة.‬
                                                                                               ‫ا‬
‫وكان يتلقى راتبً طيباً في فيمار -173 جولدينا في العام، رفعت إلى 777 في 1323، واستطاع اآلن أن يطعم األفراخ‬
                                            ‫ا‬
   ‫التي كانت ماريا برباره تفقسها. ولم يقنع بحاله تماماً، ألنه كان خاضعً لرئيس المرتلين في الكنيسة يوهان دريزي،‬
   ‫ولكنه أفاد من صداقة يوهان جوتفريد فالتر، عازف األرغن في كنيسة المدينة، ومؤلف أول قاموس موسيقي ألماني‬
    ‫(7123)، وملحن كوراالت ال تقل جودة عن كوراالت باخ. وبما اضطلع في دراسة الموسيقى الفرنسية واإليطالية‬
                                ‫ا‬
‫باهتمام اآلن بفضل فالتر المثقف. وقد أحب فريسكوبالدي وكوريللي، ولكنه افتتن جدً بكونشرتات الكمان التي وضعها‬
                                                             ‫ا‬
 ‫فيفالدي، ونقل تسعة منها آلالت أخرى. وكان أحيانً يدخل شذرات مما نقل في ألحانه. ونستطيع أن نحس أثر فيفالدي‬
                                                ‫ا‬               ‫ا‬
                                          ‫في كونشرتات برندنبورج ولكنا نحس فيها أيضً روحاً أعمق وفنً أغنى.‬
‫أما أهم واجباته في فيمار فعزف األرغن في كنيسة القلعة (شلوسكيرشي). وهناك كان في متناوله أرغن صغير ولكنه‬
                                                                                                 ‫ا‬
     ‫مجهز تجهيزً كامال. وألف لهذه اآللة الكثير من أعظم قطعه األرغنية: الباسا كاليا والفوجه في مقام ‪ C‬الصغير،‬
‫وأفضل التوكاتات، ومعظم االستهالالت والفوجات الكبيرة. وكتاب األرغن الصغير (أورجلبوخالين). وكانت شهرته‬
                                                                                 ‫ا‬
    ‫إلى اآلن عازف أرغن ال ملحنً. وقد تعجب المشاهدون، ومنهم ماتزون الناقد، لخفة حركته في استعمال المفاتيح،‬
    ‫والدوسات، والضوابط، وصرح أحدهم بأن قدمي باخ "تطيران على لوحة الدواسة كأنما كان لهما جناحان"(44)‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17773‬




                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


       ‫ودعي ليعزف في هاللي، وكاسل، وغيرهما من المدن. وفي كاسل (4323) أعجب به ملك السويد القادم فردريك‬
                                                           ‫ا‬    ‫ا‬                                  ‫ً‬
 ‫األول إعجابا حمله على أن يخلع من أصبعه خاتمً ماسيً ويعطيه لباخ. وفي 2323، التقى باخ في درسدن بجان لوى‬
 ‫مارشان الذي ذاع صيته في األرض عازف أرغن للويس الخامس عشر. واقترح بعضهم مباراة بين العازفين، واتفقا‬
  ‫على اللقاء في البيت الكونت فون فلمنج، وكان على كل منهما أن يعزف بمجرد النظر أي لحن أرغني يوضع أمامه.‬
 ‫وحضر باخ في الساعة المحددة، ولكن مارشان رحل عن درسدن قبله ألسباب مجهولة اآلن، فأتاح لباخ نصرً غيابيً‬
 ‫ا‬       ‫ا‬
                                                                                               ‫لم يشرح صدره.‬
  ‫على أن القوم تخطوه في الترقية، رغم اجتهاده وشهرته المتزايدة، حين مات رئيس عازفي فيمار، وأعطيت الوظيفة‬
‫البن الميت. وكان باخ في حالة استعداد نفسي لتجربة بالط جديد. وعرض عليه ليوبولد أمير أنهالتكوتن وظيفة رئيس‬
‫عازفيه. ولكن دوق ساكسيفيمار الجديد، قلهلم أوغسطس، رفض أن يخلي سبيل عازف أرغنه. وألح باخ عليه، فسجنه‬
      ‫(1 أبريل 2323)، وثابر باخ على اصراره، فأطلقه الدوق (7 ديسمبر)، وهرول باخ بأسرته إلى كوتن. ولما كان‬
‫األمير ليوبولد كلفنيا ال يوافق على موسيقى الكنيسة، فقد كانت وظيفة باخ أن يدير أوركسترا البالط، الذي كان األمير‬
         ‫نفسه يعزف فيه الفيوال دا جامبا (فيوال الساق). وعليه ففي هذه الفترة(2323-17) ألف باخ الكثير من موسيقى‬
            ‫الحجرة، بما فيها السويتات اإلنجليزية والفرنسية. وفي 3723 أرسل إلى كرستيان لودفج حاكم براندنبورج‬
                                                                               ‫الكونشرتات التي تحمل ذلك االسم.‬
    ‫تلك كانت في أكثرها سنوات سعيدة، ألن األمير ليوبولد أحبه، واصطحبه في رحالت شتى، وأظهر في فخر موهبة‬
‫باخ، وظل صديقا له يوم فرق التاريخ بين طريقيهما. ولكن حدث في يوليو 1723 أن ماتت ماريا برباره بعد أن ولدت‬
                                           ‫ا‬
   ‫لباخ سبعة أطفال ظل أربعة منهم على قيد الحياة. وبكاها سبعة عشر شهرً، ثم اتخذ له زوجة ثانية تسمى أنا مجدلينا‬
                                        ‫فولكن، ابنة نافخ بوق في أوركستراه. وكان اآلن في السادسة والثالثين، وهي‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 37773‬




                       ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬
                                   ‫ا‬
   ‫ال تتجاوز العشرين، مع ذلك قامت خير قيام بما ناطها به من واجب-وهو أن تكون أمً وفية ألطفاله. أضف إلى ذلك‬
  ‫أنها كانت تعرف الموسيقى، فساعدته في تلحينه، ونسخت مخطوطاته، وغنت له بصوت وصفه بأنه "سوبرانو شديد‬
‫الصفاء"(74). وقد أنجبت له ثالثة عشر طفال، مات سبعة منهم قبل أن يبلغوا الخامسة. لقد نزلت بتلك األسرة العجيبة‬
                                  ‫ا‬      ‫ا‬
  ‫فواجع كثيرة. وقد أزعجت باخ مشكلة تعليم أطفاله بازياد عددهم. وكان لوثري ً متحمسً، كره الكلفنية الكئيبة التي تعلم‬
      ‫العقيدة الكلفنية. ثم أن أميره المحبوب تزوج(3723) أميرة شابه قللت مطالبها من ليوبولد من اهتمامه بالموسيقى.‬
                                                           ‫ا‬
  ‫ومرة أخرى رأى باخ أن قد آن أوان التغيير. لقد كان روحً قلقة، ولكن القلق صنعه، ولو أنه ظل في كوتن لما سمعنا‬
                                                                                                             ‫به قط.‬
                                              ‫ا‬
 ‫وحدث في يونيو 7723 أن مات يوهان كوناو، بعد أن شغل عشرين عامً وظيفة قائد فرقة الترتيل في مدرسة توماس‬
        ‫بليبزج. وكانت مدرسة خاصة ذات سبعة صفوف وثمانية مدسين، تهتم بتدريس الالتينية والموسيقى والالهوت‬
‫اللوثري. وكان على الطالب والخريجين، بإشراف قائد فرقة الترتيل، أن يقدموا الموسيقى للكنائس المدنية. وكان القائد‬
                                                          ‫خاضعاً لمدير المدرسة والمجلس البلدي الذي يدفع الرواتب.‬
     ‫وطلب المجلس إلى تيليمان أن يشغل الوظيفة الشاغرة، ألنه حبذ األسلوب اإليطالي الذي اتسمت به ألحان تيليمان،‬
‫ولكنه رفض. فعرضها على كريستوفر جراوبنر قائد فرقة المرتلين في دارمشتات، ولكن رئيس جراوبنر أبى أن يحله‬
                                                                        ‫ا‬
       ‫من عقده. وفي 2 فبراير تقدم باخ للمجس طالبً الوظيفة، وارتضى شتى االختبارات التي أجريت عليه للتأكد من‬
        ‫كفايته. ولم يشك أحد في مهارته عازفاً لألرغن، ولكن بض أعضاء المجلس رأوا أن أسلوب ألحانه يتسم بروح‬
 ‫محافظة شديدة(14). وكان اقتراح أحدهم رجال متوسط الكفاية(24). واستخدم باخ (77 أبريل 1723) بشرط أن يقوم‬
                                                                                 ‫بتدريس الالتينية فضال عن الموسيقى‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 77773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


           ‫وأن يحيا حياة التواضع والهدوء، وأن يوقع بقبوله العقيدة اللوثرية، وأن يبدي للمجلس"كل االحترام والطاعة‬
      ‫الواجبين" وأال يغادر المدينة قط بغير إذن من العمدة. وفي 11 مايو أسكن هو وأسرته في جناح المدرسة السكني،‬
                                            ‫وبدأ واجباته الرسمية. وظل يشغل هذه الوظيفة الثقيلة األعباء حتى مماته.‬
             ‫وأخذ منذ اآلن يلحن مؤلفاته الموسيقية، فيما عدا القداس بمقام "ب" الصغير، الستخدامها في كنيستي ليبزج‬
    ‫الرئيسيتين - كنيسة القديس توماس وكنيسة القديس نيقوال. وكانت خدمات الكنيسة يوم األحد تبدأ في الساعة السابعة‬
                                                                                                          ‫ا‬
              ‫صباحً بمقدمة على األرغن، ثم يرتل القسيس الصالة االفتتاحية، وترتل فرقة المرتلين كيريا (مطلع صالة‬
                                                   ‫ا‬
        ‫كيرياليسون-أي يا رب ارحمنا)، ويرتل القسيس والفرقة - وأحيانً المصلون- ترتيلة "جلوريا" (أي المجد هلل في‬
‫األعالي) باأللمانية، ثم يرتل المصلون ترتيله. ويرتل القسيس اإلنجيل وقانون اإليمان، ويعزف عازف األرغن مقدمة،‬
   ‫وترتل الفرقة كنتاتا، والمصلون ترتيلة "نؤمن كلنا بإله واحد"، ويلي ذلك عظة للقسيس تمتد ساعة، يعقبها الصالة ثم‬
  ‫البركة. وبعد ذلك يأتي تناول القربان المقدس، ثم ترنيمة أخرى. وتنهي هذه الخدمة في الساعة العاشرة شتاء والحادية‬
                                                                                                     ‫ا‬
‫عشرة صيفً. وفي الحادية عشرة يتناول الطالب والمدرسون الغداء في المدرسة. وفي الواحدة والربع بعد الظهر تعود‬
                 ‫الفرقة إلى الكنيسة لصالة المساء، ومزيد من الصلوات، والترانيم، والعظة، وتسبحة "تعظم نفسي الرب‬
    ‫‪ "Magnificat‬في صيغتها األلمانية. وفي الجمعة الكبيرة ترتل الفرقة لحن اآلم المسيح. ولكي يؤدى باخ الموسيقى‬
 ‫لهذه الخدمات كلها درب فرقتين، كل منهما من نحو اثنى عشر عضواً، وأوركسترا يعزف على نحو ثماني عشرة آلة.‬
                                                                                     ‫ا‬
                      ‫وكان المغنون المنفردون جزءً من الفرقة، يرتلون معها قبل ألحانهم ومقاطعهم الملحونة وبعدها.‬
                                             ‫ا‬
‫ولقاء هذه الخدمات المعقدة التي أداها باخ في ليبزج كان يتقاضى راتبً في المتوسط سبعمائة طالر في السنة، يدخل فيه‬
                          ‫نصيبه من صروفات التالميذ المدرسية، وأتعابه نظير تقديم الموسيقى في األفراح والمآتم.‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 17773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


   ‫وكانت سنة 9723، التي جاءت ب" لحن آالم المسيح كما رواها القديس متي"، في حساب باخ سنة سيئة، ألن الجو‬
  ‫اعتدل جدا حتى عز الموتى(14). وكان بين الحين والحين يكسب بعض المال اإلضافي من قيادة الحفالت الموسيقية‬ ‫ً‬
      ‫العامة للجماعة الموسيقية. وحاول أن يزيد من دخله بالمطالبة باإلشراف على الموسيقى في كنيسة القديس بولس‬
  ‫الملحقة بجامعة ليبزج، وعارضه بعض منافسيه عليها، فظل سنتين في خالف مع السلطات الجامعية وانتهى إلى حل‬
                                                                          ‫وسط غير مرض لكل األطراف المعنية.‬
 ‫ثم خاض معركة طويلة أخرى مع المجلس البلدي الذي يختار الطلبة لمدرسة توماس، ذلك أن أعضاء المجلس نزعوا‬
                                                                                         ‫ا‬
        ‫إلى أن يرسلوا له طالبً اختيروا بفضل نفوذ سياسي الكفاية موسيقية فيهم، فلم يستطيع باخ أن يصنع من هؤالء‬
              ‫ا‬       ‫ا‬
    ‫الوافدين الجدد مرتلين ال للسوبراو وال للمجهز، وفي 17 أغسطس 1123 أودع المجلس احتجاجً رسميً، وكان رد‬
       ‫المجلس أن رماه بأنه معلم غير كفء وضابط للنظام ضعيف، وبأنه كان يفقد أعصابه وهو يوبخ التالميذ، وبأن‬
 ‫الفوضى تستشري في فرق الترتيل وفي مدرة .(94) وكتب باخ إلى صديق بلوينبرج يطلب إليه أن يساعده في العثور‬
 ‫على وظيفة أخرى. فلما لم يفتح في وجهه باب التمس(27 يوليو 1123) من أوغسطس الثالث، ملك بولندة الجديد، أن‬
                                                                                    ‫ا‬
‫يعطيه في بالطه منصباً ولقبً يحميانه مما يلقاه من "إهانات ال يستحقها" وأبطأ أوغسطس في االستجابة ثالث سنوات،‬
‫وأخيرً (93 نوفمبر 1113) خلع على باخ لقب "ملحن البالط الملكي". وكان المدير الجديد لمدرسة توماس خالل ذلك‬    ‫ا‬
                                        ‫ا‬
   ‫ينازع باخ حقه في تعيين عرفاء لفرقة وتأديبهم وجلدهم. وطال النزاع شهورً، وطرد باخ مرتين العريف الذي عينه‬
                                                                              ‫ا‬
                                                       ‫إرنستي من منصبه األرغن، وأخيرً ثبت الملك سلطة باخ.‬
                                                                                               ‫ا‬
 ‫لم تكن حياته قائدً للمرتلين في ليبزج إذن بالحياة السعيدة. فلقد سكب روحه وطاقته في ألحانه وفي أدائها، فلم يبق بعد‬
                          ‫ً‬
     ‫ذلك شئ كثير لممارسة التربية أو الدبلوماسية. وقد وجد بعض العزاء في صيته الذائع ملحنا وعازف أرغن. وقبل‬
                                             ‫ا‬
     ‫الدعوات للعزف في فيمار، وكاسل، وناومبورج، ودرسدن، ونقد أجرً على هذه الحفالت العارضة وعلى اختباره‬
                                                                                           ‫لألراغن. وفي 1423‬




                                                                                          ‫صفحة رقم : 47773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬
 ‫عين ابنة كارل فليب ايمانويل صناجاً في أوركسترا كنيسة فردريك األكبر. وفي 3423 زار باخ برلين، وفي 2423‬
                                                      ‫ا‬
 ‫دعاه فردريك للحضور وتجربة البيانات التي اشتراها مؤخرً من جوتفريد زلبرمان. وأدهشت الملك ارتجاالت "باخ‬
  ‫العجوز"، وتحداه أن يرتجل فوجه في ستة أقسام، فأبهجته استجابة باخ. ولما عاد باخ إلى ليبزج لحن ثالثية الفلوت،‬
          ‫ً‬                                                        ‫ا‬
 ‫والكمان، والبيان القيثاري، وأرسلها هي وقطعً أخرى "هدية موسيقية" للملك عازف الفلوت، بوصفه "ملكا هو محط‬
   ‫اإلعجاب في الموسيقى كما في جميع فنون الحرب والسالم األخرى"(17). وفيما خال هذه الفواصل المثيرة، كرس‬
                                                                           ‫ا‬
       ‫باخ نفسه بإخالص مضن لواجباته قائدً للمرتلين، ولحبه لزوجته وأبنائه، وللتعبير عن فنه وروحه في أعماله.‬


                                                                                                 ‫ب- مؤلفاته الموسيقية‬




                                                                                                             ‫(أ)-اآللية‬


       ‫كيف نعتذر الجترائنا على هذا العرض لضخامة إنتاج باخ وتنوعه دون أن تتوفر لنا كفاية المحترفين للقيام بهذه‬
                                                                                    ‫ً‬
                            ‫المهمة؟ ليس في وسعنا أن نفعل شيئا هنا، اللهم إال أن نقدم للقراء قائمة تجملها المحبة لباخ.‬
  ‫فلنبدأ إذن بمؤلفاته لألرغن، فاألرغن ظل غرامه المقيم، لم يضارعه فيه أحد غير هاندل الذي فقد وراء البحار. كان‬
     ‫ا‬
   ‫باخ يحب أحياناً أن يفك كل ضوابطه لمجرد اختبار رئاته وجس قوته. وكان يلهو به لهوه بآلة دانت لسيطرته تمامً،‬
                                                              ‫ا‬
        ‫وخضعت لكل شطحاته. ولكنه في استبداده هذا وضع حدً ألهواء العازفين بتحديده األوتار التي يجب استعمالها‬
    ‫بعالمات الجهير (الباص) المدونة، وذلك بأرقام في أسفلها، وهذا هو الجهير "المرقم" أو الكامل الذي يعين السلسلة‬
                            ‫المتصلة التي ينبغي أن يصاحب بها األرغن أو البيان القيثاري اآلالت األخرى أو الصوت.‬
  ‫ا‬                                               ‫ا‬
 ‫وخالل مقام باخ في فيمار أعد البنه األكبر ولغيره من الطالب "كتيبً لألرغن" من خمسة وأربعين استهالال كوراليً،‬
                                                                                           ‫وأهداه إلى "اإلله العلي وحده‬




                                                                                               ‫صفحة رقم : 77773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


        ‫تمجيداً له، وإلى جارى لكي يعلم به نفسه". وكانت وظيفة االستهالل الكورالي أن يكون مقدمة باآلالت لترنيمة‬
     ‫جماعية، ليرسم موضوعها ويحدد طابعها. ورتبت هذه االستهالالت لتؤلف متتاليات مالئمة لعيد الميالد، وأسبوع‬
      ‫اآلالم، وعيد القيامة، وظلت وقائع السنة الكنيسية هذه إلى النهاية"‪( "Alle Menschen mussen sterben‬كل‬
‫البشر مصيرهم الموت)، تلتقي بموضوع من موضوعات باخ التي يعود إليها المرة بعد المرة، ويخفف منه على الدوام‬
                                                          ‫ا‬
    ‫عزمه على مواجهة الموت باإليمان بقيامة المسيح بشيرً بقيامتنا. وسنسمع هذه النغمة ذاتها بعد سنوات في لكورال‬
   ‫الحزين"‪( "Komm, susser tod‬تعال أيها الموت الحلو). ويرافق هذه التقوى الغامرة في هذه االستهالالت، وفي‬
   ‫ألحان باخ اآللية بوجه عام، مرح صحي، فتراه يطفر أحياناً فوق المفاتيح في فرحة تنويعات تذكرنا بشكاوى مجلس‬
                                                                                            ‫كنيسة أرنشتات منه.‬
‫وبلغت جملة ما خلفه باخ من المقدمات الكورالية 143، يعدها دارسو الموسيقى أول أعماله وأكملها منم الناحية التقنية.‬
  ‫فهي قصائده الغنائية كما أن القداسات وألحان اآلالم مالحمه. وقد طوف بسلم األشكال الموسيقية كلها، ولم يسقط منه‬
                                         ‫ا‬
 ‫غير األوبرا ألنها غريبة على وظيفته ومزاجه، ومفهومه عن الموسيقى قربانً هلل قبل كل شئ. ولكي يفسح لفنه مجاال‬
   ‫أرحب أضاف فوجة للمقدمة، فجعل فكرة الجهير تتابع نفس الفكرة الرئيسية في الندى، أو العكس، في لعبة متشابكة‬
    ‫أبهجت نفسه الولوعة بالطباق الموسيقى. فترى لحن المقدمة والفوجة بمقام ‪ E‬الصغير يبدأ ببساطة مغرية، ثم يحلق‬
‫في أجواء معقدة من الغنى والقوة تكاد تلقى الرعب في أذن السامع. أما لحن المقدمة والفوجة بمقام ‪ D‬الصغير فهو باخ‬
                                                                        ‫ا‬                      ‫ا‬
    ‫على أروعه بناءً، وصنعة فنية، وتطويرً للفكرة الرئيسية، وخصوبة تصورية، وقوة عارمة. وربما كان أروع من‬
 ‫هذا إلباسا كاليا والفوجة بمقام ‪ C‬الصغير. وقد أطلق األسبان اسم ‪ Pasacalle‬على اللحن الذي يعزفه موسيقى "عابر‬
                                                                               ‫ا‬
      ‫بالطريق"؛ وأصبح في إيطاليا لونً من الرقص، أما في باخ فهو فيض جليل من النغم، يجمع بين البساطة والتأمل‬
                                                                                                        ‫والعمق.‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 17773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                                         ‫ا‬
      ‫وألف باخ لألرغن أو موترة المفاتيح اثنتي عشرة توكاتات ‪ tocattas‬أي قطعً تستطيع أن تمرن "لمس" العازف.‬
        ‫وكانت تحتوي على ضربات سريعة على لوحة المفاتيح ونغمات عالية جريئة، وأخرى خافتة رقيقة، وفوجه من‬
       ‫النغمات يدوس بعضها أعقاب بعض في دعابة وعبث. وقد ظفرت التوكاتا والفوجه في مقام ‪ D‬الصغير، في هذه‬
         ‫المجموعة، بأكبر عدد من المستمعين، وبعض، الفضل في هذا راجع أللحان أوكسترالية مكيفة كانت أنسب من‬
 ‫األرغن لألذن العصرية غير الكنسية. ومن بين التوكاتات السبع الموضوعة لموترة المفاتيح أو البيان القيثاري، يتبدى‬
                                                                                                          ‫ا‬
   ‫باخ هنا أيضً في التوكاتا بمقام ‪ C‬الصغير وقد ملك ناحية صنعته في ثقة كاملة - فهي فرحة من مزج األلحان تعقبها‬
                                                                                ‫حركة بطيئة كلها عذوبة صافية مهيبة.‬
  ‫وليس من السهل نحن الذين حرمنا األنامل الماهرة واآلذان المرهفة أن نقدر اللذة التي استشعرها ياخ ومنحها سامعيه‬
    ‫في مؤلفاته التي وضعها لموترة المفاتيح- التي كانت بالنسبة له تعنى البيان القيثاري عادة. فعلينا أوال أن نفهم مبادئ‬
‫البناء التي اتبعها في تطوير بضع نغمات فكرة رئيسية إلى بناء مفصل معقد ولكنه منظم - أشبه بقطعة فنية من الطراز‬
‫ا‬                                                              ‫ا‬
‫العربي في سجادة فارسية أو محراب جامع، تسرح بعيدً عن قاعدتها وكأنها تحررت من كل القيود، ولكنها تفعل دائمً‬
  ‫في منطق يضيف اإلشباع العقلي إلى لذة الشكل الحسية. ثم علينا أن نستعير سحر يدي باخ، ألنه ابتكر في العزف فنً‬
  ‫ا‬
      ‫يتطلب االستخدام الكامل ألصابع اليدين كلها (بما فيها اإلبهام)، في حين قل أن تطلب من سبقوه أكثر من األصابع‬
‫الثالث الوسطى في مؤلفاتهم لموترة المفاتيح. ولقد أحدث ثورة حتى في وضع اليد. فقد نحا العازفون قبله إلى االحتفاظ‬
      ‫بيدهم مبسوطة أثناء ضربهم المفاتيح، ولكن باخ علم تالميذه أن يحنوا اليد حتى تضرب جميع األنامل المفاتيح في‬
                                             ‫نفس المستوى. وبغير هذه الطريقة كان يستحيل ظهور عازف مثل ليست.‬
         ‫وأخيراً، حين اقتبس باخ نظامً اقترحه أندرياس فركمايستر في 3913، طالب بضبط األوتار في اآلالت ضبطً‬
         ‫ا‬                                                                               ‫ا‬
                                                                                                               ‫ا‬
                                                                                            ‫متوسطً متكافاً، بحيث يقسم‬




                                                                                             ‫صفحة رقم : 27773‬
                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


    ‫"الجواب" إلى أثنى عشر نصف نغمة متساوية تماماً، فال يحدث أي تنافر عند االنتقال من مقام إلى مقام. وكان في‬
  ‫حاالت كثيرة يصر على أن يضبط بنفسه البيان القيثاري الذي سيعزف عليه(37). لذلك وضع كتابه "البيان القيثاري‬
   ‫الصحيح الضبط"(الجزء األول، 7723 والجزء الثاني،4423): ثمان وأربعون مقدمة وفوجة- اثنتان لكل مقام كبير‬
                  ‫ا‬
       ‫وصغير - "الستعمال وتمرين شباب الموسيقيين الراغبين في التعليم، ولمن حذقوا هذه الدراسة أيضً على سبيل‬
         ‫ا‬
 ‫التسلية" كما نص عليه العنوان األصلي للكتاب. والقطع ذات أهمية كبرى للموسيقين، ولكن الكثير منها أيضً يستطيع‬
  ‫أن يبعث فينا فرحة باخ أو شعوره المتأمل، وهكذا نرى جونو يقتبس المقدمة بمقام ‪ C‬الكبير، في شكل محور، لتكون‬
                                                                                                   ‫ا‬      ‫ا‬
       ‫لحنً مصاحبً على آلة منفردة (أويلجاتو) للحنه "السالم يا مريم". وقد وجدت بعض النفوس العميقة، مثل ألبرت‬
                                                                      ‫ا‬
                        ‫شفايتسر، في هذه المقدمات والفوجات "عالمً من السالم" وسط ضجيج الصراع البشري(77).‬
     ‫ثم أصدر باخ، الذي لم يكن لخصوبته نهاية، في 3123 الجزء األول من كتابه "كالفيروبونج" (أي تمرينات على‬
   ‫موترة المفاتيح) وقد وصفه بهذه العبارة "تمرينات من مقدمات، وموسيقى للرقصات األلمانية (المائدة) والكورانت،‬
       ‫والسراباند، والجيج، والمنويت، وغيرها من اللطائف، مؤلفة على سبيل الترويح الذهني عن محبي الفن".(17)‬
                     ‫ا‬
             ‫وأضاف إلى هذين الجزأين أجزاء ثالثة في سنوات الحقة، حتى أصبح الكتاب في النهاية متضمنً ألشهر‬
         ‫مؤلفاته:"مبتكرات" و "بارتيتات"، وسنفونية، و"ألحان جولدبرج المحورة" و"الكونشرتو اإليطالي"، وبعض‬
                                 ‫ا‬
‫المقدمات الكورالية الجديدة لألرغن. وذكر المخطوط أنه يقدم"المبتكرات مرشداً أمينً يهدي محبي إلى طريق واضح..‬
 ‫ال الكتساب األفكار الجيدة (المبتكرات) فحسب، بل لوضعها بأنفسهم... والكتساب أسلوب غنائي في العزف، و...ميل‬
     ‫قوي إلى التلحين"(47). وبهذه األمثلة كان في استطاعة الطالب أن يرى كيف يمكن تطوير الفكرة الرئيسية، متى‬
                                                                   ‫ا‬      ‫ا‬
                                       ‫وجدت بالمزج بين األلحان عادة، تطويرً منطقيً لتبلغ خاتمة موحدة. وقد لعب‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 17773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                              ‫ا‬
    ‫باخ بفكراته كأنه حاو مرح، فهو يقذف بها في الهواء، ويقلبها بطناً لظهر، ويقلبها رأسً على عقب، ثم يقيمها على‬
 ‫قدميها سالمة من غير سوء. إن األنغام "والتيمات" لم تكن طعامه وشرابه والهواء الذي يتنفسه فحسب، بل كانت إلى‬
                                                                                            ‫ذلك تسليته وراحته.‬
      ‫وكانت البارتيتات تسليات شبيهة بما ذكرنا. وقد أطلق اإليطاليون لفظ "بارتيتا ‪ Partita‬على اللحن الراقص ذي‬
        ‫األقسام المختلفة. فالبارتيتات بمقام ‪ D‬الصغير و‪ B‬الكبير اتخذت خمسة أشكال راقصة: "األلماند" أو الرقصة‬
‫األلمانية، والكورانت الفرنسية، والسراباند، والمنويت، والجيج. ويظهر هنا تأثير العازفين اإليطاليين، الذي شمل حتى‬
     ‫مصالبة اليدين، التي كانت حيلة محببة لدومنيكو سكارالتى وهذه القطع تبدو لنا اليوم تافهة القيمة، ولكن يجب أن‬
    ‫نتذكر أنها لم تؤلف للبيانو فورت الجبار، بل لموترة المفاتيح الهشة، وفي وسعها-إذا لم نشتط فيما تطلبه منها- أن‬
                                                                                    ‫تمنحنا بهجة فريدة في بابها.‬
                                                                                          ‫ا‬
‫وأعسر من هذه هضمً "ألحان جولدبرج المنوعة". ويوهان تيوفيلوس جولدبرج هذا كان عازف موترة مفاتيح للكونت‬
‫هرمان كايزرلنج، السفير الروسي لدى بالط درسدن. فلما زار الكونت ليبزج اصطحب معه جولدبرج ليهدئ أعصابه‬
                                                                                              ‫ا‬
 ‫بالموسيقى التماسً للنوم. وفي هذه المناسبات تعرف جولدبرج إلى باخ وهو مشوق إلى تعلم طريقته الفنية في العزف‬
          ‫ا‬                                ‫ا‬
‫على لوحة المفاتيح. وأعرب كليزرلنج عن رغبته في أن يؤلف باخ قطعً للموترة من نوع "يدخل عليه شيئً من البهجة‬
                                               ‫ا‬
  ‫في لياليه المؤرقة"(77). وتفضل باخ بتأليف "لحن ذي ثالثين تنويعً" أثبت أنه عالج لألرق. وكافأه كايزرلنج بقدح‬
      ‫ذهني يحوي مائة جنيه من الذهب. ولعله هو الذي حصل لباخ على تعيينه ملحناً لبالط الملك- النخب السكسوني.‬
       ‫على أن فن باخ ال قلبه هو الذي كان في هذه التنويعات. فتراه يهدي الموترة بشعور ولذة أعظم، سبعة توكاتات،‬
  ‫وسوناتات كثيرة، و"ففتازيا وفجه ملونة" بمقام ‪ D‬الصغير، و"كنشرتو إيطالية" حاول فيها بحيوية وروح مذهلتين،‬
                                                          ‫أن ينقل إلى لوحة المفاتيح تأثيرات األوركسترا الصغير.‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 97773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                                                ‫ا‬
        ‫وثمة شكل موسيقي وجد سبيله إلى جميع مؤلفاته األوركسترالية تقريب ً- وهو الفوجه. وقد وفدت كمعظم األشكال‬
‫الموسيقية من إيطاليا، والحقها األلمان في مطاردة مشبوبة طغت على موسيقاهم حتى مجيئ هايدن. وأجرى عليها باخ‬
   ‫تجاربه في "فن الفوجة"، فأخذ فكرة واحدة وبنى منها أربع عشرة فوجة وأربعة اتباعات في متاهة فن مزج األلحان‬
 ‫تبين كل ضرب من التقنية الفوجية. وقد خلف المخطوطة ناقصة عند موته، فنشرها ابنه كارل فليب إيمانويل(7723)‬
      ‫ولم يبع منها غير ثالثين نسخة. وال عجب فعصر البوليفوني (تعدد النغمات)، والفوجة كان في طريقه إلى الزوال‬
                                                 ‫بزوال أعظم أساتذته، وأخذ فن مزج األلحان يخلى السبيل للهارمونى.‬
                               ‫ا‬                                                                     ‫ا‬
         ‫ولم يكن ولوعً بالكمان ولعه باألرغن وموترة المفاتيح. لقد بدأ حياته عازف كمان أحيانً يعزف على الفيوال في‬
               ‫ا‬                                  ‫ا‬
  ‫المجموعات الموسيقية التي يقودها في نفس الوقت، ولكن بما أن أحدً من معاصريه أو أبنائه لم يذكر شيئً عن عزمه‬
                                   ‫ا‬
       ‫على الكمان، فلنا أن نفترض أنه لم يكن يتجلى في تلك اآللة. على أنه ال بد كان قديرً في العزف عليها، ألنه ألف‬
           ‫للكمان وللفيوال موسيقى غاية في الصعوبة، يغلب على الظن أنه كان على استعداد لعزفها بنفسه. وتعرف دنيا‬
  ‫الموسيقى الغربية كلها "الشاسون" التي اختتم بها بارتيتا بمقام ‪ D‬الصغير الكمان المفرد، فهي آية في األسلوب الفني‬
                              ‫ا‬      ‫ا‬                                        ‫ا‬
 ‫ألف كل عازف كمان أن يهفو إليها هدفً أعظم له. وقد يرى فيها بعضنا استعراضً كريهً من الحواية والشعوذة- أشبه‬
  ‫بحصان يعذب قطة على مراحل عديدة. أما عند باخ فقد كانت محاولة جريئة ليحقق على الكمان عمق األرغن وقوته‬
   ‫اليوليفونيين. فلما نقل بوزوني اللحن إلى البيانو، أصبحت اليوليفونية أكثر طبيعية، وكانت النتيجة باهرة. (وعلينا أال‬
                                                             ‫نتعالى على هذه المنقوالت وإال وجب أن ندين باخ ذاته).‬
      ‫فإذا وصلنا إلى مؤلفات باخ التي أعدها ألوركستراه الرقيق، وجدت فيها حتى األذن في المحترفة الكثير مما يشبه‬
 ‫القصائد التي تتغنى للفرح والبهجة. وال بد أن الهدية الموسيقية التي أهداها لفردريك األكبر قد أبهجته بألحانها المتألقة‬
                                                       ‫وهزته بأنغامها المتألقة نصف الشرقية. وقد كتب باخ باإلضافة‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11773‬
                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


     ‫إلى البارتيتات أو المتتابعات في "تمرينات الموترة" خمس عشرة متتابعة لرقصات. وسميت ستة منها بالمتتابعات‬
     ‫اإلنجليزية ألسباب نجهلها اآلن، وستة بالمتتابعات الفرنسية، وهذه التسمية أوضح ألنها نسجت على منوال النماذج‬
                                                                                       ‫ا‬
       ‫الفرنسية واستعملت ألفاظً فرنسية بما فيها كلمة ‪( Suite‬أي المتتابعة) ذاتها. وفي بعضها تطغى مهارة الصنعة،‬
                                                                           ‫ا‬
      ‫فتسمع حتى اآلالت الوترية تبعث أنغامً يغلب عليها النفخ. ومع ذلك فأن أبسط الناس يستطيع أن يحس ذلك لجمال‬
‫المهيب الذي يفيض به لحنه الشهير "أريوزو" أو "لحن لوتر المقام ‪ "G‬الذي يؤلف الحركة الثانية للمتابعة رقم 1. وقد‬
‫نسيت هذه المؤلفات أو كادت بعد موت باخ، حتى عزف مندلسون أجزاء منها لجيته في 1113، وأقنع أوركسترا قاعة‬
                                                                          ‫تجار األجواخ بليبزج ببعثها سنة 1113.‬
   ‫واقتبس باخ شكل الكونشرتو كما مارسه فيفالدى، واستخدمه في شتى أنواع التشكيالت اآللية. والحركة البطيئة بطئً‬
   ‫ا‬
                       ‫ا ا‬
    ‫مهيبً، عند موسيقى ولد بمزاج معتدل البطء، تجعل كنشرتو الكمان بمقام ‪ D‬الصغير مبهجً جدً، كذلك فإن الحركة‬ ‫ا‬
     ‫البطيئة في كنشرتو الكمان رقم 7 بمقام ‪ E‬هي التي تؤثر فينا بعمقها الحزين ورقتها المتألقة. وربما كان أعذب هذه‬
     ‫القطع الموسيقية هو الكونشرتو بمقام ‪ D‬الصغير لكمانين، والنشيط ‪ vivace‬منهما تصوير خالص دون لون، كأنه‬
          ‫شجرة دردار شتوية، ولكن األريث ‪ Largo‬لقطة أثيرية من الجمال الصافي- الجمال المعتمد على ذاته، دون‬
                                                                             ‫"برنامج" أو أي شائبة فكرية تشوبه.‬
       ‫ولكونشرتات براندبنودج تاريخها الخاص. ففي 17 مارس 3723 بعث بها باخ إلى أمير، نسيه الناس إال في هذا‬
                                    ‫األمر، مشفوعة بهذه الرسالة بالفرنسية، التي صاغها كاتبها بأسلوب عصره. قال:‬
                                        ‫إلى صاحب السمو الملكي األمير كرستيان لودفج، حاكم براندنبورج: موالي:‬
                                      ‫ا‬
‫بما أنني تشرفت بالعزف أمام سموكم قبل عامين، والحظت أنكم استشعرتم شيئً من السرور بالموهبة المتواضعة التي‬
        ‫حبتني بها السماء في الموسيقى، وحين انصرفتم سموكم الملكي شرفتموني بأمر لي بأن أبعث إليكم ببعض قطع‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 31773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                                                                                      ‫ً‬
      ‫من تأليفي، فإني اآلن عمال بأوامركم الكريمة أبيح لنفسي أن أقدم لسموكم الملكي إحتراماتي المقرونة بالتواضع‬
                                                                      ‫ال‬
        ‫الشديد، مع الكونشرتات المرافقة... متوس ً إليكم في تواضع أال تحكموا على نقصها بدقة ذلك الذوق الموسيقي‬
‫المرهف الرقيق الذي يعرف الجميع أنكم تملكونه، بل أن تتبينوا في كرم ولطف ذلك االحترام العميق والطاعة الشديدة‬
 ‫المتواضعة اللذين قصدت بهذه القطع أن تشهد عليهما. وفيما عدا ذلك يا موالي، فإنني بكل تواضع أطلب إلى سموكم‬
     ‫الملكي أن تجودوا بمواصلة أفضالكم علي، وبأن تثقوا بأنه ما من شئ أتوق إليه كرغبتي في استخدامي في شئون‬
                                 ‫ا‬
                                 ‫أجدر بكم وبخدمتكم، ألنني يا موالي، بغيرة ال تعدلها غيرة، خادمكم المتواضع جدً‬
                                                                                        ‫جان سبستيان باخ(17).‬
                                   ‫ا‬
     ‫وال علم لنا هل شكر الحاكم لباخ هديته أو أثابه عليها، ولعله فعل، ألنه كان شغوفً بالموسيقى، يحتفظ بأوركسترا‬
    ‫ممتاز. وعند موته (4123) أدرجت الكونشرتات الستة، بخط باخ الشديد العناية والتأنق ضمن 273 كونشرتو في‬
  ‫قائمة جرد وجدها شبيتا في المحفوظات الملكية ببرلين. وفي هذه القائمة قدرت قيمة كل من هذه الكونشرتات بأربعة‬
                                                                                     ‫جروشينات (11.3 دوالر).‬
  ‫وتتبع كونشرات براندبنورج شكل الكونشرتو الكبير اإليطالي-ألحان في عدة حركات، تعزف على مجموعة صغيرة‬
‫من آالت غالية (الكونشرتينو) يصاحبها أوركسترا وترى (الريبينو أو التوني). وقد استعمل هاندل واإليطاليون كمانين‬
                                       ‫ا‬
  ‫وفيولونتشيللو للكونشرتينو، أما باخ فقد نوع هذا بجرأته المعهودة، وقدم كمانً، وأوبوا، وبوقاً، وفلوتاً آالت مقصدرة‬
                                ‫ا‬                                                    ‫ا‬
     ‫في الكونشرتو الثاني، وكمانً وفلوتين في الكونشرتوا الرابع، وموترة مفاتيح، وكمانً، وفلوتاً في الخامس، وطور‬
 ‫البنيان إلى تفاعل معقد بين الكونشرتينو والريبينو في حوار حي - من االنفصال والتعارض، والتداخل، واالتحاد - ال‬
 ‫ا‬
 ‫يفهم فنه ومنطقه ويستمتع بهما غير الراسخين في الموسيقى. أما من عداهم فقد يجدون بعض الفقرات مكررة تكرارً‬
                       ‫ممال، نذكرهم بأوركسترا ريفي يقيس الوقت لرقصة، ولكن حتى نحن نستطيع أن نحس بسحر‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 71773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                                                             ‫ا‬
‫الحوار ورقته، وأن نجد في الحركات البطيئة سالمً مهدئاً أنسب للقلوب المسنة واألرجل المتلكئة مما نجده في دوامة‬
‫الحركات العجالء، ومع ذلك فإن الكونشرتو الثاني يستهل بأعجل (الليجرو) خالب، والرابع يضفي عليه البهجة فلوت‬
                                                                          ‫لعوب، أما الخامس فهو باخ في أوجه.‬


                                                                                                    ‫(ب-) الصوتية‬


                                                                    ‫ا‬
       ‫لم يستطع باخ وهو يلحن للصوت أن يلقي جانبً كل ما طوره من حيل وخفة يد على لوحة المفاتيح، وال الجهود‬
  ‫الجبارة المعذبة التي طالب بها أوركستراه، فقد كتب لألصوات كأنها آالت ال يكاد يكون لحذقها ومداها حدود، وكان‬
    ‫ضنيناً في االستجابة لرغبة المرتل أو المغني في أن يتنفس. ونهج نهج عصره في تمديد المقطع الواحد ليشمل ستة‬
     ‫أنغام ("كيرييـ- يليـ- يـ- يـ- يـ- يـ- ييسون")، ومثل ذلك االستكثار من األنغام لم يعد أسلوب العصر، ولكن بفضل‬
                                          ‫مؤلفاته للصوت حقق باخ شهرته الراهنة بوصفه أعظم ملحن في التاريخ.‬
                                                                ‫ا‬
 ‫وقد حياه إيمانه الوطيد بالعقيدة اللوثرية إلهاماً حارً يعدل أي إلهام وجده باليسترينا في القداس الكاثوليكي. فكتب نحو‬
      ‫أربع وعشرين ترنيمة وست موتيتات وفي االستماع إلى إحدى هذه الست ‪( Singet dem Herrn‬رنمو للرب)‬
‫"شعر موتسارت أول ما شعر بعمق باخ. وكتب لجماهير المصلين ولكورسه كوراالت قوية كانت كفيلة بأن تبهج قلب‬
     ‫لوثر الشبيه بقلبه" :عند أنهار بابل" و "حين تشتد الحاجة"، و"تجملي أيتها النفس المباركة" وقد أثر هذا الكورال‬
                ‫ي‬                                                                 ‫ا‬     ‫ا‬
    ‫األخير في مندلسون تأثيرً عميقً حتى قال لشومان "لو أن الحياة سلبتني الرجاء واإليمان لردهما إل َ هذا الكورال‬
                                                                                                      ‫وحده"(27).‬
‫ولحن باخ ألعياد الميالد، والقيامة، والصعود، أوراتوريات-كانت تراتيل ضخمة للكوارس، أو المرتلين المنفردين، أو‬
 ‫األرغن، أو األوركسترا. وقد رتل أوراتوريو ‪ Weinachts Oratorium‬الميالد، كما يسمى األورتوريو األول، في‬
                                                    ‫كنيسة توماس في ستة أقسام على ستة أيام بين عيد الميالد وعيد‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 11773‬
                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                    ‫ال‬        ‫ا‬         ‫ا‬
     ‫الظهور (الغطاس) 4123-74. وأخذ من أعماله المبكرة نحو سبعة عشر لحنً أو كورسً، مستعم ً حقه فيما يملك،‬
      ‫ونسج منها قصة عن ميالد المسيح استغرقت ساعتين. وكاد بعض ألحانه هذه التي سطا عليها ال ينسجم مع النص‬
                    ‫ا‬
‫الجديد، ولكن كان في استطاعة السامع أن يغفر الكثير من األخطاء في لحن يقدم، في مطلعه تقريبً، الكورس الذي يبدأ‬
                                                                        ‫بهذه الكلمات "كيف ألقاك اللقاء الجدير بك؟".‬
    ‫كانت األوراتوريات في صميمها تجميعات لكنتاتات. وكانت الكنتاتا ذاتها كوراال تتخلله األلحان. ولما كانت الخدمة‬
                                                                                                      ‫ا‬
 ‫اللوثرية كثيرً ما تطلب الكنتاتات، فقد ألف باخ ثالثمائة منها، بقي منها إلى اليوم نحو مائتين. وقد حدت صلتها الوثيقة‬
                                                ‫ا‬
   ‫بالطقوس اللوثرية من عدد المستمعين لها في زماننا هذا، ولكن كثيرً من األلحان التي تضمنتها فيه جمال يسمو على‬
  ‫أي الهوت. وفي فيمار، في سنته السادسة والعشرين (3323) كتب باخ أول كنتاتاته الرائعة"‪ Actus tragieus‬التي‬
 ‫تبكي مأساة الموت ولكنها تفرح برجاء القيامة. وفي 4323-23 خلد تقسيمات السنة الكنسية بطائفة من أروع كنتاتاته:‬
  ‫فاألحد األول من اآلحاد األربعة السابقة للميالد ‪ Advent‬كتب "تعال اآلن، يا مخلص الوثنيين". ولعيد القيامة 7323‬
             ‫كتب "السموات تضحك، واألرض تبتهج" التي استعمل فيها ثالثة أبواق، ونقارية، وثالث أبواب وكمانين،‬
‫وفيولنتشيللوين، وباصونا، وسلسلة أنغام على لوحة المفاتيح لتعين الكورس، وتحمل جمهور المصلين، على أن يهتزوا‬
      ‫طربا بانتصار المسيح؛ وكتب لألحد الرابع من اآلحاد السابقة للميالد في 7323،"القلب والفم والعقل والحياة" مع‬‫ً‬
‫الكورال الجذل المألوف" و"أويلجاتو" األوبرا، "يسوع، يا بهجة أشواق اإلنسان". وكتب لألحد السادس عشر بعد عيد‬
    ‫الثالوث األقدس 7323، "تعالي يا ساعة الموت الحلوة". وفي ليبزج لحن تسبحة أخرى لقيامة المسيح "رقد المسيح‬
  ‫في سجن الموت المظلم". وفي الذكرى المئوية الثانية لـ "إعالن العقيدة األجزبورجي" لحن ترنيمة لوثر التي مطلعها‬
                                                                          ‫"إلهنا حصن حصين" في صورة كنتاتا تعد‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 41773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                                                ‫ا‬     ‫ا‬
                                   ‫الترنيمة في قوتها، ولكن ربما كانت أعنف من أن تكون تعبيرً مناسبً عن اإليمان.‬
        ‫وكان في باخ إحساس صحي بمباهج الدنيا رغم تدينه وصلته الوثيقة بالتقوى بحكم واجباته، وكان في وسعه أن‬
    ‫يضحك، كما يبكي، من كل قلبه. وتسللت عناصر علمانية إلى مؤلفاته الدينية، وقد اكتشف بعض أنغام من أوبرات‬
  ‫عصره في القداس بمقام ‪ B‬الصغير(17). ولم يتردد في أن يغدق موارد فنه على كنتاتات علمانية خالصة، بقي منها‬
  ‫اآلن إحدى وعشرون. فألف "كنتاتا الصيد" و"كنتاتا القهوة"و "كنتاتا الزفاف" وسبع كنتاتات الحتفاالت مدينة. وفي‬
   ‫7723 كتب كنتاتا كاملة بمناسبة عيد ميالد أوجست موللر األستاذ بجامعة ليبزج "أيولوس المغتبط" احتفاال بتحرير‬
 ‫الرياح، وربما بمجاز خبيث. وفي 7423 خلع موسيقاه على "كنتاتا الفالحين الساخرة سخرية كاريكاتورية صريحة،‬
 ‫بما فيها عن رقص القرويين الصاخب وشربهم وغزلهم. وبعد عام 1423 لم تعد الموسيقى الكنسية الغالية في ليبزج،‬
                                                                      ‫ا‬
                                                            ‫وقدمت الحفالت الموسيقية العامة بازدياد ألحانً علمانية..‬
  ‫وقبل ن تدخل الموسيقى الدينية عصر اضمحاللها حلق بها باخ في أجواء لم تبلغها من قبل البالد البروتستنتية. وكان‬
  ‫من مخلفات القداس الكاثوليكي في الخدمة الكنسية اللوثرية ترتيل تسبحة "تعظم نفسي الرب" في عيد زيارة العذراء‬
     ‫(7يوليو). وكان هذا إحياء لزيارة مريم البنة خالتها أليصابات، حين فاهت العذراء كما ورد في إنجيل البشير لوقا‬
 ‫(اإلصحاح األول 14-77) بترنيمة شكرها التي ال شبيه لها: ‪" Magnificat anima meadominam‬تعظم نفسي‬
‫الرب وتبتهج روحي باهلل مخلصي ألنه نظر إلى إتضاع أمته. فهو ذا منذ اآلن جميع األجيال تطوبني." ولحن باخ هذه‬
     ‫السطور وما يليها مرتين، ولعله لحنها في صورتها لخدمة الميالد بليبزج عام 1723. هنا يسمو الدين، والشعر،‬
                                                              ‫والموسيقى كلها إلى نفس الذروة في وحدة رائعة.‬
                                              ‫وبعد ست سنوات بلغ تلك الذرى غير مرة في "ألحان أسبوع اآلالم‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 71773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


                            ‫ا‬
      ‫كما ورد في إنجيل متى". ولقد كان تلحين قصة آالم المسيح وموته القرون الطوال جزءً من الطقس الكاثوليكي.‬
   ‫واقتبس كثير من الملحنين البروتستنت صيغة الكنتاتا لهذا الغرض، واستخدم أثنان منهم قبل باخ إنجيل القديس متى‬
  ‫نصاً لهما(97). وكتب باخ على األقل ثالثة من ألحان اآلالم، متبعاً فيها على التوالي روايات يوحنا (1723)، ومتى‬
   ‫(9723)، ومرقص (3123). ولم يتخلف من اللحن الثالث غير قطع متناثرة. ولحن اآلالم على رواية يوحنا يشوبه‬
    ‫تعاقب غير منطقي للمناظر وخلط بين األحداث، ونزوع تيوتوني إلى الخطب الراعدة، ولكن األجزاء األخيرة منه‬
                       ‫ا‬
‫تخف إلى رقة ورهافة في الشعور، وعمق حزين في التأمل، بلغ غاية ما تبلغه الموسيقى تأثيرً في النفس.. ولحن ‪Es‬‬
 ‫‪( ist vollbracht‬قد أكمل) ترجمة عميقة ألخطر حدث في قصة المسيح، وما من امتحان للملحن أو المصور أعسر‬
                                                                                                        ‫من هذا.‬
‫وفي عصر يوم الجمعة الكبيرة، 73 أبريل 9723، في كنيسة توماس بليبزج، أخرج باخ أعظم ألحانه قاطبة. وقد أتيح‬
                   ‫ا‬
‫له في هذا اللحن "لحن اآلالم على رواية متى، نص ألماني جيد، بنى على رواية متى الكاملة نسبي ً، ورتبة أديب محلي‬
   ‫يدعى كرستيان فردريك هنريكي، الملقب "بيكاندر". ويبدو أن باخ نفسه كتب النص لعدة كوارس وقد ظنها البعض‬
                                                                                                           ‫ا‬
 ‫قطعً ال مبرر له لقصة اإلنجيل، ولكنها كالكورس في المسرحية اليونانية تثري الدراما بالتعقيب والشرح، وإيقاعاتها‬
       ‫ا‬                      ‫ا‬
       ‫الحزينة تعبر عن عواطفنا وتطهرها- وهما وظيفتان للفن االسمي. وإذا كان الكثير جدً من موسيقى باخ إعالنً‬
                                                        ‫ا‬
       ‫للبراعة أو القوة، فإن لحن اآلالم على رواية متى كله تقريبً هو صوت األسى، أو العرفان، أو المحبة-في قرار‬
   ‫الكورال المتكرر، الحزين، الرقيق، وفي رفاهة األلحان، وفي أنغام الفلوت المالزمة ترنم كأنها آتية من عالم آخر،‬
   ‫وفي الضبط الوقور لألدوار المصاحبة التي تلتف حول الكلمات ووسط األحداث كأنها زخارف مذهبة مفضضة في‬
                                                           ‫ا‬
‫كتاب قداس من العصر الوسيط. هنا يفتح لنا باخ أعماقً من الوجدان والمغزى ال تنكشف في مكان آخر إال في الرواية‬
                                                                             ‫األصلية ذاتها، فهذه المأساة مازالت‬




                                                                                        ‫صفحة رقم : 11773‬




                        ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬
                                                           ‫ا‬
 ‫بالنسبة لنا نحن أبناء الحضارة الغربية أشد المآسي تأثيرً في نفوسنا، ألنها ال تقتصر على تمثيل صلب شخص مثالي‬
                                            ‫ا‬
   ‫نبيل بأيدي أخوتنا من بني البشر، بل تجاوز هذا إلى الرمز لصلبه يوميً في العالم المسيحي، ولذلك الموت البطيء،‬
                                                         ‫في كثير منا، موت اإليمان الذي أحبه هذا الشخص إلهاً له.‬
    ‫وكاد باخ أن يوفق في أن يبلغ مرة أخرى، في القداس بمقام ‪ B‬الصغير، ذرى االنفعال والصنعة التي بلغها في لحن‬
     ‫اآلالم المذكور. ولكنه لم يستطيع أن يشعر باالنسجام الكامل مع مغامرته الجديدة كما شعر في لحنه ذاك. فلقد كان‬
                     ‫ا‬
     ‫إنجيل اآلالم أساس العقيدة البروتستنتية ومرتكزها، وكان باخ مستغرقاً في تلك القصيدة استغراقً ال سبيل إلى رده‬
                                                                      ‫ا‬
   ‫عنه. على أن القداس على أي حال كان تطويرً كاثوليكياً، وقانون اإليمان ذاته يعبر عن التزام ال شك فيه بـ "كنيسة‬
     ‫واحدة مقدسة، جامعة (كاثوليكية)‪ ، catholicam‬رسولية". ومع أن الشعائر اللوثرية احتفظت بالكثير من القداس‬
                                                                 ‫ال‬         ‫ا ا‬
 ‫الكاثوليكي، فإن هذا الكثير كان أثرً قلقً تخلص فع ً من لحن "يا حمل اهلل ‪ "Agnus Dei‬قبل باخ. وكان القداس في‬
                         ‫ا‬     ‫ا‬
 ‫عصر باخ وفي الكنائس أيامه يغير قطعة قطعة بالكنتاتات. وبقاياه الالتينية تقصى شيئً فشيئً عن الطقوس. وقد رتلت‬
  ‫ألحاناً اآلالم لباخ باأللمانية، وكان قد درس أربع ترانيم ألمانية بين األبيات الالتينية للحنه "تعظم نفسي الرب". ولكن‬
                                                                                        ‫ا‬      ‫ا‬
 ‫القداس كان التينيً خالصً بحكم التقاليد بحيث كانت أي اقحامات ألمانية فيه تغامر بأن يؤخذ عليها عيب التنافر. وكان‬
‫قد غامر بهذا التحدي بكتابته أربعة قداسات جزئية بمثل هذه المالحق األلمانية، ولم تكن النتيجة مرضية. فدرس بعناية‬
 ‫تلك القداسات الكاثوليكية التي لحنها بالسترينا وغيره من اإليطاليين. وأرحت عالقته ببالط درسدن أنه قد يسر الملك-‬
                           ‫ا‬                                              ‫ا‬       ‫ا‬
     ‫الناخب الكاثوليكي إذا لحن قداسً كاثوليكيً. وحين بعث ألوغسطس الثالث (1123) ملتمسً بطلب وظيفة ولقب في‬
   ‫البالط أرفق معه لحني "كيرياليسون" و "المجد هلل ‪ " Gloria‬أصبحا فيما بعد جزأين من القداس بمقام ‪ B‬الصغير.‬
                                  ‫ا‬
   ‫ويلوح أن الملك لم يهتم بهما. وأداهما باخ في كنائس ليبزج، فاستقبال استقباال طيبً، وواصل هو هذا العمل (1123-‬
                                                         ‫11) فأضاف إليهما أجزاء أخرى، قانون اإليمان ‪،Credo‬‬




                                                                                            ‫صفحة رقم : 21773‬




                         ‫قصة الحضارة -> عصر فولتير -> أوروبا الوسطى -> ألمانية باخ -> يوهان سبستيان باخ‬


   ‫ولحن "قدوس قدوس قدوس ‪ "Sanetus‬ولحن "أوصنا ‪ ،Osanna‬ولحن "مبارك الرب ‪ "Benedictus‬ولحن "يا‬
                                                                                    ‫ا‬
‫حمل اهلل" ولحن "هبنا سالم ً" ‪ .Dona nobis pacem‬فلما اكتمل هذا كله أصبح قداساً في صورته الكاثوليكية. ولعل‬
 ‫باخ قد راوده األمل في أن يأمر أوغسطس الثالث بترتيله في بولندة، ولكن القدر لم يحقق أمنيته، ألنه لم يترتل قط في‬
              ‫كنيسة كاثوليكية. وقد قدمه باخ قطعة قطعة في مناسبات شتى، في كنيسة توماس أو كنيسة نيقوال يليبزج.‬
     ‫واآلن، هل نسوق التحفظات المترددة التي تخالط إعجابنا بهذا القداس الض