Docstoc

novel_abdulhamid_aboud_awdeya

Document Sample
novel_abdulhamid_aboud_awdeya Powered By Docstoc
					                           ‫1‬




     ‫اسم الكتاب: سبعة أودية‬
  ‫ب‬
‫اسم الكاتب: عبد احلميد عّود‬
                ‫النوع: رواية‬
          ‫الرقم: جـ/ 111‬
                    ‫2‬




   ‫الواد األول‬
‫وادي احلرية الصعب‬
     ‫تنبكتو‬
                                                                                                                                         ‫3‬




                                                           ‫ّ‬
                                     ‫العيادة أو مصب النيل والفرات والعاصي‬


  ‫يف البدء كانت إهراء حبوب خيزهنا فيها مالكها سيدي الوايف، مث للت إىل خان للغرباء الذين رمتهم األقدار الغريبة يف‬
‫هذه الدشرة الغريبة، فقبل سنتَني ظهر يف شوارع تنبكتو رجالن أجنبيان : غجري سوري حيمل حقيبة مسسونايت وشاب‬
   ‫عراقي، جاءا من نيامي من طريق هنر النيجر، وانقطعت هبما السبل بعدما تعطل حمرك املركب عند مرفأ "الكابارا 1"،‬
 ‫تعرف إليهما الوايف واندهش حني اكتشف ان صندوق السمسونايت هو عيادة أسنان متحركة، فأثنامها عن اهلبوط إىل‬
                 ‫م‬                                  ‫و‬                              ‫وأج‬                        ‫ْ‬
‫بالد بِنبارا وأقنعهما باإلستقرار َّرمها املخزن اجملاور لدكانه فح ّاله إىل عيادة ثابتة، فيما بعد انض ّ إليهما ساكن ثالث‬
                                                                                        ‫ر ت‬
                                           ‫هو املصري سرحان، مد ّس الَاريخ والدين واللغة العربية يف املدرسة الليبية‬
                                                                                 ‫ي‬
 ‫من بعيد، ال شيء مييزها عن بقّة دكاكني السوق الصغري : ختشيبة ال تتعدى مساحتها العشرين متراً مربعاً، حيطاهنا من‬
                     ‫ك‬      ‫ة‬                                          ‫ش‬
     ‫الطوب األمحر، وسقفها من جذوع ال ّجر وألواح الزنك، عن كثب تبدو ألعيننا يافط ٌ صدئة ُتب عليها خبط يدٍ‬
                                                                      ‫ر‬
      ‫مرتعش "عيادة دكتور عصري، ج ّاح وطبيب أسنان، خْروج جامعة محص، طبيب بيطري ختانة وحجامة وجتبري،‬
             ‫ع‬
‫وشريكه الدختور حامت عبد الصاحب، خريج جامعات بغداد، رقية وحجب ومندل "ومبا أن اليافطة مل ت ُد تتسع ملواهب‬
                                                                                                  ‫أ‬
        ‫أكثر فقد ُضيف على احلائط حتتها :"نعاجل الصرع والبلهارسيا واإلسهال واإلمساك والغنغرينا والسعال الديكي‬
                                                      ‫ب‬
      ‫والفالونزة والعنوسة والعقر ومكر احلماة وعرق النساء وح ّ الشباب والطحال واحلمى املالطية والزائدة الدودية‬
                                                                                                                             ‫د‬
                                                                                                               ‫وال ّودة الشريطية "‬
  ‫إذا ما اقتربنا اكثر نقف أمام مصطبة وعتبة متنع الرمال من الزحف، وبابٍ منجور عن خشب البلبال، إذا ما وجلنا إىل‬
 ‫ل‬                                              ‫ي‬                              ‫للس‬
‫الداخل جند أنفسنا يف وكر َّحرة واحلواة، بني أربع حيطان مزّنة حبذوة حصان، ويد فاطمة والعني الكاشفة يف مث ّث‬
      ‫ل ت‬                          ‫ع ن‬                       ‫ت‬
   ‫وسورة الفلق و"رأس احلكمة خمافة اهلل " و "عني احلسود ُبلى بالعمى"، لو مت ّنا الّظرَ يف الغجري يطالعنا رج ٌ سّيين‬
   ‫جيمع من الشيب وقارَه ومن الشبيبة نزقَها، فيه مالمح هندية على إيرانية على عربية على قفقاسية، فوق رأسه يفاجئنا‬
                                                                                          ‫ي‬
  ‫ملصق يتنافر بفظاظة من ماهّة العيادة الروحانية : مارلني مونرو ممسكةً حبواشي تنورهتا املتطايرة، ولو حانت منا التفاتة‬
                                                                                   ‫ي‬
 ‫إىل العراقي لرأينا شاباً ثالثينّاً، يف وجهه اجملدور أنف معقوف وعينان مكحلتان وكل أمائر القلق واهلم، لو رفعنا بصرنا‬
          ‫ّ‬                                           ‫ل‬
  ‫قليالً لرأينا فوق مكان نومه ملصق سبط الرسول احلسني مع ّقا يف اجلدار، ولو تأملنا املصري نرى شابا ينم وجهه عن‬
     ‫ة‬                                                                             ‫ر‬
‫بشاعة واضحة، إذا تف ّسنا فيه بشكلٍ أعمق تكتشف أنه أقرب إىل بشاعة اجلمال، من زاويته تلفت نظرنا صور ٌ ضخمة‬
                                                                      ‫ر‬
‫للقذايف جلبها من املدرسة الليبية، ولو ح ّكنا أنوفنا فإننا سنشم رائحة غريبة هي خليط خبور كندر وجاوي وتنت مورتاين‬
 ‫ورومثان وجبص وعقاقري بنج ومرهم أبو فأس وبعر ماعز، على األرضية نرى حصرية من ألياف احللفا وطبقاً حناسياً هو‬
         ‫يف الوقت عينه مساط للغداء وطاولة شغل لتحضري االسنان وميدان للتبصري ولعب الشدة، ونرى كذلك حقيبة‬
   ‫السمسونايت ومسجلة وكاسيتات وحجر جلخ وجممراً ومصحفاً ومبخرة وطاسة رعبة وعصاً مطلسمة وثالث أطقم‬
                       ‫ُسج‬
   ‫كوتشينة وقطرميزاً حيوي ثعبانا خملال وكتاب " تعلم السحر يف مخس أيام" وكتب أخرى م َّعة العناوين مثل " حل‬
                                        ‫ت‬
     ‫الرموز لفتح الكنوز" و " أصول املراسم يف فك الطالسم " و "الصارم البّار يف التصدي للسحرة األشرار" و "خري‬


                                                       ‫1 الكابارا مرفا هنري قرب تنبكتو ، / بنبارا هي باماكو وما صاقبها / محص= مدينة سورية /‬
                                                                                                                                             ‫4‬



   ‫املواقيت لرؤية العفاريت " و "تسخري الشياطني يف وصال العاشقني" و "االفصاح يف فنون النكاح" ... نلحظ بإحدى‬
                                                              ‫ُر‬                        ‫ض‬
‫الزوايا شنط ثياب مو ّبة عاموديا وعليها ثالث ف ُشْ إسفنجية حمزومة فوق بعضها ومستورة ببطانية، يف الزاوية األخرى‬
           ‫ر‬                                                                      ‫ي‬                  ‫ت م‬
  ‫اليت ُس ّى "ركن املطبخ" نتبّن بعض األدباش واملواعني وبابور برميوس وقصعة وطنجرة أملنيوم وحمقنا، وج ّة من فخار‬
      ‫حيفظ فيها ماء الشرب، وطشت للغسيل واالغتسال، وقصرية ... نعم قصرية، فعصري غالباً ما تنزرك مبولته ليالً‬
       ‫ر‬
    ‫ويتكاسل عن السري حنو املرحاض العمومي، إذا ما اقتربنا من النملية جند صحوناً وإبريق شاي وكؤوساً، إذا ما ق ّبنا‬
                                                       ‫م‬
‫أعيننا اكثر نكتشف بطحةَ عرقْ خمبئة بعناية، لنئذاك ال خيا ّرنا شك بازدواج شخصية التخشيبة : عيادة هنارا، مخارة ليال‬


                                                     ‫ي‬
                                                   ‫مريض حقيقي يف عيادة مزّفة‬


        ‫ي‬                                           ‫ل‬           ‫د‬               ‫ب‬
       ‫ُمسعت طرقات على الباب، خّأ عصري ورق الش ّة حتت املص ّاة، نزع الربنيطة الغجرية عن رأسه ووضع الطاقّة‬
         ‫و‬                               ‫ه ص‬                                       ‫ب‬                 ‫ر‬
      ‫البيضاء املخ ّمة، حتولت شقلبة حّات السبحة بني أصابعه إىل تسبيح، م ّد الب ّار العراقي حليته وحاجبَيه املق ّسني‬
                                                                                                                ‫جد‬
                                                                                             ‫وتنحنح يف لبوس ِّ الستقبال الزبائن .‬
                              ‫ْ‬                               ‫ص‬                                                 ‫ل‬
                            ‫دخل رج ٌ ملثم حيمل جبرية، ، قال وهو يتحاشى النظر إىل الب ّار : " اتْحَلْ أملعقود1 يا شَيْخ ؟‬
                                 ‫ي‬                                                                              ‫د‬
  ‫س ّد العراقي نظرةً عميقة للزبون، عرف من عينَيه الالمعتَني حتت التملغوست أنه طارق ّ، قال مصطنعا املهابة : " أجَلْ،‬
                                                                                              ‫ت‬
     ‫لين فّاح فال، طلسم شكسنت، طبابت روحاين كردن كل مشكلة لكو إهلا حل بقدرة من القداير ، شسمك عيين ؟‬
                                                             ‫ي‬
 ‫صعر الزبون التارقي خده ككل التوارق حني ُسئلون عن إمسهم : " بوبكر أق عثمان أق عمر أق ساموري أق سين من‬
             ‫س‬
‫زعزاع أق تيمنل أق سدور أق مزالن أق مسري أق مكسليت أق ديقوش أق جاجال أق الغوث، من م ّوفة من صنهاجة‬
                                                                                                                      ‫ب‬          ‫ِي‬
                                                                                                                   ‫حمَْر من ولد تّع …‬
            ‫ج‬                                                                  ‫ج‬        ‫ْ‬
        ‫احتد العراقي : " بَس كايف ح ّي باقر، ضوجتين، ماكو لزوم لشجرة العيلة، أريد إمسك واسم والدتك احل ّية "‬
                                                                                                                      ‫" بوبكر ود عيشه "‬
     ‫و‬                                                              ‫ر‬                            ‫ص‬
    ‫ازاداد غيظ الب ّار العراقي ( من األمساء) تف ّس يف هيئة املريض، رمقه بنظرة تسعى إىل فحص إمكاناته املادية، ن ّس‬
     ‫ب‬                                            ‫وخب‬                    ‫ن‬                ‫و‬
    ‫ضوء الفانوس يف الك ّة وأشعل أعواد الّد والصندل يف اجملمر، َّر أركان العياده، مث تناول عصاه املطلسمة، وترّع‬
 ‫فارداً يديه على فخذَيه، فلمعت يف أصابعه سبع خوامت عليها فصوص من األحجار الكرمية املنسوبة إىل الكواكب السبعة‬
             ‫ن‬                                                       ‫ي ف ر‬                             ‫ر‬
    ‫: العقيق اليماين ال ّامز إىل القمر، احلّة امللت ّة ال ّامزة إىل املشتري، الياقوت األزرق الرامز إىل التوباز، الّسر القابض‬
         ‫ح‬
     ‫على جنمة مخاسية، الشمس والزبرجد، وأخرياً الزمرد وعطارد، حرك يدَيه وأصابعه العشر، وبرقت عيناه املك ّلتان‬
 ‫بوهرة راسبوتينية صارمة، قال متالعباً بأوتاره الصوتية وهو ينظر إىل صورة احلسني : " يا بن بنت رسول اهلل خذ بيدي،‬
                                                                                                     ‫ْ‬
        ‫يا مَدَد على والشافعات، يا قوى اململكة كوين حتت قدمي اليمىن، سبحان من ال ُخيفى عنه شيء يف األرض أو يف‬
                                                           ‫َ‬
           ‫السماء، أحضر يا نصري فنون الشفاء، أيها اجلين الصاحل "وهَبْ " مبوجب العهود السليمانية اليت بيين وبينك "‬




    ‫1 هل تداوي عقم الرجال يا شيخ؟ / التملغوست لثام نيلي يلبسه التوارق / طلسم شكسنت = حيل الطلسم / آكو = يوجد /ماكو = ال يوجد / شسمك = شو امسك ؟‬
                                                                                                                                                        ‫5‬



                        ‫ر‬                                                          ‫ر‬
   ‫ضرب الرمل بالعصا مث ح ّر األشكال، رسم خطوطاً وكتب الفاحتة معكوسة، أضاف بأهبة الع ّاف العامل دون أن يرفع‬
      ‫ن‬                                                                ‫ن‬                              ‫َ‬
     ‫عينيه عن الطلسم : " الرمل إتكول إّو العطب موجود يف أهلك1، معمول هلا سحر ال حتبل وال جتيب، أكو فد جّي‬
                                                                                                                ‫كافر يقتل اجلنني يف األحشاء .‬
               ‫َ‬       ‫ك س‬           ‫م‬                                        ‫ل‬                                ‫د‬
    ‫ش ّ التارقي لثامه على وجهه خشية تس ّل األرواح الشريرة إىل فمه وأنفه : "يستر ُالنا ! ُلْ ل ُوفْ أْلمسْتَترين فْ‬
                                                                                                                                    ‫م‬
                                                                                                                                 ‫عفنة مَنْت ع ّي !‬
                                                                                                 ‫ص‬
      ‫طمأنه الب ّار بقوله أن "مشكلة العقم بسيطة كالزكام ودواها يرهم" وأخرج قلماً أمحرَ، كتب بعض أبيات مهزوزة‬
‫الوزن من اجللجلوتية، وكتب على ورقة أخرى ليات من "سورة اجلن "، حذف منها اآلية 20 ووضع مكاهنا اآلية 121‬
                                        ‫ه‬                                               ‫خب‬
   ‫من "سورة البقرة "، مث ّر الورقتَني باجملمر، طوى إحدامها وقال بصوت الك ّان العميق : " هذا دواك وعند اهلل شفاك‬
                  ‫ر يفض‬                                      ‫د‬               ‫ر‬                             ‫ج‬
‫ح ّي، وأريدك تقرأ الفاحتة سبع م ّات يف اليوم مل ّة سبع أيام، وتسمع سورة البقرة م ّتَني وُ َّل أن تكون بصوت عبد‬
                                  ‫و‬
‫الباسط، تأكل سبع مترات عجوةً على الريق ويستحسن أن تكون من متر املدينة املن ّرة، يف ليلة اجلمعة جتامع أهلَك وهي‬
     ‫مبطوحة على سيفها وبطنها للقبلة فإهنا بالقدرة والقداير حتبل وجييها والد على امليعاد (ناوله الورقة الثانية ) هذا دوا‬
                                         ‫ب‬                                                            ‫ي‬
‫احلجّة، حجاب حصن احلصني ضد أعني العائنني، تشيله حتت سرهتا فإنه يثّت اجلنني يف بطنها، ويكون هلا أمان من مجيع‬
                                                           ‫العكوسات ونشاهلل ينطيك مرادك صيب، ونفرح وياك بطهور احملروس .‬
                       ‫ج‬                                                ‫بي‬                             ‫ف‬
   ‫ح ّ إصبعيْه بوجه الزبون : " هات ِّض فالك، الكشفية الفيزيتا بالعجل، ناوشين بياضك ح ّي، ميتني درهم، وابوك‬
                                                                                                                                          ‫اهلل يرمحه .‬
                                                  ‫خ‬                        ‫ش‬
    ‫نظر التارقي للحجابَني نظرةً يشوهبا ال ّك، فنهره العراقي :" امص ّم انته ما تصدق كالم اهلل ! اهلل الذي وهب الولد‬
                                                                                                                            ‫ر‬
                                                                                                              ‫إلبراهيم وسا ّه بعمر 251 سنة‬
      ‫ك‬                 ‫م‬                                                             ‫ن‬
    ‫ابتسم الزبون فظهر س ٌ ذهيب يف فمه، أخرج من صرة جلدية بصدره ورقة نقدية ونقده، مث ه ّ باالنصراف إىل د ّان‬
                                                 ‫س‬                   ‫ج‬         ‫ص‬
 ‫الوايف املالصقة، فاستوقفه الب ّار : " ح ّي باقر وين رايح، ل ّه عندك محى مالطية بفمك، أال تدري أن كل رجل معاىف‬
                                                                                                                            ‫هو مريض بالكمون !‬
            ‫ي‬
‫التفت إىل شريكه املتظاهر بقراءة القرلن : " دورك دختور عصري، لين أخرجت مشفروش من بطن احلجّة، بس لكو فد‬
                                                                                                                                       ‫ّ‬
                                                                                                        ‫جني مشروخ البِد بني أسنان احلجي .‬
                                                                                                ‫قب‬
‫َّل عصري املصحف مث وضعه جانباً وعبث بأرقام السمسونايت، أخرج كماشة وميربة، طالباً من الزبون أن يزيح‬
                                                                                         ‫د‬
‫الشاشية ويفتح فمه، فش ّ الطارقي اللثام على أنفه وفمه، وصرصر أسنانه قال باستحياء مبالغ فيه: "واله واله مانِ منحيه‬
                                                                                                       ‫ُالنِ فاتح فمي، شَيْن ذَ عند أتارقي2".‬
                                                                                                                                            ‫أ‬
                                                            ‫ب‬                 ‫مت‬
    ‫أصر الغجري :" إذا مل تفتح ّك فإن مشروخ رح يسّبلك فلوزنة وكنكرينا، ولن سوف جييك والد على امليعاد، يعين‬
                                                                                                               ‫ِ‬
                                                                                                   ‫مرتك مل حبلت مْنوب، لَمْ ممْكِنْ جتيب.‬




 ‫1 اهلك = زوجتك / كل آسوف = قبيلة اجلن عند التوارق. / اجلنجلوتية قصيدة شائعة بالعراق تستعمل بالسحر وفك السحر/منت = بنت /ينطيك = يعطيك / يواش يواش‬
                                                                                                                           ‫=على مهلك / ختل = اختبئ‬
                                                            ‫2 واهلل واهلل لن أحنيها ولن أفتح فمي عار عند التارقي ان يظهر فمه // منوب = ابدا/ جتيب = حتبل /‬
                                                                                                                                                             ‫6‬



    ‫ن ل‬                         ‫ي‬                                            ‫د‬       ‫ي‬
‫راوغ التارقي كي ُفلت، س ّ فمه، مث انضبع بنظرات الطبيب، أزاح طرف الشاشّة عن فمه، عاين عصري الس ّ اّذهيب‬
                                                          ‫ل‬                       ‫ك‬              ‫س‬          ‫ل‬
‫وأدخل الك ّابة نكش أ ّه بامليرب، وف ّ القالووز الغارز يف ال ّثة، اقتلعه، أمسكه بني أصبعَيه عاينه بعني خبرية : " يا لطيف‬
                                                                          ‫ز‬                ‫ت‬                                   ‫ن‬
                                                              ‫جّي كافر، عيار أرباوعشرين قرياط، يا سّار يا حفيظ يا ر ّاق يا كرمي .‬
       ‫ن‬
      ‫تثاءب التارقي، هز العراقي رأسه بدهشة مصطنعة : " اعوذ باهلل من سوء منقلبْ، ومن شر غاسق إذا وقب، هاجلّي‬
                                                                                                                         ‫ج‬
                                                                                            ‫خرج من فم احل ّي وكام1 ختل باجلنطة، إلزموه .‬
                                                                        ‫ت‬
   ‫رفس الطبيبان جبرية التاسفرا اململوءة بالّنت، ارتبك الزبون، وتشبث باحلجب والتعاويذ املتدلية من رقبته، نط كأرنبٍ‬
                                          ‫د‬
      ‫مذعور، شهر سيف التاكوبا لصد الروح اخلبيثة، بقفزة واحدة قفز من امل ّ اخلشيب إىل الباب، أزاح الدرباس وخرج‬
                         ‫ت‬
‫تاركا جرابه ونعاله، واندفع كطلقةِ يف اجتاه السوق الصغري . ضحك الطبيبان وتقامسا كيس الّنت، أشعال سيجارتَني، عاين‬
                                                                                                                ‫ل‬             ‫ن‬
                                                                                        ‫عصري س ّ الذهب : " ط ّعت لقميت من تِمْ السبع .‬
                                                                                                                                          ‫ب‬
                                                                                             ‫قّل حامت ورقة املائيت درهم: " استفتاحه مباركه .‬
                                                       ‫مث التفت لشريكه : " هاي ينرادهلا حضرة، عيين أبو ميالد، ال بد من سكرية .‬


                                                               ‫عص‬           ‫م‬
                                                           ‫"أنا اخل ّار للخمرة َ ِرها"‬


      ‫ع‬                                                                          ‫مج‬
    ‫بدا عصري خلف طاولة الشرب ُد ّجاً بالرعونة والطيش واهلمشرية الرفاقية ، أمالَ الربنيطة الغجرية، وفرد ذرا َني‬
                     ‫ب‬
‫مومشتَني بالكحل والسقبان، فظهرت على زنده رمسة الغزالة امللتفتة وصورة زوجته "سفرجلة"، ص ّ لندميه كأساً طافحاً،‬
‫بلع حمتواه دفعةً واحدة وبعطشٍ كربالئي . سأله هل يريد كأساً أخرى فقال العراقي وهو يلف سيجارة من تنباك التارقي‬
                                             ‫ْ‬          ‫الت‬                                ‫َو‬                           ‫ْ‬
                                           ‫: " مَيِنراد هلا سؤال ! أسكب يا مْع َّد، أحسن مخس أشياء بالدنيه ثالثه، ِّنت والعَرَق .‬
         ‫ْ ْ‬                                                                                       ‫ب‬
  ‫ص ّ عصري من البطحة وأضاف ماءً فتحلب املشروب وقال لندميه : " تدلل أبو دالل، عيش شبابك ، فَرفِش ، ساعة‬
                                                                                                                                           ‫و‬
                                                                                                                                      ‫البسط ال تف ّهتا .‬
            ‫بدا حامت من جيل عصري الذي بعمر أبيه، وهو يسترجع ذكريات احلرب واخلدمة العسكرية والرجل الضرورة‬
                                        ‫ي ل‬                    ‫مل‬
     ‫واحلطامات واخلراب وحلبجة، اختلط يف وجهه ا ُنهك إنكسار عراق ّ، بذ ّ الطريد، بآثار تطعيم ضد اجلدري، نفث‬
                                 ‫الدخان ودمدم : " يا شباب ! خرا حبظي، عيشة كالب عايشينها، صرت بشيخوخة الشباب .‬
                            ‫ِس‬          ‫ت‬                                             ‫د ي‬
        ‫زهزه عصري، ش ّ شّال الربوتيل: " حمسوبك مبصوط زماين، صار عمري سّني سنة، ل َّاين بشباب الشيخوخة .‬
                                               ‫خل‬                          ‫د‬
 ‫جرع حامت كأسه دفعةً واحدة، مث م ّها فارغةً : " خلاطر اهلل، ِّ دنشرب على حب النيب العدنان، أيوباه إشكد صاريل‬
                                                                                                                                    ‫ب‬
                                                                                                                               ‫ما شربت، من مَْارح .‬
                                                     ‫َس‬
                                ‫امتعض عصري :" يواش يواش، هذا حليب سباع مو ماي، العرَقْ د ّاسْ، الشرب إلو أصول .‬
                                                                                        ‫ظ‬              ‫ر‬
   ‫امح ّ أنف حامت، وب ّت عيناه ونتأت تفاحة لدمه، برقت عيناه بإشعاع خميف، رمى القدح بعدوانية، خلع حذائه، أفرغ‬
                                                                                             ‫ب‬
                                                               ‫كل نربات التحدي بوجه الغجري: " ص ّ بالقندره وَلكْ أبو العيوره ".‬


                                          ‫و‬
 ‫1 كام تصحيف قام / ختل = اختبئ بالعراقية/ الزموه = امسكوه / التاسفرا كيس حيمله التارقي فيه حوائجه / تِم = فم / مْعَ َّدْ كلمة تودد عراقية وتعين رجل / يواش يواش‬
                                                                                                                             ‫= على مهل ،/ / مبارح = البارحة /‬
                                                                                                                                                 ‫7‬



   ‫ارجتت القنينة بيد الغجري تطلع اليه باستغراب :" شه شه شه ، شوبك أبو الغضب هسترت شو الظاهر اليوم إربعا ،‬
                                                                                                                             ‫جدبتها محصية ؟‬
                                                     ‫قرب العراقي احلذاء وقال بلهجة أشد حزما : " صب لو أنيش ربك .‬
                                                                                     ‫َ‬
 ‫انضبع عصري دلق باحلذاء وزوَر ندميه كأنه يراه ألول مرة : " يا أهل الشقاق والنفاق ، بتزودها بكلشي حىت باملنكر .‬
                                                       ‫ح‬
   ‫لغوص حامت شاربيه جبوف احلذاء شرب حىت لخر نقطة ، أ ّ أحة طويلة ارختى والتفت لصاحبه : "ساحمين بابا تره مو‬
                        ‫قصدي ، بس انته لو تدري بالوجع العراقي، الذات العراقية اجلرحية، اإلنسان العراقي مقهور.‬
       ‫ح‬                                              ‫ب‬
  ‫مثل الغجري ودخل يف هلوسة االنتشاء واملشاركة، ص ّ يف حذائه وحذاء شريكه ، رشفا من احلذائني يف ص ّة محص‬
‫والناصرية وهنرَي الفرات والعاصي والكندرجييه والبوجييه، ضحك عصري حىت بانت أسنانه الذهبية، امتألت عينا حامت‬
                                                                                     ‫د و‬
                                     ‫بأسى عراقي ارتعشت مق ّمة م ّال حزين بني شفتَيه : " يا يوم يا يوم يا يووم ...‬
                                 ‫ب‬      ‫ر‬
 ‫ُمسعت دقَات على الباب فنزع عصري الربنيطة الغجرية ولبس الطاقية املخ ّمة وترّع قرب سجادة الصالة : " يِهْ زبون‬
                                                    ‫و‬            ‫خب‬          ‫ب‬                       ‫ّ‬
                          ‫جترصنا، هات مصحف أوام 1، خّي البطحة، ِّر، وبسرعه د ّر املسجلة على عبد الباسط .‬
                                                             ‫ك‬               ‫ُت‬
‫انتبه حامت إىل النقرات الثالث املَّفق عليها بني س ّان العيادة ففتح الباب، دخل سرحان املصري، وقف هادئا كالنيل، يف‬
               ‫ّر‬
 ‫وجهه كل أكسسوارات املثقف الريفي، الغليون املعقوف والقوة الشاعرة وأعراض داء التفكري والس َحان، تربس حامت‬
                                                                                   ‫حِ‬
 ‫الباب ورائه ابتدره مر ِّباً : " هال مليون هال عدد خنالت العراق، بك حيلو السمر، اجلدر يتركب على ثلث مناصب .‬
                                                                               ‫حرك سرحان خيشومَيه :" أنا شامم رحية وحشة .‬
                                                               ‫ْ‬                  ‫ْ‬
                                               ‫" إي دانشرب على صحة باقر وِد عفنة، زوج عيشة مَنت لكلة األكباد .‬
                                                                                            ‫" اهلل ! وإيه ده البصطار على الطاولة "؟‬
                                                                                                      ‫" هذا جرن املعمودية استاذي ".‬
                                                                           ‫" واحلليب األبيض اللي جواها ! ده دموع العدره "؟‬
                 ‫ْ‬               ‫ي‬
   ‫ضحك عصري وهو يداعب أصابع رجلَيه : " على شوفة عينك إستاز، حضرة قندرّة بيناتنا أنْتيم، اشلح من رجلك‬
                                                                                 ‫ب‬
                                                             ‫وماحلنا بشي قندره (للعراقي ) ص ّ ألخوك سرحانوف كاس .‬
                                             ‫ف‬
                                     ‫" الء وحياتك، بكرة عندي دوام بدري، يعين ما ينفعشي أروح الص ّ سكران .‬
                                                              ‫ِف‬                  ‫ب‬
    ‫قال عصري وهو يشقلب حّات السبحة : "إي ل َّا بأى، إلك تلتني اخلاطر، إذا ربعك سكروا عقلك ما بينفعك، يا‬
                                      ‫ْ‬                          ‫ح َو‬
       ‫ضيعان علمك خايف من كاس ! ش ّو املْع َّد أبدالل ما فات جامعه طِلِع سكرجي من كعب الدست، بالقندره .‬
                                                         ‫كي‬                ‫ب‬
 ‫تناول العراقي كأساً فارغا وص ّ وناوله : " هاك َّف عيين، عرك بالش قاضي يشرب،تاليها موتة وكومة عظام، واهلل‬
                         ‫ي‬
    ‫وداعتك، فاضية ماكو بيها غري كاس وكيس وكس، لخر إنته إلويش كابضها جد ومضّع شبابك بكتب وناموس ؟‬
                                             ‫قال سرحان :" الء والنيب بالش فضايح، متبكتو إنتو عارفينها، بتاعة كالم "‬
                                                               ‫ل‬
 ‫أصر العراقي وهو ميد الكأس " إش علينا منهم خ ّ حيجون، زين لين ما أفتهم اشلون هاي متبكتو جابت ثالمثيه وثالثني‬
                                                                                                   ‫ويل ما يصري بيها تْلَت سكرجيه "!‬
                                                                ‫د‬
‫ورفع عصري صوته من الطرف اآلخر: " ب ّك تشرب غصباً عنك، وحق قبور األجداد لو ما شربت مالك نومة بالعيادة‬
                                                                   ‫س‬
                              ‫(وخفض صوته) سايرين لك إبين، سكرة وال ّالم، ذاتن السكر مجاعنت حسناته أكتر ".‬

                                                                ‫ِف‬
                                 ‫1 الناصرية مدينة يف جنوب العراق / أوام = بسرعة/ ثلث = ثالث ، أنتيم محيمية / إي ل َّا بأى = توددية مبعىن ال تبالغ /‬
                                                                                                                                                     ‫8‬



                                                                                                           ‫ع‬
  ‫ص ّد العراقي هلجته :" مَيصري لو جيي اهلل الزم تشرب، لَعَدْ شلون شاعر عدمي وما تسكر، أشو نفع طاعه مع إحلاد "؟‬
                       ‫ك‬
   ‫نزع املصري الغليون من فمه ووضعه يف جيب القميص، مزمز الكأس األوىل ببطء، وأخذ يف ّر حبجج يلقيها يف وجه‬
                                               ‫ص‬
  ‫مدير املدرسة، فهو يعرف حبكم التجربة أن السهرة ستمتد حىت ال ّباح، وأنه سيحرق دوام اليوم التايل، أفرغ الكأس‬
                     ‫ل‬                                     ‫ر‬
 ‫الثانية يف جوفه كعتاة السكارى، تالشت رصانة املد ّس عن مالحمه وغمغم : " لو كان النيل ك ّه مخر ملا أسكرين، صب‬
                ‫يا معلمني، أنا عاوز أمخر ف موعد الصالة، عاوز أفسق ف ساعة اجلهاد، عاوز أكسر كل حد م احلدود .‬
                                        ‫ل‬         ‫فعت‬                                              ‫ُب‬
 ‫وصَّت له الكأس الثالثة، جرعها بشربة واحدة أطاحت به َّب : " وق ّي عَ لولد اللي شرب تسعة وتسعني كاس وملا‬
                                                                                                                          ‫س‬
                                                                                                                 ‫سألوه قال انا ل ّه عطشان .‬
                                    ‫ز‬
‫ضحك عصري وقال وهو ميأل له الكأس الرابعة : " حيوو على هالصوت، بين ّل الطري من السما، داوودي بالطرب مالو‬
                             ‫متيل، خاصة ملن بيفوت هبالنغم حجاز كار الصبا، وبيطلع من هنيك بقى سيدي على فرح دار .‬
         ‫خ ج‬                                                                                         ‫ّ‬
‫سرح سرحان عينيه بني املصحف وصورة احلسني ويد فاطمة والعني الكاشفة و"سورة الفلق" انفجر يف ز ّة ُمَل جاهزة‬
                                          ‫ه ب‬                                 ‫س‬
  ‫: " إفالس ال مثيل له، منتهى ال ّلبية ، طاعون أخضر، إله بائس ق ّار جّار منتقم، خازوق ممتد من طنجة إىل جعكرته،‬
                                                                            ‫مليار، شي عبيد وشي بترودوالر وشي خاضع لإلستعمار .‬
   ‫ضرب عصري كفاً بكف : "خلص، اشتغل مفعول الفول وحليب السباع، كل إرْبَعا 1وإنتو خبري .... مِنْحَقه سرحان‬
                                                                                                                      ‫بيك إنت إستاز تاريخ "؟‬
   ‫" أستاذ، حقيقة وجماز، أستاذ تاريخ ويف التاريخ أستاذ، أنا، سرحان الكافر احلادي عشر، الروح اليت تنكر كل شيء،‬
                                                                   ‫أللعن أبو شيخ األزهر، ألبزق يف وشه أوالً، وأنتف له دقنه تانياً "‬
                                ‫مل‬
    ‫رأى حامت أن املصري قد أتى وحده على ثالث أرباع البطحه فقال له : " عجبا ُ ّا سرحان، ما داخ راسك، الساعة‬
                                                                                                       ‫بالتناعش، إنته مو عليك دوام باكر ؟‬
  ‫رمى سرحان حقيبة التدريس على ملصق الزعيم اللييب : " طز يف القدايف، اليوم مخر وغداً أمر، إسهروا يا جدعان، ال‬
                                                                            ‫ب‬
 ‫نامت أعني الصاحني، إسكر باسم رّك األعور ( للقنينة) لعن اهلل ديناً يفرق بيين وبينك يا ويسكاية (لعصري ) أسكب‬
    ‫و‬                                 ‫ي‬
   ‫تاين وحببح يبو العم، أغثنا يا أبا الصعاليك، صب من طيبات ما رزقناكم وح ّ على املدام، من األحسن ان تكون أ ّل‬
                                                                            ‫الذاهبني إىل اجلحيم من أن تكون لخر الذاهبني إىل اجلنة .‬
                       ‫ق‬         ‫ج‬                                              ‫د‬
               ‫صفن حامت : " ما دا أص ّق نفسي إشلون صعيدي يصري دينسز يف زمن صارت تتح ّب فيه الرّاصات " !‬
        ‫جاوبه املصري :" أنا خط الوعي، مل أهتافت على خطب العجالة واإلمجاع اليت فرضوها على الغوغاء بل اجتهدت‬
     ‫ط‬
    ‫ألتعرف إىل اخلطب اليت أغمطوها، اهلل هو الفكرة الوحيدة اليت ال أسامح بين البشر على اختراعها، الدين هو احمل ّم‬
                                                                              ‫ص‬
                                                                ‫األخطر إلرادة احلياة وقد ظهر عندما التقى أول ن ّاب بأول أمحق .‬
                                                      ‫ل‬                ‫ي‬     ‫ك‬
     ‫تضايق عصري من التجذيف فنَ ّت ليغّر املوضوع : " ه ّق فهمت ليش الصعيدي الزغري أذكي من الكبري ... ألنو‬
                                                                                                                    ‫ماصار لو كتري صعيدي ".‬
                                                                      ‫ل‬                               ‫ق‬
   ‫ع ّب العراقي : " اكو واحد صعيدي ك ّش غشيم سياسة، راح يشتغل بالسعوديه، يف املطار جاتله صحفية قالتله هلو‬
  ‫هريدي، شدقول يف فهد، قاللها خوش حيوان سريع، امنسك راح بيها مخس سنوات سجن، راح إلسوريا كالوله "هلو‬



   ‫1 بالنسبة للحماصنة االربعاء هو يوم مكرس للجدبة و اجلنون / مِنْحَقه= هل حقا / شلون = كيف / دين سز = بال دين / هّق = اآلن بالسورية / الزغري = الصغري /‬
                                        ‫ل‬
                                                                                                                                                      ‫9‬



‫شدقول يف األسد ؟ قال غري حيوان متوحش، هَمْ أكل بيها مخس سنني، قام رجع مصر كالوله شنو رأيك ىف مبارك ؟ قال‬
                                                                                                                                ‫ر‬
                                                                                                        ‫أنا ح ّمت أجيب سرية أي حيوان ".‬
  ‫ق‬                                                                                 ‫ي‬
‫شخط سرحان بصوته األنف ّ :" قدمية وباخيه، ويكون يف علمك إنو الصعايده طلع منهم أنبغ الشعراء، طه حسني والع ّاد‬
                                                                                         ‫وأمل دنقل واألبنودي والبارودي والطهطاوي .‬
                                                                                 ‫" لكان ليش إنت وحدك طالع محاررر ؟ قاطعه عصري‬
                      ‫هز حامت راسه بإتقان مسرحي : " يا ليت شعري، أستاذي، تسمعنا فد قصيدة من املشعلقات السبع .‬
    ‫وضع سرحان الغليون يف طرف فمه األمين وأمسك جرنه بيسراه أسند، علت وجهه معاناة الشعراء الذين مل يتحققوا‬
                                                                                            ‫ر‬
    ‫بعد، تناول ك ّاس االشعار، فتحه عشوائيا فوقع على قصيدة "االنتحار"، نقل الغليون إىل طرف فمه األيسر وأمسك‬
                                                                                                                                 ‫ت‬
                                                                                                                              ‫جرنه بيمناه، رّل :‬
                         ‫ت‬                                        ‫د‬
  ‫" كلما انتحرنا بوهم الباب، كي نصدق أنه موص ٌ كجدار، نعود فنتذكر بأن مثة أشياء مجيلة ُغري باملغامرة كان علينا‬
‫ان ننجزها قبل ذلك، فينتابنا بعض الندم وحناول ان نتراجع متداركني أمراً يكاد يكون تداركه مستحيال، وحاملا نعود عن‬
                                                                ‫ن‬
                    ‫انتحارنا نكتشف ان أحداً غرينا قد بادر يف تويل ذلك عّا، عندها ال يعود لوجودنا مثل انتحارنا معىن "‬
                                             ‫ل‬
‫وضع عصري يدَيه على فمه وعفط له : " هشع ، يقطش اللي معك وخي ّي اللي معنا، واهلل الشعري والشعريية أحب لبطين‬
                                                                                                                   ‫من شعرك، تلحس طيزي ".‬
 ‫ي‬                                                               ‫ض‬
‫هب حامت يهنئ الشاعر : " أحسنتْ، ال ف ّ فوك، عاشت إيدك، خوش شعر من حبر قفشتا، لين أهنيك، إن أهم ما تتمّز‬
‫به قصيدتك هو إنك تقرأها من اليمني أو من اليسار نفس الشي، تقرأها من األعلى أو من األسفل نفس الشي، ما تقرأها‬
                                                                                                 ‫ن‬
                                                                                            ‫على اإلطالق هَمْ نفس الشي، ولين أهّيك ".‬
                                 ‫ُ َك ي‬               ‫ن‬
       ‫عوجَ عصري الربنيطة وعوج فم بابتسامة ساخرة : " مِنحَقَه إستاز، إّو اإلنسان املس َّفْ ُمارِسْ الغرامَ ِبرَأسِه ؟"‬
                                                                                                                                 ‫" بيقولوا كده ".‬
                                                              ‫د‬
      ‫" وأنا كده شايف، تضرب هبالبوز متل عقال ال ّروز، حاق من وجهي وْال، طاْنطْ، 1حمسوب عالرجال بالغلط، من‬
                                   ‫ل‬                                          ‫ل‬                           ‫َ ن َّ‬
     ‫عمّْولْ صارلك باملدرسة ما ظبطت َّك شي معلمة حلوة ؟ أي عليم باهلل لو أنا حم ّك ألعمل عمايل ما عملها عنتر ".‬
                                                   ‫ل‬                       ‫ي‬
 ‫رمشت عينا املصري بطريقة تفضح غشومّتِه يف أمور النساء ( ك ّ النواقص اليت حياول إخفاءها تطفو أثناء السكر رغماً‬
                                                              ‫ه‬      ‫ج‬
                                                        ‫عنه )طأطأ راسه كتلميذ مل حيفظ درسه ودمدم :" كلهن حم ّبات و ّابيات"‬
                                                                  ‫ّ‬                         ‫ه‬
                                    ‫انربى له حامت: " أشبيهن الو ّابيات ما يشتهني العري، وال املاينوش العنقود يقول حامض "!‬
         ‫د ي‬                                                                         ‫ب‬
  ‫شقلب عصري بسرعة حّات السبحة، منتفضاً يف وصلة ردح طويلة : " شهاداتك بتشهد عليك، اهلل يع ّمين اّاك، أنا‬
      ‫ل‬                         ‫س‬
  ‫بعمرك كنت جد، بقى شو ناقصك ميخ ؟ امشعىن صار عمرك تالتاوتالتني سنه ولِ ّاكْ عازب، ال تزوجت وال خ ّفت !‬
    ‫ل‬                                   ‫ل‬                                                              ‫ط‬
  ‫م ّ حامت كلماته يف وجه الغجري : " كلمن ودوره باحلياة، مو الزم خي ّف والد، يكفي أنه شاعر جاب قصيده، واّلي‬
                                 ‫ش‬                                                                   ‫أل‬
     ‫َّفْ ما مات (للمصري ) ال تزعل أستاذي، تره هذا كاويل جاهل حبياته ما خ ّ مدرسة، وعنده إحساس نقص جتاه‬
                                                                                                                           ‫أصحاب الشهادات."‬
                                                                                                              ‫سأهلما الغجري‬
                                                                            ‫ُّ " دخلك ، إنت وهو شو معكو شهادات ؟‬
                                                                                                                ‫فأجاب املصري‬
                                                                    ‫َّ " ماجستري لداب، باكالوريا زائد اربع سنوات "‬

                                                                               ‫س‬
     ‫1 خمنث/ عمنول = عام او ل = العام املاضي / خوش = جيد / هَمْ = ايضا / ولِ ّاكْ عازب= ما زلت أعزبا / كاويل = غجري بالعراقية / خش = دخل / العري = اإلير‬
                                                                                                                                                  ‫01‬



                                                                                                                          ‫ق‬
                                                    ‫وع ّبَ حامت : " لنه أوقفت دراسيت عند الثانوية ، يعين بكالوريا ناقص اثنني "‬
     ‫شد عصري على خصيتَيه : " مخسة بعيونكو، أنا معي بكاروليا زائد سبعة وعشرين، زيد عليه بيضتني وأربع شهايد،‬
                                             ‫ال‬                                                         ‫د‬
                                     ‫شهادة تطعيم ض ّ اجلدري، شهادة فقر حال، شهادة حمكوم عليه، وشهادة ال إله إ ّ اهلل ".‬
                         ‫ز‬                    ‫بْ ْ‬                    ‫إن‬
 ‫عاد ينظر إىل سرحان بريبة :" املسألة فيها َّ، لتكون عندك ميول يا ُشت ِّ! تره القرقور ال ّغري اللي جابته نعجة سيدي‬
                                                                                                                            ‫الوايف فيه خمايلك ".‬
         ‫جُ ْ‬
    ‫بلع حامت رشفة برية وقال للمصري : " هات هات، إحجيلنا عن مغامراتك بالصعيد، اشلون جنت تضرب ُلق1، ما‬
      ‫تستحي عيين، ولست وحدك . "اجللق"، " اإلستمناء"، "العادة السرية"، " العادة اليومية" أمساء خمتلفة لرياضة قومية‬
                                                                                   ‫واحدة، تره هاي هي قضيتنا املركزية، مو فلسطني ".‬
        ‫ي‬                      ‫ل‬           ‫ّ‬
    ‫تناول عصري حقيبة السمسونايت، عبث بأرقامها فانفتحت، أخرج جملة بورنو، ق ّب صفحاهتا على لقطات مهّجة :‬
                         ‫ق‬
   ‫امرأتان تتساحقان، رجالن وامرأة، امرأتان ورجل، نساء ورجال يف نكاح مجاعي ... تو ّف عند صبية وحيدة تداعب‬
                                                                                               ‫ن‬
    ‫فرجها ، شّق شرابية السبحة : " أحلى كدلوغ سكس، تبارك اهلل أحسن اخلالقني، حلم هرب أمريكاين مال تكساس ".‬
                                           ‫ي‬                                                    ‫ف‬              ‫د‬
  ‫م ّ حامت عنقه وص ّر حلنا بني أسنانه : " ويالخ شنو هاملناظر احملترمة، أُباه ، فد شي منتوف ال شعرة وال صوف، باوِعْ‬
                       ‫باوِعْ عيين، عنرب مبارك يتوهج كالنحاس، نضيف مو وهايب متزمت، اهلل يطعمنه زيارته قولوا :لمني ".‬
                                           ‫ُ ْ‬                                                 ‫ر‬
      ‫ق ّب عصري الصورة من عينَي سرحان : " شوف بِلْ ريقك، ُبخش نظر عَ السريع، إسحب سحبه من كس قحبة،‬
                                                                                                              ‫شَعرة منه بتسوى كل شِعرَك .‬
                                                                                                            ‫د‬
    ‫ح ّق الصعيدي حبيادية فلسفية مث بشهوة، وأرجع رأسه ليتأمله بانورامياً، ابتسم عصري وملعت أسنانه الذهبية بطريقة‬
 ‫توحي أن السباب يف قاموسه نوع من املزاح تناول علبة سجائر "رومثان" واضعاً سيجارةً يف فمه والثانية يف فم املصري،‬
         ‫ّ ي‬                           ‫ب‬                             ‫ي‬                             ‫ف‬
  ‫ل ّ ذراعه حول عنقه يف تضامن أبو ّ : " ساحمين أبو شكيب، قلبٍ ح ّ ما بغض، منشان مصلحتك، بِدي اّاك تكون‬
                                                                                         ‫م‬
    ‫زكريت متل ع ّك عصرييف، تعيش حياتك وبعدين تتفلسف (نكع العراقي ) قوم أبو الغضب إعتزِر من اإلستاز َّك‬
     ‫شن‬
                                                                                          ‫س‬
                                                                    ‫جرحت شعوره، هادا شاعر كتري ح ّاس وبياخد على خاطرو ".‬
                                                                                                  ‫ج‬
 ‫وم ّ عصري من قنينة العرق مباشرة، فاختلطت يف وجهه هبرجة الغجر ودروشة احلماصنة وفنطزية السكارى، طابت له‬
                                               ‫ي ل‬                             ‫ر‬
‫مهشرة الصحبة األبيقورية، س ّع حبات السبحة بني أصابعه (ُستد ّ على مزاجه من وتريهتا : حني تدور منتظمة يكون ال‬
                                                                      ‫ن‬                      ‫ت‬
    ‫مبالياً، حني ُسرع فهو منفعل، وحني يشّك الشرابية فإن خاطراً جنسياً قد خطر يف باله) متترس خلف طاولة الشرب‬
                                                                                         ‫ب‬            ‫ي‬
      ‫كسّد القعده ومدّر طقوسها، رفع القنينة ورفع صوته : " انبسطوا شباب، وحق من مجعنا سوى عهالنعمة، السهرة‬
                                                                                                            ‫ص‬             ‫م‬
                                                                                                      ‫للصبح، أنا اخل ّار للخمرة عَ ِرها ".‬
                                                                              ‫َّ مث خاطب الغجري‬
      ‫َّ : " أحلى عامل أبو ميالد، هات بابه احجيلنا عن مغامراتك العاطفية احبمص ".‬             ‫غمز حامت املصري‬
                                                                 ‫ن‬                     ‫ب‬           ‫َّ‬
  ‫شَنكَ عصري شراّية السبحة، قال بصوت رّان منسجم مع مسنته : " سقاهلل هديك األيام، كنت شب شبابليك، صبايا‬
     ‫َ‬                                                                       ‫ح‬
   ‫مدرسة القلبني األقدسني كانو يتو ّمو على شوفيت، بزماين صاحبت شاديه وفايزة أمحد ومسرية دوفيق ووردة، بَعِجْبكْ‬
                        ‫حل‬                                                                  ‫َه‬           ‫ب‬
‫حَّيبْ حياة س ِّري، يف ليلة واحدة كنت أبلع مخس قناين عرق، أفوت على أربع أبكار، وأ ِّن تالت أغاين ولكل خروفني‬
                                                                                                                       ‫س‬
                                                       ‫(حت ّس خصيَتيه) أال ليت الشباب يعود يوما ألخربه مبا فعل اآلر يب جي ".‬


                                                      ‫شن‬
‫1 ضرب اجللق = االستمناء/ ب ّي = بودي = أريد / زكريت = رجل قوي/ باوع = ألنظر / اعتزِر = اعتذر/ َّك= ألنك / بَشت = شتيمة / القرقور = احلَمَلْ / أر يب جي‬
                                                                                                                          ‫د‬
                                                                                                      ‫= قاذف صواريخ ، القلبني االقدسني مدرسة حبمص /‬
                                                                                                                                                  ‫11‬



         ‫طبطب حامت على كرش عصري : " يا لر يب جي ! قالوجي، إنت أبو كوليسترول ما تقدر تشوف عريك من كرب‬
                                                                                                     ‫كرشك، خربان كلش ما بيك حيل ".‬
                                                           ‫د‬
‫" فشرَ، سِكتِرْ، النيك كاري وصنعيت، حشاة ال ّكر كنت أحرق األخضرين، أنا أبو ميالد اجلضم قبضاي جومرت، عليم‬
                                                                                                                    ‫د‬
                                                                                ‫باهلل كنت ش ّ سيارة امليكب بشَعري من محص حلماة ".‬
                   ‫ت‬        ‫ش‬
   ‫" عجايب ! كنت وحدك تشيل هاألثقال وعشرين مليون سوري ما يقدرون يشيلون ب ّار أبو سّني كيلو عن كرسي،‬
                                                                                 ‫دالغجي، هات إحكيلنا اشلون كنت تطبل باألعراس !‬
                                                                                     ‫ب‬
     ‫احتد الغجري :" ض ّ لسانك أبو حلموس، إخص عليك أدَْبسِزْ مخ ديوس " (التفت حنو املصري ) بريجع مرجوعنا‬
                                                                                                                   ‫م‬
                                                                                                               ‫أبشكيب، وين حطنا اجل ّال؟"‬
                                           ‫" كنت بتحرق األخضرين يعمعتريس ".أجابه املصري وهو يقلب صفحات الكاتالوغ‬
                        ‫ش‬            ‫ُ ْ‬                ‫جت‬                            ‫ل‬
      ‫" لكان، 1حمسوبك زََمة اشكدار، كنت أفرض خاوه ع َ ّار خان الزهراوي، خش هيك على ال ّبَنْدَر حامل ميزان‬
 ‫بكفته صابونة وكفن : زكاتك يا بيك، حرمة مقطوعه عطتك عمرها، عيلة مستورة ... حاصلو لخد ساحتو يقوم يتربع‬
                                                      ‫م‬
  ‫بورقة أم مخسمية بكفة امليزان التانية، بقى سيدي ع ّك عصري عوض ما يطلع طلوع على جّانة باب هود، ينزل نزول‬
                        ‫ب‬
                                                                                                                          ‫لوين ؟ عَ امليماس ...‬
                                                                       ‫ر‬
      ‫أسدل الغجري خصلة شعر فوق جبينه، س ّح وجهه يف تطليعة لبعيد وأكمل : "رزق اهلل عمْن َّل، كنت زنكيل إلعب‬
                       ‫َو‬
                                  ‫ّق‬
            ‫لعب بالبشالك، هاألرض البَعْل من التكية لباب السباع للرسنت إيل مِلك طابو، كنت و ّفْ باجلامع النوري أوِر‬
                                     ‫ك ي‬
 ‫هاجمليديات على أمة ال إله اال اهلل، خلي الشعب احلمصي ياكل، َل َان خّو عصري زادة قشر البصل، شيخ شباب حارة‬
                                                                                                                   ‫ي‬     ‫ي‬          ‫ي‬
                                                                                                   ‫البّاضه، ابن رّس الرّاس، عيلة اكابر .‬
            ‫ز‬
  ‫" يا أكابر ! قشمرجي، أنتم معدان كاولية زط مكدين سرسرية، مهراجا هندي راد يتخلص من شركم ود ّكم لألهوار‬
                                                                                                                                    ‫مع طبولكم .‬
     ‫" كول خرأ وْال كاجو عراقي متعجرف." صرخ عصري مث التفت إىل سرحان ماداً ساقه، مشرياً إىل ندبة بسيطة عند‬
                                                                                                          ‫الركبة :" شايف هاجلرح إستاز "؟‬
‫" يا بوووي ! ده جرح خطري، ربنا ستر!، قول يا أبيض الوجه قول . قال سرحان دون أن يرفع عينَيه عن صور السكس‬
                ‫ف‬                            ‫ل‬        ‫مل‬                                      ‫ي‬
   ‫" اهلل يبّض وجهك ابن أخي، هاد يا سيدي حبرب تشرين ّوين بال ّمة اجلربية، تسلحت بالتفك وص ّ الفشك وفردين‬
                                                                                               ‫ل ل‬
    ‫بَرَبِ ّلو ق ّاب، تقول جبخانة حبايل، وصلت خط النار، ما شوف إال طابور عسكر ألف نفر، افتكرتن والد عرب أتاري‬
                                                       ‫َ د‬
 ‫دمشن، وعينك تشوف عمك عصري ماسك اجلبهة وحْ ُو، اهلل أكرب، طاب املوت يا غجر طاخ طاخ طاخ بووم، احراج‬
                                   ‫ي‬                                                                  ‫ل‬
            ‫ع ّلي بيكذب عملت مدحبه، قتلت اللي قتلت وأسرت اللي أسرت، بالعشرات باملّات، وانقطعت باجلوالن مع‬
   ‫هاليسارى، لك صفينا بال أكل، اخترت يسري بالقرعة شويته وطعميتون، تاين يوم شرحو، يشهد اهلل أسبوع كامل على‬
   ‫إشوي وكول حىت وصلنا القشلة ساملني، يومها املوشريية عطت أمر بترفيعي من أونباشي بشريطتني ليوظباشي بنجمتني،‬
                                                                                   ‫علقتلي نيشان مهايون ورفعتلي املعاش لريتني دهب ".‬


     ‫1 زملة اشكدار = رجل قادر \ خان الزهرواي من اسواق محص ، باب هود مقربة فيها وامليماس مقصف / شبندر = شهبندر = نقيب التجار / / زنكيل = غين / الرياس‬
  ‫=غجر سوريا ريس الرياس رئيسهم / حارة البياضة = حي الغجر حبمص / املعدان = مربو اجلواميس من سكان االهوار / الكاولية =غجر العراق / الكاجو على لسان الغجر‬
‫هم األغيار غري الغجر /و التفك= البندقية/ الفشك = الرصاص / بربللو قالب = مسدس / جبخانه =مستودع الذخرية / دمشن = عدو / قشلة = ثكنة / شرحو = كذلك األمر‬
                                                                                                                                              ‫21‬



                                                                             ‫ن‬
     ‫قهقه العراقي :" بابا حّا نريد نسمع بطوالتك إنتَ مو بطوالت جدودك حبرب عصمنلي ومسكوب، هات احكيلنا‬
                                                                        ‫اشلون كنت تقلع أسنان ذهب من أفواه اجلنود املقتولني "؟‬
                                                                       ‫ح‬
‫" ورصاص اللي خيلع رقبتك، اضْ َك يا فاش كريي، السبع إذا شاب بتضحك عليه الواوية، الكاس ما بينشرب مع مني‬
                                                                                                                                 ‫ما كان .." .‬
  ‫تغري مزاج عصري وتقلص ألبعاده االنسانية، تالشت البهرحة والفخفخة الشطط الفنتازي يف غوران العينني، وغضونٍ‬
    ‫كثيفة على اجلبني، يف صفنة عميقة بالغربة وانكسارات الشيخوخة وعاهة إبنه حوشب وخيانات زوجته، مد يده إىل‬
    ‫ت‬       ‫د‬
  ‫جيب الصداري أخرج ثالث صور مهترئة باألسود واألبيض، يف األوىل حنتور جيره بغل ناتئ الضلوع مه ّل اخلصيَني‬
                                               ‫و‬                                           ‫َّ‬
 ‫على خلفية خربوش النوَرْ، 1يف الثانية أبناؤه يتوسطهم ابنه املع ّق حوشب الذي يغرق رأسه بني منكبَيه، وطفرت دمعته‬
  ‫يف انتفاضة شوق، سحب الصورة الثالثة، زوجته سفرجلة، ختيل ردفيها يتمايالن حتت تنورة مزركشة فاقعة األلوان، مث‬
                                       ‫م‬                                   ‫ق‬                 ‫م‬
  ‫وهي تش ّر عن ذراعيها وتب ّل خبيزة على ضفاف العاصي، مث وهي تش ّر عن فخذيها بسوق الفيصل وختتلي مع أحد‬
      ‫ن‬                                                                           ‫و‬                    ‫ت‬
  ‫الّجار يف املستودع اجل ّاين، اهتز شاربه القوقازي بوخزة زوج خمدوع يف صميم رجولته : " شو بدي استفكر مّك يا‬
                                                                                           ‫َِ‬                ‫ص‬
                                                                                      ‫سفرجله، كل لقمة بغ ّة، فات وقيت خَتْيرتْ ".‬
                                                                  ‫ة ه‬                  ‫ب‬
  ‫ُمسعت من مكّر صوت األورد ُ املم ّدة ألذان الفجر لتيهً من صوب مسجد "سيدي حيىي"، فوضع عصري الكأس من‬
    ‫و‬
‫يده احتراماً، قام مدردخاً وأفرغ مثانته يف الزاوية، مث الحظ أن قصرية البول تبدو أكرب من العادة، وانتبه إىل أنه يب ّل يف‬
                                                                                                                ‫ر‬
                                    ‫ج ّة الشرب، ابتسم وأفرغ مثانته حىت لخر قطرة، مث متدد يف زاويته على فرشة اسفنج ،‬
                                             ‫ت‬
‫ومتدد املصري يف الزاوية االخرى، بعد أن شحنته الصور املهيجة بِتوَّرٍ شبقي مل يعرف كيف يتحرر منه، اندس حتت حلافه‬
   ‫ودس يده حتت السروال وبدأ يتعامل مع "قضية العرب املركزية" بيده اليمىن وعينه على فخذي مارلني، وختيل املمثلة‬
                                                      ‫الشقراء بني يديه وأسرف يف التخيل، مث تراخى وأسبل رموشه وبدأ يشخر‬
                                                                 ‫بقي حامت صاحياً يستفرد مبا تبقى يف قناين اخلمرة يف سكرة سولو.‬




                             ‫ت‬                                                                                                               ‫َّ‬
     ‫1 النوَرْ = احد مسميات الغجر / اخلربوش =حيهم/ العاصي هنر مير قرب محص / سوق الفيصل احد االسواق حبمص / خَتْريِت = هرم ُ / سكرة سولو = سكر منفرد‬
                                                                                                                                            ‫31‬




                                ‫العينان الزبيبتان بني الرصافة واجلسر وهنر النيجر‬


             ‫ز‬
‫أحس حامت بعينني تتلصصان عليه من امللصق املعلق باجلدار ، عينان زبيبتَان تشع منهما قوى غامضة، اهت ّ قدح العرق يف‬
                            ‫خ‬                                             ‫و‬
     ‫يده وحتسس حجاب البازبند يف زنده، تع ّذ من القرائن والتوابع، تال شيئاً من سورة الد ّان اليت تقرأ يف األزمات‬
‫والكوارث، أطفأ الفانوس فتحولت العينان إىل مجرتني شريرتني، إحنرف قليالً لليمني فالحقتاه، إحنرف للجهة األخرى وما‬
              ‫ض‬
   ‫انفكتا حتملقان به، فرك عينيه ولبث صامتا ريثما ينجلي الصبح ... إهنا هي األيقونه، أيقونة الرجل ال ّرورة، فرعون‬
    ‫العراق، ال ينام، درجة انشغاله بالعراق وبه متنعه من إغماض عينَيه، الوجه مليء بالصرامة، بني األنف والذقن شامة،‬
                                                                                             ‫ف‬
     ‫الصفنة احملتقنة تش ّ عن دماء وفرية، يف انقباض العني نوازع خداعه ختلط أجماداً زائفة بعقد حقيقية، ومبا يوحي أن‬
                    ‫ص‬                                        ‫ي‬               ‫ف‬
     ‫اإلسراف يف القتل ليس إال تش ّياً من طفولة شقّة، لقد حفط تفاصيله كنشيدٍ وطين، كان يتل ّص عليه يف شوارع‬
  ‫ل‬                                                                 ‫ر‬
‫الناصرية، رافعاً يده اليمىن على ضفاف الغ ّاف والفرات والساحات العمومية، يف الصف كان ينظر إليه من أيقونة مع ّقة‬
                                        ‫ن‬                                                           ‫ل‬
 ‫فوق ال ّوح ، كان يزور اجلبهة بعد كل معركة، حيملق فيه هو من بني اجملّدين، يومسه بنوط الشجاعة، يطبطب على كتفه‬
 ‫ويقول له بنربة نابليونية: " عسكريتك ل ّه ما خلصت أبو خليل 1" مث يرسم إشارة الثالثة بثالث أصابع، يكمل بصالفة‬
                                                                     ‫س‬
                                                           ‫خل‬                                         ‫ل‬
 ‫ال ّهجة التكريتية: "العراق بيه صبطاعش مليون، ِّ يبقى فيه ثلث ماليني، ميخالف". أي رجل هذا الرجل ! إمرباطور‬
                           ‫ر‬                 ‫ت‬
    ‫روماين أعىت من قياصرة املسقوب وشاهنشاه القاجار، أرخى عينَيه الزبيبَني يف أثره حني ف ّ من اجلبهة إىل كردستان،‬
                                ‫و‬                             ‫د‬                 ‫م‬
 ‫وأرخى له احلبل من أربيل إىل ع ّان حىت نيامي ليش ّه على رقبته يف متبكتو، هل يه ّس له ويؤدي التحية العسكرية ؟ أم‬
     ‫يفر منه ؟ أين يفر منه ؟ جواسيسه كثر ووشائجه القومية قوية مع التمبكتيني، عالقاته الدبلوماسية متينة مع املورتان‬
                                                                              ‫ن‬
     ‫والسودان وكل الدول املصّعة لألسلحة وخصوصاً تلك اليت تدافع عن حقوق اإلنسان، وهي كذلك وطيدة بالعامل‬
                                                                               ‫ن‬       ‫د‬
   ‫السفلي وخصوصاً مع خ ّامه اجلّي وهب، له عينان يف قفاه يبصر هبما إىل الوراء ، عينان ختترقان اجلدران والسجف،‬
 ‫جماهلما البصري ميتد من الرصافة إىل اجلسر إىل هنر النيجر، هل يشهر السكني ويفقأمها ؟ ال يضمن النتائج، كثريون قبله‬
 ‫حاولوا وفشلوا، سيخوزقه ومعه كل محولة عبد الصاحب وعشرية بين ركاب، هل يدير له ظهره ويتظاهر بأنه ال يراه ؟‬
                                             ‫ش‬                             ‫ل‬
    ‫ولكنه موجود على اجلدار املقابل ويف ك ّ اجلدران، يراقبه من العني ال ّاعة من املثلث من سورة الفلق، ينظر إليه من‬
                     ‫م ل‬
    ‫عيون مرلني، وخاصة من ملصق الوجه امللثم، ومن ثقب الباب، ومن دكان الوايف ومن عيون ُصَّي الفجر، العني ال‬
    ‫ي‬
   ‫تقاوم املخرز، وباألحرى أن جيتر خوفَه العصايب ويتصاحل معه ،فهو على دمويته ليس ضاراً هلذا احلد، ويسيء إليه بنّة‬
                                  ‫ل‬                                                               ‫د‬
   ‫حسنة، م ّد خدمته العسكرية إىل سبع سنوات ذوداً عن الوطن، وزج باأللوف املؤّفة من الشباب يف اجلبهة كيْ يتيح‬
      ‫هلم فرصة اإلستشهاد يف سبيل اهلل، مث أنه جاء ضمن إرهاصات زمنه حلسم تناقضات العراق، كرده وعربه، شيعته‬
             ‫ف‬
     ‫وسنته، معدانه ومثقفيه، قسوته تتناسب مع جالفة العراقيني، وجلودهم تنسجم مع كرباجه، األيدي املص ّقة له هي‬
   ‫ي‬
 ‫أيديهم، الوجوه املوشومة على أذرعهم هي وجوهه، يف كل بيت له ضحايا وشركاء وأشباه ومريدون، وهو على سادّته‬
                            ‫ر‬                                                             ‫ج‬         ‫م ق‬
‫رحي ٌ إذا ِيسَ باحل ّاج وزياد بن أبيه، وقد يكون صحيحا زعمه بأنه من ساللة حيدر الك ّار وثالثعشر األئمة املعصومني‬
  ‫! وال يعقل أن تغلط يف حبه كل تلك اجلماهري الغفورة يف أقاليم العروبةٍ كلها ويف أنطاكية وسائر املشرق، الصحافيون‬


                                         ‫1 ابو خليل لقب اجملند العراقي / أربيل مدينة كردية يف مشال العراق / نيامي عاصمة النيجر ، ميخالف = ال يهم‬
                                                                                                                                                     ‫41‬



  ‫املستكتبون بالقطعه يف بريوت ، املتسابقون يف ماراتون القاهرة ، رجال الطرق الصوفيه يف موريتانيه، كلهم يهللون له،‬
‫يبايعون ضرورته لوالية خامسة وهو يف منتصف الوالية الرابعة، املمثلون كذلك مل يسلموا من لوثته، بوسي وجنالء فتحي‬
                                                   ‫ّ د‬                 ‫ت‬                ‫ق‬
    ‫وسوالف ومحدي غيث، يو ّعون له بالدم، وحّى هذا املصري املتش ّق باحلرية الوجودية كان يربد له يف املربد، مث يا‬
                                              ‫ص‬
       ‫لعتمه ذاكرته، كيف نسي، كيف تناسى أنه هو ذاته حامت عبد ال ّاحب، ضحيته طريده وعدوه الطبقي والتارخيي‬
                               ‫نظ‬                                                         ‫ر‬
  ‫والوجداين، اضطر م ّة أن يذب له جنجلوتيه بعيد ميالده يف مسابقة اخلطابة اليت ُ ّمت على مستوى املدارس الثانوية‬
        ‫ص‬                                                             ‫ف‬
    ‫للمحافظات اجلنوبية، صحيح أنه فعلها عن "جَ َيان شَرْ1" أكثر منه عن "قناعة" لكنه فعلها وأدبيات البعثية ال ّفراء‬
                                   ‫املدر‬                        ‫ص‬
‫تشهد عليه، يف يوم 20 نيسان وقف على املن ّة، حتت األيقونه، أمام مجوع َّسني احملشودة ،قال له وبعايل الصوت :‬
                                                                   ‫أ‬
                              ‫ُوبارِكْ بِيهْ بارِكْ بِيهْ َيرَبْنَهْ‬               ‫ُ‬         ‫ع‬
                                                                         ‫أيْ َيرَبْنَه مِنْ ُمرْنَه لِعمْره زِيدْ‬
                             ‫ش‬                  ‫ِ‬      ‫َل‬
                      ‫ي ِّ إمْشارجْنَه أجِلْنَهْ و ُرِبْنَه‬                              ‫ِ ح ِن َ َ‬             ‫َل‬
                                                                                    ‫ي ِّ إمْشارجْنَه ُزَّهْ وفرحْنَه‬
                               ‫ِن‬
                             ‫يل مشارجنه مهومْنَهَ وَأهَّهَ‬                                                ‫َل‬
                                                                           ‫ي ِّ إمْشارجنه كْعودْنَهَ ونومْنَهْ‬
                             ‫َش َ‬         ‫ُ‬
                     ‫جَانْ ريح الفرْسْ ك َّتْ عرْبْنَهْ‬                                  ‫َر‬
                                                                                      ‫واهلل لو انْتَه يا حيدَرْ الك ّارْ‬
                                         ‫ن‬       ‫ِ‬
                        ‫إنْتَه أبونَهْ عشِتْ بُْصْ بيتْنَهْ .....‬                     ‫ص‬           ‫ِ‬
                                                                              ‫إنْتَه ما عشِتْ إْبكَ ِر مجهوري‬
 ‫وقف حامت على رؤوس أصابع رجليه، فشخ فشخةً واحدة من زاوية املنامة إىل زاوية " ركن املطبخ" تناول طاس الرعبة‬
        ‫ت‬                                                  ‫ر‬
      ‫وعبئها ماءا من اجلرة وشرب فوجد طعمها مراً كطعم ال ّصاص الثقيل، نظر إىل صفحة املاء فرأى العينني الزبيبّني‬
            ‫ر‬
‫حتملقان فيه من القاع، انقلب إىل فأر مذعور، دامهه الكابوس عنوة، كمش عصاه املطلسمة واهنال على اجل ّة، سال املاء‬
                                                                                                            ‫ل‬
                                   ‫وب ّل الفرشتني، استيقظ صديقاه ، سأله الغجري عما حدث فتمتم :"العياده مسكونه" .‬
                                                                                 ‫" يووه، معلوم مسكونه ! مو احنا التالته ساكنينها "!‬
                                              ‫َّن‬                            ‫و‬
                  ‫" قصدي ساكنينها اجلان يا مع ّد، اجلان، أبو ضروروة قاعد يِصَّط هالصوب، يندار من ذاك الصوب‬
                                                                                   ‫ن‬
                                                                  ‫وصفن سرحان يف أرجاء العيادة : "هو فني اجلّي الضرورة بتاعك ؟‬
                                                                                                      ‫ر‬
                                                                                      ‫" ذاك هو بامللصق، هرب من اجل ّة، دايباوع بيا .‬
        ‫د‬
‫نظر املصري إىل قناين البرية الفارغة، مث إىل العراقي والصورة " إنت شربت كتري، ضرورة إيه وجين إيه، ده الق ّايف بتاع‬
                                                                                                          ‫ليبيا جبته معايا من املدرسة الليبية.‬
                                                ‫ن‬
 ‫شخط املصري وهو يشري إىل األلقاب الكثرية حتت الصورة : " ده ويل الّعمة، البتاع الكبري، الثائر األممي، أمني القومية‬
   ‫العربية، األخ القائد املفكر واملعلم العقيد أبو منيار، قائد ثورة الفاتح والثورة العربية اإلسالمية العاملية، واضع الكتاب‬
                                                                                 ‫ج‬
  ‫األخضر والنظرية الثالثة، مف ّر عصر اجلماهري، إمام املسلمني، مؤسس اإلحتاد االفريقي، مهندس النهر الصناعي، قائد‬
                                                                                                      ‫النصر والتحدي، فارس الصحراء ...‬
                       ‫غمغم العراقي : " خوب هلگواد أخ الگحبة عامل حاله اهلل، ليش ما يكملهم عالتسعة وتسعني .‬
                        ‫م‬
‫واستعد يف وضعية قتالية، صرصر أسنانه واهنال على امللصق بضربات متالحقة : " أخرج يا ُهني العراق، أخرج يا صانع‬
                                                                                                                                ‫أحزان العراقيني .‬
                  ‫قْ ُ َ‬                                                                               ‫َ‬
  ‫وْلولَ عصري : "هستر دكتور داهش إجته النوبة، الكريزة، دخيلك إستاز إقره عَ راسه ياسني وُلهولْ واجلنجلوتية .‬
                                                                 ‫د ت‬
                                            ‫" بالش جنجلوتيه وبتنجان، الواد سكران، إ ّيله حّة عرق يصحصح على طول .‬

                                                                                                         ‫1 لتوقي شره / اللهجة العراقية حتول الكاف إىل جيم‬
                                                                                                                            ‫51‬



                                                                                             ‫ب‬
‫فتح عصري الشّاك واطمئن برؤية نور الصباح، أقحم شريط عبد الباسط يف املسجلة، رش امللح يف الزوايا، فوق اخلابية‬
     ‫املهشمة وشقوق احليطان وأواين الطبخ وهو يتمتم : " أشتاتاً أشتاتاً، دستور يا ماليكة اهلل ال بتأذونا وال منأذيكم .‬
   ‫اقتلع سرحان بقايا القذايف يف امللصق وجعلكه ورماه يف القمامة، سدد على حامت نظرة شكاكة : " أحتداك، أحتدى أي‬
                                                                                   ‫واحد شايف جن، ده خزعبالت ".‬
      ‫"مو خزعبالت، رد حامت : ماورائيات، تره اجلن يراكم وال ترونه، يتكون من 77 قبيلة وكل قبيلة تتكون من سبع‬
                                                                  ‫ب‬
  ‫أرهاط، خوب هاروت وماروت قبيليت اجلن إّبابل، هذا كالم اهلل مو لعبة بكيفك، خلق اجلان من مارج من نار، خوش‬
                                                                          ‫لَعَدْ إنت ما تصدق سورة الرمحن بالقرلن !‬
                ‫" فبأي لالء ربكما تصدقان، أنا ال أصدق وال أي سورة من القرلن، أنا ال أصدق إال ما أشوفه بعيين "‬
                                                                               ‫مل د‬
‫بدا الذهول على عصري ا ُصَ ّق باألرواح واجلن، تناول من النملية بطحة العرق الفارغ نصفها، هزهز رأسه: " عم قول‬
                      ‫وين عم خيتفوا العرَقات ! لمنت باهلل العياده مسكونة، صارت وكر إلياهم، دستور من خاطرن .‬
                                   ‫ب‬
     ‫ومد حامت قدحه فارغا حنو الغجري : " هاليوم معنويايت موزينه، وداعتك صّللي كاكا عصري، لكو شوية عرق" ؟‬
                                                                                         ‫" طويلة على رقبتك، ماكو ".‬
                                                                                 ‫ب م‬
                                                                            ‫" ليش ماكو لك أبو مزيقه طّال ز ّار "؟‬
                                                                                               ‫ن‬
           ‫" شِّك ما بتعرف أصول الكاس، كل ما تسكر بتسبب لنا مشكل مع اجلماعه إياهم 1دستور من خاطرون "‬
                                  ‫" أنا اللي دفعت حق املشروب ولك كاويل، أساساً إنت ذاتك داتشرب ع حسايب .‬
                                                    ‫" روح تضبضب أبو حلموس، ما بيكفي لويتك بالعيادة بالش ! "‬
                                                       ‫ت‬
     ‫" اشلون لويتين بالش ولك منرود أبو العيوره، لنه أدفع ُلْتْ الكراء، سرحان يدفع الثلث، إنت تدفع الثلث، خرة‬
                                                                                    ‫بربك، العيادة قشمر مال أبوك "!‬
                              ‫ن‬                                                     ‫د‬
  ‫ابتسم عصري :" دخلك ب ّي إسألك قديش تلت التالتة، وإذا ديك سيدي الوايف باض عِّا بالعيادة ملني بتكون البيضة‬
                                                                  ‫ي‬
‫؟(عبس وعوج الربنيطة السوداء) أنا رّس العيادة غصباً عن راسك، مو عاجبك روح شوف لك وكر تاين، بال مطرود .‬
                                                                             ‫ل‬
     ‫" صب عرك لك أبوسوريا لو أب ّغ عنكم سيدي الوايف ، جيب البوطل جيبه، كس إمها بنيت دالل لو تريد تورثين .‬
                                                                                                   ‫ن‬
                   ‫" فّيص، ال عندك بنت تورثك وال عندك شي ينورث، نوري اندبوري، مايف عرق يعين ما يف عرق .‬
     ‫د‬
   ‫" الشغلة بيها كسران رقبة يعين بيها كسران رقبة، صب ولك دليمي مصالوي وصخ . قال العراقي وانتصب مه ّدا‬
                ‫بالعصا املطلسمة، ارتاع عصري فدلق على مضض :" تبلعس سم اهلاري، عراقي خمشخش عَ السكني .‬
    ‫أفرغ حامت حمتوى القدح يف جوفه، مث خطف القنينة من يد الغجري : " لين عراقي وأقلع عني اللي ما يعجبه، العراق‬
               ‫يسيل بعروقي، لين حامت أبودالل، لين دولة بنفسي، وحق اهلل واملصطفى املختار ألسقط سبع حكومات .‬
                                                                                                 ‫ح‬
    ‫تف ّص جيوبه باحثا عن سيجارة جاهزة مث خفض صوته بنربة حسرة : " بس شيفيد لو نام البخت، جنص ماكو، تنت‬
                                                                                                                      ‫مابقايل‬
     ‫استدار حنو الغجري خاطبه باستكانة : " برخصتك كاكا عصري لكو فد شكاره روثنام، نشرهبا وْيَه الكاس غري ".‬
                                                                                         ‫ب‬
             ‫قال الغجري وهو خيّئ العلبة يف جيب الصديري: "ماكو، خسارة فيك الرومسان، تَوتِن من زبل أبو طارق".‬



                                                                           ‫1 ال يسمي اجلن بامسهم توجسا/ بالش = جمانا/ فنيص متبجح‬
                                                                                                                 ‫61‬



                                                                                                     ‫د‬
     ‫م ّ حامت يده خلسةً واختلس من دخان املصري سيجارتني وضع إحدامها خلف أذنه والثانية يف فمه، نظر للمسروق‬
                                                                                          ‫ع‬
  ‫بازدراء: " ش ّار مال هنود وقدود وجوارب مهترئة، إذا إنت مصري من ستالف عام فأنا عراقي من ثناعشر ألف عام،‬
   ‫مج من السيجارة وجرع جرعة مث هب يف صاحبيه معاً: "خوش نكتة، صعيدي ومحصي، وِلكم ما تستحون عَ دمكم،‬
                                                                                      ‫تكتبون عين تقارير للسفاره !‬
                                                   ‫ص‬
            ‫حدجه عصري بنظرة مائلة : " ليش مني حضرتك ! شقفة ب ّار أونطجي طالعة رحيتك ما بتسوى فرنكني "‬
                                                                                                    ‫ل‬
  ‫ع ّق سرحان وهو يعض على الغليون : " الواد أكيد عنده شزوفرينيا، مصاب بعقدة جنون عظمة او بعقدة اضطهاد او‬
                                                                                                    ‫بالعقدتني معا .‬
   ‫" انضب لك أبومصر، حزيب عفلقي بغيض بعثي جبان، عربان كلكم عك عك، عرجبة وصخني، أنعل موتاه داير حبل‬
    ‫شبلي عيسمي وساطع أبوحصريي، هدوله ليش ما جيربون الوحدة مالتهم على فئران املختربات قبل ما جيربوها على‬
  ‫العراقيني، حسافة على ثورة العشرين، يا ثورة أعقبتها ندامة الثوار، كان أحسن إلنا حتكمنا مسز بيل وال حتكمونا إنتو،‬
 ‫سرسريه لصوص موجهنني، حتبون العراق وتكرهون العراقيني، دانعل أبوكم على أبو ضروره مالكم، خل يعجلون شوية‬
                                                                                 ‫هذوله املارينز، خيلصونا من شره .‬
         ‫ظل املصري هادئاً وهو يناكفه : " على حد علمي الطاغية منزلش من السما، لكنما نبت من االرض بني اجلهلة‬
                                                  ‫واملتزلفني، حيكم بأسم اهلل الضرورة، من خملفات القبائل الضرورة !‬
 ‫" انطم أبو مربد، شاعر فاشل تغرف من كل املعالف، يوم متدح يوم تسب حسب الدفع باجلنيه لو بالدوالر، مبصر إنت‬
  ‫من شعراء الرفض إببغداد تصري من شعراء البالط، ويل نعمتكم هو، كان يبقششكم كل شاعر مبية دوالر ،إتفو عليك‬
                                                                                            ‫وعللي اخترع الشعر .‬
                                     ‫َّو‬                                              ‫ي‬
 ‫تأفف عصري : " حاجي عاد خّو، أستر علينا الناس نامية، صوتك أعلى من طبل الن ّر، هبدلتنا، يعين بتريد الوايف يزعبنا‬
                                                                                                      ‫من العياده ؟‬
                                                               ‫أبل‬          ‫س‬
   ‫" أي بلي أريدها من اهلل، لين ه ّع بنفسي رح ِّغ عنكم سيدي الوايف، تريد تسوي خباثة ع َالناصرية ! إحنا أسياد‬
     ‫القصب، احلضارة اللي اخترعت أول ملحمة فلسفيه، لين سومري بابلي لشوري ساساين كردي فيلي ، لنه بلقاري‬
                                         ‫أرميين كرجي عجمي ، كلمن تريد، بس لنه مو عريب، يا عرب !يا طنبورة !‬
  ‫عض سرحان الغليون ليكتم غيظه، متدد السوري على جنبه متكئاً على راحة يده شقلب حبات السبحة، رأى حامت أن‬
                                                             ‫ت‬
    ‫صاحبيه قد سكتا فرفع عينه إىل صورة احلسني، رّل بصوت رخيم يشبه حنيباً مكتوما : " نعل اهلل من قتلك وظلمك‬
         ‫وحال بينك وبني ماء الفرات، أال نعلة اهلل على محص والصعيد ولل سعود وشبيالت والفلسطينيني واجلزائريني‬
‫والتوانسة وأهل العوجة واألنبار والتكارته واملصالوة، تسقط الوحدة العربية، ال للحرية ال لإلشتراكية، أمة عربية فاجرة،‬
                                                                                               ‫ذات رسالة عاهرة "‬
    ‫ثىن إهبامه ومد اصابعه يف وجه الغجري : " أنتم الكاوليه إشجابكم تسكنون مع هاي املعدان احلقرية، ما كان أحسن‬
                                                                                      ‫تبقون هناك باهلند والسند" ؟‬
                                        ‫ل‬                                                 ‫ي‬
  ‫قال عصري : " خّو إحنا الغجر كمالة عدد، ما منتدخل بسياسة، عتبك ع ّي بيعرف لون العلم السوري، احليز األمحر‬
                                                                                                    ‫فوق أو حتت "‬
                                                                                                                                              ‫71‬



‫رمق العراقيُ شريكَه وفكر بالقدر الغريب الذي مجعه به يف النيجر وساقهما إىل متبكتو ونسيهما فيها منذ عامَني وزجره :‬
                    ‫الش‬          ‫ْكي ي‬                    ‫س‬                          ‫ْ َو ي‬
                  ‫" لو اهلل ما مش ّفين اّاك يا أبو سنان، كان لين ه ّه واصل كفرهاغن1، م ّّف وّا العلجيات ُّقر‬
                                                                                       ‫ش‬
‫ضرب رأسه تشو ٌ مباغت فقذف كأسه صارخاً : " بعد ما أسكر وياكم، لو جيي اهلل، ماريد هاي لخر نوبة، زهقت من‬
                                 ‫صخامكم ومن عرق ابو الكلبجة، أريد أشرب ويسكي مع ناس حمترمه بفندق الكوملب .‬
 ‫حتسس ذقنه النابتة، وما بقي يف جيبه من مال، خاطب الغجري بنربة مساملة :" لنا غريق إحسانك، كاكا عصري، لكو‬
                                                                                                     ‫يلتقى جبيبك ألف درهم سلف." ؟‬
 ‫أجابه الغجري هبزةٍ سلبية من رأسه فشال حامت خامتَ التارقي وعرض عليه شرائه فعاجله الغجري : ـ خليه بصوابيعك ،‬
                                                                                                         ‫أصال أنا ما بشتري مال حرام .‬
                       ‫ب‬
    ‫التفت العراقي حنو املصري : " أقول ... عيين أستاذي تقدر تسلف أخوك حامت قرشني، والعّاس أبو راس احلار رح‬
                                                                                                                                   ‫د‬
                                                                                                                 ‫أس ّك ياها حني ميسرة .‬
                                                                                                         ‫د‬
    ‫تر ّد سرحان حبكم جتربته معه ومعرفته بوعوده الكاذبة، لكنه فكر أهنا مناسبة ساحنة للتخلص منه فأخرج من حمفظته‬
                                                                                                                        ‫س‬
                                                                                                            ‫ورقة نقديه ود ّها يف جيبه .‬




               ‫كاكا = أخ‬   ‫كفرهاغن يقصد كوبنهاغن/ مْكّيّف ويّا العلجيات الشُّقر = مسرور مع الشقراوات / عرق ابو الكلبجة= عرق مغشوش /‬   ‫1هسه = اآلن/‬
                                                                                                                                    ‫81‬




                                                         ‫ي‬
                                          ‫سائح مزّف يف فندق حقيقي‬


                        ‫ي‬
    ‫شعر بالرهبة وهو يرى الفندق من الداخل، قطعةً من أوروبا بقلب الصحراء، انتحى مكاناً قصّاً عند املشرب وانبهر‬
    ‫ل‬
   ‫بالسائحات السافرات واألضواء املنخلية الساطعة من السقف واملوسيقى األجنبية، مزمز البرية على مهل وبدأ يتغ ّب‬
                                         ‫ل‬              ‫س‬           ‫ت ف‬
       ‫على عراقيته وخجله، أخرج كيس الّنت ل ّ سيجارة ود ّها يف فمه، حت ّب ريقه كحلق العندليب وهو يرى قناين‬
       ‫ويسكي ونبيذ ومارتيين وروم وكونياك وفودكا وجني تونيك، رفع عينَيه فوق البار فوقع على صورة زجني منتفخ‬
                                                                             ‫س‬
‫الشدقَني ينفخ يف سكسفون، أح ّ بوخزة يف قلبه ( ميقت الصور حيث ختتبئ العينان الزبيبتان ) هبط بصره، تأمل وجهه‬
       ‫ت‬
‫يف املرلة العاكسة رأى أال بأس بشكله (كان أمضى وقتاً طويالً يف العيادة يتأنق، حتمم بليفة قرع، حلق ذقنه مرَني ونتف‬
      ‫س‬        ‫و‬                       ‫خ‬         ‫س‬                         ‫ف‬
     ‫الشعريات الزائدة يف أنفه وأذنَيه وح ّ شاربيه، مث صفف شعره بال ُشوار، وب ّ كثرياً من العطور املز ّرة ) حت ّس‬
     ‫يؤن‬                                                    ‫بزهو‬                      ‫ي‬
 ‫تسرحية شعره، مَّل خدود وجهه الراسبوتيين ًّ وخيالء وقال لنفسه ...خوش شخصية أبو دالل، كل ما ال ُ َّث ال‬
                                                                                                          ‫و‬
  ‫ُيعَ َّل عليه ... انتبه إىل وجود سائحتني ترميان عليه نظراتاً كثيفة، شقراء شكلها بوهيمي، أخرى فارعة متلفعة بساري‬
          ‫و‬
 ‫بلون الزعفران، ظن أهنما تسخران من هندامه النشاز، ارتد طرف عينه الشعورياً إىل قميصه الالكوست املز ّر، رأى أن‬
                                     ‫د‬
 ‫التمساح األخضر يبدو أكرب من العادة ويفتح شدقَيه بشكل مبالغ فيه، ش ّ أطراف سترته إىل صدره حىت أخفاه، رشف‬
    ‫ي‬                                                                      ‫و‬
‫البرية بعصبية، استدار مع الكرسي الد ّار وأعطامها ظهره، مث حملهما يف املرلة تنظران له حبنان مضبوط كما ينظر صّادان‬
‫إىل طريدة، بنظرات اشتهاء ال سخرية، استدار نصف دورة وبادهلما النظرات، ركز بصره على الشقراء وهي مترر إصبع‬
                                                        ‫ل‬
‫أمحر الشفاه على شفتَيها، رأى هلا ردفني كردفَي فرس مدّلة، وعليها رداء كوكو شانيل قصري ال يستر اللحم وإمنا يضفي‬
   ‫ت ت‬
‫عليه غموضا وعبقرية، من نضارهتا حسب أهنا أربعينيه، ومن عروق يدها أهنا مخسينية، لكنه بقرار حاسم قرر أهنا ُشَهى،‬
                    ‫عر‬                                ‫ي‬                  ‫د‬
  ‫شد على أسنانه وعلك ليب ّد اهتياجه، ابتسم لُخفي خجله فابتسمت الشقراء أيضاً، َّض بسمته فضحكت، ضحك‬
                                                                                        ‫ر‬
     ‫فقهقهت، قال يف س ّه ... خوش بداية مشجعه ... نقر خبوامته على زنك املشرب قال للنادل من دون أن ينظر اليه‬
                                                                                                                ‫:"ويسكي بليز "‬
             ‫ن‬
  ‫تساءل ملاذا اختارته، وهو العراقي األصلع من دون السياح ؟ مث أقنع نفسه أن األوروبيات خيترن فحوهل ّ من بني ذوي‬
  ‫العاهات العور والكتعان واملعطوبني، هكذا من أجل ان تأخذ الشهوة أبعاداً غري حسية (حامت خبري يف احلرمي، له جتارب‬
                                 ‫َن‬                 ‫و‬
 ‫عاطفية مع أرامل الشهداء ومع الكاوليات يف كرخانة "الف ّار" 1حيث كان يَتوَّسْ يف كل إجازة عسكرية ) حترك شيء‬
                                                   ‫ج‬
       ‫بني فخذَيه، فتيلة اللحم اليت كانت يف العراق رخوة وزائدة، م ّ نَفَساً عميقا وسرح مع دوائر الدخان وهو يفكر‬
    ‫بتكتيك اهلجوم.... هل يبدأ بطرق باب األحزان فيلعب دور بطل مهزوم ومأزوم ؟ أم يلج قلبَيهما حبديث عن املنفى‬
   ‫والذات العراقية اجلرحية، ويبهرج أيام حمنته الشديدة بقليل من الدموع واألكاذيب ؟ أم يعترف أنه روحاين من أنصار‬
                                    ‫ي‬
   ‫الطب البديل يفتح للبائرات، ويعاجل العنوسة والعقر ومكر احلماة ؟ أم يقول أ ّ شيء يسري على لسانه : سالمات اهلل‬
                                                                                      ‫ي‬
‫بلخري ميه، هاوْ لر ُو، شلونچ ، خوش طقس متبكتو، احلرارة ربيعية بفصل الشتاء، الدشرة هذه أسطورة، أسطورة أجنبت‬



                                                               ‫1 الفوار قرية قرب مدينة الديوانية العراقية تتجمع فيها املومسات الغجريات /‬
                                                                                                                                                      ‫91‬



                                             ‫ن‬
   ‫233 ولياً، كلهم عرب ماكو بينهم زجني واحد، أرجوا أال تكوّن عنصريات مع العرب كما هم العرب مع الزنوج،‬
                                                            ‫مرحباَ بكن على أي حال، أيلزم بوي فرند يا مدام، لين رهن اإلشارة...‬
                               ‫ِِ‬
            ‫امنا ال ينبغي أن ينفرهن فوراً، واألفضل أن يترك مسافة كافية معهن فيقول ... إين هَلْبْ يا مسزْ، أيَم أنْدَر يور‬
       ‫ريكويست، برسم اخلدمة، أيلزم لمنري 1جلولة سياحية يف مسجد "سنكوري" و"جنجربري" ومكتبة "أمحد بابه"، فلو‬
                                                                                                        ‫ر‬
                                                                       ‫خرجنت وحدكن فسوف جي ّصكن صبيان الزنوج تيبابو تيبابو ..‬
 ‫د‬                                                 ‫ل‬             ‫ن‬
‫رأى أنه بالغ يف املراوغة وأطال مطال التخمني، عّت له فكرة أق ّ كلفة من املواجهة املباشرة : طلب من النادل أن يق ّم‬
                                          ‫س‬
    ‫هلما مشروباً على حسابه . وامتثل األخري وقام باملهمة فابتسمتا وهزتا رأ ّيهما شاكرتني، فرك يديه تنحنح يف قعدته،‬
    ‫ي‬                                                                                   ‫ط‬          ‫ر‬      ‫د‬
 ‫جت ّب ليف ّغ فائض ال ّاقة الالسعة، مرر أصابع يده مبا تبقى من شعره هتيئ للمواجهة، ربط أزرار سترته السفلى لُخفى‬
                                                                                        ‫ر‬
   ‫قضيبه املنتفخ، ز ّر العليا ليخفي متساح الالكوست، محل الكأس ومشى إىل الطرف اآلخر من املشرب، دعم معنوياته‬
                  ‫ر‬                                                                        ‫د‬
‫جبرعة ويسكي وتق ّم جبرأة فلسفية تقارب اإلستفزاز، خطى أحرج خطوات يف حياته، ويف اختبار احل ّية األول ( مل يسبق‬
                                                                                                        ‫ا‬
    ‫له أن ّختذ قراراً مبحض إرادته، يف اجلبهة كان يسري خلف الضابط مأموراً، يف الناصرية كان ميشي مع القطيع بغريزة‬
                                        ‫ش‬
   ‫القطيع، يف كردستان كان ميشي مع الكرد يف اجتاه الريح، يف العيادة مت ّيه أوامر عصري حبسب ردود األفعال ) رأى‬
                           ‫نفسه واقفاً أمامهما حبياء أخرق، خرج صوته كنقيق ضفدعه : " هالو، مي حا حاخا، دكتر هامت "‬
 ‫استقبلته الشقراء بابتسامة هوليودية، أفسحت له مكانا، عرفت بنفسها " مادلني" . وأشارت إىل صديقتها "فيوليت " .‬
‫رفعت الطويلة نظارة سوداء إىل صدغها، صفنت يف وجهه : "خا ها هاتيم خاتيم لتيم مهامتيم ... قل يل باهلل كيف يلفظ‬
                                                                                                                                               ‫امسك ؟‬
                       ‫" دكتر هامت، هاء مثل كامريون دياز، ألف مثل جينيفار لوبيظ، تاء متل تينا لولوبرجييدا، ماء متل …‬
                                                                           ‫" مثل موميا لورين، أوكي أوكي سافا ... وير لر يو فروم ؟‬
                                                                                          ‫" دكتر هامت ... هامت إيراكيان ... فروم إيراك ".‬
                                                                                                        ‫" قريتك إيراك أين تقع من تنبكتو ؟ "‬
                          ‫ل‬
     ‫" الع، إيراك.... ميزابوتاميا، أشور بنينعال، بابل، جلجامش ونبوخذ نصر . قال مث بلع ك ّ ما يف الكأس، شعر أنه‬
                                                      ‫د‬            ‫يكب‬
    ‫ارتكب غلطة، ما دام أنه يكذب فلماذا مل ُ ِّر الكذبة وي ّعي أنه إيطايل وأن امسه جوفاين أو عنطونيو، جرع جرعة‬
                                                                                          ‫و‬
     ‫ويسكي معتربة ذ ّبت جليده النفسي، تشجع وسأهلما ماذا تفعالن بتنبكتو؟ أسندت الطويلة حنكها إىل راحة يدها،‬
                                  ‫ر‬                                                                     ‫ظ‬
    ‫أنزلت الن ّارات إىل عينيها وقالت أهنما خمتصتان يف ال "بيجو إتْنيكْ" وجاءتا للتع ّف إىل زينة الطارقيات، سألته عن‬
‫اختصاصه يف الطب فأجاب وهو يفرد أصابعه املزورقة باخلوامت السبعة : "سربيتشوال ميديوم، سوثساير، أسترلوغ، أسرار‬
                                                                                   ‫طبيعت ونفس عارف أست، أعاجل بسر الرقم سبعة ".‬
                    ‫ت‬
 ‫ضحكتا وسايرمها يف الضحك، وقرر أن أفضل وسيلة للدفاع هي اهلجوم، طلب من الطويلة أن ُضمر رقماً يف خاطرها‬
                         ‫ت‬
  ‫فضمرت، وطلب منها أن تضرب العدد املضمر باثنَني فضربت، طلب منها أن تزيد سّة على حاصل الضرب فزادت،‬
 ‫طلب منها أن تقسم حاصل اجلمع على إثنَني فقسمت، مث طلب منها أن تطرح من ناتج القسمة الرقم املضمرَ فطرحت،‬
                                                                                ‫ي‬
   ‫مث طلب منها أن تزيد أربعة إىل بقّة الطرح ففعلت، سأهلا عن النتيجة فانفرجت أساريرها : " سَفِِن سَفِن مادجيك منرب‬

   ‫1/ أي خدمة حتت امرك / آمنري كلمة تارقية تعين دليل / مسجد "سنكوري" و"جنجربري" ومكتبة "أمحد بابه من معامل تنبكتو السياحية/ تيبابو كلمة من لغة الزنوج تعين‬
                                                                       ‫ابيض/ بيجو إتنيك = صياغة وتصميم االساور والعقود واحللي البدائية / سوث ساير = بصار‬
                                                                                                                                                        ‫02‬



     ‫‪ ،1passez muscade‬سِتْ اكزاكتمان، يا للمصادفه العجيبة أنا نفسي ولدت يوم السابع من شهر يوليو، لعام‬
                                                                                                                 ‫سبعة وسبعني يف مدينة ‪. Séte‬‬
                           ‫زاودت الشقراء : " أوالال ... وأنا ايضاً ولدت يف مدينة ‪ Troyes‬لو تروا مارس ترانت تروا .‬
            ‫قال بصوت الكهان العميق : " ومن عجائب هذا الرقم أن األودية سبعة، والكواكب سبعة والبحور سبعه، ...‬
       ‫نادت الطويلة على النادل وطلبت قنينة "جوين ووكر" مقترحةً اإلنتقال إىل البهو الداخلي للفندق، محلتا أغراضهما‬
       ‫ف‬                                                                 ‫ر خ‬              ‫م‬
     ‫ومشت مادلني أمامه متع ّدةً أن حت ّك مؤ ّرهتا يف حركة خليعة مموسقة، راقبها بعيونٍ جائعة وقال لنفسه "خوش ق ّة"‬
‫جلسوا عند منضدة بامبو تتحلقها كراسي خيزران، رفعت الشقراء كأسها : " خنبك دكتر خاينت، خا ها كا مهامتا مهاتيم‬
                                                                                             ‫م‬
                                                                                   ‫هاتيم خاتيم هايدن .... ما رأيك أن نس ّيك طومي "؟‬
         ‫هز رأسه موافقاً (يف أربيل كان حامت، يف العيادة صار أبو دالل، أمساء مستعارة تقوم حجاباً بينه وبني عيين "الرجل‬
 ‫الضرورة" الزبيبَتني) أفرغ قدحه يف بطنة دفعة واحدة وسأهلما كيف صارتا صديقتني ؟ قالت مادلني :" بالصدفة، التقينا‬
                                                                                                ‫ش‬
                                                                  ‫يف "بايروت"، فنحن االثنتان من ع ّاق املعلم ريشار، ريشار فاغنر .‬
                                            ‫ي‬
                                           ‫قالت الطويلة :" حنن نتفق موسيقياً، لكننا خنتلف فلسفياً، فأنا نيتشوية ومادلني روسوّة‬
                                                      ‫مث سألته بالفرنسية : " ?2 ‪On donne du Wagner à Bagdad‬‬
                        ‫ب‬                                                                     ‫م‬
       ‫مسح فمه بك ّه أجاب وقد خدرته اخلمرة : " شنو رشاد ! شنو فاخنر ! نفاخ نار ! خره بر ّ بغداد، بصحتكن يا‬
                                                                                                                                            ‫و‬
                                                                                                                              ‫مع ّدات دوستكام ".‬
        ‫ف‬                               ‫ر‬                                                      ‫ّ‬
 ‫عدلت مادلني موقع كرسيها، قرعت كأسها بكأسه اقتربت منه، ح ّكت خياشيمها وأحست نفحات جسده ن ّاذة رغم‬
                                                                     ‫ف‬       ‫ي‬                      ‫و‬
  ‫العطور املز ّرة، تأملته بولهٍ حقيق ّ مستشِ ّةً يف وجهه أسرار الشرق ونزواته، انقلب يف عينها إىل رجل بداءة متوحش،‬
                                                                                  ‫حب‬                      ‫س‬
                        ‫ج ّت عضالته وقالت بصوت به ّة النساء الشبقات : " لوبون سوفاج، فونتني دو جوفانس، جيغولو‬
                        ‫ه‬                  ‫ع‬
‫وناولته يداً طرية طالبةً منه قراءة طالعها . نظر إىل خطوط راحتها، ش ّت عيناه بوهرة الك ّان، وراقب اختالجات الوجه‬
                                                                                                          ‫د‬
  ‫واخل ّين يف حماولة الستشفاف إمكاناهتا العاطفية، محلق فيها محلقة ذئب شرس يف نعجة ضائعة، حتاشى النظر إىل فخذَيها‬
 ‫(كي ال تتوتر اعصابه أكثر ) رأى أن رقبتها رخامية، بشرهتا تتجاوب مع محرة شفتَيها ومع الشبق الظاهر يف عينَيها، ملح‬
                       ‫ر‬                                          ‫وختي‬                      ‫ل‬
‫اللسان القرمزي يتس ّل بني شفتني صاديتني ... َّله انطالقاً من الفم الشهواين والشفتَني جم ّدا من الالجنري ومن غشاء‬
                                     ‫م‬                            ‫ف‬
  ‫البكارة (الفرنسي يستثقل هذا الشيء ويتخ ّف منه مع أول عابر سبيل ) تع ّد أن يقول بالفارسية : " زن خوش طبعى‬
                                                                            ‫وطينت وطالع، عاشق معشوق هست، عاقبت خبري بودن3 .‬
                   ‫ص‬
      ‫أرخت الطويلة أهداب الشال الكشمريي، سحبته من حضن صاحبتها، ناولته يدها وطلبت منه أن يب ّر هلا، أخافته‬
                                                    ‫ر‬
                  ‫شخصيتها القوية، قال هلا : " فووليط إنتِ خوش مرا، لكن فيك س ّ يقهر الرجال، قلبك مثل الباستيل ".‬
            ‫" نو طومي، قليب باألحرى مثل خط ماجينو تراه منيعاً من بعيد ولكن مبجرد االقتراب منه يسقط بال مقاومة ".‬
           ‫ض‬         ‫ي‬                                      ‫ي‬                         ‫د‬                 ‫س‬
     ‫أح ّ بقلبه يسقط، اشت ّت نزوته عليها، عليهما، ختّل املشهد الفظيع : رجل بداءة سومري مع سّدتني متح ّرتَني،‬
                                                                                     ‫ب‬
         ‫فأدار يدها على ظاهرها وقّلها بطقوسية، وشعر بتراخيها وثقل ذراعها، ارتسمت يف عينَيها رغائب صامتة، ارتفع‬

  ‫1 تعبري فرنسي تستهل به املبصرات تبصريهن / ‪ Séte‬مدينة فرنسية وتلفظ مثل ‪ Sept‬اليت تعين سبعة / ‪ Troyes‬مدينة فرنسية وهي تلفظ مثل ‪ Trois‬اليت تعين‬
                                               ‫ثالثة . لو تروا مارس ترانت تروا= يف الثالث من شهر مارس لعام 33 / بايروت مدينة املانية يقام فيها مهرجان فاغنر‬
                                  ‫2 هل تعزف مسفونيات فاغنر ببغداد ؟ / لوبون سوفاج فونتني دو جوفانس جيغولو = املتوحش الطيب نافورة الشباب االبدي الفحل‬
                                                                                                            ‫3 امراة طيبة اخالقها حسنة حظها جيد هنايتها سعيدة‬
                                                                                                                                        ‫12‬



   ‫صدرها وهبط، انضبعت بنظراته اجلائعة وعيَنيه املكحلتَني انقادت له انقياد النهر للبحر، رجحت رغبتها على حيائها،‬
                                                         ‫ع‬
                                             ‫فرمت ذراعيها فوق كتفه ضمته بقوة وهي ترى السعادة شا ّة من عينيه :‬
‫:1 ‪Quel regard engageant, vient la chair est faible le désir est ardent : tant pis pour mon mari‬‬
        ‫ز‬
    ‫انزوى يف حضنها متل كنغر صغري، تلوي بني أضالعها صامتا خاشعا كطفل ضاع دهرا ولب الحضان أمه، ل ّت به‬
        ‫الشقراء من اخللف وحشرتاه بني صدرين وأربع هنود، أحس بقطيعة مع ماضيه وأن ذاك احلامت الذي سبقه بتسعة‬
       ‫د‬
 ‫وعشرين عاما ليس إال قريناً مأساويا وأخذته غبطة إشراقية أعنف من كل امللذات، أربكه احلنان املفاجئ والصي ُ السهل‬
                                                               ‫ل‬
   ‫واإلنسانية والنظرات املعربة والضمة احلانية، وانس ّت يده إىل محالة صدر الشقراء وما حتمله مث حتسست قفتها، هابطةً‬
                                                     ‫ص‬              ‫ر‬                               ‫س‬
       ‫حنو ال ّرة قبل ان تسحل إىل الثمرة احمل ّمه، سحب يده م ّ أصابعه، خرج من بني أيديهما بشعر منفوش وعينَني‬
                                                                                     ‫ل‬
 ‫زائغَتني، مل يتسع قلبه لك ّ هذا احلنان بعد عيشة ضنك أمضاها يف اخلوف والتخفي واحلرمان ... لكن ملاذا تأيت األفراح‬
                                                                                       ‫ل‬                     ‫خ‬
‫متأ ّرة دائما وبعد أن تتك ّس الروح ؟، ملاذا مل تأتيا قبل عشرين عاماً لتخلصاه من ذاك الكوكب اآلسن ؟ ملاذا ال تدعانه‬
                                  ‫يطلب جلوءاً عاطفيا إىل صدريهما فينسى العراق و"الرجل الضرورة "واأليقونة .؟...‬
                                                                                                       ‫د‬
    ‫ش ّ عضالت وجهه ليكتم رغبةً بالنشيج، تسلل االنفعال إىل أهداب العينَني فارختت، هطلت الدموع حقيقية حارقة،‬
                                                            ‫ف‬
 ‫ضمته مادلني إىل صدرها قالت حبنان حقيقي: " و ّر دموعك ملناسبات أمجل، اليف إز شورت، إمرح، إغتبط، يب هايب .‬
                          ‫م‬
   ‫داعبت الطويلة عقدا برقبتها من حجر السبتنيس قالت بنربة نرجسية مستهلكة: " أفه ُ حزنك، العدوان وشيك على‬
             ‫بلدك، ليس التعذيب ما خييفين وال سقوط اجلسد النهائي إمنا هي الالمباالة العمياء لعامل فاقد اإلحساس " .‬
                                                ‫ن‬                   ‫ق‬
  ‫مل يفهم هذا احلزن الفائض على شيء ال يستح ّ أن ُحيزن عليه، وتصّع احلزن ال على العراق والعراقيني بل تضامناً مع‬
     ‫حزهنما، سحب سيجارة من علبة سجائرها وناقض نفسه قائالً أنه ليس ضد احلرب بل ينتظرها بفارع الصرب .نتأت‬
                                   ‫صب‬            ‫ل‬                             ‫د‬                           ‫ف‬
               ‫ت ّاحة لدمه يف عطشٍ كربالئي م ّ القدح فارغا :" خلاطر اهلل خ ّ دنشرب، إنت ُّي ميه، سْقوين سْقوين‬
                                                                                   ‫ب‬
‫خطف قنينة الويسكي وع ّ مباشرة، وانتزع نفسه من أيديهما، خلع حذائه دلق اخلمرة به، مث أفرغها يف مصارينه ومسح‬
                                                                                                    ‫م‬
    ‫فمه بك ّه حتت أبصار الفرنسيتني املذهولتني، تعكر مزاجه، أربدت مالحمه، دخل يف حالة النكوص واإلرتداد، توترت‬
  ‫حواسه، ازدرد لعابه وأجفل أحس أن مثة من يراقبه، عينان زبيبتان سوداوان جارحتان كعينَي صقر، انشالت عيناه حنو‬
         ‫ر‬                                                                             ‫ل‬
  ‫املشرب رأى الصورة املع ّقة فوق البار : زجني منتفخ الشدقني ينفخ يف سكسفون وعيناه مغمضتان متاماً ... م ّةً أخرى‬
                                                     ‫و‬                                           ‫ل‬        ‫ل‬
     ‫الطارئ ال ّجوج الك ّي احلضور، هي يقيناً األيقونة املرعبة يف حت ّالهتا، الرجل الضرورة يف خفاشياته الليلية قد جتسد‬
                                                                                            ‫ليعك‬
                                                                ‫بشكل عبد نويب، جاء ِّر عليه خلوته مع خليلتَيه ...‬
                                       ‫نكس بصره تراجع إىل اخللف، شتم الصورة :"اخرج يا صانع أحزان العراقيني "‬
                                                                 ‫أمسكته مادلني : " ماذا بك طومي هذه جمرد صورة .!.‬
      ‫وطلبت من النادل منه ان يسجل كل شي على حساب غرفة 31، اقتربت من سيارة التويوتا قالت لصاحبتها :‬
  ‫.2‪Partons à l’aveuglette, désorgansisons nos vacances. Conduis jé suis ivre‬‬
                                                 ‫و‬
                      ‫أحجمت األخرى عن السياقة حبجة إهنا سكرانه أكثر منها، تط ّعت مادلني لإلمساك باملقود .‬




                                                                                                                        ‫م‬
                                                      ‫1 ياهلا من نظرة ُلزمة ، اجلسد هش والرغبة جارفة تعال يا عشيقي وليذهب زوجي إىل اجلحيم‬
                                                                            ‫2 لننطلق حاال على العميا ونلخبط عطلتنا، قودي السيارة فأنا سكرانه‬
                                                                                                                                                                 ‫22‬



                                                          ‫أرابيك نايتس أو مملكة احلواس‬


                                                          ‫ش‬
  ‫أدركت السائحتان املخمورتان أهنما ال ختتلفان عن ال ّاب العراقي املسحوق بفراغ ماضيه إال مباضيهما الثقيل، زادت‬
                                                                        ‫ي‬
       ‫مادلني السرعة وانطلقت دافعةً السّارة إىل ختوم الصحراء (هذه الصحراء ليست أي مكان، بل هي ردهة داخلية‬
                                                  ‫م‬
   ‫للصميم الفرنسي الكولونيايل، هلا سحر خاص يف عيون املستع ِرين)، لذا أحنت فيوليت رأسها خبشوع مبالغ فيه حني‬
                                                                                                               ‫ّ‬
                                                   ‫مروا قرب املقربة الفرنسية وغمغمت : " ‪"1Y’a d’la france partout‬‬
    ‫أخرجت علبة ناشوق برونزية منحوت عليها حرفا ‪ M M‬وقالت أن هلا قيمة تارخيية ومعنوية كبرية فهي من خملفات‬
 ‫سلفها العظيم الكومندانت ماكسيمليان مارولز الذي أخضع الطوارق وفتح صحرائهم الرهيبة وحكمها بكتيبة مهاري،‬
                           ‫وسقط يف ميدان الشرف "بور ال فرانس " بعد إصابته حبمى املستنقعات املعروفة ب" الليشمانيوز "‬
                                                                   ‫أ‬                                  ‫ن‬
     ‫وقف حامت املترّح متشبثاً بقضبان احلديد، مستمعاً بُذنٍ واحدة ( ال يعنيه هذا التاريخ إطالقاً، بل ال شيء يعنيه اآلن‬
                                                                                              ‫ط‬
           ‫سوى التارخيَني املس ّرَين بني األفخاد األربعة، كما ال يهمه من كل هذه الصحراء اخلاوية سوى هاتني الواحتَني‬
                                                                                                  ‫و‬
      ‫الغامضتَني املك ّمتَني أمامه، وكل تلك الفتوحات اليت قام هبا السلف العظيم لن تساوي شيئا إزاء الفتح املبني الذي‬
                                                                                                                                                          ‫ي‬
                                                                                                                                                ‫سُقدم عليه )‬
                     ‫أقحمت فيوليت شريطاً يف املسجلة فخرجت موسيقى كالسيكية، أصغت هبوس ديين :‬
‫‪Tanhauser quelle harmonie vaporeuse ! C’est un opium. un summum! le‬‬
‫‪chef d’œuvre musical, le Cantique des cantique, l’âme germanique de‬‬
‫‪l’ancien temps.Grandiose, céleste, prodigieux Je voudrais remercier ma‬‬
‫2‪mère de m’avoir élevée au lait et à Wagner‬‬
                   ‫والتفتت إىل الوراء حنو العراقي : " إكوت طومي إمسع بقلبك، القلب هو حاسة السمع .‬
     ‫معز‬
  ‫أنصت حامت ال بأذنيه وال بقلبه، لكن بقضيبه وسأهلما إىل أين مها ذاهبتان، فتمايلت فيوليت مع املوسيقى وقالت ِّزةً‬
                                                                                              ‫كالمها بيدَيها :‬
‫3 ‪Loin, bien loin de la civilisation des autres, de la pollution universelle‬‬
        ‫م‬                               ‫ز‬                                  ‫م‬
                                                                           ‫ّ‬                                ‫ر‬
 ‫ح ّك فاغنر اللعابَ يف غددها الص ِّاء ورمى حجراً يف بركة رغائبها، فه ّت قبضتها يف بادرة ميلومانية وتق ّصت دور‬
                                                                                     ‫قائد اوركسترا، رطنت : "‬
‫‪Oh, cette mélodie me donne la fièvre. Elle englobe toute l’anatomie de‬‬
‫‪l’amour charnel. C’est l’art total. Quand j’entends trop de Wagner, j’ai‬‬
‫4‪envie d’envahir la Pologne ! Il y a de la folie dedans. Une névrose‬‬
      ‫د‬               ‫ر‬                                                 ‫ل‬                                    ‫لي‬
    ‫َّل الليل أكثر، وملعت النجوم أكثر، جت ّت الصحراء مالذاً إيكزوتيكياً، صرحاً غري واقعي مك ّس للفانتازيا، ر ّت‬
                                       ‫ت‬                    ‫س‬
                           ‫الصحراء إىل مادلني شباهبا وجعلتها حت ّ أهنا يف العشرين، وفّحت قرحيتها :‬
‫‪Mille et une nuits Imposante. Surnaturelle ! Féérique ! où rien ne bouge‬‬
‫‪dans un monde où tout va très vite.! Quelle confusion des sens, être‬‬

                                                                                                                                 ‫1يوجد شيء من فرنسا بكل االمكنة‬
     ‫2 2 تاهناوزر اقمة اهلرمونيا االثريية،أفيون ، ذروة الفن حتفة نشيد االنشاد ، خالصة الروح الغابرة اجلرمانية ، هائل ملغز مساوي شكرا المي اليت ارضعتين حليبها و فاغنر‬
                                                                                                      ‫3 بعيدا بعيدا عن حضارة االخرين وبعيدا عن التلوث الكوين ،‬
         ‫4 هذه امليلوديا قشعريرة محى حتتوي على كل تفاصيل احلب الشهواين اهنا الفن الكلي عندما امسع كثريا من فاغنر تعتريين رغبة بغزو بولنده، موسيقة جمنونة عصابية‬
                                                                                                                                                        ‫32‬


‫‪barbare et civilisé ! J’ai l’impression d’être ailleurs d’avoir fait un recul‬‬
‫1‪subit dans le temps antérieur‬‬
                         ‫ت‬            ‫د‬
‫ابتسمت ألشجار الطلح والكثبان الرملية والقمر املضيء، أشعلت سيجارة وجت ّبت : " أنا مّفقة متاماً مع جان جاك بأن‬
                                                                                                     ‫ي ر‬
                                                              ‫الطبيعة خري وأن املدنّة ش ّ، وأن مجيع الناس متساوون أمام الطبيعة .‬
   ‫جرعت فيوليت من قنينة فودكا بطعم اخلوخ وعارضتها : " أما أنا فأؤمن مع فريديرك بأن الطبيعة وراء اخلري والشر،‬
                                                                                                              ‫وأن الناس طبعاً غري متساوين .‬
                ‫س‬                                                            ‫ط‬
 ‫مث نظرت إىل حامت خلفها باستعالء مب ّن بالرباءة ناولته القنينة : " وأنت طومي معها أم معي ؟ مع رو ّو أم مع نيتشْ ؟‬
                                                                                             ‫ُص‬
                                                                                     ‫" على احلياد دارلنغ، معكن الثنتني، ر ّ ونيش ".‬
        ‫مح‬         ‫ي‬
     ‫مثلت الطويلة، غارت يف املقعد مادةً رجلَيها الطويلتَني فوق التابلوه خلعت الساري ورمته من السّارة، نزعت ّالة‬
 ‫صدرها رفعتها برؤوس أصابعها رمتها فوق الرمال والسيارة تسري، رفعت ساقَيها رمت بفردتَي حذائها، أزاحت سترنغ‬
       ‫شفاف أمحر ثبتته يف أصابع قدمها اليمىن حتركت برشاقه راقصة باليه على إيقاع املوسيقى، غرزت رأسها يف املقعد‬
     ‫ي‬               ‫مش‬                             ‫س‬                   ‫ر‬
 ‫اجللدي، رفعت السترنغ برجلها وق ّبته من وجه حامت ود ّته يف فمه، فعضه ككلبِ مسعور و ّه وغالب رغبة قوّة يف‬
                          ‫و‬                 ‫د‬
    ‫ابتالعه، ركنت الفرنسية العارية رأسها على باب السيارة األمين، مت ّدت على املقعد، ح ّطت بساقيها خصر السائقة‬
                                                              ‫ي‬                   ‫ر‬                           ‫ر‬
  ‫وج ّدهتا من ثياهبا الداخلية، م ّرت أصابع رجلها املزّنة بالورنيش األمحر على احللمَتني وتضاريس اجلسد العاري نزوالً‬
                                       ‫ر‬
     ‫إىل املنطقة احملرمة، أدخلت إهبام قدمها مث أخرجتها، انكمشت كأفعى، ق ّبت قدمها من فمها برشاقة يوغي وحلست‬
        ‫أصابعها بطقوسية ماجنة، تراخت مادلني وأرخت املقود، داست على البنزين وغرزت لساهنا يف حوض صاحبتها،‬
                                                                                                    ‫م‬
   ‫واجنذب الف ّان إىل بعضهما يف قبلة نزقة، دلق حامت الفودكا على وجهه، بعثر نظراته على املهبلَني ببالهة طفل يشاهد‬
                                                                                ‫وغض‬
     ‫الدنيا من وراء صندوق الدنيا، َّن جبينه يستجمع صفاء العامل الطايف، العامل الذي مل يكن حيلم به يف أوقح أفالم‬
               ‫ي‬                                                  ‫ة‬                ‫ي‬
  ‫البورنو، ولوال الفودكا القوّة ألصابته الصدم ُ نفسها اليت أصابته يف عراقه وانكمش قضيبه بسبب احلرّة الزائدة كما‬
    ‫كان ينام بسبب اخلوف الزائد . شعر بنشازه وهو البس بني عاريتني كأنه عارٍ بني البستني، نتعت فيوليت سترته مع‬
                                   ‫ر‬          ‫رً‬
  ‫القميص ورمتهما، حبركة عصبية خلعت سرواله الداخلي وع ّته كبزاقة ق ّبت رأسها من مستوى خصره، دلقت عليه‬
   ‫فودكا حلست حشفته، غرزت خمالبها العشر به، أزاغت عينيها خبشوع حقيقي، بفناءٍ صويف : " ‪Un seul dieu‬‬
                                                                                                                                ‫2‬
                                                                                                                                    ‫‪tu adorera‬‬
                                                                   ‫د‬
      ‫أمهلت مادلني السياقة، طاولت رقبتها وم ّت يدها، أطبقت عليه من جهتها والسيارة سائرة خبط عشواء يف املدى‬
                                          ‫و‬                                                       ‫د‬
       ‫املمت ّ، وعزفت األيادي األربع على وتر واحد، داست مادلني على د ّاسة السرعة وأرخت املقود بال خوف فكل‬
                                                                                    ‫ر‬
      ‫الصحراء أمامها طريق، م ّرت فيوليت يدها فوق املناطق احلساسة فكل ثنية يف اجلسد دعوة إىل االنزالق، انطلقت‬
                                           ‫ي ق‬
‫التويوتا وحدها مسحورة، جترها جياد خفية، سارت يف مسار قوس ّ وتو ّفت فجأة مثريةً ناعورةَ رمال، نزل حامت وأنزل‬
‫معه صندوق اخلمرة، قفزت فيوليت كلبوة مهتاجة، نزعت فلينة قنينة مشبانيا، سددت الرغوة الفائرة إىل وجهه وأعطت‬
                                                                                                             ‫إشارة البدء بصرخات حيوانية :‬



  ‫1 الف ليلة وليلة ، الواقعي فوضى للحواس حيث كل شيء جامد يف عا مل يتحرك بسرعة ، فانتازم خالق ان تكون بربريا ومتحضرا احس اين رجعت للوراء للعصور الغابرة‬
                                                                                                        ‫2 الوصية االوىل من الوصايا العشر : اهلاً واحدا فاعبد‬
                                                                                                                                      ‫42‬



 ‫" ‪Hourra !! Buvons sans modération, assouvissons nos désirs, rentrons dans‬‬
‫,1‪l’enfer du plaisir, libérons-nous de la pesanteur de l’existence‬‬
              ‫ق‬
 ‫أطبقت الطويلة عليه وأطبق هو على الشقراء مبحراً يف تضاريس وخرائط اللذة، بالد ما بني النهدين، ز ّورة بابل، أرض‬
                   ‫ف‬
  ‫السواد، نزوال مللتقى النهرين عند شط العرب، محلق يف تفاصيله بفضول حباثة أركيولوجي، لعق ض ّتيه، متنه وحواشيه‬
                                                                                 ‫قب‬
  ‫وبراريه املترامية يف العمق، َّل سقفه وحيطانه، استطعم مذاقه احلامض كالثمار املبكرة، ورائحتَه الزكية كضوع غابات‬
             ‫و‬                                                                                           ‫ر‬
 ‫االرز، م ّغ أنفه يف الثنيات األرجوانية.... حمراب اللذة، مغارة على بابا بكنوزها وأسرارها، مومسات "الف ّار" الكاولية‬
                              ‫م‬                                   ‫كن‬                               ‫يكن‬
     ‫مل َّ ليسمحن له هبذا الترف األساسي، َّ فقط يشكلن ورقة اخلمسني ديناراً حب ّالة الصدر ويضغطن على ظهره‬
                                                                          ‫ك‬
      ‫وجيربنه على اإلهراق السريع ... تشنج ف ّاه وأوداجه، حترك لسانه يف تيه ميتافيزيقي، يف نزوعِ حنو إطالقة الشهوة‬
                                                   ‫ش‬
  ‫ودميومتها، يف رغبةٍ هستريية لبلوغ القاع، قاع القاع، خت ّبت عروق رقبته، غلب عليه الوجد والشبق، تشققت شفتاه‬
                                      ‫و‬
    ‫فارتد صادياً مرغياً مثل مجل الئب حول حوض ماء، بسالحه األمضى اقتحم ب ّابة أوروك ذات املزاليج السبعة، غرز‬
       ‫يديه وخوامته السبعة يف دهن إليتها الوفرية ( مل يعرف إْلية أي واحدة منهن ) التحمت البداوة باحلضارة، والكبت‬
                 ‫ف‬                                                       ‫م‬
‫الشرقي بالفجور الغريب، اإلبن الضال باأل ّني الضرورتَني، حرارة الشباب وهليب ما قبل اإلنطفاء ، تد ّق الدم يف اندفاعة‬
                                                                                        ‫خ‬
   ‫إيروسية ، وانض ّ يف الشرايني والعروق واملسامات ونضح من الغدد الصماء ومن أوردة الرئة الصدئة ومن صمامات‬
                                ‫ر‬
   ‫القلب املسطومه، خرج من اجملدلية ليفوت يف البنفسجة، مث من البنفسجة إىل اجملدلية، ع ّج من املنطقة الترفيهية ملنطقة‬
                                                                                              ‫ح‬
  ‫الصرف الص ّي، شبقية طليقة ، عبقرية وفوران اجلسد، أتون الرغبات، وفنون الكوماسترا، اندفاعات إيروسية، نكاح‬
     ‫عظيم ومضاجعة حممومة ، أخذته يف حلظة األحتدام أحاسيس مفارقة : ظمأ ال يروى يف الشرايني، كبت يف الروح ال‬
   ‫ترويه فروج األرض قاطبة، التوت الثعابني الثالث يف توتر سيمفوين، ارتفع صوهتا، صوهتما، مثل عواء ابن لوى " أوه‬
                  ‫د‬                ‫ح‬                      ‫ج‬
   ‫طومي، أعصرين بعضالتك القوية، مون بيت أراب، ف ّر إرهابك يف جسدي " تو ّد هبا، هبما، أش ّ أشَد تقلص وجهه‬
 ‫بانكماش الرعدة الوشيكة، تكاثفت انكسارات العينَني إىل ضراعة اخلشوع، وحفن بقبضتيه حفنيت رمال يف فورة جاحمة،‬
 ‫وبات على وشك، على قاب قوسني أو أدىن، خطوات قليلة تفصل الطائر األعمى عن سدرة املنتهى ، ويف ذروة اخنطافه‬
                                                          ‫ر‬
        ‫شخر إنكي خبيالء الثور اهلائج ومأل الفرات باملاء، وبال ّعشة األكثر بالغة، وأضاءت أعماقه املظلمة حلظة كثيفة‬
   ‫ل‬
   ‫ارتسمت على حمياه التماعة نشوى وفرح وأحساس مثري بأن الكون خملوق له وحده وان كل ما سواه أكذوبة ، انس ّ‬
  ‫صوت ناي ناعم كخيط ماء رقراق، مث صوت طبول صارخة ،كمنجات فيولنسل قيثارات صناجات، صراخ الباريتون‬
   ‫يف ذروة املاسأة الفاغنرية، مسع كالماً غامضاً يف هلوسة املشاركة الوجدانية، امرأتان تتناجيان بلغة ال يفهمها ، وهو يف‬
                                                    ‫ر‬                                           ‫ر‬
  ‫عصمتهما جم ّد حمظيِ ما أو جارية ذكر ، كلمات يسمعها للم ّة األوىل، حبدة درامية كالنجوى، كفيض اخلاطر، عانقته‬
                                                                                           ‫الطويلة بباتيكية " جو يت امي طومي "‬


                                        ‫1 هوررا لنشرب بال اعتدال لنروي رغباتنا وندخل يف جحيم اللذائذ ونتحرر من ثقل الوجود/ جو يت ام = أحبك‬
                                                                                                                          ‫52‬



                                                                                     ‫ناجته األخرى " مريسي شريي "‬
                              ‫شعر أن من واجبه أن يقول شيئاً فحرك شفتيه بارختاء " أحبچ فووليط، مووضلني أحبچ‬


                                   ‫فاغنر يف متبكتو أو لو جاردان دي سوبليس‬


                         ‫م‬
  ‫فتح عينَيه فرأى نفسه عارياً، وبقايا أسنان مغروزة يف رقبته وصدره وحىت على قضيبه، ش ّ رائحة عطر نسائي وحيامن‬
  ‫ومخرة، نظر باحثاً عن مكان مستور يبول فيه مث فطن إىل أنه عارٍ فبالَ يف املكان نفسه وأهال الرمل ... كان قد حارب‬
         ‫ت‬          ‫د‬                   ‫ت‬                                                                ‫ت‬
       ‫على جبهَني، معركة أم املعارك، قام بالواجب، أخذ وأعطى وصوالً إىل نقطة االّزان .... ورلمها مم ّدتَني عاريَني‬
                          ‫د‬                        ‫ق‬                        ‫د‬        ‫كتمثاَني إغريقي متره‬
 ‫َّني ِّلَني، م ّ إصبع رجله وأدخلها يف ش ّ مادلني، فتحت عينها ومت ّدت على بطنها، أسندت حنكها‬       ‫ل‬
      ‫َّيها، واتكأت على مرفقَيها، غمرت رأسها حبضنه يف غبطة إشراقية: "ساكري طومي كِل سانتيه1، ثالث م ّات‬
        ‫ر‬                 ‫ْ‬                                                                          ‫بكف‬
                                                                                               ‫م‬
                                                          ‫أوصلتين إىل ق ّة جبل األوملب، من أين لك هذه القدرة"؟‬
                               ‫معو‬       ‫ب‬                                              ‫يت‬               ‫ّ‬
‫هز رأسه بإعجاب ذا ّ، قال وهو حياول تطويل قضيبه املتراخي: " قدرة رّانية يا َّدة، العراق والعرق والكبت العريق‬
                         ‫د‬                                                              ‫م‬
    ‫والتمر واللنب والت ّن واملرق وفتاوي إبن باز وحوزة ومشس وحرارة وفيضانات (تثاءب وجت ّب) والثلوج ملا تتراكم‬
                                                                                          ‫و‬
            ‫جببال أرمينيا تتح ّل ألمواه زامخة يف النهرين، فيضانات جترف املشاحيف واجلواميس واألبالم والصرائف".‬
                                            ‫ط‬
 ‫هنضت فيوليت، نفضت رماالً عن إليتَيها، تناولت علبة سجائرها، مت ّت بنشوة ما بعد املضاجعة، وأعلنت أن السيجارة‬
  ‫و‬                                                     ‫ج‬        ‫غ‬
‫بعد النكاح هي أعظم شيء يف العامل، ش ّلت املس ّلة فصدحت موسيقى فاغنر، أخرجت للة التصوير الرقمية، وص ّرت‬
                                       ‫د‬                    ‫خ‬                                ‫ي‬
‫شجرة الطلح والسّارة والرمال وصديقتها، أمطرته بز ّة سريعة متتالية، مت ّدت وقضمت لوحاً صغرياً من الشعري املعقود‬
                                                            ‫ظ‬
     ‫بالكاكاو. أمسكت قلماً يف يدها ووضعت ن ّارات مشسية، استلقت على ظهرها واستسلمت إىل اخلمول والشمس‬
                             ‫والكلمات املتقاطعة، بعدما وضعت كاسكيت على رأسها، ومسحت جلدها بدهنٍ واقٍ.‬
                     ‫س‬                                                                                   ‫د‬
  ‫م ّ يده واختلس سيجارة "غلواز" من دخان مادلني، مث فتح قنينة برية بأسنانه، مزمز وهو جال ٌ يراقب دوائر الدخان‬
             ‫ل‬                      ‫ر‬                                     ‫ت‬          ‫ين‬
      ‫تتصاعد بشكل حلزو ّ... منذ سنَني وهو حياول مع صاحبيه إجياد سرداب س ّي إىل أوروبا، الطرق ك ّها كانت‬
                                                       ‫ت‬
‫مسدودة، ها هي الفرصة: يطلب يد إحدامها أو كليهما، ميّعهما بزواج متعة لشهر أو لشهرَين، ويعرب عليهما جسراً إىل‬
                                                                                                                   ‫ر‬
                                                             ‫قا ّة اهلناء والسعادة، ينسى العراق والعينَني الزبيبتَني...‬
                                                    ‫م‬
                ‫وضع مجرة السيجارة يف راحة يده، مهس للشقراء بصوت تع ّد أن يكون حنوناً: "موووضلني دارلنغ"!‬
   ‫التفتت حنوه فاستأنف: "إذا جاء شاب ما يوماً، ولنقل عمره ثالثني سنة، جاء المرأة لنفرض أهنا يف اخلمسني، أراد أن‬
                                   ‫يقيم معها عالقة، عالقة ما على املدى الطويل، فهل من حرج ما يف هذا الزواج "؟‬

                                                                                  ‫1 طومي الفحل النطاح النكاح ، دارلنغ = عزيزيت‬
                                                                                                                        ‫62‬



                          ‫و‬                   ‫يب‬                             ‫ي‬
 ‫"على اإلطالق طومي، وأنت تعرف جّداً أنه يف عهد غابر كان مثة ن ّ، مخسيين أيضاً، تز ّج بطفلة عمرها تسعة أعوام،‬
                                                                ‫فأين العيب يف اقتران امرأة مخسينية بشاب ثالثيين"؟‬
                                        ‫د‬          ‫د‬                              ‫م‬                    ‫ظ‬
     ‫أنزلت الن ّارة إىل عينَيها، تأ ّلته بإمعان، أيقنت من امحرار خ ّيه أنه جا ّ، ضربت صدرها: "أوه الال مون ديو، سي‬
                                                                      ‫ت‬
                                              ‫فارسيسك، أنت متزح طومي، لو أنين أجنب ُ لكان ابين يف مثل عمرك".‬
                                        ‫ب د‬
                                      ‫"أنا أعين ما أقول موضي، السنوات العشرون ماهي إال أرقام، من حي ّ ال يع ّ".‬
  ‫ظ‬                                               ‫ر‬
 ‫حبلقت يف ذراعَيه املفتولني مث يف عروق يدها النافرة، كامرأة جم ّبة رفضت حبزم: "نو طومي، أنا امرأة واقعية لخذ ح ّي‬
                                   ‫م‬                                ‫د‬         ‫ذ‬               ‫د‬
                                ‫من متع احلياة، احل ّ األقصى من الل ّة يف احل ّ األدىن من الوقت، بليز دعين أتش ّس".‬
    ‫ل‬                                           ‫ن‬
  ‫استدار إىل الفرنسية األخرى، رفع رأسه ببطء وانكسار، قال برّة عاطفية خاصة: "وأنت فووليط دارلنغ، هل ستظ ّني‬
                                                                                                      ‫مطل‬
                                                                                                 ‫طول عمرك َّقَة"؟‬
            ‫مطل‬      ‫مطل‬                   ‫د‬                   ‫ر‬             ‫ت‬
‫كانت الطويلة حتدس أنه سيّجه حنوها ويك ّر الطلب معها فاستع ّت للمواجهة "أنا لست َّقة أنا ِّقة خلعت زوجي‬
      ‫(ورفعت صوهتا) نو مربت كوا1، تريد أن حتشرين مع حرميك يف خيمة واحدة، وبعدما مت ّ مين، تردم فارق العمر‬
                           ‫ل‬
                                                                                                 ‫باللكمات والشتائم".‬
                                                                          ‫"من قال لك إنين لن أمأله بورد جوري"؟‬
     ‫ر‬                        ‫ل‬
  ‫"وقاحتك وجسارتك على طلب يد صديقتَني يف دقيقتَني. لنْفان طومي. إنك ترى فينا ك ّ ما ليس فيك: املال، احل ّية،‬
                             ‫ل‬
    ‫االنتماء إىل أوروبا. وحنن جند فيك كل ما مل يعد فينا: العنفوان والشباب واجلنون، لنظ ّ كما حنن أصدقاء عابرين يف‬
                                                                                                          ‫عالقة عابرة".‬
                    ‫ي‬
    ‫وانقبضت أساريره خيبةً، انتفض وناح: "داخل على اهلل وعليكن ال تتركوين وحدي، خذوين وّاكم، خدمة بسيطة،‬
                                                                              ‫ر‬                            ‫و‬
                                                                      ‫أتز ّج واحدة منكم، تنفعين وال تض ّ نفسها".‬
                                                                                      ‫ز‬
                                                               ‫"كم ناقة ستدفع مهري"؟ ه ّت الطويلة رأسها عابثةً.‬
                                                                                      ‫"كل نياق الناصرية بشارتك".‬
                                                                 ‫"وأنا كم برميل نفط سيكون مثين"؟ سألت األخرى‬
                                                                                     ‫ل‬
                                                                     ‫"ينابيع الزيت البصراوية ك ّها فدوى لعيونك".‬
    ‫اصطنعت فيوليت الغنب، قالت وهي تدخل أصابع رجلها يف أحشاء مادلني: "ألهنا بكر عذراء مهرها البترول، وألنين‬
                               ‫ض‬                                                                        ‫ي‬
   ‫ثّب مهري قطعان اإلبل؟ غشاء البكارة على ما يبدو غالٍ عندكم، أهلذا السبب تف ّل نساؤكم الزانيات اإليالج يف‬
                                                                                                                  ‫الدبر"؟‬



                                                                           ‫1هراء / مون ديو سي فارسيسك = يا اهلي انه امر مضحك‬
                                                                                                                                        ‫72‬



                                              ‫ر‬                                                      ‫م‬
‫تأ ّلته بتعالٍ ونفخت الدخان يف وجهه: "دعك طومي من هذه الت ّهات، الزواج قيود وأخاف أن متنعين من نكاح غريك،‬
                               ‫ب‬      ‫ط‬                                          ‫ري‬            ‫ي ش‬
                            ‫أنا امرأة طائشة أغّر ع ّاقي مثلما أغ ّ ثيايب، أنتم املهامتان تعاملون املرأة كأح ّ من داّة".‬
                                                                                     ‫م‬            ‫ه‬
             ‫"تقصدين الو ّابيني املتز ّتني السعوديني، لكن أنا عراقي، عراقي راقي، مسلم مسامل معتدل، عروبة اليت".‬
                                         ‫ل‬
‫"القنافذ ليس بينها األملس، واملسلمون ليس بينهم املعتدل، ك ّكم كيفكيف . صرخت فيوليت هرست عقب السيجارة‬
                                              ‫ر‬                      ‫ر‬
‫يف الرمال وصرخت أقوى : " أنا امرأة ح ّة باملعىن الفرنسي للح ّية، هل مسعت جبورج صاند ودوبوفوار وصافو؟، أتقبل‬
                                                                              ‫أن أعاملك كأنثى؟ أيناسبك الزواج من سحاقية"؟‬
                                                 ‫ق‬           ‫و‬
                                   ‫"أنت امراة سحاقية وأنا رجل مسحوق، خوش، أتز ّجك زواج مؤ ّت، زواج متعة".‬
                                                                                           ‫م‬
                                       ‫"مونشري واضح أنك مهت ّ بالزواج أكثر من الزوجة، ملَ ال تلعب معنا طرة نقشة"؟‬
               ‫ن‬                                   ‫خن‬                 ‫ب‬       ‫ي‬                   ‫ك‬
 ‫ن ّس رأسه حبزنٍ كوميد ّ،شهق وخّأ وجهه يف ذراعه، َّ ببكاء كربالئي من دون دموع، حدس بأ ّ معاناته ستكون‬
                                  ‫ظ‬                                               ‫د‬
     ‫جواز سفر إىل فؤادَيهما، فا ّعى أنه كان أصغر سجني سياسي يف العراق وقامت "من ّمة أمنسيت أنترناشونال" حبملةٍ‬
      ‫أ‬                                                  ‫د‬
  ‫إلطالق سراحه، وخرج بعد مخس سنوات معطوباً، وا ّعى كذلك أن اثنَني من إخوته سقطا يف احلرب، والثالث ُعدم،‬
  ‫إنه هو نفسه حمكوم إعدام غيابياً ألنه ف ّ من اجلبهة، أشار إىل ندوب من بقايا التطبري1 على أهنا لثار تعذيب، حلف مييناً‬
                                                                             ‫ر‬
 ‫أنه قام مبحاولتَي انتحار،مث جرع ما يف القنينة ورماها على الرمال وغمغم يف متثيل مسرحي: " وين حقوق إنسان مبادئ‬
                                                                                                      ‫ر ب‬
                                                                                               ‫الثورة الفرنسية؟ ح ّية ح ّ حنان"!‬
                    ‫ل‬                            ‫ي‬                  ‫د‬                       ‫ر‬              ‫ك‬
                ‫تناول س ّينة الزبدة، ق ّهبا من شرايني ساعده مه ّداً: "لو تاخذوين وّاكن أو أنتحر. خرا باهلل ، م ّيت".‬
                         ‫ت‬         ‫رت‬
                     ‫قالت فيوليت وهي تفرك زندَيها مبرهم: "حاول جهدك أال تكون حماولة فاشلة كامل َّني السابقَني".‬
           ‫ف‬                            ‫ب‬                                                     ‫ك‬
  ‫نقر بطرف الس ّني الثخني على ساعده كأنه ينقر بريشة على أوتار عود، وخّأ وجهه يف راحتَيه، هتاوى، ع ّر الرمال،‬
                                      ‫ت ب‬
‫لطم وجهه، مث هدأ وسحب قنينة برية وفتحها بأسنانه واختلس سيجارَني، ثّت واحدة خلف أذنَيه وأشعل الثانية، وأخذ‬
            ‫ب‬               ‫م‬                                                                              ‫خ‬
     ‫يد ّن ويكرع برية ويرببر جبمل مبتورة غري مفهومة، ملح تعاطفاً يف عيينْ الشقراء، قال ُسترحِماً: " سأحّك لألبد‬
                                                                                            ‫د‬
                                               ‫دارلنغ، بديين مبذهيب مبق ّسايت، واملرتضى والسبطني واحلمزة أبو حزامني ".‬
                                                                                                             ‫ب‬
                                                                                               ‫"وأنا شريي هل ستحّين إىل األبد"؟‬
                                                                    ‫ر‬                        ‫ق‬
                                             ‫"وأنت فوليط، وح ّ شط الفرات والدجلة والغ ّاف، عهداً علي سأحبك " .‬
                                                             ‫ت‬           ‫ت‬                        ‫ا‬
                                                         ‫"معادلة صعبة جدً، هل لك قلبان طومي، هل يّسع حبك الثنَني"؟‬
                            ‫ت‬                                                ‫و‬
               ‫"موضلني فووليط! الكت يا مع ّدات! على علمي أنتما كيان واحد، روح واحدة يف امرأَني، فيوضلني".‬
                                                            ‫ي‬                                           ‫ج‬
     ‫وتع ّبت الطويلة من بداهته، زفرت بنربة توحي أن تغّراً طرأ على موقفها، قالت : " يا لك من ثعلب! ملستَ وتراً‬
                                                                                            ‫ي‬             ‫س‬
                        ‫ح ّاساً، مكمن هوّتنا، أنت على ما يبدو حقيق بالصداقة وال يليق أن ندعك بني مهج متبكتو".‬

                          ‫1 التطبري هو طقوس شق الرأس يف عاشوراء / املهامتان = اتباع حممد، /كيفكيف = نفس الشيء / مونشري= عزيزي / الكت = لكن /‬
                                                                                                                                                   ‫82‬



                                                              ‫و‬         ‫ط‬
                          ‫وأردفت بعد أن رمقت صاحبتها بنظرات مب ّنة: "نتز ّجك بشرط أن تقبل جبنوننا هذا النهار".‬
                 ‫ي‬                 ‫ْ‬                                                             ‫ذ‬            ‫جت‬
   ‫ار ّت يف بدنه ل ّة خبيئة وأعلن قبوله بال قيد وال شرط، قالت فيوليت: "ْتري بْيِني، لكل لعبة قواعد ُقال هلا: قواعد‬
                                                  ‫ي‬
‫اللعبة، اجلنس خضوع للعبة احلياة واملوت، حنن كما تعرف مبتلّتان بفاغنر والسحاق والشبق، اإلنسان الطبيعي ال وجود‬
         ‫ر‬                            ‫ر‬                                                                  ‫و‬
  ‫له وإن ُجد فالفارق بينه وبني العصايب هو بالدرجة ال بالنوع، لذلك سننطلق حب ّية أكرب، نتبادل األدوار، جن ّب قوامة‬
                                     ‫م‬
                                 ‫النساء على الرجال، نلعب لعبة أسياد وعبيد، نكرر جتربة 021 يوماً من سدوم وع ّورة،‬
                                                                                                                       ‫دندنت بصوت درامي:‬
‫!1‪Si tu ne m’aimes pas ,je t’aime ; si je t’aime ,prends garde à toi‬‬
                                                          ‫ج‬                                ‫ل‬                   ‫ي‬
      ‫تغّرت مالحمها إىل متس ّطة وأمرت صاحبتها أن تضع يف املس ّلة شيئاً من ريشار (يف العالقة الفصيحة بني املرأتَني،‬
              ‫ّ ج‬                                                                 ‫ي‬
 ‫فيوليت هي الطرف املسّطر الفحويل ومادلني تلعب الدور األنثوي اخلاضع) كبست الشقراء زر املس ّلة فارتفع صوت‬
                               ‫ص‬
    ‫أوبرا "داس غولدراين"، أخرجت من شنطة جلدية الجنري النكاح والسحاق، تع ّبت كقرصان بعصابة سوداء ختفي‬
‫العني اليمىن بينما أخفت الطويلة عينها اليسرى وانتعلت كل واحدة جزمة سانتياغ ٍ، امتشقت كرباجاً من جلد كركدن‬
                                        ‫ص‬
‫ولبست ثياباً جلدية مشدودة إىل اخلصر، وضعت الشقراء يف فمَها م ّاصة سكاكر محراء بشكل قلب. بدت كأهنا كائن‬
                                                                             ‫ي‬                 ‫ر‬
              ‫لخر، وهي تق ّب األصفاد منه: "هّا يا خنزير أدخل يدَيك، وما بكيت منه يف العراق ستبكي عليه اآلن".‬
                                                                       ‫مثل بني أيديهما يف استجابة َّب للمعذ‬
    ‫ِّب، بانصياع، بامتنان، برضى، ثبتتا بعنقه ساجوراً جلدياً كالذي يوضع يف‬     ‫املعذ‬
                                  ‫د‬
      ‫أعناق الكالب، ربطتاه من حوضه بسلسلة حديد ومررتاها فوق الشجرة ثبتتاها يف مق ّمة التويوتا، رفعتاه قليالً،،‬
             ‫ق‬                                  ‫د‬
       ‫فَحَجَت الطويلة وعلى صدرها صليب مقلوب ككبري كهنة الق ّاس األسود، مث دارت حوله بطقوسية، دّقت فيه‬
         ‫ّ‬
   ‫باستعالء إمعاناً يف ضبعه يف أوالية السيطرة واخلضوع، رفعت حنكه مبقبض الكرباج، وقالت : " الفظاظة َأجَل من أن‬
                                                                                                                ‫ت‬
      ‫ُعترب عيباً، وهي االنطباع األول الذي طبعته الطبيعة فينا، الطبيعة أوجدتين أنثى ومع ذلك أريد أن أقهر الذكور".‬
 ‫ل‬                                            ‫ي‬                                                           ‫ف‬
 ‫ل ّت أنشوطة الكرباج حول عنقه وجذبته حنوها، عاينته بربودٍ صقيع ّ: "أنتم معشر الفحول تعتربون األنثى سيجارة ك ّ‬
                                                                                        ‫ر‬         ‫َ‬
                                     ‫ذكر يسحب منها نَفسَني ومي ّرها إىل اآلخر، وعندما تصل إىل األخري يسحقها برجله".‬
                                                                      ‫ر‬
  ‫طقشت إصبعَيها، نفضت منكبَيها، م ّرت كرباجها على ظاهر يدها حبركة رشيقة، رفعته وهوت عليه بضربة قوية على‬
      ‫الظهر، وقبل أن يرفع طرفه فاجأته بسوط ثانٍ، ارتسمت عالمات محراء من منكبه إىل خصره ومن أعلى ظهره إىل‬
                     ‫ل ف‬                       ‫ل‬             ‫ي‬
  ‫أسفله، واهنالت عليه الشقراء من الطرف اآلخر: "هّا دع حواسك ك ّها تنطلق، مارابو مدّس، أ ّاق، مأبون، أندجيني،‬
                                                                                               ‫بارازيت فينيان بونيول بيكو راتون، خذ".‬
                                   ‫ي‬             ‫ي‬                           ‫ذ‬
             ‫صرخ ال أملاً وإمنا استجابةً إىل ل ّة كثيفة، ضاعت صرخاته يف دو ّ الكرباج :" أَباه أويلي، عاشت إيدك .‬



                 ‫1 حىت ولو مل حتبين فسأحبك ، واذا أحببتك فالويل لك / أندجيني، بارازيت فينيان بونيول بيكو راتون هذه شتائم خمصصة للعرب من ايام االستعمار،‬
                                                                                                                                     ‫92‬



                                                                                         ‫ق‬
‫دفعته الطويلة فتل ّته الشقراء، أرجحتاه يف جحيم السياط، على صدره وبطنه وساقَيه: "ابن عاهرة، خنوع، ناقص، ذليل،‬
     ‫ت‬                    ‫و‬                                 ‫ب‬                   ‫ت‬                ‫ب‬
‫مازوخي، حتّنا وتكره ذاتك، حّى وحنن نسيء إليك حتّنا، أنتم العرب ال تأتون إال بالق ّة، بدو، مهج، أجالف، ُشعلون‬
                 ‫د‬          ‫ُرب‬
             ‫احلروب وختسروهنا، تتحاربون يف ما بينكم على بضع لبار نفط، العنف السائد بينكم ي ِّر العنف ض ّكم".‬
                                              ‫ل‬                              ‫د‬
 ‫بصقت يف وجهه، صفعته على خ ّه األمين فأدار هلا األيسر: "تدّل حبييب موضي، ضرب احلبيب زبيب، مور أند مور ".‬
                                                                                      ‫ي‬
                                                               ‫"إخرس يا وغد، لست ضجيعتك، سّدتك أنا يا راعي الغنم".‬
                                                                    ‫ت‬
         ‫طأطأ رأسه مبازوخية تتناسب طردياً مع ساديّها: "أفندم موضلني خامن، عبدك أنا، أي لوف يو مور أند مور ...‬
          ‫مل ع‬               ‫ن‬                             ‫ت‬
       ‫المست فيوليت بكشكش الكرباج شعريات خصيتَيه املرخيَني، زجمرت: "وأنا أيضاً هل حتبّي أيها القرد ا ُش ِر"؟‬
                                 ‫"قلباً وقالباً، مي تو دوست دارم1، وح ّ عارضات وجسر بغداد بكل إحساس أحّك".‬
                                    ‫ب‬                               ‫ق‬
                                                                                                        ‫ذ‬
  ‫"ك ّاب قميء، باربار، ميزرابل، سوفاج، ال ختتلف كثرياً عن الناجني من هريوشيما وفيتنام وأوشفتز، احلروب أفقدتك‬
                                                                                      ‫ب‬       ‫ب‬
 ‫الشعور باحل ّ، مل حتّنا بل نكحتنا، حبقد نكحتنا، كنت تستعيد صدمتك من خالل النكاح األعمى، اغتصبتنا يا مهجي ا‬
                                                                                                              ‫غ ت ص ب ت نا ".‬
                                                                                                             ‫" عشقتكم بإرادتكم".‬
           ‫ب‬
     ‫"إخرس يا وقح يا بطريركي يا ميزوجني، أال تدري أن كل ممارسة جنسية هي يف نظر الفيمينيست اغتصا ٌ صامت،‬
        ‫ن‬                                                                          ‫ل‬
     ‫سحقاً لك أنت وك ّ الذكوريني، سنتركك هنا فريسة للعطش والثعابني والعقارب، سنسلخ جلدك، نسمل عيَيك،‬
                                                  ‫ث‬
                                             ‫نَجرم حلمك، نشرب دمك، ندهنك بالعسل حىت يعترك النمل على جّتك ".‬
                                                                                                  ‫ر‬
                                                                 ‫" فدوى لعيونكم، ح ّرمت روحي، اعملوا ش تريدون ببدين".‬
                                                        ‫ر‬
   ‫ورشفت الفرنسية من القنينة وبصقت النبيذ بوجهه، ح ّك الضعف اإلنساين فيه غريزةَ االسترجال فيها، فاستأسدت،‬
                                      ‫د‬                                    ‫ض‬       ‫خ‬
                 ‫غرزت مجرة السيجارة، يف مؤ ّرته، ع ّ السلسلة احلديدية، جأر: "أويالخ اهن ّ حيلي يا مدام ارمحي".‬
      ‫ذ و‬                              ‫ً‬                    ‫ذ‬
    ‫دلقت من قنينة النبيذ على اللحم املوسوم فتكاثف األمل يف ل ّة غامضة، أفرز مورفينا طبيعياً وأبقاه يف حالة ل ّة مط ّلة‬
   ‫وانتشاء، وجحظت عيناه والب عطشاً، انبجس الدم أمحرا بلون اجللنار واخلصب واحليوية، اختلطت اجلراح الطازجة‬
             ‫ي‬           ‫د‬
  ‫بندوب عتيقة من موسم احلزن الشيعي وطقوس النياحة . لطم بيدَيه املكلبجتَني صدره، ر ّد بنحيب شج ّ: " أنا جرح‬
                                            ‫و‬
  ‫الرباب إجرحوين، أنا النار واحلطب، احرقوين، أنا املدمن عَ السِياط، س ّطوين، أنا مسيح بْال صليب، أصلبوين، أنا بئر‬
                                                                                                                        ‫ط‬
                                                                                                                ‫الظمأ، ع ّشوين، ".‬
                                       ‫هوت مادلني بالسوط على جنبه: "وَلوِل أيها املازوخي العاجز سوى عن املكابرة".‬
  ‫قهقهت فيوليت بساديةٍ على منظر الدماء: " ‪ BDSM‬فظاظة قصوى، فانتازم إكسترمي ، ماكسيموم بليزير، السعادة‬
                                                                                         ‫توجد يف اخليال، يف اإلثارة، يف اجلرمية".‬

                        ‫1 أحبك بالفارسية / ميزوجني = كاره النساء / الفمسنت = الناشطات النسويات /‪ = BDSM‬احتصار بانداج دوميناسيون سادو مازو‬
                                                                                                                                               ‫03‬



                                                                                        ‫ي‬                  ‫ل‬
                                               ‫نزعت الغ ّ من عنقه وأبقته مقّداً بالسلسلة، أرختها، أنزلته أرضا هنرته :‬
‫1‪sur quatre patte on the knees‬‬
               ‫ف‬                                                                                       ‫ب‬
    ‫حََا على ركبتَيه ومرفقَيه، ارمتت بعجيزتيها على ظهره، هوت برجلها على خاصرته، خنزت إليته، ل ّت السوط حول‬
                        ‫س‬                                                                            ‫د‬
   ‫رقبته وش ّته إىل الوراء، أمرته أن ينبح فنبح، أمرته أن يعوي فعوى، هتاوى فوق الرمال، أح ّ جبفاف ريقه وشرايينه،‬
                                                     ‫و‬                                          ‫ل‬
 ‫أشار إىل املطرة املع ّقة بالطلحة، أفرغت حمتواها نكايةً بعطشه، ل ّحت بأنشوطة الكرباج إىل األمام، نترهتا واهنالت به إىل‬
                                                        ‫ض‬                       ‫و‬
       ‫اخللف على فخذَيه : "ق ّاد لقيط وصويل سافل، تف ّل ذهب الراين على بنات الراين (داعبت بكشكش القرباج‬
                                                                     ‫2‬
                                                                         ‫حجابه) هل تنفعك الغريغري أيها القزم البشع ألربيش"؟‬
     ‫أمسكت مادلني بيدها قضيب نكاح اصطناعي، كتبت حبشفته على الرمال "هنا مارسنا احلب مع طومي، يا لألشياء‬
           ‫ن‬           ‫ي‬                                ‫ر‬                                ‫ف‬
  ‫البائسة"، مث ل ّت رباطه على خصرها حتت مستوى الس ّة، وقالت وهي تستعد الحتوائه: " هّا أيها املخّث مستقبلك‬
                ‫ت‬                                                                        ‫ي‬
            ‫مضمون بني املثلّني، من استطاع استدراج سحاقيتَني دفعة واحدة بوسعه استدرج رجل لوطي على دفعَني".‬
                                     ‫ز‬
       ‫دهنت ثقبه بفازلني وأوجلته من اخللف، أغمض عينَيه وفتح شدقَيه، شرعت هت ّ حوضها، جلدته فيوليت من األمام‬
                ‫ذ‬
 ‫بعشوائية، صرخ بقوة الوجع وصرختا بقوة اإلجياع، ذابت صرخاهتم يف صدى واحد له معىن إطالقية الل ّة، اهنالتا عليه‬
                         ‫ذ‬
    ‫بالرفسات واللكمات والكرباج، وامتزج األنني بالقهقهة يف صوت حمايد، وتالشى األمل يف ل ّة األمل، انتصب قضيبه،‬
                                                                       ‫س‬
                     ‫وحدة انتصب كعضو مستقل عن بدنه، أح ّ برعشة أورغازم دافقة، شهق منتشياً باللذة املنحرفة.‬
                                    ‫م‬                          ‫ز‬               ‫ر‬
    ‫أخرجت مادلني سيفاً طارقياً وق ّبته من وجهه، ح ّت جلده مث حلست النصل املد ّى، وسألته عن أمنيته األخرية فرفع‬
                                                               ‫ف‬                        ‫ي‬
                                ‫عنقه يف نزوع انتحار ّ: "إذحبيين ذبح الكبش، أ ّادي إنت، روحي فدوى لك إذحبيين".‬
                                            ‫ج‬                      ‫ذ‬
                                ‫اهتز السيف بيدها فأرخته : "أوف أنا نفسي تع ّبت من تعذيبك، أال تتو ّع يا متساح"؟‬
                                                     ‫و‬                                        ‫ش‬
‫شعر بأمل يف ال ّرج، مبغص يف املعدة، بدوخةٍ يف الرأس، تل ّى على لخر رمق، استجدى شربة ماء، ثنت الطويلة ركبتَيها،‬
                                                                                 ‫ز‬
    ‫أقعت وبالت على وجهه، ك ّت بكعب احلذاء الفوالذي على عظمة القلب، عصبتا عينيه خبرقة تارهلامي محراء، رفعت‬
                                               ‫ل‬                                                ‫ب‬
                                      ‫السلسلة احلديد وثّتتها بالتويوتا. تركتاه وحده ومضتا تتساحقان يف ظ ّ السيارة.‬
    ‫َ‬
 ‫ارتفع صخيب لالت النحاسية يف األوركسترا الفاغنرية، ساحت قدماه يف الرمال احلامية، ظهرت أشباح محراء يف عَتمَة‬
    ‫النهار، ازدرد لعابه يف فوضى االسترجاع والذاكرة اللعينة .... األمحر ليس فقط لوناً أساسياً، لكنه تكاثف املشاعر،‬
                           ‫مت‬
 ‫احلقد والرغبة والدم والثورة، التعذيب يف املعىن العراقي للكلمة عمل مزدوج املعىن، ّحي احلدود بني موكب عاشوراء‬
                                               ‫ق‬
     ‫وسجن أبو غريب، يتماهى التطبري الطقوسي باإليذاء العقايب، تتو ّف الوحشية عن كوهنا إساءة لتصبح شعرية، بالد‬
                       ‫د‬                  ‫ل‬        ‫ج‬
 ‫السواد كانت مرتعاً للتناقض، عيون املهى والعينان الزبيبتان، احل ّاج واحل ّاج، البداوة والتم ّن، األساطري والسواطري،‬


                                      ‫1 هيا على اربعتك اركع على ركبتيك/ / التارهلامي = طاقية اخفاء مستوحاة من فاغنر ومن االساطري اجلرمانية القدمية/‬
                                                     ‫2 يف اوبرا فاغنر داس غولدراين "الربيش" يفضل الذهب على احلب، / الغريغري هي التعاويذ االفريقية‬
                                                                                                                               ‫13‬



  ‫الرجل الباحث عن اخللود و"الرجل الضرورة"، األجبدية واخلازوق، عشتار إهلة احلب هي نفسها إنانا إهلة احلرب، وهو‬
 ‫نفسه جزء ال يتجزأ وال ينفصم عن هذا الفصام التارخيي، وكان مبقدوره أن يعترض على جنوهنما منذ البداية، لكنه لثر‬
  ‫أن يكون شريكاً فيه، ليعاجل الصدمة بصدمة أعىت منها، أحببتاه وأسرفتا يف احلب، كرهتاه فأسرفتا يف الكره، لتفعال ما‬
                             ‫س‬                  ‫ف‬
    ‫تشاءان، إن كان هذا هو الطقس االحتفايل الواجب ليعرب إىل الض ّة األخرى من املتو ّط فال غضاضة، بإمكاهنما أن‬
            ‫ّ‬
    ‫تنزعا بؤبؤَيه من حدقتَيه، وأظافره من حلمه، وروحه من بدنه، فحياته أصبحت وراءه وحلمه أمامه، أوروبا: حياً ميتاً‬
                                                                                                                           ‫و‬
                                                                                                                     ‫مش ّهاً...‬
                             ‫ت‬                                                                   ‫س‬
                      ‫أح ّ بقطرة ماء على وجهه، وبيد على رأسه وصوت يقول: "إذا عرفت من أنا فكك ُ قيدك".‬
                                                                                                      ‫ي‬
                            ‫مّز خوامتَ الطويلة وصوتَ الشقراء فقال : "الصوت صوت موضلني، واليد يد فووليط".‬
                              ‫ب‬                                                     ‫ك‬
‫وفعال كان األمر كذلك فف ّتا قيوده، أزاحتا اخلرقة عن عينَيه، خطف مطرة املاء، ع ّ منها ودلق على رأسه، عادت إليه‬
                                                        ‫ْ‬                      ‫س‬
‫الروح، لبث بال حراك، حت ّس ريقه: "خيلي ممنون خَي، يرحم أبوك وجدودك، إنت فيض الفراتني، إنت الفيض اإلهلي".‬
                            ‫ش‬                                                    ‫ج‬
   ‫كبست مادلني على زر املس ّلة، فصدح املقطع األخري من تاهناوزر "نشيد إلتقاء الع ّاق"، نظرت إليه بعطف حقيقي‬
           ‫ل‬
  ‫وعانقته: "باردون طومي، مل نقصد اإلساءة إليك، لكننا من هواة األحاسيس العنيفة مثلك متاماً، ال شيء يع ّم اإلنسان‬
                                              ‫جم‬
  ‫أكثر من الصدمات واهتزاز املشاعر، السادومازوخية ليست كلمات ّانية، هي فلسفة فاعلة، معاجلة كلينيكية، وسيلة‬
 ‫الستخراج اجلواهر اخلبيئة يف منجم النفس العميق، وضعناك حتت التجربة وجنحت جبدارة، ما عساين أعطيك يا عريسنا‬
                                             ‫املوعود: جموهرايت! خيويل يف مضامري سبق اخليل! أسهمي يف البورصة"؟‬
               ‫و‬          ‫ب‬            ‫ز‬                                               ‫ل‬
     ‫وقالت الطويلة وهي تف ّي شعره من أشواك الطلح والرمال: "ال بل نعطيك أع ّ ما منلك، قلَينا، سنتز ّجك غداً يف‬
  ‫الفندق، نكتب عقد الزواج ونسافر ثالثتنا إىل فرنسا، تكون بعالً لنا ونكون لك زوجتَني مطيعتَني، لن ميناج أ تروا1،‬
                                                                                       ‫م‬
                   ‫أول طفل ننجبه نس ّيه: غرين كارد، حتصل على حق مواطنة فرنسي (لصاحبتها) نِسْ با ما شريي"!‬
                      ‫ل‬
    ‫"إكزاكتامان ان فريه غولوا ، نصطحبك معنا إىل بايروت لسماع تاهناوزر، وننحين أمام قرب املع ّم ريشارد وكوزميا".‬
       ‫أرخَت فيوليت ذراعها فوق كتفه وداعبت جراحه، وخصالت شعره و: "أوه ال تكن حزيناً مون برنس شارمان".‬
               ‫ف‬
 ‫تناول سيجارة أشعلها وقال : "بالعكس أنا سعيد، ما دام ويسكي وتنت كل األمور هتون، بعد إذنكم ش ّة وايت اليبل".‬
           ‫ل‬                 ‫ز‬
     ‫"أوف كورس طومي، اشرب، فضفض عن نفسك، ال أريد مهرك، مداعبة خصيتيك أع ّ من لبار النفط ك ّها، هل‬
    ‫ل‬                                             ‫ن‬                 ‫نت‬                 ‫ل‬
   ‫الحظت أننا جلدنا ك ّ ذرة من جسدك متجّبَني هذه التحفة الفّية، أشتهيك، ضاجعين تان يب بور مون ماري، املع ّم‬
           ‫ي ب‬                                          ‫ز‬                                     ‫ذ‬
  ‫فاغنر كان يتل ّذ باخليانة الزوجية، سرق كوزميا من أع ّ أصحابه وكان يقول: أحسن أن تنامي مع بدو ّ حتّينه من أن‬
                                                                                     ‫ب‬
                                                                                ‫تنامي مع زوجك الذي ما عدتِ حتّينه".‬
               ‫م ل‬                               ‫ر‬
   ‫أطبقتا عليه، والتحموا ببعضهم البعض، قفز من واحدة إىل أخرى، وك ّر ملحمة الليلة السابقة هب ّةٍ أق ّ وحقدٍ أكثر.‬

                                                     ‫1 زواج بثالثة/ مون برنس شارمان= أمريي الوسيم / تان يب بور مون ماري= سحقا لزوجي‬
                                                                                                                                                 ‫23‬



                                                                    ‫ن ن‬
                                                          ‫إ ّ الّساء رياحني‬


                                                         ‫ق‬
       ‫رفس الباب برِجله، انتصب وسط العيادة، وجهه مشر ٌ بسعادة طاغية، رمى على صاحبَيه نظرة فوقية توحي بأن‬
                ‫ي‬                                              ‫د‬          ‫د‬
 ‫معطيات جديدة دخلت حياته. مت ّد فوق امل ّ اخلشيب، أسبل رموشه بنرجسية، طقطق عظام رقبته لُخرج فائض النشوة‬
                                                                                                          ‫ش‬
 ‫املتف ّية يف بدنه، ابتسم للجدران وامللصقات ولعنزة سيدي الوايف ولكل األشياء اليت كان يعبس هلا يف األحوال العادية،‬
         ‫ل‬       ‫ن‬                                ‫س‬                  ‫ن‬            ‫ب‬     ‫َت‬
 ‫مث شبك إصبعَني وعَّب: "عّود جاي من الّجف بايع شْعريه، ف ّد بنات اخللق هالباطل الغرية... هّيين مع ّم عصري".‬
                     ‫ف‬                        ‫ظ‬                                   ‫ف ب‬             ‫ق‬
            ‫توّف عصري عن ح ّ ضّة األسنان، محلق به من فوق عدستَي ن ّارة الشغل: "شو الظاهر توّت محاتك"؟‬
                                                                                                                            ‫ن‬
                                                                                                           ‫"أي إنت هّيين بعدين أخربك".‬
                                                                                                                      ‫ط‬
                                                                                                        ‫"خري انشاهلل، ب ّلت تلعب قمار"؟‬
                                                                                                                                    ‫"الع بويه".‬
                                                                                                            ‫ش‬                   ‫ش‬
                                                                                                   ‫"د ّرت كار العونطة وكَ ّ احلمام"؟‬
                                                                                                                                     ‫"معاذ اهلل".‬
                                                                                                                         ‫الس‬
                                                                                                            ‫"تبت عن ُّكر والطعريس"؟‬
                                                                                                                                    ‫"مستحيل".‬
                                                                                                                                     ‫ن‬
                                                                                                                    ‫"إّو تركت السيكارة"؟‬
                                                                                                                                  ‫"نه نه أبداً".‬
                                                                                                            ‫1‬
                                                                                                                              ‫ط‬
                                                                                                                ‫"لكان ب ّلت تلحق فروخ"؟‬
                                                              ‫د ن‬                                               ‫ز‬
                                     ‫ه ّ حامت رأسه بالنفي، فقال عصري: "إذاً على شو ب ّي هّيك ؟ يبعتلك اهلنا بالصاع"‬
‫داعب العراقي عضالت بطنه وعاد يتمتم يف مونولوغ جهري : "ليكن كرشك مملوءاً على الدوام يا جلجامش، كن فرحاً‬
                                                                                                    ‫ت‬
                                                   ‫وأفرِح العشتروَني اللتني بني أحضانك،.... خوش خربى تنبكتو نيست ".‬
                                 ‫فرك قبضته اليمىن على راحة اليسرى يف إشارة كيد: "موتون حبسرتكم، أضربون جلخ".‬
                                                                        ‫ر ر‬
                                                                   ‫قاطعه عصري بنفاد صرب: " يعين شفتللك شي مه ّب يه ّبنا"!‬
     ‫انسابت الكلمات من فمه بانسيابية وسالسة: "يا عرب يا طنبورة! فرجني مال باريز، يا سعد من ذاق طعم الفرنسي‬
 ‫نكهة نبيذ معّق، جنة بدن ، فراديس أرضيه تفيض غبطة ، بعد هاي التجربة الفريدة العمالقة الف ّة، اجلّارة، اللي خ ّ‬
 ‫ش‬            ‫ب‬      ‫ذ‬                                                                           ‫ت‬
                                                                                                               ‫ج‬
                                                                                      ‫بفد كيكو أعتربه ر ّال غر أعذر، قطعياً أعذر".‬



                 ‫1 تراود الغلمان / خوش خربى تنبكتو نيست= بالفارسية خرب جيد ال متبكتو هبد اليوم/ أضربون جلخ = استمنوا / الكيكو بالعراقية هو فرج املرأة‬
                                                                                                                                                 ‫33‬



                                                                 ‫مخ‬                         ‫ن‬
                                                            ‫اندهش عصري :"قطيعة تاخدك، إّو شربان نْبِيتْ فرنسي بشي ّارة"؟‬
                                                                                          ‫ك‬
‫عاد العراقي يت ّلم وحده كأنه يصف شيئاً غائباً ألشخاص غائبني: "باقوين بوق احلرامي، رحت اصطاد صادوين، بنفسجة‬
  ‫وجمدلية خي ّلن البدر يف السما، هالفن هاجلمال الكرجي هالعواطف اللطيفة، خوش ق ّة 1، أيباه أويالخ ( أغمض عينيه‬
                                ‫ف‬                                                                ‫ج‬
    ‫ص ْ‬
‫متخيال ) والكيكو طيب طاهر متل بدر التمام ، يسوى محصك وصعيدك وكل عمائم األزهر ، حلم حقيقي مو ُوَر مال‬
                                                                                          ‫ب‬
  ‫كدلوغ (قّل رؤوس أصابعه) عسل بشهده ، ُبوله أطيب من العنرب، غابات، أدغال متاهات سحيقه، مسك حرمل هيل‬
                                        ‫َب‬                     ‫ي‬
     ‫هيييل. ينلحس حلس (حلس شفتيه) أيوباه أويالخ ، الطّارة طارت من لَنْده وطَّتْ بنيويورك وأنا داأحلس، ، مل يزدين‬
                                                                                                                                          ‫د‬
                                                                                                                                ‫الوِر ُ إال عطشاً‬
  ‫رغم اإلحياء اجلنسي الواضح مل خيطر ببال سرحان أن يفكر بأن الكالم يتعلق بالنساء يف مدينة مقدسة بالغت يف التزمت‬
                                                               ‫والتوهيب والنقاب ، انربى له بفارغ الصرب : " ما تنطق يبو دم ساقع‬
                                                                      ‫ث‬
     ‫أرجع حامت رأسه إىل اخللف ونظر إىل صورة املمّلة األمريكية وكأهنا شيء تافه، قائالً بنربة استهتار : "روح أبوصعيد‬
     ‫روح أضرب جلخ على قفة مارلينك، حمض رمسى هست ( نظر إىل عصري والسمسونايت بازدراء) وأنت أبو محص‬
                                                                           ‫ر‬
 ‫كب كدلوغ مَالَكْ بالزبالة، ط ّهات قالوات إشجاب جلاب! صالة النيب، خوش زنان، أيباه طومي طوومي، نداء احلنان‬
                                 ‫ب‬                                                 ‫ن‬        ‫ن‬
  ‫(صرخ بصوت عدواّي) أنا مّا ورايح امسي طومي، متام ! اللي يندهلي حامت أنيش رّه، ألعن أبو كلمن يقوللي حامت ".‬
                                                          ‫م‬
                                                    ‫رفع عصري صوته بوجه العراقي " "ولخرهتا معك أبو حلموس ! تل ّظ إحكي‬
             ‫"شحكيلك بابا! احلكي مو مثل الشوف، جتربة عمالقة، يعجز عنها التعبري، الكلمات عاهره، فاجره، خائنه ".‬
                                              ‫عض سرحان الغليون بفارغ الصرب:"إنت فلقتين فلق، ما تنطق يا ددع حصل إيه"؟‬
                                         ‫ك‬           ‫د‬                ‫خ‬
                              ‫"إشباع، حصل عندي إشباع".أجاب حامت وهو يف ّم حرف الباء ومي ّ األلف ويؤ ّد على العني‬
                                                    ‫"إشباع إيه يا جيعان؟ إحكِ يا وَلَه، خيرب بيتك إنت عملت ساسبنس جامد".‬
                                                                                                                         ‫"إشباع جنسي، غري".‬
                                 ‫د‬
    ‫وارجتت العيادة بالصمت والدهشة والنظرات املتبادلة ، وانتهز فرصة انذهاهلما ، فم ّ يده إىل علبة الرومثان واختلس‬
                     ‫م‬                                ‫د ن‬                                             ‫س‬
   ‫سيجارة د ّها يف فمه، أشعلها، راقب دوائر الدخان، مق ّراً فّه األصيل الذي جيعل السيناريو أه ّ من احلكاية نفسها،‬
                                         ‫معز‬                                  ‫م‬                       ‫ت‬
‫رلمها صامَني ينتظران كلماته، فتع ّد السكوت ليتالعب بأعصاهبما. مث قال ِّزاً قوله بإصبعَيه: "إي بَلي، نسوان ثنتني،‬
                                                                      ‫غنيمتني بفد غزوة، ورجاءً اللي قلبه ضعيف ال يسمع احلكاية".‬
                 ‫ع‬                                    ‫ك‬
        ‫انفعل صاحباه، بدا اخلرب أكرب من أن يعقاله ، وتبادال نظراتٍ ش ّاكةً، لكن حركة إصبعَيه، وعيونه الشا ّة باليقني‬
                                                               ‫ك‬                               ‫ش‬
        ‫والثقة، والسعادة املتف ّية يف بدنه، مل تترك جماالً للش ّ (يعرفان أنه ال يكذب إال إذا أراد أن يستلف ماالً). أرخى‬
                                        ‫ب‬                 ‫ب‬      ‫َّ‬
          ‫عصري حنكه، فوقع رماد السيجارة على املئزر، شَنكَ شراّية السبحة " يوه تّت يدا أبا هلب، كهربتلي بدين ".‬



 ‫خوش قفة = مؤخرة ال باس هبا /خوش زنان= نساء ال باس هبا / مالك = خاصتك / باقوين = سرقوين / مادلني تعين جمدلية وفيوليت تعين بنفسجه / ساسبنس = تشويق /‬   ‫1‬


                                                                                                                                     ‫فد = فرد = واحد‬
                                                                                                                       ‫43‬



                                              ‫ت‬           ‫املصد‬                     ‫ذ‬                  ‫ض‬
                       ‫ع ّ سرحان الغليون بل ّة جنسية وغمغم بنربة غري ِّق: "تنتني حّة واحدة يا ابن الدزمة !‬
                                             ‫ّ‬                                    ‫ي‬                         ‫ر‬
‫ق ّب الفانيال اليت ألبستاه إّاها من أنف الغجري فشمشم بانبهار حقيقي : " لمنت باهلل، رحية حرمي، بْري عليك أبدالل،‬
                                                                        ‫تفو‬                 ‫د‬
                                  ‫إيدك بال ّهن ، إحكِ إحكِ ال ِّت شي، أعطيين أوصاف الولف ، قديش عمرو"!‬
‫"بني أربعطاعش وأربعة وأربعني، هيجي بني بني، الطويل ورد جوري سبحان اخلالقه ، عود خيزران، األشقر يقول للقمر‬
 ‫غيب وأنا أقعد مبكانك قاضي ومفيت ونقيب، فرنسي مال شنزيليزي، أبكار مو مفتوحات ولين هالعبد الفقري أول واحد‬
                  ‫ل‬
        ‫حبياهتن (نكش أسنانه) اهلل من ينطي يدهش ومن ياخذ يفتش، إحنا العراقيني أو نعشق بالثنتني أو نظ ّ ما نعشق".‬
                               ‫ي‬                     ‫ِ‬                ‫ْ‬      ‫ُُ‬
         ‫"حالل على بيضاتك أبدالل، كلو عِجِر وال يوكلو غريك مسْتوي ... أي شو أسامِّن عيون ؟ "قاطعه الغجري‬
                                                                   ‫ن‬
                  ‫"األشقر إمسه موضلني واألمسر فووليط، ولين مّا ورايح إمسي طومي، وألعن أبو كلمن يناديين: حامت".‬
                                                           ‫ي‬               ‫ُك‬
                     ‫قال سرحان : "عاشت األسامي يس َّر، دي أسامي أثرّة تفوح برائحة متاحف ونفتالني وتقاعد ".‬
                  ‫ْ‬               ‫قو‬                                         ‫ب‬
‫حلس عصري شفتيه : "يؤبشين دين ر ّ الفرنساوي، إيه عليم باهلل امسه حلاله بي ِّم األير... أوعَك تكون سحرتن بالعصا‬
                                                                                                      ‫دكتور داهش"!‬
                                                                                          ‫أ‬
     ‫"الع برجوليت ُوبشبايب حبناين، با يك نظرة عاشق شدن1، داعيك سبشال أنْد يونيك، سو كود جنتلمان شارمينغ،‬
                                                                                        ‫س‬
                          ‫جبتهن عَ الوتر احل ّاس، الشتات، املنفى، الوجع العراقي، مواويل حزن دارمي ولبوذيات "‬
                     ‫ت‬                    ‫ت‬
‫" أحيه ! شخط املصري مبنخرَيه : أكيد حرمي مستهلَكة ، الشوربة الشهية ُطهى يف طنجرتَني عتيقَني، الدهن بالعتاقي ".‬
                                                                                              ‫ب‬
       ‫"انض ّ لك أبو صعيد، الرازق بالسما واحلاسود باألرض، انفقست عينك معيدي، مهجي، بدوي، طفيلي، ناقص‬
                                                                                         ‫ل ف‬
                                                                              ‫مازويت، شاعر مدّس، أ ّاق، مأبون".‬
                                                  ‫ن‬                   ‫تزر‬
    ‫التفت عصري حنو املصري الساخر : "ال ِّك عليه، مو مهم الس ّ واجلمال، املهم األخالق واجلنسية (حلامت) بريجع‬
                                                                                      ‫مرجوعنا عيون، إيه وبعدين"!‬
                                  ‫ب‬        ‫د‬
 ‫" وال قبلني، اليوم أقطع مهر وباكر الدخلة، بعد باكر على بلد احملبوب و ّيين، أط ّ يف بالد البقرة الفاقعة من الضحك،‬
                                                                      ‫اجلنسية حتصيل حاصل وارتاح من شوفتكم "‬
                                                          ‫ل‬                        ‫و‬                  ‫ش‬
              ‫" ِه شِه ، إنت لو تز ّجت ملكة مجال فرانسا بتض ّك عراقي عً السكني ... أصالً معك تدفع مهرها"؟‬
                               ‫" بابا عصري ! مو إنت هو الذي قلتلي فلوس ما جتيب عروس، عروس جتيب فلوس"!‬
                      ‫ع‬            ‫د‬                                               ‫ل‬
                   ‫رمقه الغجري بنظرة مع ّم إىل تلميذ: " عفارم عليك حافظ درسك.... دخلك ب ّي اسألك، مَ ُن"؟‬
                                                                ‫ب‬           ‫ف‬
                   ‫مل يفهم حامت مغزى السؤال فح ّ الغجري السّابة باإلهبام : "قصدي معن قرشني نضاف؟ زناكيل"؟‬
‫"زناكني وبس! العاطي اهلل، الذهب ذهب، الليلو ليلو، وعدوين يفتحويل رصيد عملة صعبة، فرجني مال أيرو وضوالر مو‬
                                                                                                ‫بلدي درهم ودينار".‬

                                                                               ‫1 وقعت حببهن من اول نظرة/ مَعُن تصحيف معهن /‬
                                                                                                                     ‫53‬



                       ‫ل‬           ‫ي ي‬                     ‫عو‬
  ‫قال عصري بنربة متوسق احلسرة: " كنز وانفتحلك مي َّدْ، ختطيط سليم مّة باملّة، ضربة مع ّم، تالت عصافري حبجر :‬
                                                            ‫َم‬
        ‫بتنيك وبتاخد جنسية وتزنكل، فرصتك ،تك َّش فِيهن برموش عيونك، هاي نسوان بتشيل عن حبل مشنقة ".‬
   ‫ر‬                                                     ‫ج‬                                  ‫م‬
 ‫ابتسم سرحان: " ك ّلوا بعض مادياً وعاطفياً انت واحلَ ّة، خليها تعيشلها يومني حنان قبل ما متوت ، لخرهتا هتو ّثك‬
                                                                 ‫وتكتب الفدادين بتوعها على امسك وتصري خواجة".‬
                                                                        ‫ل‬                          ‫م‬
     ‫"انط ّ لك هريدي إنتَ لخر من يتك ّم هبالكار، ناقصك ثقافة جنسية، مازويت عاجز سوى عن املكابرة، ال تكتمل‬
                           ‫علي‬
    ‫شخصيتك إال ببهدلتك، بطركي، قميء، مزدوج، مزواجيين، تعمل إسقاط لعقدك َّ، تستعيد صدمتك الطفولية‬
                                                  ‫ق‬     ‫ل‬      ‫ق‬
‫من... من... خالل الترديد األعمى، أنتم أشباه املث ّفني ك ّش مع ّدين مثل الناجني من خريوشيما وبيتنام ما بقالكم أدىن‬
                                                                                ‫شعور باحلب واحلنان، ميتني عاطفياً".‬
                                             ‫ي‬                  ‫ر‬                  ‫اندهش املصري تأ ّل العراقي‬
   ‫َّ كأنه يراه ألول م ّة : "إنت فعالً متغّر، منني جاتك األفكار دي يا بو دماغ الطوب"؟‬       ‫م‬
          ‫و‬                                                    ‫م‬
    ‫" إشباع فكري ، احلب يطلق لسان البليد، يفتح ص ّام الغرائز العليا، املرأة لية من ليات اهلل، خصب، تل ّن، فيض‬
                                                                      ‫م‬
                                                           ‫باملعاين، إن النساء رياحني لنا وكلنا نشتهي ش ّ الرياحني".‬
                    ‫ل‬                                               ‫ش‬     ‫حي‬       ‫ي‬           ‫ف‬
 ‫حت ّز عصري: " حّك بابا َّك، خ ّ بالتفاصيل دغري، هات أخبار الفتوحات السكسية. ب ّيت ريقك بأبو ضراس"؟‬
                                                                  ‫ب‬             ‫ر‬
                                           ‫"اهلل يطعم زيارته لكل حمروم، ج ّدت األقرع اجلّار، فلم تطق عليه صرباً"‬
                                                      ‫ز‬                           ‫ز‬                                ‫م‬
                                     ‫"أ ّال، قال املصري : املرأة اليت هت ّ السرير بيمينها هي اليت هت ّ البتاع بيسارها".‬
                             ‫تقر‬          ‫ز ز‬                                             ‫ي‬
   ‫"سوّناها عنجلية بالكيف والشيل والبطح للصبح، ه ّ ول ّ وحلس ونيك ُّص ومصمصة، رص نيش، رص ونيش،‬
                                                                                                        ‫انقطع حيلي "‬
                                   ‫س‬
         ‫"يا هيك الشراميط يا بال، العمى بقلنب شو عينن محرا، مشلفات، مفحالت، ل ّه كَربهتن حامية" قال عصري.‬
    ‫"والتطبري والكمنجة وفاخنر، منام عجايب فظاعة فنطزية إرعاب، ماكسيموم انتعاش، أمبيانس مية وعشرين ليلة يف‬
                                        ‫ت‬           ‫ل‬
                                     ‫سدوم والعمارة، أنا إله األعور فوطان، خذ أيها اإلبريق، خ ّي حواسك تتفّح"!‬
                                       ‫ي‬
                ‫"ده فِلم جامد قوي، مراهقات يف أرذل العمر، حرمي هلاليب بايظة، يعين بيتهّأيل كنتو شوية سكرانني"!‬
                                                      ‫ن‬                        ‫ُُ‬
    ‫"سكرانني وبس، داخيني سكر، ويسكي سقوطالندي أبو حّا املاشي، مو عرق أبو كلبجة، تنت جيتان غلواز مو زبل‬
                                 ‫خ ب‬                       ‫ر‬                     ‫ر‬
      ‫مور يتاين، بابا قلتلك فرنسي، ح ّ باملعىن الفرنسي للح ّية، يسكر، خيمر، يد ّن، يعّر عن ذاته مثل الرجال بأفعال‬
                            ‫ي‬                    ‫س‬     ‫د‬
    ‫الكينونة واألمر والنهي واجلزم واإلرادة والفعل املتع ّي، ح ّيت حايل حرمة شرقية وّاهم، مثقفات، متولعات بفد‬
      ‫و‬
 ‫موسيقار ينقال له ريشاد... ريشاد فاخنار هيجي... موسيقار مدفون ببريوت... حد منكم سامع هباالسم يا مع ّدين"؟‬
                          ‫ن‬                                  ‫ف‬                     ‫ز‬                 ‫ط‬
   ‫م ّ عصري شفتَيه: "م ّيكايت بريويت؟ رشاد ن ّاخ نار؟ ما سامع فيه منوب، بعرف الفّانني سخصي من عمر خورشيد‬
                          ‫لوليد دوفيق، عبود عبد العال،... املهم بريجع مرجوعنا، كم واحد جنرهتن يا سيد السباع ؟‬
                                                                                                              ‫63‬



 ‫"من الفجر للنجر، سبعة وسبعني بعدد وضعيات كوماصطرا،سبعة بأول الليل، سبعة بنص الليل، وسبعة باهلزيع األخري‬
                                                 ‫و‬
     ‫من الليل، وسبعة مع الصبح، عري عراقي حيدري، طبعاً يا مع ّد، النيك فن من الفنون اجلميلة، حمسوبك جلجامش‬
‫الناكح بأمر اهلل ، سبعني ساعة مضاعفة ينكح بليلة واحدة، ثلثه قهر وثلثاه كبت، ليلته تعادل سبع ليال من ليايل البشر،‬
                                                               ‫ب‬              ‫و‬                            ‫ق‬
                                                         ‫وح ّ قالع باب خيرب ما نكحتهم بق ّة جسدانية بل رّانية".‬
                                    ‫" عفارم عليك يا سبع الليل، شفت شلون اإلير يصنع معجزات"؟ علق الغجري‬
           ‫ن‬            ‫م‬
       ‫شخط سرحان بوجه العراقي ويف نيته أن يوقع بينه وبني الغجري : " بقيت تزاود على ع ّك عصري يف الّيك".‬
              ‫ل ي‬                                                                    ‫ي‬
‫رفع الغجري الشّال ورفع صوته : "فشر، سبعة بعيونك، أنا النيك كاري وصنعيت، ناكح من كّو رّاس كاجو، حليب،‬
                                                           ‫ل‬
                                     ‫شامي، لبناين، شركسي، كردي، تركماين، قربصي، ك ّه كان ينزل عَ املسلخ".‬
 ‫زالت "الفنظزة" عن وجه الغجري وعاد إىل أرض الواقع، إىل كبته وحسرته، الغربة، انكسارات الشيخوخة، وخيانات‬
                                       ‫ك‬                                          ‫ر‬
 ‫سفرجلة، وشعر بالتعاسة (م ّات قليلة تلك اليت يشعر فيها بالتعاسة). تع ّر مزاجه، وخالطه شعور بضغينة غامضة جتاه‬
                                                                         ‫ش‬
    ‫شريكه، التفت حنوه وقال : " ف ّيت حمنتك! جربت خباطر املكسورتني! خرا عليك خرا، ملتهي بافتضاض األبكار،‬
                                                                                            ‫ض‬          ‫م‬
                                                                     ‫وع ّك عصري مق ّيها مخسة باليد واحد " .‬
                                  ‫ب‬                             ‫د‬
  ‫صَفَنَ يف صلعته ولثار اجلدري يف خ ّه وظل يقول : " دخلك على إيش حّوك، ال صوت حلو وال وش ناعم! يفضح‬
                                      ‫عني الكذب، أكيد سيدي الوايف مشوفك فِلم فيديو نياكة، الزم شوف بعيين،.‬
                                                  ‫ي‬             ‫ي‬                              ‫ي‬
                                     ‫"لعنة اهلل عل ّ إن كنت أكذب، وبالعالمة هاملسوّة لين سهران وّاهن بالفندق".‬
                                               ‫ْ‬
                          ‫ملعت عينا عصري بنظرات ثعلبية :" أخي أبو دالل بتريدين اسَلْفَك قرشني تكاليف السهرة؟‬
                      ‫" ماكو لزوم، الفرنسي يتكلف بكل شي بآخر السهرة يسجلون كلشي على حساب غرفة 11‬
 ‫"طيب وينك أبدالل هالشهر يف ما لزوم تدفع حصتك بأجرة العيادة، رح إدفع عنك والليلة السكرة ع َحسايب وكس‬
                                             ‫ط‬                                         ‫د‬                   ‫م‬
‫أ ّه إبين ميالد إذا ب ّه يورتين ... بس اللقمة شوي كبرية عليك، ب ّيختني بإيد وحدة ما بتنكمش، إرحم حالك يا زمله،‬
                                                    ‫ت ب‬
                                         ‫مو حرام تشيل عِدِلني عَ ضهرك، ماين شارب القهوة حّى تلّي يل غرضي".‬
                                            ‫"إشرب قهوة أبو ميالد إشرب، ولك الرأي واألمان، شنو غرضك بابا"؟‬
                                        ‫َت‬                         ‫ب‬
           ‫"خجالن منك إبن أخي، جهل اخلتيار ماله دّار، بالعشم، جاي عَ بايل تَّن سيكارة جيتان، وسالمة فهمك".‬
                                                                                    ‫مفخ‬
 ‫قال العراقي بلهجة َّمة: "لين أخوك باشق ألقفها عَ الطاير، إنت إتريد تصري عديلي ميخالف، صار وألف صار، أنا‬
                       ‫ي‬                                                      ‫م‬
       ‫حامت الصخا إسم على مس ّى، إتريد ست الستوت لو عنرب املفتوت، فوليط تعجبك أنطيك ّاها خذها نصيبك".‬
            ‫ي‬         ‫الس‬                                     ‫و‬
   ‫"شابوش يا عديل شابوش، ". هتف الغجري وح ّط فمه بأصبعيه وزغرد : " لويها يا أمسر ُّمر يللي عّروين فيك،‬
                                                                                              ‫ي‬
                  ‫لويها كل ما عّروين فيك بتزيد رغبيت فيك، لويها إنت القمر بالسما وأنا القاضي فيك... ليليليش.‬
                                                                                                             ‫73‬



                                                          ‫ب د‬
       ‫نزع من على وسطه مئزر اجللد الغدامسي، ض ّ ع ّة األسنان عشوائياً يف السمسونايت، سحب يف طريقه علبة‬
                          ‫ت‬                                                 ‫ز‬
    ‫"رومثان" وناوهلا للعراقي، اهت ّ الغليون يف فم سرحان : "هزلت، إنت كمان هتنام مع حّة كركوبة يا عم عتريس"؟‬
                            ‫ّ‬
        ‫"ضب لسانك أبو أشكمان، أنا كرمال عيون أخي طوين بيك والفرنسي واجلنسية مستعد نام مع محار قربصي".‬
                         ‫م‬              ‫ج‬
   ‫واصطنع املصري الغنب عاد يلمز : " يلي عطاكو مبلعقة يعطينا بطرفها، احل ّتني ماهلومش ع ّة مشطاء يف أول طلعتها،‬
                                                                                                  ‫ق‬
                                                                             ‫عندها ش ّة مفروشة ومعاش تقاعد؟‬
                   ‫د‬                               ‫د‬                                  ‫ي‬
              ‫دندن عصري وهو يتخّل فرنسيته :" يا بنت أربطاش شعرك ج ّيل، إحكي املزح للغري واحكي اجل ّ يل".‬
                                                                                     ‫ت‬
                                           ‫"هتعمل إيه مع ب ّ أربعطاعش، إنت مفكفك وصوارخيك مداها قصري".‬
       ‫ح‬             ‫س‬                                                         ‫ل‬
      ‫"خراس وال، شايب يدّل وال شاب يبهدل، حمسوبك سنديان كل ما عتق تقوى شروشه، (حت ّس خصيتَيه) ش ّو‬
           ‫احلارث بن حراث، شي عجب وال يصيبه تعب، وحيرث من رجب لرجب، حاشات الدكر كنت بزماين ...‬
                                                                                     ‫ن‬
                                                                      ‫قاطعه املصري: "كنتم وكّا وكان الزمان".‬
                                   ‫و م‬                                             ‫ك‬                    ‫ي‬
        ‫وهتّأ حامت للخروج إىل د ّان سيدي الوافـي لشراء بعض األعشاب املق ّية لله ّة، نظر إىل ساعته وإىل شريكه‬
                                                                              ‫واستدرك: "عيين عصري أقول...‬
                                                  ‫"يا نونو عني عصري، روحو روحووو، قول وال ختبيش يا زين ".‬
                                                                                             ‫س‬
‫"أريدك ه ّه بالعَجَل تشبشب حالك تشلح هدوم الكاولية وتلبس قاط هدوم مال أفنديه، ترى إحنا معزومني عندهن عَ‬
                                                                            ‫العشا، هبوطيل أورويب هاي كالس".‬
                                ‫ن‬                      ‫د‬                                  ‫تو‬           ‫ز‬
     ‫ف ّ الغجري من ِّه، وضع اللجن حتت الربميوس، أخرج ع ّة احلالقة وعلبة فيها حّاء إلخفاء الشيب، وقنينة عطر‬
                                                                                     ‫ل‬                    ‫ي‬
   ‫مزّف، وحذاءً ذا كعب عا ٍ، وليفة القرع. أخرج من الشنظة الكبرية كل ثيابه املزركشة الفاقعة األلوان، وبدأ يطلي‬
                                                                                        ‫د‬       ‫ت‬
                                                                         ‫عيوب سنينه السّني وجي ّد شبابه الغابر.‬


                                                            ‫ّ‬
                                             ‫إن النسوان شياطني‬


                              ‫ل‬                                      ‫م‬
      ‫تألق عصري عند املشرب بالذهب الل ّاع يف أصابعه وداخل فمه وحول رقبته، وتأّق هبندامٍ غجري قوس قزحي،‬
                                                                     ‫ي‬
 ‫مسوكني أصفر، ربطة عنق كحلّة فوق قميص أخضر، منديل زهري يف جيب جاكيت أمحر، جوارب سوداء حتت قندرة‬
  ‫ر‬                                                                         ‫و‬
‫بيضاء، استدار فوق الكرسي الد ّار، أسند ذراعه اليمىن إىل زنك املشرب واضعاً السيجارة يف طرف فمه يف بوز ع ّاب‬
‫مافيا، نقر قدحه بقدح شريكه، مث أفرغه يف كرشه، هزج بصوت جهوري: "مني قال أبو ميالد من احلب مرتاح، مني قال‬
                                    ‫س‬          ‫ب‬                 ‫ب‬              ‫ت‬                     ‫ي‬
                               ‫تغّب عن الساح ( حتسس خصيّيه ) يؤبشين ر ّ احللو فلفوليت، حّيتو عَ ال ّمع ".‬
                                                                                                                                                ‫83‬



                                                      ‫خب‬                                ‫َخ‬
‫أخرج قنينة العطر وب َّ حتت إبطيه مث على رأسه فصدره، مث ّة طويلة ما بني فخذَيه. قال لشريكه بنربة املغبون: "دخلك‬
                        ‫ل ب‬
                     ‫يا عديل، األمسر بتاعي شلون أوصافه؟ بيعرج؟ بيفكح؟ بيشخر؟ قليب حاسسين إنو فيه ع ّة خمّاية‬
                                                          ‫ط‬
   ‫احتسى جرعة وأردف بعايل الصوت : " حبالتاي، حت ّ إيدك عَ األشقر وتبليين باألسود، توكل حلم وتتركلي مرق".‬
             ‫ي‬
         ‫"بس احللو اللي نفسك بيه هو األمسر مو األشقر" قال العراقي. وهو يتطلع إىل الردهة يترقب جميء الفرنسّتَني‬
                                                                                                           ‫ي‬
              ‫"خّو حامت، أنا أمسراين ما بيلبقلي إال أشقراين، داكش فيفيت فيفيت، انزللي عن مرجولني خود فلفوليت".‬
                                                     ‫ط‬                 ‫ش‬                 ‫خ‬
                               ‫"أي اش عليه، ُأ ُذ موضلني، لنا أخ ّ على فوليط، بس و ّي صوتك، ال تصري عصيب".‬
                                                                                       ‫ب‬         ‫َل‬
  ‫ق َّبَ عصري حّات السبحة بسرعة متناسبة وغبطته، احتسى من الويسكي، وضع أصابعه فوق فمه وزغرد: "لويها يا‬
             ‫ك‬                                          ‫نق‬
    ‫أشقر يللي شقارك يربي، لويها يللي ريقك عسل َّط على صدري، لويها لو ما خوفـي من هلي واحل ّام لتدري،‬
                                                                                                             ‫م‬
                                                                                ‫لويها الحفر وغ ّق واعمل بيتكن قربي، ليليليش".‬
                                                                                          ‫و‬          ‫ب‬
  ‫انصّت نظرات ر ّاد املشرب عليه، شعر حامت باإلحراج، فنهره: "بال أبوذيات وهوسات، هبدلتنا ،كاويل خام، معيدي‬
                                                                                                                                  ‫ل‬
                                                                                                 ‫متخ ّف، إحنه مو بعيادة مال عَرَْبجَة".‬
                ‫ب‬                                  ‫ل ك‬
 ‫مل يكترث عصري لتأنيب صاحبه وال لعيون النزالء، بل ظ ّ يف ّر بسهمه من النساء، ومبا ميكن أن خيّئه من عيوب: "يا‬
   ‫خويف الكون ماخدها على عماها! إّو طعميتها بندق1، َبرْكي البسة ضبة ؟ ش ّيت شعرها، لتكون حاطة بوصطيج ؟‬
                                ‫د‬                                      ‫ن‬
                                                                   ‫س‬        ‫ن‬                                  ‫مش‬
‫ّيت رحية حتت باطها؟ .... يا بادل الّخلة بال ّخلة، تاخد صبية قمر أبو أربطاش وتبليين بأرملة أم أربعا وأربعني، ....‬
                                                                                                   ‫د‬                    ‫ي‬
                                                                                     ‫وينك خّو حامت خود أشقرك ور ّيل األمسراين".‬
                            ‫خ‬                                 ‫خ‬                             ‫ي‬
    ‫"واهلل احتاريت وّاك، قلت: أريد أرنب، قلنا: ُأ ُذ أرنب، قلت: أريد غزال، قلنا: ُأ ُذ غزال، وهسع شتريد بعد"؟‬
 ‫ح‬          ‫ل‬      ‫و‬       ‫ر‬                                                ‫مث‬
‫رفع عصري صوته عمداً إلحراجه، ّ البتزازه: "حضرتك تفوت عليهن باجلملة وأنا باملف ّق، تتز ّج وتط ّق وأنا أج ّش‬
                                                   ‫ف‬             ‫ل‬                                     ‫د‬
                                     ‫بعدك؟ ما ب ّي أرنبك وال غزالك وال تربيح مجيلك، ح ّ عين أنا متر ّع عن الدنايا".‬
                                                                                              ‫د‬
                           ‫"هس، فضحتنا ق ّام اخلواجات. شو حكينا غلط؟ كفرنا؟ املال مال أبونا والناس يعاركونا"!‬
                                        ‫ل‬                                    ‫ي‬
                  ‫" طالع هالطلعة يشريك، يهنّال من مجع أربع روس باحلالل، حمسوبك إُو إيرين، وسالمة فهمك".‬
‫اندلق لسان حامت دهشةً: "لَك أبو نفس الدنّة أخالقسز2 أدبسز، ما تستحي عَد ّك! وحيك هل جيمع ال ّيفان يف غمد"؟‬
             ‫س‬                   ‫م‬                               ‫ي‬             ‫ْ‬
                                                                                                   ‫ط‬                ‫ط‬
                                                ‫"ح ّ باخلرج ، إنت ح ّ خبرج الفوقاين وأنا بالتحتاين ويد اهلل مع اجلماعة".‬
                   ‫حمظي‬            ‫ي ت‬                                                                 ‫ّ‬
  ‫ختيل حامت شريكَه بكرشه، بزنوده الغليظة وأوشامه، بصدره املشعر وسنّه السّني وهو يشاركه َّتَيه، ختيل من صور‬
      ‫الكاتالوغ تلك اليت جتمع رجلني وامرأتني فعصفت ببدنه شهوة جاحمة، جرع كأسه دفعة واحدة، تالشى استغرابه‬
                                                                                ‫و‬
                                                    ‫بابتسامة رضا: "واهلل جبتها زين يا ق ّاد، خوش فكرة، صار وألف صار".‬


                   ‫1 يف سوريا جرت العادة ان تُطعم املخطوية بندقا لريى ان كانت اسناهنا حقيقية او البسة ضبة ، يشد شعرها ليعرف اذا كان حقيقيا او باروكه‬
                                                                                                   ‫2 أخالقسز تركية = بال أخالق ، ادبسز = بال ادب /‬
                                                                                                                     ‫93‬



                                 ‫ج‬        ‫ت‬
‫ابتهج عصري، امتزجت يف وجهه كاريزما بارون غجري، ومراهقة السّني، وتب ّح السكارى، التفت حنو رواد املشرب،‬
‫حط عينه على سائحة، طبع قبلة على أصابعه ورماها باجتاهها، شال الربنيطة عن رأسه اقترب منها يغازهلا : "له يا حلو يا‬
                                                                                      ‫ّ‬
                                                                                      ‫ت‬
                                                                         ‫مبهدلين، أي عليم باهلل بتِّاكلي خبراكي".‬
       ‫ب‬                            ‫ع‬                                                                   ‫د‬
   ‫ر ّت عليه برطانة مل يفهمها، فهم من إبتسامتها ان "دكتها رخوة "، شال مك ّبات ثلج ووضعها يف قدحها، وص ّ هلا‬
‫وقرع كأسه بكأسها قبل أن ينحين أمامها ضارباً بيده على صدره: "حمسوبك عصري بيك أبو ميالد، شيخ شباب محص،‬
                                                               ‫وهادا شريكي حامت لغا أبو دالل، قبضاي1 عراقي".‬
                  ‫رب ي‬                                                         ‫ب‬
    ‫نتعه حامت من سترته : " خرا ْبرَّك غري ديج إنت ! دجاجتني بانتظارك وهلسه عينك طالعة ل ّا، البنّات مو كاوليات،‬
                ‫ي‬                     ‫ل س‬                                  ‫و‬                     ‫ي‬      ‫ن‬
 ‫هذّي فرجنّات فيب، فييييب يا مع ّد يعين فاري عمبورتانت بيبول، ك ّش ح ّاسات ، ال حتكي عريب وّاهن، ال تناديين‬
                                                          ‫ثق‬
   ‫حامت أرجوك، إندهلي: طومي دكتر طومي، َّل حالك شوي، شوفلك فد اسم دلع عيطايل عصري ناعم خفيف ماكو‬
                   ‫بيه عني وال صاد، جوفاين أو عنطونيو، ساري لو سامي، شنو رأيك باسم صومي على وزن طومي"؟‬
                             ‫ق‬         ‫ي‬                                        ‫ر‬         ‫ل‬
   ‫قال عصري : "ال وُو! فرد م ّة سامية على وزن صابرينا (رفع صوته بعدوانّة) أنا د ّة قدمية ماشي عكس السري متل‬
                                                             ‫س‬                 ‫ن‬
       ‫العاصي، عصري على س ّ ورمح، نزلت من ك ّ إمي مع لدان العصر، اسم الدلع أبو ميالد، ومو عاجبك روح‬
                                                                                       ‫تضبضب إنت وشراميطك".‬
 ‫ح‬                    ‫ب‬                                              ‫ي‬
‫نقر حامت كأسه بكأس الغجري ليطّب خاطره: "بس عيين بال زعل، إشرب دوستكام على حمّة موضلني وفوليط، بص ّة‬
                                                                                                     ‫ح‬
                                                                                                ‫الفرنسي، بص ّتنا".‬
                                           ‫ذ‬                                    ‫ل‬
   ‫بلع عصري من الويسكي واحن ّت مفاصله، دخل يف عوامل صاخبة من الل ّة واالنتشاء ونسيان الذات، نظر إىل الساعة‬
 ‫ْ س ْ ْ‬                                   ‫ط‬            ‫ي‬                                 ‫ض‬
‫ذات السلسلة الف ّية يف جيب السروال وغمغم: "ضاع عل ّ الشنكاش، ب ّلت أعرف حايل مْواعِد وَحدِة ال ّاعة تِنتني،‬
                                                                                                ‫ْ‬      ‫ل ْ س‬
                                                                                           ‫وَّا تِنتني ال ّاعة وَحدِة".‬
              ‫ي‬                                                            ‫طو‬          ‫ي‬            ‫ك‬
           ‫ح ّ عجيزته بعصبّة،: " عجب َّل الولف، أشو ناطرين تلفنلن يا عديل، تروح لنروح ندق الباب علُّن"؟‬
                ‫ض‬      ‫مي ز‬            ‫ط‬           ‫ط‬                    ‫ز‬
  ‫"ال تروح وال جتي، فضحتنا ما يصري، املع ّب هو اللي ينزل عاخل ّار، مو اخل ّار يصعد ّ املع ّب، حت ّر يا مهجي، أكو‬
                       ‫فد شي ينقال له عتيكيط، بروطوقول، صيفيك كوض، برايفط ريهسيبشني، بوبليك رياليشني".‬
                        ‫ف‬                     ‫ش‬
‫" إنت أكيد ضامنن؟ قليب حاسسين الفِلم ما حَ يزبط، ترى أول ما خ ّينا املطرح وعيين بتر ّ، مث إنو هاد فرجني مزاجي‬
                                                                                            ‫زئبقي، نيكة والوداع".‬
      ‫ر‬          ‫ت‬       ‫طب‬                                                  ‫ت‬     ‫ي و‬
‫استدار حامت على كرسّه الد ّار، شّت عينَيه يف أرجاء البهو: " ال تصري حلوح ييوب، دِص ُُر دَنِسَراح دَنِش َب كاس،‬
                                                      ‫س‬                                                  ‫و‬
 ‫تع ّقن دقيقتني، اشصار، قامت القيامة! وداعتك رح جيون ه ّه متل ملوك اجملوس ملزود املسيح، ما إهلن صرب ع العري".‬
                                                        ‫س‬
                                                      ‫"اهلل جيينب بأسرع وقت، حاكم أنا كمان مايل صرب عَ الك ّ".‬

                                                                          ‫1 رجل شجاع ومهاب ، / ديج = ديك،/ تعوقن = تأخرن‬
                                                                                                                               ‫04‬



     ‫ل‬                                  ‫د‬                                                       ‫ي‬
   ‫امتأل البهو بسّاح شقر يلبسون ثياباً صحراوية وميتشقون لالت تصوير ويستع ّون القتحام البادية برفقة لمنري حم ّي،‬
                                                               ‫ط‬
 ‫ارتفع عجاج غبار، توقفت التويوتا املكشوفة، م ّ حامت رقبته وابتسم: "أبشر يا عديل جا الولف، هال ومليون هال عدد‬
                                                                                                            ‫خنالت العراق".‬
 ‫ظهرت الشقراء يف البهو ُّ مبروحة وعلى وجهها برو ُ هبرجان ّاعة، قال حامت: "هاي موضلني، باوع 1باوع الوجوه‬
                                              ‫مل‬       ‫ق‬                       ‫هتف‬
                                                         ‫ي‬                ‫و‬
‫احللوة (أشار إىل الطويلة) وذيك املع ّدة فوليط، اهلل وّاك يا غزال الروم، ألف وردة على جبينك (أشار إىل زجني مربوع‬
                                                                             ‫ب مح‬
                                                          ‫حيمل حقيبة خلفهما) وهذا أكيد ُويْ ّال ، لمنري ماهلن ".‬
                                                  ‫ت‬                                    ‫ب‬
 ‫وضع عصري عويناته الطّية على عينَيه، وضع عينَيه على السائحَني، مث ابتسم ابتسامة مريرة، فتح شدقَيه: " على إيش‬
                                                                                     ‫و‬               ‫د‬
 ‫ب ّي باوع! هادا ه ّ قمر أبو أربطاش يا ضاليل! تضرب منك إهلن، أكل الدهر عليهن وشرب، أكرب مين بعشر سنني...‬
      ‫أضاف وهو يسرح بصره باحثا عن صبايا :"وينك أبو دالل، خود أبو ستني جيب يل بداله تالتة من أبو عشرين".‬
                                   ‫ًّ‬
 ‫وجدهن كلهن من نفس املسطرة، سائحات بسن التقاعد ووجد الفرنسيتَني أصغر سنا من البقية، فقال بنربة انتهازية: "‬
                            ‫ما إشبو شي، أحسن من بالش، إن دبلت وردة رحيتها فيها، كوز كوردى كوكَل سودى".‬
                                                                       ‫ك‬           ‫ي‬                  ‫و‬
 ‫ل ّح حامت بيده للفرنسّتني أمام د ّة االستعالمات، قال بصوت غنج خافت: "هلو فووليط عيين، هاي لمي هيار طومي،‬
                                               ‫دكتر طومي... هوو موووضلني، شاكو ماكو دارلنج أشوفَك زعالن"!‬
      ‫ش‬                ‫ز‬                        ‫ب‬
   ‫التفتت الشقراء، رمقته بوجهٍ مقلوب، أدارت ظهرها وجتاهلته، خّأت رأسها بصدر الزجني ول ّت به بطالقة الع ّاق،‬
                                       ‫ِن‬
   ‫أرخى حامت حنكه ،أطلق صرخات أقوى من عياط الغجري: "، أويالخ، أهَّا، حرمينا، عرضنا، حاللنا، عاشقات عبد‬
                                                                    ‫ل‬          ‫خر‬                     ‫و‬
                                   ‫أسود؟ هالق ّاد املا خياف من اهلل َّب علينا ك ّش، قَلَب فرحنا عزا، باق نسواننا"!‬
           ‫مأم‬                                   ‫ب‬                   ‫ز‬                                   ‫ك‬
‫ف ّر عصري يف خيانات زوجته سفرجلة، اهت ّ شاربه القوقازي، ه ّ زاعقاً: " طار طرينا أخذه غرينا، يا ِّن عَالنسوان‬
                                                  ‫ج‬                                                  ‫م‬
    ‫يا مأ ّن عَ املي بالغربال، (حلامت) روح إحكي معن كلمتني ر ّعن لعصمتك، حاول إقناعن بأسلوب منيح بال منردة".‬
                      ‫د‬                   ‫ب‬                                         ‫د‬                ‫ل‬
  ‫انس ّ عصري مسرعاً وس ّ الباب يف وجه الشقراء، اندلقت من فمه املسّات بسالسة غجرية مر ّداً اجلمل نفسها اليت‬
                                                     ‫رب‬
  ‫كان يرميها يف وجه سفرجلة حني كانت ترجع من طلعاهتا ال ّانية: " تفو عليكِ فاجرة، الرايح واجلاي بيلعب بطيزك،‬
                                   ‫ي‬                                   ‫ط‬
                             ‫سايبة، ممحونة، خاينة الدولة، داشرة، ح ّوا النورية بسبع قصور عن كارها ما تغّرت"...‬
                     ‫ي‬                             ‫ل‬
‫أجفلت الشقراء، وضربت املروحة على صدرها وحاولت التم ّص، فانربى هلا العراقي وعلى حمّاه عبوس كارهي النساء:‬
                         ‫ن‬                                                   ‫ش و‬
 ‫" ذحبك حالل يا قحبة ! خ ّي ج ّا قهرمانة، خايبة، فويت جايفة فويت، عَ بالك ختلصني مّي؟ وسخة، منيوشة، هايشة".‬
                                       ‫د‬      ‫و‬                             ‫ب‬             ‫ظ‬
     ‫رفعت الطويلة الن ّارات السود وثّتتها على صدغها، مث أخرجت اجل ّال مه ّدةً باالتصال بالبوليس، أحاط الزجني‬
                     ‫يل‬                   ‫ن‬     ‫س‬                      ‫ت‬
      ‫بذراعَيه الفرنسيتَني، فرمقه حامت بعينَني عنيفَني: " إبعد عنهن ال مت ّهن، ذّي مايل حاليل، لين و ّ أمرهن، فاحتتهن‬
                                                                                                     ‫مقروءة على غريك" .‬

                                                                                                      ‫ِن‬
                                                                                  ‫1 أنظرأنظر / باق = سرق / أهَّا= اهلنا = زوجاتنا /‬
                                                                                                             ‫14‬



               ‫خ‬                              ‫د‬                                ‫ت‬                          ‫د‬
    ‫تق ّم العراقي خطوةمث تراجع خطوَني، مث راوح مكانه. خناه عصري مر ّداً الكلمات نفسها اليت كان ين ّيه هبا أخوه‬
                       ‫ي‬                            ‫ي‬
            ‫ربعي: " يا ضيعان هالشوارب. إخص عليك جبان، عرصة، دّوث، ما فيك دم بنوب، إقتله ودّتو برقبيت".‬
   ‫احتار العراقي بني حتميس صاحبه وخوفه من عضالت غرميه الزجني، دار حول نفسه، عصر قبضتَيه: "بعزم اهلل وبعزم‬
                                                                      ‫ي ي‬
‫حيدر أبو احلمالت، وين الزمل ؟ حّهم حّهم بيعة، فزعة، خنوة، أريد أغسل عاري لين حامت، لين دولة بنفسي، واملرتضى‬
                                                                                               ‫ل‬
                                                                               ‫والسبطني ألخ ّي الدم للركاب ".‬
         ‫ي‬             ‫م ي‬                           ‫ش‬
    ‫تبختر عصري مبشية انكشارية، خطف قنينة شهرها بوجه الع ّاق الثالثة: "أنا خوك يش ّة، حّدو يا منايك حّدو ".‬
       ‫ن‬                                                               ‫د‬
    ‫وساد اهلرج يف البهو، انفض احلاضرون، تق ّم حامت من الزجني خطوة، نظر إىل عضالته املفتولة مث احنرف عنه وجتّبه،‬
                                                ‫إم‬                  ‫ت‬
     ‫هجم رامياً جسده ولعناته على السائحَني : " فد بطيختني َّرمِكتني، رعنات، منيوشات، إسلوكيات، سرسريات،‬
                                                                              ‫و‬
                                                                      ‫زفرات، وسخات، خممخمات، ق ّادات"...‬
      ‫حلقهما يف الردهة املفضية إىل الغرف، حال الزجني بينه وبينهما، هنره حامت دون أن جيرؤ على مواجهته: "فوت إبن‬
                                                           ‫املخمخمة، فوت إبن اجلايفة، دأقلب الدنيا عَ راسك ".‬
                                             ‫ب‬         ‫ل‬                                                 ‫و‬
  ‫ل ّح الغجري بالقنينة، جال يف الرواق مبشية عنترية، ظ ّ يردح ويشّح وال يقاتل: " يعلن أبوكي على أبوها، قحبات،‬
                                                      ‫ن‬
‫فالتات ،شرموطات، شلكات، مشلفات، كرخنجيات، ما عِّا نسوان تكسر كالمنا، الرجل رجل ولو كان له دَنَب واملرا‬
                                                                                        ‫مرا ولو كان هلا شنب".‬
                                              ‫ي‬                                    ‫ك‬
   ‫ظل العراقي يصرخ ""ف ّي الباب أم العيورة، تفوه عليك فد بعثّة حقرية ما تسوين قندرة، شلون لخذك وألف واحد‬
                                                                          ‫العب بيك؟ ماريدك... طالق بالثالثة".‬
                                                                    ‫ب‬           ‫ت‬
   ‫رأى عصري القنينة مملوءة حّى نصفها، ع ّ منها ورماها فارغة، انسحب من املعركة وتراجع حنو البهو، وارمتى على‬
                                                         ‫ي‬       ‫ل‬        ‫س‬                    ‫و‬
    ‫الكرسي الد ّار وشرع حيتسي ما تي ّر من خم ّفات السّاح .انتصب حامت أمام الباب يشتم، مث فجأة انفتح بعنف من‬
                                      ‫وحتد‬
    ‫الداخل، فتحه الزجني الذي انربى شابكاً ذراعيه الضخمتني بعنادٍ وتصميمٍ ٍّ، أمره باالنصراف مشرياً بإصبعه حنو‬
                                                                                  ‫س‬
 ‫البهو، ارتعد العراقي، حت ّس حجابه، تراجع مضبوعاً، رأى نفسه واقفا أمام عبد أسود طمطماين، عينان مجرتان حتدقان‬
   ‫به بنظرة لئيمة شريرة، نفس العينان الزبيبتان اللتان رلمها يف امللصق ويف وجه عازف السكسفون، حصل التجسد يف‬
  ‫ي‬
‫كيمياء الدماغ الرهيبة، العبد الطمطماين / الرجل الضرورة، العبد الطمطماين = الرجل الضرورة، شعر شعور الرخوّات‬
                                        ‫د‬                                                          ‫ي‬
    ‫حني ُدلق عليها امللح. أمسك زجاجة برية وكسر قعرها على احلائط، ش ّ أصابعه على عنقها املشطوف فسال الدم،‬
     ‫خ‬
‫سادت الفوضى جرجره عامال التنظيف إىل اخلارج، انضم عصري إىل موكب العراقي اجلريح الذي ما فتئ يتض ّم وهو‬
                ‫ر‬                                             ‫ر‬               ‫ت‬                              ‫ت‬
     ‫يّجه حنو املستشفى الكويب. وهو يرّل بنربة رجل جم ّب: " إن النسوان شياطني لنا...أعوذ باهلل من ش ّ الشياطني".‬
                                                                                                                                          ‫24‬




                                                       ‫مل ْط ْ ي ْ‬
                                                 ‫ا ِض َر ْبِركب مجل‬


 ‫تغريت تنبكتو بعد الواقعة، ، املدينة املقدسة اليت حتب العراق حد الوله صارت تكره عراقيها الوحيد لدرجة احلقد ، تغري‬
 ‫1‬
     ‫حامت ، الطبيب الذي كان يداوي الناس صار عليال ، وتوجس منه التمبكتيون وتطريوا من أصابعه األربع باليد الواحدة‬
                                                       ‫ََ‬
‫(كانوا قد قصوا له فترين من إصبعه باملستشفى الكويب) سرتْ إشاعات عن فسوقه وممارسته للسحر السفلي وُنسِبَتْ إليه‬
 ‫شناعات مل يقترفها ، ارتسم على سحنته الكئيبة مرض لوعة احلب ، أضرب عن الطعام دون الشراب فبات هزيال كعود‬
      ‫اخليزران وحزينا كمالك احلزين ، يائسا بألق العاشقني وشاحبا كأنه هرم عشرين عاما بعشرة أيام ، ظل يتحسس يده‬
      ‫املعطوبة يفكر هبما كذكريات غابرة عتيقة متوهجة وينوح لوحده (حامت توارث عادة النواح من أمه الندابة يف مواسم‬
  ‫العزه والقرايات ) ونفذت مدخراته وأحرق كل دخانه فصار خيتلس من دخان صاحبيه ، تعثر يف دفع حصته من الكراء‬
‫فدفع املصري الثلثني ، عصري كذلك الحقته السمعة السيئة ، انعدم زبائنه فقتل الوقت بلعب الشدة والسكر والتبصري ،‬
        ‫أخريا توقف عن دفع سهمه بالكراء فدفعه املصري كامال لسيدي الوايف ، توترت عالقة الغجري حبامت وتوطدت مع‬
‫سرحان.حىت املؤجر سيدي الوايف تغري ، مل يعد يزودمها حبليب العنزة كل صباح بل طالبهما بإخالء العيادة يف لخر الشهر‬
                                                               ‫، سرحان نفسه تغري قوي نبضه بعدما خفت نبض العراقي ،‬
                                                         ‫***‬
                                   ‫ز‬                                               ‫س‬
     ‫انزوى حامت يف زاويته شاحباً، حت ّس يده اجلرحية وإصبعه املقطوعة يف أملٍ مصطنع، ه ّ رأسه ناظراً إىل صورة احلسني :‬
 ‫"إذا ابتليت مبعضلة وشكيت حبيبك أذكر احلبيب املصطفى تنسَ حبيبك، من بعد موضلني وفوليط، اهلل يذكرهن باخلري‬
                                                       ‫مي‬
                                            ‫ما أدخل بعد على جنس حرمي، لنا هنانه بالعيادة وقليب ساكن ّهن بباريز".‬
                                    ‫ِس‬
                      ‫احتسى عصري جرعة عرق، قال له بنربة شامتة: " بتستاهل، كان الزم تدبح ب َّك ليلة عرسك" .‬
                                                                 ‫مل‬
     ‫صب سرحان يف كأسَني، شخط بوجه العراقي ا ُستَثىن من احلضرة : "يا ميت ندامة على اللي عشق وما طالشي، قال‬
            ‫ق‬
        ‫حكيم إسربطة: ما تنخدعش بشمس الشتاء وال يف قلوب النساء فكالمها مجيل ولكنما حيمل زعابيب غري متو ّعة".‬
                             ‫ذ‬                                    ‫ذب ن‬                               ‫ن‬       ‫أن‬
  ‫و َّ حامت أّة عاشق تراكمت عليه األحزان، َّل عيَني ميتزج فيهما احلزن بالكربياء بالل ّة اخلبيئة، انساب اآلبوذي من‬
                                                                                                       ‫فمه بطالقة عاشق مهزوم : "‬
                            ‫ونارك تسعر بكبدي سناهلا‬                ‫تظن بينه عن أودادك سنلها‬
                            ‫علي‬
                          ‫أشحال افراق يومينك َّ".‬                   ‫ساعة فرقتك صارت سنه هلا‬
                                                                                          ‫و‬
             ‫هنره عصري :" ُجِع ينفخ بطنك، حاجتك بأى، خروف وخانته نعجة، هالشراميط ما بتستاهل دموع وعتابا،‬
                                                                     ‫طأطأ العراقي رأسه : " اهلل يلعن اللي حيكي عَ الناس".‬
                                                 ‫ن‬                               ‫ل‬
  ‫" اهلل يلعن اللي بيخ ّي الناس حتكي عليه، قليب حمروق مّك منوب، ولد داشر مشكلجي، انشمسنا من حتت راسك ".‬

                                                                                          ‫ِس‬
                                                 ‫1 بالصحراء اعتقاد شائع بأن اجلن اصابعهم ناقصة / ب َّك = قطك ( كناية عن ضبع املرأة يوم الزواج)‬
                                                                                                                                                 ‫34‬



                     ‫ب‬
      ‫نظر العراقي اخلرمان إىل علبة "الرومثان" حرك يده السليمة حنوها، انتبه الغجري إىل املناورة فضّها جبيب الصديري‬
   ‫َت‬            ‫ر‬                                                                             ‫ُب‬
  ‫وزجره " ض ّ مكسورتك أحسن ما علقها برقبتك مع املكسورة التَانية، حاق من وجهي، اللي ما بيض ّ وال بينفع زُّه‬
                                                                                                        ‫د‬
                                                                                  ‫بالعاصي أنفع، الوافـي ب ّه يزعبنا من حتت راسك".‬
                          ‫ل‬             ‫ْ ي ب‬                                                         ‫ل‬
        ‫حت ّب ريق حامت بعطش املدمنني الكحوليني، فقال لسرحان : " خطَّة، ص ّ شويه عرق، ح ّفتك باملصحف العظيم‬
                                                                                                                                 ‫والسبع املثان".‬
                                                                        ‫د‬
                                                                    ‫"مصحف مثانة وبتنجان، ما ليش دعوة، أنا شاعر عدمي ه ّام".‬
                                                                  ‫ف‬      ‫ب‬             ‫ل‬
                      ‫"خوب حلفتك باملع ّقات السبع، ص ّ فد ش ّة يا داده لين مو صديقك! موعيب تسكرون وحدكم"!‬
   ‫هم املصري ليصب لكن عصري منعه، قال بنربة لؤم: " قسيم بعظيم ما بيذوقه، هاد مو دكنو1 شوربة شيخ حميدين" .‬
                                                                                          ‫ّ‬           ‫َّ‬
        ‫ظ‬     ‫ل‬                    ‫خن‬                                                                       ‫ج‬
     ‫حت ّم العراقي، شعر بنشافٍ يف الريق، خبرمة يف الرأس، بانتكاسة يف املعنويات، َّ ببكاء كربالئي. وتس ّلت ع ّاءة‬
                                            ‫ذ ذ‬
‫داخلةً شقوق احليطان، ثغت عنزة سيدي الوافـي، وأ ّن املؤ ّن الظهر يف مسجد سيدي حيىي. وضع عصري الكأس من‬
                ‫ن‬                                                      ‫ل ر‬                          ‫م‬
‫يده، انسَ ّ بدن املصري كعادته يف ك ّ م ّة يسمع فيها اآلذان. تسلل اليأس إىل العيادة بكاملها، تشّج الغجري، بدت يف‬
           ‫ض‬                                                                      ‫ت‬
‫وجهه لثار حسرة السنتَني املنصرمَني غمغم: "جينا متبكتو بلكي تغنينا جارت علينا الليايل بعنا أواعينا، مق ّينها كونكان‬
                                                                                   ‫ب‬
                                                                ‫وطرنيب وتبصري، بلد مالك فيها خبز ض ّ حصريتك وشيل عنها".‬
                        ‫ط‬                                 ‫ر‬
‫أعلن سرحان أنه فاتح سيدي الوافـي يف موضوع امله ّبني الرقيبات وينتظر منه خرباً، ق ّب عصري حاجبَيه ، فتح ورق‬
        ‫ل‬                                            ‫ط‬                                         ‫ي‬       ‫د‬
 ‫الش ّة على نّة الطريق، وقبل أن يكشف الورقة األوىل مسع َرقاً على الباب، أخفى الورق والبطحة حتت املص ّاة، نزع‬
                                                                            ‫ر‬                               ‫ب‬
       ‫القّعة الغجرية واعتمر الطاقية املخ ّمة، تناول املصحف باملقلوب، هزهز رأسه : "عَ اهلل يكون شي زبون استفتاحة‬
                                                                                ‫مباركة، حاكم من يوم اجلرصة ما استفتحنا بدومري".‬
                        ‫س‬                                 ‫ي‬
‫هنض املصري وأزاح الترباس، دخل سيدي الوافـي مبعّة شاب بدوي ملثم، طرح التحايا احل ّانية املسترسلة، سأهلم عن‬
  ‫احلال وهو يعلم أهنم يف أسوأ حال، وعن الشغل وهو يعلم بأنه كاسد، وعن اإلبل واجلمال والزرع والضرع وهو يعلم‬
                                                                          ‫ر‬               ‫ً‬
‫بأهنم ال ميلكون شيئا من هذا، واستم ّ يسأهلم عن األهل والدراري واألنساب واجلريان والقبيلة يف سوريا والعراق ومصر‬
 ‫أ م‬                   ‫ث‬
 ‫وهو يعلم بأهنم ال يعلمون عن ذلك أكثر مما يعلم هو نفسه، بصق على األرض وأشار إىل الشاب امللّم: "الطاهر ُلْدْ عَ ِّ‬
                                   ‫م‬                                     ‫ْ‬
                            ‫من قبيليت، جَ من البادية موجوع نابه إْيوِز عليه، إكشف عنه يا سي عصري وأجرك اعل ُالنَة".‬
               ‫مث ك‬                                    ‫جم‬       ‫د ملؤج‬                          ‫ك‬
  ‫حوقل الغجري، ف ّر بأنه ليس مُلزَماً بأن يؤ ّي ِّره خدمة ّانية بعدما طلب منه إخالء العيادة، ّ تذ ّر أنه ال يزال‬
                                               ‫م‬                             ‫ر ش‬                        ‫س‬
      ‫يتو ّط بينهم وبني امله ّبني فب ّ بوجهه، أخرج من السمسونايت ك ّاشة القلع وإبرة البنج، حفن سرحان حفنة بعر‬
                                                                     ‫ه‬
           ‫ناشفة ووضعها يف اجملمر، قال للوافـي وهو جي ّز الشاي: "إيه يا جار يا هدهد أبو األخبار! قمحة وال شعرية"؟‬


                         ‫َت‬
‫1 الدكنو مشروب يستخلص من طحن الدخن وهو غذاء أساسي بالصحراء / شوربا شيخ حمدين توزع بالشام للفقراء جمانا / وال = حتقريية / زُّه = رميه العاصي هنر حبمص/‬
                                                                                                                                          ‫بلكي = رمبا‬
                                                                                                                                                          ‫44‬



                     ‫َر أ ق‬                   ‫ُ‬                                                            ‫ط‬
  ‫م ّ الدكنجي شفتَيه، مسح راحيت يديه يف إشارة ال حول وال قوة : " محال، حيموده امله ِّب ُن َبض عليه بديوانة برج‬
            ‫املختار1، حلقوا له لَحَيْ ُ ُبَ ّوه، أرقاج حلف ميني أن كاع ال يدخل الدزاير، اهلل غالب، الترابندو كاع خايفني‬
                                                                                      ‫تأط‬
   ‫د‬                           ‫م‬
‫زفر عصري وهو يُفرغ البنج يف اإلبرة: "اهلل يساحمك يا جار، شايفها مسدودة علينا، حت ّلنا كمان شهرين بالعيادة حل ّ ما‬
                                                                                                                                             ‫ل‬
                                                                                                                                           ‫نشوف ح ّ".‬
                                                            ‫ك‬
  ‫مششم سيدي الوافـي رائحة قيء وبول ومخرة وتنت، ر ّز عينَيه على املصري والسوري حتاشى النظر إىل العراقي تطرياً‬
        ‫ْ‬                         ‫ْ ْ ل ْد‬
      ‫من أصابعه األربع : "أخبار شينكم طارت فدشرة، لعيادة ختلوها لِ براص أشهَر، وَ َّ َلو ُ الْحَدْ ثاين يؤجركم، أُتوفَ‬
                                                                                                                                                    ‫ي‬
                                                                                                                                                 ‫القْضِ ََّ".‬
                ‫سو‬                ‫َي حل‬           ‫ي‬                                                         ‫ط‬
     ‫ق ّب عصري حاجبَيه الكثيفني هب بوجهه العراقي : " اهلل يعدمين ّاك يا نِّيكْ ا َزاىن، كله بسببك َّدت مسعتنا".‬
                    ‫و‬        ‫ن‬                    ‫ق‬               ‫ن‬
       ‫تناول إبرة البنج والتفت للبدوي، قال قبل معاينة سّه: "أي افتاح ب ّك يا زبون العوايف، سّك مْسَ ِّس الزمه قلع".‬
                                        ‫ن‬             ‫س‬                       ‫د‬
‫أزاح الطاهر اللثام كاشفاً عن خ ّ منتفخ، عاين عصري الضر ّ املنخور مث بّج اللثة حتته وانتظر ليسري مفعول التخدير.‬
                                                     ‫ي‬     ‫ي‬
         ‫بدهشةٍ طفولية رمق البدوي صندوق السمسونايت الذي ُفتح وُغلق بال قفل أو مفتاح، فاضت احليوية من عينَيه‬
                          ‫ُْ‬                                                                              ‫ت‬
                       ‫الصغريَني، أبعد رأسه إىل الوراء، أمسك بيد عصري: "حانيكْ، لنَ نقيس بيكم ل توات، انسلكْكم ".‬
                                                                                                              ‫ر‬
 ‫تف ّس املشارقة يف مالمح الشاب امللثم باحثني عن مزايا املهربني، ليس فيه أمائر النعمة، ال ينتعل حذائا من كاوتشوك بل‬
  ‫صندال من جلود اجلمال، وال ميتشق هاتفا جواال بل سيفا مثلوماً، وال يلبس نظارة مشسية، وال يدخن سجائر جاهرة بل‬
                                                    ‫د‬
  ‫يشفط التنت يف عظمة جموفة من عظام الغنم، بدوي كالبدو املتب ّين يف بوادي متبكتو، ال عالمات فارقة فيه سوى أنه من‬
                                                                                             ‫م‬
‫قبيلة الوافـي، ابن ع ّه (هذا يف ذاته عالمة فارقة) ال يُعرف عمره احلقيقي بسبب ذقنه اليت مل حيلقها يف حياته، فهو يبدو‬
                                                                                                     ‫أصغر من حامت كما يبدو أكرب من سرحان.‬
                                             ‫َت‬                                                ‫ي‬
                     ‫سأله املصري عن نوع سّارته فأطلق ضحكة خفيفة لطرد اخلجل: "بو بو ماهِ و َّ، أوصلكم اعْلَ الْبَلْ".‬
                                                                                                                ‫د‬
                                                                    ‫"شه شه شه! تو ّينا للجزائر عَ اجلمال ! من كل عقلك عم حتكي"!‬
                                                   ‫ر‬                   ‫خ‬
  ‫كبس الطاهر إهبامه على خيشومه ومت ّط، مسح أنفه بطرف د ّاعته: "وال هي حاجة يسرية نسلككم رَّان، النيب هاجر‬
                ‫ق‬
                                                                                                            ‫ك‬
                     ‫من مَ ّ للمدينة اعل ناقة القصواء، وأسرى من املسيد احلرام لألقصى، وعرج للسماء اعل ناقة الرباق".‬
                             ‫وانربى املصري يستجوبه يف وجبة استنطاق صارمة: "ما فيش لزوم للديباجة دي، تعرف الطريق"؟‬
                                                                                                                                          ‫"حاسِ حاسٍ".‬
                                                                                                                         ‫" يف النهار، تستهدي بإيه"؟‬
                                                                                                                                             ‫"بالشمس".‬


‫1 هي النقطة احلدودية بني اجلزائر وبالد السودان// حلق اللحية تعترب اهانة / بطوه = ضربوه / أرقاج = شخص فالن / الترابندو = املهربون / الالخ = آخر / حانيك = إنتظر‬
                                 ‫/ توات منطقة الواحات جبنوب اجلزائر /بو بو = ال ال / ماه و َّ = ليست سيارة / املسيد = املسجد / رقان دشرة باقصى جنوب اجلزائر‬
                                                                                               ‫َت‬
                                                                                                                                                ‫54‬



                                                                                                                                  ‫"ويف الليل"؟‬
                                                                                                 ‫"يا مهتدي بالنجم مسراك مضمون".‬
                                                                                                               ‫" كم يوم هيدوم املشوار ؟‬
                                                                                                    ‫ي‬
                                                                                                 ‫" أربعني يوم، إن حكمنا ريح طّب".‬
                                                                                                             ‫"قديش هتكون التكاليف ؟"‬
                                               ‫"كل أرَقاج اخيلص مخسني ألف أق َّ، 1وحن وانتوما حبال السلك واإلبرة".‬
                                                                                  ‫ِي‬
                                                  ‫ف‬                  ‫ضب م‬                          ‫أ‬
    ‫ُعجب عصري ببداهة البدوي، َّ ك ّاشة القلع، أخرج ح ّارة أسنان، إبراً ومسالت وميربات، ومطرقة من قرن‬
   ‫د ل‬                     ‫ق‬               ‫ي‬                          ‫ّ‬
  ‫الغزال، ورصاص احلشو، وأدوات تعقيم، لف بطارية الضوء على جبينه، مّل وجه الطاهر برّة، قال له : " ب ّي صَ ِّح‬
                         ‫و‬                         ‫و‬                                   ‫س ز‬
                      ‫لك ضرسك، ال ّن أع ّ من جوهرة، اجلوهرة إذا خسرهتا بتتع ّض، أما السن فال ممكن يتع ّض".‬
                                    ‫ل‬                     ‫م‬                   ‫ف‬                         ‫ث‬
    ‫دهن اللّة بزيت القرنفل، أدخل احل ّارة الصغرية يف الف ّ، أزاح احلافور املتك ّس، شرع حيفر اجلزء املنخور، رصرصه‬
                  ‫ف‬                ‫ت‬                                              ‫ك‬                ‫ف‬
   ‫بأمالغام وح ّه مبربد. أخرج ن ّاشة أسنان، وضع فلور النشادر القاتل للجراثيم، فّت القلح وأخذ حي ّ الصفرة الناجتة‬
     ‫س‬                                                          ‫الفك‬
    ‫عن قطران التبغ، وضع قطنة فوقه وأطبق َّني، مث أعطاه كأس ماء ليتمضمض. بصق البدوي دماً وبلغماً وحت ّس‬
                                                                                                                 ‫حنكه الذي مل يعد يؤمله .‬
      ‫د‬          ‫ش ك‬                 ‫ش‬        ‫د‬                                  ‫ق‬         ‫عل‬                   ‫ََ‬
 ‫فردَ املصري اخلارطة، َّم موقع ر ّان، رأى أن فيها طريقاً إسفلتية تؤ ّي إىل ب ّار، وأن يف ب ّار س ّة حديد تؤ ّي إىل‬
                 ‫ط‬                                         ‫م‬      ‫قر‬
     ‫البحر، ويف البحر مثة مراكب تؤدي إىل إسبانيا، َّب اجل ّال اخلارطة من عينَيه، أمسكها باملقلوب، م ّ شفتَيه أمام‬
                                                                             ‫ت‬
‫الطلسم العجيب، مل يفهم كيف ُحشر الصحراء الكبرية يف كاغط صغري . اختلس املشارقة الثالثة نظرات استفهام عابرة‬
      ‫إىل البدوي، مث إىل الوافـي فضرب يده على صدره وقال بلهجة تقطع الشك باليقني: "الطاهر وِد سيدي مهنا ود‬
                                          ‫سيدي مسلم ود سيدي ناجي، عريب صميم من النواجي، لنَ ضامنَه ووكيله".‬
                   ‫َظ‬                                           ‫ي‬                          ‫ر‬           ‫َب م‬
  ‫ض َّ اجل ّال أهداب د ّاعته وراء ظهره، قال وقد تغّر صوته: "والهي الذي ال... مانِ طمعان بَلْف َّ ُأالنِ عندي فيكم‬
         ‫د أت‬                                                                              ‫ل‬
    ‫قاية، انسلككم لنَ بيه أ ِّ انْتومَ امساكني مالنه، إال هو قانون الصحرا إغاثة امللهوف الواجبة لغريب ال ّار، ُُوفَ".‬
                                       ‫ش‬
      ‫رمشت عني عصري اليسرى ( دليل اطمئنان ) قال لصاحبَيه: " هالطاهر خ ّ قليب أول ما شفته، اعتربوها سريان‬
                                                        ‫م ل‬                                             ‫مش‬
                                              ‫كسدورة، ّة هوا، نشوف هالدنيا أشوى ما حننا قاعدين ع ّا نفّي حليتنا".‬
                                                                ‫ن‬
                                                 ‫قال سرحان بعد تفكري عميق: " الرأي رأيك يا كبري وحّه على التنفيذ".‬
                                 ‫خ‬                                                     ‫م‬
            ‫بدا العراقي أكثر املتح ّسني للسفر بعدما احترقت أوراقه يف متكبتو، قال: " املص ّم ما خياف من الصخام".‬
         ‫ْ أظ‬                                                                    ‫و‬
 ‫أخرج الطاهر عظمة الغنم اجمل ّفة وحشاها بالتنباك، أشعلها، سحب منها سحبات متتالية وقال: "هنار من قَد ُّحَ، أقيس‬
                                  ‫الكم فَ أربع زوايل، نش ّ أدبش اعل ال ّواحل أ ُّ ِّيني اقْبالْ، على بركة اهلل1".‬
                                                               ‫ُنتم ماش‬    ‫ر‬             ‫د‬

                                                                                                            ‫َظ‬                                ‫َّ‬
                                   ‫1 أقِي= أوقية وهي عملة مورتانية / الف َّ =الفضة = املال / قاية = غاية احلسانية حتول الغني إىل قاف / كسدورة = نزهة‬
                                                                                                                                                                ‫64‬



 ‫ْ ْ‬                                 ‫ْ‬              ‫تْ‬           ‫أ‬                             ‫ك‬
 ‫هنض، انتعل مداسه، تن ّب عصاه وأردف قبل أن يغادر : "ُال تنسوا الّومني، أْيوَ، كَل أرَقاجْ جييب امْعَاه ثالثني مَد مَن‬
                              ‫ه‬                          ‫أت‬                ‫ت َس أ َّل‬                  ‫ر زْ‬
 ‫ألْما ُ، أ ّرعْ كيف كيف، أّاي و ّكر ُم ِّ، ومخسَ كيل مَن َّمر أُمن الكرتة، بيدون أدْ ّن فرض اعليكم، ُأعنزة تَنتَحَر‬
                                                                                                                                     ‫ُتَتق َّد وخالص2 ".‬
                                                                                                                                                ‫أ َد‬
                        ‫ت س م‬               ‫ز‬        ‫تْ‬                             ‫ك‬                       ‫ت‬
  ‫بغريزة الّجار أشار الوافـي إىل د ّانه املالصق للعيادة وقال : "أّومنيْ، أ ّرع، أّاي و ّكر أْت ّر، ألكرته، أدهن ألعنز،‬
                                                                                                              ‫َن‬             ‫ْ‬        ‫ْ‬
                                                                                                        ‫هذا كامَل خالق عَندِ، تشتروه م ِّ لنَ".‬
                                         ‫ك‬
‫خرج البدويان، ركض سيدي الوافـي يف أثر عنزته وربطها أمام باب د ّانه استعداداً لذحبها. طلب عصري من حامت أن‬
                                                  ‫ص‬                                        ‫ي‬      ‫ْ‬
            ‫يضرب الوَدَع على نّة الطريق، فقال العراقي: "شلون تريدين أب ّر ونه خرمان راسي مو قادر على التركيز"!‬
          ‫وخب‬
‫أخرج الغجري من جيب الصداري علبة "الرومثان" ورمى عليه سيجارة. أشعل حامت عود حرمل يف اجملمر َّر األركان،‬
          ‫د‬            ‫ُ‬
‫تناول عصاه املطلسمة، ضرب الرمال على نيَة الطريق، فأبصر من الكواكب السبعة كوكبَ زحَل، ومن ال ّروب الثالث‬
                               ‫س‬             ‫ري‬                             ‫َ‬                      ‫س‬
      ‫دربَ ال ّالمة، ومن األشكال اإلثنيْ عشر شكلَ اجلودلةَ، ومن الط ّين الطريَ ال ّانحَ، أشرق وجهه وقال بصوت‬
                                                                                                                                     ‫ه‬
                                                                                                    ‫الك ّان العميق: " سالكة ولمنة وميسرة".‬
  ‫انتعل املصري نعاله على عجل: "بالش خرافات، مش عاجبين الود ده أمسراين وشعره أمحر، الزم نسأل عنه يف البلد"،‬
                            ‫د‬       ‫ط‬          ‫ِي‬           ‫ق‬
        ‫هرول حنو السوق املسقوف. قال له محادي التاجر: " ر ّان ماهِ اقرِّب، الكن أ ّاهر عن ُ مهاري تسابق احلصن .‬
                             ‫م‬
                       ‫وقال إمام مسجد سيدي حيىي :"أطاهر وِد سيدي مهنا أرقاج زَيْنْ، ما يقطع فرض من فروض ُالنه".‬
                                               ‫َت‬                            ‫ف َن‬              ‫ط‬
            ‫قال بونا اخلياط: "أ ّاهر ما شَ ُنا م ُّ شِ شَني، لكن أزواض خطريَ ح َّ واملسافر فيها عادة ما يكتب وصيته".‬




                                                         ‫1 قد أضحى = غدا صباحا / أقيس = أجيء / زوايل مجع زائلة = مجل / أدبش = املتاع / اقبال = على طول‬
         ‫أت‬                         ‫ظ‬             ‫حت‬          ‫أ َّل‬
   ‫2 الكرتة = فستق السودان / التومني = التموين /املار = الرز / أتاي = الشاي / أزرع = الدخن / ُم ِّ = ايضا / َّ = جدا / الف ّ = املال / قايه = غاية / ُُوْفَ =‬
                                                                                                                   ‫م‬                  ‫أ َد ت‬
                                                                                               ‫حالص/ تَنْتَحَر ُتَتْق َّد = ُدبح ويقدد خلمها / ُالنه = موالنا = اهلل‬
                ‫74‬




‫الوادي الثاين‬
‫وادي السعي‬
 ‫الصحراء‬
                                                                                                                                                  ‫84‬




                                                               ‫وابتدى املشوار‬


                                                     ‫ر‬         ‫ر‬         ‫ل‬
 ‫هتادت اجلمال األربع يف طابور كأهنا مج ٌ واحد مك ّر أربع م ّات، ذيل األول مربوط حببلٍ موصول خبطم الثاين، والثاين‬
                               ‫الشق‬                 ‫ت‬                             ‫ل‬
        ‫بالثالث، فالرابع. على ظهر ك ّ بعري أدباش راكبه، وزنبيالن مّصالن ببعضَيهما على َّني، ومشربينان من املاء،‬
                                        ‫ي‬               ‫مل‬              ‫ز‬                  ‫الد ْ ْ‬           ‫ر‬
   ‫وغ ّارتان من حبوب َّخن، ومثلهما من األر ّ. امتطى اجل ّا ُ البعريَ املهر ّ مع لوازم الرشية: الدلو والبكرة وحبال‬
                         ‫ق‬                                                            ‫ق‬
      ‫املتح، وجممر و ُربة ومرجل وطنجرة، وإبريق شاي ومهراز من خشب الطلح، وعصا املد ّ وكومو لقلع األعشاب‬
 ‫ب‬                              ‫د ت‬
‫وطاس وحمقن وقصعة. وعلى اجلمل الثاين استوى املصري مع كيس اللحم املق ّد املّصل طرفه ببيدون الدهن. بينما ترّع‬
                           ‫ق‬                 ‫ج‬            ‫ُد‬
‫العراقي على البعري الثالث مع عصاه املطلسمة، يف حني ش َّت كتبه املس ّعة العناوين يف ث ّالة وزن مع زنبيل حيوي التمر‬
                                                                                                         ‫ن‬
                                      ‫والكرتة. وتسّم عصري اجلملَ األخري األبلق، بقربه مسسونايته احملزومة مع حجر اجللخ.‬
   ‫أحاطتهم الرمال، أصحروا بني حشرات اخلنفس وأعشاب العرين والضمران والدرين والسبط واألثل والطرفا، زرع‬
‫سرحان الغليون يف طرف فمه األمين وأمسك جرنه بيسراه دمدم:" رحيالً رحيال بغري هوادة، رحيالً فإن الرحيل سعادة .‬
 ‫نقل الغليون لطرف فمه األيسر وأمسك جرنه بيمناه وظل يتفلسف : " أنظر أنظر، الصحراء ورماهلا، السماء وزرقتها،‬
                                                                                                        ‫م‬
                                                                   ‫هذه ليست أشياء ص ّاء، لكنها ناطقة لو عرفت كيف تستنطفها.‬
                                                        ‫ُق‬
           ‫جاوبه عصري على اجلمل األخري :" تضرب هبالبوز متل ع َّال الدروز، فتحتلنا مواهبك وعملتلنا قصة شعرية!‬
                                           ‫و‬                                                 ‫م‬
   ‫بدأ حامت يتذ ّر فوق اجلمل الثالث : "لو أدري سفرتنا هلقد راح تط ّل كان جبت ويايه بوطِل عرق نثرية مال درب،‬
                                                                                                                            ‫دتفيد بقتل الوقت.‬
                                ‫ب‬                      ‫م‬
    ‫ابتسم الغجري، أخرج من زنبيله لخر قنينة: "ع ّك عصري حاسبلها حساب، خّي عرقك األبيض لنهارك األسود،‬
                                                                                                                ‫َ‬
                                                                                  ‫بصحتكم شباب ،ع املاشي، عَ الراكب، عَ الناشف.‬
             ‫ي‬               ‫ت د‬                                                                          ‫ب‬
 ‫ع ّ من البطحة بشراهة كحويل مدمن مث قذفها حلامت الذي جرع جرعة، أتبعها جبرعَني ع ّلتا مزاجه: "خَ ّ، أيباه اشقد‬
                                                                                 ‫صاريل ما شارب ! من ذاك اليوم، اهلل يذكرهن باخلري.‬
                                       ‫م‬
     ‫طارت البطحة من اجلمل الثاين إىل الثالث ومن الثالث إىل الرابع. التفت اجل ّال حنو الركب املنتشِ، سأهلم عن هذا‬
   ‫السائل األبيض، ضحك عصري وقال إنه "دكنو زحالوي1" اّسعت عينا سرحان، أشعرته اخلمر ُ واالمتدا ُ املس ّح‬
    ‫د ط‬               ‫ة‬                             ‫ت‬
                                                  ‫ر‬        ‫رب‬                                    ‫ك‬
 ‫بأبعاد شخصيته املر ّبة متتم بإلقاء شعري: " أنظر أنظر ،ال ّية، احل ّية، املدى، االمتداد الالهنائي، حني تكون كل اآلفاق‬
                                                                                            ‫غ‬
                                                                                 ‫عمياء فإن املدى الوحيد املبصر هو التو ّل يف الذات.‬



 ‫1 مشروب يستخلص من طحن حبوب الدخن وهو غذاء أساسي بالصحراء وزحلة مدينة لبنانية مشهورة بتقطري العرق / / داتفيد الدال زائدة تفيد معىن حىت / بوطِل = قنينة‬
                                                                                                                                                       ‫94‬



‫أمال الغجري الربنيطة كما أمال فمه بابتسامة ساخرة: " قال الشاعر وما الدنيا فيها حراقاً إال يف الصحاري، واحلراق يف‬
                                                                                                                                    ‫القلوب جماالً.‬
                                                              ‫ضحك حامت: "منني جبت هالبيت لك لوكي خمربط، من حبر قفشتا"!‬
                                          ‫ك‬                             ‫ذ‬
   ‫دخل عصري يف عوامل صاخبة من الل ّة واالنتشاء ونسيان الذات ، ف ّ عقد السمسونايت الكثرية، أخرج الكاتالوغ‬
                                                                                                          ‫ل‬
     ‫ق ّب صفحاته وأشبع عينَيه، مث رماه إىل العراقي فأمسكه كشيء تافه، قال بصالفة : "لين مو من عاديت أباوع هيكي‬
                                                                                                                                ‫ر‬
                                                                                               ‫ط ّهات، لين هاألشياء ألعب بيها شخصي.‬
           ‫ّ‬                    ‫ي‬             ‫ر ر‬                            ‫ب ر‬
        ‫وقذفه فوراً إىل املصري الذي ض ّ ك ّاس األشعار يف جيبه، وتف ّغ لك ّاس الصور املهّجة ناسياً الصحراء كلياً.‬
    ‫انزعج عصري من مشية البعري الوئيدة، غمغم : " سقاهلل أيام كنت اركب املهرة األصيلة من محص لطرابلس، أفشخ‬
                 ‫فوق النهر وط ّ بوادي خالد، ن ّ فوق جبال ع ّار وصري حبلبا، ربع ساعة زمان كون بت ّة الب ّاوي 1.‬
                       ‫ل د‬                                         ‫ك‬            ‫ط‬               ‫ب‬
                                                                                                        ‫ي‬
                                                             ‫فتل شاربه القوقاز ّ بأمائر فخفخة وبطولة: " شايف هاجلرح إستاز"؟‬
                                                                                                                ‫ف‬
                                                    ‫ص ّر سرحان دون أن يرفع عينه عن الكاتالوغ: "يبوووي ده جرح رهيب"!‬
  ‫ق‬                                               ‫ي‬                                                         ‫ل‬
  ‫تق ّص عصري إىل أبعاده اإلنسانية، فقال بنربة واقعية: "إحنا الرّاس مغضوب علينا من يوم يومنا، قال الزير سامل وح ّ‬
            ‫املهيمن ثالث أميان واثقني، سوى جنس احلمري ما ما إنتو راكبني وال لكم بالد وال منازل، أصولكم ضايعني.‬
                       ‫ن ل‬                                           ‫غ‬                   ‫م‬              ‫س‬
‫متلمل وحت ّس فخذَيه املس ّطتَني وأمعائه املم ّصة من مذاق املاء املشبع بالكاوتشوك، ترّح احن ّت مفاصله من الثمالة ومن‬
                                                                     ‫ب‬                                ‫و‬
 ‫د ّار الصحراء ومن اهتزاز السنام ، خّأ رأشه بالشاش من الشمس احلارقة، مهد وتراخى، سَلَت عن السنام ووقع على‬
                   ‫ش‬                            ‫س‬                         ‫ط‬                          ‫ق‬
 ‫الرمال، تو ّف الطاهر وأوقف القافلة، ن ّ املشرقيان ركضاً حنوه، ج ّ العراقي نبضه مقترحاً أن ير ّوا عليه ماء الورد،‬
                                                                          ‫ت‬     ‫إد‬
                                                      ‫عارضه املصري : " ده ضربة مشس، ِّيلو حّة عرق يصحصح على طول.‬
                  ‫د‬        ‫ج‬                                ‫و‬                                        ‫ر‬
   ‫ح ّكه حامت فأفاق، عجز عن رفعه بسبب يده فتط ّع سرحان، أردفه على ظهره وقال يش ّعه: " ش ّ حيلك يبو العم،‬
                                                                      ‫ش‬
         ‫فشختني ونصل، أوروبا مش بعيدة عن ع ّاقها، ال تبتئس، من رحم احملن خيرج األبطال، اإلرادة نصف الطريق‬
                                                                                         ‫ث‬           ‫ر‬         ‫َ‬
        ‫َلكزَ الطاه ُ اجلمالَ وحّها على النهوض من جثمتها، استوت الثالثة األوىل على كراعها إال األخري األبلق ، أزبد‬
                        ‫ي‬
   ‫وعنفص يف مكانه( األبلق فصيل صغري جلبه الطاهر لترويضه على املشاوير البعيدة ) تطّر عصري، رفض ركوبه وهو‬
                                    ‫س‬                         ‫م‬
   ‫يرى لون رأسه خيتلف عن لون سائر جسده، فربطه اجل ّال مكان اجلمل الثاين، وو ّق البعريين بالغرائر املناسبة، حشر‬
                                              ‫ب‬                           ‫ب‬           ‫ي‬             ‫ط‬
 ‫ب ّانية فوق احلوّة كي ال تتيّس أضالع عصري، ولوايش من اللّاد حتت أعواد القتب كي ال تالمس أضالع املركوب.‬
                                                   ‫ر‬
 ‫استأنفت القافلة مسريها، خبت اإلبل يف مشيتها الوئيدة وح ّكت سيقاهنا األربع يف خطوات رتيبة منتظمة، بدأت ترغي‬
        ‫ل‬                                                 ‫خ‬
    ‫وتضرط وتبعر، وضاعت املسافة يف املسافات، تب ّر مفعول الويسكي، وانتكس عصري وحامت، ظل املصري حي ّق يف‬
                                                        ‫ت‬
  ‫صور الكاتالوغ، وانتصب قضيبه هباءاً على ال شيء، تشّت فكره وتبعثرت بقايا الكالم يف فمه، نزع الغليون من فمه‬

                                                  ‫ي‬
              ‫البداوي تلة خييم عندها الغجر قرب مصفاة نفط طرابلس واالمساء الواردة هي مواضع بني املدينينت/ املاء ُحفَظ يف مشربنات ويكتسب طعم الكاوتشوك‬    ‫1‬
                                                                                                                                                     ‫05‬



      ‫وحاول رسم أحاسيسه فلم خيرج معه شيء (أن ميتلئ الرأس بالصور شيء وأن يفلح الغليون يف رمسها شيء لخر،‬
                                                                                                              ‫ل‬
                                                                     ‫الصحراء ال تتج ّى بالصور واألشكال بل بالكلمات واملفاهيم).‬
                               ‫ت‬                                                      ‫ف ب الس‬
 ‫ك ّت حّات ُّبحة عن الدوران يف يد عصري، وثقلت رؤوسهم وظهرت بقايا الّعب يف عيوهنم ( كانوا قد أصحروا‬
                                                      ‫ي‬
  ‫عند الفجر ) فسرقوا ساعة نعاس على األسنمة، ومل يعد ُسمع سوى الشخري وحداء الطاهر املوزون على إيقاع اإلبل:‬
                             ‫سفن الصحاري والذكا باذهاهنا‬                       ‫"البل عطايا اهلل جزيالت العطا‬
                              ‫وعند الرحيل تشيلنا بظهورها.‬                     ‫مشروبنا والقوت در حجورها‬


                                                    ‫ش‬
                                                 ‫الكراكر والنواجي واجلهاد ال ّرجي‬
                             ‫َج‬             ‫ع‬                         ‫ط‬                                        ‫ص‬
                    ‫ركض ال ّبيان باجتاه خيمة كبري احلي صارخني : " أ ّاهر ود سيدي مهنا جَ وَمْ َاه اثْلَثْ ر َّالَ بيظان‬
                                                                                 ‫ُ‬            ‫جل‬
 ‫أنيخَت ا ِمال األربع ورفِعت عنها األدباش والرواحل والسروج واألقتاب واألشولة والغرائر ، سأل سرحان عن عدد‬
               ‫م‬                   ‫ت‬
‫الكيلومترات اليت قطعتها القافلة فأجاب حامت "مخسني " زايد عصري " أكثر من سّني "ونظروا إىل اجل ّال حيتكمون إليه‬
                                                                                                                           ‫فقال "أقل من عشرين‬
                                                                                             ‫د‬
   ‫جاء شقيق الطاهر محه وش ّ على يده :" ياك ال باس ! سنانك خبري ! أهل متبكت خبري ! ألْبَلْ خبري ! لَقْنَمْ خبري ! سيدي‬
                                                                                                                        ‫الوايف خبري ! لَحْمِريْ خبري!‬
‫وجاء أعمامه وأخواله، برز والده سيدي مهنا وضع يده على جبينه وباركه، رمق الغرباء ككائنات لتية من كوكب أخر،‬
         ‫ط‬                                         ‫ر‬
      ‫كبس الطاهر إهبامه على خيشومه ومتخط مث مسح أنفه بطرف د ّاعته، قال :" جلماعَ أهل علم وطب ... عَيْ ُولِ‬
                                                                ‫املواجيع فدشرة إالَهْ إيْجونِ، ألَوْدوا اعْلَ حليوان املدقدق كراعها1 .‬
                         ‫م ن‬                                                  ‫ر‬
 ‫وذاع اخلرب بني خيام النجع والس ّاح املنتشرين يف املراعي والسقاة عند احلاسي، الت ّ الّواجي، طابت نفس سيدي مهنا‬
                                                          ‫د‬
‫وشعر بأمهيته وهو يرى مضافته عامرة فتمشيخ ش ّ أهداب دراعته على طريقة الوجهاء : " مرحب ابضيوف أرمحن، بين‬
                                                                                                                         ‫ل‬
                                                                                                ‫يعرب وقحطان، أ ِّ يقولون ال إله إال اهلل .‬
                                                       ‫ي‬                                              ‫د‬
     ‫ش ّ عصري الصداري قائالً : " ميت أهلني ومرحبتني، حّاهم اهلل النشامى، ألف حتية خص للشيخ زودٍ على زود .‬
                            ‫ُْ‬                                           ‫د‬                ‫ت‬
      ‫سأهلم سيدي الّقي عن وجهتهم، ر ّ عصري وهو يداعب أصابع رجله : " طالعني طلوع عمرَة لبالد االستنكنافيه‬
                                                                                                                       ‫عالدين مرق، كفرهاجم.‬
 ‫نادى سيدي مهنا على زوجته خويدج، أمرها ان متخض شكوة ألشنينه، قال يف زخة أوتوماتيكية : " الضيف ضيف اهلل‬
                                 ‫ب‬                                              ‫و‬            ‫ي‬
    ‫واحنا للضّاف، إحن الن ّاجي أوالد سيدي ناجي معشي اضيافه، سيدي ناجي بوقّة خضره ود حممد ود عبد اهلل ود‬
  ‫امساعيل ود ابراهيم ود موسى ود حيىي ود عبد النور ود سعيد العريب ود عبد احلق ود عيسى ود صاحل ود عبد القادر‬
                                                 ‫ْ‬               ‫ْ‬
 ‫ود بلقاسم ود ادريس ود عبد اهلل الكامل ود لِحسَن ملثىن بن لِحسَن السبطي بن سيدنا إمام املعارف علي بن ايب طالب‬
                                                                                                   ‫كرم اهلل وجهه مع موالتنا فاطمة أزهرا .‬



       ‫1 نادوا على اصحاب االوجاع جيئوا بكل احليوانات اليت حتتاج لبيطرة / ألْبَلْ = االبل / لقنم = الغنم/ استنكافية يقصد اسكندنافية/ كفرهاجم يقصد كوبنهاغن‬
                                                                                                                                                             ‫15‬



                                                                               ‫ر‬               ‫ي‬
    ‫رفع عصري شّال الربوتيل مع ّماً صدره : " إيه والنعم والسبع تنعام، حمسوبك عصري زاده قشر البصل، أبو ميالد‬
                                                                                               ‫ي ي‬
‫رّس رّاس القرباطية وشيخ شباب احلمصية، من نسل سيدي خالد إبن الوليد سيف اهلل املسلول مع السيدة زينب بنت‬
                                                                                                            ‫ب‬                 ‫ْ‬
                                                                                                        ‫هند بنت أبو سَيفان، موس اهلل الكّاس .‬
                                  ‫ْ‬            ‫ت أ‬              ‫ت‬                                                 ‫ّر‬
              ‫أس ّ الطاهر ألبيه هو يشري حنو سرحان : " ذَ مؤرخ يف الّاريخ، عاقل ح ّ، ُقارِ قارِ يَعرَفْ كَلْ شِ كامَلْ.‬
                                                               ‫ش‬                 ‫ب‬
                 ‫رأى سرحان أعني البدو منصّة عليه بفضول، بَ ّ هلم : " إسأل إسأل، عندي أجوبة تبحث عن أسئله .‬
                ‫ت‬
    ‫ابتدره سيدي بادي بالسؤال :" هل يوجد يف الشرق اجلمل بسنامني ؟ فقال : " أيوه الصعايده كله بالّنني : حممدين‬
                                                                                                     ‫حسنني، أبو العينني ،واسكندر ذو القرنني.‬
                      ‫د‬      ‫ل‬          ‫ي‬
    ‫سأله العيدود عن الفرق بني عرب أزواض وعرب الشرق فقال : " كله ز ّ بعضه، خت ّف ممت ّ من طنجة جلعكرته .‬
   ‫أخذت األسئلة تترى من كل صوب، سأله معاوية بن الطالب ملاذا األغنام يف أزواض هلا ذيل ويف الشام هلا إلية، سأله‬
                                   ‫خ‬                               ‫ط‬
‫سيدي املختار "هل األرض كروية أو مس ّحة؟" فقال "مكرسحه "، سأله الشي ُ الصغري بن سيدي الشيخ الكبري هل بين‬
                                                                           ‫خ‬           ‫ي‬       ‫ي‬
   ‫لدم مسّر أم خمّر فقال "مس ّر" . وسأله عن سبب سوء أحوال املسلمني فقال "التخلف"، سأله عن أسباب التخلف‬
                                                               ‫فأجاب "األستعمار" وسأله عن أسباب اإلستعمار فقال : "التخلف " .‬
    ‫رمقه سيدي املختار بإعجاب نابع من عدم فهمه للرطانة : " ظاهر لِ عنك عامل فحل، أعقل من دَْيلول.، يكانك ترد‬
                                                          ‫اعلينا مردت سيدنا يوسف امبصر مع ناثي اللي قطعوا أيديهم ملا شافوه 1.‬
                                                                                               ‫ي‬
                                                          ‫قال املصري باقتضاب : " ده عّل فلسطيين تايه ضاع وأهله القوه مبصر .‬
                                                                                              ‫خ‬
  ‫عاد الشي ُ الصغري بن سيدي الشيخ الكبري يسأله عن شيوخه فقال : " حجة اإلسالم عبد السارتر، ماركس رضي اهلل‬
                                                                                          ‫عنه وفرويد كرم اهلل وجهه، ودارون عليه السالم.‬
                                                                        ‫ل‬                                   ‫ط ش‬
‫مَ ًّ ال ّيخ شفتيه : " واهلل يَذِ الصحابة أ ِّ ذكرت ما قط مسعنا بيهم، إحنَ ما مسعنا يكون املوطأ واأللفية، ش من املنكسر‬
                                                                                                                                                 ‫ُْ أ‬
                                                                                                                                         ‫والربدة، َُتوْفَ .‬
     ‫َو‬                                                                                       ‫س‬          ‫س‬
‫سأله ال ّامل بن ال ّالك عن احلصار املفروض على العراق فلمعت عيناه باخلبث وأشار إىل حامت : " أهو عندكم املْع َّد أبو‬
                                                                                                                        ‫دالل، شيخ عراقي كبريرر .‬
      ‫ْ ْ‬        ‫م‬                                                  ‫تسل‬
      ‫ونزلت عليهم كلمة " العراق" كليلة القدر، َّطَتْ أعينهم على حامت ، رفع سيدي بادي يدَيه : " يا ُالنه يَلحَي‬
                                                                                                             ‫ُْ‬
                                        ‫يَلمجيب، يلي غيبك ماه مريب، أنصر عبدك صدام حلبيب، نصر من اهلل وفتح قريب .‬
                                                                         ‫م‬
‫دخلوا يف بازار القومية العربية، حت ّس سيدي مهنا : " قاللك صدام جنح باإلنتخابات مية باملية، الشعب يبقيه حت حت،‬
                                                                                                                          ‫واش تقول باالنتخابات ذ ؟‬
                                                              ‫ي‬                                    ‫ي‬
 ‫" نزيهة مّة باملية . أجاب حامت أوتوماتيكياً تغّرت سحنته وحتسس البازبند وهو يرى بؤبؤين صارمني ترمقانه وحده من‬
                             ‫ل‬                                                                  ‫و‬
  ‫دون ر ّاد املضافة، خبأ وجهه خلف الغجري فالحقتاه، احنرف وقعد خلف املصري ظ ّتا مسلطتَني عليه، قال ليصرف‬
                                 ‫ر ب‬             ‫ت‬
‫أنظار البدو عن السياسة والعراق والرجل الضرورة : " لين فّاح فال، ع ّاف رّاين، اختصاصي بالوهن اجلنسي ( أخرج‬
                                                             ‫ي‬          ‫ر‬
            ‫قاروة صغرية ) لكو عندي حبوب عجيبة تد ّ املين وهتّج الباه، ومن شرهبا ينتعظ عريه وال يفتر عن النيك .‬




                                                                                                                  ‫ْ َد‬             ‫َ‬
         ‫1 ديلول = عامل من الصحراء / اردْ اعْلنيَ امر َّتْ ... = احكِ لنا حكاية النيب يوسف مع النساء/ يكون = اداة استثناء باللهجة احلسانية / يبقيه = يبغيه = حيبه‬
                                                                                                                                                ‫25‬



                       ‫ت‬                                                                 ‫س‬             ‫ي‬
     ‫تالشت محّة اجلهاد ، م ّد الشيوخ حلاهم ناظرين إىل احلبوب العجيبة بعيون واسعة، فتح سيدي الّقي يدَيه اإلثنتَني‬
                                                                               ‫ج‬            ‫ب‬
 ‫فناوله العراقي حّه : " هاك ح ّي صيدلية شفاء، مفيدة للعري والطيز واإلجناب واإلجهاض والثآليل واإلسهال والقرحة.‬
                              ‫ن‬                                                     ‫ر‬
  ‫سأله عن تركيبها فقال أن س ّها خطري ال يعطيه ألحد . سأله :هل حقا أن املسلم يف اجلّة كلما وطأ امرأة ترجع بكراً،‬
 ‫وكم مرة بإمكانه أن يواقعها يف الليلة، فأجابه شاهرا خوامته السبعة : " سبعة وسبعني بعدد وضعيات كوماصطرا، سبعة‬
                             ‫د‬                                                                            ‫ّ‬
     ‫بأول الليل، سبعة بنص الليل وسبعة باهلزيع األخري من الليل، أينعم، الرقم سبعة مق ّس، ومن عجائب رقم سبعة أن‬
  ‫عجائب الدنيه سبعه، عجائب هفتكانه، اهلفت سني يف سفرة النوروز سبعه، أمساء النيب سبع ، العهود السليمانية سبعة،‬
                                                                                 ‫األودية سبعة، األختام السبعة، السماوات سبعة‬
                                                           ‫ي‬
  ‫سأهلم إذا كان مثة بينهم من يعرف جداول احلساب لُثبت له معجزات السبعة، فطأطئوا رؤسهم اعترافاً جبهلهم، سأله‬
        ‫س‬                             ‫د‬        ‫ز‬                        ‫م‬
  ‫سيدي التقي عن أمساء النيب السبعة فقال :"حم ّد، أمحد، ياسني، طه، امل ّمل، امل ّثر، واملصطفى "، سأله سيدي ال ّامل بن‬
                                            ‫مس‬                                  ‫س‬          ‫س‬
 ‫سيدي ال ّالك عن ال ّينات السبع فقال : "سيب، سيز، سركة، ّاق، سنجيد، سري، سكة ". سأله سيدي املختار عن‬
                         ‫العجائب السبعة فقال : "األهرام الثالثة ،وبرج إيفل والعنقاء وطائر الرخ وطائرة كونكورد .‬
                                                                                                  ‫م‬
‫أخرب اجل ّال والده أن لدى عصري صندوقاً عجيباً هو عيادة أسنان حباهلا . أمر األب ُالغجري أن يأيت بصندوقه ويكشف‬
                     ‫ك‬                                        ‫د‬
 ‫على أسنانه، فلم جيد األخري بداً من القول : " خ ّام شواربك يا شيخ العرب، أي أنا بزماين ر ّبت سنان لوزير خارجية‬
                                                                                                                                 ‫النيجر بذاتو‬
                                                                               ‫ر‬
   ‫احتضن احلقيبة، ضرب الرقم الس ّي فانفتحت، نظر البدو بانبهار شديد أطربَ الطاهرَ فأمَرَ الغجري بلهجة لمرة : "‬
                                            ‫1‬
                                                      ‫ْ ْش‬                          ‫ش‬              ‫أ‬              ‫ر‬
                                                ‫واسيها م ّ اخْر، إكفلها ُعود أفتحها َب ّور قدام الشيوخ الهِ يَتْنَيم ُ فيهَ.‬
                                          ‫ل‬
   ‫امتثل عصري، أقفل احلقيبة وضرب الرقم السري وفتحها من جديد وهو يه ّل : " تعا تفرج عَ املارد نور الدين، دار‬
                                                                    ‫د‬
 ‫الدنيا بلمحة عني، تعا شوف محص الع ّية وسوق احلميدية وباب التركمان اللي دخل منو السلطان، وانظر على سيدي‬
                                                                        ‫ر‬
   ‫خالد يشرب من ماي البارد، تعا تف ّج عالبانسا وموس احلالقة ودوا أمحر، عَ كدلوغ السكس البطوالت واملراجل .‬
                                                                                                 ‫ض‬        ‫ر‬
‫ق ّر أال ي ّيع جهده مع زبائن مفلسني يدفعون جزاء أتعابه كلمات شكر وأدعية، فشهر كالبة القلع يف وجه األب، قائالً‬
                                                              ‫ج‬
                                       ‫قبل معاينة السن : " سن مقلقز، الزمه قلع، افتاح ح ّي متحف اآلثار العتيقه .‬
                                                      ‫أ‬               ‫ب‬       ‫ل‬          ‫َّ‬
                                                                                         ‫ي‬
                                             ‫اعترضه طاهر : " حمروق بََِّّّْك، رد الق ّاعْ واكَظ أحلفار، إزرع ُال تقلع .‬
          ‫ف‬                      ‫ل‬                ‫د‬
 ‫انضبع عصري، استطلع جتويفة الفم وأخرج إبرة الكلوروفورم املخ ّر، غرزها حتت ال ّثة اليابسة، مث أدخل ح ّارة دقيقة‬
      ‫ف‬
   ‫وشرع حيفر اجلزء املنخور وحشاه بالرصاص، رأى أعمامَ الطاهر وأخواله ينتظرون دورهم، فتح حبركة سريعة احل ّارة‬
      ‫د ل‬            ‫ل‬
 ‫وقطع سلكها الكهربائي، تظاهر بتشغيلها فلم تشتغل، اعادها متذرعاً بنفاذ البطارية، مل يعد أمامه إّا القلع، خ ّر ّثة عم‬
        ‫و‬                                                                                  ‫م‬
  ‫الطاهر، تع ّد أن يقلع السن قبل سريان مفعول التخدير، وصرخ العم صرخه أمل جعلت الباقني حيجمون، ل ّح عصري‬
                                                                                                         ‫م‬
                 ‫بالك ّاشة : " مني ب ّه يقلع، الضرس خبمس ورقات وتالتة بعشره، يف سبيل اهلل بالش، ببالش إال ربع .‬
                                                                                          ‫د‬
  ‫صخبت املضافة بذوي األوجاع من البشر والبهائم، جاء بدوي بإبل جربانة طلب منه ان يدهنها بالقطران، وجاء لخر‬
                       ‫ن‬                                 ‫ر‬          ‫ج‬                        ‫ف‬
 ‫بعنزة سوداء ج ّ ضرعها مث طلب منه أن حي ّب هلا لتد ّ لبناً، جاء ثالث حبربة مثلومة ليسّها على حجر اجللخ، أحضر‬
                                                                                                      ‫ّ‬
‫سراح قطيع أغنامه لريقيها ضد أنياب الوحوش الضارية، وانتفض عصري بوجه امللتمسني : " طرش املعزة هدا دواه عند‬
                                                                                                                     ‫َو‬
                                                                            ‫املْع َّد،(حلامت) قوم دكتور داهش بيطر الشعب أوام.‬

                                                                          ‫د‬
                                          ‫1 ساويها مرة اخرى اقفلها مث افتحها هبدوء قدام الشيوخ حىت ينظروا هلا / بِ ّه = بوده= يريد ان / بالش = جمانا‬
                                                                                                                                    ‫35‬



                                                                                              ‫ب‬
   ‫ه ّ العراقي حامالً عصاه املطلسمة : " تكرم عني الشعب ودواب الشعب، لكو عندي حلول تبحث عن مشاكل .‬
                                                                   ‫ط‬
   ‫مجع احليوانات املريضة رسم حوهلا دائرة، ق ّب حاجبيه الغزيرَين فرد خوامته السبعة، قال بصوت الكهان العميق : "‬
                             ‫د‬                         ‫د ر‬                           ‫د‬                ‫خ‬
      ‫اللهم س ّر يل رقيائيل وخ ّامه موهب، وجربائيل وخ ّامه م ّة بن احلارث، ومسسائيل وخ ّامه األمحر أبو التوابع،‬
                                                                                                   ‫د‬
           ‫وميكائيل وخ ّامه برقان أبو العجائب، يا شايف يا كايف يا معايف هيوشِ مهطوش أدَشٍ أريوشٍ أريايوشٍ برمة .‬
                                     ‫ر‬
    ‫اقترب عجوز شيباين أخربه أنه حمروم من مثرة البطن، أسبل حامت مقلتَيه ق ّب عصاه املطلسمة من قضيب الرجل : "‬
                                                                                                              ‫ّ ك ك‬
                                                                                                        ‫كبروه ّربوه ّربوه .‬
                                                                ‫ن‬                     ‫ب‬
  ‫مث أعطى العجوز حّة سوداء: " هاك أبو الّذر، إبلعها من فمك تصري متل احلصان، تدخل على أهلك مرفوع الراس .‬
  ‫أشار املريض إىل ما بني فخذَيه قائالً أن العطب حتت وليس يف الفم، هنره حامت : " إبلعها من فمك مفعوهلا ينزل لعريك،‬
                                                                                                            ‫إبلعها اهلل يشفيك .‬
                                                                            ‫" ويشفي مرضى املسلمني . أردف عصري‬
                                                                                        ‫ق‬
                                                                                 ‫" ويشفي كل املسلمني . ع ّب سرحان‬
 ‫رمق حامت اجلائع عنزة صغرية وقال لسيدي مهنا أن دمها ضروري حىت يستجيب اهلل إىل نذورهم وأمره أن يذحبها حاالً‬
                                                                                          ‫ف‬             ‫ر‬
    ‫ويف ّقها ذبيحة وك ّارة، وأن يشوي كبدها له ويعمل منها تشريباً .رفض والد الطاهر متحججاً أنه حيتفظ هبا أضحية‬
  ‫للعيد، اليوم الوحيد الذي يذوقون به اللحم، حلف مييناً أهنم يطبخون القوارض والسحايل واجلرابيع ليسدوا جوعهم،‬
                           ‫د‬                                                      ‫ب‬
 ‫قام الطاهر إىل األدباش وص ّ من السكر والشاي يف إناء وترك هلم غرارتني مليئتني بال ّخن (أعراف البادية تقضي بأن‬
   ‫م‬                              ‫ك‬         ‫ر‬          ‫الص‬               ‫يسم‬
  ‫يعطي الوافدون ألهل النجع ما ُ َّى :حق التريق او َّفْري ) وف ّق حفنة س ّر على األطفال فلحسوا بنهم وجت ّع‬
      ‫ك ك‬
     ‫الذباب على أفواههم، وهنض املشارقة الستئناف السفر، فاستوقفهم سيدي مهنا بصوت أخنف : " حاني ُ حاني ُ،‬
                                                                                           ‫َد‬
                                                                ‫ضيافة النيب ثلث ايام، ح َّ الَهِ ما تَحْرَكو من هون .‬
                          ‫و ل‬                                       ‫ح‬       ‫د‬
    ‫باتوا ليلتهم مث اليت تليها، ومل يش ّوا الر ّال إال بعدما قلع عصري األسنان املس ّسة ك ّها، وشحذ على حجر اجللخ‬
                                                 ‫مس‬                                    ‫َب‬
                                  ‫السكاكني املثلومة، وجَّر عظم الغنم املكسورة، وخنت األطفال و ّر حوافر احلمري.‬


                                            ‫ردناه عون طلع فرعون‬


                      ‫ي‬         ‫ر‬                    ‫ظ‬
     ‫مل يعد الطاهر ذلك البدوي الوديع املبتسم دائماً، انقلب ف ّاً غليظ الوجدان، تص ّف معهم كسّد مطلق مع أقنانه،‬
  ‫أجربهم على التحطيب وعلى لَ ّ بعر اجلمال الناشف1، وعلى هَرس الدكنو يف املهراز، وف ّ الدبش وش ّ الرواحل يف‬
             ‫د‬          ‫ك‬                                                     ‫م‬
                         ‫م‬                                    ‫ر‬                                   ‫ل‬
‫احل ّ والترحال، مسطت أفخاذهم بالركوب تو ّطوا ورطة مزدوجة: مع اجلِمال ومع اجل ّال، تدهورت معنويات السوري‬
                                                                         ‫والعراقي بينما ظل املصري حمافظاً على ألقه .‬
                                                     ‫***‬



                                                            ‫1 باالماكن اليت يندر فيها احلطب يعترب البعر الناشف مصدرا وحيدا الشعال النار/‬
                                                                                                                              ‫45‬



                             ‫ر‬                                                                           ‫ب‬
  ‫ترّع سرحان على البعري األبلق هادئاً كالنيل، بعثر نظراته بني السماء والرمال وك ّاس األشعار، قرأ بصوت مسموع:‬
                               ‫ك‬                                    ‫ك‬
‫"أيها العابر يف الطريق، لثارك هي الطريق/ تتش ّل الطريق عند املسري/ عند املسري تتش ّل الطريق/ أيها العابر يف الطريق‬
                                                                                 ‫/ ليس مثة طريق/ بل نقوش على الرمل".‬
                                 ‫د‬      ‫ج‬     ‫ص‬                    ‫ب‬                          ‫ض‬
           ‫أكمل وهو يع ّ على الغليون: " أنظر، يف حّة رمل ترى العامل، ب ّ شوف َمال م ّ النظر، حولنا وفوقنا".‬
                                           ‫ج‬                                        ‫ج‬
                          ‫عاجله حامت بقوله: " يا َمال! لَك حازقيل أبو البالطوات !ماكو غري ِمال ورمال وأشواك.‬
                 ‫س‬
    ‫" حضرتك شايف الصورة وغافل عن املعىن، اجلمال بعني الناظر مش يف املنظور، اجلمال الالمرئي، ِني أند أنسني،‬
              ‫ْ‬                           ‫ل‬
  ‫اخلواء بطانة لعامل كثيف مليء باألسرار، أنظر بالبصرية ال بالبصر ،بك ّ حواسك، يا لعطر األماكن. شِم رائحة الطلح‬
                                                                                                      ‫واإلثل واألرض البكر.‬
                                   ‫س‬                        ‫م‬                                       ‫ر‬
 ‫ح ّك حامت خياشيمه وقال إنه من فرط جوعه يش ّ رائحة تشريب وكباب، وحت ّر على زنبيل التمر الذي كان مربوطاً‬
                                                                   ‫ك‬             ‫د‬
                            ‫ببعريه (الطاهر اكتشف أنه مي ّ يده خلسة فف ّه عن اجلمل الثالث وربطه باجلمل املهري).‬
                            ‫قر‬                                       ‫د‬                                  ‫ض‬
  ‫تع ّل عصري ومتلمل فوق اجلمل األخري، م ّ ساقَيه إىل جهة اليسار، مث إىل اليمني، َّب إىل األمام فكاد يسحل على‬
                      ‫م‬                       ‫ي‬         ‫س م‬
 ‫الغارب، تراجع فكاد يقع عن السنام إىل اخللف، تو ّل اجل ّال أن "يقّل " إلراحة فخذَيه املس ّطني، فقال الطاهر: "ما‬
                                                                                   ‫1‬
                                                                                                            ‫أز‬
                                                                                       ‫اتقد تركَب َّايلَ قوطِر اعل كراعك.‬
                                     ‫أز‬                                                      ‫ر‬           ‫ر‬
                                ‫تذ ّع عصري بتو ّم قدمَيه، قال طاهر: "مانك قاد تقوطِر اعل كراعك، أركَب َّايلَ.‬
                                    ‫خل‬                                       ‫م‬                   ‫ب‬
‫ص ّ عصري غيظه على اجل ّال: " يا ضيعان التعب بسنانك وسنان اللي َّفك ( مث على صاحبَيه) نصحتكن كتري بال‬
                                                         ‫هالطلعة بالصحرا، بس حكي اللي ما بينسمع يا حسرة قايلو.‬
                                   ‫ت‬                              ‫ضي‬                 ‫ر‬
      ‫عاد سرحان يك ّز يف الصحراء : " ِّع نفسك لتجدها، املسافات وجدت لُقطَع، أضمن الطرق أصعبها، أسوأ‬
                                                                                              ‫املتاهات هو اخلط املستقيم...‬
                                                                                   ‫أك‬
                         ‫مل يدعه حامت يكمل: "ُ ُل خرا ولك هريدي أبو دماغني، أبول عليك وعَ اللي بدع الشعر".‬
                         ‫ل‬
   ‫كركرت معدة عصري، ارمتى بسالسة على رقبة البعري، هبط واقفاً، طقطق أعضائه املتص ّبة، ركض يف اجتاه معاكس‬
   ‫لسري القافلة، اختلى بنفسه خلف صخرة يفرغ أمعاءه، أشعل سيجارة وشفط أنفاسا متالحقة، شعر بدوخة لذيذة يف‬
                                 ‫ب‬
       ‫رأسه وخبدرٍ يف أطرافه وبراحةِ يف أمعاءه، طالت خلوته مع نفسه يف إسهال لعني سّبه شرب الدكنو، رأى القافلة‬
           ‫د‬
  ‫تتضاءل، مسح خزقه بالرمال، ركض فطارت الربنيطة عن رأسه وفلت الشبشب من قدمه، شعر بشيء حا ّ ينغرز يف‬
                                                                                             ‫د‬
                                          ‫كعب قدمه، ش ّ كاحله وصرخ: " يا ناس ياهو ياسامعني الصوت يا إسالم.‬
                                                                                                       ‫َم‬
‫"ي َّك أبو اجلمل" زعق حامت وهرع إىل جندته، بدل أن ينتزع الشوكة من باطن القدم انتزع سيجارتني من علبة الرومثان‬
     ‫جبيب الصديري، دنا الطاهر من عصري بالمباالة: " ش َّكيك، ال بكاك حر وال شر، اشطاري 1؟ لسعتك لفعى؟‬
                                                  ‫مب‬

                                            ‫1 ال تستطيع ركوب اجلمل امش على رجلك / سنب اند انسني = الظاهر واملخفي / نصحتكن = نصحتكم‬
                                                                                                                                         ‫55‬



       ‫ي‬                         ‫قي‬        ‫أل‬               ‫أش‬                ‫م‬
 ‫سحب طاهر شوكة بطول مسمار مغ ّسة بالدم "ياك ! َّوكَ أسقَيَر ذِ ِّ مبكيك! ِّم بو برنيطه كافيك مَن لَعَاط، ال‬
                                                                                                         ‫ش‬          ‫ان‬
                                                                                ‫إتعدل ُّك مريض، أ ّوكَ أصغري ما مترظ منادم".‬
        ‫ص‬                         ‫ْ ي‬          ‫ع‬                                     ‫م‬
  ‫صرخ حامت باجل ّال: " جره عجله داري ؟هاي شكو عندك دا ِس دي دي! خطَّة عصري، اهلل يستر ما تنق ّ رجله،‬
                                                                                                          ‫مح‬
                                                                                 ‫حتصل له غنغرينا لو ّى مالطية لو زائدة دودية".‬
                          ‫طب‬      ‫أل‬                         ‫ل‬        ‫ج ْل‬                         ‫م‬
           ‫صرخ اجل ّال حبامت: "أفظَيمَ ! حَ َّب ُ ، واسِ ُ شِ بدبوزك أملرصود، أنتَ ِّ طبيب ِّب عينك العورا".‬
    ‫ب ف‬                                                                    ‫ه‬               ‫ر‬
‫ظهرت جناعة التص ّف من املصري فط ّر اجلرح بالسبريتو وصبغة اليود، نزع من احلاوية خرقة من لوايش اللّاد، ل ّ هبا‬
                                    ‫خ‬                                                         ‫ب‬
‫باطن القدم، تشّث عصري بالعراقي، رجاه أن يقرأ على رأسه شيئاً من سورة الد ّان، فعاجله بقوله : "شلون تريدين أقرا‬
                                                                                        ‫خ‬                     ‫خ‬
                                                                                    ‫عليك سورة الد ّان ولين خرمان عَ الد ّان".‬
                                                                                     ‫س‬
     ‫ناوله سيجارة "رومثان" فد ّها يف فمه، أشعلها مث قرأ: "أسكن أيها الوجع حبق جَم جا مجناكم فاجِم جاءان ورمى ".‬
                                            ‫قي ْ ب‬                           ‫َس‬        ‫َ‬
    ‫قال الطاهر للغجري: "وصْالة و َّالم اعلَ رسولال أياهلل ، ِّم، ارَط انعايلك امشِ اعل اكراعك، اركب وَخالص".‬
                                                                                                ‫ر‬
  ‫مل يتح ّك عصري، لكز الطاهر اإلبل أمسك قياد اجلمل األول.بلهجة حازمة أمر املصري والعراقي بالركوب، وبلهجة‬
                                                                                                    ‫د‬
‫أش ّ حزماً أبلغ الغجري أن بإمكانه الرجوع وحده إىل متبكتو، وانتزع عصري نفسه انتزاعا من الرمال ركض على رجل‬
                         ‫ر ن‬                                    ‫ن‬          ‫د‬
   ‫واحدة حىت أدرك اجلمل األخري، ش ّ أذنه، وتسّم سنامه بانسيابية وسالسة (أول م ّة يتسّمه وحده دون إناخة) أخذ‬
‫يداعب رجله اليسرى املصابة كما كان حامت يداعب يده اليمىن، حلف على الطاهر بالرجوع، مغرياً إياه بأربعمئة دوالر‬
                                        ‫ص م‬
‫نقداً، ملعت عينا العراقي، ولوى رقبته وحدجَ السمسونايت بنظرات ل ّية ُريبة من نوع: كم من األمور العجيبة يف هذه‬
                                                                                                                                  ‫احلقيبة!‬
                                                                                                          ‫ق‬
‫تو ّف الطاهر وهلةً، وسأله عن قيمة الدوالر، فأجابه: "وحياتك أقوى عملة بالعامل، أقوى من درهم وجنيه وأوقية ودينار‬
                                                                                                  ‫جمتمعني، عشرة منه جييبولك مجل".‬
                                     ‫ر‬                                               ‫و‬                           ‫ّ‬
   ‫عد الطاهر على أصابع يدَيه وح ّل املبلغ إىل إبل، إىل قافلة من أربعني مجالً. م ّر أصابعه بسكسوكته صافناً يف جهتَني‬
                                                             ‫م د‬                              ‫مخ‬
‫متعاكستَني، ّن أن احلقيبة حتتوي ثروة أه ّ، ع ّة تصليح األسنان، ناهيك بالدوالرات وبالسنسونايت نفسها وبالدهشة‬
                                                                                                    ‫ت‬
                            ‫اليت ُحدثها، واستأنف سريه بعدما قال: "الكراكر بعيد حت حت، وأروان قريبة حت حت".‬
‫د‬                                                                                                      ‫غ‬
‫وتو ّلت القافلة القلقة يف اخلواء الشاسع، يف الصمت، يف املسافات، خبت اجلمال يف مشية وئيدة وخطوات رتيبة واشت ّ‬
                                                     ‫ي‬                                           ‫و‬
     ‫القيظ، حت ّل نواح عصري إىل مههمة مث إىل شخري، ومل يعد ُسمع إال أزيز الرواحل واالقتاب على األسنمة، وحداء‬
                                                                                                                   ‫ث‬
                                                                                                 ‫الطاهر وهو حي ّ اإلبل على املسري:‬
                          ‫لنا ضامنك عقب الشقا ترتاحي‬                                              ‫د‬
                                                                            ‫م ّي رقيبتك واشريب لرياحِ‬
                                         ‫ب‬
                           ‫يا سعد من رّى عليك اوالده.‬                          ‫د‬          ‫ص‬
                                                                            ‫يا عوجة ال ّيقان يا م ّادة‬

          ‫1 اشطاري = ايش طرأ ؟ جره عجله داري = ليش مستعجل / افظيم =دعاء تأفف / دبوز مرصود = العصا املطلسمة / / تعدل = تتظاهر / ميَك = قف عندك‬
                                                                                                                                                         ‫65‬




                                                     ‫أروان، أو لمنت باهلل ورسوله وإبله‬


 ‫انتشر اخلرب قبل أن خيرج الرجال من البيوت، انتشر أوالً عند احلاسي على ألسنة الصادرين والواردين، مث يف صرخات‬
                                         ‫د‬                                   ‫ط‬
                    ‫األطفال الذين هرعوا حنو السقيفة: "أ ّاهر ود سيدي مهنا جَ رافد معاه ثالث ُعاة من مجاعت أتبليغ".‬
                                                    ‫قاس عصري الكيلومترات اليت قطعتها القافلة مبقياس كرشه الضامر: " 006 "‬
                                                                                                                                       ‫مخ‬
                                                                                                   ‫ّن حامت املسافة من طول حليته: " 007".‬
                                                                                ‫زايد سرحان وهو يتأمل أظافره الطويلة "أكثر من 008 "‬
                                                                                                       ‫ر‬                      ‫خ‬
                                                                   ‫ومت ّط الطاهر ومسح أنفه بد ّاعته حامساً املزايدةَ: "أقل من 003".‬
                                             ‫و‬                       ‫د‬             ‫مح‬
       ‫صخبت أروان، استولت عليها ّى مفاجئة (لش ّة رتابة احلياة فيها حت ّل أتفه أمر إىل مهرجان).رلها سيدي احلاج‬
      ‫د‬                                                                  ‫مناسَبة مناسِبة ليستعيد هيبته الضائعة وليذك‬
  ‫َّر األروانيني مبا كادوا ينسونه مع تقادم الزمن، إنه كهيل الدشرة ومق ّمها،‬
‫حاج بيت اهلل، خف الستقبال الركب: "أطاهر مرحبا برحية احلباب، ياك الباس ! اتوحشناك حت، الكراكر خبري! سيدي‬
                                                                         ‫مهنا راه الباس! ألبَل خبري! ادجاج خبري! ملعيز! أحليوان كامْلَ !.‬
                                                                ‫د‬
‫أفلت احلاج يد الطاهر، فاستلمها موالي حممد وش ّ عليها: "سيدي بادي الباس ! لقنم خبري! اجلمل املهري الباس! البعري‬
                                                                                                                          ‫ز ص‬
                                                                                                                      ‫األبلق الباس! أ ّايْلَ ال ّفرة!‬
         ‫وسِّبَت اإلبل، سارع مربوك احلرطاين1 إىل وضع شوك قتاد بني أفخاذ نوق الدشرة، كي ال تقرهبا اجلمال األربعة‬
                                                                                                           ‫ُي‬
                                                                      ‫ص‬
  ‫املستوحشة، اختلس األروانيون نظرات متل ّصة على الغرباء الثالثة سألوأ الطاهر :هل هم من محلة التثبيت إزاء محلة‬
                          ‫ر‬
   ‫التنصري؟ فأوضح أهنم أطباء، أحدهم يقلع األسنان وثانيهما يطرد الشياطني وثالثهما مؤ ّخ من حفظة القرلن، وختم:‬
                                                                                          ‫ف‬                               ‫خل ق ط‬
                                                                          ‫" ِّ يَنت َر أ ّبَل لَكبِري وينادي اعل ملواجيع َالفرقان كاملني".‬
                   ‫ُّر‬                                                                    ‫ي‬
      ‫وقف سيدي الفادي بتهّب أمام طبل مربوط بني وتدَين، نقر النقرات األربع اليت تعين أن على الس َّاح يف البوادي‬
     ‫احلضور ألمر مهم، التأم الشمل يف السقيفة املفروشة جبلود الضواري، فخفخ سيدي احلاج يف صدر الديوان، جلس‬
           ‫د‬
    ‫الشيوخ حوله حسب تسلسل الطبقات االجتماعية: الشرفاء، فاألحرار، فالزناقة واللحمة واحلراطني، جت ّب سرحان‬
                                                                                              ‫ك‬
           ‫شاعراً بأبعاد شخصيته املر ّبة إزاء بدو منغمسني يف الطبيعة كاحليوانات، بدا حامت بلحيته مندجماً متاماً يف اإلطار‬
                               ‫س‬                                 ‫ل‬
  ‫والديكور، نقع عصري رجله املصابة بطشت ماء مم ّح ساخن، قال مستلهماً التحايا احل ّانية: "حياهم اهلل الشيوخ، إيه‬




   ‫1 فصيلة مولدة من تزاوج العرب بالزنوج ام زجنية واب عريب ، وهي توليف حر تاين بني العبد واحلر / أظالي هي قوافل امللح / الطبل وسيلة التواصل بني البوادي ، صداه‬
                                                                    ‫جياوب ملسافات بعيدة جدا ويقرع وقت الشر واملناسبات الكربى غزو او اجتماع او ضياع مجل /‬
                                                                                                                                                        ‫75‬



        ‫أهالً وسهالً، أي شلون العيال والوالد والزراري واألهل، شلون اجلمل ! شلون بعر اجلمل وحليب اجلَمَله! شلون‬
                                                                                             ‫ب‬
          ‫النعجات اللي رّيتوها! وشلون والد والدكن! وشلون اجلريان ووالد اجلريان ! شلون القطط وكالب اجلعارية"؟‬
                            ‫ح ح‬                                                        ‫ح‬              ‫ح‬
    ‫ق ّ سيدي احلاج ق ّة مصطنعة الستقطاب احلد األقصى من العيون الناظرة، مث ق ّ ق ّة طويلة ليقيس مدى الصمت،‬
                                                   ‫م‬                                                       ‫ز‬
    ‫و ّع نظراته على الغرباء بالتساوي، محلق بذقوهنم الطويلة: " َرحَبَ مرحبَ بالضيف الذي أتى ديارنا عدد ما مشيتم‬
                                                                    ‫على وجه الرمال... نتوما من مجاعة التكفري واهلجرة إىل الصحرا"؟‬
         ‫شد سرحان على الغليون املعقوف بني أسنانه: "ال مؤاخذة شياختك، إحنا من مجاعة التفكري واهلجرة إىل أوروبا".‬
                                                            ‫ز‬
   ‫ظن الفادي أن أوروبا دشرة من مداشر الساحل فه ّ رأسه استحساناً: "الساحل بيت مال والقبلَ طوفوا، الشرق بيت‬
                                                                                                                            ‫نار والّل ال تشوفوا1".‬
                                                                                                                                          ‫ت‬
                                                     ‫ج‬                           ‫ص‬
‫فخفخ سيدي احلاج بالعباءة املق ّبة بالذهب (حيتفظ هبا منذ ح ّته، يلبسها فقط يف صالة اجلمعة واألعياد واملآمت)، وبذل‬
                        ‫ك‬                                                          ‫ج‬
   ‫جهداً فائقاً وهو يستحلب ُمله الفصحى : "احلمد هلل الذي جعلين قبل مويت أغسل عظامي مب ّة، أزور قرب الشفيع يف‬
                  ‫ج‬
        ‫وادي قبا والبقيع، أشرب من حاس زمزم، مَ طاهر وطيب أحلى من عسل النحل ومن ريق العافية، ح ّيت للبَيتْ‬
                                                                                                                    ‫بْ ْ‬      ‫ُ‬
                                                                                  ‫وطفت ولََّيت، وقفت اعْلَ عرفات ورميت احلجرات".‬
‫وغمغم موالي حممد حسداً: "اله ال حيرم منادم من امقيست تراب حلجاز، ونضلعو مَنْ مَ زمزم، إنه على ما يشاء قدير".‬
                                                  ‫م‬
  ‫بدا سيدي احلاج مثل سلطان بال صوجلان وهو خيوض يف خض ّ املفاخرة الساللية (ككل العرب الذين درس جمدهم إن‬
                                ‫ج‬                                   ‫س‬                                ‫سئ‬
      ‫ُِل عن امسه يذكر أمساء أجداده وإن ُئل عن حاضره يطنب يف سرد ماضيه)، تب ّح بأنه من نسل سيدي أمحد بن‬
  ‫صاحل األرواين، من أوالد سيدي الكبري ابن سيدي أمحد بن سيدي بو بكر بن سيدي حممد بن سيدي حيبلله بن سيدي‬
      ‫د‬
  ‫عمر الشيخ بن سيدي أمحد البكاي بن سيدي حممد الكنيت بن سيدي علي املنتسب إىل جعفر بن أيب طالب. حت ّث عن‬
           ‫د‬                                                                                      ‫د‬
 ‫ج ّه الذي كان يفرض مكوساتٍ على قوافل الظالي، كان حيتفظ بطبل الزعامة، وكان يكرم الضيف ومي ّ السماطات،‬
                  ‫ي‬            ‫و‬                  ‫و‬                      ‫و‬             ‫ق‬             ‫ر‬
   ‫فقد أومل م ّة ألمنوكال ه ّار مجالً حمش ّاً خبروف، واخلروف حمش ّ بطري، والطري حمش ّ ببيض. مث تغّرت الدنيا، زحفت‬
‫الرمال وجاء مهاري الفرنصيص أقاموا نقطة عسكرية لضبط القوافل وسلبوا منه امتياز اجلباية واألتاوة، جاء موديبو كيتا‬
 ‫حرمة من عبيده، وجاءت جماعة عام 17. أكل الناس حلم احلمري وعرانيس املركيب، وخربت أروان بعد عمارها ومل يبقَ‬
                                                                                                                 ‫فيها إال بضعة أنفار هو أحدهم.‬
                                                                              ‫م‬        ‫ل‬
 ‫سكت سيدي احلاج فتك ّم ابن ع ّه موالي حممد بن بوردة، وقال إن ألروان تارخيها املشهود، مقامها من السودان مقام‬
       ‫ط‬                        ‫ح‬
    ‫الوجه من اإلنسان، كانت مزدهرة يسكنها اآلالف، وكانت موئالً لقوافل الظالي والر ّالة املغامرين مثل ابن ب ّوطة‬
                                                                                                                ‫ز‬
                                                                                      ‫وابن حوقل وابن الو ّان واحلاخام مردخاي بوسرور.‬


 ‫1 تتباين اجلهات االربع بني العربية الفصحى واحلسانية ففي هذه االخرية الشرق هو اجلنوب . والقبلي هو الغرب . ساحل هو الشمال ، تل هو الشرق / امقيست = زيارة/ مَ‬
                                                                                   ‫= ماء/ امنوكال = امنب عقال التوارق، هقار هي بالد التوارق يف صحراء اجلزائر‬
                                                                                                                            ‫85‬



                                                       ‫ط‬       ‫ل‬       ‫خن‬            ‫خ‬
    ‫نظر احلرطاين مواربة إىل الشي َني نظرته إىل ّاسة حم ّيني، م ّ شفته السفلية الغليظة بتسليم: "اهلل يبارك فعمر سيدي‬
  ‫ْ‬      ‫نسر‬                            ‫أ‬                             ‫أ‬                    ‫ام أ‬
  ‫وموالي، احْنَ عبيد َّلكَ ُتَحت األيد، ما نعرف ُمنا أال بَيْنَا، نعدل حلويات ُنَمخَظ اشكَاوِ أُنورد احلاس، ِّح البِل‬
                                    ‫أ ْ ْ‬          ‫ْ‬         ‫ْ‬      ‫ل‬
‫صمت وهلة مث أضاف بصوت تالعب بنربته: " وّاهي، إحنَ هون مَنسيني ُحَدنَ، إحنَ ولقنم وحلمري والبِل، قاتلنا اجلوع‬
                                                                                           ‫ال ِّد ال زرع ال َّ1 .‬
                                                                                              ‫سب‬            ‫صي‬
 ‫رمق أدباش القافلة واألشولة والغرائر بنظرة من طراز "اذا كان أهل الكراكر فقراء فأهل أروان هم األفقر بني الفقراء "‬
                              ‫ب‬                  ‫ك‬                                                  ‫و‬
                      ‫قام الطاهر من ت ّه ودلق هلم مقدار كيلتَني مليئتَني دخناً ومتراً وس ّراً وشاياً وبعض مرّعات ماجي‬
                                                                                              ‫ج‬
     ‫سأل احلا ُ سرحانَ عن ترابه فأجاب: "شياختك، أنا من الصعيد سرحان باشا ابن عصمان بيه الربديسي، ابن حاج‬
                 ‫م‬
    ‫عبموجود خفري برج احلمام، ابن هريدي القهوجي بن عبصبور القردايت ابن حسنني القباجني ابن حم ّدين اخلردجي".‬
            ‫ر‬                        ‫ج‬             ‫ر‬
    ‫غارت حماجر األرواين وهو يستحلب يف ذاكرته أمساء املداشر اليت م ّ هبا أثناء ح ّته مع قافلة الشناقطة (م ّ يف توات‬
                   ‫ز ت‬                                                         ‫رب‬               ‫ر‬
‫وغرداية، وع ّج على الزاب للت ّك مبزار سيدي عقبة، مث سار شرقاً حنو القريوان وتوزر وف ّان حّى واحة سيوة، مث عرب‬
       ‫َي‬          ‫أص‬                                          ‫ر‬
   ‫حبر النيل والبحر املاحل للحجاز، لكنه ال يذكر أنه م ّ ببلدٍ حيمل هذا االسم الغريب) عاد يسأل: " َّعيد ذِ اقرِّب من‬
                                                                                                     ‫ل‬          ‫َك‬
                                                                                            ‫م َّ، شرقها و ّ ساحلها"؟‬
 ‫" الصعيد ال جتوز نسبته إال لنفسه، كنانة اهلل، احملروسة أم الدنيا، األهرامات، الفراعنة، مصر، التالت أحرف الساكنة،‬
                                     ‫ستالف عام كل عام ألف جتربة وكل جتربة ألف ألف ميدان، أسيوط أم العباقرة".‬
          ‫رب‬                                                     ‫ي‬
   ‫رمى احلاج بصره على عصري فشقل الشّال وقال: "داعيك سوري محصي غجري، قلع السنان مهنيت، وال ّية وطين‬
                                                                                                      ‫والبطحة مذهيب" .‬
                                                                  ‫ي‬              ‫ج‬
                  ‫التفت إىل العراقي فتو ّس وانكمش كمخص ّ يف حرملك السلطان واكتفى بالقول إنه من الناصرية.‬
‫أمعن احلاج النظر فيه مستفسراً عن هذه الناصرية، فأوضح : "مدينة شروكية يسارية مغامرة، تقع بني البصرة والنجف".‬
                                              ‫د‬
                                     ‫سأله عن النجف، فلم يزد عن قوله: "حوزة علمية تستورد جثث وتص ّر علماء".‬
                                                                               ‫ل‬                        ‫د‬
      ‫ش ّ احلاج اللثام بطريقة تد ّ على نفاد صرب، فرفع حامت صوته: " خوش لين من شنعار من العراق شتريدون بعد"!‬
                                             ‫ج‬                         ‫ب‬
 ‫نزلت الكلمة السحرية على البدو كهّة نسيم يف صحراء قائظة، ض ّت السقيفة بالتكبري والتهليل، زعق سيدي احلاج:‬
                                        ‫" مرحب مرحبَ يعراقي، اذا وقع حيف اعل لعراق بكت أروان أول الباكني.‬
                     ‫ن‬
‫شهر احلاج حربته واستأنف : "السيوف احلدب بانتظار املريكان، اللهم انصر دينك وكتابك وسّة نبييك وعبدك اجملاهد‬
                                                                                                                  ‫د‬
                                                                                                      ‫ص ّام ود حسني".‬
                             ‫و‬           ‫ب‬
  ‫ارتعد حامت، نتأت تفاحة لدمه ، تراءت الغيالن يف الفلوات، رأى األنظار منصّة عليه فتع ّذ باهلل من الكرب والبالء ".‬



                                                                                       ‫1 ال حاجة / شنعار االسم التلمودي للعراق /‬
                                                                                                                            ‫95‬



                                      ‫ل‬
  ‫أمطرت أسئلةً، سأله سيدي احلاج عن معنويات اجملاهدين العراقيني فقال: "ك ّش زينة". سأله عن موقع العراق بالنسبة‬
                                                                                                    ‫ك‬
  ‫إىل م ّة، هل هو شرقها أم غرهبا؟ فقال: "فوقها". سأله سيدي الفادي عن حدود العراق، فقال: "من عبادان إىل زاخو‬
           ‫م‬             ‫ب‬
     ‫طوالً، ومن القادسية إىل حلوان عرضاً". سأله سيدي الرببوشي عن جريان العراق، فقال: "مرّيته تركيا وأ ّه فارس‬
                   ‫ب‬                         ‫ن‬                                                          ‫ر‬
   ‫وض ّته سوريا". سأله بَهْدَل بن ماصَه عن قبائل العراق، فقال: "سّة وشيعة وكلدان وأكراد وص ّ ولشوريني". سأله‬
                               ‫ن‬                                                          ‫ن‬
   ‫عن الفرق بني السّة والشيعة، فقال: "ماكو فرق الضرائب على الشيعة واملناصب للسّة"، سأله املختار بن أرشَق أي‬
  ‫قبيلة أكثر عدداً، فح ّك أصابعه وقال: "فيفيت فيفيت1". مل يفهم قصده، فأوضح: "ثالثني باملّة سّة والباقي شيعة". سأله‬
                       ‫ي ن‬                                                                  ‫ر‬
                                                                                            ‫ي‬          ‫ل ت‬
‫اخللي ُ الّيشييت عن مّزة القبيلة الشيعية، فقال: "اإلمامة، زمام الدين، ومرياث احلسن واحلسني". سأله عن األئمة، فقال:‬
                                                               ‫"علي والسبطني والتسعة املعصومني من ولد احلسني"،‬
                ‫س‬                  ‫ب‬                               ‫و‬
   ‫استرد أنفاسه وقال : "رمحة والديكم يا مع ّدين، ال تضيعون وقتكم، للعراق ر ّ حيميه، بس إنتو ه ّه ليش متقلعون‬
                                                                    ‫ج‬
                                                   ‫أضراسكم، تره أكو ّكم دختور عصري، ح ّة الطب واألسنان "‬
                                                                                      ‫مي‬
        ‫ج‬
  ‫انتقلت أعني البدو إىل الغجري الذي بدأ يتذمر وهو يداعب رجله املصابة بالطشت، أمره الطاهر بتنفيذ املتو ّب عليه‬
           ‫ل‬                                             ‫م‬          ‫ر‬                        ‫ك‬
      ‫فنهض عارجاً، ف ّ احلقيبة، ضرب الرقم الس ّي وأخرج ك ّاشة القلع واإلبرة وقنينة بنج األورتسيا، استغ ّ فرصة‬
   ‫انشغال عيون البدو باحلقيبة ففك قالووز قنينة البنج دلق عامداً حمتواها على الرمال، افتعل االندهاش واملفاجأة، شهر‬
                    ‫ب‬             ‫ف‬
   ‫الكماشة وأعلن أن القلع بال ختدير، أطبق سيدي احلاج فمه، أشار عليه أن حي ّف شعره، فانك ّ على الرأس األشيب‬
                                                         ‫ه‬
      ‫مباكينة أوتوماتيكية وحلقه على الصفر. وفقأ الدمامل وط ّر اجلروح بالسبريتو وصبغة اليود وماء السليماين وعاجل‬
                                                                             ‫القروح بزيت اخلروع ومرهم أبوفاس.‬
                                                                          ‫ز‬                    ‫ر‬
  ‫جاء س ّاح بعنزة وطلب أن جي ّ صوفها، محل سراح أخر عنزة مكرسحة وطلب منه جتبريها، نرفز عصري، فقال حامت:‬
                                                             ‫ف‬
                                                   ‫"انطيين ثلث جكاير روثنام وانته اقعد ارتاح، لين أتك ّل مبرضاك".‬
                                             ‫ر‬                      ‫ل‬
  ‫مجع حامت املواجيع والبهائم، أمسك العصا املط ّسمة بيمناه وباليد احل ّة أمسك سيجارة وأخذ يقرأ اجلنجلوتية والقواقل‬
                                                                     ‫ف‬
                                                                   ‫واحلواحيم وتعاويذا من األساجيع والكالم املق ّى،‬
                   ‫َ‬
  ‫تيقن سيدي احلاج من مواهب العراقي الروحانية فأخذ يسرد حلماً رله : "شَفت منام عجيب، أن فرَمضان لَيلَت سبع‬
                                                                          ‫َل ش‬                      ‫أن‬      ‫أ‬
  ‫َعشرين ُّ إمام فلَمسيِد اص ِّ اَن ّق اعليَ لَقدَر وأقوم اضرط، إال منني أركع أضرط، أسجد كرشِ قال طرطرطق، أنا‬
                                                                                                ‫اضرط أملصلني تَظحَك.‬
          ‫ج د‬                   ‫ش‬             ‫ل‬                                              ‫ث‬
   ‫قال حامت :"ال كّر اهلل باألئمة من أضرابك، أكيد كنت ماكِل باقِ ّا ودكنُ ومتك ّف ، دير بالك ح ّي، ش ّ اللحاف‬
                               ‫كل‬                       ‫د‬        ‫ل‬                                      ‫ط‬
     ‫واتغ ّى زين، نام خفيف (مث انتبه إىل أنه يتك ّم مع مق ّم الدشرة فاستدرك) وعلى ٍّ إخراج األرياح راحة، دمشان‬
              ‫جخيت، اهلل سيستجيب لصالتك، رح هتب على أروان ريح مشفوعة باملطر والثلج ويعود اخلري بعد احملل".‬

                                                                               ‫1 مناصفةً / ميكن = عندكم / ليلة 27 هي لية القدر /‬
                                                                                                             ‫06‬



                  ‫ن‬                                             ‫شْ ْ ل‬
  ‫جاء دور موالي حممد فسرد حلمه : "لنَ ّفت ب ّلي عبد أكحل من أسودان حاضنين اله إيقول لِ أ ُّ جمازينِ خبريات،‬
                                                                                                ‫أفتوين فرؤياي".‬
     ‫"السودان! عبد أكحل! خريات! بسيطة مينرادهلا تفسري، هالسوداين هواية خري عليك، إذا حاضنك من قدام يكون‬
                                     ‫أعطاك خريات أم درمان، إذا حاضنك من ورا يكون أعطاك خريات اخلرطوم".‬
                                                 ‫س‬                                  ‫بي‬                      ‫د‬
                     ‫م ّ سرحان يده للعراقي: " ِّن يل يا بتاع السبع ورقات، ممكن تف ّريل أنا ما بشوفش أحالم ليه"؟‬
                        ‫ج‬                                                   ‫و‬
                    ‫"ألنك صعيدي دماغسز، مس ّي نفسك فهمان وانت كلش غيب، أنا أجزم بأنك زمال مو ر ّال".‬
            ‫ص‬
   ‫"وأنا أجزم بإنك طرطور مش دكتور... طب مَتبيع صكوك غفران زي عمرو خالد وتصري مليونري، ما تب ّر حلالك"!‬
                                   ‫ط‬                               ‫ي َر‬
                   ‫عاتب عصري سرحان: "حاجي عاد خّو، م ِّقها، إذا مرقت مبدينة العوران ح ّ إيدك على عينك".‬
                                                     ‫س‬                  ‫ص‬                              ‫د‬
‫م ّ سيدي الفادي يدَيه يف وجه الب ّار وطلب منه أن يف ّر له خطوطهما. عاينهما، مث قال: "خطوط اليمىن 11واألخرى‬
 ‫11 نفس األرقام مقلوبة، األوبشن األول لو مجعناها تصري 99 عدد أمساء اهلل احلسىن، األوبشن الثاين لو طرحناها تصري‬
                                    ‫13 سنة مشسية عدد سنوات عمر النيب، أو 70 سنة قمرية، أو عشر سبعات...‬
 ‫قبل أن يقود احلديث يف اجتاه رقمه السحري، تفاجئ برجل مهزول حمموم ووقف أمامه، عاينه بعني خبرية ومتتم: "دواك‬
                                                                                          ‫ن‬
                  ‫يرهم، كاس من بول الّاقة تشرهبا وتتعاىف، أي نعم ثبت علمياً وشرعياً أن بول اإلبل صيدلية شفاء".‬
                     ‫خ‬
                ‫نظر سيدي احلاج إىل اجلمال الباركة يف املراح: "عظمت السبحان أفال ينظرون إىل البل كيف ُلقت".‬
                                     ‫س‬                                           ‫ي‬
                   ‫شخط سرحان بصوتٍ أنف ّ: " هزلت هزلت، الناس بزمن بول غيتس وانتو ل ّه بزمن بول اإلبل".‬
                                                ‫ش‬                          ‫ر‬
     ‫حلف عصري مييناً أنه شرب م ّةً من حليب تيس البوكمال و ُفي. فقد كان مكرسحاً ومسع عن "تيس معزة حليبه‬
                                                                  ‫ك‬
                                            ‫بلسم"، سافر إىل البوكمال قام التيس نطح الع ّازة فوقف سليماً معاىف.‬
                                                                                    ‫م‬                    ‫د‬
‫تص ّى حامت للمصري: "انط ّ لك فرمسوين إميانسز، هذا كالم اهلل دين مو طني، زين إنت ما مسعت بناقة النيب صاحل اللي‬
                                              ‫د‬
                        ‫كانت تدر لبناً وعسالً وبنسليناً ودوا أمحر فعقروها، ها إنت ما تص ّق سورة النحل بالقرلن"!‬
                                        ‫د‬                                                ‫ل‬
                                   ‫شخط املصري: "س ّملي على النمل يف سورة النحل، فبأي لالء ربكما تص ّقان".‬
                  ‫ملَ‬        ‫م‬
     ‫نظر سيدي احلاج إىل الشمس الغاربة وراء الكثب، صفن يف حلية حامت وطلب منه أن يؤ ّ "صالة ا ِّقْرِب"، انسحب‬
         ‫س‬                   ‫مي‬                                ‫ج‬                  ‫س ً‬
 ‫العراقي متح ّسا حليته: "وداعتك ح ّي هالدقن طلعت وحدها بالصحرا، أكو ّك شيخ عصري خوش متم ّك بدينه،‬
                                                                                                    ‫ك‬
                                                                                            ‫مسبحته م ّية هلقد.‬
           ‫ر‬                                                   ‫ب‬
 ‫احنرج الغجري الذي مل ُيدخل مسجداً يف حياته وض ّ السبحة قائالً إهنا " للتسلية " دفع املصري الذي تذ ّع بأنه على‬
       ‫ل‬                ‫ت‬                                              ‫ص‬
   ‫جنابة وأفسح اجملال لسيدي احلاج: " ّلي بينا يا عم انت حاج بيت اهلل، بس أوعك تضرط حّى ال خيروا املص ّني".‬
                                                                                                                                                   ‫16‬



    ‫حج‬             ‫د‬                                                   ‫ر‬
   ‫صلوا املغرب مجاعة، وجاءت قصعة ما ُ فأكلوا. باتوا أسبوعاً يف أروان، استراح عصري واستر ّ بعض عافيته، َّب‬
                                                                                 ‫ن‬
    ‫حامت لكل الكهول األعّة واإلبل املقروحة، أجاب سرحان على ما تبقى من أسئلة، حلق عصري رؤوس بقية الشيوخ‬
                                                                                                                               ‫ز‬
                                                                                         ‫وج ّ صوف املاعز، مث استأنفت القافلة سريها.‬


                                                             ‫ب‬         ‫ل‬
                                        ‫له من ق ّة الزاد وُعد السفر ووحشة الطريق‬


‫وأمعنت ظعناً وارحتاالً بسرعة متفاوتة وحسب مسار تفرضه احلسيان واملنتجعات، أحياناً تقطع أربعني كيلومتراً يف اليوم،‬
‫وأحياناً تقطع يف يو َني ما تقطعه يف أربعة، حت ّبوا ملرحلة ما بعد أروان1 فاقتلعوا يف موضعة بوناقة أربع رزمات من احللفا‬
                                                                      ‫س‬                         ‫م‬
                     ‫ج م‬                            ‫ل‬
     ‫وربطوا كل رزمتَني حببل واحد وحزموها على البعريَين األوَني، املهري واألبلق. تر ّل اجل ّال، ركب عصري على‬
  ‫اجلمل الثالث وتناوب سرحان وحامت على ركوب األخري، استطالت املرحلة إىل مخس عشرة ساعة يومياً، مخس منها يف‬
   ‫العتمة. مل يعودوا يقيلون عند القائلة، صاروا يشربون الدكنو والشاي وهم راكبني، تالشت مظاهر احلياة البيولوجية،‬
           ‫ط‬                                      ‫ت ن‬                     ‫ش ظ‬
 ‫ظهرت حشرات خنفس متخ ّبة وع ّاءات هامدة وطيور ميّة ضّت عليها املفازة الرهيبة بنقطة ماء. تق ّعت الشباشب‬
                                                                                             ‫ط‬
   ‫فلحموها، مث تق ّعت من جديد ومل يعد ينفع الترقيع، فانتعلوا البساطري وثقلت خطاهم، يف واد حلجار فاجأهتم عاصفة‬
                                                                                             ‫ج‬
‫رملية، تر ّلوا وستروا وجوههم بالشاش، جعلت اإلبل ظهورها باجتاه الريح، أغمضت عيوهنا وخطامها بإحكام، أكملوا‬
                ‫خ‬                          ‫ح‬                ‫رب‬          ‫ل‬
‫سريهم يف لفحة اهلجري ويف قارس الربد، ظ ّ الغجري يت ّم، والعراقي يتو ّم على سيكارة، واملصري يُن ّي رفيقَيه بأشعار‬
                                                      ‫د‬                                       ‫خ‬               ‫ر‬
‫الك ّاس، والطاهر ين ّي اإلبل باحلداء، واإلبل ترغي وتزبد، مت ّ أعناقها حنو رزم احللفا. أصبح النهار أطول والليل أبرد،‬
                             ‫ط‬                   ‫ي‬                    ‫د‬       ‫ر‬                ‫ب‬
  ‫فأكثروا من ص ّ الفلفل يف املا ُ، واشت ّ الباسور على عصري، قّح جرحه بالصديد فتع ّلت القافلة بسببه، نقموا على‬
                                             ‫ّ‬
   ‫الطاهر وفكروا بقتله ومنعهم من ذلك إدراكهم أن موته يعين موهتم، قل الزاد فاكتفوا بوجبة واحدة يف اليوم، خلطوا‬
                 ‫حت‬                                          ‫ف‬
‫احللفا مع البشنة ليخادعوا اجلوع، أصبحوا يتله ّون إىل شرب الدكنو الذي كانوا يتبغددون عليه ّولت اخلرمة يف رأس‬
                                               ‫د‬
     ‫العراقي إىل نرفزة عصبية قبل أن تتفاقم إىل ما يشبه الوسواس. اشت ّ عليه سحر اهلواتف والعينني الزبيبتني، ضمرت‬
                    ‫ط‬        ‫هن‬           ‫ن‬
       ‫بطوهنم، طالت حلاهم، تشرذمت عواطفهم بني يائس ومشتهٍ للموت، متّوا أن ينبثق ّابون وق ّاع طرق من خلف‬
                                                                                                      ‫الكثبان يسلبوهنم األمتعة واألرواح،‬
                 ‫بعد مسري ستني يوما أصدرت اجلمال احلنينة 2من كروشها، فطمأهنم الطاهر إىل إن حاس مسيدة قريب.‬




                                             ‫1 من اروان وما فوق ارض جدباء ال تنبت شيئا لذلك حتتاط القوافل ووتتزود باحللفا من االرض املعشبة طعاما لالبل‬
                   ‫2 اجلمال حتس باملاء عن مسافات بعيدة عندذاك تصدر احلنينة من كروشها ، حاس مسيدة هو البئر الذي يزود تاودين باملاء يبعد عنها 72 كيلومترا‬
                ‫26‬




‫الواد الثالث‬
‫وادي االنتظار‬
   ‫تاودين‬
                                                                                                                                                         ‫36‬




                                                                ‫يف البدء كان امللح‬


                                                                                                           ‫مل‬
‫نظر ّام البعر إىل الركب امللتحني، ليسوا مظولني فقوافل أظالي تصل تاودين مبئة بعري، وليسوا من الواردين أو الصادرين‬
‫الذين عادةً ما يقصدون حاسي مسيدة خبمسني مجالً، هرول صوب كوخ الندوة صارخاً: أربع جماهدين دزايريني من‬
                                                                                                    ‫مجاعت األع ّر1، فَترانني وامْقَيملنيْ حَ َّ .‬
                                                                                                      ‫ت‬         ‫ْْ‬            ‫ْو ْ‬
                                                                                                              ‫ر‬
 ‫حت ّك الدم يف شرايني تاودين، وصول قافلة يعين قيامة احلياة، وانفتاح باب التجارة على مصراعَيه، ويعين من بني ما يعين‬
                 ‫ك‬
   ‫وصول إبل منهكة لن يتواين موالها عن ذحبها وتزويدهم باللحم، ويعين وصول حبوب بشنة وس ّر وشاي أو وصول‬
                                                                                              ‫ق‬
 ‫طارش يتس ّطون منه أخبار خيمهم اليت فارقوها منذ أشهر طويلة. هرع سيدي عمر، تبعه سيدي بوبكر وسيدللي وباتنة‬
                                ‫ك‬       ‫م‬        ‫ك‬
  ‫وسيدمحه، شاهدوا أربعة أشباح على لخر رمق، أفكاكهم تصط ّ من احل ّى، يتس ّع القمل يف رؤوسهم، وأربعة مجال‬
                        ‫عم‬                                                       ‫ر‬
  ‫هزيلة وعلى لباطها ينتشر الق ّاد. اتسعت عينا سيدللي وهو حيملق يف الدليل : "الطاهر ود ِّ ياك الباس! محدهلل على‬
                                                                                            ‫خالص راسك، ما انضريتوش! ياك ما خسرْشِ"؟‬
                                                 ‫أ‬                                    ‫ق‬
    ‫وجيئ باملهراز واملد ّ وحبوب البشنة واجملمر ومعامل الشاي وُشعلت نار، عملوا هلم دكنو فشربوه، أعطوهم مترات‬
 ‫فزلطوها من دون مضغ، أفرغ باتنة أوراق الشاي الراسبة يف قعر اإلبريق فوق بقايا حبوب الدخن يف املهراز، خلط بيده‬
                                                     ‫ول‬       ‫ول‬        ‫ال‬
       ‫وناول الطاس للطاهر فشرب ودمدم: "احلمد هلل ِّ بالْنِ ِّ بالكم ِّ بالْ اخْرَيزاتْ املسلمني، أيام ألياليها ظالني‬
                                                                                                                                   ‫امقوطرين وافْتارَ".‬
                 ‫ض‬                   ‫وقب‬                ‫ب‬
   ‫استأنس الركب وعادت إليه الروح، شقلب عصري حّات السبحة هبدوء، َّل حامت البازبند، ع ّ سرحان الغليون‬
                                                                                 ‫د‬
 ‫بأسنانه، استرد الطاهر أنفاسه، مت ّد اخلرب إىل سراديب امللح وتقاطر املصابون بالتراخوما والبلهارسيا وفقر الدم وأمراض‬
                             ‫مل‬                                 ‫ض‬
         ‫الكلى الناجتة عن املاء املاحلة، جاء زنوج وجوههم مبي ّة من أثر امللح، جاء أرباب امللح و ّامو البعر وأهل الطني‬
   ‫د‬                                                        ‫مه‬
  ‫واألكورزي، جاء رجال أظالي من برابيش ورقاقدة و ّال، التأم اجلميع يف كوخ الندوة الذي يقوم مقام اخلان، تص ّر‬
                                        ‫ي‬                ‫ف‬                                ‫جل‬
  ‫الشيخ البكاي ا َمعة بصفته إمام مسجد تاودين. اصط ّ اجلمع حوله، السّد األسيد، فاألقل سيادة، جلس الطاهر بني‬
                        ‫دو‬            ‫ش‬                                ‫ب‬       ‫س‬
     ‫أبناء عمومته سيدللي وال ّالك، ترّع عصري بني صاحبَيه مثل بودا متق ّف ذاب كرشه، َّر الشيخ البكاي رأسه‬
                           ‫ص‬                                                                       ‫د‬
  ‫ببطء، م ّ يدَين ال أثر للشقوق عليها وال للشقاء (الشيخ من أكسل عباد اهلل، يأخذ ح ّة من ملح كل عامل، ال يقوم‬
   ‫بشيء سوى حتريك املسواك يف فمه واإلستماع إىل املذياع واالسترخاء يف ظل كوخ الندوة والسؤال عن أخبار قوافل‬
                                                            ‫ل‬       ‫د‬
 ‫أظالي وعن أسعار امللح يف تنبكتو وعما أع ّه املص ّون للعشاء). ظهرت على جبينه زبيبة أظهر من زبيبات بقية الرجال‬

     ‫1 1 مظولني هم مجاعة اظالي الباحثني عن امللح / كان بعض افراد اجلماعة االسالمية اجلزائرية بزعامة األعور يترددون على تاودين /فترانني حت = متعبني جدا /البعر‬
    ‫الناشف هو مصدر الوقود الوحيد بتاودين / بالن = رواين /ظالني = تائهني / مقوطرين = ماسني على ارجلنا/ االكورزي هم الذين حيفرون امللح وهو عمل شاق خيتص به‬
                                                                 ‫الزنوج / اهل الطني هم الذين ينزعون التراب عن امللح/ البازبند حجاب عراقي يوضع يف اعلى الذراع‬
                                                                                                                                ‫46‬



   ‫ر‬       ‫ر‬         ‫د‬
  ‫(الشيخ يفرك جبهته حبصرية احللفا أثناء السجود)، نظر إىل احلضور نظرة اإلمام إىل املأموم، ش ّ أهداب د ّاعته ع ّف‬
 ‫بنفسه بإسراف شديد: " لنَ من أوالد سيدي الكبري ابن سيدي بو بكر ابن سيدي الوافـي ابن سيدي عمر الشيخ ابن‬
 ‫سيدي البكاي ابن سيدي حممد الكنيت ابن سيدي علي بين سيدي بربوش بن حم بن حسان بن ادليم بن بو خملوف ابن‬
     ‫حيىي ابن عثمان ابن عبداهلل ابن عمر ابن وريد ابن يعقوب ابن العاقب ابن عقبة بن نافع الفهري فاتح بالد إفريقيا .‬
                                                                                                    ‫ر‬
‫مث ع ّف بتاودين باقتضاب شديد : " ما خالق هون كون امللح، كل شِ من امللح احليطان والبيبان والبيوت كوخ الندوة‬
                                                                                                                   ‫َ ْ ْ امل‬
                                                                                                                  ‫واملسيِد َّ ّ.‬
 ‫وسأل تييت املسافرين هل يأخذون ملحهم من البحر املاحل؟ فانربى البكاي: "حانيك، مزالنا ما عرفنا تراهبم امنني ؟ ومن‬
                                                                                                                ‫أين وإىل أين"؟‬
                                           ‫ل‬                   ‫ر‬
 ‫كانت هذه إشارة من الشيخ للغرباء ليع ّفوا بأنفسهم، فاسته ّ عصري الكالم: "حمسوبك سوري من أصل روسي، من‬
                            ‫ر‬                                                                   ‫ر‬
                    ‫جبهة ح ّاس البطحة، رايح جهاد لستنكنافية على جبهة دين املرق وكفرهاجم مشان ح ّر القدس.‬
                                      ‫ض‬
   ‫"داعيك مصري صعيدي من أصل بلجيكي من مجاعة اجلهاد الليلي املخ ّب بأفخر أنواع جوين ووكر السكتلندي".‬
                                                                                                      ‫س‬
   ‫أح ّ حامت باخلطر فدمدم : " لين عراقي خموزق من ضمن ثْلَثْ ماليني سائح عراقي طلعوا لالستجمام بدول اجلوار.‬
      ‫واتسعت عيناه الشيخ دهشةً :" عراقي ! انقوللك اخلري، عارَفْ ِّ الشر 1وقع، لعراق انْطاح اعليه، لَعْ ُ ملريكان‬
              ‫د‬                                     ‫بال‬
                                                         ‫أنصارى، عليه لعنة اهلل ... افتح األذاعة يا علواته سيدي .‬
                                   ‫ش‬                                                ‫م‬
 ‫عاين سيدي علواته الشمس خم ّناً الوقت، احتضن ترانسزيتوراً عتيقاً مترباً، مؤ ّر موجاته ال ينزاح عن "يب. يب. سي"،‬
                                                             ‫ق‬      ‫س‬           ‫دو‬
‫ورفع اهلوائي إىل لخر مدى، َّر اإلبرة ف ُمعت د ّات بيغ بن املعهودة، مث صوت مذيع رصني يف املوجز: "الفاو حتترق،‬
                                  ‫ر‬     ‫ح‬                                                   ‫و‬
‫البصرة مط ّقة، الناصرية سقطت والنجف يف طريقها إىل السقوط، الص ّاف ص ّح بأن العراق سيدحر العلوج، العاصفة‬
                                                                                        ‫غ‬
                                                                        ‫الرملية مل متنع املارينز من التو ّل باجتاه بغداد".‬
         ‫ي‬                           ‫ك‬                                                                       ‫ج‬
 ‫تو ّم اجلمع (باستثناء املصري والغجري الالمباليَني، والعراقي الذي ابتهج). ف ّر علواته أن هذه األخبار السّئة تندرج‬
                                           ‫ر‬
 ‫ضمن احلرب النفسية والشائعات اليت يتقنها اإلنكليز حلفاء األمريكان. ح ّك اإلبرة حبثاً عن إذاعة عربية أخبارها أكثر‬
                                                           ‫ل‬
‫تفاؤالً، لكنه سرعان ما أدرك إن لندن مهما كذبت تظ ّ أصدق من اإلذاعات العربية، أقفل الراديو بعصبية: "حسبنا اهلل‬
                                                          ‫د‬
                                           ‫ونعم الوكيل، خبار شني حت، اللهم اعم ابصارهم، ر ّ كيدهم لنحرهم".‬
       ‫ع‬                                ‫د‬                 ‫ت‬     ‫ب و‬
‫غالبَ حامت رغبة دفينة بأن يطّر ويه ّس ويعّب لبوذي النصر، ش ّ عضالت وجهه يف كسوفٍ وحزنٍ مصطن َني، ضبط‬
                                ‫م‬        ‫ر‬                                                  ‫ي‬
  ‫عواطفه هبدوء مزّف ...العمليات العسكرية بدأت إذاً، النجف األشرف حت ّرت وسيت ّ حترير بغداد بعون اهلل والرفيق‬
                                                ‫بوش، الذي لن خيذل العراقيني كما فعل أبوه باالنتفاضة الشعبانية...‬
                                                           ‫قال بلسانه: " خوش خرب زاملون نيست. طاغوت نابود1.‬

                                                           ‫1 الشر = احلرب ، وقع اهلجوم على العراق من طرف االمريكان / تراهبم = بالدهم‬
                                                                                                                                  ‫56‬



                                                ‫ل‬             ‫د ت‬
 ‫اتسعت حدقة العني بفرح كرنفايل واشت ّ التوّر العاطفيوتس ّل إىل عصب العني فارختت، سقطت دموع حقيقية، حسبها‬
                                                                              ‫ف‬                    ‫ك‬
              ‫الشيخ الب ّاي دموع حزن فقال خي ّف عنه: "إبكِ إبكِ يا عراقي، أنا يل من البكا األسم وأنت لك الفعل.‬
                 ‫ل‬                                                                       ‫م‬              ‫ب‬
     ‫انصّت عليه عيون ع ّال املناجم مواسيةً، طبطب سيدللي على ظهره: "ال تبكِ يا عراقي ال تبكِ، خ ّ دميعتك ليوم‬
                                                                                            ‫النصر، ال تيأس من صحوة املليار.‬
     ‫د‬          ‫د‬                                                            ‫ي‬
    ‫شخط سرحان بصوته األنف ّ: " ملياررر ! شي عبيد وشي بترودوالر وشي خاضع لالستعمار ...ع ّي رجالك ع ّي‬
                                 ‫د‬
  ‫تفاعلت تاودين مع احلدث حبماسة دينية، أعلن الشيخ:" بغداد اله تكون مقربهتم، ص ّام اله ايطيح اعليهم كطري أبابيل‬
                                                                                                             ‫اعل صحاب الفيل.‬
                                             ‫مكن‬                                                       ‫م‬
   ‫اشتعل د ّ حامت خرمةً، التفت حنو عصري واضعاً إصبعَيه على شفتَيه ُ ِّياً عن رغبته يف التدخني فحلف الغجري مييناً‬
                                                                                                                          ‫ل‬
                                                                                                        ‫مغ ّظة إهنا لخر سيجارة‬
                        ‫د ظ‬                  ‫أل‬
            ‫ارتفع صوت سيدي علواته حبماسة: " أصدم أصدم يا صدام، أنت ألفارس ِّ يوم َلكْريهَ ي ُ ف ّ ُأيَد ذهب".‬
                                                     ‫ب‬                 ‫ت‬                                   ‫س‬
       ‫أح ّ العراقي بالكلمات خترم طبلة أذنه، وّرته األبصار املنصّة عليه واخلرمة، شعر بأنه وسط هوسة قبلية لعشرية‬
                                                                                 ‫ظ‬
   ‫البيجات التكريتية، ب ّت عيناه كمدمن يف حال نقص واهتياج، ودخل يف حالة النكوص واالرتداد، ضاق به الكوخ،‬
                                                          ‫ك‬                       ‫ت‬
  ‫لطم صدره يف للية العبور من الّقية إىل اإلعالنية، انف ّت عقدة لسانه : "يا ناصر السبعة على السبعني ويا ناصر حممد‬
                                                                                     ‫على القوم الكافرين، دمائي فدا احلسني‬
                                                         ‫د‬
 ‫وهب صارخاً يف جنون الغضب: " أنعل أبوكم على أبو ه ّامكم، مهج معدان مال أباعر، أنتم ما تفتهمون اال بالقندره،‬
                                                         ‫ض‬                         ‫ر‬                     ‫ف‬
                 ‫ك ّرتونا، حللتم دمنا، خ ّبتم مرقد حسيننا، سكتنا غ ّينا بصر، وهسه شتريدون؟ تركبون عَ ضهورنا.‬
            ‫هبت السامعون وحت ّزوا للتص ّي له، فص ّهم الطاهر: "رعَيْتْ ُ من دبوزته املرصودَ، أرقاج ذ طالَب س ّار2.‬
                ‫ح‬                                     ‫َ ك‬                  ‫د‬         ‫د‬         ‫ف‬
‫تراجع البدو خوفاً من عصاه املطلسمة ،رفع يدَيه مطلقاً العنان لغريزته الشيعية: " نعلة اهلل عليكم وعلى كلمن يكف عن‬
‫لعنكم، اللهم خص انت أول ظامل باللعن وابدأ به أوالً مث الثاين مث الثالث والرابع، اللهم العن يزيد خامساً والعن عبيد اهلل‬
                                                      ‫م‬                                      ‫ج‬
         ‫بن زياد واحل ّاج وابن لكلة األكباد وابن مرجانة والش ّر ولل بيت أبو سفيان لل شبيالت ومحارنة وخصاونة‬
                ‫وعبدباري عطوان، أال لعنة اهلل على التكارتة واملصالوة والنواجي وكنته واحملاجيب والربابيش واملورتان.‬
          ‫ه‬          ‫ص‬                                                              ‫ف‬
 ‫ضرب البكاي كفاً بك ّ: "يستر عن أعظم ياخويت، أرقاج ذ رفضي من عبدة القبور، يقتلون أ ّحابة ويتط ّرون من دم‬
                                                                                                                          ‫البعوض.‬
 ‫"لين رافضي من سقيفتكم ليومي، ثابت على الرفض وحب أبو السبطني، لين حامت أبو دالل شني تكعيب شيعي شيوعي‬
          ‫شروكي1، الشيعة تاج راسك، إحنا احل ّينا املياجر ، الفرات والعارضات تشهد علينا والرميثة وثورة العشرين‬
                                                                          ‫ز‬


                                              ‫1 طاغوت نابود ، زاملون نيست = انتهى الطاغوت والظاملون خوش خرب = مرحبا خرب جيد/ اله = سوف‬
                                                                                             ‫2 إحذر من عصاه املطلسمة هذا الشخص ساحر‬
                                                                                                                                              ‫66‬



                                      ‫ن‬      ‫د‬         ‫ت‬       ‫ب‬      ‫ل‬
     ‫شعر بوخزة يف قلبه وهو يرى النظرات ك ّها منصّة عليه ُدينه، حش ٌ من ج ّ وطنطل وشياطني، جالوزته، زبانيته،‬
 ‫حرسه اجلمهوري، علي كيماوي وعبد محود ودوري وجزراوي، سيدي معاوية وسيدي عمر وسيدي بو بكر، ال ينقص‬
                                                                    ‫ل‬       ‫ل‬            ‫ي‬
   ‫إال سيدي عثمان ويزيد وبقّة القتلة، ك ّهم يتح ّقونه وينظرون إليه من أربعني وجهاً، من مثانني عيناً، نظرات ميدوزية‬
  ‫حتيله ملحاً، مثة عينان زبيبتان تنظران إليه دون أن ترمشا، مجرتان وامضتان يف جبني ينتهى أعاله بزببية واضحة يف رأس‬
                                                                                                                                     ‫ل‬
                                                                                                                     ‫تك ّله عمامة مربومة،‬
                                                                               ‫خ‬                ‫س‬
   ‫حصل التج ّد يف كيمياء امل ّ الرهيبة، الشيخ البكاي / الرجل الضرورة، الشيخ البكاي = الرجل الضرورة، البكاي‬
       ‫ر‬                                                ‫يل‬
   ‫الضرورة، اقترب من الشيخ رافعاً عصاه على حنو احتفا ّ. انتفخت عضالت ساقَيه كوترَين مشدودَين: "اطلع ب ّه يا‬
                                                                                             ‫أعور التجار ، يا صانع أحزان العراقيني.‬
                                                    ‫ن‬                                         ‫ب‬
                 ‫تسارعت حّات السبحة يف يد عصري: "دستور من خاطره، ج ّ الولد، وقع بالساعة، إجَتو الكريزة.‬
                             ‫و‬                            ‫ً‬
     ‫رفع الشيخ ذراعَيه حلماية رأسه، حال املصري فاصال بينهما: "إمسك أعصابك يا مع ّد ، الراجل ماهوش عمرو بن‬
                                                                              ‫العاص، ده شيخ أبو موسى األشعري بتاع املسجد.‬
                                        ‫َ َ‬
                  ‫انربى الطاهر وهو يتراجع خارجاً من الكوخ: " خلون نتفاهم امعاه، هوْن هوْنْ هون هاي جاي إاله.‬
                                                          ‫و‬
      ‫أرخى حامت العصا، انكفأ على وجهه زائغ البصر كاملن ّم مغناطيسياً، جرجراه خارج الكوخ وأسندا ظهره إىل رزمة‬
                                                ‫س‬                                   ‫د‬
‫السبط وألقيا عليه بطانية. مت ّد الهثاً يف محأة الغيظ واخلرمة، حت ّس شيئاً حاداً حتت أضالعه: السمسونايت، رأى تويوتا‬
 ‫مركونة، وزجنياً جيمع البعر من حتت مجال الطاهر، سأله عن موىل التويوتا، فقال " حوذ بن عفنة التاجر الركييب "، سأله‬
‫ك‬                                                                  ‫ي‬
‫عن مكان مبيته، فأشار الزجني إىل جهة السّارة نفسها: " حومة الركيبات". استتتر حامت خلف رزمة السبط، انبطح وف ّ‬
                   ‫ت‬                                                             ‫ث‬
      ‫احلقيبة، محل القزمة، وح ّ اخلطى، جسده يسري وروحه تطري باجتاه حفرة امللح املهجورة اليت ُستعمل كمرحاض.‬
       ‫يف كوخ الندوة هلث الشيخ كممسوس: "العافية واسالمة، يستر مالنه من اجلن واجلنون، وما كفر سليمان ولكن‬
                            ‫ر‬                   ‫س ْ‬           ‫د حد‬                                    ‫ح‬
          ‫الس ّارين كفروا (ورفع إصبعه وصوته مه ّداً) َّ اهلل، أ ّاحَر ينجلد 081 جلدة مف ّقة اعل ثالث دفعات.‬
                      ‫قال سرحان: "معلش شياختك ،ما تواخزوش أصله غلبان عنده شزوفرينيه ومغالومنيه وبارانويه.‬
                                             ‫د‬                                                            ‫ق‬
              ‫ع ّب الطاهر: "أ ْيوَ، واملهم هو أطبيب أشامي بوبرنيطه . خالق عن ُ صندوق عجيب، عيادة أنياب كاملَ.‬
       ‫التفت البكاي حنو عصري سأله من أي دشرة يف الديار الشامية هو، فأجاب: "من مجهورية محص، عاصمة النكتة‬
                                                                           ‫ي‬                      ‫ر‬
                      ‫واألبطال واحل ّية واليامسني، محص العدّة، أشرف املدن بعد التالتة وأهلها بعد أهل البيت أخيار.‬
      ‫ن‬           ‫ن‬                         ‫املؤل‬
     ‫سأله الشيخ هل هو أيضاً شيعي من أهل البيت، فأجاب: "أنا من َّفةِ قلوهبم، حبمص شيعي متسّن، ببعلبك سّي‬
                                                                                                  ‫ي‬
              ‫متشّع، عند كنيسة إم األربعني روم أرتودكس، حمسوبك محصي مقتنع حبمصيته وغجري مقتنع بغجريته.‬
                                                                                   ‫رب‬
                                                               ‫سأله سيدللي عن الغجر فقال: "أبناء ال ّية والرياح والشول ".‬

                          ‫1 الشروكي = أهل جنوب العراق / حزينا املياجر = ذحبنا ضباط االنكليز / أعور التجار يقصد أعور الدجال / الكريزة = نوبة اجلنون‬
                                                                                                                                         ‫76‬



                   ‫ل‬
    ‫سأله علواته عن أصل الغجر فقال : "قبيلة ضائعة خرجت من اهلند فتاهت يف الطريق وصارت تس ّي الناس بالطرب.‬
                                                ‫ط‬
                 ‫سأله سيدي املختار إن كانوا ميلكون عبيداً وإماء، فقال: "مساواة ز ّية ال عبد وال أمة والكل أحرار".‬
                                                           ‫سأله باتنه هل ميلكون إبالً فقال إهنم ميلكون دبباً وسعادينَ ومحرياً.‬
                                                                     ‫ن‬
                                                      ‫سأله الشيخ البكاي هل بينهم فقهاء، فأجاب: "ما عّا وقت للفكاهة".‬
                                                             ‫ز‬
                                              ‫سأله تييت هل يشتغلون مبلح أو بزرع أو بضرع فقال: "مب ّيكا وغنا ورقص".‬
                                                                                  ‫ي‬                       ‫خ‬
               ‫تد ّل الشيخ بنربة قاضٍ شرع ّ : "املوسيقى حرام، سامعها يوم القيامة ينصب يف أذنيه الرصاص املنصهر.‬
   ‫د‬            ‫و‬        ‫ن‬                              ‫ب‬
  ‫صرخ عصري :"الغجري ما بيعرف حالل وال حرام ورّك غفور رحيم ( رفع صوته أقوى) جّنت املع ّد، الحقين ب ّك‬
                                                                                    ‫ن‬            ‫ن‬
             ‫جتّين، أي روح عّا يا( أشار لسرحان) هاي عندك قاضي حسن سرحان مفيت العرب يفيت على كل سؤال.‬
                                                                             ‫ر‬                              ‫و‬
                                        ‫ح ّل البكاي نظره إىل الصعيدي، مك ّراً السؤال نفسه: "خالق الشيع ف ترابك؟‬
                                                                       ‫قْ‬
    ‫"شياختك، يف مصر أربع أديان إسالم و ُبط وأهلي وزمالك، واألخريَيْن أمهها، لكنما مصر واحلق يقال كانت فاطمية‬
                                            ‫هواها شيعي فيها األزهر، ومقام الست زينب ورأس احلسني وحب لل البيت.‬
                                                                                      ‫1‬
                                                                                          ‫"يكانك أنت اللوخر شيعي من لل البيت؟‬
                                                                            ‫ف‬
        ‫" أنا مش من لل البيت، أنا من ك ّار قريش، مش من السلف الصاحل، من اخللف الطاحل . أنا علماين بفتح العني‬
‫وكسرها، ملحححد بتالت حاءات، سرحان عبموجود عببصري عبعال عبشكور عبعظيم عبد الضال عبد املضل جاد اهلل‬
                                                                                                                       ‫عالهلل هلله هلله.‬
                                                                  ‫ة‬                          ‫ب‬          ‫ل‬
   ‫"ميق ّب القلوب ثّت قلوبنا، جتديف افظاحة رد ٌ وال أبا بكر هلا ... اتف بيك رويبضَ، كافر ألعن من أمحد حرطان ".‬
                             ‫حد‬       ‫ه‬
   ‫رلها الشيخ فرصة ساحنة ليظهر معرفته بأحكام التعازير، دمدم بنربة فقيه و ّايب: " َّ اهلل عليك، تنجلد 081 جلدة‬
                  ‫م ل‬                        ‫ان‬                                                                ‫ر‬
‫مف ّقة اعل دفعتني، امرق عن هاد ادشرة يعدو اهلل، امش علينه وخالص ،مَ َّ حمتاجني إلْطبكم ُالنه أ ِّ خلقنَ يهدينَ وإال‬
                                                                                                                    ‫مرضنَ فهو يشفنيَ.‬
           ‫ف‬                 ‫ل‬                          ‫خرج الشيخ لصالة املغرب، انف ّ اجلمع، أخرب الطاهر املشرقي‬
        ‫َّني أنه ماضٍ الستدعاء املع ّم احلداد ليصلح ح ّارة‬                         ‫ض‬
                                                                       ‫د ْ‬
 ‫األسنان، أمرمها ان ينتبهوا على "ال ّْبش" وخاصةً على "أمسسونايت"، وأن ينتبهوا من" أصْويرقني الكحالن" وخاصةً من‬
                                                                                                                               ‫"عبيد اهلل"‬


                                                     ‫مر‬       ‫يد‬
                                                    ‫أبو خبز ِنْ َل ابو َ َق‬




                      ‫ل لعلك انت االخر شيعي / امحد حرطان رجل مشهور بسب الرسول ،ويضرب مثال باحلسانية / خالق = يوجد، مالنه = ربنا / وإال = وإذا‬
                                                                                                                           ‫86‬



              ‫مبين‬                                                                         ‫ف‬         ‫ف‬
     ‫خَ ّ حامت خب ّة اللصوص، جاوز ردماً من شوائب امللح واقترب من سيارة التويوتا، وقف أمام كوخ ٍّ من ألواح‬
                                                      ‫ق‬                    ‫ح‬
  ‫امللح، ملح فتيلة ضوء ومسع ق ّة فعرف أن ساكنه متي ّظ. طرق الباب فأجاب صوت: "ادخل". دخل فرأى أمامه رجالً‬
                         ‫و‬
‫هزيالً ذا حلية خفيفة، طرح السالم واعتذر عن اإلزعاج يف ساعة متأخرة من الليل، تش ّش وجهه حبزن مصطنع : "داخل‬
                                       ‫ل‬             ‫مي‬
                             ‫على اهلل وعليك سيد حوذ، برخصتك، لنا غريب وإيل حاجة ّك، األخبار ك ّش مو زينة.‬
                                                                                                      ‫د‬
  ‫ش ّ الركييب اللثام على وجهه ونظر بفضول إىل الشخص الالهث املستجري به، وعرف بفراسته املتطورة أنه من مجاعت‬
                                               ‫د‬
 ‫أطاهر الذين مل يتمكن من زيارهتم بسبب انشغاله بصفقة ملح، م ّ له كرتونة ليستريح، ووضع حفنة بعر ناشف يف جممر‬
                                                                                                            ‫مث أشعل النار.‬
                                                                                            ‫ن‬
 ‫ظل حامت يلطم وخي َّ يف بكاء كربالئي، دون إسالة دمعة واحدة: " يا حرقيت عليك يا عراق، بغداد اجلرحية، دجلة اخلري،‬
                                                                          ‫الناصرية شجرة الطيب، مدينة أبو األنبياء .‬
             ‫ج‬
‫أشعل سيجارة "رومثان" أخرى من عقب السيجارة اليت مل تنطفئ بعد وعزم سيجارة أخرى على الرقييب، م ّ نفساً عميقاً‬
  ‫وعاد يهزج يف جم ّد نسق لفظي اقتضاه مقام احلماسة: " وإسالماه واعرباه ،حل فرض السادس 1قوموا له، حيهم الزمل،‬
                                                                                          ‫ر‬
                                                                                        ‫بيعة خنوة فزعة يا أخا العرب".‬
       ‫ح‬                                ‫خ‬            ‫ر‬                                                      ‫ج‬
      ‫م ّ حوذ من سيجارة الرومثان وشعر بدوخة لذيذة يف رأسه (للم ّة األوىل يد ّن رومثان حقيقياً)، بدأ يسعل ويق ّ،‬
        ‫ّ‬               ‫ب‬                                                     ‫ب ك‬
     ‫حركش اجلمرات، ص ّ الس ّر والشاي الصيين األخضر يف اإلبريق، مث رفع اإلبريق وص ّ يف الكأس، مث صب من‬
                                                               ‫س‬
‫الكأس يف اإلبريق ليختمر، مث من اإلبريق يف الكأ َني، ناوله، فاستنكف حامت: "بويا وداعة اهلل وداعتك، ما أشرب الشاي‬
                      ‫د‬            ‫س‬             ‫ب‬                                                  ‫ب‬
‫قبل ما تلّي يل طليب، لين رايح للعراق برسم اجلهاد، هي نفس ومسّلها، أريدك ه ّه بالعجل تو ّيين لرقان حاالً، ومهما‬
                                                                   ‫أخ‬                                 ‫ل‬
                    ‫ك ّف األمر (أخرج ثالث أوراق خضراء) ُ ُذْ لغايت هاي نقوطك ثلثميت ضوالر، نثرية مال سفر.‬
‫د‬                                 ‫ف‬                   ‫ل‬            ‫ر‬
‫انسحر الركييب بالعملة اخلضراء اليت يراها للم ّة األوىل، ب ّل إصبعَيه بريقه وح ّها، فحصها على ضوء قنديل الزيت، ع ّ‬
                                          ‫ل‬                   ‫ب‬                                ‫ّ‬
   ‫بأصابعه وذهنه حموالً املبلغ إىل ألواح ملح، رسم بسّابته على الرمال مث ّثاً متساوي األضالع روؤسه فديريك وتاودين‬
       ‫املثلث‬                                                                              ‫ل‬
‫ومتبكتو، مث رسم مث ّثاً مالصقاً يشترك مع األول يف ضلع فديريك تاودين وينتهي رأسه األعلى يف رقان. قارن ََّني كأنه‬
                                                  ‫ك‬         ‫م‬
  ‫يقيس املسافات (حوذ يف العادة يأيت من صحرائه الغربية حم ّالً بالس ّر والبشنة واللثامات النيلية والدراريع ويقايض هبا‬
                         ‫ي‬     ‫ر‬          ‫ا‬                                                                      ‫م‬
  ‫ع ّال املناجم على ملحهم مث يتجه به جنوباً إىل متبكتو حيث يبيعه ويشتري عنزً، هذه امل ّة سيغّر املشوار وينطلق مشاالً‬
                                           ‫د‬
    ‫حنو اجلزائر، هناك سيقايض ملحه وأنسجته على دكلة توات). مترفق وم ّ جسداً هزيالً، قرأ على مالمح ضيفه جلاجة‬
                                                 ‫ء‬                                          ‫خ‬
‫صاحب احلاجة، من ز ّات اجلمل اليت مسعها منه مل يشد انتباهه شي ٌ أكثر من مجلة "مهما كلف األمر "اليت تعين أنه قادر‬




                                                                          ‫1 يقصد اجلهاد / آغايت = سيدي / دكلة = صنف من التمور /‬
                                                                                                                                                       ‫96‬



                           ‫ق‬
‫على التكاليف، وبال حساب، قال له بصوت أحادي الوتر: "يَعْراقي أنت قصدتنا وح ّك وجب اعلنيَ، يقري أنت كريت‬
                                                                                                                         ‫1‬
                                                                                                                                ‫أش ْ‬          ‫َت‬
                                                                                                                             ‫اْلو َّ ما كريت ُّفَيرْ.‬
                                        ‫و‬                             ‫أخ‬
   ‫أخرج حامت ورقة مئة دوالر أخرى: "ُ ُذ حلوان شوفري، بس إنت قوم، ق ّي عزمك يا ابن احلالل، العراق دايشتعل.‬
               ‫ش‬
 ‫حفحف حوذ الورقة اخلضراء وحسب على أصابعه، مث قال بربودة من ميلكون الوقت: "حانيك، ِب ّور عالش مزروب!‬
           ‫مسافر وحدك تارك مجاعتك هون! زيدن عشرين عشرة دوالر خلرى واسلككم كاملني أنت ومجاعتك، أُتوْفَ .‬
                   ‫م‬                                             ‫ي‬                ‫ن ل‬
    ‫" ما عاد يب حيل استّى، ك ّش مستعجل، ما عل ّ من رفاقيت، مو عراقيني، الناصرية هي اليت تتد ّر مو محص وصعيد"‬
             ‫ف‬           ‫َي‬                                                             ‫ف‬                    ‫ز‬
     ‫ه ّ حوذ رأسه بإمارة حت ّظ، وقال بصوتٍ كوخز اإلبر: "احفظ امليم حتفظك، توات ذ بالد ابْعِّدْ، خالق ش ّارة قطاع‬
                                                                                                                               ‫اتريق أهنابة واديوانه.‬
     ‫بيد مرتعشة، أخرج حامت مسكوكة ذهبية (كان عصري قد توارثها أباً عن جد واحتفظ هبا يف السمسونايت لطوارئ‬
                                        ‫الزمن) : "هاك، هاي غازي مال أربع وعشرين قرياط، بس انشاهلل تكون احلاجة مقضية.‬
                                                      ‫ل‬       ‫ه‬
  ‫نظر الركييب بعني صريفـي خبري إىل القطعة الر ّاجة وق ّبها، على أحد وجوهها طغراء عثمانية مشتبكة احلروف وعلى‬
 ‫ي‬                                 ‫ي‬        ‫ح‬       ‫ك‬       ‫ف‬      ‫ك‬
‫الوجه اآلخر اسم أحد السالطني وتاريخ ص ّها، ح ّها وتأ ّد من ص ّتها مث كّلها برأس إصبعه، خبطها بلوح ملح ومّز‬
                                                                                          ‫ي‬                    ‫ن‬
       ‫رّتها الذهبية، عقد النّة على تسليكه، رسم برأس إصبعه على الرمال زحياً طويالً ينتهي طرفاه عند نقطتَي احلدود:‬
                                                           ‫ي‬                   ‫ك‬
‫تندوف وبرج حاسي املختار، ف ّر بأقصر طريق كي ال ُهدر الوقت واملازوت، رسم خطاً متعامداً يبدأ من تاودين وينتهي‬
          ‫ده‬
  ‫يف رقان عرب جمابة تنزروفت، رمق الضيف الباذل الباذخ، حلس شفته بلسانه وابتسم: "حاتَم، حامت مول أ ّ ّب والفظ،‬
                                                                      ‫أل‬
                        ‫إسم زين حت، حبال حامت طه أصحايب اجلليل ِّ ذبح فرس الطعام سيدنا حممد صلي اهلل عليه وسلم.‬
                             ‫"وعلى لل بيته األطياب الطاهرين، كون خوش لدمي، دَقوم الوقت ما يساعد، العراق دايشتعل.‬
                                 ‫ر‬                                                                   ‫م‬
‫تأ ّل الرقييب اخلطوط املرسومة على الرمل مث خطوط وجه الضيف املستعجل، وق ّر أن يستغل هلفته حىت لخر قرش، نظر‬
‫إىل الدوالرات املنثورة أمامه بدون مشاعر كأهنا وريقات تافهة، وللعصملية كأهنا قطعة حديد، عاجله بصوتٍ بارد كسهم‬
                         ‫أ‬
       ‫مسموم: "ما ايقد، اهلل غالب، التفقريش يعطب، تنزروفت جمابَ خطريَ حت، ما خالق فيها حاس ُال تريق ُأال جمبد.‬
                                                                                            ‫و‬          ‫س‬
     ‫"ال تع ّرها يا مع ّد، الطاهر جابنا من متبكتو عاألباعر وانته خايف توديين لرقان، أكو حتتك صاروخ طويوطا يسابق‬
                                          ‫ن‬
       ‫الريح، ياهلل ما ختاف ثلث الدرب عتبة الباب." قال العراقي وأخرج س ّ الذهب اليت كان عصري قد نزعها من فم‬
                                 ‫ل‬                         ‫ه‬                                 ‫أخ ض‬
                ‫الطارقي: " ُ ُذ تف ّل أزيدك هاللؤلؤة، بس ياهلل قوم ج ّز طويوطا ويا مدد علي ، خ ّ نطلع من هالوحلة.‬
                           ‫ٍّ‬                           ‫ر‬               ‫ر‬                                ‫ك‬
 ‫ح ّ حوذ السن وقرعها بالعصملية، وتف ّس يف الضيف يتق ّى ما فاته من معانيه بنظرة حتر من اجلانب األكثف (الرقييب‬
            ‫ه‬                                                                             ‫و ي‬
 ‫فراسته متط ّرة، ميّز البكاء من التباكي، ودموع احلزن من دموع التماسيح)، قال بربودة صقيعية وهو جي ّز إبريق شاي‬


‫1 غري أنك استأجرت السيارة دون الشوفري / بشور = بالعقل / عالش مزروب = ملاذا مستعجل؟ / غازي = عملة ذهبية عراقية / ما ايقد = ال ميكن / التفقريش = املرجلة ، ما‬
                                                                                                                                          ‫خالق = ال يوجد /‬
                                                                                                                                                  ‫07‬



                                 ‫ه يْ‬                          ‫ر بلفظ‬
‫لخر: "ظاهرلِ عنك بطرون حت مع ّم َّ، جيوبك فيها من أذهب ما ُ ش ُوفَ، زيدن شِ انسلكك، إذا زاد حطبها‬
                                                                                                                                       ‫زاد هليبها.‬
                                                                                    ‫ف‬
‫صفع العراقي اجلدار بك ّه كي ال يصفع مضيفه (حامت من برج الثور ذي الطباع النارية)، نفض بطانة جيوبه: "استحِ عَ‬
                                                                                   ‫ب‬                   ‫م‬
                    ‫د ّك ولك طمعكارى، والعّاس أبو راس احلار اعطيتك العندي واملاعندي ،فرهود بس مو مال يهود.‬
                          ‫ب‬                                            ‫ي‬                                     ‫ل‬
‫ظ ّ الرقييب يف زاويته بارداً كتمثال ثلج ّ (حوذ من برج الدلو من ذوي الطباع املائية)، ثّت على ساعة الكوارتز عينَني‬
                          ‫ج‬                                              ‫ي‬                              ‫ت‬
        ‫جشعَني، انتبه حامت، نزعها وناوله إّاها: "عينك بيها أبو نفس الدنية خذها هاك، بس ع ّل رمحة على أجدادك.‬
                                                             ‫ن‬                        ‫ر‬
      ‫ضغط الرقييب على ز ّ ودارت األرقام وأضاءت ورّت يف العتمة، ابتسم كاألطفال وضعها يف معصمه األمين مث يف‬
                                                                   ‫ر‬                              ‫مل‬
     ‫األيسر، ّ الدوالرات والعصملية والسن، ح ّك إصبعه يف وجه حامت: "واهلل الذي ال... لو ما أنك مسلم عراقي ما‬
‫انسلكك، أيْوْه، أظرك1 هاي جاي نقيس مجاعتك نرفد قَ َّك، انْص ُّ أصبح مجاعنت فِلمَسِْيد م َره سيدي الشيخ البَكَايْ‬
                       ‫ْو‬         ‫ْ‬               ‫ش ْ َل‬                                    ‫ُْ ْ‬
                                                                                                                        ‫أظ‬
                                                                                                                     ‫وانتموا راكبني مع ُّحَ.‬
          ‫س ه‬             ‫ل‬             ‫ر‬      ‫ك‬
  ‫وقف حامت حائالً بني حوذ والباب: "لع لع بويه، ماكو داعي لب ّاي وخ ّاي وشافعي، خ ّي منشي ه ّه، ج ّز امليكب‬
                                                                                                             ‫و‬
                                                        ‫مالتك بالعجل اتع ّقنا، دياهلل قوم، العراق داحيترق وقليب صاير مجر ناررر.‬
                                                                    ‫ط‬
‫وضع الرقييب نظارة سوداء على عينَيه، ن ّ إىل مستودع التويوتا، أشار إىل أربعة بيدونات مازوت وجركين ماء مطروحة‬
                                                                 ‫م ن‬
 ‫يف ركن الكوخ وطلب منه إحضارها. هب ّة جّي محلها حامت ومحل مهراز الدكنو واملدق وإبريق الشاي واجملمر، وكيس‬
                                                                                 ‫ض‬
  ‫البشنة وزقيبة الكِدي. و ّب الرقييب كل هذه األكياس والبيدونات فوق ألواح امللح، شركل العنزة السوداء ورماها‬
                             ‫و‬      ‫ز‬                         ‫ط‬                       ‫د‬
  ‫فوق الدبش ونشر الشبك وش ّه على الباغاج، فحص الب ّارية، أفرغ وقوداً يف اخل ّان وز ّد الرادياتور باملاء، مث قعد‬
 ‫ر‬
‫خلف املقود يتمتم بدعاء السفر وعينه على ساعة الكوارتز، ووضع املفتاح يف الكنتاكت، أضاء األضواء األمامية، حت ّك‬
    ‫ذ‬                 ‫س‬                                            ‫ت‬       ‫ي‬     ‫ر‬                  ‫ر‬
   ‫احمل ّك للتحمية ومل تتح ّك السّارة، توّر العراقي، اصطكت ركبتاه وهو ينظر إىل اخللف. ُمع صوت البكاي يؤ ّن‬
                          ‫ي‬                                                        ‫د‬
‫لصالة الفجر فارتعد، م ّ رقبته حنو العتمة ازدرد لعابه، هلث كذئب تطارده كالب احل ّ، اختلط يف وجهه حذر السارق‬
                           ‫حم‬      ‫ي‬                             ‫ض‬           ‫د‬                      ‫ل‬
        ‫بذ ّ الطريد بآثار تطعيم ض ّ اجلدري، ع ّ عقب السيجارة وزفر: "يا صرب أّوب ايل ّد صرب صربه، سوق أبو‬
                                                                                            ‫َو‬                       ‫دو‬
                                                                   ‫الطويوطا، ِّر املاطور خلاطر اهلل، س ّي فيَرم، العراق صار رماد،‬
 ‫ر‬                                                                               ‫ر‬
‫داس حوذ على الس ّاع، زحفت التويوتا بني امللح، مضت تنهب الرمال مسرعة، وابتعدت كشيء ضئيل مضيء يتح ّك‬
                                                                                  ‫ف‬
  ‫ببطء يف عتمة شاسعة، تن ّس حامت ملء رئتَيه، وضع علبة دخان الرومثان على التابلوه، سحب منها سجارتَني: "أحلى‬
                                                                                                    ‫جِكارة لبو رقبة، ادعس بنزين، عفرم.‬
                  ‫زي‬                                                                       ‫ق‬
       ‫سحب نفساً عميقاً ود ّ إصبعَني: "ركبنا امليكب ومشينا ما شاورنا رفاقنه، تسلم إيد حوذ بيك املا َّت املاكينة.‬


   ‫1 واهلل لو مل تكن مسلما ملا سلكتك ، االن لنمش جلماعتك حنضر متاعك ونصل الصبح وراء البكاي يف املسجد / امليكب = البيك أب / تعوقنا = تأخرنا / عجلة كنيد‬
                                                                                                                                                ‫ج‬
                                                                                                                ‫=ع ِّل / فريم من ‪ fire up‬دور احملرك /‬
                                                                                                                                                         ‫17‬




                                                          ‫وعاد السرب تنقصه محامة‬


                  ‫ت‬                                       ‫د‬
     ‫مل جيد الطاهر احلقيبة، ال حتت رزمة السنط وال بني ال ّبش والرواحل، وال يف الغرائر واألشولة، اّشح وجهه بوجوم‬
                 ‫أ‬                                                   ‫د‬                             ‫و‬
  ‫موكب عزاء، ز ّغ عينيه يف أبناء عمومته واحل ّاد ومجلة املواجيع الذين مبعيته: "يلطيف خيويت عيادة ّسننيْ أسنسونايت‬
                                                                   ‫1‬
                                                                       ‫انصرقتْ، صارقها إال امعانا هون، ألقَابَ ما حيرقها غري عود منها.‬
‫وامت‬                ‫ك‬                               ‫ب‬         ‫م‬
‫رفع البطانيات عن املسافرين النائمني يف العراء: "قَيْ ُ يَحرَق أّاتكم، أسنسونايت منني؟ قَلْتْ ل ُ أرعاو من الكحالن ُّ‬
                                                                                                                                                    ‫ْ‬
                                                                                                                                               ‫امْقَردينْ.‬
                               ‫د‬
 ‫هنض سرحان بني الصاحي والنائم، قعد عصري على املهراز، ملعت أضراسه يف ر ّ فعل الشعوري، فالسمسونايت كانت‬
                                                                                                ‫د‬
               ‫جزءًا من بدنه، امتدا ٌ ليده، غمغم بنربةٍ كارثية: "باطل خرب عاطل، مني هالواطي اللي جترأ عَ احليط العايل؟‬
                                                                  ‫ك‬
    ‫احنصرت الشبهات يف الكحالن دون البيضان، أ ّد "باتنه" أنه ملح عشية البارحة عبيد اهلل األكحل حيوم حول الدبش‬
               ‫و‬                                                                          ‫ي‬
   ‫حامالً خمالة كبرية ُحتمل أن يكون أخفى فيها السنسونايت. دافع سرحان عن الزجني قائالً إنه رله حي ّم حول اجلمال‬
                                                        ‫ب‬
 ‫األربعة وأن املخالة كانت حتوي بعراً، وزعم سيدللي أنه خّأ احلقيبة يف البعر. أمجع النواجي على ضلوع عبيد بالسرقة،‬
                             ‫ص‬
   ‫انقلبت الشبهة إىل دليل، تطاير الشرر من عينَي الطاهر، حلف إنه ال أكل متراً حىت يقت ّ منه. خلع النعال من رجلَيه‬
                                           ‫م‬                     ‫ت‬
  ‫ومحلها بيده، اندفع كصاروخ صوب حفرة ملح الّييت متبوعاً بأوالد ع ّه، مل يهبط الدرجات األربع لكنه قفز، انتصب‬
                      ‫ر‬                         ‫د‬             ‫و‬
     ‫واقفاً، رأى تييت يكشط الشوائب عن عديلة ملح ويد ّر حوافيها، م ّ بصره إىل الدهاليز املتف ّعة حتت األرض، رأى‬
              ‫س‬
   ‫عبيد منبطحاً على جنبه يقلع مبطرقته عارض ملح، رمقه بنظرة اهتامية: "أهاي جاي يا اصويرق... عيادة أ ّنني امنني ؟‬
                                                                                                                        ‫ط‬           ‫س‬
                                                                                                ‫"عيادة أ ّنني" ! . م ّ عبيد شفتَيه الغليظتَني.‬
                                                                                                                                ‫س‬
                                                                                                               ‫"أيْوَ عيادة أ ّنني، أسنسونايت ".‬
                                                                                                                                         ‫"سنسونات"!‬
                                                                                                                    ‫س‬
                                                                                                               ‫"أيْوَ، أسنسونايت، عيادة أ ّنني".‬
     ‫خرج عبيد من الدهليز، نفض امللح ، دمدم وهو يهرش قفاه: "سنسونات عيادة أسنني! لن ذ التحاجي مانِ فامهها؟‬
     ‫ْ‬       ‫أ‬        ‫أل‬                                                                     ‫َد ل‬
 ‫"ختابث، ع َّل باّي أنك مانَك عَارَف، يلعبد الذي إذا جاع سرقا وإذا شبع فسقا، رد أصندوق ِّ صرقتها ُخبيتها موَرَ‬
                                                                                                                                ‫ْ ك‬               ‫ْ ْ‬
                                                                                                                              ‫مَلحَك، ال اتْقِد تَنْ َر.‬
‫ابتسم عصري لعبيد: " هالشنطة ما بتنفتح إال بكود، لذلك هاتلي ياها ورح أصلحلك سنانك ولك مية ضوالر إكرامية.‬


     ‫القابَ = الغابة ./قيم = اهنضوا / ارعاو من الكحالن ُّ امگردين = احذروا الزنوج وابقوا حارسني / منني = اين / بعر اجلمال هو مصدر الطاقة الوحيد بتاودين /‬
                                                                                                     ‫وامت‬                                                    ‫1‬


                                                                                                                ‫ْ‬                      ‫د‬
                                                                                                  ‫التحاجي = االلغاز، ع ّل بايل = تظاهر بأنك / موَرَ = من وراء‬
                                                                                                                                           ‫27‬



           ‫اعترض الطاهر : "بو بو ياسر عليه 1ميت ضوالر (للزجني) أيوَ رد لنا سنسونايتنا وجمازيك بعشر عدايل ملح.‬
                                                                                                 ‫ل‬
       ‫انشحن اجلو، تط ّع الطاهر إىل عضالت الزنوج النافرة وإىل أجساد أبناء عمومته اهلزيلة، ومل جيد الشجاعة الكافية‬
              ‫ض‬                            ‫س‬                                           ‫ب‬
    ‫للمواجهة املباشرة، فص ّ نقمته على ألواح امللح املصفوفة، قلبها فتك ّرت، بربر بشتائم عنصرية، انق ّ عبيد عليه‬
     ‫د‬
   ‫وبطحه، أجهز سيدللي على عبيد بضربة كومو، اهنال تييت برفش على ظهر سيدللي، ورأى عصري أن كلماته امله ّئة‬
                                                             ‫س‬
 ‫عقيمة فسحب سرحان خارج احلفرة، استنجد ال ّالك بالنواجي فخرجوا من احلفر اجملاورة شاهرين الرفوش، استنفرت‬
        ‫و س‬
‫الدشرة وانقسمت إىل معسكرَين: كحالن الصوانك والنواجي البيظان، هرول الشيخ البكاي حوقل وتع ّذ، م ّد حليته:‬
                                                                                                ‫ْ‬                             ‫ش‬
                                                                                   ‫"َب ّور ال تَتفاتنو، ال تتفاتنو يَجماعَ، اشطارِ؟‬
                                                            ‫"ما طارِ يكون عبيد اهلل صرق سنسونات أطاهر ". قال سيدللي‬
                                  ‫ك‬                          ‫د‬                ‫د‬
  ‫"أهلل أكرب (قاهلا الشيخ فاحتاً األلف األوىل ومش ّداً الالمني وما ّاً بني الالمني واهلاء ومس ّناً اهلاء) أجارنا اهلل وإياكم من‬
                                                                                                                                ‫اصويرق !‬
       ‫س‬                           ‫ش‬                 ‫م‬                                       ‫ي‬
   ‫رلها فرصة ساحنة لُظهر معرفته بأحكام احلدود ، رفع العمامة ُظهراً الزبيبة، ك ّر تكشرية رجال املطاوعة، تو ّم يف‬
        ‫حد‬
   ‫عبيد (باألحرى يف زنوجته) مالمح املشتبه: "هاي جاي يا أيها العبد الناقص الذي ال يصلح جِلدك إال جبَلدك، َّ اهلل‬
                                                      ‫ن س‬                              ‫ر‬
      ‫عليك تنجلد 081 جلدة مف ّقة اعل ثالث دفعات، وهايِ ّ انقي ُ املَسْيِدْ حتلف ميني الرباءة اعلَ أملصحف أشريف.‬
                  ‫القص‬          ‫ه‬
              ‫استبشر عبيد هبذا املخرج فقال: " وحق راس سيدي البخاري، املاهو صارق ما ُ خايف من قص َّاصَ.‬
                          ‫ر‬                       ‫ق‬                    ‫ج‬              ‫صل‬          ‫خ‬
‫تد ّل عصري: " ِّ عَ احلبيب حي ّي ، أنا متنازل عن ح ّي ومسامح، بس كسروا الش ّ وكل واحد يرجع عَ حفرته ".‬
                               ‫ل‬     ‫ل‬                 ‫د‬                 ‫د‬              ‫هنر الشي ُ الغجري‬
  ‫َّ: "أتشفع يف ح ّ من حدود اهلل! ح ّ الصارق قطع يد، وّاهي وّاهي لو أن فاطمَ منت حممد صرقت‬     ‫خ‬
                                                                                                                          ‫لنقطعت يدها.‬
                     ‫ل‬                                                                                ‫ب‬
 ‫ه ّ سرحان يف وجه الشيخ: "إنت مالك مياء العينني أبو دموع، إنت يعين ورثتها عن اللي خ ّفك، طب طالق تالتة ما‬
                                                                                                                   ‫سرقهاش إال عربك.‬
        ‫ر‬                     ‫د‬                  ‫د‬                                                       ‫ْ‬
     ‫"لَعرَب ما يصرقوا، البياظ قليل احلمل للدنس، زنديق كافر مرت ّ أخسر من سحباي، ح ّ اهلل عليك املوت بال ّجم.‬
                                                 ‫ي‬        ‫ي‬
                                       ‫"هو ده اللي انتو فاحلني فيه يا صالعمه، مفيش بقرلنكم حرّة سوى حرّة التنكيل.‬
 ‫ر ْ‬                               ‫ج‬                                         ‫ط‬                                 ‫ن‬
 ‫وظ ّ الطاهر أن عبيد سيحنث بيمينه، تف ّن حلامت فقال لعزوته: "عَيْطولِ ألذاك احل ّاب لعراقي إاله إْيجنيِ يضرب أ ّمَل‬
                                                                                                               ‫2‬
                                                                                                                   ‫خيربنا منهو أصويرق.‬
              ‫ي‬                        ‫ك‬
  ‫رفعوا بطانية حامت ومل جيدوه حتتها، حبثوا عنه يف كوخ الندوة بال جدوى، أ ّد سيدي علواته أنه رله عشّة أمس متجهاً‬
                 ‫ك‬                       ‫ي‬                                                                  ‫ل‬
     ‫إىل ح ّة أركيبات، انربى باتنة وأعلن أنه رله أثناء صالة الفجر، راكباً يف سّارة حوذ، صفن الشيخ وتذ ّر أنه مل يرَ‬


                                                                    ‫1 بو بو = ال ال كثري عليه / اشْ طارِ = ايش طرئ / سحباي رجل اكل مصحفا/‬
                                                               ‫2 نادوا يل على ذاك الساحر العراقي حىت يأتيين هنا يضرب الرمل وخيربنا من هو السارق‬
                                                                                                                                                                ‫37‬



       ‫ز‬
       ‫الرقييب ال يف صالة العشاء وال يف صالة الفجر. انكشف املستور، وأدرك الطاهر أنه ترك الذئب حيرس الغنم، اهت ّ‬
                                   ‫ز ب‬                          ‫ب خ‬
‫الغليون بني شفتَي سرحان (هو أيضاً خيّئ مد ّراته يف السمسونايت) اهت ّت حّات السبحة بني أصابع عصري: "ال وْلو،‬
          ‫ي‬                                                                    ‫عالس‬
   ‫معقول يكون زَْيبَق ُّكيت ! باطل عليك يا شريك، اهلل ال يباركلك بالضوالرات، تدفعن للحكما خطّة حوشب.‬
              ‫ُ ْْ‬                                                                                      ‫م‬
‫أرخى الع ّال الرفوش واملطارق وانتصبوا مثل متاثيل ملح، حلف الشيخ البكاي مييناً أن العراقي من "أملستِترين" ودعا اهلل‬
     ‫ول‬                                          ‫أن يستر حوذ من كيده وسحره، ورمى عيَني ساخطَني على املشرقي‬
    ‫َّني، قائالً للطاهر: "أدين إحماض النصيحة يا ِّ،‬            ‫ت‬       ‫ن‬
                            ‫ك‬              ‫أ ح‬
                        ‫أراعيك من ذول املساخيط، يقلع أهل ذيك البالد زاد من اخليانة حت، كافر ُسَ ّار اصويرق أمَ ّارْ.‬
                           ‫ك‬               ‫ْ‬       ‫كأ‬
‫نفض الطاهر يده من املسافرين قائالً: "لنَ ظرك ما عندِ قايَ في ُ ُالنِ مَتوَرط فسفر امعا ُ، ان قاييت فسنسونايت، أيوه،‬
                                                     ‫1‬
                                                                                    ‫م‬
                                                         ‫هي اللي قاييت بيها، امنني انصرقت لنَ وافـي َنكُ وخْالصْ، ودعتكو ملالنه.‬
                                                         ‫ق‬                ‫ه‬       ‫ك‬      ‫م‬                  ‫ب‬
‫ه ّ سرحان يف وجه اجل ّال وذ ّره بتع ّده توصيلهم إىل رّان، عاجله البكاي بلهجة صارمة: "املعاهدة مع املسلم ماهِ مع‬
                                                                                ‫ُ ْ‬
‫الكافر، حمروق بَيْكم شَيننيْ الدين، سوري فاسق خفيف الدين، وعراقي رفضي خبيث الدين، وماصري هرطيق إبال دين.‬
   ‫فرز الطاهر دبشه عن أدباشهم، وساق إبله األربع، انض ّ إىل ابن عمه سيدللي، وح ّ الشيخ اخلطى للمسجد، انف ّ‬
   ‫ض‬                         ‫ث‬                        ‫م‬
                                                                               ‫مل‬                            ‫م‬
‫الع ّال راجعني إىل منامجهم، تبعثر ّامو البعر يف املراح وبقي املسافران يف كوخ الندوة يتبادالن نظرات غري جمدية، أمسك‬
              ‫ج‬
          ‫سرحان الغليون، رسم يف الفراغ سجناً بال أسالك شائكة أو أبراج مراقبة، زنزانة شاسعة أبواهبا الرمال وس ّاهنا‬
                                         ‫ف‬                                                    ‫ت‬
                                 ‫الشمس، وضع فيه نقطَني وعالمة استفهام، كتب:"عندما انتهيت من صنع قاريب ج ّ البحر "‬
    ‫ر‬                       ‫ر‬                                                                             ‫د‬
   ‫مت ّد عصري على طوله متخذاً من راحة يده اليمىن وسادة، لبث يف هدوء بوذا السمني وجت ّده واملسبحة يف يده احل ّة‬
                                      ‫ف‬
  ‫كزهرة لوتس، ارتسمت يف وجهه المباالة صوفية وغبطة االستهتار والتخ ّف من متاع الدنيا، أفلت ضحكة قصرية ما‬
               ‫خ‬                                                                                     ‫و‬
       ‫لبثت أن تط ّرت إىل قهقهة يف جدبة محصية، يف فصاحة العبور من املأساة إىل امللهاة، تناول لخر علبة د ّان، ناول‬
                       ‫ف ْ‬                                               ‫ت‬
     ‫صاحبه سيجارة وضع سيجارة يف فمه واثنَني يف يده، رمى العلبة الفارغة، مسح كفاً بك ّ: "بَح، يلعن أبو املصاري‬
                                                                     ‫د‬                   ‫م‬
           ‫أصل البالوي، إي كس أ ّه إبين ميالد إذا ب ّه يورتين، إي خرا عاستنكنافيا، طز بالشنطة شو فيها راس كليب!‬
                                                                                    ‫ْ‬                   ‫خ‬
                                                                           ‫" بس إزاي ناكل ونشرب وند ّن ؟ ابن الدزمة مَسَبشِ حاجة .‬
                        ‫ض‬                                                                               ‫ف‬
       ‫حت ّزت يف داخل الغجري مشاعر اهلمشرية الرفاقية والتضامن امليكانيكي، أشار إىل ساعة ف ّية يف جيب الصداري‬
                          ‫ب د‬                              ‫ي‬
   ‫وسالسل يف رقبته وخوامت ذهبية يف أصابعه: "حننا الرّاس دامياً حاسبني حساب، منخّي ال ّهب األصفر لليوم األسود،‬
                                                                                              ‫ْ مل‬
                                                                        ‫سالمة خريك وََلوْ، ماين ناسي جْميلَك ّن كنت تصرف عَ العيادة.‬
                               ‫ي د‬           ‫ص‬                   ‫بص‬                                    ‫ْ‬
    ‫«شايلينَك للتقيلة يا عم، أنا عشمي فيك كبري، ُ ّ يل بعني علشان أُب ّلك بعينّا ال ّوز، كن رغيفي أكن نبيذك، أنا‬
                                            ‫مه‬            ‫م‬
                                         ‫أدمنتك خالص وما عادش ينفع أعيش من غريك، إنت أبونا وإنت أ ّنا وإنت حامل ّنا.‬



    ‫1 انا اآلن ما عندي غاية بكم ولن اتورط بالسفر معكم ، انا غاييت باحلقيبة ، مبا اهنا انصرقت فهذا فراق بيين وبيكم مع السالمة / ا ملستترين =اجلان/ املصاري = النقود /‬
                                                                                                                                                  ‫47‬



 ‫د‬
 ‫"هذا من بعض ما عندكم إبن أخي. قال عصري منتشياً باإلطراء، فاحتاً فمه مشرياً إىل أسنانه الذهبية، موحياً أنه مستع ّ‬
  ‫ي‬                                        ‫ر‬               ‫ي‬
‫لقلعها وبيعها إذا لزم األمر. ابتسم سرحان، رمق الغجر ّ كأنه يراه للم ّة األوىل ، قال بنربة حملل نفسي: " إنت تغّرت‬
                                          ‫و‬            ‫ال‬                                            ‫ي‬
                                        ‫قوي، مش عارف إيه غّرك، الغربة! العمر! الصحرا! احلياة! الرحيل !و ّ خيانة املع ّد؟‬
                           ‫ر‬              ‫ر‬                     ‫ل‬          ‫ب‬               ‫ي‬           ‫ي‬
                 ‫" الدنيي بتغّر املا بيتغّر، ما عاد شي يعّي عيين، ك ّه رايح لك إبين، إن ش ّقت خينة وان غ ّبت شيشربك.‬
                                                   ‫ص‬                                          ‫ك‬
 ‫وعاد سرحان يف ّر حبامت : " على األقل لو ترك لنا كتلوغ ال ّور املستكة ... منك هلل يَمفتري، قتلك حالل، إعدام .‬
   ‫ح‬                             ‫م‬
  ‫ووجد الغجري الذي أفىن حياته يف السرقة واإلختالس واإلحتيال فرصتَه لتربئة ذ ّته من شريكه ومن ماضيه قال بب ّة‬
                                                                                                 ‫ي‬
        ‫سوقية: "مو حّاهلل إعدام، رمياً بالنعال، الزم شنق، الزم خازوق، واحد أدبسيس، يا ضيعان اخلبز وامللح وحليب‬
                                                 ‫ر‬                                       ‫ي‬
                                        ‫السباع، عيب جداً عند الرّاس سرقة الصاحب، احلرامي الشاطر بيسرق ب ّات حارته.‬
                   ‫ق‬                       ‫ص‬                                                         ‫ك‬
‫وذ ّرته خيانة شريك عيادته خبيانة شريكة حياته سفرجلة، فشعر بغ ّة مزدوجة يف احللقة، تر ّقت مالمح وهو يسترجع‬
‫الثالثني شهرا املنصرمة بصحبته ، والتمس له أسباباً م ِّفة: "َبسْ ب ّك الدغري1، هاحلامت أنا طاخبه وعاجنه، نفسه عزيزة‬
                                               ‫د‬            ‫ُخف‬
                                                              ‫ن‬
‫بتدوس العسل، والكن هالصحرا بتجنن، اجلّي وهب إبن قشقوان دستور من خاطره صار يتنمرد عليه، والبدو مزركني‬
                                          ‫م‬       ‫د م‬                      ‫م‬
                    ‫عليه سني وجيم، فوق هدا هاحلرب ك ّلت عليه، أي شو ب ّه يتح ّل ليتح ّل، بين لدم روح مو حديد‬
            ‫ه‬      ‫ب‬
‫وختم وهو خيشخش سبحته : " خيرب شيطانك يا أبدالل عهاملقلب، روح مساحمك من قليب ورّي، يس ّل عليك ويفتح‬
                                                                                                                            ‫ِش‬
                                                                                                                          ‫طريق أوروبا بْو ّك.‬




                                                                                   ‫ش‬                                                        ‫د‬
  ‫1 بَسْ ب ّك الدغري= هل تريد الصراحة / املقلب = الدور اخلديعة / بو ّك تصحيف بوجهك / الرياس = الغجر / مو حياهلل = ليس كيفما اتفق / ادبسيس = قليل ادب /‬
                                                                                                                     ‫57‬




                                                   ‫اجلرمية والعقاب‬


                      ‫ز‬
 ‫انفتحت طريق أوروبا يف وجهه بطول الصحراء وعرضها، اتكأ يستمرئ الصفاء النفسي الذي ع ّ عليه، فرد قدمَيه على‬
                                    ‫ي‬
  ‫التابلوه يف وضعية مستهترة... قبل ثالثة أشهر يف موقف مثل هذا املوقف، يف سّارة مثل هذه التويوتا، يف صحراء مثل‬
                           ‫س‬              ‫ف‬                          ‫ز‬                      ‫و‬
        ‫هذه الصحراء، كانتا تتل ّيان أمامه عاريتَني كب ّاقتَني على إيقاع موسيقى ن ّاخ النار...حت ّس طغمة إليته وإصبعه‬
           ‫َ ت د‬
  ‫املقطوعة، أسبل رموشه كمدنف مل يربأ من مرض لوعة احلب، قعد حيلم مبوضلني وفيوليط "دين مرْكيَني" م ّ ذراعه من‬
                              ‫النافذة ونقر على الباب :"للدين مركية للدين مركية، بو رقبة أروح وياك للدين مركية".‬
                                ‫ع‬
‫نظر إىل العداد فرأى أن التويوتا قد قطعت يف سبع ساعات ما تقطعه اإلبل يف أسبو َني. رأى أهنا أسرع من البعري بـ04‬
                                                                                                                ‫ر‬
                                              ‫م ّة وحتمل محولة 04 بعرياً . استنتج أهنا تساوي قافلة من 0061 بعرياً .‬
                                                  ‫ظ‬
    ‫أمسك الرقييب املقود هبدوء اخلبثاء وطفق يراقبه خلسة من خلف الن ّارة السوداء وعرب املرلة الوسطانية، ملح تعارضاً‬
                                                                        ‫ف‬
         ‫فاضحاً بني الشراهة اليت يكمي هبا سجائر الك ّار النصارى وامليوعة اليت سيحارهبم هبا. سأله ملاذا مل يقاطع سلعة‬
                                                              ‫ر‬
 ‫األمريكان؟ فحلف على رأس العباس "أبو راس احلا ّ" أن "الروثنام تنت بلقاري إسالمي حالل ". انبخع حوذ من كونه مل‬
    ‫يسمع بـ"بلقاريا" يف حياته، واعترف بلهجة اعتذار أنه ال يعرف من الديار اإلسالمية غري أزواظ ومورتان. سأله عن‬
                                        ‫َ‬
‫البالد اليت سيقطعها يف طريقه إىل اجلهاد فقال: "استنكنافيا والسويد ودين املرَق" . سأله عن الفرق بني قبائل سويد ودين‬
   ‫املرق يف األمة "االستنكنافية" فقال: "مثل الرقيبات والنواجي يف األمة العربية". عاد يسأله عن مكانة اجلهاد، فقال إنه‬
          ‫س‬                                   ‫ن‬
  ‫الفرض السادس وسنام اإلسالم، سأله عن مكان اجملاهد فقال "يف اجلّة مع احلوريات" . حلس حوذ شفتَيه وم ّد حليته،‬
           ‫ي‬                               ‫ي‬                                  ‫ن‬
    ‫سأله كم حورية تنتظره يف اجلّة، فقال" سبع وسبعون. أراد حامت أن ُدخله يف متاهات الرقم سبعة كي يغّر موضوع‬
                                                ‫ت‬        ‫مؤل‬
‫احلديث، لكن الرقييب مل يترك له الفرصة (دماغ حوذ َّف من فلقَني تعمالن بالتناوب، إحدامها رياضياتية باردة حتسب‬
                               ‫ط‬                                              ‫ك‬
  ‫األرقام واألموال، والثانية باتيتيكية تف ّر بالعواطف الدينية واملشاعر القومية، وحني تتع ّل األوىل تشتغل الثانية). سأله‬
                  ‫د‬                                                                         ‫د ي‬
  ‫هل حقاً أن ص ّام ُجازي كل جماهد يأسر جندياً نصرانياً بعشرة ماليني درهم، فأجابه باإلجياب، ع ّ حوذ على أصابعه،‬
        ‫ب‬            ‫ي‬                                                                                           ‫و‬
   ‫ح ّل يف ذهنه املبلغ إىل ألواح ملح. اشتغلت فلقتا دماغه الباتيتيكية والرياضياتية معاً، فهزج: "ح ّ ع اجلهاد، لّيك يا‬
                                                    ‫ي‬
  ‫بغدان، مانِ طامَع بَلحَيات، واله أخيَر شهيد مشكور من ح ّ حمقور (رفع قبضته وصوته) أزوادي ان زاد أو قل زادي،‬
 ‫صحراوي راصي مرفوع منوت ونضلي ساوي، صحراوي ما عيين باملال كافيين كوين صحراوي، أنا حوذ بن املختار بن‬
   ‫اعلي بن حممد شني بن عثمان بن أمحد بن بكار الرسول بن اعلي بن املختار بن الغوث ابن الشيخ املخلول، من أوالد‬
    ‫سيدي أمحد الركييب، من نسل عبد اهلل اجلواد بن علي الزينيب بن جعفر الطيار وجدنا األكرب ادليم ج ملعراق مع بين‬
                                                                                                                ‫هالل.‬
                                                                                                                                             ‫67‬



                       ‫ك‬             ‫م‬                                                 ‫و‬                     ‫م‬
‫حت ّس الرقييب، داس على د ّاسة البنزين، عاد يقول إن املعركة الوشيكة ستكون أ ّ املعارك، وأ ّد أن املداشر الساقطة يف‬
                                                                                ‫س‬
                                                 ‫يد األمريكان "هي للشيع أما بغدان أل ِّنية فلن تسقط ما دام فيها صدام "‬
                         ‫ق‬      ‫س‬           ‫دو‬                                           ‫ذ‬
    ‫نظر إىل الشمس مث ت ّكر أن يف يده ساعة "كوارتز" فنظر إىل معصمه. َّر املذياع، ُمعت د ّات بيغ بن املعهودة مث‬
             ‫خ‬
     ‫صوت املذيع الرصني بنربة تنسجم وخطورة احلدث: "بغداد سقطت، أركان النظام اختفوا والرئيس تب ّر، الشعب‬
                        ‫ك‬              ‫ز و‬                                                              ‫ط‬
           ‫اهلائج ح ّم متثاله يف ساحة الفردوس، واألهايل استقبلو املارينز باألر ّ، وق ّات التحالف تر ّز على تكريت".‬
                 ‫س‬                                    ‫د‬                        ‫د‬                      ‫ض‬
      ‫ع ّ حامت عقب السيجارة، ش ّ قبضته ليكتم انفعاله، ش ّ عضالت وجهه ليكتم رغبة يف البكاء، ق ّط هبجته على‬
                                                                 ‫ب‬             ‫ه‬
         ‫مراحل، ستر غبطته بطالء حزن، تش ّى كرباجاً يتطّر به، صفن وعيناه املليئتان باللهيب تتنافران مع برودة فمه‬
                      ‫ل‬
‫وتنسجمان مع ثورته الداخلية .... سقطت أوروك منيعة األسوار، هتاوى الصنم ومعه أصنامه ك ّها، لو أهنم عقدوا صفقة‬
                                                             ‫ب‬
  ‫معه على أن ينهشوا ثالثة أرباع العراق مقابل أن يترّع على الربع الرابع لقال "نعم"، لو أهنم فاوضوه على أن يشفطوا‬
             ‫م‬                                                                    ‫ب‬              ‫ل‬
  ‫نفط العراق ك ّه مقابل أن يترّع على مجاجم العراقيني كلها ملا قال "ال"، لكنهم قايضوه على الكرسي بر ّتها، الكرسي‬
             ‫ّ‬                                                             ‫ك‬
   ‫ذاهتا اليت ال وجود له من دوهنا، اهنزم من ّساً عقاله تاركاً اجلماهري الضرورة اليت ال وجود هلا من دونه، فر إىل سوريا‬
                                                       ‫ومنها إىل روسيا، رمبا أصبح الجئاً يف "ستنكنافيا" اليت هو قاصدها ...‬
                        ‫ل‬                                                   ‫ل‬
    ‫من جهته ازدرد حوذ لعابه ظ ّ على اقتناع أن يف األمر خدعة حرب الستدراج العدو، ق ّب بني اإلذاعات فخرجت‬
                            ‫س‬                                ‫ب‬             ‫ج‬
     ‫وشوشة وأهازيج موريتانية ورطانة ُلف وبنبارا، ثّت اإلبرة على إذاعة اجلماهريية ف ُمع نواح جوليا بطرس "وين‬
                                ‫د‬                                                ‫ل‬
 ‫املاليني". استحلب حامت لعابه ك ّه وبصق على وجه الرمال واملاليني، ارتاب حوذ من ر ّ فعله ورله يبتسم كما لو أهنا مل‬
                                               ‫و‬
‫تسقط أو كأن سقوطها ال يعنيه أو ال يعين أحداً سواه، انتبه إىل خل ّ جبينه من زبيبة الصالة، مل يفهم كيف يقيس للجهاد‬
                                   ‫1‬
                                                             ‫ْ‬
                                       ‫وال يصلي، التفت إليه بريب: "ياك ! ظاهرلِ عنك مانَك زعفان اعل مصيبت بلدك!‬
                                                                                                                   ‫ل‬
                                                                                   ‫"إي، لنا ك ّش فرحان، هاليوم أحلى يوم حبيايت.‬
                         ‫م‬                                                          ‫ر‬             ‫ك‬
 ‫أرخى حوذ ف ّه السفلية، م ّر عتلة السرعة من اخلامس إىل الرابع مث الثالث ومتتم: "يستر ُالنه ! والهي مانك عراقي،‬
                                                                                                       ‫ي‬
                                                                                                     ‫والهي إال شيع رفضي شني النّة!‬
   ‫"لنا عراقي رافضي إثنا عشري شيعي طبطبائي، من منتظري اإلمام املهدي من الناصرية الشجرة اخلبيثة من بين ركاب‬
                                                           ‫ل‬                                    ‫ْ‬
                           ‫من املنْتَفِك ،شروكي معيدي كردي فيلي، املاعجبه خ ّ يشرب البحر لو يدق راسَه باحليط.‬
                      ‫ب‬                                                           ‫جم‬
   ‫أشعل سيجارة أخرى ّها بعصبية وانتشاء، وحدج السائقَ بصلف : "موت بغيظك إنت واليحّونه، عرجبة خرنكعية،‬
                                                                                                                              ‫ظاهرة صوتية‬




                      ‫1 ياك تعجبية يبدو يل عنك انك لست حزينا على مصيبة بلدك / كلش = جدا /كان االنكليز قد اطلقوا على الناصرية لقب الشجرة اخلبيثة /‬
                                                                                                                                               ‫77‬



                                                  ‫ر‬                                                            ‫ر‬
         ‫م ّر حوذ عتلة التغيري إىل النقطة امليتة، فرمل دون أن يوقف احمل ّك، بدا عليه إحساس الغنب وهو يشبك ذراعَيه:‬
              ‫ظ‬                          ‫ظ‬                             ‫َي عد ن ْ‬
    ‫"حشيتهالِ حمروق بَّكْ، َّلت أّك مسلم جماهد وخلصت لِ قليل فَ ّ، ظرك املوجب عليك ختلص فَ ّ كامل حبال‬
                                               ‫1‬
                                                   ‫ِّ‬          ‫ل‬
                                                   ‫توريست أنصارى، أيْوَ، زيدْنِ عشرين عشرة ضوالر خلرى وَ ّ نرجعك تاودن‬
                 ‫ر‬                   ‫ب‬
              ‫" سوق أبو امللح سوق، دوس دغري، منرود طمعكارى مصالوي دليمي، فعالً الداّة إذا زاد علفها مت ّدت.‬
                                          ‫د‬                       ‫ْ‬         ‫ْ ْأ‬
                                       ‫"إنت مانك قايس للجهاد، لن مان امْسَلكَك ُالنِ حارَك من هون، وحييا البطل ص ّام.‬
                                                                                      ‫د‬
‫"انعل أبوك إنت وه ّام، هذا مو بطل هذا محار البس فروة سبع . عجب وينه قائد املغوار جنرال عيدي أمني، هرب ألف‬
                                                                          ‫لعنة على روحه، اهنزم مثل واوي القصب واهنزمت علوجه‬
                                                                   ‫ر د‬                            ‫د‬           ‫ْ‬
                                    ‫"احكَم فمك، ص ّام راجَل، أرجاله ما يتحك ُ، ص ّام فارس فحل فزمن ناثي. بطل خارق‬
   ‫" إذا كان خارق فكل من يصدقه يكون أخرق ، شاطر بس يتمرجل عَ العراقيني... سوق ولك أبو شنقيط، لو أقلب‬
                                                                                                                              ‫الدنيا عَ راسك‬
       ‫ل‬
 ‫أقلعت التويوتا بعصبية وارتفع ثغاء العنزة السوداء حاداً زاعقاً مثرياً (قضمت ألواح امللح وأصاهبا العطش)، ظ ّت تنطح‬
                                                                                               ‫ن‬
  ‫الزجاج بقرَيها فشتمها حوذ، وفهم حامت أنه املقصود بالشتائم فنظر إىل اجلهة األخرى. احندرت الشمس وبدت قرصاً‬
                                                                                   ‫و‬
 ‫أمحرَ ضربه الزجنار، وتل ّن الشفق بلون الدم، ظهرت جنمة املغرب، عوت الريح مثل كلبة فقدت جراءها، مث بغتة ارتفع‬
                  ‫د‬
    ‫صوت املذيع اللييب يف نربة حرجبية: "العراق ينتفض والنار تشتعل حتت أقدام الغزاة، العراقيون يتص ّون هلم بعمليات‬
                                                                                         ‫ع‬
  ‫استشهادية، تراج ُ اجليش العراقي كان تكتيكياً يف انسحاب مطاطي كارتداد الكبش لتمتني النطحة، الرئيس مل يهرب‬
                                                                                          ‫ر‬
                                                                                        ‫إىل سوريا، لكنه يقود املقاومة من مكان س ّي.‬
          ‫د‬                                  ‫ْ ل‬              ‫ْ‬      ‫م‬                  ‫د‬                 ‫ج‬
    ‫تب ّح حوذ: "قلناها ص ّام راجل ما ينهزم، ُولَ عِس والكرامة تِبقا ُ ( رفع قبضته صوته) أصدم أصدم يا ص ّام " .‬
                                                      ‫س‬
         ‫ضمرت وجنتا العراقي، اندس الواقع يف اخليال، وحصل التج ّد يف كيمياء املخ الرهيبة، حوذ الرقييب = الرجل‬
   ‫د‬                                 ‫ف‬
 ‫الضرورة، حوذ الضرورة... أي رجل هذا الرجل ! له مقدرة اجلن على التخ ّي والظهور، ماهيته واحدة ووجوهه ع ّة،‬
         ‫ل‬                                     ‫ي‬               ‫ث‬                   ‫َ‬                    ‫و‬
     ‫يتص ّر يف جدارية ضخمة، يتبرْوز يف أيقونة، يتمّل يف متثال نصف ّ من املرمر اخلالص، أو ينتصب يف نصب ك ّي من‬
                         ‫ص‬
 ‫رخام كاريرا، ينفسخ يف هيئة عنزة سوداء، أو ينتسخ يف شكل تاجر ملح صحراوي، كم ّاص الدماء يظهر حتت عباءة‬
   ‫الظلمة، كالضبع يبول على طريدته ويضبعها، كاملاء يأخذ شكل الوعاء الذي يوجد فيه، كاهلواء ال طعم وال لون وال‬
                                                                                 ‫ر‬
  ‫رائحة، لكنه موجود يف كل ذ ّة من الوجود، سقطت بغداد وأصنامه ومل يسقط هو، هزم اهلزمية ومل ينهزم، واألكيد أنه‬
              ‫ر‬                  ‫ك‬       ‫و‬                ‫ز‬                                        ‫ر‬
     ‫يقود املقاومة الس ّية من تنزروفت، خلع البرييه اخلضراء والب ّة القتالية املم ّهة وتن ّر بالتملغوشت والد ّاعة، أقفل‬
      ‫ص‬                                    ‫غي‬                                        ‫ر‬      ‫و‬
 ‫اهلاتف اجل ّال وس ّح مرافقيه، أرخى حليته ولبس نظارة سوداء، َّر تسرحية شعره وعطره وعمل ريلوكنغ، ق ّر كعب‬


   ‫1 خدعتنيي حمروق أباك وتظاهرت انك جماهد ودفعت يل ماال قليال واآلن وقد انكشف خداعك فعليك ان تدفع ماال كبقية نصارى الكفار وتزيدين 227 دوالر اخرى او‬
                                                                        ‫ارجعك إىل تاودين / مول عس = صاحب عز / فحل فزمن ناثي = رجل يف زمن نساء‬
                                                                                                                                    ‫87‬



                           ‫ت‬         ‫ن‬                                                         ‫و‬
       ‫حذائه، لكنه رغم تل ّنه احلربائي يعرفه باحلدس والوجد، ومن السيجار الكويب والعيَني الزبيبَني، يعرفه ألنه والده‬
                            ‫ل‬                                                                          ‫ر‬
‫الس ّي، تفاصيل وجهه انطبعت يف خياله كأيقونة مقدسة، ال سبيل لإلفالت من قبضته، ك ّما ابتعد عنه يقترب منه، جييد‬
                                                               ‫د‬                                        ‫ر ر‬
‫الك ّ والف ّ واملباغتة ودفع اخلصوم إىل الزوايا احلا ّة، هاهو جالس بقربه متقمصاً بدن حوذ، فاألمريكان مل يقضوا عليه بل‬
                                               ‫ر‬
        ‫تركوا له شرف إمتام هذه املهمة اخلالصية، خالص العراق من ش ّه وختليص نفسه من مطاردته، وقد أزفت ساعة‬
     ‫احلساب ووقع الصياد بيد األرنب، اإلنتقام عمل محيمي وينبغي أن يكون حمصوراً بني أربع أعني، الليل ذئب رمادي‬
                                             ‫ت‬         ‫ن‬                                     ‫ر‬
                                       ‫يغري باالفتراس، سيقتله م ّة واحدة وهنائية وإىل األبد ويفقأ العيَني الزبيبَني....‬
                                                                                              ‫ل‬              ‫ب‬
                         ‫ه ّ بالسائق: "دق ّي إنت منو يا ابن الضايع، إبن إنس لو إبن جان لو طفل أنبوبة! شتريد مين؟‬
‫ر‬       ‫و‬                    ‫ي‬                                               ‫ش‬                     ‫خيص ْ‬
‫"اهلل ال ِّر لك عقل، لنَ حوذ، أ ُّفريْ، تاجر مللح. أجاب الرقييب املذهول وأوقف السّارة وغادرها وهو يتع ّذ من ش ّ‬
                                                                    ‫ر‬                                          ‫ف‬
   ‫الن ّاثات يف العقد، مث فوجئ بالعراقي قبالته حي ّك خوامته السبع واألصابع األربع باليد الواحدة، رأى فيه عالمات اجلن‬
                                                     ‫مي‬
         ‫"أملستترين" حاول ان يهرب مث مجد مكانه مضبوعا بصوته :" ّك أبو امللح، أوقف مبكانك لو أقلبك متثال ملح.‬
                                                                                                         ‫ك‬
 ‫اصط ّت ساقا السائق وحنكاه: "حسيب اهلل، أنا ال أقول إال حسيب اهلل، أنا حوذ بن املختار بن اعلي بن حممد شني، مول‬
                                                                                   ‫1‬
                                                                                                 ‫ْ‬      ‫ل‬        ‫َت ش‬
                                                                                       ‫الو َّ، أ ّوفري أ ِّ مسلكَك شور رقان.‬
    ‫ص‬                                   ‫ب‬         ‫بب ل‬                                   ‫ف‬
  ‫"لع، أنت قاتل جمرم س ّاح، أنت صانع أحزان العراقيني .... إَّاَك يوم الذّيتين عَ خط النار سبع سنني، يوم الق ّيت‬
                                                                                       ‫ف‬
                                ‫النخيل وأحرقت الدجيل، ج ّفت األهوار، أنفلت الكراد، أين هترب يا ظامل من املظامل ؟‬
                     ‫ف‬
 ‫برز للرقييب بغيظ يشارف رغبة قتل، الذراعان مشدودتان كالوتر، العروق نافرة والعضالت متح ّزة، البشرة كامدة وال‬
  ‫غضون على اجلبني، الوجه بارد خالٍ إال من معىن اإلسراف يف القصاص، على الفم الكايب ابتسامة غري مفهومة. طقطق‬
              ‫ّ‬                                      ‫م‬                          ‫ض‬       ‫ط‬
      ‫عظام رقبته وأصابعه مت ّى وانق ّ عليه، على خناقه، كتلةً ص ّاء من العضالت واحلقد اخلام، وتغلغل الغل من قلبه‬
                                               ‫ر‬                                                              ‫ل‬
  ‫متس ّالً إىل ساعدَيه، إىل مفاصل أصابعه، إىل أظافره، مل يرمش ومل حي ّك أهدابه، يداه وحدمها ارتعشتا ومها تطبقان على‬
                                                                    ‫ق‬
  ‫األوردة موصلة األوكسجني إىل القلب، وشعر بف ّاعات هواء ختتنق يف البلعوم احملاصر مث هبمدة البدن وارختائه، فأرخاه‬
                   ‫ص‬          ‫ذ‬
   ‫جسداً بال روح، أشعل سيجارة بالمباالة صقيعية وقعد يستمرئ العمل السمفوين بل ّة موتور ح ّل ثأره ... عشرون‬
                                                                          ‫ي‬                ‫ر‬
 ‫عاماً وهو جيت ّ هذه اللحظة ويتحّنها، قضى على األسطورة خبنقة صاعقة وجيزة، إعدام عاجل يف بيمول هادئ، كان قد‬
                       ‫ك‬                                                                               ‫ر‬
   ‫خنقه بضع م ّات يف خياله لكنه اآلن خنقه فعالً، هذا ال يكفي، له معه ثارات قدمية ينبغي أن يفت ّها، الثأر وجبة باردة‬
    ‫ُؤ َل على دفعات، شعرية مق ّسة وال معىن هلا من دون طقوسية، والتاريخ يشهد، عندما اندلعت ثورة اجلزائر انق ّ‬
    ‫ض‬                                                                            ‫د‬                      ‫تك‬
                                                    ‫ط‬                    ‫م‬
        ‫فالح من األهايل بفأسه على حافلة مع ّرين فرنسيني وشرع حي ّمها بضربات حاقدة حتت أنظار اجلزائرييني الذين‬
   ‫ل‬
   ‫أحضروا له غالون نفط ليضرم النار فيها دون إرهاق عضالته، لكن الفالح احلصيف كان أوعى منهم بالتاريخ ، فظ ّ‬



                                                        ‫1 انا حوذ صاحب السيارة السائق املوصلك إىل رقان/ ميك= اثبت مبكانك/ إببالك = أتذكر‬
                                                                                                                     ‫97‬



                                                                             ‫ين‬
    ‫يطرطقها بضرباته يف سعار جنو ّ، مبفعولٍ رجعيٍ يرفع عن بلده عار وشنار قرن من اإلستعمار، وهو كذلك يريد أن‬
                                                                                                                  ‫ه‬
                                                                       ‫يط ّر العراق من ثالثينعام االستبداد التكرييت...‬
                                                                                              ‫وقب‬
   ‫شهر املوسى َّل النصل، أدخل السبابة يف احللقة املعدنية وحشر إست القبضة يف راحة يده، أدخلها يف اللحم باردة‬
                                                                                                 ‫ر‬
       ‫كمبضع ج ّاح وغرزها يف حواشي القلب، أتبعها بطعنة ثانية يف يف شعاب القلب، يف قلب القلب. لغوصَ يف متنه‬
                                                                     ‫ط ت ذ‬
      ‫وحواشيه ومصمص يدَيه املل ّخَني بل ّة دراكولية..... غازي وعارف وقاسم ونوري السعيد، كلهم قضوا بالعنف‬
‫العنيف قتال واغتياال وسحال ،العنف بضاعة عراقية حبتة مكتسبة من طبيعة النهرَين الصاخبة املفاجئة، حني تتراكم الثلوج‬
                               ‫و‬                      ‫رب‬
        ‫يف جبال أرمينية جترف األمواه كل شيء يف طريقها، العنف ي ّر ذاته بذاته، بوصفه ق ّة من قوى الطبيعة كالريح‬
                                                                      ‫ر‬
‫والعواصف والفيضان، أوالية نفسية حت ّر من مشاعر الغضب واإلحباط، قالتا: ليس التعذيب ما خييفنا وال سقوط اجلسد‬
                                                       ‫ف‬
‫النهائي إمنا هي الالمباالة العمياء لعامل فاقد اإلحساس، مث ن ّذتا يف حلمه أعىت أشكال التعذيب، ترى هل كانتا تلعبان على‬
                                  ‫س‬
‫الكلمات أم على سذاجته؟ أم أهنما كانتا ببساطة تلومان العامل لفقدانه اإلحساس بال ّادية وعدم املشاركة يف اجلرمية؟ قال‬
       ‫ذ‬
      ‫غاندي: كونوا عنيفني ما دام العنف راسخاً يف قلوبكم، هذا أفضل من تغطية عجزكم بقناع الالعنف، كان يع ّب‬
                  ‫ل‬                                           ‫ذ‬               ‫ي‬
   ‫ضحاياه وهو يأكل العنب، ُذيب بتيزاب ويع ّب بدوالب ويصعق بكهرباء ويصم مبكواة، مث يتس ّى بإطالق الكالب‬
         ‫و‬                  ‫د‬               ‫املعذ‬   ‫املعذ‬
 ‫الشرسة، العنف جرثومة تنتقل بالوراثة أو بالعدوى من ِّب إىل َّب، طاقة ال تتب ّد وال تفىن بل تتح ّل من شكل‬
                                                                                            ‫يك‬
 ‫إىل لخر، سوف ُن ّل بال تورية وال كناية وحيترم ميثاق جنيف بقدر ما يستجيب اللحم إىل النصل، مثة أساليب لإلنتقام‬
                                                                          ‫البارد البسيكوبايت ينبغي تطبيقها حبذافريها...‬
                                                                                            ‫د‬
  ‫رفع املوسى، س ّد سبع طعنات طائشة وعشوائية يف املعدة والرقبة والعنق والنحر والقفص الصدري. يف نوبة وجدٍ بقر‬
     ‫البطن وأخرج املصارين والكبد، غرز املطوى حيثما اتفق، يف الرأس بعظم اجلمجمة واليافوخ، يف القحف وأعصاب‬
                                                                                                        ‫ز‬
‫الدماغ، ج ّ ناصيته، فقأ الزبيبتَني، قطع لسانه على حنو احتفايل أمسكه بيده ...هذه هي اجلمرة اخلبيثة اليت كان هبا يلوك‬
                           ‫ي‬                                                                           ‫ل‬
             ‫خطباً طويلة مم ّة وتفاهات فارغة وعلى الوزراء أن يسمعوا بانتباه، أال ينظروا إىل ساعاهتم املزّنة بأيقونته...‬
                                                                             ‫ُ‬                      ‫ُ‬
‫صفعه، رفسَه بِرجله، برجلَيه، لكمَه بقبضته، بقبضتَيه، أفرغ جركن املاء نكايةً بعطشه، وضع خرقة محراء على رأسه، بال‬
                  ‫فك‬                                                    ‫ث‬              ‫ي‬
      ‫عليه، قفز إىل املستودع لُسكِت العنزة الّاغية، اهنال عليها بضربات جمنونة لكنها ما فتئت تثغي، َّها فتوارت يف‬
                                                        ‫ي‬                                     ‫ل‬
    ‫الظلمة وظ ّت تثغي...يف موقف مثل هذا املوقف، يف سّارة مثل هذه التويوتا، يف صحراء مثل هذه الصحراء، كانت‬
          ‫ي‬
  ‫موسيقى كالسيكية تصدح بدل العنزة السوداء وتعلن حلظة اجلنون، مثة إذاً عالقة تفاعلية بني مازوخية الضحّة وسادية‬
     ‫ت‬                 ‫ف‬                ‫ف‬                                                                         ‫ل‬
  ‫اجل ّاد، بني امليلوديا والتعذيب، بني طبول عاشوراء والثغاء الرهيب، بني هتلر ون ّاخ النار، بني ن ّاخ النار والفرنسيّني،‬
      ‫ي‬                                                                                          ‫ت‬
  ‫بني الفرنسيَني وبينه، بينه وبني "الرجل الضرورة"، حلقات متشابكة يف سلسلة واحدة، الذات البشرية يف ازدواجّتها،‬
                                                     ‫س‬                ‫س‬                 ‫ي‬           ‫س‬
   ‫(الكائن ال ّوي) جيب أن ُحفظ دائما بني قو َني، فال معىن لل ّوية، بيضة الثعبان ناعمة امللمس لكن يف داخلها خيتبئ‬
‫السم، فحني تعرف عليهما بدتا كزهرة البنفسج ومرمي اجملدلية لكنهما يف حلظة اإلحتدام انقلبتا إىل لبوتني شرستني، وقالتا‬
                                                                                                                    ‫08‬



                        ‫ل‬     ‫يعذ‬
      ‫: الفظاظة هي اإلحساس األول الذي تطبعه الطبيعة فينا وما عليك إال أن ترى كيف ِّب طف ٌ لعبته، الفارق بني‬
              ‫ل‬
  ‫الطبيعي والعصايب هو بالدرجة ال بالنوع، التعذيب يف سياقه السادو مازوخي هو منطق احلواس،عبقرية خ ّاقة . كان ذا‬
‫ذكورة طافحة، له أطول "عري" يف العامل، يفعل الفاحشة العظمى خبصومه، من يفتح فمه ينيك أخته وشرفه وقبيلته، وكان‬
        ‫ص‬                         ‫ل‬                       ‫ف‬                          ‫ف‬                      ‫ق‬
‫ميتاز حب ّ الليلة األوىل، ال تز ّ بنت إىل عريسها قبل أن تز ّ إليه، يف الدار كان مع ّقاً يف خمدع والدَيه، يتل ّص عليهما‬
        ‫د‬                 ‫ت‬                   ‫م‬                    ‫ر‬
 ‫من األيقونة، وهببوط العتمة يهبط من الربواز، يكس ُ عنيَ أبيه ويضاجع أ ّه يف عالقة لمثة مثرُها هو نفسه، ال ب ّ إذن من‬
                                                                         ‫جرمية عاطفية واسعة ،أوديبية، الحمدودة ....‬
                                                  ‫ت‬                     ‫ص‬                  ‫و‬       ‫ث‬     ‫ر‬
    ‫ع ّى اجلّة املش ّهة وكشف عورهتا، ق ّ القضيب واستأصل اخلصيَني، باعد بني ساقَيه، التحم به من اخللف يف نوبة‬
                                                ‫ذ‬                             ‫ذ‬
     ‫هوس نيكروفيلي، تالشى االنتقام يف الل ّة، شخر منتعظاً ومنتشياً بالل ّة املنحرفة.... بشاعة، انتعاش، تبادل أدوار ،‬
      ‫أسياد وعبيد، عبيد وأسياد وتنويع على سدوم وعمورة، املقطع الثالث من "تريستان وأزوالت"، احلب اإلنصهاري‬
   ‫املستحيل، لكل لعبة قواعد يقال هلا "قواعد اللعبة" ، هكذا وهكذا فقط يعاجل الصدمة بصدمة أعىت، العبث والوحشية‬
                                                      ‫ففر‬
  ‫واإلسراف، أراد أن يبذر بذرة اجلنون يف وعيه َّخت يف جسده، وال مندوحة عن اكسسوار طقوسي للمقتلة ،عنف‬
                                                                                                    ‫رمزي عراقي.....‬
    ‫ق‬                                                  ‫و ر‬             ‫ي‬               ‫ل‬          ‫د‬          ‫ث‬
    ‫ربط اجلّة حببل، ش ّه إىل الك ّابة اخللفية للسّارة، د ّر احمل ّك، وأقلع مثرياً زوبعة غبار، سحله سحالً، ودخل يف ر ّ‬
                                                                            ‫ض‬
‫مكسو حبجارة بركانية حادة واخن ّت التويوتا وتباطأت مث رقدت يف مكاهنا، انفختت الدواليب األربعة، وسار ببطء على‬
       ‫ر‬                                  ‫ث‬                                     ‫ي‬
     ‫احلتار احلديدي فدارت السّارة حول نفسها مث راوحت مكاهنا ومهدت جّة حديدية خامدة. خرس املذياع واحمل ّك،‬
            ‫ث‬                                                        ‫ز‬                                   ‫ل‬
  ‫ظ ّت العنزة العطشى واملكلومة تثغي، تق ّز منها وحلق مصدر الصوت، متاهى سوادها مع العتمة، ورأى اجلّة حتملق به‬
                    ‫ل‬                ‫ط‬                                                            ‫غ‬
 ‫من احملجرَين الفار َني، قلبها على بطنها، رلها حتملق به من عينَيها اخللفيتَني، غ ّاها بلوح ملح، ظ ّت العينان "تباوعان"‬
                                                                                                    ‫الر‬
 ‫به من ِّجلني، أهال عليها ألواح امللح. بقيت اليد ممدودة، انقدحت يف ذهنه فكرة نارية وهو يرى جراكن الوقود.....‬
                                                                     ‫ف‬
    ‫قالتا: يوجد شيء من كارل ماركس يف ن ّاخ النار، وشيء من شوبنهاور وشتوكهاوزن ودراكوال وهتلر وأتيال، ومثة‬
          ‫م‬                    ‫ح‬                                                           ‫ف‬
‫كذلك نار يف ن ّاخ النار. من أجل تلطيف نقمة اإلله زيوس كان كهنة اإلغريق يض ّون بكبش حمرقة على ق ّة أوليمبوس‬
                                                        ‫ي‬
 ‫وهذا أوان الغضب الساطع، قفلة الكونشريتو، التنكيل ال ُجدي وال السحل وال اخلنق حني ال ينفع إال احلرق بالنار...‬
             ‫ل‬                                                                    ‫ث‬
     ‫أزاح ألواح امللح عن اجلّة، أفرغ جركن الديزل عليها، رمى عود كربيت، علت ألسنة اللهب، قرفص يتم ّى املنظر‬
            ‫ل‬
   ‫الرهيب، اجللد والوبر واللحم املشوي. سحب سيجارة وأشعلها من اجلمجمة املتقدة بنشوة "بريومان" خمت ّ، نظر إىل‬
                                                         ‫كو‬                 ‫ر‬                    ‫ي‬
     ‫السّارة الرابضة كنصب مك ّس للهباء والسدى، َّم أكياس الكدي واأللثمة والدخن يف مستودعها أفرغ جراكن‬
                                ‫ز‬
     ‫الوقود املتبقية يف كابينة القيادة، رمى عليها خرقة ملتهبة فأشرقت مشس أخرى يف ع ّ الليل، وتطاولت ألسنة اللهب‬
            ‫ف‬       ‫و‬                                              ‫د‬
 ‫صفراء مث حناسية محراء، نار جموسية مق ّسة، حمرقة هولوكست، وأخذ يركض كمعتوه، ويضحك بق ّة التش ّي، مث فجأةً‬
                                                                        ‫ك‬
 ‫عبس كأنه كائن لخر، صحا كما يفيق س ّري من سكره، نظر إىل ما اقترفت يده، باستنكار، بإنكار ... ال يعقل أنه فعل‬
                                                                                                                  ‫18‬



                                              ‫س‬
  ‫هذا، إنه على احلياد بني األخالق والطبيعة، بني نيتشه ورو ّو، إنه مسامل بريء، إنه شخص من شخوص مسرح خيال‬
                                                                                             ‫ر‬          ‫ل‬
‫الظ ّ اليت تتح ّك مبقتضى رغبات املخاتل املختبئ وراء الستارة، األيقونة هي السبب، حني سأل الضابط النازي بيكاسو:‬
                                                            ‫"أنت هو من رسم لوحة غورنيكا"؟ أجاب: "بل أنتم" ...‬
                                                                                  ‫ر‬
 ‫رأى نفسه وحيداً كسندباد ب ّي، يف منزلة بَيْنَ بني "تامهشتكان". يف مكان ليس ككل األمكنة، يف زمان كآخر الزمان،‬
              ‫ه‬                        ‫د‬                       ‫ج‬                                                ‫س‬
   ‫حت ّس البازبند، متتم باجلنجلوتية واآليات السبع املن ّيات، استدار، تراجع، تق ّم، أحجم، تباطأ، دار متج ّماً، مثقالً‬
                                                   ‫ل‬
‫بأحاسيس الفاجعة، يعلوه نوع من الصمت األبله مثل حلزون ض ّ طريقه، كيفما حترك جيد نفسه أمام املصري القبيح ذاته‬
                       ‫ي‬
      ‫... املوت، املوت هو املنتصر الوحيد، لكنه لن يسحق رأسه بألواح امللح ليختصر النزع، ولن ُلقي نفسه يف النار‬
                             ‫ف‬      ‫د‬
          ‫املشتعلة ألن عليه أن يبقى حياً لفترة أطول قليالً، فلحياته معىن لخر، شعرية مق ّسة يك ّر هبا عن خطاياه....‬
                                            ‫و‬                                        ‫ل‬                     ‫ط‬
  ‫ل ّخ بالرماد جبينه واست ّ جنزيراً حديدياً، دار حول النار وهو يتس ّط يف لطمية كربالئية مفجعة "حيدر حيدر حيدر،‬
                                                            ‫ج‬
  ‫واحسيناه، كل أرض كربالء وكل يوم عاشوراء، ع ّل يا صاحب الزمان، إمامي يا سفينة النجاة، أدركين يا ابن بنت‬
                                                                   ‫رسول اهلل، موالي يا باب احلوائج، حيدر حيدر .‬
                                          ‫امحر‬                     ‫و‬       ‫ج‬
‫واهنال بضربة على جبينه فش ّه ، تل ّى كدرويش يفتل يف حضرة، َّ الشفق أمطرت السماء دماً، ازدحم الليل بصور‬
                             ‫ش‬                                                     ‫ا‬
 ‫غريبة، ثور يسفد محارً، خروف بأربعة قرون يضاجع امرأة بلحية، هياكل عظمية مو ّحة بأنواط الشجاعة، رأى صوراً‬
                               ‫ر‬                                            ‫ر‬                                ‫و‬
‫مش ّشة من أشالء الطفولة الفرات والغ ّاف واألهوار، صرائفاً ومشاحيفاً وأبالماً ، م ّ العمر وامضاً كعمر يراعة تلد يف‬
   ‫ل‬                ‫ل‬              ‫ح‬                                                     ‫ي‬
  ‫صبح يوم ومتوت يف عشّته، دارت الدائرة، التقت نقطة النهاية مع البداية، وتو ّد الواحد بالك ّ، والشمس يف الظ ّ،‬
                                                                 ‫س‬                                     ‫ب‬
  ‫وحّة الرمل يف الصحراء، ورأى سبع مقاصل و َربروس يقترب وشدقاه الرهيبان ينفتحان.... تعال أيها املوت، يا إله‬
                                                    ‫ل‬
   ‫احلقد، بإمكانك اآلن أن تقبض روح عبدك العراقي، خذه ك ّه إىل طرفك بعد انتصاره على حقده، ارفعه إىل مسواتك‬
                                                                                                ‫ر‬
                                                                  ‫اخلالية من الش ّ واحلرب والصدمات واأليقونة....‬
                                                                                  ‫ف‬
                                                 ‫هوى على رأسه بضربة قاضية، ول ّته عتمة هائلة، ومل يعد يرى شيئاً.‬
                                                                                                                  ‫28‬




                                                   ‫نوبة عصبية‬


                                                        ‫ت‬               ‫ر‬          ‫مل‬
    ‫املماحل مكان مرعب، عا ٌ لخر حمصو ٌ قائم بذاته، اسُثمرت عام 2851 بعدما نضبت اآلبار يف مناجم تغازة، كانت‬
                                       ‫ق‬
  ‫سبب احلرب بني السلطان املغريب أمحد املنصور واألسقيا داود، وهي تعتمد يف ُوهتا على ما حتمله هلا قوافل أظالي. يف‬
                                                                                      ‫م‬
     ‫العام 0191 مات مجيع ع ّاهلا جوعاً ألن الرقيبات سلبوا هذه القوافل. وباإلضافة إىل كوهنا مناجم ملح فهي منفى‬
‫صحراوي حيتوي على الزنزانة الرهيبة اليت كان موسى تراوري يسجن فيها معارضيه. امللح هنا هو الذهب األبيض، ليس‬
                                                                                                   ‫د‬
      ‫ما ّة أو سلعة للطعام فحسب، بل وسيلة مقايضة وعملة صعبة. كان الطاهر قد اشترى 61 عديلة من ملح القمرة‬
                         ‫م‬                                               ‫م‬                             ‫س‬
 ‫وو ّق كل أربع عدايل على مجل وانض ّ إىل قافلة أظالي متبكتو، وتركهما يف عهدة ابن ع ّه سيدللي الذي أسكنهما يف‬
  ‫كوخ جماور لكوخه. استفاد من عضالت املصري م ِّراً إياه يف احلفرة، يعّئ الق ّة بشوائب امللح، س ّر عصري بل ّ‬
  ‫م‬          ‫خ‬                  ‫ب ف‬                           ‫سخ‬
                                                                ‫ي م‬
   ‫البعر، تداولت األيام وانقطعت أخبار حوذ فتطّر ع ّال املناجم من الغريبَني الباقيني كأهنما طاعون أو جذام، اجتمعت‬
           ‫م‬                                                                ‫ر‬
   ‫اجلمعة برئاسة الشيخ البكاي وق ّ القرار على وجوب أن يرحال مع أول قافلة أظالي تصل تادوين، وال يه ّ إن كانت‬
 ‫متجهة إىل كيدال أو كاو أو متبكتو. استنفدا مواردمها يف الشهر األول فباع عصري لسيدللي سلسال الذهب واشترى‬
                   ‫ل‬                                     ‫ي‬      ‫ي‬     ‫ي‬                            ‫خ‬
    ‫بثمنه الد ّان والدخن (يف تاودين كل شيء ُباع وُشترى وُبادل)، يف الشهر الثاين باعه خوامته ك ّها. طالت احلبسة‬
                                                                  ‫ق خ‬
‫ثالثة أشهر يف سخرة األشغال الشا ّة، تب ّر حلم أوروبا، تدهورت معنويات سرحان، تراجعت محاسته للحياة، بدأ يقطع‬
                                                                       ‫عالقاته مع السطح لينفتح على القاع والكآبة.‬
                                                      ‫***‬
‫وصلت الشمس إىل السمت، سكتت املطارق يف حفر امللح، ولوى كل عامل إىل كوخه للراحة والغذاء. اهنمك عصري‬
        ‫ً‬                                             ‫و‬     ‫د‬                       ‫د‬
   ‫بإشعال النار يف اجملمر، ومت ّد سرحان على كرتونته، ح ّق مط ّالً يف شكله املعكوس يف املرلة الصدئة فرأى شيئا أشبه‬
                                                             ‫ت‬       ‫ن‬                             ‫ن‬
‫مبومياء حمّطة، وجهاً شاحباً ملتحياً، وعيَني خاليَني من ألق احلياة. تثاءب وتراخى كمن لسعته ذبابة تسي تسي، توجهت‬
                                   ‫ق‬                                             ‫ي‬
    ‫عيناه حنو اجلدار امللح ّ، بصبص على ملصق مارلني مونرو (كان عصري قد عل ّه يف الكوخ بعدما عرف أن اإلقامة‬
                              ‫س‬                                         ‫ن‬         ‫ي‬                ‫ي‬
   ‫ستطول)، ختّل التضاريس املخفّة حتت التّورة املتطايرة، حلس شفته العليا بلسانه، د ّ يده ليتعامل مع "قضية العرب‬
           ‫ق‬                                                                                   ‫ر‬
 ‫املركزية" فلم تتح ّك شهوته كالعادة. أوهم نفسه بأنه برود جنسي عابر ينتفي بانتفاء أسبابه، ملح ذبابة تتن ّل بسأم على‬
                                                     ‫ت‬         ‫ق‬       ‫ل‬
  ‫جسد املمثلة الشقراء، تابعها بعينَيه وهي تتس ّق السا َني العاريَني وحتشر نفسها بني الفخذَين مث بني النهدَين، وحسدها‬
          ‫ط‬                                                                                    ‫ح‬
     ‫ألن هلا جنا َني تطري هبما إىل حيث تشاء من دون االرتباط مبكان أو بأحزان. طارت الذبابة عن امللصق ح ّت على‬
                          ‫م‬             ‫ط‬                                        ‫خد‬
    ‫وجهه فتركها تنثر على َّيه عسل مارلني، مث خطر له أهنا قد تكون ح ّت على خراء ع ّال املناجم فصفعها وصفع‬
    ‫ر‬                                                ‫ر‬
  ‫وجهه. انقلبت الذبابة على ظهرها، جاءت منلة وحاولت ج ّها، جاءت منلة ثانية فثالثة وتعاونت على سحبها فح ّكت‬
                                                                                                                                 ‫38‬



                                                     ‫مخ‬                                       ‫ت‬
     ‫أرجلها الس ّ وقاومت. أشفق عليها وعزم على إنقاذها مث ّن أهنا إن مل متت ضحية للنمل فسوف يقتلها اجلوع أو‬
‫العطش أو عبث االنتظار. تركها إىل مصريها وتابع اجلنازة املرعبة، متاهى مع احلشرة الكريهة ورأى هنايته يف هنايتها، حني‬
‫ك‬                                  ‫ر ف‬                                           ‫س‬
‫أدخلها النمل يف اجلحر املعتم أح ّ أنه يقع يف شيء مظلم، واستوىل عليه شعو ٌ جار ٌ باألمل واليباس وأمل اليباس وإدرا ٌ‬
                  ‫ي‬
          ‫فجائي وعميق بأنه حمصور وحماصر يف غوالغ صحراوي، خارج التاريخ وخارج اجلغرافيا وخارج احلّز الزمين‬
      ‫ل‬                                                                                    ‫ي‬
     ‫،وارتسمت على حمّاه صفنة مث عبسة فغضبة تشبه النشيج، تكاثفت سويداء القلب يف أفكار سوداوية... العامل ك ّه‬
                                                              ‫و‬
        ‫صحراء، صحراء تيه، العامل ليس مجيالً دوماً كما تص ّره بطاقات املعايدة، وال هو منظر من الرسم الصيين العامر‬
                                                         ‫ر ف‬
   ‫باالنسجام، العامل خزق صغري معتم، خازوق، قف ٌ جي ّف إنسانية اإلنسان، وتادوين صورة طبق األصل عن قبح الكون‬
‫وغدر الزمان، ال شجرة وال طري ال شيء سوى امللح وهليب النهار وصقيع الليل واليأس العميق وامللح وتراكم اخليبات،‬
                                   ‫م‬
  ‫و العدمية النيهيلستية، هذه الذبابة والنمالت واإلسهال واإلمساك والرجفة واحل ّى والقروح، مثة غلطة يف وجوده، مثة‬
                    ‫ف‬                             ‫ح‬        ‫ل و‬
      ‫أغالط كثرية، وجوده نفسه غلطة. إنه ليس النسر احمل ّق بق ّة اجلنا َني لكنه الريشة تطري ألهنا أخ ّ من اهلواء ...‬
                        ‫ب‬
   ‫أطفأ عقب السيجارة، حشاه يف خزق باجلدار ، وسأل صاحبه: "معاكشي برشامة صداع وال حّة فاليوم يا بو العم"؟‬
                                              ‫ر‬                                         ‫ف‬
                   ‫كف عصري عن هِ ّ مجرات البعر الناشف "ييه سالمتك بعيد الش ّ، هلق كنت تنط متل السعدان".‬
          ‫"أنا مريض مبرض العدمية السالبة، اكتئاب، ملنخوليا، دبرسيون، اضطرب سيكولوجي، إحباط لعني مباغت "‬
       ‫" عمري ما مسعت هبيك أمراض، تعا لك إبين إرفع لك بنات أدنيك، إعملك كاسات هوا أو شربة ملح إنكريز".‬
                                   ‫م‬                       ‫ح‬
    ‫قال سرحان بنربة مَن يعترب بالءه ميزةً على األص ّاء "بقوللك ايه ... أنا ُصاب بالروح مش باجلسد، مبرض يصيب‬
                              ‫م‬        ‫ل‬
  ‫الشعراء واصحاب املزاج احلساس املوهوبني فنياً، الصحرا القحبة دي هتط ّع دين أ ّي، كانت حلوة يف الشهر األول،‬
                                        ‫حمتملة يف الثاين، جمرمة يف الثالث، موحشة يف الرابع، جهنم لمندي يف اخلامس "‬
       ‫"إي صبور صبور، ما يف شجرة ما هزها اهلوا، الصحرا متل سجن تدمر 1أول عشر سنني صعاب بعدين بتتع ّد".‬
          ‫و‬
                                                       ‫ل‬        ‫ي‬                                   ‫ر‬
‫تناول املصري الك ّاس، فتح عشوائياً فوقع على القصيدة إّاها: "ك ّما انتحرنا وأغلقنا النافذة األخرية خلفنا مسعنا باباً ال‬
                                                             ‫ل‬                                ‫ي‬
   ‫يزال موصداً هناك ُصدر صريراً مثل مغادرة الغائب، ك ّما انتحرنا كي خنترب قدرة موتنا على تأجيلنا جند أن علينا أن‬
                                                                                 ‫نعيد كتابة حياتنا بالدم، كلما انتحرنا ....‬
                            ‫غ‬                                                     ‫ي‬                    ‫ر‬
    ‫رمى الك ّاس وذرع الكوخ امللح ّ شابكاً يدَيه خلف ظهره مسوقاً بكل العقد السلبية املن ّصة (احلياة أعطته إحساساً‬
                            ‫ي‬                                                                       ‫خ‬              ‫ز‬
   ‫مق ّماً جبسده ومض ّماً بذاته وأفكاره). اندلع يف دمه حنني الرحلة النهائية والرغبة املزمنة إّاها؛ االنتصار على احلياة،‬
  ‫ارتكاب بطولة حبجم أنانية ماياكوفسكي ومهنغواي وميشيما وخليل حاوي وجنيب سرور وتيسري سبول وكل الشعراء‬
  ‫الشجعان الذين انسحبوا من الدنيا هبدوء لفرط اإلحساس بالذات، سيقوم بالشيء نفسه النعدام اإلحساس بالذات...‬



                                                      ‫1 سجن سوري للمعتقلني السياسيني بقلب الصحراء الشامية مشهور بقسوة سجانيه ووحشيتهم‬
                                                                                                                                           ‫48‬



       ‫ر‬                                                                                        ‫ق‬
‫خطف مد ّ الدكنو واهنال على خزق النمل، على الباب واحلائط، على ملصق مارلني، أجهز على القنديل واجل ّة .ولول‬
                                                        ‫املعو‬                         ‫ن‬
                                             ‫عصري: " حبالتاي ، اجن ّ الصيب، باطل عليك، خلصنا من َّد جيت إنت"!‬
   ‫س‬                                                             ‫ي‬
   ‫شهر سرحان املوسى، جثا على ركبتَيه يف وضعّة هاراكريي، أغمض عينَيه، أرعبه منظر الدم الذي مل يسل بعد، أح ّ‬
‫ت‬                                                                        ‫ك‬      ‫جت‬         ‫جت‬
‫بأمهيته وفرادته، ار ّت يده، ار ّت الس ّني يف يده واألفكار يف رأسه.وقال لنفسه أن االنتحار بطولة جبانة، وأن سنوا ُ‬
                ‫ث‬                             ‫ث‬
‫عمره ناقصاً 33 سنة تساوي أعمار البشر مضروبة بـ66، لكن جّته إذا انتحر فستتساوى مع أي جّة، وأقنع نفسه أن‬
                                                         ‫ر‬
   ‫مثة أشياء مجيلة تُغري باحلياة: الصداقة، املغامرة، وقصائد الك ّاس (باستثناء قصيدة االنتحار) والتبغ املوريتاين والدكنو‬
                                                                                                                    ‫ق‬
                                                                                                      ‫وعصري وما تب ّى من مارلني...‬
‫رأى الغجري يقترب منه ويقول : "خ ّي الشربية 1ع جنب، حرام عليك، الروح أمانة، وين كالم احللو، مو إنت اللي‬
                                                                     ‫ل‬
                                                                                                                                ‫ج‬
                                                                                                                          ‫كنت تش ّعنا !"‬
                              ‫ّ‬                  ‫ق‬                                    ‫ب‬     ‫ك‬
‫أرخى الس ّني، خّأها عصري حتت حصرية احللفا، رمى املد ّ فوق سقف الكوخ، ورش امللح سبع مرات يف الزوايا وهو‬
                              ‫م د‬
 ‫يتمتم: "دستور من خاطرو"، بادره بنظرة مشاركة يف االنكسار، مسح لعابه بك ّه، م ّده على الكرتونة، قرأ على رأسه‬
                                    ‫ث د‬                         ‫ص‬
  ‫املعوذتَني والصمدية وسطراً من "أمل نشرح" ع ّب رأسه بشال الصوف، دّره، م ّده وجعل بطانيته وسادةً: " اسم اهلل‬
                                            ‫ل ب‬         ‫ل‬            ‫رو‬      ‫ط‬               ‫ص‬
      ‫عليك ،ح ّنتك بياسني، تس ّح نام ِّق أعصابك، خ ّيين إعمّك كّاية شاي مع يانسون ومريمية تشيل املغص".‬
                                                                             ‫ق‬                               ‫ب‬
 ‫ص ّ الغجري ماءً يف اإلبريق (مل يل ّمه بالشاي األخضر ألنه حيتفظ يف داخله بالتلقيمة املستعملة منذ الصباح) استدرك:‬
                      ‫ن‬                               ‫ك‬                                   ‫ي‬
         ‫"واهلل ضاع عل ّ الشنكاش، قال يانسون مريمية قال وس ّر ما فـي، هالصحرا بتمخول، رح جتّين أنا كمان".‬
         ‫س‬                         ‫د‬                       ‫ب‬                                 ‫خمف‬           ‫س‬
  ‫ج ّ جبينه، قال ِّفاً عنه باللهجة احلانية نفسها: "رّك محيد، عرضية عرضية، ش ّة وبتزول يا إبين، اللي و ّعها على‬
                                                                                                                    ‫د‬
                                                                                         ‫يوسف الص ّيق بقاع البري يفرجها عليك".‬
             ‫ف‬                                                               ‫ق‬                  ‫س‬
 ‫أح ّ املصري بالدفء، توّفت رجفته، دعم معنوياته بكأس شاي أخرى، ناوله عصري كيس التنت: "ن ّخ، دخن عليها‬
                                                                                                                         ‫س‬
                                                                                                      ‫تنجلي، ل ّاك صغري عَ اهلموم".‬
     ‫وشرب سرحان كلمات الغجري شرباً، رمقه بكثافة، من زاوية التقاط فريدة، حانت منه التفاتة إىل فخذَي مارلني،‬
                                                     ‫ن‬
     ‫انفلشت الشحنة اإليروتيكية وعادت الروح إىل املومياء احملّطة، اعتذر من صاحبه متحاشياً النظر إليه: "مش عارف‬
                                                                      ‫ت‬           ‫َي‬
                     ‫أقولك إيه ميعلمني: حَّك، مريسي ،كّر خريك، أنا بقيت عبء عليك، بعت كل دهباتك علشاين".‬
‫فتح الغجري فمه وأشار إىل احتياطي أسنانه الذهب، وقال بلهجة بطريركية: "فداك أبشكيب، اإلخوان تالتة، عندك أخ‬
                                                                                       ‫ا‬
                 ‫متل اهلوا بتحتاجو داميً، وأخ متل الدوا حتتاجلو من وقت لوقت، وأخ متل املرض اهلل ال حيوجك إلو".‬
                          ‫يل‬                                    ‫ب‬
     ‫انتعش سرحان بأرحيية صاحبه، أزاح البطانية وه ّ واقفاً، طقطق عظام رقبته: "وانا مني َّ غريك يا سيد الكل، كن‬
                                                                        ‫ح‬
     ‫رغيفي أكن نبيذك، الصحوبية لو ص ّت تبقى أحسن من األخ، فان غوغ يف احباطه كان مالذه الوحيد أخوه تِيو "‬

                    ‫1 الشربية = املوسى / يانسون ومريمية أعشاب معروفة بفوائدها الطبية / ضاع علي شنكاش = فقدت عقلي / بتمخول = جتنن/ عرضية = بسيطة‬
                                                                                                                      ‫58‬



                                               ‫د‬
     ‫صمت برهة مث أكمل مصطنعا احلزن: " مسكني فنسنت كان حم ّش فامهه، أنا برضه، أتقن كل اللغات ومفيش حد‬
                            ‫ر‬
‫فامهين... غريك إنت، أنا أدمنتك خالص، مش هنتحر جلل خاطرك، غمامة صيف وم ّت، إحباط مومسي عابر، باألحرى‬
  ‫ده قلق املابعد، قلق الفراغ، اإلحباط هو أن نعيش يف احلاضر نتائج ومشاعر جتارب سلبية حدثت باملاضي، بينما القلق‬
                                                                                  ‫هو خوف من نتائج أفعال مستقبلية".‬
                                                                                     ‫زل‬                       ‫ْ‬
                                ‫"بَس حيرق حريشك، واهلل ه ّيتّي بدين، قلت حلايل الولد بايعها برامساهلا ناوي ينتحر".‬
 ‫"أنتحر! من كل عقلك! حد يكون بيده القلم يكتب إمسه بدفتر األشقيا، إنت الظاهر ما تعرفش الصعايدة كويس، ناس‬
 ‫كول كووول ...قال سرحان مث وضع الغليون يف طرف فمه األمين وأمسك اجلرن بيسراه : " لكنما لكل شاعر جنونه‬
                                                                                                              ‫ص‬
 ‫اخلا ّ، والشعرة واهية بني العبقرية واجلنون، وبني اهلسترييا واإلبداع ،مث إين كنت عايز أشوف أثر التجربة امليتافيزيقية‬
         ‫و‬
 ‫يف العدم والوجود، ل بلوغ احلدود القصوى للعدمية السالبة، ألنه على اإلنسان عموماً والشاعر خاصة أن حي ّل مصائبه‬
                                                                   ‫إىل مادة شعرية، أن يصنع من بؤسه أشياء سرمدية "‬
                            ‫ر ر‬                ‫ن‬
‫زرع الغليون يف طرف فمه األيسر وأمسك جرنه بيمناه :" مش اتفقنا إّو طريق احل ّية مي ّ من اليأس، معناها الزم نيأس،‬
                                                   ‫اليأس هو ذاك الصنف من املرض الذي يعترب جتنبه شقاءاً حبد ذاته "‬
                                                      ‫ن‬
                  ‫"يسلمويل اللي بيفهموا، كأنك عم حتكي أوردو ... عودك رّان أبو شكيب، هات مسعنا بيتني عتابا "‬
                                                              ‫و‬
 ‫ابتسم املصري، اندلع النغم يف حناياه عالمةَ تف ّق على األمل، ارتفعت عقريته بالغناء كزقزقة عصفور وحيد على شجرة‬
                                                                                                          ‫عارية األغصان:‬
                        ‫و‬
              ‫احنا اللي بنينا اهلرم اللكرب وبيجري فعروقنا النيل، واحنا اللي رمسنا أحزاننا ج ّا املواويل‬
                          ‫ل‬                 ‫ن‬
                  ‫احنا اللي خرمنا التعريفة والربع جنيه ،واحنا اللي دهّا اهلوا دوكوا وم ّسنا عليه‬
                                                                     ‫ي‬
               ‫واحنا الشعب املصري الطّب مهدود احليل ،واحنا الفوانيس اللي اتقدت يف ظالم الليل‬
            ‫واحنا األحاسيس اللي اتقالت شعر ومواويل ،واحنا الكتاف اللي ما تعبت وال يوم م الشيل".‬
                                                      ‫ي‬
‫قال عصري وهو يتناول ورق الشدة من كوة يف اجلدار "حّووو على هالصوت، إحنا وإحنا وما يف باحلي غري إحنا، إحنا‬
                                                                                                     ‫ص‬
                                                                      ‫صقورة ولو ق ّوا جواحننا، يسلمويل هاملالفظ ".‬
      ‫م‬                                     ‫ب‬                                   ‫ر‬
    ‫أومض وجه سرحان باألمل، ح ّك الغليون يف الفراغ، رسم حقالً من عّاد الشمس، ومشساً منبثقة من غيوم مدهل ّة،‬
                                                                   ‫ل‬                   ‫ص‬
  ‫رسم لوحة "الليلة املر ّعة بالنجوم"، حما ك ّ شيء، زفر بنربة إعجاب ذايت : "على العموم، الشخصية القلقة املضطربة‬
                      ‫د‬           ‫ص‬                                        ‫ل‬
    ‫هى اليت تصنع احلضارة، بيتهوفن أَّف مسفونيته الثامنة وهو مكتئب، اإلبداع ح ّن لودفيك ض ّ االنتحار، مهنغواي‬
                    ‫ر‬                        ‫ت‬                                                           ‫ل‬
    ‫تغ ّب على املأزق الوجودي، بالكتابة قاوم إرنست التفكري السليب (فّش جيوبه) فني القلم والك ّاس أنا برضه عايز‬
                                                                     ‫أكتب لألجيال املقبلة جتربيت الفاشلة يف االنتحار".‬
                                                                                                                            ‫68‬



  ‫ر‬                                                               ‫ي‬
‫وقال عصري وهو يفتح ورق الشدة على نّة الطريق : "شفت ما أحالك وإنت رايق، إصحا تعيدها بقى ... حمدا م ّضك‬
                        ‫م‬                 ‫ل‬                            ‫م‬
          ‫إال هالعكروت سيد علي، ماصص د ّك، ال بقى تروح عَ احلفرة، خ ّيك هون إلعب مع ع ّك فَتْ طرنيب".‬
                   ‫مل‬                                                       ‫س‬              ‫ر‬
   ‫أمسك املصري بالك ّاس والقلم، حت ّس حليته الشائكة، رمى عينَيه يف املراح فرأى زوبعة غبار و ّامي البعر يركضون‬
                                                                                                            ‫واجلمال هتشل‬


                                  ‫‪Desperados vs Homo saudiko‬‬


   ‫ت‬                                                                                                ‫ي‬      ‫ف‬
‫ش ّطت السّارتان، سارتا بسرعة خارقة ودارتا دورتَني أو ثالثاً مث سارتا بالعرض ومالتا على أحد اجلوانب على عجلَني،‬
                                           ‫م‬
   ‫مث دائرياً باجتاه عقارب الساعة مث بالعكس، اتسعت عيون الرجال املتج ّعني أمام كوخ الندوة، حبسبهم أن رايل باري‬
                                                 ‫م‬                           ‫ج‬               ‫ر‬
  ‫داكار مي ّ من تاودين، تر ّل من خلف مقود"النيسان" رجل ُكرش، من الباب اخللفي هبط رجل لخر طويل حنيل، بدا‬
 ‫من لثامه النيلي أنه من أبناء أزواض. من "املتسوبيشي" نزل سائق مسني على رأسه كسكيت بيسبول ولخر معتمر بغترة‬
                                            ‫س‬                                             ‫ث‬
     ‫ويشماغ، سار النحيل امللّم باجتاه رجال اجلَمعة، بعد إمتام التحايا احل ّانية املسترسلة حسب األصول قال إنه أمنري‬
                                    ‫و‬                                                                    ‫ي‬
‫طارقي مبعّة ثالثة خليجيني من أهل القنص بالصقور، يريدون املقيل لالستراحة والتز ّد باملاء. ابتدره الشيخ البكاي قائالً‬
                                                  ‫ْ‬
 ‫إن املاء عادة ال يباع يف تاودين وأن عليهم إكمال طريقهم للوِرد من حاس صميده القريب، أكد األمنري أهنم ال ميلكون‬
      ‫الرشية الالزمة للمتح. أطرق البكاي قال إنه واحلالة هذه مضطر إىل أن يستويف ألفَي درهم مقابل ثالث بيدونات،‬
          ‫ْ‬                                      ‫ً‬                                       ‫ق‬
      ‫استدار األمنري حنو الص ّارين فارداً أصابع يده اليمىن كلها وثالثا من اليسرى، وأعطوه مثانية اآلف درهم فبخشَشَ‬
                        ‫ل‬                     ‫ف س‬
    ‫الشيخَ البكاي بثالثة لالف درهم وطوى ورقة اخلمسة لالف خب ّة ود ّها يف حمفظة جلدية مع ّقة برقبته، رفع الشيخ‬
                                 ‫ْ‬                                                   ‫ح‬
                            ‫عمامته وأظهر زبيبته مر ّباً : "مرحب مرحب صقاقري الصحرا، اهلل ال يقطع نسل لَعرَب".‬
     ‫غي‬                     ‫رب‬                         ‫ي‬         ‫َب‬
  ‫قال أبو غترة وهو يلقم صقره قطعة حلم : "هَّاش، يا ح ّ عينك، يا زين الصحرا إذا َّعت ويا زين السما إذا َّمت،‬
                                                                                      ‫ر‬
                                                    ‫عز اهلل خوش طري جريٍ ح ّ جرناس، شاريه من لندان، ألف باوند.‬
                                           ‫دْ‬                          ‫ُْ‬
  ‫أجابه املكرش وهو يداعب شاهينه: "تَركه عنك طري هجني منغويل حَ َّه يصيد مسك واجد عليه، الطري الزين هو مرياج‬
                                                  ‫وَكْري الشواهني، جييب الصيده من السما، ألفني باوند اهلل وكيلك.‬
                                                     ‫ب‬
                                            ‫محل املكسكت صقراً أغرب، وزايد : "سنايرب أغلى واجد من هّاش ومرياج‬
‫1.‪I love’t،the most expensive english falcon ,tree tusand sterlin pounds‬‬
                ‫و‬                        ‫ف‬       ‫م‬         ‫ق‬                    ‫ت‬           ‫ق‬        ‫م‬
  ‫محلق الع ّال بالص ّارين حبسرة ُقارب الكره، حدج الص ّارون الع ّال بتر ّع أقرب إىل االزدراء، دَ ّر املكسكت عروة‬
              ‫و‬                        ‫ي ت‬              ‫وصو‬                  ‫و‬
   ‫الكسكيت إىل الوراء تناول ج ّال الباندا عن صدره َّر الصقور والسّارَني والطرائد واألمنري وص ّر نفسه، رأى‬


                                                                             ‫1 أحبه هذا اغلى صقر انكليزي مثنة ثالث االف استرليين‬
                                                                                                                                           ‫78‬



 ‫ْ ْ الظ ْ ل‬                          ‫د‬
‫االنبهار يف عيون أهل امللح فأشار عليهم باالجتماع كي يأخذ هلم صورة، فتص ّى له البكاي قائالً إن "رَفد ِّل" يك ّف‬
           ‫س‬                                          ‫املصور‬
    ‫ألف درهم. فرد األمنري الطارقي أصابعه اخلمسة بوجه ِّ ُ الذي ناوله املبلغَ فاحتفظ بثالثة لالف ود ّ يف جيب‬
        ‫ي‬                            ‫و‬                                          ‫ف م‬
   ‫الشيخ ألفَني. واصط ّ الع ّال حاملني أزاميل وشواقيف قرب ألواح ملح، ص ّرهم مع اإلبل باستخفاف غري ممّز بني‬
                  ‫و‬                                                  ‫ْ‬                 ‫ز‬
   ‫الرجال والبهائم، ه ّ رأسه بتعالٍ: "وَل عليكم يلشناقطة، تراكم خارجني من عصر طباشريي، شتس ّون يف هالقبور"؟‬
                                                         ‫ق‬
        ‫أفاده سيدللي أهنم يستخرجون امللح، فاندهش الص ّار: "وَل خيبه! ليش ما تستوردون ملحكم من ماركس لند‬
                                                                                       ‫سبنسر1، طن ملح اليود ينباع ثْري دوالرز".‬
                                                                                ‫س‬                             ‫ر‬
  ‫ح ّك البكاي املسواك يف فمه، وحت ّر قائالً إن أزواد صحراء قاحلة ال بترول فيها وال دوالر، وال يوجد فيها إال امللح‬
               ‫ع‬              ‫ل‬                                   ‫ف‬                 ‫م‬
    ‫والرمل. نظر املكسكت إىل ع ّال املناجم امللت ّني حوله : "خوش سيفياليزيشني! ملح م ّاحني، بعران ب ّارين، أشكال‬
                                                                                                                            ‫د‬
                                                                                              ‫تس ّ النفس، كلهم ذكور ما يف حرمي"؟‬
                                                                        ‫ل‬
‫أوضح األمنري أن تاودن ليست كك ّ الدشرات، فهي مقالع للملح يقصدها الرجال من البوادي، يعملون فيها ستة أشهر‬
                                                                                                                    ‫ويرجعون إىل أهلهم.‬
     ‫ق‬               ‫ه‬                                                         ‫ي‬                            ‫ق‬
     ‫انفعل الص ّار الئماً الطارقي ألنه مل يقّل هبم يف "دشرة زينة تفتح النفس"، أمره بنربة عقابية أن جي ّز الكبسة ، انش ّ‬
       ‫احلشد عن رجلَني الهثَني، اندفع السوري وعليه جلاجة صاحب حاجة: " قاصدينك يا طويل العمر، داخل ع اهلل‬
                                               ‫وعليك، داعيك عصري، حكيم سنان وهذا إبن أخي سرحان إستاذ تاريخ " .‬
‫"أيوه، حمسوبك سرحان أستاذ تاريخ وده عم عصري حكيم سنان، شفنا الويل، تالت تشهر كبيسة ملطوعني هنا نفحت‬
                                                                                                                           ‫ت‬
                                                                                                  ‫فامللح، حّه كرنتيله وال طرة ليمان".‬
                                                                                              ‫ق‬
    ‫زورمها الص ّار بنظرة استعالء من نوع "من أين جاءت هذه املصيبة!"، شرع عصري يف بيان ما قاسياه من استغالل،‬
                                                                                                                   ‫ق‬
                                                                                 ‫استحلف الص ّارَ أن يوصلهم بطريقه إىل اجلزائر .‬
                                                                                                                               ‫ن‬
                                                                                                          ‫" بس حّا ما راحيني اجلزائر "‬
                                                                                                     ‫"طب وصلونا لتمبكتو إذا ممكن".‬
                                                                                                                  ‫ن‬
                                                                                            ‫"مل مِمكِن، تره حّه ما لنا شغل بتمبكتو".‬
                                                                                                  ‫س‬
‫" ال تق ّي قلبك علينا، محلونا معكو وين ما رحتو، ع مورتانيا طلوزة ع صنعا مين ع اسكندرية، جلهنب احلمرا، بس ال‬
                                                                                                                            ‫تتركونا هون".‬
    ‫ر‬                                                                                    ‫و‬
 ‫سأهلما املكرش ملاذا ال حي ّل هلما أهلَيهما حوالة مالية على "ويسترن يونيون"؟ فأجابه سرحان بأن ساعي الربيد ال مي ّ يف‬
                                                                                                                       ‫الصحراء الكربى.‬



          ‫1 متجر لندين معروف / الكبسهة =اكلة خليجية مشهورة / كرنتيلة يقصد كرنتينا / طرة ليمان سجن مصري رهيب / نفحت = حنفر / ملطوعني = حمبوسني /‬
                                                                                                                                  ‫88‬



                                                                                     ‫و‬            ‫س‬
           ‫حت ّس املكسكت ج ّاله يف انعكاسٍ مشروط، أبدى استغرابه: "ول خيبة ما عندكم فاكس موبايل وايرليس‬
                                                                                                       ‫كومينيكاشن، أين ثينغ"!‬
                     ‫ك‬                    ‫ق‬
  ‫وجدها البكاي فرصة مناسبة لتخليص تاودين من حنسَيهما فقال للص ّارين: "أرفدوهم امعا ُ وخالص، يدك منك ولو‬
                                                                                                                 ‫كانت جمدومة".‬
     ‫ص ّر املغّر َّه بغطرسة قائالً إن السيايري "فل إْنكيجْ". 1فاقترح عصري أن ُحزما مع شنط الباغاج أو ُحشرا يف‬
            ‫ي‬                       ‫ي‬                           ‫ُْ‬                             ‫ع ت خد‬
                                                                                                            ‫الطّونة مع اجلراكن.‬
                                                                                                                           ‫ب‬
                    ‫ي‬               ‫د‬
‫وقال املكسكت وهو ينظر لعصري : "هاملسطرة مو شكل دَنتِست، هذا ح ّه يكون بشكردي عّار لويت (نظر للصعيدي‬
                                                                        ‫مث التفت لصاحبيه ) أقول ... مسعتون لخر نكتة"؟‬
                                                                                              ‫ب‬
‫انصّت عليه األنظار، فقال: "هذا واحد صعيدي مرض راح دكتور قاله عندك سرطان مخ، استغرب الصعيدي وقال من‬
                                                                                                               ‫فني جاين املخ ؟".‬
                                                ‫"قه قه قه، صعيدي يا خوي كتلة غباء، دماغه ناشفة، ما عليه شرهة".‬
                                                                             ‫ش‬
                ‫"تدرون ليش الصعيدي ملا خي ّ احلمام يشيل الباب؟ ...عشان ما حد يبصبص عليه من خرم املفتاح".‬
                                                                                ‫ط‬
                             ‫"تدرون ليش الصعيدي حي ّ أربع تلفزيونات فوق بعض... حىت يشوف سيقان املذيعة".‬
                      ‫م‬                            ‫ج‬
                     ‫"صعيدي يف احلج انزحم فدخل محام احلرمي، صرخوا عليه احل ّيات، قاهلم يف إيه حاجج عن أ ّي‬
   ‫ضحك، سعل وبصق واستأنف: " بس تّون الصراحة كل بلد فيه الزين والشني، عز اهلل مصر أم الدنيا شعبها طرب،‬
                                                                       ‫ب‬
                                                                                                                ‫أهرامها عجب".‬
                                               ‫ذ‬                                                 ‫ت‬
               ‫داعبه املغّر : "اهلل يلعن إبليسك يا أبو شادي، أشوفك صاير تب ّر فلوسك على أهرام وحجارة عتيقة".‬
                                                         ‫د‬                                         ‫ي‬
                 ‫"إش عل ّ باهلرم، واهلل وحياة راسك وراس شادي ما ع ّيت شارع اهلرم، حىت النيل ما شافته عيين".‬
            ‫ب‬                                                                 ‫ل‬            ‫ر‬
‫داعب املك ّش ذقنه : "خ ّه يستأنس مصر كلها وناسة، نساؤها ملن غلب (ضحك خبالعة) يا زين قنص حّار الصعيديات‬
                                     ‫،هلاليب هلاليييب، عندهن شيء خارق للعادة، من مل ينكح صعيدية فهو أعزب".‬
 ‫ب‬                                                                                               ‫خ ت‬
‫تد ّل املغّر: "غلطان أبو نايف، اجلمال الزين شامي، إسأل من كان هبن خبرياً، أبشع شامية أحلى من أمجل مصرية (قّل‬
             ‫أصابعه بفمه) حد اهلل الشاميات حكيهن تغريد عصافري، مو متل الصعيديات شرسات يضربن أزواجهن".‬
                                                                        ‫ل‬                            ‫ر‬       ‫ر‬
                               ‫م ّق املك ّش لسانه بني شفتَيه: "هلل خي ّي املصريات والشاميات ذخراً لرجال اخلليج".‬
                             ‫ت َل‬                      ‫ر‬
  ‫اقترح املكسكت أخد الشامي وترك املصري. اقترح املك ّش العكس. قال املغّر: "خ ِّ يولون، طز بالشامي واملصري،‬
                                          ‫ك ك‬                                        ‫ل‬
                                    ‫املتعوس وخايب الرجا، ش ّة حرامية كلكجية ما عندهم سالفة، و ّالني ن ّارين".‬
                                                                                   ‫ب‬
   ‫دلق عصري مسّاته: "طز عليك وعلى عشرة من حارتك، شقفة سعدان كشيش محام كرنيب مأنشح طالعة رحيتك".‬

                                         ‫ب‬
                              ‫1فول انكيج = مشغولة كليا / دنتست = طبيب اسنان / الطبونة = مستودع السيارة /بشكردي = حمتال / تّون= تبغون /‬
                                                                                                                              ‫98‬



                                                                                              ‫ك‬
 ‫"اقطع يا وَ ّيل الزعتر، إيش أصلك تلقاك شامي من بناديق التمرلنك " قال أبو كسكيت مث مترفق وغمز األمنري: "ييب‬
                                                                              ‫1لنا ثالث غبشات بيبسي كيفٍ هلالراس".‬
                           ‫م‬              ‫ر‬      ‫ج‬                                    ‫ن‬
‫وفهم األمنري أن عليه أن يدّس يدَيه ويلغم البيبسي بالويسكي، فتو ّس وتذ ّع بالصالة، تي ّم بالرمال واجته جهة القبلة،‬
                                                            ‫ر‬                            ‫ي‬              ‫ق‬
‫قام الص ّار بنفسه حنو سّارة اإلمداد اللوجسيت وفتح ب ّاداً صغرياً تناول منه ثالث عبوات بيبسي وقنينة ملفوفة بستانلس‬
                                           ‫ل‬                             ‫ن‬                  ‫ب‬
  ‫ستيل وخلط املشروَني وكرع، مث رمى عيَني صارمتَني على األمنري املص ّي: "الصالة هناك هناك باحلجاز، الركعة تسوا‬
                                                           ‫ألف ركعة، لكن إيش نقول طوارقي عنيدٍ ال يطيع الشور ".‬
            ‫ي‬                                                                                         ‫ت‬
      ‫جرع املغّر وقال : "أقول يا مجاعة اخلري واهلل ما عرفت الطوارق قبيلة بدوية إال هلحني، حسبايل ماركة سّارات".‬
                                                                                          ‫ق‬
   ‫ضحك الص ّارون ضحكة ال معىن هلا، رفع أبو كسكيت عبوته: "بصحتك أبو نايف كاسك أبو فزاع، وامرائنا موب‬
                                                                                                                     ‫ن‬
                                                                                                                  ‫أحسن مّا".‬
                                 ‫ك‬                                      ‫و‬                             ‫ّ‬
   ‫مد العبوة للطارقي الذي أهنى لت ّه الصالة: " هاك عيين أبو تارق، لجر، ز ّي صالتك بقدح ويسكي شيفاس فريست‬
                                                                  ‫كالس ما ينقض الوضو، شوية لربك وشوية لقلبك".‬
                     ‫"أصطقفر اهلل، اللهم إن هذا منكر، حبييب يا رسول اهلل قال اجتنبوها فإهنا أم اخلبائث". قال التارقي‬
                                          ‫د‬           ‫ط‬
   ‫"شيفهمك بالعربية يا بربري خملوط بالعبيد، فاجتنبوه يعين ح ّه جبنبك (م ّ له العبوة) إقضب أبو تارق وراس أبوك إال‬
                                                                                      ‫تشرب، من رافق السكارى سكر".‬
                                                                                  ‫ب‬
                                       ‫"واله يذ السم مانِ شار ُ، من شرب اخلمر وهو يضحك دخل أنار وهو يبكِ".‬
                       ‫د‬                                               ‫و‬            ‫ش‬                 ‫ه‬
    ‫جت ّم الشيخ البكاي ك ّر تكشرية مط ّع: "إعافنيِ ويعافيكم، جلماع يف سكرهم يعمهون، ح ّك الاله يشارب اخلمر‬
                                                                                   ‫ر‬
      ‫تنجلد 081 جلدة مف ّقني على دفعة واحدة، إحشموا، حصار يف الفلسطني، حرب يف العراق، جماعة يف الصومال‬
                                                                                       ‫ْ‬
                                                                            ‫وانتوما تنفقون أموال املسلمني اعلَ احلرام".‬
                                                                   ‫ا‬                         ‫ر‬
  ‫أخرج املك ّش والعة ذهبية وأشعل سيجارً، رجرج بيده ساعة رولكس ذهبية وبربر : "إمام جاهل ،كفانا ثورجية ودم‬
                                                                                    ‫ر‬
 ‫حروب ومعارك، ما خ ّب حياتنا إال فلس وطني، خل اسرائيل تبيدهم عن بكرة أبيهم ،يستاهلون، نصرف مالييننا على‬
                                              ‫شوبنغ ووناسة يف لنده ومربيا وتايلند وال ندفع فلس واحد هلالعكاريت "‬
          ‫ر‬                                                                     ‫ش‬
  ‫احتسى جرعة شيفاس وجت ّأ وضرط وبصق ومسح فمه بأكمام الدشداشة وأكمل بنربة كيد: "اهلل يكفينا ش ّ عيونكم،‬
                   ‫ل‬                                                ‫ن‬
 ‫فلوسنا واحنه أحرار بيها وحمد له شغل فينا، راع احلّا حيين طيزه، الويك إند حنتفل بعيد ميالد القطة ف ّة رح منالهلا بانيو‬
                                                                                             ‫م‬
                                                            ‫بعطور باريسية وحن ّمها، موتوا بغيظكم يل كلكم أحقاد".‬
‫أزاح املكسكت عن عينَيه نظارة ذهبية اإلطار تتنافر مع شاب ثخني ووجه غليظ : " افهموها يلشناقطة، إحنه احلني بزمن‬
                     ‫ل‬
      ‫بورصة وأسهم وكابيتاليزم وكونكرانس، احلرجبيات ما جتيب إال خراب، شفنا بطلكم املسخرة س ّم بغداد بيومني"‬

                                                                ‫1 / ييب = جيب / غبشة= عبوة / حسبايل = كنت أظنها / مَحَد = ال أحد /‬
                                                                                                            ‫09‬



                            ‫ب‬                                       ‫ر‬
   ‫وارمتى يف حالة خدر واسترخاء ومثالة ع ّى بطحة الويسكي نزع بأسنانه السدادة، وع ّ مباشرةً وشرب جهراً التفت‬
                                                 ‫ي‬               ‫ّ‬
                                                                 ‫ت‬
         ‫لسرحان: "أقول يلصعيدي، لكو طري، والِّفكة موجودة والسّارة جاهزة، بس ناقصين سلوقي واليوم يومك".‬
  ‫"لو أنا سلوقي إنت تبقى جعاري" رد الصعيدي على الفور وعض الغليون غيظا وأكمل : عجيب عجيب بدوي خليجي‬
                                                                                    ‫ر‬
                                     ‫أورق الصخر له ، كده م ّة وحده من لنب الناقة لشيفاس، ومن بعري ملسوبيشي.‬
 ‫" هس إقطع، وجهٍ سطيحة ما يبايل بالفضيحة، خوش واهلل عشنا وشفنا مصري قاتله اجلوع يتطاول علينا، اخلليجي تاج‬
                                                                                          ‫راسكم يا طرش البحر :‬
                       ‫حنا هل التوحيد وانتم له أجناب‬                   ‫د‬
                                                            ‫حنا العرب يا م ّعني العروبة‬
                       ‫حنا هل التاريخ وانتم به أغراب‬        ‫حنا شروق اجملد وانتم غروبه‬
                     ‫واليوم عقب النفط جيتولنا انساب.‬          ‫يوم الفقر شلتوا علينه عيوبه‬
‫هزج املكرش " كفو يا سويلم، إنت يا كايدهم وكاسر خشومهم يا زينك وانت شاعر سكران، أفحمتهم فاقعني طاقعني،‬
                                                                                      ‫ذ‬
                                                                                 ‫عسى اهلل حيرق قلوب ع ّالك".‬
 ‫ارتسمت على وجه سرحان أعراض داء العنصرية واخلليجوفوبيا ( يعترب اخلليجيني عنصراً دونياً، يكرههم ألهنم يف بلده‬
                                               ‫ط‬                      ‫ك‬
    ‫يشترون بكارات العذراوات وذمم احل ّام وكِلى الشباب املتب ّل) رسم بالغليون هومو سعوديكو، سعدان له قضيب‬
   ‫أطول من يديه وذنب أطول من رجليه، رسم مستعمرة سعادين، وطناً حيمل اسم قبيلة وسيفَني متقاطعني وخنلة وكتب‬
                                   ‫ر‬                                                        ‫صل‬
     ‫حتتها: ِّ، إستهلك، واخرس. مث فؤجئ ببصقة خترج من فم املكسكت وتستق ّ على وجهه، يبس يف مكانه كقنبلة‬
‫موقوتة توشك أن تبعثر شظاياها، زجمر مبهينه: " خمدتناش قلنا ماشي، هرتلت ف الكالم عَ الصعايده قلنا ماشي، إمنا تتف‬
                                                                            ‫بوجهي، أنا هنعل سنسفيل أجدادك."‬
            ‫ق‬              ‫د‬                                       ‫ي‬                    ‫ب‬        ‫ر‬
   ‫س ّع عصري حّات السبحة وهو يبصر سّارة اإلمداد، وضبط أعصابه هبدوء مزيف، ح ّق يف وجوه الص ّارين كلها‬
                   ‫ل‬                              ‫م‬
‫جمتمعة ويف كل وجه على حدة، بعثر نظراته بني جهة الشمال والع ّال والبكاي وصاحبه والدليل، مت ّى املشهد بعني قلبه،‬
                                                     ‫و د ن‬                               ‫رو‬
                                     ‫انزوى باملصري: " ِّق أعصابك خيال... براسي م ّال ب ّي غّيه، إجتين فكرة".‬
                                                                                                  ‫" إنت فكرة"!‬
                                                                                 ‫"إي، بتحسن تسوق يا شريك"؟‬
                                                                ‫"تكونشي ناوي تستويل عَ السيارة ياعم عتريس"؟‬
                                                              ‫ب‬
                                                          ‫"وهو كزالك، اللي ما بييجي بالناموس بيجي بالدّوس".‬
                                       ‫" فكرة خطرية، لكنما إحنه تنني وهم تالتة، الكترة غلبت الشجاعة ميعلمني".‬
                       ‫"تنني صاحني أسبع من تالتة سكرانني، ماين خايف على شيبيت، اللي خايفني منو قاعدين عليه".‬
                                                                                                                 ‫19‬



           ‫م‬                                                                    ‫د ت‬                            ‫س‬
‫حت ّس املصري ذقنه الشائكة، ق ّر الّبِعات فرأى تسعني سبباً للموافقة (عدد أيام البؤس يف تاودين) فقال :"أ ّال يعين أنا‬
                                                                                  ‫ز‬
                                                                ‫هخاف على شبايب، يا خوف اجل ّار من كتر الغنم ".‬
 ‫طقطق عصري عظام رقبته كأسد عجوز سقطت أسنانه ومل تسقط خمالبه، سكنته بطولة البدائيني أو بطولة املصادفة اليت‬
    ‫تفرض على الرجال اليائسني أن يكونوا أبطاال رغما عنهم ، خطف قنينة الشيفاس الفارغة كسرها بلوح ملح وشهر‬
                ‫ي‬                            ‫و ش‬
‫عنقها املشطوف، طحش يف اندفاعة عسكرية على مواقع عد ّ ه ّ االستحكامات، قلب األوكار وطّر الشواهني، تبعه‬
 ‫سرحان مدفوعاً بالرغبة الصعيدية البدائية يف الثأر، وعلى سيميائه سحابات كرهٍ سوداء، استرجل وبدأ يضرب السمنيَ‬
    ‫الذي وضع يده اليمىن على أغلى ما ميلك : "يا الربع يا عوينيت يا عزويت يا عونة اهلل يا صوحييب، عونك ينب العون "‬
  ‫ث‬                                                   ‫ت‬         ‫ض‬                                      ‫ل‬
 ‫جت ّت القسوة الغجرية على وجه عصري وهو ينق ّ على املغّر، غرز الزجاجة املشطوفة بالبطن الناتئة، كأنه يطعن جّة‬
            ‫ي‬                        ‫عد ّ، ارتفعت صرخة منكرة، انتهز املك ّش حامل املفاتيح فرصة انشغال املشرقي‬
 ‫َّني بصاحبَيه، فهرول حنو سّارة اإلمداد‬                                 ‫ر‬                                ‫و‬
  ‫ليتمترس خلف املقود، حلقه عصري، دار حول السيارة وجد على املقاعد اخللفية بندقية صيد، سحبها، شهرها بوجهه‬
  ‫فناوله حزمة مفاتيح معلقة برقبته: "ال حتمق يا خوي، على هاخلشم، بس امنع التفك عن ويهي، مصر وسوريا واخلليج‬
                                                                                                               ‫ت‬
                                                                                                      ‫حّة وحدة ".‬
         ‫ت‬                                      ‫س‬         ‫س‬
     ‫صرخ سرحان وهو يفتح باب اجلهة االخرى " ك ّمك على ك ّم مصر وسوريا واخلليج، إحنا وانتو ألف حّه ".‬
                                                                             ‫ف‬          ‫ل‬
‫رلها البكاي فرصة للتخ ّص من الطر َني، فقال للعمال: "أللهم اشغل الكافرين باملفسدين واجعلنا بينهم ساملني غامنني".‬
     ‫عت‬                       ‫ي غ‬                                                            ‫ن‬
   ‫بغريزة انتهازي قّاص للفرص، أخذ سيدللي موقفاً أقرب إىل التواطؤ بعدما عرف بنّة ش ّاليه يف الفرار (املصري َّلَ‬
                 ‫ه‬                                                       ‫مل‬
   ‫الكثري من قفف الردم يف احلفرة والسوري ّ الكثري من بعر اجلمال يف املراح ومل يقبضا أجرتَيهما) س ّل هلما اهلروب،‬
           ‫و ر‬
     ‫ساعدمها على نقل اجلراكن من "النيسان" إىل "املتسوبيشي". استوى سرحان خلف عجلة القيادة، د ّر احمل ّك. أمر‬
                                                                                      ‫ل‬
     ‫الدليل بالركوب معهما ليدّهما إىل الطريق، أعلن الطارقي أن "التريق ال حتتاج لدليل ففي امليتسوبيشي كل ما يلزم‬
                                      ‫رب‬                          ‫ف‬
‫بوصلة وخريطة نافيقيشن وجي يب أس".أقلع مش ّطاً يف املراح، اجته صوب ال ّية الشاسعة والفرار، وحني بلغ بئر مسيدة‬
                                                                            ‫احنرف مشاالً وشرقاً باجتاه واحات توات.‬
                    ‫29‬




 ‫الواد الرابع‬
           ‫ج‬
‫املَ َابَة الكربى‬
                                                                                                               ‫39‬




                                                        ‫س‬
                                              ‫"كا ِك يا صحرا"‬
      ‫بدت الصحراء من وراء زجاج "املتسوبيشي" كما كانت تبدو من أمام شاشة التلفاز، شيئاً قريباً وبعيداً يريانه وال‬
                               ‫م‬                                  ‫د‬
‫يشعران بقسوته. محلق سرحان مبهوراً يف الع ّادات الكثرية والرموز واألضواء الل ّاعة رأى على الزجاج أمامه ملصقني‬
    ‫صغريين أحدمها يقول: "نعم للصيد اجلائر" والثاين يقول: "ال للفساد البنقايل". رأى حتت قدمَيه نفايات فستق حليب‬
                      ‫د‬                                                                                 ‫ب‬
‫وعّاد الشمس وأعقاب سجائر، رفع عينَيه إىل البوصلة فوجد أنه احنرف قليالً عن املسار فع ّل اجتاهه (كان اكتشف أن‬
                                            ‫ج‬
              ‫جهاز الـ"جي يب أس" بقي يف "النيسان")، وأقحم كاسيتاً يف املس ّلة فصدحت أم كلثوم بـ"األطالل".‬
                                   ‫غ‬
‫عرب عصري من فرجة املقعدَين األماميني إىل اخللفيني رأى يف املستودع خليجاً مص ّراً بكل استهالكيته وكمالياته: منظار‬
                                                    ‫س‬                                ‫ب‬           ‫ي‬
‫رصد ُستخدم يف تتّع الصقر وكظيمة تريموس وتنباك مع ّل ونارجيلة مضبوبة، وسفرطاس وقنابل دخانية لتحديد موقع‬
       ‫ب‬              ‫ل رب‬                                                                          ‫ي‬
‫السّارة إذا تاهت، ودشاديش تفوح منها رائحة كريهة، ومطرة وموقد غاز سفري، مع ّبات ُ ّ البندورة املصّرة وخبز‬
                                                                             ‫ف‬
  ‫مرقوق وفواكه جم ّفة ومواحل وسكاكر ومرطبانات وكعك وبسكويت وشيبس وأقراص كليجة وشاي وقهوة وحليب‬
                                                        ‫ر‬                                        ‫ل‬     ‫ف‬
  ‫جم ّف، ك ّها خمتومة خبتم "ماركس لند سبنسر". فتح ب ّاداً صغرياً فوجد يف داخله دجاج "كنتاكي" حالل (مذبوح يف‬
    ‫الدامنرك على الطريقة اإلسالمية) وألواح شوكوال وعبوات بيبسي وصودا ومتر هندي وطماطاجوز وعرجنوز وكمأة‬
          ‫و‬                                                       ‫ن‬
‫الترفاس، وبيوض صغرية يف قالب كرتون ظّها بيض محام، لكن سرحان جزم بأهنا بيض حبارى من الذي "يق ّي البتاع".‬
                                                                            ‫ظ‬
  ‫فتح حقيبة فوجد يف داخلها ن ّارات مشسية سوداء وقناين عطر. يف القعر عثر على حبوب فياغرا وأكستازي مهلوسة،‬
                                                  ‫ي‬                              ‫ت‬                       ‫ك‬
  ‫وملح س ّيناً سويسرية يف طرفها فّاحة قنانٍ، انقاد بغريزة السكرجّة إىل كرتونة فوجدها مليئة بقناين النبيذ والويسكي‬
    ‫والعرق، ازدرد لعابه يف استجابة الشعورية إىل عطش األشهر الناشفة. أخرج قنينة نبيذ فرنسي، للهفته مل يصرب على‬
                                   ‫د‬                                                            ‫ت‬
  ‫فتحها بالفّاحة بل كبس بإصبعه الفلينة فغارت يف عنق الزجاجة، جرع جرعةً ع ّلت رأسه املائل، حفن متوراً ووضعها‬
            ‫ب‬
  ‫على التابلوه، تناول سيجارَي هافانا، وضع واحداً يف فم صديقه وواحداً يف فمه، قرع كأسه بكأسه: " عّي اجلمجمة،‬
                      ‫د‬                   ‫م‬                                ‫ل‬         ‫َت ْ ُ‬            ‫كي‬
            ‫َّف، انبسط، تِّن أكرك عجم، خ ّي ميوت حصان من أكل الشعري ،كس أ ّه إبين ميالد إذا ب ّو يورتين".‬
                                ‫و‬                                  ‫ه‬
   ‫مضغ املصري بضع مترات وأفرغ نصف قدحه وتن ّد: " يا سالم على متر املدينة املن ّرة مع نبيت البوجوليه، هذا زمن‬
                                                                                    ‫كل األزمنة، لخر شزوفرنيه".‬
            ‫مج‬                           ‫ح‬              ‫ر‬         ‫ي‬
  ‫جرعا بعطش مضاعف، واحتفاءً بالنصر والسّارة واحل ّية. شربا يف ص ّة القطرَين وعبد الناصر وجول ّال وسليمان‬
                       ‫ر‬
     ‫احلليب، سها سرحان ومل يعد ينظر إىل البوصلة، انفعل عصري فدندن مع أم كثلوم "أعطين ح ّييت"مث صرخ : "عيين‬
                                                                                  ‫م‬
                                                                               ‫عليكِ، فديت رحية منديلك بد ّي".‬
                                                         ‫ن‬
   ‫ارتسمت بوجهه تطليعة لبعيد فأكمل : " كانت تغّيلي سخصي عَ امليماس، كنت شبابليك، بزماين ضهرت مع ميادة‬
                                                                          ‫وصباح ومسرية دوفيق وسعيدة بنسمري".‬
                                                                                                                ‫49‬



                                                                                                           ‫أمل‬
‫َّت به نشوة العمل البطويل، فقال للمصري كأنه خياطب نفسه من خالله: "قلعة بعلبك بعزم اهلل خديناها باهلوج واملوج،‬
                                            ‫جبناها وجينا غنيمة حرب، بْري عليك أبشكيب فلتحيا دينك قبضاي".‬
           ‫م‬                                   ‫م‬                                                  ‫م‬
      ‫"أ ّال الصعايدة أجدع ناس، شعب مفيش مستحيل، إحنه للي د ّرنا خط برليف... لكنما كل ده حصل هب ّتك يا‬
                                                                                                              ‫ل‬
                                                                ‫مع ّمني، لوال اجملانني ما كانوش العقال أكلوا بلح".‬
                                                 ‫ت‬
      ‫أمسك عصري قنينة الويسكي بيمناه والنبيذ بيسراه وكرع كرعَني بالتناوب، ودخل يف االنتشاء ونسيان الذات،‬
              ‫ّ‬                                                                  ‫د‬
  ‫خرطش أقسام بندقية الصيد، م ّ السبطانة من النافذة، أغمض عينَيه، أمال وجهه إىل الناحية األخرى، سد أذنه بإصبعه‬
                                ‫وحو‬
     ‫وضغط على الزناد فسمع صوت ارتطام حديد، كسر البندقية فوجدها فارغة، َّل دهشته إىل بطولة: "أي بدون‬
                                     ‫زخرية ضبعت السعادين، أي عليم باهلل لو كان معي فشك كنت فتحت جبهة "‬
                                                    ‫ل‬                                             ‫م‬
     ‫"أ ّال ،صاحب دراع وسجيع، سرييان كيلر، إحكِ يا مع ّمني شوية عن حرب أكتوبر اللي استشهدت فيها، "إزاي‬
                                                                ‫ص‬          ‫َْ‬          ‫مح‬              ‫بر‬
                      ‫َّدت نبع بردى، و ّرت البحر حلمرْ، إيه ق ّة إضفرك املقطوع ده؟ قول يا بيض الوجه قول".‬
                                  ‫ب‬                                                                      ‫بي‬
    ‫" َّضَ اهلل رايتك ابن أخي، هاإلصبع حكايته بتنحكى وبتطول (قال عصري رافعاً سّابة التحم ظفرها باللحم) هدا يا‬
            ‫َّ‬                                                                ‫م‬        ‫ل ر‬
     ‫سيدي ملا قوّك م ّة كنت ع ّا إسبح بالعاصي، ساعة ساعتني تالتة حىت فات النهر ببحر إسكندرون، وغمقِت على‬
  ‫إسبح إسبح، جزيرة أرواد صارت ورايي، قلت حلايل يا زملة قربص قريبة دوز عليها دغري ، ويا إيدك على فمغستكا،‬
                                                                                                 ‫ت‬
 ‫الدنيي عّمت قمت من غفليت منت، سبحان الذي ال يغفل وال ينام، وما شوفلك إال حية حبر قد املوجة يا لطيف، طوهلا‬
                                                                  ‫تالطش أرباطش متر، ختنها ختن قسطل صوبيا".‬
                                                                                                  ‫ز‬
       ‫اهت ّ املقود بني يدي املصري الثمل: "الء يا سي عصري متودرش حياتك بالش متوت، إخزي الشوطان، إرجع ".‬
         ‫ض‬        ‫لف‬                                                               ‫سب‬
   ‫" ماين راجع، حمسوبك ِّيح إبن حبر (مج من القنينة) إي بريجع مرجوعنا حاصِلهو بنت احلرام َّت علي ع ّتين من‬
                                                                                   ‫ش ص‬            ‫ل‬
                                                                     ‫إصبعي، ط ّعت ال ّربية ق ّيتها تلت شقف".‬
                                                                                                       ‫ي‬
      ‫وتغّر مزاج عصري. أثقل الفراغ رأسه واخلمرة لسانه، انكفأ إىل ذاته يف نكوص ما بعد الفخفخة، صفن يف الغربة‬
      ‫وانكسارات الشيخوخة، أخرج من جيب الصداري الصور الثالث، صفن مطوال يف صورة أبنائه، مازحه املصري:‬
                                                                                  ‫"والدك يشبهوك اخلالق الناطق"‬
                                                                                          ‫ب‬
                                                                                   ‫"معلوم نازلني من ز ّ واحد".‬
  ‫ضحك سرحان، صار الغليون امتداداً لوجهه: " يا سالم يا عم ملا تكون رايق جتيب حاجات ملهاش مثيل، يا ريت بقى‬
                                                                                                     ‫ص‬
                                                                                       ‫حتكي ق ّة تيس أبكمال".‬
                                       ‫ر‬                   ‫ر‬        ‫ق‬
              ‫"إضحك أبو أشكمان تضحك بال سنان، ح ّ عليي ش ّبتك كاس، فعالً الس ّ ما ينعطى إال لناس وناس".‬
 ‫" على سالمتك يا عم، إنت ملح األرض، يوجد يف النهر ما ال يوجد يف البحر، لو ما كنتش موجود لوجب اختراعك ".‬
                                                 ‫د ي‬
         ‫فخفخ الغجري باألطراء فقال : " ملا نصحا من احلضرة، ب ّي اّاك تكتبلي قصة حيايت من طأطأ لسالمو عليكو‬
                                                                                                                     ‫59‬



                                         ‫ا‬                     ‫ت‬                                  ‫ي‬
                  ‫"أمرك يا رّس إنت بطل روائي من الروايات اليت تّخذ من إسم بطلها عنوانً، زوربا وتاراس بولبا ".‬
       ‫ن‬                                  ‫ت‬                    ‫ر‬                     ‫و‬
      ‫بدت على وجه عصري عالئم أب ّة: "سالمة قليب مية م ّة، واهلل لو متت لتتيّموا ( مث نظر إىل املقعد اخللفي ) كّي‬
                                                         ‫ْ‬          ‫ي‬                               ‫املعو‬
                                 ‫حاسس َّد حامتوف عم ميزمز معنا كاس بالسّارة، أبْصَر قولتك نفد ع ستنكنافيا"؟‬
                                          ‫ص‬
                             ‫" نفد وأيامه لوز، لوووز، زمانه بيحكي ستنكنايف ويلعب بالضوالرات ويب ّر للعواجيز ".‬
                                                                                      ‫ط‬
 ‫"سيبك منه، ح ّ باخلرج، اللي باعك ببصلة بيعو بقشرتا"قال عصري وحبث يف اجلارور فوقع على رخصة صيد وثالث‬
                                                         ‫و‬
     ‫جوازات سفر للصقور ممهورة بشهادة بيطرية تثبت خل ّها من أنفلونزا الطيور تعجب : "تالت تالف جنيه سترليين‬
                                                                           ‫عشان وقية حلم! أما صحيح شعب بطران !‬
                                    ‫"أصالً الشعب البَحَمْ ده متعبتش يف حتصيل األموال ليكون هناك منطق يف صرفها."‬
                      ‫ر‬
 ‫عثر عصري على للة تصوير رقمية، عبث بأزرارها عشوائياً فأضاءت الشاشة، كبس على ز ّ االسترجاع فظهرت لقطة‬
                                                                                                   ‫ق‬
‫الص ّارين مع تايالنديات مراهقات. ظهرت لقطة ملومس قاصر يف وجهها وقاحة القحبات وبراءة األطفال، توالت الصور‬
                                                                           ‫ر‬
     ‫يف طقس ستربتيز وهي تع ّي القسم األعلى واألسفل، وهي ختلع سترينغ من خيط واحد، ظهرت صورة زوم وهي‬
                                                ‫ذ‬                  ‫ض‬                ‫س‬
     ‫تداعب املناطق احل ّاسة من جسدها، ع ّ سرحان الغليون بل ّة جنسية: " صور مستكه أعىت من الكتلوغ، مسيار‬
                                                                        ‫ر‬               ‫ل و‬
                                                                    ‫خليجي بني مواخري ماني ّا املن ّرة وبنكوك املك ّمة".‬
                    ‫فشن‬          ‫ل‬                                 ‫ي‬                         ‫ت‬
  ‫ظهر املغّر يف بانيو دائري كبري مبعّة مخس مومسات يف كوكتيل فواحش، حت ّب ريق عصري َّك شرابية املسبحة:"‬
                             ‫م‬
                     ‫ألعَن وأفك رقبة، اهلل ال يشبعو عبد السكسي ،مخس شراميط، ينيك يلحس حيضن يش ّ ويشوف".‬
                         ‫ر‬                       ‫ع ع‬                                                      ‫م ت‬
    ‫" أ ّالْيتمّع مبا ملكت بترودوالراته، أمة شايله زبارها عكتافها، ُقَد ُقَدْ، البجم ده إديله ح ّية وينام مع خالتو على‬
                                                                                                             ‫طووول".‬
                                                                                                     ‫ب‬
 ‫"يوه تّت يدا، ما جبوز، حرام خالتو أخت إمو، العني تطرقو ما استحلى إال خالتو!" قال الغجري مث رمق الصور حبسرة،‬
 ‫التفت إىل صاحبه: "إي لفا بقى أبشكيب، بال حسادة وضيقة عني، حالل عَ الشاطر، خلي ينبسطوا بشبابن، يعين إنت‬
                                                                                                ‫ّحل‬
                                                                                  ‫زات نفسك لو ص ِّ ّك بتقوال الء"؟‬
                                                                                                            ‫ف‬
                                 ‫خ ّف سرحان السرعة، نظر غاضباً حنو الغجري :"قصدك إيه يا وَلَه ! أنام مع خاليت"؟‬
                                                                                     ‫"الء، مع مخس قحبات تايلندي".‬
                ‫د‬
  ‫نقل املصري الغليون إىل طرف فمه، ونقل العتلة إىل اخلامس: "متفهمنيش غلط، أنا شخصياً مش ض ّ السكس وأعتربه‬
                                                                                        ‫ر‬
   ‫فلسفة وجودية حم ّرة، لكنما أنا ضد احتكار الدكر اخلليجي للسكس على حساب األنثى اخلليجية احملبوسة حبرملك،‬
                                                                                                              ‫د‬
                                                                                          ‫وض ّ استغالل القاصرات ".‬
                                                                       ‫ت‬       ‫ن‬            ‫ل‬
                 ‫عاد عصري يتم ّى املنظر بعيَني جائعَني: "شه شه شه، إي معقولة شعب احلرمني طعرسجي هلالدرجة"!‬
                                                                                   ‫ر‬
      ‫"معقولة ونص، احمل ّمات تعمل أكتر من كده، لكم يف صلعمو أسوة حسنة يا صالعمة، مكانشي عنده تسع مزز"!‬
                                                                                                               ‫69‬



            ‫د‬                                             ‫و‬                                    ‫ز‬             ‫صل‬
   ‫" ِّ ع احلبيب، ن ّه الرسول ، شو هاخلصلة فيك دامياً مط ّل لسانك عَ الراحية واجلاية، أي شلون اهلل بِ ُّه يوفقك"!‬
        ‫ارتسمت على وجه سرحان أعراض االستنكار والغنب، تفاقم إحساسه بكبته اجلنسي فوارى مشاعره احلقيقية يف‬
                               ‫ي‬
‫اخلليجوفوبيا: " ناس جبم فالصو، عالة على األمم، نفسي ومىن عيين أشوف حاجة بالسّارة ميد إن أرابيا، مفيش، كامَره‬
                                        ‫دو‬
     ‫أمريكي، جنب دامنركي، طرمبيل ياباين، نبيت فرنسي، وسكي اسكتلندي، َّر عَ الدشاديش تلقاها ميد إن شاينا".‬
                                       ‫تناول عصري يومية "الشرق األوسط"وناكفه : " هاجلريدة مو صناعة عربية ؟‬
   ‫ُأصر املصري على أهنا مطبوعة يف لندن بتقنيات إنكليزية. داعبه عصري: "دخلك شوفـي أخبار جديدة هباجلريدة"؟‬
                                                         ‫خ‬                   ‫د‬
                      ‫"مفيش، شيوخ نفط يستقبلون ويو ّعون شيوخ نفط يف مش ّات نفطية ويف أتفه العوامل املمكنة".‬
                                            ‫ْ ش علي ق‬
                                           ‫ضربت اخلمرة يف رأسه أخرجته عن رصانته: "أرى نَيكَ ال ّيوخ َّ ح ّا‬
                         ‫ر‬            ‫د‬                           ‫ز‬
  ‫رمقه عصري باستهجان فأردف : " وا ّاي أشوف اخلطل ده واخرس، حم ّش خالص من ش ّهم يروحوا مصر وجييبوهلا‬
                                                           ‫ف‬
                                                       ‫إيدز، يروحوا العراق ينشروا إرهاب، جيوا الصحرا يش ّطوا"‬
     ‫خرج صوت األذان من إذاعة نداء اإلسالم فترك عصري الكأس احتراماً مث أسندَ رأسه أسبل رموشه أغمض عينيه‬
  ‫و‬
‫استسلم إىل النوم والشخري. وقبض املصري الثمل على املقود برخاوة، ساق على غري هدى : " مسوبيشي ياباين، س ّاق‬
                                                          ‫صعيدي، راكب محصي، بترول خليجي، ياهلل بينا لطنجة".‬


                                                   ‫ي‬
                                                  ‫عصبة نووّة‬


  ‫أضاع ساعات كثيفة يف سكرة سولو ، قاس الزمان بالفرسخ، وقاس الفرسخ بعدد الكؤوس، قاس القلقَ اللذيذ بِعضةٍ‬
   ‫لَِ‬             ‫ت‬                                                  ‫ر‬                    ‫شر‬
‫على الغليون، َّق فحضنته الصحراء، غ ّب فأحاطته الصحراء ، رأى نفسه حماطاً مبفازة رهيبة اّساعها مقياس ضآِّته،‬
                                                                        ‫ُعل‬
     ‫ال قافلة ال جمبد ال شاخص ال رجم ي ِّم الطريق، وال طريق، ال طلحة ال حلفا وال حىت شوكة يابسة، رمق اخلريطة‬
     ‫املفرودة على التابلوه وصفن .... أي طريق يأخذ ؟ وكل الصحراء طريق، وكل الطريق صحراء، أوتوستراد طويل‬
                                           ‫الس‬
‫بطول الطول وعريض بعرض العرض. كيف يركن إىل حواس خلخلها ُّكر؟ إىل أي مشال تشري إبرة البوصلة: اجلغرايف‬
       ‫ر‬
 ‫أم املغناطيسي؟ ما معىن االجتاهات األربعة والزوايا؟ واجملابة الكربى هاته جتعل من املصطلحات والشواخص جم ّد فوضى‬
                                     ‫ل‬
 ‫سدميية. ومَن يضمن أن اخلارطة ليست تقريبية، وأن مقياس الرسم هذا، الذي ق ّص األربعني ألف متر إىل سنتيمتر تافه،‬
       ‫ب‬                     ‫ط ر‬
‫ال يساهم يف اخلديعة البصرية؟ ماذا لو غرزت الدواليب يف رمال رخوة؟ لو تع ّل احمل ّك أو نفد الوقود؟ لو هّت عاصفة‬
                                                                                           ‫احلرور أو الشرقي؟...‬
                                              ‫غ‬                                  ‫َّب أصابعه من كتف الغجري‬
  ‫َّ الغافـي إليقاظه مث سحبها ببطء، ش ّل املذياع واستأنس بأهازيج موريتانية ، حبث يف‬                    ‫قر‬
‫اجلارور عن برشامة صداع فوجد بضعة أقراص مهلوسة، بلعها وغاب بني دهن اإلكستازي ودغدغة النبيذ األمحر، داس‬
                                                                                                                     ‫79‬



   ‫ل‬                             ‫ظ‬                                                          ‫ر ذ و‬
‫على الس ّاع بل ّة الته ّر واستنفاد احلدود القصوى للعدمية السالبة، ساق بعشوائية من ّمة، مهتدياً برادار قلبه، متس ّحاً‬
                                                ‫ر‬                                                       ‫ك‬
 ‫بالش ّ املنهجي، كفراخ الطيور املهاجرة اليت ترحل وحدها ألول م ّة مهتديةً بالقطب املغناطيسي ومبا ورثته من جينات‬
   ‫ل‬                        ‫معد‬     ‫ل‬                                              ‫ج‬
  ‫االستدالل والتو ّه، زادت املهلوِسات من رباطة جأشه بشكل كاذب وق ّلت من َّل ذكائه بشكل موضوعي، تط ّع‬
                  ‫ي‬
   ‫إىل السماء: ال طري يطري وال غيمة شاردة، نظر حوله باحثاً عن تضاريس ثابتة تتناسب مع سرعة السّارة فلم يرَ سوى‬
                                     ‫ل‬
‫استواء سليم من الرمال، لفاق عمياء، أماكن موصدة باخلواء... العامل ك ّه صحراء، صحراء حوله، وصحراء يف داخله،‬
    ‫صحراء الصحراء تنزروفت، نوميديا بالد العطش مهلكة الرمال، إهنا غلطة اجلغرافيا مثلما هم العرب غلطة التاريخ،‬
                                                                               ‫ط‬
‫كافافيس مل يذكرها يف إيثاقاه بني احمل ّات واجلزر اإلغريقية واألسواق الفينيقية واملدن املصرية اليت ينبغي للمسافر األبدي‬
                                                                                                               ‫ط‬
                                                                                                     ‫أن حي ّ عندها....‬
       ‫س‬         ‫ه‬               ‫ر‬                                                                 ‫ر‬
‫غالبه شعور أنه يتح ّك يف اإلجتاه اخلطأ. نقل عتلة التغيري إىل الرابع، فرمل وأوقف احمل ّك، نظر يف اجتا َني متعاك َني، لبث‬
                                         ‫ش و‬
   ‫مكانه مثل محار بوريدان يف منتصف الطريق بني سطل ماء وحزمة ق ّ، د ّر املقود يف زاوية من 081 درجة، نظر إىل‬
   ‫ل‬                                                                          ‫د‬
   ‫جراكن الوقود الباقية، إىل ع ّاد املسافات الذي جتاوز 005 كيلومتر، رأى أنه استهلك أكثر من نصف اجلراكن، ظ ّ‬
                                                                                                     ‫ر‬
    ‫ساكناً جيت ّ حريته، غالبه شعور بأنه يف وضع السكون فهو يف املكان اخلاطئ. أقنع نفسه بأن اجملهول الذي جيهله أهون‬
                              ‫ي‬
     ‫شراً من اجملهول الذي يعرفه، استدار وأقلع قدماً، قبض على املقود بعصبية، ساق السّارة مشحوناً بأحاسيس اخلطر‬
             ‫ت‬                                                   ‫ي‬
   ‫الداهم والفاجعة والضياع واالنسحاق والتشّؤ. تراجعت املسافات الطويلة كاشفةً عن مسافات أطول، اّسع اخلواء،‬
                                ‫ط‬
      ‫كربت األشياء الكبرية وصغرت األشياء الصغرية واختفت األشياء التافهة، احنىن اخل ّ السهمي يف الدائرة، التبست‬
       ‫الدائرة يف الدوائر، تالشى الوقت يف املسافة، واملسافة يف املسافات، أفضى التيه اجلغرايف إىل تيه متافيزيقي، فقدت‬
                             ‫د‬
    ‫املفاهيم مفهوميتها، ال وقت، ال مسافة، وال وجود. وتباطأت السرعة يف نسبية خمادعة، م ّ رقبته إىل الدواليب فرلها‬
                                                                                                            ‫د‬
       ‫تتق ّم إىل األمام بسرعة، رفع بصره حنو املدى القريب فرأى السيارة بطيئة كسلحفاة، رمى عينَيه على األفق البعيد‬
                                                ‫ث‬                             ‫ر‬                      ‫س‬
    ‫وأح ّ هبا تراوح مكاهنا، حت ّكت األخيلة يف فوضى احلواس، تأّث الفراغ هبياكل عظمية لركب ومطايا، رميم عظام‬
                                                                             ‫و‬
 ‫خنرهتا الريح، عدايل ملح ح ّلتها األمطار إىل سبخة، وسيوف عتيقة زجنرت أنصاهلا، خرجت منلة ضخمة من جحر معتم‬
        ‫ي‬                                      ‫ل‬                         ‫م‬                                  ‫ي‬
    ‫وطاردت السّارة، تبعتها منلة ثانية فثالثة وجت ّع النمل، زاد السرعة ليتغ ّب على ارتعاشه، راودته الرغبة املزمنة إّاها،‬
            ‫ي‬                                                       ‫د‬                              ‫ر‬
  ‫داس على الس ّاع، أدار املقود يف استدارة حا ّة إىل اليمني مث إىل اليسار، ويف األحناء كافة، ودارت السّارة كخذروف‬
   ‫جنحت فوق الرمال مثريةً الغبار، وارتطم عصري بالتابلوه فأفاق وسأله عما حصل، مسح عرقه مث نقر على املقود: "م‬
                                                                                                ‫حمصلش، عصبة نووية"‬
                                                                                                              ‫89‬



                                                     ‫ي‬
                                       ‫السماء والطارق ّ والنجم الثاقب‬


                      ‫ي‬                                                                              ‫ط‬
  ‫تع ّل جهاز التكييف وارتفعت احلرارة إىل أربعني، شرب خزان الوقود بيدون ديزل لخرَ. تغّرت طوبوغرافيا األرض،‬
              ‫ز‬                              ‫تضر‬                                             ‫ق‬
‫أفسحت كآبة الر ّ الالمتناهية اجملالَ جلبال عالية وشعاب عميقة، َّسَ االستواء فبدأت السيارة هتت ّ. انتقلت الشمس‬
                         ‫ر‬                    ‫و‬
‫إىل الطرف الغريب فنقل سرحان الغليون إىل طرف فمه األمين، تع ّذ الغجري باهلل من ش ّ الطريق، أسفرت الصحراء عن‬
  ‫وجه كاوتيكي، صرح خيايل برسم أفالم الرعب واخليال العلمي والفانتازيا واهلباء والسدى وعمهوت العماء. استطلع‬
                                                                             ‫ي‬        ‫خط‬
  ‫عصري باملنظار فرأى َّني متوازَني يف الرمال، نظر كل واحد من جهته فأدركا من مدى عمقها أهنا بنت النهار وأهنا‬
                              ‫ب‬
‫بعرض عجالت "املتسوبيشي".أدركا إهنما تائهان يف أكرب متاهة يف العامل، تسارعت حّات السبحة بيد عصري: " يا ويلنا‬
    ‫يا سواد ليلنا ، أصبحنا على ما أمسينا، متل خيل الدباكة طول هنارها بتمشي وبتظل مطرحها ، الصحرا أصالً أهلها‬
                                                                                    ‫تاهوا فيها شلون جاهلينها ".‬
‫غارت الشمس وغربت مث غابت، انصهرت السيارة بالعتمة، وخاضت يف القلق واخلوف واجملهول واخلوف من اجملهول،‬
                                    ‫ز‬
 ‫ويف فراغ الرعب ورعب الفراغ، يف كابوس يقظة، ويقظة كالكابوس، اهت ّت فانقلبت اجلراكن الفارغة. لوى عصري‬
                           ‫فت‬                                                                ‫ن‬
‫رقبته ويف ظّه أن املستودع مسكون باجلماعة "إياهم" فتمتم بِ "دستور من خاطرو"، َّش بني األشرطة عن ترتيل لعبد‬
   ‫ا ف‬         ‫ً‬                                                      ‫قل‬              ‫ٍ‬
  ‫الباسط فوقع على أغان لنانسي عجرم، َّب بني احملطات باحثاً عن إذاعة "نداء اإلسالم" فسمع كالما أعجميً، خ ّف‬
                                    ‫ب‬                               ‫و‬
        ‫سرحان السرعة، أشعل األضواء األمامية ون ّاصة الضوء يف سقف الكابينة، انك ّ على اخلارطة يف قراءة متأنية‬
                  ‫ر‬
      ‫إلحداثيات الطريق، تشابكت اخلطوط يف رأسه وهو يرى خطوطاً متباينة السماكة ومتواصلة ومتع ّجة ومستقيمة،‬
 ‫ر‬            ‫ي‬                                                                       ‫ط‬
‫وخطوطاً زرقاء متق ّعة ومنحنية تشري إىل سيول مومسية، ومسارات أخرى للقوافل ال تسري بشكل سهم ّ، لكنها تتع ّج‬
                                          ‫ط‬                                                       ‫ك‬
 ‫وتنحين وتتش ّل حبسب اآلبار، خطوطاً مريبة استفزازية مستقيمة وطويلة خ ّتها اإلدارة االستعمارية باملسطرة والبيكار‬
                                                                ‫ب‬                              ‫ُرس‬
 ‫لت ِّم احلدود، وخطوطاً تتقاطع يف مرّعات طول وعرض، ورموزاً واصطالحات ومهية خمطوطة على الورق وال وجود‬
                              ‫د‬
   ‫هلا على الرمال، قاس املسافة بني تاودين ورقان فوجدها تقارب 057 كلم، نظر إىل ع ّاد املسافات فوجد أنه قطع ما‬
                                      ‫ق‬
   ‫ينيف عن 009 كلم، وافترض احتمالني: إما أنه بالغ يف االجتاه مشاالً فجاوز ر ّان جلهة الغرب مبوازاة الطريق الوطين‬
  ‫‪ 6N‬ودخل يف الهنائية عرق الشيش، وإما أنه احنرف كثرياً حنو الشرق فخاض من حتت رقان، ما يعين أنه لن يصادف‬
                                                                                            ‫ب‬
  ‫الطريق املعّدة بل سيخوض يف هضبة تيديكلت اخلاوية قبل أن يبلغ طريق ‪ 1 A‬املنحدرة من عني صاحل إىل متنراست،‬
                                                      ‫ك‬            ‫ل‬
     ‫بدا غري منسجم مع ذاته مثل حلزون أعمى ض ّ طريقه ، تع ّرت عيناه اهلادئتان وهو يرى مؤشر الوقود يف املنطقة‬
           ‫ل‬
      ‫احلمراء، ارتعد بكهربة املوت رسم بالغليون "ناتور مورت"من بضع فواكه ومججمتَني، رسم مشنقةً ذات حب َني يف‬
                                                                      ‫ح‬                  ‫ب‬
     ‫أسفلهما مسكتان تتخّطان ، عصافريَ متف ّمةً فوق أسالك الكهرباء غمغم : " طلعنا من معصرة وقعنا يف طاحونة ".‬
                                                                                                                 ‫99‬



                                   ‫ل‬
   ‫أوقف السيارة، اقترح أن يباتا ليلتهما يف عني املكان، تبادال نظرات غري جمدية كفي َني هرمَني خيوضان يف أعماق الغابة‬
                                                                                      ‫ف‬
 ‫ليموتا وحيدَين، تل ّح عصري ببطانية كيوغي يف حال حلول واخنطاف، ألقى رأسه بني راحتَيه، رأى طيف املوت جيالسه‬
                                 ‫ب‬          ‫و‬                                      ‫ل‬              ‫ل‬
  ‫غازالً على نوَني، اخليوط تق ّ يف نول احلياة لتكثر يف نول املوت، حت ّلت شقلبة حّات السبحة إىل تسبيح، لبث يتأقلم‬
                      ‫ت‬     ‫ً ل‬                                           ‫ق‬
 ‫مع فداحة املوقف بورع األتقياء، ر ّت مشاعره وبدا وجهه على ضوء القمر مصقوال من ب ّور، رّل املعوذتَني والصمدية‬
               ‫ي‬                                                            ‫أمل‬                             ‫ي‬
   ‫بنّة مفارقة الدنيا، أشعل سيجارة، َّ به حنني إىل عياله فأخرج الصور الثالث، أطرق ملشهد أبنائه، تغّرت سحنته إىل‬
        ‫د‬             ‫ب‬                                    ‫و‬
  ‫ماتري دولوروسا ملسوعة الفؤاد، انتفض بغريزة األب ّة وحفظ النوع: "واهلل الضىن حلو، يا رّي دخيلك ما ب ّي موت،‬
                                                                                       ‫معي‬
                                                                              ‫أنا جار سيدي خالد، أنا ِّش العيلة"‬
                                                 ‫و‬                 ‫د‬
                         ‫استطلع عصري باملنظار فقال املصري: " حم ّش شايفك، إنت بتد ّر عن شامة بطيز السنغايل"‬
                                            ‫د‬
                                ‫صرخ عصري صرخة استنجاد فقال املصري: " حمدش سامعك إنت بتو ّن يف مالطة".‬
                                ‫ل‬                ‫نط الغجري إىل املستودع باحثاً بني الكراكيب عساه جيد السلكي‬
   ‫َّ توكي ووكي، انس ّت يده الشعورياً حنو الكرتونة،‬                                                      ‫ّ‬
                                ‫د‬
  ‫تناول قنينة شيفاس، دعم معنوياته اهلابطة جبرعة ولبث حيتسي جرعات متوالية، م ّها إىل املصري فشرب، شربا من فم‬
                              ‫ف‬                                      ‫ب‬
      ‫القنينة مث خلع كل واحد حذاءه وص ّ فيه، أشعرهتما الويسكي بسلوى محيمة، ج ّفت منابع اخلوف، مثل عصري‬
                                                                                             ‫ي‬
       ‫و"جدهبا" محصّة، أخذ خيدع املوت ويراوغه ويبكي ويضحك يف فصاحة العبور من املأساوي إىل امللهاوي، فتل يف‬
                                                                         ‫ي‬
  ‫احلضرة برقصة دراويش امليلوّة، ضرب على صدره وطلب املدد، جاوبه املصري "حي حي"، شنكال ذراعَيهما وشرعا‬
                    ‫م‬                    ‫د‬
   ‫يرقصان رقصة الزار، خيبطان أرجلهما باألرض، مث هتالكا على الرمال ومت ّدا على ظهرَيهما هائ َني يف كوكب خرايف،‬
                                ‫ت‬                                      ‫د‬
     ‫شعشع سرحان وبدت له احلياة متع ّدة األشكال واألحجام مثل بابوشكا خشبية ُخفي يف داخلها بابوشكات أصغر‬
                ‫ت‬                               ‫حو‬           ‫ر‬
   ‫منها، وبدا الفراغ بطانة لعامل لخر أكثف وأعمق. ح ّك الغليون، َّل السمكتَني إىل طريَين، واجلمجمّني إىل رأسني،‬
                     ‫د‬                          ‫مج‬                         ‫ح‬
 ‫واملشنقة إىل أرجوحة، العصافري املتف ّمة جعلها محاماً أبيضَ فوق ّيزة. مهد عصري على ظهره يع ّ جنوم الليل، ملح بني‬
                                         ‫س‬                                    ‫ً ي‬
  ‫األضواء الثابتة، جنما طّاراً فتفاءل، رمشت رموش عينه اليمىن، ُمع صوت خفيف ضعيف متقطع، له رجع بعيد لتٍ‬
                                                                                   ‫قل‬
 ‫من أعماق الصحراء، َّب سرحان عينَيه يف اآلفاق السود وأرهف أذنيه، إنه سكران لكن حواسه ال ختدعه، فليس هذا‬
                                                ‫ر‬
                      ‫صوت ريح ألن ليس من ريح، كما أنه ال حيلم، وليس يف كل م ّة يرى أسربة ويسمع هواتف...‬
                     ‫د ر‬                   ‫ف‬                   ‫ي‬
     ‫ركض كل منهما بفردة حذاء واحدة، تعربشا بالسّارة، أقلع سرحان، ل ّ يف استدارة حا ّة، م ّر عتلة السرعة من‬
                                                      ‫ط‬
    ‫األول إىل الثاين إىل اخلامس، دار مؤشر السرعة بسرعة، ون ّ عن اخلمسني إىل الثمانني وجتاوز املئة، استطلع عصري‬
                                                     ‫دو‬               ‫عد‬                  ‫ق‬
‫األفق باملنظار وتوّف عند جهة بعينها، َّل عدسة التقريب َّر عدسة التكبري وملعت أسنانه الذهبية حتت العدستَني وهو‬
   ‫ف‬
‫يلمح سيارتني بطيئَتني يف املدى والبعد، ظهرت أربعة خطوط متوازية على الرمال، مل يعرف سرحان الزر املناسب لص ّارة‬
                          ‫م‬                             ‫س‬             ‫ل‬
    ‫اإلنذار فكبس عشوائياً على األزرار ك ّها، دارت امل ّاحة، وارتفع الزجاج واشتغلت غ ّازات الضوء ومثلث اخلطر‬
            ‫د‬                            ‫ت‬                          ‫ي‬
   ‫األمحر مث جلجل الصوت القوي املزعج كسّارة شرطة يف حالة مطاردة، اّضحت "تويوتا ستايشن" يف املق ّمة وخلفها‬
                                                                                                                                                      ‫001‬



    ‫س‬        ‫ه‬                                        ‫ي‬                ‫ت‬           ‫ت‬         ‫ي‬
 ‫صهريج، أسرعت السّارتان قلقَني مثل غزالَني شعرتا بوجود صّاد، مث أطفأتا األضواء، وافترقتا يف اجتا َني معاك َني،‬
    ‫ق‬             ‫ط‬                                                             ‫ع‬                ‫ل‬
‫اختبئتا وراء ت ّيْن شاهقتني، تش ّب اللغز إىل ألغاز، هل هي دورية ليلية حلرس احلدود ؟ أم أهنم ق ّاع طرق؟ أم ص ّارون‬
                                                                                                                          ‫ي‬
                                                                               ‫خليجّون سكارى؟ أم هو الوهم املفترس والليل الشرس؟‬
                                        ‫وضع املصري يده على فمه بشكل بوق: "سايق عليكو النيب ميسلمني إحنه على خطر".‬
                                                                                                        ‫د‬
   ‫تر ّد الرجع يف أعماق الليل والصحراء، قفز عصري إىل املستودع، تناول القنبلة الضوئية وناوهلا للمصري، أمره أن‬
                               ‫ن‬
   ‫يطلقها عندما يبلغ نصف املسافة الفاصلة عن املكمن، أمسك بندقية الصيد ونزل مترّحاً كالسائر يف نومه ويف رجله‬
     ‫نو َ‬
   ‫فردة حذاء واحدة، رفع سرحان يدَيه عمودياً بالقنبلة الضوئية، أطلقها، ارتفعت عشرات األمتار ونزلت ببطء َّرتْ‬
                                                                             ‫ه‬
   ‫السماء بنورٍ اصطناعي متو ّج بلون اخلطر األمحر، أضاءت املكان الذي انطلقت منه وكشفت "املتسوبيشي"، هبطت‬
        ‫ل‬                  ‫خ‬
‫على مهلٍ، انطفأت، ران صمت مثري ومرعب كصمت املقابر خرقته قرقعة حديد، مث ز ّة رصاص من خلف الت ّة، مث من‬
                                                                                           ‫س‬
   ‫اجلهة املقابلة، ُمع أزيز الرصاص يف املدى الشاسع متواصالً كمعركة بني اجلهات األربع، لبد املصري خلف املقود،‬
                                                                                              ‫ب‬
  ‫أطفأ األضواء، خّأ رأسه بني ذراعَيه، حذر صاحبه : " إلطي يا بو دماغ الطوب، اجلماعة صارمني بيضربوا يف املليان".‬
  ‫" ما ختاف صوت االنفجار، الفشكة اللي بدها تقتلك ما حتسمع صوهتا منوب"قال عصري بطمأنينة السكارى وتقدم‬
 ‫س‬            ‫ي‬
 ‫بني الطيش والرصاص الطائش وأطلق صرخات حرجبية سرعان ما ذوت يف حنجرته وضاعت يف دو ّ الرصاص، أح ّ‬
                                                                                     ‫س‬
                                             ‫بشيء حاد يرتطم بكرشه، انبطح وحت ّس كرشه فلم يرَ دماً، أيقن أنه حجر طائش .‬
                                                            ‫ن‬              ‫ث‬
 ‫انكشف على ضوء القمر رجل ملّم طويل حنيل مزّر حبزامٍ جلدي مليء بالرصاص ويف يده بندقية "مسنوف"، ويف عنقه‬
                                         ‫1‬
                                                                                             ‫ل‬
                                             ‫حجب وتعاويذ، انعكس ظ ّه أطول على الرمال، بعد سكوت طويل قال : "إماهاغ.!‬
                                                                    ‫فوجئ عصري بالرطانة ومل يرد، فعاد الصوت يقول : " إنسلمن !‬
                                                                                                                                                     ‫"...‬
                                                                                                                                            ‫" إيكفارن!‬
                                                                                                                                                     ‫"...‬
                                                                                                                                              ‫" إمغارَن!‬
                                                                                                                                                     ‫"...‬
                                                                                                                                            ‫إمييديوِن"!‬
                                                              ‫ل‬                                    ‫ا‬
                                     ‫انفعل عصري خوفً، وارتعشت السبحة يف يسراه، عاد املس ّح يرطن: "ماين س إد فالد"؟‬
                                                                                                            ‫مث بصوت أقوى : "ماين س تيقيد"؟‬
     ‫أ ك‬            ‫قن‬                       ‫َّ‬                               ‫ل‬                             ‫ل‬
‫ش ّ اخلوف لسان الغجري، عاد املس ّح يقول بعدوانية ظاهرة: "إنتَ شِ دوْرْ قايس ف أثرنا، أس َاِني أَشبِيك َش ُونْ"؟‬

    ‫1 إماهاغ = توارق / اينسلمن = مسلمني / إيكفارن = كفار / إمغارَن= اصدقاء/ امييديوِن= اعداء / ماين س إد فالد= من اين أتيتم / ماين س تيقيد = إىل اين ذاهبون/‬
                                                                                                                                                     ‫101‬



                                                                    ‫ف‬                             ‫ل‬       ‫ج‬
     ‫تو ّس املس ّح من املنظار والبندقية ومن ص ّارة اإلنذار، هرول إىل مكمنه، برز من الطرف املقابل شبح لخر ميتشق‬
                                                               ‫د‬                            ‫د‬
   ‫سيف تاكوبا، س ّد نظرة عميقة على الغجري، تق ّم فرأى فردة حذاء واحدة يف رجلَيه وأوشاماً على ذراعه، وبرنيطة‬
                          ‫ب‬              ‫س‬                      ‫ط‬       ‫ر‬                        ‫مل‬
     ‫غريبة وعينَني ّاعتَني وأسناناً ذهبية ب ّاقة، غ ّى وجهه بالتملغوشت، حت ّس قالدة فيها حّات عاج وتراجع صارخاً:‬
                                                                                                    ‫"وحق ريب عفريت جن من كل لسوف".‬
           ‫أ‬                                               ‫و‬                  ‫ت‬                      ‫ث‬
  ‫انربى ملّم ثالث بيده كالشن بقبضَني، تبدو عليه الق ّة اهلادئة، قال لعصري : "إلـزم بالصتك بو برنيطة ُال تبوج".‬
                                                   ‫ْ‬            ‫قر‬                                                        ‫د‬
                                                  ‫تق ّم امللثم ببطء ومهابة، عاجله جبملة أوامر مقتضبة جازمة: " ِّب جاي، أرْوَح،‬
                                                                                                                                                    ‫"...‬
                                                                                                                       ‫" نح الربنيطة عن راصك"‬
                                                                                                                                                    ‫"...‬
                                                                                                                                 ‫" ارفع ذراعاتك "‬
                                                                                                                                                ‫".... .‬
                    ‫" ِّق اسباعك نعدهم اال أعو ُ خمسَ معناهَ انك أنْسْ وامنني إعو ُ أيدك خاصهَ شِ معناها أنك جن1".‬
                                                   ‫د‬                               ‫د َْ‬                       ‫مر‬
                                                                                   ‫ك‬
‫فرد عصري أصابعه العشر انف ّت عقدة لسانه فتأتأ: "بْنادم وحياتك أخي، إنس وخري اإلنس.، أمة حممد وال إله إال اهلل،‬
                                                                                                    ‫يستر على حرميك يا حمترم، برقبيت أيتام "‬
                                                                         ‫َظ أس‬                     ‫د‬        ‫ث‬
    ‫بربر امللّم بعد ع ّ أصابع كل يد : "ع َّمتْ ُّبْحانْ والهي إال إنس أدَم مُالنا، وحق سيدي دغمويل امْنادَمْ حبالنا ".‬
    ‫و‬                    ‫س‬                                           ‫ل‬                                ‫ق‬
  ‫د ّق يف الغجري عن كثب فرأى سبحة تتدّى بعضده، وحجاباً يف أعلى ذراعه العارية. تو ّم فيه مالمح درويش ج ّال‬
                                                              ‫ك‬
   ‫من الصوفية اجلائلني بزيارة املوسم واخلرجة، ن ّس البندقية غمغم: "اللهم اغفر للذي كان مالذ اإلنس واجلن شيخي‬
                                          ‫ت‬
‫اجليالين، سيدي عبد القادر راه ما يغلبك ال زيد ال اللي يزيد (صفر صفرَني) أسنوسي أحممد اخلري، يا ناس ما كان باس،‬
                                                                           ‫أ ه‬          ‫ه‬
                                                            ‫أراجل من املريدين معاه السبحة القادرية، ما ُ ديوانه ُال ُ من املستترين".‬
                                                                                                    ‫ق‬           ‫ي‬
                                             ‫قال لعصري: "َا الْخَالِ ُو عليك األمان، أولياء اهلل ال خوف عليهم وال هم حيزنون".‬
                          ‫ل‬                  ‫ج‬
  ‫أقبلت "تويوتا ستايشن" هبط منها أبو السيف، ومن الصهريج تر ّل أبو السمنوف. تك ّما يف وقت واحد: "سيسم ان‬
   ‫يال امساروف... ما توالم؟ إيدداهِن، ما توليد2؟... ال باس أر ُل ،كه داير! سابا! ...جمروح خمالقشي! ...الطونوبيل‬
                                                   ‫َّج‬
                                                                                                 ‫خبري! صاحبك خبري! ... انشاهلل ما تآذيت".‬
                ‫مل ظ ج‬                                   ‫ث‬                                              ‫ش‬
      ‫ع ّشت الطمأنينة بني أهداب عصري، محلق يف وجوه امللّمني كأهنا وجه واحد للمهدي ا ُنتَ َر، تر ّل سرحان من‬
                                                    ‫ز‬                                                  ‫ي‬
 ‫السّارة رافعاً يدَيه: "تعمر مصطبتك، يطرح وردك، يدوم ع ّك ، تاهت ولقيناها، سبحان من جعل اهلدهد للطريق هاديا‬

   ‫1 يف الصحراء مييزون اجلن من االنس من عدد اصابعهم فاجلن ينقصهم دائما اصبع/ ماه ديوانه = ليس من اجلمارك/ كل اسوف =قبيلة اجلن عند التوارق / الزم بالصتك ال‬
                                                                                                                            ‫تبوج = ابق مكانك ال تتحرك‬
                                                                                                       ‫2 سيسم ا، ما توالم ؟ إيدداهِن ، ما توليد = كيف احلال‬
                                                                                                                                                     ‫201‬



 ‫ْ‬         ‫ُك‬        ‫أن‬                                                                                      ‫و‬
 ‫حت ّلت املواجهة إىل كرنفال، محلق أبو الكالشن بالغريبني السافرين: " يلطيف، لن رَيْتْ أعشاش ُّسور يف ه ّار، أرَيْت‬
                                                                 ‫ْ‬                                     ‫أن‬
        ‫َّعامَ وأمتاسيح، أرَيت احلوت يسبح يف قَلتَ بالصحراء، لكن معمريش شفت أعجب من هد جلماع، منني جاو من‬
                                                                                                                                       ‫‪!"1nulpar‬‬
 ‫أبدى صاحب السمنوف استغرابه: " أنكرويابْلْ ! الدنيا مليانة عجايب، لنا شَفْتْ أسْبَعْ وقرقاف، شفت البحر يدخل يف‬
                    ‫ته‬                                     ‫ع‬
  ‫الصحراء يف طانطان، شفت لفعى تصرط معيز، الكن مَ ُمري شفت فقرا مريدين يف الصحرا ( للّائ َني ) انتوما قايسني‬
                                            ‫زاوية كنتة! ول زاوية الشيخ بن ِلكْبري بأدرار! ول زاوية سيدي الشيخ بعني صاحل"؟.‬
     ‫و"جدهبا" عصري محصية، تواجد بدواعي احلال وتشاطح : "أينعم أنا داعيك أبو حذيفة النعمان، الضايع بَدالو واحد‬
                          ‫ْ‬                                                              ‫ج‬
         ‫ضايع تاين، شيخ الس ّادة السعدية من أهل اخلرقة اجلندلية وهذا مريدي درويش بن حجر لخِذ طريقة سِبحانية".‬
                ‫ك‬
   ‫"أيوه أنا جلمود بن صخر من حرافيش الباطنية وده شيخي أبو حنيفة النعسان بتاع جنجلوديه، خطى ُتبت علينا وال‬
                          ‫ر س‬              ‫ب‬
    ‫بد من مشيها، السفر أعلى درجات السلوك ومن ال يسافر يعترب عند احملّني ناقص س ّ، ول ّه ياما هتشوفو كرامات".‬
                                   ‫ب‬
                 ‫عانق عصري صاحبه: " عمرك بقي يا شقي، بابا درويش قليب ال يغفل عن ذكر اهلل، أحّك يف اهلل يا أخي".‬
                                                  ‫وح‬            ‫ب‬                                                       ‫ب‬
                                             ‫"أحّك اهلل الذي أحببتنا فيه، بركاتك يا شيخي أبو الغالبة،، رّك ملا يريد، ِّدوه".‬
    ‫اتسعت عينا حامل السمنوف وهو يبصر فردة حذاء واحدة يف رجلَي كل منهما: " سبحان الاله العاضيم، ايل موالف‬
                                                                                                                            ‫بالذكر ينسى صباطه".‬
    ‫"سيادتك، فلتت من أرجلنا وحنن يف احلضرة نضرب هبا مدد (بعايل الصوت) مدد يا سيدي احلسني يا صاحب القربين‬
                                                                                         ‫ن َم‬
  ‫مدد، يا كحل العيَني ي ُّ هاشم مدد ( للملثمني) للحياة سرها الباتع،! يعين حظ حنلتني باالصطدام بالفضاء الكوين أكرب‬
                                                                                                                  ‫من حظنا بلقياكم يف تنزروفت‬
                                                ‫قال حامل الكالشن : " يا شيوخنا راكم يف الدزاير تايهني بني عني صاحل وأدرار".‬
                                                                  ‫م‬
                          ‫استغرب الغجري: "يوه معقول! أي واهلل كنت خم ّن اجلزائر شوية جزر ببحر مو صحرا هالشكل".‬
    ‫وأنزل أبو السيف حصرية وبرازيرو ومعاميل الشاي، وللة امزاد موسيقية ذات وتر وحيد، عكف يشعل النار. قرفص‬
                                    ‫ي‬
   ‫حامل السمنوف عند دوالب الصهريج قال حبكمة أهل الصحراء: "اتريق متل احلّة ال يعرفها يقتلها وال ما يعرفهاش‬
                                                                                                                      ‫ل‬
                                                                               ‫تقتله، والكن اّي خيلق ما يضيع، احلي ال بد يالقي احلي".‬
   ‫سأل عصرياً هل هو من الزاوية التيجانية أم من القادرية؟ فقال من زاوية "كل مني إيده إلو". أمطرت األسئلة: ما اسم‬
‫بلده؟ أجاب: "محص أم الفقرا والدراويش والزوايا والتكايا". من هو األمنوكال 2فيها؟ فقال الشيخ أبو اهلدى الصّادي.‬
    ‫ي‬
                                                                                ‫ل‬
   ‫أحرجوه بأسئلة يف الشرع فتمّص وقال إهنا حتت مستواه وتليق أكثر بتلميذه املريد درويش. ابتدروا سرحان بالسؤال‬

‫1 المكان /احلوت = السمك / قلته = بركة ماء بالصحراء / أنكرويابْلْ = عجيب / أنعام = النعامة وكانت موجودة بالصحرة مث انقرضت / قرقاف = الضبع / تصرط = تبتلع‬
                                                                                    ‫/ انتوما قايسني = انتم قاصدين / راكم = تراكم ، / برازيرو = منقل اجلمر‬
                                                     ‫2 أمنوكال زعيم حتريف أمني العقال ، / تربندو = مهربون / أشومار = العاطلني عن العمل املشتغلني بالتهريب /‬
                                                                                                               ‫301‬



                                                                                 ‫ش‬
    ‫عن بلده، فقال: مصر "ع ّ األولياء والصاحلني". من أي دشرة يف مصر؟ قال:"أسيوط أم العباقرة". كم عدد نفوس‬
  ‫مصر؟ فقال: 07مليوناً، مليونني منهم يسكنون يف املقابر. سألوه هل التهريب حرام أم حالل؟ فقال: يعتمد األمر على‬
                         ‫ر‬                                   ‫ي‬
 ‫نوع املفيت، فمن يقبض راتبه من ضرائب السلطان ُفيت بتحرميه ومن يقبض من خريات امله ّب يفيت بتحليله. خاضوا به‬
                                       ‫س‬                   ‫ر‬                 ‫ر‬
     ‫يف أسئلة عن األحكام والعبادات فته ّب من اإلجابة متذ ّعاً بأن الصويف يتو ّل علم احلقيقة ال الشريعة، سألوه عن‬
                                   ‫د‬
‫طريقته فقال: "الطريقة الستيواسيونيست الوجودية النيهيليستية". من يكون مق ّمها؟ فقال: "شيخي عبد السارتر بن عبد‬
                                                                                            ‫د ر‬
‫املوجود ق ّس س ّه". سألوه عن خصائص الطريقة، فقال: " أسبقية الكينونة على املاهية، ورفض االحتواء والقمع اجلنسي‬
               ‫" التفتوا حنو املتسوبيشي، سألوه: من أين هذه "الطونوبيل"؟ فأجاب: "من عند اهلل وهو يرزق من يشاء".‬
   ‫انطلقت االسئلة باالجتاه املعاكس فاكتشف املشرقيان أن امللثمني طوارق تربندو، من مجاعة " أشومار" أمساءهم حيبلله‬
                                          ‫م‬                                        ‫خ‬      ‫ر‬
    ‫وسنوسي وحممد اخلري، يه ّبون د ّاناً إىل اجلزائر ووقوداً من اجلزائر، حي ّلون الصهريج نفطاً يف مشوار الذهاب، ويف‬
                                            ‫ر‬                       ‫و‬
    ‫اإلياب حيشون جوفه خبراطيش "مارلبورو" مز ّر و"غلواز" و"ليجند". ح ّك حيبلله اللثام على أنفه بطريقة توحي أنه‬
     ‫حي‬                                           ‫ل‬                                                 ‫ر‬
    ‫ليس جم ّد غطاء إلخفاء الوجه بل وسيلة إلظهار املشاعر، وتك ّم على أصل الطوارق قائالً إهنم من مسوفة من ِمَر‬
                                                                      ‫د‬
                                                                ‫اليمن جاؤوا الصحراء الكربى بعد اهنيار س ّ مأرب.‬
                          ‫ح‬
‫اتكأ سنوسي على جنبه، رسم على الرمال طلسماً من أحرف تفناغ، مذراة هلا رأسان، ص ّح قائالً إن الطوارق بطن من‬
                                                                                 ‫م‬
                                                                       ‫الرببر، ينحدرون من تني حنان أ ّهم الكربى.‬
                                                                       ‫ث‬
   ‫أضحك حممدَ اخلري انشغالُ صاحبَيه بنبش جّة التاريخ، أزاح اللثام فظهر وجه أكثر مسرةً منهما، وقال إنه حرطاين من‬
                         ‫م‬                         ‫م‬          ‫ر‬                           ‫ر‬
      ‫البيلة الصوانك، يتع ّب مع العرب ومع الطوارق يتط ّق، وال يه ّه عدنان وقحطان قدر ما يه ّه بلوغ أدرار ساملاً‬
                                                         ‫ب‬                ‫ق‬                                   ‫خ‬
                                            ‫بد ّانه واإلفالت من رقابة الفرقة املتن ّلة للجمارك املترّصة خلف العرق.‬
                                             ‫و‬
  ‫وعلى سرية اجلمارك ارتعد حيبلله ونزع املنظار من رقبة الغجري ود ّره يف األرجاء، عبث بعدسيت التقريب والتكبري،‬
           ‫راق له ألنه " إنفراروج" ويبصر يف الظلمة، أرخاه على صدره بني مجلة احلجب والتعاويذ كملكية شخصية.‬
                                        ‫ف‬
                 ‫وضع سنوسي عينه على بندقية الصيد، واستوىل عليها ألهنا اكثر أناقة وخ ّة من السمنوف السوفيييت.‬
                                                             ‫ب‬
‫رفع احلرطاين إبريق الشاي من دون احتفالية وص ّ يف الكؤوس قبل أن ختمر وعينه على املتسوبيشي، قفز إىل مستودعها‬
                                               ‫ف‬                                                           ‫ً‬
     ‫قفزة من نوع "إذا فاتك اللحم عليك باملرقة"، حفن من الفواكه اجمل ّفة، أخذ قنينة زيت الزيتون وشرائح قمر الدين‬
                       ‫ك‬                        ‫م‬                                 ‫ج‬              ‫ر‬
   ‫وأدوية، وص ّ الغنائم يف س ّادة الصالة. توقف عند الكرتونة، ش ّ رائحة مخرة من فميهما ش ّ يف انتحاهلما: " وحق‬
                                         ‫ذ‬
                               ‫راس سيدي البخاري اذا انتوما من الفقرا موالت اخلرقة فأنا راين بالل مؤ ّن الرسول".‬
                               ‫ه‬
     ‫أمالَ الغجري فمه يف ابتسامة ساخرة وقال قد اكتنفته الفضيحة: " لك هاي رحية الز ّاد، من كتر األنني والدعوات‬
                                                                                                 ‫ر‬
 ‫والتض ّعات، حننا مجاعة أوادم ملتزمني منشرب على الطريقة اإلسالمية... أخي أبسمرة خود الغرض اللي بيعجبك بس‬
                                                                                                       ‫استر علينا"‬
                                                                                                             ‫401‬



                       ‫ذ‬
‫أزاح احلرطاين اللثام عن وجهه بابتسامة توحي بأنه أجرأ من صاحبيه الطارقيني على اقتناص الل ّات، وأقل اكتراثاً حبدود‬
     ‫اهلل، تناول قنينة نبيذ وفتحها خبربة العارفني وجرع منها ثالث جرعات كأنه جيرع ماءً، انفرجت أساريره النواسية،‬
                                         ‫و‬           ‫خ‬
    ‫استوىل على التريموس والناموسية واللوكس والساطور والس ّان، هبط لت ّه ونزع منرة املتسوبيشي السياحية بضربة‬
                                                                                                ‫ب‬
    ‫تورنفيس وثّت مكاهنا لوحة تسجيل جزائرية وعالمة والية أدرار صفر واحد درءاً لالشتباه، ومأل خزاهنا من برميل‬
   ‫ي‬                                                                                           ‫ل‬
‫الوقود، ص ّوا الفجر مجاعة، ساق الطارقيان الصهريج و"الستايشن" وساق احلرطاين املتسوبيشي وانطلقوا قبل أن ُصبح‬
                                                                                                        ‫الصباح.‬
                       ‫501‬




  ‫الوادي اخلامس‬
              ‫ع‬
‫ويتش ّب إىل واديَني:‬
      ‫ش‬
    ‫أدرار وب ّار‬
             ‫601‬




  ‫أدرار‬
‫وادي العشق‬
                                                                                                                                      ‫701‬




                                                             ‫حب‬
                             ‫أول مكان يقصده ّار بعد طول متاهة يف أعايل البحار‬


            ‫ج‬
 ‫هتادت املتسوبيشي يف الطريق الوطين رقم 6 وراء الستايشن وأمام الصهريج، أشار السائق احلرطاين إىل ِمال أفخاذها‬
   ‫موسومة بأحرف تفناغ قائالً إهنا ألوالد "كل امحيالن"، أشار إىل بيوت بالستيكية تلمع حتت الشمس وقال إن بعضها‬
                                                               ‫ن‬
                                                    ‫مزروع بالطماطم واخليار وبعضها اآلخر مزروع بالقّب والعفيون.‬
       ‫انكشفت مساكن شعبية مبينة على نسق واحد بالطوب االمحر إلنقاص أشعة الشمس، بدت أدرار كأهنا متروبول‬
                                                                                     ‫د‬
   ‫مبقاييس تاودين، صرحاً ال يستم ّ عظمته من ذاته وإمنا من اخلواء املفضي إليه (لو نظرا إليها من فوق بعيون أبناء الت ّ‬
   ‫ل‬
                                           ‫ي‬
     ‫1فإهنا لن تعدو كوهنا دشرة منسية لكنهما نظرا إليها بعيونٍ ألفت عدمّة الصحراء) عند سور املدينة أخذ الصهريج‬
                                   ‫ي‬                                             ‫و‬
          ‫والستايشن اجتاهاً مغايراً، ل ّح حيبلله وسنوسي بأيديهما تلوحية وداع ووجلا ح ّ "إْبنِ واسكت" بينما دخلت‬
                                    ‫ي‬                             ‫و ق‬
  ‫"املتسوبيشي" من حتت قنطرة ب ّابة ر ّان، خاضت يف شوارع عريضة بني سّارات "بيجو" عتيقة، جاوزت فندق توات‬
                          ‫ق‬                                                  ‫ط‬
  ‫اقتربت من سوحية يتوس ّها مزار ويل مطروش بالكلس، تباطأت قرب سوق دينار، ش ّت طريقها بني بسطات وقفاف‬
   ‫م‬                              ‫ه‬                                 ‫ث‬
‫عامرة بتمور وطماطم وتوابل وحبوب وفلفل. بّت مئذنة املسجد األعظم أوراداً مم ّدة لصالة اجلمعة (التربندو يتع ّدون‬
 ‫دخول الدشرة يف هذه اللحظة والشوارع تفرغ حىت ال يثريوا انتباه الوشاة واجلمارك). ملح سرحان صبية متلفعة، محلق‬
 ‫هبا وهي تشد امللحفة على جسدها وتظهر تضاريسه اخللفية، بدت من بعيد تكثيفاً لشرق سري غامض يبدأ وينتهي عند‬
                                                                               ‫مهي‬
‫أسوار احلرملك، وبدت ِّجة أكثر من صور الكتلوغ، ملعت شفرة رغباته على خياهلا وهي تذوب بني املارة، وانتصب‬
                                      ‫ي‬      ‫ر‬
  ‫قضيبه على الالشيء، انفلشت الشحنة اإليروتيكية باجلسد املضاء، حت ّكت احلّة املقدسة على واجهة املعبد الفرعوين،‬
      ‫ر‬                                                                            ‫ر‬
      ‫امتأل الرأس بالصور فتح ّك الغليون يف رمسها: نساء عاريات وخيول حتمحم وغيوم هلا أشكال جنسية دنيئة، أس ّ‬
                                                           ‫لصاحبه: "بقولك ايه يبو العم، عاوزين حضرة من نوع تاين".‬
     ‫ابتسم الغجري الذي كان يهجس باهلاجس ذاته "عمرك أطول من عمري .... بس وين بدنا نالقي كرخانة هاليوم‬
                                                                                                              ‫ل‬
                                                                                             ‫الفضيل، بلد ال ّاوية كلها جوامع".‬
                                                                                                       ‫َم‬
     ‫"اتط ِّن يأْنكِل، احلته اللي فيها جامع واحد هيتالقى فيها كرخانتني". قال سرحان والتفت صوب احلرطاين السائق:‬
                                                                       ‫"عايزين نستشريك مبوضوع حساس كده يبو اخلري".‬
                                                       ‫ْ‬                                          ‫د‬
  ‫م ّ عصري رقبته: "إي أخي أبسمره ، دبرلنا شي قَعدِه على كيفك (غمزه)... جيلي صدى قليب ضبيح الكساكيسي".‬
          ‫رفع احلرطاين يده عن املقود وضرهبا على صدره: "تشرفوين تاكلو كسكسي عندي يف الدار، مرحب بيكم".‬
‫"بالش الدار بتاعك، يا ريت تشوفْلِنا حتة كويسة للنعنشة، عاوزين نفرفش، إنت فاهم قصدي كويس... طيش شَباب".‬

                                              ‫1 التل هو مشال اجلزائر ، كرخانة كلمة فارسية وتعين ماخور / كسكسي هي األكلة املغاربية املعروفة /‬
                                                                                                                                                ‫801‬



             ‫قال السائق: "فامهك فامهك، نروحو ألطراف الدشرة كاينه خلضوري وماء جاري وهوا منعش وجو شْباب".‬
                                                                                                                   ‫م‬
                                                  ‫ّرق عصري لسانه بني شفتيه: " سالمة فهمك، قصدي الربغي اشتاق للعزقة "‬
                      ‫ي‬
   ‫نظر السائق إىل دواليب السيارة مث نظر إىل املسافرين حبرية، زفر عصري بفارغ الصرب : " بدنا نغّر زيت، يعين بالعريب‬
                                                                                                ‫الفصيح، الكرخانة قصدنا وإنت السبيل".‬
       ‫أكد احلرطاين إنه يعرف مكانسيان عنده كراج خانة يف حومة احلطابة، فشخط املصري: " زيت البتاع يا بتاع مش‬
                                                                                                                                          ‫سيارة".‬
                                   ‫ّ‬                                 ‫ك‬
 ‫أوجل عصري إصبعه األوسط يف الدائرة املش ّلة من إهبام وسبابة اليد األخرى، مر من الكناية إىل التصريح: "وينك أخي‬
                                                                                                               ‫َّ َ‬
    ‫أيرتْ معنا، يعين بالعريب املشربح بِدْنا نْنيك، بتعرفلك عنوان حمترم للطعريس، سوق شراميط، كراخانة، كاباريه، بار،‬
                                                                                         ‫نايت كلووب، ميماس، حياهلل، ماخور ماخور".‬
   ‫"أها! بغيت حتوي، ماخور ماخور ! يا خويا إهدر العَربِّة وقول بورديل". 1قال احلرطاين ونظر إىل قنينة العطر ف ّر أهنا‬
         ‫ك‬                                                     ‫ْي‬
                                                                                           ‫ح‬
  ‫فرصة الستخالصها، تب ّر فيها وفيهما بنظرةٍ مائلة: "كم قبة تزار وصاحبها يف النار، واه يلكداب يا حلية العتروس، ما‬
                                         ‫حتشمشوش، أدرار دشرة حمافظة فيها زردات ومزارات وحرميها لفروجهن حافظات" .‬
   ‫ي‬
  ‫أعطاه سرحان قنينة العطر فأزاح اللثام وظهر وجهه األبنوسي كخشب السانغو، ملعت فيه خمايل الطيش واخلالعة، لّن‬
                                                                       ‫ج‬                    ‫ْ‬                  ‫ر‬
                                               ‫موقفه: "أنا نْوَ ّيلك الزنباع وين يِنباعْ، كاينه واحده ه ّالة فاحتة دارها للرجال".‬
                                                                                                       ‫د‬
  ‫مث س ّد نظرة هادفة على علبة السيجار، اقترح عليهما أن يصلوا اجلمعة مجاعة ًباملسجد األعظم ويقصدوا البوردل بعد‬
            ‫ّ‬
 ‫الظهر. تنازل له املصري عنها: " خدها بس ما تدخلناش فدوامة سني املستقبل والالء النافية للسكس، حي على النكاح‬
                                                                                                                                           ‫ي‬
                                                                                                                             ‫ح ّ على املالح ".‬
   ‫خشخش عصري حبات السبحة بوجه السائق " وينك أخي أبسمرة، إحنه احلماصنة منصلي اجلمعة يوم األربعا، بأى‬
                                                                                                   ‫حبياتك روح دغري عاملاخور األعظم".‬
                                                                                                 ‫ي‬
‫ضحك احلرطاين غّر االجتاه، ودخل يف طريق ترابية، باجتاه بيت النزوات الطارئة يف أطراف البلدة (املاخور يقع دائماً يف‬
‫األطراف بينما املسجد يف الوسط) وضع سيجار بني شفاتريه الغليظة وأسنانه العاجية: "مزروبني بزاف يا دين الزب، راين‬
                                           ‫فامهكو صان بورصان، نورمال ، ذاك الشي ما ينشبع منو قلتو تعمي وكثرتو تعمي".‬




                         ‫ج‬
 ‫1 شْباب باجلزائرية = مجيل / بوردل تعين ماخور وهي من الفرنسية /بغيت حتوي =حبيت تنكح / مزروبني = مستعجلني / بزاف = كثريا / ه ّالة = أرملة / صان بورصان‬
                                                                                                                              ‫= متاما / نورمال = طبيعي‬
                                                                                                                                                     ‫901‬



                                                      ‫ل‬                      ‫ل‬      ‫ل‬
                                         ‫وتع ّم وتع ّم ثانية من النساء، وخ ّي السالح صاحي‬


       ‫ر‬                                                           ‫و‬            ‫و‬                ‫ي‬      ‫ق‬
 ‫تو ّفت السّارة أمام بيت مس ّر، انفتحت ك ّة يف الباب احلديدي العريض وأطلت منهما عينا الفيزينوم املتف ّس، عرف‬
                   ‫و‬            ‫د‬
‫احلرطاين ففتح الباب على مصراعيه، ركن حممد اخلري "املتسوبيشي" يف رحبة خنيل، ش ّ على يد الق ّاد، ثرثر معه كلمتني‬
           ‫بشأن الزبونني، أوصاه هبما، انكشف املاخور من الداخل (الدار الوحيدة يف أدرار اليت ينفتح فيها احلرملك على‬
               ‫ز‬       ‫ر‬         ‫ي ط‬                                               ‫ت‬
    ‫السلملك). ظهر يف الصالَني األرضيتَني خليط من سقط املتاع البشري، صّاع، ب ّالون، مه ّبون، ع ّاب ومتزوجون‬
                                      ‫تلمع أعينهم باخليانة الزوجية، ونساء بغايا من ت ّ 1ميارسن املهنة إياها بعيداً عن الفضيحة.‬
                                                                              ‫ل‬
   ‫د‬
 ‫صحيا بعد غيبة ست أشهر، وجدا نفسيهما يف واقع أكثر واقعية، نظرا بغبطةٍ واسعة إىل العامل الصاخب واحلياة املتج ّدة‬
                    ‫ث‬                                             ‫و‬
‫استسلما للدهشة البكر أمام صندوق الدنيا وحت ّالت األمكنة واألعراف (البارحة صادفا رجاالً ملّمني ال يظهر منهم غري‬
     ‫ّ‬                                              ‫ق‬
   ‫أعينهم واآلن نساء شبه عاريات ال خيفني حىت فروجهن) استر ّ سرحان النظر للصروح احلرميية املكشوفه أمامه عاضاً‬
                                                                       ‫ب‬
 ‫الغليون بلذة جنسية . جاءت القهرمانة مدّرة املاخور، امرأة سبعينيه شرسة بني شفتيها سيجارة مائلة، على وجهها لثار‬
  ‫َر‬
  ‫ندبة عميقة وبقايا مجال ووهرة ضابعة للرجال، أمعنت النظر فيهما وتومست من ذقنيهما مالمح مطلوبني مشتبهني، أس َّ‬
                  ‫م‬
  ‫هلا القواد ببضع كلمات، أشار بإصبعه إىل املتسوبيشي املركونة فتحولت تكشريهتا إىل ابتسامة، اشت ّت بأنفها املعقوف‬
                       ‫حب‬           ‫ح‬                                              ‫مش‬
    ‫صفقة مرحبة (حاسة ّها متطورة جداً تشتم حىت طمث املومسات) عادت تر ّب بصوتٍ فيه ّة مسترجلة: " زارتنا‬
     ‫الربكة مرحبا ببلد املليون شهيد، سايف بليزير، (غمزت غمزة خفيفة) عندي سلعة تعجبك يا بيه، بنات أحلى ملعسل‬
                                             ‫وأمجل ملقمر، حلم شْباب ورخيص، برمييري شوا ودوزمي شوا، هيا نديرلكو آمبيانس".‬
                                                                   ‫ت‬                 ‫صف‬
    ‫وضعت إصبعني يف فمها َّرت صفرتَني متباينَني صوب الغرف العليا، مث هنرت زبوناً من أوالد البلد وطلبت منه أن‬
‫خيرج ويشرب كأسه يف الرحبة، أسدلت سجفاً محراء لتفصل بني املشرب والصالونني، وضعت أمامهما على الطاولة قنينة‬
     ‫عرق القمي وأربع كؤوس ومزهرية من أصص أزهار بالستيكية، ومشعدان فيه مشعة واحدة، أضاءهتا يف وضح النهار،‬
                                                         ‫ز‬                                            ‫و‬
  ‫د ّرت املروحة السقفية، جرع سرحان من اخلمرة وتق ّز ،مل تستمرئ إمعائه عرق النخيل بعدما والفت على الشيفاس،‬
                                                                                                    ‫د‬
 ‫جلس صامتاً يع ّ على أفتار أصابعه، انتابه قلق مفاجئ ال ألنه سيعمل شيئا خاطئاً وإمنا ألنه سيقوم به للمرة األوىل، شال‬
                                                                                            ‫ر‬
   ‫الغليون وح ّكه ورسم يف الفراغ نيالً عميقاً زامخاً، ورسم حطام مراكب وتنانني وقلوع صواري وجثث غرقى، جرع‬
                                     ‫ج‬                 ‫ّ‬
  ‫جرعة معتربة من الالقمي ليطرد اخلجل واعترف أنه غر بأمور النساء، ش ّعه عصري: " خدها قاعدة أبشكيب: النيك‬
                                                                           ‫زي ركوب البسكليت مىت ما تعلمته مرة فلن تنساه منوب".‬




‫1 التل هو املنطقة الساحلية من اجلزائر وقد درجت العادة ان متومس مومسات التل يف الصحراء والعكس بالعكس / سايف بليزير= مرحبا بكم / أمبيانس = جو رائق / الالقمي‬
                                                                      ‫عرق شديد املذاق مقطر حمليا من التمر ويعرف بعرق النخيل،/ / البسكليت = الدراجة اهلوائية‬
                                                                                                                               ‫011‬



                                            ‫ّ‬            ‫َْ‬
     ‫دخلت امرأة ذات شعر طويل مصبوغ باألشقر، ومَومسَة عريقة تشع من عينيها، وتبعتها صبية بصدر يرجرج حتت‬
                                                              ‫و‬
     ‫ستيانة التكس، لعبتا بطاولة البييب فوت، وتع ّجتا مثل عالميت استفهام يف خالعة مقصودة، حط سرحان عينه على‬
  ‫األصغر عمراً، ختيلها عارية وأخذ يلحس عسلها الذي مل يذقه ويستمرئ القبالت اليت ملْ يتبادهلا.املضاجعة اليت مل يبدأها‬
                                                               ‫ز ز‬                                         ‫ب‬
      ‫ص ّ من القنينة يف األقداح وفرك يديه: " م ّة م ّة بصراحة، شفاه متمردة على األلوان، خدود يغار منها الورد".‬
  ‫انتبهت الصبية إىل هلجته عرفت أهنا هي املقصودة فقعدت قدامه، وقالت وهي تدهن شفتيها بإصبع األمحر: "صعيدي"!‬
                                                                            ‫ب‬
                                     ‫"أيوه صعيدي من الصعيد اجلواين، وحب ّ املنجا والشعر والرحيل واملزاج العايل".‬
                 ‫ر‬
   ‫" أول مرة نشوفو صعيدي برة التلفزة، أنا مدموزيل خروبة، عارضة أزياء أشتغل ممثلة سيما بعد خت ّجي من املسرح".‬
                                            ‫غ‬                                  ‫ُك‬
‫" عاشت األسامي يس َّر، حمسوبك ضابط مهندس حكيم عيون، ش ّال يف كميوتر بعد خترجي من اآلداب قسم بيطري".‬
                                             ‫وقعدت األخرى قبالة الغجري: "أنا مدام مدحية مغربية، فنانة بتاع كلو".‬
 ‫أزاح عصري الربنيطة واحنىن مبسرحية: "أهال وسهال ومرحبتني، داعيكي عصري تاجر سوري باجلملة، هذا سرحانوف‬
                                                                                                                ‫شاعر باملفرق".‬
‫رمقت املطرونة املومستني والزبونني وقنينة الالقمي اململؤة لنصفها : "مصري سوري دزايرية مروكية ،ناقصكو سي عمر‬
                                                                    ‫موس ... واش تشربوا يا لِبْنات وسكي ول روج"؟‬
   ‫َي‬                                 ‫ز‬              ‫د‬
‫"اهلل يرحم املرحوم كان جييبهم ف اجلوج وسكي وروج". ر ّت املغربية ول ّت بعصري وأكملت: "الشامي بتاعي حِنِّنْ،‬
                                                                               ‫بالي بوي يشبه لشعبوال، كوي عالبخار".‬
                                                ‫ف‬                                            ‫ر‬
            ‫مالت خ ّوبة على سرحان: " بتاعي أحلى، صعيدي جدعنه وخ ّة دم، رجاله بشنبات فشر نور الشريف ".‬
                                                        ‫مث شبكت أصابعها فوق منكبه وتباهت : " مصر أم الدنيا " .‬
                                                             ‫زايدت املغربية وهي تلتصق بغجريها :" والشام أبوها" ".‬
                                ‫ل‬              ‫ر‬                                                         ‫ب‬
  ‫صّت سرحان جلزائريته مث سأهلا أين تعلمتْ املصرية، ختصورت، ح ّكت منكبيها مق ّدة املمثالت املصريات: "اهلل دي‬
                                                                                    ‫عايزة سؤال... يف املسلسالت يا بيه".‬
                                                                                                     ‫م‬
‫ع ّرت املغربية الكأس لعصري، سألته هل يهدر فرنسية ؟ فقال إنه حيكي محصي وحليب ولبناين وكردي وعازوري .سألته‬
   ‫أين تعلم هذه اللغات نكع ذراعه املوشوم: " اهلل دي عايزة سؤال يا ست هامن ... مع البوجيية وحرامية الكراكون1."‬
  ‫طلبت منه أن حيكي كردي قال: "إنت واحد قمر، إنت حيب كل نفر، أنا مايشوف إنت، أنا ميوت قهر، إنت لو ينسى‬
                                                                                                           ‫أنا، أنا يبكي مطر".‬
                                                                                                       ‫ز‬
                                 ‫ل ّ هبا ليختلس بوسة فأشاحت وجهها ""بوسة خبمسة وتالتة بعشرة... عندك فلوس"؟‬
                               ‫" عندي أموال ما تاكلها النريان، عمارتني وسيارة وعشر تالف فدان من محص حلماه".‬

                                                       ‫1 الكراكون = السجن / / بوجيي = مساح احذية، / روج = نبيذ امحر / مروكية = مغربية‬
                                                                                                                  ‫111‬



                                             ‫"ما دام كده هات يل شْراب، أكشن كل حلظة وانت حبييب يا شعبوال".‬
                                                                      ‫ْ‬
‫خشخش السبحة باجتاه البترونة: "نزيل شَنبان يا مدام سليمة، ونزيل معاه أورديفر مازه فسدق حليب ومواحل وخملالت ".‬
                                 ‫م‬                                                             ‫مدب‬
‫أقبلت ِّرة املاخور حاملةً صينية وفوقها كؤوس كريستال وطاس فيه كرتة حم ّصة ، اقتربت مدحية من القفص وداعبت‬
                                                   ‫د‬                        ‫د ر‬
    ‫الببغاء فزعق "دحية"، م ّت خ ّوبة يدها فزعق "روبة"، م ّ سرحان إصبعه فنقره ابتسمت خروبة: "ذكرتين بصعيدي‬
                    ‫حبيبته أهدته ببغان، تاين يوم حبت تطمن عليه فقالتله كيف الطري قاهلا عادي طعمو زي الدجاج".‬
                                     ‫قهقهت البترونة : "موتتيين ضحك يا خروبة بنيت، نكته تانيه اهلل يرحم لْوالدين".‬
            ‫"صعيدي شاف بتاع وحده سأهلا إيه ده؟ قالتله ده نار جهنم، مسك بتاعه وقال طب حطي الكافر ده فيه".‬
                                                               ‫غشيت البترونة من الضحك: " زيدي يا بنيت زيدي".‬
                    ‫ل د‬                                             ‫ل‬       ‫مح‬
‫"صعيدي واقف يف الشارع بيعمل ّام ومط ّع بتاعه، واحدة ست ماشية سألته إيه ده؟ ق ّها عَ ّي متخفيش أنا ماسكه".‬
 ‫"عالش الصعيدي يترك البورطابل1 خارج الشّاك.... ينتظر مكاملة خارجية". قالت خروبة مث رمقت سرحان وهي تضع‬
                                                              ‫ب‬
                                                                            ‫ا‬
          ‫راحة يدها على ردفها: "أمّل ياخيت صعيدي وراكب مِسوبيشي، أحلى نكتة... معاكشي بورطابل يا ددع"؟‬
                                            ‫د‬
   ‫قرعت كأسها بكأسه كأهنا تعتذر ، سأهلا عما أوصلها إىل هذه املهنة فاعت ّلَت جبلستها وانقلبت مالحمها إىل باسيونارا‬
      ‫متمردة قالت إهنا بسكرية من قبيلة أوالد نايل، أجربها والدها على الزواج من شيباين، ، هربت منه وقرأت إعالناً‬
                                                     ‫جبورنال عن هوطيل حيتاج خلبرية تدليك ووقعت على الشيخة .‬
 ‫احتست من اخلمرة امتزجت يف عينيها الكربياء والعناد واملشاكسة، أكملت بنربة كيدية : " ألوث نفسي نكاية باجملتمع‬
      ‫املنافق، حبيايت أؤجر جسدي للرجاله احملرومني بعد مويت سأبيع جتيت لكلية الطب والتشريح، جسدي ونه حرة بيه‬
                                               ‫ح‬                          ‫ي‬
  ‫رفع سرحان كأسه يف وجهها: "أحّيك وأشرب هذا العصري على ص ّتك، إنيت فكرتيين بالروايات اليت تتخذ من أمساء‬
                                                                     ‫البطالت عناونني هلا مدام بوفاري وجني لير ً".‬
                              ‫م ت‬                                                         ‫و‬
                          ‫ترقق صوهتا كاملمثالت حم ّلةً الطاء إىل تاء : " بكل تواضع أعترف أنا قحبة ساقتة، ُنْحَّة ".‬
                                                                           ‫ْ‬              ‫ت‬
   ‫"حاشاكي يا بّة، إنت أروع بِت بالعامل ، جزمتك أشرف من عمائم شيوخ األزهر، إنت عظيمة وأعظم ما فيكِ إنك،‬
                                                                                                ‫ر‬
      ‫إنك... متم ّدة ومليانة كربياء" هبذه الكلمات غمغم سرحان نقل الغليون إىل الطرف اآلخر من فمه، وأكمل بلغةٍ‬
‫أنثروبولوجية رصينة: "اجملتمع هو القحبة، الظروف، أنا شخصياً أعترب اجلنس فلسفة وجودية حمررة أقترح أن يكون مادة‬
                                                                             ‫مقررة باملنهاج املدرسي بدل الشريعة "‬
                                          ‫" بسراحة يا محام، أنا سارحتك بكل تفاسيل حيايت، خمبيتش عليك حاجة".‬
                                                                                                  ‫ث‬
   ‫فهم أهنا حتّه على الكالم، أفرغ الكأس يف بطنه وشرع يردد كليشيهاته كالببغاء: " انا الوعي الشقي، الشاعر العدمي‬
                                                                                                            ‫د‬
                                     ‫اهل ّام حاوي الكلمات، أستاذ حقيقة وجماز أستاذ يف التاريخ ويف التاريخ أستاذ".‬


                                                                                                 ‫1 بورطابل = هاتف حممول‬
                                                                                                                       ‫211‬



                                 ‫ع ّقت البترونة من خلف الد ّة : " بوئيت نتاع زيب، عستاد يف املاصطورباصيون1".‬
                                                                                 ‫ك‬                       ‫ل‬
    ‫سألت خروبة زبوهنا ما الذي أودى به إىل متبكتو؟ فقال: "الصدف، ما لقيتش عمل يناسب مؤهاليت األدبية فحملت‬
                                                                      ‫م‬
      ‫شاكوش ومسطرين مليدان رمسيس مع ع ّال التراحيل، جا كميون لييب نزل منه جماول أنفار، حشرنا نفر صعايدة‬
                                       ‫سب‬                                                          ‫وغر‬
       ‫بالقالبة َّب بينا ملا وصلنا طربق دلقنا من احلاوية، تطحبشت، ما خليتش، ِّيتْ الدين والليبيني ليوم الدين".‬
                                                                       ‫"يا هنارك زي الطني... وبعد كده يَا حْمام"؟‬
                             ‫مدر‬
 ‫"زهقت من اجملاولني، قدمت طلب ألمانة التعليم فأوفدوين للمدرسة الليبية بتنبكتو ِّس لغة وتاريخ وجغرافية ودين".‬
                                                                                   ‫ي‬
                                                     ‫"دين! إنت دين! حاجة حتّر، إزاي صرت ملجماعة امللحدين"؟‬
                                                                    ‫ب‬                 ‫ُت‬      ‫َي َي‬
                ‫"كده ونا عِّلْ صِغَّر فالكَّاب أكلت فلقة بالنّوت عشان تأتأت بسورة وما أرسلناك إال رمحةً للعاملني".‬
                                                              ‫ر‬
                                               ‫" إنت نكتة حلوة يا محام، أنت أول شاعر صعيدي مي ّ على البوردِل".‬
                             ‫سألته هل هو من أنصار الشعر اخلالص أم امللتزم فأجاب: " الشعر اخلالص التزام باحلياة.‬
‫سألته أين ينشر قصائده؟ فقال: " جبريدة احلائط مث يف بريد القراء، لخر ديوان يل "أرق السماوات" طبعته على حسايب".‬
                                              ‫ق‬
                        ‫ألقت عجيزهتا على فخذه، وداعبت شفتيه: " عاوزة أمسع من الب ّ ده قصيدة حب رومنسية".‬
  ‫"كفاية بالغة يا بطة، ليست القصيدة أمجل النساء بل هي املرأة أمجل القصائد، العربية لغة دين وبطوالت مش لغة ذات‬
  ‫وانكسارات، لغة ذكورية الهوتية تفتقر للحميمية، تالقي فيها هلل وللبعري مئة أسم ومتالقيش مفرد نساء (شهر الغليون‬
                                                                                                       ‫ر‬
‫وح ّكه) على العموم الكلمات ال تعرب عن املشاعر لكنها تعبأ فراغ الصفحة، خياالت ومشاعر اللحظة أرمسها بالغليون،‬
                                                                                                ‫تقنية التداعي احلر".‬
                                                       ‫ب‬                                  ‫ل‬
    ‫قطفت خروبة ف ّة من تنكة زريعة شكلتها وراء أذنه قّلت خده رمقته حبنانٍ حقيقي: "تعجبين هشاشتك، إنت وسيم‬
                             ‫وتشبه توت عنخ لمون، عيونك واسعة زي عيون الفراعنة املرسومة على ورق الربدى".‬
                                                        ‫و‬
‫نظر إىل وجهه عرب الزجاج رأى أن الشرنقة القبيحة قد حت ّلت فراشةً بديعة، إنه وسيم فعالً وإن إحساسه بالبشاعة صادر‬
           ‫ش‬
 ‫عن كونه صعيدياً أكثر مما هو صادر عن قبح موضوعي، وغالب رغبة قوية ملعانقتها، شعر جبرثومة احلب تتف ّى يف قلبه،‬
                    ‫ش‬
       ‫قال وقد عقد الوجد لسانَه: " أنا مع الرجال أقسى ملحديد لكنما معاكي يا بطة حاسس إين أه ّ من وردة،....‬
                ‫ن‬                                     ‫ب‬                         ‫ل‬       ‫د‬
  ‫انفعل باملشاعر احل ّية وبك ّ ما حيصل عادة مع قصص احل ّ الكربى خرج صوته األنفي باتيتيكياً كرّة بزق جمروح: "‬
                                 ‫أحبك للثمالة ، أحبك أكثر من التبغ واألشعار ومن العشق واخلبز وهبوب اليامسني".‬
                                     ‫هنره عصري: " من كل عقلك ! إصحا يا ولد، إحنه بكرخانة، حشا السامعني".‬
                                                   ‫ز‬
    ‫ابتسمت خروبه: "دجيا يا محام عمرك ما شفتين أمال حبتين إ ّاي، كده من أول مرة، نضرة فابتسامة فموعد فلقاء".‬



                                                                                         ‫1 شاعر نتاع زيب ، استاذ يف االستمناء‬
                                                                                                                                                         ‫311‬



‫كتمت البترونة ضحكة ساخرة عملت خلروبة بإهبامها إشارة تفيد معىن الدلق، فنظرت األخرية إىل األقداح الفارغة مث إىل‬
                                                   ‫ب‬                                                ‫ب‬
                          ‫زبوهنا: "إزاي حّتين للثمالة وانت مزال ما مثلتشِ، هيا اشرب بصحة حّنا، وهاتلي باسيتس ريكار".‬
                                                                                                                          ‫ز‬
                                                                    ‫"مدد، ن ّيل باستيس ريكار يا ست هامن، إسقينا من مخور األندرينا".‬
                                    ‫ب‬
                  ‫مل تكن البترونة حباجة إىل هذا الصراخ لتأيت بالطلب فقبل أن يطلب كانت واقفة تص ّ يف األقداح األربع‬
                                            ‫ق ي‬
‫انفعلت خروبة بصوتٍ أشهى من العادة: " معقولة واحد مث ّف زّك يعشق بروسططويه خاطئة وحمقورة مصريها جهنم"!‬
                                                                                             ‫ط‬
‫"من أنا كي أخَ ِّئِك ومن أنت حىت ال ختطأي، األخالق كذبة اخترعها الفالسفة مع مجلة األديان للسيطرة على اجملتمع "‬
‫مالت املغربية على اجلزائرية: "خدي بالك يا خروبة ياخيت من الشاعر بّاع الكالم، ده عشيق مسيكني حزقان1 بيقوللك‬
                                        ‫ي‬
     ‫حيْبيتيب علشان عاوز حيويكي باطل، أنا باريقزامبل الزبون بتاعي يدلعين يقحبيت يا فضيحيت بعد كده ينام معايا ويدفع‬
                                                                                                                                      ‫كاش عملة واعرة‬
   ‫خلطت خروبة الثملة ويسكي مع باستيس وبلعت مث قالت: "أنا عاشقة ماشي فاسقة، منبغيش حساب بالديفيز، بركه‬
                                                                                         ‫عليا حقوق املؤلف، تكفيين خبزة وبصلة وقصيدة".‬
             ‫عادت املغربية حتوط غجريها بذراعيها: " أنا حْبييب شعبوال، مول الفلوس والسيارة والبيت والعسل والزيت "‬
                                                                                              ‫د‬            ‫د‬
     ‫"ك ّابة وستني ك ّابة،: عشاقة بالكالم مكاش تقة فيكي، بطلة يف التقحبني، اخلبت عندك غريزة يف الدم، ال بركة يف‬
                                                                                               ‫ل‬
‫القحبة أّا نيف هلا". قالت خروبة واحتست جرعة اخرى، أكملت بفرنسية ال تتناسب مع حدة انفعاهلا: "فيف الجلريي،‬
                                                                                       ‫فيف الشهدا، يسقط املخزن والشلح الراصة اخلاجمة".‬
                                                                                  ‫2‬
                                                                                                         ‫كب‬
                                                                                      ‫متايلت مدحية خبالعة: " واش َّر شادي عن بين عمه".‬
             ‫ضربت البترونة كفاً بكف: "تدابزو هيا يلقحاب، وخا خيروبة بنيت، مدحية أختك راها ختدم عالدراري دياهلا".‬
   ‫"ماال حتمد ريب والبالد اللي لقات فيها اخلبزة، دزاير كه كانت بقرة جرحية حبوا يذحبوها، كه شفيت حبيوا حيلبوها".‬
                                 ‫ْ‬
    ‫زجمرت خروبة مث صرخت بصورة الرئيس: "فلقتين يبوتفليقة، واش بيك يزيب، حتل لِحدود باش ملراركه جييبولنا زطلة‬
                                                                                                                        ‫ومزريا وبروسطوطوسيون".‬
                                                                                                           ‫ل‬
                                                                                       ‫قال سرحان : "والنيب يا بنات خت ّونا من البولوتيكا ".‬
                                                                ‫ي‬
‫نظر عصري إىل الصورة املعلقة فوق البار، قال ليغّر اجتاه احلديث: "منو هاد العرصة القواد شيخ املهربني! الكرخنجي "!‬
                                                           ‫م‬
   ‫غمغمت البترونه بقرف: " هاد الكسالنس بابا عزيوز ُولَ الدزاير، يوزع بركاته عالقحاب باش يزيدلو عهدة تانية".‬
                                                       ‫ُ‬      ‫د‬
                        ‫قال املصري: "مش كتري عهدتني، إحنه الباشا بتاعنا ج ّد مخس عهَد، لسه ناوي حيكمنا طول عمره".‬
                                                                                               ‫ي‬
                                                ‫زايد السوري: "أي إحنه رّسنا بعد ما حكمنا طول عمرو، صار حيكمنا من قربو".‬

                           ‫1 حزقان =طفران / حيويكي باطل = ينكحك جمانا // الديفيز = العملة الصعبة ، بركا علي = يكفيين / مكاش = مكانش / الشلح = بربر املغرب‬
   ‫2 ما الذي جعل القرد يتبغدد على ابن عمه / تدابزا = ختانقوا : ختدم عالدراري دياهلا = تشتغل ألجل اطفاهلا ،/كه كانت = ملا كانت / باش = حىت / مراركة = املغاربة /‬
                                                                                                     ‫زطلة = احلشيش ، مزريا = البؤس بروسطوطوسيون = املومسة‬
                                                                                                                                                   ‫411‬


   ‫1‬
                                                               ‫أم‬
       ‫أفلتت البترونة لساهنا ضد زعماء العرب : " ننيك ُ ّاهتم قاع ملموحيط للخاليج، يلعن باباهم طحانني عطايني مخاج‬
                ‫قرعت خروبة كأسها بكأس صاحبتهاكأن شيئا مل يكن، تراخت مدحية على عصري بغنج: "شعبوالالالال"!‬
                                                                                                                        ‫"روحوو، روحووووو"!‬
                                                         ‫ر‬                            ‫و‬
                                                        ‫"زعالنة منك يا شعبوال أصلي خ ّرت ملجوع، أكشن يا حبييب اتص ّف‬
      ‫ف‬                    ‫ح‬
   ‫خشخش عصري بالسبحة للبترونة فجاءت ويف يدها ورقة الطلبيات وقلم الرصاص، تو ّم سرحان : " نفسي ها ّاين‬
                                                                               ‫على ملوخية بفراخ وشوية بسطرمة ضاين يست هامن "‬
                                                                        ‫ضرب عصري على بطنه : "أنا جاي عبايل أومليت حيمايت .‬
                                              ‫زاودت خروبه :"هايت يل دجاجة حممرة وشوربة بالقصرب علشان الرجييم ميعلمه .‬
                                                                          ‫ختمت مدحيه:"وما تنسيش الطورطه والديسري يالال سْليمه‬
                                       ‫و‬
         ‫أطلت البترونة من النافذة للرحبة وضعت إصبعني يف فمها وصفرت باجتاه الق ّاد، أمرته أن يأيت بكسكسي ألربع‬
‫منادمني، رمقتهم بازدراء مع تركيز خاص على املصري: "روح كول الفول روح ،حاسب روحك برسطوران مكسيم".‬
                                                                                ‫د‬
         ‫مالت اجلزائرية على سرحان ما ّةً يدها: "وماله الفول املصري، فيتامني نارر صْعيدي كامل الدسم 021 فولت".‬
                                                                  ‫و‬                       ‫ب‬
   ‫بلع عصري حّات "فياغرا" الستنفار ق ّته وصرخ : "خلي السالح صاحي ... شحو فاتح بالد العرب والسنغال، ".‬
                  ‫ابتسمت البترونة: "هذ هي سناح العرب الشغال، دميه صاحي على خاطر هاكده احنا 003 مليون، ".‬
                                                                                                    ‫د‬
   ‫جت ّب عصري كنمرٍ هرم، وبدت عليه عالئم ذكورة طافحة: "أنا موزارت النيك، بشبايب منت مع شاديه وفايزة أمحد‬
                                                                                               ‫ومسرية دوفيق ووردة وجناة الصغرية و...".‬
                                                ‫دمعت عينا البترونة ضحكاً: " احلاجة الرميييت ما حويتهاش 2وامللكة فكتوريا"!‬
        ‫مث دحجته عابسة: " العرب راهم شاطرين باهلدرة عن النيك وما ينيكوا والو، وحق ريب الشينْوا ينيك خري منكو".‬
                                       ‫ل‬                                                     ‫د‬
                            ‫قالت مدحية وهي مت ّ كأسها الفارغ لزبوهنا : "وانت يا شعبل، كم ديوان شعر أّفت حبياتك"؟‬
                                                                            ‫د‬
‫"حمسوبك مألف دواوين شِعر ق ّ شعر راسو، من كتب العلمية عندك كتاب تقسيم الكيك باستخدام الكْريكْ، والقوانني‬
    ‫احلمصية لشرب املاء من احلنفية، ومنتهى احلنان يف قلع األسنان، بيع البطيخ على كوكب املريخ، ونظام طاط طوت‬
         ‫لربجمة كميوترات املازوت، ومن الكتب األديب حتفة العروس يف أكل املكدوس، القاموس املضارع يف مسبات أبناء‬
        ‫ف‬                                                        ‫ل‬
‫الشوارع، موسوعة صنع البوشار يف أربع جم ّدات، وألفِتْ تالت روايات، دمعة على صلعة، الرصاصة اليت ل ّت الكوع،‬
                        ‫ل‬                                           ‫ل‬
  ‫طعجة يف منتصف النهار، فوق هدا كلو مْأّف كتب أطفال، تعلم الكالم حتت الست تشهر، تع ّم املشي يف أربعة أيام"‬
                  ‫قالت املغربية وعينها على املصري: "طب والكتب دي طبعتهم على جريدة احلايط وال على حسابك"؟‬
                                                                             ‫"أل طبعنت مبطبعة كل من إيده إلو، على ورق التواليت".‬

                                                                                     ‫1 أنيك أمهاهتم كلهم من احمليط للخليج العن ابوهم منايك مأفونني خاجمني‬
                        ‫2مل تنكحها / سناح = سالح / احلاجة الرميييت مطرية جزائرية من الرعيل االول / والو = ابدا/ الشينوا = الصينيون ،\ منادمني = بين آدمني‬
                                                                                                                          ‫511‬



    ‫ضحكت املومستان والبترونة وحىت املصري املقصود باللمز ضحك، وشربوا خنب الغجري الذي رفع الكأس صرخ:‬
                                          ‫"اشربوا يا بنات سهرتنا للصبح، عظيم بقسيم ما حدا بينام لربوح الضو ".‬
                                            ‫ب‬                                           ‫ح‬
‫عادت خروبة تل ّ على سرحان ليشرب فرمى الكأس وخلع حذائه: " صّي باجلزمة، لو كان النيل كله مخر ملا أسكرين".‬
                                                                               ‫ت‬                     ‫صب‬
           ‫َّت يف احلذاء عب منه وعّب : "وقللي ع الولد اللي شرب من 99 حبر وملا سألوه قال أنا لسه عطشان".‬
                 ‫ر‬                                                                        ‫ر‬
‫انشغلت خ ّوبة بصندوق الغناء حيث صدحت موسيقى أرجنتينية، سحبت يد سرحان وراقصته فامح ّ وجه فاضحاً ضعفاً‬
         ‫م‬                                         ‫م‬                                     ‫ف‬
     ‫واضحاً جتاه النساء، ح ّت به وحوطته بيدين قويتني، عانقته فتج ّد الدم يف عروقه، طبعت قبلة بني عينيه فتس ّر يف‬
     ‫و‬                                    ‫س‬                                     ‫ر‬
‫مكانه، غرزت لساهنا يف فمه، تس ّبت موسيقى العامل ودفئه من هنديها، أح ّ بسعادة تالها شعور بأنه قد كرب ، حت ّل لون‬
                                                                        ‫وجهه من صفرة زعفران إىل محرة أرجوان.‬
                                                       ‫اهتاج الغجري فمال على مغربيته: " خذين حبنانَك خدين " .‬
                                  ‫د‬
    ‫عبط مدحية مث غرز شاربه القوقازي بنهديها، داعب خصالت شعرها األشقر وش ّ بيدَيه على رأسها فخرجت باروكة‬
                                                  ‫ق‬                         ‫ب‬                  ‫ن‬
‫شعر، جقرها بعيَني قادحتَني، مث ص ّ نقمته على البترونة: "وح ّ قبور األجداد ألقفل كرخانتك بالشمع األمحر ، من بني‬
                                                    ‫شراميطك ما لقييت يل إال شرشوحة أكل الدهر عليها وشرب ".‬
                                      ‫اندفع حنو سرحان متهماً : " خرا عليك خرا، تاخد املليحة وتلزقين بالفضيحه !‬
                                                                            ‫"إتقل بقى يا جدع، ماهلا الولية مدحية"!‬
         ‫"ما ماهلا شي، متل سفينة تايتنك أبْصَر 1كم واحد راكبها، داكش فيفيت فيفيت، خد املغريب واعطيين اجلزائريل".‬
                                                                           ‫ْ‬
                                                          ‫عبط املصري خروبته : " البطة دي اجلريل فرند بتاعيت ".‬
                                                                                                       ‫ر‬
                                                          ‫عبطت خ ّوبة سرحاهنا: " محام ده البوي فرند بتاعي أنا "‬
                                                  ‫صرخ هبما عصري "أي خرا عليكي وعليه روميو وجولييت... ".‬
  ‫تعاملت البترونة مع األمر باحترافية مهنية، لعبت دور قاضي العاشقني واسترضت املصري بكأس على حساهبا وأخذت‬
             ‫ر‬     ‫ب‬
    ‫متدح له مزايا مدحية العاطفية، غمزت بطرف عينها املومسني وأشارت عليهما بتبادل الزبونَني، تشّثت خ ّوبة بذراع‬
                                                  ‫السوري : " اجلدع مبيعتقش، اهلل خيليك لنا يا طونطون عصري".‬
                        ‫انتزعت املغربية املصري من ذهوله : " تعال يا روح أمك، اللي معاه القمر ما يباليش بالنجوم،‬
                             ‫ر‬                                 ‫ر‬                 ‫د‬
‫راقص كل زبون حمظيته، ش ّ عصري خصلة شعر خ ّوبة وتأكد أنه ليس مستعاراً، مث ح ّك فكها ليتأكد اهنا ليست البسة‬
                                ‫ج‬                                 ‫و‬                              ‫د‬
 ‫ضبة، مث م ّ يده مداعباً مؤخرة مدحية، احل ّت يف عينه وهي يف أحضان صاحبه، تأ ّجت نزوته بعد أن عاوده االستيهام‬
        ‫العتيد اجملهض مع حامت والسائحتني، قال لصاحبه : " طالع هالطلعة خيال ويهنيال من مجع أربع روس باحلالل ".‬
                                                               ‫ل‬
                                                  ‫"يا فضيحة جبالجل! انقطع شرش احليا يا ناس! ك ّو إال الشرف".‬

                                                                        ‫1 اهلل أعلم / داكش = بادل / طونطون = تقال للرجل الكبري /‬
                                                                                                                                                           ‫611‬



                                                                             ‫و‬                                    ‫ف‬
                                      ‫"ل ّا بأى أبشكيب إلك تلتني اخلاطر، املع ّد وكشيشة احلمام اخلليجييه مو أحسن منا".‬
                                                                           ‫ت‬                             ‫و‬
‫ت ّرد وجه سرحان استرجع صورة املغّر مع القاصرات اخلمس، ساعدته الثمالة على حتويل الرغبة الدفينة إىل رغبة عائمة‬
                 ‫م‬
‫صرحية، قال يف سره أهنما تشاركا يف املصري واملسري فلماذا ال يتشاركا بالسرير؟ قال بلسانه : " وال يه ّك يا رفيق الليايل‬
                                                                                           ‫الصعبة واملشاوير الطويلة، أنا أدمنتك خالص".‬
                                                          ‫تصّعت اجلزائرية الرباءة ورفضت : " جاميه جاميه1، هاد الشي حرام".‬
                                                                                                                      ‫ن‬
                                                                                           ‫ت‬
            ‫زعقت مدحيه ويف نيّها أن تساوم على سعر أعلى: " تديروا البارتوز ، الستر يا ريب الستر، هذ لخر الزمان‬
                                                                                                ‫ب‬               ‫ب‬
‫هّت الال سليمة توّخ املومستني: " اهلل يرحم زمان لقحاب نتاع بكري، كانوا حيلبو لِبْقَر ويعلفو دجاج، يتعلقوا باحملراث‬
 ‫إىل جانب التور، يهنيوا الزبون يديرولو مصاج وبيب وبرانليت وفيالصيون، ويناموا مع الكل قور وسقالن وعرب، هيا‬
                                      ‫يا بنيت ميدحيه وانيت خيروبة شويف مصلحتك، احلاج موسى وموسى احلاج، حبال حبال ".‬
   ‫النت البسكرية، حلفت مييناً أهنا ستفعلها للمرة األوىل يف حياهتا، قالت مدحيه وهي حتوطهما بذراعيها:" اآلمور أ كاتر‬
                                                                                                                           ‫سي كاتر فوا بلو شري2".‬
                                               ‫خ‬
‫أشرق وجه عصري كمراهق يف الستني أخرج قارورة عطور وب ّ حتت إبطيه صدره وجهه وشعره ومنحره، بخ خبة طويلة‬
                                                                                      ‫ر‬
     ‫متواصلة بني فخذيه ، ق ّبت البترونة سريرَين وجعلتهما سريراً عريضاً متشهية الرجوع إىل الوراء نصف قرن لتقحم‬
                                                                                                                                     ‫نفسها يف املعركة.‬




              ‫1 ابدا ابدا / ويهنيال = هنيئا ملن / البارتوز = نكاح مجاعي / مصاج بيب برانليت فيالصيون من فنون النكاح / السقالن والقور = السنغال والفرنسيني /‬
                                                                       ‫2 ، ممارسة الغرام بأربعة اغلى باربع مرات/ التور = الثور اللهجة املغاربية حتول الثاء تائا /‬
               ‫711‬




     ‫2‬
         ‫ش‬
 ‫ب ّار اخلري‬
 ‫ر‬
‫وادي التج ّد‬
                                                                                                                                           ‫811‬




                                                      ‫ختامها مسكوبيشي‬


                                                                                       ‫ٍ‬           ‫ي‬
     ‫وضع بوزّان حفنة متور رطبة أمام الضيفني الذين تعرف عليهما مبقهى خليفة قي السونطرفيل، فخفخ أستاذ التربية‬
                                                                ‫د‬                ‫مش‬      ‫ي‬
‫بسباس ببدلته املكوّة، وضع ّة بني أسنانه وش ّ خيشوميه ونتع رأسه إىل الوراء، سأهلما عن سبب وجودمها ببشار فقاال‬
                                   ‫ف‬                                                 ‫د‬
 ‫إهنما عابري سبيل يستع ّان لدخول املغرب. زاد فضول البسباس، ليس إزاء الضي َني فقط، وإمنا إزاء املضيف فهو خبيل‬
                                                                             ‫ي‬
 ‫ال يستضيف أحداً إال ملصلحة، ملح سّارة املتسوبيشي املركونة يف الرحبة ففهم حاالً أن بوزيان يريد استخالصها منهما.‬
                                                         ‫ش‬                                  ‫ل‬
       ‫حركش الشيخ بوع ّام اجلمراتَ يف املنقل، قال إنه "ب ّاري صميم من والد بلخري، يتحدر من عبداهلل ابن غزوان‬
‫صاحب كرامة الزيت الذي خلف سيدي عثمان مؤسس زاوية تاغيت الذي خلف سيدي عبد الرمحان واضع كتاب فتح‬
                                                                                                                   ‫املنان ومنهل الظمآن".‬
  ‫ْْ‬                                                    ‫س‬                               ‫م‬                 ‫ن‬
  ‫تصّع موىل الدار اهل ّ، وشال لخر سيجارة من العلبة ود ّها بفمه (بوزيان ال شغل له إال التدخني وشرب الشاي ولَعن‬
‫قرارات احلكومة ، علماً أنه من طبقة أبناء الشهداء واجملاهدين املمتازة، رغم أنه مل يكن بالغاً أثناء حرب التحرير وال إبناً‬
                                               ‫ط‬
 ‫لشهيد فقد استطاع مبواهبه أن حيصل على شهادة جماهد). قال إنه ب ّال وموىل عيال يف رقبته أربع بْنات وثالثة أمراض‬
                   ‫ل‬
 ‫وزوجتني، حلف مييناً أنه عجز عن شراء كبش العيد فاضطر أن يبقى ليلة الوقفة يف الزريبة يق ّد صوت الكباش لطلوع‬
                 ‫ل ر‬                     ‫ط‬
 ‫الصبح حىت ستره اهلل من مشاتة اجلريان احلساد، وأخرج بطانة جيوبه وم ّ كلماته بأسى: "مِ ّي س ّحوين ملخدمة عايش‬
‫بلكريدي1، ورمحة باباي الشهيد راين ب ّي نشري سكر ومسيد وفرينه بِلكريدي، واخلبزة من عند البولوجني بلكريدي، من‬
                                                                      ‫ل‬
                       ‫الفارماسي نشريوا الدوا بلكريدي، زيد على هاذا كل شهر خنلص الكرا والتريسيتيه بلكريدي".‬
                                                                  ‫مح‬
       ‫نادى ابنه الصغري الالهي يف الرحبة: "نوض يا ّو وِلدي، روح حلانوت املزايب كريديلنا باكو دخان "رمي" وقوللو‬
                                                                                                                              ‫2‬
                                                                                                                                    ‫ْ ْ‬
                                                                                                                                  ‫ْيمَركيلَك".‬
                      ‫س‬                                          ‫رب‬
 ‫سأله عصري ملَ ال يبحث عن شغل فأجاب مت ّماً: "كل الشغل مشغول، وكالة التشغيل وقف ل ّي سليماين وقبيلتو، له‬
 ‫حق التشغيل والتسريح، وله حق اإلسترياد والتصدير، وله حق الصيد يف أعايل البحار، كتبتلو عشرين طلب تشغيل يف‬
                                        ‫دوسييه ريكومندي، رفض ذاك املنيعي اخلبيث تشغيلي ألين من قبيلة والد جرير".‬
                                                      ‫ي‬
‫سأل الشيخ بوعالم الغجريَ هل مثة بطالة يف بلده؟ فشقل شّال الربوتيل وقال: "باطل! محص كلها أبطال، بلد الوليد ".‬




                                                                         ‫1 ملي = منذ / الكريدي = التسليف/ البولوجني = اخلباز / تريسيته = كهرباء /‬
                             ‫2 أهنض يا محو ابين روح لدكان املزايب استلف لنا علبة دخان وقل له يسجلها على دفتر الدين/دوسييه ريكومندي = بريد مضمون /‬
                                                                                                                                                               ‫911‬



                                            ‫حتر‬
           ‫نرب أستاذ التربية بنربة املغبون : " احليطيست شادين حليوط، الزوايل ِّق، الشفارة تشفر، الكور دي كونط ما‬
 ‫يكونطيش، 1االعوجاج يعوج، الضحالة تتعمق، اخلطوط احلمر تتحمر، واخلطط اخلمسية والت مخسينية، وعزيوز حيوس‬
                                                                                                          ‫عهدة تانية، ومزال مزال الكونتور يدور".‬
    ‫سكت األستاذ فعاد موىل الدار للشكوى: " طْرو سي طرو واهلل العاضيم إال بعض ساعات احتسر على فرانصا وعلى‬
          ‫زمان كوملب بشار، ياخي كون قعدت ما راناش هاكده، كان الناس الكل عايشني اللي عندو واللي ما عندوش،‬
                                                                              ‫ض‬                       ‫د‬
 ‫تص ّى له الشيخ بوعالم املخ ّرم الذي عاش العهدَين: "واش بيك يوليدي، لبالد هدي ماتو عليها ماليني الشهدا باش‬
‫تعيش حر وانت راك متوحش لزمان العار ، كانك كنت كبري وشفت قباحتها ما تتحسرش عليها، راحت اهلل ال يردها".‬
                                          ‫ت‬             ‫د‬
     ‫عاد األستاذ يقول :" بوفر أجلريي، بالد ميكي، البترول و ّرهاوعلمها االّكال واالستهالك ( أشار إىل هاتف بوزيان‬
                      ‫2‬
                                            ‫ْ‬
                          ‫اجلوال) راك شايف الكوزان ، عنده بورطابل جازي دِرِْنيري كْرِي وما عندوش ماشِني أ الفيهْ فالدار".‬
                    ‫ست‬
                 ‫أشار موىل الدار إىل زوجتَيه اللتني تغسالن بأيديهما عند حوض الغسيل قرب البئر، قال إنه ميلك غ ّالَني.‬
                      ‫ل‬
   ‫مسد الشيخ بوعالم حليته وغمغم :" البالد راهي فحالة، اجلاهل ال ميقراش صار وزير قراية، إّي كان باش آغا عينوه‬
        ‫وزير جماهدين، والضبوعة خذو بالصة السبوعة، ما كفاوناش الزالزل والفيضانات حىت زادو جابولنا هاد ملوصيبة‬
                                                                                                                                                     ‫بوتفريقه".‬
  ‫سكت الشيخ بوعالم فأمسك بوزيان خيط الكالم : " يلعن دين باباهم قاع واكلني البيضة والتقشرية سرقوا البطرول‬
          ‫وضرك راهم طامعني باحلبوس، جزائر العزة والكرامة مبقاش فيها عزة وال كرامة، بشار اخلري ما عاد فيها اخلري".‬
                                                                                            ‫د‬
       ‫انتفض وتب ّل امتعاضه إىل صالفة، مشخ باستعالء وغطرسة وضرب بيده على صدره: "ميه، رغم هذا وذاك الوطن‬
                  ‫و‬
   ‫ساكنلي هنا بالقلب، بالدي بالدي ولو جارت علي، حنبوك يا بالد أجلري كيما حتب أم طفلها املش ّه، حنب فيكي حىت‬
                                                  ‫الشي لِقْبيح، املساجد اخلاوية والقهاوي املكتض بالشومار، وحتيا بالد املليون شهيد‬
                                                                                                                                   ‫3‬
 ‫‪L'Algerie est notre pere et mere et le soleil qui nous eclaires‬‬
   ‫استنكر بسباس الذي يعترب نفسه من أنصار التعريب كالم موىل الدار: " فافا خرجت من أرضنا وبقيت بألسنتنا، مزلنا‬
 ‫كولونزابل ،مستعمَرين النغِستيكمان، تروح البنكة تصيب معامالت بالقاورية، الغيشيه يقوللك بوجنور الكيسييه يقولك‬
‫أورفوار، حىت هاذي الضيعة الضائعة طلع منها إكْريفان فرنكوفون، مدام يامسينة خضرة مليكه مقدم اتساتريا ، إذا حصل‬
                 ‫إشكال بني جوج بشاريه بالدارجة وما تفامهوش يهدروا قاوريه فيزول اإلشكال ومزال مزال اخلري لقدام ".‬


‫1 البطالون متكئون على احليطان ، الفقراء يغامرون بركوب البحر حنو اوروبا ، اللصوص يلصون ، ديوان احملاسبة ال حياسب / والت = صارت / طْرو سي طرو = طفح الكيل‬
                                                     ‫/، كان اسم املدينة زمن االستعمار " كوملب بشار "،/ /ضرك = اآلن / / قاع = كلهم / الشومار= البطالني‬
                                                                               ‫س‬
          ‫2 تراك شايف ابن العم بوزيان عنده هاتف جوال ماركة جازي آخر موديل وما عنده غ ّالة يف الدار / باش آغا = املوظف املتعاون مع فرنسا / احلبوس = األوقاف‬
      ‫3 اجلزائر أبونا وأمنا والشمس اليت تظللنا/ فافا = فرنسا / كولونزابل = ذو قابلية لالستعمار / النغِستيكمان = لغويا / تصيب = جتد / بالقاورية = بالفرنسية / إكْريفان‬
                                                                                                                                               ‫ت‬
                                                                ‫فرنكوفون = كّاب بالفرنسية /جوج بشارية = زوج من البشاريني ، يهدروا بالقاورية = يتكلموا فرنسية‬
                                                                                                                                                      ‫021‬



     ‫ق‬
   ‫أخذ األستاذ سحبة طويلة من الناشوق وأكمل: "طحيت يبالد مزغنة والثعاليب عبد الرمحان ، هاذي هي البلد اليت ت ّدر‬
 ‫االبطال وتنحين للمجاهدين وتغين بكل مناسبة "قسماً"، حطمتها فرنسا باملعاول وحنن كملنا عليها بالشاقور، أوف راح‬
                                                                                             ‫ز‬
                                                                          ‫هتبلين هذي البالد، هذا الشعب يتعبين ب ّاف، تْري كومبليكيه.‬
                                                     ‫د‬                    ‫ع‬
    ‫لفت سرحان نظره إىل أنه هو نفسه يط ّم كالمه بالفرنسي فر ّ عليه:" أهلل غالب ، سي ال فوت ديل هستوار، ال النغ‬
 ‫دي موليري جبدناها ملقور غنيمة حرب1، اجلزائر يلزمها ضعف سنوات االستعمار لتتعرب، بالك هذَ ماشي إستعمار هذ‬
                                                                                                                                               ‫إستحمار‬
                ‫ط‬                     ‫ي‬                  ‫ل‬
  ‫عارضه سرحان بقوله أن أن اإلستعمار الفرنسي خ ّص اجلزائر من عسف رّاس البحر واإلقطاع وق ّاع الطريق، أسس‬
                                          ‫ي‬                                                    ‫د‬
‫بشار وم ّ هلا سكة حديد . تصدى البسباس للجواب بقوله إن فرنسا شّدت بشار وسكة احلديد، ال حباً بالتشييد، لكن‬
                                                                                    ‫لضرورة استثمار الفحم املستخرج يف مناجم القنادسة،‬
                                        ‫د‬
‫استخلص املصري أن اجلزائريني يكرهون األجنيب ألن فيهم عقدة نقص. فر ّ بسباس بقوله : "وانتم املصاروة حتبوه ألن‬
                                                                                                                                 ‫فيكم عقدة اخلواجا.‬
     ‫رفع بوعالم عصاه بوجه سرحان: "مصري واحد الشماتة تفووو عليك وعلى باباك وجدك يا كلب الروم، يلعن دين‬
                                                                                              ‫البابور اللي جابك، وقيلة إنت ماكيش مسلم".‬
                                                                                                              ‫د‬
          ‫استب ّت الغريزة الثورية اجلزائرية ببوزيان، صرخ يف خضم االرجتالية والتصعيد : " النيف للنيافة ماهوش للخنانة،‬
 ‫ملصاروة نتاع الفول، التوانس شاطرين ياكلو هريسة، واملورطان يشرب دكنو، واملراركة شعب زاطل، ادزاير بركا، بلد‬
                                                                                                        ‫و‬
     ‫رعرع الث ّار، حلولنا احلدود باش ناكلو الياهود فريت أومليت، واهلل مث واهلل لو كانت اسرائيل باحدانا فانكاطر أور‬
                                   ‫برك، معريكة صغرية تكفي، كتيبة من البارا لتحرير القدس وكتيبة من النينجا لتحرير بغداد".‬
                                              ‫و‬            ‫ي‬
                                     ‫شخط سرحان بصوته األنفي: " أما شعب حنجوري كلمنجي يسّس الكرة ويك ّر السياسة‬
                                             ‫د‬
  ‫عصف ببوزيان مرض املصرفوبيا الناتج عن احلساسية الكروية، ش ّ قبضته يف وجه الضيف: "ننيك دين رب اإلجبسيان‬
   ‫نتوما يا كرعني ملعيز خرجتونا من مونديال الكاترفانديز، ماتش مبيوع، حييا خلضر بلومي، وان تو ثري فيفا الجلريي ".‬
                 ‫و‬          ‫ن‬                     ‫س‬            ‫كس‬                     ‫ب‬                    ‫ف‬
‫حت ّزت كرامة الصعيدي، ه ّ واقفاً للمغادرة: " ُ ّم مصر على ك ّم اجلزائر. إنتو عازمِّا عشان تط ّلو لسانكو علينا".‬
                                                                                       ‫ع‬
         ‫انتبه موىل الدار أنه مل يد ُ الضيفني للنقاش يف أمور التاريخ واالستعمار والكرة بل الستخالص سيارة املتسوبيشي‬
                                                                                      ‫ز‬           ‫ي‬
‫إستوقفه طّب خاطره، ه ّ رأسه كامرأة حامل فاجئتها لالم الطلق: " ديزويل يا خو اإلجيبسيان راين يف حالة، دير روحك‬
 ‫ف بالصيت هنار واحد برك، أقسم بالاله ال متر هنار إال وانا نبكي بالدموع ، هذا عامني وأنا بطال ما خندمش، املطر قليلة‬




‫1 اهلل غالب ، اهنا غلطة التاريخ ، اللغة الفرنسية غنمناها من الفرنسني غنيمة حرب/ بزاف = كثريا / تريه كومبليكيه = معقد جدا/ وقيلة إنت ماكيش مسلم = انت مش مسلم‬
   ‫/ فريت اومليت = عجة بطاطا / فانكاطر أور برك = 24 ساعة فقط/ البارا والنينجا = قوات جزائرية خاصة /مونديال الكاترفانديز = كأس العامل 90 / ديزويل = متأسف‬
                                                                                                                                              ‫121‬



 ‫والنخل هذا العام ما يعطيش متر، (رمق املتسوبيشي) ياخي بكري كان احلال مستور، كان عندي سيارة خندم عليها، يف‬
                                                                                         ‫واحد النهار درت أكسيدان طاحت أمَْان 1".‬
                                                                                               ‫ب‬
                                            ‫ق‬                                                                ‫ّ‬
   ‫رن اهلاتف اجلوال على خصره فغادر الغرفة مث رجع شاحباً وأعلن إنه تل ّى مكاملة هاتفية للتو تفيده أن احليطيست يف‬
 ‫السونطرفيل أخربوا املخفر بشأن الغريبَني والطونوبيل املسروقة ويتوقع جميء دورية الشرطة إىل داره وحصول فضيحة.‬
                      ‫ر‬                                                       ‫ر‬
   ‫عقد عصري حاجبيه الكثيفني س ّع حبات السبحة، نظر إىل صاحبه، هنض خبفة عازماً على التح ّك إىل املغرب فورا،ً‬
     ‫استوقفه بوعالم: "تدخل املاروك بال كواغط! أنبوسيبل، إنت متعرفش املخزن يوليدي، غادي يدبروا لك حيلة باش‬
                                                                                        ‫ياخدوها باطل، يف املاروك توت أي بوسيبل ".‬
                   ‫ل‬                                                                ‫ي‬
   ‫نظر األستاذ البسباس إىل السّارة وقال: " إيل حب يسرق صومعة حيفرهلا بري، اللقمة كبرية بزاف ،و ّ بيعوها "ْبيٍيسْ‬
                                                                                                            ‫ديطاشي" لكراج أكسسوار ".‬
                                                                                       ‫ل‬
   ‫ارتأى بوعالم أن يتخ ّصا منها يف أسرع وقت قبل أن جترجرمها الشرطة إىل القسم وتودعها يف احملشر. انربى بوزيان‬
                                               ‫ق‬                            ‫رب‬
    ‫اقترح شراءها وعرض عليهما أن يع ّمها احلدود ويوصلهما إىل "فِ ّيق " قال سرحان: "وافرض جدالً إنا بعناك إزاي‬
                                                                                                              ‫هتدفع متنها، كريديه برضه"!‬
                                      ‫ج‬              ‫ل‬                                       ‫خ‬       ‫ي‬
‫بوغت بوزّان فتد ّل بسباس وأنقذه من حريته قائالً أنه سيس ّفه املبلغ. تو ّس عصري من السيارة واقتنع بأهنا شبهة أو‬
  ‫هتمة أو فال شر، بعد شقلبة حبات السبجة وبعد األخذ بعني االعتبار كؤوس الشاي والتمور ورائحة الطعام اآلتية من‬
                                                  ‫ر‬
     ‫املطبخ، وبعد األخذ بعامل العروبة واإلسالم واألخوة والضيافة، ق ّر دون استشارة صاحبه بيعها لبوزيان باعتبار أنه‬
                                            ‫حمتاج، فاعترض سرحان: "ال حمتاج وال حيزنون، إزاي حمتاج ومعاه تلفون حممول"!‬
                         ‫و‬                                                        ‫د ج‬                    ‫ف‬
                     ‫"أي ل ّا بأى أبشكيب، ب ّك تر ّعو لعصر محام الزاجل، هاليوم النوري األندبوري صار حامل ج ّال،.‬
                                                      ‫التفت إىل موىل الدار: " حتت أمرك السيارة وصاحبا وبال مصاري كمان".‬
                                                                                            ‫د‬
                                       ‫أمسك بوزيان يد عصري ش ّ عليها مساوماً: "يعين اشحال؟ قول سي كْوَا تونْ ْبري"؟‬
                                                                                                     ‫" عشرين ألف ضوالر لخر كلمة ".‬
                                                      ‫"يا حسرة احنا ماشي بأمريكا، خنلص لك سانكانت مليون، قول داكور" .‬
                                                                                                           ‫ن‬
                                                                              ‫"نقسم البيدر بالّص، عشر تالف ضوالر لخر كلمة ".‬
                                                                                                     ‫ك‬              ‫و‬
                                                                 ‫"ما جت ّع الديب ما تب ّي الراعي، نشريه عليكو كارانت مليون".‬
                                                                              ‫ز‬
     ‫قال بسباس ملوىل الدار: " ب ّاف، متنساش القانون يعاقب الريسلور، لوال وجود خمفي املسروقات مكانشي سارق".‬



 ‫1 عملت حادث سري وتعطلت/ احليطست = ااملتكئني على احليطان / السونطرفيل = مركز البلد/ كواغط = اوراق ثبوتية / انبوسيبل= مستحيل / صومعة = مئذنة / /بييس‬
    ‫ديطاشي = قطع مفككة/ داكور = موافق / سي كْوَا تونْ بْري= بكم تبيع ؟ سانكانت =20/كارانت = 20 / / فقيق = اقرب مدينة مغربية لبشار/ الريسلور = شاري‬
                                                                                                                                    ‫البضاعة املسروقة‬
                                                                                                                               ‫221‬



                                                ‫ب‬
‫"معلش يا كوزان، اللي حيب الزين ما يستغليش املهر، عجبتين، هّلتين هبال ".قال بوزيان وعاد يشد على يد الغجري :"‬
‫طرانط مليون ساسويف1، على خاطر اإليصانص يف املغرب غايل ب ّاف، وكه يغلى أكل الطري يرخص الطري، قول داكور".‬
                                              ‫ز‬
                                                                  ‫"وينك أخي أبو زيان، لخر كلمه مخس تالف ضوالر".‬
                                                                    ‫" فان سانك مليون بركا عليك، ال ضرر وال ضرار".‬
                                                                              ‫ر د‬
   ‫أمسك بوعالم يد الغجري احل ّة، ش ّها يف بازار املساومة واالبتزاز: "أنا خائف على هذه اليد من النار، وحق ريب ما‬
                                                                                                         ‫تستاهل فان مليون ".‬
‫انتفض عصري : "حاجتكن عاد، استحو بأى، مبليون بألف مبية بالش، بالش إال ربع، تعا اركب على ضهري، العمى ".‬
                                                                      ‫س‬
      ‫قال بوزيان :" يرحم والديك ياخويا ال ّوري، غيثنا اهلل، راين مريض وعندي داك املرض اخلبيت اللي ميتسماش".‬
                       ‫ب‬                                ‫س‬                  ‫ّ‬
‫نقز عصري وحبسبه أن السرطان مير من يد إىل يد، أح ّ برموش عينه اليسرى ترمش : "يوه تّت يدا أبا هلب، يا لطيف،‬
                                                                                                                      ‫ش‬
                                                                                              ‫ك ّ برة وبعيد، إترك إيدي ".‬
                                                                                           ‫" مانٍ تاركها إال تقول داكور " .‬
                                                                                      ‫"دكور دكور، بعناك، اهلل جيرب عنك".‬
                                       ‫د د‬
   ‫أفلت بوزيان يد عصري، أخرج من جيب الغنضورة مبلغاً كان قد ع ّه وأع ّه سلفاً ونقده: " كانز مليون وهذا لخر‬
                                                                                                                   ‫كالم عندنا".‬
                                                                                                          ‫ج‬
   ‫ض ّ أهل اجللسة فرحني بالصفقة املرحبة، انتشر اخلرب قبل أن يغادر الذكور سقيفة السلملك وقبل أن خترج احلرمي من‬
                                ‫ض‬
  ‫احلرملك، انتشر على ألْسنة أطفال بوزيان، أطلقت زوجته القدمية زلغوطة فجاوبتها ّرهتا اجلديدة بزلغوطة أقوى، دار‬
                                               ‫ه‬                                         ‫ي‬
‫بوزيان حول السيارة، ختّل نفسه راكبها بني هياكل بيجو ورينو املتر ّلة يف ساحة سي قويدر، غازهلا كأهنا زوجة ثالثة: "‬
                                          ‫،تبارك اهلل يلعروسة لغالية يا عيون لغزال، لو كنت ولية نتزوجك غري انتيا".‬
                                                                 ‫ن‬                    ‫ر‬
‫شرع عصري حي ّك مفاصل أصابعه املتشّجة، سأل سرحاناً هل السرطان معدي؟ لكن املصري مل جيب بل حصر فكره يف‬
                                   ‫ي‬
  ‫املهزلة احلاصلة وانتبه متأخراً إىل أن بوزيان تعمد إعالن السعر بالفرنسية ليضّع الغجري، وقلب منطق املساومة الذي‬
        ‫يفترض أن البائع ينزل يف سعر تنازيل فيما يصعد الشاري يف سعر تصاعدي، مث فتح فمه وقال للغجري املذعور:‬
                                                                                          ‫"السرطان ميعديش، الغباء يعدي".‬
‫انتبه بوزيان وقرر أن يستثمر هذا الغباء فطلب من بسباس أن يفحص السلعة قبل توقيع العقد، فقام األستاذ وقعد خلف‬
                                                    ‫د‬                      ‫و ر‬                          ‫ح‬
   ‫املقود وتف ّص كابينة القيادة ود ّر احمل ّك وفتح الغطاء وتأمل ع ّادات التابلوه وعتلة التغيري، نقر على احلديد وأضاء‬




                                              ‫1 90 مليون يكفي / االيصانص = الوقود /فان سانك= 07 / فان = 27 / كانز كليون = 15 مليون /‬
                                                                                                                                                       ‫321‬



        ‫أضواءها، هز رأسه برباءة : " شد الزيت ميول الزيت، طونوبيل كاتر كاتر مزيان، قصر فخيم على أربع عجالت،‬
                                              ‫ديركسيو أسيستيه، إيرباغ كليماتيزي ال كالس، جبتها دوشيش مس ّنة بالعسل 1".‬
                                                           ‫م‬
     ‫ل‬                                                                ‫مل‬                                ‫ب‬
    ‫انصّت عينا بوزيان على جاره قادحتني، َّح له يف غمزة مشفرة: "يرحم مياك أسي العستاذ افحصها مليح مليييح، إّي‬
                                                           ‫َ‬       ‫ح‬
                                                       ‫فيه طبه ما تتخىب، عندك يكون فيها عيب، بالك نكونو شْرينا لْ ُوت بلبْحرْ".‬
                                              ‫ر‬
 ‫قام بسباس من ساعته، برم حوهلا أجرى جرداً شامالً لألضواء واحمل ّك والدواليب واألبواب والزجاج، وشرع يتقرأ أدىن‬
                                                              ‫ط‬
         ‫تفاصيلها من فوق إىل حتت ومن حتت إىل فوق. ن ّ على البورت باغاج، وجد حجته يف دوالب االحتياط املثقوب‬
                               ‫ض‬                                                             ‫ز‬
     ‫برصاص التوارق، ه ّ رأسه بدهشة مصطنعة: "اهلل ال جيعل غفلة بني البايع والشاري، ع ّم اهلل أجرك خيو بوزيان هبد‬
                                                                                                   ‫ل‬
‫السلعه، إّي عجبك رخصو ترمي نصو، لو كانت متشي ما باعوها لو فيها اخلري ما عافوها (للضيفني) اهلل ينعل املا حيشم،‬
                                                              ‫غشيتونا حشيتوهالنا وبعتونا سيارة ما تسواش دورو، بون بور ال كَسْ" .‬
                                                                                                                 ‫"اهلل!مش قلتو شاريينها للكسر"!‬
                                                            ‫ر‬
   ‫رفع بوعالم عصاه على املصري : "أشكيك إىل اهلل يا س ّاق طونوبيل، حسيب اهلل فيك، أنا ال أقول إال حسيب اهلل ونعم‬
                                                       ‫الوكيل، واهلل ما انساحموك واهلل ما نساحموك وغدوا نتالقاو أمام رب العاملني".‬
                              ‫وقال بوزيان للغجري: " إدا كان صاحبك عسل ما تلحسوش قاع، حنيلي صانكانت ميل دينار".‬
                                                                                                        ‫ط‬
                                                               ‫"ال تنحيلي وال أحنيلك، ب ّلنا نبيع، خلي العسل جبراره تتيجي أسعاره".‬
  ‫ارتفع صوت بوعالم من اجلهة األخرى: "حنيليه مخسني ألف دينار حنيلوو، حنا كنا نستناو تطلعولو املورال ماشي تزيدو‬
                                                                                                                 ‫هتبطوه، يا حليلو موىل وليدات".‬
                                ‫ك‬
       ‫أنربم العقد حبسب رغبة البشاريني انتبه سرحان ( متأخراً كعادته) إىل أن بوزيان قد مت ّن بكيفية عجيبة من دفع مثن‬
                                                                                              ‫ا‬
                                                ‫السيارة بالسنتيم ليبدو املبلغ كبريً، ومن استرداد الفارق بالدينار حىت يبدو ضئيالً،‬
                                                                                 ‫صف‬          ‫مد‬
  ‫و ُ ّ السماط. ُ ّت صحون فوق صدور حناسية وصواين، جاء الدراري بقصعات كسكس باملرغيز والدجاح واللحم،‬
 ‫وكليلة وشوربة وبراك، ومسمن وخبز املطلوع ومقرود وقلب اللوز. احتفت البطون يف وليمة احتفاء بالسيارة أكثر منها‬
                                                                                                                                               ‫بالضيفني.‬




‫1 سيارة جيدة رباعية الدفع ، مقودها سلس ، ايرباغ ، هتوئة ، راقية ، ضبطت معك/ طبه = عيب / عندك = رمبا /دورو = عملة اسبانية تافهة القيمة/بون بور ال كس = تصلح‬
                 ‫للكسر / صانكانت ميل دينار = مخسني الف دينار ، للمعلومية فالدينار يساوي مائة سنتييم اذن اخلمسني الف دينار هي مخس ماليني / املورال = املعنويات‬
                ‫421‬




‫الوادي السادس‬
   ‫تيه التيه‬
                                                                                                                                                         ‫521‬




                                              ‫دو دو دو‬
                                            ‫إدريس يف بالد العجائب. أو " ِّرها ِّر ِّر"‬


   ‫ارتفع صوت ِّل "كتامه ُتامه"، 1تباطأت احلافلة بني حفر الشارع تو ّفت عند حمطة الكريان، نزل ر ّاب وصعد‬
          ‫ك‬                           ‫ق‬                                         ‫احملص ُ ك‬
                                                                                                 ‫ك‬
‫ر ّاب، فالحون حيملون بقجاً وصناديق بيض وأقفاص محام ودجاج وأرانب . بني الصاعدين ظهر هييب صعلوك من ناس‬
   ‫ل ك‬                                    ‫ص‬
 ‫القِناوة وعلى ظهره كشكول فيه بندير وقراقب وقمربي، أشرق وجه احمل ّل فرحاً بالزائر الغريب الذي يس ّي الر ّاب‬
   ‫ز‬                                                       ‫د‬                                              ‫ف‬
‫وخي ّف من وطأة الساعات اليت يستغرقها املشوار املمت ّ من وجدة إىل طنجة، ابتدره قائال: "كرياك داير أدريويش أ ّفان‬
                                                                                                                      ‫؟ شخبارك فني كنتِ غايب"؟‬
                         ‫ص‬
   ‫داعب الصعلوك كلبة صعدت معه، أخربه أنه كان يف إجازة يف حبس مالباطا، ضحك احمل ّل الذي مل يفاجأ بدخوله‬
                                             ‫السجن بل خبروجه منه وعاد يسأله : "شحال خلصت للكارديانات باش يطلقوك2"؟‬
                                                           ‫يل‬
     ‫"انتهت حمكومييت مبكرمة ملكية وأطلقوين يوم والدة و ّ العهد، اهلل يبارك فعمر سيدنا، إدا جابت دكر فأفرج وادا‬
                                                  ‫ح ح‬        ‫ك‬
    ‫جابت أنىت فأعدم". قال الصعلوك مث استدار حنو الر ّاب، أ ّ أ ّة مصطنعه ليثري انتباههم، داعب مناقري الدجاج يف‬
                  ‫ر‬
    ‫األقفاص، أحىن ظهره للركاب، وعزف بأصابعه على وتري القمربي، ختصور ودبك برجليه فتح ّكت خالخل مثبتة‬
 ‫ن‬
‫فيهما، نكع بكوعه البندير املتديل على خصره واشتغلت جوقة موسيقية من جسده املتراقص، أخذ يعزف ويدبك ويغّي‬
                                                                                                                   ‫ويشطح يتغاشى يف وقت واحد:‬
                                            ‫منك حايل يا جيالين‬                    ‫"منك حايل يا جيالين‬
                                           ‫يا شيخي عبد القادر‬                     ‫أنا قابض يف اهلل وفيك‬
                                          ‫يف هذا الدار ويف ديك"‬                      ‫أنا قابض باهلل وفيك‬
                                                                                                                   ‫ص‬
                                                                    ‫قاطعه احمل ّل: " باركا من لغنا، إن أنكر األصوات صوت حلمار".‬
                                                                              ‫ف‬
  ‫ركن الصعلوك القمربي على الر ّ، وعوج طاقية اللباد : "واخا أسيادي الاليت املسافرين، هد واحد القصيدة عنواهنا‬
                                                                ‫صرخة من أسوار عمورية ألسوار القدس كتبتها مبناسبة سقوط بغداد:‬
       ‫رسالة حتمل نقاط ونقاط /وتدعو العرب لالخنراط /من أجل التضامن واالرتباط /وليتوبوا من األخطاء واألغالط/‬
                                                                                                                          ‫ب‬
                                                              ‫وليطّقوا مبادئ الصراط /كفاهم من السهو واإلفراط / هبما نالوا .....‬
                                                                                                                  ‫مازحه اجملصل :"لِفْسا وضراط".‬



  ‫1 مدينة بالريف مشهورة بزراعة الكيف / الكريان مجع كار / القناوة طريقة اخوانية جتمع املتحدرين من اصول افريقية وهم يتكسبون بالغناء // القمربي الة موسيقية بدائية‬
                                                      ‫عبارة عن وترين مشدودين لطريف خشبة / كرياك = كيفك/ أزفان = الشاطح باحلضرة / مالباطا = سجن بطنجة‬
                                                                    ‫2 كم برطلت احلراس حىت يطلقوا سراحك ؟/ بركا = يكفي / واخا = حسناً / الاليت = سيدايت /‬
                                                                                                                                                   ‫621‬



‫ضحك الصعلوك و انكشف فمه األدرد، رفع أكمامه وقال: "دابه كنقرا عليكوم واحد القصيدة أمدح فيها فريق الريال‬
                                                                                                                                              ‫مدريد:‬
                                    ‫ت‬
     ‫هذا الريال فريق من دهب /فد رهيب ومتعة يا سالم/عنده فن ومهارة وطرب ميّعنا باللعب يف كل عام /اللي يشجع‬
                          ‫غريه بيته اخنرب عاملي مشهود بالسنوات واأليام /اخلصم دامياً إذا قابله هرب واهلل الريال فريق.....‬
        ‫قاطعه صوت من بني الركاب : "أمشن فريق هاد الريال مندريل؟ الكالسيكو قريب الربصا غادي يفرعهم ويعطيهم‬
                                                                                            ‫حساهبم تالتة صفر، دمية برصه بيسكا برصه ".‬
                                          ‫س‬                                     ‫ك‬       ‫ص‬
     ‫وقهقه السائق واحمل ّل والر ّاب وانبخع الصعلوك، بغريزة حيوانية أح ّت الكلبة حبرج موقف سيدها فنبحت نباحاً‬
       ‫مسعوراً، رفع الصعلوك سبابتَيه بوجه الركاب: حسيب اهلل فيكم يا خماربة، أمشادار الواحد مايعجبكومش احلال، إدا‬
   ‫أشعرت الشعر أو نثرت النثر قلتو مسروق، وإدا اخترعت إختراع قلتو كوبيي1 وإن غنيت لغنا قلتو نشاز، وإن قلت‬
                         ‫م ف ن‬
                    ‫ريال قلتوا برصه، وخا يا أوالد ال سأصارحكم حبقيقتكم وأقرا عليكم واحد لْقَصيده د ُضَ ّر الّواب".‬
                                        ‫ي ق ف‬                                    ‫ر‬      ‫مت‬                  ‫ّ‬
           ‫مد يده إىل الكشكول و ّتم بس ّ الرفاعي خمرج األفاعي، أخرج حّة مرّطة ل ّها على رقبته، تكهرب اجلو، هبت‬
                                         ‫ب‬
     ‫الركاب، أجفل املشرقيان الراكبان يف املؤخرة، ارتفع صراخ النسوة فضّها يف الكشكول وأقفله بسري جلدي وركنه‬
                                                       ‫قر‬                                            ‫ف‬
 ‫على الر ّ. أخرج قدحاً فارغاً رفعه بيده ونقره بإصبعه، َّبه من فمه، قضم أطرافه بأسنانه وعلك بفمه وطحنه مث بلعه،‬
               ‫ك‬                       ‫ر‬
‫جتشأ وطبطب على معدته، وعال اهلرج والتصفيق والضحك والصفري، س ّع عصري حبات السبحة وتذ ّر مهنته القدمية‬
                                ‫ت و‬                    ‫ك‬
           ‫بالتطبيل يف األعراس فقال لصاحبه: "هالولد فرفحلي قليب ذ ّرين بأيام زمان، فّش د ّر بتالقيلو شرش محصي".‬
                                                                                      ‫ب‬
   ‫شال الصعلوك طاقية اللّاد عن رأسه ومدها للركاب: "خاي اهلل لالحباب للعاشقني يف النيب، صدقة ورمحة الوالدين".‬
                                                               ‫د‬
‫ناوله راكب سيجارة فشكلها وراء أذنه، وتص ّق عليه لخر بابتسامة، فتحت امرأة من اجلبالة صرة وناولته نصف رغيف‬
                  ‫َ‬
‫بوغرير، أعطته ريفية بيضتني مسلوقتني وحبة طماطم، واندفع يهزهز الطاقية عن اجلهتني: "اهلل جيعل لْبرْكة سْخَوا بلفلوس‬
                                                                                                                                          ‫أعباد اهلل".‬
                                              ‫قل‬                                  ‫ز‬                  ‫د‬
‫م ّها يف وجه فالح فه ّ األخري رأسه استنكاراً: "سري أودي ِّب على شي خدمة، اله يهديك جتد وجتتهد وتزرع أرضك‬
                                                                                                             ‫خري لك من السعاية والشمكرة".‬
            ‫د‬                                        ‫ر‬
‫"أوالً ما عنديش أرض، تانياً أنا متحصل إجازة باآلداب ماشي ز ّاع، تالتاً أنا مل أعد مقتنع مبقولة من ج ّ وجد ومن زرع‬
                                                                      ‫حصد ما دام هناك يف مملكتنا الشريفة من حيصد دون أن يزرع".‬
    ‫"وعالش ما درست غري شي لسي املتقف، بغييت تصري موضف، شهادة حنو وإعراب ما تفيدش أرَ شهادة ميكانيك ما‬
                                                                                                                                ‫حاجتناش ألدباء".‬


   ‫ل‬
‫1دابة = اآلن / كوبيي = منسوخ/ / بيسكا = حييا / اذا = إذا املغربية حتول الذاء إىل دال وحتول الظاء إىل ضاد كما يف مضفر / شرش = جذر / أودي = يا ولدي / قّب =‬
                                                                                                                   ‫إحبث / الشمكره = الصعلكه/ أر = هات‬
                                                                                                                                                    ‫721‬



                                                                                         ‫ْ د‬
‫"هاد البالد مَكَتخَ ِّمشْ خريج األدب عالش أصال كيقريوا هاد املناهج"؟ قال الصعلوك ونظر مبرارة واستياء إىل الركاب‬
 ‫وإىل الغ ّة العجفاء وصرخ: "مابقا رمحة مابقا إميان ال يف عيسى وال يف عثمان، ياهود امل ّح 1خري منكم، املخزن خمزَنَكًم‬
                              ‫ال‬                                                                          ‫ل‬
                                                                               ‫جعلكم أدل وأكلخ شعب ،كتركعوا له أو غادي متوتو".‬
‫انربى راكب من مريدي الطريقة البودشيشية: "تفووو عليك وجه دل احلبس، شكون أنت يا ابن الزنقة لتطعن يف والئنا‬
‫لسيدنا (أكمل بالفصحى احتراماً للمليك) ركوعنا له ليس ركوع عبودية وإمنا هو ركوع طاعة، اختياراً ال اضطراراً، اهلل‬
                                                                                                                           ‫أمر بطاعة أويل األمر".‬
                                                                          ‫د‬
  ‫" راصه د مشايت، حسيب اهلل فيكم يا خ ّام اخلليج، البترودوالر فسدكم ". قال الصعلوك فلم تفلح أقواله إال يف زيادة‬
                                       ‫ي‬                                       ‫د‬
‫غيظ الراكب البوشيشي فر ّ عليه:"ملغرب ما فسدها غري الناس فحالك بّاعني الكيف، نبغى نقولك كليمة وحيده، انت‬
                                                                    ‫ل‬
   ‫أكرب قواد حيتاش ما كتشوف غري القباحة إّي تشوه فيها بالدك، اهلل ياخد فيك احلق إنت وكل مغريب يكره املغرب".‬
                                                                                                      ‫ص‬
‫رفع احمل ّل صوته على املغين اجلوال: "اهلل ينعل الوالديك أود حلرام، احرق مياك يلشمكار درتلنا التخربيق، اهبط ملكار‬
                                                                                                                             ‫انت والكلبة ديالك".‬
                                       ‫د‬                                                    ‫و‬      ‫ف‬
     ‫حت ّزت أب ّة عصري(كان وهو صغري يشحذ، لذا فهو يعرف معىن أال يتص ّق الناس عليه بشيء)، أخرج ما بقي من‬
                                       ‫دنانري جزائرية ناوهلا للصعلوك "اهلل جيرب عنك بابا درويش حبسنة حوشب، َبرَكة وَرْسن".‬
                                             ‫ر‬
   ‫محلق املغريب باألوراق النقدية مبهوتاً ، أفسحا له مكانا فجلس تف ّس هبما وعرف بنفسه : " "أخوكم إدريس، شرفتوا‬
                                  ‫املغريب بالدي الرائعة ذات البحرين والشمس الساطعة والفصول األربعة والنجوم الالمعة".‬
    ‫أخرج عصري ثالث سجائر، سأله إن كان قاصدًا طنجة فأجاب باإلجياب مث سأله إن كان يعرفها فقال إنه من أبنائها‬
             ‫س‬               ‫ر‬
 ‫ويعرفها كراحة يده. سأله إن كان يعرف طريقة لدخول إسبانيا، عرف إدريس أهنما ح ّاقة ووعد بالتو ّط لدى معارفه‬
                                                                                                                                      ‫ب‬       ‫ر‬
                                                                                                                         ‫امله ّبني ليعّرمها البوغاز.‬
  ‫ف‬                              ‫ك‬                    ‫ن‬                                       ‫د‬
  ‫تق ّمت احلافلة وسط حقول مزروعة باحلشيش والقّب، استسلمت رؤوس الر ّاب للقيظ واخلدر ووعر السفر، ك ّ‬
                                  ‫ق‬                                            ‫ص‬                                ‫ص‬
‫احمل ّل عن لَيْ رقبته إىل الوراء للتل ّص على الثالثة املنزوين يف مؤخرة احلافلة، تي ّظ فضول املشرقيني حنو املغريب، سأله‬
                                                                         ‫و‬                ‫ل‬
      ‫سرحان ملاذا ال يتع ّم مهنة بدل التس ّل، فأجاب:" اشكون قالك التسول ماشي مهنة، إهنا مهنة حمترمة، وهلا أصول‬
                                                                                            ‫وقواعد ونقابة، أنت يف املغرب فال تستغرب ".‬
    ‫سأله عما يشعر به وهو يشحذ فرفع إصبعه: "أنا ال أشحد لكين أقايض، أعطيهم غنا وزجل وشطيح وفرصة ملضاعفة‬
                                                                                            ‫حسناهتم يوم حلساب ويعطوين شوية سوردي".‬




  ‫1 املالح حي يهود طنجة / املخزن هو الدولة املغربية وأجهزهتا / الزنقة = الشارع / راصه د مشايت = عرق منحط ، /حيتاش = حيث ان/ التخربيق = اجلنون / البوغار =‬
                                                   ‫املضيق / احلراقة هم املهاجرون السريون حيرقون اوراقهم قبل عبور البحر / اشكون = من / سوردي = فكة النقود /‬
                                                                                                                                                ‫821‬



                                               ‫ض‬                                           ‫س‬
   ‫سأله بأي هتمة ُجن فقال يف ارجتالٍ عفوي: " الشتاء الفارط ع ّين الربد واجلوع فألقيت خطبة احتجاجية يف ساحة‬
                                                      ‫املعاكيز1 هامجت الشتاء واملخزن علناً أمام أعني املخازنية حىت يقبضوين".‬
                                        ‫ذ‬                                                             ‫ي‬
     ‫أضاف مغّراً نربته: "وبطبيعة احلال فإنين أؤمن مع جون جينيه أن للحبس ل ّة إيروتيكية فضالً عن كونه مالذًا من‬
                                                                                                                                          ‫العراء".‬
‫ج‬                         ‫شرقي‬                                                                          ‫ق‬
‫دق ّ سرحان النظر يف املغريب باحثاً عن شبهة شذوذ جنسي، ودقق املغريب النظر يف امل َّني ليقيس مفعول كلماته، م ّ‬
                                                                                ‫ر‬
    ‫سيجارته وأكمل: "أنا شاعر التش ّد املتعايل زفان من "العيساوة" ، أحيا دون أهبة وال أموال يف جيويب وال جيوب يف‬
  ‫سروايل، أعيش بال هدف وال قاعدة سوى إدهاش مجهوري، وأرجتل حيايت كما أرجتل التقاسيم على القنربي، السجن‬
                                                                                                       ‫ل‬
    ‫ع ّمين أن أجعل دايت عنوان جتربيت، ويل رؤييت اخلاصة للشعر وهي أنه جيب أن يكون معاشاً يعين فيكو، يل نصوص‬
                                                 ‫مشاغبة وقصائد راديكالية طاهلا املنع، وميكنلك تعتربين خليفة حممد شكري".‬
                                                       ‫ي‬          ‫ي‬
   ‫انتبه عصري إىل أنه جالس بني شاعرين فغّر مكانه تطّراً شخط سرحان: "سالمات يبتاع كلو، إنت تبيع ميه فحارة‬
                                                     ‫و‬                   ‫ط‬
      ‫السقايني، صويف غاوي فلسفة وع ّار ملتزم كروياً مر ّض تعابني وصعلوك وطربنجي، طب تبيت فني ميعلمني "؟‬
      ‫" يف الزنقه أو يف املرسى ، وسيدنا له بكل مدينة قصر فيه إسطبل وغابة ومسبحني وملعب غولف ب11 حفرة".‬
 ‫سئله سرحان كيف صار صعلوكاً فأجاب: "لكل هذه األسباب اليت ذكرهتا، وحبكم ما أمحله يف جينايت من حب للحرية‬
                                                                             ‫ر‬
                                                       ‫والرباري واهلواء الطلق وزرقة السماء، ومن مت ّد على القيود الصارمة".‬
                                                                        ‫ر‬                               ‫ض‬
        ‫ع ّ سرحان الغليون: "على فكرة التم ّد مظهره سليب وجوهره إجيايب، وهو دائماً ينتهي بصحوة ميتافيزيقية".‬
                                                                         ‫ي‬                                 ‫ت‬
   ‫تفّحت شهية أدريس للكالم فقال دون أن ُسئَل: "مل يعطيين العامل ما أريد فاكتفيت بالرضا الومهي الذي تعطيين إياه‬
                                                                                                   ‫األحالم والشارع واألشعار والزطلة".‬
‫انتزع سيجارة من خلف أذنه اليسرى، فرطها يف راحة يده مواصالً احلديث: "مقودة علينا يف هد السجن املغريب الكبري،‬
                                        ‫ي‬
                              ‫الصراع الطبقي ال جيدي ، واملستقبل بال مستقبل، العامل لن يتغري لذا علينا أن نغّر أنفسنا".‬
                            ‫ص‬                       ‫م‬                          ‫ل‬                 ‫ّ‬
 ‫مد يده إىل حجاب مع ّق بصدره أخرج قطعة حشيش تأ ّلها بإعجاب : "سبحان من ّري العشب عنرباً ومسكا، ومنح‬
                                                                                  ‫م‬
    ‫اجلبل قمةً وسفحا( ش ّ نفحاهتا ) عطر باتشويل مسكوب من روح اهلل، حنه وخبور أندونيسية وقنب هندي مع ورد‬
                                                                                         ‫ص‬
                                                                                  ‫القرنفل ودموع متاسيح مع يورانيوم خم ّب (غمز)‬
‫2 ".‪l’experience mérite d’être vécue ،voyons voir‬‬




             ‫1 من ساحات طنجة السياحية / املخازنية = الشرطة/ سيدنا = امللك / / عيساوة طائفة طرقية مكناسية ختلط بني الصوفية والشعوذة / الزطلة = احلشيشة‬
                                                                                                                        ‫2 لنرَ ، التجرية تستحق ان تعاش‬
                                                                                                                                                      ‫921‬



                ‫ف ل‬                   ‫ب‬                                              ‫د‬
 ‫أمسكها بإصبعني وحرقها بالق ّاحة، خلط النترات احملروقة بالتنباك املفروم وص ّ اخللطة بورقة ل ّ، ب ّل طرفها بلسانه،‬
                                                                                               ‫ك‬       ‫و‬
 ‫د ّرها ود ّها على ظاهر يده، أشعلها ونفخ عليها وسحب نفساً عميقاً، زاغت عينه بتموجات غاللة الدخان املتصاعد:‬
                     ‫"وازطلتاه، باكس مارجيوانا، صان بورصان زِن، زيرو ستريس، انتظار الطوفان أسهل من صنع السفينة،‬
 ‫قال بعد أن شرق سحبة عميقة: "موندو فارنينيت، كوزي فان تويت، هيمن أال جْوان، األمل األدىن والبهجة األكثر، أزطلة‬
                                                ‫ورضا الوالدين ما كيشبع منهم حد، داك الشي عالش إحنه أسعد شعب يف العامل".‬
‫رفعها إىل عينيه يناجيها: " فكرة جديدة لصياغة العامل والعيش خلف حدود الالمرئي، متنع الرأس من التفكري ملدة عشرين‬
                             ‫د‬                                                                             ‫ك‬
              ‫ساعة، تف ّ اإلرتباط بني الدات والعامل، تبطل التناقض بني احلياة وما يناقض احلياة، كتبني ّات د اإلنسان ".‬
                                                                                                                 ‫ظ‬
   ‫ب ّ عينيه أمام السيجارة املتضائلة، محلق فيها كأيقونة: " الزطلة الزطالء، شفيعة التعساء، لوالها لقامت تورة باملغرب،‬
                                                                ‫إهنا أكثر من جرمية هي غلطة، إهنا أعىت من النسيان هي فقدان ذاكرة،‬
 ‫1‪elle n’est pas une révolte ,mais une révolution‬‬
                                                                       ‫و‬
   ‫هي الركن الركني للخزينة املخزنية، تق ّي الزراعة والتجارة والسياحة، جتلب توريست وديفيز، تشغل مهربني وحمامني‬
                                ‫ي‬                                                           ‫ج‬
 ‫وديوانه وس ّانني، من حللها من الفقها فمسجده فخيم، ومن أفىت بتحرميها ال ُصَلى خلفه ومسجده رميم (أخذ سحبة‬
                         ‫طويلة) األفيون دين الشعوب (ضحك) أنا عبقري فذ، نسفت نظرية شارل ماركس حبملة واحدة".‬
                                               ‫ف‬                            ‫ب‬
    ‫تراخى إدريس كيوغي أغرق جسدَه قّل وشمَ تاجٍ ملكي على ظاهر ك ّه: "أهلل لْوطن لْحْشيشَ والريال، عندما يلعب‬
                                     ‫املرينغي يف القلعة البيضاء ترى عجباً، ده مش كورة يا خو ده مزيكه هارمونيكا مسفونيكا".‬
                                                                                                                                 ‫ي‬
                                                                            ‫مّل رقبته حنو الغجري : "أبْويلو!؟ أمشن فريق كره تشجع "؟‬
                                                ‫"حننا السوريني مو كتري بالفطبول حننا أبطال العامل بالتركس والطرنيب".رد عصري‬
                                                                             ‫" أبويلو، إنت من اليمني املتطرف ول من اليسار املنحرف"؟‬
                                           ‫"حمسوبك من الوسط الفين، وزير بال حقيبة، إحنه الغجر أهل رحيل من مدينة ملدينة".‬
                                ‫"هاك ألشريف مسوك هاش، السعادة ليست العبور من مدينة إىل مدينة وإمنا من حال إىل حال".‬
                                                                      ‫ر‬                              ‫ْ َط‬                 ‫ل‬
                                                            ‫"ح ّ عين دخيلك، أنا مس ِّل من غري حشيشة، اهلل يكفينا ش ّها، حرام".‬
                                                                                                     ‫م‬
‫" حرا ٌ عليك تفيت بال علم، الكدب حرام، السرقة حرام والضلم واإلستبداد، أما الزطلة فأحتداك أن جتد دكرها بالدكر‬
‫احلكيم، اهلل يرحم الفقيه موىل الكيف سيدي احممد بن مجعون ويل كتامه الصاحل الذي قال، وقوله هو الصواب، احلشيش‬
                                                                                                     ‫لو حالل إننا نشربه ولو حرام إننا حنرقه".‬
                                                                               ‫د‬
               ‫شخط سرحان خببث : "لكنما على ح ّ علمي، شيخ اإلسالم إبن تيمية والشيخ بتاع األزهر أفتوا بتحرميها".‬


‫1 هي اكثر من مترد اهنا ثورة/ جوان= سيجارة حشيش / مية باملية زن / توريست وديفيز= سياح وعملة صعبة / املرينغي = لون الريال والقلعة البيضاء لقب ملعبه / ابويلو =‬
                                                                      ‫جد عجوز / تركس وطرنيب من العاب الكوتشينة / امشن = أي؟ /مسوك هاش = دخن حشيشة‬
                                                                                                                                   ‫031‬



                                                                                                        ‫خ‬
    ‫" أش ّ عليهم اجلوج، يتسلقون املنابر ويقفلون باب التوبة يف وجه عباد اهلل، داك حلمار املصري فقد صوابه من أكل‬
                                         ‫ت‬                       ‫و ه‬                      ‫خ‬
                        ‫الفول، أما اآلخر ش ّاخ اإلسالم فهدا ق ّاد و ّايب تافه مندس من أكرب كّاب اإلسرائيليات".‬
                                                ‫د‬             ‫د‬
   ‫ضحك عصري حىت بانت أسنانه الذهبية مث جت ّب وتثاءب، مت ّد على مقعدين جماورين فرغا بنزول راكبني، اضطجع‬
                                          ‫ل‬                          ‫د‬
     ‫متخذًا من راحة يده اليمىن وسادة، خت ّر على مهل (عبق احلشيشة تس ّل من خيشوميه إىل رأسه رغماً عنه) شقلب‬
                                                                                                        ‫ا‬
                                      ‫حبّت السبحة بتراخٍ، أزاح الربنيطة الغجرية من رأسه إىل وجهه وبدأ يشخر.‬
                                           ‫ي‬                                                          ‫ّ‬
                                     ‫مد إدريس الصاروخ لسرحان: "هاك، كف اهلم بالكيف، إكمي حْالال طّباً ".‬
                                                        ‫ّ‬           ‫مضي‬      ‫ج‬
    ‫أشاح سرحان بوجهه عنها حب ّة أهنا ِّعة للعقل. هب إدريس : " أي عقل! العقل جنون، يا لعتمة عقلك يا عدمي‬
                                            ‫ص‬                                         ‫ي ع‬
   ‫العقل، الشاعر وهو ُشْ ِر يبحث عن ضياع عقله، من يساويه العقل بال ّاحني ترفعه الزطلة فوق العاقلني، أمحق اللي‬
                                             ‫بغى يكون عاقل وحدو، هيا إكمي، الرأس بال نشوة قطيعو أحسن، ".‬
                                                                                ‫ر‬
                       ‫" متصدعنيش يا وَلَه راسي وانا ح ّ فيه، اخلمرة معلهشي إمنا احلشيشة! يبوووي اهلل ال يبلينا".‬
     ‫طه‬
    ‫"اخلمرة بنج موضعي أما الزطلة فهي بنج كلي، هاك خد املتعة من مصدرها املباشر، أهرب من لعناتك العائلية، ِّر‬
‫ضمريك من مسوم األخالق، باموس هومربه 1،احلياة ال تستقيم دون التوائات، ال تشغل ضمريك بتفاصيل احلق والباطل،‬
            ‫د‬                                   ‫ة‬
 ‫ولو نظرت للجماجم فلن تعرف األشرار من األخيار، املعصية مجيل ٌ ومغرية، اخلطيئة أضمن طريق هلل، وغ ّا جتدَ نفسك‬
                                                                       ‫ن‬
                                              ‫عن ميني بوهلب وعن يسار بوجهل، واجلّة تتسع لكل اخلونة ويل ولك‬
                     ‫ر‬          ‫َّر‬                                     ‫ي‬                              ‫ذ‬
 ‫ُهل املصري ببداهة الصعلوك وأملعّته، ارتسمت على وجهه أعراض التفكري والس َحان ككل م ّة يواجه فيها إشكالية‬
                                                                                ‫ل‬       ‫ر‬
    ‫الغواية وامتحان احل ّية والزّة، وجدلية اجلرب واالختيار وبعد كل شيء ، مل ال ميارس حريته يف السقوط، ويف خوض‬
    ‫التجرية الرامبوية بعنفها وعنفواهنا، ليكتشف احلدود القصوى للعدمية السالبة، قد أشبع احلاجات من حتت إىل فوق‬
                                                         ‫ش‬                                        ‫د‬
             ‫بالترتيب، س ّ نواقص البتاع والبطن والقلب يف أدرار وب ّار، فلماذا يترك هذا الرأس الفارغ فارغاً"!...‬
                                   ‫وخطف الصاروخ من يد إدريس قال بلسانه " هاهتا، مشه تفوت وال حد ميوت ".‬
                                            ‫ح ظ‬
 ‫سَحَبَ نفساً، مل يشعر بشيء غري عادي، سحب نفساً لخر، ق ّ وب ّت عيناه، نبقت حبات عرق على جبينه، أبعد بيده‬
 ‫ن‬
‫الدخان املتكاثف، شرق نفساً أعمق وبدأ حيس باإلختالف ونكهة املرة األوىل، سحب أنفاساً متالحقة فعبثت برأسه طّة‬
                                        ‫ج‬
‫الكثافة واالمتالء واالنزياح عن العامل، تباطأت حركاته، دمعت عيناه، ش ّعه إدريس وهو جيهز سيجارة مزدوجة: " أفالْ‬
   ‫أفالْ، مسوك أند فاليْ، استثمر الفجوة اليت فتحتها برأسك، أخرج من اجلزء وصر بالكل كلياً، أمسك زمام الكشف‬
                                 ‫والسر معاً ، اغمض عينيك وتالش مث تالش فقد حصل لك أن تصل لعامل التالش".‬
                                                                           ‫مل‬
‫وتالشى يف سفرة باطنية، بدا العامل اُعاش طيفاً لعامل أكثف وأعمق،أرخى يديه ومفاصله وتراخى، ناوله املغريب السيجارة‬
                        ‫ل‬                                                               ‫ح‬
                  ‫الثانية :" هاك بالص ّة والراحة زيد إكمي وخلليها تولع، الزطلة هي الشيء الوحيد الذي يؤّهنا ".‬

                                                   ‫1 بياالسبانية هيا بيا رجل / اجلوج = االثنني ، افال = ابتلع ،/ مسوك اند فالي = دخن وحلق‬
                                                                                                                                               ‫131‬



                                                                                                           ‫ج‬
   ‫م ّ سرحان نفساً من عيار أثقل، أطلق لسانه يف غليان وتواتر اهللوسات واهلذيان فيض اخلواطر واألحوال الباطنية: "‬
 ‫سبح يف الدرجة الصفر من العقل، رفع السيجارة لشفتيه بابتهاج، أخذ يشطح " أنا أحشش إذاً أنا موجود، أنا أحشش‬
                             ‫إذاً أنا أمسك دماغ، إذاً أنا عندي دماغ، إذاً دماغي تدمغ... لكم دماغكم ويل دماغي".‬
  ‫خطف الصعلوك السيجارة: "أرَ اجلوان، من يؤمن بشعر ودماغ بعصر الربصا والريال إال احلمق من أمتايل وأمتالك ".‬
                                                     ‫سحب املغريب نفساً وعاد يسأله: "تيو، إنت أهالوي وال زملكاوي"؟‬
                                   ‫ح‬
  ‫"زمهالوي، أنا سرحان رئيس األركان، محام، اإلجييشيان وولف، سوسو املتو ّش، جلمود بن صخر، أنا كافر بالفطرة‬
  ‫لكن مكاين يف اجلنة حمفوظ، مفيش فايدة، فاشية وهابية، خازوق ممتد من طنجة جلعكرته، إفالس ال متيل له، بول إبل،‬
    ‫عامل تالت، طاعون أخضر، نفايات تلمود، حضارة فاشلة، الحضارة، أنتم الرببر ارتكبتم أكرب غلطة باستقبال شرذمة‬
                                                                                              ‫أعراب هاربني من صحاري اجلوع، ".‬
                                                                               ‫ْ‬
 ‫"اهلل غالب حنن بين وي وي تِرمتنا للكل معروضة وكل من جاء استعبدنا من الرومان إىل الصبليون للبورتوغال للهنود‬
‫احلمر للصوماليني الشقر إىل أهل البيت املزعومني، شوارعنا مزالت حتمل أمساء جننارات املستعمر (خطف السيجارة) أرَ‬
‫عفريت الفانوس ، ال هتمين حرفة البوليميك العقيمة، ما يهمين هو من يربح الليغا ومن سيكون بالون دور هد العام1 ؟".‬
                              ‫ط‬                                                                        ‫ّ‬
 ‫مج إدريس لخر نفس داس العقب برجله، حبث جبيوبه الكثرية ويف احلجاب برقبته، م ّ شفتيه حبرية إذ بقيت معه قطعة‬
                                        ‫م‬       ‫َم‬                                    ‫ف‬
 ‫زطلة ومل يبقَ له ورق ل ّ، شال الغليون من جيب قميص املصري، ه َّ أن يع ّر اجلرن العاجي بالتنباك املفروط مث فوجئ‬
     ‫و‬                                                                                ‫م‬
‫به قطعه واحدة ص ّاء بال أنبوب توصيل، قهقه سرحان: "سالمة نضرك يا معلمني، ده ريشة على شكل غليون مت ّه على‬
                                                       ‫البعد الثالث وتساعدين على استيالد وتشخيص املفاهيم الغامضة".‬
                                               ‫د‬                ‫ط‬
  ‫شعر سرحان كطفل وحيد بعد نوم إدريس، تع ّلت نريوناته، تن ّى جبينه، ظهرت الكرة األرضية حممولة على خراطيم‬
               ‫و‬            ‫م‬
    ‫أربعة فيلة، خرجت منلة ضخمة من جحر معتم وطاردت احلافلة، تبعتها منلة ثانية فثالثة وجت ّع النمل، حت ّل العامل من‬
                  ‫و‬
      ‫خزق صغري معتم إىل خازوق كبري، خبا بريق عينيه، عبثت برأسه موجات كهربية ما لبثت أن حت ّلت إىل صعقات‬
                                                                                                             ‫ل‬
   ‫تس ّلت إىل بدنه كله، راودته مشاعر عقم الوجود األبسوردي واليأس العميق والعدمية املطلقة مث الرغبة املزمنة إياها،‬
               ‫ت‬                                              ‫س‬                    ‫د‬
      ‫حبث حوله عن للة حا ّة يضرب هبا رأسه، أح ّ بيده مشلولة فتهاوى على الكرسي يغالب رجفته، توّرت أوتاره‬
                    ‫ر‬
  ‫الصوتية، ويبست شفتاه تبعثرت بقايا الكالم يف فمه، تراخى ككائن رخوي بال عمود فقري، ح ّك الغليون، ورسم يف‬
                    ‫د‬                                                       ‫ي‬            ‫م‬
‫الفراغ خرابيشاً تن ّ عن غياب كل ّ للعقل، فوضى وعماء كاوس وأرضاً يباباً، خريطة لالشكل، ع ّ على أفتار أصابعه يف‬
          ‫ل‬                                                                                        ‫ح‬
‫سفسطة املتو ّد مع ذاته، رأى عن ميينه ثالث مقاعد شاغرة وعن يساره مقعداً واحداً، انتبه إىل أن موقعه خي ّ باالنسجام‬
                                                                                              ‫فغي‬
  ‫اهلندسي َّر مكانه تاركاً مقعدين عن كل جهة، وقف على املقعد وخبط جرن الغليون بالزجاج اخللفي. ليلفت أنظار‬
                                                                           ‫خ‬
  ‫الركاب، انفكت عقدة لسانه يف ز ّة مجل: "عاش حتالف الغجر واألمازيغ والصعايدة ضد املخزن الكولونيايل وتركيا،‬

                                     ‫1 1 البالون الذهيب / ترمتنا = مؤخرتنا / أر اجلوان = هات الصاروخ / الليغا هو الدوري االسباين / تِرْمتنا = مؤخرتنا‬
                                                                                                                 ‫231‬



 ‫عاشت راس املعلمني، يسقط الكمسري حييا الشعب يسقط البتنجان، باص بوملان فِرِنْجي، بنزين خليجي ركاب مغاربة‬
                                                                                ‫ومحصي وصعيدي، يلله بينا لطنجة".‬
                                                ‫د‬                      ‫ي ط‬                  ‫ط‬
        ‫يف نوبة هستريية ن ّ يف الرواق، هّج الب ّ والدجاج واحلمام املك ّس يف األقفاص، داس على ذنب الكلبة النائمة‬
                               ‫ي‬     ‫ل‬                            ‫وسي‬        ‫وطي‬
     ‫فنبحت، فتح األقفاص َّر الطيور َّب األرانب، قلب الكشكول، انس ّت احلّة وزحفت بني املقاعد، وجنحت‬
                               ‫ص ب‬                                           ‫ق‬
 ‫احلافلة حنو طرف الطريق وتو ّفت خارج اإلسفلت، أفاق عصري ، انربى احمل ّل ص ّ نقمته على الصعلوك: "اهلل ينعل‬
                                                                      ‫ي‬
   ‫الوالديك املسخوط ألعفريت الكّاف، راك مقرقب هور سرفيس، خربت بيوت عباد اهلل، انت خطر عام بالصتك يف‬
                                                                  ‫سبيطار دحلمق، اهبط ملكار إنت والكلبة ديالك".‬
                    ‫ص‬                       ‫ف‬                                                 ‫ي‬
 ‫تلقف الصعلوك احلّة الالبدة بعد أن ناداها " اطلعي يا أم السعود"، ل ّها على رقبته، خاف احمل ّل وعمل إشارة للسائق‬
                                                  ‫ي‬
  ‫فأقلع، وعادت األمور إىل جماريها، والطيور إىل أقفاصها واحلّة إىل الكشكول وكل راكب إىل مكانه، ارمتى سرحان يف‬
                                                                                          ‫و‬
                     ‫مكانه كتلة مشاعر مش ّشة عدمية املعىن، والالزمة نفسها تتكرر مع كل شهقة: " يلله بينا لطنجة".‬


                                                               ‫ط‬       ‫ط‬
                                    ‫َنجا ذا َنجانْتْ، ذا وست إند ذا ريست‬


                                                                         ‫ل‬             ‫ط‬
    ‫رفع ادريس يديه يف حم ّة الكريان وه ّل "واطنجتاه واطنجتاه"، مث ربط الكلبة وكممها كي ال تثري الكالب الشاردة‬
                       ‫ف‬                                  ‫ر‬
   ‫الطامعة بالسفاد، اجته إىل هاتف عمومي وهاتَفَ امله ّب عبد املالك وواعده يف مقهى "احلا ّة". جرجر جسده وجوقته‬
 ‫و‬                         ‫ف‬
‫وكشكوله واملسافريْن ، قادمها يف جولة ميدانية مشياً على األقدام سبقتهم كليوباطرة ع ّرت رأسها بقدمي مشكار يتس ّل‬
                                                    ‫ذ رب‬
  ‫عند ناصية الطريق. مث ما لبث إدريس أن صافح الشحا ّ وت ّع له بشيء من دنانريه اجلزائرية وسأله عن أحوال طنجة‬
 ‫د‬                         ‫و‬
 ‫اليت افتقدها ملدة طويلة (أخذ املشوار أكثر من ساعتني يف حومة الشياطني حيث ينتشر الق ّادون وباعة الزطلة وهو ير ّ‬
    ‫ت‬                                                       ‫م‬                 ‫ر‬
  ‫على أصحابه الكثر وسؤاهلم املك ّر عن غيابه ). تع ّد الولوج يف زمحة سوق الداخل ليضيع يف الكثرة الكاثرة، تفّحت‬
             ‫و‬
  ‫احلواس اخلمس مع األصوات والروائح واألحاسيس واملناظر، اختلط زمامري السيارات وصياح الباعة اجل ّالني وقرقعة‬
                                                                                                ‫ف‬
‫مطارق الص ّارين، متازجت روائح الكاليينطي والزيتون املكبوس مع نسيم البحر وزخنة السمك مع أريج الليمون والقرفة‬
           ‫ظ‬                                                          ‫ش‬
 ‫والنعناع، انكشفت طنجة: ميغا مدينة مبقاييس ب ّار وأدرار، منذورة للعوملة والغربنة والعبور واالختالط املن ّم واخللعاء‬
                                        ‫د‬                                                       ‫ّ‬     ‫ذ‬
 ‫والشا ّين، حث إدريس اخلطى أمام مقهى "مزمييز" (عليه ديون واجبة مل يس ّدها). وتباطأ قبالة مقهى السنترال، قادهم‬
                                                                 ‫ك‬
  ‫إىل زواريب املدينة البالية، صعوداً حنو القصبة، تس ّع هبما بني القصور العتيقة: دار السلطان ودار البارود دار املخزن،‬
      ‫السور التارخيي وأبوابه السبعة، قصر املندوبية، مسجد سيدي بوعبيد، كنيس اليهود واملالح السوكو شيكو، حلبة‬
     ‫مصارعة الثريان، فندق الريف، مسرح سرفانتيس، احندروا باجتاة البحر، خاضوا على طول الكورنيش، بلغوا سوق‬
                         ‫املعاكيز، ساروا حىت حي مرشان، عكفوا على زاوية سيدي بوعراقية صعوداً إىل مقهى احلافة.‬
                                                                                                                                         ‫331‬



                      ‫و‬
‫رمى إدريس أوركستراه املوسيقية حتت طاولة، رموا أجسادهم املنهوكة على ثالث كراسٍ، ك ّمت كليوباطرة نفسها بني‬
                                              ‫د‬             ‫ر‬
   ‫رجلي سيدها. اجنلى املقهى عن مصاطب تتد ّج ملستويات ع ّة وتالمس البحر، ظهرت قطط تتمطى وتلعق ظهورها‬
                                                                                              ‫ل‬
 ‫بكسلٍ لذيذ، نوارس حت ّق مث تالمس جبناحيها صفحة املاء، ارمتى البحر أزرقاً شاسعاً مثرياً منفتحاً على اجملهول واحلرية،‬
                       ‫ب‬
  ‫يف رؤية بانورامية انكشف البوغاز واملرفأ وكاسرات األمواج وأوناش الروافع وبواخر وعّارات ضخمة، اتسعت عينا‬
                                            ‫ر‬                                                   ‫ر‬
‫سرحان وهو يتق ّى سفن البحر، يف لخر املدى تراءت إسبانيا لعينه اجمل ّدة، قلعة من قالع اخليال العلمي يفصلها املضيق‬
                                                                   ‫برمت‬
                                                                 ‫عن طنجة وعن زمن طنجة وعن املغرب وعن الشرق ِّه،‬
  ‫أعطى عصري ظهره للبحر وانزوى كحيوان جريح يف طرف غابة ( الغجر مصابون بالطالسوفوبيا يتوجسون من املاء‬
                                       ‫د‬
    ‫وبفضلون عبور عشر صحاري على هنر ) ولبث يشقلب السبحة بسرعة، مل يب ُ عليه االنشغال بأسبانيا، شغلته أكثر‬
                                                                                         ‫ص‬
                                       ‫الشركات الكثرية املتخ ّصة بدفن جثث الغرقى اليت صادفها عند ناصية امليناء .‬
                                                                 ‫د‬                              ‫س‬
   ‫و ُمعت رطانة على طاولة جماورة، م ّت سائحة شقراء رجليها على الطاولة، أرخت وجهها للشمس انعكست زرقة‬
       ‫البحر بعينيها وهي تقول لزميلتها: "فانتاستك فيو سو ريالكسنغ، سو وندرفل سو ناتشرال، أي لوف منت يت".‬
                                           ‫من جهة أخرى فرقعت فالشات اآلت التصوير وارتفع صوت سائح إسباين :‬
‫1".‪"Mi encanta; marabilloso; mira Lo bonita que es espania desde abajo‬‬
   ‫افتعل املصري االنبهار، استدار حنو املضيق: " فعالً منظر هايل، كل تعليق عليه انتقاص من جاللته، إن وجب تصوير‬
                                                                                       ‫و‬
                                                                      ‫القاهره بأسود وأبيض فطنجة ما تتص ّرش إال باأللوان".‬
                                       ‫ب‬                   ‫ي‬             ‫ر‬
      ‫امتعض إدريس (حبكم مهنته يتع ّض لفالشات السّاح االستعالئية)،وص ّ نقمته على املصري رفع صوته ليسمعه‬
                                                                             ‫ي‬     ‫ي‬
               ‫اإلسبان : " أوسْتِيا خوليبوّاس كاّايت، بركا من الكالم العام عن طنجة، احنه ماشي فرجة أكزوتيكية ".‬
                                                           ‫طأطأ سرحان رأسه : " قصدي أقول البحر يعطي للمقهى رونقها‬
     ‫د‬                                ‫ل‬                              ‫و‬
  ‫أخرج الصعلوك كبتولة زطلة (كان قد تز ّد هبا يف حومة الشياطني وهو يس ّم على أحد الشمكارة)، حرقها بالق ّاحة‬
         ‫س‬
  ‫وقال وهو يفرط سيجارة بيده: " مقهى احلافة هي اليت تعطي للبحر رونقه، إهنا مملكة للحواس واالنبهار احل ّي، توقظ‬
‫الفن يف الفنان والشعر يف الشاعر والعشق يف العشيق، ديالكروا رسم القصبة من هنا، مايكل جاكسون احتفل فيها بعيد‬
                                                                    ‫ر‬                ‫ش‬
       ‫ميالده، البيتلز كانوا حي ّشون على ذيك الت ّاس، ويليام بورو تينيسي وليامز، كانوا يكتبون على تلك الطاولة".‬
                 ‫ج‬                           ‫ك‬                         ‫و‬      ‫ف‬
  ‫صب إدريس اخللطة يف ورقة، ل ّها ود ّرها وحلم طرفيها بريقه، د ّها على ظاهر يده، أشعلها، م ّ أول نفس وغمغم:‬
    ‫"احلافة فضاء محيم لوجع الكتابة وخماض النص، منعطف مهم يف مسرييت اإلبداعية، أنزوي هبا بعيداً عن ضغوط العامل‬
                                                              ‫اخلارجي، أطيل التأمل يف زرقة البحر وأكتب نص عن طنجة".‬
                                                                                                           ‫ّ‬
                                      ‫مج نفساً وأضاف: "طنجة هلا ثالثة أعالم مهمة: إبن بطوطة وحممد شكري وأنا".‬

                                ‫يا له من احساس مثري ان تنظر السبانيا من حتت / خوليبوياس ...= شتائم اسبانية / / أي لوف منت= احب الشاي بالنعنع‬   ‫1‬
                                                                                                                 ‫431‬



                                                                                                           ‫ب‬
                                     ‫رّت على ظهر الكلبة: "أنا يف حيايت جوج أشياء مهمة، طنجة والال كليوباطرا".‬
                                                                    ‫ش‬              ‫ج‬          ‫م‬             ‫و‬
                                 ‫ز ّغ عينيه احمل ّرتني بتمو ّات الدخان وتن ّق نفحات احلشيشة: "والزطلة الزطالء".‬
                                          ‫سحب نفساً طويالً، نظر إىل وشم التاج على ظاهر يده: "والريال مدريد...‬
    ‫شفط وضحك خايل البال: "حافة شعر وبوغاز ومرينغي وجوينات وكيكي للصْباح، هايب هب هايب هوب، اهلل لوطن‬
                                                                                                  ‫والزطلة والريال".‬
                       ‫ث‬
       ‫سرحت عيناه يف لفاق بعيدة: "والشعر... لوال طائر الشعر ذاك العابر اهلائل النتهى أمري جّة هامدة ضحية حيب‬
                                                                                                            ‫لطنجة".‬
                                                                                                         ‫و‬
‫ز ّغ عينيه، اكتسى صوته بنربة خطرية: " بوصفي صعلوكا ملتزماً ومعجوناً هبموم الناس، فإين أكتب عن اجملتمع السفلي‬
                                   ‫الطنجاوي بكائناته املسحوقة: مغلوبني، ضعفاء، مهزومني، طارئني، مهمشني ومهش‬
‫َّمني، حراقة، شفارة أْلكوليك، مقرقبني‬      ‫َّ‬
                                   ‫وبيكبوكيط ومشكارة لقطاء وحشايشية، هاكم بعض من خلجات صدري الفائضة".‬
                                                                                  ‫ص‬
                                          ‫وامتشق القنربي وأخرج ق ّاصة ورق وتال وهو يداعب الوترين الوحيدين:‬
        ‫س‬                                   ‫ش‬
‫طنجة وما أدراك ما طنجة، كمنجة، مومس موشومة الوجه يع ّش يف أعينها احلزن والشبق، هاهي تتح ّس مفاتيح‬
                                                                              ‫ل‬          ‫ل‬
‫أبواهبا السبعة، هاهي هت ّ، هاهي تط ّ، ها هي تشهد أن ال إله إال اهلل، ها هي جتمع يف هنديها حليب البحر واحمليط، هاهي‬
                                                                 ‫ب‬                            ‫د‬
‫جت ّف علناً ومتارس نقد الذات وس ّ اآلباء، هل شربت الشاي يف أسواقها السفلى! هل غمست العام يف اللحظة‬
                                                                          ‫ك‬
‫واللحظة يف سبعني عام؟ هل تس ّعت يف أمكنتها الفاسدة: بار لوسيفري، مقهى احلافة، سوق الداخل، بين مكادة. هل‬
  ‫ي‬       ‫ي‬
‫رأيتَ يف املدى طارق بن زياد جيثو، على رأسه رماد سفينة وقد خسر البحر والبالد، هل رأيت قراصنة وسّاح ولوطّني‬
   ‫رب‬                                                                ‫ِل‬                               ‫حب‬
‫و ّارة يشتمون البحر، أشتات املستغ ِّني، رب العمل وزوج األم ولقطاء يبيعون السجاير باملفرق، وجاريات مت ّكات‬
                                                                                   ‫بدوالر قريش وما أدراك ما قريش‬
     ‫سحق عقب السيجارة امللغومة اليت انتهت بانتهاء القصيدة مث عرب إىل القصيده التالية، قرأ وقد غشت عيناه غشاوة:‬
                        ‫ف‬
   ‫"يف بعض الصباحات/ والناس يف سبات عميق/ كاألموات/ حيلو للضباب الكثيف/ أن يل ّ ذراعه/ على خصر طنجة/‬
                          ‫ر‬
       ‫فينتابين خوف عميم/ مما قد ينجم/ عن هذا الوضع الرجيم/ فأقف يف مكاين/ جامداً/ ال أح ّك ساكناً/ وأنا مغمض‬
                                                                                                  ‫ك‬
                                                                  ‫العينَني/ حىت أمت ّن من رؤية/ ما مل أقدر/ أن أراه".‬
‫قارن سرحان بني قصائد احلافلة الركيكة وقصائد احلافة الرقيقة فاستنتج أهنا ال ميكن أن تكون للشاعر نفسه، رمقه بنظرة‬
   ‫اهتامية: "دلوقيت فهمت ليه أفالطون طرد الشعراء من مجهوريته، حرامية منتحلني، إعترف يا علي بابا الشعر ده قصائد‬
                                                                                                     ‫فوق مستواك".‬
                                                                                                               ‫531‬



  ‫ضحك إدريس ليخفي إحساسه باحلرج واعترف أهنا ليست سرقة باملعىن احلرفـي ولكنها تندرج يف خانة الكليبتومانيا‬
                                                                                                     ‫ي‬
   ‫األدبية وغّر موضوع احلديث باجتاه الطنجولوجيا : " هذه املدينة هدية التاريخ واجلغرافيا، لكن لألسف خمزهنا املخزن‬
                                                     ‫بسياسة التاديوتيت، مومسها بين خلجون بالدعارة والسيدا. ".‬
                                                                        ‫ف‬
 ‫أقبل النادل وبيده مشكاة فيها ص ّني من حوايل عشرين كأسا ًوحوهلا النحل يأز، وضع على الطاولة ثالث كؤوس شاي‬
                                                   ‫ف‬
     ‫وركوة قهوة. ورشف الغجري قهوته على ثالث دفعات، تن ّس يف التفل بطقوسية وقلب الفنجان على قفاه وأشعل‬
              ‫ّ‬
‫سيجارة وارتسمت يف وجهه صفنة بالغربة وانكسارات الشيخوخة وارحتاالت الدنيا بغري رجوع، شعر حبكة يف راحة اليد‬
      ‫اليسرى فتسرسب بأحاسيس الفاجعة، فتح فنجانه، محلق يف التفل فأبصر تنوة خفيفة يف القاع وتنوة متكاثفة على‬
                    ‫د‬
  ‫اجلوانب، أبصر الدروب الثالثة: درب العالمة يف تنزروفت ودرب السالمة يف أدرار ودرب الص ّ يف املضيق، رأى يف‬
    ‫س‬                ‫م‬                                       ‫ل‬                        ‫ي‬
  ‫خضم التنوة هيكالً عظمياً ُغزل على نولني، الصوف يق ّ يف نول احلياة ليكثر يف نول املوت. وتأ ّل األمواج املتك ّرة‬
 ‫عند أقدام املصاطب، غمغم بلهجة توشك أن تكون رثاءً: "اهلل يسترنا الطريق مو سالكة وال لمنة، إمشي شهر وال تعرب‬
                                                                            ‫هنر. ضراط اإلبل وال تسبيح السمك".‬
                                                   ‫شخط املصري: " مش إنت اللي كنت تسبح من محص لقربص".‬
                                                             ‫ا‬
   ‫أشار عصري إىل خصالت شعره اليت زادهتا الرحلة بياضً، وبدأ جيهر بتعبه من احلياة : " احلياه معركة بس ما عاد إيل‬
                            ‫حيل أتعارك معها أكتر، خليين هون مع دريس، روح وحدك بعدك شاب واحلياة قدامك".‬
                                                                      ‫ا‬
          ‫رمقه سرحان بنظرة تسترجع زمناً مشتركّ: " مش سايبك، إحنا تشاركنا باملسري والسرير، هنشترك باملصري".‬
                                         ‫ط‬                                                             ‫ط‬
     ‫غ ّت أبواق السفن الراسية واملبحرة على صوهتم وعلى لغو املقهى، تر ّب اجلو بنسيم البحر وعبق الصنوبر، رأى‬
                          ‫ت‬                                                  ‫ا ل‬          ‫ر‬
     ‫إدريس على الت ّاس نورسّ يف ّي ريشه مبنقاره، أخرج من كشكوله خبز البغرير وبدأ يفّته علت صيحات النوارس،‬
                               ‫ر‬                     ‫م‬      ‫ط‬
   ‫صادت مبناقريها فتات اخلبز قبل أن تقع أرضاً، مث ح ّت، جت ّعت حبذر مث رفرفت وتف ّقت هاربة من وقع أقدامٍ لتية،‬
                                                                                    ‫ط‬
   ‫اجنلى الظل عن شاب مع ّر باملسك، ثيابه تنطق بالثراء والفخامة، طرح السالم الشرعي مث أخذ الصعلوك باألحضان:‬
                                                 ‫د‬
                                ‫"ياك أعروة بن الورد ! فني كنيت يا لقيط األزقه توحشنالك، هد م ّ طايله ما شفناك"!‬
  ‫ابتسم إدريس واعترف: " أيام السجن معدودة ورمحة ريب موجودة يا رضات اهلل الوالدين ورضات السي القاضي كنت‬
                                                                          ‫نقضي الشتا فاكونس يف حبس ماالباطة".‬
 ‫ض‬                                                                 ‫ّ‬                               ‫ّ‬
 ‫واعتدلَ الرايس عبد املالك جبلسته، أحس بالكلبة الرابضة تشمشم حذاءه فنقز منها كيال تنجسه وتنقض وضوئه، غ ّ‬
                                        ‫ا‬                                ‫ي‬
  ‫ا بصره عن السائحة املزنطرة وغّر نربته إىل واعظ وهو خياطب إدريسّ: "اله يرضى عليك أملسخوط وحتبس الشمكره‬
                                                      ‫ت‬               ‫ل‬      ‫ي‬
                                                 ‫والزطلة وزفانة، تدوز املسجد تدير النّة وتص ّي، والعاقبة للمّقني".‬
    ‫انفعل إدريس، وارجتل بوقاحة احلشاشني: " الزطلة ماشي حرام، الكذب حرام النفاق الرياء، التهي يف خراك أعكو،‬
‫أصال أنا مسولتكيش عالش كتصلي، مادرتش معاك هد الرانديفو باش ختربق يل الراس ديايل بنقاش ميتافيزيقي، أنا باغي‬
                                                                                                                                                 ‫631‬



                                        ‫ر‬
     ‫هندرو معاك يف واحد لقضية (أشار للمسافرين) هدو جوج صحاب برانية ح ّاقه كالندستا، مسافرين يف رحلة كبرية‬
                                                     ‫ر ر‬                                                   ‫ي‬
                                                ‫خارج نطاق شفاعة سّدنا حممد (أشار إىل اجلهة األخرى من املضيق ) أ ّيبا أ ّيبا".‬
                                                   ‫ر‬                ‫ر‬                       ‫ظ‬      ‫ر‬
    ‫أنزل امله ّب الن ّارة على عينيه، لبث يتق ّى الغريبني ويتح ّى قدرهتما املادية، طوى أكمامه وكشف عن زند موشوم‬
‫مبرساة حبرية وصورة الكعبة وقال: " واخا اسيدي كاين جوج باليص خاوية ف الباتريا1، كون يف راحة ورحيان ( أضاف‬
                                                 ‫بعد إطراقة) لفلوس كيديرو الطريق فلبحر، كانز ميل درهم ال زايد وال ناقص".‬
                                                                                                 ‫ز‬
                                                                ‫استغرب الصعلوك األمر : "بِ ّاف بزاف، اله يلعن الطمع والفلوس "‬
   ‫استغرب املهرب استغراب الصعلوك : " الفلوس الفلوس ! نتايا أملخربق كتقدر نقويل كيفاش تشري الزطلة ديالك بال‬
                                                                                           ‫ل‬
           ‫فلوس؟ شكون إّي خيلص متن اإليصانص وبوربوار للمخفر البحري، أسفر صعيب واحلمل تقيل، حلراقة كتارين‬
                                                                      ‫والفلوكة قاللني اذا بغيتِ حاجتك تنخدم صردهلا سي درهم ".‬
                                        ‫ز‬
      ‫أعلن إدريس أنه سيحاول إخفاءمها يف كميون إسباين رابض يف املرسى فه ّ الريس منكبه وأوضح ان رجال اجلمارك‬
                                                                                        ‫ر‬
      ‫مرفوقني بكالب شم مد ّبة. أن املضيق ما عاد فالتاً وهو ليس فقط حدود إسبانيا مع املغرب لكنه حدود أوروبا مع‬
                                                                                                                                     ‫إفريقيا أيضاً.‬
 ‫أقسم إدريس أن يف وسعه أن يدوز للضفة الشمالية سباحة. فأفحمه الريس بقوله أن رادارات الغوارديا تكشف احلوت‬
   ‫يف املاء . أعيا األمر الصعلوك فقال: "خاي اهلل، أجِب من ناداك ولو كان كافر عساك إذا كان خاك املومن ... لشنهو‬
                                                                                                                                 ‫لخر متن ديالك؟‬
                                        ‫ْ‬              ‫ر‬               ‫م‬                                       ‫مط‬
 ‫َّ عبد املالك شفته السفلى ونظر إىل امللت ِس بامشئزاز: "و ّطتين فورطة أوِد احلرام، إدا قبلنا معك وقعنا فورطة خدمة‬
‫هلل أمحادشة2 ، وإدا رفضنا طلبك وقعنا يف فخ اإلهتام بالطمع، واخا داكور سنقبل ألن اهلل أوصى بابن السبيل، كل واحد‬
                                             ‫د‬
                                        ‫خيلص دي ميل درهم، ومول النية حاجته مقضية، صافِ ارحتييت دابه، الباس ْبهْ ّ شي"!‬
                                                                                ‫ن‬                ‫َو‬
                                            ‫"الباس الباس، إط ِّل عمرك أشريف احلّان، هْد كالم صايف، ساسي دي كونكريه".‬
   ‫سأل املصري الريسَ عن املسافه الفاصلة عن إسبانيا فأشار إىل جبال يف اجلهة األخرى: "ديك هي طريفة بالد الصليب‬
‫والناقوس واخلنزير، دمرها اهلل وأعادها للمسلمني، 41 كيلوميط الكن غادي ناخدو طريق لخر للتمويه، 70 كيلوميط‬
                                                                                                                                                ‫ت‬
                                                                                                                                          ‫بّقريب".‬
                                                                                  ‫د‬           ‫مل‬
    ‫استفسر عصري ا ُنهك عن امل ّة اليت سيستغرقها املشوار، فأفاده الريس: "أربع سوايع على وجه االحتمال ال القطع،‬
                                                                                                                                    ‫يعتمد األمر".‬


‫1 حسنا سيدي يوجد مكانني خاليني يف املركب احلشيب / كانز ميل = 02 الف/ اريبا = فوق /كالندستا= مهاجر سري // الباتريه = املركب اخلشيب / بوربوار = الربطيل /‬
                                                                                                    ‫انفراروج = اشعة حتت احلمراء/ / بزاف = كثري /‬
  ‫2 احلمادشة هم اتباع سيدي بن محدوش الذين خيدمون جمانا / ساسي دي كونكريه = كالم سليم / غوارديا = خفر سواحل / داكور = موافق / / دي ميل = 22222 /‬
                                                                                                                               ‫طريفة = اجلهة االخرى / /‬
                                                                                                                                    ‫731‬



                                                                                                         ‫"على إيه يعتمد األمر"؟‬
                               ‫"صادباند1 على الطقس، إدا طرأت طوارئ دورية ليلية، رياح نو أمواج ،برقزامبل ".‬
‫سأله سرحان عن موعد االنطالق فقال: "هد الليلة كندمياري عند راس مالباطة، لبحر موامل، احلال مزيان، واليوم األحد‬
                             ‫عطلة، عساسة الغوارديا سيفيل تقل خرجاهتا للبحر غادي يكونوا متلهني بالكالسيكو".‬
‫رفع أدريس يديه " اهلل ميوالنا يلواحد ريب، أنصر عبدك عبد املالك على الغوارديا، وانصر ريال على برصة كاطر زيرو".‬
                           ‫ف‬
‫محلق املصري بالريس مفتشاً عن نسبة الصدق يف كالمه سأله من يضمن أنه سيوصلهما فح ّ السبابة واإلهبام: "الضمانة‬
                                                                                      ‫ضمانة لْخْالص، واملعاهدة من الدين".‬
                                                        ‫ض‬                      ‫س‬             ‫ي‬
                                           ‫زكاه إدريس: "الرّس عبد املالك ّريَ دياله مزيانه، انا ّمانه ووكيله".‬
                               ‫د‬
                  ‫قال عصري : "حسبنا اهلل ونعم الوكيل، عصفور كفل زرزور، التهي حبشيشتك ب ّك مني يضمنك".‬
        ‫قل‬          ‫ق‬
   ‫خبط املهرب الطاولة بعصبية وخرج صوته بارداً كسهمٍ مسموم: "خليين ترنكيل، ما عندكش تْ َة فيا سري ِّب على‬
                                                                                           ‫ريس لخر هيا فألمان، مسحوليا ".‬
                                                ‫د‬
‫حبركة عصبية شال ورقة نقدية من جيبه وتركها مثناً للشاي، ه ّأه املصري: "كله إال زعلك يا ريس عبمالك، بس احلذر‬
                                                                                                      ‫ضمان... عدم مولخذة".‬
                                                             ‫ط‬        ‫ش‬
  ‫نظر حنو عصري يستمزج رأيه فه ّ حنلة ح ّت على وجهه، شقلب حبات السبحة برتابة، صفن بفنجان القهوة، قال‬
                     ‫حتت وطأة نظرات املصري املرتبكة واملربكة: "اللي كاتبو اهلل بده يصري، هو عمر وال عمرين! ".‬
                                                                      ‫خل‬
 ‫حفحف عبد املالك إصبعيه: "هيا ِّص، عشرلالف درهم تتخلص دابا والبقية عند اإلنطالق، واخا أرَ تشوف الفلوس‬
                                                                                                                                ‫ْ‬
                                                                                                                  ‫عَربِن لبالصة " .‬
                        ‫س‬                     ‫ر‬                  ‫د‬            ‫ل‬
  ‫نقده عصري الدفعة األوىل، ب ّل إصبعيه وع ّ املبلغ باحتراف ص ّاف مدمن على القبض، د ّ شيئاً يف جيب إدريس مث‬
                                                                                                         ‫أمر املسافرين أن يتبعاه.‬




                                               ‫1 صادباند = يعتمد / بريقزامبل = مثال / كندماري = نقلع / / الْخْالصْ = الدفع / / دابة = االن‬
                       ‫831‬




   ‫الوادي السابع‬
‫وادي األشراف: املضيق‬
                                                                                                                                  ‫931‬




                             ‫احلركة وال احلكرة، ياكلين احلوت وال ياكلين الدود‬


‫خمرت الباترية عباب البحر، اختفت منارة رأس مالباطة، التف الزنوج حول كبريهم بابالوغوس، رجل غريب األطوار يف‬
    ‫خ‬
 ‫صدره صليب ضخم ويرتدي بدلة جوخ غري مكوية وربطة عنق فراشة، لبد املشرقيان واملغربيان واجلزائري يف املؤ ّرة،‬
                                                                                                    ‫ْ ّي‬
     ‫ونظر احمِّد املغريب خلفة إىل أضواء طنجة الذاوية وقال: "اهلل جييب شي نيزك يطيح على هاد البالد، الروكان وال‬
                                                                                                                      ‫املروكان1 ".‬
                                                                                    ‫ل ل‬
                                 ‫وهزج كرميو اجلزائري: "ق ّع ق ّع يلبابور، إديين لبالد النور، يف بالدي راين حمقور "‬
   ‫و و‬                                                                ‫خ‬
 ‫زهزه سرحان حتت مفعول احلشيشة اليت د ّنها قبل اإلحبار، زرع الغليون يف طرف فمه وأمعن يف هذيانه، د ّر الر ّاس‬
                                                                                                  ‫ك‬
            ‫الس ّان، وقال للمصري : "بالك لسي أنور السادات، نح هد البايب من فمك، عندك تشوفنا الغوارديا".‬
                                                                                      ‫ي‬
    ‫"سالمة نظرك يا رّس عبمالك، ده مش بايب، ده طوطم من عاج الفيلة، صيغة أخرى للتعبري بعد خسراين اللغة ".‬
 ‫وضع بابالوغوس رؤوس أصابع يده اليمىن على اليسرى تأمل احلراقة بدهشة مصطنعة: "عندما أرى أبناء إفريقيا ولسيا‬
                                                             ‫يف باترية واحدة فال يسعين إال أن أحين رأسي ألوروبا".‬
                     ‫وقال جوشوا لبابا: "ريفراند ! مبجرد وصولنا سأشتري سيارة رولز رويس وأريدك أن تباركها".‬
                                     ‫نضح وجه بابا بعلوية أخالقية:" هيه بالكي، هل هذا ما تبحثون عنه يف أوروبا؟‬
                                     ‫خ‬
 ‫قال صموئيل أن بغيته هي اجلنسية اإلنكليزية، رسم ثيوغراسياس بيديه شكل مؤ ّرة أنثوية، وقال ديودونيه أنه يريد أن‬
                                                ‫ر‬
  ‫يسكن يف بيت حقيقي، حفحف موسيس إصبعيه "موين موين"، جت ّأ جفرسون فقال إنه يبحث عن املال والفيلال الشقر‬
                                                                                                              ‫واجلنسية والرولز،‬
                                                                                            ‫ي‬
   ‫وطرح الرّس نفس السؤال على كبري الزنوج فقال أنه يسعى لكنوز أوكسفورد وكمربدج، سأله عن مهنته فقال أنه‬
                                                                                   ‫كاهن من طائفة األدفنتست املسيحية .‬
                                                                               ‫ر‬                             ‫ل‬
                                   ‫ع ّق عليوة: " املسيحية ديانة حم ّفة، معتنقوها أهل كفر يعبدون خشبة جنرها جنار.‬
                                                        ‫ك‬
                               ‫عاجله بابالوغوس: " يو واييت! ملاذا ال تطلب جلوءك يف م ّة بدل أوروبا بالد الكفر"؟‬
      ‫إلتفت املصري حنو عليوة: "إيه رأي شيخ كباب كفتة األمني، يعين لو غرقنا يهنترى منكون شهدا وال منتحرين"؟‬
                      ‫"بعض الفقهاء يقول شهداء، البعض يقول منتحرين الهنم دخلوا بالد الغري بطريقة غري شرعية".‬
                                                    ‫ش‬                     ‫ن‬
                    ‫"يعين لو معك فيزا لصبانيا تروح اجلّة ولو معكشي يبقى هتخ ّ النار!... أما فقهاء ال يفقهون"!‬
                                                                                         ‫جقر الري ُ املصري‬
     ‫َّ بنظرة جارحة: "إدا غرقنا فكلنا شهداء إال انت ألزاطل الزنديق مصريك جهنم وبئس املصري".‬     ‫س‬

                                                    ‫1احلوت وال املغرب // بالكي =اسود / واييت =ابيض /ريفراند = أيها املب ّل تقال للكاهن /‬
                                                                   ‫ج‬
                                                                                                                                    ‫041‬



                                              ‫"ونعم املصري يا معلمني، النار مع الكفرة أرحم من اجلنة مع الصالعمة".‬
                                                                ‫ب‬            ‫ام‬
  ‫توغلت الباترية يف عتمة البحر، َّحق القمر، تلّد اجلو بغيوم رمادية، حلكت العتمة التحمت عناصر الطبيعة يف سوادٍ‬
 ‫كلي، واندغم بالزنوج بالليل، ارتعد صموئيل قال لرفاقه وهو يقرص جلدته السوداء: "ألَمْ أقل لكم، بالكي نو هوب،‬
 ‫اللون األسود ليس لوناً بل هو غياب األلوان، ولو دهنت غرفة كلها باألسود فلن ترَ شيئاً، السواد عمى، لعنة، عبودية‬
                                                                                                       ‫أبدية حمفورة يف وجوهنا".‬
                            ‫د‬
   ‫"حمفورة بعقلك فقط أيها النيغرو الناقص، إهنا فرية افتراها كالب بيض عنصريون وص ّقها كالب سود أمثالك". قال‬
                                       ‫ت‬                                     ‫س‬                     ‫س‬          ‫ج‬
‫املب ّل وهو يتح ّس ياقة الفراشة مث أح ّ أنه بالغ يف تأنيب الفىت الزجني املتوّر فاسترضاه بابتسامة : "أين هاو سام، فإن‬
                                                         ‫عقدة النقص الزجنية هي ضمانة السعي للوصول إىل أوروبا".‬
    ‫عد صموئيل الرؤوس، فوجدها سبعة زنوج وستة عرب، فتوّر أكثر وارجتف: "ثريتني! 1سنغرق أيها األخ الكبري لن‬
                                                      ‫ت‬                                              ‫ّ‬
                                                                                                                         ‫نصل أبداً".‬
                                                                                                     ‫ي‬
                                  ‫" ال تتطّر سام، أنا نفسي ولدت يوم اجلمعة يف الثالث عشر وأعترب نفسي حمظوظاً".‬
               ‫"فرايداي! ثريتني! يو ريفرند ! إذاً سنغوص يف املاء كالرصاص األسود، شوريل يا بابا، لن نصل إسبانيا".‬
     ‫" قلت لك لن نغرق، الرب معنا، يرافقنا يف عبور البحر كما رافق شعبه املختار يف عبور سيناء، الرب الذي أخرج‬
                                                                                              ‫ي‬
                                                                  ‫إسرائيل من دار العبودّة سيوصلنا إىل أرض امليعاد ".‬
       ‫"ولكن بيغ برازر، التيتانك بعظمتها غرقت يف دقائق فما بالك بباترية مهترئة ! ميكن أن تبلعها األمواج يف ثوانٍ".‬
             ‫ر‬
‫" أوه سام ! أنت دائما تستنتج من كل حدث أسوأ من ميكن استنتاجه، يو نو كِدْ، البحر دميقراطي ال يف ّق بني تيتانيك‬
              ‫ض‬
 ‫األغنياء وباتريا الفقراء، والعواصف ال تقلع األعشاب وإمنا األشجار الكبرية، غرقى التيتانك هم الذين ف ّلوا البقاء يف‬
                                                                                 ‫ف‬
                                                             ‫السفينة العمالقة بينما جنى الذين خ ّوا إىل قوارب النجاة.‬
       ‫"ومع ذلك وحدها مراكب الفقراء تغرق يا أبتِ، حدسي ينبئين بأننا سنغرق كما غرق فرعون يف البحر األمحر".‬
 ‫ك‬                                  ‫ب‬
‫أحاطتهم كتل الظالم الكثيفة، تعارض هدير املوج مع الصمت وأعطاه عمقاً وُعدا ورهبة وتضافرت قوى الطبيعة لتؤ ّد‬
                ‫ت‬                                                               ‫و‬
   ‫خماوف صموئيل، ومضت السماء وحت ّلت الرطوبة العالية إىل غيوم قامتة، الريح املؤاتية إىل عاتية، توّرت صفحة املاء‬
                                        ‫ب‬                                                              ‫ش‬
  ‫ك ّر النو عن أنياب صفراء، بوغتوا مبوجة رفعت الباتري مث خفضتها، تشّث الزنوج بالعرب واختلط التسبيح القرلين‬
                 ‫ق ْ ُ َ وح‬                        ‫ب ب‬
           ‫بالترتيل اإلجنيلي، واهلادي بالفادي، وشرع عصري يسّح حبّات السبحة: " إقروا يس وُلهولْ ، ِّدوووه.‬
                                              ‫ْ ْ ي‬                        ‫جن‬            ‫ج‬
                                          ‫"ال إله إال هلل وحده، يا من ّي من املهالك ّينا ملبحر لغدار وشِدنا فِلحَّني"!‬
                                                   ‫" يا رسول اهلل يبوعمامة خضرا، لموالي عبد سْالم قنديل جباله "!‬
                                                                            ‫جن‬
                               ‫" أللهم إين عبدك ناصييت بيدك، ّيت نوح من الطوفان وأنقذت يونس من قرار البحر".‬

                                                          ‫1 32 باالنكليزية / فرايدياي = يوم اجلمعة ، / شوريل =حتما / بيغ برازر = اخ كبري /‬
                                                                                                                                                      ‫141‬



                                                                ‫"لورد ها ّ مريسي، لورد هاف مريسي، كريياليسون كريياليسون1".‬
                                                                                                                ‫ف‬
                                                          ‫ر‬                                         ‫ص‬
     ‫ح ّنت احلشيشة املصري ضد اخلوف، زم عينيه كمح ّض شيوعي سخر من املبتهلني : " ده أحوال جوية يا بَجَمْ.‬
                                                                                                      ‫و‬
                                        ‫زجره الر ّاس: "كون فتحت فمك بكلمة أخرى غادي تنرمى بالبحر، صايف أملقرقب"!‬
                                     ‫صرخ صموئيل: "قلت لكم هذه الباتريه منحوسة ، سنكون وليمة لألمساك ما دمنا 31".‬
                                                                                           ‫ا‬
                                       ‫انتصب بابالوغوس واقفً، فشخ رجليه ورفع الصليب الضخم برقبته إىل مستوى رأسه:‬
‫.‪" In hoc signo vinces ; halleluia , halleluia ; salvation and glory‬‬
                                                                                                 ‫ج‬
‫أغمض املب ّل عينيه رفع الصليب أعلى ورفع صوته أقوى: " استقووا على العتمة بالنور الداخلي يف أعماقكم ال ختافوا،‬
                       ‫ب‬                                                                                  ‫ب‬
‫الر ّ قوتنا، سينصرنا على األمواج، وينشلنا على أجنحة العقبان، هيا لنبتهل، (طأطأ جبينه وثّت إصبعيه فوق أرنبة أنفه‬
                                      ‫َك ْ‬               ‫ل‬        ‫د‬                              ‫ت‬
   ‫األفطس رّل) أبانا الذي يف السموات ليتق ّس امسك، ِيأتِ ملكوتك، لِت ُن مشيئتك يف السموات كما يف البحر، ال‬
                                                                   ‫جن‬                                                   ‫ر‬
                                                      ‫تع ّضنا للتجربة وال تدخلنا يف قبضة الغوارديا سيفيل، لكن ّنا من الغرق".‬
                                                                                                                  ‫ر‬            ‫و‬
                                                                              ‫د ّت حناجر احل ّاقة الزنوج كأهنا حنجرة واحدة ""لمني"‬
                                                                                                             ‫بد‬
                                                                       ‫" إحبس املطر، ِّد الضباب واملوج، إصرف عنا حيتان القرش"‬
                                                                                                                                               ‫" لمني "‬
                                                                                                                             ‫أه‬
                                                                ‫" ِّلْنا مجيعا للوصول إىل الضفة الشمالية، وكن معنا حىت جربالطار "‬
                                                                                                                                                ‫"لمني".‬
                                                                               ‫"ورافقنا وحنن جنتاز جبال البريينيه من إسبانيا إىل فرنسا".‬
                                                                                                                                              ‫"لمني، ".‬
                                                         ‫"ال تتركنا وحنن نعرب حبر املانش بل ساعدنا لنحصل على األزيل يف لندن".‬
                                                                                                                                                ‫"لمني "‬
                                                                                        ‫ف‬
                                                     ‫متايلوا عن اليمني وعن اليسار وص ّقوا تصفيقة رجل واحد يف هوسة أهازيج:‬
‫‪" London is a wonderfull place‬‬
‫‪Filled with glory and grace‬‬
‫‪I want to see my savior’s face‬‬
‫2".‪I want to go there‬‬




         ‫هبذا الصليب سننتصر ،هللويا اجملد هلل والنجاة لنا / جربلطار = جبل طارق / األزيل = اللجوء السياسي /‬   ‫1 اللهم فارحم / أملقرقب = احلشاش / ‪= In hoc‬‬
                                                                                   ‫2لندن بلد مجيل مليء باجملد واحلبور ، اريد ان ارزورها الرى فيها وجه املخلص‬
                                                                                                                                  ‫241‬



                                         ‫ش‬                                              ‫ي‬
 ‫جنحت الباترية مع التّار وراوغت األمواج مث شرعت تعلو وهتبط بتوازن ه ّ، جتمع املاء يف داخلها وفوقها وحتتها ومن‬
                                             ‫ف‬                 ‫ف‬                            ‫ي‬
  ‫حواليها، رأى الرّس أنه ال يسيطر على الوضع فخ ّف السرعة، حرف الدّة وساير اجتاه الريح، مث أطفأ احملرك بانتظار‬
                                                                  ‫ق‬
       ‫أن تنجلي عاصفة النو، استغل فرصة التو ّف االضطراري فأفرغ غالون مازوت يف خزان الوقود، أعطاهم كيلتني‬
‫وأمرهم بإفراغ املاء الراسب يف القاع، طلب الزنوج من الرواس أن يطلق نداء استغاثة ‪ SOS‬من هاتفه اجلوال، فرفض‬
                                                         ‫ف‬
     ‫حبجة أنه خارج التغطية ويف املياه الدولية ، ش ّ اخلوف عن سحنات مسترسلة وامجة، واستفحلت أحاسيس اخلطر‬
                                                                                     ‫ْ َي‬          ‫ق‬
‫الداهم، تر ّقت مالمح احمِّدْ وغمغم: "تالتة ما فيهم أمان املخزن ولبحر والزمان، اله جيعل الصباح يكون ولد ليلتنا".‬
                       ‫وزفر عليوة جبربية شرقية: "أهلل يرمحنا ويرحم أموات املسلمني، احلوت غادي يشبع من حلمنا".‬
                  ‫ت‬                                                                                      ‫ز‬
         ‫ف ّ عصري كامللدوغ: "يا ساتر ! حوت ! مسك القرش! يه يه يه !العزا عليك يا بوميالد إجا مني ييّم عيالك".‬
                                           ‫و‬                                          ‫و‬
     ‫عبثت احلشيشة ود ّار البحر برأس املصري فتقيئ، فاعت رائحة تغ ّط ونظر كل واحد حنو اآلخر، ارتبك صموئيل‬
                       ‫و‬       ‫ج‬                             ‫ر‬                        ‫ُّر‬
      ‫حتسس أحشاءه عند الص ّة خبئ وجهه عن أنظار احل ّاقة الذين أحرجوه بأنظارهم، ش ّعه الر ّاس: "ألليي مونامي‬
                         ‫السموأل، لن بو دي كوراج، أنكور دي كوراج، توجور دي كوراج، دميه دميه كوراج 1".‬
                                                                      ‫س‬
‫زرروا السترات ووضعوا الطواقي ود ّوا األيدي يف اجليوب وأحنوا رؤوسهم التماساً للدفء، صرخ كرميو بوجه الريس‬
                                           ‫ر‬                       ‫ل ل‬                           ‫ْ‬
             ‫: "رانا كريفينا مِلبَرد، فازي سْتخرياله قَ ّع، إّي دخل لبحر ما خيافش ال ّش، خلي نغرقو رانا دجيا ميتني".‬
                                                                               ‫ق‬                ‫ي‬
      ‫نظر الرّس إىل الساعة، د ّ على خشب الفلوكة ومتتم "بسم اهلل مسريها وجمريها " سحب خيط املاطور فأقلعت،‬
‫انتصب بابا واقفاً وعاد يبتهل حبماسة: "أصربوا، اعتربوا جبوب الصابر، امتثلوا بالقديس خوان دالكروز كان يبحث عن‬
                                                                                         ‫ن‬
                                                                                      ‫اهلل يف أحلك ليايل النفس يف عدم الّادا‬
                           ‫ف‬                                                                         ‫ر‬
 ‫ح ّك ذراعيه كمايسترو، أعطى اإليقاع بطقشات أصابعه، استجاب الزنوج، ختصوروا وص ّقوا، متايلوا يف رقصة أدغال‬
                                                                                                                      ‫و‬
                                                                                            ‫حت ّل القارب اخلشيب إىل غوسبل:‬
‫‪"Nobody knows the trouble I see‬‬
‫‪Nobody knows but jésus‬‬
‫‪Sometimes Im down‬‬
‫2".‪Sometimes Im almost to the ground‬‬
                                                      ‫ر‬      ‫ي‬
      ‫تثاءب سرحان، تالشى عنه مفعول احلشيشة مع التقّؤ وتس ّب إليه إحساس اخلطر، ارتعد حتت ثيابه املبللة، رسم‬
                                          ‫ل‬
     ‫بالغليون تابوتاً عائما يف داخله 11 مججمة وعلى مؤخرته يرقد عزرائيل مسّطاً منجالً على اجلماجم، أرعبته الرمسة‬
                                ‫و‬                                 ‫ي‬                              ‫َو‬
           ‫املرعبة فد َّر حوايف التابوت وجعله فلوكة، غّر مالمح عزرائيل إىل حورية حبر، ح ّل العتمة إىل قوس قزح.‬


                                        ‫1 هيا يا صديقي شوية شجاعه ، كمان شجاعة دائما شجاعه / كريفينا = متنا ،فازي = يلله /احلوت = السمك‬
                                                                                                 ‫2 ال احد يدرك مدى أوجاعي اال يسوع ، /‬
                                                                                                                                            ‫341‬



     ‫تبددت الغطيطة وانقشعت الرؤية، ملع ضوء خطف بريقه سواد القلوب، ظهرت منارة حبرية على رأس جرفٍ عال،‬
‫اجتهت األعناق إىل جهة الرب وإسبانيا، ملعت أسنان الزنوج العاجية، خرجت أصواهتم يف وقت واحد: "هللويا هوشعنا ...‬
                                                                                                                     ‫" ذوكصا بتري1...‬
                                                                                     ‫"ذا اليتهاوس ، سالفيشن أند كلوري......‬
                                                                                                                  ‫" كرمبا... فيفا إسبانيا‬
                                                                 ‫ر‬
      ‫شبك بابا أصابعه وشخصت عيناه على الشاطئ، ك ّز بالبشارة: "اجملد هلل يف األعايل وعلى األرض السالم والرجاء‬
                                                ‫د‬
  ‫الصاحل لبين البشر (رفع يديه عمودياً) لتكن قلوبنا مرتفعة إىل العلى (م ّها أفقياً) لتكن أفكارنا وعقولنا وأبصارنا مرمية‬
                                                               ‫ي‬                                  ‫ر‬
 ‫حنو ب ّ اخلالص (طأطا رأسه) لنشكر الرب متهّبني ونسجد له خاشعني (جثى راكعاً) تبارك الرب صانع العجائب، الرب‬
            ‫مسع صلواتنا، الرب معنا، يرافقنا يهدينا الطريق، يسري أمامنا هناراً يف عمود من غمام وليالً يف عمود من نار"‬
     ‫انتابته لوثة دينية، رأى يف املنارة معجزة احلضور اإلهلي، فصرخ: " احلق احلق أقول لكم أهنا العليقة املتقده، هليب نار‬
                                                                                                    ‫تشتعل وال حتترق، هللويا هللويا‬
      ‫ح‬           ‫س‬
‫وخشي الريس من أن تلفت األهازيج انتباه املخفر البحري رفع صوته يف وجه بابا: "دين دمياك ال ّوفاج املتو ّش أعزي‬
                                    ‫أفريكانو بابالوكو، اكلس حبال عباد اهلل كتحسب راسك نيب اهلل وال فيك لبواصري "‬
                                                                                     ‫و‬
‫تناول الريس اجل ّال وعبث بأزراره فإذا به حتت التغطية، هاتف شخصاً بكلمات مقتضبة باإلسبانية أهناها بكلمة‬
                   ‫ر‬                    ‫ف‬
‫"أفريماتيفو" أشرق وجهه مبا يوحي أن األمور تسري على أحسن ما يرام، وخ ّف السرعة وأطفأ احمل ّك على مبعدة ربع ميل‬
                                                                             ‫ر‬
‫من اليابسة، أشار على احل ّاقة بالتجذيف بأيديهم فانتظموا ستة عند كل جنب وضربوا أيديهم باملاء. تألألت فلل‬
                  ‫ذ‬                ‫ب‬
‫مشعشعة باألنوار على قاطع جبل فقال الرواس أهنا" ثاهريا دي لوس أتونيس " د ّ فيهم احلماس فج ّفوا بوترية متسارعة‬
   ‫ذ‬                                     ‫ذ‬     ‫ذ‬                    ‫خ‬                   ‫رب‬
‫مع اقتراب ال ّ، وقف بابالوغوس ين ّيهم: " هللويا، فلنج ّف، ج ّفوا أسرع أيها البوت بيبول الشجعان، ج ّفوا‬
                          ‫ذ‬                                         ‫ذ‬                ‫ر‬
‫كأجدادكم العبيد األسرى يف ح ّاقات الواييت، ج ّف أيها العبد الزجني، أيها العبد العبد، ج ّف أيها العبد الداشر اآلبق،‬
                                                                                                                      ‫ذ‬
                                                                                         ‫إما أن جت ّف أو ترمى يف البحر، هاللويا".‬
                                                           ‫ط‬                ‫ث‬
     ‫أشار الرواس إىل عمود إرسال يب ّ ضوئاً أمحر متق ّع، قال هلم أنه يقع وسط مقربة كالب وأن عليهم صعود اجلبل‬
   ‫وعي‬
  ‫مهتدين به إليها واإلختباء هناك بانتظار جمئ عميل إسباين مسني لقبه "الكوردو" وهو بدوره سيوصلهم إىل قادش، َّن‬
                                                                             ‫ن‬
       ‫بابالوغوس قائداً للطريق حبكم سّه وحكمته، وأعطاه منرة هاتفه اجلوال ليطمئنه يف حال الوصول، انتصبت يافطة‬
                ‫ش‬                   ‫زل‬                       ‫س‬
       ‫مكتوب عليها " ‪ُ ،"Plage Robinson‬مع صوت املوج يرتطم بال َّط، انكشف بنغالو مع ّش يف خضرة‬
   ‫الطبيعة وأمامه لوحة نيون ضخمة تضيء بأحرف ‪ ،Restaurant Le Mirage‬ظهر سنسول خشيب مرجتل من‬
    ‫د‬
  ‫جذوع الشجر خيوض يف املاء وعليه فلوكة خشبية جملفطة بالقار ومقلوبة. أجفلت طيور حبرية رابضة وطارت، تق ّمت‬

                                                 ‫1 اجملد لألب ، ذا اليتهاوس = املنارة / أفريماتيفو كله متام / كوردو كلمة اسبانية تعين الرجل السمني‬
                                                                                                                                                 ‫441‬



    ‫الباتريا بثبات وعناد من رأس السقالة اخلشبية ربط الرواس حبل الباترية هبا وقال: "حلد هناي أنا مسؤول عنكم ومن‬
 ‫هناي وفوق أيها املؤمنني عليكم بأنفسكم صايف! نوضوا، هْبِطْو ملفلوكه، اله يطرح الربكة ويفتح عليكو بيبان صبانيا".‬
                              ‫د ل‬                            ‫ج‬
‫وأمسك عصري من يده ودفعه وأتبعه باملصري واملب ّل وبقية احلراقة : "هيا رْ ّ باُك طانثيون، بون كوراج، دوز زرب،‬
                                                                                                                        ‫ِ‬
                                                                                                        ‫سري بْال حس ازْمطْ، هتال فروحك "‬
             ‫ه‬                                              ‫د‬
     ‫أفرغ الباترية من محولتها، أدارها خفيفة حنو عمق البحر وو ّعهم بتلوحية يد: " أنْضا أنضا سْويريت ،اهلل يس ّل، الليل‬
                                                                                  ‫بودنتو والنهار بعونتو، عيط على اهلل واخلري القدام".‬


                                                              ‫بانتظار كوردو‬


                                                                                                               ‫ط‬
   ‫خت ّوا عقبة البحر وداسوا عتبة الرب، اندفعوا بعنف القراصنة باجتاه الغابة، بدا الزنوج سعداء سعداء يف منتهى السعادة‬
   ‫غ‬                                                    ‫ي‬
  ‫الزجنية، والعرب يف ذورة النشوة العربية، وزال التطّر عن صموئيل بعدما صاروا دزينة، طقطق عصري أطرافه وتو ّل‬
‫يف دغلة ل يفرغ أمعائه، انتهز فرصة ابتعاده فأشعل سيجارة وشفط أنفاسا متالحقة، خبأ مجرهتا يف جتويفة يده أحس بانتشاء‬
                                                                       ‫ذ‬
  ‫متعدد املعاين : سعادة الوصول مشفوعة بل ّة إعمار الرأس وإخالء األمعاء . جرجر سرحان دهشته املتوثبة، هام يف عامل‬
                                      ‫سحري وهو يرى األرض املوعودة حقيقةً ماثلة أمامه وخلفه ومن حوليه وحتت قدميه .‬
                                                                                            ‫ج وقب‬       ‫ل‬
    ‫ص ّب املب ّل َّل التراب باحتفالية مث نادي على احلراقة، وقف بغطرسة كابورال مهووس بإعطاء األوامر (البساطة‬
‫الظاهرة على وجهه قناع خيفي اإلحساس باألمهية واإلناطة مبهمة خطرية)، قال بنربة بروسية: " إفتحوا أعينكم احترسوا،‬
                              ‫1‬
                                                                                                          ‫خ‬
                                  ‫ال تد ّنوا وال تظهروا وجوهكم فوجوه العرب والزنوج هتمة حبد ذاهتا، ردي لت اس غو".‬
            ‫ط م‬                                           ‫ي‬                           ‫ش‬                 ‫ف‬
      ‫تل ّت مينةً ويسرة كك ّاف استطالع يف كوماندوز ليل ّ، ومشى خطوات على أصابع رجليه مبشية الب ّة، ز ّ عينيه‬
                                                            ‫صف‬                                                ‫ف‬
‫كخ ّاش يبصر يف الظلمة وانبطح، أشار عليهم باالنبطاح، َّر وأشار عليهم بالوقوف مث بالقعود مث بالقيام مث باإلحنناء، مل‬
    ‫يستجيبوا له بنفس السرعة فقعد جزء وانتصب جزء وضحك الكل، لبثوا حائرين ينتظرون ظهوره لكنه غار كلياً يف‬
                                          ‫شه‬               ‫ِف‬
‫مكمنه ومل تبدر منه إشارة، انربى سرحان غاضباً: "خ َّها يباباكافور، ِّل يا بو دم ساقع، إنت فاكرها خط برليف، أهيه‬
                                                                                                                        ‫القرافه باينه فشختني".‬
‫خرج صوت بابا ، مسعوه دون أن يروه: "شات لب واييت، لست أعمى لكين أقصدها بطريق زكزاك، من قبيل احليطة ".‬
                                              ‫س‬                                  ‫ب‬         ‫ج‬
   ‫وانتصب املب ّل وسار بأّهة فاتح موريسكي، وساروا ورائه متح ّسني طريقهم كالعميان، تراجع السفح وصار البحر‬
                                                                                ‫ن‬
   ‫حتتهم، فاعت رائحة قرصعّة وعليق وصعتر، انكشفت طبيعة جليلة زادها الليل جالالً: أشجار صنوبر وبلوط ولغاف‬
             ‫ح‬       ‫ي س‬             ‫ر‬                 ‫ي‬                ‫س‬
 ‫وصبار ومدرجات جبلية مستصلحة. ُمع صوت أجراس، تبّن أهنا أبقار جتت ّ يف مراح مسّج، ُمع نبا ٌ لتٍ من بعيد‬

              ‫1 جاهزين هيا بنا / القرافة = املقربة/ شات اب واييت = اخرس ايها االبيض ، انضا = امشي / نوضوا = اهنضوا / سويريت = حظا سعيدا / بيبان = ابواب‬
                                                                                                                                     ‫541‬



   ‫ل‬                                                ‫ي‬         ‫ل‬          ‫ر‬                                    ‫ن‬
  ‫فظّوها كالباً حمبوسة يف أقفاص لردع احل ّاقه املتس ّلني مث تبّن أهنا سائبة يف جوالت ليلية، ظهرت أربع سروات تع ّم‬
                                                 ‫ل‬                              ‫با‬
‫أربع زوايا وسوراً مرّعّ يف أعاله قطع زجاج لردع املتس ّقني، وعلى طول السور رسومات تاغ غرافييت، أحرف ضخمة‬
                              ‫ش‬                                     ‫و‬             ‫ر‬       ‫د‬
  ‫بكل لغات البلدان املص ّرة للح ّاقة، بلغوا ب ّابة خشبية مهترئة قرهبا حنفية ماء ومر ّات ودالء، رفسها بابا فاخنلعت‬
                                              ‫ف‬
 ‫وفاحت رائحة مسك فاسد ممزوجة برطوبة البحر وبراز متع ّن، ظهر على ضوء عمود اإلرسال جمسمات جبصية لقطط‬
‫وكالب من كل األعراق، وقبور عتيقة من زليج وغرانيت عليها أصص ورد بالستيكي وهورتنسيا وجريانيوم، وظهرت‬
                                                                            ‫أضرحة فخمة على شواهدها كتابات بلغات خمتلفة:‬
‫1 رافاجور وأوتيللو كلبا الربنسيسه دي طوفار:.‪See you in paradise‬‬
 ‫عوليس :‪Heureux qui comme Ulysse vit dans notre coeur‬‬
                                                       ‫ط‬
‫إيكار ق ّ القنصل الفرنسي:‪Je sents toujours tes pattes de velours‬‬
‫غوليات حصان مستر فوربس:‪he has many blue ribons to his credit‬‬
‫أوروس كلب الدوكيسا دي سيدونيا:‪Lagrimas Pena i Tristeza‬‬
                                                                         ‫م‬
                             ‫جونكاي كلبة بول بويلز: كلمات ا ّحت بتأثري الزمن وأسيد األمطار فوقها أحرف ‪RIP‬‬
                                                                                          ‫ج‬
      ‫سأل جفرسون املب ّلَ ملاذا يكتب اإلسبان على أضرحة كالهبم باإلنكليزية. فأفاده بأهنم يف جبل طارق وهو جيب‬
                                            ‫ل‬
  ‫بريطاين يف أرض إسبانيا. اندهش صموئيل : " إذا كانت احليوانات مدّلة يف إسبانيا هلذه الدرجة فكيف حال البشر"!‬
   ‫بسط بابا مفاهيمه النسبية: "إسبانيا صاعداً إليها من حتت من ماروكو تبدو غنية جداً، لكنك لو نزلتاهلا من فوق من‬
                                                                                                                 ‫إنكلترا فهي فقرية".‬
                                                          ‫" هللويا ! إذا كان أفقر بلد أورويب هكذا فكيف ستكون إنكلترا"!‬
                      ‫ح‬              ‫ث‬
   ‫لفت انتباه موسيس قرب حتفه سروات قزمة ويعلوه نصب من مرمر أمحر ميّل جرو كانيش و ُفرت على املنت كلمات‬
‫‪" :Here sleep Treasure Gone but not forgotten‬‬
                                             ‫د‬
‫فرك الزجني يدَيه : "ترجير ترجير، ،تعالوا ننبش هذا القرب ونستخرج ال ّرر، الواييت عادة ما يكونون أثرياء ومبتورين من‬
                                                                                       ‫الورثة، لذا يدفنون جموهراهتم مع كالهبم".‬
                                       ‫وف‬
                     ‫هنره بابا: "دعك من هذه الترهات موس، لن تلقى إال مججمة ورميم عظام، ِّر جهدك حلاجة أهم".‬
                                                                                                     ‫ف‬
  ‫خت ّفوا من أكياس الظهر وارمتوا على مصطبة وأخرجوا الزاد، شبك بابا رؤوس أصابعه على جبينه، تال صالة مقتضبة‬
  ‫طالباً من يسوع أن يبارك علب السردين، واكتفى عصري بكعكة بقسماط، زلط املغربيان واجلزائري بضع مترات، مل‬
    ‫حيس سرحان جبوع، رمى بصره على البحر وأضواء اجلانب اآلخر من املضيق، خبالف إسبانيا اليت ظهرت حلوة من‬

  ‫1،موعدنا يف اجلنة / ‪=Heureux que‬ما اسعده ذلك الذي كعوليس يعيش بقلوبنا / ‪= Je sents‬ال زلت احس خبرمشاتك املخملية / ‪ =he hasy‬لقد فاز بعدة‬
                   ‫اوشحة واحرز قصب السبق /‪ = Lagrimas‬دموعا واملا وحزنا / ‪ Here sleep‬هنا يرقد ترجيور ، فقدناك ومل ننساك، اسم الكلب يعين كنز‬
                                                                                                                                                ‫641‬



                                                       ‫ر‬
       ‫مقهى "احلافة" فقد ظهرت طنجة قبيحة من جبل طارق، ح ّك الغليون ورسم صورة تقريبية للغد وشكالً للرفاهية‬
                                                                                      ‫ب‬
           ‫واألحالم العريضة، مث ثّت الغليون يف طرف فمه، هنره بابا: "هيه كابنت هادوك، إنزع هذا البايب من فمك".‬
                                       ‫"سالمة نظرك يربوفسور ُبرْجل ،ده مش بايب ده نكاشة أسنان تساعدين على اهلضم".‬
                       ‫ر‬
     ‫صبوا القهوة من كظيمة التريموس، قعدوا يدردرشون وجيترون الكالم املعتاد عن أوروبا، أص ّ تيوغراسياس على أن‬
                       ‫وخير‬                                    ‫د‬                   ‫ت‬
   ‫الدوالرات فيها ُلَم عن األرصفة وحت ّث جوشوا عن كارد يوضع يف صندوق يف حائط ِّج نقوداً من طريق كود‬
‫سري، وأعلن موسيس أن فيها مطاعم بيتزا يف كل شارع، وإذا كان الزبون مريضاً فاملطعم يذهب إليه وحيضر البيتزا إىل‬
                        ‫ك‬                                                                       ‫ْ‬
   ‫بيته "تيك أواي". قال كرميو ان فيها رجال مائعون كالنساء ونساء مسترجالت كالرجال أ ّد امحيد أن فيها صندوق‬
   ‫زكاة إمسه الصوصيال وفيها جمانية العالج والسكن والتعليم والتكافل والرفاهية، مث أمجل رأيه بعبارة بالغة الكثافة: "ما‬
                                                                                                                           ‫خاصهم شي كاع".‬
                                                                                                                       ‫مس‬
                                                   ‫َّد عليوة حليته الشرعية واستدرك: "ما خاصهم غري شهادة ال إله إال اهلل".‬
                                                                                               ‫ض‬
     ‫ع ّ سرحان الغليون بعصبية واضحة : "أصالً البالد دي عمرت وصارت ألن صلعمو بتاعك لسه موصلهاش وإال‬
                                                                                                                      ‫كانت أفغان وصومال".‬
            ‫ب‬              ‫كْ‬                                                                        ‫ب‬
  ‫ه ّ املغاربة يف وجه املصري فوقف عصري وحال بينهم، وانفجر بوجهه: " هبدلتنا ب ُفرَك ... يلعن رّك ورب دريس‬
                                                                                                                         ‫اللي اعطاك احلشيشة‬
                     ‫ت‬                                  ‫ت‬
‫نظر صموئيل حوله وابتسم ابتسامة مريرة: "الكالب هنا ُدفن يف قبور رخام والبشر يف رواندا ُدفن يف البحرية، ديننا‬
                                                                                                              ‫كدينهم ومع ذلك حنن بؤساء"؟‬
                                                                                   ‫ر‬       ‫ج ظ‬
‫أمسك املب ّل الن ّارة وم ّر إطارها على أسنانه: " حنن بالكي وهم واييت، حنن نؤمن بالهوت الفقر وهم يؤمنون بالهوت‬
‫اإلزدهار، فقرنا ناتج ال عن كوننا ضحايا الرأمسالية والغنب وسوء توزيع الثروة بل ألننا مل نستجب بعد لنعمة اهلل الكربى،‬
                                                                             ‫أي مني ديفاين غريس، زا موست إمربوتانت كابيتال1".‬
                                                                                        ‫ز‬
    ‫مل يفهم صموئيل شيئا فه ّ رأسه بإعجاب: "مجيل مجيل أن متارس حكمتك علينا يا بابا، يو لرْ لزْ وايْز لز سولومون".‬
                                        ‫و‬                                                                   ‫ز‬
                         ‫ه ّ املصري رأسه باستنكار: "يو لر لز باوْْنيت لز مايكل جاكسون، وجهك إس ِد داخلك إبيِض".‬
                                                           ‫ب‬                                        ‫ب‬
  ‫ه ّ الزنوج يف وجه املصري فحال عصري بينهم ووّخ صاحبه: "حاجي عاد يا زمله، قوللي شو بتكره بقوللك التمييز‬
                                                                                                                         ‫العنصري والزنوج ".‬
        ‫وضع بابالوغوس إطار النظارة على شفته السفلى، قال بنربة فلسفية حمايده: " يف كل مرة يلتقي عنصران خمتلفان‬
     ‫فالعنصرية ثالثهما، هذه اآلفة اإلنسانية موجودة يف أوروبا ويف أمريكا، العنصرية موجودة فينا حنن البالكي أيضاً، يف‬
                                                                           ‫أفريقيا ويف كل القارت ... باستثناء القطبني املتجمدين ".‬

         ‫1 نعمة اهلل عي افضل رامسال / بروفسور برغل هو تورنسول يف الترمجة املصرية لتان تان / خاصهم = ينقصهم / يو أر از وايز = انت حكيم كسليمان احلكيم /‬
                                                                                                                                      ‫741‬



     ‫مت‬                                 ‫ّ‬                                                               ‫س‬
    ‫حت ّس الفراشة على حنره وأكمل بنربة رعوية : " مهما يكن من أمر، فال بد من التفاؤل يف طريق اخلالص الذي أ ّه‬
                                                                                ‫ف‬
   ‫الرب يسوع مبوته النيايب والك ّاري ألجلنا، أوروبا بغض النظر عن عنصريتها هي احلضارة الكونية، تأقلموا معها كما‬
                                                                                                  ‫جيب واقتدوا بالرومان يف روما".‬
                                                                                                          ‫ش‬
  ‫جت ّأ تيوغراسياس ورمى علبة السردين فارغة على منت احد القبور، هنره بابا بلهجة قراقوشية: "هيه تيو قلت لك اقتدِ‬
                                                                                    ‫بالرومان يف روما وليس بالعبيد يف الغابة، ".‬
       ‫د‬
‫شال الزجني علبة السردين عن القرب ورماها على قرب جماور، أخرج الزنوج ورق كوتشينه لتزجية الوقت، جت ّب سرحان‬
                ‫د‬                                                        ‫د‬
 ‫وتثاءب مث صفع برغوثاً حط على خ ّه مث صفع خذه اآلخر مث صفع بيديه االثنتني صدره وجبينه وخ ّيه ورقبته وصرخ:‬
     ‫"ملعون أبو طول البال، أكلوين الرباغيت، شهرزاد وأدركها الصباح وحضرة احملترم غردو لسه ما الح ... يهنترى‬
                                                                                ‫ل‬
                                                             ‫الددع مواعدنا على توقيت غرينتش وّا على توقيت مكة ؟".‬
                                                                          ‫ذ‬                           ‫س‬
            ‫ُمع مواء قطط سائبة تتسافد ف ُعر صموئيل رمى ورق الشدة: " جيب أن نعمل شيئاً بدل لعب الكارطة".‬
                         ‫"نعمل شيئاً سام !ماذا سوى لعب الكارطة، بانتظار غوردو الذي تأخر قليالً " قال لبابالوغوس‬
                                ‫طمأهنم امحيد أن التأخر عادة إسبانية مكتسبة من العرب وقال: "إسبانيا إز ديفرانتيه1".‬
                                                                                                         ‫س‬
‫ُمع صوت لذان الفجر لتياً من بعيد، فأنصتوا، أوضح عليوة أن اآلذان جياوب يف الليل حىت اجلهة األخرى من املضيق،‬
                                                                                                         ‫ج‬
 ‫ور ّح امحيد أنه لتِ من عني املكان، فاندفعوا خارج املقربة، جنَ جنوهنم على مرأى إشارة سري باحلرف العريب "طنجة،‬
                                                            ‫و‬
 ‫أصيلة، منارة، رأس إسربطيل". لبثوا وامجني ، أدركوا أن الر ّاس مل يعرب املضيق جنوباً مشاالً بل عربه شرقاً غرباً يف نزهة‬
               ‫ل‬
   ‫حبرية يف املياه اإلقليمية املغربية تبدأ من رأس مالباطة وتنتهي عند رأس إسربطيل. يف مقربة كالب من خم ّفات املقيمني‬
                                                      ‫د‬
                  ‫الربيطانيني زمن احلماية الدولية ،ارتفع العياط، لطم بابا خ ّيه: " يا ويلي رهنت بييت وذهب زوجيت "‬
                                                         ‫ً‬
                                   ‫جثى صموئيل على ركبتيه ملقياً رأسه بني راحتيه: "تعسا يل ضاعت كل مدخرايت ".‬
                                                          ‫خ‬       ‫و‬
                                 ‫خانت امحيد دمعة فخبئ وجهه : " حشهالنا الق ّاد دلْ ُبْتْ وخلضيعه والتشفاريت".‬
                                                                                           ‫ب‬
                                                      ‫اتسعت عينا كرميو : "رّك، جي ريني كومربي، مزالنا فلماروك !".‬
                           ‫ت‬                                                                       ‫س‬
 ‫أح ّ سرحان بقدمَيه تغوصان يف التراب هتاوى على بعضه عاجزاً عن الصراخ، أخرج حّة الزطلة املتبقية، ظل عصري‬
                                                              ‫ر‬
    ‫يشقلب حبات السبحة بعيداً عن التشنج، اجت ّ املقلب بفلسفة، أشعل سيجارة، استغرق يف خيانات سفرجلة وحامت‬
                                                                                                                              ‫والطاهر .‬
                     ‫ج‬
      ‫رممت احلشيشة ما تصدع من نفسية املصري فشعشع ومج نفساً عميقاً ونفث دخانه يف وجه املب ّل: " هللويا يبو‬
                                                                                               ‫املسك، إنت باملغرب ال تستغرب "‬
                                  ‫شهر بابا الصليب بوجه املصري: "فادي رتريوت ساتاناس، فادي رتريوت ساتاناس".‬

                                     ‫1 اسبانيا ختتلف / حشهالنل = خدعنا / جي ريني كومربي = مل افهم شيئا/ فادي رتريوت ساتاناس = ابتعد يا شيطان‬
                                                                                                                        ‫841‬



                                                       ‫مث اقترب من زنوجه دمدم بغريزة الك ّاز : " هيا لنصل‬
                           ‫ِّ لنبتهل، لنلتمس وجه الرب ...‬             ‫ر‬
                                                  ‫ج‬                                       ‫صل‬
‫"فاك يو ِّ وحدك أيها الشارلتان. صرخ صموئيل باملب ّل، خلع كيس الظهر خبطه باألرض ورفسه برجله ظل يشتم :‬
                                          ‫"فوك أبَدِلْ، فوك موروكو أند تاجنري، فوك أرابس إند إفري بودي1 ".‬
                                   ‫ث‬
                                ‫وشهر أصبعه الوسطى بالسواحل املقابلة: "فوك يو سْبنيْ، سأعود إليك ولو جّة".‬




                                                       ‫1 سحقا لعبد املالك سحقا للمغرب وللعرب سحقا للكل ، الشارلتان = الثرثار /‬
                ‫941‬




‫الوادي السابع‬
     ‫ر‬
    ‫مك ّر‬
                                                                                                                                                       ‫051‬




                                                            ‫عند املضيق مالك صديق‬


  ‫خمرت الزودياكات الثالث عباب املوج والعتمة يف ثالثة خطوط متوازية، توغلت داخل املياه اإلقليمية اإلسبانية (كانوا‬
 ‫قد انطلقوا قبل ثالث ساعات من وادي الالو1). زاغت عينا عصري إىل الوراء حنو شبح املوت الذي جيالسه يف مؤخرة‬
    ‫الزودياك، رله يغزل خيوط القدر على نولني واخليوط توشك أن تنتهي يف نول احلياة لتملئ مغزل املوت. رأى وراءه‬
                            ‫ي‬
 ‫ستني مشعة مطفأة، وأمامه مشعة وحيدة توشك أن تنطفئ ذبالتها، تطايرت مياه البحر وطّرت الربنيطة السوداء عن رأسه‬
    ‫ت‬                                ‫و‬                                     ‫ك‬                      ‫س ٍ‬
‫فأح ّ جبزء من بدنه ينفصل عنه، ح ّته يده اليسرى وأهداب عينه اليمىن، حت ّلت شقلبة حبات السبحة تسبيحاً متوّراً.‬
        ‫حب‬           ‫ر‬            ‫رب‬               ‫س‬        ‫ة‬                              ‫ت‬       ‫دو‬
     ‫َّت طلقا ُ رصاص وأضاءت عتمةَ البحر قنبل ٌ ضوئية، ُمعت رطانة من مك ّ صوت وبان ط ّاد على متنه ّارة‬
                                         ‫ل‬
 ‫يلبسون صديري فوسفورية، وانفلشت الزودياكات يف ثالثة اجتاهات لتض ّل الدورية البحرية، واحنرف زودياك امليسرة‬
                                         ‫د‬                                                       ‫ل‬
  ‫حنو اليسار وظ ّ الوسطاين مبحراً يف خطٍ سهمي، وانعطف زودياك امليمنة حب ّة إىل جهة اليمني ودلق يف البحر نفرًا من‬
                                                             ‫شرقي‬
     ‫اجلالسني على احلافة اليسرى ومن ضمنهم امل َّني، ارتفعت األمواج وصرخات اإلستنجاد "هَلْبْ هلب"، وتسابق‬
   ‫الغارقون يف ما بينهم لالستئثار ببيدوينْ مازوت فارغَني سقطا مع مجلة الساقطني، فلتت غريزة البقاء، انقلب البحر إىل‬
                   ‫ض‬                                       ‫ب‬
  ‫ساحة معركة، وتنافس ثالثة على بيدون بلغه أحدهم وتشّث به بيدَيه ورجلَيه ورفس املزامحَني وع ّهما وأبعدمها عنه،‬
                                           ‫ب‬                                                             ‫ب‬
  ‫تشّث الذي ال جييد السباحة باآلخر من حالوة الروح فأبعده عنه مث تشّث حببال اهلواء أخذ يستغيث فال يغاث، ابتلع‬
                          ‫ط‬                                  ‫ُ‬                   ‫و‬
 ‫ماء مث ابتلعه املاء وغاص، حت ّل إىل فقاقيع هواء، سمِعت زعقات حادة يائسة مث صراخ متق ّع والتهم البحر رجالً لخر،‬
                      ‫ذ‬         ‫ض‬
   ‫باعدت األمواج البيدون الشاغر إىل اجلهة األخرى وجعلته من نصيب سرحان فانق ّ عليه وج ّف مبتعداً بعدما رأى‬
                                               ‫ر‬
 ‫نفراً يسبحون حنوه، شاء حسن طالعه (أو سوء طالعهم) أن لنشاً لخر م ّ بينهم تاركاً موجتَني إحدامها دفعته مع البيدون‬
                ‫د‬
       ‫إىل اليسار والثانية دفعت املطاردين إىل اليمني فاندفعوا يطاردون البيدون اآلخر، تقاتلوا يف ما بينهم وض ّ املوج يف‬
                         ‫ن‬
    ‫صراع غري متكافئ، بلع البحر رجالً ثالثاً، مسع املصري صدى صراخ عصري يناديه بامسه فطّش متناسياً روابط الدم‬
                                                                                           ‫ذ‬
     ‫والعيش وامللح وج ّف مبتعداً عنه كي ال يزامحه على حياة ال تتسع لشخصَني، ضاعت الغريية يف األنانية كما تضيع‬
                            ‫د‬                                              ‫د‬                  ‫ك‬
                       ‫األهنار يف البحر ، من يف ّر بصديقه هبذه الش ّة الشديدة، من يفكر بغري نفسه يف هذا البحر الغ ّار...‬
                                              ‫م‬                                           ‫ه‬              ‫و‬
‫تباعدت الط ّافتان يف اجتا َني خمتلفَني وصارتا نقطتَني سوداوَين يف الي ّ الشاسع، هدأت األمواج العالية إىل خفيفة كأسنان‬
                   ‫ي‬                      ‫ي‬               ‫ْ َد‬
  ‫منشار مثلومة، ارتطمت القنبلة الضوئية بصفحة املاء، اسو َّ األفق ومل يعد ُرى غري العتمة ومل يعد ُسمع غري خبط املاء‬
                                                                                                ‫وهي ترتطم بأجساد من مل يبتلعهم البحر بعد.‬



  ‫1 قرية مغربية ساحلية مصاقبة لتطوان تنطلق منها قوارب احلراقة / الزودياك = قارب مطاطي يستعمله العبارون / بيدون = اناء بالستيكي حيفظ فيه الوقود / هلب = النجدة‬
                                                                                                                    ‫151‬



    ‫سعل عصري وبصق وكاد يتقيأ أمعائه، مد يده إىل زنده فلم جيد احلجاب، انقطع خيطه يف االشتباك (سبحة القهرمان‬
       ‫ه‬                             ‫ا‬                                     ‫م م‬
‫هوت أيضاً يف القاع) لقي نفسه ُشتتاً. ُبعثراً يف سواد يترك الرجل الوحيد وحيدً، حاول أن يوهم نفسه بأنه يتو ّم، بأنه‬
       ‫حيلم، بأنه يسكر، بأن رؤية تتراءى له، لكن عبثاً إنكار الواقع ال يلغيه، إنه غارق وال سرحان وال رفيق، إنه غارق‬
                                                                      ‫م‬                        ‫و‬
  ‫وموشك أن يتح ّل إىل غريق، سرت رعشة سا ّة يف بدنه فقتلته حياً وأشعرته بالنهاية قبل أن ينتهي (الغارق هو الرجل‬
     ‫الوحيد الذي ميوت على دفعات)، انتفض يف حركة صاخبة كدجاجة ذبيحة :" يا اهلل دخيلك، أنا جار سيدي خالد،‬
                                                                                             ‫1برقبيت أيتام قواريط".‬
  ‫ش‬                                                   ‫وصد‬             ‫ر‬                   ‫ح‬
 ‫نقلتْ إليه الريا ُ املعاكسة صوت احمل ّكات وهي تبتعد َّت صوتَه، التقط أنفاسه وفرد يديه ورجليه يف توازنٍ ه ّ،‬
                      ‫ق‬                                                         ‫ل‬             ‫ك‬            ‫قو‬
       ‫َّس ظهره للتح ّم بالتنفس وظ ّ وجهه فوق املاء، عام على بطنه، أنكفأ على اجلانب اآلخر، ش ّ املاء يف سباحة‬
   ‫الصدر، يف سباحة الكلب، يف سباحة الفراشة ويف سباحة جانبية بيدٍ واحدة. سبح بطاقة النجاة وسعار احلياة. مث سبح‬
        ‫ن‬                                              ‫َر‬       ‫شر‬                                 ‫ي‬
‫حبمّة اليأس وغريزة اإلفالت من املوت. َّق مث غ َّب مث مشأل مث دار حول نفسه بال هدفٍ واضح سوى جتّب الغوص،‬
 ‫صرخ باسم صاحبه مث ذوت الصرخة يف حنجرته وقال لنفسه ... يا خائضاً بظالم البحر واهللكة أقصر عناك فال جناة يف‬
                                                                ‫احلركة، املكتوب ما منو مهروب، األجل النصيب...‬
         ‫راوده إدراك عميق بأنه طوال حياته كان نائماً مث استيقظ يف البحر، أن املوت هو احلالة الطبيعية فيما احلياة هي‬
    ‫االستثناء، أنه رغم كل شيء فهو حمظوظ ألن املوت مل يغتاله غيلة بل ترك له مهلة التوبة، أدرك إن األوبة إىل اهلل هي‬
    ‫ت‬                                                                ‫ه‬                    ‫ر‬
 ‫سفينة النجاة، فح ّك الشاهد وتشاهد ليس ّل رحلته إىل العامل اآلخر، أقنع نفسه بأن هذه العبارة السحرية سوف ُسقط‬
           ‫و‬                                                            ‫ص‬
‫عنه أطنان الذنوب واآلثام اليت اقترفتها، ح ّن معنوياته باملعوذتَني والصمدية (كل ما يعرفه من القرلن) فتح ّل الذعر إىل‬
    ‫أمان، واخلوف من املوت إىل استهتارٍ باحلياة، ارتسمت على وجهه وداعة األطفال وغبطة التماس اخللود، شرع حيلم‬
     ‫د‬                     ‫ر ر‬                                                ‫س‬                       ‫ن‬
    ‫باجلّة كأنه ضامنها سلفاً، د ّ يده يف جيب الصديري وأخرج الصور الثالث: حنطو ٌ جي ّه بغل ناتئ الضلوع مه ّل‬
                                                                               ‫الن‬
     ‫اخلصاوي على خلفية خربوش َّور، سرحت عيناه يف تطليعة لبعيد، يف رجعة مباركة للزمن الغابر رأى مخسني مشعة‬
  ‫مضاءة أمامه وإحدى عشرة مطفأة خلفه، ازدمحت الصور يف استحالب الذكريات. القافلة الغجرية تتهادى على إيقاع‬
                        ‫ن‬               ‫م‬        ‫ب‬       ‫ي‬
 ‫املواويل، والغجر يشعلون ناراً يف قلب الظالم، يهّصون ويطّلون ويز ّرون ويعزفون ويغّون ويرقصون يف وقت واحد،‬
                                                                                         ‫ف ر‬
  ‫وهم يقرأون أك ّ املا ّة، وهم يغريون على خريات احلقول احمليطة هبم... كانوا دائماً على سفر يرحلون خفافاً مرحني،‬
          ‫ي‬                                      ‫ر‬
 ‫ال شجرة تربطهم باألرض وال مزرعة وال بيت من طني، ال يستق ّون يف مكان إال ليغادروه، قطعان بشرية سّارة وحدها‬
 ‫ال حبثاً عن شيء بل فرارًا من ال شيء، ال سعياً وراء الكأل واملرعى وإمنا وراء الرحيل ذاته، ويف مالحقة غروب الشمس‬
                                                                                          ‫و‬
  ‫وقوس الغمام املل ّن، خيتفون مدة مث يظهرون غفلة كاألعشاب النائتة من شقوق الكتل اخلرسانية، كانت نظرهتم نسبية‬
                                            ‫ز‬
       ‫للمعاصي فاخلطايا يف عرفهم أخطاء، السرقة اقتسام عادل خلريات مو ّعة بشكل جمحف، اخليانة الزوجية نزوة من‬

                                                                                               ‫1 خالد بن الوليد دفني محص /‬
                                                                                                                              ‫251‬



  ‫نزوات اللحم البشري، الكذب ليس نفياً للحقيقة ولكنه درع يقيهم شرور الكاجو، كان الدين عندهم هوية عرضية،‬
                  ‫ل‬                                                                         ‫ز‬
‫اهلل حني و ّع الشرائع على األمم كتب شريعتهم على ورقة ملفوف فجاء محار وأكلها، حني يتك ّمون عن الرب ال أحد‬
                                          ‫م‬                                                       ‫ب‬
       ‫يعرف أي ر ّ يقصدون، يدينون بدين املدينة اليت خييمون قرهبا، وال يه ّهم من الدين طقوسه بل أعياده وموالده‬
   ‫وموامسه والصدقات، كان سعيداً ألنه صيب وألنه غجري وال يذهب للمدرسة، يسرح أينما شاء ويسرق ما يقع حتت‬
                                                 ‫ف‬                                ‫ل‬
      ‫يديه، يالحق الفراشات، يتك ّم مع األحصنة ويراقص الدببة، يتك ّف املصلني عند اجلامع النوري وكنيسة األربعني‬
   ‫وينادي "من مال اهلل". انطفئت الشموع ببطء وكرب على مهل فحمل صندوق مسح األحذية أمام أوتيل قصر رغدان‬
‫1منادياً على ذوي الكنادر املتربة "بويا بويا"، كرب بسرعة وتكّر على هذه املهنة فحمل السمسونايت وصار جيول بشارع‬
                                                ‫ب‬
                                                                       ‫و‬
                                                   ‫إبن عوف وينادي على أصحاب األسنان املس ّسة "ْاسنان، ْاسنان".‬
          ‫اخلد‬                  ‫ف‬           ‫ي‬
  ‫ونظر إىل الصورة الثانية: زوجته سفرجلة، امرأة صبيحة الوجه، سّال على الش ّة السفلى وترديع على َّين وشناف‬
                                                       ‫ر‬                      ‫ن‬           ‫ط‬
     ‫يف أرنبة األنف، شهوة مس ّرة بني العيَني ... ما أغباه حني و ّط نفسه هبذه األنثى الشبقة اليت ما كان جديراً به أن‬
                                          ‫د‬                                                          ‫م‬
 ‫خيتارها أ ّاً ألبنائه، كانت ختونه مع العرب والتركمان والكرد، إذا اشت ّت نزوهتا خترج هائمة فاردة شعرها وتغوي أول‬
     ‫ل‬                             ‫و‬                   ‫ج‬
 ‫عابر سبيل، أو تذهب إىل سوق "الفيصل" وختتلي مع أحد الت ّار يف املستودع اجل ّاين، كان كل هنار حيلف بأن يط ّقها،‬
                                                                                   ‫ز‬
  ‫بأن جيدع أنفها، بأن جي ّ شعرها على الصفر، وعندما حيني الليل ينسى ويصاحله معها إحساس غامض مثري (يشتهيها ال‬
                                       ‫و‬                            ‫رب‬
      ‫رغم اخليانة لكن بسببها)، كانت "تتطلع ل ّا" ألهنا عاجزة عن أن تبقى ج ّا، ليست قحبة وال مومس ولكنها هتيم‬
                  ‫ب‬
    ‫بالرجال، النكاح بالنسبة إليها ليس إدخال اللحم يف اللحم ولكنه إخراج احلياة من املوت. ساحمها وقّلها، نظر إليها‬
                                                                                  ‫ي‬
                                                               ‫النظرة األخرية، دندن مبوالٍ شج ّ حزين كغناء البجع :‬
                              ‫ِّنن‬
                             ‫ومبوج البحر كَف ِّي‬        ‫"ال ريد كفنكم وال اليغسلون‬
                           ‫حبضن سفرجله ادفنين".‬              ‫ال ريد قربكم وال اليحفرون‬
      ‫م‬       ‫ب‬                                                                 ‫ي‬
   ‫رمق الصورة الثالثة حبنان أبو ّ: أوالده مصفوفون من األكرب حىت األصغر، هل هم حقاً أبناؤه؟ لكنه حيّهم ويس ّيهم‬
                         ‫ق‬                                       ‫و‬
‫الضىن ويعطف بشكل خاص على إبنه املع ّق حوشب، دهسته سيارة بالعمود الفقري وتو ّف جذعه عن النمو، بلغ عامه‬
                                          ‫ك‬
                                     ‫السابع عشر كأنه ابن سبعة، مشوار أوروبا ألجله كي يكسب قرشني وحي ّمه...‬
                                                                           ‫د‬                         ‫س‬
‫مل حي ّ بالدموع وهي تنساب على خ ّيه ومتتزج مباء البحر، أشكل عليه األمر بأن الصورة هي الواقع وبأنه هو الصورة،‬
                                                                                       ‫خ‬
  ‫هيأت له كيمياء امل ّ أن رأس حوشب الغائر بني منكبيه يستقيم واحلردبة ختتفي والصدر يعتدل وقطعة اجلسد تتطاول.‬
        ‫ه‬
 ‫ابتسم لألمواج، رأى أن رحلته قد اكتمل معناها: موته لن يكون عبثاً وال فناءً بل عبوراً حنو عاملٍ أرحب، تش ّى فنجان‬
                              ‫ن‬                                       ‫ف‬           ‫خ‬
     ‫قهوة سادة وسيجارة يد ّنها وهو طا ٍ، ومساع وصلة من كمنجة جينغو رينارد أو رّة بزق من مشاليات حممد عبد‬
                                                                                                                         ‫الكرمي.‬

                                                    ‫1 احد معامل محص / بويا =دهان احذية / حممد عبد الكرمي عازق بزق غجري من محص نفسها‬
                                                                                                                                      ‫351‬



‫اشت ّت عليه أعراض اهليبوتريما1، االرتعاش ويباس العضالت، ومجود األنسجة الدموية وتن ّل األطراف، عوت ريح الن ّ‬
‫و‬                       ‫م‬                                                                             ‫د‬
  ‫فـي مارش جنازي، بدأ العد التنازيل، أهنى وحش املوت لعبة احلياة واملوت، نفذ الصوف من مغزل العمر ومأل مغزل‬
‫األجل، نفخ على الشمعة الوحيدة، ابتسم ابتسامة كابية "حسناً أيها الغجري الذي يعشق احلياة والتنباك واخلمر والنساء‬
  ‫واملبالغة، لقد عشت كثرياً يف وقت قليل، ارتويت ملذات، سرقت وقلعت لالف األسنان، سكرت، رحلت كثرياً وقد‬
                                           ‫حان حني الرجوع، ستغرق ومعك قفشاتك ومبالغاتك وخرافاتك اللطيفة"‬
       ‫ل‬                                                             ‫ي‬                                        ‫س‬
‫َن ّم نسيم املوت تآلف مع الطبيعة يف حلنٍ شج ّ، أقنع نفسه بأن احلياة احلقيقية تبدأ بعد املوت (لخر حكمة يتع ّمها قبل‬
                    ‫ف‬                    ‫ر‬                                                    ‫ب‬
      ‫املوت)، هّت ريح مسكية أشعرته أنه يف جرن معمودية، تراخى يف قصو ٌ شامل، أطبق فمه وتن ّس من أنفه، شعر‬
          ‫د‬                                     ‫ط‬                                   ‫ل‬
  ‫مبغنطيس جيذبه حنو األسفل، تس ّلت املياه من خيشوميه إىل معدته، تق ّعت أنفاسه فتغلغل املاء ومأل رئتيه، س ّ اجملاري‬
  ‫التنفسية واألوعية الدموية، وسقاه البحر لخر كأس، كأس منون ماحلة، غاص كالرصاص يف املياه السوداء، زحف حنو‬
                                              ‫ر‬        ‫ّ‬
    ‫حتفه كما يزحف أسطول هرم إىل مقربة حبرية، أحس بآخر ذ ّة روح خترج من عضو الذكورة، سقط إىل حتت حتت‬
                                             ‫حتت، يف جنون األعماق السحيقة لألعماق السحيقة، ومل يعد حتته حتت.‬


                                                            ‫س ء‬
                                     ‫وال ّ ما ِ والغارق ومضيق جبل طارق‬


   ‫د‬
  ‫رأى الشمس ترتفع مقدار قامة خنلة عن مستوى املاء، والبحرَ حوله، ال حجم له من كرب حجمه، وال عمق له من ش ّة‬
                                                                                        ‫ب‬
      ‫عمقه، وال مدىً له من ُعد أمديته، ال جزيرة، وال خشبة طافية، وال صارية، وهو برأسه وحيداً مثل ميسم األبرةِ،‬
                                                                         ‫د‬                ‫ط‬
       ‫كسندباد حبري حت ّمت قلوعه، مل يص ّق أنه ما زال قيد احلياة بعد أربع ساعات من السقطة، أوهم نفسه بإمكان‬
                                                                                  ‫أ ْ د‬
     ‫الصمود ألربع ساعات ُخَر، ش ّ غطاء البيدون بإحكام، انصهر باملاء كاحلوت بالبحر، انساق مهتدياً بغريزة النجاة‬
                                 ‫س‬                                                                ‫س‬
‫واحلا ّة السادسة واخلربة املكتسبة يف تنزروفت، وموجات كهرومغناطيسية تتح ّس ذبذبات الرب، وقرون استشعار متيل‬
                                                                                     ‫ْ ب‬
     ‫إىل الساحل كَمَيل عّاد الشمس حنو الشمس، جعل الشمس عن ميينه، واجته يف زاوية متعامدة مع املشرق واستقبل‬
    ‫ر‬
 ‫الشمال باحنراف بسيط حنو الغرب وسبح قدماً حمافظاً على توازنه فوق البيدون، فكر بعشوائية األقدار ومصائر احل ّاقة‬
                                                                                          ‫ي زل‬
 ‫املرهونة بيد الرّس، َّتْ إىل جهة اليمني فكانت سقطة اجلالسني عن اليسار، لو أهنا زلت لليسار لكان فيها هناية مجاعة‬
                   ‫ج‬                                                                                 ‫ر‬
‫اليمني، ط ّ ة أو نقشة، هذا الكوم أو ذاك، كأن اهلل كان يلعب بالنرد حني رماه مع العشرة ومل ين ّه مع العشرين، لكنما‬
‫لو حقاً كان األمر كذلك ملا جعله أحد اإلثنني احلاظيني بالبيدونني، ليس العجب يف غرق الغارق بل يف جناة الناجي، وهو‬
          ‫ط‬                                 ‫ب ه‬
 ‫ليس ملحداً على وجه اإلطالق، هو فقط ال يعترف بإله املسلمني اجلّار الق ّار املنتقم، أو قل إن اهلل فكرة م ّاطية تتسع‬
                                                                                 ‫رب‬
          ‫وتضيق تبعاً للظروف، يف ال ّ كان ينظر إليه من بعيد بتلسكوب، بينما اآلن يف البحر يراه مبيكروسكوب....‬

                                                      ‫/ /1 اهليبوتريما = اخنفاض احلرارة يستحيل الصمود اكثر من ثالث ارباع الساعة هبذه الربودة‬
                                                                                                                  ‫451‬



                         ‫ا ق‬              ‫ي‬                                     ‫ي‬
‫خبط ذراعه اليمىن باملاء ومّل رقبته إىل جهة اليمني، خبط اليسرى ومّل رأسه يسارً، ش ّ صفحة البحر بسباحة الصدر،‬
  ‫ي‬              ‫ك‬                                   ‫ف‬                                               ‫ر‬
 ‫ح ّك رجلَيه بالتناسب مع حركة اجلذع والذراعَني وتن ّس مع كل ضربة ذراع ونصف دورة رأس، ف ّر مبا قاله الرّس‬
                                                                      ‫ك‬
  ‫قبل أن يلقيهم باملاء"سويعة ونصل" وف ّر كم دقيقة يوجد يف السويعة، كم ميل يقطع الزودياك يف السويعة، وكم ميل‬
      ‫ق‬
‫قطع هو يف مخس سويعات، وكم بقي من أميال، بكم سويعة ميكن قطعه؟ وهل ميكن احتمال هذه السويعات املتب ّية وكم‬
                                                                                                    ‫الساعة اآلن؟!...‬
    ‫و‬                   ‫ذ‬                           ‫ذ و‬              ‫ف‬       ‫ب‬                      ‫خ‬
   ‫رلها مب ّرة، وعجز عن رؤية العقرَني فتخ ّف منها، ج ّف بق ّة األشياء وغريزة البقاء، ج ّف بالشك املنهجي بق ّة‬
 ‫املنطق األبسودري، وألن ال مناص من التجذيف. رأى أنه موغل شرقاً فاحنرف قليالً حنو الشمال ونظر حواليه بارتياب،‬
    ‫أي مشال اجلغرافـي أو املغناطيسي؟ مشال ماذا؟ ما معىن االجتاهات يف متاهة كاوتيكية ونقطة العالمة الوحيدة نفسها‬
                  ‫ل‬                                                                                 ‫ر‬
   ‫تتح ّك؟ كيف حيدد اجتاهه بال بوصلة؟ أي طريق يأخذ وكل البحر طريق! أقل هفوة يف املسار تك ّف عشرات األميال‬
       ‫على أرض الواقع، على حبر الواقع، هب أنه متجه ال مشاالً غرباً بالتعامد مع الكوستا ديل صول ولكن مشاالً شرقاً‬
                                                                 ‫مبوازاهتا، هذا ترمجته أنه ماضٍ حنو متاهة مضمونة ...‬
               ‫ق‬                                                            ‫ح‬
   ‫استوىل عليه شعور الكآبة والتو ّش والوحدانية وهو يرى البحر كله ضده، تراءت له زعنفة رهيبة تش ّ صفحة املاء،‬
                                     ‫د‬                                                          ‫ب‬       ‫أ‬
 ‫ُجفل وض ّ رجلَيه، دار حول نفسه، نظر وراءه وحوله، هلث مذعوراً، استر ّ أنفاسه وضبط أعصابه، فرك عينَيه وقال‬
   ‫لنفسه ... ال تبتئس، إهنا الطريق متاهات الطريق، قلق الرحيل، إنه اخلوف من املوت الذي مييز عن البهائم ويرفع حنو‬
‫الذكاء، سراب حيصل غالباً حني تنكسر أشعة الشمس يف اهلواء احلار، لتكن احلرية يف داخلك أقوى من األمواج حولك،‬
                                          ‫د‬
 ‫الغيالن موجودة فقط يف أخيلة الشعراء واألساطري، إسبح إسبح إذا مل تتق ّم إىل األمام فستتقدم إىل حتت، إركب املوجة‬
                              ‫ف‬
  ‫كيال تركبك، ال تقاتلها بالركون ألهنا ستعود وتلطمك، قاتلها بالسباحة لتفقد معناها، خ ّها تعوم ، كن خفيفاً كالفلينة‬
                             ‫ف‬                                        ‫ذ‬
    ‫ومرناً كالزيت، إياك والريبة، حني جت ّف فأنت لست واثقاً من النجاة ،أما حني تك ّ عن التجذيف فإنك متأكد من‬
                                                                                                            ‫الغرق...‬
                                                                                            ‫ل‬        ‫ل‬            ‫ذ‬
    ‫ج ّفَ بني التب ّد والتج ّد، بني األمل والقنوط، بني األقدام واألحجام، بني املشقة واخلطر، تراجعت املياه إىل الوراء،‬
                                                                                                     ‫د‬
  ‫تق ّمتْ من األمام، زحفت عن اليمني وعن اليسار، اقتربت الشمس من السمت، حترك بؤبؤاه يف سدميٍ يعمي األبصار،‬
‫سهوب شاسعة ومقفرة من الضجر األزرق، رأى نفسه رهني زرقتني، املدى والسدى، لفاق عمياء ال لفاق هلا، املسافة ال‬
   ‫تنقص وال تزيد وال مسافة البتة، األزرق وراءَه وال أمام، األزرق أمامه وال وراء، األزرق عن ميينه وال يسار، األزرق‬
    ‫حوله وال مالذ، حاصره األزرق من اخلارج فيما حاصره األسود من الداخل، وأحس أنه يف وضع السباحة يسبح يف‬
                 ‫ل‬               ‫ً‬
   ‫االجتاه اخلاطئ، يف وضع سكون هو يف املكان اخلاطئ، بدت مقاتلة األمواج ضربا من العبث واخت ّت هندسة الكون،‬
                          ‫ق‬
      ‫وفقد إحساس املسافة وأبعاد البريسبيكتيف، وذابت اللوينات كلها يف لون واحد... األزر ُ، رمز الدائرة والروح‬
‫والضياع واملوج املفترس والوهم الشرس واليأس العميق وعفاريت اجلن والغدر واإلغتيال واألبواب والشبابيك وحيطان‬
                                                                                                                    ‫551‬



                                    ‫ت‬                                                    ‫ح‬
‫احلمامات وغرف املص ّات النفسية، لون التوارق واحليتان واحلسد والعمق والتشّت والالهناية والتيه التلمودي، األزرق‬
                                                                                                 ‫ي‬
         ‫املطلق الكل ّ احلضور البحري السماوي اجلينز، األمثدي بني النيلي والبنفسجي، األزيرق، املزرق، الالزوردي،‬
‫التركوازي، الزافريي، ما بني الكحلي والليلي، الساطع الناصع الواسع اخلادع، عامي األبصار، لون التناقضات وفيه من‬
                              ‫ي‬                ‫ت‬                      ‫و‬
  ‫كل لون أسوأ ما فيه، من قال إنه لون السم ّ وهذه الزرقة تثري التوّر والعصبية والتشّؤ! من قال إنه يستدعي األحالم‬
       ‫اهلانئة وهذه الزرقة كابوس! أين لخر هذا كله وما هي إمكانية الصمود؟ وهذا العطش له شكل فاجعة وشيكة أو‬
                                                      ‫ق‬                      ‫ء‬                                    ‫ج‬
    ‫مؤ ّلة، وهذه امليتافيزيقيا الزرقاء زرقا ٌ أكثر من اللزوم، تسحِ ُ البدن وتبعثر الروحَ، وهذا الفراغ يُفرغ اإلرادة من‬
                                             ‫ر‬
   ‫إرادهتا، هذا البحر خزق كبري، خازوق، يفنت األخيلة من بعيد، من ت ّاس مقهى احلافة، ومن الداخل هو متاهة مرعبة،‬
                                                                                                               ‫د‬
      ‫استب ّت الروح االهنزامية، فار الدم يف حسرة تشبه الظمأ، اندلع يف دمه حنني الرحلة النهائية والرغبة املزمنه إياها،‬
 ‫وأرخى البيدون وتركه يبتعد متراً، مترين، ثالثة. انقلب على بطنه ناظراً حنو األسفل، رأى قلب البحر وما ينطوي عليه‬
       ‫من رعب: احليتان والسالحف واألفاعي والتنانني واألشباح والعماليق العور وأرواح الغرقى، بدت الدقائق العشر‬
         ‫ب‬
‫الفاصلة بني السطح والقاع أفظع من عشرين ميتة، انتزع نفسه من املاء، سبح حنو البيدون كرمية سهم وتشّث به، مثل‬
  ‫ذئب وقع يف كمني رفع عينَيه حنو أمل كاذب، مجحت رغبة النجاة قال لنفسه ... االنتحار بطولة جبانة، إسبح، إسبح،‬
      ‫ال متت، إفقئ عني املوت، احلياة حلوة حىت لو فتافيت، إنت شي مهم يف الكون، إنت كل شيء، فناؤك فناء احلياة‬
                 ‫َي‬                                      ‫مه‬                           ‫د‬                     ‫م‬
   ‫بر ّتها، أ ين إرادة التح ّي اليت كنت حتمس هبا الركب و ّة الشباب واألحالم العريضة والنصوص املغِّرة وجه العامل،‬
‫وروح املقاومة وكيمياء األشعار والشعارات والكليشيهات املعهودة واجلمل اجلاهزة ؟ أحسم أمرك يا رجل، أحسم أمرك‬
                   ‫ة‬                                       ‫ر‬
 ‫كرجل وانتصر على تناقضاتك، األبطال وحدهم يق ّرون مصريهم، قبيح قبيح أن تستسلم، ملعون ٌ هامة تنحين للموج،‬
         ‫م م‬                    ‫م‬                                                                    ‫ن‬
 ‫ملعو ٌ اجلبان، من صمد ساعات يصمد سويعات، من عرب البحر يعرب البحرية، من حت ّل صقيع الليل يتح ّل ح ّ النهار،‬
    ‫من يركب البحر ال خيشى من الغرقِ، رمبا متر معدية أو زورق صيد، إن مل تبلغ اليابسة فقد حتظى جبزيرة، رمبا ينساك‬
     ‫املوت أو تنسى أن متوت، اليأس جرمية، خطيئة،دناءة، إمسك سرحان عبموجود وال يليق بك العدم، الفراعنة لفرط‬
                                                                                                      ‫ن‬             ‫ل‬
       ‫تع ّقهم باحلياة حّطوا املوتى، العناد يهزم املسافات، العناد دائماً وأبداً، حمفوفاً بالعزم، عزم أويل العزم، وشيء من‬
        ‫ت‬        ‫ت‬
    ‫اإلرادة، إرادة احلياة، وبعض الصرب، صرب الرهبان، املستحيل ال يقيم إال يف أحالم العاجز، النجاة ال ُعطى وال ُؤخَذ‬
                                                                                                                ‫تَ‬
 ‫،ُنتزَع انتزاعاً، التجذيف يفتح ثغرة يف املدى، جيعل املستحيل ممكناً واملمكن متاحا، إيثاقا ليست وطنا بقدر ما هي إحبار‬
                                                              ‫ل‬                              ‫م‬
‫دائم، الرحيل أه ّ من الوصول وكيفية السفر ال يق ّ أمهية عن بلوغ اهلدف، النجاة حتتاج إىل حتدي والتحدي إىل إرادة،‬
    ‫إىل عزمية، إىل قوة جسدية. مصريك يف يديك، اإلنسان أذكى من احليوان ألن قدرته اخلالقة ارتبطت بذراعيه، املكان‬
                ‫ذ‬     ‫ذ‬
   ‫الذي تتطلع إليه أفضل بكثري من املكان الذي أنت فيه، النجاة تلتها صرب وتلتينها جتذيف، ج ّف، ج ّف باليدين، يد‬
                                                                                                         ‫د‬
                                                                                                   ‫وحدة ما جت ّفش....‬
                                                                                                                ‫651‬



          ‫ذ‬                              ‫ر‬             ‫م‬                       ‫ذ‬                         ‫ذ‬
     ‫ج ّف بقوة اليقني الساذج، وج ّف بعناد راهب يسوعي، هب ّة ال تفتر، ح ّك بدنه برمته يف محية األمل، ج ّف وهو‬
                                                                            ‫د‬
   ‫يشخص البوت بيبول مك ّسني على زورق مهترئ يصارعون األمواج، وهو يتخيل املستكشف هايردال خيوض أعايل‬
                                                                            ‫ذ‬
                              ‫البحار على منت طوافة بدائية، ج ّف وهو خيمم بسفرات سندباد السبعة وغرقاته السبع،‬
               ‫د‬           ‫و‬
     ‫وظهرت هالة سوداء حول حمجريه، اخنفض ضغطه وغشي على بصره بسبب امللوحة، تش ّش مسعه، خت ّرت أطرافه،‬
                                                                             ‫مس‬               ‫ر‬
‫وانسلخ جلده وتق ّح عند اجلفنَني، ّط بطنه من االحتكاك بالبيدون، استنفد الطاقة احلرِكة فاستنجد بالطاقة الكامنة يف‬
                                                   ‫ع‬
 ‫العضالت والدهون، وتغلب على التعب بالتعب، استهلكه وج ُ الظهر وارختاء املفاصل والصداع واملغص، انتفخ لسانه‬
                                                               ‫ت‬                  ‫ق‬              ‫ل‬
      ‫ووجهه وتص ّبت رقبته، وتش ّقت شفتاه يف ظمأ يفّت األكباد، قاس الزمان بالفرسخ، والفرسخ باإلهناك، واإلهناك‬
                    ‫ضل‬                                                               ‫ق‬
‫بالعطش، والعطش بتش ّق الشفتني وما فتئ جيذف ويشحذ عزميته ... تفاءل تشاءل ال تتشاءم، ِّل الظمأ، أرسم سبيالً‬
    ‫ذ‬
   ‫وسلسبيالً، الغليون املعقوف غرق مع مجلة الغرقى إذًا أرسم بإصبعك، أرسم نبعاً وجداول، أرسم بئراً ومناهل، ج ّف‬
         ‫ر‬               ‫ذ‬                        ‫و‬                  ‫و‬                       ‫س لو‬            ‫ك‬
 ‫وتو ّل، ال تتو ّل، ِّن بئرك باملاء العذب، ل ّن بالثلج دالئه، ل ّن باملزن مسائه، إسبح، ج ّف قاوم، أرسم ح ّية، أرسم‬
                                                                      ‫ف‬
         ‫حورية، هات قصيدة عن املاء كيال جي ّف العطش شفتيك، ما حجم تبارحيك أمام أوجاع العبيد املوسومني فوق‬
                                                                                                          ‫ر‬
  ‫احل ّاقات، ماذا تعين هذه السويعات إزاء عشرينعام تيه عوليس؟ إزاء األبدية السحيقة املنتظراك يف القاع السحيق؟ من‬
         ‫ر‬                                                ‫ق‬                                    ‫م‬              ‫م‬
     ‫حت ّل األصحار يتح ّل اإلحبار، من قطع الستة أودية لن يش ّ عليه الوادي السابع، املكابدة مؤملة وضرورية وحم ّرَة،‬
                                                                      ‫ك‬                                    ‫د‬
 ‫استعدا ٌ للحياة، هي احلياة عينها، احملنة حم ّ النفوس الكبرية. مثة أحزان تعاجل باملسافات والكلمات والزطلة والسياحة،‬
    ‫ر‬
 ‫وهذا احلزن ال عالج له إال السباحة، اشتدي أزمة تنفرجي، ستصل إنشاهلل سيشاء اهلل ذلك، هو الذي بعث لك مه ّبني‬
                                            ‫خ جذ د‬
     ‫توارق يف تنزروفت حتماً سيبعث لك قراصنة أو طري ر ّ، ِّف حل ّ ما ربك يقضي باألمر، ولال أقولك بالش رب‬
         ‫ن‬                               ‫ك‬          ‫ت‬                                     ‫خ‬
‫وبتنجان وقرنبيط ور ّ، إسبح باألحرى وال تنزلق يف بازار اإلّكال والتو ّل، إعتمد على ذراعيك ال على اجل ّ نار منقذ‬
  ‫غرقى السبع حبار، دع الغيب لألغبياء والقدر للعجزة، أفرض نفسك على البحر وعلى القدر وعلى أنف القدر، إسبح‬
   ‫وحسب وال حت لم مبعجزات وخوارق، اهلل فوق فوق يف سابع مسا وإسبانيا بعيدة بعيدة يف لخر البحر، أنت وحدك، له‬
 ‫ق‬                                                   ‫ب‬                      ‫ي‬
‫كم أنت وحدك! إنت السفينة والرّس والنويت، إنت إنت، ر ّ األرباب ال شريك لك وال سواك، األقنوم الوحيد املتب ّي‬
                                          ‫ل‬                            ‫ّ‬            ‫ن‬
     ‫من الثالوث املدّس، العراقي فر من السرب، والغجري باألمس ض ّ السرب، التجذيف هو لخر طريقة للجدل مع‬
                                                                      ‫رب‬
‫البحر، واهم مث واهم لو ظننت أنك بالغ ال ّ بغريه، وقرائن احلال تؤذن بقرب اليابس، لعلها يف جمالك البصري وال تراها‬
   ‫بسبب غشاوة امللوحة على عينيك، ساعات معدودات، فشختني، إسبانيا قريبة وال سيما أنك رأيتها بعينك من مقهى‬
                                                                                                              ‫ف‬
                                                                                                         ‫احلا ّة....‬
            ‫ك‬                ‫ف‬            ‫ذ‬                   ‫ذ‬                                       ‫د‬
    ‫تق ّم كالسلحفاة بطيئاً وعنيداً ومثابراً، ج ّف يف مارش عسكري ،ج ّف دون أن يك ّ عن التفكري، وف ّر دون أن‬
                                                           ‫ب‬     ‫ر‬
    ‫يتواىن عن التجذيف، وامتأل الرأس بالصور فح ّك السّابة يف الفراغ، رسم غرقى امليدوزا: دزينة ناجني على عارضة‬
 ‫ر‬                          ‫ل‬                                                        ‫و‬
‫خشبية يعلوها شراع مرجتل يل ّحون خبرقة لسفينة بعيدة، واملوج عاتياً حوهلم وداكناً يتخ ّله شعاع نور، رسم نبتون حي ّك‬
                                                                                                                   ‫751‬



       ‫ح‬                                 ‫د‬
   ‫املذراة ويثري األنواء، وهريميس ينقذهم من األنواء، مث حمى كل ما رسم، ع ّ على أفتار أصابعه يف سفسطة املتو ّد مع‬
                        ‫ل‬        ‫ل‬
   ‫ذاته... ال تدع رأسك يهوي يف فراغ، الطبيعة متقت الفراغ، والفراغ يفضي إىل التب ّد، التب ّد توطئة للغرق، كل هذه‬
                                              ‫ر‬                  ‫َز َز‬                        ‫ط‬
‫أمور تستحق أن ين ّ عنها الفكر الثاقب، ح ّرْ ف ّرْ، ملاذا جنا احل ّاق الصعيدي من الغرق؟ قال أرسطو ألنه لوح صعيدي،‬
                                                           ‫ف‬
          ‫قال داروين ألن البقاء لألفضل، قال أرمخيدس ألنه أخ ّ من املاء، قال باسكال ألنه شيء مهم يف العدم، وقال‬
                                                               ‫م‬                                 ‫ذ‬
        ‫ديكارتيس أنا أج ّف إذاً أنا موجود، ملاذا تغطس الر ّانة وتعوم البيضة؟ ملاذا يطوف طائر اجلاكانا وتغرق القطة؟‬
                                                                        ‫و‬
       ‫صارت الشمس عن يساره، سبح بق ّة األمل، وسبح وهو يفتح أضابري حياته : هفوات وتفاهات وأخطاء وخطايا‬
                                                                                                 ‫ن‬
‫وخيانات ظّها منسية فإذا هبا مطوية. صعدت إىل الرأس العلقة الوسخة يف مقهى "وادي النيل" يف ميدان "التحرير" حيث‬
                                                                                      ‫خ‬
     ‫كان يلجأ يف رمضان يد ّن شيشة مع مجلة األقباط والسودانيني والنوبيني املفطرين، باغته الصالعمة فسلخوا جلده‬
               ‫ك‬                               ‫ر‬              ‫ر‬               ‫ذ‬                  ‫د‬
       ‫بالنبابيت، ج ّف على اهلل وهو جي ّف بذراعيه ، حت ّكت املواجع وح ّكت الغدد الصماء واألدرنالني، ف ّر حبادثة‬
                                                               ‫م‬
 ‫الكميون اللييب الذي نقله من القاهرة إىل طربق مع ع ّال التراحيل، ودلقهم السائق من احلاوية القالبة دلقاً، كنس املاء‬
        ‫ق‬                                                 ‫و‬
      ‫حبقد املوتور، حبافز الضغينة اليت تنخر قلوب املغلوبني، ح ّل الرغبة الصعيدية يف الثأر إىل سباحة طوربيدية، ف ّست‬
                                   ‫ض‬                                                       ‫ت‬
      ‫الثعابني يف رأسه فتوّرت للة اجلسد، استولد األفكار يف محى خالقة، املاضي املم ّ الذي ال يريد أن ميضي، واآليت‬
     ‫السعيد الذي مل يأتِ واحلاضر الذي خيبث اخلاطر، وجتليات اليأس وأطيافه : البحر واللون األزرق والغرق واحلوت‬
‫والغيالن ونبتون، مث رجع خياله إىل أشخاص وحمطات الرحلة الطويلة : متبكتو والكراكر وأروان وتاودين واملناجم، خيانة‬
                                                         ‫ق‬                                        ‫ص‬
  ‫حامت، تن ّل الطاهر، استغالل سيدللي، العلقة مع الص ّارين، املهربون بتنزروفت وهم يستحلون حمتويات املتسوبيشي،‬
                                  ‫ش‬                                                                       ‫ر‬
‫خ ّوبة ومدحية والال سليمة وهن يضعن أيديهن على كل ما مل يأخده التوارق، الب ّاريون ومها يستولون على ما مل تأخذه‬
                                              ‫امحر‬           ‫ي‬      ‫ي‬
    ‫املومسات، الصعلوك إدريس، الرّس املزّف عبمالك، مث َّت خداه من اخلجل واحنصر فكره يف شخص واحد...‬
‫وعمك عصري! رفيق الليايل الصعبة واملشاوير الطويلة، أخوك الذي مل تلده أمك، الصديق الصدوق الذي سار جنبك يف‬
                                                                                    ‫ر‬
  ‫املسالك واملهالك، كان فلتة ال تتك ّر وال يقاس عليها، كان أنانياً أبيقورياً وانتهازياً، زمرته الدموية تأخذ من الكل وال‬
                        ‫ل‬                           ‫ل‬                   ‫ي‬
      ‫تعطي إال زمرهتا، لكنه يف خضم الرحلة تغّر، غريته الطريق، ع ّم عبور الصحراء حياته كما ع ّم عبور سيناء تاريخ‬
  ‫اليهود، كان يسرح يف األوهام والبلطجة ويزعم أنه من الساحل السوري، يسمع نباح كالب قربص، يطبخ الطيور يف‬
                                  ‫ن‬                                  ‫ً‬          ‫مل‬
‫الربنيطة فال حتترق، كان مهشرياً ّاحاً أملعيا من تلك السالالت املنقرضة اليت تتغّى هبا متاحف اجلبسولوجيا، وكان وكان‬
  ‫وكان مث انتهى وصار يف خرب كان، يا هل ترى ملاذا حني ميوت املرء تكتمل حياته ويرتبط ذكره بالفعل املاضي الناقص؟‬
 ‫من هو اإلنسان ليستحق هذا املصري الغاشم والزوال ؟ حياته مل تكن ككل احليوات وهنايته ليست ككل النهايات، الدنيا‬
                                                                                                            ‫ن‬
   ‫ضّت عليه ببيت من طني ووطن مقيم واملوت استكثر عليه قرباً ثابتاً، عاش جمهوالً ومات جمهوالً، أروام طنجة يدفنون‬
  ‫غ‬
 ‫الكالب يف قبور من رخام وهو البحر قربه واملاء كفنه، لكنما ليس الوقت وقت نواح، موت األموات ال جيب أن ين ّص‬
                ‫د‬                              ‫ط‬                              ‫ب‬         ‫ر‬
   ‫حياة األحياء، عندما تطأ ب ّ النجاة دّر له جنازاً وضرحياً، ماذا ستخ ّ على الشاهد؟ اغتاله البحر الغ ّار يوم 61/ 7/‬
                                                                                                                ‫851‬



                                               ‫ً‬
  ‫3002، أي مرثية تليق برحيله؟ قرب الغريب سقاك الرائح الغادي حقا ظفرت بأشالء أيب ميالدِ. أْنكِل شعبوال ال زلت‬
                                                                         ‫ب‬                            ‫س‬
    ‫أح ّ مبزحاتك املخملية، ال أحد يعّي مطرحك وقد أمعنت يف نقصاننا، امسك حمفور يف القلب، سي يو إن بارادايز،‬
      ‫(خانته عيناه يف إسقاط الدموع) ، اللحظة حرجة وال حتتمل رخاوة، ومثلك ال تليق به الدموع، إنسَاه تناساه، ولو‬
                                                         ‫ت‬
 ‫انقلبت األدوار فهل تظن أنه كان سيزعل عليك! حّة عجوز نزق متصايب مستهتر مات شيخاً بعدما شبع حياة، كل ما‬
               ‫ج‬                                            ‫َح‬
    ‫بوسعك أن تفعله هو أن تكتب قصة حياته كما أل َّ عليك، أكتبها بعدما تنجو، ولكنما قبل ذلك أن ُ بنفسك، أنت‬
                  ‫ت‬
‫املهم، أنت األهم، أنت ومن بعدك الطوفان، الشباب بوابة احلياة املنفتحة على الالهناية، سنوا ُ عمرك ناقص 33 تسوى‬
                                           ‫أعمار الغجر مضروبة بـ66، لكنما جتتك لو غرقت هتكون كجثته.....‬
                                         ‫ت‬
     ‫أمعن يف التجذيف بغريزة احلفاظ على النوع، وحبكم العادة والتكرار، حّى ال يالقي مصري املرحوم، فقد اإلحساس‬
                                                                                                ‫ل‬
‫بالوقت، اخت ّت حواسه وتالشى الوقت يف املسافة، واملسافة يف املسافات، ظللته غيمة عابرة بالظل والنعاس، فترت مهته‬
   ‫ط‬                                                                                               ‫د‬
  ‫وخت ّرت حواسه، تباطئ تراخى وأرخى ذراعيه، تثاءب وراوح مكانه حلظة يستمرئ راحة ما بعد التعب الشديد، مت ّى‬
 ‫تثاقل رأسه وارتسمت غشاوة أمام عينَيه فأسبل رموشه، انقلبت األمواه بغمضة عني إىل غمامة رمادية بشكل دالية دانية‬
                                         ‫ب ق‬
     ‫القطوف، تأرجح يف الفضاء مندفعاً حنو عنقود عنب فتطايرت احلّات ف ّاعات صابون، وانقلب حبال األرجوحة إىل‬
                  ‫ر‬                                                ‫ك‬                                    ‫ح‬
   ‫جنا َني، انزلق يف مهاوي العقل الباطن، تش ّلت الغيمة بشكل امرأة سرابية، انصرم بينهما حبل س ّة يف عامل رغبات‬
                          ‫ر‬     ‫ر‬                                    ‫ب‬
  ‫سرادييب منغلق على نفسه، استفحلت احملّة إىل حب، أخذ احلنان شكل احلنني، مس ّات س ّية وأحالم ختالف الناموس،‬
                                                                                       ‫ر‬
‫عاشق ومعشوق جم ّدان من زيف الفضيلة ومن الكارما اخلبيثة، نصفان ضائعان يسعيان لاللتحام على صهوة بساط ريح،‬
       ‫م‬                                  ‫و‬                                    ‫ر‬
    ‫نعيم مفقود ومسترجع بال تابو وال حم ّم وال لغة وال لغو، احلياة قبل أن تل ّثها األخالق مبحظوراهتا وقبل أن تس ّمها‬
‫األديان بآهلتها، مشاعية بدائية ما قبل اخلطيئة األصلية. لوى الطائر األعمى إىل وكره حيث كان قبل أن يسقط حنو احلياة‬
         ‫ط ط‬                                                  ‫ر‬
      ‫والقلق والعطب الوالدي، أرضعته هندين ماحلني مب ّ الصرب فتسرب الظمأ إىل شفتيه، أحس بأحشائه تتق ّع، ن ّ من‬
                                                  ‫ر‬                                 ‫ل‬
  ‫النافذة رفرف جبناحيه وطار وح ّق يف حالة انعدام الوزن، غافل احل ّاس على أبواب املدينة وجنح ال باجتاة النيل بل حنو‬
     ‫الصحراء الغربية مث جاب اجملابة الكربى، ملعت حتت الشمس احلارقة هياكل عظمية، مجاجم وأحقاف وعظام سواعد‬
                                                            ‫م‬
‫وأخفاف وأسنان ونواجذ وسنامات ورميم قوافل حم ّلة بالترب وريش النعام، عبأ جيوبه مبصكوكات ذهبية برسم السلطان‬
                                     ‫س‬
   ‫املغريب أمحد املنصور الذهيب مث انتبه إىل أن الذهب لن يروي عطشه فقايض ال ّقا على شربة ماء بستني وزنة ذهب، مث‬
       ‫بطح بعرياً ثبت العصا بني فكيه ليستخرج بقايا ماء من كرشه فلم خيرج إال زبد الرغوة واملرارة، اقتربت الشمس‬
                                             ‫ُ‬                                       ‫ب‬
‫وكادت تالمس اجلباه وتّخر املاء يف هنر النيجر، نشف املاء يف القرَب ونضب يف احلسيان وأودية السيل، ويبست عروقه‬
                                                     ‫ص‬           ‫ص‬                                    ‫و‬
      ‫فتب ّل يف راحة يده وبلل شفتيه، قبل ان يق ّ وريده ليم ّ دمه، أقبلت عارضة أزياء جزايرية متنكرة بزي مومس‬
                                                      ‫وأسعفته بكأس من الالقمي خملوطاً مبلح تاودين "إشرب يا محام"‬
                                                                                                                  ‫951‬



                          ‫و‬
   ‫شرب فشعر بشيء ماحل ثقيل يتسلل إىل بطنه. فتح عينيه نصف فتحة، رأى الرمال تتح ّل إىل أمواج، والشمس وقد‬
                                                               ‫ر‬
   ‫غارت يف القوس الغريب مقدار قامة خنلة، م ّت حلظة طويلة قبل أن يدرك بأنه سرق نصف ساعة نعاس على البيدون،‬
                                                                ‫ت‬
     ‫ظهرت غيوم حقيقية تتكاثف إىل رمادية أو تتشّت يف أشكال عشوائية بيضاء، مثة غيمة داكنة تشبه فوهة بركان ال‬
    ‫و‬                                                                                       ‫د‬          ‫ر‬
‫تتح ّك وال تتب ّل كثافتها. مثة نورس يطري على علو منخفض ويف منقاره مسكة تلعبط، ويف مثل ما ترمش العني حت ّل من‬
        ‫ذ‬             ‫د‬                                                       ‫م‬
 ‫كائنٍ جامد إىل كينونة مدهل ّة بسلوى محيمة ....يا هل ترى دي حقيقة وال وهم مجيل! أيص ّق عقله أم يك ّب بصره!‬
‫لعل حواسه ختدعه يف أسربة كاألشباح املتقاطعة مع خوفه! كاملرأة املتقاطعة مع منامه، هل اللحظة الراهنة جزء من احللم‬
                                                                                                 ‫د‬
   ‫أم امتدا ٌ لكابوس سقطة البحر املمتد من عشر ساعات؟ ما نسبة يقظته من منامه؟ ومنامه من كابوسه؟ هل مثة سفينة‬
                                                                                    ‫يطري يف أثرها الطائر امليمون؟ ...‬
                                                                        ‫س‬
‫انتزع بدنه من املاء بكل ما أويت من ح ّ وعرفان وشاعرية، ورفع رأسه حنو الطري فرأى أفقَ اخلالص وختومَ البحر تنتهى‬
                                                                ‫ن‬                                   ‫م‬
  ‫عند ق ّة جبل. عادت الروح إىل املومياء احملّطة، أخذ الدماغ يطن يطن يف الرأس املتصدع، والقلب الطري خيفق أشد‬
                   ‫ر‬
‫أشد يف اجلسد املنهوك، ظهرت بالد دون كيخوته برموزها الوجيهة، مراوح هوائية زعانفها تتح ّك وبريقها خيطف سواد‬
           ‫ُّ‬                                 ‫ة‬
        ‫القلب، فنجر عينيه بنظرة ختتزل كل جحيم اإلنتظار، أخذته رعش ُ زلزال تسعة رخيتر أعىت من رعشات السكْر‬
                                              ‫ل‬                             ‫وامحر‬
  ‫واالنتعاظ والفرتيكة والشعر، َّ بدنه كجلد دجاجة منتوفة، وتغ ّغلت السعادة إىل عينيه ورموشها وأهداهبا، خنرت‬
                                                                                                ‫ر‬
        ‫العظم، تس ّبت إىل رؤوس األصابع وحتت األظافر، تكاثفت يف قبضتيه فخبط البيدون... مساء اخلري أيها الفجر‬
      ‫الصادق، مرحى مرحى بندر السالمة، جبل لراراتو، أحبك أيتها احلياة أنت خياري النهائي، يا فرحة أمك بيك يا‬
                                                                     ‫ْ َي‬                               ‫د‬
                        ‫صعيدي، أ ّيين عمر وارميين بالبحر، صبانية قرَّبة باهبا يف اإليد، شوقي ليها كل ساعة يزيد....‬
 ‫أتت الطمأنينة يف ميعادها ويف ذروة القلق، استمرأ الدوخة اللذيذة ونشوة العمل البطويل، أخذته نوازع احلياة فخبط يف‬
                                                                              ‫ر‬
‫املاء، مل يعد ينظر إىل الشمس املتح ّكة فوقه وعن جنبيه فاجلبال ثابتة أمامه: بوصلة أمان. عاين أقرب نقطة يف الرب وسبح‬
                                                                                        ‫د‬
   ‫باجتاهها بتصميم ع ّاء ماراتوين، بدت حلظة السقوط أطول من شهر الصوم، وإسبانيا كالنجوم قريبة وبعيدة، ومسافة‬
                                                   ‫س‬
    ‫امليلني الباقيني كأهنا سنتني ضوئيتني أو فشختني، ثقيلة وخفيفة كال ّر بني اثنني، بطيئة وسريعة، كالدلو بني قاع البئر‬
                                                                        ‫س‬                        ‫ز‬
   ‫والعطشان، ج ّء امليلَني إىل جزئني وق ّم امليل الواحد إىل عشرة أقسام، وكل قسم إىل 581 متراً، اعترب كل خبطتَي‬
           ‫ت‬                                                                              ‫د‬
 ‫ذراع متراً، دخل يف ع ّ تصاعدي حنو املئة، حنو األلف، ألف ثانية فثالثة حنو العشرة لالف. وما فتئ الرب يّضح، والبحر‬
          ‫ر‬                                                           ‫د‬                                     ‫ت‬
   ‫يّسع خلفه ويضيق أمامه، ولون املياه يتب ّل من أزرق غامق إىل فاتح داللةً على ضحالة العمق، األزرق خيض ّ، املدى‬
                                                                       ‫ت‬                     ‫ر‬
     ‫املستوي يتض ّس، اآلفاق العمياء تتفّق عن لفاق مبصرة، واجلبال تقترب وتعرض وترتفع ويلمع سوادها، واملراوح‬
                      ‫ر‬                          ‫م‬                       ‫ز‬                   ‫م ي‬
‫اهلوائية يف الق ّة حتّي عناده، والعطش مي ّق األوردة والشرايني وص ّامات القلب، والذراعان يتح ّكان إىل األمام بانتظام‬
                                 ‫ك‬       ‫ك‬       ‫ت‬                    ‫ر أن‬
   ‫سنكرونيكي "وَحْ تْنيْن وَحْ تْنِني". جم ّد َّة بسيطة تفلت من الرئَني وتت ّ مثل ت ّات عقرب الثواين سريعة ومنتظمة،‬
          ‫ب‬
   ‫كل تكة حتصي خطوة حنو الرب، مسع صوت ارتطام املوج على الصخور، شم نفحات صنوبر لتية من بعيد، شّط بيديه‬
                                                                                                                  ‫061‬



                                                  ‫ت‬
   ‫برجليه، بصدره، صار البحر بركة صغرية أمام ذراعيه املتوّرين، شرع يهزج ويضحك ويصرخ وخيبط تارة يده باملاء‬
                                                 ‫وتارة على البيدون يف ابتهالٍ غوسبلي ورقص أدغال كزنوج الباترية :‬
                           ‫حمال القصايد يف الشدايد والغنا، حمال كالم احلب أوقات الشقا‬
                             ‫أه يا رفاقة من متاهات الطريق، ملا الليايل بيختنق فيها القمر‬
                                          ‫والسكة بنت اخلطوتني تاخد سنة‬
                                        ‫ل‬
                                    ‫يف كل يوم بنزور مكان، وكل يوم بنق ّ عدد‬
                                     ‫وكل يوم نفتح بيبان، وكل يوم بنزيل سدد‬
                                      ‫وكل يوم حنبل غنا، وكل يوم نولد مدد.‬
                                                                                                        ‫ذ‬
‫ج ّف أيها احللزون العنيد، هيا يا عوض أبو دراعني، أنت ترى الرب ولكنك لست يف الرب، املوت وراءك والنجاة أمامك،‬
 ‫األندلس ليست هي اليت خسرناها لكنما تلك اليت سنكسبها، كونكيستا ريكونكيستا ريريكونكيستا، كن فاحتاً كطارق‬
‫ال مفتوحاً كأيب عبد اهلل الصغري، كن فاعالً كالطري ال مفعوالً به كالريشة، إسبح دوغري يا كابنت نوح، وال خيار وال بد‬
                                                                         ‫د‬
   ‫وال بديل، الرجال مل خيلقوا للهزمية، ش ّ حيلك يا شاعر النهود والقدود واجلوارب املهترئة، هذه املعجزة البحرية هي‬
            ‫َي‬                                                              ‫ط‬
‫أروع قصائدك، البطولة ملحمة خ ّية يصنعها البطل الواحد، كن كهمنغواي يف "العجوز والبحر" ال كالسَّاب يف "النهر‬
                                            ‫ص‬                                        ‫سي‬               ‫ش‬
   ‫واملوت" كن متق ّفاً كالطلح وال ّّال، كن برمائياً، إسبارطياً، القلعة احمل ّنة قريباً ما تسقط يف يد الربابرة، إنك على‬
    ‫ط‬                                                        ‫د‬
    ‫وشك، على اخلط احلاسم من مصريك كله، على احل ّ الفاصل بني الردى واملعاد، وبني احلقارة واحلضارة، على خ ّ‬
 ‫التماس بني نون اجلماعة القطيعية واألنا الفردية، بني حضارة احلرملك وحرملك احلضارة، على قاب قوسني أو أدىن من‬
                      ‫قطوع األودية السبعة، على عتبة أعتاب السيمورغ العلية، احملطة األخرية يف األصحار واألحبار...‬
                                                                      ‫ّ‬
‫أطلق سراح جسده أطلق العنان لذراعيه، شق املاء حبماسة وعدوانية يف اندفاعة إيروسية، يف شوق املسافات إىل التخوم،‬
                                            ‫و‬
‫استشرست ذئاب الروح الكاسرة باطراد يتناسب مع اقتراب الرب، د ّخته سكرة النصر والفتح املبني وإحساس أنه يفتح‬
                  ‫ف‬                                               ‫ر‬
    ‫العامل بأسره وكل نساء الدنيا، انكشف ب ّ موحش ال قارب وال مرسى، جون خطر عسري املنال حت ّه شعب مرجانية،‬
                                                        ‫ت‬
    ‫تشرف عليه عواميد كهرباء ضخمة تصل بينها خطوط التوّر العايل، رأى األمواج العنيفة تلطم الصخور بقوة فتقدم‬
                                 ‫ر‬                                                       ‫ط‬              ‫د‬        ‫ذ‬
                      ‫حب ّر، استر ّ أنفاسه املتق ّعة، رتل القصيدة الوحيدة اليت حيفظها غيباً من قصائد الك ّاس الغارق :‬
                                                                                ‫متن‬
  ‫"عندما تتهيأ للرحيل إىل إيثاقا َّ أن يكون الدرب طويالً حافالً باملغامرات وباملعرفة/ ليكن املقصد يف روحك دائماً/‬
                                                                        ‫ج‬
‫ليكن الوصول إليه قدرك/ لكن ال تتع ّل انتهاء الرحلة/ األفضل أن تدوم سنوات طويلة/ وأن تكون شيخاً حني تبلغها /‬
   ‫ثرياً مبا كسبته يف الطريق/ إيثاقا منحتك الرحلة الطويلة/ لوالها ما كنت شددت الرحال/ وليس لديها ما متنحك إياه‬
                    ‫ل‬                                                                             ‫ت‬
   ‫أكثر/ حّى وإن بدت لك فقرية فإهنا مل ختدعك/ وما دمت قد صرت حكيماً حائزاً هذه اخلربة ك ّها فال ريب أنك قد‬
                                                                                           ‫فهمت ما تعنيه اإليثاقات".‬
                                                                                                                  ‫161‬



 ‫ع‬           ‫ن‬                                          ‫د‬       ‫ي ف‬                       ‫ه ء‬
‫عاود ُ الرثا ُ للغجري بيد أن هذا مل ُخ ّف من ح ّة جتذيفه، كفكف دمعة شعشعت يف انكسارات العيَني وأخرى ش ّت‬
                               ‫د‬
 ‫يف فرحة العينَني، مل ينبع الشعور باالنعتاق فقط من كون إيثاقا تقترب بل ألن الطريق املؤ ّية إليها كانت حمفوفة باألنانية‬
     ‫واملخاطر واليأس واجلثث واإلحباط واخلداع، احتضن البيدون حبنان مثل كانغورو صغري، زفر وهو خيوض يف امليل‬
                                                               ‫األخري: "ما شفتك يا نور