أثر الحضارة الإسلامية في حياة البشرية

Document Sample
أثر الحضارة الإسلامية في حياة البشرية Powered By Docstoc
					     ‫أثر الحضارة اإلسالمية في‬
           ‫حياة البشرية‬
                                           ‫أثر الحضارة اإلسالمية في حياة البشرية‬
                      ‫ً‬
 ‫هذه الحضارة العظيمة التي تحدثنا عنها لم يكن أثرها مقتصرا على العالم اإلسالمي‬
       ‫وحده بل مدت أشعاعها إلى العالم كله يومئذ ، وتأثرت بها أوربا بصفة خاصة‬
   ‫فكانت هي المصدر الحقيقي الذي استمدت منه أوربا الحديثة نهضتها ، وأن كانت‬
        ‫في تأثيرها قد أبت أن تأخذ الركيزة الرئيسية فيها وهي اإلسالم ذاته ، عقيدة‬
 ‫وشريعة لذلك جاء تأثيرها نافعا غير متكامل وأثرت فيه انحرافات الجاهلية الحديثة‬
    ‫فوجهته إلى غير وجهته السليمة فقد أخذت أوربا العلوم اإلسالمية كلها من طب‬
  ‫وفلك وفيزياء و كيمياء ورياضيات . . الخ ، ولكنها لم تأخذ الروح اإلسالمية التي‬
‫تجعل العلم ينمو في ظل العقيدة فال يتجه إلى الشر والتدمير وإفساد األخالق وأخذت‬
   ‫فكرة " األمة " من احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية ولكنها طبقتها في‬
‫نطاق القومية على أساسها اإلسالمي الشامل . وأخذت عن المسلمين احترام المرأة‬
                              ‫ولكنها لم تلتزم بأخالقيات الجنس اإلسالمية ..وهكذا .‬
   ‫• وبعنينا هنا على أي حال أن نشبت بعض آثار الحضارة اإلسالمية في حياة‬
    ‫البشرية عامة وأوروبا خاصة ، بصرف النظر عما أصاب هذه اآلثار عند‬
 ‫النقل من انحرافات ليس اإلسالم هو المسئول عنها ، إنما المسئول عنها هم‬
                                                           ‫الذين حرفوها .‬
                                                                 ‫• في العلم :‬
     ‫بدأت أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميالدي على وجه التقريب ترسل مبعوثها‬
    ‫لتلقي العلوم في مدارس المسلمين القريبة منها : في األندلس والشمال اإلفريقي‬
    ‫وجنوب ايطاليا ، وتعلم هؤالء المبعوثون اللغة العربية وراحوا يترجمون التراث‬
‫اإلسالمي العلمي كله إلى لغاتهم . ومن هذه الترجمات بدأت الحركة العلمية األوربية‬
     ‫المعروفة بحركة أحياء العلوم ، وكانت كتب الطب اإلسالمية تدرس في جامعات‬
      ‫أوربا حتى القرن السادس عشر ، وكتب الحسن ابن الهيثم في البصريات حتى‬
 ‫القرن التاسع عشر . وكانت كتب اللغة العربية هي لغة الثقافة العالمية ، حتى قال (‬
       ‫روجر بيكون ) الذي نقل المنهج التجريبي إلى أوربا أن تعلم اللغة العربية هو‬
 ‫الطريق الوحيد للمعرفة الحقة ، وكان األوروبيون المتعلمون في مدارس المسلمين‬
            ‫ا‬
   ‫يتباهون بمعرفتهم للغة العربية حتى أن الكنيسة انزعجت انزعاجا شديدً من هذه‬
‫الظاهرة وهددت أولئك المتعلمين بالطرد من رحمة الكنيسة إذا لم يكفوا عن التحدث‬
                                                                         ‫بالعربية .‬
                                                               ‫(ب) في االجتماع :‬
                                     ‫ً‬     ‫ا‬
    ‫حين احتكت أوربا بالعالم اإلسالمي احتكاك ً دمويا عنيفا في الحروب الصليبية كان‬
                       ‫لهذا االحتكاك آثار اجتماعية بعيدة المدى في الحياة األوروبية .‬
                                                          ‫ً‬     ‫ً‬
     ‫فقد رأوا عالما مغايرا تماما لعالمهم ، تحكمه شريعة واحدة تطبق بنفس الصورة‬
                              ‫ً‬
        ‫في كل مكان وتربطه األخوة ، ويعيش الناس فيه أحرارا يملكون حرية الحركة‬
       ‫والتنقل وحرية العمل وحرية التجارة والصناعة وحرية التعلم . . وكان ذلك كله‬
          ‫غريبا على حسهم وهم يعيشون في ظل نظام اإلقطاع ، حيث كل أمير مستقل‬
   ‫بإقطاعيته ، وهو الحر الوحيد فيها ، وبقية الناس عبيد لألرض أو عبيد السيد ، ال‬
‫يملكون حتى االنتقال حتى من إقطاعية إلى أخرى ، وال يملكون حق اختيار العمل إذ‬
        ‫ال عمل لهم إال خدمة السيد في أرضه ، وال قانون لهم وال شريعة إال ما يفرض‬
     ‫عليهم السيد ، الذي تتمثل فيه في آن واحد السلطة التشريعية والسلطة القضائية‬
    ‫والسلطة التنفيذية . . فلما رجع األوروبيون إلى بالدهم بعد هذا االحتكار حنوا إلى‬
        ‫تقليد ما رأوه في العالم اإلسالمي من مظاهر التحرر والوحدة في ذات الوقت ،‬
‫فأخذوا رويدا يثورون على اإلقطاع ويسعون إلى تحطيمه ، ويسعون إلى تكوين أمة‬‫ً‬
‫واحدة بدال من اإلقطاعيات المستقلة بعضها عن بعض ، فانتهت حركتهم إلى تكوين‬
   ‫أمم شتى على أساس القومية ألنهم عجزوا ـ بغير عقيدة ربانية ـ عن تحقيق األمة‬
                                                          ‫الواحدة بمعناها اإلسالمي .‬
                     ‫ا‬
  ‫وكذلك قامت حركة الفروسية الشهيرة في العصور الوسطى تقليدً لصورة الفارس‬
 ‫المسلم المتخلق بأخالق اإلسالم ، فقامت جماعات من الفرسان نذرت نفسها للنجدة‬
      ‫وإغاثة الضعيف والمحتاج ونصرة المظلوم والقتال في سبيل الشرف والواجب ،‬
     ‫وكان من أبرز سماتها احترام النساء والعمل على رفع الظلم عنهن . . وتلك كلها‬
 ‫ً ا‬
 ‫أخالقيات المقاتل المسلم الذي التقوا به في الحروب الصليبية وتأثروا به تأثرا بالغ ً‬
                   ‫رغم عداوة الحرب الضارية التي استمرت قرابة قرنين من الزمان .‬
    ‫ً ً‬
    ‫كذلك تأثرت أوربا بالتشريع اإلسالمي في أكثر من صورة ففرنسا أخذت كثيرا جدا‬
     ‫من المذهب المالكي ـ الذي كان واسع االنتشار في الشمال اإلفريقية ـ وما ضاعت‬
                                                              ‫ً‬
 ‫قانونها المدني مستمدا في الحقيقة من ذلك المذهب ، كما إن البدرة األولى للقانون‬
          ‫الدولي مستمدة في حقيقتها من اإلسالم حيث يقرر وجود دار إسالم هي التي‬
‫تحكمها شريعة اهلل ، ودار حرب هي التي ال تحكمها شريعة اهلل ، ثم يقرر كيف تقوم‬
     ‫عالقات قانونية بين دار اإلسالم ودار الحرب وال يترك األمر فوضى بغير تنظيم .‬
                                                                      ‫(ج) في الدين :‬
     ‫تأثرت المسيحية بالعقيدة اإلسالمية ـ رغم العداء الصليبي ـ تأثرات شتى جاء في‬
                                                                ‫كتاب ضحى اإلسالم .‬
   ‫"ظهر بين النصارى نزعاب يظهر فيها أثر اإلسالم ، من ذلك انه في القرن الثامن‬
     ‫الميالدي ـ أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ـ ظهرت في سبتمانيا مقاطعة‬
     ‫فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر المتوسط " حركة تدعو إلى‬
‫إنكار االعتراف أمام القسس وأن ليس للقسس حق في ذلك وأن يضرع اإلنسان إلى‬
 ‫اهلل وحده في غفران ما ارتكب من أثم . واإلسالم ليس له قسيسون ورهبان وأحبار‬
                                                 ‫، فطبيعي ال يكون فيه اعتراف . . .‬
‫" وكذلك قامت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية ، ذلك أنه في القرن‬
 ‫الثامن والتاسع للميالد ـ أي في القرن الثالث والرابع الهجري ظهر مذهب نصراني‬
  ‫يرفض تقديس الصور والتماثيل . فقد أصدر اإلمبراطور الروماني " ليو الثالث "‬
  ‫أمرا سنة 726م يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل وأمر آخر في سنة 736م يعد‬
                 ‫اآلتيان بهذا وثنية . وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع . . .‬
‫" وكذلك وجدت طائفة من النصارى شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية‬
                                                       ‫وأنكرت ألوهية المسيح " .‬
‫وهذا كله غير التأثيرات األخرى في فن المعمار وفي األدب والشعر ، وفي تفصيالت‬
 ‫الحياة األخرى وغير الحركات االستكشافية التي قامت لكشف أقطار األرض متأثرة‬
    ‫بالرحالت اإلسالمية كرحلة ابن بطوطة واإلدريسي والبيروني وغيرهم ومهتدبة‬
    ‫بالخرائط التي دونها علماء الجغرافية المسلمون من قبل ألقطار آسيا وأفريقيا ،‬
                  ‫وغير النهضة الصناعية التي أخذت بذورها من مهارات المسلمين.‬
 ‫وباختصار فقد كان للحضارة اإلسالمية إشعاع واسع المدى في كل اتجاهات الحياة‬
         ‫البشرية حيث كان المسلمون هم المصدر الوحيد في األرض للعلم والمعرفة‬
                                              ‫والحضارة لفترة طويلة من التاريخ .‬

                                                                ‫خطــر االنحــراف‬

   ‫ما بين الذروة التي وصل إليها العالم اإلٍسالمي والهوة التي نجد أنفسنا اليوم فيها‬
     ‫نقلة بعيدة ... وال يمكن بطبيعة الحال أن يكون هذا االنتقال قد حدث فجأة . فذلك‬
 ‫مخالف للسنن الربانية التي تحوى عليها الحياة في المجتمعات البشرية . وال يمكن‬
          ‫ا‬
    ‫كذلك أن يكون هذا االنتقال قد حدث بغير أسباب " ذلك بأن اهلل لم يك مغيرً نعمة‬
                     ‫أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن اهلل سميع عليم " .‬
       ‫وقد أنعم اهلل على هذه األمة بنعمة اإلسالم : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت‬
‫عليكم نعمتى ، ورضيت لكم اإلسالم دينا " وأنعم عليها بأن جعلها خير أمة أخرجت‬
‫للناس : " كنتم خير أمة أخرجت للناس " ولكن على شرط معين . " كنتم خير أمة‬
            ‫أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باهلل " .‬
‫وأنعم عليها باالستخالف والتمكين في األرض ولكن بشرط معين كذلك : " وعد اهلل‬
 ‫الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في األرض كما استخلف الذين من‬
         ‫قبلهم ، وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا :‬
                                                       ‫ً‬
                                                  ‫يعبدونني ال يشركون بي شيئا " .‬
             ‫ا‬
       ‫وطالما كان المسلمون على الشرط فان وعد اهلل المبذول لهم كان متحقق ً على‬
                                        ‫ا‬
 ‫الدوام ال يتخلف . فان وعد اهلل ال يتخلف أبدً . ولكن لما بدأ المسلمون يحيدون عن‬
    ‫الخط السوي كان البد أن يظهر الفساد في األرض حسب السنة الربانية : " ظهر‬
    ‫الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ، لعلهم‬
                                          ‫ا‬
   ‫يرجعون " . والسنة الربانية ال تخلف أبدً : " سنة اهلل التي قد خلت من قبل ولن‬
                                    ‫ا‬                          ‫ً‬
‫تجد لسنة اهلل تبديال " . وسنة اهلل ال تجابي أحدً ألنه من نسل قوم كانوا مؤمنين ،‬
  ‫إنما تعطي الناس على قدر إيمانهم هم : " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتهمن ،‬
 ‫قال :أني جاعلك للناس أماما . قال : " ومن ذريتي ؟ قال : ال ينال عهدي الظالمين‬
                                                                               ‫".‬
  ‫• ومن سنة اهلل أن االنهيار ال يحدث فجأة في المجتمعات وخاصة حين تكون‬
   ‫متينة البنيان وقد كان المجتمع اإلسالمي الذي أسسه رسول اهلل صلى اهلل‬
   ‫وعليه وسلم متين البناء بدرجة فائقة غير معهودة في التاريخ . لذلك فأن‬
     ‫عوامل الهدم التي عملت فيه سواء من الداخل أو الخارج لم تستطيع أن‬
                                      ‫ً‬
       ‫تحطم تماسكه إال بعد قرون طويلة جدا ، عاني فيها المجتمع اإلٍسالمي‬
         ‫ذبذبات متوالية من الصعود والهبوط واليقظة والخمول ، ولكن السنة‬
                                                 ‫الربانية التي ال تتخلف أبدً‬
                                                 ‫ا‬
  ‫• كان البد أن تعمل في النهاية حين تراكمت عوامل الفساد التدريجي الطويل‬
     ‫وتزايدت على مر القرون ، فأدت في النهاية إلى هذه الحال البائسة التي‬
                                    ‫يعيشها المسلون اليوم في أرجاء األرض.‬
  ‫والبد لنا ـ ونحن بصدد بعث إسالمي جديد ، يعيد لهذه األمة بإذن اهلل مجدها الذي‬
  ‫فرطت فيه ، وروحها البانية التي تخلت عنها ـ البد لنا من دراسة خط االنحراف ،‬
  ‫لنعلم من أين أتينا ، وكيف وصلنا لما وصلنا إليه ، حتى يكون انبعاثنا الجديد ـ أن‬
                        ‫شاء اهلل ـ مستقيما على الخط الرباني ، بريئا من االنحراف .‬
                                                ‫ً ً‬
 ‫بدأ االنحراف في الحقيقة مبكرا جدا في الحياة اإلسالمية ، ولكنه كان في مبدأ أمره‬
                                                                  ‫ً‬
  ‫ضئيال ومنحصرا في نطاق ضيق ، لذلك لم تؤثر في بناء األمة اإلسالمية ولم يعق‬
        ‫انطالقها إلى مجاالت نشاطها المختلفة التي أبدعت فيها إبداعها العبقري ، ثم‬
     ‫جاءت مرحلة كان اإلبداع يأخذ ذروته في كل المجاالت : السياسية واالقتصادية‬
‫والعلمية والحضارية ، ولقد ظل هذا االنحراف كذلك ثم اتسعت شقته حتى كاد يؤدي‬
       ‫إلى االنهيار الشامل لوال رعاية اهلل التي قبضت لسإسالم حركة مد جديد استمر‬
        ‫بضعة قرون أخرى ، ولكن هذه الحركة الجديدة لم تكن هي األخرى بريئة من‬
       ‫االنحراف الذي ظل يتزايد في القرنين األخيرين بصفة خاصة ، والقرن األخير‬
 ‫بصفة أخص حتى أدي إلى انهيار جديد في أرجاء العالم اإلسالمي مازال يعاني منه‬
                                  ‫حتى اليوم وحتى تعود الناس إلى طريق الصواب .‬
                                          ‫ً‬
  ‫بدأ االنحراف في العصر األموي محصورا في تحويل الخالفة إلى ملك ، والبحبحة‬
 ‫النسبية في بيت المال حيث استخدم جانب من أمواله في تأليف القلوب ـ ال لسإسالم‬
   ‫كما هو منصوص عليه في اآلية : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين‬
‫عليها والمؤلفة قلوبهم . ." ـ ولكن للدولة ذاتها ، أي لشراء األنصار ، لكي يؤيدوا‬
                                            ‫الدولة األموية ويتركوا للجانب اآلخر .‬
‫كما صحت النعرة القبلية التي كان اإلسالم قد قضى عليها بتأليف المؤمنين كلهم في‬
      ‫أمة واحدة متآخية متآلفة . كما أن األمويين حرصا منهم على عروبة الدولة قد‬
 ‫ضغطوا على الفرس بما ال يتفق مع روح اإلسالم ، وبصورة لم تتح ألحقاد الفرس‬
       ‫المقهورين إن تذوب في اإلسالم ، بل ظلت األحقاد مؤرثة في قلوبهم يتحينون‬
                           ‫الفرصة للكيد لهذا الدين كما بدأ ذلك في العصر العباسي .‬
‫• تلك كلها انحرافات وال شك .. ولكنها كما قلنا كانت محصورة في نطاق ضيق‬
  ‫وكان بناء المجتمع اإلسالمي من المتانة بحيث لم تؤثر تلك االنحرافات في‬
     ‫كيانه ولم تعوقه عن انطالقته الكبرى البانية الراشدة ، فقد كان المجتمع‬
‫اإلسالمي ما يزال سليما في مجموعة جادا في أخذ اإلسالم وحمله إلى ربوع‬
‫األرض ، وكانت الدولة والمجتمع حريصين على نشر الدعوة واالنطالق بها‬
     ‫في اآلفاق ، فتمت فتوح مذهلة في سرعتها ، تممت ما كان قد حدث من‬
‫فتوح على عهد الخلفاء الراشدين فوصل اإلسالم من المحيط غربا إلى الهند‬
  ‫شرق ً فيما ال يتجاوز خمسين سنة من الزمان وهي سرعة غير معهودة في‬     ‫ا‬
                                                                  ‫التاريخ .‬
                   ‫ً‬
        ‫• كذلك كان المجتمع اإلسالمي حريصا على عباداته حريصا على أخالقه‬
   ‫حريصا على تطبيق روح اإلسالم ونصوصه ، وأن كان خوفه من الفتنة ،‬    ‫ً‬
   ‫التي كانت أصداؤها ما تزال قريبة ، قد أقعده عن األمر بالمعروف والنهي‬
                       ‫عن المنكر فيما يقع من حكم بني أمية من المخالفات .‬
‫• تلك كلها انحرافات وال شك .. ولكنها كما قلنا كانت محصورة في نطاق ضيق‬
  ‫وكان بناء المجتمع اإلسالمي من المتانة بحيث لم تؤثر تلك االنحرافات في‬
     ‫كيانه ولم تعوقه عن انطالقته الكبرى البانية الراشدة ، فقد كان المجتمع‬
‫اإلسالمي ما يزال سليما في مجموعة جادا في أخذ اإلسالم وحمله إلى ربوع‬
‫األرض ، وكانت الدولة والمجتمع حريصين على نشر الدعوة واالنطالق بها‬
     ‫في اآلفاق ، فتمت فتوح مذهلة في سرعتها ، تممت ما كان قد حدث من‬
‫فتوح على عهد الخلفاء الراشدين فوصل اإلسالم من المحيط غربا إلى الهند‬
  ‫شرق ً فيما ال يتجاوز خمسين سنة من الزمان وهي سرعة غير معهودة في‬     ‫ا‬
                                                                  ‫التاريخ .‬
                   ‫ً‬
        ‫• كذلك كان المجتمع اإلسالمي حريصا على عباداته حريصا على أخالقه‬
   ‫حريصا على تطبيق روح اإلسالم ونصوصه ، وأن كان خوفه من الفتنة ،‬    ‫ً‬
   ‫التي كانت أصداؤها ما تزال قريبة ، قد أقعده عن األمر بالمعروف والنهي‬
                       ‫عن المنكر فيما يقع من حكم بني أمية من المخالفات .‬
       ‫ثم جاء العصر العباسي فزادت هذه االنحرافات حدة ، وأضيفت إليها انحرافات‬
                                                          ‫جديدة من أنواع جديدة .‬
 ‫فأما وراثة الملك فقد كانت على األقل في العصر األموي تتم بصورة تضمن ترشيح‬
     ‫فضل الموجودين للخالفة مع استثناءات قليلة ، أما في العصر العباسي والثاني‬
  ‫بصفة خاصة ، فقد كانت تتم بالدور أكثر منها باالختيار ، حتى إذا جاء الدور على‬
                 ‫طفل في الثامنة أو العاشرة فليس هناك ما يمنع من توليه الخالفة .‬
     ‫ا‬         ‫ً‬
 ‫وأما البحبحة في بيت المال فقد زادت مع زيادة المال حتى لم يعد أمرا مستغرب ً وال‬
                                                                          ‫ً‬
 ‫مستنكرا أن بأمر الخليفة بمائة ألف دينار من بين المال لشاعر من المداحين مدحه‬
                                                                    ‫ببضعة أبيات .‬
                                      ‫ثم أضيفت مجموعة جديدة من االنحرافات ...‬
    ‫فالمال الوفير الذي تدفق على الدولة من كل مكان ، من الفيء والخراج والجزية‬
      ‫والزكاة من ناحية ، ومن التجارة الواسعة حيث كان المسلمون يقومون بحركة‬
 ‫التجارة العالمية من ناحية أخرى ، ومن ازدهار العمران والصناعة من ناحية ثالثة‬
‫.. كل ذلك أدى ـ مع عدم وجود ضوابط قوية في سياسة الحكم ـ إلى نشأة الترف في‬
            ‫حياة المسلمين ، والترف داء هدام في جميع الحاالت ـ وهو المدمر األكبر‬
                                                               ‫لحضارات التاريخ .‬
‫بدأ الترف أوال في قصور الخلفاء ، ثم في قصور األمراء ، ثم في قصور الوزراء ثم‬
               ‫ً‬                         ‫ً‬
   ‫في قصور التجار الذين كانت ثروتهم أحيانا تبلغ الماليين ، ثم تدريجيا في قصور‬
                                      ‫ً‬
‫األغنياء من سكان بغداد مقر الخالفة . ورويدا انتقل الترف إلى العواصم الكبرى في‬
       ‫العالم اإلسالمي عن طريق العدوى من مدينة الخالفة فصارت دمشق والقاهرة‬
                                                                 ‫ً‬
                                ‫وغيرهما معرضا للترف وما يجره معه من الفساد .‬
   ‫ومن مظاهر الترف التي برزت في العصر العباسي ذلك العدد الوفير من الجواري‬
      ‫الذي كان يأتي من سبايا الحرب ، والجواري المغنيات بصفة خاصة حيث كانت‬
       ‫تقوم في القصور حفالت طرب وغناء ورقص وخمر أحيانا تلهى المترفين عن‬
       ‫جديات األمور ، كما كان من أسباب الفتنة كذلك أن بين أولئك الجواري من كن‬
     ‫يهوديات ونصرانيات جئن من سبايا الحروب في أوروبا ، وكن في الواقع رسال‬
      ‫خفيين لألعداء من اليهود والنصارى الذين أحتاج اإلسالم بالدهم ، فكان هممن‬
       ‫أفساد ما يمكن إفساده من أحوال المجتمع اإلسالمي ، وقصور الخالفة بصورة‬
‫خاصة ، وحسبهن في ذلك أن يشغلن بال الخلفاء بمكايد النساء في القصور فيلهيهم‬
     ‫ذلك عن التفرغ للمشكالت الجادة ، وأن يشغلن األمراء بهن وبمكايدهن حتى إذا‬
      ‫وصلوا إلى الحكم كان الترف والفراغ قد أكل جانبا من اهتمامهم الحدى بشئون‬
 ‫المسلمين ، وبشئون الغزو بصفة خاصة وتلك هي الرسالة الخفية ألولئك الجواري‬
                                                            ‫الحاقدات على اإلٍسالم.‬
        ‫• إلى جانب هذا الترف البالغ ، ورد فغال ، وجدت الصوفية وهي انحراف خطير‬
‫أصاب الحياة الدينية واالجتماعية والسياسية في العالم اإلسالمي منذ العصر العباسي‬
                                             ‫، وظل يتزايد إلى نهاية العصر العثماني.‬
 ‫• إن اإلسالم ال يعرف الصوفية .. إنما عرف الزهادة في شخص رسول اهلل صلى اهلل‬
       ‫عليه وسلم سيد البشر أجمعين ، وفي شخص الخلفاء الراشدين أجلة الصحابة ،‬
   ‫وهي استعالء على متاع األرض يعطي صاحبه قوة في الحق ، وقوة في الجلد على‬
 ‫الجهاد في سبيل اهلل ، مع إيجابية كاملة وصحو كامل ، ومواجهة واقتحام للصعاب .‬
 ‫أما الصوفية ـ فهي ـ وأن اشتركت مع الزهد في بعض مظاهره وهي االستيعالء على‬
   ‫متاع األرض ـ إال أنها صورة سلسة ، تتطهر باالنعزال عن الفساد ولكنها تواجههه‬
  ‫وال تقاومه وال تقاتله فتكون النتيجة ـ حين ينعزل األتقياء المتطهرون كلهم عن تيار‬
 ‫الحياة في المجتمع ـ أن يستأ سد الشر ويستشرى ، ألنه يعمل في الميدان وحده بغير‬
 ‫مقاومة من العنصر النظيف في المجتمع , اإلسالم ال يقر هذه السلبية االنعزالية حتى‬
      ‫لو كانت توفر ألصحابها التطهر الحقيقي ألنها أشبه بالرهبانية ، وال رهبانية في‬
        ‫اإلسالم . ومع ذلك فإنها لم تحافظ دائما على نظافتها وتطهرها ، بل سرى إليها‬
  ‫الفساد الذي سرى إلى الرهبانية من قبل " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إال‬
                                       ‫ابتغاء رضوان اهلل فما رعوها حق رعايتها ".‬
          ‫وذلك فضال على ما انتهت إليه في العصور األخيرة خاصة مما يشبه العبادة‬
        ‫والتقديس من المريد لشيخه ، واتخاذه وسيلة وواسطة إلى اهلل ، أشبه شيء‬
  ‫بالكاهن في المسيحية الذي ال يتم االتصال باهلل إال عن طريقه ، وقد كان لليهودية‬
         ‫والنصرانية أثر في الصوفية ال شك فيه ، إلى جانب التأثير الفارسي والتأثير‬
                                                                         ‫الهندي ..‬
‫ومع الصوفية وجد التواكل . وهو انحراف آخر خطير ما زال العالم اإلسالمي يعاني‬
                                                            ‫نتائجه حتى اللحظة ..‬
‫والفرق بين التوكل الحق وبين التواكل شبيه ومواز للفرق بين الزهادة الحقة وبين‬
‫التصوف ، فالتوكل يقتضي األخذ باألسباب مع اليقين بأن اهلل هو الذي يرتب النتائج‬
 ‫، وإن األسباب ال تؤدي إلى اإلنتاج بصورة حتمية وإنما بمشيئة اهلل فيفوض األمر‬
 ‫إلى اهلل بعد األخذ باألسباب : " فإذا عزمت فتوكل على اهلل أن اهلل يحب المتوكلين‬
                                                                              ‫".‬
    ‫والعزيمة ال تكون عزيمة في الواقع إال إذا اتخذت لها األسباب ، وإال فهي أماني‬
 ‫فارغة وليست عزيمة حقيقية كذلك يقول اهلل سبحانه : " وأعدوا لهم ما استطعتم‬
         ‫من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اهلل وعدوكم وآخرين من دونهم ال‬
      ‫تعلمونهم ، اهلل يعلمهم ، وما تنفقوا من شيء في سبيل اهلل يوف إليكم وأنت ال‬
                                                                      ‫تظلمون " .‬
     ‫فإرهاب أعداء اهلل وأعداء المسلمين وأخزاؤهم ودحرهم وأبطال تحدياتهم غاية‬
      ‫تكفل اهلل بتحقيقها في اآلية السابقة : " وال تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم ال‬
                                                                     ‫يعجزون " .‬
   ‫وما دام اهلل ـ سبحانه ـ قد قدر أن الذين كفروا واهمون في ظنهم وفي تحديه هلل ،‬
      ‫وأنهم مدحورون في تحديهم هذا ، فقد قضى األمر ، وكتبت الهزيمة، بالمشيئة‬
    ‫الربانية ـ على الكافرين ولكن اهلل سبحانه قد اقتضت مشيئته أن يجرى قدره من‬
      ‫خالل تصرفات البشر وعملهم وجهدهم في األرض ، ولذلك قال في اآلية التالية‬
 ‫مباشرة : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " وتحدث في اآلية ذاتها عن االتفاق‬
  ‫في سبيل اهلل ألعداد هذه القوة ، أي أنه سبحانه أمر باألخذ باألسباب التي تؤدي ـ‬
 ‫من خالل عمل البشر وجهدهم إلى تحقيق هذه الغاية المقررة المقضي بها في قدر‬
                                                    ‫اهلل وسبق بها علمه ومشيئته .‬
     ‫وهكذا ال يتعارض في المفهوم اإلسالمي الصحيح أخذ الناس باألسباب وتوكلهم‬
   ‫على اهلل في الوقت ذاته بل يكون التوكل الصحيح هو اللجوء إلى اهلل والتطلع إلى‬
‫معونته مع األخذ باألسباب التي يرجى بها تحقيق الغاية أما القعود عن العمل وعدم‬
 ‫األخذ باألسباب بزعم التوكل على اهلل ، فهذا هو التواكل الذي أصاب المسلمين في‬
    ‫انحدارهم ، وهو مرض إذا أصاب أمة هوت في مهاوي التخلف حسب سنة اهلل .‬
    ‫وعندما وصلت األمور إلى هذا الحد من السوء ، مع القعود عن األمر بالمعروف‬
   ‫والنهي عن المنكر ، ومع نزاعات الحكام وصراعاتهم ومع ظهور الفرق والجدل‬
 ‫الكالمي عن طريق العدوى بعد ترجمة الفلسفة اليونانية والمنطق الرباني ، وتأثير‬
         ‫ذلك على الوحدة الفكرية والروحية لألمة اإلسالمية ، فإن األعداء المتربصين‬
    ‫انتهزوا هذه الفرصة السانحة لالنقضاض على العالم اإلسالمي ، فنشبت الحروب‬
         ‫الصليبية التي استغرقت ما يقرب من قرنين من الزمان ، وفي أثناء ذلك هجم‬
                                                                         ‫ا‬
   ‫التتار أيض ً هجومهم الكاسح الماحق الذي دمروا فيه كل شيء حتى وصلوا ـ دون‬
                                                  ‫توقف ـ إلى عين جالوت في الشام .‬
        ‫ولكن هذا القدر الضخم من الفساد لم يكن في الحقيقة قد مضى على اإلسالم في‬
         ‫قلوب المسلمين ، إنما كان هؤالء في غفوة ران فيها على قلوبهم ما تجمع من‬
      ‫أدران وانحرافات فما إن قام رجال صادقوا اإليمان يجددون لهذه األمة أمر دينها‬
     ‫كما وعد اهلل على لسان رسوله صلى اهلل عليه وسلم حتى هبت االمة عن غفلتها‬
       ‫وانبعث تنفض عنها الركام وتقاتل في سبيل اهلل ، فانتصرت ، في النهاية ـ على‬
‫الصليبيين ودحرتهم في جملة معارك كان أبرزها وأحسمها معارك صالح الدين كما‬
 ‫هبت هبتها المؤمنة التي دحرت فيها التتار في عين جالوت، حين صاح قطز حاكم‬
                                       ‫مصر المملوكي صيحته الشهيرة : ”واسالماه“‬
   ‫واندفع يقاتل التتار بإيمان المؤمن الصادق الواثق من نصر اهلل فنصر اهلل، تحقيق ً‬
   ‫ا‬
                              ‫لوعده الصادق ( إن تنصروا اهلل ينصركم ويثبت أقدامكم)‬
     ‫وكان في أعقاب ذلك كله حركة مد جديدة قامت على يد األتراك العثمانيين بعد ان‬
    ‫اسسوا دولتهم في تركيا وبدءوا يتوغلون في شرق أوروبا حتى وصلوا إلى فيينا‬
            ‫وحاصروها مرتين ووصلوا إلى بطر سبرج ( لننجراد) اآلن وكانت يوم إذن‬
  ‫عاصمة روسيا وطوقوها، وأخضعوا بالد البلقان كلها ومنطقة القرن وما جاورها،‬
      ‫وظلت دولتهم قائمة ما يقارب من خمسة قرون ترهب أروروبا وتفزعها غير ان‬
 ‫هذه االنتفاضة الجديدة شابتها عيوب وانحرافات ادت بهافي النهاية حسب سنة اهلل‬
‫إلى االنهيار وقد أدى االتراك العثمانيون خدمات جليلة لسإسالم، فقد كانو متحمسين‬
  ‫لخدمة اإلسالم حماسة حقيقية، وكانت لهم عبقرية سياسية وعسكرية استخدموها‬
          ‫بإخالص لخدمة الدين ولو لم يكن لهم في تاريخهم من مفاخر إال حماية العالم‬
           ‫اإلسالمي من الغزو الصليبي زهاء أربعة قرون من الزمان ورفضهم الواعي‬
                                                    ‫ً‬
     ‫المؤمن إعطاء اليهود وطنا قوميا في فلسطين (أيام السلطان عبد الحميد) لكفاهم‬
                                                                           ‫ا‬
      ‫ذلك مجدً ومثوبة عند اهلل وعند الناس ولكن هذه األمجاد العالية التي حققوها ال‬
          ‫تنفي وجود العيوب واالنحرافات التي ال بد أن تؤدي إلى نهايتها الحتمية حين‬
                                                  ‫يسكت الناس عليها وال يصححونها‬
                                       ‫عن طريق األمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‬
  ‫وقد كان من بين هذه العيوب واالنحرافات إن الدولة العثمانية لم تستعرب هذه أول‬
        ‫دولة تتولى الخالفة دون أن تدخل في اللسان العربي واللغة العربية ألزم الدولة‬
       ‫الخالفة منها لغيرهم ذلك انه ال يمكن التفقه الحقيقي في هذا الدين بغير تعلم لغة‬
     ‫الكتاب المنزل ( حتى وإن كان بعض العلماء األتراك قد تعلموا العربية وألفوا بها‬
                                                                    ‫في علوم الدين)‬
‫ثم إن النظام االداري التركي كانت فيه ثغرات ينفذ منها الظلم السياسي واالجتماعي‬
 ‫واالقتصادي وأبرز عيوبه تعيين الوالي لمدة محدودة يعزل بعدها عن العمل فتكون‬
   ‫النتيجة العملية إنه ال يلتفت لسإصالح وال قضاء مصالح الناس إنما يلتفت لتكوين‬
     ‫ثروة شخصية من خالل إلتزامه بجعل معين يدفعه للدولة فيجدبي ما يطلب منه‬
       ‫ويزيد عليه حصته الخاصة ويتولى الوالة على هذه الصورة فيظلمون الناس‬
                                       ‫ويبتزون اموالهم وال يلتفتون إلى مصالحهم‬
 ‫وكذلك فإن عدم االذن بفتح باب االجتهاد على اساس ان القدماء قالوا كل شئ وإنه‬
       ‫ليس في المحدثين من تتوفر فيه شروط االجتهاد في الوقت الذي طرأت على‬
    ‫حياةالبشرية كلها - والمسلمين من بينهم .... تغيرات شتى نتيجة التقدم العلمي‬
    ‫وتأثير ذلك في تغيير وسائل االنتاج، وتغيير صورة الحياة االقتصادواالجتماعية‬
‫لذلك . هذا أدى الى بروز أحوال جديدة للناس ال تستظل بظل الشريعة االسالمية ألن‬
   ‫الفقهاء لم يستنبطوا لها من الشريعة ما يناسبها من األحكام الفقهية، وكانت هذه‬
  ‫هي الثغرة التي دخل منها اليهود والنصارى في دار الخالفة ، فدسوا على الخلفاء‬
      ‫قوانين غير اسالمية باسم انها قوانين اصالحية وكان هذا منهم توطنه لتنحيه‬
                                                  ‫الشريعة االسالمية كلها فيما بعد.‬
  ‫ثم ان الصوفية بقيت على حالها بل زادت انتشارا وزادت سوءا كذلك حين صارت‬
‫هي الطريق الوحيد للتدين في نظر الناس، وذلك حين انحسر الدين في حس الناس‬
                ‫ً‬
     ‫الى عبارات فحسب، وتضاءلت جوانبه األخرى في نفوسهم تدريجيا حتى كادت‬
   ‫تخرج من اطار الدين وقد كان هذا التحول في معنى الدين، والتركيز على الجانب‬
      ‫التعبدي وحده، دون بقية جوانبه الفعالة التي ينبغي أ، تعمل في وقت واحد مع‬
‫الشعائر التعبدية.. كان هذا التحول من اشد االنحرافات التي أصابت العالم االسالمي‬
  ‫في الفترة األخيرة، وذهبت بالمعنى الحقيقي لالسالم الذي كان من ابرز خصائصة‬
     ‫تقرير المعنى الواسع الشامل للعبادة، الذ1ي يشمل كل التصرفات االنسان وكل‬
                                      ‫ا‬
 ‫عمله وكل جهده المبذول في االرض، تحقيق ً لقوله تعالى (وماخلقت الجن واالنس‬
    ‫اال ليعبدون). فإن هذا التحول الدين الى شعائر تعبدية فقطن والى هعالقة خاصة‬
     ‫بين العبد والرب، فهذا هو المفهوم المسيحي الكنيسي للدين، وليس هو مفهوم‬
  ‫االسالم ، الذي جعل الدين شعائر تعبدية وعمال في الواقع االرضي في ذات الوقت‬
                   ‫ً‬
        ‫وجله عقيدة وشريعة، ودينا ودولة ودنيا وآخرة، ونظاما سياسيا واقتصاديا‬
                                                                  ‫ً‬
          ‫واجتماعيا وفكريا وروحيا وأخالقيا كلها في آن واحد ... وكلها هي الدين.‬
  ‫• وأسوأمن ذلك كله، أو نتيجة لذلك كله، فان الدين تحول الى مظاهر خاوية‬
   ‫من الروح، وتقاليد يحافظ عليها في ذاتها بينما هي خالية من الداللة ومن‬
     ‫الرصيد الواقعي فصار األمر كله تقليدا بال حقيقة. حتى الشعائر التعبدية‬
                                                         ‫صارت مجرد تقليد.‬
‫• وزاد األمر سوءا حين دخلت الخرافة وحلت محل حقائق الدين فتحول الدين‬
      ‫في حس العامة ضرحة وأولياء ومشايخ ومسابح وأذكار وترانيم وبدع‬
                                                 ‫ماانزل اهلل بها من سلطان.‬
‫• هنا كان العدو المتربص ينتظر فرصة سانحة فدخل بخيله ورجله وكان الغز‬
 ‫الصليبي الصهيوني الذي ما زلنا نعاني آثاره حتى اللحظة، والذي طمع في‬
  ‫القضاء األخير على االسالم من جديد في صورته النقية الشاملة المتكاملة‬
  ‫كما أنزل اهلل على رسوله صلى اهلل عليه وسلم ، وكما فهمه المسلمون أو‬
                                                                 ‫لمرة.‬
‫• ولقد كان الغزو الصليبي الصهيوني في هذه المرة أخبث واالم منه في المرة‬
     ‫األولى في العصور الوسطى . فلم يكتف بالغزو السياسي واالقتصادي ،‬
 ‫ولكنه دخل بغزو أخطر هو الغزو الفكري – أو الروحي والثقافي الذي هدف‬
              ‫به الى القضاء على االسالمي في حياة المثقفين بصفة خاصة.‬
      ‫• وينبغي لنا أ، ندرس أ؛وال المجتمع االسالمي المعاصر بعناية وتمعن،‬
                       ‫لنعرف من أين أتينا ، ونعرف كذلك طريق الخالص.‬

                                                     ‫الغزو الفكري في البالد اإلسالمية‬
 ‫حين بلغ المسلمون مبلغهم من االنحراف عن دينهم لم يكن من المتوقع من عدوهم‬
  ‫أن يتركهم ألنفسهم، وهو الحاقد المتربص منذ الحروب الصليبية أنما كان المتوقع‬
          ‫أ، يسارع إلى اقتناص الفرصة السانحة لغزو العالم االسالمي. وقد حدث ذلك‬
           ‫بالفعل. ولكن الغزو في هذه المرة لم يكن غزوا عسكريا فحسب كم اكان في‬
    ‫الحروب الصليبية األ,لى انما كان الى جانب الغزو العسكري السياسي من جذوره‬
 ‫من قلوب المسلمين، ويستبدل به عقائد أخرى، وقيما ومبادئ وأخالقيات أخرى، ال‬
                 ‫يهم ماذا تكون في ذاتها انما المهم فيها أ، تبعد المسلمين عن االسالم.‬
 ‫واذا اخنا ما جاوله الغزو الصليبي في مصر نموذجا للغزو الفكري فسنجد أن العدو‬
     ‫قد حاول مثل هذا بصورة أو بأخرى في كل مكان في العالم االسالمي وقد تختلف‬
   ‫الصورة قليال هنا أ, هناك، وقد يختلف مدى نجاحه كذلك من مكان الى آخر، ولكن‬
         ‫الهدف كان واحدا في جميع الحاالت، وهو محاولة فتنة المسلمين عن دينهم.‬
     ‫نجا الغزو الصليبي في مصر من ايانم نابليون الى تنحية الشريعة االسالمية عن‬
‫الحكم واحالل القانون الوضعي بدال منها ، أل، الحكم بالشريعة إذا الغى فسيتبع ذلك‬
      ‫حتما تخلخل بقية عرى االسالم، عروة عروة كماحدث الرسول الكريم صلى اهلل‬
‫عليه وسلم : ” تنقض عرى االسالم عروة عروة فأ,لها نقضا الحكم وآخرها الصالة‬
                                                   ‫” أ, كما قال صلى اهلل عليه وسلم.‬
          ‫وفي ايام االحتالل البريطاني وضعت خطة خبيثة المدى ولكنها بحسب االمثل‬
                                   ‫االنجليزي المشهور: ” بطئ ولكنه أكيد المفعول“.‬
‫ذلك ان نابليون بحماقته كان قد أثار الثورة عليه في مصر ، فأراد االنجليز أ، ينفذوا‬
        ‫نفس الخطة وهي القضاء على االسالم دون اثارة وال تنبيه، حتى يتم المفعول‬
                              ‫والناس غافلون. وقد اتخذوا لذلك الوسائل متعددة منها:‬
                                                                 ‫1. افساد التعليم.‬
                                                                  ‫2. افساد المرأة.‬
                                                        ‫3. افساد مفهوم السياسة.‬
                                             ‫4. افساد الفكر والثقافة والفن ..الخ.‬
         ‫ونعرض هنا عرضا سريعا ملخصا لمحاوالتهم في كل باب منهذه األبواب:‬
        ‫1. كان التعليم قبل االحتالل البريطاني دينا في أساسه، يتمثل في االزهر‬
‫ومعاهده الدينية، فجاء ” دنلوب“ المستشار االنجليزي فوزارة المعارف المصرية-‬
    ‫وهو قسيس – فوضع سياسة تعليمية هدفها األ×ير ابعا المتعلمين عن االسالم.‬
‫وكان تركيزه على بقية المواد، وان كان قد استخدمها كلها لتحطيط الروح المعنوية‬
                                                                ‫عند المصريين.‬
     ‫2. فبالنسبة للغة العربية كان يعتمد أن يعطى مدرسها راتبا ادنى بكثير من‬
   ‫مدرسي المواد األخرى - وبخاصة مدرس اللغة االنجليزية – وينعكس ذلك على‬
‫المدرس ذاته فيفقد مكانته البارزة في المدرسة والمجتمع، وينظر الناس اليه نظرة‬
       ‫أدنى من غيره من المدرسين، ثم يسري الشعور ذاته على اللغة العربية التي‬
‫يدرسها وهي اللغة العربية التي هي في الوقت ذاته لغة القرآن، فتفقد احترامها بين‬
                                                                         ‫الناس.‬
        ‫3. وأما حصة الدين فكانت تهمل بحيث توضع في نهاية اليوم المدرسي‬
      ‫والتالميذ مرهقون من الدراسة، ثم كانت تلغى في نهاية العام مع كل المواد ”‬
 ‫االضافية“ التي ال تعتبر من صميم الجدول، وهذا باإلضافة الى أن مدرسها – وهو‬
 ‫أص ً من مدرسي اللغة العربية الذين امتهن دنلوب وضعهم االجتماعي والمعنوي‬   ‫ال‬
  ‫كان ينتقى دائما من العجزة المسنين ، بحيث ال توحي حصة الدين الى التلميذ بأي‬
                                                              ‫معنى من معاني .‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:535
posted:1/25/2012
language:Arabic
pages:11