40

Document Sample
40 Powered By Docstoc
					٠
       ‫© حقوق النشر اإللكتروني محفوظة لدار ناشري للنشر اإللكتروني‬
                                            ‫‪www.Nashiri.Net‬‬

                             ‫© حقوق الملكية الفكرية محفوظة للكاتب.‬
                   ‫نشر إلكترونيا في شوال ٢٣٤١، سبتمبر/أيلول ١١٠٢.‬

        ‫يمنع منعا باتا ً نقل أية مادة من المواد المنشورة في ناشري دون إذن كتابي من‬
    ‫الموقع. جميع الكتابات المنشورة في موقع دار ناشري للنشر اإللكتروني تمثل رأي‬
           ‫كاتبيھا، وال تتحمل دار ناشري أية مسؤولية قانونية أو أدبية عن محتواھا.‬

                                                      ‫التدقيق اللغوي: سمير بلكفيف‬
                                               ‫اإلخراج الفني: سارة عبد ﷲ السندان‬
                                                     ‫تصميم الغالف: أسماء الصياح‬


‫١‬
٢
                                     ‫الفھــــــــرس‬

      ‫)٤(‬                                                           ‫١- إھـــــــــــــــداء‬
      ‫)٥(‬                                                           ‫٢- تـــــــوطئـــــــة‬
       ‫)٨(‬                                                           ‫٣- أبو العالء فلكيا‬
      ‫)٨١(‬                                                           ‫٤- حكايـــــة جدي‬
      ‫)٥٢(‬                                                             ‫ّ‬
                                            ‫٥- شعرنا بين مد التجديد وجزر التقليــد‬
     ‫)١٣(‬                                    ‫٦- النزعة اإلنسانية في األدب المھجري‬
      ‫)٩٤(‬    ‫٧- أغار على شمسي أو الحنين إلى األوطان في أدب المھجريين‬
     ‫)٨٦(‬                   ‫٨- المعاناة الخالدة أو اإلبداع في حضرة األلـــــــــم‬
     ‫)٨٧(‬                   ‫٩- مي زيـــــــــــــــــــادة وصالونھــــــــــــا األدبي‬
     ‫)٦٨(‬                 ‫٠١- زكي نجيب محمود وإخفاقات النھضة العربيــــة‬
     ‫)٣٩(‬                  ‫١١- موسى األحمدي نويـــــــــوات سيرة وتحيـــــــة‬
    ‫)٠٠١(‬                  ‫٢١- بيدي ال بيدك عمرو ظاھرة االنتحار عند أدبائنا‬
    ‫)٨٠١(‬                   ‫٣١- تأمالت في عـــــــــــــالم حنـــــــا مينه الروائي‬
    ‫)٦١١(‬                    ‫٤١- قصتي مع السمــــــــــاء وأجرامھــــــــــــــــــا‬
    ‫)٨٢١(‬                    ‫٥١- الجـــــــــــواھري شـــــــــاعر الرفض واإلباء‬
    ‫)٧٣١(‬                    ‫٦١- النھر الخالد تأمالت في شعر ميخائيل نعيمــــة‬
    ‫)٤٤١(‬            ‫٧١- رومنطيقية القلب الحزين الوصف عند خليل مطران‬
‫)٦٥١(‬                 ‫٨١- شاعر الجالل عبـــــــاس محمـــــــود العقــــــــــــاد‬
‫)٤٦١(‬                 ‫٩١- مالك لبنان الحزين فـــــــــــــوزي المعلـــــــــــوف‬
    ‫)٤٧١(‬              ‫٠٢- بشــــــــــــارة الخوري نشوة الفرح وحسرة الزوال‬
    ‫)٣٨١(‬    ‫١٢- عراف البـراري أو الصورة السلبية للمثقف في الشعر الحديث‬
‫)١٩١(‬                            ‫٢٢- قدمـــــــوس ثائرا أو جبران ونزعة التمرد‬
    ‫)٢٠٢(‬                         ‫٣٢- الرفــــــــــــــــض في الشــعر الحـــــــديث‬
    ‫)٦١٢(‬                        ‫٤٢- رباعيات الخيام نشوة الفرح وحسرة الزوال‬
    ‫)١٣٢(‬                     ‫٥٢- زمن السأم تأمالت في قصيدة الظل والصليب‬
    ‫)٧٤٢(‬     ‫٦٢- بين ضفتين اإلحساس بالرحيل المبكر عند الشـابي والسيـاب‬
    ‫)٩٥٢(‬                                              ‫٧٢- ابن الـــــــــرومي باكيــــــا‬
    ‫)٠٧٢(‬                          ‫٨٢- نزعة الحرية عند شعراء العراق المحدثين‬




‫٣‬
                    ‫ﺇﻫـﺪﺍﺀ‬
           ‫ﺇﻟﻰ ﻭﺍﻟﺪﻱ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﻋﻤﺮ ﻣﺸﺎﺭﺓ‬
            ‫ﺃﻧﻔﻘﺖ ﻋﻤﺮﻙ ﻣﺘﻌﻠﻤﺎ ﻭﻣﻌﻠﻤﺎ، ﻋﺎﺑﺪﺍ‬
             ‫ﻭﺯﺍﻫﺪﺍ، ﺣﺒﺒﺖ ﺇﻟﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻷﺩﺏ‬
                   ‫ﻭﺯﻳﻨﺘﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻲ‬
                                ‫ﺮ‬
         ‫ﻭﻟﻜﻢ ﻛﻨﺖ ﺗﺴ ّ ﺣﻴﻦ ﻳﻨﺸﺮ ﻟﻲ ﻣﻘﺎﻝ ﺑﻤﺠﻠﺔ‬
     ‫ﺗﺴﺄﻟﻨﻲ ﺍﻟﻤﺰﻳﺪ، ﻭﺗﺮﺟﻮ ﻟﻲ ﻓﻲ ﻗﺮﺍﺭﺓ ﻧﻔﺴﻚ ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ‬
                 ‫ﻓﺎﺳﻤﺢ ﻟﻲ ﺳﻴﺪﻱ ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ‬
    ‫ﺃﻥ ﺃﺭﻓﻊ ﺇﻟﻴﻚ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺗﺤﻴﺔ ﺧﺎﻟﺼﺔ ﻭﻋﺮﻓﺎﻧﺎ ﻛﺒﻴﺮﺍ‬
                 ‫ﻣﻦ ﻭﻟﺪ ﻳﺤﻤﻠﻚ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ‬
              ‫ﻭﻗﻴﺪﺕ ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﻫﻮﺍﻙ ﻣﺤﺒﺔ‬
              ‫ﻭﻣﻦ ﻭﺟﺪ ﺍﻹﺣﺴﺎﻥ ﻗﻴﺪﺍ ﺗﻘﻴﺪﺍ‬
                     ‫ﻭﻟﺪﻙ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ‬




‫٤‬
                                  ‫توطــــئة‬
‫إن فن المقال فن حديث في أدبنا العربي ارتبط ظھوره وتطوره بالصحافة العربية‬
‫فكالھما له على صاحبه دالة، فظھور الصحف بعد الوقائع المصرية دفع الكتاب إلى‬
‫التسابق في ھذا المضمار وإلى إنتاج وفير، ووجود الكتاب ووفرة ما يكتبونه‬
‫أخصب الحركة الصحفية فتعددت الصحف األدبية والسياسية والعلمية، ونظرة‬
‫واحدة على قائمة الصحف الصادرة في القرن التاسع عشر في المنجد في اللغة‬
‫واألعالم لصاحبه األب لويس معلوف تؤكد صحة ما ذھبنا إليه من رأي، غير أننا‬
‫ال نسرف على أنفسنا فنقطع صلة المقال بعصورنا األدبية الزاھرة، ونرى أنه ابن‬
‫الصحافة والتواصل مع الغرب بعد رحلة رفاعة رافع الطھطاوي إلى باريس، وما‬
‫أدت إليه تلك الرحلة من فتوحات علمية وأدبية، فالواقع أن أسالفنا عرفوا شيئا يشبه‬
‫المقال في نھاية الدولة األموية وفي العصر العباسي، و لعل أول من مارس ما يشبه‬
‫المقال ھو عبد الحميد الكاتب، فلقد كانت كتاباته عن الصيد والشطرنج توطئة لفن‬
‫المقال، غير أن ھذا النشاط األدبي عرف أوجه في العصر العباسي مع ابن المقفع،‬
‫والجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، والرازي، والبيروني وغيرھم، ذلك أن النثر‬
‫والمقال تحديدا ھو سبيل الكاتب إلى الشرح واإلفاضة واالستدالل والحجاج، وقد‬
‫كان العصر العباسي خير العصور األدبية فكرا وأدبا، عاشت في كنفه عقول عربية‬
‫كبيرة أنتجت أدبا وعلما أثرت بھما الثقافة اإلنسانية، وقد كان التوحيدي يكتب في‬
‫شؤون الفكر والجاحظ في شؤون األدب والنقد والبيروني في مجال الفلك والرازي‬
‫في مجال الطب و غيرھم، وما يالحظ على تلك المحاوالت من نقائص أن غياب‬
‫الصحافة جعل تلك المقاالت مشوبة بجملة من النقائص لعل أھمھا اإلفاضة حد‬
‫إمالل القارئ ثم الخروج عن الموضوع كما ھو الشأن عند الجاحظ الذي تعلل لذلك‬
‫بدفع الملل عن القارئ، ثم غياب المنھجية الصارمة أحيانا، وربما التكلف أحيانا‬
‫أخرى أي مراعاة الشكل أكثر من المضمون، ولكنھا تبقى محاوالت لتأسيس فن‬
‫المقال في األدب العربي، وال ريب أن كل بداية محكوم عليھا بالتعثر والقصور،‬
‫وأن الرقي والنضج واالستواء إنما يحصل مع كر األيام وإنتاج القرائح،وذلك ما‬


‫٥‬
‫حدث مع المقال فقد أحدثت الوقائع المصرية رجة في صفحة سكوننا الراكد أيقظتنا‬
‫من غفوتنا وأسلمتنا إلى نشاط كبير في حقول األدب والعلم والدين والفلسفة ، فتسابق‬
‫الكتاب يدبجون المقاالت في صحف ومجالت سيارة مخلصين مقاالتھم من عيوب‬
‫أسالفھم يحترمون الحجم ويراعون المنھجية ويراعون التخصص كذلك وال يسمح‬
‫أحدھم لنفسه بالخروج عن الموضوع ، فكانت مقاالت محمد عبده الدينية، وإبراھيم‬
‫اليازجي اللغوية، ويعقوب صروف العلمية وغيرھم ثم مقاالت العقاد وطه حسين‬
‫ومصطفى صادق الرافعي، وھي مقاالت أدبية. ثم مقاالت زكي نجيب محمود و‬
‫محمود شلتوت وأحمد زكي وھي مقاالت فلسفية ودينية وعلمية، وقد جرت العادة‬
‫أن يجمع األدباء مقاالتھم في مؤلف خاص فالرافعي جمع تلك المقاالت في كتاب‬
‫مشھور ھو)وحي القلم(، وأحمد أمين جمعھا في )فيض الخاطر(، وأحمد حسن‬
‫الزيات في )وحي الرسالة( ومحمد البشير اإلبراھيمي في )عيون البصائر(‬
‫والدكتور أحمد زكي في كتابه المشھور )في سبيل موسوعة علمية(،وھذه مقاالت‬
‫كتبھا صاحبھا في السنتين األخيرتين ونشرھا في مختلف مجالت المشرق والخليج‬
‫والمھجر األمريكي، والحق أن عھده بكتابة المقاالت قديم، فقد كتب أول مقال أدبي‬
‫وھو طالب بالجامعة ولم يتم العشرين ونشر ذلك المقال بجريدة الشرق األوسط‬
‫اللندنية وكان ذلك المقال سجاال بينه وبين المرحوم حمد الجاسر عن العقاد و طه‬
‫حسين وتوسعت دائرة النقاش لينظم إليه عبد ﷲ باجبير صاحب عمود قھوة‬
‫الصباح، و تلقى كاتب المقال رسالة من مدير التحرير األستاذ محمد خليفة التونسي‬
‫يرحب فيھا بمقاله ويسأله كتابات أخرى، وكانت تلك البداية، أما ھذه المقاالت فلھا‬
‫قصة فقد صيف كاتبھا في باريس عام ٣٠٠٢، وكان الصيف حارا وباريس مدينة‬
‫تكاد تخلو من أھلھا، فلم يجد صاحب ھذه المقاالت وسيلة لدفع الملل واإلحساس‬
‫بالوحشة إال تنظيم وقته بين التردد على معھد العالم العربي والمكتبة الوطنية‬
‫والمركز الثقافي جورج بومبيدو ومتحف اللوفر في اآلحاد،على أنه جلس في أحد‬
‫األيام على ضفاف السين وكان حينھا مشغوفا بلزوميات أبي العالء يقلب فيھا النظر‬
‫واسترعته ظاھرة ھي كثرة المسميات الفلكية في شعره وكان يحفظ من لزومياته‬


‫٦‬
‫الكثير، فأمسك بالورقة والقلم وكتب أول مقال من ھذه المقاالت "أبو العالء فلكيا"‬
‫وأرسله من باريس إلى مجلة العربي الكويتية فنشرته في أحد أعدادھا، وكتب‬
‫مذكرات "حكاية جدي " على قارعة الطريق في الدائرة السابعة من باريس، ونشره‬
‫في الجيل اللبنانية، وتوالت المقاالت تباعا، بعضھا دراسات في الشعر الحديث‬
‫كالرفض في الشعر الحديث، وزمن السأم، و نزعة الحرية عند شعراء العراق‬
‫المحدثين، وبعضھا جمع بين النظر في حياة األديب وشعره، كبشارة الخوري "نشرة‬
‫الفرح وحسرة الزوال" و"مالك لبنان" الحزين فوزي المعلوف وتأمالت في شعر‬
‫ميخائيل نعيمة ومي زيادة وصالونھا األدبي وغيرھا، أما النشر فما تعلق باألدب‬
‫المھجري فكان ينشره بمجلة المغترب العربي في كندا وصوت العروبة في أمريكا‬
‫وأما المقاالت األخرى فكان ينشرھا بمجالت الخليج والشام، ثم نشرھا جملة في‬
‫ديوان العرب اإللكترونية لصاحبھا عادل سالم، كما نشر جزءا آخر منھا في مجالت‬
‫أخرى كصھيل و"أنھار الكويتية" و "أقالم ثقافية الفلسطينية " وضفاف اإلبداع‬
‫الجزائرية وغيرھا، وقد أشار إلى ذلك في موضعه من الكتاب الذي أسماه "وھج‬
‫األربعين" وقد رغب صاحبھا في أن يستفيد منھا جمھور القراء المھتمين وطالب‬
‫الجامعة وأساتذتھا، فرغب في إصدارھا مجموعة في كتاب حتى تعم الفائدة، وإنه‬
‫ليأمل أن يكون الكتاب إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية، وأن يكون ھذا الكتاب‬
                                     ‫باكورة إنتاج أدبي يأمل له النجاح والتوفيق.‬




    ‫إبراھيم مشارة‬
‫برج بوعريريج - الجزائر يونيو٩٠٠٢‬




‫٧‬
                   ‫) ١(‬
                          ‫أبو العالء المعري فلكيا‬

‫أبو العالء المعري شاعر الفالسفة وفيلسوف الشعراء، وأحد كبار الشعراء‬

‫العرب وأعمقھم ثقافة وأرسخھم قدما في علوم العربية والمنطق والفلسفة،‬

‫وأحد القالئل الذين لھم خبرة بالنفس اإلنسانية و تقلباتھا، ويزيد إعجابنا‬

                              ‫بسعة ثقافته إذا تقصينا شيئا من ثقافته الفلكية.‬

‫يبھر أبو العالء المعري من له دراية بالفلك، ويتعجب في الدقة التي يصف‬

‫بھا الشاعر المجموعات النجمية طلوعھا وشروقھا الواحدة تلو األخرى‬

‫وھو الضرير الذي حرم من متعة النظر إلى السماء ! ولقد أكثر المعري‬

‫من ذكر النجوم والكواكب، وال جرم أنه كان يعظم شأنھا وھو القائل عن‬

                                                                     ‫زحل :‬

                               ‫زحل أشرف الكواكب دارا‬

                               ‫من لقاء الردى على ميعاد‬

‫والمعري كغيره من المثقفين في العصر العباسي األول والثاني الذين‬

‫اطلعوا وال ريب على مؤلفات أفالطون وأرسطو وبطليموس، واإلشارة‬

‫ھنا بقوله "أشرف الكواكب دارا" إلى كون زحل الكوكب األبعد مدارا‬

      ‫حول األرض ال حول الشمس ألن النظرية البطليموسية وفحواھا أن‬

                  ‫)١( مجلة العربي، الكويتية العدد ٨٤٥، يوليو، ٤٠٠٢.‬

‫٨‬
‫)األرض مركز الكون( سادت حتى عصر كوبرنيكوس، ولھذا وقف‬

    ‫اإلنسان القديم في تعرفه على الكواكب عند زحل ألن الكواكب األخرى‬

‫)أورانوس ونبتون وبلوتو( ال ترى إال بالمناظير القوية، وقد كان المعري‬

‫مؤمنا بفناء المادة وانحالل الكون من حيث ھو نجوم وكواكب فيقول‬

                                               ‫مباشرة بعد البيت السابق:‬

                       ‫ولنار المريخ من حدثان الــــد‬

                       ‫دھر مطف وإن علت في اتقاد‬

                        ‫والثريا رھينة بافتراق الشمــــ‬

                       ‫ـمل حتى تعد في األفــــــــراد‬

                       ‫واللبيب اللبيب من ليس يغتــر‬

                        ‫ربكون مصيره للفســـــــــاد‬

                                                         ‫اقتران الكواكب‬

‫وفي لزوميات المعري إشارات فلكية تخفى على كثير من المثقفين في‬

‫عصره و في غيره من العصور . كإشارته إلى اقتران الكواكب، وھو من‬

‫الناحية الفلكية اجتماع كوكبين أو أكثر في برج من البروج في أقرب‬

‫مساحة ممكنة، وإذا علمنا أن بعض الكواكب ال يتم دورة واحدة حول‬

‫الشمس إال خالل عشرات السنين اتضح لنا أن ھذا األمر نادر الحدوث‬

‫٩‬
‫ومن االقتران الذي تناوله المعري ما تعلق بكوكبي المشتري وزحل وقد‬

‫كان القدماء يتفاءلون خيرا بھذا االقتران، على العكس من تشاؤمھم من‬

                                      ‫ظھور المذنبات، يقول المعري :‬

                       ‫قران المشتري زحال يرجى‬

                         ‫إليقاظ النواظر من كراھا‬

‫غير أن المعري يخونه التوفيق في بيت من ھذه القصيدة حين يؤكد ثبات‬

                                                      ‫مواقع النجوم :‬

                       ‫تقضى الناس جيال بعد جيل‬

                       ‫وخلفت النجوم كما تراھــــا‬

‫فالذي ھو ثابت اليوم أن النجوم في حالة حركة، وأن كثيرا منھا سيغير‬

‫موقعه بعد آالف السنين، فمجموعة "الدب األكبر" لن يكون شكلھا كما‬

                          ‫نراھا اليوم بل سيتغير نتيجة لحركة نجومھا !‬

‫وفي قصيدة "علالني"، وھي قصيدة نظمھا الشاعر في عھد الشباب حاول‬

‫فيھا أن يحاكي المبصرين في دقة الوصف، متعاليا على عاھته، وقد نجح‬

‫في ذلك إلى حد اإلعجاز، وأدعو القارئ إلى قراءة ھذه األبيات ومراجعة‬

‫ذاكرته حول أسماء النجوم الواردة في ھذه القصيدة، وعن الفصل الذي‬

         ‫تشرق فيه وتغرب إن كان من الملمين بالفلك ، يقول أبو العالء :‬

‫٠١‬
                        ‫ليلتي ھذه عروس من الزنـ‬

                        ‫ج عليھا قالئد من جمـــــان‬

                         ‫وكأن الھالل يھوى الثريــا‬

                        ‫فھما للوداع معتنــــــــــقان‬

‫والمؤكد أن الشاعر نظم ھذه القصيدة في أواخر الربيع، ألن برج الثور‬

‫حيث توجد مجموعة "الثريا" ال يكون باألفق الغربي إال في أواخر ھذا‬

            ‫الفصل حيث تنزله الشمس في شھر مايو فتنحجب عن األبصار.‬

‫فإذا كان الھالل ابن أيام قليلة في أواخر الربيع نزل في برج الثور فيرى‬

            ‫بعد مغيب الشمس في ھذا البرج، وقبل ھذا البيت يقول المعري:‬

                         ‫وكأني ما قلت والبدر طفـــل‬

                         ‫وشباب الظلماء في العنفوان‬

                                                               ‫نجم سھيل‬

‫وقد أولع المعري بذكر نجم "سھيل" وھو نجم عمالق أحمر يبعد عن‬

‫األرض بحوالي أربعمئة سنة ضوئية وھو جد مھم في المالحة الفضائية‬

‫ألنه يستخدم كنقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحالتھا ما بين‬

‫الكواكب، ويقع ھذا النجم في كوكبة )الجؤجؤ( التي تشكل جزءا من‬

     ‫المجموعة النجمية العمالقة "السفينة" فماذا يقول الشاعر عن ھذا النجم ؟‬

‫١١‬
                            ‫وسھيل كوجنة الحب في اللو‬

                            ‫ن وقلب المحب في الخفقـان‬

                            ‫ضرجته دما سيوف األعادي‬

                            ‫فبكت رحمة له الشعريـــــان‬

‫ولن نخوض في الجمال األدبي األخاذ الكائن في ھذا الوصف، ولكن ينبغي‬

‫أن نشير ھنا إلى أن ھذا النجم ال يرى من العروض الشمالية "كسورية"‬

‫حيث عاش الشاعر بسبب وجوده تحت خط األفق وھو في جنوب الكرة‬

‫السماوية. وال تتأتى رؤيته إال من جنوب األرض )إفريقيا الجنوبية ،‬

‫أستراليا ، أمريكا الجنوبية (، والشاعر قد أراد أن يدلل على سعة ثقافته‬

                                      ‫الفلكية ولو لم يشاھد ھذه النجوم !‬

‫ويختم المعري قصيدته باإلشارة إلى شروق كوكبة "النسر الواقع " وفيھا‬

‫النجم الالمع "‪ "vega‬وھي كوكبة تشرق في أواخر الربيع قبل الفجر ثم‬

‫تتقدم غرب السماء يوما بعد يوم، وبالتالي تكون محتلة للسمت في فصل‬

‫الصيف، والعارف بالفلك يحار في دقة المعري في تقصي ھذه المجموعات‬

                       ‫النجمية وھو الضرير، يقول عن ھذه المجموعة :‬

                           ‫ونضا فجره على نسره الوا‬

                           ‫قع سيفا فھم بالطيــــــــران‬

‫٢١‬
‫ومن النجوم التي أشار المعري إليھا في لزومياته وسائر شعره: الشعرى‬

‫اليمانية والشعرى الشامية ، فأما األولى فقد عبدتھا العرب القدماء ، وقد‬

‫فند القرآن الكريم ھذه األباطيل والوثنيات فقال تعالى مخاطبا العرب في‬

‫سورة النجم :"وأنه ھو رب الشعرى"، والشعرى اليمانية نجم يبعد عنا‬

‫بحوالي ثماني سنوات ضوئية وھو من ألمع النجوم ويستأثر بليلنا طوال‬

‫ليالي الشتاء ويوجد قريبا من مجموعة الجبار "‪ "orion‬أو الجوزاء كما‬

‫أسمتھا العرب، وحول ھذين النجمين للعرب أسطورة جميلة فحواھا أن‬

‫الشعرى اليمانية ھربت مع حبيبھا نجم سھيل وعبرت نھر المجرة أي‬

‫"درب التبان" ولھذا تسمى أيضا بالشعرى العبور، وظلت أختھا الشعرى‬

‫الشامية تبكي على فراقھا دون أن تتمكن من عبور نھر المجرة، ولھذا‬

‫تسمى أيضا بــ"الغميصاء" أي في عينيھا تقرح من شدة البكاء، يقول‬

                           ‫المعري مخاطبا أحد أخواله المكثرين للسفر:‬

                           ‫إذا الشعرى اليمانية استنارت‬

                           ‫فجدد للشآمية الـــــــــــــودادا‬

‫شاعر الفرقدين: وفي قصيدة المعري المشھورة "أال في سبيل المجد"‬

‫وھي التي نظمھا في عھد الشباب وافتخر فيھا بمركزه األدبي وأخالقه‬

‫العالية يذكر نجما ھو "السھا "، وھو نجم خفي في كوكبة الدب األكبر في‬

‫٣١‬
‫الذيل ، كانت العرب تمتحن به قوة البصر وقالت في المثل :"أريھا السھا‬

‫وتريني القمر"، وھو مثل يضرب للشخص تريه األمر الخفي فيضرب عنه‬

  ‫صفحا ويتحدث عن الواضح الجلي، يقول المعري مشيرا إلى ھذا النجم :‬

                            ‫وقالت السھا للشمس أنت خفية‬

                            ‫وقال الدجى يا صبح لونك حائل‬

‫وھو يشير من خالل ذكر ھذا النجم إلى فساد القيم وانقالب األوضاع ، إلى‬

‫درجة أن الحقير الصغير يطاول الشريف الكبير، وكما ذكر المعري‬

‫الكواكب وأولع بذكر المريخ و زحل ) كيوان (، وذكر النجوم البعيدة وفي‬

‫لزومياته يتردد ذكر الفراقد أو الفرقدين كما في رثائه ألبي حمزة الفقيه،‬

‫والفرقدان نجمان نيران في كوكبة الدب األصغر أشد إضاءة من النجم‬

‫القطبي الذي يشير إلى القطب الشمالي، ومن أسمائھما "حارسا القطب "‬

‫ألنھما يدالن على النجم القطبي لمن ال يعرفه، يقول شاعرنا مشيرا إليھما :‬

                     ‫وكم رأت الفراقد والثريـــا‬

                      ‫قبائل ثم أضحت في ثراھا‬

                        ‫وفي مرثيته ألبي حمزة الفقيه يشير كذلك إليھما:‬

                          ‫كم أقاما على زوال نھار‬

                          ‫وأنارا لمدلج في ســــواد‬

‫٤١‬
‫ولم يغفل المعري اإلشارة إلى السماكين وھما نجمان عمالقان أحدھما ھو‬

‫" السماك الرامح "في كوكبة " العواء" أو الراعي واآلخر ھو "السماك‬

‫األعزل" في كوكبة " العذراء البروجية "، والسماك الرامح ألمع من‬

‫السماك األعزل وقد تردد ذكرھما كثيرا في شعر العرب، أما شاعرنا فقد‬

                              ‫رأى منزلته األدبية سامية بين السماكين :‬

                   ‫ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي‬

                  ‫على أنني بين السماكين نـــــــــازل‬

‫قصيدة نظمھا الشاعر في عھد الشباب وقد آلمه حسد البعض‬                 ‫وھي‬

‫ومحاولتھم النيل من الشاعر، يصر حكيم المعرة على أن منزلته في‬

‫الجوزاء ، وفي ھذه الكوكبة التي ذكرھا الشاعر خلط كبير فالعرب قد‬

‫تطلقھا على مجموعة الجبار "‪ "orion‬بدليل أن أحد نجومھا وھو من النجوم‬

‫المصنفة كألمع النجوم تسميه العرب "إبط الجوزاء" وبھذا االسم عرفه‬

‫" على أن الجوزاء الحقيقية كوكبة بروجية‬   ‫"‪Bételgeuse‬‬    ‫الفلكيون الغربيون‬

‫بين الثور والسرطان تنزلھا الشمس بين )٢٢( يونيو و)١٢( يوليو‬

‫وصارت تقع في السمت في العروض الشمالية بدل كوكبة السرطان بسبب‬

‫مبادرة االعتدالين وترنح محور دوران األرض، وال نعلم ھل كان المعري‬




‫٥١‬
‫يقصد بالجوزاء برج الجوزاء ھذا كما شرحناه، أم جرى على إلف العرب‬

                    ‫في إطالقھم ھذا االسم على الجبار؟ المھم أنه يقول :‬

                        ‫أفوق البدر يوضع لي مھــاد‬

                       ‫أم الجوزاء تحت يدي وساد؟‬

‫أما الشمس نجمنا الذي يبدد سواد الفضاء ووحشة الكون فقد شغل ھذا‬

‫النجم عقل المعري الجبار وتساءل عن زمن مولد الشمس وأدرك أنه قديم:‬

                      ‫ومولد ھذي الشمس أعياك حده‬

                       ‫وخبر لب أنه متــقــــــــــــــادم‬

‫واستأثر الزمن بفكر الشاعر الفيلسوف كما استأثر بعقول الفالسفة اإلغريق‬

‫وبعقل نيوتن وأينشتين، وإن كانت نظرية النسبية قد فصلت في نسبية‬

‫الفضاء والزمن فالمعري يرى أن تيار الزمن ينساب في الكون ويملؤه وال‬

                                          ‫توجد نقطة في الكون بال زمن !‬

‫ھذه لمحة وجيزة عن ثقافة المعري الفلكية ، فدارس شعره يقف على كثير‬

‫من اإلحاالت في قصائده، وھي كثيرة تستغرق مؤلفا مفصال، وال يزعم‬

‫كاتب ھذا المقال أن الشاعر كان فلكيا، وإن كان عنوان المقال يوحي‬

‫بشيء من ذلك فالشاعر كان عقال فذا استوعب ثقافة عصره واطلع على‬

‫شيء من الثقافة اإلغريقية وربما الھندية والفارسية، ولھذا جاء شعره‬

‫٦١‬
‫ممثال لسعة اطالعه و حيرته الفلسفية، كما جاء ممثال لطھارة نفسه ونقاوة‬

                  ‫ضميره من رذائل الكذب والنفاق واألنانية وھو القائل:‬

                      ‫ولو أني حبيت الخــــلد فردا‬

                       ‫لما أحببت بالخلد انـــــفرادا‬

                      ‫فال ھطلت علي وال بـأرضي‬

                        ‫سحائب ليس تنتظم البـالدا‬

‫حقا إن المعري مفخرة من مفاخر الثقافة العربية وشاعر عظيم من أساطين‬

                                                 ‫الشعر و فرسانه الكبار.‬




‫٧١‬
                            ‫) ١(‬
                                   ‫حكاية جــدي‬

‫في الثالث من شھر تشرين الثاني عام )٩٨٩١( وصل أبي تلغراف من‬
‫باريس مفاده أن والده قد توفي، وحيدا في غرفته رقم )١٢( بالفندق الكائن‬
                 ‫بـ)٠١( شارع شان دو مارس بالدائرة السابعة من باريس.‬
‫كان وقع الخبر علينا عظيما زلزل القلوب وأقض المضاجع واعتصر‬
‫المآقي دموعا سخاما، وشاء القدر الذي كنا نأمل فيه الخير ونتوسم فيه‬
‫العطف أن يجمعنا بجدي -نحن أحفاده- بعد أن حرمنا منه سنين طويلة‬
‫يضاحكنا ويعابثنا ويقص علينا طرفا من سيرته وحياته في عاصمة النور،‬
‫على عادة األجداد في جمع األحفاد حولھم يوجھون ويروون وعيون‬
                                   ‫األحفاد إليھم مشدودة كأنھم آلھة اإلغريق .‬
‫سافر أبي إلى باريس في الغد إلحضار التابوت وقد استغرق ذلك أسبوعا‬
‫واستدعى نفقات باھظة وفي يوم )٢١( تشرين الثاني كانت الجنازة رھيبة‬
‫بمسقط رأسه وببلدتنا زمورة ناحية برج بوعريريــج إلى الشرق من‬
‫الجزائر العاصمة، حضر الناس من كل حدب وصوب فقد صار الرجل‬
‫حكاية تروى وأسطورة تستوحى غاب عن بلده خمسا وخمسين عاما‬
‫واستقر في باريس عامال بشركة "سيمكـا" لصناعة السيارات، ترك‬
‫الجزائر عام )٧٣٩١( وإلى عام )٣٦٩١( لم يزرھا غير مرتين إحداھما‬
‫بسبب الحرب العالمية الثانية وسقوط باريس والثانية ليتزوج، بعد أن طلق‬
‫زوجته األولى -أم والدي- ولكن زواجه باء بالفشل وعاد إلى باريس‬
     ‫يرضى من الغنيمة باإلياب وكانت تلك آخـر مرة زار فيھا الجزائر وأقام‬
           ‫)١( مجلة الجيل اللبنانية، العدد ٨، المجلد ،٦٢ أغسطس ٥٠٠٢.‬



‫٨١‬
‫قليال بمسقط رأسه زمورة ومن عام )٣٦٩١( إلى تاريخ وفاته عام‬
‫)٩٨٩١( عاش في عزلة تامة بالدائرة السابعة -اليزور واليزار- ولسان‬
                                                  ‫حاله يقول مع المعري :‬
                      ‫وزھدني في الخلق معرفتي بـھم‬
                      ‫لعلمي بأن العالمين ھبــــــــــاء‬
‫مات بسكتة قلبية واكتشفت جثته يوم )٣( تشرين الثاني وأكد األطباء بعد‬
‫تشريح الجثة أن وفاته كانت يوم الفاتح من نوفمبر، وألنه يعيش وحيدا لم‬
‫يكتشف أمره، لوال أن تفطنت السيدة غارسيا روز لغيابه، وھي سيدة‬
‫إسبانية تعيش مع زوجھا وأمھا وولديھا في نفس الفندق وترعى شؤونه،‬
‫وكانت تكن لجدي محبة وتقديرا فأخطرت سلطات الدائرة السابعة ليجدوا‬
                                                          ‫الرجل جثة ھامدة .‬
     ‫ولد جدي بزمورة وھي بلدة صغيرة تقع إلى الشمال من برج بوعريريج‬
‫)والية من واليات شرق الجزائر( عام )٥١٩١( في ظروف تذيب الحجر‬
‫الصلد وتصيب اإلنسان باليأس، كان البلد واقعا تحت االحتالل الفرنسي‬
‫ورحم االحتالل ال تنسل إال ثالثة أبناء شرعيين الفقر والمرض والجھل‬
‫فحبل البلد السري كان موصوال بالعدمية والعبثية والعماء وإذ تفشت‬
‫البطالة والقى الناس العنت وأصابتھم سنون كسني يوسف أذابت اللحم‬
‫والعظم معا، فكان البد أن يھاجر من كل أسرة فردا للعمل في فرنسا في‬
‫مصانع الفحم أو السيارات وما شئت من األشغال الشاقة التي يعافھا‬
‫الفرنسيون ولو كانت تدر ذھبا، إلعالة األسرة وھذا ھو السبب الذي جعل‬
‫الجالية الجزائرية في فرنسا أكبر جالية، إنھا تكونت أساسا من الطبقة‬
‫العاملة الكادحة، وكان جدي واحدا منھم عمل بدون كلل أو ملل حتى أحيل‬


‫٩١‬
‫على المعاش وكان مثال للصرامة واإلخالص والتفاني في العمل، كان بينه‬
‫وبين عمله عشق أشبه بالوجد الصوفي ولقد كرمته إدارة المصنع يوم أحيل‬
‫على المعاش بشھادة وميدالية نقش عليھا اسمه وكان مما قيل في تقديره‬
‫"إنه العامل الذي لم يغب يوما واحدا عن عمله ولم يتأخر عن االلتحاق‬
                                                 ‫بالمعمل خمس دقائق".‬
‫كان جدي -رحمه ﷲ- سريع البديھة وأذكر ھنا نادرة تدل على سرعة‬
‫بديھته، وھي واقعة تشبه ما وقع لألستاذ مالك بن نبي -رحمه ﷲ- فقد كان‬
‫يومھا طالبا ودخل مطعما باريسيا لتناول الغداء ولما كان وحده على‬
‫المائدة حن إلى األكل مع أھله في قسنطينة وإلى تقاليدھم في تناول الطعام‬
‫فشرع يأكل بيديه، والحظته سيدة فرنسية كانت مع ضيوفھا على المائدة‬
                              ‫المجاورة فأرادت إحراجه والتنكيت عليه :‬
‫- سيدي من يراك تأكل بيديك في عصر صنعت فيه الشوكة والملعقة يقول‬
‫إنك رجل بدائي خرجت للتو من الكھف، فرد عليھا األستاذ مالك على‬
‫الفور: أعتقد يا سيدتي أن الملعقة والشوكة صنعتا لمن يده قذرة أما أنا‬
                                        ‫فيدي جد نظيفة آكل بھا مباشرة.‬
‫أما جدي فتكريمه يوم أحيل على المعاش أغاظ أحد الفرنسيين فأراد‬
‫السخرية منه فطلب من جدي أمام جمع من الفرنسيين أن يقدر عمره، ھنا‬
‫فتح جدي فم ذلك الفرنسي لمالحظة أسنانه و أضراسه وقال له أن عمرك‬
            ‫كذا... ثم علق : - ھذا يا سيدي ما نفعله مع المواشي في بلدنا.‬
‫عاش جدي في باريس خمسا وخمسين عاما كادحا في النھار وقارئا في‬
‫الليل لم تكن باريس عنده حانات ومالھي وأماكن الروليت، اختار حيا أنيقا‬
‫ھادئا من الدائرة السابعة شارع شان دو مارس بين األنفاليد والمدرسة‬


‫٠٢‬
‫العسكرية وبرج إيفل، كان ال يحب الھذر وال يفتح قلبه لكل إنسان، صعب‬
‫المراس، قوي الشكيمة، صادق القول والوعد يتحاشى مخالطة الناس ألن‬
                    ‫فيھم األثر والوغد واألفاك والجاھل ولسان حاله يقول :‬
                        ‫وقد يخطئ اإلنسان ظـن عشيره‬
                        ‫وإن راق مــنه منظـــــر ورواء‬
‫حينما زرت باريس عام )٩٨٩١( بعد شھرين من وفاة جدي ذھبت إلى‬
‫الفندق الذي أقام به جدي، وبقيت في نفس الحجرة رقم )١٢( التي أقام بھا‬
‫شھرا كامال قالت لي السيدة "غارسيا روز" : ال أقول إني أحببت جدك فقط‬
     ‫وإنما عبدته، فھو مختلف جدا عن كل العرب الموجودين ھنا في باريس.‬
‫كان يعمل في مصنع السيارات ولم يشتر سيارة على الرغم من‬
‫التخفيضات التي تقدم ألمثاله ، فالسيارة عنده ليست مقياسا للحضارة، ولم‬
‫يكن يكلمنا بالھاتف ألنه في كثير من األحيان وجد للغو الكالم، فالرسالة‬
‫ھي الرسول بيننا، ولم يكن يمتلك جھاز تلفزيون ألن وقته قبل النوم‬
                  ‫مخصص للقراءة واكتفى بمذياع لالستماع ألخبار الدنيا .‬
          ‫وكان -رحمه ﷲ- ينظر إلى الدنيا بعين الريبة فھي كما قال الخيام:‬
                       ‫على نطع ھذا الكون قد لعبت بنا‬
                       ‫وعدنا لصندوق الفنا بالتــــعاقب‬
‫ولذا كان كريما سخيا ما قصـده صاحب حاجة من البلد -وما أكثرھم- إال‬
‫حقق حاجته بال حساب وكثير منھم -سامحھم ﷲ- كانوا يستغلونه وھم‬
                                            ‫يحسبون أنھم يحسنون صنعا.‬
‫كانت فلسفته في المال قول الفرنسيين: " المال خادم مطيع وسيد شرير"‬
‫ظل طول عمره أنيقا مھندما، وكان شديد التدين يحرص على أداء‬


‫١٢‬
‫الصلوات في أوقاتھا ويقصد مسجد باريس ألداء صالة الجمعة، واألعياد‬
‫وتدينه ھذا سبب لي مرة معه مشكلة: فقد كتبت إليه رسالة بدون بسملة،‬
‫وإذا بالرد يكون عنيفا والتقريع قاسيا واللوم جارحا وقد اعتبرھا نقيصة بل‬
                                                ‫مثلبة أن أنسى البسملة.‬
‫كان جدي عامال بسيطا ولكنه كان قارئا نھما يغشى مكتبات باريس ويقتني‬
‫الكتب الغالية الثمن دون أن يحسب للمال كما يحسب له غيره حينما يكد‬
‫سونه للتباھي والغطرسة أو شراء المتاع فوق الحاجة، ومن الكتب التي‬
‫اشتراھا وقرأھا وأرسلھا إلينا متحمال مصاريف اإلرسال: األغاني والعقد‬
‫الفريد وتاريخ ابن خلدون، وحياة الصحابة وأدب الكاتب وسير الخلفاء‬
‫الراشدين وتفاسير كثيرة للقرآن الكريم وصحيح البخاري ومسلم وتاريخ‬
‫ابن األثير، ومؤلفات أخرى قيمة وفي كل كتاب تجد تعليقا له بخط يده أو‬
‫ھذه العبارة "قف فائدة عظيمة" إذا تعلق األمر بمعنى جليل أو قول سديد‬
                                         ‫يريدنا التركيز عليه واستيعابه.‬
‫في صيف عام )٣٠٠٢( زرت باريس ألكثر من ثالثة أشھر باحثا في‬
‫مكتباتھا وزائرا عاشقا لمتاحفھا ومتعبدا في مغانيھا ومحاريبھا الفنية‬
‫والثقافية وتلفتت عيني إلى الدائرة السابعة فتلفت القلب كما يقول شاعرنا‬
                                                     ‫الشريف الرضي.‬
‫وأسلمت القياد إلى خطواتي تقودني إلى شارع شان دو مارس والقلب‬
‫خفاق والكبد حرى والنفس حسيرة والدمعة حبيسة، وقفت أمام دار الحبيب‬
‫ال كما يقف شعراؤنا على األطالل، ففي باريس ال توجد أطالل بل تجديد‬
‫وإعادة بناء وتصميم حتى لتخال أنك أخطأت العنوان جلست على قارعة‬
‫الطريق -وال أحد يبالي بي- وكتبت أسطرا أعود إليھا اآلن، دونتھا في‬


‫٢٢‬
‫مذكراتي الباريسية ھكذا: " اليوم االثنين ١١ من أغسطس )٣٠٠٢( وفي‬
‫ھذا المساء الحار عدت إلى الدائرة السابعة إلى شارع شان دو مارس حيث‬
‫عاش جدي عشرات السنين وحيث قضى في الفندق المواجه لي والذي‬
‫يبدو لي أنه تغير عن التسعينات حيث أقمت‬    ‫‪HÔTEL DU CADRAN‬‬    ‫صار اسمه‬
‫شھرا ھنا، فكثير من المحالت تغيرت، وإني أنظر في كل اتجاه وأتخيل‬
‫‪FRANPRIX, LA TEINTURERIE,CANTIN‬‬   ‫جدي داخال إلى ھنا أو خارجا من ھناك‬
                                                       ‫‪... FROMAGES‬الخ‬
‫وأرفع رأسي صوب الحجرة التي شغلھا رقم )١٢( تأخذني رعدة كلما‬
‫زرت ھذا الحي، وكأني أسعى إلى حرم مقدس، كم يعز علي ھذا المكان‬
‫وأشعر أنه لي من دون الناس وأنھم غرباء يندسون في متاھات مخيلتي‬
‫وسراديب روحي ،ولكم قسا علي الزمن وآلمني منه ھذا الظلم حين‬
‫حرمني من رؤية جدي وسماع صوته ورؤية طلعته، لھو الحزن العميق‬
‫واإلبحار في أوقيانوس الكآبة، مرارتك يا زمن حنظل في فمي، ال تفارقني‬
                                                   ‫إال حين أفارق الحياة.‬
‫وأنت يا جدي ما أقسى فعلك! وما أشد جرمك ! حين حرمتنا من دقائق في‬
                                                              ‫حضرتك:‬
                           ‫ظعنت لتستفيد جديـــــــدا‬
                           ‫وضيعت القديم المستفــادا‬
‫وأنت يا باريس تختصرين الوجود وأنت مثله: مثلما تعطين تسلبين، وھا قد‬
     ‫سلبت جدي منا ذللت له الطريق إلى النسيان حتى احتوته ھاوية العدم.‬
‫لئن آب إلى السماوات العلى نافضا يديه من وخز الضمير، ومرارة‬
‫الغربة، ووحشة األھل، وتصاريف الحياة، ولئن يشفع له تدين خالص،‬


‫٣٢‬
‫وتعفف أسطوري وكبرياء ھرقلي، فقد انتھى "سيزيف" من دفع الصخرة،‬
‫ارتدت عليه وألقته في سفح الوجود ثم دفعته إلى الظلمة األولى، وھا أنا ذا‬
‫مازلت أدفع الصخرة كما دفعتھا يا جدي بقلب متقطع، وكبد حرى مقل من‬
                            ‫متاع الدنيا كأنما ھذه الدنيا التي قلت فيھا أنا:‬
                               ‫ما أنت يا دنيا سوى مومــس‬
                               ‫في برقع العذراء الحت لــنا‬
                               ‫رفست عاشقا رقيق الھـــوى‬
                               ‫مشرعة فخذيك البن الخــــنا‬
‫التريد إال مزيدا من األوصاب والمتاعب، فال علينا كل إلى زوال، نم يا‬
‫جدي ھناك في زمورة التي ھجرتھا ستا وعشرين عاما بعد أن قضيت ھنا‬
‫أكثر من خمسين عاما إلى جوار أبيك وأكرم به من جوار! واترك لي‬
     ‫معضلة الوجود وتصاريف الحياة وألم الصقر الذي تعاف نفسه الجيف.‬
       ‫لك في قلبي الخلود وفي نفسي الشوق وفي ضميري الوفاء الصادق.‬
                                            ‫باريس شارع شان دو مارس‬
                                         ‫االثنين ١١ من أغسطس ٣٠٠٢‬




‫٤٢‬
                  ‫)١(‬
                                             ‫ّ‬
                        ‫شعرنا بين مد التجديد وجزر التقليد‬
‫س إن الشعـــــــر وجــدان ) عبد الرحمن شكري(‬      ‫أال ياطـــــــائر الــــفردو‬
‫إن الشعر صورة من الحياة ونسل من رحمھا، وھو ترجمان الشعور،‬
‫وفيض من توتر الروح وسبحات الوجدان، وكل موضوع من مواضيع‬
                                              ‫ّ‬
‫الحياة سما أو انحّ ط مثاليا كان أو واقعيا، وكل ھمسة أو خفقة قلب أو‬
‫شرارة انقدحت في الوجدان ھي مجاالت الشعر، وليس يعني الشاعر في‬
‫شعره بالمثل والقيم العليا فما ھو بفيلسوف وال داعية وال مصلح إنساني،‬
‫وإذا جاء شيء من ھذا في شعره فھو من طريق غير مباشر وإال فسدت‬
‫رسالة الشعر، ورسالته تجمل في كلمة فحواھا أن الشعر تعبير عن‬
                                                                       ‫الوجدان.‬
‫إن الشاعر الحقيقي صنو لإلنسان الحقيقي فكما ال يكون الشاعر شاعرا‬
‫إال إذا امتلك زمام اللغة وتبحر في بالغتھا وعرف أوزان الشعر وقواعده‬
‫فليس ھو بشاعر إن خال قلبه من الحب -حب الكائنات والطبيعة- والسعي‬
‫إلى إضافة شيء في المعمار اإلنساني، ومن ثمة تسقط الدعوة التي يروج‬
‫لھا بعض الناس وھي أن الشعر ال يكون شعرا إال إذا تضمن األشياء‬
                ‫العظيمة وحلق في سماء الفضيلة وما عداه ففحش ومجون،‬
‫وفي الواقع فشاعرية الشاعر ال تقاس بنوع الموضوع الذي يتطرق إليه في‬
‫شعره ومن ثمة الحكم باإلبداع أو الرداءة، وإنما بطريقة األداء وكيفية‬
‫التصوير وداللة اللفظ على المعنى وتدفق الشعور كتيار مصاحب للصور‬
               ‫الشعرية، وھي وحدھا العناصر التي يحاسب عليھا الشاعر.‬
‫إننا نجد في تراثنا الشعري القديم كثير من المنظوم الذي ليس بشعر، فمنه‬
‫ما يخلو من صدق الشعور وأكثر شعر المديح من ھذا القبيل، وفي دواوين‬
‫الشعراء الكبار كالمتنبي وأبي تمام والبحتري كثير من ھذه السقطات التي‬


‫٥٢‬
‫ابتغى بھا ھؤالء الشعراء حطام الدنيا مقابل التزييف والقفز على قناعات‬
               ‫عقولھم وأحاسيس وجدانھم فالمتنبي الذي يقول في كافور:‬
                                        ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
               ‫)١( مجلة تعابير، المملكة العربية السعودية، يناير٨٠٠٢.‬
                 ‫قواصد كافور توارك غـــــيره‬
                 ‫ومن قصد البحر استقل السواقيا‬
                                                             ‫ويعود ليقول فيه:‬
                  ‫ومثلك يؤتى من بالد بعــــيدة‬
                 ‫ليضحك ربات الحداد البواكيا!‬
                   ‫وال لشيء إال لكونه انتظر إمارة من كافور ولم ينلھا:‬
                ‫أبا المسك ھل في الكأس فضل أناله‬
                ‫فإني منذ حين أغني وتـــــــشرب ؟‬
‫فأين ھو صدق الشعور الذي انقلب من الضد إلى الضد في أمد قصير؟ ولم‬
‫يسلم شعراء الجاھلية على علو كعبھم في الشاعرية من آفة تسيء إلى‬
‫الشعر، وھي آفة التقليد، فإذا كان امرؤ القيس قد وقف على الديار فبكى‬
‫واستبكى حسب غيره من الشعراء أن عليھم سداد دين آللھة الشعر‬
‫ليترصدن خطى الملك الضليل حتى ولو لم يكن ألحدھم في سوق الھوى‬
‫الذيوع وما وقف حقيقة على طلل، ولذا عد أبو نواس شاعرا بحق ألنه‬
                                                                                ‫قال:‬
                  ‫عاج الشقي عن رسم يســـائله‬
                  ‫وعجت أسأل عن خمارة البلد‬




‫٦٢‬
‫لقد جعل الشعر ترجمانا عن وجدانه ولسانا يبين عن حاله، وقد كان أبو‬
‫نواس رجال غاص في الرذيلة إلى األذقان، ولم تكن حياته إال السكر‬
‫واإلمعان في الفجور وھو يبدع حين يصف عربدته ودعارته وليس أبدع‬
                                    ‫في وصف الخمرة وتأثيرھا من قوله:‬
                   ‫صفراء ال تنزل األحزان ساحتھا‬
          ‫إن مسھا حجر مسته ســــــــــراء‬
‫وحياة أبى نواس ال ترضي المثل وال يرضى عنھا أھل المروءة، ولكن‬
‫شعر أبي نواس ھو في القمة من حيث استيفائه على عناصر الشعر‬
                                                             ‫ومكوناته.‬
‫والشعر إذا تخلى عن جوھره وساير مجاال غير مجاله فقد صفة الشاعرية‬
‫وتحول إلى نظم، وقل مثل ھذا عن الشعر األخالقي والوعظي المباشر‬
                   ‫وديوان الشافعي والمية ابن الوردي خير مثال على ھذا.‬
                        ‫ّ‬
‫إن الشعر موسيقي في الصميم فھو على حد تعريف القدماء له الكالم‬
‫الجميل الموزون المقفى، وقد حافظ الشعر العربي على نسقه العمودي‬
‫أحقابا طويلة، واقتضت ضرورة الحياة وتطوراتھا وتباين البيئة من إحداث‬
‫تجديد فيه دون التخلي عن األوزان الخليلية، وأفضل مثال على ذلك‬
‫الموشحات األندلسية واستعمال األبحر المجزوءة واستحداث التغيير في‬
     ‫بحر بعينه كمخلع البسيط، وقد نظم علية ابن الرومي ھجائيته المشھورة:‬
                     ‫وجھك يا عمرو فيه طول‬
                      ‫وفي وجوه الكالب طول‬
‫ولكن في العصر الحديث ونتيجة الحتكاك الشعراء بالثقافة الغربية الوافدة‬
‫وبتأثير من الشاعر اإلنجليزي توماس إليوت، ثار لفيف من الشعراء‬


‫٧٢‬
‫العرب على عمود الشعر، ذلك أنھم رأوا فيه إكراھات وقيود تعيق حرية‬
‫الشاعر، ولعل أھمھا تبعية الشاعر للغة قصد االستجابة لدواعي الوزن،‬
‫وعلى الرغم من أن ھؤالء الشعراء بإمكانھم تنويع القافية كسرا لھذا الغلو،‬
‫إال أن ھذه الحرية في معتقدھم ال تشفي الغليل، فالشعر تيار نفسي مسكون‬
‫بالھواجس واالنفعاالت ومسكوب في قوالب لفظية، ودرجة االنفعال وحدته‬
‫ھي التي تتحكم في طول وقصر البيت، وھو ما يسمونه بالسطر، ولقد‬
‫كان السياب ونازك المالئكة والبياتي وصالح عبد الصبور وخليل حاوي‬
‫وأمل دنقل ونزار قباني خير من يمثل ھذه الحركة التجديدية، التي القت‬
‫معارضة شرسة من قبل المحافظين على عمود الشعر، ولعل أبرز‬
‫المعارضين العقاد، وله في ذلك حجة ذكية تستحق النظر وفحواھا أن‬
‫الشعر حركة ومناورة في فن محكوم بالقيود)الوزن والقافية( والشاعر‬
                    ‫ّ‬
‫الحقيقي ھو الذي يتحرك بخفة ورشاقة دون أن تحد تلك القيود من مرونة‬
‫حركته، فھو يعبر مشاعره وبنات أفكاره بأتم تعبير وأكمل تصوير، وكأن‬
‫تلك القيود غير موجودة أصال، وله في ذلك قصيدة طريفة بعنوان "‬
                                                       ‫حانوت القيود".‬
‫ال ريب أن العقاد قد غالى في حملته على الشعر الجديد، وقد جانب‬
‫الصواب حين أحاله على لجنة النثر لالختصاص، فالبحور الشعرية وشكل‬
‫القصيدة العربية المتوارثة ليست وحيا منزال وما على الخلف إال اإلتباع،‬
‫فألبناء ھذا العصر ثقافتھم وظروف حياة تختلف عن حياة آبائھم، وعالم‬
‫يعيشون فيه يمتأل حركة ونموا ومرونة فمن السخف غض النظر عن كل‬
‫ھذه األشياء والركون إلى ميراث األجداد الستھالكه دون أن يضيف إليه‬
                                                    ‫األبناء شيئا جديدا.‬


‫٨٢‬
‫إن في الشعر الحديث إنجازات شعرية كبيرة ھي ترجمان الشاعر‬
‫والعصر على السواء، وھي قصائد تستحق البقاء حتى وإن كانت الذاكرة‬
‫قد ألفت حفظ الشعر العمودي وترديد حكم المتنبي وغزليات امرئ القيس‬
                              ‫وخمريات األعشى ومواجد ابن الفارض.‬
‫إن القارئ الحصيف الحي الضمير والمرھف اإلحساس وغني العقل‬
‫ليجد في قصائد من مثل"دار جدي" و"أنشودة المطر" للسياب و"الظل‬
‫والصليب" لصالح عبد الصبور الفن الكبير الذي يغذي العقل والوجدان‬
‫على السواء، وال أدل على ذلك من ھذا المقطع لخليل حاوي من ديوان‬
                                                            ‫"نھر الرماد":‬
                          ‫خـلــني للبحــــر، للريــــــــــح، للموت‬
                           ‫ينشـــــر األكـفـان زرقــــــا للغريــــق‬
                           ‫مبحـر ماتت بعينيه منارات الطريـــق‬
                           ‫مات ذاك الضـوء في عينيـه مــــــات‬
                          ‫ال البطوالت تنجـيـه وال ذل الصــالة !‬
‫إنه مقطع قد تكاثفت فيه الروح الشعرية، وتعددت فيه صور الضياع‬
‫ومشاعر الكآبة واالنسحــاق، وموسيقاه مناسبة تماما لھذا الغرض؛ أي‬
‫لألزمة الوجودية الخانقة التي يحياھا الشاعر، ونجد الشاعر يعتمد تكرار‬
            ‫)فاعالتن( من بحر الرمل في كل سطر حسب حاجته النفسية:‬
                                ‫فاعالتـــن فاعالتــــن فعالتـــن‬
                                ‫فاعالتــــن فاعالتـــن فاعـلـــن‬
                           ‫فاعالتن فاعالتـــن فعالتـــن فاعلن‬
                                ‫فاعالتــــن فاعالتـــن فاعـلـــن‬


‫٩٢‬
                           ‫فاعالتــــن فعالتـــن فعالتـــن فاعـلـــن‬
‫من غير المقبول اعتبار ھذا اإلبداع الشعري المحكم البنيان، الغني‬
‫بالصور الشعرية، والطاقة الشعورية المتدفقة من وجدان الشاعر محاال‬
                                           ‫على لجنة النثر لالختصاص.‬
‫إن أزمة الشعر الحديث -حسب رأينا- تأتي من كون الجيل الالحق لجيل‬
‫الكبار )السياب، المالئكة، البياتي، دنقل، عبد الصبور( لم تستقم له الملكة‬
‫الشعرية وال تھيأت له أسباب السيطرة على اللغة العربية وال تعمق في‬
‫دراسة الشعر العربي الكالسيكي، وال تمرس بدراسة المذاھب والنظريات‬
‫النقدية الغربية والشرقية على السواء، ناھيك عن الجھل التام بالعروض‬
‫وقواعده والقافية وأصولھا، وأغلبھم يعجز عن إنشاء قصيدة عمودية، ولذا‬
‫تراه تحت دعاوى التجديد والحداثة وما بعد الحداثة يحاول إخفاء عورته‬
‫والتستر على فقره بھذه الرطانات التي يسميھا صاحبھا شعرا حديثا، وفي‬
‫الواقع ھي مؤشر األنيميا الشعرية والسقوط الفاضح، وما نحسب أن ھؤالء‬
‫الكبار الذين أشرنا إليھم كانوا يعجزون عن النظم حسب أصول القصيدة‬
‫العمودية، وللمالئكة والسياب بل ولعبد الصبور قصائد عمودية، تدل على‬
‫تمكن ھؤالء الشعراء من القصيدة العمودية، ولكنھا الروح التجديدية الوثابة‬
     ‫ھي التي حدت بھؤالء الكبار إلى إنتاج شعري جديد شكال ومضمونا.‬




‫٠٣‬
               ‫) ١(‬
                      ‫النــزعة اإلنسانية في األدب المھجري‬


‫حظي األدب المھجري بعناية الدارسين ونقاد األدب ومازال كذلك، ولھذا‬
‫األدب محبوه ومتذوقوه، فقد كان فتحا في أدبنا الحديث، فتح عيوننا على‬
‫مباھج الحياة،وروعة المغامرة وإغراء الحرية، بعد أن ظل أدبنا أحقابا‬
‫طويلة نائما في مغارة التاريخ مغمضا عينيه على مستجدات الحياة مكتفيا‬
‫باالجترار من الكتب القديمة، وكد الذھن ال في توليد المعاني البكر، بل في‬
‫تنميق الكالم والولوع باألسجاع واللھاث وراء التورية وفي مباركة‬
‫األوضاع القائمة وھي أوضاع مزرية تميزت بالركود االجتماعي والتأسن‬
‫الثقافي واالستبداد السياسي وكانت غاية األدب أن يصل إلى البالط مسبحا‬
‫بحمد الحاكم آناء الليل وأطراف النھار لتحقيق مآرب شخصية مضحيا‬
‫بمصلحة الجماعة لحساب المصلحة الشخصية . خرج األدب المھجري إذا‬
‫من رحم المعاناة مبشرا بعصر الخصوبة وبقيام طائر العنقاء من رماده‬
‫صحيحا معافى وھو يحمل معول الھدم منقضا على سفاسف الماضي معليا‬
‫صرحا جديدا من األدب الخالق المتميز بصدق الشعور ونزعة التجديد‬
‫والغيرة على حاضر األمة ومستقبلھا متزودا من الثقافة العربية األصيلة‬
                                                              ‫والغربية‬
‫البناءة ، مستفيدا من أرض ترعرع فيھا ھي األرض الجديدة -أمريكا‬
‫الشمالية والجنوبية -حيث للفرد قيمة وللعلم المكانة األولى- إنھا مجتمع‬
‫الصناعة والتقدم واإلبداع والرفاه المادي والمعنوي وكل ھذه العوامل‬
‫مجتمعة وجدت صداھا في عقول وضمائر وإنتاج أدباء المھجر األدبي‬
                                                            ‫والفكري .‬


‫١٣‬
‫ونحن في ھذا المقال راصدون لقيم إنسانية تضمنھا األدب المھجري‬
‫تاركين القيم األخرى كالجمالية والفكرية لمقاالت أخرى وإنه لحقيق بنا‬
‫نحن ورثة ھذا التراث األدبي الضخم أن نتمثله كما يتمثل الجسم الغذاء‬
‫صانعا منه نسغ الحياة وأسباب الحصانة وعوامل القوة خاصة ونحن نعيش‬
‫في عصر تميز بالتطرف الديني والنزاع الطائفي وسيطرة الفكر العبثي‬
‫السلفي أو العدمي التغريبي خاصة ومجتمعنا العربي يحمل في ثناياه‬
‫اختالفات مذھبية ھي في األصل مصدر ثراء له ولو أنه يراد لھا أن تكون‬
                                                ‫عوامل تصدع وفرقة،‬
                              ‫)١( مجلة الواشنطوني العربي، العدد٣٣.‬




‫أضف إلى ذلك انفتاح العالم وتطور المعلوماتية في أرقى تجلياتھا -أي‬
‫الثورة الرقمية- وسيطرة المؤسسات االقتصادية العابرة للقارات والتي‬
‫غزت أسواقنا بمنتجاتھا الغثة والسمينة وما نحن في حاجة إليه وما نحن‬
‫في غنى عنه والتي أدت في النھاية إلى تسطيح الفكر والشعور والجري‬
‫وراء بريق األلفاظ دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المضمون،إنھا‬
‫عولمة حولتنا إلى كائنات طفيلية مستقبلة ومستجيبة لكل المثيرات الواردة‬
‫من الضفة األخرى ، وكأن صرخة المھجريين في النصف األول من‬
‫القرن الماضي ذھبت أدراج الرياح فقد عدنا إلى الدجل على حساب‬
‫العقالنية وإلى الطائفية على حساب التسامح الديني وإلى التقليد على حساب‬
‫االجتھاد وإلى العبودية على حساب الحرية وإلى الشكالنية على حساب‬
‫المضمون، وما أحرانا اليوم أن نعود إلى تلك القيم اإلنسانية التي تضمنھا‬


‫٢٣‬
‫األدب المھجري وصدع بھا وعاش ألجلھا فھي التي ستعصمنا من الغرق‬
‫في خضم الحضارة الحديثة .فما مجمل القيم اإلنسانية التي تضمنھا ھذا‬
                                                              ‫األدب ؟‬
‫لعل أول قيمة من قيم األدب المھجري ھي التسامح الديني ولقد عبر عن‬
‫ھذا المعنى أبلغ تعبير األديب اللبناني الكبير مارون عبود، وھو إن لم يكن‬
‫مھجريا فقد تميز في حياته وفي فكره بھذه الخصيصة، خصيصة التسامح‬
 ‫الديني قال عبود :"سميت ابني محمدا نكاال في أبي الذي أسماني مارون".‬
‫وإن كان فحوى ھذه المقولة التأكيد على مبدأ العروبة فاسم محمد أ لصق‬
‫بالفكر واالنتماء العربيين من اسم مارون، إال أن العروبة اإلسالم لصيقان‬
‫ببعضھما ال يمكن الفصل بينھما وھذا ما عناه كاتب عربي ماروني ھو‬
‫األستاذ مارون عبود، وھو بذلك يؤكد انتماءه لحضارة اإلسالم، لقد كان‬
‫شعراء المھجر وجلھم من المسيحيين يعتبرون اإلسالم بعدا روحانيا‬
‫وفكريا مھما في تكوينھم النفسي والعقلي فضال عن كونه رابطة قومية لذا‬
‫تراھم يذكرون اإلنجيل إلى جانب القرآن ومحمدا إلى جانب يسوع في‬
‫تآلف ومودة . قال الشاعر رياض المعلوف وقد كان مغتربا في البرازيل‬
                                              ‫من قصيدة "ﷲ والشاعر":‬
           ‫يا صاحب الملك الذي ال ينتھي‬
          ‫أبدا وسدته المأل والسرمـــــــــد‬
           ‫فالشعــــــر في إنجيلنا وكتابنا‬
           ‫والشاعران ھما المسيح و أحمد‬
‫و تأمل أيھا القارئ استخدام الشاعر لضمير الجماعة في قوله" كتابنا "وھو‬
     ‫يقصد القرآن الكريم مؤكدا انتماء المسيحيين العرب لحضارة اإلسالم.‬


‫٣٣‬
‫وأما الشاعر القروي رشيد سليم الخوري المغترب في البرازيل والذي‬
‫عرف بنزعته القومية الحارة وغيرته على األمة العربية وقد كرس شعره‬
‫داعيا إلى الحرية والعزة، ھاھو في صرخته ضد الباطل يدعو إلى األخذ‬
‫بأسباب القوة والتضحية في سبيل عزة الوطن مقتبسا عن القرآن الكريم‬
‫معنى اآلية الكريمة : "وأعدوا لھم ما استطعتم من قوة ومن رباط‬
     ‫الخيل"ولم تثنه مسيحيته عن االنتصار لھذا المبدأ القرآني يقول القروي :‬
                   ‫أحبوا بعضكم بعضا وعظنــــا‬
                   ‫بھا ذئب فما نجت قطيعــــــــا‬
                   ‫إذا حاولت رفع الضيم فاضرب‬
                    ‫بسيف محمد واھجـر يسوعــــا‬
‫وتراه في قصيدة أخرى بمناسبة عيد الفطر يمتدح النبي محمدا -عليه‬
‫السالم- ويفرح لرؤية الھالل يعانق الصليب بعد أن تنجلي غاشية االستبداد‬
                                                             ‫واالستعمار:‬
                   ‫أكرم ھذا العيد تكريم شاعـــــــر‬
                   ‫يتيه بآيات النبي المعظـــــــــــم‬
                  ‫ولكنني أصبو إلى عيد أمـــــــــة‬
                  ‫محررة األعناق من رق أعجمي‬
                   ‫إلى علم من نسج عيسى و أحمد‬
                   ‫وآمنة في ظله أخت مريـــــــــم‬
‫و يصر الشاعر إلياس فرحات المغترب في البرازيل على انتمائه العربي‬
‫فوطنه ھو الشام والعراق وأرض الكنانة وأرض الجزيرة التي توحي في‬




‫٤٣‬
‫الوجدان العربي بظھور الدعوة اإلسالمية وانتشار اإلسالم وھذا المقطع‬
                                ‫من أشھر ما انتشر من شعر المھجريين:‬


                    ‫إنا وإن تكن الشآم ديارنـــــــــــا‬
                   ‫فقلوبنا للعرب باإلجمـــــــــــــال‬
                   ‫نھوى العراق ورافديه ومــا على‬
                   ‫أرض الجزيرة من حصا و رمـال‬
                   ‫وإذا ذكرت لنا الكنانة خلتنـــــــــا‬
                   ‫نروى بسائغ نيلھا السلســـــــــــال‬
                   ‫بنا ومازلنا نشاطر أھلھـــــــــــــا‬
                  ‫مــــر األســــــى وحـــالوة اآلمال‬
‫وكذلك كان الشاعر السوري ميشال مغربي المغترب في ساو باولو‬
‫بالبرازيل فھو أيضا يحلم بغد عربي مشرق يتعانق فيه الصليب والھالل‬
‫ويعمل العرب جميعھم -مسلمون ومسيحيون- لما فيه خير األمة العربية :‬
                  ‫األم تجمل في عين وليدھــــــــا‬
                 ‫حتى ولو في أخلق األسمــــــال‬
                  ‫حي الحيا دون المواطن موطنا‬
                 ‫فيه أرى داري و أنظــــــر آلي‬
                  ‫ويظلني علمي الذي في قلبــــه‬
                  ‫يثوي صليبي في جوار ھاللي‬
‫أما زعيم أدباء المھجر وكبيرھم الذي علمھم السحر جبران خليل جبران‬
‫فقد تميز بتسامح ديني ظاھر في كتاباته وھو كصحبه يعتبر االختالف‬


‫٥٣‬
‫المذھبي في الشرق مصدر غنى وما ذكر المعبد في كتاباته إال ذكر الجامع‬
‫وما ذكر الھيكل إال ذكر المحراب ولو أن فلسفة جبران وموقفه من األديان‬
‫يختلف عن موقف صحبه إال أن الجامع بينھم جميعا ھو نبذ العصبية‬
     ‫والوطن للجميع .‬    ‫الطائفية والفرقة على أساس اختالف الدين، فالدين‬
‫وتسلمنا قراءة آثار المھجريين إلى اكتشاف خصيصة ثانية تنم عن نزعة‬
‫إنسانية مكينة في أدبھم أصيلة في أنفسھم وھي الصفح حين الخطأ في‬
‫حقھم مع الحب الخالص ولسان حالھم يقول مع المثل العربي : "إذا عز‬
                                                          ‫أخوك فھن".‬
                        ‫يقول الشاعر زكي قنصل المغترب في األرجنتين:‬
           ‫أنا إن شكوت فدمعتي من جفنكم‬
           ‫وإذا شدوت فصوتكم قيثـــــاري‬
             ‫مرحى بني أمي ألنتم مفزعي‬
            ‫في النائبات وأنتم أظفـــــاري‬
           ‫في ظلكم نبتت خوافي شھرتي‬
           ‫وزھا جناحي واستطار غباري‬
‫واقرأ ھذه األبيات للشاعر ندرة حداد المغترب في أمريكا وتأمل ما احتوت‬
‫عليه من تسامح ومغفرة وإنھا لكنوز أخالقية حقيق بنا أن نتمثلھا في الحياة‬
                                                          ‫أحسن تمثيل:‬
                        ‫أنا راض بالعصا يــــا‬
                        ‫أيھا الحامل رمحـــــك‬
                        ‫وسأرضى خبزك الـ‬
                       ‫أسود في الحب وملحك‬


‫٦٣‬
                     ‫وسأنسى جــــرح قلبي‬
                     ‫كلمـــا شاھدت جرحك‬
                     ‫وإذا أخطـــــأت نحوي‬
                     ‫فأنا أطلب صفحـــــك‬
‫ونفس النزعة نزعة التسامح تطالعك وأنت تطالع الشاعر مسعود سماحة‬
                ‫المغترب في أمريكا تصدر عن الحب المحض لإلنسانية:‬
               ‫كأني لم أترك للغير شؤونــــــــه‬
               ‫كأني عالجت غير شـــــــــؤوني‬
               ‫وكم من صديق لم أخنه فخانني‬
               ‫ومؤتمن قد بات غير أميــــــــن‬
               ‫إذا جزت سھال في الزمان فإنما‬
               ‫ستسري بوديان به وحـــــزون‬
‫وإليليا أبي ماضي صاحب "الجداول" و"الخمائل" في ھذا المضمار‬
‫صوالت وجوالت وھو صاحب القصائد البديعة الداعية إلى الحب اإلنساني‬
‫والتحلي بآداب االختالف واالعتصام بمبدأ التسامح وھذه األبيات خير ما‬
                                                ‫ندلل به على ھذه النزعة :‬
            ‫إني إذا نزل البـــــــــــالء بصاحبي‬
            ‫دافعت عنه بنـــــــــــاجذي ومخلبي‬
            ‫وشددت ساعده الضعيف بســـــــــــا‬
            ‫عدي وسترت مكنبه العري بمنكبي‬
            ‫وأرى مســــــــــاوئه كأني ال أرى‬
            ‫وأرى محاسنــــــــــه كأن لم تكتب‬


‫٧٣‬
              ‫وألوم نفسي قبله إن أخطـــــــــأت‬
              ‫وإذا أســـــــــــــــاء إلي لم أعتب‬
‫وال يمكن أن نغفل "ناسك الشخروب" ميخائيل نعيمة المغترب في أمريكا‬
‫قبل التوحد في مغارة بمسقط رأسه "بسكنتا" وله قصيدة رائعة طافحة‬
‫بالمعاني اإلنسانية النابذة للحرب الداعية إلى األخوة والتسامح وھي من‬
‫قبيل الشعر المھموس كما وصف ھذا اللون من األدب الناقد الكبير‬
‫المرحوم الدكتور محمد مندور، ذلك األدب الخافت الصوت الذي يلج إلى‬
‫القلب مباشرة ويستقر في قراراته محوال سلوك اإلنسان إلى سعي حثيث‬
                                    ‫نحو معارج اإلنسانية الحقة يقول نعيمة:‬
                                    ‫أخي إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله‬
                                   ‫وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله‬
                                   ‫فال تھزج لمن سادوا وال تشمت بمن دانا‬
                                       ‫بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دام‬
                                                          ‫لنبكي حظ موتانا‬
‫وتأمل أيھا القارئ استھالل المقطع بكلمة " أخي" وھي كلمة استھل بھا‬
‫الشاعر كل مقطع من مقاطع القصيدة، وما تفعله في القلب- قلب القارئ-‬
                                                     ‫عربيا أو أعجميا كان !‬
‫وأما الثورة على الظلم والتنديد بالطبقية واستغالل اإلنسان ألخيه اإلنسان‬
‫فالشعر المھجري خير شعر جاھر بذلك وقد ھرب أولئك المھجريون من‬
‫بطش العثمانيين وآلمھم ما تركوا فيه أوطانھم من جور وفساد وامتصاص‬
‫األقوياء لدماء الضعفاء واستشراء الفساد واإلقطاع وقد أمدھم وجودھم في‬
‫العالم الجديد بمعاني العدالة االجتماعية والمساواة والكرامة اإلنسانية وبزاد‬


‫٨٣‬
‫وفير منھا بل امتد نقدھم حتى إلى المجتمع األمريكي ذاته، وخير أديب ندد‬
‫فضح استغالل البيض‬      ‫بذلك ھو فيلسوف "الفريكة" أمين الريحاني حين‬
‫للسود وتردي إنسانية اإلنسان بھذا االنتھاك الصارخ للكرامة البشرية في‬
                                     ‫بلد تغنى بالحرية واتخذ لھا النصب.‬
‫وفي مطولة "على بساط الريح" للشاعر الشاب فوزي المعلوف الذي قضى‬
                        ‫في ريعان العمر تنديد بھذه المظالم يقول فوزي:‬
                  ‫أنا عبد الحياة والمــــوت أمشي‬
                 ‫مكرھا من مھودھا لقبــــــــوره‬
                 ‫عبد ما ضمت الشرائع من جور‬
                  ‫يخط القوي كـــــــــــل سطوره‬
                ‫بيراع، دم الضعيــــــف له حبر‬
                 ‫ونوح المظلوم صوت صريره‬
‫وشارك الشاعر شفيق المعلوف أخاه فوزي ھذه الخصيصة فامتد حدبه‬
     ‫حتى على الفالح ورأى على جيبنه النور ولم يره على جبين السلطان:‬
                       ‫وفى الحياة ديونھـــــــا‬
                      ‫كرما وما وفيت ديونــه‬
                      ‫عرق الجھاد ھمى على‬
                      ‫عينيه فانطبقت جفونــه‬
                       ‫ھال نظرت جبينــــــــه‬
                       ‫كم فيه لؤلؤة تزينـــــه‬
                       ‫ضنت عليه بالدمــــوع‬
                       ‫عيونه فبكى جبينـــــــه‬


‫٩٣‬
‫وتعتبر قصيدة "المواكب" لجبران إنجيل الثورة ضد تردي القيم وميوعة‬
‫اإلنسان وتحلل القيم ونشاز النفس اإلنسانية فيصير االستغالل قيمة والظلم‬
                                               ‫مبدأ إنسانيا يقول جبران :‬
             ‫والعدل في األرض يبكي الجن لوسمعوا‬
             ‫به ويستضحك األمــــــــوات لو نظروا‬
             ‫فالسجن والموت للجــــانين إن صغروا‬
              ‫والمـــــــجد والفخر واإلثراء إن كبروا‬
             ‫فســـــــارق الزھر مذمـــــــوم ومحتقر‬
             ‫وســــــارق الحقل يدعى الباسل الخطر‬
‫وأما الحرية تلك الحورية التي لھج بذكرھا الشعراء وضحى في سبيلھا‬
‫األعيان والعلماء والتي ھي الغاية والمبتغى من الوجود اإلنساني والتي‬
‫يؤدي غيابھا إلى عبثية الوجود بل عدميته، وھل اإلنسان إال ذلك الكائن‬
‫الذي يتميز عن غيره من الموجودات بالنزوع إلى الحرية والوعي بھا؟،‬
‫فھي قيمة إنسانية تستحق أن يضحي ألجلھا اإلنسان، وقد أخذت من اھتمام‬
‫أدباء المھجر الكثير، وما لجأوا إلى العالم الجديد إال سعيا ألجلھا وھروبا‬
‫من أغالل االستبداد وقيود الحاجة التي تحيل الكائن البشري إلى ورقة‬
‫ذاوية تتقاذفھا الرياح ذات اليمين وذات الشمال، بعد أن كان برعما في فنن‬
                                         ‫الوجود يبشر باإلثمار واإليناع .‬
                             ‫وكما قال نعمة قازان المغترب في البرازيل:‬
                        ‫ھي النفس تحيا بإحساسھـــا‬
                        ‫وليس على الحس من قدرة‬
                        ‫ربيت طليـــقا على فطرتي‬


‫٠٤‬
                      ‫ومــــــــــا أحيلى طفولتي !‬
‫ويستثنى من شعراء المھجر ھذا الشاعر الذي تجد في شعره قلقا في‬
           ‫التعبير ولغة شعرية ساذجة وأخيلة مبتذلة إال في القليل النادر.‬
‫وإذ يتأمل األديب المھجري من موقعه الجديد في واقع عالمه العربي‬
‫المتردي في دركات الجھالة، المتخبط في غياھب االستبداد، يحزنه غياب‬
‫الحرية فتراه يثور في أدبه محوال شعره أو نثره إلى شواظ من جمر‬
‫ولھيب من نار عسى أن ينتفض الشعب في سبيل نيل حريته واقرأ ھذين‬
‫البيتين للشاعر السوري نسيب عريضة المغترب في أمريكا يخاطب وطنه:‬
                     ‫مشت القرون وكل شعب قد مشى‬
                     ‫معا وقومك واقفون ونـــــــــــوم !‬
                        ‫لم تـــرتفع كــف لــــصفعة غاشم‬
                        ‫فيھم ولم ينطق بتھديد فـــــــــــــم‬
‫واقرأ الشاعر القروي تلقه نفسا ثائرة وضميرا معذبا وعقال حرنا على‬
                                                   ‫شيء واحد ھو الحرية:‬
                         ‫أنت حر فاستوطن البلد الحـر‬
                         ‫وصاحب من أھله إخوانــــــا‬
                          ‫مثلك الكون والزمان فال تلح‬
                         ‫مــــكانا وال تسب زمانــــــــا‬
                         ‫ليس في قضمك الحديد ھوان‬
                         ‫إن في بثك الشكاة ھوانــــــــا‬
‫ويلفت نظرنا الشاعر الدمشقي جورج صيدح المقيم في األرجنتين إلى‬
       ‫مفھوم أوسع للحرية يتجاوز المفھوم المألوف الساذج يقول صيدح:‬


‫١٤‬
                        ‫غير أني عشت عمري في الشذا‬
                       ‫فعرفت الفرق مابين الــــــورود‬
                       ‫إنما الشـــعر انطــــــالق للذرى‬
                       ‫واندفـــــاق نحو أغوار وبيــــــد‬
                       ‫إنه البــــــحر الذي أمـــواجـــــه‬
                       ‫تتـتــالى حــرة ضمن الحــــدود‬
                        ‫وھذه حرية اإلبداع والتصور والفكر والشعور !‬
‫وال يمكننا أن نغفل شاعرا كبيرا ونعني الدكتور أحمد زكي أبا شادي فما‬
‫كانت ھجرته إلى أمريكا إال رحلة بحث عن الحرية في وطن جديد اتخذ‬
                          ‫للحرية تمثاال ضخما في مرفأ مدينة نيويورك:‬
                    ‫لجـــأت إليك يا وطنا تغنى‬
                     ‫به األحرار واعتز النشيد‬
                    ‫فإنك منبري الحر المرجى‬
                    ‫وبدء نھاري بل عمر جديد‬
‫كما يعتذر إيليا أبو ماضي لوطنه لبنان حين ھجره ال ماللة بل بحثا عن‬
                                       ‫الحرية وھروبا من الفساد والقمع:‬
                   ‫لبنـــــان ال تعذل بنيك إذا ھم‬
                    ‫ركبوا إلى العلياء كل سفين‬
                   ‫لم يھــجروك مــاللة لــكنھم‬
                    ‫خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون‬
                   ‫لما ولـــدتھم نســــورا حلقوا‬
                   ‫ال يقنــعون من العال بالدون‬


‫٢٤‬
‫وال ننسى جبران فھو كعادته يتجاوز في فھمه وإدراكه لحقائق الوجود‬
‫المألوف والعادي فھو زلزال يھدم يقينيات القارئ وإعصار يجتث جذور‬
‫المعاني الھرمة في عقولنا ونفوسنا ولعله يبالغ أحيانا إلى درجة بث‬
‫الفوضى العقلية والحياتية حين يحمل معول الھدم منقضا على البنى‬
‫بالمعطيات األنثروبولوجية‬        ‫االجتماعية والتاريخية غير عابئ‬
‫والسوسيولوجية والتي ال شك يجھل الكثير منھا غير أن غيرته على‬
                                                     ‫الشرف اإلنساني‬
‫واستماتته في الدفاع عن حرية اإلنسان المغيبة أحقابا ھي ما يشفع له‬
‫تطرفه، يقول جبران بعقل فلسفي ثاقب ونفس بحاثة شكاكة: "إن بلية‬
‫األبناء في ھبات اآلباء ومن ال يحرم نفسه من عطايا آبائه و أجداده يظل‬
                               ‫عبد األموات حتى يصير من األموات" .‬
‫ويقول أيضا : "أنت تنظر بعين الوھم فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة‬
‫الحياة فتظنھم أحياء وھم أموات منذ الوالدة ، ولكنھم لم يجدوا من يدفنھم‬
                ‫فظلوا منطرحين فوق الثرى ورائحة النتن تنبعث منھم" .‬
‫ونختم ھذا المقال بذكر قيمة إنسانية أخرى حوم حولھا األدب المھجري‬
‫وما كان له أن يغفلھا وھو األدب الباحث عن دروب الحرية والكادح في‬
‫سبيل كمال اإلنسان ونعني بھا نزعة التأمل تلك النزعة التي تنتھي‬
‫بصاحبھا إلى رمي القشور واالكتفاء باللباب وال تقنع باأللفاظ وأكثرھا‬
‫براق ورصيدھا من الحقيقة اإلنسانية قليل، وقد حوم األدب المھجري حول‬
‫مفھوم السعادة ونسبيتھا وركز على ما ھو جوھري في الوجود اإلنساني‬
‫وما الرفاه المادي إال وسيلة يفترض أن تزيد من سعادة اإلنسانية ككل ال‬
‫أن تتحول إلى غاية وامتياز للبعض دون اآلخر ومظھر من مظاھر الطبقية‬


‫٣٤‬
‫واالستغالل .إذا فقد حوم األدب المھجري حول ھذه المعاني وامتد حومانه‬
‫إلى الميتافيزيقا ووقف أمام الموت وقفة الخاشع لمواجھة ھذا المصير‬
‫الحتمي ال على أنه عدمية بل رحلة إلى عالم آخر وليس شرطا أن تكون‬
‫ھذه الرحلة متفقة مع المفاھيم الدينية بل بعضھا مستمد من الفلسفة‬
‫اإلشراقية والھندية وكالقول بوحدة الوجود أوالفيض أوتناسخ األرواح‬
‫وكلھا بھدف تفسير الوجود اإلنساني والموت وبث السكينة في النفس‬
‫اإلنسانية الحائرة المعذبة القلقة من مواجھة الموت، وقد قال إيليا أبو‬
                                     ‫ماضي متعمدا اإلحالة العلمية والفنية :‬
                        ‫إن الحياة قصيدة أعمــــــــــارنا‬
                         ‫أبياتھا والموت فيھا القافيـــــــه‬
                        ‫متع لحاظك في النجوم وحسنھا‬
                        ‫فلسوف تمضي والكواكب باقيه‬
‫وھي دعوة إنسانية إلى االستمتاع ببھاء الكون واالندغام في مظاھر‬
‫الوجود وتذوق حالوة الحياة تناسيا للموت والعدمية، غير أن جورج صوايا‬
‫المغترب في األرجنتين تراه في تأمله اإلنساني يذھب مذھب أبي العالء‬
‫ويتفلسف على شاكلته ناصحا إيانا بنشدان الراحة في الھجوع األبدي‬
     ‫مادامت الدنيا دار أوصاب ومظاھر خادعة وسرابا مضلال وفناء حتميا :‬
                      ‫أيھا الواجف من طيف الممــــات‬
                       ‫ينشد الغبطة في طول البقــــــاء‬
                       ‫ليس لوال الموت في الكون حياة‬
                    ‫فتوجه صامتـــــــــا نحو السكون !‬
                      ‫أيھا الـــــھاجع في الوادي الظليل‬


‫٤٤‬
                  ‫حــــاضرا كالحلم في فكر الدھور‬
                   ‫بدد الحلم انقضى الليل الطويــــل‬
                   ‫فمتى اليقظة من ھــــــذا الھجوع‬
                  ‫يذوي المرء ويذبل كالزھـــــــــور‬
                 ‫ھل ترى ينعشه ظل الدمـــــــوع ؟‬
‫وندرة حداد الحمصي المغترب في أمريكا ينتھي في تأمالته اإلنسانية إلى‬
‫اإلقرار بالحياة االضطرارية وھاھو ينصحنا بالعيش ألنه ال خيار إال ذلك‬
                                                 ‫متحملين أخف األضرار:‬
                         ‫كم تمنينا صغــــارا‬
                         ‫أن نرى يوما كبارا‬
                         ‫ثم صرنا نتمــــــنى‬
                        ‫اليوم لوعدنا صغارا‬
                         ‫ھي دنيا كيفمـــــا دا‬
                       ‫رت عليھا المرء دارا‬
                         ‫وكما سن لنا نحيـــا‬
                        ‫ولم نعط الخيـــــــارا‬
‫واقرأ ھذه التأمالت الشعرية وما تنطوي عليه من معاني إنسانية تبحث عن‬
‫الحرية الكاملة ونبالة الحس ستجزم أنھا ثمرة فكر وقاد وبصيرة ثاقبة‬
‫وسوف يأخذك العجب لو علمت أنھا لشاب مات يافعا في حدود الثالثين‬
                           ‫من عمره وأظنك تعرفه ھو فوزي المعلوف :‬
                    ‫بين روحي و بين جسمي األسير‬
                     ‫كـــــــــان بعد ذقت مـــــــــره‬


‫٥٤‬
                    ‫أنا في التراب وھي فوق األثيــر‬
                     ‫أنــــــــا عبد وھي حــــــــــــرة‬
                    ‫عبد عصر من التمدن نلھــــــــو‬
                    ‫ظلة عن لبابـــــــــــــــه بقشوره‬
                    ‫عبد مــــــالي أسعى إليه فأحظى‬
                    ‫بعد طــــــــول العنا بوطأة نيرة‬
                     ‫عبد اسمي أذيب نفسي وجسمي‬
                      ‫طمعـــــــا في خلوده وظھوره‬
                     ‫عبد حبي جعلت قلبي مــــــــأوا‬
                     ‫ه فأضرمت أضلعي بسعيــــــره‬
‫واقرأ إيليا أبا ماضي ثانية تراه ينصحنا بالحياة واالستمتاع بھا ولو في‬
‫أخلق األسمال، ذلك أن السعادة ليست في القصور والرياش، بل إنھا شعور‬
          ‫نفسي غامر يفيض من القلب على المحيا مشعا إشعاعا نورانيا :‬
                           ‫أيھـــا الشاكي الليالـــــــــي‬
                           ‫إنمــــــــا الغبطة فكــــــره‬
                            ‫ربما استوطنت الكــــوخ‬
                           ‫ومـــــــا في الكوخ كسره‬
                           ‫وخلت منھا القصــــــــور‬
                           ‫العاليات المشمخــــــــــره‬
                          ‫تلمس الغصن المعــــــرى‬
                          ‫فإذا في الغصن نضــــــره‬
                          ‫وإذا رفت على القفـــــــــر‬


‫٦٤‬
                         ‫استوى ماء وخضـــــــــره‬
                         ‫وإذا مست حصـــــــــــــــاة‬
                          ‫صقلتـــــــــــــھا فھـي دره‬
‫وما أروع قول القروي على لسان الطبيعة -وقد انتھى في تأمالته اإلنسانية‬
‫إلى أن اإلنسان الحقيقي لم يولد بعد- وكأن رحم الغيب مازالت تحتبل به‬
‫مؤجلة ميالده إلى أمد مازال بعيدا حتى تكدح اإلنسانية وتجاھد في سبيل‬
       ‫الحق والخير والعدل فحينھا تستولده من تلك الرحم يقول القروي :‬
                        ‫مررت بـــــــأترابي التاجرين‬
                        ‫فلم ألق إال العبوس الــــوقورا‬
                       ‫فملت إلى الحقل حيث الصغار‬
                       ‫تناغي الطيور وتجني الزھورا‬
                       ‫فھل صار كل رفاقي كھــــوال‬
                      ‫وھل أنــا وحدي ظللت صغيرا؟‬
                        ‫فأسمعني الطير عند الصبـــاح‬
                        ‫جواب الطبيعة لي تنشـــــــــــد‬
                       ‫بني ولدتك طفال جديـــــــــــــدا‬
                       ‫فقل للرفاق األلى تعھـــــــــــــــد‬
                       ‫لقـــــــــــــد مأل األرض أوالدكم‬
                       ‫وأنتم إلى اآلن لم تولـــــــــــــدوا‬
‫والخالصة أن ھذا األدب كان إذا فتحا جديدا في حياتنا األدبية والفكرية‬
‫وھو ميراث فني وفكري وإنساني نعتز به ، فقد خرج من رحم المعاناة‬
‫وجمر الغربة وكدح المعرفة، وقد جدد وجه أدبنا ونفض عنه غبار‬


‫٧٤‬
‫الماضي وحقنه بمصل الحيوية والقوة فاستوى يافعا، جلدا، زخارا بالقيم‬
‫الجمالية والشعورية واإلنسانية ، لم تكن لغته لغة القواميس بل تتبنى‬
‫البساطة فوجد فيھا اإليحاء والجمال، وصان عرضه عن التكلف والرياء‬
‫والمديح الزائف، والتزم بغير رعونة اإليديولوجيا وخطابية المنابر‬
‫وحماسة الصالونات بقضية النھضة والكرامة العربية واإلخالص لألمة‬
‫والوفاء لماضيھا العريق، ولئن عرف عن بعض أدبائه تساھل في اللغة‬
‫عن عدم معرفة وخروج على قواعد العروض أحيانا، ولئن شاع عن‬
‫البعض اآلخر تمرد حد االنحراف والمبالغة المضللة فيشفع لھم جميعا‬
‫حرصھم على غد عربي مشرق ومودة إنسانية خالصة متسامحة، متضامنة‬
‫مستمسكة بالسلم، نابذة للحرب معتصمة بالحرية ، عاشقة للفن ، متذوقة‬
‫للجمال ، آخذه بسبب القوة والرفاه؛ أي العلم، فحسبھم ذلك وحسبنا أن‬
‫نتمثل ھذه القيم في حياتنا ونغرسھا في أجيالنا الشابة في وطننا العربي من‬
‫المحيط إلى الخليج متجاوزين قيود العصبية الدينية والمذھبية، ساعين إلى‬
‫نھضة أوطاننا وإلى إمداد العالم بالقيم اإلنسانية الخالدة، وھي لباب الحياة،‬
‫تلك القيم التي طفح بھا األدب المھجري وعاش ألجلھا وھي كذلك لباب‬
                                    ‫ھذا األدب بل لباب الوجود اإلنساني .‬




‫٨٤‬
     ‫أغار على شمسي أو الحنين إلى األوطان في شعر المھجريين )1(‬


‫إذا كان لمصر فضل السبق في تجديد أدبنا العربي وبعثه في حلة قشيبة،‬
‫موفور الصحة، تام العافية، فقد كانت أرض الكنانة منذ عصر الفاطميين‬
‫قبلة العالم العربي الثقافية والدينية، فإن أدباء الشام وجدوا فيھا الحرية‬
‫والمناخ المالئم لإلبداع والنشاط الخصب ونذكر على سبيل المثال-ال‬
‫الحصر- جرجي زيدان ويعقوب صروف ومي زيادة وغيرھم، ولمطبعة‬
‫بوالق فضل ال ينكر ومزية ال تجحد في نشر األدب والثقافة وتعميم‬
‫نورھما على العالم العربي الخارج لتوه من ظلمات العصور الوسطى،‬
‫المستفيق من سبات عميق حجب عنه نور العلم وثمرة الفكر وإشعاع‬
‫الحرية، وكيف يجحد فضل مصر وثالثة من كبار شعرائھا ھم الذين أحيوا‬
‫الشعر العربي؟ ونقصد البارودي وشوقي وحافظ، وثالثة من كبار كتابھا‬
‫ھم الذين بينوا الطريق الصحيح لألدب ووجھوا الناشئة إلى دروب اإلبداع‬
‫حسب المقاييس الفنية ؟ ونقصد العقاد وطه حسين وإبراھيم عبد القادر‬
                                                               ‫المازني.‬
‫على أن مصر لم تكن في المضمار فريدة فالشام رديفھا وصنوھا في‬
‫التجديد واإلحياء ورسم معالم النھضة األدبية الحديثة، ولعل ھذا ماعناه‬
                                   ‫شاعر النيل- حافظ إبرھيم- حين قال:‬


‫المجد‬   ‫وھناك‬     ‫العال‬   ‫لمصر أم لربــوع الشام * ھنا‬
                     ‫والحسب‬                           ‫تنتسـب‬
‫الزالت * قلب الھالل عليھما خافق‬             ‫للشرق‬      ‫ركنان‬


‫٩٤‬
                       ‫يجــب‬                           ‫ربوعھما‬
‫تھتك * وال تحول عن مغناھـــما‬            ‫لم‬   ‫للضاد‬      ‫خدران‬
                       ‫األدب‬                          ‫ستورھما‬
‫الحسنى * في رائعات المعالي ذلك‬                ‫عن‬       ‫أيرغبان‬
                      ‫النسب؟‬                          ‫وبينھــــما‬


‫فأدباء الشام -سورية ولبنان- لھم في التجديد اليد الطولى وتحديدا أولئك‬
‫الذين قست عليھم الحياة في وطنھم وشظف عيشھم بعد أن جف الضرع‬
‫واستعصت سبل الرزق، وتأسن الوضع السياسي بفعل البطش العثماني،‬
‫فلم يكن أمامھم من باب يطرقونه غير باب الھجرة، وال من سبيل يلوذون‬
‫بھا غير سبيل الفراق أمال في عيش رغيد وحرية يتعشقونھا ومناخ رياحه‬
                           ‫لواقح وتربته بليلة تستنبت بذور الفكر واألدب.‬
‫وإنھا لمنة نحمدھا لألقدار ورب ضارة نافعة، فقد كانت تلك الھجرة فأل‬
‫خير وبشرى بأدب حي وفكر صحيح وضمير صاح، ولسنا في حاجة إلى‬
                                         ‫أن نذكر بقول شاعرنا أبي تمام:‬


‫فـاغتـرب‬            ‫* لـديباجتيه‬     ‫وطول مقام المرء بالحي مخلق‬
                  ‫تتجـــــــــدد‬
‫* إلى الناس أن ليست عليھم‬           ‫فإني رأيت الشمس زيدت محبة‬
                        ‫بسرمد‬




‫٠٥‬
‫فھذان البيتان من محفوظاتنا المدرسية أتينا على ذكرھما لمجرد التذكير -‬
                                                ‫والذكرى تنفع المؤمنين-‬
‫وإذا ذكر أدب المھجر تبادرت إلى الذھن جماعة الرابطة القلمية في‬
                                               ‫المھجر الشمالي -أمريكا-‬
                                 ‫)1( مجلة المغترب العربي، كندا، ٧٠٠٢.‬




‫والعصبة األندلسية في المھجر الجنوبي -البرازيل واألرجنتين- وأھل الشام‬
‫أحفاد الفنيقيين معرفون بارتياد البحار واصطياد الشمس والكمون للقمر‬
     ‫تجري المغامرة في عروقھم مجرى الدم أو كما قال شاعر النيل عنھم:‬


‫أبطال * أسد جياع إذا مـا وثبوا‬              ‫"كولمب"‬     ‫بأرض‬
                     ‫وثبــــوا‬                        ‫غطارفـة‬
‫رادوا المناھل في الدنيا ولو * إلى المجرة ركبا صاعدا‬
                     ‫صعدوا‬                              ‫وجدوا‬
‫في الجو‬      ‫أو قيل في الشمس للراجين * مدوا لھا سببا‬
                     ‫وانتدبوا‬                           ‫منتجع‬
‫السعي‬     ‫بذاك‬   ‫اللغات‬    ‫سعوا إلى الكسب محمودا وما * أم‬
                    ‫تـكتســب‬                             ‫فتئت‬




‫١٥‬
‫ولقد اغتنت أم اللغات بتلك الھجرة الميمونة بالشعر الصافي السلس‬
‫المنبجس من الوجدان ومن الفكر الحي الصحيح الملقح بالتجارب الغربية‬
‫حيث الصناعة والعلم والديمقراطية والحرية ودور المرأة الحي الفاعل في‬
‫المجتمع، وھذا ما نجد صداه في أدب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة‬
‫وآل المعلوف وجورج صيدح وأمين مشرق وميشال مغربي وعبد المسيح‬
       ‫حداد وجورج صوايا وغيرھم ممن يضيق ھذا المقال عن حصرھم.‬
‫إنما الذي يعنينا في ھذا المقال كيف كان الحنين إلى الوطن وإلى األم وإلى‬
‫الحبيبة وإلى الشلة وإلى ذكريات العيد، ومرابع زحلة وشواھق صنين‬
‫ونواعير حماة وخرير بردى سببا في ھذا اإلبداع الخالد المستل من‬
     ‫الوجدان، المكتوب بدم الفؤاد، الممھور بشھقة الروح الفاعلة الخالقة ؟‬
‫إن اإلنسان حين يھاجر يصاب بالفصام كل حسب استعداداته النفسية‬
‫وطاقاته الروحية فقد تكونت شخصية المھاجر في وطنه، وتلونت روحه‬
‫بأطياف الوطن من دين ولغة وعادات وطرائق معيشة بل ومناخ‬
‫وتضاريس، فجاء فكره انعكاسا لمحيطه، ثم ترك وطنه لألسباب التي‬
‫ذكرناھا آنفا فإذا به فسيلة أو شجرة تزرع في تربة غير تربتھا األولى،‬
‫إنھا عادات جديدة وطرائق حياة مستحدثة وفلسفة في الحياة غير األولى،‬
‫والمھاجر مجبر على ھضم ھذا الموضوع وتقبله لينجح في حياته-المادية‬
‫على األقل- ولكنه في الواقع وفي غياھب الالوعي تكمن عادات ولغة‬
‫وأسلوب معيشته األول في الوطن األم، ھنا تتجلى المعاناة وتتضخم‬
‫المأساة، وتتشظى الروح فنجد أشالءھا فيما أنتجه أولئك المھاجرون من‬
‫شعر ونثر ھو الدم والدمع بالنسبة ألصحابه وإكسير البھاء والنقاء ألدبنا‬
‫الذي غفا في كھف السجع والتورية وشعر المناسبات،وأدب الرسائل‬


‫٢٥‬
‫اإلخوانية المتسمة بالرياء المتسربل بالوقار والكذب المتشح بوشاح الوفاء‬
‫بالعھد، إنھا معاناة روحية وجودية وضعت صاحبھا بين مطرقة الضرورة‬
                                ‫ّ‬
                    ‫وسندان الحبيب األول)الوطن(، على حد قول شاعرنا:‬


 ‫* وحنينـه أبدا ألول مـنزل‬     ‫كم من منزل في األرض يألفه الفتى‬


‫ونحن في ھذا المقال راصدون أشتاتا من تلك المعاناة المتجلية في الحنين‬
‫إلى مرابع الصبا وحضن األم وسماء الوطن فيما أنتجه أدباء المھجرين -‬
‫الشمالي والجنوبي- لنرى كيف كان التجديد في الشكل حين ذابت األصباغ‬
‫وتالشت المساحيق وفي المضمون حين قبر الرياء الماكر والتقليد األعجم،‬
‫واالنصراف عن الحياة وھموم الناس، وتطليق المسؤولية األخالقية لألديب‬
‫في مغالبة الفساد ومصارعة االستبداد وقھر الرجعية وقھر نزعة الردة إلى‬
                                                       ‫عصر المغارة.‬
‫إن حب الوطن والحنين إليه والوفاء له ھو المطھر من اإلثم الذي يشعر به‬
‫األديب إن أصاب حظا من النجاح المادي والمكانة المرموقة في مجتمعه‬
‫الجديد، إنه الالوعي يتخلص من عقدة الذنب التي تسللت إلى نفس األديب‬
                                ‫لرھافة حسه ونبل ضميره وصفاء فكره.‬
‫وھاھو زكي قنصل األديب السوري الذي ولد بيبرود عام )٧١٩١(م‬
‫وھاجر إلى األرجنتين، فھو من جماعة العصبة األندلسية يحن إلى مرابع‬
‫الصبا وأماكن اللھو في نضارة الطفولة اقرأ ھذا المقطع وتذوق جماله‬
     ‫الفني واستشعر شيئا من األسى وقدر ھذا الحنين من الشاعر إلى وطنه:‬




‫٣٥‬
‫أيھا الـعائدون للشام * نفحة من شمـيم أرض النبوه‬
                                                       ‫ھال‬
‫علم ﷲ كم صـبونا * واشتھينا تحت الـعريشة غفوه‬
                                                      ‫إليھا‬


‫وتحسس ألم الضلوع، وانظر عبرة الشوق تتحدر من المآقي، وقدر ما في‬
                                             ‫ھذا القلب من شوق ومن حنين:‬
       ‫يـا عائدين إلـى الـربوع * قـلبي تحـرق للـرجوع‬
     ‫* وعـربـد في الضـلــوع‬        ‫نھنھتـه فـازداد تـحنانا‬
     ‫يـا عائدين إلـى الـحمى * قلـبي به عـطش وجوع‬
‫* متسـع لملـھوف ولـــوع ؟‬          ‫بـا ھـل في الـمركب‬
‫* قلب ارتقب يوم الرجـوع!‬           ‫وحـزمت أمـتعتي فـيا‬


‫وھو يحسن وصف أوجاع الغربة وألم البعاد ومكابدة السھاد واسمعه يقول:‬


‫الھم‬     ‫عجين‬     ‫من‬     ‫األشواك * وخبزه‬        ‫على‬      ‫الغريب‬       ‫ويح‬
                       ‫والتعـــب‬                                 ‫مضجعه‬
‫غيـــــــر‬      ‫وھواه‬      ‫بالجسم * وقلبه‬      ‫ربعه‬       ‫عن‬        ‫يعيش‬
                        ‫مغترب‬                                 ‫مغتربـــــــا‬
‫تغفو * ويوقظ الفجر في ليل من‬                  ‫ال‬      ‫الليل‬        ‫يستقبل‬
                         ‫الكرب‬                           ‫ھواجســـــــــه‬
‫بالرجعى‬         ‫تحقق‬        ‫بالرجعى * فھل‬             ‫النفس‬          ‫يعلل‬


‫٤٥‬
                        ‫أمــــــــانيه؟‬                          ‫ويخدعھـــــــا‬


‫أما نعمة قازان المولود في لبنان عام )٨٠٩١(م والذي استقر في البرازيل‬
                                                                     ‫وكان من جماعة‬
‫العصبة األندلسية فھو كصاحبه يذكر التحنان ويقاسي وجع الغربة‬
                   ‫ويتعشق عھد الطفولة ويتمنى لو تطأ قدمه أرض وطنه لبنان:‬


‫* إذن فاقلعوا الحب من بزرتي‬                   ‫بـالدي أأستـطيـع نـكراھـــــــــا‬
                                     ‫؟‬
‫يــــــا‬        ‫السـموات‬        ‫* سقـتك‬       ‫ولـبـنان أمـي بـه حفنـــــــــــــة‬
                                ‫حفنتي‬
‫أقـول‬                     ‫* ومــــــــــاذا‬   ‫وأھلـي ومـا أقـول بـــــــــأھلي‬
                          ‫بمـحبوبـتي؟‬
‫الـــــــدنيا‬      ‫بـقاع‬       ‫* وأحـلى‬       ‫أقـول بـقاع الـدنيا حـــــــــــلوة‬
                                ‫بقعتي‬
‫في‬         ‫ﷲ‬     ‫بـــــال‬     ‫* فصـرت‬         ‫وكـنت مـع ﷲ فـي قـــــــريتي‬
                               ‫غربتي‬
‫مـع‬        ‫فقيـــــــرا‬       ‫* فصرت‬          ‫وكـنت غـنيـــــــــــا مـع الـقـلة‬
                               ‫الكـثرة‬
‫* رماني اللھيب إلـى الشـــــھوة‬               ‫ولوال الحبيب وعودي الرطيب‬
‫* قـذفت بنفسي إلـى الـــــــــھوة‬              ‫ولـوال الـرجاء بعـود الرجـــــا‬




‫٥٥‬
‫وفي شعر ھذا الشاعر بعض الركاكة اللغوية والفقر الفني كقوله: وماذا‬
                                      ‫أقول بأھلي، وماذا أقول بمحبوبتي؟‬
‫وفي شعر المھجريين وأدبھم بعض اإلسفاف والكثير من ركاكة التعبير‬
‫والخروج على قواعد اللغة -عن غير علم وبصيرة- وھو ما أخذه عميد‬
‫األدب العربي الدكتور -طه حسين- على كبيرھم الذي علمھم السحر إيليا‬
‫أبي ماضي، ولكن يشفع لھم أنھم لم يتخرجوا من جامعة وال ترددوا على‬
‫حلقات اللغة واألدب، وزد على ذلك حياتھم خارج أوطانھم يتكلمون بغير‬
‫لغتھم وحسب المرء أن ينتج شيئا من ھذا الشعر السلس الراقي ولسانه‬
                                     ‫تعود على الكالم بغير لغته الشعرية.‬
‫إنما ھي الموھبة والسليقة والكد الشخصي والعصامية والتعلق باللغة‬
‫العربية والقدرة على قرض الشعر واالسترسال في النثر كانت العوامل‬
‫الداخلية، زد عليھا ھم الغربة ونكدھا وحال الشرق وسباته ھي التي حدت‬
                              ‫بھؤالء إلى البروز في فن القول شعرا ونثرا.‬
‫وھاھو الشاعر حسني غراب الحمصي المولود عام )٩٩٨١(م يتحدث عن‬
     ‫وطنه أجمل حديث كأنه كالم منتزع من سويداء القلب ومن بؤبؤ العين:‬


‫* منازل أم بنا من حادثات‬             ‫أبعد حمص لنا دمع يراق على‬
                       ‫ھلع؟‬
‫* كـأنما ھـي من أكبادنا قطـــع‬       ‫دار نـحن إليـھا كلـــــما ذكرت‬
‫* كـــأنه من سواد العين منتزع‬       ‫وملـعب للصبا نـأسى لــــفرقته‬




‫٦٥‬
‫وھذا شاعر آخر من فتوح كسروان اللبنانية شكر ﷲ الجر والمقيم‬
‫بالبرازيل والعضو في العصبة األندلسية ال يخفي تحنانه و ما أحلى ذكره‬
‫لكلمتي الشيح والعرار وھما موحيتان بخصائص الريف الشامي وبالد‬
                                                  ‫العرب عامة ، اقرأ معي قوله:‬


‫* أي جـرح يسيل من تذكاره ؟‬               ‫ذكــــــر األرز بعـد شط مزاره‬
 ‫* مـن شذا شيحه ونفح عراره‬               ‫ليس أشھى علـى القلوب وأندى‬


‫واقرأ معي ھذا البيت الذي يذيب القلب ويقطع الكبد تحسرا فلئن يئس‬
                ‫الشاعر من األوبة إلى بلده فرجاؤه الوحيد أن يدفن في أرضه:‬


‫* ما حرمنا من مرقد في‬                     ‫إن حـرمنا من نعمة العيش فيه‬
                          ‫جواره‬


‫أما قصة ھجرته وما القى في سبيلھا من لجاج النفس وشك الضمير وتردد‬
                        ‫العقل فقد وصفھا أبدع وصف نكتفي منھا بھذا المقطع:‬


       ‫* عـباد فـكل إلـى رغبـتــــه‬      ‫ركـبنا من اليم طودا يقل الــــــ‬
       ‫فـيا له مـن مشـھد للــــــــــوداع * يـذيب الـحديد على قسوته‬
     ‫* وحـيدا يـسير ألمـنيتــــــــــه‬   ‫فـأم تـضم إلـى قـلـبـھــــــــــــــا‬
     ‫* وزوج يـرفه عن زوجتـــــه‬          ‫وأخ يكـفكف دمـع أخـتـــــــــــه‬
     ‫فيا ليت شعري أيحظى المھاجر * فيما يـرجيه مـن ھـجرتـــــه‬


‫٧٥‬
 ‫ويا ليت شـعري أيلقى المسافــر * يـوما سبيـال إلـى أوبتــــــه ؟‬
 ‫أم أن اللـيالـي تـزري بـــــــــــه * فتذرو الفتى الحر في تربته ؟‬
‫فـال أم تبـكي علـى قـبـــــــــــره * وال أخت تسقي ثرى حفرته ؟‬


‫وأما نعمة الحاج من غرزوز بلبنان والمقيم بالواليات المتحدة فيزيد على‬
‫أصحابه السابقين في ذكر الحنين والوفاء لألھل والوطن ھم الصحوة‬
               ‫والبعث والتجديد في الحياة العربية أدبا وفكرا وأسلوب معاش:‬


     ‫* نـحن بـالروح حيث كـنــــــا‬       ‫مـــــــا نـسـينا ويشـھد ﷲ أنـا‬
     ‫* ن سنــــــــاه يشع فينـا ومـنا‬    ‫إن بـعدنـا وإن قـربنا فلبنــــــا‬
     ‫* حلت الـعاليات برجا ووكنــا‬       ‫نـحن في األرض أنجم ونسور‬
     ‫* قربت منذ نحن باألمس بنـا‬         ‫ھــــــذه الـنھضة الـحديثة منكم‬
 ‫* نارھا والعيون إذ ذاك وسنى‬             ‫قـد نـفحنا ببوقـھا وأثـرنــــــــا‬
 ‫* وأجـــدتم تجديدھا فھي أسنى‬           ‫أيـقظتكم مـن الـــــــكرى فھبتم‬
     ‫* تـراه الـعيون أكمل حســـــنا‬     ‫وازدھـى العمران والعلم والفن‬


‫أما شفيق المعلوف شقيق فوزي المعلوف الزحالوي والمولود عام‬
‫)٥٠٩١(م والمستقر في البرازيل ففي قصيدته "بين شاطئين" استھالل‬
                ‫لموضوع الحنين بالحديث عن الوداع والعبرات وخفق الفؤاد:‬


‫* تلوحان لي كلتاھما خلف‬                 ‫ذراع مـالق إثر كـف مـــــودع‬
                          ‫مدمعي‬


‫٨٥‬
‫* فــــــال ترھقيھم يـا سفين‬            ‫مناديل من ودعت يخفقن فوقھم‬
                          ‫واقلـعي‬
‫* أراھن من خلف الزجاج‬                   ‫بـعدن فـغشــــــاھن مـعي كأنني‬
                      ‫المصدع‬


     ‫ويزيد في ھذه القصيدة وصفه النبھاره بالعمران في أمريكا وبحضارتھا:‬


‫خـليلي بدت جبــارة المدن * بأعظم ما ازدانت به األرض‬
                             ‫فاخشع‬                              ‫تزدھي‬
‫كـف‬      ‫الشمس‬     ‫إلـى‬      ‫أدارت علـى اآلفاق مشعل * ومدت‬
                          ‫يــــــوشع‬                            ‫عزھــا‬
‫الغمام * فما تظفر الحدثــــــان منـھا‬           ‫بروجا في‬        ‫وأعلت‬
                            ‫بـمطمع‬                            ‫رؤوسھا‬
‫اإلنـس * بأزميل جـبــــــــــار وحكـمة‬           ‫جـود‬    ‫جن‬      ‫مـدينة‬
                              ‫مـبدع‬                           ‫نحتھـــــا‬


                                    ‫ثم اسمعه يقول صادقا عن التحنان والوفاء:‬


‫أطـل عليكم والمنى تزحم المنى * بصدري وأنتم ملء قلبي‬
                      ‫ومسمعـي‬
‫لـئن تسألوا ما في الجنوب فإنني * حـملت إلـيكم قـلبه خافقـــــــا‬
                             ‫مـعي‬


‫٩٥‬
‫ويختم ذلك كله بالمھمة الموكلة إلى أصحابه في بعث األدب العربي وإحياء‬
                                                                           ‫لغته:‬


‫وإن لـواء نـحن قـمـنا * خـفوقا على حصن البيان‬
                        ‫الممنع‬                           ‫نـھزه‬
‫بــــأرفع‬    ‫ركزنـاه‬    ‫أنـتم * ونـحن‬        ‫ظـفرتم‬       ‫لـواء‬
                       ‫موضع‬                           ‫بـاكتسابه‬


‫وال شك أنه يعني بقوله "ظفرتم أنتم" أدباء مصر وھو ما أشرنا إليه في‬
                                                                  ‫بداية المقال.‬
‫وأما مسعود سماحة المولود في لبنان عام )٢٨٨١(م والمستقر في أمريكا‬
‫فإن حنينه لوطنه ووفاءه له أنطقه بھذين البيتين وھما دعوة إلى الثورة‬
                             ‫ومقاومة االستبداد، اسمعه يخاطب أھل لبنان:‬


     ‫مشت القرون وكل شعب قد * مـعھا وقومك واقفون ونـوم‬
                                                                  ‫مشى‬
     ‫لـصفعة * فـيھم ولـم يـنطق بتھديد فــم‬     ‫كف‬       ‫تـرتفع‬       ‫لـم‬
                                                            ‫غاشــــــم‬




‫٠٦‬
‫وأما رشيد أيوب المعروف بالدرويش والمولود في نفس قرية ميخائيل‬
‫نعيمة "بسكنتا" بلبنان عام )٢٧٨١(م والذي استقر في الواليات المتحدة‬
                  ‫ففي قصيدته المسافر يذكر المخاطرة والھجرة واآلمال:‬


‫دعتـه األمـاني فخلى الربــــوع * وصار وفـي الـنفس شيء كثيـر‬
‫وفي الصدر بين حنايا الضلوع * لـنيـل األمــــــــانـي فـؤاد كـبيـر‬
‫وخاض * ومـرت لـيـــــال وكـرت سـنون‬            ‫المطايا‬      ‫فـحث‬
                                                         ‫البحــــار‬
                           ‫ولم يرجع‬


‫ويعد الشاعر القروي رشيد سليم الخوري المولود ببربارة بلبنان عام‬
‫)٧٨٨١( م والذي عاش في البرازيل أمتن شعراء الجنوب لغة وأقدرھم‬
‫على التصرف في القريض وأجودھم في تخير اللفظ الموحي بمرارة‬
‫الغربة ووحشة األمل وأمل العودة واقرأ معي ھذا المقطع من قصيدة عند‬
                                                 ‫الرحيل لترى ذلك حقا:‬


 ‫* وقلت حــذار فلـم تسمعـي‬        ‫نـصحتك يــــــا نفس ال تـطمعي‬
‫* كمــــــا تدعين إذا ودعـي!‬      ‫فـإن كـنت تستسھلين الــــــوداع‬
 ‫* تئنين في صدري المـوجع‬          ‫خـرجت أجرك جــــــر الكسيـح‬
‫* رجعت وليتك لــم ترجـعي‬         ‫ولـما غدونـــــــا بنصف الطريق‬
‫* قفي حيث أنت وال تجزعي‬            ‫كفاك اضـطرابا كصدر المحيط‬
‫* وأرجع فانتظري مــرجعي‬           ‫سأقضي بنفسي حقـــــوق العـلى‬


‫١٦‬
‫وما أجمله من إيحاء حين يذكر تركه لروحه في وطنه األم وحمل جثته إلى‬
                                                                     ‫المھجر!‬
‫ويأتي بعد القروي في متانة اللغة وجودة السبك والتصرف في القول‬
‫إلياس فرحات من كفرشيما في لبنان والمولود عام )٣٩٨١(م والذي أقام‬
‫في البرازيل ولعل ھذا المقطع ھو من أشھر أشعاره تغنى بھا المشرق‬
                                               ‫والمغرب عن وحدة العرب:‬




‫للـعرب‬                 ‫* فقـلوبـنا‬   ‫إنـا وإن تـكن الشآم ديــــــــارنا‬
             ‫بـاإلجمـــــــــال‬
‫* أرض الجزيرة من حصا‬                 ‫نھوى العراق ورافديه وما على‬
                        ‫ورمال‬
‫نيلـھا‬    ‫بسـائغ‬        ‫* نـروى‬      ‫وإذا ذكرت لنا الكـنانة خلتنـــــا‬
                   ‫السلســــــال‬
‫وحـالوة‬     ‫األسـى‬         ‫* مـر‬     ‫بـنا ومـازلنا نشاطر أھـلھـــــــا‬
                    ‫اآلمــــــال‬


‫أما جورج صيدح الدمشقي والذي أقام في األرجنتين فلله ما أحلى حديثه‬
                         ‫عن حنينه إلى دمشق ووفائه لھا وألم البعاد عنھا !:‬


‫أنـا وليدك يـا أمــــــــاه كـم * ذكراك نفسي وكم ناجاك‬


‫٢٦‬
                           ‫وجدان!‬                                    ‫مـلكت‬
‫أشكـال‬     ‫والـغم‬           ‫الـعيش * والـھم‬     ‫نعيم‬       ‫افترقنا‬     ‫منذ‬
                    ‫وألـــــــوان‬                             ‫فـــــارقني‬
‫األيـام‬   ‫أعطت‬        ‫ما‬     ‫عھد الشباب وعھد الشام إن * فكل‬
                    ‫حرمــــــان‬                                       ‫مضيا‬


          ‫وفي قصيدته "المھاجر" وصف للمعاناة النفسية وتباريح الجوى:‬


‫الـجھد‬     ‫أقعده‬            ‫كـيف يرتـاح وتذكار * كـلما‬
                   ‫أقامــــــــه؟‬                         ‫الحمى‬
‫مـن * إنـه يقطن بالروح خيامـــــــه‬       ‫الـعاجي‬         ‫بـرجه‬
                                                          ‫يقطنه‬
‫ويبـعث الـمال سالما * فالحمى بال مال يأبى السالمه‬
                                                          ‫للحمى‬
‫قـل لـمن يحميه فـي * إن مـن أعدائه اللد غـرامــــه‬
                                                          ‫غربته‬


‫أما ما يالقيه الفذ من ازدراء في وطنه وتقدير في غيره فقد عبر عنه أجمل‬
                                                                             ‫تعبير:‬


‫الشرق * أصبحت في حائط الغرب‬                   ‫بھــــــا‬    ‫أحجار‬       ‫رب‬
                           ‫دعامه‬                                     ‫ازدرى‬


‫٣٦‬
‫أما الشاعر المصري الكبير أحمد زكي أبو شادي )٢٩٨١-٥٥٩١م( والذي‬
‫استقر في أمريكا وكان من مؤسسي جماعة أبولو التي جددت في األدب‬
‫خاصة الشعر منه وعرفت ھذه المدرسة برومنطيقيتھا فقد خاطب أمريكا‬
                                                      ‫– وطن الحرية- قائال:‬


‫لـجأت إلـيك يـا وطنا * بـه األحـرار واعتز الـنشيد‬
                                                       ‫تغنى‬
‫الحـر * وبدء نھاري بل عـمر‬                   ‫منبري‬     ‫فـإنك‬
                          ‫جـديد‬                      ‫المرجى‬


‫وقد كان نزوح أحمد زكي أبي شادي إلى أمريكا ھروبا من استشراء‬
‫الفساد وتعفن الوضع السياسي وانعدام الحرية ولكنه في غربته في العالم‬
                                         ‫الجديد يحن إلى وطنه فاسمعه يقول:‬


‫حبـي‬       ‫أنا‬      ‫بكيت‬          ‫في * وقد‬   ‫طروب‬       ‫الربيع‬   ‫بكى‬
                   ‫وأوطـــــــــانـي‬                       ‫مباھجــــه‬
‫بأشواقي‬          ‫العذاب‬           ‫أنا الغريب وروحي شاركت * ھذا‬
                    ‫وأحـــــــزانـي‬                              ‫بدني‬
‫اللھفى‬     ‫مھجتي‬       ‫من‬     ‫لي في ثرى مصر دمع نائــح * أذيب‬
                       ‫ونـــــيراني‬                              ‫ودم‬
‫روح‬       ‫أغـاثت‬     ‫أو‬     ‫تركته مثل غرس الحب مـــا * أزھاره‬


‫٤٦‬
                     ‫لھفـــــــــان‬                          ‫ذبلت‬
‫أشمھــــا في اغترابي حين * ذكرى الشباب وذكرى عمري‬
                            ‫الفاني‬                         ‫تلذعني‬


‫واسمع معي ميشال مغربي المغترب في ساو باولو يتأسف على عمره‬
     ‫الضائع ھدرا في بالد الغربة وينصح شباب العرب بالبقاء في أوطانھم:‬


      ‫وجھــــــاده‬             ‫وأنا الذي باع الشبيبـــة * بجالده‬
                            ‫المتوالـي‬                        ‫خاسرا‬
      ‫أثر النضال على الجبين * ما االغتراب سوى حياة‬
                                ‫نضال‬                         ‫ترونه‬
      ‫ربوعھم‬             ‫شطر المھاجر ال تولوا * كالخاسرين‬
                          ‫أمثـــــالـي‬                       ‫أوجھـا‬
      ‫كريم‬     ‫من‬     ‫ملكتم‬      ‫بكم * وبما‬    ‫أولى‬     ‫أوطـــــانكم‬
                           ‫خصــــال‬                        ‫وبسعيكم‬
      ‫بكل‬      ‫المزري‬         ‫بطيب * وجمالھا‬     ‫أولى‬       ‫وألنتمو‬
                              ‫جمــــال‬                    ‫ھوائھــــا‬


‫ويأتي إيليا أبو ماضي المولود بقرية "المحيدثة" بلبنان عام )٩٨٨١(م‬
‫والذي استقر بأمريكا وكان من األعضاء المؤسسين للرابطة القلمية في‬
‫طليعة الشعراء الذين تغنوا باألوطان ووصفوا الحنين إليھا ولوعة البعد‬




‫٥٦‬
‫عن الخالن، واستذكروا عھد الصبا واقرأ معي ھذا المقطع يخاطب لبنان‬
                                                 ‫ويناجيه لتقدر ألم الغربة:‬


          ‫* حـدق أتذكر من أنـــا ؟‬     ‫وطـن النجوم أنا ھنـــــا‬
          ‫* دنيـاه كـانت ھــــــاھنا‬   ‫أنـا ذلك الـــــــولد الـذي‬
          ‫* فاضت جداول من سنا‬          ‫أنــــا مـن مـياھك قطرة‬
          ‫* وصفقت في الــمنحنى‬         ‫كم عانقت روحي رباك‬


‫وما أجمل قوله لوطنه لبنان يعتذر له فيه عن البعد عنه ويتعلل لذلك‬
            ‫بركوب األخطار والطموح إلى المعالي والنزوع إلى األمجاد:‬


      ‫* ركبوا إلى العلياء كل سفين‬        ‫لبنــان ال تعدل بنيك إذا ھم‬
      ‫* خلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون‬        ‫لم يھجروك ماللـــــة لكنھم‬
      ‫* ال يقنعون من العال بالدون‬       ‫لمــــــا ولدتھم نسورا حلقوا‬




‫إذا فقد كانت الغربة وتباريحھا مھمازا للقريحة وجناحا للتحليق في سماء‬
‫الخلق الفني وقد استفاد أدبنا العربي من ھذه الغربة فتجدد وجھه وازدان‬
‫بھاء ورونقا، وأصبح الشعر على يد ھذا اللفيف من الشعراء تعبيرا عن‬
‫الوجدان، ووصفا لخلجات النفس وخفقات الفؤاد، بلغة صافية رقراقة‬
‫متخلصة من أصباغ التكلف وطالء التصنع، متعالية على الحذلقة البيانية‬
‫والبھلوانية اإلنشائية، وفي ھذا األدب كثير من السقطات وسفاسف القول‬


‫٦٦‬
‫ولكنھا ال تلغي أھمية ھذا األدب بل تجعل أدباءه في الطليعة، مع أدباء‬
‫المشرق الذين تعاونوا يدا بيد ويراعا بيراع وتزاوجت خفقات قلب بقلب،‬
‫وخلجات نفس بنفس، وطموح روح بروح على إخراج أدبنا من سبات‬
‫الكھوف ونفض غبار القرون الوسطى عن حروفه حتى يصير كآداب‬
‫الدنيا، أدب الحياة بما فيھا من صخب ونشاط وھم وترح وفرح وما شئت‬
                                                  ‫من أطياف الحياة.‬




‫٧٦‬
              ‫)1(‬
                    ‫المعاناة الخالدة أو اإلبداع في حضرة األلم‬


                ‫الشئ يجعلنا عظماء غير ألم عظيم "ألفريد دي موسيه"‬

‫األلم كظاھرة جسمانية أو نفسية مظھر من مظاھر النقص في الكائن‬
‫البشري وآية عدم سويته، إنه يصيب اإلنسان بالعجز ويحسسه بانسحاقه‬
             ‫وبعدم قدرته على مزاولة حياته اليومية كغيره من بني جنسه.‬
‫وسواء أكان األلم جسديا أم نفسيا فإنه يلقي بظالله الشاحبة على عالم‬
‫الالوعي ويمسح بكآبته على سراديب الروح فيحس الفرد بنقصه وربما‬
‫عدم كفاءته -على األقل- في ممارسة الحياة العادية كعامة الناس، وألن‬
‫اإلنسان أناني بطبعه، وغريزة البقاء متأصلة فيه، تأصل خالياه وأنسجته‬
‫وألن الموت والنسيان ھما خصماه اللدودان، فإنه يسعى الستكمال ذلك‬
‫النقص المتجلي في المعاناة بضربيھا الجسدي والنفسي بالتطلع إلى عوالم ال‬
‫يرقى إليھا األشخاص العاديون وبالتحليق في سماوات تقصر مدارك الناس‬
‫عنھا إنه الالوعي يقاوم الفناء ويؤكد خصوصية الذات ويستنبت بذور‬
‫البقاء، ويشفي الغليل -غليل نفس مھما كانت إنسانية-فھي حاقدة على‬
‫الصحة الموفورة واالتزان النفسي للجماعة -القطيع- ولھذا كان شاعرنا‬
                                        ‫الكبير المتنبي على حق حين قال:‬

                    ‫ذو العقل يشقى في النعيم بعقله‬
                     ‫وأخو الجھالة في الشقاوة ينعم‬

‫وإذا كان فرويد يفسر اإلبداع على أنه التحول في اللبيدو فإن كارل‬
‫جوستاف يونغ السويسري يفسره على أنه إحساس بالدونية ومن ثمة‬
‫التسامي -عن طريق اإلبداع- بھذه الذات إلى الظھور في مستوى الناس‬
        ‫العاديين بله والتفوق عليھم واالستعالء على مداركھم وطموحاتھم.‬
‫وقد كانت العرب على حق حين قالت:"كل ذي عاھة جبار" وھو قول‬
‫علمي أكثر منه أدبي مضمونه جمع بين الفلسفة والعلم، وترك لعقل القارئ‬
‫تحليل ھذا القول واستقصاء جزئياته إلدراك مراميه البعيدة التي شرحناھا‬
                          ‫من الوجھة النفسية والوجودية في بداية المقال.‬
‫وفي أدبنا العربي قديمه وحديثه مبدعون كبار –نثار وشعراء- ينسحب‬
                               ‫عليھم ھذا القول وذلك التحليل المقدم آنفا.‬


‫٨٦‬
‫لقد كان األلم مھمازا للقريحة، ووقودا للسير في طريق اإلبداع والخلود‬
‫وأجنحة حلق بھا أصحابھا في عوالم الفكر والشعور، ومعارج عرجت بھم‬
‫إلى قمة األولمب بين أقدام أبولون فباركھا بأن منحھا الخلود ومنح إبداعھا‬
                                                   ‫إكسير البھاء والبقاء.‬
‫والعجيب في أدبائنا الشعراء والكتاب المتألمين كانوا كالشھب في سماء‬
‫الخلق الفني أضاءوا إضاءات سريعة واختفوا عن الوجود لم يثبتوا ثبات‬
‫النجوم حتى ليملھا الرائي، فقد كانت حياتھم قصيرة ، كان األلم والنشيج‬
‫واألنين حجر الزاوية فيھا، وأشد ما يلفت النظر في الشھاب سرعة حركته‬
‫واندفاعه في السماء وشدة ضيائه الذي يكاد يخطف األبصار ويكسف ما‬
                                                          ‫حوله من نجوم‬
            ‫)١( مجلة الرافد اإلماراتية، العدد ٢٣١، أغسطس٨٠٠٢.‬


                                                             ‫عتيقة.‬
‫وكذلك كانت حياة ھذا النفر من األدباء ولعل شاعرنا الصداح فوزي‬
‫المعلوف )٩٩٨١- ٠٣٩١( خير من يمثل ھذه الفئة وھو إن لم يصبه الداء‬
‫العياء في صدر شبابه، بل كان مثاال للصناعي الناجح في البرازيل والغني‬
‫المتألق الوسيم، ولكن معاناته كانت نفسية وجودية رأت الحياة بمنظار أبي‬
‫العالء، وتشربت معاني رباعيات الخيام فبدا لھا الوجود غفوة والموت‬
‫صحوة والمال والبنون والصحة والوسامة مظاھر خداعة تتستر على‬
‫ھاوية العدم وقاع الفناء، وعانى ھذا الشاعر من النفاق والرياء والكذب‬
‫والغرور والحسد تلك الصفات المميزة لإلنسانية في ملمحھا العام اسمعه‬
                                                              ‫يقول:‬

               ‫من يمت ألف مرة كل * وھو حي يستھون الموت مـره‬
                                                                  ‫يوم‬
               ‫الحياة * كـل مـا قال فيلسوف المـــعره‬ ‫كلھا‬        ‫تعب‬
                                                          ‫وھـــــــذا‬


     ‫واقرأ معي ھذا المقطع الذي تجد فيه الشاعر قد نفذ إلى لباب الوجود‬
                                    ‫-حسب رأيه- فإذا ھو الزوال والفناء:‬


‫٩٦‬
     ‫إلـي * أنت مثلي في الكون للكون‬             ‫وردة‬      ‫نـظرت‬
                        ‫كاره‬                        ‫وقــــــــــالت‬
     ‫آسـه‬          ‫بـين‬        ‫مـن * أجتـنى‬     ‫نفسي‬         ‫ويـح‬
                     ‫وبـھــــــــــاره‬           ‫الربـــــــيع ففيه‬
     ‫بـلفحة‬        ‫ومن الصيف فھو يحرق * علـى رغـمھا‬
                        ‫نــــــــــاره‬        ‫أكمامي‬
     ‫وصـله‬          ‫بـين‬     ‫والـنسيم البـليل ھــــــــل * قـاتلي‬
                     ‫ونـــــــــفاره؟‬                      ‫ھو إال‬
     ‫يتصابـى حـتى أســــــلمه * فـيــــــجفو والـعطر مـلء‬
                       ‫إزاره‬                        ‫نفسي‬

                                    ‫وكان آخر ما نظم ھذا الشاعر:‬

            ‫مرحبا بالعذاب يلتھم * التھاما وينھش القلب‬
                          ‫نھشا‬                   ‫العين‬
            ‫الدم‬   ‫إلى‬    ‫غلة‬    ‫مشبعا نھمة إلى الدم * ناقعا‬
                                ‫عطشى‬                    ‫حرى‬

                                 ‫وقد خاطب قلمه أجمل خطاب مرة:‬

              ‫يا يراعي مازلت خير * لي منذ امتزجت بي‬
                        ‫وستبقى‬                ‫صديق‬
              ‫باسما من سعادتي حين * باكيا من تعاستي حين‬
                           ‫أشقى‬                    ‫أھنــا‬




‫٠٧‬
‫وأما الشاعر اللبناني اآلخر إلياس أبو شبكة )٣٠٩١-٧٤٩١( بودلير‬
‫الشرق ھذا الشاعر الذي أبدع في وصف الغواية، وتتبع العورة والسقطة،‬
          ‫فقد كان األلم دافعه في اإلبداع وحاديه في الكتابة اسمعه يقول:‬




               ‫وجـنتيه‬      ‫يـنكر‬      ‫من لم يذق في الخبز طعم * ولـم‬
                               ‫الســــــــقم‬                     ‫األلم‬
               ‫من لـم يغـمس في ھواه * من يمنع األھـوال أن‬
                                    ‫تطــعمه‬                    ‫دمــــه‬
               ‫من ليس يـرقى ذروة * ومن لم يسمر في الھوى‬
                                      ‫أنمله‬                  ‫الجلــجله‬
               ‫لن يعرف الـعمر شعاع * ولـن يـرى أمـــــــاله في‬
                                      ‫رؤاه‬                     ‫اإللـــه‬


‫وفي البيت الثالث استلھم الشاعر قصة صلب المسيح أجمل استلھام‬
‫والالفت في ھذا الشاعر البارع في وصف الغواية والمدرك لحقيقة الشعر‬
‫والحياة معا وھي قول وليم بليك "اذھب وطور قابليتك على رؤية الرؤى‬
‫حتى تصل بھا إلى أفضل ما يمكن أن تكون عليه" أنه عانى ألما جسديا‬
                   ‫ونفسيا معا عجال به إلى ھاوية العدم وما أجمل قوله:‬


                         ‫إن الشقا سلم إلى السما * فعدن ميراث لمن‬
                                         ‫تألما‬


‫١٧‬
 ‫وأجمل منه ھذا المقطع الظاھر فيه التأثر بالرومنطيقية الفرنسية الحزينة:‬


      ‫اجرح القلب واسق شعرك * فـدم القـلب خمرة األقـــــالم‬
                                                                    ‫منه‬
      ‫تـعذب * قـلــــــــما فـي قـرارة اآلالم‬     ‫لم‬    ‫أنت‬         ‫وإذا‬
                                                        ‫وتـغمـــــس‬
     ‫فالشقا * صعدت من مذابح األرحـــام‬          ‫شئت‬         ‫ما‬    ‫واشق‬
                                                                 ‫محرقات‬
     ‫رب جرح صار ينـبوع * تلتقي عنده النفوس الظـوامي‬
                                                                 ‫شــــعر‬
     ‫وزفير أمسى إن قدسته * ضـربا مـن أقدس األنــــــغام‬
                                                                  ‫الروح‬
     ‫مـنه * خالد فـي مجـامر األحــــــالم‬       ‫فاح‬    ‫قد‬        ‫وعذاب‬
                                                        ‫بـــــــــخور‬




‫وكذلك كان شاعر مصري الذي ال يعرفه إال القليل صالح الشرنوبي‬
‫)٤٢٩١-١٥٩١( رفيق صالح جودت، جرته كآبته ومعاناته النفسية وقلقه‬
                        ‫الوجودي إلى الموت تحت عجلة القطار وھو القائل:‬




‫٢٧‬
               ‫وتـفنى‬          ‫تفنى‬          ‫غدا يا خيالي تنتھي * وآمالنا‬
                                      ‫المشاعـــــر‬                    ‫ضحكاتنا‬
               ‫وتسلمنا أيدي الحياة إلى * ويحكم فينا الموت والموت‬
                                               ‫قادر‬                         ‫البلى‬




‫وقد كان الشاعر خليل شيبوب)١٩٨١-١٥٩١( صريع الداء مكدود البدن‬
‫تساقط نفسه أنفسا على حد وصف امرئ القيس لعلته، وزاده األلم النفسي‬
                                                       ‫قھرا وعذابا فانفجر يقول:‬


               ‫األمراض * ذھبت صبوتي وضاعت حياتي‬                     ‫بين‬        ‫أنا‬
                                                                    ‫والحسرات‬
               ‫فـي‬      ‫راحتي‬         ‫أن‬      ‫كم دعوت السماء دعوة * عالما‬
                                       ‫ممــــــاتي‬                           ‫يأس‬
               ‫سئمـت‬      ‫قد‬     ‫الحظ‬        ‫حبذا الموت يـا ظالم * تاعس‬
                                           ‫حيــــاتي‬                      ‫فــــإني‬


               ‫وأما الشاعر السوداني التيجاني بشيريوسف )٢١٩١-٧٣٩١(‬
‫فقد كان األلم ھو اآلخر - وألمه ھنا نفسي- كألم صاحبه دافعه إلى اإلبداع‬
‫وسلمه إلى التحليق في سماء االبتكار، وقد كان كسابقيه شھابا خطف‬
     ‫األبصار سناه ثم انتھى رمادا ، اقرأ معي ھذا المقطع الدال على معاناته:‬




‫٣٧‬
                         ‫خلوصي‬            ‫جـد * بعد‬         ‫مـاذا‬       ‫ثـم‬
                                   ‫وصفائي؟‬                     ‫مـــــــــن‬
                         ‫روحي * أرى مــا أنــــــــا‬                ‫أظلمت‬
                                          ‫راء‬                       ‫ماعدت‬
                         ‫صـحو‬             ‫الـعثير * فـي‬               ‫أيھذا‬
                                  ‫سمــــــائي‬                  ‫الغــــــائم‬
                                    ‫الـسود * وللـموت‬                 ‫للمنايا‬
                                ‫رجــــــــائـي‬                  ‫آمـــــالي‬


‫وفي قصيدته قلب الفيلسوف يقدم لنا الشاعر مالمح شخص مرھف الحس،‬
‫شديد األلم، تغطيه أسمال بالية على ھيكل مكدود وھو يعني نفسه ومن‬
                                                            ‫على شاكلته:‬


 ‫األحقاب * سفر الحياة على مكدود سيمــــاه‬        ‫جبل‬   ‫من‬      ‫أطل‬
                                                        ‫محـتمـــال‬
 ‫عاري المناكب في أعطافه * من العطاف قضى إال بـقايــــــاه‬
                                                            ‫خـــلق‬
 ‫مشى على الجبل المرھوب * يكاد يلمس مھوى األرض مرقاه‬
                                                              ‫جانبه‬
 ‫ھنا الحقيقة في جنبي ، ھنا * من السموات في قلبي ، ھنـا ﷲ‬
                                                              ‫قـبس‬




‫٤٧‬
‫أما شاعر العربية الكبير وبلبلھا الصداح ونسمتھا المنعشة وعبيرھا الفواح‬
‫، شاعر تونس الخضراء أبو القاسم الشابي )٦٠٩١-٤٣٩١( فاأللم‬
‫الجسدي وقصور قلبه كانا سبب نكبته ومعراجه إلى سماء الخلود‬
‫وطريقه إلى الشعر بعد أن امتلك أسبابه وتھيأت له فواتحه، ولسنا نتحدث‬
‫عن الشابي المجدد والرومانسي وصاحب رائعتي إلى الطغاة وإرادة الحياة‬
‫وإنما نتحدث عن الشابي المكدود العليل الصارخ من األلم المستشعر نھايته‬
‫القريبة في شرخ الشباب ونضارة العمر ونكتفي بمقطعين يعبران عن‬
‫معاناته الجسدية والنفسية من قصيدته "الصباح الجديد" وكأنه يؤمن في‬
‫ھذه القصيدة بتناسخ األرواح، أو بفكرة البعث بعد الموت واستمرار الحياة‬
‫إلى األبد في أطوار وحيوات مختلفة، ولكنھا حيلة الالوعي وغريزة البقاء‬
‫تسكن لوعته وتھدأ من روعه حتى تحين القاضية ، اسمعه يقول مخاطبا‬
                                                               ‫آالمه وجراحه:‬


       ‫واسكـتي يـا شجـون‬          ‫*‬   ‫أسكـني يـاجـــــــــراح‬
       ‫وزمـان الـجـنـــــون‬       ‫*‬   ‫مـات عـھد النــــــواح‬
       ‫مـن وراء الـــقـرون‬        ‫*‬   ‫وأطـل الصـبـــــــــاح‬
       ‫قـد دفـنـت األلـــــــم‬    ‫*‬   ‫في فجـاج الــــــــردى‬
       ‫لــريـاح الــعـــــــدم‬    ‫*‬   ‫ونـثرت الدمـــــــــوع‬
       ‫مــعزفـا للنـــــــــغـم‬   ‫*‬   ‫واتخـذت الـحيـــــــــاة‬
       ‫في رحـاب الـزمـان‬          ‫*‬   ‫أتـغـنى علـيـــــــــــــه‬




‫٥٧‬
‫أما شاعر العراق الكبير ورائد شعر التفعيلة بدر شاكر السياب )٦٢٩١-‬
‫٤٦٩١( فكانت معاناته جسدية، جسد ذاوي كأوراق الخريف ونشاز خلقي‬
‫سبب له األلم وھو الشاعر المفتون بالنساء العاشق للمرأة الراغب في‬
‫امتالكھا الساعي إلى مواقعتھا نزوال عند رغبتھا واستجابة الستعطافھا،‬
‫لقد كان السياب ظاھرة فريدة طواه الموت قبل األربعين وأخرس صوت‬
‫األلم فيه ولكن األلم خالد في شعره يصيبنا بفيروسه كلما قرأنا شعره وإن‬
‫كنا لسنا كالقابض على الجمر، وفي قصيدة" دار جدي" وھي من أجمل‬
‫قصائده التي توحي بھيبة صاحب الجاللة – الزمن- وتشعرنا بتفاھتنا‬
‫وتفاھة الموجودات أمام عرشه األزلي األبدي، في ھذه القصيدة إشارة إلى‬
     ‫مرضه وألمه وآھته وإنه ليؤثر تأثيرا بالغا في وجدان قارئه حين يقول:‬


             ‫وفي ليالي الصيف حين ينعس القمر‬
            ‫وتذبل النجوم في أوائل السحـــــــــر‬
            ‫أفيق أجمع الندى من الشجـــــــــــر‬
             ‫في قدح ليقتل السعال والھـــــــــزال‬


‫ولما استبد بالشاعر األلم وأعياه الصراخ وجفاه النوم وانتحرت خالياه يأسا‬
‫وسكن الموت في سراديب روحه وتالفيف مخه، ورأى ھاوية العدم تنفتح‬
‫لتبتلعه لم يجد غير ﷲ يلوذ به ولربما أدركه اليأس حتى من ﷲ ولكنھا‬
‫حيلة الالوعي وغريزة البقاء تعمل عملھا وتحيي سنتھا في مخلوقاتھا اقرأ‬
                                                            ‫معي قوله:‬




‫٦٧‬
             ‫شھور طوال وھذي الجــــــراح‬
              ‫تمزق جنبي مثل المــــــــــــدى‬
             ‫وال يھدأ الداء عند الصبــــــــاح‬
             ‫وال يمسح الليل أوجاعه بالـردى‬


‫وقد جاءه الردى أخيرا فمسح األوجاع وطوى اآلھات وأخرس األنات‬
                                        ‫ولكنھا خالدة في دواوين الشاعر.‬
‫ھذه لمحة عجلى عن األلم -النفسي والجسدي- وعالقتھما باإلبداع،‬
‫استقصيناھا عند بعض شعرائنا المحدثين، وإن كانت ثنائية األلم واإلبداع‬
‫ظاھرة موجودة في كل آداب الدنيا قديما وحديثا، وسيظل األلم ھو الطريق‬
‫إلى ذروة الجلجلة على حد وصف شاعرنا إلياس أبي شبكة، ولكن المشكلة‬
‫أنه ليس في مقدور أي إنسان أن يخلد معاناته ويؤبد ألمه ويفرض على‬
‫الزمان اسمه وإبداعه وبذلك ينفلت من ھاوية النسيان، فاإلبداع في األصل‬
‫موھبة لھا ملكاتھا الفطرية في وجدان صاحبھا ويكون األلم عند البعض‬
‫الوقود الذي يلھب مشاعر األديب فيسابق الريح ويحرق المراحل ويخلد في‬
                                        ‫شرخ الشباب وفي نضارة الصبا.‬




‫٧٧‬
                    ‫)1(مي زيادة وصالونھا األدبي‬

‫لقد وجدت دعوة اإلمام محمد عبده وتلميذه قاسم أمين وغيرھما من‬
‫المصلحين آذانا صاغية في المجتمع العربي، وھو يدبّ نحو الرقي ويسعى‬
‫نحو النھضة في نھاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وفحوى‬
‫تلك الدعوة أن ال رقي وال نھضة بغير إصالح وضع المرأة التي ھي‬
‫نصف المجتمع، وإصالح وضعھا يعني القضاء على عھد الحريم وإتاحة‬
‫الفرصة لھا بأن تتعلم وتنال كامل حقوقھا التي أعطاھا إياھا الشرع‬
‫والفلسفة الوضعية اإلنسانية، تلك الدعوة المباركة التي صدع بھا الشعراء‬
‫العرب الكبار مزكين إياھا ومباركين مضمونھا، وعلى رأسھم أمير‬
                                        ‫الشعراء أحمد شوقي حيث يقول :‬
            ‫رضع الرجال جھالة وخموال‬           ‫وإذا النساء نشأن في أميــــــة‬
              ‫وحافظ إبراھيم الذي صدع بقصيدته في فضل تربية النساء:‬
       ‫من لي بتربية النساء فإنھـــا في الشرق علة ذلك اإلخفاق ؟‬
          ‫األم مدرسة إذا أعددتھـــــــا أعددت شعبا طيب األعراق‬
‫ھكذا دخلت المرأة قاعات الدرس وأسفرت بعضھن إمعانا في الدفاع عن‬
‫كرامتھن وتعبيرا عن مساواتھن بالرجل، فالمرأة ليست كائنا جنسيا وظيفته‬
‫إمتاع الرجل وإنجاب األوالد بل إنسانا حيا فاعال خالقا، وليست موضوعا‬
             ‫غزليا يتغنى بالقد المياس والعين النجالء والخد األسيل فقط.‬
‫وقد أثمرت ھذه الدعوة المباركة ثمارا طيبة تجلت في ظھور نساء وقفن‬
                                ‫ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                 ‫)1( مجلة ديوان العرب شباط ٧٠٠٢.‬



‫٨٧‬
‫ندا للرجل في السياسة والفكر والفن واألدب، وكان منھن لبيبة ھاشم وملك‬
‫حفني ناصف وعائشة التيمورية وھدى شعراوي ومي زيادة وصوال إلى‬
‫مفيدة عبد الرحمن وعائشة عبد الرحمن ونعمات فؤاد وفدوى طوقان‬
                            ‫ونازك المالئكة وسھير القلماوي وغيرھن.‬
‫ال ريب أن اآلنسة مي زيادة كانت أكثرھن شھرة وشغال للرأي العام‬
‫وإثارة لطبقة المثقفين ورجال السياسة واألدب، فقد جمعت بين جمال‬
‫الروح والجسد في تناغم عجيب، وألمت بالثقافة العربية والغربية إلماما‬
‫مدھشا.كما أتقنت اللغات األجنبية وفضال عن ذلك كان جمالھا الروحي‬
‫والجسدي مغريا لألدباء بحبھا والتعلق بھا، وقد اشتھر بحبھا مصطفى‬
‫صادق الرافعي وعباس محمود العقاد وجبران خليل جبران الذي عرفھا‬
‫عن بعد وھو في المھجر األمريكي واقتصرت العالقة بينھما على تبادل‬
‫الرسائل، وال شك أن صالونھا األدبي الذي كان يجتمع فيه كبار مثقفي‬
‫العصر، زادھا شھرة وتقديرا فالصالون األدبي فكرة غربية محضة‬
‫اشتھرت به بعض كاتبات الغرب، فضال عن كتابه وإنشاؤه وترسيخه في‬
‫المجتمع العربي الخارج لتوه من عصر الظلمات، وھي فكرة خالقة‬
‫مدھشة تؤكد أن المرأة ليست مجرد وجه جميل ورحم ولود، ھذا الصالون‬
‫الذي أنشأته اآلنسة مي زيادة زاد في شھرتھا وفي تقدير المجتمع لھا،‬
                                               ‫خاصة طبقة المثقفين.‬
‫واآلنسة مي زيادة ھي ماري بنت إلياس زيادة المعروفة بمي لبنانية‬
‫األصل من أھل كسروان، أقام والدھا في الناصرة بفلسطين حيث ولدت‬
‫مي عام )٦٨٨١م( وتعلمت في إحدى مدارسھا ثم بمدرسة عين طورة‬


‫٩٧‬
‫بلبنان، وأقامت بمصر مع والديھا حيث كتبت في مجلة " المحروسة " ثم‬
‫في "الزھور" وأحسنت مع العربية الفرنسية واإلنجليزية واإليطالية‬
                                                           ‫واأللمانية.‬
‫مات أبوھا ثم أمھا فشعرت بمرارة الحياة واستسلمت لكآبة اليأس، وقد‬
‫قررت عدم الزواج على الرغم من تعلق الكثيرين بھا وقد خطبوا ودھا‬
‫وذابوا شوقا وھياما في حضرتھا، ولربما صح ما زعمه البعض في أن‬
‫اآلنسة مي أحبت جبران خليل جبران المعروف برومانسيته الجارفة‬
‫وأفكاره الجريئة وعباراته الرشيقة ونزعة الحرية القارة في حياته وفي فنه‬
‫وأدبه، ولكنه كان مقيما بأمريكا واقتصرت عالقته باآلنسة مي على‬
‫اإلعجاب والتقدير المتبادل يبعث إليھا برسائله من أمريكا وترد عليه‬
‫برسائلھا إليه من مصر وكانت وفاته عام )١٣٩١م( صدمة نفسية وجرحا‬
‫عميقا في روحھا زادھا تصميما على العزوبية وتفضيل العيش وحيدة بال‬
‫زوج تسكن إليه ويسكن إليھا، ولربما توطدت قناعة مي بعدم الزواج نتيجة‬
‫لمزاج وفلسفة ذاتية تخرج بھا عن المألوف، فإذا كان الزواج واإلنجاب‬
‫وتبعاته قدر المرأة حتى ليزھدھا في اإلبداع ويشلھا عن اإلنتاج الفني‬
‫والفكري، فقد ضحت به في سبيل إخالصھا لذاتھا وفلسفتھا الشخصية،‬
‫حتى تعطي المثل والعبرة في كون المرأة تماما كالرجل تقدر على‬
‫العزوبية وتبعاتھا، فلن تكون ظل الرجل وال قاصرة تستكمل قصورھا‬
‫بالركون إليه واالرتماء في أحضانه، وتؤثر الجانب الروحي واإلنساني‬
‫والعقالني فيھا على الجانب الغريزي والجسدي والجنسي، وفي الرجال من‬
‫كانت ھذه فلسفته فميخائيل نعيمة عميد أدباء المھجر آثر العزوبية والتنسك‬
‫في" الشخروب " وقال جملته المشھورة : " خلقت ألكون أخا للمرأة ال‬


‫٠٨‬
‫بعال لھا "، واآلنسة مي معروفة بحساسيتھا الشديدة كونھا امرأة من جھة ،‬
‫وفنانة شاعرة من جھة أخرى، وھذه الحساسية المضاعفة ھدت عافيتھا‬
‫الجسدية وتوازنھا النفسي خاصة حين تعرضت ألزمات الحياة التي‬
‫قصمت ظھرھا بدءا بوفاة والديھا ووفاة صديقھا جبران خليل جبران،‬
‫وازدادت حالة المرض سوءا عليھا عام )٦٣٩١م(، وانتابھا االضطراب‬
‫العقلي تبل منه قليال ثم يعاودھا حتى توفيت في مستشفى المعادي، ودفنت‬
                                            ‫في القاھرة عام )١٤٩١م(.‬
‫لقد قالت السيدة ھدى شعراوي في تأبينھا :" كانت مي المثل األعلى للفتاة‬
‫الشرقية المثقفة "، وقال فيھا شيخ فالسفة العرب في العصر الحديث‬
‫مصطفى عبد الرازق: " أديبة جيل، كتبت في الجرائد والمجالت، وألفت‬
‫الكتب والرسائل، وألقت الخطب والمحاضرات، وجاش صدرھا بالشعر‬
‫أحيانا، وكانت نصيرة ممتازة لألدب تعقد لألدباء في دارھا مجلسا‬
‫أسبوعيا، ال لغو فيه وال تأثيم ولكن حديث مفيد وسمر حلو وحوار تتبادل‬
                                   ‫فيه اآلراء في غير جدل وال مراء ".‬
‫لآلنسة مي عدة مؤلفات منھا " باحثة البادية " و" بين المد والجزر"‬
‫و"سوانح فتاة " و" كلمات وإشارات " و"ظلمات وأشعة " و"ابتسامات‬
            ‫ودموع "، ولھا ديوان شعر بالفرنسية بعنوان "أزاھير حلم" .‬
‫لقد كانت مي زيادة محبة للعروبة ملمة باألدب العربي وعلومه إلماما‬
‫أدھش الرواد من أدباء مصر وحبھا للعربية، وتعلقھا بالعروبة دفعھا إلى‬
‫نحت اسم لھا عربي خالص من اسم "ماري " وھو الذي عرفت به، وإن‬
                            ‫كان "مية" اسم عربي تردد في شعر النابغة:‬




‫١٨‬
‫أقوت وطال عليھا سالف األمد‬    ‫يا دار مية بالعلياء فالســــــــند‬
         ‫وكانت مية ھي حبيبة الشاعر ذي الرمة التي تغنى بھا في شعره.‬
‫إن صالون اآلنسة مي كان فتحا جديدا في الثقافة العربية وتنويرا للمجتمع‬
‫وتغييرا من سلوكياته البائدة وأعرافه الرثة، خاصة عرف الحريم‬
                             ‫وإيحاءاته برجعية المرأة واستبداد الرجل .‬
‫لقد كان مجلس مي يعقد يوم الثالثاء وكان يحضره عمالقة األدب ورواد‬
‫السياسة ومشاھير العلماء وأعيان البلد كمحمد عبده، ومصطفى عبد‬
‫الرازق، وأحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، وطه حسين، ومصطفى صادق‬
‫الرافعي، وخليل مطران وإسماعيل صبري وعباس محمود العقاد وغيرھم.‬
‫ھكذا اجتمع أعالم الدين وأقطاب السياسة ورواد النثر وفرسان الشعر في‬
‫صالون اآلنسة مي، وھذا تقدير للمرأة العربية التي استطاعت جمع الرجال‬
‫من حولھا يتناقشون فيما بينھم نقاشا حرا في السياسة واألدب والدين‬
‫والثقافة العالمية، وكان جمال مي الروحي والجسدي وكالمھا الحلو‬
‫ونبرتھا الھادئة، وثقافتھا الكبيرة، كان كل ذلك يضفي على المجلس بھاء‬
‫ورقيا وإحساسا راقيا بالجمال في أرقى تجلياته، ولم يكن أحد يغيب عن‬
‫المجلس إال لظرف قاھر، حتى غيب الموت صاحبة الصالون، تاركة وھج‬
‫الذكرى وبريق الماضي وأصالة الفكرة وروعة المغامرة والتحدي‬
                        ‫والخروج عن الرتابة المملة والمألوف المقرف.‬
‫ولصالون مي في شعرنا الحديث حضور، فقد ذكره الشعراء في أشعارھم‬
‫والكتاب في مقاالتھم، وكان الشاعر إسماعيل صبري يقول عن صالون‬
                                                        ‫مي يوم الثالثاء :‬
                              ‫روحي على بعض دور الحي حائمة‬


‫٢٨‬
                               ‫كظامئ الطير تواقا إلى المــــــــــــاء‬
                                ‫إن لم أمتــــــع بمي نــاظـــــري غدا‬
                                ‫ال كــان صبحك يا يوم الثالثــــــــاء!‬
‫أما الشاعر شفيق المعلوف شقيق شاعر الطيارة فوزي المعلوف فقد قال‬
                                                             ‫عن اآلنسة مي :‬
                                        ‫بنت الجبــــــال ربيبة الھرم‬
                                        ‫ھيھات يجھل اسمـــــھا حي‬
                                        ‫لم نلق ســــحرا سال من قلم‬
                                        ‫إال ھـــتفنــا ھـــــــــذه مــــي‬
‫وقد كان رحيل مي وانفضاض مجلسھا وغياب نبرتھا الموسيقية ومالمحھا‬
‫الھادئة الرشيقة، وكلماتھا العذبة المليئة باألفكار الخالقة والمعاني البكر،‬
‫كان ذلك حدثا مؤلما لشاعر القطرين خليل مطران الذي أقضته الذكرى،‬
‫وأبكته حسرة الرحيل ومرارة الفراق وغياب اللحظات الجميلة، وھو‬
‫الشاعر المرھف الحس الرقيق الكلمة، الرحب الخيال ، الصادق القول فقد‬
                                                         ‫قال في رحيل مي :‬
                                        ‫أقفر البيت أين ناديك يـــــا مي‬
                                      ‫إليــــه الوفود يختلفونـــــــــــــا ؟‬
                                        ‫في مجال السبق آل إليك السبق‬
                                       ‫في المنشئـــات والمنشئينـــــــا‬
                                        ‫نعمة ما سخـا بـــھا الدھر حتى‬
                                        ‫آب كالــعھد سـالبا وضنيـنــــــا‬
                                        ‫أيــھذا الـــــثرى ظفرت بحسن‬


‫٣٨‬
                                      ‫كان بالطھر والعفاف مصونـــا‬
                                      ‫لھف نفسي عل حجى عــبقري‬
                                       ‫كــان ذخرا فصار كنزا دفينا‬
‫وما أوجع الحزن، وما أشد الغصة، غصة الرحيل التي فعلت فعلھا في‬
                            ‫نفس الشاعر كما يوحي بھا البيتان األخيران.‬
‫لقد كانت اآلنسة مي بأدبھا وبثقافتھا، وبجمالھا الروحي والجسدي رمزا‬
‫للمرأة العربية الطامحة إلى عصر غير عصر الحريم، وإلى شعر ال يكتفي‬
‫منھا بوصف النھود واألرداف والخدود، بل يشيد بعبقريتھا وإنسانيتھا‬
                                    ‫وعطائھا وإنتاجھا العلمي واألدبي .‬
‫لقد كان صالونھا حدثا فريدا في تاريخ المجتمع العربي، وإن كانت له‬
‫سوابق في تراثنا فالسيدة سكينة بنت الحسين، وھي شاعرة وناقدة كانت‬
‫تستقبل الشعراء في بيتھا وتكلمھم ولكن من وراء حجاب، وحدث مرة أن‬
                                     ‫استمعت إلى راوية جرير ينشدھا :‬
                                 ‫طـرقتك صائدة الـقلوب وليس ذا‬
                                 ‫حــين الزيارة فـــارجعي بسـالم‬
              ‫فقالت له قبح ﷲ صاحبك وقبح شعره أما كان أحلى لو قال:‬
                                 ‫طـرقتك صائدة الـقلوب وليس ذا‬
                                ‫حــين الزيارة فـــادخـلي بســـالم‬
‫غير أن مجلس اآلنسة مي يختلف عن مجلس السيدة سكينة فقد كانت مي‬
‫مجتمعة بالرجال مسفرة كالبدر، ومن حولھا أقطاب السياسة وأعالم األدب‬
‫وأعيان البلد تناقشھم وتدلي بآرائھا التي بھرت الجميع، وكان يوم الثالثاء‬
‫من كل أسبوع عيد األدباء والمفكرين والعشاق يتأنقون ويتعطرون ويخفون‬


‫٤٨‬
‫إلى المجلس بھمة ووجد وھيام عجيب، وكلھم يريد أن يكون فارس الندوة‬
‫ورائد المجلس لعله يحظى بقلب مي وحبھا، فيجمع بين الثقافة في أرقى‬
                                 ‫تجلياتھا والجمال في أكمل صوره .‬




‫٥٨‬
            ‫)1(زكي نجيب محمود وإخفاقات النھضة العربية‬

‫إن المأزق الحضاري الذي وقعت فيه األمة العربية منذ سقوط بغداد‬
 ‫على يد المغول سنة ٦٥٦ ھـ/٨٥٢١م ودخول األمة عصر الظلمات وما‬
‫نتج عن ذلك من تردي األوضاع السياسية، وتقھقر الحياة االجتماعية،‬
‫وأكثر النواحي التي تتجلى فيھا األزمة ھي الناحية الثقافية، لقد كفت األمة‬
‫عن اإلبداع واكتفت بثقافة االجترار وشاعت ثقافة المتون والحواشي‬
‫والتعليقات، وفي خضم ھذه األزمة غيب العقل وكف عن أداء مھامه،‬
‫واكتفى المسلمون بالتقليد في حياتھم الدينية، وكفوا عن النظر إلى الطبيعة‬
‫إلدراك أسرارھا واستجالء نواميسھا وترويضھا لمصلحتھم واستعاضوا‬
‫عن ذلك كله بالنظر في الكتب القديمة وكأنھا الكالم الذي ال يعلى عليه،‬
‫والثقافة الحقة، وترتب على ذلك أن الزمتھم عقدة نقص إزاء الماضي‬
‫ورموزه فھو الكمال وھم النقص وھو الحقيقة وھم الباطل، وحتى األدب‬
‫الذي ھو مظھر من مظاھر النشاط الفردي البحت حيث يعبر اإلنسان -‬
‫خاصة في الشعر- عن "أناه" دخل في الركاكة واإلسفاف في القول،‬
‫وأھمل المضمون لحساب الشكل، وأصبحت الكلمة المأثورة عن ابن العميد‬
‫في التزامه السجع، وھى لو أنه رأى سجعة تنمق كالمه لالزمھا ولو‬
‫تزلزل المشرق والمغرب أصبحت ھذه الكلمة مثار إعجاب الناس‬
‫وتقديرھم، وھي لعمري ميزة من ميزات الرداءة وسمة من سمات‬
‫االنحطاط ، وزاد الطين بلة انتصار الغزالي في سجاله وجداله مع ابن‬
‫رشد – وھو انتصار موھوم – صنعته الدھماء والعامة، إن ھذا النصر‬
‫الزائف قضى على روح اإلبداع وألجم العقل ، وجعل ثقافتنا ثقافة كالم‬
‫وأسجاع وولوع بالغيبيات أكثر من الالزم ، وإھمال تام للطبيعة‬

‫٦٨‬
‫وديناميكيتھا بكشف أسرارھا واستجالء غوامضھا وتجذرت في األمة روح‬
‫الزھد فالدنيا دار خسار وتباب، والعاقل ھو الذي يدير ظھره لدنياه مقبال‬
‫على آخرته ووجدت ھذه األفكار المريضة ترجمتھا وتجسدھا في تجذر‬
        ‫التصوف وشيوع طرقه وتأله رموزه عند العامة، وأصبح شعرھم‬
         ‫)1(جائزة االستحقاق من دار ناجي نعمان، بيروت، أيار،٨٠٠٢.‬


‫وكالمھم حجة ﷲ البالغة وأفعالھم آية الرشد والكمال، ونظرة واحدة على‬
‫تراث ھذا العصر تؤكد أن العصر ھو عصر الكالم واألسجاع والولوع‬
‫بالماضي ال عصر األفعال والمضمون والتعلق بالحاضر ولعل االستثناء‬
‫الوحيد في ھذا العصر ھو ظھور مفكر واحد من طراز ابن خلدون ولعل‬
‫األثر الوحيد الخليق بالنظر الجدير باالعتبار ھو مقدمته وأما ما سوى ذلك‬
                                             ‫فاجترار وكالم في كالم .‬
‫ولقد دام ھذا العصر إلى الحملة الفرنسية على مصر ٨٩٧١-١٠٨١م‬
‫بقيادة نابليون بونابرت الذي جلب العلماء والمھندسين واألطباء وعلماء‬
‫الكيمياء، ولقد قارن بعضھم بين ما وصل إليه الفرنسيون من نظافة بدن‬
‫وھندام وما أحرزوه من علم )كحيل الكيمياء وتجاربھا التي كان يجريھا‬
‫العلماء أمام المأل( وبين ما يميز حياتھم من ضعف ووسخ وجھالة وعماء‬
‫فأدركوا الفرق ومما يبعث على األسى ويحز في النفس اشتغال البعض‬
                     ‫اآلخر بالبحث في اسم نابليون أھو معرب أم مبني ؟‬
‫في ھذا التاريخ أي عام ٨٩٧١م دخلنا عصر بحث المشكلة بإدراك‬
‫نقصنا وتخلفنا بعد أن ظننا أننا الكمال والنھضة وبفضل مطبعة "بوالق"‬
‫التي جلبھا نابليون وبفضل البعثات العلمية إلى الغرب خاصة فرنسا ظھر‬


‫٧٨‬
‫ألول مرة جيل من المفكرين المعنيين بھم النھضة ومشكلة التخلف من‬
‫طراز رفاعة رافع الطھطاوي ويعقوب صروف وعلي مبارك وخير الدين‬
          ‫باشا وصوال إلى طه حسين وعلي عبد الرازق وسالمة موسى.‬
‫وفي ھذا الجيل عاش واجتھد وفكر وقدر الدكتور زكي نجيب محمود الذي‬
‫ولد عام ٥٠٩١م، ولقد كانت صحبته للعقاد ودراسته في إنجلترا )قسم‬
‫الفلسفة( حيث نال الدكتوراه أضف إلى ذلك الھم الذي الزمه والمشكلة التي‬
‫عني بھا وھي مشكلة التخلف المتجلية في الرجعية، والتقليد وإھمال العقل‬
‫والولوع بالكالم على حساب الفعل، واستبداد السياسة وغياب الحريات،‬
‫وإھمال الطبيعة ومباھجھا ومجاھلھا بالركون إلى الزھد والولوع‬
‫بالتصوف، والميل إلى الجانب الديني على حساب الجانب الدنيوي، وترك‬
‫روح المغامرة وبھجة االكتشاف لحساب روح الجمود واالكتفاء باالجترار‬
‫من الكتب القديمة، كل ھذه التجليات لمشكلة التخلف كانت في صميم تفكير‬
                                          ‫الدكتور زكي نجيب محمود.‬
‫لقد اعتنق ھذا المفكر الوضعية المنطقية ، وھي مجال تخصصه وكانت‬
‫أطروحته لنيل الدكتوراه عن المنطق الوضعي وتتلخص فلسفة الدكتور‬
‫زكي نجيب محمود في كون مشكلة التخلف التي يعاني منھا المجتمع‬
‫العربي سببھا الرئيسي ھو إھمال العلم -ونقول العلم بالمفھوم الكونتي- أي‬
‫العلم كما مارسه جاليليو ونيوتن وكبلر، وھو العلم الذي يقصر نشاطه‬
‫الغالب على الطبيعة حيث يحيا اإلنسان وحيث يجب عليه فھم آلية عمل‬
‫الطبيعة بنواميسھا الخالدة ومن ثمة االستفادة من تلك القوانين في اختراع‬
‫ما ييسر حياة اإلنسان ويجعلھا حياة رخية ميسورة، وھي ميزة مرحلة‬
       ‫الوضعية في تاريخ الفكر البشري كما شرح ذلك أو جست كونت.‬


‫٨٨‬
‫لقد كان عصر األنوار في أروبا بداية لنھاية مرحلة من مراحل التاريخ‬
‫البشري، وتجد ھذه النھاية داللتھا في نظرية كوبرنيك )الھليوسنترزم( أي‬
‫مركزية الشمس ال مركزية األرض للكون) الجيوسنترزم( وكان ھذا انقالبا‬
‫معرفيا جعل اإلنسان محورا للكون وسيدا على الطبيعة يستخدم عقله وحده‬
‫في اكتشاف مناھج البحث العلمي ومن ثمة تطبيق ھذه المناھج على‬
‫الطبيعة واإلنسان والتراث، والعقل ھنا حر، مرن، خالق ال حد لقدراته وال‬
‫رادع آلفاقه، يكتشف ويصل إلى الحقيقة بحرية وديناميكية ال نظير لھما‬
‫وبال وصاية كھنوتية، إن ھذا العلم كما عرفته أروبا ومارسته ھو الذي‬
‫أخرجھا من الظلمات إلى النور ويسر حياتھا، بأن قضى على الكھنوت‬
‫واستأصل االستبداد السياسي والقھر الفكري وأصبح كل موضوع قابال‬
‫للبحث وللمتابعة العقلية بموضوعية وأمانة فكرية ليس في الطبيعة وحدھا‬
                 ‫بل وفي اإلنسان وتراثه القديم )المقدس والوضعي( معا.‬
‫وولع األستاذ الدكتور زكي نجيب محمود بالعلم ال حد له فھو حاضر في‬
‫مقابالته ودروسه ومؤلفاته- العلم كما شرحناه سابقا- فغيابه حسب رأيه‬
‫أدى إلى الكارثة والعلم كما تفھمه الوضعية المنطقية وكما يفھمه زكي‬
‫نجيب محمود كل ال يتجزأ، ففي الطبيعة علم ،وفي التاريخ علم وفي‬
‫دراسة نصوص األدب وتحقيقھا علم ،وفي السياسة علم وفي دراسة الحياة‬
‫االجتماعية علم،ألن العلم ھو النظر إلى الشيء كما ھو بموضوعية لكشف‬
‫غامضه وفھم آلية عمله، فتحقيق نص أدبي قديم ھو علم تماما كدراسة‬
‫ظاھرة طبيعية فالروح العلمية في كليھما واحدة وإنما تتباين المناھج‬
                                                          ‫والطرائق.‬




‫٩٨‬
‫ونظرة على قائمة مؤلفاته تؤكد ھذه الحقيقة: مجتمع جديد أو الكارثة ،‬
‫تجديد الفكر العربي، في حياتنا العقلية، المعقول والالمعقول في تراثنا‬
                    ‫الفكري، عن الحرية أتحدث، المنطق الوضعي...الخ.‬
‫وقد نجح زكي نجيب محمود في أسلوب كتابته فھو من السھل الممتنع‬
‫قوامه األلفاظ الدقيقة المعنى ، والبعد عن الحشو واإلطناب وتجدر اإلشارة‬
‫إلى أن الوضعية المنطقية ترى في اللغة خادما للفكر، وأن اللغة السليمة‬
‫ھي التي تعبر عن المعنى بمفردات قليلة، وھذه ميزة أسلوب فيلسوفنا‬
‫وكاتبنا، فما عرف في أسلوبه حشو أو إطناب أو خروج عن الموضوع‬
‫وما عرف عنه التكلف واالھتمام بجودة الصياغة وأناقة التعبير، فھمه كان‬
‫منصبا على المعنى ال الشكل والمعنى ھو القول الثقيل الذي أراد إيصاله‬
‫إلينا، على أن ھذا ال يعني إھمال اللغة بالخروج على قواعدھا- جھال أو‬
                                           ‫تعمدا- وإنما لكل مقام مقال.‬
‫وھو في دراساته النقدية ألدبنا الحديث يكشف عن ذوق فني كما ال‬
‫يخفي إعجابه بشعر النابغة الذبياني، وھو أول من أطلق على العقاد لقب‬
‫شاعر الجالل، وال يخفي إعجابه بالنزعة التجديدية في شعراء الرومانسية‬
‫الشباب كالھمشري والشابي والتيجاني بشير يوسف، وھو ال يجاري بعض‬
‫النقاد أو الشعراء في التخلي عن الوزن،فالشعر موسيقى في الصميم وھو‬
‫يأخذ على أحمد عبد المعطي حجازي إھماله الوزن في بعض قصائده في‬
‫ديوانه األول، وقد اعتبرھا خسارة كأن المعنى سكب على األرض سكبا‬
‫بغير قالب يحفظه، وھو مع شعر التفعيلة ولكن كما مارسه الكبار السياب،‬
‫والمالئكة وعبد الصبور وغيرھم وكل ھذه اآلراء في كتابه القيم "مع‬
                                                            ‫الشعراء".‬


‫٠٩‬
‫وفي كتابه المعقول والالمعقول في تراثنا الفكري عاد الدكتور زكي‬
‫نجيب محمود إلى دراسة التراث العربي فوجد أنه تراث مطبوع بطابع‬
‫الالمعقول، موسوم بسمة التنجيم، روحه روح االجترار ال روح االبتكار‬
‫وميزته ميزة التقليد ال التجديد إنه تراث عمي عن رؤية الكون والتأمل في‬
‫الطبيعة بحرية وروح مغامرة واكتفى بتوليد الكالم من الكالم في شكل‬
‫حواشي وتعليقات يحتل الجانب الديني- فقھا وتصوفا- الحيز األكبر،‬
‫وتغيب الدنيا بأسرارھا ومجاھلھا ومباھجھا عن أبصار أسالفنا، وانتقلت‬
‫عدواھم إلينا، فواصلنا السبات وأسلمنا قيادنا لغيرنا يمارس البحث والتفكير‬
‫واالكتشاف نيابة عنا مع أننا نحن الذين أعطينا العالم ابن رشد والبيروني‬
                          ‫وابن الھيثم وابن سينا والتوحيدي وابن خلدون.‬
‫لقد كان الدكتور زكي نجيب محمود مفكرا تصدى لمشكلة التخلف‬
‫والرجعية، وكان عمله أشبه بالطبيب الذي أجرى الفحوص وقام بالتحاليل‬
‫واستقصى األعراض فعزل الداء وسمى الميكروب وأوصى بنوع العالج‬
‫الذي يستأصل الداء ويجلب العافية، كان كذلك في عمله األكاديمي‬
‫بالجامعة وفي محاضراته وفي مقاالته وفي مؤلفاته، وھو نموذج للمثقف‬
     ‫الملتزم بقضية الشعب والوطن المخلص في العمل بال محاباة أو رياء.‬
‫ومما يؤسف له أعمق األسف أننا مازلنا في موقعنا من خط سير التاريخ‬
‫نقدم رجال ونؤخر أخرى ، ضعفت ثقتنا بأنفسنا إزاء أسالفنا، وعدنا إلى‬
‫الدجل، والولوع بالكالم والجري وراء السراب، وإطالق لقب العالم على‬
‫من ال يستحقه، وفي الطبع الالمنتھي لكتب السحر والشعوذة وتفسير‬
                                                               ‫األحالم.‬




‫١٩‬
‫وكان مما آلم الدكتور زكي نجيب محمود رسالة وصلته من طالب سفه‬
‫فيھا فلسفته ووضعيته المنطقية ألنه نجح بفضل حرز كتبه له أحد الشيوخ،‬
‫ومرة أخرى حين تمنى لو يقدر فيقوم ليغرس األشجار حتى يرى سريعا‬
‫ثمرة عمله فتقر عينه بعد عمر قضاه باحثا وعالما وكاتبا مخلصا لعقيدته‬
‫وأمته فعزل الداء ولكن األمة لم تلق باال لنصيحته مصرة على غيھا مدعية‬
‫أن الداء ھو غير الذي عزل الكاتب مواصلة تمددھا على خط الزوال كما‬
                                     ‫قال الشاعر صالح عبد الصبور.‬




‫٢٩‬
                     ‫)١(‬
                         ‫موسى األحمدي نويوات‬
                        ‫ســـــــــيرة وتحيـــــــة‬

                  ‫)١( مجلة المنار العربي، الجزائر، العدد ٥، يناير ٥٠٠٢.‬
‫في ٧١ فيفري )٩٩٩١( أفضى الشيخ موسى األحمدي نويوات إلى جوار‬
‫ربه بعد عمر حافل بالعطاء، معلما للعربية وناشرا لكنوزھا في بلد تكالبت‬
‫عليه المحن أيام االستعمار البغيض من )٠٣٨١( إلى )٢٦٩١(، وأيام‬
‫االستقالل يوم ھبت شرذمة من بني جلدتنا محسوبة علينا تحط من قدر‬
     ‫العربية وتنظر إليھا بعين الريبة وتعتبرھا آية التخلف وسمة الرجعية.‬
‫أما معرفتي بالشيخ فترجع إلى أيام الدراسة الجامعية، وكنت حينھا طالبا‬
‫بكلية اآلداب سعيت إليه رفقة والدي في منزله وكان ذلك عام )٦٨٩١(‬
‫وكنت حينھا الطالب المفتون بالعقاد أرى ما يراه وأسبح بحمده آناء الليل‬
‫وأطراف النھار، أحب ما يحب وأكره ما يكره، وكلما عرفت أديبا التقيت‬
‫به أو قرأت له قارنته بالعقاد فإذا الفرق شاسع وشتان بين الشمس والفرقد.‬
‫لقد كان الشيخ وقد ناھز حينھا الثمانين بشوشا ودودا مرحا على الرغم‬
‫من مرضه، وسأل والدي عني وعن دراستي فعرف أني طالب بكلية‬
‫اآلداب وناقشني في مسائل أدبية، وانتھزت الفرصة فسألته عن شعر‬
‫التفعيلة ھذا الشعر الذي يكتبه نزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي‬
‫والمالئكة وغيرھم، فأبدى الشيخ نفوره منه وعرفت أنه من المحافظين‬
‫يؤمن بالشعر العمودي الكالسيكي كما أبدعه أصحاب المعلقات والمتنبي‬
                              ‫والمعري وشوقي وحافظ وھكذا نظمه ھو.‬
‫ومن ذلك اليوم توثقت الصلة بيني وبين الشيخ أسعى إليه بدون موعد‬
‫وأزوره في األعياد نتناقش، ويسمح لي باالطالع على مكتبته الضخمة‬



‫٣٩‬
‫وفيھا من أمھات كتب األدب القديم الكثير، كاألمالي وأدب الكاتب وصبح‬
                    ‫األعشى واألغاني وشرح مقامات الھمذاني وغيرھا.‬
‫وكنت آخذ من الكتب ما أراه مھما لالطالع عليه، وفي مكتبته قرأت كثيرا‬
                ‫من كتب الجيب، وأغلبھا من القصص الغربي المترجم .‬
‫وازدادت العالقة بيننا توطدا حتى صار الشيخ يھتف إلي طالبا حضوري‬
‫لتصحيح كتاب صدر حديثا له كثرت فيه األخطاء المطبعية، وكان والدي-‬
                                                  ‫عمر مشارة- وھو‬




‫٤٩‬
‫مفتش اللغة العربية وشاعر مطبوع- يزوره معي ونقرأ سويا بعض‬
‫نصوص الكتاب ونصحح الخطأ الذي وقع فيه الناشر في جو حميم، وعلى‬
‫الرغم مما شاع عن حرص الشيخ فلربما كان كسھل بن ھارون مع الغير،‬
‫ولكنه معنا كان كمعن بن زائدة يدعونا إلى ارتشاف فناجين القھوة أو إلى‬
                                 ‫العشاء ونادرا ما يفعل ذلك مع غيرنا.‬
‫إن الشيخ موسى األحمدي نويوات أديب متمكن من اللغة العربية مھره‬
‫السھاد فأسلمت له القياد، وعالم متمكن في الفرائض وله في ھذا العلم‬
‫كتابن وھو من رجال الجزائر األفذاذ كعبد الحميد بن باديس والطيب‬
‫العقبي والعربي التبسي ومحمد البشير اإلبراھيمين ھذا الجيل الذي أسس‬
‫جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للدفاع عن عروبة الجزائر وإسالمھان‬
‫وكان شعارھا قول ابن باديس: " الجزائر وطننا والعربية لغتنا واإلسالم‬
‫ديننا "، وعلى ضوء ھذا الشعار وھديه عملت الجمعية فعلمت العربية‬
                                    ‫ّ‬
‫الصافية المشارب للناشئة وحفظتھم القرآن الكريم ألنه ثقاف ألسنتھم‬
‫وفتحت الكتاتيب والمدارس وكونت معلمي اللغة العربية ليضطلعوا بمھمة‬
                                                 ‫التدريس لناشئه الغد.‬
‫وقد ولد الشيخ موسى بن محمد الملياني المعروف بموسى األحمدي‬
‫نويوات حوالي عام )٠٢٣١( ھجرية الموافق لـ )٣٠٩١( ميالدية بناحية‬
‫المسيلة )والية تقع شرق الجزائر( قرأ القرآن الكريم بجامع عقبة بن نافع‬
‫وأتم حفظه، ثم انتقل إلى قسنطينة وانخرط في سلك اإلمام عبد الحميد بن‬
‫باديس، ودرس بالجامع األخضر حيث كان يدرس ابن باديس عامين‬
‫)٦٢٩١( و )٧٢٩١( ثم التحق بجامعة الزيتونة ومكث بھا أربع سنوات‬
‫حيث تبحر في علوم اللغة، نحوھا وصرفھا ، عروضھا وبالغتھا وتذوق‬


‫٥٩‬
‫الشعر القديم كما نظمه أساطينه، واستجاد النثر الفني في عصره الزاھر،‬
‫كما تبحر في علوم الدين من فقه وأصول فقه وتوحيد وتفسير وعلم‬
‫الفرائض، وقد وصفه صديقه المرحوم الصديق سعدي بأنه "كان حرا غير‬
‫مقيد يتخير أستاذه الذي يراه كفؤا والمؤلف الذي يقع من قلبه موقع‬
‫القبول"، وھي لعمري سمة من سمات أھل النباھة والفطنة ولقد تخرج‬
‫الشيخ من الزيتونة عام )٠٣٩١( وفي ھذه الجامعة كان شاعرنا األثير‬
‫وبلبل العربية الصداح، وصرخة الحرية وآھات األلم الشاعر أبو القاسم‬
‫الشابي يدرس وتخرج في نفس العشرية لوال أن عصفت به ريح المنون‬
‫في ميعة العمر ونضارة الشباب ألمتعنا بشعر مستل من أعماق الروح‬
‫متسربل بسربال الوجدان الحي الشاعر على الرغم من ديوانه "أغاني‬
                                             ‫الحياة" الذي يكفيه خلودا.‬
‫والشيخ موسى األحمدي نويوات يرى أن لوطنه عليه حقا فلم يھاجر‬
‫كشرذمة ممن فضلوا الخالص الفردي على الخالص الجمعي يكدحون في‬
‫األرض طلبا للقوت متناسين قضية وطنھم الواقع في براثين االستعمار‬
‫المتخبط في دياجير الجھالة والعماء، ولكنه أبى إال أن يعود إلى الوطن‬
‫معلما وھاديا ومكافحا إلى جانب قادة اإلصالح والنھضة، فعلّم في السنوات‬
‫األولى بقلعة بني حماد )ناحية المسيلة( وعلى يده تخرج الشاعر الشھيد‬
                      ‫عبد الكريم العقون واألديب الشھيد عيسى معتوقي.‬
‫ثم أمره رائد النھضة الجزائرية وزعيم اإلصالح في الجزائر بالتوجه إلى‬
‫برج بوعريريج )شرق الجزائر( للتدريس بمدرسة التھذيب دفاعا عن‬
‫العربية ومحاربة لسياسة الفرنسة، وأشار عليه بعدھا الشيخ محمد البشير‬
‫اإلبراھيمي بالتوجه إلى قلعة بني عباس )بين بجاية وبرج بوعريريج (،‬


‫٦٩‬
‫وكانت من أعظم قالع النھضة واإلصالح علّم العربية الصافية المشارب‬
                                                 ‫ودرّ س الدين القويم .‬
‫وأخيرا حط الشيخ عصا الترحال بمدينة برج بوعريريج مدرسا بمدرسة‬
                         ‫التھذيب ومديرا لھا إلى أن أحيل على المعاش .‬
‫عمل الشيخ موسى األحمدي بالصحافة يوم كانت فرنسا تحضر العربية‬
‫وتغرم من يعلمھا وتسجنه وتحضر الصحف العربية، فنشر إنتاجه‬
‫الشعري- الفصيح والعامي- ومقاالته في مجلة "الشھاب " التي أسستھا‬
‫جمعية العلماء المسلمين، ثم في مجلة "البصائر" التي أسسھا فقيد العروبة‬
‫واإلسالم محمد البشير اإلبراھيمي، ثم في جريدة "الشعلة" بقسنطينة‬
‫وكانت حربا على الفساد واالستكانة والكسل والخمول وصرخة في وجه‬
‫الظلم والطغيان الفرنسي، وفي ھذه الجريدة كان يكتب األديب الشھيد أحمد‬
‫رضا حوحو أول قصصي جزائري بالعربية ومن مجموعاته القصصية "‬
                                                      ‫غادة أم القرى"‬
                                                ‫و" صاحبة الوحي ".‬
‫قال في الشيخ موسى األحمدي نويوات الشيخ الراحل أحمد حماني رئيس‬
‫المجلس اإلسالمي األعلى: "موسى األحمدي من ألمع شخصياتنا األدبية‬
‫وأوسعھم اطالعا وأمتنھم ثقافة وأكثرھم نشاطا وأوفرھم تحصيال وأجرأھم‬
                                                        ‫على اإلنتاج".‬
‫كما قال فيه مبارك الميلي-طيب ﷲ ثراه- " موسى األحمدي ممن جمع بين‬
‫المواھب الفطرية والمعارف الكسبية له وثبات في ميدان صالح األعمال،‬
‫ولم يضعف إيمانه أمام العراقيل وكان مثاال صالحا وقدوة حسنة وحجة‬
                                                  ‫ناھضة للمتفائلين".‬


‫٧٩‬
‫ولقد تنبھت الدولة الجزائرية لقدر ھذا الشيخ الجليل تلميذ ابن باديس،‬
‫وزميل اإلبراھيمي رائد اإلصالح، ومعلم العربية الصافية المناھل في بلد‬
‫در الجواھري حين‬     ‫عاث فيه المستعمر كما عاث فيه أذنابه فسادا، و‬
                                                                          ‫يقول:‬
                               ‫ولقد رأى المستعمرون منا فرائسا‬
                              ‫وألفــوا كلــب صيـد ســائبـــــــــــا‬
                              ‫فتعھدوه فــــراح طــــوع بـنـانـھـم‬
                              ‫يبرون أنيابا لــه ومــخــالبــــــــــــا‬
                              ‫مستأجريــن يـخـربـون ديــارھــــم‬
                             ‫ويكافأون على الخراب رواتـــــــبا!‬
‫فكرمه رئيس الجمھورية عام )٧٨٩١م( بوسام وشھادة عرفانا بجھوده‬
‫وفضله في إلحاق الجزائر بركاب القومية العربية، بإصالح لسانھا والعودة‬
                              ‫بھا إلى لغة عدنان وإلى آداب لغة عدنان.‬
‫لم يكن الشيخ موسى األحمدي كثير التأليف ولعل شغله بإعداد الرجال‬
                                                   ‫شغله عن إعداد الكتب.‬
‫نظم الشعر الفصيح على النسق العمودي كما نظم الشعر العامي، وأصدر‬
‫كتابا في علم الفرائض ومعجما لألفعال المتعدية بحرف )طبعة دار العلم‬
                                                                  ‫للماليين(.‬
‫أما كتابه الموسوم " المتوسط الكافي في علمي العروض والقوافي " فھو‬
‫درة في ھذا الباب ومرجع للطالب في المشرق والمغرب نسقه أحسن‬
‫تنسيق وبسط فيه علم العروض أحسن تبسيط وأخرجه آية في الكمال‬
‫واإلتقان، فاستفاد منه ومازال يستفيد األساتذة والطالب في المشرق‬


‫٨٩‬
‫والمغرب وال تخلو جامعة عربية من الرباط إلى المنامة من ھذا الكتاب‬
                           ‫الذي بذ به األقران وشھد له بذلك الحدثان.‬
‫حينما رزقني ﷲ بمولودة عام )٧٩٩١( سميتھا نور الھدى نظم فيھا‬
                                   ‫شاعرنا قصيدة منھا ھذه األبيات :‬
                                 ‫نور الھدى يافتــــاتـــي‬
                                  ‫ياشدن ظبــي الفــــالة‬
                                 ‫يا أجمـــــل الفــتـيـــات‬
                                  ‫عشت وعاش أبـــــوك‬
                                  ‫فأنت أبــھـــــى فتــــاة‬
                                 ‫بنت الحماة الكمــــــــاة‬
                                  ‫جمعت عز الصفـــات‬
                                  ‫ذات القـوام البـــديــــع‬
                                  ‫يامن كرمت نجـــــارا‬
                                   ‫أشعلت في القلب نارا‬
                                  ‫منھا أخو العلم صـارا‬
                                  ‫ال ينظـرن لســــــواك‬
                                   ‫نور الھدى أنـت ورد‬
                                   ‫في الروض فاح شذاه‬
‫وھي قصيدة طويلة ذيلھا بإھداء وكتبھا بيده الكريمة ووضعھا في إطار‬
                                        ‫بھي فجزاه ﷲ أحسن الجزاء.‬




‫٩٩‬
                    ‫)١(‬
                          ‫بيدي ال بيـــــــــــدك عمــرو‬
                           ‫ظاھرة االنتحار عند أدبائنا‬

‫وأما العنوان فھو مثل أطلقته ابنة الزباء ملكة الجزيرة وقنسرين لما‬
‫وقعت في أيدي قصير وعمرو وكان لھا خاتم فيه سم فمصته مفضلة أن‬
                                              ‫تقتل نفسھا قبل أن يقتلھا عمرو.‬
‫ھكذا يخبرنا صاحب فرائد األدب في األمثال واألقوال السائرة عند العرب.‬
‫وأما عمرو الذي نعنيه ھنا في ھذا المقال فھو القضاء أو القدر ويكون‬
‫المثل بعد التحوير بيدي ال بيدك أيھا القضاء، وھكذا ينجلي المعنى ويتضح‬
‫المقصد أي ظاھرة انتحار بعض أدبائنا، وھي ظاھرة تستحق االلتفات إليھا‬
‫والكتابة عنھا ألن األديب أو المفكر ھو صوت األمة ولسانھا وضميرھا‬
                                ‫وعقلھا وذھابه خسارة تصيب األدب والفكر.‬
‫لقد كان ميشال فوكو معنيا بالوضعيات الصعبة كالجنون وقد استمعنا‬
‫إليه في حديث خاص مسجل عبر الفيديو وھو من أرشيف المركز الثقافي‬
‫جورج بومبيدو في باريس يركز على ھذه الوضعيات الصعبة لفھم العقل‬
      ‫اإلنساني وآلية تصرفه في خضم الحياة االجتماعية والسياسية المعقدة.‬
‫وكان أستاذنا الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي رحل عن دنيانا منذ‬
‫عھد قريب معنيا بھذه المآزق والوضعيات الحرجة فكتب "شخصيات قلقة"‬
‫و"من تاريخ اإللحاد في اإلسالم" إسھاما منه في كشف وتجلية المواقف‬
‫الصعبة والحرجة بل والشاذة في تاريخ الفكر إنصافا للحق وأمانة في ذمة‬
                                                                    ‫التاريخ.‬
‫أما ظاھرة االنتحار عند أدباء الغرب فھي ظاھرة مألوفة يعرفھا قارئ‬
‫العربية جيدا وليس في حاجة إلى أن أذكره بانتحار كوستلر، وھمنغواي،‬


‫٠٠١‬
‫ويسنين وماياكوفسكي، وكاواباتا، وفرجينيا وولف، وجاك لندن وغيرھم،‬
‫إنما تجدر اإلشارة إلى انتحار األدباء اليابانيين ذي الطقوس المعروفة‬
                          ‫بـ"الھاراكيري" ولقد نقل التلفزيون الياباني في‬
‫)١( مجلة العالمية، المركز العربي األمريكي للدراسات واألبحاث والنشر،‬
                                                               ‫٨٠٠٢.‬




‫السبعينات على المباشر انتحار األديب مشيما بأن غرس السيف في صدره‬
‫بينما تولى شخص أخر قطع رأسه والعجيب أن ذلك كان على المباشر وقد‬
‫كتب عن ھذا الحدث في إحدى مقاالته األستاذ أحمد بھاء الدين الذي‬
                      ‫تصادفت زيارته إلى اليابان مع حدث االنتحار ھذا.‬
‫ولالنتحار أسبابه والسبل المؤدية إليه، فقد يكون الداء وأوجاعه واستحالة‬
‫البرء منه ذريعة للعبور إلى ضفة العدم، ولكن الشائع في االنتحار عند‬
‫األدباء ھو رفض المجتمع وقيمه واستحالة التكيف مع نواميسه فيلغي‬
‫األديب ذاته ويشطب نفسه من قائمة األحياء بعد أن يدب اليأس في قلبه‬
‫ويسكن في سراديب روحه وتالفيف مخه، وعند بعض األدباء والمفكرين‬
‫حالة خاصة تصل بھم إلى االعتقاد بعبثية الوجود اإلنساني وبعماء الكون‬
‫وانتفاء القصدية في الطبيعة والبشر وھذا يستلزم الوحدة والكآبة وتخلخل‬
                 ‫التوازن الذھني والنفسي يعجل بصاحبه إلى قعر الھاوية.‬
‫على أن الفشل والخيبة وعدم إدراك النجاح المتوخى والشھرة الكاسحة‬
‫بعد عمل أو عملين أدبيين أو فنيين يصيب صاحبه باليأس وينتھي به إلى‬
‫الموت اإلرادي وھذا ما حدث بالتحديد لألديب األلماني ھينرش فون‬


‫١٠١‬
‫كاليست الذي عاش في زمن غوته ففشل مسرحيته "اإلبريق المكسور"‬
                                          ‫عجل به إلى الموت اإلرادي .‬
‫وكان المعري كعادته في طرق المسكوت عنه واإلفصاح عن المكبوت قد‬
‫تناول ظاھرة االنتحار في لزومياته ورأى بأنھا حيلة األنا في إنقاذ نفسھا‬
‫من تصاريف الحياة لوال الخوف من المجھول وھو خوف ال شعوري،‬
                                                          ‫يقول المعري:‬
                             ‫لو لم تكن طرق ھذا الموت موحشة‬
                              ‫مخشية العتراھا الناس أفواجـــــــا‬
                              ‫وكل من ألــقت الدنيا علــــــيه أذى‬
                              ‫يؤمھا تاركا لــلعيــش أمــواجـــــــا‬
                               ‫كأس المنية أولى بي وأروح لــــي‬
                               ‫من أن أعالج إثــراء وإحواجـــــــا‬
‫وأغرب حادثة انتحار في أدبنا الحديث ما رواه األديب األستاذ إدوارد‬
‫الخراط عن الشاعر الشاب المصري منير رمزي وھو من جيل األستاذ‬
‫الخراط وكان حينھا أي في األربعينات طالبا جامعيا، رھيف الحس، رحب‬
‫الخيال، سيال القلم، آنس من نفسه القدرة على كتابة الشعر فاستجاب‬
‫لمواھبه فنظم الشعر وال شك أنه كان شعرا رومانسيا ، يصف خفقات‬
‫القلوب ولواعج الھوى وألم السھاد والبعاد، وكان ذلك عھد صعود "أبولو"‬
‫وشعراء الرومنطيقية الكبار رامي وناجي وصالح جودت وأبي شادي‬
‫وغيرھم وكان منھم منير رمزي الذي أحب فتاة جامعية ونظم فيھا الشعر‬
‫ولما كان حييا خجوال لم يجد القدرة على الحديث معھا حتى شجعه‬
‫األصدقاء ولعل األستاذ الخراط واحد منھم فلما لم تأبه الفتاة لكالمه وال‬


‫٢٠١‬
‫وضعت لحبه اعتبارا وال لشعره قيمة قضى على نفسه ومات في ميعة‬
                                                             ‫الصبا.‬
‫أما الشاعر أنور عاصي وأحسب أن مجلة الفيصل السعودية وفي عدد من‬
‫أعدادھا الصادرة في الثمانينات تناولت قصة حياته وتفاصيل موته منتحرا.‬
‫وكان أنور عاصي كئيب النفس يحمل في وجدانه معاناة الوجود واليأس‬
‫من الحياة وتباريحھا، ولربما لم يحقق أنور عاصي ما طمح إليه من شھرة‬
‫كاسحة ودوي يخترق اآلذان، خاصة واإلنسان في حياته األولى وفي صدر‬
‫شبابه يتعشق الشھرة تعشق الفراش للنور ويسعى لشيوع الذكر سعيا غير‬
‫كليل، فقد يكون ذلك سببا الختيار الشاعر الموت مختنقا، بعد أن اكترى‬
‫غرفة في أحد الفنادق وفي ليلة الرحيل تناول مخدرا أو منوما بعد أن فتح‬
 ‫أنبوب الغاز يتسرب بھدوء وھكذا مات ھذا الشاعر الشاب مختنقا بالغاز.‬
‫ويقص علينا األستاذ صالح جودت في كتابه الصادر عن دار المعارف في‬
‫سلسلة "اقرأ" وأذكر أن عنوان الكتيب ھو "بالبل من الشرق" واألستاذ‬
‫صالح جودت شاعر معروف كان من جماعة "أبولو" وكان صديقا لناجي‬
‫وعلي محمود طه ،أقول يقص علينا قصة الشاعر صالح الشرنوبي‬
‫)٤٢٩١-١٥٩١( وكان شاعرا نزح من قرية من قرى مصر إلى القاھرة،‬
‫وعرف ھذا الشاعر بليونته وتسامحه حتى أنه كان يتأبط ذراع راھب من‬
        ‫رھبان الكنيسة وھما يمشيان سويا في شوارع القاھرة وھو القائل:‬
                         ‫غــــدا يا خيالي تنتھي ضحكاتنا‬
                        ‫وآمالنا تــفنى وتــفنى المـشاعــر‬
                        ‫وتسلمنا أيدي الحياة إلى البـــــلى‬
                        ‫ويحكم فينا الموت والموت قــادر‬


‫٣٠١‬
‫وقد كان شاعرا يائسا من الحياة ، يحمل ھم الوجود وتصاريف الفكر‬
‫وأعبائه فضل إنھاء حياته بإلقاء نفسه تحت عجلة القطار على طريقة‬
‫الشاعر التشيكي جوزيف أتيال بعد أن ترك في جيبه ورقة كتبھا إلى أھله‬
‫أوصاھم فيھا بطبع ديوانه الشعري، ھكذا يخبرنا صديقه الشاعر صالح‬
                                          ‫جودت في كتابه اآلنف الذكر.‬
‫أما الكاتب إسماعيل أحمد أدھم )١١٩١-٠٤٩١( فھو حالة خاصة، درس‬
‫الرياضيات العليا في روسيا وجاء إلى مصر وھو من أصول تركية يعلم‬
‫بالجامعة ويكتب في األدب وعرف بخصومته الشديدة لعميد األدب العربي‬
‫الدكتور طه حسين، وربما أراد الشھرة لنفسه بافتعال الخصام ومعارضة‬
‫النابھين والمشھورين، غير أن إسماعيل أدھم كان مضطرب الفكر متقلب‬
‫النفس، مياال إلى اإللحاد وربما كان إلحاده انتقاما من ﷲ بنفي وجوده‬
‫وانتھاك محرماته أكثر مما ھو جدل عقلي واستدالل منطقي وھو ما ندعوه‬
‫باإللحاد النفسي، وقد كتب كتابا بعنوان "لماذا أنا ملحد؟"، وحاول النيل من‬
‫طه حسين بالتشھير به وتسفيه آرائه في الشعر الجاھلي واتخاذه مطية‬
‫للصعود، أضف إلى ذلك كله مرضه بالربو ومعاناته من ھذا الداء العضال‬
‫كل ھذه األسباب اجتمعت فأقنعته بالتخلص من حياته فأغرق نفسه في‬
                                            ‫البحر في مدينة اإلسكندرية.‬
‫والزال قراء العربية وأنصار الشعر الحديث والمتحمسون للشاعر األردني‬
‫تيسير سبول وھو من رواد الشعر الحديث في األردن أقول الزالوا‬
‫يذكرون انتحاره يأسا من الحياة العربية وإخفاقات الواقع ونكد السياسة‬
‫وعربدة إسرائيل بعد نكسة حزيران ٧٦ واحتالل الجوالن والضفة الغربية‬
‫وسيناء وھو الشاعر القومي الطموح المتغني بأمجاد قومه، المتوثب‬


‫٤٠١‬
‫لنھضة عربية تعيد بھاء صورة األمس، وإلى حرب تستأصل فيھا‬
‫الصھيونية، ولكن الطموح الكامن في روح الشاعر لم يجد الواقع الذي‬
‫يتجسد فيه ھذا الطموح، فرحل تيسير سبول بيده ال بيد القضاء، ويأتي في‬
‫قائمة المنتحرين الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي )٥٢٩١-٢٨٩١(‬
‫الشاعر واألستاذ الجامعي، صاحب السمعة الذائعة والشھرة المدوية وھو‬
‫شاعر كبير من رواد الشعر الحديث استملك أدواته وأتقن فنه فصار من‬
‫الكبار من فئة صالح عبد الصبور وأمل دنقل والسياب والمالئكة والبياتي،‬
‫والالفت في ھذا الشاعر خريج الجامعة اإلنجليزية والمتمكن من الثقافة‬
‫العربية ميله إلى الوحدة والكآبة في سني عمره األخيرة وكأنه استشعر‬
‫راحة اليأس واستلذ مرارة الكآبة بعد عمر حافل خفق فيه القلب لألمجاد‬
‫القومية، وتوثبت الروح للنھضة المنشودة واستشرف الشاعر قيام طائر‬
‫العنقاء من رماده صحيحا معافى، مبشرا بعصر الخصوبة والربيع ونھاية‬
‫الكابوس باندحار العدو -إسرائيل- ولكن األيام أظھرت للشاعر غير الذي‬
‫تمثله في خاطره، وتمناه في حلمه، فانطوى على نفسه وكان آخر دواوينه‬
‫الشعرية يومئ بھذه الكآبة واإلخفاق واليأس الوجودي وال أدل على ذلك‬
‫من عنوان الديوان ذاته "نھر الرماد" وھو عنوان يوحي بالخيبة والعقم بعد‬
‫أن تحولت الجذوة الملتھبة نورا ونارا رمادا واقرأ ھذا المقطع من ھذا‬
                   ‫الديوان لتستشعر اليأس وتعرف الكآبة وتقدر اإلخفاق:‬
                       ‫خلنــي للبــحـــر لــلــريـــح لــموت‬
                      ‫ينشـر األكـــفــان زرقـــا للــغـريــق‬
                      ‫مبحر ماتت بعينيه منارات الطريق‬
                      ‫مات ذاك الضوء في عينيــه مــات‬


‫٥٠١‬
                      ‫ال البطوالت تنجيه وال ذل الصــالة‬
‫وأحص مفردات الكآبة واليأس والخيبة والقرف من الوجود في ھذا المقطع‬
                                                               ‫من مثل:‬
‫) موت، األكفان، الغريق، ماتت...( وأدرك ھذا اليأس الذي سكن في‬
‫روع الشاعر، بعد أن بدأ المشوار حامال صليبه إلى ذروة الجلجلة، أو بدأ‬
‫كأبطال السير الشعبية وانتھى كأبطال التراجيديا اليونانية إنه كمالح صالح‬
                                     ‫عبد الصبور في "الظل والصليب":‬
            ‫يا شجر الصفصاف إن ألف غصن من غصونك الكثيفة‬
                             ‫تنبت في الصحراء لو سكبت دمعتين‬
                            ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو فكرت‬
                            ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو ذكرت‬
             ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو حملت ظلي فوق كتفي‬
                                                          ‫وانطلقت‬
‫ومن الواضح الجلي أن داللة الصفصاف ھنا ھي الخصاء الذھني‬
                                                     ‫والعقم النفسي.‬
‫انتھى خليل حاوي كمالح عبد الصبور وھوى إلى قاع العدم ولكن‬
‫مالح عبد الصبور مات من غير جرح، من غير دم بينما مات حاوي‬
‫منتحرا ببندقيته بعد أن مألت الدماء غرفته، وھكذا أسدل الستار على‬
‫حياة شاعر كبير مشى إلى النھاية بيديه وتحدى الموت الذي كان يدب‬
                                     ‫نحوه بأن حث ھو الخطى إليه !‬




‫٦٠١‬
‫وفي الواقع فإن القائمة ال تتسع للكثيرين من األدباء الذين أنھوا حياتھم‬
‫بإرادتھم ويضيق المقام كما ال يتسع المقال لذكر الجميع من شعرائنا‬
                             ‫وكتابنا الذين رحلوا بأيديھم ال بيد عمرو.‬




‫٧٠١‬
                 ‫)١( تأمالت في عالم حنا مينه الروائي‬

‫لقد كان سوفوكليس عميد أدباء اليونان يقول أنه وصحبه كتاب اإلغريق‬
‫إنما يلتقطون ما يتساقط من فتاة مائدة ھوميروس، ومعنى ذلك أن‬
‫سوفوكليس ويوريبدس وإسخيلوس وھم كبار كتاب اإلغريق يكتبون على‬
‫ھدي من أدب ھوميروس ويتخذونه المثل األعلى ويستوحون من آثاره‬
‫الخالدة المعاني البكر والجمال الباقي على مر الزمان، وقياسا على قول‬
‫سوفوكليس ھذا فإنه يجوز لنا أن نقول أن كتاب الرواية عندنا وھم كثر ال‬
‫يحصيھم عد وال يشملھم حصر إنما يلتقطون ما يتساقط من مائدتين ال‬
‫مائدة واحدة كمائدة ھوميروس، وھاتان المائدتان إحداھما لألستاذ نجيب‬
                                    ‫محفوظ واألخرى لألستاذ حنا مينه.‬
‫فھذان الكاتبان أخلصا لفنھما إخالصا منقطع النظير ولم يخوضا في غيره‬
‫بھمة ودأب عجيبين فكون كل منھما عالما روائيا متميزا شامخا يعلو على‬
‫كل العوالم الروائية التي كونھا كتاب آخرون- وما أكثرھم- ونحن في ھذا‬
‫المقال نقف متأملين في عالم حنا مينه الروائي مستكشفين آفاقه الرحبة‬
                 ‫ومعماره الفني ونظرته اإلنسانية التي تميز أدبه وحياته.‬
‫وفي آخر ما أدلى به الكاتب من تصريحات ذكر أنه إذا كان نزار قباني‬
‫غزا البيوت العربية بشعره فإن ثمانين في المئة منھا ال تخلو من رواية‬
                                                          ‫من رواياته.‬
‫ولھذا القول معنيان أولھما أن فن الرواية ھو الفن الذي نشطت سوقه‬
‫وراجت بضاعته واستولى على عقل ووجدان القارئ العربي بعكس‬
‫الشعر الذي تراجع نفوذه وقل مقدروه ومتذوقوه لندرة مبدعيه وفشلھم في‬
                                ‫جذب القارئ ومد جسور التواصل معه.‬

‫٨٠١‬
‫وأما المعنى الثاني فيخص كاتبنا وھو تقدير من القارئ العربي لھذا الكاتب‬
‫العربي واھتمامه بما يكتب واطالعه على ما يبدع وھو عرفان قلما حظي‬
                                              ‫به كاتب عربي معاصر.‬
‫في رواية "الثلج يأتي من النافذة" يستبطن البطل فياض نفسه، وينزل إلى‬
‫قرارة ضميره ليميز بين الغث والسمين وفي رحلة الكشف ھذه التي بدأھا‬
                                           ‫بقناعته أن يكون حديدة تلقى‬
‫)١( مجلة المعرفة الدمشقية، التبيين مجلة الجاحظية- الجزائر، العدد ٨٢،‬
                                                             ‫٧٠٠٢.‬
‫يعني مصارعة الحياة والكدح‬       ‫في المصھر ثم يطرقھا الحداد، وھذا‬
‫والنزول إلى قاع المجتمع ومزاولة األشغال الشاقة لتتطھر اليد من نعومة‬
‫القلم وحده ، ولتنجلي الغاشية عن البصيرة بعد أن أنعمت النظر في‬
‫صفحات الكتب، غير أن النضال القسري والمفتعل سرعان ما يضمحل‬
‫ويتالشى تماما كالطالء، إنما النضال فعل طبيعي إنساني تلقائي صادر عن‬
                   ‫ذات واعية ملتزمة ال تكلف وال قسرية في تصرفاتھا.‬
‫وفي حياة األستاذ حنا مينه وفي أدبه من الوعي واالحترافية ما جنبه من‬
‫الوقوع في ھذا المأزق الوجودي ، فھو لم يكن كاتبا من كتاب األبراج‬
‫العاجية وال مناضال يتكلف النضال ويفتعل الكدح، وھو مدين للحياة القاسية‬
‫الخشنة والمدمية التي عاشھا والتي تضمنتھا سيرته الذاتية "بقايا صور"‬
‫و"المستنقع" بما حققه من إبداع اشتمل على المقومات الجمالية للفن‬
‫الروائي والنظرة الواقعية والرؤية اإلنسانية وھي ميزات جعلته من كبار‬
                                                ‫كتاب العصر ومثقفيه.‬




‫٩٠١‬
‫لكأن ھذه الحياة الخشنة كانت المشيمة التي تغذت منھا خاليا روحه وعقله‬
‫وحبله السري موصول دائما بالواقع وبالحياة الرحبة خاصة وھي في أشد‬
                                       ‫حاالتھا بؤسا وعدمية وال إنسانية.‬
‫وھكذا تتظافر الرؤية اإلنسانية والواقعية للحياة والثقافة النظرية واستمالك‬
‫األدوات الفنية في شخص الكاتب فتجعل منه روائيا قديرا وجديرا بأن يثير‬
‫فضول القارئ ويستفزه ثم يضمن صداقته الدائمة ألن الفن عنده صار ھو‬
                        ‫الحياة كما أن الحياة صارت ھي المادة الخام لفنه.‬
‫وال شك أن األستاذ حنا مينه قد وقف في حياته وقفات للتأمل ، واستبطن‬
‫الذات ووعى التاريخ في حاضره وماضيه ومستقبله وأدرك جدليته، وال‬
‫شك أنھا كانت تجربة أشبه بتجارب المتصوفة في رحلتھم نحو التطھر‬
‫والعرفان وإن كان ھؤالء ينتھون إلى ھجرة الزمان والمكان ونبذ الحياة‬
‫بينما انتھى ھو إلى االندغام في الزمان والمكان واحتضان الحياة وتمثل‬
                        ‫الھم اإلنساني وتبنيه كقضية يعيش الكاتب ألجلھا.‬
‫وعالم حنا مينه الروائي ھو عالم اإلنسان في صراعه مع الطبيعة،‬
              ‫واإلنسان في صراعه مع المجتمع، وفي صراعه مع التاريخ.‬
‫فإذا كان التاريخ ھو صيرورة وتقدم فإنما ذلك بفضل الفعل اإلنساني‬
‫ووعيه ال منة غيبية وتكون حركة الجماعة ھي تناغم وتناسق تستولد رحم‬
‫التاريخ وتستنسل منھا تاريخا جديدا متصال منفصال ومنفصال متصال،‬
      ‫والكاتب يعي ھذا جيدا وھو ذو نزعة يسارية قارة في أدبه وفي حياته.‬
‫غير أن اإلنسان ثمرة الوجود وأثمن ما جادت به الحياة يجد ما يعرقل‬
‫وعيه ويشل طاقاته ويجھز على روح التغيير الخبيئة في نفسه وفي‬
‫سراديب الوعيه وأول المعيقات الطبيعة ذاتھا وفي روايته " الشراع‬


‫٠١١‬
‫والعاصفة" وھي رواية تمجد الفعل اإلنساني وتبارك روح التحدي‬
‫والمغامرة ألجل اآلخرين الكامنة في شخص الطروسي، فالبحر إذا صار‬
‫رمزا وواقعا مثار تحدي، ومصھرا تنصھر فيه اإلرادة اإلنسانية متخلصة‬
‫من األدران فتغدو أكثر قوة وديمومة واإلنسان الحقيقي ھو الذي يمارس‬
‫إنسانيته بال تكلف أو رياء فھو كالماء ينبجس تلقائيا من جوف األرض،‬
‫واالستجابة لنداء الضمير في مساعدة اآلخرين وھم في لحظة حرجة -حتى‬
‫ولو كانوا من المسيئين إلينا- ھي صفات الطروسي وحنا مينه من الذين‬
‫يسمون بالجنس في أدبھم عن طريق الرؤية اإلنسانية والطبيعية الذي تراه‬
‫بھا أبطاله بال إسفاف أو بھيمية، فيغدو العمل الجنسي في أدبه فعال تلقائيا‬
‫طبيعيا تماما كارتواء األرض من مطر السماء فتصبح ريانة خضراء‬
‫ذريعتان إلى النماء‬    ‫ويانعة فالجنس والمطر كالھما فعالن طبيعيان‬
‫والخصب بال كبت قاھر مرائي أو تھتك مخل بالشرف واإلنسانية ،‬
‫وأفضل األعمال األدبية التي تتجلى فيھا ھذه الخاصة ثالثيته "حكاية بحار"‬
                                             ‫و"الدقل" و"المرفأ البعيد" .‬
‫ولنا أن نفھم البحر في ھذه الرواية على أنه البحر باصطخاب موجه‬
‫ورائحة صخوره، ولنا أن نذوق ماءه األجاج ونتعرف إلى الصاري‬
‫والشراع والشختورة والكاتب ممن رسخوا أدب البحر في إنتاجنا األدبي‬
‫بعد أن اقتصر على البيداء في شعرنا القديم وعلى الريف والمدينة في‬
‫رواياتنا الحديثة، ولنا أن نذھب بعيدا في فھم ھذه الرواية فالبحر ھو‬
‫الطبيعة ككل في تحديھا لإلنسان وعرقلتھا بحتمياتھا ومفاجاءاتھا للتطور‬
‫اإلنساني، وما الفعل اإلنساني إال مغازلة فمراودة فمواقعة للطبيعة بھتك‬
‫مخاطرھا وإزالة عراقيلھا وما التقدم الحضاري إال فعل اإلنسان في‬


‫١١١‬
‫الطبيعة بروحه المتحدية وعمله الخالق لتعود حياة البشر أكثر أمنا وسعادة‬
                                                               ‫وتطورا.‬
‫وأما المتحدي الثاني لإلنسان والمعيق لصيرورة التاريخ وتطوره فھو‬
‫المجتمع بأعرافه البالية ودجله المؤفين وانتھازية ساسته وإقطاعييه، إن ھذا‬
‫النوع من المجتمع يشكل تحديا للذات الواعية الطامحة إلى الحرية والعدالة‬
‫والمساواة ومن ثمة يبدو الفعل في المجتمع أشبه بالحرث في الماء أو كما‬
‫يقول المسيح إلقاء البذرة على الصخر ألن قوانين المجتمع الجائرة، وشلله‬
‫الفكري وعطالته الروحية وتقاليده المؤفينة كل ھذا يشكل تحديا لتطور‬
‫التاريخ ربما أشد خطرا من تحدي الطبيعة ، ولكن ال يأس فالواحد يصير‬
‫اثنين واالثنان ثالثة وھلم جرا والتغيير في األجيال يتم ببطء والصراع‬
‫محتدم ومن جدل التاريخ وصراع المتناقضات تتولد األفكار البكر وتتجسد‬
‫المعاني التقدمية أفعاال ثورية خالقة فتشمخر الحضارة وتتوطد دعائم‬
                                                          ‫المدنية الحقة.‬
‫ومن مؤلفات األستاذ حنا مينه التي تتناول ھذا الجانب "الثلج يأتي من‬
‫النافذة" وقد تناولناھا آنفا، ثم "الياطر" فالبطل الذي ھرب الى األدغال‬
‫فرارا من جريمته ومن الناس وخوفا على نفسه بعد أن قتل اليوناني‬
‫"زاخرياس"، ھرب كأوديب فارا من قدره ثم القاه في النھاية، وكما يقول‬
‫سارتر على لسان "أورست" في الذباب "إن أجبن القتلة من شعر بالندم"،‬
‫والحياة التي عاشھا وحيدا في األدغال يأكل السمك ويتظلل األشجار‬
‫ويلتحف السماء وكأنه حي بن يقظان يكتشف ذاته ال السماء، إن ھذه الحياة‬
‫قد أشعرته بالملل وبالعدمية الوجودية فقد خلق من أجل أن يعطي، ومن‬
‫ثمة سيعود إلى البلدة التي ھجرھا للدفاع عنھا وحمايتھا من الحوت العظيم‬


‫٢١١‬
‫الذي يھددھا وھي نھاية رمزية توحي بعودة القطرة إلى النھر وعودة الفرد‬
                                      ‫إلى أحضان الجماعة للعمل سويا .‬




‫أما رواية "الشمس في يوم غائم" فھي رواية تصب في ھذا المصب أي‬
‫صراع اإلنسان مع المجتمع البالي وأحكامه الجائرة وقوانينه الالإنسانية،‬
‫إنھا رحلة كشف قام بھا البطل مدركا في النھاية تفاھة الحياة اإلقطاعية‬
‫وعقمھا وبالدة ناسھا إضافة إلى انتھازيتھا واستغاللھا للتعساء والضعفاء‬
‫الذين وجد في أحضانھم األمان والفرح ومعنى الحياة الحقيقي ، وھذا‬
‫المجتمع المنقسم الى فئتين، فئة اإلقطاعيين وفئة الكادحين يمثل في النھاية‬
‫المجتمع ككل ويمنع تقدمه والنضال إنما يسعى إلى توحيد الفئتين ليغدو‬
                                                      ‫المجتمع متجانسا.‬
‫وھذه الرواية من أمتع ما كتب األستاذ حنا مينه والجانب الرمزي فيھا ال‬
‫يعاني إسفافا أو تھلھال فرقص الفتى المستوحى من الصورة، صورة‬
‫رمزية للواقع والمثال فيصير الواقع مثاال والمثال واقعا بالحركة والفعل‬
‫الحي الذي تشارك فيه األعضاء والوجدان، إنه عمل الروح والبدن معا،‬
‫والخياط المقتول على يد اإلقطاع ما ھو إال الحياة في نضارتھا وعفويتھا‬
‫وطيبتھا وعطائھا الالمحدود إنه اإلنسان الحقيقي المناضل بال عنوان وال‬
‫نبرة خطابية، أو روح ثورية مفتعلة ومقتله على يد قوى الشر والظالم لن‬
‫يطفئ الشمعة ولن يذھب ببصيص األمل واليوم الغائم ستنقشع غيومه وما‬
‫أشد عنوان الرواية إيحاء رمزيا بانتصار القيم اإلنسانية على الرذائل‬
                                                              ‫والمظالم.‬


‫٣١١‬
‫إن قارئ ھذه الرواية ينجذب إليھا انجذابا شديدا ألنه يحس بنبض قلب‬
‫الكاتب وعرق أصابعه وخلجات نفسه بل بنبض قلوب شخصيات الرواية‬
‫وخلجات نفوسھم، عكس رواية "الثلج يأتي من النافذة" التي يطغى عليھا‬
‫الطابع التجريدي والنبرة التعليمية مما يبعث بعض الملل في نفس القارئ‬
‫في بعض صفحات الرواية، لقد كانت اإليديولوجيا طاغية في ھذه الرواية‬
‫على قيمھا الجمالية ومعمارھا الفني ولم تكن خبيئة فيھما أو على األقل‬
‫مسايــرة لھما، وھو ما تفــــاداه الكاتب في روايته الرائعــة "الشمس في‬
                                                           ‫يوم غائم".‬
‫وأما الصراع مع التاريخ فقد تضمنته رواية "المصابيح الزرق" وإذا كان‬
‫االستعمار ھو قدر الشعوب العربية ، فھو في الواقع سرطان يفتك بالروح‬
‫والبدن معا ، ويترك األوطان في دياجير الجھالة والعماء، بل يعيدھا إلى‬
‫عصور ما قبل التاريخ والنضال ضد االستعمار وتحدي وسائله القمعية‬
‫وفلسفته العنصرية، وروحه التدميرية واجب اإلنسانية وله األسبقية‬
                             ‫واألولوية على صراع المجتمع و الطبيعة .‬
‫إن رواية " المصابيح الزرق"تعود بنا إلى البلد "سوريا" أثناء الحرب‬
‫العالمية يوم كانت تحت االنتداب الفرنسي ، وما القاه الشعب من ضيم‬
‫وھوان وماعاناه من مرض وفقر وجھالة ، وتنجح الرواية نجاحا منقطع‬
‫النظير في جذب القارئ، لكأنه يعيش تلك المرحلة ويشترك مع ناسھا‬
‫الفقراء التعساء في جدھم وھزلھم ويشم رائحة العفن في األقبية ورائحة‬
‫األبدان التي تزكم األنوف، ويتقزز من بركه المنتنة، ومن معيشتھا‬
‫المضنية في ذلك الحي الفقير، لكن العبودية تنتھي حين يعي العبد وضعه‬
‫كما يقول ماركس ويسعى للتخلص من نير الظلم بالكفاح ونشر الوعي‬


‫٤١١‬
‫السياسي بين أبناء الشعب، وليتحمل المناضل السجن والمنفى والتشريد ،‬
‫فالوطن قضية والتضحية ألجله واجب، وھذا ما انبثق في وعي الفتى‬
‫"فارس" الذي مات على يد الفرنسيين تعذيبا وتنكيال، تاركا غصة في حلق‬
‫والده سرعان ما تحولت إلى راحة وسلوى ألن شھادته حفل زفاف، وألن‬
‫فارس بفكرته الثورية وتضحيته زرع في رحم البلد آالف الفتيان ممن‬
                         ‫يحملون لواءه ويواصلون رسالته حتى النصر.‬
‫ھذا ما تقوله الرواية وھي رائعة حقا، ال تقع في فخ الخطابية وال‬
‫المباشرة، وبتركيزھا على الحي الفقير واستقصاء مظاھر بؤسه واكتشاف‬
‫قيمه الخالدة كالتعاون والفرح والتفاؤل وروح الدعابة تنجح في وصل‬
                                         ‫القارئ بعقل الكاتب ووجدانه.‬
‫إن روايات األستاذ حنا مينه شرائح من الحياة اإلنسانية في سعيھا الخالد‬
‫نحو الحق والعدل والخير وتمجيد للفعل اإلنساني الذي تكون تلك القيم ھي‬
‫غايته فالحياة أخذ وعطاء ولھي عند أستاذنا -الذي نتمنى له مزيدا من‬
                  ‫العمر الحي الفاعل الخالق- عطاء متواصل ال محدود.‬




‫٥١١‬
                  ‫)١( قصتي مع السماء وأجرامھا‬
‫شغفت بالسماء منذ كنت صغيرا، ومازالت ذاكرتي تحتفظ بتلك الصورة‬
‫المحببة إلى نفسي، صورة فتى صغير يقلب النظر في أجرام السماء في‬
‫ليلة صافية األديم غاب فيھا القمر أولم يشرق بعد، كان قلبي يدق على‬
‫إيقاع جريان الكواكب في أفالكھا والنجوم في حركتھا الظاھرية، وكان‬
‫المنظر يزداد بھاء خاصة وأنا أرقب السماء قرب بيتنا في بلدتي زمورة‬
‫ذات الموقع الجبلي، وكان طابعھا الريفي يضفي على المنظر مسحة‬
‫رومانسية أخاذة يختلط فيھا حفيف الشجر خاصة شجر السرو والصنوبر‬
‫بصياح الديكة وبعبق الفجر المندى، وكانت السماء تبدو قريبة مني وأني‬
‫أوشك أن ألمسھا، ويسرف بي الخيال ممعنا في اإلبحار فأخال السماء لجة‬
‫طفت على صفحتھا بقع نورانية -ھي النجوم والكواكب- وأزعم لنفسي أني‬
‫أتدلى نحو قرار تلك اللجة، وأما القمر ذاته إن أشرق يسري الھوينى كنت‬
‫أحسبه راعي ذلك القطيع الضخم من النجوم يرعاھا بصبر وأناة، وھي‬
‫تمرح أمام عينيه على سطح تلك اللجة المدلھمة وتحضرني األشعار-أشعار‬
‫الجاھليين واإلسالميين- حول تلك القبة وبھجتھا وأشد األبيات تأثيرا في‬
                                                        ‫نفسي قول النابغة:‬
                     ‫كليني لھم يا أميــــــــمة ناصـب‬
                     ‫وليــــــــل أقاسيه بطئ الكواكـب‬
                     ‫تـطاول حتى قلت ليس بمنــقض‬
                     ‫ولـيس الذي يرعى النجـوم بآيـب‬
                                                ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                           ‫)١( مجلة ديوان العرب تشرين األول٧٠٠٢‬



‫٦١١‬
‫ويختلط في نفسي شعور حب الليل -ألنه الوقت الذي أخلو فيه إلى درري‬
‫من فرائد السماء- بشعور الخوف منه، ألن فيه وحشة والناس نيام وأنا‬
‫وحدي أسامر القمر وھو يرعى النجوم، كما كان ظالمه الدامس إن غاب‬
‫القمر مرعبا، ألنه يذكرني بظالم اللحد، وكنت أحس ببيت النابغة إحساسا‬
                                      ‫حين يقول للملك النعمان بن المنذر :‬
                      ‫فإنك كالليل الذي ھو مـــــدركي‬
                      ‫وإن خلت أن المنتأى عنك واسع‬
      ‫وأما قصيدة المعري "علالني" فكنت أتلوھا على مسمعي بصوت متأني‬
‫وأنا أستعذب ألفاظھا وأستمتع بجمال صورھا، وأحار في ھذا الشاعر‬
  ‫الضرير أنى له ھذه الدقة في استقصاء النجوم ومواقعھا ؟ خاصة التشبيه‬
                    ‫في البيت الثاني وھو تشبيه مزدوج )اللون والحركة(:‬
                        ‫وكـــــأن الھالل يھـــوى الثريا‬
                        ‫فھـــما للـــــوداع معتـنقــــــان‬
                      ‫وسھيل كوجنة الحب في اللــون‬
                           ‫وقلب المحب في الخفقـــان‬
                        ‫ضرجته دمـا سيـوف األعـادي‬
                        ‫فبكت رحمة لـه الـشـعريــــان‬
                        ‫ونضا الفجر على نسره الــــوا‬
                       ‫قـــع سيفا فھــــــــــم بالطـيـران‬
‫وازداد تعلقي بالسماء ونجومھا ، وقرأت كثيرا عن أساطير اإلغريق‬
‫حولھا كأندروميدا، وھرقل والجوزاء والعقرب والجبار أوالصياد والملتھب‬
‫وأساطير العرب كأسطورة الشعريين، تلك األسطورة التي تزعم أن‬


‫٧١١‬
‫وھي من ألمع نجوم السماء في الشتاء، وقد ذكرھا‬         ‫‪Sirius‬‬   ‫الشعرى اليمانية‬
‫القرآن الكريم في سورة النجم في قوله تعالى:" وأنه ھو رب الشعرى"‬
‫فتزعم األسطورة أن ھذا النجم قد عبر نھر المجرة وھو المعروف‬
‫ولھذا‬     ‫‪Canopus‬‬   ‫بالطريق اللبني أو درب التبان مع الحبيب نجم سھيل‬
‫‪Procyon‬‬    ‫تسمى بالشعرى العبور، ولم تستطع أختھا الشعرى الشامية‬
‫اللحاق بھا فبكت حتى تقرحت عيناھا من فرط البكاء وبقيت على طرف‬
‫المجرة، ولھذا تسمى بالغميصاء أي متقرحة العينين من البكاء فالشعرى‬
‫العبور مالت نحو الجنوب من السماء أي جھة اليمن فھي اليمانية‬
                    ‫والغميصاء مالت نحو الشمال أي جھة الشام فھي الشامية.‬
‫أحد عمالقة النجوم الحمراء في السماء الجنوبية‬      ‫‪Canopus‬‬     ‫وأما نجم سھيل‬
‫والذي يبعد عنا حوالي أربعمئة سنة ضوئية ويستفاد من موقعه باتخاذه‬
‫نقطة مرجعية في توجيه السفن الفضائية في رحالتھا بين الكواكب إضافة‬
‫تلك النجوم‬     ‫‪Pléides‬‬   ‫إلى الشمس، كنت أذكره كلما نظرت إلى الثريا‬
‫المجتمعة قرب برج الثور في السماء الشمالية، وأتذكر قول الشاعر‬
‫األموي عمرو بن أبي ربيعة عن حبيبته الثريا بنت علي بن عبد ﷲ لما‬
                               ‫خطبت إلى سھيل بن عبد الرحمن وتزوجھا:‬
                                  ‫أيھا المنكح الثريا سھيال‬
                                 ‫عمرك ﷲ كيف يلتقيان !‬
                                 ‫ھي شامية إذا ما استقلت‬
                                ‫وسھيل إذا ما استقل يمان‬
‫وذلك على سبيل التورية فالمعنى القريب للثريا تلك النجوم والمعنى‬
‫المقصود ھو الحبيبة، وكذلك سھيل إذ يتبادر إلى الذھن نجم سھيل غير أن‬


‫٨١١‬
‫المقصود سھيل بن عبد الرحمن بن عوف العريس، وھي فلتة من فلتات‬
‫العبقرية الشعرية، فقد زعم الشاعر أن االجتماع والتآلف بين العريسين لن‬
‫يتم الختالف موطنيھما تماما كاستحالة االجتماع بين نجم سھيل وكوكبه‬
                                                                ‫الثريا!‬
‫كانت تلك نظرة إنسانية رومانسية حالمة الزمتني في طفولتي والزالت‬
‫ألني أحب االنغماس في الكون حتى أحسب أن قلبي مركزه وأن حفيف‬
‫الشجر وھبات النسيم وتألأل النجوم ما ھي إال أصداء لنبض قلبي، ثم‬
‫قررت بدافع من فضولي أن أدرس علم الفلك وأعرف حقائق السماء‬
‫وأجرامھا معرفة علمية دقيقة أجمع بينھا وبين النظرة الشعرية في تآلف‬
‫ومودة، وھكذا أحضرت كتب الفلك وأنفقت الليالي في دراستھا والزلت‬
‫أذكر ذلك القلق الذي كان ينتابني حين يستعصي علي ويستغلق على فھمي‬
‫موضوع دقيق من مواضيع ھذا العلم وأحاول الكرة وأخيب ثم أحاول كرة‬
‫أخرى حتى أوفق وتنفتح مغاليقه، ولقد بدأت في الدراسة لوحدي وكان ذلك‬
‫دأبي بعصامية مستبسلة فقرأت الكتب المبسطة وتدرجت في الدراسة حتى‬
‫الكتب المتخصصة ولم أستثن معارف القدماء كبطليموس والبتاني‬
‫والبيروني وعبد الرحمن الصوفي وغيرھم، وقدرت أن معرفتي ستبقى‬
‫شوھاء إذا لم أقرأ في تاريخ ھذا العلم منذ البابليين وحتى فلكي العصر‬
‫الحاضر، فالتھمت ما وقع في يدي من كتب في تاريخه ألعالمه كجورج‬
      ‫سارتون، وكارلو نيللنو، وغوستاف لوبون والقفطي وطوقان وغيرھم.‬
‫وھكذا اجتمع لي قدر مھم من تاريخ الفلك منذ البابليين والكلدانيين وحكاية‬
‫البروج إلى طاليس وبطليموس إلى البيروني والصوفي والبوزجاني وابن‬
‫الشاطر إلى كوبرنيكوس وكبلر وبراھى وجاليليو ونيوتن ثم إلى أينشتين‬


‫٩١١‬
‫ونظرية النسبية العامة ثم فيزياء الكم وتطبيقاتھا الفلكية عند فرمي وستيفن‬
‫وينبرغ وستيفن ھوكينغ وصوال إلى باتريك مور عالم الفلك المعاصر‬
                                    ‫مؤلف كتاب " غينس في علم الفلك".‬
‫لقد صار ھذا العلم ھوايتي المفضلة قراءة ورصدا للسماء وأجرامھا‬
‫وظواھرھا، وأما البھجة التي كانت تغمرني حين أفھم موضوعا ما فھي ال‬
‫تقدر بثمن، كأني ملكت الدنيا، وكم طردت النعاس الذي ھجم علي ليدفعني‬
‫إلى الفراش واستبسلت في دفعه بغسل الوجه بالماء البارد وشرب المنبھات‬
‫حتى إذا الح الصباح لم تستطع قدماي أن تحملني، والزلت أذكر وأنا‬
‫طالب بالمرحلة الثانوية كيف كنت أغشى المكتبات بحثا عن كتب جديدة‬
‫فإن وقع بصري على مؤلف جديد بعت مالبسي لتوفير ثمنه، وأذكر مرة‬
‫أني مررت بمكتبة عرض في واجھتھا كتاب عنوانه " المنھج اإليماني‬
‫للدراسات الكونية في القرآن الكريم"، ومن العنوان عرفت أن المؤلف‬
‫سيتناول حقائق الفلك مقارنا إياھا باآليات الكونية في القرآن وقلت ال بأس‬
‫ربما أجد في الكتاب أشياء مھمة يجدر بي معرفتھا وزاد من شوقي ولھفتي‬
‫على الكتاب غالفه المتضمن سديم رأس الحصان وھو سديم مشھور الزال‬
‫يتصدر أغلفة األطالس والمجالت الفلكية والكتب، وأسقط في يدي ولم‬
‫أعرف كيف أوفر ثمن الكتاب وكان حوالي مئة دينار وھو مبلغ مھم بل‬
‫ھو مصروف شھر وأھلي سيمانعون في شرائه لغالئه، وأذكر أنني ذھبت‬
‫إلى جدي ألمي ورجوته بل توسلت إليه بما يضمره لي من محبة وحدب‬
‫أن يقرضني المبلغ ألنتفع بالكتاب ثم أسدده ولو على أقساط، وكان جدي‬
‫متقاعدا يعيش على منحة التقاعد وكانت ال تسد الحاجة وال تدفع‬
‫الخصاصة وقبل جدي، وأسرعت في طلب الكتاب ومن شوقي إليه‬


‫٠٢١‬
‫وفرحتي به فتحته في الطريق متصفحا، وقد انتفعت به في معرفة دورية‬
 ‫الكسوف والخسوف وكيفية التنبؤ بھما وھو حدث جلل بالنسبة لفتى مثلي!‬
‫وتاقت نفسي إلى رؤية أجرام السماء بالمنظار واحتلت في الحصول عليه‬
‫غير أن ذلك كان دونه خرط القتاد، وكنت أعتقد أن جدي ألبي المقيم‬
‫بباريس ال يحرمني منه إن طلبته غير أن إرساله في علبة بريدية ستنتھي‬
‫به محجوزا لدى مصالح الجمارك ألن ذلك ممنوع، ثم أن جدي ال يزور‬
‫البلد إطالقا منذ أكثر من عشرين عاما وھكذا تخليت عن ھذه الفكرة، حتى‬
‫تعرفت إلى صديق من طالب الثانوية واشتدت عرى الصداقة والزمالة‬
‫بيننا وأخبرني في يوم من األيام أنه يملك منظارا مقربا ليس مخصصا‬
‫للرصد السماوي، ولكنه يريك أشياء ال ترى بالعين المجردة كالنجوم‬
‫المزدوجة وفوھات القمر الكبيرة، وطلبت منه المنظار على سبيل اإلعارة،‬
‫وأخذته منه وكان ثقيال وأنفقت ليال عديدة أرصد أجرام السماء حتى مللت‬
‫وتعبت قدماي من المشي وعيناي من النظر، واقترح علي خالي وكان‬
‫يكبرني بخمس سنوات تغيير أبعاد العدسات ليكون المنظار قويا وبعد‬
‫الفراغ من الرصد تعاد العدسات إلى سابق وضعھا غير أن خالي كسر‬
‫المنظار، ووجدتني في حرج من صديقي وتمنعت وتعللت ثم كشفت له‬
‫الحقيقة، وأبديت له استعدادي تعويض ثمنه، وكان حوالي أربعمئة دينار‬
‫وھو مبلغ كبير إنه مصروف نصف سنوي بالنسبة لطالب مثلي واتفقنا أن‬
‫يكون الدفع على أقساط، وأقسم صديقي أنه لو كان ملكه لما طالب بثمنه،‬
‫وسواء أكذب الصديق أم صدق فھو صاحب فضل ومن الواجب تعويضه‬
‫مع الشكر، ومرة أخرى بعت مالبسي الفرنسية الصنع والتي كان جدي‬
                 ‫يتكرم بإرسالھا من باريس من حين آلخر لتسديد الدين.‬


‫١٢١‬
‫لقد اتسعت معرفتي في ھذا العلم ولم أعد أكتفي بالمطالعة فيه فقط بل‬
‫صرت أقوم بالحساب وأخوض في المعادالت وأستطيع التنبؤ بتاريخ‬
‫الكسوف ساعته وشھره وعامه ومكان حدوثه كما أستطيع تعيين تواريخ‬
‫الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية لمئات السنين الماضية ومكان‬
‫حدوثھا وأقرأ األزياج الفلكية وأفھمھا وال يقع حدث في السماء إال وكنت‬
‫على علم به، صرت أعرف النجوم في السماء نجمة فنجمة وأعرف‬
‫بالتحديد المجموعة النجمية التي تنتمي إليھا وبعدھا عنا، ويحدث أن أسير‬
‫في الليل فأحدث مرافقي عن مركز مجرتنا درب التبان ناحية برج القوس‬
‫و أشير إليه، حتى ليأخذ مرافقي العجب وأعرف البروج بدقة ومواقع‬
‫الكواكب فيھا وأين سيكون كل كوكب بعد شھر أو عام أو أكثر مستعينا‬
‫بقوانين كبلر ونظرية نيوتن وخضت في أعماق السماء دارسا الحشود‬
‫النجمية والمجرات والعدسات التثاقلية والثقوب السوداء والكوازارات‬
‫والمجموعات المجرية ومن حين آلخر أقرأ في النسبية العامة لزيادة‬
‫معرفتي بھندسة الفضازمن ، ودفعني فضولي المعرفي إلى البحث في‬
‫كيفية خلق الكون وكنت أقول لنفسي إذا قدر لي أن أموت فألكن عارفا‬
‫باألمر أفضل من أكون جاھال واستعنت بشروحات فيزياء الكم المبسطة‬
                                                ‫فما أعقدھا وأغربھا .‬
‫وأتساءل دائما وإلى اآلن عن ما قبل ميالد الكون ويأخذني الدوار وأحيانا‬
‫قشعريرة وأنا أتذكر قول أينشتين أن االنفجار العظيم أنتج الزمان والمكان‬
‫أما قبل االنفجار فال جدوى وال معنى للتساؤل، وإلى اآلن ال يفوتني‬
‫خسوف قمري دون رصده لرؤية بقعة مخروط ظل األرض ودخول القمر‬
‫فيه، وقد قادني رصد خسوف قمري في التاسع من جانفي عام )١٠٠٢(‬


‫٢٢١‬
‫إلى فھم ظاھرة فلكية شديدة الدقة، إنھا مباكرة االعتدالين، لقد كنت أسمع‬
‫بھا دون فھم، فقد قدرت يومھا بل ليلتھا أن ظل األرض البد أن يقع على‬
‫برج السرطان، فإذا به يتقھقر واقعا على برج الجوزاء وأسقط في يدي‬
‫وضربت األخماس في األسداس محاوال فك ھذا اللغز حتى اھتديت إلى‬
‫الحل في كتاب بعنوان " آفاق فلكية " ولقد شرعت في قراءته في الطريق‬
‫لھفة وشوقا إلى مضمونه، وتصوروا فرحتي بفھم لغز حيرني أياما وليال‬
‫ولقد بقيت عشرين عاما أرقب حدوث كسوف شمسي بالجزائر يوم ١١‬
‫أغسطس عام ٩٩٩١، وأحسب الشھور وأستثقل السنين مستعجال إياھا‬
‫حتى رصدته في ميعاده ولوال ضيق ذات اليد لطرت إلى بلدان العالم‬
‫لمعاينة كسوفات كلية بلذة وبھجة غير آسف على إنفاق المال والوقت،‬
 ‫ولكم غامرت بعيني في سبيل مشاھدة الكلف الشمسي، فكنت آخذ المنظار‬
‫وأسير في الخالء منتظرا غروب الشمس ومعتمدا على الغالف الجوي‬
‫وحده كمرشح، وأصوب المنظار نحو الشمس أالحظ البقع السوداء على‬
‫سطحھا وأحصيھا وأحدد موقعھا ثم أعود إلى رصدھا بعد أيام متأكدا من‬
‫تحركھا نحو الشرق من الشمس مستدال بھا على دوران نجمنا حول نفسه،‬
‫آمال في األخير أن ال تكون األشعة المتسللة إلى عيني قد سببت لي أي أذى‬
‫وكم أتعبني البحث عن كوكب عطارد ذلك أن رصده صعب بسبب قربه‬
‫من الشمس وقصر المدة التي يمكثھا في األفق بعيد غروب الشمس جھة‬
‫المغرب أو قبيل شروق الشمس جھة المشرق وأنفقت الشھور باحثا عنه‬
‫متحمال في الشتاء زمھريره وفي الصيف قيظه حتى اكتشفته وميزته‬
‫بالعين المجردة ولقد كان اكتشافه من قبل بطليموس في برج العقرب إحدى‬
                                  ‫معجزات ھذا الفلكي اليوناني العظيم .‬


‫٣٢١‬
‫ومن ذكرياتي التي ال تنسى والتي صارت مصدر متعة وبھجة كلما عدت‬
‫إليھا مستعيدا لحظاتھا اشتراكي في أغسطس من عام )٣٠٠٢( م في رصد‬
‫اقتران المريخ باألرض مع جمعية " أطلس" الفرنسية قرب مطار شارل‬
‫ديغول بضواحي باريس، قضيت ليلة بأكملھا أرصد الكوكب األحمر‬
‫بمنظار قوي ھو ملك للجمعية وكان تفاعلي مع الحدث قويا وتذكرت قول‬
                                                              ‫أبي العالء :‬
                                   ‫ولنار المريخ من حدثان الــــد‬
                                   ‫ھــر مطف وإن علت في اتقاد‬
‫لقد ميزت بوضوح القلنسوة الثلجية البيضاء، ذات األصل الكربوني في‬
‫القطب الجنوبي للكوكب، كما رأيت بوضوح فوھة كوبرنيكوس على سطح‬
‫القمر وھي أكبر فوھة على سطحه وميزت بوضوح بعض النجوم‬
‫المزدوجة والتي تبدو للعين المجردة نجوما منفردة، والزلت أذكر تلك‬
‫الجموع المحتشدة التي جاءت من باريس بعد اإلعالن عن ليلة الرصد ھذه‬
‫الشھيرة، شيوخ وعجائز وشباب‬        ‫‪Le Parisien‬‬   ‫على الصفحة األولى لجريدة‬
‫ھدف واحد‬   ‫‪Villepinte‬‬   ‫في مقتبل العمر يجمعھم في العراء وفي غابة مدنية‬
‫ھو اقتسام المتعة واالشتراك في اكتشاف غرائب السماء وبدائعھا، وتأملت‬
‫واقعنا وأحزنني األمر إننا ال نعطي العلم قدره، وال نتلھف على استجالء‬
‫عجائب الطبيعة وال نغامر بحثا عن جديد من علم أو فن أو فكر،‬
‫واختصرنا الحضارة الحديثة في استھالك ما ينتجه الغرب بروح بدائية‬
‫وأسلوب ھمجي في غالب األحيان ولم نأخذ من منتجات الحضارة إال ماله‬
‫عالقة بالغريزة، أما ما يشحذ الذھن ويغذي الروح ويرھف الحس ويربي‬
                         ‫الذوق ويدخلنا في مدنية العصر فال نلقي إليه باال .‬


‫٤٢١‬
‫ومن ذكرياتي التي ال تنسى اشتراكي في برنامج علمي على األنترنت‬
‫نظمته الوكالة األمريكية للفضاء حول البحث عن الماء في المريخ وكنت‬
‫قد قرأت عن ھذا الكوكب كل ما وقع في يدي من كتب ودوريات ومجالت‬
‫متخصصة، وكانت دھشتي عظيمة حين رأيت الوكالة تكرمني باقتراح‬
  ‫تدوين اسمي على قرص مضغوط مع أسماء علماء ورؤساء دول سابقي‬
‫وأثرياء ومشاھير ويرسل ھذا القرص إلى المريخ على متن المركبة‬
‫ليبقى ھذا القرص ھنالك‬   ‫‪Mars Exploration Rover‬‬   ‫الفضائية غير المأھولة‬
                                                              ‫إلى األبد.‬
‫مدير بحوث‬   ‫‪E.Weiler‬‬   ‫وأرسلت إلى الشھادة ممضاة من قبل البروفيسور‬
‫الفضاء في » ‪ ،« NASA‬وسررت غاية السرور حين علمت أن من‬
‫األسماء المدونة على ھذا القرص اسم الرئيس األمريكي السابق بيل‬
‫والعالم الكبير باتريك مور صاحب موسوعة‬       ‫‪E.Weiler‬‬   ‫كلينتون والدكتور‬
                                ‫غينس في علم الفلك وأسماء أخرى ثقيلة.‬
  ‫واآلن صرت أكتب مقاالت طويلة في الفلك وعلم الكونيات وتاريخ الفلك‬
‫وأعالمه وأنشرھا في مجالت ودوريات مختصة وأصبحت على صلة‬
‫بجمعيات فلكية عديدة كاتحاد الفلك العربي في عمان ومرصد باريس الذي‬
‫يمدني بالمعطيات العلمية الدقيقة كلما طلبت منه ذلك لتحقيق حدث فلكي‬
‫جلل أستفيد منھا فيما أكتبه من مقاالت بغية إفادة القارئ العربي بما جد في‬
                                                       ‫ھذا العلم الرحب.‬
‫لقد نظرت إلى السماء ذات مرة وأنا صغير فأسرتني القبة بجمالھا‬
‫وسكونھا وكنت أحسب تلك الدرر -والزلت- عوالم تستفز العقل والوجدان‬
                                                         ‫للبحث والتأمل.‬


‫٥٢١‬
‫ترى كم ھم الذين يعلمون أن كثيرا من ھذه النجوم قد انتھت ولقيت حتفھا‬
                 ‫ولم يعد لھا وجود غير بقايا الضوء الذي مازال يصلنا ؟‬
‫وكم ھم الذين يعلمون أن كثيرا من مواقع النجوم لن تبقى كذلك وأن كثيرا‬
‫جدا من المواقع تغيرت غير أن الضوء مازال يصلنا وفقا للموقع القديم‬
‫نظرا لشساعة الكون ؟ وأتذكر اآلية الكريمة في سورة الواقعة: "فال أقسم‬
‫بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم"، ثم أتساءل عن المغزى من‬
‫استعمال الفعل المضارع "تعلمون" مكان الماضي علمتم، وأصل إلى‬
                                                     ‫ّ‬
‫الجواب بعد كد الذھن ذلك أن داللة الزمن ھنا تعني إمكانية المعرفة في‬
‫المستقبل فضال عن العرض، وذلك أن أجيال العلماء من طراز كبلر‬
‫ونيوتن وھالي وأينشتين سوف تصل إلى الحقيقة وتطلع اإلنسانية عليھا،‬
‫ولو استخدم الزمن الماضي لكان ذلك يعني استحالة العلم قياسا على "وما‬
‫أدراك مالحاقة" أو"مالقارعة"ن وھنا يقع التناقض بين داللة اآلية وحقائق‬
                                         ‫العلم والقرآن منزه عن الخطأ.‬
              ‫وال أستطيع وأنا أتأمل السماء إال أن أتذكر قول أبي العالء:‬
                                ‫قران المشتري زحال يرجى‬
                                ‫إليقاظ النواظر من كراھـــا‬
                                ‫وھيھات البرية في ضـــالل‬
                                ‫وقد فطن اللبيب لما اعتراھا‬
                                ‫تقضى الناس جيال بعد جيل‬
                                 ‫وخلفت النجوم كما تراھا !‬




‫٦٢١‬
‫وأعذر رھين المحبسين لقوله " كما تراھا " ذلك أن تغير موقع النجوم‬
‫يحتاج إلى آالف بل ماليين السنين لمعاينته وذلك ليس في متناول عمر‬
      ‫اإلنسان القصير، كما أتذكر قول لبيد بن ربيعة لنفس السبب حين يقول:‬
                            ‫بلينا وما تبلى النجوم الطوالع‬
                            ‫وتبقى الديار بعدنا والمصانع‬
‫وأعذر لبيد فما كان في مقدور شاعر جاھلي أن يدرك ميالد وموت‬
                                                                ‫النجوم !‬
‫وأنا اآلن مازلت أتابع جديد ھذا العلم بفضول ال ينتھي وأتھيأ لألرصاد‬
‫الشخصية كلما كان ذلك ممكنا وأحاول إثارة اھتمام الناس كلما كان ذلك‬
‫ممكنا أيضا، كما أسعى لنقل فضولي وحبي للسماء إلى أوالدي وھكذا‬
‫أخرج في أمسيات الربيع الدافئة خاصة إذا غاب القمر أو كان ھالال حتى‬
‫ال يحجب ضوؤه النجوم إلى ظاھر المدينة في صحبة أوالدي أو باألحرى‬
‫بناتي الصغيرات لنتأمل القبة السماوية وأخال نفسي سندباد ركبت الھالل‬
‫مع أوالدي زورقا وأبحرنا سويا في لجة السماء المدلھمة نستأنس بقطع‬
‫النور المتناثرة على سطح تلك اللجة وأشير بأصبعي شارحا لھن ھذا النجم‬
‫القطبي وذاك كوكب المريخ وھذا زحل قرب المشتري وتلك النجمة النيرة‬
                                                    ‫ھي الشعرى اليمانية .‬




‫٧٢١‬
                 ‫)١( الجواھري شاعر الرفض واإلباء‬

‫مازلت أذكر ذلك الشھر شھر أغسطس من عام )٧٩٩١( حين نعت إلينا‬
‫جريدة "الحياة" اللندنية رحيل شاعر العربية الكبير محمد مھدي‬
‫الجواھري، وھكذا أسدل الستار برحيل الجواھري على آخر عمالقة الشعر‬
‫الكالسيكي من طراز بدوي الجبل وبشارة الخوري وعمر أبو ريشة‬
                                                            ‫وغيرھم.‬
‫كنت حينھا بمدينة "جنيف" السويسرية ولم تستطع جنيف ببحيرتھا الخالبة‬
‫وال بنھر "الرون" وجسوره األخاذة وال بجزيرة "روسو" الجميلة أن تبدد‬
‫الحزن الذي غمر نفسي واألسى الذي سكن روحي وأنا أقرأ الخبر في‬
                                                       ‫جريدة الحياة.‬
‫عاد الجواھري إلى دمشق ليموت فيھا بعد العاصمة التشيكية براغ وغيرھا‬
‫من المنافي، كما عاد البياتي من منافيه في "موسكو" أو" مدريد "وغيرھما‬
‫ليرقد رقدته األبدية إلى جوار الشيخ محي الدين بن عربي، وكأن‬
‫"جلق"صارت بالنسبة إلى شعراء العراق جسر العبور إلى العالم اآلخر،‬
‫ينفحھم "بردى" و"الجامع األموي" بنفحات العروبة ويسمح ما بأنفسھم من‬
                                 ‫ألم الغربة وأوجاع المنافي األروبية .‬
‫وفي أدباء العراق – كتابه وشعرائه- ميزة ال تخطئ العين رصدھا‬
‫وظاھرة ال يختلف بشأنھا اثنان أال وھي ظاھرة الرفض والتمرد وما ينجر‬
                                  ‫عنھما من نفي وتشرد في بالد الدنيا.‬
‫فالروائي العراقي غائب طعمة فرمان مات طريدا ودفن شريدا في‬
       ‫موسكو، وفي أحد أعداد مجلة العربي األخيرة حدثنا الدكتور محمد‬
  ‫)١( مجلة المنھل، المملكة العربية السعودية، العدد٦٩٥، أبريل ٥٠٠٢.‬

‫٨٢١‬
‫سليمان العسكري عن انتحار أديبة عراقية أجبرت على البقاء في العراق‬
‫قبل سقوط بغداد وكانت تريد الخروج من العراق إلى بالد ﷲ فلما‬
‫استعصى عليھا ذلك خرجت ھي من الدنيا بقتل نفسھا ! والعراق أو أرض‬
‫السواد كما أسماه أسالفنا حالة فريدة بين بلداننا العربية، فبالرغم من كونه‬
‫أرض الخصب والنماء وأرض الرافدين، والبالد التي عرفت أقدم‬
‫الحضارات وأعرق الشرائع، وما أرض السواد إال داللة على كثرة النخيل‬
‫التي تظلل األرض واألفق فحيثما امتد بصر اإلنسان رأى سوادا وما ذاك‬
                                               ‫إال فأل خير وبشارة يمن.‬
‫لقد ظل البلد على الرغم من بوادر اليسر وسيمات اليمن أرض الفتن‬
‫والخصومة واالنقالبات، فاإلمام علي -كرم ﷲ وجھه- قتل بالكوفة، وفي‬
‫كربالء سقط اإلمام الحسين شھيدا، وفي العراق نبه ذكر الحجاج بن يوسف‬
‫واستشاط أمره وتلطخ بالدماء سيفه بعد أن دوى بالتھديد لسانه، وسواء‬
‫أكان العراق ملكيا أم جمھوريا في العصر الحديث فقد كان بلدا قائما على‬
‫الرمضاء ومستقرا على بركان وما تھدأ فتنة حتى تقوم فتنة وإن ھدأت‬
                                     ‫فبفوھات البنادق وشفرات المقاصل.‬
‫والعراقيون مھما تعددت أطيافھم وتباينت نحلھم يميلون إلى الحرية ويأبون‬
‫الضيم وتعاف نفوسھم الخسف فيثورون وفي كل ثورة تسيل الدماء وتقطع‬
                                                               ‫الرؤوس.‬
‫وفي ھذا البلد وفي النجف األشرف ولد محمد مھدي الجواھري عام‬
‫)٠٠٩١( في بيت علم ودين وآل الجواھري أسرة عريقة نبغ فيھا شعراء‬
‫وأئمة وعلماء كالم، وفي بيت والده أتم حفظ القرآن وعلى يد مشايخ‬
                                   ‫النجف النابھين أتم علوم اللغة والدين.‬


‫٩٢١‬
‫غير أنه آنس من نفسه القدرة على قرض الشعر، وتھيأت ملكاته الفطرية‬
‫لذلك، فجادت قريحته بالشعر منذ عھد الصبا وفي عام )٧٢٩١( صدر‬
                                               ‫الجزء األول من ديوانه.‬
‫مارس الجواھري التعليم في الكاظمية، ولكنه تركه ليتفرغ للصحافة‬
‫فأصدر جريدة "الفرات" عام )٠٣٩١(، ثم " االنقالب" ولما عطلت ھاتان‬
‫الصحيفتان والقى الشاعر من الحكومة القھر والعنت عاد إلى التعليم وفي‬
‫سنة )٥٣٩١( أصدر الجزء الثاني من ديوانه، وفي سنة )٧٤٩١( دخل‬
‫المجلس النيابي نائبا عن كربالء، وقام برحلة إلى فرنسا وبولونيا، وال شك‬
‫أن ھذه الرحلة تركت في نفسه أعمق األثر فلقد قارن بين ما ينعم به‬
‫األروبيون من عدل ومساواة وتقدم وحرية وعصر صناعي وبين يقاسيه‬
‫الشعب العراقي من جور وطبقية ورجعية وعصر حجري ، وفي سنة‬
‫)٣٥٩١( أصدر الجزء الثالث من ديوانه، ولما قامت الثورة وأنھيت‬
‫الملكية في العراق طمح الشاعر إلى الحرية والديمقراطية والمساواة، ولم‬
‫يستطع السكوت فأصدر جريدة "الرأي العام" ليجھر برأيه ويصدع بأفكاره‬
‫التي تعارضت مع فلسفة الحكم والنظام القائم فاختار المنفى سبع سنوات‬
‫في براغ بتشيكوسلوفاكيا وعاد بعدھا إلى العراق، ولكنه كان كدأبه ناقما‬
‫على الجور أبيا للخسف عصيا على الھوان متعطشا إلى الحرية،تواقا إلى‬
‫العدل، شغوفا بالمساواة، طامحا إلى وثبة حضارية ونھضة علمية تدخل‬
‫بالده في ركاب الحضارة كغيرھا من دول العالم المتمدن، فالقى من كل‬
‫األنظمة الجھامة والتضييق على حريته وھو الشاعر الحر- الذي سجن في‬
‫العھد الملكي جراء جھره بمعارضته وإبداء مخالفته لفلسفة الحكم القائم إلى‬




‫٠٣١‬
‫أن رحل عن دنيانا نظيف اليد، صادق الوعد، سليم النية، مخلصا لعقيدته‬
                                                            ‫في الحياة .‬
‫فالجواھري من الشعراء الذين آمنوا برسالة الشعر وأمانة الشاعر التي‬
‫استودعھا عنده الشعب، أال وھي اتخاذ الكلمة مصباحا يبدد الظالم ، وسيفا‬
‫في وجه الجور ومنجنيقا يحرق بنيرانه الظلم والظالمين، والشعر كما‬
‫يصلح لوصف النھود واألرداف، وتباريح الجوى، ونشوة المدام يصلح‬
‫معلما ھاديا ومنارة حق، وسوطا يلھب حماسة الخانعين من أبناء الشعب،‬
                        ‫وسيفا يقطع رقاب الظالمين من الحاكم وحاشيته.‬
‫إنه ما يدعوه جون بول سارتر بااللتزام، وقد التزم الجواھري -وھو‬
‫صاحب عقيدة اشتراكية- بقضية وطنه الراسف في أغالل االستبداد،‬
      ‫والنائم في مغارة التاريخ الساكت على نھب خيراته وتجفيف ضرعه.‬
                               ‫اسمعه يخاطب المستبدين من حكام بلده:‬
                                       ‫ما تشــــــاؤون فـاصنعوا‬
                                        ‫فرصـة ال تــضيــــــــــع‬
                                        ‫فــــرصة أن تحـــــكموا‬
                                         ‫وتحطــوا وتـرفعـــــــوا‬
                                        ‫وتــــدلوا على الرقـــاب‬
                                       ‫وتــعطوا وتــمنعـــــــــوا‬
                                         ‫لــكم الرافدان والـــزاب‬
                                       ‫ضرع فاضرعــــــــــــوا‬
                                        ‫ما تشـــاؤون فـــاصنعوا‬
                                        ‫الجمــــاھير ھطــــــــــع‬


‫١٣١‬
                                          ‫مــــــا الذي يســتطيعــه‬
                                        ‫مستضامـــون جــــــوع ؟‬
‫فھي صيحة صريحة ال كناية فيھا وال تعمية لغتھا مشبعة بالتحدي‬
‫والرفض، لغتھا شديدة اإليحاء بمعاني الجور والظلم والنھب لخيرات البلد‬
              ‫من جھة الحكام ، والخنوع واالستسالم من جھة المحكومين.‬
‫والجواھري يتصرف في اللغة تصرف الواثق من نفسه المطمئن إلى‬
‫ملكاته فال تعاني لغته الكالل أو الفتور، ونفسه طويل ال يعرف اإلرھاق‬
‫والغرو في ذلك فھو قد امتلك زمام اللغة فأسلست له القياد وتشبعت روحه‬
‫بفلسفة الحداثة، وتعمقت ثقافته بالوعي التام بمعاني الحرية والعدالة‬
‫االجتماعية والديمقراطية، وزادته قناعته اليسارية ثباتا على الموقف وحرنا‬
‫على الفكرة فلم يعرف نضاله الكالل أواالضطراب لكأنه الرصاصة تمشي‬
             ‫إلى ھدفھا بنفس القوة وفي نفس الخط بغير نكوص أو فتور .‬
‫وھذا التصرف في اللغة تصرف الواثق من نفسه، والقدرة على إيصال‬
‫الفكرة سليمة معافاة، وحسن اختيار اللفظ الموحي بالمعنى المقصود كل‬
‫ھذه العوامل أشعرت الشاعر بحريته التي زھت بھا نفسه فلم يجد ما يدعوه‬
‫إلى التخلي عن الشعر العمودي واللجوء إلى شعر التفعيلة استزادة من‬
                                 ‫الحرية في القول و األصالة في المعنى.‬
‫والجواھري شاعر من النسق الكرزماتي يشظي نفسه قنابل في وجه الظلم‬
‫ال يھادن وال يسالم، واقرأ له ھذا المقطع يصف الخونة من أبناء البلد الذين‬
                                       ‫كانوا خدما لالستعمار وأعوانا له:‬




‫٢٣١‬
                                       ‫ولقد رأى المستعمرون فرائسا‬
                                        ‫منا وألفـوا كلب صــــيد سائبا‬
                                        ‫فتعھدوه فراح طوع بنانھـــــم‬
                                        ‫يبرون أنيــابا لــــــــه ومخالبا‬
                                        ‫أعرفت مملكة يبـاح شھيدھـــا‬
                                       ‫للخائنين الخادمــــــين أجانبـا ؟‬
                                        ‫مستأجرين يخربون ديـــارھم‬
                                      ‫ويكافأون على الخراب رواتبا ؟‬
‫وكما نعى الشاعر على الحاكم بغيه نعى على الرعية استسالمھا وخنوعھا،‬
‫فقذفھا بألسنة من نار ونخسھا بمھماز من فوالذ علھا تفيق من غفوتھا،‬
          ‫وتقھر خوفھا ومسكنتھا وھو في ذلك متفق مع قول أبي العالء:‬
                                     ‫أعاذل قد ظلمتنا الملــــــو‬
                                      ‫ك ونحن على ضعفنا أظلم‬
‫وذمه للشعب ھو الذم البناء ال الھدام إنه الھجاء بغير حقد، الصادر عن‬
‫حب وغيرة على الشرف والوطن، واقرأ له ھذا المقطع يذم خنوع الشعب‬
                                 ‫وھو ذم شديد اللھجة، قاسي النبرات:‬
                                         ‫أطبق دجى أطبـق ضــــباب‬
                                          ‫أطبق جھــامـا يا سحــــــاب‬
                                          ‫أطبق دمار علــى حـمــــــاة‬
                                         ‫دمـارھــم، أطـــبق تــبـــاب‬
                                         ‫أطبـــق علــى متبلــديـــــــن‬
                                          ‫شـكــا خمــولھـم الذبـــــاب‬


‫٣٣١‬
                                          ‫لـم يعـرفوا لون السمـــــــــاء‬
                                         ‫لفـرط ما انحنت الرقـــــــاب‬
                                         ‫ولفـرط ما ديست رؤوســــھم‬
                                         ‫كـــمـــــا ديــــــــس الـتـراب‬
                                         ‫أطـبــــــق علـى الــــــــمعزى‬
                                          ‫يراد بھا على الجوع احتالب‬
                                          ‫أطبق على ھذي المســــــوخ‬
                                         ‫تعـاف عيشــــــتھـا الكــــالب‬
‫وقد ردد الشاعر كلمة "أطبق" سبع مرات في ھذا المقطع القصير وھو‬
‫فعل يوحي بيأس الشاعر من خمول الشعب وبالدته، واأللفاظ شديدة اللھجة‬
 ‫دالة على الغضب العارم والثورة الجارفة التي تضطرم في نفس الشاعر.‬
‫إن الذي يعرف الجواھري ويعرف ما جبلت عليه نفسه من تعطش للحرية‬
‫وإلى العدالة وما القاه من وجع في المنافي وتضييق الحكام يستطيع أن‬
‫ينسب إليه شعره فال يختلط بأشعار غيره، فقد كان شعره نفثه من روحه‬
‫الناقمة وشواظا من لھيب نفسه أو كان كما يقال مرآة نفسه عكست ما فيھا‬
                                    ‫من إباء وكرامة وشرف وكبرياء .‬
‫وھناك ميزة في شعره ظاھرة للعيان مسفرة للقارئ وھي روح السخرية،‬
‫وكأنھا البلسم الذي يبلسم بھا جراحه، والشھقة التي يجد فيھا الراحة‬
‫والعزاء، وھو يستخدمھا في شعره طريقة من طرق التعبير عن تبلد‬
             ‫الجماھير ، ومھمازا يستنھض به العزائم ويستثير به الھمم .‬
‫وأكثر ما تتجلى ھذه الميزة في قصيدته "تنويمة الجياع" وھي مطولة تنعي‬
‫إلينا بالدة الشعب وغفلة الرعية وال أدل على ذلك من تكرار الفعل "نامي"‬


‫٤٣١‬
‫في القصيدة حوالي أربعا وخمسين مرة في قصيدة عدد أبياتھا تسعة‬
‫وتسعون بيتا، ونكتفي منھا بھذه األبيات حيث تتجلى روح السخرية المرة‬
                                                      ‫و التھكم الالذع:‬
                                        ‫نامي جياع الشعب نامي‬
                                        ‫حـــرستك آلھة الطـعـــام‬
                                       ‫نــــامي على زبد الوعود‬
                                       ‫يـــداف في عسل الكــالم‬
                                       ‫نــــامي تصحي ،نعـم نوم‬
                                      ‫المرء في الكرب الجســام‬
                                      ‫نــــامي إلى يوم النشـــور‬
                                       ‫ويـــــــوم يؤذن بالقيـــــام‬
                                      ‫نـــامي على نغم البـعوض‬
                                       ‫كـــــأنه سجع الحمـــــــام‬
                                      ‫نـامي على البرص المبيض‬
                                       ‫من ســوادك والجـــــــذام‬
                                      ‫نـامي فحرز المؤمنين يذب‬
                                       ‫عــنك على الـــــــــــــدوام‬
                                       ‫نـــــــامي فنومك فتنـــــــــة‬
                                       ‫إيــــــقاظھا شر األثــــــــام‬
                                       ‫إن الـــــتيقظ لـــو علمــــت‬
                                       ‫طليعة الــــــــموت الزؤام‬




‫٥٣١‬
                                           ‫نامي ! إليك تحيتي وعليـــ‬
                                         ‫ك نـــــــائمة ســــــــالمي !‬
‫وھي قصيدة كما أشرنا آنفا طويلة تتجلى فيھا مرارة اليأس وروح التھكم‬
                                                      ‫وطابع السخرية .‬
‫لقد آمن الجواھري أن الشعب مصدر القوة ومنبع الحصانة وجرثومة‬
‫النماء، وأدرك أن جبروت الحاكم يستمد بقاءه من جبن الشعب، ونھبه‬
‫لخيراته من سكوت الرعية والمباالتھا واستھتاره من بالدة الناس، فصك‬
‫الشاعر اآلذان بالكلمات القاسية، وزلزل القلوب الواجفة بالمعاني القارصة،‬
‫وحرك النفوس الغافلة بالتھكم البناء والذم الصادر عن حب وإخالص أمال‬
‫في حرية غائبة، وعدالة أعز من األبلق، ومساواة موءودة، ونھضة مؤجلة‬
                                                        ‫إلى يوم النشور.‬




‫٦٣١‬
           ‫)١(‬
                 ‫النھر الخالد: تأمالت في شعر ميخائيل نعيمة‬


‫يعتبر األديب والكاتب والناقد والشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة حالة فريدة‬
‫في دنيا األدب والثقافة العربية الحديثة ليس لغزارة إنتاجه فحسب ، وإنما‬
‫لعوامل شتى جعلت منه مثاال نادرا لألديب الفذ والمثقف الواعي والشاعر‬
‫الحي الوجدان واإلنسان الطافح بالمودة والتسامح واإلخاء ولكأنه وعى في‬
                                  ‫صدر شبابه مقولة أبي حيان التوحيدي:‬
‫"اإلنسان أشكل عليه اإلنسان" فاستبطن ذاته ونزل إلى قرارة نفسه بمبضع‬
‫الفكر والضمير فاستأصل منھا بذور األنانية والحسد والشره المادي‬
‫والغرور والكبرياء الزائف، وتعھد فيھا بذور التضحية والشرف وصدق‬
‫القول والفعل والتواضع والزھد في متاع الدنيا فأينعت تلك البذور دوحة‬
‫استظل بھا في صحراء الحياة القاحلة ودعا إلى ذلك الظل من تاقت نفسه‬
                                      ‫إلى الحقيقة والجمال وكمال الخلق.‬
‫وفي حياة األستاذ ميخائيل نعيمة ھدوء وسالسة وانسياب تلقائي فھو أشبه‬
‫بالنھر يجري إلى المصب بال ضوضاء وال تيه ، وقد أدرك مصبه منذ‬
‫فجر شبابه إنه مصب الوجود حيث تتوحد الموجودات وتتناغم فتكون وحدة‬
‫في كثرة ولونا موحدا في أطياف شتى وحياة واحدة في حيوات متعددة وما‬
  ‫اإلنسان والدودة والحجر والودق إال مظاھر للوجود الواحد الحي الفاعل.‬
‫وبال شك فمولده في بلد األديان والتسامح ) بسكنتا( بلبنان ودراسته في‬
‫الناصرة ثم في روسيا القيصرية وأخيرا في أمريكا كانت تلك الرحلة منافذ‬
‫للروح والعقل والضمير حررته من عصبية الدين والقومية الرعناء بال‬
‫رقيب من الفكر والشعور وأدخلته في رحاب اإلنسانية الخالدة فجاء أدبه‬


‫٧٣١‬
‫صورة لفكره ولوجدانه بال تزويق أو أصباغ فھو األديب المسئول والشاعر‬
                                               ‫ّ‬
‫الھامس على حد وصف أستاذنا الدكتور محمد مندور لجماعته، ليس في‬
‫حياته الخصام والنقد الجارح والكالم النابي على عادة كتابنا في ذلك العھد‬
‫أو ليس ھو القائل: "عجبت لمن يغسل وجھه كل يوم وال يغسل قلبه مرة‬
‫في السنة " ؟ بلى وأھميته الشعرية تكمن في تحرير الشعر العربي من‬
                                                              ‫الخطابية‬
                              ‫)١( مجلة صوت العروبة أمريكا، ٧٠٠٢.‬


                                       ‫والحماسة الزائفة والرياء الماكر.‬
‫صحيح ففي النصف األول من القرن العشرين ظھرت مدارس شعرية‬
‫جددت الشعر العربي شكال ومضمونا وتخلت عن طرائقه القديمة وقصرته‬
‫على الوجدان وھموم الحياة الحديثة فجماعة "أبولو" و"جماعة الديوان"‬
                              ‫ولفيف آخر من الشعراء حقق ھذا اإلنجاز.‬
‫أما النتاج الشعري لجماعة "أبولو" فغلبت عليه الغنائية الحزينة وكثر فيه‬
‫النحيب وطغت عليه السوداوية واالندفاع الصارخ وأما النتاج الشعري‬
‫لجماعة الديوان -وأخص العقاد بالتحديد- فجاء في معظمه فلسفة وعمارة‬
‫منطقية، وغير ھاتين المدرستين ممن جرى مجرى حافظ وشوقي فوقع‬
                 ‫بين مطرقة التصنع والتحذلق البياني وسندان المناسبات.‬
‫أما شعر ميخائيل نعيمة فقد تخلص من ھذا كله كان كالمنھل أو كانت نفسه‬
‫غورا مسھا بعصاه فانبجست منھا عيون رقراقة سلسة تغذي العقل‬
‫والوجدان توحي إليك كلماتھا دون أن ينضب معينھا ويھمس لك شاعرھا‬




‫٨٣١‬
‫في أذنك حتى يكون قريبا من وجدانك وقلبك دون أن تذھب الكلمات أدراج‬
                                               ‫الرياح إن اعتلى المنابر.‬
                     ‫اقرأ معي ھذا المقطع من قصيدته"أخي" تجده يقول:‬
               ‫أخي إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله‬
              ‫وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله‬
              ‫فال تھزج لمن سادوا وال تشمت بمن دانا‬
                 ‫بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دام‬
                                    ‫لنبكي حظ موتانا.‬
‫فھذا المقطع يستعلي على المنابر ويتجافى عن المجامع ، ال تجد فيه أثرا‬
‫للخطابية ،إنه مقطع يخلو فيه اإلنسان إلى نفسه ويقرؤه لنفسه يغذي به‬
‫وجدانه وعقله، وفي ھذا المقطع دالئل شتى لعل أھمھا منزعھا اإلنساني‬
‫المتجلي في كلمة "أخي" ونزوعھا السلمي وعھدنا بشعرائنا القدامى‬
      ‫يتحمسون لساحات الوغى ويھيبون بالمھند والرديني وقراع الكتائب.‬
‫إنه شعر يلج من األذن ليستقر في القلب فيغير ما به وليس بالشعر الذي‬
‫يردد في المناسبات بالتفخيم ومد الصوت فيلج إلى األذن األولى ليخرج من‬
‫األذن الثانية وفي قصيدته " صدى األجراس" ھنا نقبض على الخصائص‬
‫الفنية التي تميز شعر ميخائيل نعيمة فالتصنع والتكلف وانتقاء اللفظ البراق‬
‫والتفتيش في لسان العرب والقاموس المحيط عن اللفظ الدال على الملكة‬
‫اللغوية أو كد الذھن في البحث عن استعارات رائعة أو تشبيھات غير‬
‫مسبوقة والنزوع إلى األبحر الطويلة النفس )الطويل، الكامل، البسيط(‬
‫وحشد الشعر باإلحاالت العلمية والفلسفية ليست من الخصائص الفنية‬
                                                                ‫لشعره.‬


‫٩٣١‬
‫فالشعر عنده سليقة والسليقة بنت الطبيعة والطبيعة أطياف وأحياء ومشاعر‬
‫وأفكار قدد اقرأ معي ھذا المقطع من قصيدته "صدى األجراس" لتقع على‬
                                                       ‫صحة ھذا الرأي:‬
                                ‫باألمـس جلست وأفكـاري‬
                                 ‫سرحت تستفسـر آثــاري‬
                                ‫وترود الحاضر والمـاضي‬
                                ‫أمال أن تدرك أســــراري‬
                                ‫وأفـاق الشـــــك وأنصـاره‬
                                ‫آالم العيـــــــــش وأوزاره‬
                                ‫با شــكوكـــــي خلـــــني‬
                              ‫وحدي ذا الصوت ينـــاديني‬
                                ‫ذا صوت صبـــاي يـردده‬
                               ‫الــوادي وشـواھق صنـيني‬
                                 ‫العـــالم مملكتــــــي وأنا‬
                                ‫سلــــطان العــالم والدھــر‬
                                ‫الــزھر يعطــــر أنفــاسي‬
                                ‫والـزھر يولــد في رأسـي‬
                                ‫أشبــاحا راقصـة لـــخرير‬
                                ‫المـاء وصوت األجـــراس‬
                               ‫ما بال سكينتي اضطــربت‬
                               ‫وجحـافل أشبـاحي ھـربت؟‬
                                ‫قد عـــاد الشـك وأنــصاره‬


‫٠٤١‬
                                  ‫آالم العيـــــــــش وأوزاره‬
‫وقد تصرفنا في ھذه القصيدة الطويلة لندلل على صحة رأينا في شعره إنه‬
‫الشعر الھادئ الذي يجد مصبه في وجدان القارئ ال في أذن السامع‬
‫والشاعر ھنا يتعبد في محراب الطبيعة بفرح طفولي ويستذكر شوامخ‬
‫صنين ويعابث الزھر ويناغي النھر لوال تباريح الشك وتصاريف الحياة‬
‫ونكد الفكر، وقد كان شعرنا العربي بحاجة إلى ھذا النوع من الشعر -شعر‬
‫القلب والعقل- شعر االندغام في الطبيعة والوجدان ، فتصير الطبيعة‬
                                 ‫والشاعر واحدا بعد أن كانت موضوعا.‬
‫فميخائيل نعيمة ليس الشعر عنده معرفة )أي علما( وليس الشاعر ھو الذي‬
‫يعدد لك األشياء ويتالعب بتشبيھاتھا، ويقول لك ما ھو ذلك الشيء بل‬
‫الشعر عنده قبسة من نور الوجود ورشفة من محيط الحياة وحبل سري‬
‫موصول بمشيمة الكون يحس من خالله قارئ شعره بإنسانيته تفيض على‬
‫الوجود وبأخوته حتى للدودة وقد خاطبھا مرة في إحدى قصائده بـ‬
                                                                ‫"ياأختاه".‬
‫ومازلت أذكر أيام الصبا وأيام الدراسة االبتدائية حين كنا تالمذة في‬
‫الصفوف االبتدائية كيف كنا نحفظ قصيدته " لست أخشى" ونرددھا في‬
                           ‫األزقة بل ويرددھا كل لنفسه وأنا واحد منھم.‬
‫كيف استطاع ھذا الرجل أن ينفذ إلى قلب الطفولة العميق الغامض وإلى‬
‫نفسھا العجيبة المتقلبة فتأبى الطفولة أن تنسى تلك القصيدة التي منھا ھذه‬
                                                                ‫األبيات؟ :‬
                                     ‫سقـــــف بيتي حــــديد‬
                                    ‫ركن بيتــي حجـــــــــر‬


‫١٤١‬
        ‫فاعصفي يا ريــــــــاح‬
       ‫وانتحــــــب يا شجـــــر‬
        ‫واسبحـــي يا غيــــــوم‬
        ‫واھطلي بالمـــطـــــــر‬
        ‫واقصفي يا رعــــــــود‬
        ‫لست أخشى خطـــــــر‬
        ‫من سراجي الضئـــــيل‬
      ‫أستـمد البــــــــــــــــصر‬
        ‫كلــما الــليل طـــــــــال‬
        ‫والظــالم انتــــــــــشر‬
        ‫وإذا الفــــــجر مـــــات‬
       ‫والنـــــــھار انتــــــحـر‬
        ‫فاختــفي يـا نجــــــــوم‬
       ‫وانطفئ يـا قمــــــــــــر‬
        ‫باب قلبـي حصــــــــين‬
      ‫من صنـوف الكـــــــــدر‬
       ‫وازحفـي يا نحـــــــوس‬
       ‫بالشقــــــا والضــــجــر‬
       ‫لست أخشى العـــــــذاب‬
      ‫لسـت أخـشى الضـــــرر‬
       ‫وحلــــيفي القـــــــــضاء‬
      ‫ورفيقــي القــــــــــــــدر‬


‫٢٤١‬
‫وقد استخدم الشاعر مجزوء المتدارك، والشاعر معروف باستخدامه‬
                             ‫األبحر النادرة ألنھا تحقق مأربه في التجديد.‬
‫فلما كبرنا واتسعت مداركنا ودرسنا نظريات الفن والشعر وألممنا‬
‫بالمذاھب األدبية وبمستويات الداللة وحفظنا عشرات القصائد القديمة‬
‫والمحدثة أدركنا ما في ھذه القصيدة من جمال فني، ففي عھد الطفولة‬
‫الغض فھمنا مظاھر الطبيعة على حقيقتھا المطر، الليل، الفجر، القمر ،‬
‫ركن البيت، سقف البيت، وھذه الدالالت تناسب عھد الطفولة وأما دالالتھا‬
‫األخرى فھي فلسفية عميقة إنھا الحلولية الكونية، حيث تتماھى ذات‬
‫الشاعر مع الموجودات الموحدة في كثرتھا فتستمد من ذلك الوجود السكينة‬
‫والوداعة والرضا بالقدر وتتنعم بإنسانيتھا الواعية الخالقة بال كبرياء أو‬
‫جبروت زائف إنھا النھر يجري منسابا ثابت الخطى إلى مصب الوجود‬
                                                                ‫العظيم.‬
‫لھذا نفھم لماذا أعرض ميخائيل نعيمة عن الزواج والنسل واإلغراق في‬
‫المتع الحسية وتعبد في"الشخروب" فلقد وجد ھناك بھجة الروح وسلوى‬
‫الخاطر وتناغمت خفقات قلبه مع حفيف الشجر وانسجمت أنفاسه مع خرير‬
‫الماء وجاء شعره تعبيرا عن ھذا الموقف الفذ والحالة اإلنسانية الفريدة التي‬
‫أضافت إلى شعرنا ما كان ينقصه وسدت ثغرة كان من حق الغير أن‬
‫يعتبرھا مثلبة ونقيصة في أدبنا فتحية إلى ناسك "الشخروب" في رقدته‬
‫األبدية ولنا في شعره الغذاء للروح والفرح الطفولي والموقف الصوفي‬
                                                                 ‫النبيل.‬




‫٣٤١‬
                     ‫)١(‬
                           ‫رومنطيقية القلب الحزين‬
             ‫الوصف عند خليل مطران "قصيدة األسد الباكي نموذجــــا"‬

‫أ ُقحم شعر الوصف في أدبنا العربي ضمن الشعر الغنائي أو الوجداني أو‬
‫الذاتي، وھو الشعر الذي يعبر فيه الشاعر عن ذاته أو "أناه" و بلفظ موجز‬
‫رؤيا الذات أو موقفھا من العالم والوجود بخالف الشعر الموضوعي أو‬
‫التمثيلي حيث يعبر فيه الشاعر عن ذات األمة، غير أن شعر الوصف في‬
‫أدبنا العربي القديم ظل وصفا ميكانيكيا ال تندغم الذات فيه في الموضوع‬
‫أو ال تتصل وشائج القرابة بين الذات الشاعرة وموضوعھا، فيظل الوصف‬
                                            ‫ّ‬
‫خارجيا ترى فيه أثر كد الذھن في خلق القرائن أو إدراكھا بين المقتبس‬
‫منه)المشبه به( والمقتبس له )المشبه(عن طريق التشبيه الصريح أو‬
‫االستعارة، وترى التفنن في ذلك ومحاولة السبق في ابتكار التشبيھات‬
‫واالستعارات، ولكن من غير أن يصير الشاعر قلب الوجود وروحه فال‬
‫يسع العالم حينھا إال أن يكون مظھرا لتلك الذات، ذلك أن الوصف بغير‬
‫ھذا المعنى يكون أقرب إلى العلم منه إلى الفن ألن ميكانيكيته تحيد به عن‬
‫روح الشعر التي ھي في الصميم رؤيا، وذلك ألنك في الشعر ال تطلب‬
‫الحقائق الموضوعية وإنما تطلب كيانا شعريا في تفاعله مع الوجود‬
‫ورؤيته له، وذلك الكيان الشعري ھو أشبه بالبناء المشمخر الذي تدخله‬
‫ألول مرة مكتشفا سراديبه وردھاته وغرفه متذوقا جماله واقعا على فرادته‬
‫وأنت واثق أنك لم تقع على مثله من قبل على كثرة ما دخلت إلى الدور‬
‫والقصور وبالمختصر فالشعر ھو الرؤيا والفرادة معا ألن الروح الشعرية‬
 ‫ال تقبل االستنساخ ، والتقليد إعدام لھا وتجني على روح الشعر، وقد غاب‬
                             ‫)١( مجلة أنھار، الكويت، العدد ٣٧، ٦٠٠٢.‬

‫٤٤١‬
‫ھذا المفھوم العميق للشعر عن أذھان أسالفنا ونقادنا القدامى فانصرفوا إلى‬
‫النقد الفقھي أو تتبع السرقات األدبية واكتشاف مصادرھا لوال محاوالت‬
‫من ھنا ومن ھناك تخرج من تلك الصحراء منقذة أناھا ملقية بھا في‬
‫إصرار في مملكة الشعر المعروفة بحدودھا المتعالية على سواھا من‬
‫الممالك ولعل امرأ القيس أفضل الشعراء الذين فروا بجلدھم من صحراء‬
‫التيه الئذين بمملكة الشعر وترى الوصف عنده لصيقا في معظم األحوال‬
‫بذاته ويغدو الوجود بمظاھره ملونا بلون ذاته وخير مثال على ذلك ھو‬
                                                               ‫وصفه لليل:‬
                          ‫وليل كموج البحر أرخى سدوله‬
                           ‫علي بــأنواع الــھموم لــــيبتلي‬
                         ‫فقــــــلت لـــه لما تمطى بصلبه‬
                           ‫وأردف أعـــــجازا وناء بكلكل‬
                         ‫أال أيـــھا الليل الطويل أال انجل‬
                         ‫بصبح وما اإلصباح منك بأمثل‬
‫فالليل ھنا ليس ليلي وليلك أو ليل الكائنات الذي تسكن فيه إلى بعضھا‬
‫البعض وليس بليل موضوعي نستمتع فيه بجمال النجوم وروعة السكون‬
‫بل ھو ليل خاص ملون بلون الذات الحزينة الخائفة منه والذي ترى فيه‬
‫غوال يناور ويتھجم محاوال إزھاق روح الشاعر وسكينته وأنت إذا أردت‬
‫مثال للوصف الموضوعي أو الذي أسميناه ميكانيكيا فلن تعدمه ألنه الكثرة‬
‫الطاغية في شعر الوصف في أدبنا القديم فمنه قول امرئ القيس في وصف‬
                                                             ‫سرعة جواده :‬
                       ‫مكر مفر ، مقبل مدبر معــــــــــــا‬


‫٥٤١‬
                      ‫كجلمود صخر حطه السيل من عل‬
                                          ‫أو قول طرفة في وصفه الطلل :‬
                     ‫لخولة أطالل ببرقة ثھمـــــــــــــد‬
                      ‫تلوح كباقي الوشم في ظاھر اليد‬
                               ‫أو كقول األعشى في وصف مشية حبيبته:‬
                         ‫كأن مشيتھا من بيت جارتھــــا‬
                          ‫مر السحابة ال ريث وال عجل‬
                               ‫أو كقول المتنبي في وصف جثث األعداء:‬
                     ‫نثرتــــــــــھم فوق األحيدب نثرة‬
                     ‫كما نثرت فوق العروس الدراھم‬
                                     ‫أو كقول أبي تمام في نفس الغرض :‬
                ‫تســــــــــــــــعون ألفا كــــــآساد الشرى‬
                ‫نضجت جلودھم قبل نضج التين والعنب‬
‫وتستطيع أن تجد لذلك أمثلة كثيرة في شعر البارودي وإسماعيل صبري‬
           ‫وحافظ وشوقي وال يتسع المقام لالستطراد في ضرب األمثلة.‬
‫غير أن الشعر الحديث وفي تأثره بالشعر الغربي الفرنسي واإلنجليزي‬
‫خاصة وفي العب من نظريات النقد عند أعالمه في الغرب تنبه إلى ذلك‬
‫وأدرك بعض الشعراء أن الشعر في حقيقته رؤيا وكان ھذا أھم مظھر من‬
‫مظاھر التجديد قبل النظر في األوزان والقوافي ال أثر فيه للتقليد أو‬
‫االستنساخ ولعل شاعرنا الكبير خليل مطران أبرز الشعراء المحدثين الذين‬
                  ‫أدركوا ذلك ونفذوا ببصيرتھم إلى حقيقة الشعر ولبابه.‬




‫٦٤١‬
‫وخليل مطران )٢٧٨١- ٣٤٩١( شاعر القطرين العربي الصميم سليل‬
‫الغساسنة ملوك الشام وكان أخر ملك منھم جبلة بن األيھم الذي أسلم وقد‬
                                 ‫قال الشاعر مشيرا إلى نسبه العريق ھذا:‬
                      ‫أال يا بني غسان من ولد يعرب‬
                      ‫وأجدادكم أجدادي العظمـــــــاء‬
‫وبقيت بقية منھم لم تسلم محتفظة بنصرانيتھا، ونزحت إلى لبنان بعض‬
‫العائالت منھا كعائلة مطران التي تمذھبت باألرثوذكسية في البدء ثم‬
‫تكثلكت وأما اللقب الذي لحق بھم فذلك أن أحد أجداد الشاعر كان مطران‬
‫كنيسة ببعلبك، وقد تعرضت عائلة الشاعر لالضطھاد وإلى مصادرة‬
‫األمالك التابعة لھم في وادي البقاع من قبل الوالة التابعين للباب العالي في‬
‫استانبول فنزحت إلى اإلسكندرية ثم إلى القاھرة وفيھا عاش الشاعر ونبه‬
‫ذكره مشتغال بالصحافة في جريدة " األھرام" ثم أصدر عام )٠٠٩١(م‬
                     ‫"المجلة العربية" وعام )٢٠٩١( أصدر "الجوائب" .‬
‫والشاعر أحد أركان النھضة الشعرية في العصر الحديث جمع بين الملكة‬
‫الشعرية والملكة اللغوية ودقة التصوير والدفق العاطفي والتمكن من األدب‬
‫العربي قديمه وحديثه إضافة إلى إتقانه اللغتين الفرنسية واإلنجليزية‬
‫ومطالعته لألدبين الفرنسي واإلنجليزي خاصة الرومنطيقي منه كشعر‬
‫ووردزورث وشلي وجون كيتس وبايرون وألفريد دي موسيه وفرلين‬
‫ورامبو وھوغو والمارتين وغيرھم ثم فوق ذلك كله حس إنساني رفيع‬
‫ونبالة خلق وصفاء ضمير واستقامة نفس فال يذكر غيره إال بالخير كما‬
‫ترفع عن النقد الجارح والقذف والحسد وأخالقه شھد له بھا معاصروه،‬
‫ويكفي دليال على رھافة حسه ووفائه أنه دخل مرة إلى حديقة في القاھرة‬


‫٧٤١‬
‫فلقي فتاة في عمر الزھور أعجب بھا وخفق لھا فؤاده بمشاعر الوداد فحام‬
‫حولھا حومان النحل حول الزھر من )٧٩٨١( إلى )٣٠٩١( غير أن الفتاة‬
‫ماتت مصدورة، فحزن الشاعر لموتھا وصمم على حياة العزوبية وكتب‬
                             ‫في رثاء الراحلة قصيدة يقول في مطلعھا:‬
                            ‫سررت في العمر مره‬
                             ‫وكنت أنت المــــــسره‬
‫فقد كان مطران إذا رجل عفة واستقامة عانى من شظف العيش وكدح‬
‫بشرف مترفعا عن سفاسف األمور وفي نظراته حزن تكشف عن ألم دفين‬
‫وحسرة متمكنة من النفس لعلھا حسرة الزوال وانفضاض المجالس‬
‫وبطالن الحياة وتھافت ملذاتھا ورغائبھا ثم سلطة القدر وسيفه المسلط‬
‫على اإلنسان إذ ال يمكن اإلنسان من نيل رغائبه ولعل موت حبيبته أسوأ‬
‫مؤشر على ذلك. وفي شعر مطران ھدوء وسالسة فھو غير شوقي المقتفي‬
‫أثر الشعراء الكبار كالمتنبي وأبي تمام والبحتري وھو غير حافظ صاحب‬
‫المزاج الحاد وقد كانت كلماته المنتقاة موحية بذلك ، مجلجلة بتأثير من‬
‫طفولته المشردة وكھولته التعيسة من غير زوج وولد وكأنه أراد للناس‬
              ‫حياة غير حياته فثار على الخصاصة سليلة الفقر والطبقية.‬
‫أما خليل مطران فھو كالنھر إذ استوى في سھل يجري ھادئا متمھال بال‬
‫صخب أو ضوضاء متأمال الوجود بنظرة حانية ال يخفى على المتأمل‬
‫انكسارھا ونفس يغلفھا شعور باألسى ولكنھا ھادئة ال تثور كالبركان‬
                       ‫وتقذف بحممھا في شعرھا فتحرق القارئ معھا .‬
‫لقد كان الشاعر اإلنجليزي "ووردزورث" ينصح الشعراء أن يتمھلوا فال‬
‫ينبغي أن يمسك الشاعر بقلمه كلما خفق قلبه أو اضطرمت مشاعره، أي‬


‫٨٤١‬
‫أن يكون الشعر استجابة عارضة لمؤثر خارجي بل يجب عليه أن يتأنى‬
‫ويترك المشاعر تھدأ والزمن يفعل فعله ليذھب الزبد جفاء وما ينفع الناس‬
‫والفن يبقى وتنجلي الغاشية عن األشياء ألن العاطفة القوية تلفھا كالضباب،‬
‫وھي قوية صاخبة معربدة تلمع كالشھاب فجأة ثم تخبو رويدا رويدا‬
                                                          ‫وتنتھي رمادا.‬
‫وقد سلم مطران من ھذه اآلفة التي تسئ إلى الشعر فصانه عن أن يكون‬
                                                          ‫زبدا أو رمادا.‬
‫وفي قصيدته" األسد الباكي" وھي من عيون الشعر الحديث وال تعني‬
‫الحداثة أن يكون الشعر على نسق شعر التفعيلة والكثير منه رغاء، إنما‬
‫الحداثة ھي الوعي بالزمن واالندغام في العصر في عالقته الجدلية‬
‫بالماضي منفصال متصال ومتصال منفصال وبإضافة شيء إلى المعمار‬
          ‫اإلنساني ال بكلمة تلوكھا األلسن وتمجھا القلوب اإلنسانية الحقة.‬
‫ولقد كتب الشاعر ھذه القصيدة إثر أزمة خانقة عاشھا الشاعر وطوحت به‬
‫ذلك أنه فشل في مشروع من مشاريع حياته حيث عمل من عام )٩٠٩١(‬
‫إلى عام )٢١٩١( بالتجارة وربح وخسر ثم قام بصفقة مضاربة خسر فيھا‬
‫أمواله واعتزل بعين شمس يائسا ولم يعد إلى القاھرة إال بعد توسل‬
                                                   ‫األحباب واألصحاب.‬
‫والعنوان ذاته موحي بعمق األزمة فاألسد على سبيل االستعارة دال على‬
‫معاني الرجولة وصفاتھا الجوھرية كالقوة الروحية والشھامة والترفع عن‬
‫الصغائر وتأتي الصفة الحقة بالموصوف لتوحي بالعجز تحت وطأة‬
‫الظروف وقسوة الزمن فيأبى الشاعر أن يريق ماء وجھه ويتزلف وينافق‬
‫استجالبا للسالمة أو الرفاه وال يسعفه غير الدمع أبلغ تعبير عن عمق‬


‫٩٤١‬
‫الجرح وھو في حد ذاته لغة قوامھا كيمياء الجسد ال اللفظ السالك مجرى‬
‫الطعام وسخونته وشفافيته البلورية ھما آية الصدق مع النفس والعالم ،‬
‫والحق أن خصيصة الوصف الحلولي ھذه لم يكن مطران وحده ھو ممثلھا‬
‫في شعرنا الحديث فقد تخلص ھذا الشعر في صيغته الحداثية من آفة الذات‬
‫والموضوع فھما واحد وليس العالم إال حلول الشاعر فيه وتلونه بلونه فھو‬
‫ليس عالما حياديا بل مزاجيا وفي وسع علم النفس أن يمدنا بمفاتيح تفتح‬
‫أبواب الفھم وتنير حلكات الطريق ولعل اإلسقاط خير ما يسعفنا به ھذا‬
‫العلم من مكتشفاته في دنيا النفس القريبة البعيدة، ذلك أن عالم الالوعي‬
‫وعظمة خطره في الحياة اإلنسانية واستعصائه على المراقبة والتحري فھو‬
‫كالحزب السري ينشط في الخفاء ويجيد المكر والتالعب وال يحب العلن‬
‫لتعوده على حياة الخفاء فيجئ الوصف أحيانا فيه إشارات من العقل الباطن‬
‫بل ھو كضربات الفرشاة التي تكمل رسم اللوحة وكثيرا ما تكون تلك‬
‫الضربات حاسمة، وھنا تحديدا يتجلى معنى التمايه بين الذات والموضوع‬
‫وھو ما عنيناه باالندغام، وال تقف الصورة الشعرية عند ھذا الحد فالرؤيا‬
‫الشعرية تتمرد على الواقع وتخرق المألوف وال تساوم في حريتھا‬
‫وشفافيتھا واندفاعھا نحو اآلفاق بقوة عجيبة يضفي عليھا الحلم مسحة‬
‫رومنطقية أو صوفية ويزيدھا الرمز أحيانا إيحائية أو ضبابية تحافظ بھا‬
‫على رونقھا، وخير مثال على ھذا الوصف الذي أسميناه بالحلولي ھذا‬
‫المقطع للسياب في وصف مصباح اإلضاءة الليلية في دروب المبغى‬
                                                           ‫البغدادي:‬
                                            ‫وكأن مصباحيه من ضجر‬
                                                 ‫كفان مدھما لي العار‬


‫٠٥١‬
                                                 ‫كفان بل ثغران قد صبغا‬
                                                       ‫بدم تدفق منه تيار‬
‫ّ‬
‫فإذا كان ھذا المقطع يعكس حالة الشبقية التي كانت تعذب الشاعر حد‬
‫الفناء، فإن الوصف ھنا تجاوز الحدود المألوفة ففيه حركية الكفين‬
‫والثغرين والتشبيه ھنا خالق فھو من قبيل تشبيه الجامد بالحي ثم تأتي‬
‫داللة العار وھي داللة دينية أخالقية في ذات الوقت موحية باإلحساس‬
‫بالذنب وارتكاب المعصية، غير أن النزوة الجسدية والقوة الشھوانية أقوى‬
                                 ‫وأغلب فتلون الوجود كله بلونھا القاني.‬
‫وأما في قصيدة خليل مطران فكثيرا ما نقع على ھذا الوصف الذي أسميناه‬
‫بالوصف الحلولي حيث يتأنسن الوجود بفعل رؤية الشاعر التي ترى‬
‫الوجود حيا، فاعال ، ديناميكيا بمظاھره ال مجرد أحجام وكتل وأرقام فترى‬
           ‫الشاعر يحاوره محاوال الوقوف على خفاياه كاشفا إياھا كقوله:‬
                          ‫شاك إلى البحر اضطراب خواطري‬
                          ‫فيجيبني برياحــه الھوجـــــــــــــــاء‬
‫واللمسة الرومنطيقية واضحة ھنا خاصة في قوله "برياحه الھوجاء" إال أن‬
‫البحر ھنا صار يجسد جبروت الطبيعة وقھرھا وھو موقف للذات المغلوبة‬
‫التي صارت ترى الوجود وكأنه تآمر عليھا، فلتحمل صليبھا إلى ذروة‬
                      ‫الجلجلة وحيدة في معاناتھا ولو كلفھا ذلك حياتھا !‬
‫ثم يأتي الوصف متتابعا متالحقا فالشاعر ود لو أن قلبه كالصخر ال يتألم‬
‫وال ينزف وكأنه حسد الصخرة على بالدتھا وعدم إحساسھا ولو أن السقم‬
‫والبرحاء نفذا إلى أعماقھا فھدت صالدتھا وخففت من غلواء الداء‬
                                                 ‫وتباريحه على الشاعر .‬


‫١٥١‬
‫لقد غدت الطبيعة والشاعر ھنا واحدا ولم تعد موضوعا وھذا ما يضفي‬
       ‫على التشبيھات ديناميكية ويخرجھا عن رتابة التشبيھات الكالسيكية:‬
                          ‫ثاو على صخر أصم وليت لي‬
                           ‫قلبا كھذي الصخرة الصماء !‬
                           ‫ينتـــابھا موج كموج مكارھي‬
                           ‫ويــــفتھا كالسقم في أعضائي‬
‫أما البحر ذاته فعاد إليه الشاعر ليضفي عليه سمة اإلنسان فألحقه بزمرة‬
‫اليائسين، وأي يأس؟ إنه يأس الشاعر ذاته الذي أسقطه على الوجود فتلون‬
‫كله بلون أسود ، وكأن مفتاح الرؤيا تجلى في معنى لفظة " كن أيھا‬
‫الوجود" فكان كما أراده الشاعر وجودا ذاتيا ال حقيقة له إال في قرارة نفس‬
                                                              ‫الشاعر.‬
‫ويمكن فھم ذلك كله بالعودة إلى علم النفس حيث تبحث الذات إذا وقعت في‬
‫كمين عن نظراء لھا أصيبوا بما أصيبت به لتخف الغلواء وھو ما يجسده‬
‫القول المأثور "إذا عمت خفت" وقد عمت البلوى ھنا الوجود كله فالصخرة‬
      ‫بلواھا في بالدتھا والبحر في كمده والوجود كله سأمان واألفق معتكر:‬
                           ‫واألفق معتكر قريح جفنـــــــه‬
                           ‫يغضي على الغمرات واألقذاء‬
‫ولن تجد في الشعر العربي قديمه وحديثه شاعرا أبدع في وصف الغروب‬
‫شأن خليل مطران وفي الواقع فوصفه استبطان للذات وكشف لخفاياھا‬
‫بترصد عناصر اللوحة الطبيعية المتجلية في غروب الشمس ، ولقد رأى‬
‫فيه الشاعر عبرة، وأي عبرة؟ لعلھا عبرة االضمحالل والزوال وقديما قال‬
                                                              ‫الشاعر:‬


‫٢٥١‬
                  ‫منع البقاء تقلب الشمــــــــس‬
                  ‫وطلوعھا من حيث ال تمسي‬
                  ‫وطلوعھــــــا حمراء صافية‬
                  ‫وغروبھا صفراء كالـــورس‬
                   ‫اليوم أعلم ما يجيء بــــــــه‬
                  ‫ومضى بفصل قضائه أمــس‬
        ‫غير أن الشاعر يرى الظالم طمسا لليقين وذھابا بالنور الذي تمثل‬
‫جنازته، فالظالم يذكر بالھجوع األبدي لوال أن الشمس تشرق غدا والحياة‬
‫تبدأ دورتھا من جديد لكن وحشة الروح وكآبة النفس ظلمة دامسة لن‬
                  ‫تشرق عليھا شمس السرور وحق للشاعر أن يتألم لھا:‬
                     ‫يا للغروب وما به من عبرة‬
                   ‫للمستھام وعبرة للرائـــــــي !‬
                    ‫أوليس نزعا للنھار وصرعة‬
                   ‫للشمس بين جنازة األضواء؟‬
                   ‫أوليس طمسا لليقين ومبـــعثا‬
                  ‫للشك بين غال ئل الظلمــــاء؟‬
                  ‫أوليس محوا للوجود إلى مدى‬
                  ‫وإبادة لمعالم األشيــــــــــــاء؟‬
                  ‫حتى يكون النور تجديدا لـــھا‬
                 ‫ويكون شبه البعث عود ذكــاء‬
                                      ‫وال غرض لالستفھام ھنا إال اإلثبات.‬




‫٣٥١‬
‫أما السحاب فقد تلون بلون الدم والدم في عرف الرومنطيقيين رمز المعاناة‬
‫والتباريح فال بأس أن يشبه به خواطره الحزينة مادام قد رأى الوجود كله‬
                                                     ‫بتأثير من نفسه كئيبا:‬
                           ‫وخواطري تبدو تجاه ناظري‬
                            ‫كلمى كدامية السحاب إزائي‬
‫وولع الشاعر بالحمرة يمتد حتى إلى الدمعة وقد عھدناھا بلورية شفافة عند‬
                            ‫الرومنطيقيين ولكنھا عند الشاعر غدت حمراء:‬
                         ‫والشمس في شفق يسيل نضاره‬
                           ‫فوق العقيق على ذرى سوداء‬
                            ‫مرت خالل غما متين تحدرا‬
                            ‫وتقطعت كالدمعة الحــــمراء‬
‫وقد خان الشاعر التوفيق ھنا فكيف نسلم معه بحمرة الدمعة، ھل نقول أنھا‬
‫اختلطت بالدم الذي كان الشاعر ينزف به مما به من تباريح ؟ وھو يريد‬
            ‫وصف احتجاب جزء من قرص الشمس وراء السحاب األحمر !‬
‫وترى الشاعر في النھاية أقام مناحة وجودية وتأبينا كونيا له ، ومادام‬
‫الشاعر ھو قلب الوجود وإذا كان القلب تعيسا حزينا فلن يضخ إلى الوجود‬
‫إال الكآبة واليأس، فبكت الطبيعة لبكائه والزمن جسد للشاعر معنى الزوال‬
      ‫بھذا المشھد الرومنطيقي الحزين الجامع بين لوعة المعنى وداللة اللون:‬


                          ‫فكأن آخر دمعة للكون قــــــد‬
                         ‫مزجت بأدمـــــعي لرثائي‬
                         ‫وكأني آنست يومي زائـــــــال‬


‫٤٥١‬
                    ‫فرأيت في المرآة كيف مسائي !‬
‫وأما البحر الذي اختاره الشاعر لقصيدته فھو الكامل وھو يتسع بتفعيالته‬
‫الست المتكررة "متفاعلن" السباعية لتضمن المعنى والشجن والدفق‬
‫العاطفي ويزيده إضمار "متفاعلن" جرسا موسيقيا عذبا تستلذه األذن ويعلق‬
‫بالقلب وأما الضرب بإضمار متفاعلن وحذف النون مع إسكان الالم لتغدو‬
‫"مستفعل" فھو أعذب ما في الكامل على كثرة أعاريضه وأضربه وحتى‬
                         ‫البارودي في رثائه لزوجته تخير ھذا الضرب.‬
‫لقد كنا نعد الوصف في الشعر مھارة ذھنية ولغوية معا تظھر براعة‬
‫الشاعر فيه في تمثل المشبه به وكلما كان فريدا غير مسبوق وكانت عالقته‬
‫بالمشبه وطيدة كلما كان الشاعر ذا عبقرية مفلقة فجاء مطران وزاد على‬
‫ھذا بأن أنسن الطبيعة واندغم فيھا ووصفھا من خالل وجدانه على سبيل‬
‫التمايه أي أن تغدوا الذات والموضوع واحدا وھو بذلك مدين بال شك‬
‫للرومنطيقية الغربية التي اغتذى بلبانھا وتمثل " الرؤيا" التي نص عليھا‬
‫وليم بليك، وقد ساعده على ذلك إضافة إلى الدفق الوجداني وقوة المخيلة‬
‫وخصبھا امتالك األداة أي اللغة التي طوعھا ألغراضه البيانية وال عجب‬
‫فمن يزعم أن الغساسنة أجداده ال جرم أنه يمتلك ناصية اللغة وقد أفلح‬
‫الشاعر في ذلك إلى حد بعيد وستبقى قصيدته "األسد الباكي" خير ما يمثل‬
  ‫مذھبه الجديد في فن الوصف على الرغم من مسحة الكآبة البادية عليھا .‬




‫٥٥١‬
                      ‫)١( شاعر الجالل عباس محمود العقاد‬

   ‫يعتبر العقاد ظاھرة أدبية وفكرية خارقة في دنيا الفكر واألدب، فھو كالجاحظ أديب‬
‫موسوعي لم يقصر نشاطه على حقل من حقول المعرفة، وإنما سعى إلى الثقافة ككل‬
‫ونظر إليھا على أنھا كل ال يتجزأ، والذي يبھر في ھذا الكاتب عصاميته فھو إن اكتفى‬
‫في تعلمه النظامي بنيل الشھادة االبتدائية، فقد كدح في سبيل المعرفة كدحا وأخلص في‬
‫طلبھا مضحيا بالزوجة والولد ومتاع الدنيا مكتفيا بما يسدّ الرمق ويحفظ ماء الوجه،‬
‫وأما الصفة الثانية الباھرة فيه فھي حبه للحرية وإيمانه بأنھا أساس صالح الفرد‬
‫وتعلقه بالحرية دفعه إلى الذود عن كرامته واالعتزاز بنفسه حتى لكأنه أحد آلھة‬
‫اإلغريق، ولقد كان لويس عوض على حق حين قال :" صورة العقاد عندي ال تختلف‬
‫عن صورة ھرقل الجبار الذي يسحق بھراوته األفاعي والتنانين والمردة وكل قوى الشر‬
‫في العالم".‬
‫لقد مارس العقاد النقد والتراجم والمقال وأخرج كتبا آية في تحري الدقة العلمية‬
‫والحقيقة مستعينا بقلمه السيال وبثقافته الجبارة في شتى شؤون المعرفة، وقد‬
‫عرف العقاد "بالعبقريات" وبقصة "سارة" و"بالديوان في األدب والنقد"‬
                                                               ‫ُ‬
      ‫وبسيرته الذاتية "أنا"، وبھذه المؤلفات شاع بين الباحثين واألساتذة والطلبة.‬
‫غير أن الثابت أن الذي كان يحز في نفس األستاذ العقاد- رحمه ﷲ- أنه لم يشع‬
‫كشاعر وأن شھرة حافظ وشوقي كانت تؤلمه أعمق األلم، والغرو في ذلك، فالعقاد‬
‫يرى أن الشعر مقتبس من نفس الرحمن، وأن الشاعر الفذ بين الناس رحمن أو‬
                                                                    ‫ليس ھو القائل ؟ :‬
                                  ‫والشعر من نفس الرحمن مقتبس‬
                                   ‫والشاعر الفذ بين الناس رحمـن‬


                                                 ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                      ‫)١( مجلة ديوان العرب كانون األول٧٠٠٢‬




‫٦٥١‬
‫إن الشاعر تفضي إليه ألسنة الدنيا بأسرارھا فھو روح الوجود وضميره،‬
‫والشاعر أعلى درجة من غيره، ومن وصل إلى ھذه المرتبة فقد حقق أعظم مأرب‬
                                                                        ‫في الحياة.‬
‫ولقد أخرج العقاد عدة دواوين شعرية وأعطاھا عناوين تتماشى وسني عمره "‬
‫يقظة الصباح" و"وھج الظھيرة" و" أعاصير مغرب" و" أشجان الليل"، وديوان‬
‫آخر رصد فيه وقائع الحياة اليومية على عادة شعراء الغرب جعل عنوانه " عابر‬
                                                                          ‫سبيل"،‬
‫ويجدر بنا قبل التطرق إلى شعر العقاد أن نعرف موقفه من الشعر، فقد عرف‬
  ‫ُ‬
‫الكاتب الشاعر بخصومته العنيفة ألنصار شعر التفعيلة، ولما كان عضوا بالمجلس‬
‫األعلى لآلداب والفنون ومقررا للجنة الشعر كان يحيل قصائد التفعيلة على لجنة‬
‫النثر لالختصاص، فقد حارب ھذا النوع من الشعر وكان يسميه الشعر السائب،‬
‫على اعتباره من المحافظين على عمود الشعر دون الخروج على األوزان‬
‫الخليلية، فالوزن والقافية ھما حدا الشعر وما يميزه عن النثر، والشاعر الفذ ھو‬
‫الذي يعبر عن أفكاره وأحاسيسه محافظا على الوزن والقافية دون أن يحد الوزن‬
                                                               ‫من قدرته التعبيرية.‬
‫إن الشعر عند العقاد فن محكوم بالقيود، ولم يقف العقاد عائقا أمام سنة التطور‬
‫فالتجديد في الشعر ضرورة من ضرورات العصر، وقد مارسه أجدادنا فأبدعوا‬
‫الموشحات واألزجال والمجزوء ومخلع البسيط ونوعوا القوافي حتى تتأتى‬
‫المرونة في التعبير وتتحقق المتعة الفنية ويتحاشى السأم من الرتابة المملة في‬
‫الوحدة، وھكذا مارس العقاد التجديد في الشعر بتنويع القافية واستعمال المجزوء‬
‫واالستعانة بالبحور الخفيفة كالرمل والخفيف والمتقارب والمديد، وأضاف الى ذلك‬
                              ‫قصر الشعر على الوجدان وقد كان شعار مدرسة‬
                                             ‫الديوان بيت لعبد الرحمن شكري:‬
                                   ‫أال يا طائر الفــــــــــــــردو‬
                                   ‫س إن الشعر وجــــــــــدان‬


‫٧٥١‬
‫وتحاشى المديح الزائف والرياء الكاذب والمبالغة الحمقاء وفي ديوان "عابر‬
‫سبيل" قصر الشعر على ھموم الحياة اليومية كقصيدة "الكواء ليلة العيد"، وفي‬
                                                               ‫ّ‬
‫ھذا الديوان بالذات قصيدة في طفل صغير شرب على وجه الخطأ الجعة فاستمرأھا‬
‫واستحالھا، فيقول العقاد على لسان الطفل - وھو إمعان في الواقعية الشعرية‬
                                                                    ‫والصدق الفني- :‬
‫)البيال، البيال ( عوض البيرة البيرة ألن كثيرا من الصغار ينطقون الراء الما،‬
‫وھكذا فقارئ شعر العقاد يقف أمام عمارة نحتت أحجارھا بأزميل وأحجارھا من‬
          ‫جرانيت أسوان ال يبھرك الجمال في تلك العمارة بقدر ما يبھرك الجالل.‬
‫إن العقاد كما يرى تلميذه زكي نجيب محمود شاعر الجالل، ولنا في تفسير نزوع‬
‫الشاعر ھذا المنزع رأي مستمد من التركيبة النفسية للعقاد المنبھرة بالبطولة‬
‫الممجدة لألبطال، ولعل قامته الھرقلية وعصاميته األسطورية زادتا في تقديره‬
‫لنفسه ومواھبه ومن ثمة إعجابه بشخصه، وھو موقف يؤدي بصاحبه إلى العزلة‬
‫في جبل األولمب مع آلھة اإلغريق ويصبح الجليل والعظيم ھو ما ينزع إليه ذلك‬
‫الشخص، ولسنا ننفي صفة الجمال الفني عن شعره ففي بعض قصائده لمحات‬
‫فنية جميلة، اقرأ شعره في وصف الشاعر واكتناه أغوار نفسه واستمتع بكلماتھا‬
                                                                       ‫الفنية الجميلة:‬

                                   ‫يجني المودة مما ال حيــــــاة لــــــــه‬
                                   ‫إذا جفاه من األحيـــــاء خـــــــــــوان‬
                                ‫ويحسب النجم ألحاظا تساھـــــــــره‬
                              ‫والودق يبكيه دمع منـــه ھتــــــــــان‬
                                ‫إذا تجھم وجه الناس ضاحكــــــــــه‬
                               ‫ثغر الورود ومال السرو والبــــــان‬
                               ‫تفضي له ألسن الدنيا بما علمــــــت‬
                               ‫كأنما ھو في الدنيا سليمـــــــــــــــان‬
                               ‫والشعر ألسنة تفضي الحياة بھـــــــا‬


‫٨٥١‬
                             ‫إلى الحياة بما يطويه كـتــمــــــــــان‬
                              ‫لوال القريض لكانت وھي فاتنـــــــة‬
                            ‫خرساء ليس لھا بالقول تبــيـــــــــان‬
                             ‫مادام في الكون ركن في الحياة يرى‬
                              ‫ففي صحائفه للشعر ديــــــــــــــوان‬


‫وفي قصيدة " العقاب الھرم "، وھي قصيدة موحية بمعاني العظمة المقھورة‬
‫بالزمن، إنھا قصة عقاب ھرم فعجز عن الصيد وصارت فرائسه تمرح أمامه نظرا‬
‫لعجزة، وينسحب ھذا المعنى على األشخاص العظماء والدول الكبرى إنه الجالل‬
                                       ‫عندما يشيخ، يقول الشاعر عن العقاب:‬
                           ‫يھم ويعييه النـــھــــوض فيجثــــــــم‬
                           ‫ويعزم إال ريشه ليس يعـــــــــــــــزم‬
                          ‫لقد رنق الصرصور وھو على الثرى‬
                           ‫مكب وصاح القطا وھو أبكـــــــــــــم‬
                         ‫يلملم حدبـــاء الــقــدامــــــى كـــأنـــھا‬
                         ‫أضالع في أرماسھا تتھشــــــــــــــــــم‬
                         ‫ويثقله حمل الجـنـاحيـــــن بعــدمـــــــا‬
                         ‫أقاله وھو الكاسر الـمتقــحــــــــــــــــم‬
                         ‫إذا أدفأته الشمـس أغفـــــى وربمــــــا‬
                         ‫توھمھا صيدا له وھو ھيثـــــــــــــــــم‬
                         ‫لعينيك يا شيخ الطــيـور مـھــــابـــــــة‬
                         ‫يفر بغاث الطير عنھا ويھـــــــــــــــزم‬
                          ‫وما عجزت عنك الــــغـــداة وإنـمـــــا‬
                          ‫لكل شباب ھيـــبة ال تھــــــــــــــــــرم‬




‫٩٥١‬
‫وفي قصيدته عن "أسوان" وقصرھا الفرعوني العتيق الذي زاره الشاعر ھنا‬
‫نقف أمام الجاللين جالل المعمار الھندسي وجالل التعبير الفني عند الشاعر يقول‬
                                                                           ‫العقاد:‬


                               ‫رعى ﷲ من أسوان دارا سحيــــقة‬
                               ‫وخلد في أرجائھــا ذلك الـقـصـــــرا‬
                               ‫أقام مقام الطود فيھـا وحـــــولـــــه‬
                              ‫جبال على الشــطـيـن شــامخة كبـرا‬
                                ‫وليلة زرنا القصر يعـلـــو وقــــاره‬
                              ‫وقار الدجى الساجي وقد أطلع البدرا‬
                               ‫قضى نحبه فيه الزمـان الذي مضى‬
                              ‫فكان له رسمـا وكان لـــــه قــبـــــرا‬
                              ‫فياوجه "أوزيريس" ھــال أضــأتـھا‬
                               ‫وأنت تضئ السھل والجبل الـوعرا‬
                                ‫فما رفـعـــت إال إلــــيــك تــجــلـــة‬
                               ‫وال رفعت إال إلى عرشك الشـكـــرا‬
                               ‫ولست ضنينا بالضــيــــاء وإنــمـــا‬
                               ‫لكل إله ظلمة تحجــــــب الفــكـــــرا‬
‫وأحص مفردات العظمة والجالل في ھذا المقطع من مثل : الطود، شامخة ،كبرا،‬
‫وقاره، قضى نحبه فيه الزمان، تجلة، رفعت، إله ...الخ، أما ناقدنا الكبير الدكتور‬
‫شوقي ضيف يري أن العقاد أقحم الفكر والمنطق في الشعر فجاءت قصائده دالئل‬
‫منطقية ومسائل عقلية لغلبة الفكر والحجاج على الكاتب الشاعر العقاد وأنت واجد‬
                                                                 ‫مثل ھذا في شعره.‬
                                   ‫اقرأ ھذا المقطع لتقع على صحة ھذا الرأي:‬
                               ‫وھذا إلى قيد المحبة شاخـــــــــص‬


‫٠٦١‬
                                ‫وفي الحب قيد الجامح المتوثـــــب‬
                               ‫ينادي أنلني القيد يا من تصـــــوغه‬
                               ‫ففي القيد من سجن الطالقة مھربي‬
                               ‫أدره على لبي وروحي ومھجـــــتي‬
                               ‫وطوق به كفي وجيدي ومنـكـبــــي‬
                               ‫ورب عقيم حطم العقــــم قيـــــــــده‬
                                ‫يحن إلى القيد الـثـقيل عــلـى األب‬
‫إن ھذه فلسفة عميقة تؤكد أن ال حياة بال ضرورة، وأن القيود مھماز القريحة‬
                                                             ‫واإلرادة اإلنسانية .‬
      ‫أما ھذا المقطع فھو زبدة التأمل والتفكير ال يتأتى إال ألولي الفكر والحجاج:‬
                                     ‫والعقل من نسل الحياة وإنما‬
                                      ‫قد شاب وھي صغيرة تتزين‬
                                      ‫والطفل تصحبه الحياة وما له‬
                                      ‫لب يصاحب نفسه ويلقــــــن‬
                                      ‫إن العواطف كالزمام يقودنا‬
                                      ‫منھا دليل ال تراه األعيـــــن‬
‫على أن في بعض قصائد العقاد غنائية شجية استلھا من مكنون ضميره وسلخھا‬
‫من تباريح وجدانه وآھات نفسه، وقل في الشعر العربي من بلغ ھذه الغنائية‬
                                              ‫الحزينة حتى المتنبي الذي يقول :‬
                                     ‫يا ساقيي أخمر في كؤوسكما‬
                                     ‫أم في كؤوسكما ھم وتسھيد؟‬
                                     ‫إن طلبت كميت اللون صافية‬
                                     ‫وجدتھا وحبيب النفس مفقود‬
                                                                      ‫يقول العقاد :‬
                                ‫ظمآن ال صوب الغمـــــــــــــام وال‬


‫١٦١‬
                               ‫عذب المدام وال األنداء ترويـــــــني‬
                              ‫حيران، حيران ال نجم السمــــاء وال‬
                              ‫معالم األرض في الغماء تھديـــــــني‬
                               ‫يقظان، يقظان ال طيب الرقاد يـــــدا‬
                              ‫نيني وال سحر السمار يلھينــــــــــي‬
                               ‫غصان ،غصان ال األوجاع تـبـليني‬
                              ‫وال الكوارث واألشجان تبكـينــــــــي‬
                              ‫سأمان، سأمان ال صفو الحيـــاة وال‬
                              ‫عجائب القدر المكنون تعنينــــــــــي‬
                                ‫أصاحب الدھر ال قلب فيسعدنـــــي‬
                               ‫على الزمان وال خل فيأسونـــــــــي‬
                                ‫يديك فامح ضنى يا موت في كبدي‬
                               ‫فلست تمحوه إال حين تمحونـــــــي‬
                                            ‫وبعد : فھل العقاد شاعر ؟ وجوابنا:‬
‫نعم إنه شاعر، ولئن طغت شھرته كناقد وقصصي وكاتب مقاالت وباحث في سير‬
‫العظماء فلن نبخسه حقه في إلحاقه بمملكة الشعر، ونزعم أن له في وادي عبقر‬
‫الھاتف الذي يزين له زخرف القول، وفي تقديرنا أن الشعر الحديث الذي جدد‬
‫بھاءه وأحيى مواته البارودي وحافظ وشوقي، ونفخت فيه روح الحياة جماعة‬
‫"أبولو" برومانسيتھا الحزينة والرابطة القلمية بانطالقتھا الوثابة، إن ھذا الشعر‬
‫بحاجة إلى دواوين العقاد وإن موقفه من الشعر صحيح سليم ولو أنه يفھمه كما‬
‫فھمه كبار شعراء اإلنجليز، وديوان "عابر سبيل" يعتبر فتحا في الشعر العربي‬
‫بعد أن عفر جبينه أحقابا أمام قصور الخلفاء، فالشعر صورة من الحياة ونسل‬
‫مبارك من رحمھا وفي الحياة أطياف ومشاعر وطرائق قدد يتسع لھا الشعر جميعا‬
‫بما فيھا الفكر وثمار العقل وھذه ھي أھمية العقاد كشاعر، ولعل نقيصته الوحيدة‬




‫٢٦١‬
‫تحامله الشديد على شوقي لسبب نفسي أكثر منه فني ثم حملته الشعواء على شعر‬
‫التفعيلة الذي توطدت دعائمه وبذخت صروحه وكان فتحا جديدا في حياتنا األدبية.‬




‫٣٦١‬
                  ‫)1(‬
                        ‫مالك لبنان الحزين... فوزي المعلوف‬
‫في الحياة نصادف صنفا من الناس يبدو غريبا مختلفا عن غيره من الناس‬
‫ال نملك إزاءھم إال التأمل في خفايا سرائرھم والتفكير في مسارات حياتھم،‬
‫في خلقه‬     ‫وربما أسلمنا ھذا التأمل والتفكير إلى الحيرة ثم التسليم بأن‬
                                                                          ‫شؤونا.‬
‫كذلك كان شاعر لبنان بل مالكه فوزي بن عيسى اسكندر المعلوف‬
‫)٩٩٨١-٠٣٩١( شابا جمع بين وسامة الملمح، وأناقة المظھر، وتوقد‬
‫البصيرة ورھافة الحس ويسر الحال والشائع أن كل من يجمع بين ھذه‬
‫الصفات الفريدة واالمتيازات النادرة أن يقبل على الحياة إقبال المتفائل،‬
‫ويسعى في دروبھا سعي الواثق من نفسه بقلب ينضح سرورا ونفس‬
‫مطمئنة إلى نجاحھا فيما أقبلت عليه من علم أو عمل، ولكن شاعرنا ما‬
‫نضجت نفسه سرورا وال امتأل قلبه بالثقة في الحياة والناس، بل أسلم نفسه‬
‫إلى حزن غامض دفين وقلبه إلى بلبال وعقله إلى بحران، وكان شعره‬
‫المرآة التي عكست تقلب ھذه النفس المعذبة وھذا القلب الحزين، ولئن‬
‫كانت زحلة التي ولد بھا شاعرنا أواخر القرن التاسع عشر، مھوى األفئدة‬
‫ومھبط اإللھام للشعراء والفنانين بما أفاء ﷲ عليھا من جمال الطبيعة‬
‫والوجوه، لم تستطع ھذه الجنة األرضية أن تثني الشاعر عن حزنه العميق‬
‫وسويدائه المعذبة، وھو مدين في عبقريته الشعرية لبلدته وأسرته معا،‬
‫فوالده عيسى اسكندر المعلوف أديب مشھور وأخواه رياض وشفيق‬
‫شاعران مطبوعان، وآل المعلوف في لبنان أسرة المعة جمعت بين النجاح‬
                                              ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                        ‫)١( مجلة صوت العروبة أمريكا‬


‫٤٦١‬
‫في العلم والعمل معا، وقد خدمت ھذه األسرة الجليلة األدب العربي خدمة‬
‫ال سبيل إلى إنكارھا أو التقليل منھا، تماما كما تشھد الثقافة العربية بفضل‬
‫آل اليازجي وآل البستاني وتراثھما الفكري واألدبي، خير ما تركت ھاتين‬
                              ‫األسرتين العريقتين لألدب والفكر العربيين.‬
‫لقد كان فوزي في صباه شعلة متوقدة من الذكاء، وحزمة حارة من‬
‫المشاعر النبيلة، وميال فطريا إلى الشعر تذوقا وقرضا، وأتاح له جو‬
‫األسرة األدبي ومناخ زحلة الفكري، ثم تمكنه من الفرنسية انطالقة أدبية‬
‫وثابة وتحليقا فكريا شامخا يأخذ من الشعر القديم الزاد البياني الذوقي‬
‫ويلقح ذلك كله بثمرات الثقافة الفرنسية في الشعر والفكر حتى استوى‬
‫شاعرا قديرا حق للبنان أن يفاخر به شعراء مصر والعراق وسوريا‬
‫الكبار، وألن أھل لبنان أحفاد الفينيقيين سادة البحار، تعاف نفوسھم‬
‫الركود، يسعون في األرض كأنھم في وطنھم بال خوف أو إحساس‬
‫بالدونية فال يلبثون أن يصبحوا سادة المجتمعات التي عاشوا في رحابھا‬
‫علما وعمال ويصبح سعيھم الناجح مضرب المثل، وھم إن اختلطوا‬
‫بالمجتمعات الجديدة وتمكنوا من لغاتھا وعاداتھا وأساليب عملھا وحياتھا‬
‫حتى لكأنھم أھلھا األقحاح ال ينسون وطنھم لبنان وال لغتھم األم -العربية-‬
‫بل كانت تلك الھجرة فأل خير وبشارة يمن أكسبتھم تجارب ويسرا ماديا‬
‫وخبرة عميقة بالحياة وبالنفس اإلنسانية، فجاء أدبھم في لغته العربية أدب‬
‫النضج واالستواء، كذلك كان شعر الشاعر القروي و إلياس فرحات وسعيد‬
                                     ‫الشرتوني وشفيق المعلوف وغيرھم.‬
‫ولقد ھاجر شاعرنا فوزي عام )١٢٩١( إلى البرازيل مع أسرته واستقر‬
‫في مدينة "ريو دي جانيرو" حيث أنشأ مع أسرته معمال إلنتاج الحرير‬


‫٥٦١‬
‫من دودة القز، ويبدو أن طبيعة الشاعر فيه المنطوية على حب الحرية‬
‫والنفور من الرتابة ومن أغالل الوظيفة قد انتصرت فيه فترك حينھا‬
‫الوظيفة كمدير لمدرسة المعلمين في دمشق ثم أمين سر عميد كلية الطب،‬
                       ‫ولبى نداء الغربة والمغامرة في المھجر الجنوبي.‬
‫ولقد أصاب الشاعر في البرازيل حظا عظيما من النجاح جعله من أعيان‬
‫المدينة ونابھيھا ورجال األعمال فيھا وكان في سيرته وعمله مضرب‬
‫المثل لوال أن القدر شاء للشاعر مسارا أخر ھو مسار العطب و الزوال في‬
‫ميعة العمر ونضارة الشباب، فقد توفي متأثرا بإصابته بالحمى في مستشفى‬
‫مدينة "ريو دي جانيرو"، وحزنت زحلة لفراق فتاھا النابه وشاعرھا‬
                                                                ‫الغريد.‬
‫لقد غلبت على شاعرنا إذا نزعة التشاؤم ومال إلى الحزن العميق الذي ال‬
‫تتبينه عامة الناس، ذلك أن أثره ال يظھر على الوجه، وقد تقدم أن شاعرنا‬
‫كان قسيم الملمح وسيم المظھر ولكن حزنه ظھر في شعره الذي احتوى‬
‫على فلسفته في الحياة، لقد كان روحا شفافة تشبعت بفلسفة "رھين‬
          ‫المحبسين " وصاحب "اللزوميات " أبي العالء المعري القائل :‬
                              ‫أنا صائم طول دھري فطري‬
                              ‫الحمام ويوم ذاك أعـــــــــــيد‬
‫كما تشبعت بأفكار ومعاني "رباعيات " الخيام الداعية إلى نھب اللذات قبل‬
‫الموت وإلى التحسر على عطالة الحياة، وجريان الزمن في اتجاه إعطاب‬
             ‫اإلنسان وجعل لحظات المتعة مجرد ذكرى، ألم يقل الخيام :‬
                          ‫غدونا لذي األفالك لعبة العب‬
                          ‫أقول مقاال لست فيه بكـــــاذب‬


‫٦٦١‬
                          ‫على نطع ھذا الكون قد لعبت بنا‬
                          ‫وعدنا لصندوق ألفنا بالتعـــــاقب‬
‫إن فوزي المعلوف شاعر الرومنطيقية الحزينة، كان نفسا شفافة وروحا‬
‫قلقة معذبة لم يجد في أطايب الحياة ومتعھا إال فخا يقود اإلنسان -في غفلة‬
‫منه- باتجاه العدم ومخدرا يخدر اإلنسان عن معضلة الفناء، لذا لم ينخدع‬
‫الشاعر بصحة أو وسامة أو غنى أو عبقرية وظل يقظ الحواس، قلق‬
‫الضمير، شارد اللب كئيب النفس حتى وھو يتصنع الضحك أو وھو يظھر‬
‫بمظھر المتفائل مراعاة آلداب اللياقة، حيث نقرأ له ھذين البيتين نقع على‬
                                                       ‫أخص خبايا نفسه :‬
                           ‫مرحبا بالعذاب يلتھم العيـــــ‬
                          ‫ن التھاما، وينھش القلب نھشا‬


                           ‫مشبعا نھمة إلى الدم حرى‬
                           ‫ناقعا غلة إلى الدم عطشـــى‬
‫فتراه كشعراء الرومنطيقية يذكر العذاب كأنه يتعمد به ويتطھر من‬
‫أوصاب الحياة و أمراضھا، وھذان البيتان من آخر ما كتب الشاعر كما‬
‫يروي كتاب سيرته، وأما تأثر شاعرنا بأبي العالء المعري فظاھر ال يخفى‬
‫وإنما الحيرة تأخذ صاحبھا إن تساءل أكانت فلسفة فوزي تأثرا بفلسفة‬
‫المعري، أم أن الشاعر جبل على الحزن ومال إلى التشاؤم ووجد في رفقة‬
                                ‫المعري ولزومياته خير جليس و أنيس ؟‬
                                          ‫وھاھو يذكر المعري تصريحا:‬




‫٧٦١‬
                            ‫من يمت ألف مــــرة كل يوم‬
                           ‫وھو حي يستھون الموت مرة‬
                             ‫تعب كــــــلھا الحياة وھــــذا‬
                            ‫كل ما قــــال فيلسوف المعره‬
‫لقد كان شاعرنا صاحب تفكير حر وعقل نفاذ وبصيرة حية ال يميل إلى‬
‫التسليم بما ورث عن اآلباء من نمط تفكير وفلسفة، بل ينفذ إلى أعماق‬
‫المعنى كاشفا غثه من سمينه وصحيحه من زائفه، واقرأ له ھذا المقطع‬
‫الجميل، وھو إن يبدو لقارئه مقطعا رومنطيقيا حزينا إذ يذكر الورود‬
‫والنسيم والبھار إال أنھا رومنطيقية مفكرة عميقة التأمل ترى في مظاھر‬
                                      ‫الوجود مسارب إلى الفناء والعدمية:‬
                 ‫نظرت إلي وردة وقـــــــــــــالت‬
                  ‫أنت مثلي في الكون للكون كاره‬
                 ‫ويح نفسي من الربيع ففيـــــــــــه‬
                 ‫أجتنى بين آسه وبھـــــــــــــــاره‬
                 ‫ومن الصيف فھو يحرق أكمامي‬
                   ‫على رغمھا بلفحة نــــــــــــاره‬
                   ‫والنسيم البلـــــــــــيل ھل ھو إال‬
                   ‫قاتلي بين وصله ونــــــــفاره ؟‬
                  ‫يتصابى حتى أسلمـــــــــه نفسي‬
                  ‫فيجـــــــــفو والعطر ملء إزاره‬
                 ‫ثم يرتد وھو ريــــــــــح فيرديني‬
                  ‫ويمشي مھيمنا النتصــــــــــاره‬


‫٨٦١‬
‫بل ترى الشاعر وھو يكتب قصيدة عن قفاز عثر به ملقى على الثلج في‬
‫يوم اشتد زمھريره سقط من غيداء، تراه دون أن يدري يذكر البعد‬
‫والعذاب والذل والھجر، وھي مشاعر سكنت الشعوريا واستوطنت‬
‫سراديب روحه وتالفيف مخه، فتلون كل شيء كان يراه بلون واحد ھو‬
                                ‫السواد يقول الشاعر عن القفاز اللقيط:‬
                                   ‫عثرت به في األرض والثلج باسط‬
                                  ‫عليھا جناحيه النقيين كالطــــــــــھر‬
                                   ‫وقد بث فيه البرد والثلج رعشـــــة‬
                                   ‫كما انتفض العصفور بلله القطـــــر‬
                                   ‫فساءلته عمن رماه فلم يجد جوابـــا‬
                                  ‫بلى كان الجواب شذا العطــــــــــر‬
                                   ‫فيا لك قفازا طريحـــــا على الثرى‬
                                   ‫يعاني عذاب البرد والذل والــھجر‬
                                    ‫نعمت بيمناھا وكم لك قبلــــــــــــة‬
                                  ‫على الثغر منھا والغدائر والصـــدر‬
                                                ‫ّ‬
                                    ‫وكم مـــــــــــرة منت عليك بزفرة‬
                                  ‫وكم مسحت دمعا على خدھا يجري‬
                                   ‫إلى أن قضى بالبعد دھري عليكمــا‬
                                  ‫فال حيلة في ما قضت حكمة الدھر‬
‫ال مناص من اإلقرار إذن بأن شاعرنا كان شاعر الحزن العميق والكآبة‬
‫الغامضة، قد انتھى في تفكيره إلى عقيدة راسخة وقناعة ثابتة مفادھا أن‬
‫كل سعادة ونجاح في الحياة، وكل عافية وغنى ووسامة ما ھي إال أعراض‬


‫٩٦١‬
‫خادعة وسراب مضلل يتستر على ھاوية العدم وقرار الفناء وتلك ھي‬
‫حقيقة الوجود، وال ريب أن شاعرنا أبا العالء المعري ھو فيلسوف ھذا‬
‫االتجاه في الشعر العربي، وتجد لحزن الشاعر ھذا نظيرا عند لفيف من‬
‫شعراء الرومنطيقية العرب الشباب كأبي القاسم الشابي وصالح الشرنوبي‬
‫وبشير يوسف التيجاني، بل وتجد له نظيرا عند شعراء الرومنطيقية في‬
  ‫.‪ "j‬وشلي "‪ "Shelley‬والمارتين‬       ‫"‪Keats‬‬    ‫األدب الغربي كجون كيتس‬
‫وشاعر إيطاليا الكبير‬   ‫"‪A.D.Musset‬‬   ‫" ‪ "Lamartine‬وألفريد دي موسيه‬
                                                     ‫ليوباردي" ‪."Leopardi‬‬
‫وال شك أن ھؤالء جميعا قد أحسوا بالوحدة وبالغربة كأنھم ليسوا من طينة‬
‫البشر، فصادقوا الطبيعة ووجدوا في القلم الخليل الودود وكأنھم يقولون‬
                                                      ‫جميعا بلسان فوزي:‬
                                              ‫يا يراعي مازلت خير صديق‬
                                              ‫لي منذ امتزجت بي وستبــقى‬
                                              ‫باسما من تعاستي حين أھنـــا‬
                                              ‫باكيا من تعاستي حين أشـــقى‬
                                              ‫كم حبيب سال وعھدك بـــــاق‬
                                              ‫فھو أوفى من كل عھد وأبقى‬
                                          ‫يا يراعي رافقت كل حيــــاتي‬
                                              ‫فارو عني ما كان حقا وصدقا‬
      ‫وقد اشتھر الشاعر بمطولة "على بساط الريح" ولقب من أجلھا بشاعر‬
‫"الطيارة"، وھي ملحمة شعرية تمجد الصفات اإلنسانية النبيلة في الشاعر‬
‫الحالم الوديع الذي يتنزه عن سفاسف الحياة وأدران الحياة اإلنسانية، إنه‬


‫٠٧١‬
‫ّ‬
‫يسامر النجوم ويصادق الكواكب ويناغي القمر ويتعمد بالنور، وال حد‬
‫ألحالمه التي ال تشبه أحالم البشر في النجاح الدنيوي والرفاه المادي، ذلك‬
‫أن الشاعر ينطوي على روح نورانية ونفس محصنة ضد المطامع البشرية‬
‫الفانية، وفي القصيدة كعادة الشاعر تأمل في طبيعة العالقات االجتماعية‬
‫بين البشر وثورة ضد االستغالل والطبقية وحسب البشرية أن الفناء لھا‬
                                                             ‫بالمرصاد:‬
                                         ‫أنا عبد الحياة والموت أمــــشي‬
                                         ‫مكرھا من مھودھا لقـــــــبوره‬
                                        ‫عبد ما ضمت الشرائع من جور‬
                                         ‫يخط القوى كل سطـــــــــــوره‬
                                        ‫بيراع دم الضعيف له حــــــــبر‬
                                          ‫ونوح المظلوم صوت صريره‬
                                          ‫أنا عبد القضاء تمــــــأل نفسي‬
                                          ‫رھبة من بشيره ونذيـــــــــره‬
‫وعلى الرغم من أن الشاعر عاش شابا ومات يافعا إال أنه يتصنع أحيانا‬
‫حكمة الشيوخ وخبرة من بلغوا من الكبر عتيا، غير أن حكمته تأتي‬
‫مستساغة يتقبلھا القارئ دون أن يرى فيھا تكلفا، ألن نفس الشاعر مفطورة‬
                     ‫على التشاؤم والميل إلى الكآبة يقول حكيمنا الشاب :‬
                                         ‫بين أوجاع أمـه دخل المھــــــد‬
                                        ‫وبين األوجاع يدخل قــــــــــبره‬
                                        ‫إن من جاء مھده مكرھا يمضي‬
                                         ‫إلى لحده غدا وھو مـــــــــكره‬


‫١٧١‬
                                       ‫ھكذا الزھر يسكب الدمع عنـــــد‬
                                       ‫الفجر مستقبــــــــــال سنا أنواره‬
‫واقرأ له ھذا المقطع يخاطب فؤاده وتأمل الحكمة الكامنة في البيت األخير:‬
                                          ‫يا فؤادي وأنت مني كـــــــلي‬
                                          ‫ليت حكمي يوما عليك يصح‬
                                          ‫فيك كنز لم تعط إال قليـــــــال‬
                                          ‫منه والحسن ال زال يلـــــــح‬
                                          ‫إن جود الفقير بالنزر جـــــود‬
                                          ‫حيث جود الغني بالوفر شـــح‬
‫والذي ال خالف فيه بين النقاد أن شاعرنا الشاب قد امتلك ناصية اللغة فال‬
‫تجد في شعره ركاكة أو إسفافا أو إخالال بقواعد اللغة وقواعد الشعر،‬
‫خاصة إذا عرفنا أنه سليل بيت تمرس بدراسة اللغة العربية وأتقنھا خطابا‬
‫وتأليفا، وشاعرية فوزي خالقة ال تتكلف الشعر بل ترى الشعر ينبجس من‬
‫نفسه بتلقائية تماما كما ينبجس الماء من النبع، وفي شعره حالوة وطالوة‬
‫على الرغم من تضمنه فلسفة حامت حول مرارة الوجود ولوعة الفراق‬
‫وفجيعة الموت، وقد عشق الشاعر الطبيعة وحسبه أنه ابن زحلة ملھمة‬
‫الشعراء والفنانين لجمالھا الفتان فاقتبس مفرداته من الطبيعة على عادة‬
‫الشعراء الرومنطيقية إمعانا في االندغام في الطبيعة والحلول فيھا ولو‬
‫عاش الشاعر طويال ألمتعنا بالشعر الحي السلس ولو أمھله القدر حتى‬
‫األربعينات لركب موجة شعر التفعيلة، ذلك أن نفسه كانت بركانا مفطورة‬
‫على الثورة والتمرد والتعلق بالحرية والبحث عن المعنى، وطرح القشور‬


‫٢٧١‬
‫حرصا على اللباب، وربما كان شعر التفعيلة الذي لو عاش له ومارسه‬
‫أجود وأمتع من الشعر العمودي الذي تركه ميراثا أدبيا لنا، ومن يدري‬
‫ربما كان في شعره الحديث في مستوى كبار الشعر الحديث ورواده‬
                     ‫كالسياب ونازك المالئكة وصالح عبد الصبور.‬




‫٣٧١‬
                          ‫)١(‬
                              ‫بشـــارة الخوري‬
                       ‫نشوة الفرح وحسرة الزوال‬

‫ليس في أدباء لبنان المحدثين من مثل روح لبنان فكان صورته الصادقة‬
‫مثل الشاعر الكبير بشارة الخوري أو األخطل الصغير)٥٨٨١-٨٦٩١(،‬
‫فقد كان نسمته المنعشة تھب على القارئ فتنفحه بأريج الخزامى والعرار،‬
‫فشعره انعكاس لطبيعة لبنان وأطيافھا األخاذة المازجة بين بھرج األلوان‬
‫وتناسقھا في غير نشاز أو تكلف، إنه الصوت الذي يبرعم في وجدان‬
‫القارئ وينشر أفنانه في روحه على مدى العمر مذكرا إياه بشواھق صنين‬
‫ومرابع زحلة ودروب كفرشيما وسواحل صيدا وصور حيث زرقة البحر‬
‫تلقي بأمواجھا معانقة الشاطئ الذھبي وقد استلقت عليه األبكار يتضاحكن‬
‫ويتغامزن على المار قبالتھن شارد الذھن مفتونا بسحرھن، وقد أشعلن في‬
‫القلب نارا وبثثن في الروح حنينا لمعانقة الجمال واإلمساك به حتى ال‬
                                           ‫تحجبه غيوم الزمن وعواديه.‬
‫كذلك كان بشارة الخوري شاعرا فذا أدرك طبيعة الشعر وسره فنزه شعره‬
‫عن أن يكون نظما، وألقى به في أحضان الجمال متعبدا في محرابه،‬
‫محرقا البخور بين أقدام " أبولون" لعله يبارك شعره ويمنحه إكسير‬
                                                                 ‫البقاء.‬
‫وليس يعني ھذا عند األخطل الصغير التنكر للقضايا الوطنية والقومية‬
‫وقصر الشعر على وصف لواعج الھوى ونشوة المدام مادام الشعر ھو‬
‫اإلمساك باللحظة .واإلنقاذ لھا من العدمية وإصباغ المعنى عليھا تنزيھا لھا‬
‫عن العبثية والعماء ،وليس الشعر ما يثير الغرائز فقد تتكفل بذلك أحط‬
‫الصور وأحط أنواع الموسيقى وفي ذلك إھانة للشعر وتطاول على عصمة‬


‫٤٧١‬
‫الروح الشعرية المصونة عن اإلسفاف والتردي ، وما خلق ﷲ الشاعر‬
‫ليكون شاعرا تحت الطلب يدبج القصائد إرضاء للحاكم وبطانته ويمجد‬
‫والوقائع بناء على طلبات سياسية أو إيديولوجية فالشاعر قلب‬          ‫األيام‬
‫كبير يرفض اإلكراھات واإلمالءات ويتمرد عليھما ،وكما يفھم الشعر على‬
                                         ‫أنه رؤيا تنزل منه منزلة اللحمة‬
                                        ‫)١( مجلة ديوان العرب، ٨٠٠٢.‬
‫وينزل اإليقاع منزلة السدا ال تفوته أبدا نكبات أمته وأفراحھا وتعشق أبناء‬
‫الوطن للرفاه والتقدم والحرية، فتراه يدلي بدلوه في القضايا الوطنية‬
‫والقومية عن غيرة صادقة وود خالص وشھامة إنسانية بال تكلف أو رياء‬
                ‫حتى ال تسف به اإليديولوجيا وتقصيه عن مملكة الشعر .‬
‫وھو لم يطوف في العالم الجديد كما طوف شعراء الرابطة القلمية أو‬
‫العصبة األندلسية وأقام في لبنان إلى وفاته إال أنه أدلى بدلوه في القضايا‬
‫السياسية لوطنه الصغير لبنان ووطنه الكبير العالم العربي، يدفعه إلى ذلك‬
‫حرصه على نھضة األمة وتحطيم أغالل االستعمار األجنبي أواالستبداد‬
‫السياسي وإذ أصدر جريدة "البرق األدبية" األسبوعية ثم اليومية فقد كان‬
‫حريصا على نشر األدب الرفيع واالرتقاء بالبيان العربي إلى عصره‬
‫الزاھر ولم شمل أدباء لبنان لتكون البرق منبرھم الحر، وھو إن تردد على‬
‫بغداد أو دمشق أو القاھرة وھي حواضر الثقافة العربية فإللقاء قصيدة أو‬
‫تأبين زعيم، يحدوه في ذلك األمل في وحدة عربية يكون الشعر باني‬
                                                 ‫أساسھا وموطد دعائمھا:‬
                 ‫فـلوال خالل سنھا الشعـر ما درى‬
                 ‫بناة المعالي كيف تبنى المــــكارم‬


‫٥٧١‬
‫و إنه لحقيق بإمارة الشعر التي بويع أميرا عليھا في بيروت عام )١٦٩١(‬
‫فقد كان استمرارا لجيل الشعراء الكبار كالبارودي وشوقي وحافظ‬
‫ومطران كما كان قلبا رؤوما تشغله قضايا أمته فيفرح لفرحھا ويحزن‬
                                                              ‫لحزنھا .‬
‫وھا ھو الشاعر في مرثاته لسعد زغلول )٧٥٨١-٧٢٩١( يكشف عن حس‬
‫قومي ونبالة عروبية ونزعة إنسانية واقرأ له ھذا المقطع يرثي زعيم‬
          ‫مصر الكبير ومؤسس حزب الوفد لتقع على صحة ھذا الرأي :‬
                         ‫قالوا دھت مصر دھياء فقلت لھم‬
                       ‫ھل غيض النيل أم زلزل الھـــرم ؟‬
                         ‫قالوا أشد وأدھى قلت ويحـــــــكم‬
                        ‫إذن لقد مات سعد وانطوى العــلم‬
                         ‫لم ال تقولون أن العرب قاطبـــــة‬
                        ‫تيتموا كان زغلول أبا لـــــــــھم ؟‬
                        ‫لم ال تقولون أن الغرب مضطرب‬
                        ‫لم التقولون أن الشرق مضطرم ؟‬
                          ‫لطف المسيح مذاب في حناجــره‬
                         ‫وعزم أحمد في جنبيه يحــــــــتدم‬
                         ‫صلى عليه النصارى في كنائسھم‬
                         ‫والمسلمون سعوا للقبر واستلــــموا‬
‫وفي البيت األخير ترى الشاعر يذكر النصرانية إلى جانب اإلسالم كما‬
‫كان ذلك دأبه مؤكدا األخوة العربية حيث يتعانق الھالل والصليب، فلن‬
‫يكون اختالف الدين سببا في الخالف والبغضاء والفرقة فالمسيحية‬


‫٦٧١‬
‫واإلسالم دوحتان وارفتان يستظل بھما أھل لبنان ومصر درأ لقيظ السياسة‬
‫ووعثاء الطائفية في ود كبير وھما دوحتان نبتتا في تربة المشرق فكانتا‬
‫من مآثره وآيات تفرده وفي ديوان األستاذ بشارة الخوري "الھوى‬
‫والشباب" قصائد كثيرة تميزھا سالسة اللغة مع حرية الشاعر وتمكنه من‬
‫البيان العربي وأصالة الخيال الذي يتوكأ عليه الشاعر فيسعفه أحيانا‬
‫بالصور الشعرية الفريدة وأما الموسيقى في ثنايا النص ذاته أو خارجه‬
‫فھي روح شعره كأنھا النخاع الذي يمأل تجويف العظم ويمده بأسباب القوة‬
                                                              ‫والبقاء .‬
‫وال شك أن قارئ شعره يقف على حقيقة مفادھا أن شعره يحوم حول‬
‫الجمال أنى ترصده الشاعر في الوجوه أو في الموسيقى أو في النصوص‬
‫األدبية، وال شك أن طبيعة لبنان قد أيقظت حواسه لتذوق الجمال كما أنه‬
‫أفاد من إتقانه الفرنسية واطالعه على عيون األدب الفرنسي خاصة أدب‬
‫ھوغـو والمارتين، وألفريد دي موسيه وألفريد دي فينه، ورامبو وبودلير،‬
‫وفي ديوانه بعض النصوص المعربة عن الشعر الفرنسي التي تكشف‬
              ‫تأثره بالثقافة الفرنسية غير أن ميوله العربية أشد وأقوى .‬
‫لقد كانت حياة األخطل الصغير كشاعر وإنسان تترنح بين ثنائية المناص‬
‫من اإلفصاح عنھا إنھا ثنائية السرور والحسرة، فما ذكر الجمال والحب‬
‫والخمرة واألنس والنشوة إال أعقبه بذكر الخوف والزمن الحامل معوله‬
‫لھدم األحالم وإحراق الرؤى وإصابة الخاليا بالعجز والتلف، ويدفع‬
‫الشاعر رغما عنه إلى الحنين إلى طفولته وشبابه حيث القوة و الالمباالة‬
                                                ‫وشرخ الشباب الفتان :‬
                  ‫ھل لي إلى تلك المناھل رجعة‬


‫٧٧١‬
                ‫فلقد سئمت الماء غــــير قراح ؟‬
                 ‫رجعى يعود بي الزمان كأمسه‬
                ‫صھباء صارخة وليل ضـــاحي‬
                ‫أشف روحھا وأعطي مثلـــــــھا‬
                ‫روحا وأسلم ليلتي لصبـــــاحي‬
               ‫روح كما انحطم الغديرعلى الصفا‬
                 ‫شعبا مشعـــبة إلــــــى أرواح‬
                 ‫للحب أكثرھا وبعـض كثـيرھا‬
                  ‫لرقى الجمال وبعضھا للراح‬
‫ولعل الشاعر قد كفى القارئ والباحث كليھما مشقة البحث في خصائص‬
‫شعره وسر حياته لما تلقب باألخطل الصغير فھو قد طمح في حياته األدبية‬
‫إلى أن يضاھي شاعرية األخطل ويمتلك رؤيته الشعرية وقدرته البيانية‬
‫ولعل األخطل الكبير كان قدوة األخطل الصغير الذي يقول في الكأس‬
               ‫والوتر داعيا إلى الصخب ودرء النوم الموحي بالھجوع :‬
                        ‫يا صارف الكأس عنا ال تضن بھا‬
                         ‫ويا أخا الوتر المكســــــــال ال تنم‬
                         ‫أدر علينا من الصھبــــــــاء أفتكھا‬
                         ‫وخدر العصب المحمـــــوم بالنغم‬
                       ‫قد يشرب الخمر من تعلو الھموم به‬
                        ‫وقد يغني الفتى من شدة األلـــــــــم‬
‫و كأن اإلنسان عند األخطل الصغير ال يعيش إال ألجل سويعات صفاء‬
‫يمسح بھا الكدر عن قلبه وينتشي بسرور يراه مھيمنا في مجلس أنس وال‬


‫٨٧١‬
‫يذكر الشاعر الخمرة إال قرنھا بالنغم و كأن نشوة المدام ال تتأتى إال بنشوة‬
                                                                ‫اإليقاع .‬
‫واألخطل الصغير شاعر غزلي وھل يغض الشاعر طرفه عن الجمال‬
‫الكائن في الخد األسيل والقد المياس والعين النجالء والصدر المرمري ؟‬
‫والمرأة ملھمة الشعراء ودرة الوجود ومعقد السحر والفتنة والقرب منھا‬
‫من نعيم والبعد عنھا من جحيم وفي غزل الشاعر كبرياء رجولة وشھامة‬
‫نفس وأنفة ال ترضى التھتك والفحش، إنه غزل إنساني على الرغم من‬
‫تصريحه بذكر النھود والصدور والقبالت، وال يمكن للشاعر أن يسف‬
‫بالھوى إلى دركات الغريزة، وفي ديوانه قصيدة تجري مجرى القصة‬
‫الشعرية عن فتى عب من اللذة المحرمة وأكل من الشجرة الملعونة في‬
‫أحضان ساقطة حتى أسلمته الفاحشة إلى الداء العياء و أسلمه ھذا إلى‬
                                                            ‫ظلمات القبر.‬
‫ولم يكن األخطل الصغير في غزله مثل جميل بن معمر أو قيس بن الملوح‬
‫يكتفي بامرأة واحدة تختصر في وجدانه مملكة النساء يبثھا ھيامه ويشكوھا‬
‫سھاده ويستعطفھا وصاال ويستجديھا نظرة حانية ، بل كان فراشة حوامة‬
‫تطير من روض إلى روض وتحط على زھرة وعينھا على زھرة أخرى،‬
‫مادامت الغاية االستمتاع بفتنة القد وسحر الخد وسعار القبلة المجنونة،‬
                      ‫وتتولى الخمرة مباركة الوصال ومضاعفة النشوة :‬
                             ‫فتن الجمال وثورة األقــــــــداح‬
                            ‫صبغت أساطير الھوى بجراحي‬
                            ‫ولد الھوى والخمر ليلة مولــــدي‬
                            ‫وسيحمــــالن معي على ألواحي‬


‫٩٧١‬
                          ‫يا ذابح العنقود خضب كفــــــــــه‬
                           ‫بدمائه بوركت من سفـــــــــــاح‬
                           ‫أنا لست أرضى للندامى أن أرى‬
                           ‫كسل الھوى وتثاؤب األقــــــداح‬
‫وقارئ شعره ال تفوته ميزة تميز شعره وربما حياته، وما كان الشعر إال‬
‫مسفرا عنھا وتلك ھي أنة التحسر وھي حاضرة في جميع مجالس أنسه‬
‫جنبا إلى جنب مع الفرح واالنتشاء فمھما سعى الشاعر إلى الصفاء و‬
‫أخلص في طلب السرور، فالزمن سيذرو ذلك حطاما ولن يجد الشاعر في‬
‫يده غير الخواء ورماد الذكرى، وصاحب الجاللة الزمن سيقھر الشاعر‬
‫بأن يعطب خالياه ويثقل خطاه، ويتكفل المشيب ببقية الديكور الموحي‬
‫بالعجز والضعف وما أحسن بالغة الشاعر في الترميز له بالثلوج في قوله:‬
               ‫إلفان في صيف الھوى وخريفه‬
               ‫عزا على غير الزمان الماحــي‬
               ‫دعني وما زرع الزمان بمفرقي‬
              ‫ما كنت أدفن في الثلوج صداحي‬
              ‫من كان من دنياه ينفض راحـــه‬
               ‫فأنا على دنيـــاي أقبض راحــي‬
               ‫إني أفـدي كل شمس أصــــــــيلة‬
               ‫حذر المغيب بألف شمس صباح‬
‫وقد كانت حسرة الزوال قاسما مشتركا بين كثير من الشعراء من طراز‬
                                  ‫األخطل الصغير ألم يقل امرؤ القيس :‬
                  ‫كأني لم أركب جــــــــــــوادا للذة‬


‫٠٨١‬
                   ‫ولم أتبطن كاعبا ذات خلخـــــــــال‬
                   ‫ولم أسبأ الزق الروي مــــــــــــرة‬
                  ‫ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال‬
                                       ‫وبعده الشاعر الفارسي عمر الخيام:‬
                     ‫فجدد مع الكـــأس عھـد غـرامك‬
                      ‫وحـــل مرارتھا بابتسامــــــــــك‬
                     ‫وعجل فجوقة ھذي الطــــــــيور‬
                     ‫قد ال تطيل الطواف بجامــــــــك‬
‫فھؤالء جميعا قد نھبوا اللذات نھبا وسابقوا سيف القضاء وفي النفس خوف‬
                              ‫من جبروت الزمن وتسليم فطري بانتصاره.‬
‫وقد جر صخب الحياة ونعيم األنس وفتنة الجمال شاعرنا إلى النفور من‬
‫النوم فعشاق األنس يمقتونه لوال أنه ضرورة بيولوجية تجدد العافية ، ألم‬
                                                             ‫يقل الخيام:‬
                        ‫فمـــــــا أطال النوم عمرا وال‬
                      ‫قصر في األعمار طول السھر؟‬
‫بلى فال مناص من النفور من النوم ألنه يذكر بالھجوع األبدي، ومحاكاة‬
‫لعالم الموتى والشاعر يريد صخب األنس وضجيج الحياة يقول األخطل‬
                                                              ‫الصغير :‬
               ‫يا صارف الكأس عنا ال تضن بھا‬
               ‫ويا أخـــا الوتر المكســـــــال التنم‬
‫وأما الملكة اللغوية وسالسة التعبير وعذوبة الجرس وخصوبة الخيال فھي‬
‫من خصائص شعر األخطل الصغير ال تعاني لغته ضعفا أو قلقا في‬


‫١٨١‬
‫التعبير، فقد كان الشعر ينبجس من نفسه بتلقائية كما ينبجس الماء من‬
‫المنبع، وعلى الرغم من أن الشاعر مارس شعر التفعيلة ركوبا لموجة‬
‫التجديد كما ركبھا شعراء العراق الكبار ولفيف من شعراء مصر ولبنان إال‬
‫أن األخطل الصغير ظل في شعره الكالسيكي األنضج واألكثر إغراء‬
‫،وأما شعر التفعيلة الذي مارسه فليس بذي بال بالقياس إلى شعره‬
‫العمودي، تماما كما كانت قصائد صالح عبد الصبور العمودية ال أھمية‬
‫لھا قياسا إلى شعره كما قرأناه في الظل و الصليب وغيره، فاألخطل‬
‫الصغير مدين للبنان بالسحر الذي لف فيه شاعرنا مذ كان صبيا ويافعا‬
‫وكھال ثم ھرما والشعر الحديث مدين لشاعرنا بعبقريته الشعرية التي‬
‫أبدعت رؤى شعرية جميلة ولغة سلسة طيعة وصورا مبتكرة، تحاشت‬
‫المديح الزائف، والتملق الكاذب والطابع النظمي الساذج والتقليد األعمى،‬
‫ولئن عانى الشاعر من فجيعة الزمن وحسرة الزوال -زوال ساعات‬
‫الصفاء ولحظات األنس- ثم زوال الشاعر نفسه فعزاؤه وعزاؤنا تلك‬
‫الروح الشعرية الباقية والرؤى الخالدة والقصائد التي ال ينالھا الزمن بسيفه‬
                                              ‫المسلط على رقابنا جميعا.‬




‫٢٨١‬
        ‫)١(‬
          ‫عراف البراري أو: الصورة السلبية للمثقف في الشعر الحديث‬
‫ال نريد أن نخوض في المسؤولية األخالقية الملقاة على عاتق المثقف في‬
‫بلده فھي مسؤولية مجمع االتفاق بشأنھا خاصة إذا كانت الشعوب متخلفة‬
‫وفي مرحلة المنعطفات الكبرى، ذلك ما أسماه فيلسوف الوجودية الكبير‬
‫"جون بول سارتر" بااللتزام أي التزام المثقف بقضايا شعبه وبالدفاع عن‬
‫حريته وكرامته ولو اقتضى األمر معارضة النظام السياسي القائم، وذلك‬
‫ما حدث له بالضبط حين تظاھر مع المعارضين في حرب فرنسا في‬
‫الجزائر وأصدر من أجل ذلك كتابا بعنوان" عارنا في الجزائر"، والتزام‬
‫المثقف بقضايا أمته ونزاھة فعله وصدق قوله ليست بالقضايا المستحدثة‬
‫في تاريخ األمة العربية، فأبو حيان التوحيدي وھو من كبار األدباء ومن‬
‫مؤسسي النزعة اإلنسانية في الفكر العربي أخذ على الوزيرين "الصاحب‬
‫بن عباد" و"ابن العميد" مآخذ سجلھا في كتابه "مثالب الوزيرين" فقد أخذ‬
‫عليھما العيش الرغيد في قصور مترفة وقصر الثقافة على جمع لفيف من‬
‫الفالسفة والمناطقة وعلماء البيان والكالم والشعراء والنثار والتطرق في‬
‫كل ليلة إلى موضوع من موضوعات الفلسفة أو األدب أو الدين، في حين‬
‫تعيش الرعية في الخارج في ظالم وتخبط في تيه عماء، وھو موقف‬
‫للتوحيدي يجعله في قمة رواد المذھب اإلنساني الذي عرف به كبار‬
                                                       ‫مفكري أروبا.‬
‫ونحن في مقالنا ھذا راصدون لخيبة المثقف العربي وردته وفي تخليه‬
‫عن مھمته الرئيسية في تنوير الرعية في عصر عادت فيه الشعوب العربية‬
‫إلى السبات بالحنين إلى الماضي ومحاولة إحيائه وبغلبة الفكر الفقھي على‬
‫الفكر العلمي، وشيوع الدجل والشعوذة والبھلوانية الخطابية على التحليل‬
‫العلمي، أضف إلى ذلك الھم السياسي المتمثل في استبداد الحاكم وحاشيته‬

‫٣٨١‬
‫وغياب الحريات والضوابط األخالقية والسياسية، وقد كان رھين المحبسين‬
‫أكثر جرأة من كتابنا ومثقفينا وھو المتوحد في داره حين قال‬
                                        ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                        ‫)١( مجلة ديوان العرب ٧٠٠٢‬


                          ‫يسوسون األمور بغير عقل‬
                         ‫فينـفذ أمــرھم ويقــال ســاسه‬
                          ‫فأفّ منـــــــــھم ومني ومن‬
                         ‫زمن صارت رئاسته خسـاسه‬
‫أما مثقفنا في العصر الحديث الذي كان ينتظر منه أن يكون مسيحا يحمل‬
‫صليبه إلى ذروة الجلجلة، أو صرخة مدوية في أذن الزمان تجد صداھا في‬
‫عقول الناس وقلوبھم، فتغير ما بأنفسھم وھكذا ندخل عصر األنوار ونودع‬
‫حياة الكھوف ونلغي ثقافة المتون ونستأصل الدجل والشعوذة من جذورھما‬
‫بانتصار الفكر العلمي الصحيح، وسيادة الحياة السياسية السليمة فيجني‬
‫المجتمع ثمار ذلك حياة اجتماعية عادلة ورخاء اقتصاديا وإبداعا علميا‬
‫وأدبيا وفنيا وحضاريا يدخلنا في ركاب الحضارة كغيرنا من األمم بعد أن‬
‫خرجنا من السباق قرونا طويلة واكتفينا باستھالك نفايات الصناعة الغربية‬
‫من الناحية المادية، واستھالك رطانات الماضي من الناحية العلمية‬
                                                                       ‫والمعنوية.‬
‫إن صورة المثقف في عصرنا الحديث ال تخرج عن ثالثة أطر : مثقف ھو‬
‫أشبه بعراف البراري كان كالمه أشبه ما يكون باألحاجي واأللغاز، وقد‬
‫أخذ بنصيحة ابن باجة في " تدبير المتوحـد" فطلق المجتمع والزمان‬


‫٤٨١‬
‫وانزوى في كھفه، ومثقف لزم التقية وأخذ بالحيطة وأتقن الرياء الماكر‬
‫دفعا للضرر واستجالبا للعافية والسالمة، ومثقف غلبته نفسه الشھوانية‬
‫فاتخذ من الثقافة مطية إلى قصر الحاكم ومن ثقافته وعلمه تسابيح يرددھا‬
‫على مسامع البالط آناء الليل وأطراف النھار لعله يرضى، فيمأل الحاكم‬
      ‫فمه ذھبا وصدره نياشين، ويدعوه إلى الوالئم ألنه رمز الثقافة في البلد.‬
‫ويستثنى من ذلك كله القليل القليل الذي عاش فكرة أبي حيان عقال‬
‫ووجدانا، وكان صرخة مدوية في ضمير الزمان، وموقفا أبيا في لحظات‬
                                                         ‫التاريخ الحاسمة.‬
‫وفي قصيدة عبد الوھاب البياتي "مھرج الملك" صورة فنية للمثقف من‬
‫الطراز الثالث وھو المثقف الذي غلبته نفسه الشھوانية فاتخذ العلم مطية‬
                  ‫إلشباع الغرائز يقول البياتي عن ھذا الطراز من المثقفين :‬
                                                            ‫يداعب األوتار‬
                                            ‫يمشي فوق حد السيف والدخان‬
                                                        ‫يرقص فوق الحبل‬
                                                        ‫ينثني مغنيا سكران‬
                                                              ‫يقلد السعدان‬
                                       ‫يركب فوق متنه األطفال في البستان‬
                                    ‫يخرج للشمس إذا مدت إليه يدھا اللسان‬
                                                     ‫يكلم النجوم واألموات‬
                                                          ‫ينام في الساحات‬




‫٥٨١‬
‫فھي صورة لمثقف درويش يكلم النجوم واألموات وينام في الساحات، أو‬
‫صورة لمثقف بھلوان يجيد تلفيق الكالم وإجادة الرياء وداللتھا ھنا قول‬
                                                             ‫البياتي :‬
                                        ‫يمشي فوق حد السيف والدخان‬
                                      ‫يرقص فوق الحبل، يأكل الزجاج‬
‫وھي في النھاية صورة ھزلية لمثقف مستعد لكل شيء حاضر إلجادة كل‬
                                ‫شيء في سبيل مرضاة الحاكم وبطانته:‬
                                ‫يركب فوق متنه األطفال في البستان‬
‫وھو في النھاية مصاب بالعته وبالبله مھما نال من مرضاة الحاكم‬
‫ومھما أعطته الدنيا من متاع ورياش ومھما وصل إليه من دوي زائف‬
‫أو شھرة كفقاقيع الصابون، وھل أشد من بلھه إخراجه اللسان للشمس‬
                                ‫وھي رمز الحرية والنور والعطاء ؟‬
                                ‫يخرج للشمس إذا مدت إليه يدھا اللسان‬
‫وھذا النوع من المثقفين ھو الذي أشار إليه الشاعر اللبناني الكبير خليل‬
‫خاوي، وتقريبا تأتي الدالالت متطابقة فنيا وفكريا مع دالالت نص "‬
                               ‫مھرج الملك" للبياتي يقول خليل حاوي :‬
                        ‫أراك تستحيل لساحر يموه األشياء في العيون‬
                                                    ‫مھرج حزيــن‬
                                                  ‫في مسرح الغجر‬
                                       ‫يروض األفعى ويمشي حافيا‬
                                     ‫يمشي على الجمر، على اإلبـر‬
 ‫يعجن في أسنانه الزجاج والحجر يضم في كفيه وھج الشمس والظالل‬


‫٦٨١‬
                                              ‫ينسج منھا ھالة وشال‬
                                         ‫حورية تھبط من أكمامه الطوال‬
   ‫فھي صورة اختلط فيھا الھزل بالجد والضحك بالبكاء إنه مثقف في‬
   ‫شكل فقيه مستعد إلخراج فتاوى ترضي الحاكم أو خطيب مقوال أو‬
   ‫شاعر بليغ يدبج القصائد ويبدع األمثال لتخرج آية الزمان، إنھا القدرة‬
   ‫على التمويه كما يقول خليل حاوي، والقدرة على تجاوز وخز الضمير‬
                                                       ‫وعذاب النفس :‬
                                         ‫يمشي على الجمر على اإلبر‬
‫وما أكثر ما خدعنا في حياتنا الثقافية بھذا النوع من المثقفين الذين‬
‫زادوا في سبات األمة ومدوا في عمر جبروت الحاكم، وفي ردة‬
                       ‫الجماھير إلى حياة الكھوف واجترار الماضي.‬
‫وأما الصورة الثانية للمثقف فھي صورة مثقف أكاديمي تخرج من‬
‫جامعات الشرق أو الغرب وتخصص في حقل من حقول المعرفة، اتخذ‬
‫من شھادته العليا مصدر استرزاق ولذا فال عالقة له بالخارج -خارج‬
‫الحرم الجامعي- وھو أشبه ما يكون بعراف البراري كالمه طالسم‬
‫ومصطلحات، وزادته الشھادة وربما الحياة الحرة التي عاشھا في‬
‫الغرب عقدة نفسية تستلزم محلال نفسيا، إنھا عقدة االستعالء والنظر إلى‬
‫الناس من قمة جبل األولمب أو من البرج العاجي -وأعتذر ألستاذنا‬
‫الكبير توفيق الحكيم في رقدته األبدية على استخدام ھذه الكلمة -البرج‬
‫العاجي- فالحكيم لم يطلق الزمان والمكان وھو صاحب عودة الروح‬
                    ‫ويوميات نائب في األرياف وعودة الوعي ...الخ .‬
‫إنما أستاذنا الجامعي لم يعرف بمساھمة علمية تنير البصائر وال عمل‬
‫يزلزل به العقول والقلوب وال رفض يدوي به في سمع الزمان‬
‫وضميره، ويتعلل لذلك بحمق الناس وغباء الشعب واستبداد السلطان،‬

‫٧٨١‬
‫وحاجة في النفس ما إن لھا ثمن ھي غريزة البقاء واالستمتاع بطيبات‬
‫الحياة ومفاتن الدنيا وشعاره مع طلبته "بضاعتنا ترد إلينا "ولذا تحولت‬
‫جامعاتنا إلى محاضن أو مداجن أو آالت رھيبة لتعليب المشاعر‬
‫على المقاس في الخنوع وفي الولوع‬           ‫واألفكار ليكون المتخرج‬
‫بالالمعقول والجري وراء السراب، أو قل ما قاله أحد مفكرينا وال‬
‫يحضرنا اسمه عن الجامعات العربية إنھا محتشدات، وكان األجدر أن‬
‫تكون الجامعة بوصلة المجتمع باتجاه الرقي والمدنية، وأن تؤثر في‬
‫المجتمع . لكن المضحك- وكما يقول شاعرنا وشر البلية ما يضحك- أن‬
‫المجتمع بغوغائه ودھمائه ھو الذي يؤثر في الجامعة ويجعلھا على‬
‫مقاسه، أما الصورة الثالثة فھي صورة المثقف الذي أصابه اليأس ودب‬
‫الوھن في قلبه وسكن الخمول خالياه فأصيب بخدر واليأس على حد‬
‫قول بعضھم راحة ، ال أثر للمغالبة في روحه وال للكفاح في حياته،‬
‫تسلل الخوف إلى وجدانه إلى درجة الفوبيا من التغيير واالنقالب‬
‫الجذري والوثبة الحضارية الخالقة، ولھذا المثقف الطالئعي شكال‬
‫الرجعي مضمونا الساكن سكون الحجر صورة في قصيدة الظل‬
‫والصليب لصالح عبد الصبور، وھي من أجمل قصائد الشعر الحديث،‬
‫ال تنتھي دالالتھا وال مضامينھا الفنية والفكرية إنھا بورتريه الوجدان‬
‫العربي، وفي ھذا المقام يحضرنا ھذا المقطع، وھو يرسم صورة لھذا‬
                                                 ‫النوع من المثقفين:‬
                                ‫مالحنا ھوى إلى قاع السفين واستكان‬
                                     ‫وجاش بالبكاء بال دمع بال لسان‬
                                            ‫مالحنا مات قبيل الموت‬


‫٨٨١‬
                                                       ‫ّ‬
                     ‫حين ودع األصحاب واألحباب والزمان والمكان‬
                   ‫عادت إلى قمقمھا حياته، وانكمشت أعضاؤه ومال‬
                                                         ‫ّ‬
                                      ‫ومد جسمه على خط الزوال‬
  ‫فھذا الطليعي ھوى إلى القاع داللة على النكوص والردة والقاع داللة‬
  ‫على التردي في ھاوية الماضي وغور التاريخ، وھو ال يملك حتى‬
  ‫الدمع ألن الدمع رديف الوجدان وصنو اإلنسانية وھو مجرد منھما وكذا‬
        ‫اللسان رمز الفعل بالقول في تحريك مسار التاريخ وھو خلو منه.‬
‫لقد خرج من التاريخ حين أبى في صلف أو حمق أن يعيش عصره‬
‫وتمدد على خط الزوال، وعبد الصبور يبدع ھنا إبداعا غير مسبوق في‬
‫قوله "خط الزوال" فالمعلوم أن خط الزوال يمثل بداية السقوط‬
‫واالنحدار والتردي ويواصل صالح عبد الصبور رسم صورة ھذا‬
                                        ‫المثقف والقائد الطالئعي :‬
                       ‫مالحنا أسلم سؤر الروح قبل أن نالمس الجبل‬
                                             ‫وطار قلبه من الوجل‬
                      ‫كان سليم الجسم دون جرح دون خدش دون دم‬
                          ‫حين ھوت حبالنا بجسمه الضئيل نحو القاع‬
                                                 ‫ولم يعش لينتصر‬
                                                  ‫ولم يعش لينھزم‬
‫وفي ھذا المقطع األخير تأتي داللة الجبل الموحية بالنھضة والصعود‬
‫والرقي، ولكن مالحنا مات قبل معانقة الفعل الحضاري والوثبة‬
‫التاريخية والبد أن نشير إلى أن المالح قال قبل ھذا المقطع في إشارة‬
                                                      ‫إلى الجبل :‬
                                        ‫ھذي جبال الملح والقصدير‬


‫٩٨١‬
‫وھو تمويه يوحي بالزھد في مغالبة الحياة ومعانقة أسرارھا وترويضھا‬
‫واالستمتاع بطيبات الحضارة وتجد ھذه المعاني كلھا داللتھا في كلمتي‬
             ‫" الملح " و"القصدير" وھما رمز التفاھة والقيمة البخسة.‬
‫لقد مات ھذا القائد الطالئعي حتف األنف من غير جراح وال دماء ومن‬
‫غير قراع ومغالبة خطوب الحياة ومن غير انھزام ألنه لم يصارع‬
‫أصال فھو االستسالم للواقع الرديء والتكيف مع رداءته، والعيش في‬
‫أحضانه بل وتزويق ھذه الرداءة واالدعاء بأنھا أصالة ومدنية وتنخدع‬
                 ‫العامة بھذا القول مواصلة تمددھا على خط الزوال .‬




‫٠٩١‬
             ‫)١( قدموس ثائرا أو جبران ونزعة التمرد‬
‫من غرائب ھذه الدنيا التي ال تنتھي وأعاجيبھا التي ال تني تفاجئ اإلنسان‬
‫أن بعض المناطق المعزولة في أعالي الجبال أو المشردة في الفيافي والتي‬
‫ال تعدو أن تكون قرية صغيرة في أحسن األحوال تصيب من الحظ ومن‬
‫الشھرة ما ال تصيبه أكبر المدن في الدنيا، وذلك كله بفضل شخصية تولد‬
‫في تلك المنطقة إذ تبدأ مغمورة في أسرة يائسة فقيرة، يتناوب عليھا الفقر‬
‫والجوع والداء العضال ثم تنتھي تلك الطفولة المشردة سليلة الجوع‬
‫والعري والمرض إلى كھولة ناضجة تشع علما وعبقرية وعطاء يجتھد‬
‫الدارسون في فھم أسرار عبقريتھا وفي كيفية قھرھا للظروف كما ال‬
‫يفوتھم أن يدرسوا الظروف الحياتية التي أنتجت تلك العبقرية فتنال تلك‬
‫المنطقة الشھرة ويقترن اسمھا باسم ابنھا الذي غدا شخصية من شخصيات‬
                                                                 ‫التاريخ الكبيرة.‬
‫كذلك كان الشأن مع "بشري" إحدى قرى لبنان المعزولة وكذلك كان الشأن‬
‫مع فتاھا جبران خليل جبران الذي مأل العالم العربي أدبا وتمردا وشغال‬
‫للناس لم ينته برحيله عن ھذه الدنيا، وليس من شأن ھذا المقال أن يھتم‬
‫بالتأريخ لحياة جبران وقد أشبعھا الباحثون درسا وتحليال، ولم يعد فيھا ما‬
‫ھو خاف على القارئ العربي، إنما يھدف إلى تسليط الضوء على جملة‬
‫الظروف التي أحاطت بكاتبنا فأثرت فيه وأثرت فيھا سلبا وإيجابا ووجدت‬
‫صداھا في كتاباته النثرية والشعرية على السواء، وإذا كان البد من ذكر‬
‫بعض التواريخ وتتبع مراحل حياة الكاتب فلخدمة غرض المقال، ذلك أن‬
  ‫اإلنسان ابن بيئته، وإذا كانت الھندسة التحليلية تعين كل نقطة في الفضاء‬
                                        ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                 ‫)١( مجلة المغترب العربي كندا ٧٠٠٢‬

‫١٩١‬
‫بفاصلتھا وترتيبھا وذلك ما يسمونه بإحداثيات نقطة في مستوى، فكذلك‬
‫الشأن مع اإلنسان فاصلته الزمان وترتيبه المكان لتتشكل إحداثيات الكائن‬
‫البشري وأما الفاصلة أي الزمان بالنسبة لكاتبنا فھي العام )٣٨٨١( وأما‬
‫الترتيب أي المكان فقرية "بشري" من قرى الشمال اللبناني، وأما‬
‫الظروف السياسية السائدة في لبنان في تلك الحقبة وفي الشام عموما‬
‫فطغيان سورة االستبداد العثماني وقد خضع الشام لسلطة األتراك الذين‬
                                           ‫ّ‬
‫استبدوا به عن طريق والته، وقد كانت شمس الدولة العثمانية آيلة إلى‬
‫أفول منذ انھزام أسطولھا في معركة "نافرين" عام )٧٢٨١(، وقد كانت‬
‫أوروبا الناھضة تتھيأ القتسام تركة الرجل المريض والحلول مكانه في‬
‫شرق العالم العربي وفي غربه، ولم يبق من العثمانيين وشوكتھم آنذاك‬
‫غير استبدادھم بالعرب وبطش والتھم بھم ومصادرة الحريات بل وإزھاق‬
  ‫األرواح و فرض اإلتاوات والضرائب على السكان لدفع رواتب الجيش‬
‫وإغراق ضباطه في النعيم حتى ال يثور الجيش على الباب العالي وينھي‬
‫حكمه، وتحمل العرب ذل العثمانيين واضطھادھم بكبرياء وشموخ حتى إذا‬
‫أشرقت شمس القرن العشرين رأيت العرب في الشام وفي لبنان خاصة‬
‫يؤسسون حركة قومية تناھض الحكم العثماني واستبداده وتدعو إلى‬
‫االستقالل عنھم وتناضل في سبيل ذلك سرا وعالنية وقد انتھى شأن‬
‫الكثيرين من أحرار لبنان والشام إلى اإلعدام شنقا وجرائم السفاح جمال‬
                                ‫باشا في العالم العربي مشھورة ومدونة .‬
‫وما كان وجود العثمانيين في العالم العربي إال نزوال به في دركات الجھالة‬
‫والعماء وقد أدت تلك الحقبة المؤلمة إلى انحطاط اجتماعي تميز بالطبقية‬
‫الجائرة ففئة من االنتھازيين ناصرت العثمانيين وشكلت طبقتھا‬


‫٢٩١‬
‫البيروقراطية في الشام كما شكل لفيف من ضباط الجيش فئة مستفيدة من‬
      ‫ريع الحكم الجائر ماديا واجتماعيا ولعامة الشعب العري والخصاصة‬
‫والموت جوعا ومرضا وقد أزھقت الحريات وكممت األفواه ونصبت‬
‫المشانق عوض نشر العلم وطبع الكتب وجعل العالم العربي واإلسالمي‬
‫منارة علم وقطب إشعاع، والحق أن الحكم العسكري ال يجلب إال الوباء‬
‫األخالقي والفكري واالجتماعي ألن العسكر حزمة من الغرائز وقبضة‬
‫حديدية ال تذيبھا شمس أغسطس الحارة، وتلك ھي ميزة الحكم العثماني‬
‫الذي كان حكم سيف ال حكم شورى ودولة جھل ال دولة علم ومدنية ورقي‬
‫وقد تسرطنت كل نواحي الحياة بھذا السرطان العام فلحق الحياة‬
‫والتشويه وانحطاط القيم وشيوع الدجل والشعوذة‬        ‫االجتماعية المسخ‬
‫وروح السحر والخرافة وأخذت العالقة بين الرجل والمرأة صيغة الحريم‬
‫التي تنمي في الرجل الشبقية و تختصر المرأة إلى كائن ذي جاذبية جنسية،‬
‫وتآمر اإلقطاع الزراعي مع الكھنوت الديني ، فغدا الدين الرسمي مباركة‬
‫للوضع القائم وترسيما له بالنصوص المقدسة وعمال بالقول المأثور "حاكم‬
‫ظلوم خير من فتنة تدوم" و" ليس في اإلمكان أبدع مما كان" إنھا إذا حقبة‬
‫مظلمة ھيأت العالم العربي بعد قرون من السبات والتقليد واالجترار‬
‫واالستبداد السياسي إلى الوقوع فريسة للمطامع األوربية التي اقتسمت‬
                  ‫عالمنا العربي غنيمة مربحة وزادت من بالئنا وتخلفنا.‬
‫ھذه ھي الظروف السياسية واالجتماعية والفكرية التي ولد فيھا جبران‬
‫خليل جبران وقد ذاق ككل األطفال العرب البؤس والخصاصة والعري في‬
‫أسرة متواضعة فاألم معدمة مع طيبتھا واألب سكير واإلخوة فرائس لداء‬
‫الصدر، غير أن نور العبقرية ال يلبث أن ينير الحلكات وترتيب األقدار‬


‫٣٩١‬
‫سيقوى على الظروف فإذا العزيمة ال تھن وروح المغالبة ال تخمد، وھكذا‬
‫سار الطفل جبران في طريق المعرفة فتعلم ببيروت وأقام أشھرا بباريس‬
‫وال شك أن إقامته تلك بباريس قد حسمت مسار حياته بتوجھه إلى الفن‬
‫واألدب وباريس كعبتھما فھي موطن اإللھام وممكن اإلبداع ومستودع‬
‫العبقرية تعج أرضھا بعرائس الشعر وحوريات الفن، فعلى أرضھا يستقر‬
‫اللوفر ويجري السين وفي حدائقھا المنسقة والمزينة بالتماثيل كتب موسيه‬
‫وفيني أشعارھما الخالدة، غير أن الفتى جبران ھاجر مع أسرته إلى‬
‫الواليات المتحدة شأن اللبنانيين في تلك الحقبة ھربا من االستبداد السياسي‬
‫وقھر الحاجة و تفشي البطالة والجوع والمرض، بحثا عن ظروف حياة‬
‫أفضل في بلد اتخذ للحرية تمثاال ضخما عند مرفأ مدينة نيويورك وھو بلد‬
‫فتح ذراعيه للمھاجرين والمغامرين من كل حدب وصوب فال مناص من‬
‫النزوح إليه أمال في غد مشرق وقد استقر جبران مع أسرته في مدينة‬
‫"بوسطن " أو " باريس أمريكا " كما تسمى وما أن طفق يكتب حتى أحس‬
‫بالحاجة إلى التعمق في العربية ودراسة علومھا واإلحاطة بأسرارھا ألنه‬
‫أحس بضعف أداته، وعاد إلى لبنان ليقيم أربع سنوات في بيروت متفرغا‬
‫لدراسة اللغة العربية والتمكن من اللسان العربي، وفي عام )٨٠٩١( عاد‬
‫إلى باريس دارسا للفن على يد النحات الفرنسي الكبير" رودان " وقد حاز‬
‫في آخر األمر على إجازة في فن التصوير، وللسيدة األمريكية " ماري‬
‫ھاسكل" فضل كبير عليه في تذليل دروب اإلبداع له وذلك باحتضانه‬
‫والتكفل به باإلنفاق عليه في أمريكا وفي باريس وفي تعريف األمريكيين‬
‫به وبفنه وبالمعارض التي أقامتھا له وال ريب أنھا كانت تكن له حبا عميقا‬
‫بدليل مذاكرتھا وما باحت به من حقائق وقد بلسمت ھذه السيدة جراحه بعد‬


‫٤٩١‬
‫رحيل أخته وأخيه ثم أمه بداء الصدر فكانت " ماري ھاسكل " األم‬
‫واألخت والزوجة والصديقة، أبدلته أمنا بعد خوف وسكينة بعد قلق وبلبال‬
‫وعيشة ال بأس بھا بعد خصاصة ومسغبة، فتفرغ لفنه وأدبه راسما وكاتبا‬
‫إلى وفاته عام )١٣٩١( مخلفا دررا في العربية جددت وجه النثر العربي‬
‫بتأجج المشاعر وانطالق الخيال وحالوة األسلوب مع سالسته وقد استعار‬
‫جبران كثيرا من مفرداته من الطبيعة ففعلت فعلھا في القلوب، بالوقوع‬
‫على معاني بكر لم تتحقق لكاتب من قبل، وباقتباساته من العھدين القديم‬
‫والجديد، كما أفاد تمكنه من اللغة اإلنجليزية االطالع على عيون األدب‬
‫األمريكي واإلفادة منه وقد خلف من آثاره باللغة اإلنجليزية " المجنون "‬
‫و"النبي " و" السابق"، أما مؤلفاته بالعربية فأشھرھا " دمعة وابتسامة "‬
‫و"األرواح المتمردة" و"األجنحة المتكسرة" و"المواكب" و"العواصف"‬
                                                            ‫وغيرھا.‬
‫فقد كانت حياة جبران إذا حياة اضطراب وترحال استھلھا بطفولة بائسة‬
‫معدمة في كنف أسرة يتناوب عليھا الجوع والداء الذي ذھب بأفرادھا وأما‬
‫األب فمدمن خمر تارك لواجباته، وحياة اجتماعية متفسخة تعفنت فيھا‬
‫جميع القيم وتنقل بين لبنان وفرنسا وأمريكا بحثا عن ظروف مثلى للعيش‬
‫واإلبداع، غير أن ترتيب األقدار كان في صالح جبران فقيض له السيدة‬
‫"ماري ھاسكل" التي احتضنته واحتضنت فنه وأدبه ثم اشتراكه في تأسيس‬
‫الرابطة القلمية عام )٠٢٩١( مع لفيف من أدباء المھجر كميخائيل نعيمة‬
‫وعبد المسيح حداد ورشيد أيوب ووليم كاتسفليس وأمين مشرق وأمين‬
‫الريحاني ونسيب عريضة وغيرھم، كانت تلك الرابطة تجدد في األدب‬
‫العربي شكال ومضمونا وتكتسح العالم العربي حاصدة اإلعجاب والتأييد‬


‫٥٩١‬
‫من جماھير القراء العرب، وفي مجلتھا كتب جبران ونشر شعره ونثره،‬
                                 ‫وبفضلھا عرف في المشرق والمغرب .‬
‫ال يمكن فھم تمرد جبران بمعزل عن الظروف التاريخية التي نشأ فيھا‬
‫فقد كان روحا وثابة وعقال بحاثا ونفسا طموحة غير أن بيئته تسعى ألن‬
‫توثقه بوثاق الرجعية وتشده إلى عفونة الماضي وآصار الحاضر بحبال‬
‫سميكة فتائلھا اإلقطاع الزراعي والسياسي والديني، ولھذا صبّ عليھا جام‬
‫غضبه فاضحا جبروت الحاكم ونفاق رجل الدين وبالدة مالك األراضي‬
‫الذين اصطلحوا على البدن العربي كالسرطان ينھشون لحمه ويمتصون‬
‫دمه ويجھزون على البقية الباقية فيه، ثم أن حياة أسرته ذاتھا المترنحة بين‬
‫انحراف األب وعجز األم ومرض اإلخوة وقھر الظروف عمق في نفس‬
‫جبران مشاعر الحقد والكراھية للظروف التي تحاول أن تغتال فيھم الروح‬
‫اإلنسانية والكرامة البشرية وھو نفسه في حياته كان مثاال للتذبذب‬
‫واالضطراب فمن حياة من غير أسرة إلى عشرة بغير زواج مع "ماري‬
‫ھاسكل" إلى تناول المخدرات لتناسي الجرح وقھر الزمن وتسلط القدر‬
‫الذي عمق في نفسه مشاعر اإلحساس باليتم، إلى الثورة على السماء التي‬
                                                          ‫ّ‬
‫ال تبالي بعذاب المعذبين والتي تتواطأ بالصمت والالمباالة و كأنھا بكماء‬
‫خرساء، وقد تشفى جبران منھا بإنكارھا والتعالي عليھا ألنھا ال تفعل شيئا‬
‫لتغيير الواقع فتفضح المتدين المنافق وتغتال السياسي المستبد وتصيب‬
‫بالشلل اإلقطاعي الذي ينمي ثروته من امتصاص دماء الفالحين واستغالل‬
                                                          ‫عرق الجبين.‬
‫وھناك شيء ال يفوتنا إغفاله وھو نظرة جبران إلى المرأة تلك النظرة التي‬
‫ال تختصر المرأة في الجاذبية الجنسية وتلقي بھا دمية في مخدع الرجل‬


‫٦٩١‬
‫وال يفوته أن يعيرھا بقصورھا وبحيضھا وھي نظرة العربي اليوم إلى‬
                                 ‫ّ‬
‫المرأة، فعلى الرغم من مشاعر الود التي احتفظ بھا جبران لماري ھاسكل‬
‫التي وجد في أحضانھا الدفء والرعاية والحب إال أنه بعقله النافذ أدرك‬
‫أنھا ربما مودة أملتھا ظروفه البائسة ھو وإشفاق ماري عليه، وھذا ليس‬
‫بحب حقيقي فاتجه بحبه نحو امرأة أخرى ھي "ماري إلياس " أو " مي‬
‫زيادة " تلك الفلسطينية ثم اللبنانية والمقيمة بمصر صاحبة الحسّ المرھف‬
‫والخيال الجامح والقلم السيال والذكاء الخارق وصاحبة الصالون المشھور،‬
‫وقد كانت تتألق فيه يوم الثالثاء فتغدو أشبه بالمصباح يحوم حوله الفراش‬
‫وما الفراش إال نوابغ مصرفي ذلك الزمان كعباس محمود العقاد وأحمد‬
‫لطفي السيد ومحمد حسين ھيكل وقاسم أمين وطه حسين ومصطفى صادق‬
‫الرافعي ومحمد عبده وغيرھم، وقد وجد فيھا جبران المرأة الحقيقية التي‬
‫ظل يبحث عنھا ويھيم بھا ، امرأة غير نساء الحريم بل إنسان من لحم ودم‬
‫وروح و كيان متميز وفردية مستقلة، ليست ظال للرجل وال تابعا له، وقد‬
‫بادلھا مودة بمودة رغم البعد، فلم يرھا ولم تره حتى فرق الموت بينھما‬
                            ‫برحيله ھو ثم التحاقھا بشاطئ العدمية بعده.‬
‫وربما أمعن جبران في ثورته وفي تمرده وربما بتأثير من المخدر فتوھم‬
‫نفسه بوذا أو زرادشت يسوق الحكم ويلقي بالمعاني البكر فشط أحيانا عن‬
‫الصواب وموقفه من األسرة فيه شطط ومغاالة فھو يقول في العواصف "‬
‫إنما الزواج عبودية اإلنسان لقوة االستمرار فإن شئت أن تتحرر طلق‬
                                                ‫امرأتك وعش خاليا ".‬
‫وھو في بحثه عن المعاني ونبشه في بطون األلفاظ وبحثه عن اللباب يغالي‬
‫في تمرده وفي مواقفه مسفھا القيم والمثل العليا معتبرا إياھا جسدا بغير‬


‫٧٩١‬
‫روح أو جثة محنطة من بقايا التاريخ فھو يقول في العواصف :" قلت‬
‫أؤمن با وأكرم أنبياءه وأحب الفضيلة ولي رجاء باآلخرة فقال: ھذه ألفاظ‬
‫رتبتھا األجيال الغابرة ثم وضعھا االقتباس بين شفتيك، أما الحقيقة المجردة‬
‫فھي أنك ال تؤمن بغير نفسك وال تكرم سواھا وال تھوى غير أميالھا وال‬
‫رجاء لك إال بخلودھا، منذ البدء واإلنسان يعبد نفسه ولكنه يلقبھا بأسماء‬
‫مختلفة باختالف أمياله وأمانيه فتارة يدعوھا البعل وطورا المشتري‬
‫وأخرى ﷲ "، وليس من العسير دحض ھذه المقولة التي ترمي إلى إنكار‬
‫المطلق والمعياري، وبغيرھما يتسيب الوجود وتغدو الحياة اإلنسانية ھمال،‬
‫وفي التاريخ من الشخصيات من أنكرت "أناھا " وضحت بنفسھا في سبيل‬
‫نصرة الحق واالنتصار لإلنسانية وفضائلھا، وجبران يعرف ذلك جيدا،‬
 ‫إنما ھي آثار الظروف وجراح الواقع التي لم تندمل حتى وھو في أمريكا.‬
‫غير أن في بعض أفكار جبران معاني بكر تعزز الحرية اإلنسانية‬
‫وتستخلص اللباب من القشور وھي تستفز عقل القارئ وتدعوه للتأمل‬
‫والتفكير في مسار حياته معتمدا على " أناه" باحثا عن حريته مثمنا قدراته‬
‫الشخصية ونوازعه الذاتية، ولو استلزم ذلك إنكار الماضي والولوع‬
‫بالحاضر: "إن بلية األبناء في ھبات اآلباء ومن ال يحرم نفسه من عطايا‬
             ‫آبائه و أجداده يظل عبد األموات حتى يصير من األموات ".‬
‫وأما الثورة التي أحدثھا جبران في األدب العربي فتكمن في أسلوبه األدبي‬
‫الذي تجاوز به مدرسة اإلحياء في النثر العربي خاصة أسلوب المنفلوطي،‬
‫وفي نثره شعرية وموسيقى داخلية وروح رومانسية حالمة ثائرة باحثة عن‬
‫الحرية متعطشة إلى الكمال، أوھي ناسوت باحث عن الالھوت، وھنا تكمن‬
‫عظمة جبران ككاتب، وأي إنسان ال يقرأ ھذه الكلمات وال تحرك وجدانه‬


‫٨٩١‬
‫وتستفز عقله وتقع األلفاظ المستمدة من الطبيعة موقع الرضا واالستحسان‬
‫من القارئ: " أنت تنظر بعين الوھم فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة‬
‫الحياة فتظنھم أحياء وھم أموات منذ الوالدة ولكنھم لم يجدوا من يدفنھم‬
‫فظلوا منطرحين فوق الثرى ورائحة النتن تنبعث منھم "، ولقد تأثر جبران‬
‫بالشاعر اإلنجليزي الرومنطيقي "وليام بليك" بعد أن قرأ شعره وتمثل‬
‫روحه وھو القائل: "اذھب وطور قابليتك على رؤية الرؤى حتى تصل بھا‬
‫إلى أفضل ما يمكن أن تكون عليه"، فكان في أدبه صاحب رؤيا وكأنه‬
‫عراف انسدل شعره، وعبثت الريح بأطراف ثوبه األبيض وتحركت‬
‫الطبيعة وھدر الوجود بحفيف شجره وخرير مائه ولمعان برقه وھزيم‬
‫رعده و امتدت نظرة الشاعر وثابة نحو اآلفاق ال تنكسر وال تلين باحثة‬
‫عن عالم تزداد فيه إنسانية وشھامة وعدال، وأما جبران في شعره فكان‬
‫ناظما أكثر منه شاعرا فلقد تكلف الوزن والقافية فوقع فيما أنكره على‬
‫غيره، وفي شعره حاول أن يبدي موقفه من الوجود وجدية العالقات‬
‫اإلنسانية ومضمونھا، وھو متأثر بنيتشه وببوذا وزرادشت ومحي الدين بن‬
‫عربي ويسوع، حيث اقتبس معاني كثيرة عنھم وسجنھا بين حيطان البيت‬
‫وسقف القافية فجاءت أدنى مستوى من نثره ذي الروح الشعرية واللمسة‬
                                                               ‫اإلنسانية :‬
                  ‫الخير في الناس مصنوع إذا جبــــــروا‬
                  ‫والشر في الناس ال يفنى وإن قـــــــبروا‬
                 ‫وأكثر الناس آالت تحركھـــــــــــــــــــا‬
                ‫أصابع الدھــر يوما ثم تنكســـــــــــــــــر‬
                ‫فأفضــل الناس قطعان يسير بھـــــــــــا‬


‫٩٩١‬
                ‫صوت الرعـــاة ومن لم يمش يندثــــــــر‬
                ‫والعدل في األرض يبكي الجن لو سمعوا‬
               ‫به ويستضحك األموات لو نظـــــــــــروا‬
               ‫فالسجن والموت للجانين إن صغـــــــروا‬
                ‫والمجد والفخر واإلثراء إن كــــــــــبروا‬
                ‫ومحـــــــــــتقر‬   ‫فسارق الزھر مذموم‬
                ‫وسارق الحقل يدعى الباسل الخطـــــــر‬
                ‫والحق للعزم واألرواح إن قويــــــــــت‬
               ‫سادت وإن ضعفت حلت به الغـــــــــير‬
                 ‫ففي العرينة ريح ليس يقربــــــــــــــــه‬
                ‫بنو الثعالب غاب األسد أم حضـــــــروا‬
‫وتأثر جبران ھنا بفيلسوف القوة "نيتشه" صاحب كتاب "ھكذا تكلم‬
‫زرادشت" واضح ال ينكر، وبعد فماذا يبقى من جبران وماذا يثمن من‬
                                                              ‫مواقفه ؟‬
‫لقد كان جبران ظاھرة أدبية حقيقة باإلعجاب والتقدير مستحقة للخلود‬
‫األدبي، تجاوزت شرطھا الحياتي بفاصلته وترتيبه كما يقول علماء‬
‫الرياضة وقھرت ظروفھا بعبقريتھا وعطائھا ومعاناتھا اإلنسانية ولعل من‬
‫أثمن مواقفه دفاعه عن الحرية اإلنسانية وھي لباب الوجود اإلنساني‬
‫وحملته على التقليد ومقته للتعصب ودعوته إلى التسامح الديني وحربه‬
‫الشعواء على اإلقطاع السياسي والزراعي والديني وتنديده بالطبقية الجائرة‬
‫تلك الموبقات التي ھددت عافية العرب وأسلمتھم لقمة سائغة إلى القوى‬
‫اإلمبريالية األوروبية ثم األسلوب الساحر بروحه الشعرية وتراكيبه البديعة‬


‫٠٠٢‬
‫وخياله الخالق وإيقاعه الشعري، تلك الميزات التي تعرج بالقارئ إلى‬
‫سماوات الفن والھيام على الرغم من بعض سقطاته اللغوية ويشفع له‬
‫اضطراب حياته، ثم حياته فيما بعد في المھجر يتكلم بغير لغته األم، وعلى‬
‫الرغم من إسفافه أحيانا وتعاليه على قيم الدين والحياة وتسفيھھما وھذا كله‬
‫يفھم باالستناد إلى الخلفية الالشعورية فقد تركت ظروف القھر ندوبا في‬
‫نفس نابغتنا لم تقوى أمريكا وال الزمن على محو آثارھا وال بلسمة الجرح‬
      ‫أو تضميده، لھذا كله حق لنابغة لبنان والعرب أن يخلد في دنيا اإلبداع‬
‫واألدب وحق لقريته " بشري" أن تنال حظھا من الشھرة وھي تلك البلدة‬
                                       ‫الصغيرة المعزولة في شمال لبنان.‬




‫١٠٢‬
                     ‫) ١(‬
                            ‫الرفض في الشعر الحديث‬

‫إذا كان ال بد من كلمة تقال في شعر التفعيلة أو الشعر الحديث كما يحلو‬
‫للبعض تسميته تكون مفتاحه أو تلخص مساره أو مضمونه فلن تكون تلك‬
‫الكلمة غير كلمة الرفض، إنه شعر استھل مشواره اإلبداعي بالتمرد على‬
‫عمود الشعر الكالسيكي، ولئن حاول بعض الشعراء المحدثين التجديد في‬
‫الشعر باطراح التقليد والتكلف اللغوي بانتقاء اللفظ البراق والحرص على‬
‫الصدق الفني والتأكيد على التجربة الوجدانية شأن الرابطة القلمية وجماعة‬
‫الديوان وجماعة أبولو، فإن رواد الشعر الحديث رفضوا ھذا الموقف‬
‫مصرين على الثورة حريصين على سلوك مسلك في الشعر فريد من نوعه‬
‫ال يكتفي من التجديد بما سلف ذكره، بل يرفض عمود الشعر ويتمرد على‬
‫القافية ألنھا تخنق روح اإلبداع وتؤكد تبعية الشاعر للغة فضال على‬
‫اإلصرار على روح التقليد ورتابة الماضي، وھكذا فالشعر الحديث استھل‬
‫رفضه بالثورة على القالب الشعري زاعما أن القالب التقليدي ال ينسجم مع‬
‫روح العصر وال يلبي االحتياجات الفكرية والجمالية المستجدة خاصة وأن‬
‫عصرنا ھو عصر العلم والديمقراطية والحرية اإلنسانية -حرية الفكر‬
‫والمعتقد- وعصر حصلت فيه المرأة على حقوقھا ناھيك عن تأثير‬
‫االحتكاك بالثقافة األروبية التي تدمر روح الجمود لحساب روح االبتكار‬
‫وتؤكد على المضمون اإلنساني وتحرص على احترام فردية اإلنسان‬
‫وتميز كيانه الفكري واإليديولوجي والتي ھي في النھاية خالصة التجربة‬
‫الديمقراطية المنبثقة عن الثورة الفرنسية وإعالن حقوق اإلنسان، إن ھذه‬
      ‫القيم التي تمثلھا شعراؤنا المحدثون وتبنوھا كقناعات فكرية ومن ثمة‬
                                               ‫)١( مجلة ديوان العرب.‬

‫٢٠٢‬
‫تبلور الرفض وتحتمت الثورة كصرخة عميقة تزلزل الروح موقظة إياھا‬
‫من سبات عميق وخدر فكري زين لإلنسان العربي أوھام الماضي على‬
‫أنھا حقائق وفي مقدمتھا فكرة تاريخية عميقة تداولتھا األجيال على أنھا‬
‫مسلمة ال يأتيھا الباطل من بين يديھا وال من خلفھا وھي فكرة المركزية‬
‫ونعني بھا اعتقاد العربي أنه مركز التاريخ ودرة الوجود وحامل لواء‬
‫الحقيقة وما عداه فذيل أو ھو على الھامش، ال ھو في العير وال ھو في‬
‫النفير، وقد انتھت تلك األفكار بالعربي إلى إدانة العقل وتبني التقليد‬
‫وانتشار الثقافة الفقھية على حساب الثقافة العلمية ووئدت الحرية وأجھز‬
‫على الروح اإلنسانية في المرأة وھمشت أحقابا طويلة كما استبد الحاكم‬
‫وعبث باإلنسان وبالمال العام فعمت الجھالة وانتشرت الفوضى وترسخت‬
‫الطبقية وأصبحت الحياة العربية إلى تاريخ الحملة الفرنسية على مصر‬
‫عام )٨٩٧١( حياة عبثية مجردة من القصدية انتھت بالعالم العربي إلى‬
‫الوقوع فريسة سھلة بين مخالب القوى االستعمارية الفرنسية واإلنجليزية‬
         ‫خاصة كنتيجة حتمية لتراكمات العصور السابقة بظاللھا القاتمة.‬
‫فھذه األفكار شكلت القناعة الراسخة لدى شعراء الرفض في شعرنا‬
‫الحديث وحركت في نفوسھم وضمائرھم مشاعر السخط والتمرد بحثا عن‬
‫حرية افتقدوھا في رحاب مجتمع غارق في دياجير الجھالة والعماء،‬
‫وكانت أولى بوادر ھذا الرفض وإرھاصاته ھي رفض القالب الشعري‬
  ‫القديم ألنه اھتم بالقشور على حساب اللباب وبالزيف على حساب الحقيقة‬
‫وبالمصلحة الفردية على حساب المصلحة الجماعية والتي تنأى بالشاعر‬
‫عن دروب الحرية و تلقي به في قرار العبودية حارمة خالياه من التجدد‬
‫في رحاب الطبيعة والزمان، فرواد الشعر الحديث إذا أخرجوا الشعر من‬


‫٣٠٢‬
‫القمقم الذي وضعه فيه الخليل منذ القرن الثاني الھجري واضعا عنه أغالل‬
‫القافية ھادما حيطان البيت ذي الشطرين المتساويين واضعا ھندسة جديدة‬
‫وتصميما آخر ھو صنو الحرية وابن التلقائية ال ابن التكلف ينسجم مع‬
‫االنفعال وزخم األفكار وفردانية الـتأمل، إنه شعر ھو الذي يضبط‬
‫الموسيقى و يتحكم فيھا و ليست ھي بالمتحكمة فيه فالسطر يطول أو‬
‫يقصر حسب حدة الشعور و أھمية اللحظة وموقف الشاعر منھا، وفي‬
‫الصميم يحتفي ھذا الشعر بالموسيقى الداخلية ال بالموسيقى الخارجية‬
‫ويكون النص الشعري في النھاية رؤيا وموقفا فردانيا للشاعر من الوجود‬
‫في تداخل مظاھره وتفاعل عناصره وذلك ما يجعل من الشعر موقفا من‬
‫العالم و إعادة صياغة له تتجاوز واقعه الموضوعي إلى عالقته الجدلية‬
‫بالذات الشاعرة واندغام تلك الذات في ھذا الواقع وفق صيغة إنسانية‬
‫وليست ميكانيكية و في المحصلة أنسنة الوجود ال وصفه خارجيا وھذا ھو‬
‫اإلنجاز األول الذي حققه الشعر الحديث في رفضه لكل ما غدا دوغمائيا‬
‫جاھزا أثر الماضي فيه أطغى من أثر الحاضر، وال عجب أن يبدأ الرفض‬
‫من القالب الشعري ذاته وفي رفض النموذج الخليلي باعتباره مرحلة من‬
                        ‫مراحل التاريخ الثقافي والجمالي لألمة العربية.‬
‫ولعل أكبر الرافضين في الشعر الحديث " أدونيس" ورفضه إنساني يشمل‬
‫قيم الوجود وواقع األمة في ماضيھا وحاضرھا وتجليات ھذا الواقع في‬
             ‫السياسة والفكر والدين والعالقات االجتماعية يقول الشاعر:‬
                                         ‫أفتت العالم كي أمنحه الوجود‬
                                              ‫ضاربا بعصاي الصخر‬
                                                 ‫حيث ينبجس الرفض‬


‫٤٠٢‬
                                                     ‫يغسل جسد البسيطة‬
                                                    ‫معلنا طوفان الرفض‬
                                                        ‫معلنا سفر تكوينه‬
‫وللطوفان داللة خاصة ذلك أنه مصطلح ديني تداولته الكتب السماوية وھو‬
‫يعني اجتثاث الواقع و سحقه إيذانا بميالد عالم جديد ألن ذلك الواقع انتھى‬
‫إلى العقم وإلى الجدب والتصالح معه ال يجدي، ثم يأتي المصطلح التوراتي‬
‫الثاني "سفر التكوين" الذي يعني البداية األولى والخلق من جديد ، وكأنه‬
‫الواقع الذي تدنس أخالقيا بدليل كلمة "يغسل" في السطر الثالث والتي تعني‬
‫عقم الواقع وعطالته وتجرده من القيم اإلنسانية والحرية حجر الزاوية فيھا‬
‫والتي ابتذلتھا المؤسسات الرسمية السياسية والدينية والثقافية، فغدا اإلنسان‬
‫رقما في العالم ال حزمة من المشاعر والرؤى والمواقف الفردية التي تتأكد‬
‫بھا أنيته ميزته عن باقي الموجودات وأدونيس )علي أحمد سعيد( الشاعر‬
‫السوري المعاصر أكثر الشعراء إثارة للجدل واالھتمام في ذات الوقت ذلك‬
‫أنه شاعر ملغز، حلزوني الفكر ال يعطي سره للمراودة األولى بل يظل‬
‫محتفظا بسحره وبضبابيته في ذات الوقت مع االحتفاظ بقيمته كشاعر‬
‫صاحب رؤيا وموقف ذاتي من العالم يلخص األزمة الوجودية لكل واحد‬
‫منا إذا ضرب بعصا ه الصخر حيث ينبجس الرفض وقرر أن يتمرد على‬
‫الدوغمائيات الدينية و السياسية بالمعايير األخالقية بحثا عن عالم إنساني‬
                 ‫ال يكون الواحد منا فيه رقما بل ينطوي فيه العالم األكبر.‬
                                                               ‫من أنت ؟‬
                                                    ‫من تختار يا مھيار ؟‬
                                                              ‫أنى اتجھت‬


‫٥٠٢‬
                                                ‫ﷲ أو ھاوية الشيطان‬
                                           ‫ھاوية تذھب أو ھاوية تجئ‬
                                                       ‫والعالم اختيار‬
                                             ‫ال ﷲ أختار وال الشيطان‬
                                                   ‫كالھما يغلق عيني‬
                                              ‫ھل أبدل الجدار بالجدار‬


‫فإذا قيل: إن العالم اختيار فالشاعر يثور على ھذه الكلمة ألنھا تعني‬
‫االختيار القسري الذي ھو اضطرار مادام االختيار يقود إلى مسلكين عالم‬
‫ﷲ وعالم الشيطان وفي النھاية يتقلص حجم الحرية اإلنسانية ويصيب‬
‫اإلنسان مسخ فيصبح كأنه فأر تجارب ال يمكنه أن يسلك إال أحد المسلكين‬
‫مسلك اإليمان والتسليم والقول بأنه ليس في اإلمكان أبدع مما كان، ومسلك‬
‫التمرد والعصيان الذي غدا رتيبا تقليديا ألنه مسلك مرسم ومنظر له‬
‫سياجاته وحدوده في الفكر والشعور وكال المسلكين يرفضھما الشاعر‬
‫ألنھما يحدان من نظرته اإلنسانية وطابعه الفرداني وتأمالته في آفاق بكر‬
‫وعوالم لم تطأھا قدم إنسان من قبل وترى الشاعر في نظرته إلى الوجود‬
‫يصر على المسلك اإلنساني فھو يرفض الميتافيزيقا ألنھا ارتبطت في‬
‫الالوعي بالقھر والرھاب وربما القمع المترسبة عواقبه في الوجدان من‬
‫مغبة العصيان وارتكاب الخطيئة باألكل من الشجرة المحرمة والخوف من‬
‫فواجع القدر والباحث عن دروب الحرية وآفاق اإلنسانية البد له أن يرفض‬
‫كرفض الشاعر البعد الرأسي ويصر على البعد األفقي ليتأله الناسوت‬
       ‫ويتأنس الالھوت وھو ما توحي به كلمة "انحناء" في ھذا المقطع :‬


‫٦٠٢‬
                                                ‫مات إله كان من ھناك‬
                                              ‫يھبط من جمجمة السماء‬
                                              ‫لربما في الذعر والھالك‬
                                                     ‫في اليأس والمتاه‬
                                                ‫يصعد من أعماق اإلله‬
                                            ‫فاألرض لي سرير وزوجة‬
                                                        ‫والعالم انحناء‬
‫وإذا كان الرفض في المقطع األول ھو رفض وجودي وفي الثاني‬
‫ميتافيزيقي فھو في المقطع الثالث سياسي، والسياسة لھا سياجھا الدوغمائي‬
‫وأطرھا القھرية ومؤسساتھا القمعية وآصارھا الإلنسانية فتختصر اإلنسان‬
‫إلى حزمة من الغرائز أو تجعله ككلب"بافلوف" رھين المنعكسات‬
‫الشرطية بين مؤثر واستجابة ولعل المثقف العربي أكثر المثقفين تحمال‬
‫ألعباء السياسة وقھرھا وال إنسانيتھا فھي ھرم كبير يجثم على الصدر‬
‫ويكتم األنفاس حجارتھا ازدادت صالدة مع كر الدھور منذ األمويين وإلى‬
‫اآلن، ومؤسساتھا أطر للتضليل والتدجين ولذا يرفضھا الشاعر ويرفض‬
      ‫دوغمائياتھا مؤثرا دور المنبت الذي ال أرضا قطع و ال ظھرا أبقى !‬
‫ولكن ھذا المنبت وبحكم إنسانيته و طبعه االجتماعي وروابطه اإلنسانية‬
‫أقوى من أن يظل من األوابد فاالنفصال عن المجموع ما ھو إال جري‬
‫وراء السراب في الحقيقة، واإلنسان يستمد بقاءه من الجماعة فھو يحيا فيھا‬
‫وبھا وھي التي تلھمه الثورة والتمرد وتعزز فيه ذاتيته وتشحذ ذھنه للبحث‬
‫عن اللباب والمضمون اإلنساني في العالقات االجتماعية وفي أشكال‬




‫٧٠٢‬
‫اإلنتاج والرافض يظل يترنح بين قطبي االتصال واالنفصال أي ھو‬
                                   ‫المتصل المنفصل والمنفصل المتصل:‬
                                               ‫تريد ونني أن أكون مثلكم‬
                                             ‫تطبخونني في قدر صلواتكم‬
                                ‫تمزجونني بحساء العساكر وفلفل الطاغية‬
                                               ‫ثم تنصبونني خيمة للوالي‬
                                                ‫وترفعون جمجمتي بيرقا‬
                                           ‫آه يا موتى ؟ تعيشون كالبالط‬
                                        ‫يفصلني عنكم بعد بحجم السراب‬
                                                ‫ال أستطيع أن أحيا معكم‬
                                             ‫ال أستطيع أن أحيا إال معكم‬
‫ويأتي كذلك في طليعة الشعراء المحدثين الرافضين الشاعر اللبناني خليل‬
‫حاوي ولعل موته منتحرا بعد غزو إسرائيل للبنان واجتياح بيروت عام‬
‫)٢٨٩١( تعبير عن رفضه السياسي ذلك الرفض الذي كان صرخة في‬
‫وجه األنظمة العربية القابلة للواقع المملى عليھا الراضية بالتدجين القانعة‬
‫من الصراع بالتطبيع، إنه رفض للھزيمة وعد م اعتراف بشرعية الواقع‬
‫الذي صارت إسرائيل طرفا فاعال فيه ورفض لألنظمة العربية الفاقدة‬
‫للشرف وللعذرية والتي أسلمت فلسطين إلى مصيرھا التراجيدي وتھاونت‬
‫في قضية لبنان وسكتت عن احتالل الجوالن وانتھت مصر لقمة سائغة بعد‬
‫اتفاقيات كامب ديفيد، كل ھذه الجروح لم تندمل في روح الشاعر وضميره‬
‫الذي اقتنع بأن كل شيء في العالم العربي قد أجدب وأصيب بخصاء فكري‬
‫وأخالقي ووجداني بما فيه الحياة الثقافية ورأى أن المعادل الموضوعي‬


‫٨٠٢‬
‫لھذا المأزق الوجودي ھو الموت فرحل بإرادته تعبيرا عن حالة رفض‬
                                 ‫كالني للواقع وعدم اعتراف بشرعيته.‬
‫وفي شعر خليل حاوي نقع على ھذا الرفض بغير عناء كبير ففي قصيدته‬
‫"ضباب وبروق" نقع على حالة يأس تام استسلم لھا الشاعر وحالة عطالة‬
‫انتھى إليھا وال أدل على ذلك من استخدام كلمة "المقھى" الموحية بالعطالة‬
‫وأما حالة الجدب والخصاء واليأس فعبر عنھا في ھذا المقطع كلمة "البوم"‬
‫وأما لفظة "النسر" فداللتھا ھي الشموخ و الكبرياء إنھا كلمات مشبعة‬
                                           ‫بالرفض ومضمخة باليأس :‬
                                             ‫ضجة المقھى ضباب التبغ‬
                                       ‫مصباح وأشباح يغشيھا الضباب‬
                                       ‫ويغشى رعشة في شفتي السفلي‬
                                         ‫يغشى صمت وجھي ووجومه‬
                                                           ‫أفرخ البوم‬
                                                         ‫ومات النسر‬
                                           ‫في قلبي الذي اعتاد الھزيمة‬
‫والشاعر ال ينسى أن يذكرنا بأحالمه الماضية ولعلھا الشبابية حين كان‬
‫طالبا في جامعة كمبردج، وكيف كان الحلم ناصعا بغد عربي مشرق‬
‫ووحدة عربية ونھضة فكرية وعلمية وأدبية واندحار للفكر الصھيوني‬
‫المتطرفة الدينية‬   ‫المتطرف في بالدنا وتالشي لكل التيارات العمياء‬
‫والسياسية في عالمنا العربي وقد جد الشاعر واجتھد باحثا عن المعرفة‬
‫التي سيوظفھا في خدمة ھذا الحلم وعن النور الذي سينير به حلكات‬
          ‫الطريق مضحيا بمصلحته الشخصية لحساب مصلحة المجموع:‬


‫٩٠٢‬
                                             ‫طالما جعت ،افترست الجمر‬
                                                            ‫أتلفت الليالي‬
                                                   ‫أتقي ما أشتھيه وأھاب‬
                                        ‫وأطيل الجوع حتى ينطوي الجوع‬
                                                      ‫على موت الرغاب‬
‫ثم جاءت ساعة الحقيقة وانجلى الواقع على قبض الريح وحصاد الھشيم فال‬
‫الوطن تحرر وال العدو اندحر وال المجتمع تقدم وانتھى الشاعر نازفا‬
‫بالدماء كأنه أحد أبطال التراجيديا اإلغريقية، كأنه بروميثيوس بعد أن بدأ‬
‫مشواره كأحد أبطال السير الشعبية وكأنه أبو زيد الھاللي، وھو في األخير‬
‫رفض ال يصنع شيئا وال يغير واقعا غير حفظ الكرامة اإلنسانية وصيانتھا‬
‫عن االبتذال لقاء أي عرض من أعراض السياسة أو الرفاه وإذا كان األمر‬
      ‫كذلك فال جرم أن تدمر الذات إنقاذا لھا من مزيد من المعاناة الصامتة:‬
                                     ‫في جبال من كوابيس التخلي والسھاد‬
                                    ‫حيث حطت بومة سوداء تجتر السواد‬
                                            ‫الصدى والظل والدمع جماد !‬
‫وأما الشاعر الكبير عبد الوھاب البياتي ذلك الشاعر الذي طوف في الدنيا‬
‫منفيا ومشردا من موسكو إلى مدريد وإلى دمشق فقد جسد في شعره وفي‬
‫حياته حالة الرفض للقھر السياسي واستبداد الحكام وحالة الرفض لكل‬
‫السلطات الدنيوية والدينية كاإلكليروس الديني والمؤسسات السياسية‬
‫والثقافية الرسمية ألنھا تمارس اإلكراه على الحرية اإلنسانية وتعتدي على‬
‫الكرامة البشرية وقد امتد رفض البياتي ھذا إلى اإلعجاب برافضين من‬
‫تاريخنا العربي ومن العالم الغربي، فمحي الدين بن عربي الشاعر‬


‫٠١٢‬
‫األندلسي صاحب فلسفة وحدة الوجود والفتوحات الملكية كان في تصوفه‬
‫وفي حبه رافضا للثقافة السائدة والتدين الساري متبنيا موقفا إنسانيا فريدا ال‬
‫عالقة له بما ھو جاري العمل به في الواقع ،وقد نال ھذا الشاعر احترام‬
        ‫وحب البياتي إلى درجة أنه أوصى أن يدفن إلى جواره في دمشق.‬
‫ويمتد إعجاب البياتي إلى شاعر كبير من إسبانيا ھو غارسيا لورقا وھو‬
‫في الشعر اإلسباني شاعر رافض ورفضه أدى إلى موته مقتوال على أيدي‬
                                            ‫قوات فرانكو ديكتاتور إسبانيا.‬
‫لقد رفض لورقا الثقافة الرسمية التي تنص على مركزية أوربا وھامشية‬
‫العالم اآلخر كما رفض النظرية التي تربط التفوق بلون البشرة والدم،‬
‫وترجع تقھقر إسبانيا الصناعي والعلمي قياسا إلى فرنسا وألمانيا إلى‬
‫الوجود العربي أيام األندلس، فقد رفض ھذا الشاعر البديع أن يعتبر‬
‫الوجود العربي اإلسالمي في إسبانيا احتالال حال دون تقدم شبه الجزيرة‬
‫األيبيرية، بل اعتبره وجودا حضاريا أفاد اسبانيا عمرانيا وعلميا وفكريا‬
‫وفنيا لم يحسن األسبان فيما بعد احتضانه وتمثله فكانت ھمجية فردناند‬
‫وإيزابيال وجنودھا التي صنعت فضائع يندى لھا جبين اإلنسانية وقد عبر‬
‫لورقا عن مواقفه ھذه شعرا وفي لقاءاته الصحفية إلى درجة إقالق النظام‬
                     ‫الحاكم فأعدمته قوات فرانكو تخلصا منه ومن مواقفه.‬
‫إذا وجد البياتي في ھذا الشاعر صديقا كما وجد ذلك في شاعر المتصوفة‬
‫وصوفي الشعراء محي الدين بن عربي والبياتي يرفض تخاذل المثقف في‬
‫السكوت على ظلم الحاكم والتعلل لذلك بقوة السلطان وجبروته وحاجات‬
‫النفس والتمادي في ھذا الموقف المتخاذل إلى درجة التحول من سيف‬




‫١١٢‬
‫يناضل ضد القھر والعماء إلى مروحة تجلب للحاكم النسيم العليل لقاء اتقاء‬
                                             ‫شره والظفر بمغانم الدنيا !‬
‫ولقد كان الشاعر مؤمنا أن الثقافة الحقة يجب أن يتحلى الموصوف بھا‬
‫بصفة النضال ضد الطبقية والرجعية والتخلف والقھر لحساب النھضة‬
‫والحرية والكرامة خاصة والمجتمع العربي في المنعطف لم يخرج إلى‬
      ‫آفاق العلم والحرية واإلبداع الرحبة كغيره من شعوب العالم المتمدن.‬
‫إنه يرفض المثقف المتحول إلى حزمة من الغرائز تنشد اإلشباع في البالط‬
‫ساكتة عن جرائم السلطان مؤثرة المصلحة الفردية على حساب مصلحة‬
                                         ‫الجماعة فھو يقول عن المثقف:‬
                                                        ‫يداعب األوتار‬
                                         ‫يمشي فوق حد السيف والدخان‬
                                                     ‫يرقص فوق الحبل‬
                                                          ‫يأكل الزجاج‬
                                                    ‫ينثني مغنيا سكران‬
                                                           ‫يقلد السعدان‬
                                    ‫يركب فوق متنه األطفال في البستان‬
                                 ‫يخرج للشمس إذا مدت إليه يدھا اللسان‬
                                                 ‫يكلم النجوم واألموات‬
                                                    ‫ينام في الساحات !‬
‫فھذا المثقف الذي كان يفترض فيه أن يكون طليعيا تحول إلى بھلوان يجيد‬
‫الرياء والتالعب بمشاعر األمة وخداعھا والتمويه عليھا، لقد صار‬
‫كالدرويش رمزا للسذاجة والغفلة وقد غدا األمر ھزأة فھو ينام في‬


‫٢١٢‬
‫الساحات ويكلم األموات ويتعامل بغباء مع قيم الثورة والحرية والعطاء‬
                               ‫فيخرج للشمس إذا مدت إليه يدھا اللسان !‬
‫ونأتي في خاتمة المقال إلى شاعر مثير للجدل ال تكف األلسن عن تداول‬
‫اسمه وترديد شعره فھو في المحدثين كأبي الطيب في القدماء إنه الشاعر‬
‫السوري نزار قباني فقد كانت حياته ھو اآلخر تجسيدا لمبدأ الرفض‬
‫وكان شعره بلورة له وذھابا به إلى أقصى المعمورة صراخا وتشھيرا‬
‫به، وأما رفضه فيتجلى في موقفه من المرأة ومن الحب حين رفض‬
‫رواية المؤسسة الرسمية المليئة بالنفاق والتحايل والقھر والكذب والسادية‬
‫واحتقار الكرامة اإلنسانية المتجلية في األنوثة وفي الحط من قدرھا‬
‫وتلخيصھا في ميزاتھا الجنسية ألنه مجتمع الكواليس، يبطن غير ما‬
‫يظھر ويرى الحب جريرة والحديث عنه دعارة وال يرى مانعا من‬
‫ممارسته في الخفاء ، أال إنه مجتمع منحط حين يأتي الرجل والمرأة‬
‫كالھما فعال واحد فيرى الرجل بطال والمرأة مومسا، وقد جسد ھذا‬
‫الرفض في انتقامه لألخت المنتحرة التي رفضت ھي األخرى زواجا‬
‫قسريا مفضلة الموت عليه بالتشھير بالحب وبنعيمه وبالتغني بمواطن‬
  ‫الفتنة في المرأة وفي اإلعالء من شأن األنوثة منذ صدور ديوانه األول‬
      ‫"طفولة نھد" الذي تحول تحت ضغط المؤسسات الرسمية الوصية إلى‬
                                                      ‫"طفولة نھر" .‬
‫وأما الرفض السياسي فللشاعر فيه صوالت وجوالت منذ‬
‫صدور"ھوامش على دفتر النكسة"، وقد كان الشاعر فضاحا للمواقف‬
‫المتخاذلة مشھرا بھا ال يھادن وال يسالم معتبرا جبن الساسة وتخاذلھم بل‬
‫ونفاقھم ھو الذي أسلم فلسطين إلى أعدائھا ورھن مستقبل كامل البالد‬


‫٣١٢‬
‫العربية وفي قصيدته المشھورة التي بعث بھا إلى جامعة الدول العربية‬
‫بتونس والتي عنوانھا "أنا متعب بعروبتي" يتجلى ھذا الرفض في حالة‬
‫من الثورة العارمة واالنفعاالت الحادة المعبرة عن عمق الجرح ونزيفه‬
‫ولقد كتبھا الشاعر على الطريقة العمودية ليرد على مؤسسة رسمية‬
‫بقالب شعري رسمي نظر له الخليل ال يعوزه التحكم فيه والسيطرة عليه‬
‫وقد كان تأثير ھذه القصيدة مدويا ألنھا صادفت ھوى جميع العرب‬
             ‫وعبرت عن مكنون ضمائرھم فمن رفض طغيان الساسة :‬
                          ‫من أين يأتي الشعر يا قرطــاجة‬
                          ‫وﷲ مات وعادت األنصــــــاب؟‬
                          ‫من أين يأتي الشعر حين نھارھا‬
                         ‫قمع وحين مساؤنا إرھــــــــــاب؟‬
                          ‫سرقوا أصابعنا وعطر حـروفــنا‬
                        ‫فبأي شيء يكتب الكتــــــــــــاب ؟‬
                         ‫والــــحكم شرطي يســــير وراءنا‬
                         ‫فنـكھة خــــبزنا استــــــــــــجواب‬
      ‫إلى رفض استبداد المؤسسات الثقافية وممثليھا من الشعراء خاصة:‬
                          ‫من أين أدخل في القصيدة يا ترى‬
                           ‫وحدائق الشعر الجميل خراب؟‬
                          ‫لـــــم يبق في دار الــبالبل بــلبل‬
                            ‫ال الــبحتري ھنــا وال زريــاب‬
                           ‫شعراء ھذا اليوم جـــنس ثـــالث‬
                           ‫الـــــقول فوضى والكالم ضباب‬


‫٤١٢‬
                             ‫الالھثون على ھـــوامش عمرنا‬
                            ‫سيان إن حضروا وإن ھم غابوا‬
‫إذا لقد كان الشعر الحديث بتمثله لمبدأ الرفض شعرا تقدميا وإنسانيا وكان‬
‫ھؤالء الشعراء األعالم فرسان الكلمة ورجال الموقف نأوا بالشعر عن‬
‫قصور الحكام ونزھوا الشعر عن تضمنه العربدة المحببة إلى قلوب‬
‫الجماھير، لقد طوحوا به في آفاق اإلنسانية الرحبة، والتزموا حقا- كما‬
‫يلح جون بول سارتر على فكرة االلتزام في األدب وعلى ضرورة‬
‫تأميمه- بقضايا الوطن وتاريخه العريق وحاضره التعس ومستقبله‬
‫المرھون بال خطابية فجة أوإيديولوجية مقيتة فحافظ شعرھم على‬
‫طراوته ونكھته الوجدانية ومضامينه الفكرية واإلنسانية، وقد ساعدھم‬
‫على ذلك نفس شعري قوي ال يخمد وروح تجديدية عنيدة ال تقھر وال‬
‫تخبو نارھا، ووعي بالواقع في عالقاته المتشابكة خاصة مع الغرب‬
‫سياسة وثقافة بل وقوتا، فجاء ھذا الشعر في صيغته الحديثة شعرا إنسانيا‬
‫-على الرغم من عثراته ونقائصه- وقد أثبت قوته وشبابه وحصانته وأنه‬
‫قادر على اكتساح المنابر الثقافية وضم المريدين واألشياع رغم تمرده‬
‫على الذاكرة والخطابية والترنم، وھو رد حاسم على كل المشككين في‬
                                                ‫جدوى الشعر الحديث.‬




‫٥١٢‬
                    ‫) ١(‬
                           ‫ربــــــاعيـــات الـخيــــــــــام‬
                            ‫روعة االنتشاء ولوعة الفناء‬

                                             ‫غدونا لذي األفالك لعبة العـــب‬
                                             ‫أقول مقاال لست فيه بكــــــــاذب‬
                                             ‫على نطع ھذا الكون قد لعبت بنا‬
                                              ‫وعدنا لصندوق الفنا بالتعاقــــب‬
                             ‫عمر بن إبراھيم الخيام‬

‫إذا كان المعري في الشعر العربي ھو "شاعر الفالسفة وفيلسوف‬
‫الشعراء" ذلك أنه ضمن شعره آراءه الفلسفية في الحياة وخالصة تأمالته‬
‫وقراءاته في الفكر الفلسفي وقد جمع ذلك كله في "اللزوميات"، فحق‬
‫لشاعر نيسابور وعالمھا عمر الخيام أن يدعى شاعر العلماء وعالم‬
‫الشعراء، فقد جمع بين العلم الدقيق والفن األصيل وزاوج بين التأمل في‬
‫العدد والتأمل في الوجود، فجاء في شعره كما جاء في علمه فرادة إبداع‬
‫وأصالة فكر وصدق فراسة وحرارة وجدان، وحق لزبدة إبداعه الشعري‬
‫المعروفة بـ "الرباعيات" أن تنال مرتبة الخلود ومرتبة العالمية، ذلك أنھا‬
‫خير ما أبدعته فارس من الشعر الجامع بين عمق الفكرة وجمال العبارة‬
‫وصدق الشعور وحق لعمر الخيام أن يستوي بين شعراء فارس شاعرا فذا‬
‫من كبار شعراء اإلنسانية وأن تكون رباعياته زادا فكريا وجماليا وإنسانيا‬
                                                ‫خير ما تھديه فارس إلى العالم .‬
‫وحياة الخيام غامضة ال نعرف عنھا الكثير وأول شك ينتاب الباحث ھو‬
‫تحديد تاريخ ميالده وقد تضاربت الروايات في ذلك ومن المرجح أنه ولد‬
‫في النصف الثاني من القرن الخامس الھجري وقد عاش في زمن السالجقة‬
                                                  ‫)١( بانوراما سورية، ٩٠٠٢.‬


‫٦١٢‬
‫وھو عصر تميز باإلحن والدسائس واالغتياالت،وأما لقب الخيام الذي‬
‫اشتھر به فقيل أن والده كان صانع خيام، ولقد عرف الخيام منذ حداثة‬
‫عھده باأللمعية والذكاء، فحفظ القرآن الكريم وأتقن علوم اللغة والدين‬
‫وآنس من نفسه الميل إلى الرياضيات والفلك فأبدع فيھما وبھما طار ذكره‬
‫في البالد اإلسالمية وقربه الملوك والرؤساء وكان السلطان ملك شاه‬
‫السلجوقي ينزله منزلة الندماء والخاقان شمس الملوك ببخارى يعظمه‬
‫ويجلسه معه على سريره، وأما أصدقاؤه في شبابه فھما "نظام‬
‫الملك"و"حسن الصباح" الداعية الفاطمي الذي فر إلى "ألموت" وھي قلعة‬
‫أسس فيھا حكم" اإلسماعيليين" الذين قضى عليھم "ھوالكو" عام‬
‫)٦٥٢١(م ولما استوزر "نظام الملك" جعل لصديقه عمر عشرة آالف‬
‫دينارا من دخل نيسابور إجالال لمقامه وتقديرا لعلمه، ووفاء لميثاق‬
‫الصداقة بينھما، ثم اغتيل نظام الملك وانقطع دخل الخيام وقدحت العامة‬
‫في دينه ورمته بالزندقة فلزم التقية، واختلف مؤرخو زمانه في عقيدته‬
‫وسيرته قال فيه البيھقي: "أنه تلو ابن سينا في أجزاء علوم الحكمة وعرفه‬
‫باإلمام وحجة الحق غير أنه أضاف أنه كان سيء الخلق ضيق العطن‬
‫وكان يتخلل بخالل من ذھب، أما ابن األثير في الكامل فذكر أنه أحد‬
‫المنجمين عملوا الرصد للسلطان ملك شاه السلجوقي سنة )٧٦٤( ھـ وقال‬
‫عنه القفطي في تاريخ حكماء اإلسالم :" إمام خراسان وعالمة الزمان يعلم‬
‫علم يونان، ويحث على طلب الواحد الديان، بتطھير الحركات البدنية‬
‫لتنزيه النفس اإلنسانية" وأما وفاة الخيام فمنھم من يجعلھا سنة )٥١٥( ھـ‬
‫الموافق لـ)١٢١١(م ومنھم من يجعلھا سنة )٦٢٥(ھـ الموافق لـ )٢٣١١(م‬




‫٧١٢‬
‫ومن مآثر الخيام العلمية "شرح ما يشكل من ھندسة إقليدس" و"مقالة في‬
                   ‫الجبر والمقابلة"، إضافة إلى أرصاده وأزياجه الفلكية.‬
‫وقد قامت شھرة الخيام على الرباعيات وھي تلك المقطوعات الشعرية‬
‫المقسمة إلى أربعة أبيات ضمنھا فلسفته في الوجود والمالحظ في‬
‫الرباعيات ھو اتفاق البيت األول والثاني والرابع في الروي واستقالل‬
 ‫البيت الثالث برويه وھو ما يشبه كثيرا الدوبيت الرباعي الفارسي األصل.‬
‫ولئن اختلف نقاد األدب ودارسو حياة الخيام في صحة نسبة الرباعيات إليه‬
‫أو بعضھا، فمن قائل أنھا ليست لعمر الخيام الرياضي، وإنما لشاعر آخر‬
‫بھذا االسم، إلى ناقد آخر يزعم أن بعضھا تصح نسبتھا إليه، وبعضھا‬
‫اآلخر مدسوس عليه خصوصا ما تعلق باإلشارة إلى الغيب والقدر‬
‫واإليمان والبعث، وقد تعمد كثيرون تشويه صورة الخيام غيرة وحسدا‬
‫فنظموا شعرا ونسبوه إليه حتى تثور عليه العامة وينتھي أمره إلى الحاكم‬
‫الذي سيأمر بقتله رميا بالزندقة، وفي أدبنا نظير لذلك، فالمعري دس عليه‬
‫الكثيرون شعرا لم يقله يثور فيه على األديان بل يسفھھا وينتقد الرسل‬
‫ويشكك في عالم الغيب غير أن المعري برئ من ذلك، ومن قائل أن كثيرا‬
‫من محبي الخيام والمتحمسين له كلما وجدوا شعرا على شاكلة الرباعيات‬
                            ‫وخفي عليھم قائله نسبوه إليه عن حسن نية.‬
‫والشك أن استقصاء األمر صعب وتتبع مسارب التاريخ المظلمة في‬
‫ظل غياب الوثائق التاريخية التي تنير حلكاته يجعل من األمر شبه‬
                                                            ‫مستحيل !‬
‫ولقد رأى نقاد األدب عندنا وشعراؤنا المحدثون الرأي األول أي صحة‬
‫نسبة بعض الرباعيات إلى الخيام وإنكار البعض اآلخر وتحمسوا لھا‬


‫٨١٢‬
‫تحمسا منقطع النظير، والحق أن الرباعيات تحفة فنية وكنز أدبي حقيق‬
‫بالخلود وحقيق بالعالمية ألن مضمونھا إنساني، على الرغم من تأخر‬
‫ولـ"سكوت فيتزجرالد" "‪ "Scott Fitzgerald‬اإلنجليزي دالة‬    ‫اكتشاف ذلك‬
‫على الخيام فھو الذي اكتشفھا ودرسھا وتحمس لھا وترجمھا إلى اإلنجليزية‬
‫فأحدثت دويا كبيرا تجاوز إنجلترا إلى أروبا وأمريكا، بل أسس فيتزجرالد‬
‫ناديا في لندن سماه "نادي الخيام" ضم كل محبي الخيام وشعره، ولم يكتف‬
‫بذلك بل سافر إلى مسقط رأس الخيام وزار قبره وأحضر معه زھرة من‬
‫الزھور الحافة من حول القبر وغرسھا في ناديه بلندن حتى تنفحھم بأريج‬
‫الشاعر وأريج رباعياته، ودعك من األسطورة التي روج لھا الكثيرون من‬
‫محبي الخيام والتي تزعم أن الخيام تنبأ في حياته بنمو نوع معين من‬
‫الزھور حول قبره، وھذا اللون من القصص نعرف المغزى منه،‬
‫فالشخصية التاريخية يخلق محبوھا أساطير حولھا حتى يستلوا مشاعر‬
‫اإلعجاب من الناس ويخلقوا ھالة من القداسة ألن النفس المحبة تنزع إلى‬
‫أن تشاركھا األنفس مشاعرھا، غير أن الناقد الحصيف ال يفوته ذلك‬
‫،وباكتشاف فيتزجرالد للخيام وترجمته لرباعياته تنبه أدباؤنا ونقادنا إلى‬
‫قيمة الرباعيات ومضمونھا اإلنساني وغناھا الشعوري وقيمھا الفنية‬
‫والجمالية وتحمسوا لنقلھا إلى لغة الضاد ومنھم من عربھا عن اإلنجليزية‬
‫كمحمد السباعي ومنھم من عربھا عن الفارسية كالشاعر المصري أحمد‬
‫رامي الذي سافر إلى باريس لدراسة اللغة الفارسية عامين منقبا وباحثا في‬
‫األدب الفارسي ورباعيات الخيام تحديدا، وعقب عودته عين أمينا بدار‬
‫الكتب المصرية وكان قد تھيأ له زاد أدبي فأسقط كثيرا من الرباعيات‬




‫٩١٢‬
‫وعرب ما وثق أنه تصح نسبته إلى الخيام وقد شاعت ھذه الترجمة بعد أن‬
                                             ‫غنت أم كلثوم بعضا منھا.‬
‫وربما كان في ترجمة رامي بعض التصرف غير أنه سعى جھده حتى‬
‫ال يتقول على الخيام ما لم يقله وأن يخرج عن روح الرباعيات ساعيا‬
‫جھده في ذات الوقت أن تكون الرباعيات في العربية تحفة بيانية وإنسانية‬
‫وغير السباعي ورامي من الذين ترجموا الرباعيات الشاعر العراقي جميل‬
‫صدقي الزھاوي وأحمد الصافي النجفي وقد عرباھا عن الفارسية، ووديع‬
‫البستاني والشاعر البحريني إبراھيم العريض الذي توفي حديثا وقد عرباھا‬
‫عن اإلنجليزية، وليست ھذه ھي كل الترجمات إنما المشھور منھا وستبقى‬
‫بسحرھا ومضمونھا اإلنساني وحيرتھا الوجودية مصدر إغراء لألدباء‬
‫العرب على مر األجيال وكر الدھور بنقلھا كرة أخرى إلى العربية إمعانا‬
                           ‫في الدقة والقرب من روحھا وروح مبتكرھا.‬
‫إن رباعيات الخيام إذا ترنيمة حزينة تنعى إلينا زوال اإلنسان وھيمنة‬
‫الزمن وقھره للموجودات وانقالب لحظات المتعة شقوة وھيمنة الزمن‬
‫وقھره للموجودات وانقالب لحظات اإلنسان مجرد ذكرى شأن الجذوة تشع‬
‫نارا ونورا ثم تخبو رمادا واإلنسان ال حول له وال قوة أمام ھذا القھر‬
‫الكوني المتجلي في الموت الذي يطال بسيفه اإلنسان ثمرة الوجود ومكمن‬
‫العبقرية وسر الحياة ومستودع المشاعر فيغدو ذلك الكائن رھين اللحد‬
‫والدود والظالم األبدي كأن لم يكن باألمس ذلك الشاعر أو العالم أو الحاكم‬
‫أو الفقيه أو الثري الذي مأل األسماع و األبصار ، وتغدو لحظات صفوه‬
‫وأنسه مجرد ذكرى، فما الذي ينقذ اإلنسان من ھذا المأزق الوجودي ؟ ال‬
‫شيء غير طلب النشوة التي تھيؤھا الخمرة والبھجة التي ينشرھا مجلس‬


‫٠٢٢‬
‫أنس وذلك عزاؤه وذريعته إلى تناسي فجيعة الموت مادام ليس في اإلمكان‬
  ‫تفادي قبضته، قال الخيام ) من ترجمة إبراھيم العريض من المتقارب (:‬
                       ‫فھات حبيبي لي الكأس ھــــات‬
                       ‫سأنسى لــــــھا كـل ماض وآت‬
                        ‫غــدا ويح نفسي غدا قد أعــود‬
                         ‫وأعرقھم في البلى من لداتــي‬
                                                              ‫ويقول أيضا:‬
                         ‫أفق يا نديم استھل الصبـــــاح‬
                        ‫و باكر صبوحك نخب المالح‬
                      ‫فمكثك بين الندامى قليــــــــــل‬
                      ‫وال رجعة لك بعد الـــــــرواح‬
‫وليست فجيعة الزوال مشاعر حوم حولھا الخيام لوحده فطرفة بن العبد‬
      ‫الشاعر الجاھلي الذي قتل في سن السادسة والعشرين تناول ذلك في‬
                                                                   ‫شعره:‬
                  ‫أال أيھذا الزاجري أن أحضر الوغى‬
                   ‫وأن أشھد اللذات ھل أنت مخلدي ؟‬
                   ‫فإن كــنت ال تستــطيع دفــع منيتـي‬
                   ‫فـــدعني أبــادرھا بما مـــلكت يدي‬
                                                              ‫ويقول كذلك:‬
                      ‫لعمرك إن الموت ما أخـــطأ الفتى‬
                     ‫لكـــالطول المرخى وثنياه باليــــــد‬
                     ‫متى مــــا يشــأ يومـــا يقده لحتـــفه‬


‫١٢٢‬
                      ‫ومــن يــك في حبل المنية ينـــــــقد‬
‫غير أن الخيام يمتاز عن طرفة وغيره ممن تناولوا فجيعة الرحيل‬
‫بإبداع معمار فني ضمنه فلسفته الوجودية من المقطع األول إلى المقطع‬
‫األخير دون أن ينصرف إلى أشياء أخرى أو يتناقض مع نفسه وذلك ھو‬
                                                             ‫امتيازه الكبير.‬
‫وللخمرة حضور قوي في الرباعيات بل ھي محورھا األساسي أليست‬
‫مھوى القلوب ومطلب األنفس الشاعرة وملجأ المعذبين يتوسلون بھا‬
‫عرائس الشعر علھا تجود عليھم بآيات العبقرية بل حتى المتصوفة وھم‬
‫رھط من الناس انقطع إلى العبادة والتأمل والمجاھدة طلبا للعرفان وقد‬
‫عرف ھذا الرھط بالتقوى وقيام الليل وما ذاقوا خمرة في حياتھم قط، لم‬
‫يجدوا غير الكرمة والخمرة والكأس يكنون بھا عن الحب اإللھي واالنتشاء‬
‫به، متناسين دنياھم منقطعين عن العالم متوحدين في األباطح والقلل، ألم‬
                      ‫يقل ابن الفارض مكنيا بالخمرة عن الحب اإللھي:‬
                    ‫شربنا على ذكر الحبيب مدامـــــــة‬
                   ‫سكرنا بھا من قبل أن تخلق الكـــرم‬
                   ‫صفاء وال مــاء ولطف وال ھـــــــوا‬
                    ‫ونـور وال نــــار وروح وال جسم !‬
                   ‫وقــالوا شربت اإلثم كال وإنمـــــــــا‬
                  ‫شربت التي في تركھا عندي اإلثــم !‬
‫أما خمرة الخيام فھي بنت الكروم وقعيدة الدنان، ھي خمرة حقيقية‬
‫وليست مجازية ھي سلوى الراحل وعزاؤه وذريعته إلى النسيان بھا تقر‬




‫٢٢٢‬
‫عينه وتنتشي نفسه، ويسكن رأسه فال جرم أن يطلبھا ملحا في طلبھا قبل‬
                                                             ‫ساعة الرحيل:‬
                       ‫سيحيا لحبك قلبي المــــــــعنى‬

                      ‫لـجورك مادام وعدك مــــــــــنا‬
                     ‫لطرفك يسقي مع الخمر خـــمرا‬

                     ‫فـيبدع فــــــــــــــنا وأبدع فـــنا‬
                                                                ‫ثم يضيف:‬

                    ‫فـــــجدد مع الكأس عھد غرامك‬

                   ‫وحــــــــل مرارتھا بابتسامــــــك‬

                   ‫وعجل فجوقة ھذي الطــــــــــيور‬

                  ‫قد ال تطيل الطواف بجامــــــــــك‬

‫وأما المقاطع التي تغنت بھا سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق الراحلة‬
‫السيدة أم كلثوم ومن ترجمة صديق عمرھا الشاعر الكبير أحمد رامي فمن‬
‫البيت األول يبدأ حديث الخمرة والزوال غير أن أم كلثوم وصاحبة العصمة‬
‫كما كانت تدعى، والتي كانت تتمنع عن الغناء في مكان تدور فيه الصھباء‬
‫وھي المعروفة بعفافھا وتقواھا وحرصھا على أداء الصالة، وقد تميزت‬
‫عن جل المغنيين في زمنھا بثقافة أدبية عريقة، وذوق فني عالي غذته‬
‫بقراءة دواوين فحول الشعراء وأمھات كتب األدب كاألغاني والعقد الفريد‬
‫وخزانة األدب وغيرھا من كتب األدب، ولم تشأ أن تذكر الخمرة فيما‬
‫تغنت به من شعر الخيام فغيرت كلمة" الحان" إلى كلمة "الغيب" وعدلت‬
          ‫عن كلمة "الطلى" إلى "المنى" فغنته وفقا لسلوكھا وشخصيتھا.‬

‫٣٢٢‬
       ‫قال الخيام من ترجمة رامي من بحر السريع كما تغنت به أم كلثوم:‬
                          ‫سمعت صوتا ھاتفا في الســــــحر‬
                          ‫نادى من الغيب غفاة البشــــــــــر‬
                          ‫ھبوا املئوا كــأس ا لمنى قبل أن‬
                         ‫العريض العـــــــــــمر كف القدر‬
        ‫وأما ترجمة تفعم كأسعن النص اإلنجليزي لھذا المقطع بالذات ف‬

                                         ‫جاءت ھكذا ) من المتقارب ( :‬

                            ‫لقد صاح بي ھاتف في السبات‬
                            ‫أفيقوا لرشف الطلى ياغفـــــــاة‬
                            ‫فما حقق العـــــمر مثل الحباب‬
                           ‫وال جدد العمر مثل الســــــــــقاة‬
‫وبين المقطعين اختالف في إصابة المعنى الذي أراده الخيام والراجح أن‬

‫رامي األقرب إلى إصابة المعنى باعتباره عربه عن الفارسية رأسا، غير‬

‫أن ھذا يخلق إشكالية في األدب تذھب حد اتھام الترجمة بالخيانة أي خيانة‬

‫النص األصلي والخروج عن معانيه الدقيقة وذلك راجع الختالف روح‬

‫اللغة المترجم عنھا والمترجم إليھا، وقد كان الجاحظ يرى أن الشعر ال‬

                                                     ‫يترجم بھذا المعنى !‬

‫لقد كان الخيام إذا عقال باحثا في علة الوجود ونفسا ال تركن إلى يقين،‬

‫وأراد أن يتجاوز في فھمه للوجود النصوص الدينية معتمدا على تفكيره‬

‫الحر وثقافته الفلسفية التي استمدھا من الفكر اليوناني وربما الھندي وھو‬

                                  ‫من الذين يحق عليھم قول أبي الطيب:‬

‫٤٢٢‬
                           ‫ذو العقل يشقى في النعيم بعقله‬

                            ‫وأخو الجھالة في الشقاوة ينعم‬

‫وفي الرباعيات إشارة إلى مكابدة المعرفة وجحيم الشك والمجاھدة في‬

                   ‫سبيل اليقين لوال أن العمر ال يفي بذلك )من السريع(:‬

                     ‫أحس في النفس دبيب الفــــــــــــناء‬
                     ‫ولـــــــــم أجن من العيش إال الشقاء‬
                     ‫يا حسرتا إن حان حيني ولم يتـــــح‬
                      ‫لعقلي حل لـــــــــــــــــغز القضاء‬

‫وھو في شعره يسمح لعقله بأن يوغل في التفكير في مسائل الغيب وتقليب‬
‫األمر على وجوھه كمجيء اإلنسان إلى الدنيا اضطرارا والغاية منه، لكن‬
                                      ‫التفكير ال ينتھي بالشاعر إلى يقين:‬
                              ‫قال الخيام) من ترجمة رامي من السريع(:‬
                   ‫لـــــبست ثوب العيش لم أستــــــــــشر‬
                   ‫وحــرت فيه بــــين شتى الفــــــــــــكر‬
                   ‫وسوف أنضو الثوب عني يوما ولــــم‬
                   ‫أدرك لـماذا جئت، أين الـــــــــــــمفر؟‬

‫فليطلب الشاعر شيئا من العزاء في حضرة الكأس ،أال إن لحظات النشوة‬
‫بدل من خلود فما أغالھا من بدل والخمرة تثير في النفس قابليات صوفية،‬
‫فقد نص وليم جيمس على أن قوة الكحول راجعة بال شك إلى قدرته على‬
‫إثارة القابليات الصوفية وھي ذلك المد من الطوفان الذي ينبثق من الدفء‬
‫الداخلي والنشاط الحي وھي مستعصية في أوقات الصحو الرتباطھا‬
‫بالمتطلبات والشكوك واالنطباعات الذاتية وقوة الكحول تأتي من قدرته‬


‫٥٢٢‬
‫على شل ھذه الديدان الماصة للحيوية، تاركة الحرارة الحيوية لتتجمع‬
‫وتشكل نوعا من الخزان الداخلي الذي ھو في مضمونه تركيز للطاقات‬
                                   ‫للوصول إلى لحظة "الذاتية الداخلية".‬
‫والخيام الشاعر كما يحتفي بالخمرة يحتفي بالجمال ذلك أن قدرة الخمرة‬
‫في إحداث التركيز تتيح للشاعر طرح كل ھمومه وأحزانه ووساوسه‬
‫والتأمل في الجمال واإلحساس به وتذوقه في الطبيعة واإلنسان، وقد عشق‬
‫الخيام الفتاة" نسرين" والتي اقتبست من الزھر اسمه وشذاه وجماله لوال أن‬
‫عصفت بھا ريح المنون في مقتبل العمر فأورثت الشاعر حسرة وعمقت‬
‫فيه اإلحساس بجبروت القدر وقھره وعدم استجابته لرغائب النفس‬
‫وأحالمھا، وفي أحضان الجمال يسھو الشاعر قليال عن لوعة الفناء ومن‬
                          ‫ترجمة العريض من )المتقارب( يقول الشاعر:‬
                              ‫ويا ليت شعري أ تلك الزھــور‬
                               ‫عرائس نعمى جلتھا الســـتور‬
                                ‫فمن قبلة الشمس ھذا الحـــياء‬
                               ‫ومن لؤلؤ الطل ذاك السرور؟‬
‫وجوھر الجمال ھو النزوع إليه وتعشقه تعشق الفراش للنور والھيام به‬
                                ‫ألن في الحب سلوى عن زوال الموجود:‬
                              ‫قال الخيام من ترجمة رامي) من السريع(:‬

                       ‫أولى بــھذا القلب أن يخــــــفقا‬
                       ‫وفي ضـــرام العشق أن يحرقا‬
                       ‫مــا أضيع اليوم الذي مــــربي‬
                       ‫من غير أن أھوى وأن أعشقا !‬



‫٦٢٢‬
‫وفي الرباعيات ظاھرة ال يمكن إغفالھا تتعلق بنقد الناس والتنديد بالنفاق‬

‫وتعلق الناس بالمظاھر مھملين الجوھر، ويبدو أن الشاعر عانى من ألسنة‬

‫الناس وخاصة عوامھم كما عانى من مطاردة الفقھاء له الذين ربما رموه‬

      ‫بالمروق عن الدين والفسق والعربدة، ولذا صب الخيام جام غضبه على‬




                     ‫قال إني حـــــــقا كما قلت لكن‬
                     ‫أنت حقا كمـــــــــا للناس تبدو؟‬


‫ھؤالء الناس متھما إياھم بالنفاق، واقرأ ذلك كله في ھذين البيتين من‬

                               ‫ترجمة جميل صدقي الزھاوي )من الخفيف(:‬

 ‫قال شيخ لــمومس أنت سكرى‬

‫كل آن بصاحب لك وجـــــــــد‬
‫قال إني حـــــــقا كما قلت لكن‬
                                                 ‫أنت حقا كما للناس تــــــــبدو؟‬

‫ومع تصريح الشاعر بطلب المتعة والنشوة تناسيا ألوصاب الوجود‬
‫وجحيم الشك وعذاب الفكر وسالطة ألسنة الناس ظل في عقله الباطن‬
‫يحمل تبعة اإلحساس بالذنب وھو المسلم الذي يتلو من القرآن آيات تنص‬
‫على حرمة الخمر واعتبارھا من الموبقات، وعن العذاب الذي أعده ﷲ‬
‫لمتعاطيھا إن لم يكفوا عنھا،غير أن الشاعر سيجازف بطلبھا إلى آخر‬
‫رمق من حياته معتمدا على إيمانه با وبوحدانيته وعلى فعله المعروف‬


‫٧٢٢‬
‫وإحسانه إلى الفقراء ليسلم من النقمة وفوق ذلك كله ملتمسا عفو ﷲ الذي‬
      ‫أوصى عباده أن ال يسرفوا على أنفسھم ألن ﷲ يغفر الذنوب جميعا.‬
                ‫قال الخيام من ترجمة مصطفى وھبي التل) من الطويل(:‬
                          ‫إلــــــــھي قل لي من خال من خطيئة‬
                          ‫وكيف ترى عاش البرئ من الذنب ؟‬
                          ‫إذا كنـت تــــجزي الذنب بمـــــــــثله‬
                         ‫فـمـــا الــفـرق بـيـنـك وبـيـني يا ربي؟‬

‫فليسع الشاعر إلى الحان طالبا لحظات الصفو مع ندمائه، ملتمسا‬
‫السعادة من دنان بنت الحان وليشفع له إيمانه با ووحدانيته، كما قال من‬
                                        ‫ترجمة العريض)من المتقارب(:‬

                             ‫لئن قمت في البعث صفر اليدين‬
                             ‫وعطــــــــل سفري من كل زين‬
                             ‫فيشـــفع لـــي أنـــني لم أكــــــن‬
                             ‫ألشرك با طرفة عيـــــــــــــن‬

‫وذلك ما حدا بالشاعر إلى اختتام رباعياته بتلك األبيات التي تنم عن‬
‫حرارة إيمانية وتسليم بوحدانية ﷲ وأمل في عفوه متوسمة عطفه ورحمته:‬
                          ‫يا عـــــالم األسرار علم اليقين‬
                           ‫يا كاشف الضر عن البائسين‬
                           ‫فئنا إلى ظلك فــــــــاقبل عن‬
                          ‫عـــبــــادك تــــوبة التـــائبين‬

‫وھي عودة إلى شاطئ اإليمان بعد التيه في أقيانوس التفكير وفيافي‬
‫التأمل والبحران وما يلقى صاحبه من مكابدة ومجاھدة وعذاب نفسي كبير‬
‫ولربما استعان الشاعر بيقين الرياضيات على شكوك اإلنسانيات ولربما‬
‫أعطته نتائج الرياضيات بعض الراحة والعزاء فأوغل في ھذا العلم إيغاال‬

‫٨٢٢‬
‫منقطع النظير فتوصل إلى نتائج قيدت باسمه كحل معادلة من الدرجة‬
‫الثالثة بواسطة قطع المخروط، وطبق الرياضة على الفلك ذلك العلم الذي‬
‫يعني في الوعيه المطلق والسامي والعالم الحر بال حدود وھي مفاھيم‬
‫يتعشقھا الخيام، وله في الفلك بحوث جديرة باإلعجاب والتقدير، ولربما‬
‫استعان الشاعر بالخمرة كما يرى وليم جيمس حتى يصل إلى مرتبة الذاتية‬
‫الداخلية ويشل في نفسه وعقله كل الديدان الماصة للحيوية فيندغم بنشوة‬
‫الخمرة في الوجود فتصبح الذات والموضوع واحدا، خاصة إذا رأى‬
‫اإلنسان أن المعرفة ال تنتھي باإلنسان إلى معرفة كل ما يجھله ألن العمر‬
                                   ‫ذاته قصير ألم يقل المتنبي ذات مرة:‬
                     ‫ومن تفكر في الدنيا ومھجــــته‬
                    ‫أقامه الفكر بين العجز والتعب !‬
‫ومن ثمة يغدو اإلحساس بالوجود وبمحاولة االندغام فيه ومعالجته‬
‫بالذوق خير ما يسعف المتأمل إذا استعصى عليه تحويل الوجود إلى‬
                               ‫موضوع يشبعه بحثا ودرسا واستقصاء .‬
‫كذلك كان الخيام في علمه وفي شعره وفي سيرة حياته عقال جبارا‬
‫اليني يفكر ويدرس ويستقصي، وقلبا إنسانيا رقيقا انطوى على أنبل‬
‫المشاعر، ونفسا إنسانية كذلك رھيفة نأت عن النفاق واألنانية والكذب‬
              ‫والحسد والشره وھي من أرذل الصفات التي ندد الخيام بھا.‬
‫لقد أھدى إلينا فتى نيسابور"الرباعيات"ّ، وھي في رأينا أجود آثاره‬
‫وأجل أعماله،ذلك أن العلم الرياضي والفلكي اللذين مارسھما الشاعر‬
‫تجاوزھما العلم الحديث ولم تعد لھما من قيمة -اللھم إال تتبع تاريخيھما‬
‫وآلية تطوريھما- ولقد أھدى إلينا شعراؤنا وأدباؤنا رباعيات الخيام في حلة‬


‫٩٢٢‬
‫عربية قشيبة فكانت في العربية كما كانت في الفارسية آية من آيات البيان‬
                                                    ‫والفكر والشعور.‬




‫٠٣٢‬
                  ‫)١( زمــــــــــــــــن الســـــــــأم‬
      ‫تــأمالت في قصيدة " الظـل والصليب "لصالح عبد الصبور‬


‫لطالما اتھم شعرنا القديم بأنه شعر خالي من الفكرة قياسا إلى الشعر‬
‫العالمي وتحديدا الشعر األروبي، ذلك أن النقاد والدارسين خاصة‬
‫المستشرقين أخذوا عليه مآخذ تلخص في كون شعرنا القديم سقط في فخ‬
‫التقليد، فإذا كان امرؤ القيس قد وقف على األطالل فبكى واستبكى حسب‬
‫كثير من الشعراء أن ھذا ھو طريق الشعر وحده، وأن الشاعر الذي ال‬
‫يبكي على األطالل ليس بشاعر، وأن القصيدة التي ال تستھل بذكر الطلل‬
‫ليست بقصيدة، حتى ولو كان الشاعر ما عرف طلال في حياته، وأخذ على‬
‫شعرنا أنه شعر االنفعال الحاد والعاطفة المشبوبة كأنھا فرس جموح ال‬
‫تسلس القياد للعقل، وشأن العاطفة الحادة في الفن كشأن الشھاب يلمع فجأة‬
‫نارا ونورا ثم يخبو ضوئه وينتھي رمادا، والشعر رؤيا ذاتية وصياغة‬
‫جديدة للعالم قوامھا العاطفة الھادئة والفكرة المتأملة بغير مبالغة تشط عن‬
‫حقائق الوجود أو تنكر في صلف ما ھو من يقينيات الطبيعة والحياة، وأما‬
‫سقوط شعرنا في فخ الخطابية فذلك شأن ال ينكر ومن شأن الروح الخطابية‬
‫أن تسطح الفكر والشعور وتجنح بصاحبھا إلى الرياء، وتدفعه رغما عنه‬
                                                               ‫ّ‬
‫إلى كد الذھن في استقصاء األلفاظ المدوية والعبارات الرنانة واالستعارات‬
‫البديعة والتشبيھات غير المسبوقة حتى يوصف صاحبھا بالبليغ وبالشاعر‬
      ‫المقوال ويستل من النفوس اإلعجاب ومن القلوب المودة ومن خزائن‬
                                               ‫ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‬
                                             ‫)١( مجلة صھيل، ٧٠٠٢.‬


‫١٣٢‬
‫السلطان المال الوفير، غير أننا ال نسرف على أنفسنا بأن نتبنى وجھة‬
 ‫النظر ھذه جملة وتفصيال دون أن نفھم البنى االجتماعية والتاريخية للواقع‬
‫العربي القديم الذي أنتج ھذا المفھوم للشعر وبغير ھذا الفھم سنكون ظالمين‬
‫لتراثنا متھمين بالتقصير في فھمه، وأول المفاتيح التي تفتح مغاليق الفھم‬
‫الجغرافيا العربية ذاتھا؛ ونعني بذلك الطبيعة الصحراوية التي قدرت على‬
‫العرب الحل والترحال وتمزيق الكيان العربي إلى قبائل متحاربة بحثا عن‬
‫الرزق وخوفا من فواجع القدر ، وقد جر ذلك العربي إلى تلمس القوة في‬
‫سببين: السيف واللسان وليس العقل فالكلمة البراقة الحماسية من شأنھا أن‬
‫تلھب الحماسة إلى القتال ولو كان عدوانا أو تبعث في النفس اإلعجاب ولو‬
                     ‫كان افتراء، ويلخص ذلك كله قول عمرو بن كلثوم :‬
                        ‫أال ال يـجھـلن أحــد عـلـيـنا‬
                        ‫فنجھل فوق جھل الجاھلينـا‬
                        ‫مألنا البرّ حتى ضاق عنــا‬
                       ‫وظھـر البحر نملؤه سفينـــا‬
                       ‫إذا بلغ الفـطام لنـــــا صـبي‬
                       ‫تخــر له الجبابر ساجديــنا‬
‫إن غياب األفكار الكبرى عن العالم العربي قبل اإلسالم ذات األصل الديني‬
‫والتي ھي وراء نشوء الحضارات الكبرى في التاريخ حتى حضارة روما‬
‫وأثينا القديمتان إذ تبدوان وضعيتين وما ذلك بصحيح ألن الروح الوثنية‬
‫المسلمة بكمال اآللھة في معتقدات وأساطير الحضارتين والتي ھي دينية‬




‫٢٣٢‬
‫في الصميم كانت الجامعة بين أفراد المجتمعين اإلغريقي والروماني‬
                                  ‫والباعث على اإلبداع واإلنتاج الفكري.‬
‫إن غياب ھذه األفكار عن العالم العربي ھو الذي قضى على االتحاد‬
‫العربي وحكم بالفرقة وبالبغضاء، ولم يعرف للعرب من اإلنتاج األدبي‬
‫والفكري إال األدب الحماسي في الشعر تحديدا ذلك أن الحياة العربية‬
‫الفكرية كانت شفھية فالمعول على الحفظ والذاكرة والرواية وآليات ذلك‬
‫كل الموسيقى الخارجية للنص وطالوة اللفظ واندفاع العاطفة وبراعة‬
‫الصور البيانية وفي النثر يزيد السجع ليحل محل الموسيقى الخارجية‬
‫للنص في الشعر ، وھذا كله للتستر على فقر المعنى ، وذلك أن الھدف من‬
‫النص األدبي القديم ھو إثارة الحماسة واستالل اإلعجاب واإلبھار ولو أن‬
               ‫ذلك كله يخبو بعد الفراغ من سماع تلك النصوص األدبية .‬
‫لقد كان شعرنا القديم في ملمحه العام إال من استثناءات قليلة تتمرد على‬
‫ھذا الطابع العام القسري مشكلة جدوال صغيرا رقراقا يصب في محيط‬
‫الشعر اإلنساني العالمي، إلى أن جاء العصر الحديث فانفتح العالم العربي‬
‫على الثقافة العالمية وعب منھا مغذيا عقله ووجدانه بما فاته من ثقافة آبائه‬
‫وأجداده، فكان إبداع الشعر الحديث، تداركا لنقائص الشعر القديم ومحاولة‬
‫االندغام في الشعر العالمي بتبني النظرية الشعرية الغربية واإلبداع على‬
‫ضوئھا، فكان شعر السياب والمالئكة والبياتي وصالح عبد الصبور الذي‬
                  ‫سنقف متأملين في قصيدته الرائعة " الظل و الصليب ".‬
‫وستظل ھذه القصيدة فاصال بين عھدين من الشعر، عھد النبرة الخطابية‬
‫واستظھار القدرات البالغية وإثارة االنفعال، وعھد التأمل العميق يلفه‬
‫شعور إنساني ھادئ، وآية ذلك كله أن ھذه القصيدة تتمرد على الذاكرة‬


‫٣٣٢‬
‫وعھدنا بالشعر القديم يسعى إليھا فتحتضنه أما ھذه القصيدة وكثير من‬
‫أمثالھا في شعرنا الحديث فتغريك بالوحدة لتخلو إلى نفسك أو تراودك ھي‬
‫على الخلوة مغرية إياك بقراءتھا وإعادة قراءتھا لتغذي وجدانك وعقلك‬
‫بمضمون إنساني رفيع يقصر عنه الشعر القديم، ذلك أن ھذه القصيدة قد‬
‫سلمت من عيوب الشعر القديم متنزھة عن النظمية والتكلف اللغوي‬
‫والشطط البالغي محتفية بالتجربة اإلنسانية والمضمون الوجودي مشكلة‬
                   ‫لوحدھا ساقية تصب في محيط الشعر اإلنساني العالمي.‬
‫أما السأم فمضمون وجودي بل إنساني، إنه شعور برتابة األشياء وتبلد‬
‫نواميس الكون، وعطالة الحياة اإلنسانية بل خصاء العقل وجدب النفس ولم‬
‫تعد الميتافيزيقا بعوالمھا اإلنسانية وإغراءاتھا الغيبية بقادرة على تدمير ھذا‬
‫الشعور في أنفس رھيفة جبلت على البحث العميق واالستقصاء الدقيق‬
‫والتمرد على المألوف، مؤثرة كرامتھا اإلنسانية مضحية بنصيبھا من‬
      ‫األمان في عالمي الغيب والشھادة تاركة ذلك لغيرھا من عامة الناس .‬
‫ولعل الفيلسوف الدانمركي الوجودي "كيرغارد" خير من عبر عن ھذا‬
‫المضمون الوجودي في قوله: " كانت اآللھة ضجرين ولھذا خلقوا‬
‫اإلنسان، وكان آدم ضجرا ألنه كان وحيدا ولھذا خلقت حواء، وكان آدم‬
‫ضجرا وحده، أما اآلن فقد ضجر ھو وحواء ثم شعر آدم بالضجر ھو‬
‫وحواء وقابيل وھابيل وازداد سكان العالم فصار الناس يضجرون ضجرا‬
‫اجتماعيا، وشعروا بأن عليھم أن يمتعوا أنفسھم فبنوا برجا عاليا ليصلوا‬
‫بواسطته إلى السماء، وكانت ھذه الفكرة ذاتھا تزداد إثارة لضجرھم كلما‬
‫ازداد البرج ارتفاعا حتى أرعبھم أن يروا أن الضجر صار صاحب اليد‬
                                                       ‫الطولى في العالم" .‬


‫٤٣٢‬
‫ولكن أترى سأم عبد الصبور سأما وجوديا يتماھى مع سأم كيركغارد وسأم‬
‫الروائي ألبرتو مورافيا صاحب رواية السأم أم ھو سأم خاص رھين الواقع‬
‫العربي المتردي في دياجير الجھالة والعماء واالستبداد السياسي وتأسس‬
‫الوضع الثقافي الذي استسلم للشعارات اليمينية واليسارية الجوفاء وإلى‬
‫التقليد وانسحاب عفونة الماضي على طراوة الحاضر ؟ وفي القصيدة ما‬
                                        ‫يؤكد ھذا المنحى بدليل قوله :‬
                                                      ‫ھذا زمن السأم‬
                                                   ‫نفخ األراجيل سأم‬
                                   ‫دبيب فخذ امرأة ما بين أليتي رجل‬
                                                                ‫سأم‬
‫وفي السطر الثاني ما يؤكد خصوصية ھذا السأم فنفخ األراجيل عادة‬
                                   ‫شرقية لوال أن الشاعر يعود فيقول:‬
                                                      ‫ال عمق لأللم‬
                                       ‫ألنه كالزيت فوق صفحة السأم‬
                                                        ‫ال طعم للندم‬
                                     ‫ألنھم ال يحملون الوزر إال لحظة‬
                                                        ‫ويھبط السأم‬
                                         ‫يغسلھم من رأسھم إلى القدم‬
                                  ‫طھارة بيضاء تنبت في مغاور الندم‬
                                    ‫تدفن فيھا جثث األفكار واألحزان‬
                                                              ‫ترابھا‬
                                                  ‫يقوم ھيكل اإلنسان‬


‫٥٣٢‬
                                            ‫إنسان ھذا العصر واألوان‬
‫وفي السطر األخير ينجلي ھذا السأم إنه سأم وجودي إنساني عام ينسحب‬
                 ‫حتى على حميميات اإلنسان كممارسة الحب بدليل قوله:‬
                                            ‫إنسان ھذا العصر واألوان.‬
‫فھذا السأم إذا حالة وجودية تتضمن القرف من الوجود واإلحساس بعماء‬
‫الكون وتبلد الموجودات تنسحب على الشرق كما تنسحب على الغرب‬
‫وتتماھى مع سأم كيركغارد ومورافيا، والجلي أن عبد الصبور قد درس‬
‫الوجودية السارترية وتمثلھا أحسن تمثيل، ألم يقل ساتر على لسان أورست‬
‫في الذباب"أن أجبن القتلة من شعر بالندم"، فھذا المقطع ينفذ إلى لباب‬
‫الوجودية ويلخصھا في التركيز على الشعور بالندم الذي يشظي ويسفه‬
‫الفعل اإلنساني ويرجعه حرثا في الماء أو إلقاء بذرة على الصخرةن وألن‬
‫الندم سليل الخوف الشرعي ترى اإلنسان يلوذ به فارا من عذاب الخوف‬
‫على حساب الحرية اإلنسانية العميقة الشاملة، وحتى ال يضبط اإلنسان‬
‫متلبسا بجريمة الوزر، وأي وزر؟ لعله الوزر الذي ارتكبه آدم أول مرة‬
‫حين أكل من الشجرة محاوال إثبات وجوده بتمرده، لكن آدم قد ندم وسنھا‬
‫شريعة في عقبه، فكل تفكير حر، وكل خروج عن السياج الدوغمائي وكل‬
‫تمرد على األعراف والرتابة في القوانين واألطر االجتماعية والسياسية‬
‫والدينية والثقافية ھو"وزر" يحمله صاحبه لحظة ثم يھن عظمه وتثقل‬
 ‫خطاه ويعيش رھابا نفسيا ذريعا ينتھي به إلى التطھر من ھذا الدرن بالندم‬
‫إنه زمن يرفضه عبد الصبور ويرفض االندغام فيه بل يتأمله كموضوع‬
‫مفضال دور الراصد على الھامش مستخدما داللة فنية أو ربما حيلة‬




‫٦٣٢‬
‫الشعورية باستخدام اسم اإلشارة "ھذا"، والتي تعني حالة االنفصال أو‬
                                ‫الطالق بين الذات والموضوع ) الزمن(.‬
‫وفي تفكير عبد الصبور مرونة وحرص على الحرية في الفكر والتعبير‬
‫فتراه يوظف مضامين إنجيلية، وھي خصيصة يشاركه فيھا معظم رواد‬
‫الشعر الحديث، فھو يستلھم قصة يسوع حين حمل صليبه ومشى إلى ذروة‬
‫"الجلجلة" مؤثرا الحرن على أفكاره والدفاع عنھا إلى آخر لحظة في حياته‬
                        ‫ولو اقتضى األمر الموت في سبيل الموقف الحر.‬
‫إن عبد الصبور بھذه الرؤية المستلھمة قصة المسيح يؤكد بعدا مھما في‬
‫اإلنسان ھو الحياة ألجل قضية أو موقف ولعل المثقف في طليعة المعنيين‬
‫بذلك خاصة إذا تعفنت الحياة و أصابھا الجدب والخصاء واستبد اإلنسان‬
‫باإلنسان، وھو ما يدعوه "سارتر" بااللتزام وما يعبر عنه عبد الصبور‬
‫تعبيرا فنيا جميال بالمجد واألمد، وأما "الظل" فداللته رمزية إيحائية‬
‫مضامينه اإلنسانية والشعورية والفكرية ال تنتھي ، فاإلنسان ليس كيس لحم‬
‫كما يقول سارتر، بل ھو صاحب قضية وموقف من الوجود واإلنسان وإذا‬
‫تنازل عن ھذا الموقف فقد شرفه وإنسانيته وتحول إلى كيس لحم والموقف‬
‫الفريد في الفكر والشعور و النضال من أجله ھو ما يعبر عنه الشاعر‬
‫تعبيرا فنيا ورمزيا بالظل و إذا تنازل عنه اإلنسان لحساب الرفاه المادي أو‬
‫الفرار من الخوف تنازل عن كرامته اإلنسانية و إذا أصر عليه لقي حتفه‬
                                          ‫حقيقة أو رمزا يقول الشاعر :‬
                                                  ‫أنا الذي أحيا بال أبعاد‬
                                                   ‫أنا الذي أحيا بال آماد‬
                                      ‫أنا الذي أحيا بال ظل... بال صليب‬


‫٧٣٢‬
‫الظل لص يسرق السعادة ومن يعيش بظله يمشي إلى الصليب في نھاية‬
                                                               ‫الطريق.‬
‫وھناك مالحظة ال ينبغي أن تفوتنا فإذا كان عبد الصبور الشاعر الذي أبى‬
‫أن يساير التيار متحمال الوزر ذلك اإلنسان الذي رافع ضد القھر السياسي‬
‫والفكري الذي راح الحالج ضحيته وحاول في مسرحيته أن ينتصر له،‬
‫ترى لماذا إذا يصرّ على استخدام الضمير "أنا" إذ ينعى الجبن في مواجھة‬
‫المصير وعدم الصمود على ذروة الجلجلة، وھو الذي انتھى كأبطال‬
‫التراجيديا اليونانية، غير أن الشاعر يتميز بالصدق مع نفسه ومع القارئ‬
‫مفضال أن يعمم ھذا الموقف المتخاذل على جيله غير مستثني ولو نفسه‬
                                                            ‫اقرأ قوله :‬
                                  ‫أنا رجعت من بحار الفكر دون فكــــر‬
                                  ‫قابلني الفكر ولكني رجعت دون فكــــر‬
                                   ‫أنا رجعت من بحار الموت دون موت‬
                                   ‫حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته‬
                                                      ‫وعدت دون موت‬
‫وفي خاتمة المقطع األول تأتي لفظة "الصفصاف" في محلھا من القصيدة،‬
‫دالالتھا الفكرية والفنية ال تنتھي ولعبد الصبور قدرة كبيرة في اقتناص ھذا‬
‫النوع من األلفاظ وتوظيفھا في شعره، وفي عنق الحسناء يستحسن العقد‬
                                                      ‫كما يقول المتنبي.‬
‫فالصفصاف شجرة تتميز بالضخامة وكثرة األغصان والتدافع إلى عنان‬
‫السماء لتبدو أطول من غيرھا على سبيل المباھاة لكنھا غير مثمرة فھي‬
‫رمز للجدب والخصاء وللشاعر القدرة على استنبات ألف غصن من‬


‫٨٣٢‬
‫غصونھا الكثيفة في الصحراء وتأمل ھذه اللفظة وما توحي به من عقم،‬
‫فإذا كان في مقدور الشاعر أن يعيش كشجرة الصفصاف سامقة مشمخرة‬
‫عن خواء، وكذلك كان له لو قبل بنمط الحياة والفكر واندمج فيھما إيثارا‬
                               ‫للسالمة غير أنه يأبى ذلك يقول الشاعر:‬
                 ‫يا شجر الصفصاف إن ألف غصن من غصونك الكثيفة‬
                                  ‫تنبت في الصحراء لو سكبت دمعتين‬
                                 ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو فكرت‬
                                ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو ذ كرت‬
                  ‫تصلبني يا شجر الصفصاف لو حملت ظلي فوق كتفي‬
                                                          ‫وانطلقت.‬
‫أما المقطع الثاني فقد تضمن أربعة أسطر تعمق فيھا الشاعر مسألة‬
‫الخصوصية الفردية ومسألة االلتزام وعالقة الفرد بالمجتمع وھو صاحب‬
‫ديوان" الناس في بالدي" ذلك أن اإلنسان يعيش في بيئة اجتماعية وھو‬
‫كائن اجتماعي بطبعه يعنيه تقدم المجتمع ورفاھه كما يعنيه تخلفه‬
‫وعطالته، له ماله وعليه ما عليه، غير أن األوامر والنواھي من لدن‬
‫المؤسسات الرسمية )السياسية والدينية والثقافية( تشجب مبدأ التدخل في‬
‫حياة الجماعة حفاظا على طابعھا التدجيني مقھورة ومستعبدة بأفكارھا كما‬
‫يقول فوكو وھي إذ تشجب ذلك تعمد إلى انتھاك خصوصية الفرد بمحاولة‬
‫تجريده حتى من وسائل اإلدراك أي حواسه لكي يتم تدجينه وإدخاله إلى‬
‫داخل السياج الدوغمائي رافضة تميزه وتمرده ولو بمقاييسه الذاتية وھو ما‬
                                       ‫عبر عنه الشاعر بقوله"مرآتي"‬
                                                  ‫يقول عبد الصبور :‬


‫٩٣٢‬
                                ‫قلتم لي ال تدسس أنفك فيما يعني جارك‬
                                          ‫لكني أسألكم أن تعطوني أنفي‬
                                     ‫وجھي في مرآتي مجدوع األنف ؟‬
‫ويأتي المقطع الثالث في محله من القصيدة إنه مقطع يتعمق الذات العربية‬
‫باحثا في سراديبھا مكتشفا تضاريسھا وھو ليس من قبيل السادية التي تستلذ‬
‫جلد اآلخرين بالتعالي عليھم وتتفيه حياتھم، بل ھو ربما من قبيل‬
‫المازوشية حيث تستمرأ النفس المرارة وتستلذ األلم يأسا وخيبة ، والشاعر‬
‫يبادر بإعالن الھزيمة وخواء الروح وغياب الطموح و أول لفظة يجدر بنا‬
‫الوقوف على دالالتھا الفنية والحضارية ھي لفظة "المالح" ذلك القائد‬
‫الطليعي الذي يخوض بسفينته عباب البحار مصارعا موجھا قاھرا رعبھا‬
‫سالكا مسالك النجاة بركابھا، إنه السندباد الذي يكتشف العوالم مستحليا‬
‫حالوة الكشف مبتھجا بنشوة المعرفة ملبيا نداء إنسانيا عميقا فيه ھو نداء‬
‫المغامرة حتى ال تتأسن الذات وتركد الروح، وأما المالح فھو كما أسلفنا‬
‫القائد الطليعي لعله المثقف أو رجل الدولة أو الزعيم الذي في يده مفاتيح‬
‫النصر وفي عقله مشروع األمة ودستور الرقي والتمدن ، وأما البحر فھو‬
‫الحياة الصاخبة أي الدنيا التي نعيش فيھا مذللين صعابھا بثمرات عقولنا‬
‫وكدح سواعدنا غير أن مالحنا وجد الراحة في اليأس وعاف دور السندباد‬
‫وخاف من أن يكون بروميثيوس العربي الذي يسرق نار المعرفة وينير بھا‬
‫دنيانا حتى تنجلي الغاشية عن أمتنا ويجنح بنا إلى شاطئ الحضارة‬
                                                             ‫والرقي.‬
‫فمالحنا مازال كائنا ميتافيزيقيا من العصر الوسيط يرفض تبني فلسفة‬
‫العصر والدخول إلى ساحة أنواره، وھو في نظرته إلى السماء يعاني‬


‫٠٤٢‬
‫ازدواجية فھي تارة في صفه إن توسم فيھا الخير وتارة ضده إن ظن منھا‬
‫العسر، إنه موقف ميتافيزيقي ضبابي غير حاسم على العكس من‬
‫المجتمعات الراقية التي جعلت الحضارة ذات بعد أفقي ومضمون إنساني‬
‫خالص، أما مالحنا فيكتفي بالبعد الرأسي متخليا عن دوره في الكشف‬
‫واإلبداع والجھد والمغامرة، مستسلما إلى أحالمه الميتافيزيقية، إنه مسكون‬
‫بالخوف بل الرعب ھاجسه األساسي وھو الذي يمنعه من ارتكاب الوزر،‬
‫مؤثرا السالمة، الئذا باإلحسان في صيغته الساذجة دفعا لإلحساس بالذنب،‬
‫مطلقا الزمان الذي يأبى في صلف أن يندغم فيه لحساب الماضي وما أشد‬
  ‫إيحاء كلمة "الزوال" في ھذا المقطع التي توحي بالتالشي رويدا رويدا :‬
                                        ‫مالحنا ينتف شعر الذقن في جنون‬
                            ‫يدعو إله النقمة المجنون أن يلين قلبه، وال يلين‬
                       ‫يدعو إله النعمة األمين أن يرعاه حتى يؤدي الصالة‬
                        ‫حتى يؤتي الزكاة ، حتى ينحر القربان، حتى يبتني‬
                                                                ‫ِ‬
                           ‫بحر ماله كنيسة ومسجدا وخان للفقراء التاعسين‬
                                                    ‫من صعاليك الزمان .‬
‫وانظر إلى كلمة "الصعاليك" والتي تعني الشعب أو العوام فھم في وعي‬
‫وال وعي المالح مجرد قطيع من الصعاليك الھمج الخارجين على القانون‬
‫وھي نظرة استعالئية راصدة لھم من البرج العاجي، واإلحسان إليھم إنما‬
‫يكون بتأكيد قصورھم وتثبيت عطالتھم وذلك ببناء مسجد أو كنيسة أو خان‬
      ‫أو إطعامھم إمعانا في إذاللھم احساسھم بالمسكنة ال االرتقاء بإنسانيتھم‬
                                         ‫والدخول بھم إلى عصر األنوار .‬
   ‫ومن العناصر األساسية في استكمال صورة الوجدان العربي من الداخل‬


‫١٤٢‬
‫- وھذه القصيدة تعد "بورتريه" له- يأتي العنصر الجنسي، وللعربي حنين‬
                                          ‫ّ‬
‫إليه وعذاب ألجله وفيه حد الشبقية تلك األجواء التي رسمتھا "ألف ليلة‬
‫وليلة " و"الروض العاطر" وأشار إليه لفيف من الشعراء العرب والمرأة‬
‫في الوجدان العربي مصدر متعة وفتنة ومبعث شرور اجتماعي كما أنھا‬
‫مصدر عذاب وحرمان جنسي ومالحنا المسكون برغائب جنسية شبقية‬
‫يحب الجنس ويستقذره في ذات الوقت ، أي أنه يملك شخصية "الدون‬
‫جوان" التي تھوى المغامرة وصيد النساء لمجرد االستمتاع ثم تبعات ذلك‬
‫من اإلحساس بالذنب وارتكاب الدنس ثم محاولة التطھر منه بصيانة‬
‫العرض فھو ال يفھم من الشرف غير غشاء البكارة، إنھا شخصية السيد‬
‫"أحمد عبد الجواد" في "ثالثية" نجيب محفوظ، وھكذا وقع المالح فريسة‬
‫لعقدة " الفصام" وھي حالة مرضية في الوجدان العربي ناتجة عن ضبابية‬
‫الموقف وال علمية الفكرة وتعدي على قوانين الطبيعة وانتھاك نواميس‬
‫الضبط البيولوجي في الجنسين وقد أدى ھذا إلى االعتداء على األنوثة ذاتا‬
‫ومعنى واالحتفاء بالرجولة ولو كانت فظة ال واعية، وأعطت للذكر‬
‫سلطات واھمة في ممارسة قھره على األنوثة أنى وجدھا في اإلنسان و‬
‫الكائنات وإصباغ المعاني الموحية بالعجز والعطالة عليھا وعلى كل ما‬
‫ال يحب من مظاھر الطبيعة والحياة ، مكتفيا ھو من األنوثة المتجلية في‬
‫المرأة بجانبھا الجسدي مقتصرا في عالقته الشوھاء بھا على الجانب‬
‫الغريزي وھذا المفھوم المريض سيؤدي إلى حف الرجل نفسه بقافلة من‬
                                               ‫النساء إلشباع نزواته .‬
‫وتؤدي ھذه الدالالت كلھا في النص كلمة"البكر " وكلمة "حجاب" بالنسبة‬
‫للبنت خضرة، وأما إيثار الذكورة على األنوثة فھذه العقيدة تفصح عنھا‬


‫٢٤٢‬
‫دالالت األسماء، ولعله من عبث األقدار أن يجنب المالح ثالثة ذكور‬
‫مقابل بنت واحدة بل حتى األسماء التي تسمى بھا ذكوره لھا خلفيات في‬
‫قرارة الالوعي فمحمد وأحمد أسماء ذات مضامين دينية وھي توحي بھيبة‬
‫الدين وسلطانه القوي على العربي ولو كان مثقفا وتثير في النفس حنينا‬
‫غامضا إلى معانقة الماضي واحتضانه، ولعلھا تكفير عن عقدة الذنب، تلك‬
‫العقدة التي يحسھا المالح مؤلمة نتيجة عيشه بطريقة مخالفة للنصوص‬
‫الدينية وفي الصميم حالة الشبقية التي تطوح به ذات اليمين وذات الشمال‬
‫ثم تأتي داللة االسم "سيد" وھي موحية بھيبة الرجولة وسلطانھا المغري‬
‫الخفي، وھي تصم المجتمع العربي عموما بالتحيز للذكورة وإضفاء‬
‫السلطة والھيبة والجالل عليھا مقابل إضفاء صفة العبودية واالنحطاط‬
‫والعجز البدني والدنس المتجلي خاصة في "العادة الشھرية" على األنوثة‬
‫لتتأكد على مرّ التاريخ تبعية المرأة للرجل وقصورھا البدني والعقلي‬
                                         ‫والنفسي يقول عبد الصبور :‬
                                             ‫ينشده أبناءه وأھله األدنين‬
         ‫والوسادة التي لوى عليھا فخذ زوجه أولدھا محمد وأحمد وسيدا‬
‫شيطان‬    ‫وال‬   ‫إنس‬    ‫حجابھا‬   ‫يفترع‬    ‫لم‬   ‫التي‬    ‫البكر‬    ‫وخضرة‬
‫ثم إن المالح مات رمزيا قبل الموت البيولوجي حين اكتفى من الدنيا‬
‫باالستسالم لواقعھا، واإليمان بأنه ليس في اإلمكان أبدع مما كان، حين‬
‫رفض تميزه اإلنساني بالوثبة الحضارية والفعل الخالق بل نظر إلى‬
‫ثمرات المعرفة وأطايب المدنية نظرة الثعلب إلى العنب فلما استعصى‬
‫عليه ادعى أنه حصرم، وھي حيلة نفسية تجنح بصاحبھا إلى إيثار السالمة‬




‫٣٤٢‬
‫تعبيرا عن العجز بل وخداع النفس بتتفيه األشياء، وھو ما عبر عنه‬
                                            ‫الشاعر بالملح والقصدير :‬
                     ‫أشار باألصابع الملوية األعناق نحو المشرق البعيد‬
                                                             ‫ثم قال :‬
                                           ‫ھذي جبال الملح والقصدير‬
                                              ‫فكل مركب تجيئھا تدور‬
                                                      ‫ِ‬
                                                    ‫تحطمھا الصخور‬
                          ‫مالحنا أسلم سؤر الروح قبل أن نالمس الجبل‬
                                                 ‫وطار قلبه من الوجل‬
                                ‫كان سليم الجسم دون جرح دون خدش‬
                    ‫دون دم حين ھوت حبالنا بجسمه الضئيل نحو القاع‬
                                                    ‫ولم يعش لينتصر‬
                                                   ‫ولم يعش لينھزم !‬
‫فھو مالح زائف إذا ألن جسمه ضئيل والعادة في المالح أن يكون قوي‬
‫البنيان ھرقلي القامة مفتول العضالت ومقابالتھا الحضارية الوعي‬
‫الحضاري وااللتزام واإلخالص للقضية والرغبة الملحة في خالص‬
‫الناس، مع االستعداد للمغامرة، أما المشرق البعيد، فالموصوف ھو النھضة‬
               ‫والصفة ھي االستحالة أو االستعصاء في أحسن األحوال.‬
‫إذا مات المالح حتف األنف، من غير شھادة بمقارعة الخطوب وفضل‬
‫خالصه الفردي بالجنوح إلى السكينة والرتابة، ولقد تحول الخوف إلى‬
‫مارد خرج من قمقمه وأدخل فيه مالحنا ورماه إلى ھاوية العدم حيث‬
                                                     ‫العماء والظالم .‬


‫٤٤٢‬
‫ولما تخلى المالح عن دوره الريادي ترك ركاب سفينته في فوضى وعبثية‬
‫وجود وعماء مصير وانتفاء قصدية وأسلم مركبه لھبات الريح تتالعب بھا‬
‫ذات اليمين وذات الشمال مكتفيا ربما بالتوسل إلى السماء أن تكتب له‬
‫السالمة، فقد مسخت القيم إذا وحال الباطل حقا والقبح جماال والجھل علما‬
‫والتقليد شريعة والتخلف رقيا ومدنية ولم تعد الحياة إال مسرحا للجثث‬
‫العفنة، جثث الحيوانات والناس على السواء وھو تعبير رمزي يفصح عنه‬
                                    ‫المثل القديم "اختلط الحابل بالنابل"‬
                           ‫يقول عبد الصبور مختتما المقطع والقصيدة:‬
                                               ‫ھذا زمن الحق الضائع‬
                                 ‫ال يعرف فيه مقتول من قاتله ومن قتله‬
                                  ‫ورؤوس الناس على جثث الحيوانات‬
                                  ‫ورؤوس الحيوانات على جثث الناس‬
                                                      ‫فتحسس رأسك !‬
                                                      ‫فتحسس رأسك !‬
‫وأما اللغة فجاءت بسيطة من المألوف المتداول غير أنھا ال تفقد صفة‬
‫الشاعرية واإليحاء وقد أفصح الشاعر عن موقفه من اللغة في ديوانه‬
‫"الناس في بالدي" إصرارا منه على النزول إلى القاع محتفيا بھمومه‬
‫متعاليا على البالط وشعر المناسبات مصرا على أن الشاعر الذي ھو في‬
                              ‫صميمه إنسان من نتاج القاع وليس القمة.‬
‫وأما الموسيقى الداخلية فتنمو متصاعدة بتأزم الموقف وحدة اللحظة ثم‬
‫تخبو رويدا رويدا تاركة المجال للتأمل العميق ثم تتصاعد متسقة مع‬
‫الموقف الجديد،فيطول السطر ويقصر، وأما المضمون اإلنساني‬


‫٥٤٢‬
‫والوجودي فال نعرف قصيدة حديثة نعت إلينا الواقع العربي بمثل ھذه‬
‫المرثية الحزينة، وستظل ھذه القصيدة شاھدا فكريا وإنسانيا وفنيا ووجدانيا‬
                                ‫على نكبتنا الحضارية وعطالتنا الفكرية.‬
‫ولئن رحل "بروميثيوس" مصر في أوج العطاء مثخنا بالجراح، منھوش‬
‫الكبد، مسمر األنامل على قمة الجلجلة فقد برعمت ھذه القصيدة في ضمائر‬
‫بعضنا كما ستبرعم في ضمائر من ھم في ضمير الغيب لعل الربيع في‬
‫دورة من دوراته يعيد الجدب خصبا والصحراء جنة وشجرة الصفصاف‬
‫شجرة خوخ وينقلب المالح سندباد يخوض بنا آفاق البحار ويحلق بنا في‬
   ‫أقطار السماوات لندخل التاريخ من جديد كغيرنا من أمم العالم الناھضة.‬




‫٦٤٢‬
      ‫)١(‬
            ‫بين ضفتين: اإلحساس بالرحيل المبكر عند الشابي والسياب‬

‫يمثل الشاعران الكبيران أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب عالمتين‬
‫فارقتين في أدبنا الحديث فقد حققا من النجاح وأحرزا من التفوق ما لم‬
‫يحرزه شاعر آخر على الرغم من حياتھما القصيرة فقد ولد الشابي بقرية‬
‫"الشابية" ناحية توزر عام )٦٠٩١( وتوفي عام )٤٣٩١(، بينما ولد بدر‬
‫شاكر السياب في "جيكور" قرب البصرة عام )٦٢٩١( وتوفي بالكويت‬
                                                          ‫عام )٤٦٩١(.‬
‫وكأن الرسالة التي بدأھا الشابي منضويا تحت جناح جماعة "أبولو"‬
‫التي أسسھا الدكتور أحمد زكي أبو شادي، كانت تلك الرسالة تحمل ھم‬
‫التجديد وقلق اإلحياء وھاجس البعث ألدبنا العربي بعد أن نام أحقابا طويلة‬
‫في مغارات التاريخ مغمضا جفنيه عن مباھج الحياة، مخلصا ضميره من‬
‫ھم النھضة والتقدم مكتفيا باالجترار والتقليد والرياء والتصنع وفي تصيد‬
                           ‫الوالئم والمناسبات ومباركة السالطين واألمراء.‬
‫كان شعر الشابي الذي يوحي عنوان ديوانه بالحركة والنماء والخصوبة‬
‫"أغاني الحياة" كما يوحي بالبھجة والفرح والتبشير بقيام طائر العنقاء من‬
‫رماده صحيحا معافى، فالشابي إذا شاعر رائد مجدد مطبوع على قول‬
‫الشعر، رحب الخيال، حار العاطفة صادق النبرة، مستملك أدوات الشعر‬
‫من سالمة المبنى وسالسته ومستوفي عناصر ومقومات الصورة الشعرية،‬
‫وھو إن لم يتثقف بثقافة أروبية عن طريق إتقان لغة أجنبية، لم يعقه ذلك‬
                       ‫عن االطالع على ما عرب من آداب الغرب وثقافته.‬
‫وإذ كان الشاعر يھم بمغادرة الدنيا في نضارة الصبا ويفاعة الشباب بعد‬
‫أن أعجزه داء تضخم القلب، وعجزت خاليا جسده عن تجديد نفسھا‬

‫٧٤٢‬
‫ومواصلة مشوار الحياة الذي كان مليئا بالتوھج والبريق والطموح كان في‬
‫جيكور يولد شاعر آخر ھو السياب، جاء إلى الدنيا ليواصل البشارة وكأنه‬
‫أحد حواريي المسيح، وفي إصحاحه وثبة جديدة وقفزة عمالقة، تجعل‬
           ‫شعرنا الحديث كشعر الدنيا حيا فاعال خليقا بأن يقرأ، وأن يؤثر‬
                                      ‫)١( مجلة ديوان العرب، ٨٠٠٢.‬
                            ‫في الناس بمضامينه الفكرية وقيمه الجمالية.‬
‫لئن كان الشابي قد ألقى بالشعر في أحضان الحياة، بعد أن كان في‬
‫أجداث الماضي، ولئن كانت نزعته الرومنطيقية برحابة خيالھا واستلھامھا‬
‫من الطبيعة وروعة الجرس الموسيقي المنبعث من استخدام البحور‬
‫القصيرة التفعيالت واستعمال المجزوء من تلك األبحر إمعانا في الثورة‬
‫على الماضي ونبذا لروح التقليد وتماشيا مع روح العصر وفلسفته، فقد دفع‬
‫السياب بالشعر دفعة قوية ھي أشبه بالطفرة التي يحدثنا عنھا علماء‬
‫األحياء، فقد كان إبداعه شعر التفعيلة تذليال لدروب الشعر واستئصاال لكل‬
‫الفطريات التي تعيش على حساب الصورة الشعرية وتشوه معالمھا، وقد‬
‫ساعد السياب في ذلك انتماؤه لبلد معروف بروح الثورة والتمرد الكامنين‬
‫في أبنائه من جھة وتأثره الواضح بالثقافة الغربية خاصة اإلنجليزية حيث‬
‫كان يقرأ بھا مباشرة شعر إليوت، والشك أنه أدرك الفرق بين شعرنا‬
‫وشعرھم ونمط تفكيرھم ونمط تفكيرنا، وھو فرق كبير يوضح حجم‬
                                 ‫المعاناة وجسامة المھمة، وثقل الرسالة.‬
‫وفي الواقع لم يكن الشابي وحده في حلبة الصراع فجماعة "الديوان"،‬
‫وشعراء "أبولو" و"الرابطة القلمية" كلھم تعاونوا على إقامة صرح أدب‬
‫جديد، وكذلك الشأن بالنسبة للسياب فقد كان إلى جانبه يؤدي نفس المھمة‬


‫٨٤٢‬
‫نازك المالئكة وعبد الوھاب البياتي وأحمد عبد المعطي حجازي وصالح‬
‫عبد الصبور وغيرھم، ولكن ذلك ال يمنع من أن يكون الشابي رائدا‬
‫والسياب كذلك وإنما ھي مقارنة بينھما في أسلوب تصوير المعاناة وبناء‬
‫الصورة الشعرية التي تسكنھا روح اإلحساس بالرحيل عن الدنيا، وانتھاء‬
‫المھمة بعد أن جاء كل منھما بخيال شاعر وحلم طفل، وأن المشوار طويل‬
‫وفي العمر ما يكفي لإلبداع والتغني بمباھج الحياة واالستمتاع بطيبات‬
‫الدنيا والشك أن المرأة درتھا، غير أن القدر أطفأ جذوة الحياة في‬
‫الشاعرين ، وحكم على خاليا جسديھما بالتلف واالنحالل لوال أن شعرھما‬
                     ‫اكتسى برداء الخلود، وبريق البقاء، وإشعاع الدوام.‬
‫وفي قصيدة الشابي "الصباح الجديد" قناعة بالرحيل المبكر، واستشعار‬
‫بالنھاية الوشيكة وليس لديه الكثير مما يريد أن يقوله لذا استخدم الشاعر‬
‫ھنا المجزوء، لتجئ األبيات خطفات فكر وومضات نفس تستعد للعبور إلى‬
‫شاطئ العدمية ولكن األنا يسكن من روعھا -وھي مفطورة على حب‬
‫البقاء- ما في الالوعي من إحساس باستمرار الحياة وتوالد الحياة من‬
‫الموت وكأنھا الفكرة القائلة بتناسخ األرواح ولقد كان عنوان القصيدة‬
                            ‫رمزيا يوحي بالبدء فالصباح ھو بداية اليوم:‬
                       ‫وأطل الصبـــــــــاح‬
                        ‫من وراء الــــقرون‬
‫وفي القصيدة ما يؤكد اطمئنان الشاعر إلى أن موته ھو ميالد جديد وحياة‬
                         ‫أخرى استنسلت من رحم الموت ذاته إلى األبد:‬
                       ‫إن سحر الحيـــــــاة‬
                       ‫خــــــــالد ال يزول‬


‫٩٤٢‬
                      ‫فعــــــــــالم الشكاة‬
                      ‫من ظالم يحــــول؟‬
                       ‫ثم يأتي الصبــــاح‬
                      ‫وتمـــــــر الفصول‬
                       ‫سوف يأتي ربيــع‬
                      ‫إن تقضى ربيـــــع‬
‫والشاعر كعادته في بناء صورته الشعرية يستلھم الطبيعة ويستوحي من‬
‫عناصرھا على عادة شعراء الرومنطيقية، فالصباح والفصول والربيع ما‬
‫ھي إال إيحاءات بالبعث والميالد من جديد، ألن الحياة في عقيدة الشاعر‬
‫خالدة واإلنسان يحياھا في أشكال وألوان شتى ولكن من غير عدمية‬
                                                       ‫واضمحالل.‬
‫وفي ھذه القصيدة حضور قوي لمعاناة الشاعر من المرض وتباريحه‬
‫وأوجاع أعراضه وما يستتبع ذلك من سھاد وآھات وعذاب نفسي يشعر‬
                                                      ‫األنا بالدونية:‬
                     ‫أسكني يا جراح‬
                     ‫واسكتي يا شجون‬
                      ‫مات عھد النواح‬
                    ‫وزمان الــجــنـون‬
                     ‫في فجــاج الردى‬
                     ‫قد دفـنـت األلــــم‬
                     ‫ونثرت الدمــــوع‬
                     ‫لريـــاح الــعـــدم‬


‫٠٥٢‬
                     ‫وأذبــــت األســـى‬
                      ‫في جمال الوجود‬
‫والكلمات ھنا على بساطتھا وتلقائيتھا موحية بمرارة األلم، وقسوة العذاب‬
‫والصورة الشعرية تستكمل تفاصيلھا بمفردات الطبيعة التي كان الشاعر‬
‫يحاول االندغام فيھا اندغاما وليس جعلھا موضوعا . وفي ھذه القصيدة‬
‫تأتي الصورة الشعرية فريدة دالة على عبقرية الشاعر في الخلق واالبتكار‬
                 ‫وكونه يحرث في أرض بكر ويحلق في سماوات جديدة.‬
‫وخيال القارئ يستجيب ھنا لخيال الشاعر ويمعن في اإلبحار معه إلى‬
‫ضفة الموت والصورة الشعرية ھنا فيھا الحركة كجري الزورق، ونشر‬
‫القالع، فضال عن داللة الخضم العظيم على رحابة األفق -أفق الحياة‬
                                               ‫والموت- على السواء:‬
                     ‫من وراء الظـــالم‬
                      ‫وھديــــر الــميــــاه‬


                      ‫قد دعاني الصـباح‬
                      ‫وربــيــع الــحيـــاه‬
                      ‫قــد جرى زورقـي‬
                      ‫في الخضــم العظيم‬
                       ‫ونشرت القــــــالع‬
                      ‫فالـــوداع الــــوداع‬




‫١٥٢‬
‫أما السياب ففي قصيدته "دار جدي" وھي من أجمل قصائده وأشدھا إيحاء‬
‫بسلطان صاحب الجاللة الزمن وما يفعله في الموجودات حية وجامدة‬
                                        ‫فينخرھا ويذروھا ھباء منثورا.‬
‫إنھا قصيدة التذكار والحنين، وھي حالة سكنت في وعي الشاعر وفي‬
‫الوعيه وھو كصاحبه الشابي يعاني أوجاع األلم وتباريح الداء العضال،‬
‫وشبح الفناء ماثل له في كل زاوية وحيثما قلب بصره، لقد كان الموت‬
‫يسكن في روح الشاعر وال شك أنه كان مدركا أن رحيله بات وشيكا، غير‬
‫أن السياب يتميز عن الشابي بقلقه الوجودي واضطرابه العقائدي وتردده‬
‫بين الشك واليقين ، واإليمان واإللحاد فقد بدأ شيوعيا وانتھى قوميا وقبل‬
‫رحيله أسلم نفسه للوحدة يبكي شبابه ويرثي عمره الفاني كأنه بروميثيوس‬
‫استخرجت كبده ينھشھا النسر، وھو يتحسر على طيبات الدنيا وفي‬
‫صميمھا المرأة التي اشتھاھا الشاعر وتمنى لو تشمم عطرھا وسحقھا‬
‫بأسنانه أو مصھا فذابت كلھا في دمه، إنه الحب بالحواس الذي كان‬
                                        ‫حاضرا في شعر الشاعر دائما.‬
‫وفي قصيدته "دار جدي" وھي قصيدة توحي بحنين الشاعر إلى طفولته‬
‫وفي الصميم إلى صحته وعافيته حيث كان يلھو ويمرح في صحة وعافية،‬
‫ال يتمثل له الموت في زاوية من زوايا دار جده، لكن القصيدة تبدأ موحية‬
‫باألسى وعطالة الحياة وتھدم حيويتھا ورثاثة كينونتھا، إنه الزمن قاھر‬
            ‫الموجودات والذي سيقھر الشاعر بعد أن قھره الداء العضال:‬
                                               ‫مطفأة ھي النوافذ الكثار‬
                                       ‫وباب جدي موصد وبيته انتظار‬
                                       ‫وأطرق الباب فمن يجيب يفتح ؟‬


‫٢٥٢‬
                                    ‫تجيبني الطفولة، الشباب منذ صار‬
                               ‫تجيبني الجرار جف ماؤھا فليس تنضح‬
                                      ‫"بويب" غير أنھا تذرذر الغبار!‬
                                      ‫مطفأة ھي الشموس فيه والنجوم‬
‫إنه مطلع يرثي بشكل غير مباشر الوجود الحي، وتأتي داللة الغبار تثير‬
‫في النفس اإلحساس بالعبثية، فالزمن قاھر الوجود ھو علة الفناء والسيف‬
                                          ‫المسلط على رقاب الجميع:‬
                                       ‫فنحن ال نلم بالردى من القبور‬
                                                     ‫فأوجه العجائز‬
                                ‫أفصح في الحديث عن مناجل العصور‬
                                             ‫من القبور فيه والجنائز‬
                                         ‫وحين تقفر البيوت من بناتھا‬
                                   ‫وساكنيھا، من أغانيھا ومن شكاتھا‬
                                   ‫تحس كيف يسحق الزمان إذ يدور!‬
‫وألن الشاعر على الرغم من تصارع الحياة والموت في بدنه وعلى الرغم‬
‫من كونه يحس إحساسا غريزيا أن الموت ھو المنتصر فإن غريزة البقاء‬
‫وقلق األنا وتشبث الالوعي بالحياة حيث تقبع الشھوة، على الرغم من كل‬
‫ذلك فإن الشاعر لديه ما يقوله ويتشبث به ولذا استخدم تفعيلة سباعية‬
‫"مستفعلن"، وجاء السطر طويال عكس قصيدة الصباح الجديد حيث استسلم‬
‫الشاعر للموت ألنه نقلة إلى حياة جديدة وفجر ليوم جديد، فجاء البيت‬
                               ‫قصيرا جدا في القصيدة ومن المجزوء.‬




‫٣٥٢‬
‫وفي قصيدة السياب حلولية كونية لقد حل ھو في دار جده وأصبح‬
‫الموضوع والذات واحدا فجسده متھدم كتھدم دار جده والفناء القار في تلك‬
‫الدار قار في خاليا بدنه، وعفونة الزوايا ورائحة التراب في السقف وعلى‬
‫الجدران لھا ما يماثلھا في بدن الشاعر من رائحة الدواء الذي لم يجد نفعا‬
         ‫ورائحة المرض ذاته، إنه الفناء يستدرج الشاعر إلى قرار العدم:‬
                                         ‫وھل بكيت أن تضعضع البناء‬
                                          ‫وأقفر الفناء أم بكيت ساكنيه؟‬
                                         ‫أم أنني رأيت في خرابك الفناء‬
                                              ‫محدقا إلي منك، من دمي‬
                                       ‫مكشرا من الحجار؟ آه أي برعم‬
                                   ‫يرب فيك ؟ برعم الردى ،غدا أموت‬
                          ‫ولن يظل من قواي ما يظل من خرائب البيوت‬
                                  ‫ال أنشق الضياء، ال أعضعض الھواء‬
                                   ‫ال أعصر النھار، أو يمصني المساء.‬
‫وكأن الشاعر بغريزة البقاء المتأصلة فيه وتشبث وعيه والوعيه‬
‫بالوجود واشتھاء حواسه للحياة ولطيباتھا وھو في طور الشباب لكأنه‬
‫يحسد خرائب البيوت على ما تبقى منھا من أطالل أما ھو فسيتعفن ثم‬
‫يتحلل بدنه ويصير ھباء أو عدما وال تبقى منه ذرة تستنشق الھواء أو ترى‬
                                                        ‫صخب الحياة.‬
‫وقد عرف ولع الشاعر باألساطير خاصة اإلغريقية التي قرأ عنھا في‬
‫األدب الغربي ورأى كيف يوظفھا شعراء اإلنجليز ألنھا تكثف المعنى‬
‫ويظل إيحاؤھا مستمرا فضال عن فعلھا في الوعي والالوعي اإلنسانيين،‬


‫٤٥٢‬
‫والسياب في توظيفه أساطير اإلغريق بين قدرة الشعر العربي الحديث‬
‫على مواكبة الشعر الغربي، شكال ومضمونا وعلى أن األدب في النھاية‬
‫تالقح العقول وتماھي األحاسيس، وھو موقف إنساني واحد على الرغم من‬
‫اختالف اللغة والحضارة، وھو يوظف تلك األساطير بال إسفاف أو حشو‬
‫ليدلل على غزارة ثقافته، ولكن بوعي واقتصاد، وفي ھذه القصيدة تحديدا‬
‫وظف أسطورة من أساطير اإلغريق أسطورة الشاعر الغنائي "أورفيوس"‬
‫وھو من شعراء ملحمة ھوميروس الذي نزل إلى عالم الموتى ليستعيد‬
‫زوجته فسحر اآللھة بروعة إنشاده ولما فشل في تحقيق رغبات اآللھة فقد‬
                                                    ‫زوجته إلى األبد.‬
‫غير أن السياب القلق الشاك يدرك أنه لن تحدث المعجزة التي تعيد إليه‬
‫صحته وتستأصل مرضه ولكن األنا قلقة خائفة والالوعي مرعوب من‬
‫فكرة الموت الحتمي لوال أن بعض ھدوئه يعود إليه ألن عروسه التي‬
‫افتقدھا أورفيوس في عالم الموتى وفشل في استردادھا على الرغم من‬
‫روعة إنشاده سيظل ھذا اإلنشاد مقابال موضوعيا للفناء وھو بديمومته‬
‫وسرمديته يتعالى على الموت ذاته ويدحضه، وما عروس السياب إال خلود‬
‫فنه وبقاء اسمه، لئن قضى عليه الزمن وھم الموت باإلجھاز عليه ، فقد‬
‫قضى ھو على الزمن، وھزم الموت بخلود شعره الذي يبقى بقاء الكلمة‬
                                                     ‫وخلود الحرف:‬
                                  ‫وبالغناء يا صباي، يا عظام، يا رميم‬
                                             ‫كسوتك الرواء والضياء‬
‫وقد أمعن الشاعر في مخاصمة الزمن وانتھى إلى أنه مجرد ظاھرة‬
‫شكلية وطالء على حقيقة الوجود وماھية الموجودات، فاألرض ال تدور،‬


‫٥٥٢‬
‫والشمس بغيابھا تستريح فقط، والمرء ال يقتله الزمن، ألن الحس خالد‬
‫والشعور أبدي والحياة وجدان حي وقلب مشبع برغبة الحياة واإلحساس‬
                                    ‫بھا وھذه أشياء ال ينال منھا الزمن:‬
                          ‫وكل ضاحك فمن فؤاده، وكل ناطق فمن فؤاده‬
                                ‫وكل نائح فمن فؤاده، واألرض ال تدور‬
                          ‫والمرء ال يموت إن لم يفترسه في الظالم ذيب‬
                                     ‫أو يختطفه مارد، والمرء ال يشيب‬
                                             ‫فھكذا الشيوخ منذ يولدون‬
                                      ‫الشعر األبيض والعصي والذقون‬
‫وإذا كانت ھذه ھي الصورة التي ينتھي إليھا الوليد، الذي تمثله الشاعر‬
‫شيخا بذقن وعصا وكانت حقيقة ال مراء فيھا تشعرنا بسطوة الزمن‬
‫وسلطانه، كان المعادل الموضوعي لھذا المأزق الوجودي ھو الحياة‬
‫الشاعرة المنفعلة التي تسري كالنھر خالدة وما الضحك والنواح إال مظاھر‬
                                ‫لھا وھذه ال تشيب وال ينال منھا الزمن.‬
‫وكأن الشاعر أقام القيامة على الزمن خصمه اللدود ، وأدخله قفص‬
‫االتھام ثم حكم عليه في النھاية بالبراءة ال باإلعدام فجريرته مفتعلة ال‬
‫حقيقية والمقطع األخير في القصيدة ھو المؤثر وھو المقطع الذي يتقاطع‬
‫مع بعض مقاطع " الصباح الجديد" ألبي القاسم الشابي، إنه مقطع عاد فيه‬
‫الشاعر إلى الحديث عن علته ومعاناته وعجزه البدني وعطالته الحركية،‬
‫وما أشد إيحاء " السعال" و"الھزال" بالضمور والدبيب نحو قعر الھاوية ،‬
‫ولئن كان السھاد ھو سھاد المرض وتباريح الداء، فإن خيال الشاعر مازال‬
‫يعمل وغريزة البقاء فيه تصارع موج الفناء بجھد وإصرار عظيمين ولعله‬


‫٦٥٢‬
‫آمن بمقولة أبقراط " الطبيعة ھي الشافية من األمراض" فلم ال يجمع‬
‫قطرات الندى من أوراق الشجر ويشربھا لتزيل السعال وتبعث الشاعر‬
  ‫كطائر العنقاء من رماده صحيحا معافى بعد أن فشل الطب في مداواته؟:‬
                                 ‫وفي ليالي الصيف حين ينعس القمر‬
                                      ‫وتذبل النجوم في أوائل السحر‬
                                         ‫أفيق أجمع الندى من الشجر‬
                                        ‫في قدح ليقتل السعال والھزال‬
‫وھا ھو خيال الشاعر يجنح به إلى اآلفاق وينسيه نوعا ما عاھته ويسكن‬
‫من روع األنا وفجيعة الالوعي بالفناء، ھا ھو الشاعر قد صار سندباد في‬
‫حل وترحال، ليس على األرض وفي غياھب البحار ولكن في السماء وفي‬
                                                ‫آفاق الفضاء الرحبة:‬
                                      ‫وفي المساء كنت أستحم بالنجوم‬
                           ‫عيناي تلتقطاھن نجمة فنجمة وأركب الھالل‬
                                       ‫سفينة كأني سندباد في ارتحال‬
                                       ‫شراعي الغيوم ومرفئي المحال‬
‫وأخيرا سيستسلم الشاعر لحقيقته الموضوعية ويصدع بقرب موته، لقد‬
‫صار كالشجرة التي ذبلت أوراقھا وجفت أغصانھا والميت فيھا أكثر من‬
                                                             ‫الحي:‬
                                                ‫أھكذا السنون تذھب؟‬
                                                ‫أھكذا الحياة تنضب؟‬
                                             ‫أحس أنني أذوب، أتعب‬
                                                     ‫أموت كالشجر!‬


‫٧٥٢‬
‫إن في قصيدة الشابي اليقين واالطمئنان والتلقائية والمعاني الفطرية‬
‫البسيطة كما فيھا المعاناة والتباريح التي تؤثر في وجدان القارئ، وفي‬
‫قصيدة السياب الثورة، والتردد والشك والمعاني الفلسفية المركبة، وفيھا‬
‫كذلك الحديث عن الداء وتباريحه والفرق بينھما ھو الفرق في عمر األدب‬
‫العربي وفي نضجه بين عھد "أبولو" وعھد "شعر التفعيلة" وما أحدثه من‬
                                              ‫ثورة في أدبنا الحديث.‬




‫٨٥٢‬
                      ‫) ١(‬
                    ‫ابن الرومي باكيا‬
                        ‫رثاؤه لولده‬
‫ھو شاعر فذ من شعراء العصر العباسي لم ينل حقه من اإلعجاب‬
‫والتقدير حتى العصر الحديث حين قيضت له األقدار عباس محمود العقاد،‬
‫فكتب عنه كتابه المشھور"ابن الرومي حياته من شعره" واقفا على أسرار‬
‫حياته، غائصا في أدق دقائق سريرته متحمسا لشعره، كاشفا عن مكامن‬
‫الفن فيه وآيات التفرد، وللعقاد على ابن الرومي دالة بعد أن أنصفه كما‬
‫أنصف غيره من الذين اعتقد أن اإلجحاف والنكران لحقا بھم، وإذا كان‬
‫ابن الرومي غريب األطوار وأخصّ خصيصة فيه تشاؤمه وتطيره بالناس‬
                                                         ‫ّ‬
‫إلى الحد الذي كان يالزم فيه بيته أياما إذا تطير بشخص، كما عرف عنه‬
‫الشره، ولئن كان في حياته قد عانى من إھمال نقاد الشعر له وعدم احتفاء‬
‫البالط به فقد آذته ھذه المعاملة الماكرة في نفسه، وھو الذي كان يقدر‬
‫مواھبه وعبقريته الشعرية التي بذت العرب في أخص خصيصة فيھم،‬
‫وھي عبقرية البيان ال جرم أنه شعر بالضيم واجتر المرارة ونزف الجرح‬
‫في أعماقه غير مندمل، فانقلب لسانه سوطا يسوم به خصومه سوء المقال‬
      ‫تشفيا منھم ومن الزمن الذي غمطه حقه وبخسه ثوابه أوليس ھو القائل:‬
                              ‫نحن أحياء على األرض وقد‬
                              ‫خـــسف بنـــا الدھر ثم خسف‬
                              ‫أصبـــح الســـــافل منا عــاليا‬
                              ‫وھوى أھــل المعالي والشرف‬
                             ‫يســـــفل النـــاس ويعلو معشر‬
                             ‫قارفوا اإلقراف من كل طرف‬
                             ‫ولعمري لو تأملناھم مــا علوا‬

‫٩٥٢‬
                        ‫ولـــكن طـــفوا مــثل الجيف‬
‫ولقد تحول الھجاء عنده إلى فن عرف به وصار وقفا عليه وھو‬
                                                           ‫الھجاء الساخر‬
                                   ‫)١( مجلة أقالم ثقافية، غزة، ٧٠٠٢.‬
‫والكاريكاتوري يبلسم به جراحه ويفكه به خاطره بعد أن يتردى خصمه‬
‫في دركات النقص والجھالة والبالدة، ومن أمثلة ذلك قصيدته المشھورة في‬
       ‫ھجاء شخص يدعى عمرو من مخلع البسيط التي منھا ھذا البيت:‬
                           ‫وجھك يا عمرو فيه طول‬
                           ‫وفي وجوه الكالب طول‬
‫وسخريته من صاحب لحية طويلة ربما آذى شاعرنا فتھكم منه في مثل‬
                                                                    ‫قوله:‬
                        ‫عـلق ﷲ في عذاريك مخـال‬
                        ‫ولكنھا بــغير شــعــــــــير !‬
‫غير أن ابن الرومي كان شاعرا حقا فإذا نفر منه الخلفاء واألمراء وأفردته‬
‫العامة إفراد البعير األجرب عاد ذلك على األدب بالخير العميم، فقد تنزه‬
‫شعره عن أن يكون شعر المناسبات وقصائد المديح الرنانة الفارغة‬
‫المضمون، وھو في وصفه لقالي الزالبية ووصفه لقرص الشمس وقت‬
‫األصيل ولألحدب أشعر منه من كبار الشعراء الذين وقفوا مواقف مخزية‬
‫فرفعوا ممدوحيھم إلى مصاف اآللھة ووقعوا في مبالغات كاذبة واھية ال‬
‫تمت إلى روح الفن بصلة طمعا في عرض ينالونه ولو أدى ذلك إلى‬
                                                         ‫الكذب و البھتان.‬




‫٠٦٢‬
‫بل ترى في شعره فلتات إنسانية ونفسا مرھفة الحس ووجدانا متعاطفا‬
‫مع مظاھر النقص في بني البشر كقصيدته في وصف "الحمال األعمى"‬
‫ذلك الذي مر به فقھاء ورجال دولة وشعراء وأعيان وعامة فلم يلتفت إليه‬
                   ‫أحد وال أحس بمعاناته فرد إال الشاعر الذي قال فيه :‬
                                       ‫رأيـت حماال مـبين العمى‬
                                        ‫يـعثر باألكم و في الوھد‬
                                       ‫مــــحتمال ثقال على رأسه‬
                                        ‫تــــضعف عنه قوة الجلد‬
                                       ‫بـــين جماالت و أشباھـھا‬
                                        ‫من بشر ناموا عن المجد‬
                                       ‫والبائس المسكين مـستسلم‬
                                       ‫أذل للــمكروه مــــن عبد‬
‫إن الشعر عنده كما تراء للحياة، والشاعر ھو قلبھا ال يراعي إال الصدق‬
‫مع نفسه وفي فنه طارحا عنه التقليد نابذا التكلف واجدا الشعر في قرص‬
‫الشمس وفي حجر يسقط في بركة ماء وفي وصف مائدة دسمة، وفي‬
         ‫ھجاء إنساني يخفف به الشاعر من غلواء الزمن وتباريح الحياة.‬
‫وقد مات للشاعر ولده األوسط وكان صغير السن فرثاه رثاء إنسانيا حارا‬
‫تحس فيه بشھقة الروح وسخونة الدمع والعجز أمام جبروت الموت، فكان‬
‫في رثائه كما كان في سائر شعره مبدعا، أصيل العبقرية مكين األدوات‬
                                                                  ‫الفنية.‬
‫والعجيب أن الشاعر اختار للقصيدة التي رثى بھا ولده وھي من الطويل‬
‫وقافيتھا من المتواتر حرف "الدال"، وھو اختيار اتفق عليه كثير من‬


‫١٦٢‬
‫الشعراء الذين رثوا أحبابھم منذ األدب الجاھلي إلى األدب الحديث، فإحدى‬
                    ‫قصائد الخنساء الشھيرة في رثاء أخيھا صخر دالية :‬
                                   ‫أعيني جــــودا و ال تـــــجـمدا‬
                                   ‫أال تبــكيان لصخر الندى ؟ !‬
‫وقصيدة حسان بن ثابت األنصاري في رثاء النبي -عليه السالم - دالية‬
                                                                     ‫كذلك:‬
                                  ‫بطـــيبة رسـم للـرسول ومعھد‬
                                   ‫منـير وقد تعفو الرسوم وتھمد‬
‫أما قصيدة المعري المشھورة في رثاء صديقه "أبي حمزة الفقيه"، والتي‬
                    ‫ھي في مضمونھا رثاء لإلنسانية جمعاء دالية أيضا:‬
                                    ‫غير مجد في ملتي واعتقادي‬
                                     ‫نــوح بــاك وال تــرنم شــاد‬
‫ومن األدب الحديث قصيدة الشاعر محمود سامي البارودي في رثاء‬
                                             ‫زوجته، وھي كذلك دالية :‬
                                   ‫ال لوعتي تدع الفؤاد وال يـدي‬
                                   ‫تقوى على رد الحبيب الغادي‬
               ‫وفقيد شاعرنا ھو ولده "محمد" وقد صرح باسمه في قوله:‬
                                  ‫مـــحمد ما شيء تـــوھم ســلوة‬
                                  ‫لــقلبي إال زاد قلبي من الوجد‬
                                        ‫وھو أوسط صبيته لقوله كذلك:‬
                               ‫توخى حمام الموت أوسط صبيتي‬
                                 ‫فلله كيف اختار واسطة العقد !‬


‫٢٦٢‬
‫وھو إن كان األوسط فھو صغير وما أشد براعة الشاعر في اإلشارة إلى‬
                                                              ‫ذلك بقوله :‬
                              ‫لـقد قــل بين المھد واللحد مكثـــــــه‬
                              ‫فلم ينس عھد المھد إذ ضم في اللحد‬
‫ولقد مات الولد بنزيف حاد أبدله صفرة بعد حمرة الورد ونحوال وضعف‬
                                                  ‫قوى نتيجة لفقد الدماء:‬
                              ‫ألح عليه النزف حتى أحـــــــــــــاله‬
                              ‫إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد‬
                             ‫وظل على األيدي تساقط نفســـــــــه‬
                              ‫ويذوي كما يذوي القضيب من الرند‬
‫ونحتاج إلى طبيب أديب متذوق للشعر ليشخص لنا مرض الولد الذي أودى‬
‫به، فقد اھتم في العصر الحديث فريق من الباحثين من ذوي االختصاص‬
‫وھواية األدب والتاريخ بدراسة أفذاذ من الماضي بل تشخيص أدوائھم التي‬
‫أسلمتھم إلى الموت، فنابليون بونابرت شخص دواؤه على أنه سرطان‬
‫المعدة وابن سينا سرطان القولون بل وقرأنا لطبيب أديب يشخص الحمى‬
‫التي ذكرھا المتنبي في قصيدته المشھورة، والتي كان من أعراضھا أنھا ال‬
      ‫تنتابه إال ليال وتصيبه بقشعريرة ال تدفعھا عنه المطارف والحشايا :‬
                                      ‫وزائـــرتي كـــــأن بھا حياء‬
                                     ‫فليس تزور إال في الظــــالم‬
                                     ‫بذلت لھا المطارف والحشايا‬
                                     ‫فعافتھا وباتت في عظامــــي‬
                                      ‫يضيق الجـــــلد عني وعنھا‬


‫٣٦٢‬
                                     ‫فتوسعه بأنواع السقــــــــــام‬
‫وقد أصيب امرؤ القيس بمرض جنسي خطير لعله " الزھري" نتيجة‬
         ‫شبقيته وعالقاته الجنسية المتعددة حتى سمي بذي القروح لقوله :‬
                                   ‫وبدلت قرحا دامــيا بعد صحة‬
                                 ‫فيــا لك نعمى قد تحول أبؤسا !‬
‫و أنت إذا قرأت قصيدة ابن الرومي ھذه في رثاء ولده تقع على وصف‬
‫جاء بتمامه في وصف امرئ القيس لعلته على الرغم من تباين الداء‬
                                                    ‫واألعراض والعمر:‬
                                 ‫فلو أنــــھا نفس تموت سويـــــة‬
                                  ‫ولــــكنھا نفس تساقط أنفســــــا‬
                                          ‫ويقول ابن الرومي في ولده :‬
                                   ‫فيا لك من نفس تساقط أنفســـا‬
                                   ‫تســــاقط درّ من نظام بال عقد‬
‫وأما داء الولد الذي أودى به فال ترى فيه أثرا لذكر الحمى ولو اصطلحت‬
‫على بدن الطفل ما أغفل الشاعر ذكرھا وعھدنا بالصغار يقعون فرائس لھا‬
‫وال إشارة ألي إسھال مميت وما أصيب الولد به أصال، وما كان شاعر‬
‫وصاف مستقص لدقائق األشياء أن يغفل أشياء خطيرة كھذه لو انتابت‬
‫ولده، إنما ھو استمرار النزف والنحول وانحطاط القوى الذي أسلم الولد‬
                                           ‫الرطب العود إلى يد المنون.‬
‫وما من إنسان قرأ ھذه القصيدة إال وتعاطف مع مصاب شاعرنا تعاطفا‬
‫وجدانيا يمحو أثر الزمن الذي قيلت فيه، وكأن الولد مات لساعته والشاعر‬
‫حديث عھد بإبداع ھذه القصيدة المؤثرة، وترى كذلك الوالد حزينا ولكنه‬


‫٤٦٢‬
                   ‫ّ‬
‫الحزن الھادئ والنفس الراضية بالقدر، ألنه ال مرد لقضاء ﷲ، ولكن بغير‬
      ‫عربدة وجموح، وما أبدع وصف الشاعر لھول المصاب بمثل قوله:‬
                                    ‫وما سرني أني بعته بثوابـــه‬
                                    ‫ولو أنه التخليد في جنة الخلد‬
                  ‫وفي القصيدة بيت ذائع جرى مجرى الحكم وھو قوله:‬
                                     ‫وأوالدنا مثل الجوارح أيــھا‬
                                     ‫فقدناه كان الفاجع البين الفقد‬
‫ثم يستدل الشاعر على ذلك بتشبيه األوالد بالحواس وأن حاسة ال تغني عن‬
                                                                       ‫حاسة‬
‫وكأنه يرد ضمنيا على الذين عزوه في ولده وذكروه أن في ولديه الباقيين‬
                                                                       ‫سلوى‬
‫وعزاء له، إال أن الشاعر في تشبيھه األوالد بالحواس يصرّ على أن لكل‬
                                                                       ‫مكانه‬
                                                                ‫وموقعه :‬
                            ‫لــكل مكـــان ال يســــد اختاللــــــــه‬
                            ‫مكـــــان أخيه من جـزوع وال جـــلد‬
                             ‫ھـل العين بعد السمع تكفي مكانـــــه‬
                            ‫أم السمع بعد العين يھدي كما تھدي؟‬
‫وھناك ظاھرة ملفتة للنظر في شعر الشاعر إضافة إلى دقة التصوير،‬
‫وتلك ھي ملكة النفاذ إلى باطن المعنى والظفر بمكنونه فتراه يخرجه لنا‬
‫وقد استوفى الدقائق فال نطلب مزيدا وھي تشبه ما نعرفه في النثر تحت‬
‫اسم "جوامع الكلم"، ويجوز لنا أن نسميھا ملكة اإليجاز أو جوامع النظم‬


‫٥٦٢‬
‫قياسا على جوامع الكلم، فھو بعدد محدود من الكلمات أو من األبيات يقف‬
‫على مضمون المعنى الذي يريد التعبير عنه ويترك الكلمات توحي، وداللة‬
‫تسـتـنسل من داللة دون أن يكلف نفسه عناء التطويل، واقرأ قوله في‬
                                                         ‫القصيد ة ذاتھا :‬
                                      ‫على حين شمت الخير من لمحاته‬
                                     ‫وآنست من أفعاله آية الرشــــــد‬
                                     ‫طواه الردى عني فأمسى مزاره‬
                                      ‫بعيدا على قرب قريبا على بعد‬
‫وھو أبدع وصف للقبر، أو كما يقول البالغيون كناية عن موصوف‬
‫فصاحبه قريب بجسده الذي فارقته الحياة بعيد بالروح التي عرجت إلى‬
‫العالم اآلخر، وال تقرأ البيت الذي قبله إال أوحى إليك بما كان الشاعر يأمله‬
‫من الولد وما كان يتوسم فيه من خير ومن مستقبل زاھر، ولعله توسم فيه‬
‫أن يكون خليفته في الشاعرية لوال خطفة الموت العاجلة ولم يشأ الشاعر‬
‫أن يثقل قصيدته ھذه بالتطرق إلى قضية المصير وجدوى الحياة ومعنى‬
‫الوجود ولغز الموت كما فعل المعري في قصيدته المشھورة في رثاء‬
‫صديقه أبي حمزة الفقيه، وقد أتينا بمطلعھا لما كنا بصدد الحديث عن‬
‫اشتراك كثير من قصائد الرثاء في روي واحد ھو حرف "الدال" إنما حزن‬
‫ابن الرومي حزن ذاتي نقي ال تخالطه شائبة الفلسفة وال عكر الفكر، وھو‬
‫أشبه بالحزن الطفولي في غضاضته وفي إبھامه وغموضه وأصالته التي‬
‫ھي سره فھو إذا البكاء المتجدد والحسرة الباقية، ولو أن الزمن سوف‬
                                            ‫يجعل األحزان أثرا بعد عين:‬
                                ‫سأسقيك ماء العينين ما أسعدت بــه‬


‫٦٦٢‬
                             ‫وإن كانت السقيا من العين ال تجدي‬
‫والشاعر تراه عدل عن كلمة "أسعفت به" إلى أسعدت به عن قصد حتى‬
‫تكون المسرة بالبكاء عنوان ذكرى دائمة ووفاء مستديم، وعھدنا بالشعراء‬
‫شرقا وغربا يستجدون العبرات ألن البكاء آية وفاء وتجدد ذكرى وال ينسى‬
‫الزمن جبروته وإعصاره الذي يذرو‬          ‫الوالد المفجوع أن ينعى على‬
‫اللحظات السعيدة ھباء فتغدو كسراب مستقبل ومستدبر ألم يقل امرؤ القيس‬
                                                                   ‫كذلك :‬


                             ‫كـــــأني لم أركب جـــــــــــوادا للذة‬
                              ‫ولـــم أتبطن كـــاعبا ذات خـــلخال‬
                              ‫ولم أسبأ الزق الروي مـــــــــــــرة‬
                             ‫ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال‬
                                   ‫وأما شاعرنا فيقول عن تلك الحسرة:‬
                                   ‫كأني ما استمتعت منك بضمة‬
                                  ‫وال شمة في ملعب لك أو مھد‬
‫وأما أبلغ األبيات تأثيرا في وجدان القارئ فھي تلك األبيات التي يتحدث‬
‫الشاعر فيھا عن حسرته إذا رأى ولديه المتبقيين يلعبان ألنھما يذكرانه‬
‫بمحمد واسطة العقد كما وصفه وقد ذھب فأورث ولده غصة متجددة وكمدا‬
                                                                       ‫دائما:‬
                                ‫أرى أخويك الباقيين كليھمـــــــــا‬
                                ‫يكونان ألحزان أورى من الزند‬
                               ‫إذا لعبا في ملعب لك لذعـــــــــــا‬


‫٧٦٢‬
                                  ‫فؤادي بمثل النار عن غير قصد‬
                                  ‫فما فيھما سلوة بل حـــــــــــرارة‬
                                 ‫يھيجانھا دوني وأشقى بھا وحدي‬
‫وفي قوله "عن غير قصد" يكشف الشاعر لمترصديه أحد أسرار عبقريته‬
‫وھي استقصاء أدق األشياء مع االقتصاد في الكلمات حتى يسلم شعره من‬
‫الحشو وآفة التكرار، فالولدان يلعبان وبمرحھما يثيران الشجن لوالدھما وال‬
‫قصد لھما أن يؤذياه أبدا وبعد أن قال القدر كلمته وسل الموت سيفه مغمدا‬
‫إياه في قلب الولد مسلما إياه إلى وحشة القبر، لم يبق للوالد الذي ال حول‬
‫وال قوة له إال تحمل شدائد الكمد وأھوال الجزع متعزيا بولديه المتبقيين‬
‫وھما أيضا منبع حزن ومصدر جزع ألنھما يذكرانه بالفقيد العزيز، فال‬
‫كلمة أجدى إال الدعاء له بالرحمة واحتسابه عند ﷲ والصبر طريق إلى‬
                                                                        ‫الجنة:‬
                           ‫وأنت و إن أفردت في دار وحشـــــــــة‬
                           ‫فإني في دار اإلنس في وحشة الفــــرد‬
                           ‫عـــليك ســــالم ﷲ مــني تــحـــــــــــية‬
                            ‫ومن كــــل غيث صادق البرق والرعد‬
                                                                        ‫وبعد :‬
‫فلقد عھدنا ابن الرومي شاعرا محبا للحياة، شغوفا بلذاتھا متمسكا بأطايبھا‬
               ‫وھو لم ينس الثمار حتى وھو يصف النساء في مثل قوله :‬
                                   ‫أجنت لي الوجد أغصان وكثبان‬
                                  ‫فيھن نوعان تفاح ورمـــــــــــان‬
                                   ‫وبين ذينك أعناب مھدلـــــــــــة‬


‫٨٦٢‬
                                  ‫سود لھن من الظلماء ألــــــوان‬
‫كما عھدناه ساخرا مبتكرا لفن الھجاء الكاريكاتوري، فالدنيا التي تطاولت‬
‫على عبقرية الشاعر ولم توفه حقه من اإلكبار والتقدير شأنه شأن غيره من‬
‫الشعراء الذين كانوا دونه عبقرية وملكة شعرية، فھذه الدنيا ال تستحق غير‬
                    ‫السخرية والقھقھة منھا ومن قيمھا وأعيانھا ومراتبھا.‬
‫وھا نحن في ھذه القصيدة نعھد ابن الرومي شاعرا باكيا من الطراز‬
‫األول، وصف حسرته أدق وصف بال صخب أو ضوضاء كما فعلت‬
‫الخنساء في رثاء صخر، ولم يشأ أن يضمن قصيدته فلسفة وال تأمالت‬
‫في الحياة والموت كما شاء -رھين المحبسين- أبو العالء المعري، فجاءت‬
‫قصيدته نضاحة بالدالالت الحزينة فضاحة للكمد المعشش في قرارة نفسه‬
                                                             ‫كأنه لبد !‬
‫ولئن رحل محمد ولم ينعم بالحياة كأخويه اللذين ال نعرف حتى اسميھما‬
‫فقد عاش قرونا وسوف يعيش أخرى في قصيدة أبيه وحسبه أن يحيا حياة‬
‫أدبية في ديوانه ال يناله كبر وال يقوى عليه مرض وال يمحو ذكره من‬
                                                         ‫الوجود زمن !‬




‫٩٦٢‬
             ‫) ١(‬
                    ‫نزعة الحرية عند شعراء العراق المحدثين‬

‫ال يفوت قارئ الشعر الحديث في العراق أن يالحظ مالحظة ھي غاية‬
‫في األھمية، تلك الظاھرة التي تستفزه وتثير انتباھه حتى وإن تغافل عنھا‬
‫ھو، أال وھي النزوع إلى الحرية، وإباء الضيم والثورة على الواقع‬
‫المتردي وعلى نمط الفكر والحياة، إنھا نفوس رھيفة الحس تنفجر منھا‬
‫براكين تململ وتمرد فتسيل حممھا من كل بيت ومن كل سطر حتى لتھدد‬
                        ‫تلك الحمم بأن تحرق القارئ، وتكلفه من األمر عنتا.‬
‫وفي ميل العراقيين إلى التمرد وإبائھم الجور ونزوعھم إلى الحرية سبب‬
‫قوي، ويعود ذلك إلى تاريخ البالد الذي أبى في ماضيه العريق الضيم منذ‬
‫عھد البابليين وصراعھم ضد الفارسيين ثم العبرانيين وصوال إلى اإلسالم،‬
‫وما القاه اإلمام علي من تمرد ألسباب سياسية انتھت به مقتوال في الكوفة‬
‫ثم تمرد العراقيين على دولة بني أمية وإشعالھم فتن الثورة ھنا وھناك لوال‬
                       ‫ّ‬
‫حزم الحجاج وعزمه على إخماد تلك الفتن بحد السيف وأنھار الدم التي‬
                               ‫سفكت وقد حدثنا عنھا التاريخ بإسھاب كبير.‬
‫وال تختلف قصة العراق الحديث عن العراق القديم، فالبلد الذي أسماه‬
‫أسالفنا "أرض السواد" على سبيل الكناية عن كثرة نخيله وكثرة رزقه،‬
‫كان ال يعرف االستقرار فمن اضطراب إلى آخر ومن ثورة إلى أخرى،‬
‫سواء أكان البلد ملكيا أم جمھوريا، وقد انتھت الملكية ذاتھا بنھر من الدم‬
‫وأعلنت الجمھورية لتزداد االنقالبات واالضطرابات السياسية ومن اغتيال‬
‫سياسي إلى آخر ومن فتنة إلى أخرى وال يزال شأن العراق ذلك إلى اليوم.‬
‫إن العراقيون على اختالف نحلھم وأطيافھم السياسية يمقتون الضيم‬
‫ويأبون الخسف ويثورون على الجور وينزعون إلى الحرية في الفكر‬

‫٠٧٢‬
‫والحياة، وقد شاء حظھم التعس أن ينكبوا بالمتسلطين في الحكم وكأن‬
                                             ‫قدرھم ھو الھيمنة عليھم سواء‬
                                          ‫١- مجلة ديوان العرب، ٧٠٠٢.‬
‫من بني جلدتھم أو من األجانب وال يتخلصون من عدو بالدم والنار إال‬
            ‫نكبوا بآخر ولعل ھذا ما عناه الشاعر محمد مھدي الجواھري:‬
                       ‫ولقد رأى المستعمرون منا فرائسا‬
                ‫ورأوا كلب صيد سائـبــــــــــــــا‬
                       ‫فتعھدوه فراح طوع بنانــــــــھم‬
                        ‫يبرون أنيابا له و مخـــــــــــالبا‬
                        ‫أعرفت مملكة يباح شھيدھـــــا‬
                       ‫للخائنين الخادمين أجانــبـــــا ؟‬
                        ‫مستأجرين يخربون ديارھـــــم‬
                       ‫ويكافأون على الخراب رواتبا !‬


‫ولعل نزعة التمرد ونقمة الثورة أظھر ما تكون في ھذا الشاعر بالذات‬
‫الذي ذاق مرارة التشريد وألم المنافي، غير أن ھذا كله لم يثنه عن النضال‬
‫في سبيل حريته وحرية شعبه ألم يقل "الجواھري" منددا بسكوت الشعب‬
                                                      ‫منكرا عليه عبوديته ؟‬
                               ‫لم يعرفوا لون السمــــــاء‬
                              ‫لفرط ما انحنت الرقــــاب‬
                              ‫ولفرط ماديست رؤوســـھم‬
                              ‫كما ديـــــــــــــس التراب‬


‫١٧٢‬
‫وفي مطولته "تنويمه الجياع" صب جام غضبه على الرعية الساكتة على‬
‫جبروت الحاكم المستسلمة لظلمه المفرطة في حريتھا وكرامتھان وفي ھذه‬
‫القصيدة نزع الشاعر منزع السخرية تنفيسا عن غيظه وبلسمة لجرحه‬
                                                               ‫العميق:‬
                                               ‫نامي جياع الشعب نامي‬
                                               ‫حرستك آلھة الطعــــــام‬
                                               ‫نامي فجدران السجــون‬
                                               ‫تعج بالموت الــــــزؤام‬
                                               ‫نامي على جوركمــــــا‬
                                              ‫وقع الحسام على الحسام‬
                                                ‫أعطي القيادة للقضـــاء‬
                                                ‫وحكميه في الزمــــــام‬
                                                ‫واستسلمي للحادثــــات‬
                                                ‫المشفقات على النيــــام‬
‫وأما شعراء التفعيلة ورواد الشعر الحديث فقد تبنوا خطا عروبيا ومسارا‬
‫قوميا نزعوا فيه إلى حرية بلدھم وحرية الوطن العربي وثورته على‬
‫االستعمار األوروبي الذي اقتسم البالد العربية ونھب خيراتھا وتفرق أبناء‬
‫الوطن -شذر مذر- أو ذھبوا -أيدي سبأ- وقد التزم ھؤالء الشعراء بقضية‬
‫الحرية وتحديدا الحرية السياسية، وأشھر شعراء العراق في ھذا المضمار‬
           ‫"نازك المالئكة" و"عبد الوھاب البياتي" و"بدر شاكر السياب".‬




‫٢٧٢‬
‫ولنازك المالئكة قصيدة "الشھيد" وھي من أجود شعرھا تحي فيھا روح‬
‫البسالة في الشھيد والثبات على المبدأ واإلصرار على الكرامة، إنھا ھبة‬
                         ‫الدم الزكي في سبيل حرية الوطن وعزة أبنائه:‬
                                         ‫حسبوا اإلعصار يلــــــــــــوى‬
                                         ‫إن تحاموه بستر أو جــــــــدرا‬
                                         ‫و رأوا أن يطفئوا ضوء النھار‬
                                          ‫غير أن المجد أقـــــــــــــوى‬
                                          ‫ومن القبر المعطــــــــــــــــر‬
                                          ‫لم يزل منبعثا صوت الشھيد‬
                                           ‫طيفه أثبت من جيش عنيــــد‬
                                           ‫جاثم ال يتقھقـــــــــــــــــــــر‬
‫وقد اشتھر "السياب" بقصائده المؤيدة للثورة الجزائرية، ألنھا ثورة عربية‬
‫في األساس بل ثورة إنسانية، وكان "البياتي" كـ"السياب" في نصرة قضايا‬
‫الحرية ليس في العراق وحده بل في العالمين العربي واألعجمي، وقصيدته‬
‫عن "جميلة بوحيرد" مشھورة، وتنديده بالعدوان الثالثي على مصر موقف‬
‫شھم وإنساني وقومي مأثور، أما "السياب" فيقول في قصيدة "المغرب‬
                           ‫العربي" مباركا الثورة على االستبداد والظلم:‬
                                                  ‫وكان يطوف من جدي‬
                                                                    ‫مع المد‬
                                    ‫ھتاف يمأل الشطآن يا ودياننا ثوري‬
                                                        ‫أيا إرث الجماھير‬
                                        ‫تشظ اآلن واسحق ھذه األغالل‬


‫٣٧٢‬
                                                           ‫وكالزلزال‬
                                                                  ‫ّ‬
                                ‫تحد النير أو فأسحقه واسحقنا مع النير.‬
‫وأما "البياتي" فيقول في العدوان الثالثي على مصر)البريطاني،‬
                                               ‫اإلسرائيلي، الفرنسي(:‬
                                          ‫على جبين الشمس بورسعيد‬
                                                ‫مدينة شامخة األسوار‬
                                             ‫شامخة كالنار كاإلعصار‬
                                                  ‫في أوجه اللصوص‬
                       ‫لصوص أروبا من التجار، من مجرمي الحروب‬
                                                      ‫وشاربي الدماء‬
‫وأما الحرية الفكرية فنجد لشعراء العراق قصب السبق في المطالبة بھا،‬
‫فلقد نعوا على اإلنسان جموده وتقليده كما نددوا بالقھر الفكري ولعل‬
‫الشاعر "جميل صدقي الزھاوي" خير من يمثل ھذا االتجاه وما نزع‬
‫الشاعر إلى العلم إال فرارا من الجھل وبعدا عن الخرافة وتشفيا في أمس‬
‫عقيم سيطر فيه الجھل وحكم فيه الدجل وأظھر ما تظھر فيه ھذه النزعة‬
‫في مطولته "ثورة في الجحيم"، وھي مطولة تنحاز إلى الفكر الحر وتثور‬
‫على ثقافة العامة وتنعى عليھم االستسالم والخنوع، وإذا كان الفكر الحر‬
‫ينتھي بصاحبه إلى الخروج على السائد والمألوف ويجعل منه مضغة في‬
‫األفواه ويرمي في دينه وعقله وعرضه، بل ربما يدفع حياته ثمنا إلصراره‬
‫على حرية فكره حتى ينتھي به األمر إلى الجحيم، فترى الشاعر يرحب‬
‫بھذا المصير مادام في صحبة سقراط وديكارت ونيوتن وھوغو والمارتين‬
‫وأبي نواس وكل أفذاذ اإلنسانية وأنصار الفكر الحر، وما ترجمة الزھاوي‬


‫٤٧٢‬
‫"لرباعيات الخيام" إال تأكيد على مبدأ الحرية الفكرية وقد كان الخيام من‬
‫أكبر أنصارھا وفي الرباعيات مقاطع تنتصر لھذا المبدأ على الرغم من‬
                                    ‫تبعاته النفسية واالجتماعية والفكرية.‬
‫لقد دافع "الزھاوي" عن العقل في شعره دفاعا مستميتا على الرغم من‬
‫وصمه بالزندقة والمروق عن الدين وما القاه من مضايقات العامة وعنتھم‬
‫وأنصار الثقافة الرسمية إلى الحد الذي جعل شعره خاليا من الدفق العاطفي‬
‫والحرارة الوجدانية وھو ما أخذه عليه نقاد الشعر، وتحيزه للعقل وللفكر‬
                             ‫الحر واضح جلي يعبر عنه ھذان البيتان:‬
                                     ‫غير أني أرتاب من كل ما قد‬
                                     ‫عجز العقل عنه والتفـكيــــــر‬
                                      ‫لـــم يكن في الكتاب من خطأ‬
                                     ‫كال ولكن قد أخطأ التفسيـــــر‬
‫والشاعر "معروف الرصافي" كان في شعره كما كان في حياته مثال‬
‫لالستبسال في الدفاع عن الحرية ضد القھر السياسي والفكري، وقد أعطى‬
‫بحياته المستقيمة وخصاصته المثل للمثقف الذي يأبى أن يبتذل عرضه لقاء‬
                              ‫أي عرض من أعراض الدنيا وھو القائل:‬
                                 ‫كتبت لنفسي عھد تحريرھا شعرا‬
                                ‫وأشھدت فيما كتبت لھــــا الدھـرا‬
                                ‫ومن بعد إتمــامي كتـــــابة عھدھا‬
                                 ‫جــعلت الثريا فوق عنوانه طغرا‬
                                ‫وعـــلقته كيــــال تنــــالـــه يـــــــد‬
                                ‫بمنبعث األنوار من ذروة الشعرى‬


‫٥٧٢‬
                                       ‫وقد خاطب الحرية أجمل خطاب:‬
                           ‫أحريتي إنني اتخــذتــــك قبــلـــــــــــة‬
                            ‫أوجـــه وجھي كل يوم لھا عشــــــرا‬
                             ‫وأمســــك الــــــركن مستســلمــــــــا‬
                            ‫وفي ركنھا استبدلت بالحجر الحجرا‬
                            ‫إذا كـــنت في قفر تخذتك مؤنســــــــا‬
                            ‫وإن كنت في ليل جعلتك لي بــــــدرا‬
                             ‫وإن المني خطب ضممتك الثمـــــــا‬
                             ‫فقبلت منك الصدر والنحر والثغــــرا‬
                              ‫وإن المني قوم عليك فـــــــــــــإنني‬
                             ‫لملتمس للقوم من جھلھـــــــــم عذرا‬
‫واقرأ ھذه األبيات وقدر ما في نفس الشاعر من غضب، إنھا صرخة في‬
‫وجه االستبداد الذي عاث في البلد فسادا ودجّ ن الناس ونھب أرزاقھم وكمم‬
‫أفواھھم ولقد حالت الكلمات ھنا حمما نارية تسفع الجلود وتلھب النفوس‬
                    ‫وتحرض الناس على الثورة لقاء حريتھم المھضومة:‬
                                     ‫أما أسد يحمي البالد غضنفر‬
                                   ‫فقد عاث فيھا بالمظالم سيدھا ؟‬
                                      ‫عجبت لقوم يخضعون لدولة‬
                                      ‫يسوسھم بالموبقات عميدھا‬
                                     ‫وأعجب من ذا أنھم يرھبونھا‬
                                   ‫وأموالھم منھا ومنھم جنودھا !‬


‫٦٧٢‬
‫لقد جرّ التحمس للعقل واإليمان بالفكر الحر الشاعر "أحمد الصافي‬
‫النجفي" إلى اإلقبال على كل فكر واالغتراف من كل نبع واألكل من كل‬
‫مائدة فكرية ذلك أن القھر الفكري الذي عاناه أسالفه والسياج الدوغمائي‬
‫الذي أجبروا على اإلقامة داخله قرونا قد عفن نفوسھم وأصاب بالبلى‬
‫عقولھم وبالصدأ قلوبھم فليتشف الشاعر من ذلك القھر باإلقبال على‬
‫األفكار الجديدة والعقائد الوافدة يحتضنھا وينزلھا من نفسه منزلة الحقائق‬
‫حتى إذا شك عقله فيھا اطرحھا وطلب غيرھا، وكأنه نحلة حوامة تطير‬
‫من روض إلى روض وتشرب الرحيق من كل زھرة ولو أدى ذلك إلى‬
        ‫عذاب الشك وجحيم التناقض ولكن ال بأس فالحرية أغلى مكسب :‬
                       ‫تناقضت األفكار عندي كأنمــا‬
                       ‫أنا جمع أشخاص وما أنا واحد‬
                       ‫أرى كل فكر حل عقلي بوقــته‬
                        ‫صحيحا وفكر وقته مر فاســـد‬
                        ‫فكم ذرة تفنى وتولــــــــد ذرة‬
                       ‫بجسمي كما تحيا وتفنى العقائد‬
                       ‫فلي كل حين مأتـــــــــم ووالدة‬
                      ‫وشخصي مولود وشخصي والد‬
‫وال نعجب إذا رأينا شاعرا كبيرا بحجم "بدر شاكر السياب" يتبنى‬
‫الشيوعية مسفھا أحيانا األديان ثائرا في وجه الحاكم، ناقما على الظروف‬
‫قھرھا وجبرھا، فقد كانت تلك الثورة بحثا عن الحرية في األساس، فالفقر‬
‫والخصاصة قيدان يغالن اإلنسان ويرھنان حريته وربما اضطراه إلى‬
‫ابتذال كرامته وشرفه لقاء لقمة يتبلغ بھا، لقد كانت يساريتة كما كانت‬


‫٧٧٢‬
‫يسارية غيره المتطرفة ثأرا من الظروف وتنديدا بھذا القھر التاريخي الذي‬
‫يحد من الحرية بل يشظيھا، حتى إذا اكتشف الشاعر أن الشيوعية ذاتھا ال‬
‫تخلو من عيوب وأنھا قھر آخر يمارسه الحزب عبر قادته و أمنائه، طلقھا‬
‫الشاعر إيثارا لمرونته الفكرية وتعطشه للحرية اإلنسانية التي ظل يحلم بھا‬
      ‫و يبحث عنھا كما ظل "أورفيوس" يبحث عن زوجته في عالم الموتى.‬
‫ليس أدل على نزوع شعراء العراق منزع الحرية وإيثار المرونة‬
                                                 ‫ّ‬
‫الفكرية وحرية المناورة من إحداثھم تلك الثورة في الشعر الحديث فقد ظل‬
‫الشعر إلى األربعينات من القرن الماضي شعرا كالسيكيا في ملمحه العام‬
‫يسير على طريقة القدماء ويسلك طريق المتنبي وأبي تمام والبحتري في‬
‫توخي األلفاظ الفخمة والمدوية واقتناص الحكم والتشبيھات البديعة‬
‫واالستعارات غير المسبوقة، ذلك ما عھدناه في شعر البارودي وشوقي‬
‫وحافظ، غير أن شعراء العراق واستجابة لنداء المغامرة ودعوة الحرية في‬
‫أنفسھم وھي دعوة فطرية كامنة فيھا، ضاربة بجذورھا في غور التاريخ و‬
‫بتأثير من الثقافة الغربية التي تشجع على الحرية وتعضدھا خالفوا المسلك‬
‫المألوف وتبنوا شعرا جديدا يستجيب لروح العصر وثقافته وسواء أذھبنا‬
‫مذھب من يضع السياب رائدا لھذا الشعر بعد صدور قصيدته "ھل كان‬
‫حبا" أو ذھبنا مذھب من يقدم عليه نازك المالئكة بصدور قصيدتھا‬
‫"الكوليرا" فكال الشاعرين من العراق يؤكدان ما زعمنا أن التمرد والثورة‬
‫كامنتان في أنفسھم وھو نفس النھج الذي سار فيه شعراء العراق اآلخرون‬
                    ‫كـ"عبد الوھاب البياتي" ثم "مظفر النواب" من بعده .‬
‫ھذه ھي الحركة الشعرية التي أتت أكلھا فتجدد وجه شعرنا ليصبح شابا‬
‫طافحا بالقوة والمناعة مستجيبا لروح العصر وفلسفته متخليا عن طرائق‬


‫٨٧٢‬
‫الماضي وأشكاله التعبيرية شكال ومضمونا وكانت تلك الثورة المستجيبة‬
‫لنداء عميق في النفس العراقية ھو نداء الحرية سببا قويا في استجابة‬
‫شعراء العالم العربي لھذه الحركة فما ھي إال سنوات قالئل حتى صار‬
‫شعر التفعيلة حدثا فكريا وفنيا وجماليا مشمخر الصروح وطيد األركان،‬
‫غالبا على أمره، له شعراؤه الكبار في العالم العربي كـ"محمود درويش" و‬
‫"سميح القاسم" و"أمل نقل" و"صالح عبد الصبور" و"أحمد عبد المعطي‬
                       ‫حجازي" و"أدونيس" و"نزار قباني" وغيرھم.‬
                                                         ‫ّ‬
‫حقيقة يحز في النفس ما آل إليه العراق اليوم عراق البابليين وحدائقھم‬
‫المعلقة وعراق الرشيد، واألمين والمأمون، ودار الحكمة، وعراق "أرض‬
‫السواد" وعراق الرافدين، وكان بود كل عربي أن يظل العراق في طليعة‬
‫البلدان العربية حركة فكرية وشعرية وعلمية واصال الحاضر الزاھر‬
‫بالماضي التليد لوال نكد السياسة وتآمر المطامع اإلمبريالية على حاضر‬
‫ومستقبل ھذا البلد الذي نأمل له الخير، بفضل وحدة ووعي ونضال‬
‫الشعب العراقي الذي سيعيد وجه دار السالم الخالد الخالق والمتألق كما‬
                                    ‫عھدنا ذلك باألمس القريب والبعيد.‬




‫٩٧٢‬
‫ﻟﻠﻜـﺎﺗﺐ‬    ‫ﺫﺍﺗـﻴﺔ‬                                   ‫ﺳﻴـﺮﺓ‬




                                            ‫إبراھيم مشارة‬

                            ‫تاريخ الميالد :١٢ شباط٧٦٩١‬

                                  ‫مكان الميالد: برج زمورة‬

                                               ‫البلد: الجزائر‬

                            ‫الوظيفة: مفتش التربية الوطنية‬

          ‫المستوى:الدراسات العليا/ قسم اللغة واألدب العربي‬

                      ‫التخصص: قصة، شعر، دراسات نقدية‬

                            ‫صدرت مقاالته ودراساته في :‬

                               ‫* الشروق اليومي: الجزائر‬

                                ‫:الجزائر‬             ‫* اليوم‬

                                 ‫:الجزائر‬         ‫* الشھاب‬

                        ‫: الجزائر )الجاحظية(‬       ‫* التبيين‬

                                 ‫* المنار العربي : الجزائر‬

                                ‫:الكويت‬             ‫*العربي‬

                                ‫: بيروت‬               ‫*الجيل‬

                               ‫: القاھرة‬       ‫* أخبار األدب‬

                                ‫: دمشق‬            ‫*ا لمعرفة‬

                                  ‫*الشرق األوسط : لندن‬

                                            ‫* ديوان العرب‬


‫٠٨٢‬
                                            ‫*المغترب العربي : كندا‬

                                       ‫: أمريكا‬      ‫* صوت العروبة‬

                                 ‫: السعودية‬                  ‫*المنھل‬

                                    ‫: فلسطين‬             ‫*أقالم ثقافية‬

                                   ‫فلسطين‬      ‫:‬              ‫*الرافد‬

      ‫: المركز العربي األمريكي للدراسات والنشر‬              ‫*العالمية‬

                                                        ‫*مجلة صھيل‬

                                                    ‫*صحيفة فضفضة‬

                                   ‫الكويت‬      ‫:‬         ‫*مجلة أنھار‬

                                    ‫: الكويت‬          ‫*مجلة الفسطاط‬

                                 ‫: السعودية‬             ‫*مجلة وقفات‬

                                                    ‫* مجلة الساخر‬

                                             ‫*جريدة العدالة العراقية‬

                                   ‫* وكالة األنباء العربية : عمان‬

                                   ‫: الشارقة‬                  ‫*الرافد‬

                             ‫*عضو دار ناجي نعمان للثقافة الفخرية‬

                             ‫*ناشط بملتقى األدباء والمبدعين العرب‬

                                            ‫* الرابطة العربية للثقافة‬

                                                   ‫*رابطة أدباء الشام‬

                                                     ‫نشر شعره في :‬

                                                      ‫*بوابة الشعراء‬

                                 ‫*موسوعة الشعر العربي بن زابن‬

                                                   ‫*أبيات كم الكويت‬



‫١٨٢‬
                                                 ‫*ضفاف‬

                                                 ‫*قصائد‬

         ‫جائزة القصة القصيرة اتحاد الكتاب العراقيين ٧٠٠٢‬

      ‫جائزة االستحقاق ناجي نعمان األدبية بيروت أيار ٨٠٠٢‬




‫٢٨٢‬

				
DOCUMENT INFO
Shared By:
Categories:
Tags:
Stats:
views:57
posted:1/14/2012
language:Arabic
pages:283